← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 12888

ذخيرة العقبى في شرح المجتبى

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (19 271 стр.). Показаны 14421–14460 · переход к 14426.

стр. 14421

١٩ - (بَابُ طَلَاقِ الْعَبْدِ) ٣٤٥٤ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ, قَالَ: سَمِعْتُ يَحْيَى, قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْمُبَارَكِ, قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ, عَنْ عُمَرَ بْنِ مُعَتِّبٍ, أَنَّ أَبَا حَسَنٍ, مَوْلَى بَنِي نَوْفَلٍ أَخْبَرَهُ, قَالَ: كُنْتُ أَنَا وَامْرَأَتِي, مَمْلُوكَيْنِ, فَطَلَّقْتُهَا تَطْلِيقَتَيْنِ, ثُمَّ أُعْتِقْنَا جَمِيعًا, فَسَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ, فَقَالَ: إِنْ رَاجَعْتَهَا كَانَتْ عِنْدَكَ عَلَى وَاحِدَةٍ, قَضَى بِذَلِكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ . خَالَفَهُ مَعْمَرٌ). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (عمرو بن عليّ) الفلاّس، أبو حفص البصريّ، ثقة ثبت [١٠] ٤/ ٤. ٢ - (يحيى) بن سعيد القطّان البصريّ الإمام الحجة الثبت [٩] ٤/ ٤. ٣ - (عليّ بن المبارك) الْهُنَائيّ البصريّ، ثقة، كان له عن يحيى بن أبي كثير كتابان: أحدهما: سماع، والآخر إرسال، فحديث الكوفيين عنه فيه شيء، من كبار [٧] ٢٨/ ١٤١١. ٤ - (يحيى) بن أبي كثير الطائيّ مولاهم، أبو نصر اليماميّ، ثقة ثبت، لكنه يدلّس ويرسل [٥] ٢٣/ ٢٤. ٥ - (عمر بن مُعَتِّب) -بمهملة مثنّاة مكسورة، ثقيلة، ويقال: ابن أبي مُعَتِّب المدنيّ، ضعيف [٦]. روى عن أبي الحسن مولى بني نوفل. وعنه يحيى بن أبي كثير. قال الميمونيّ: قال لنا أحمد: أما أبو الحسن فمعروف، ولكن لا أعرف عمر. وقال مسلم، عن أحمد: روى عنه محمد بن أبي يحيى، قيل له: أثقة هو؟ قال: لا أدري. وقال ابن المدينيّ: منكر الحديث. وقال أبو حاتم: لا أعرفه. وقال النسائيّ: ليس بالقويّ. وقال ابن عديّ: قليل الحديث. وذكره ابن حبّان في "الثقات". وذكره العقيليّ في "الضعفاء". روى له المصنّف، وأبو داود، وابن ماجه، وله عندهم حديث الباب فقط. ٦ - (أبو الحسن مولى بني نوفل) ثقة (١) [٤]. روى عنه الزهريّ، وعمر بن مُعَتِّب، ويزيد بن عبد اللَّه بن قُسيط. قال أبو داود: قد

стр. 14422

روى عنه الزهريّ، وكان من الفقهاء، وأهل الصلاح، وأبو الحسن هذا معروفٌ، وليس العمل على ما روى. وقال الزهريّ في بعض رواياته عنه: أبو الحسن مولى عبد اللَّه بن الحارث بن نوفل. وكذا نسبه أبو حاتم الرازيّ، وقال: ثقة. وقال أبو زرعة: مدنيّ ثقة. وقال ابن عبد البرّ: اتفقوا على أنه ثقة. روى له المصنّف، وأبو داود، وابن ماجه. ٧ - (ابن عباس) - رضي اللَّه تعالى عنهما - ٢٧/ ٣١. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سباعيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غيرَ عُمَرَ، وأبي الحسن، كما مرّ آنفًا. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين إلى عليّ ابن المبارك، والباقون مدنيون، ويحيى بن أبي كثير، وإن كان يماميًا إلا أنه سكن المدينة عشر سنين يطلب العلم. (ومنها): أن فيه ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما - من العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ عُمَرَ بْنِ مُعَتِّبٍ) بصيغة اسم الفاعل المضغف (أَنَّ أَبَا حَسَنٍ) هذا هو الصواب، فما يأتي في السند التالي من قوله: "عن الحسن" غلطٌ سيأتي التنبيه عليه هناك (مَوْلَى بَنِي نَوْفَلٍ) وقد سبق أنه قيل: مولى عبد اللَّه بن الحارث بن نوفل (أَخْبَرَهُ، قَالَ) هذا تفسير لـ "أخبره" (كُنْتُ أَنَا وَامْرَأَتِي، مَمْلُوكَينِ، فَطَلَّقْتُهَا تَطْلِيقَتَيْنِ، ثُمَّ أُعْتِقْنَا) بالبناء للمفعول (جَمِيعًا، فَسَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسِ) وفي الرواية التالية: "سُئل ابن عبّاس عن عبد طلّق امرأته تطليقتين، ثم عَتَقا، أيتزوّجها؟ ". وفي رواية أبي داود: "أنه استفتى ابن عباس في مملوك كانت تحته مملوكة، فطلّقها تطليقتين، ثم عَتَقَا بعد ذلك، هل يصلح له أن يخطبها؟ قال: نعم". (فَقَالَ: إِنْ رَاجَعْتَهَا) ظاهر هذه الرواية أنه يجوز له أن يراجعها، والرواية التالية تدلّ على أن له أن ينكحها نكاحًا جديدًا، فبينهما تعارض، إلا أن يحمل قوله: "إن راجعتها" على معنى: إن تزوّجتها بنكاح جديد (كَانَتْ عِنْدَكَ عَلَى وَاحِدَةٍ) قال السنديّ: ظاهره أن العبد إذا أُعتق يملك ثلاث طلقات، وإن صار حرًّا بعد طلقتين، فله الرجوع بعدهما؛ لبقاء الثالث الحاصل بالعتق، لكن العمل على خلافه، فيمكن أن يقال: إن هذا كان حين كانت الطلقات الثلاث واحدةً، كما رواه ابن عبّاس، فالطلقتان للعبد حينئذ كانتا واحدةً، وهذا أمر قد تقرّر أنه منسوخٌ الآن، فلا إشكال انتهى. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قد عرفت أن دعوى النسخ غير صحيحة، وأن

стр. 14423

الصواب أن الحديث يُعمل به، فلا مانع من العمل بمقتضاه في الطلقتين للعبد. واللَّه تعالى أعلم. وقال الخطّابيّ -رحمه اللَّه تعالى-: لم يذهب إلى هذا أحدٌ من العلماء فيما أعلم، وفي إسناده مقال، ومذهب عامة الفقهاء أن المملوكة إذا كانت تحت مملوك، فطلّقها تطليقتين أنها لا تصلح له إلا بعد زوجٍ انتهى. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: دعواه أنه لم يقل به أحد إنما هو بحسب علمه، وإلا فسيأتي في المسألة الثالثة من قال به من السلف، ثم إنك قد عرفت أنه إن كانت التطلقتان بكلمة واحدة، فهي كتطليق الحرّ ثلاثًا بكلمة، وقد تقدّم أنها تعتبر طلقة واحدة، فلا تغفُل. (قَضَى بذَلِكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ) أي حكم بجواز نكاحه لها بعد الطلقتين، إذا أُعتقا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا ضعيف؛ لأن في سنده عمر بن مُعتّبٍ، وهو ضعيف. واللهَ تعالى أعلم. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-١٩/ ٣٤٥٤ و٣٤٥٥ - وفي "الكبرى" ٢٠/ ٥٦٢٠ و٥٦٢١. وأخرجه (د) في "الطلاق" ٢١٨٧ (ق) في "الطلاق" ٢٠٨٢. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في اختلاف أهل العلم فيما إذا طلّق العبد زوجته ثنتين، ثم عَتَقَ: قال الإمام ابن قدامة -رحمه اللَّه تعالى-: إذا طلّق العبد زوجته اثنتين، ثم عَتَقَ لم تحلّ له زوجته حتى تنكح زوجًا غيره؛ لأنها حَرُمت عليه بالطلاق تحريمًا لا يحلّ إلا بزوج، وإصابة، ولم يوجد ذلك، فلا يزول التحريم. وهذا ظاهر المذهب. وقد روي عن أحمد أنه يَحِلّ له أن يتزوّجها، وتبقى عنده على واحدة، وذكر حديث ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما -يعني حديث الباب- وقال: لا أدري شيئًا يدفعه، وغير واحد يقول به: أبو سلمة، وجابرٌ، وسعيد بن المسيّب. ورواه الإمام أحمد في "المسند"، وأكثر الروايات عن أحمد الأول، وقال: حديث عثمان، وزيد في تحريمها عليه جيّد، وحديث ابن عباس يرويه عُمر بن معتّب (١)، ولا أعرفه. وقد قال ابن المبارك: من أبو

стр. 14424

الحسن هذا؟ لقد تحمّل صخرة عظيمة، منكرًا لهذا الحديث، قال أحمد: أما أبو حسن فهو عندي معروف، ولكن لا أعرف عمر بن معتّب. قال أبو بكر: إن صحّ الحديث فالعمل عليه، وإن لم يصحّ فالعمل على حديث عثمان وزيد، وبه أقول انتهى (١). قال العلاّمة ابن القيّم -رحمه اللَّه تعالى-: وحديث عثمان وزيد الذي أشار إليه هو ما رواه الأثرم في "سننه" عن سليمان بن يسارة "أن نُفيعًا، مكاتب أم سلمة طلّق امرأته حرّة بتطليقتين، فسأل عثمان وزيد بن ثابت عن ذلك؟ فقالا: حَرُمت عليك" انتهى (٢). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الظاهر أنه إن كان الطلقتان بكلمة واحدة، فكالطلاق الثلاث من الحرّ، وقد سبق أنها تعتبر طلقة واحدة، وإن لم تكن بكلمة واحدة، فالمذهب الأول هو الأرجح؛ لأنه حينما طلّقها طلّقها طلاقًا تحرم به الرجعة، فلا يُرفع هذا التحريم بعتقه، ولو صحّ حديث ابن عبّاس - رضي اللَّه تعالى عنهما - لقلنا به، لكنه لم يصحّ. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم، هل الطلاق يعتبر بالرجال، أم بالنساء؟: قال العلامة ابن قدامة -رحمه اللَّه تعالى-: إن الطلاق معتبر بالرجال، فإن كان الزوج حرًّا، فطلاقه ثلاث، حرّة كانت الزوجة أو أمةً، وإن كان عبدًا، فطلاقه اثنتان حرّة كانت زوجته أو أمة، فإذا طلّق اثنتين حَرُمت عليه، حتى تنكح زوجًا غيره. روي ذلك عن عمر، وعثمان، وزيد، وابن عبّاس. وبه قال سعيد بن المسيّب، ومالكٌ، والشافعيّ، وإسحاق، وابن المنذر. وقال ابن عمر: أيهما رَقَّ نقص الطلاق برقّه، فطلاق العبد اثنتان، وإن كان تحته حرّة، وطلاق الأمة اثنتان، وإن كان زوجها حرًّا. وروي عن عليّ، وابن مسعود، أن الطلاق معتبرٌ بالنساء، فطلاق الأمة اثنتان، حرًّا كان الزوج أو عبدًا، وطلاق الحرّة ثلاث، حرًّا كان زوجها، أو عبدًا. وبه قال الحسن، وابن سيرين، وعكرمة، وعَبيدة، ومسروق، والزهريّ، والحكم، وحمّاد، والثوريّ، وأبو حنيفة؛ لما روت عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها -، عن النبيّ ﷺ ، أنه قال: "طلاق الأمة تطليقتان، وقرؤها حيضتان". رواه أبو داود، وابن ماجه. ولأن المرأة محلّ للطلاق، فيُعتبر بها كالعدّة. ولنا أن اللَّه تعالى خاطب الرجال بالطلاق، فكان حكمه معتبرًا بهم، ولأن الطلاق خالص حقّ الزوج، وهو مما يختلف بالرقّ والحريّة، فكان اختلافه به كعَدَد المنكوحات. وحديث عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها -، قال أبو داود: راويه مظاهر بن أسلم، وهو منكر الحديث. وقد أخرجه الدارقطنيّ في "سننه" عن عائشة - رضي اللَّه

стр. 14425

تعالى عنها، قالت: قال رسول اللَّه ﷺ : "طلاق العبد اثنتان، فلا تحلّ له حتى تنكح زوجًا غيره، وقرء الأمة حيضتان، وتتزوّج الحرّة على الأمة، ولا تتزوّج الأمة على الحرّة" (١). وهذا نصّ. ولأن الحرّ يملك أن يتزوّج أربعًا، فملك طلقات ثلاثًا، كما لو كان تحته حرّةٌ، ولا خلاف في أن الحرّ الذي زوجته حرّةٌ طلاقه ثلاث، وأن العبد الذي تحته أمة طلاقه اثنتان، وإنما الخلاف فيما إذا كان أحد الزوجين حرًّا، والآخر رقيقًا انتهى كلام ابن قدامة -رحمه اللَّه تعالى- (٢). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الذي يظهر لي أن ما ذهب إليه الأولون من أن اعتبار الطلاق بالرجال هو الأقرب؛ لإسناد الشارع الطلاق إليهم حينما خاطبهم في غير ما آية، كقوله تعالى: ﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ﴾ الآية، ولأنه خالص حقّ الرجل، لا حقّ للمرأة فيه، فاعتباره به أولى، وأما حديث عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - المذكور، فإنه ضعيف؛ لضعف مُظاهر بن أسلم، فلا يصلح دليلاً للفريقين، فتبصّر. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. وقوله: (خالفه معمر) يعني أن معمر بن راشد خالف عليّ بن المبارك في رواية هذا الحديث، حيث قال: "عن الحسن مولى بني نوفل"، وهو وهَمٌ، والصواب "عن أبي الحسن"، كما في رواية عليّ بن المبارك، لكن سيأتي قريبًا أن هذا الوهم ليس من معمر، فليُتنبّه. ثم ساق رواية معمر بقوله: ٣٤٥٥ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ, قَالَ: أَنْبَأَنَا مَعْمَرٌ, عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ, عَنْ عُمَرَ بْنِ مُعَتِّبٍ, عَنِ الْحَسَنِ, مَوْلَى بَنِي نَوْفَلٍ, قَالَ: سُئِلَ ابْنُ عَبَّاسٍ, عَنْ عَبْدٍ, طَلَّقَ امْرَأَتَهُ تَطْلِيقَتَيْنِ, ثُمَّ عُتِقَا, أَيَتَزَوَّجُهَا؟ , قَالَ: نَعَمْ, قَالَ: عَمَّنْ؟ , قَالَ: أَفْتَى بِذَلِكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: قَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ لِمَعْمَرٍ: الْحَسَنُ هَذَا مَنْ هُوَ؟ لَقَدْ حَمَلَ صَخْرَةً عَظِيمَةً). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: أراد المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- بيان مخالفة معمر لعلي بن المبارك حيث قال: "عن الحسن مولى بني نوفل"، والصواب "عن أبي الحسن مولى بني نوفل" كما قال علي بن المبارك، لكن نسبة الوهم إلى معمر محل نظر، قال الحافظ أبو الحجّاج المزيّ -رحمه اللَّه تعالى- في "تحفة الأشراف": ما نصّه: ونسبة الوَهم في ذلك إلى معمر، أو عبد الرزاق غير مستقيم؛ فإن أحمد بن حنبل، ومحمد بن عبد الملك بن زنجويه، وغير واحد قد رووه عن عبد الرزّاق، عن معمر، فقالوا: "عن أبي الحسن" على الصواب، وإنما وقع عند النسائيّ وحده "عن الحسن"، فالسهو في

стр. 14426

ذلك إما من النسائيّ، وإما من شيخه محمد بن رافع. واللَّه أعلم انتهى (١). والحاصل أن رواية معمر كرواية عليّ بن المبارك "عن أبي الحسن"، فإشارة المصنف إلى وهمه ليس كما ينبغي، بل الوهم من غيره، إما منه، وإما من شيخه محمد ابن رافع. فليُتنبّه. واللَّه تعالى أعلم. وقوله: "ثم عَتَقَا" بفتح العين المهملة، والمثنّاة الفوقيّة، مبنيًّا للفاعل، فما وقع في نسخ "المجتبى"، و"الكبرى" من ضبطه بالقلم بضمّ العين، مبنيًّا للمفعول غلطٌ؛ لأن عَتَق فعل لازم، فلا يُبنى للمفعول، وأما قوله في الرواية السابقة: "فأُعتِقا" فإنه بالبناء للمفعول، لا غيرُ؛ لأنه رباعيّ متعدّ. قال الفيّوميّ -رحمه اللَّه تعالى-: عَتَقَ العبدُ عَتقًا، من باب ضرب، وعَتَاقًا، وعَتَاقَةً- بفتح الأوائل، والعِتْقُ بالكسر اسم منه، فهو عاتقٌ، ويَتعدّى بالهمزة، فيُقال: أَعتقتُهُ فهو مُعتَقٌ على قياس الباب، ولا يتعدّى بنفسه، فلا يُقال: عَتَقْتُهُ، ولهذا قال في "البارع": لا يُقال: عُتِقَ العبدُ، وهو ثلاثي مبنيّ للمفعول، ولا أَعْتَقَ هو بالألف، مبنيًّا للفاعل، بل الثلاثي لازمٌ، والرباعيّ متعدّ، ولا يجوز عبدٌ معتوقٌ؛ لأن مجيء مفعول من أفعلتُ شاذٌّ، مسموعٌ، لا يُقاس عليه، وهو عَتِيقٌ فَعِيلٌ بمعنى مفعول، وجمعه عُتَقاء، مثلُ كَرَماء، وربّما جاء عِتَاقٌ، مثلُ كِرام، وأمةٌ عَتِيقٌ أيضًا بغير هاء، وربّما ثبتت، فقيل: عَتِيقةٌ، وجمعُها عَتَائق انتهى كلام الفيّوميّ (٢). وقوله: "عمّن؟ " استفهام، أي عن أي شخص أخذت هذا؟، أعن النبيّ ﷺ ، أو عن غيره؟. وقوله: "لقد حمل صخرة عظيمة" أراد بذلك إنكار ما جاء به من هذا الحديث. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ٢٠ - (بَابٌ مَتَى يَقَعُ طَلَاقُ الصَّبِيِّ) قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: يحتمل أن يكون "باب" منوّنًا، أي هذا بابٌ يُذكر فيه متى يقع طلاق الصبيّ، ويحتمل أن يكون مضافًا إلى ما بعده؛ لقصده لفظه. واللَّه تعالى أعلم.

стр. 14427

[فائدة]: قال في "الفتح" عند قول البخاريّ -رحمه اللَّه تعالى-: "باب بلوغ الصبيان، وشهادتهم"، وقول اللَّه تعالى: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا﴾ الآية. [النور: ٥٩]: ظاهر الترجمة مع سياق الآية أن الولد يُطلق عليه صبيٌّ، وطفلٌ إلى أن يبلغ، وهو كذلك، وأما ما ذكره بعض أهل اللغة، وجزم به غير واحد أن الولد يقال له: جَنِينٌ حتى يوضع، ثم صبيّ حتى يفطم، ثم غلام إلى سبع، ثم يافع إلى عشر، ثم حزوّرٌ (١) إلى خمس عشرة، ثم قُمُدٌّ (٢) إلى خمس وعشرين، ثم عنطنطٌ (٣) إلى ثلاثين، ثم ممل إلى أربعين، ثم كهلٌ إلى خمسين، ثم شيخ إلى ثمانين، ثم هِمّ (٤) إذا زاد، فلا يُمنع إطلاق شيء من ذلك على غيره مما يُقاربه تجوّزًا انتهى (٥). وقد نظمت ما ذُكر بقولي: اعْلَمْ هَدَاكَ اللَّهُ أَنَّ الْوَلَدَا … دَعَوْهُ بِالْجَنِينِ حَتَّى يُولَدَا ثُمَّ صَبِيًّا لِلْفِطَامِ يُدْعَى … ثُمَّ إِلَى سَبْعٍ غُلَامًا يُرْعَى وَيَافِعٌ لِعَشرَةٍ حَزَوَّرُ … لِخَمْسَ عَشْرَةَ أَتَاكَ الْخَبَرُ وَقُمُدٌ لِلْخَمْسِ وَالْعِشْرِينَ ثُمّ … عَنَطْنَطٌ إِلَى ثَلَاِثينَ يُؤَمُّ ثُمَّ لِأَرْبَعِينَ قُلْ مُمِلُّ … ثَم إِلَى خَمْسِينَ قَالُوا كَهْلُ إلَى ثَمانِينَ بِشَيْخٍ يُدْعَى … ثُمَّ إذَا زَادَ بهِمٍّ يُرْعَى أَوْرَدَهُ الْحَافِظُ في الْفَتْحِ كَذَا … فَاحْفَظْ حَمَاكَ اللَّهُ مِنْ كُلِّ أَذَى واللَّه تعالى أعلم بالصواب. ٣٤٥٦ - (أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ, قَالَ: حَدَّثَنَا أَسَدُ بْنُ مُوسَى, قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ, عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ الْخَطْمِيِّ, عَنْ عُمَارَةَ بْنِ خُزَيْمَةَ, عَنْ كَثِيرِ بْنِ السَّائِبِ, قَالَ: حَدَّثَنِي أَبْنَاءُ قُرَيْظَةَ, أَنَّهُمْ عُرِضُوا عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ يَوْمَ قُرَيْظَةَ, فَمَنْ كَانَ مُحْتَلِمًا, أَوْ نَبَتَتْ عَانَتُهُ قُتِلَ, وَمَنْ لَمْ يَكُنْ مُحْتَلِمًا, أَوْ لَمْ تَنْبُتْ عَانَتُهُ تُرِكَ).

стр. 14428

رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (الربيع بن سليمان) أبو محمد الأعرج المصريّ الجيريّ، ثقة [١١] ١٢٢/ ١٧٣ من أفراد المصنّف، وأبي داود. ٢ - (أسد بن موسى) المعروف بأسد السنّة الأمويّ المصريّ، صدوق يُغرب، وفيه نصب [٩] ٤١/ ٣١٧٦. ٣ - (حماد بن سلمة) بن دينار، أبو سلمة البصريّ، ثقة عابد [٨] ١٨١/ ٢٨٨. ٤ - (أبو جعفر الخطميّ) -بفتح الخاء المعجمة، وسكون الطاء المهملة-: هو عُمير بن يزيد المدنيّ، نزيل البصرة، صدوق [٦] ١٦/ ١٦. ٥ - (عمارة بن خُزيمة) بن ثابت: هو الأنصاريّ الأوسيّ، أبو عبد اللَّه، أو أبو محمد المدنيّ، ثقة [٣] ١٦/ ١٦. ٦ - (كثير بن السائب) المدنيّ، مقبول [٤] ووهم من جعله صحاببًّا، وفرّق ابن حبّان في "الثقات" بين الراوي عن أنس، والراوي عن محمود بن لبيد. قال الحافظ في "التقريب": والذي يظهر أنهما واحد، وهو الذي روى عنه عمارة بن خُزيمة انتهى. وفي "تهذيب التهذيب": روى عن عمارة بن خزيمة بن ثابت. ذكره ابن أبي حاتم هكذا -يعني لم يزد عنه راويًا آخر- ثم قال: كثير بن السائب المدنيّ روى عن محمود بن لبيد، وعنه هشام بن عروة، ومحمد بن إسحاق. وقال ابن حبّان في "الثقات": كثير بن السائب، عن أنس، وعنه محمد بن عمرو بن علقمة، فاللَّه أعلم هل الجميع لرجل واحد، أو لاثنين، أو لثلاثة. قلت: جعل ابن حبّان في "الثقات" الراوي عن محمود بن لبيد مع الذي روى عنه عمارة بن خزيمة واحدًا، وفرّق بينه وبين الراوي عن أنس، واستروح الذهبيّ، فقال: تابعيّ حجازيّ، تفرّد عنه عمارة بن خزيمة، لا يُتحقّق من ذا؟، كذا قال. انتهى المقصود من "تهذيب التهذيب" (١). تفرّد به المصنّف بحديث الباب فقط. ٧ - (ابنا قريظة) لم يسمّيا، ولا تضرّ جهالتهما؛ لأنهما صحابيّان، وهم عدول بإجماع من يُعتدّ به. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ كَثِيرِ بْنِ السَّائِبِ) أنه (قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنَا قُرَيْظَةَ) هكذا في نسخ "المجتبى"، و"الكبرى" "ابنا قريظة" بَلفظ التثنية، والذي في "تحفة الأشراف" ١١/ ٢٠٠ بلفظ "أبناء

стр. 14429

قريظة" بلفظ الجمع، وعبارة "تهذيب التهذيب" ٣/ ٤٥٩ (١): كثير بن السائب حجازيّ، روى عن أبناء قُريظة، كذا وقع في النسائيّ، والذي عند ابن أبي حاتم: عن ابني قريظة أنهم عُرضوا على النبيّ ﷺ يوم قريظة. يعني بلفظ التثنية. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: لعلّ نسخة "المجتبى" التي وقعت عند صاحبي "التحفة"، و"التهذيب" هكذا، وإلا فالنسخ التي بين يديّ، وكذا "الكبرى" كلها بلفظ التثنية، اللَّهمّ إلا أن يُدّعَى أن قوله: "ابنا" صحّفه النسّاخ من لفظ "أبناء"، فجعلوا الهمزة الأولى همزة وصل، وأسقطوا التي في الآخر، فاللَّه تعالى أعلم. (أَنَّهُمْ عُرِضُوا) بالبناء للمفعول، من عرضتُ الشيء عرضًا، من باب ضرب: إذا أظهرته، وأبرزته، أو من عَرَضتُ الجندَ إذا أمْرَرْتَهم، ونظرتَ إليهم لتعرفهم (٢). وهذا الثاني أقرب (عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، يَوْمَ قُرَيْظَةَ) الجارّ، والظرف متعلقان بـ "عُرضوا". و"قُريظة" تصغير قَرَظة، سمّي بها القبيلة، وهم إخوة بني النضير، وهم حيّان من اليهود، كانوا بالمدينة، فأما قُريظة، فقُتلت مُقاتلتهم، وسُبيت ذَراريّهم؛ لنقضهم العهد، وأما بنو النضير، فأُجلُوا إلى الشام، ويقال: إنهم دخلوا في العرب مع بقائهم على أنسابهم. قاله الفيّوميّ. و"يوم قُريظة" هي الغزوة المعروفة، وسببها هو ما وقع من بني قريظة من نقض عهده ﷺ ، وممالأتهم لقريش، وغطفان عليه، فتوجّه إليهم النبيّ ﷺ بعد غزوة الأحزاب لسبع بقين من ذي القعدة، وخرج إليهم في ثلاثة آلاف، وذكر ابن سعد أنه كان مع المسلمين ستة وثلاثون فرسًا. وقد أخرج البخاريّ من طريق هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة ﵂، قالت: لَمّا رجع النبي ﷺ من الخندق، ووضع السلاح، واغتسل أتاه جبريل ﵇، فقال: قد وضعت السلاح، واللَّه ما وضعناه، فاخرُج إليهم، قال: "فإلى أين؟، قال: ها هنا"، وأشار إلى بني قريظة، فخرج النبي ﷺ إليهم. وأخرج أيضًا عن هشام، عن أبيه، عن عائشة، ﵂، قالت، أُصِيب سعد يوم الخندق، رماه رجل من قريش، يقال له حِبَّان بن الْعَرِقَة، وهو حِبّان بن قيس، من بني معيص بن عامر بن لؤي، رماه في الأَكْحَل، فضرب النبي ﷺ له خيمة في المسجد؛ ليعوده من قريب، فلما رجع رسول اللَّه ﷺ من الخندق، وضع السلاح، واغتسل، فأتاه جبريل ﵇، وهو ينفض رأسه من الغبار، فقال: "قد وضعت

стр. 14430

السلاح، واللَّه ما وضعته، اخرج إليهم، قال النبي ﷺ : فأين؟ فأشار إلى بني قريظة"، فأتاهم رسول اللَّه ﷺ ، فنزلوا على حكمه، فَرَدَّ الحكم إلى سعد، قال: فإني أحكم فيهم أن تُقتَلَ المقاتلةُ، وأن تُسبَى النساءُ والذرية، وأن تُقسم أموالهم … " الحديث. (فَمَنْ) شرطية، أو موصولة، مبتدأ (كَانَ مُحْتَلِمًا) اسم فاعل من احتلم، يقال: حَلَمَ الصبي، من باب قتل، واحتَلَم: أدرك، وبلغ مبالغ الرجال، فهو حالمٌ، ومحتلمٌ. أفاده الفيّوميّ (أَوْ نَبَتَتْ عَانَتُهُ) قال الفيّوميّ: العانة في تقدير فَعَلَة -بفتح العين- وفيها اختلاف قولٍ، فقال الأزهريّ، وجماعة: هي مَنبِتُ الشَّعر فوق قُبُل المرأة، وذَكَر الرجل، والشَّعْرُ الثابت عليه، يقال له: الإسْبُ (١)، والشِّعْرَةُ (٢). وقال ابن فارس في موضع: هي الإسْبُ. وقال الجوهريّ: هي شَعْرُ الرَّكَبِ (٣). وقال ابن السِّكِّيت، وابن الأعرابيّ: استعان، واستعدّ: حَلَقَ عانته. وعلى هذا فالعانةُ الشَّعْرُ النابت. وقوله ﷺ : في قصّة بني قُريظة: "من كان له عانةٌ فاقتلوه" ظاهرهُ دليلٌ لهذا القول، وصاحب القول الأول يقول: الأصل من كان له شعرُ عانةٍ، فحُذِف للعلم به انتهى كلام الفيّوميّ (قُتِلَ) بالبناء للمفعول جواب "من"، أو خبر المبتدإ (وَمَنْ لَمْ يَكُنْ مُحْتَلِمًا، أَوْ لَمْ تَنْبُتْ) بفتح أوله، وضم الموحّدة، من نبت ثلاثيًّا (عَانَتُهُ تُرِكَ) بالبناء للمفعول جواب "من"، أو خبر المبتدإ. وهذا محلّ الترجمة، فقد استدلّ به المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- على أن الصبيّ لا يقع طلاقه إلا إذا بلغ، وهو الراجح من أقوال أهل العلم، ووجه ذلك أن غير البالغ لا عبرة بكفره، فلو كفر لا يُقتل، والكفر أشدّ، فيكون عدم وقع طلاقه من باب أولى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته:

стр. 14431

حديث- ابنا قريظة - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا صحيح بما بعده. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٢٠/ ٣٤٥٦ وفي "كتاب قطع السارق" ٣٤٥٧ و ١٧/ ٥٠٠٨ - وفي "الكبرى" ٢١/ ٥٦٢٢ و ٥٦٢٣ وفي "كتاب قطع السارق" ٢٨/ ٧٤٧٤. وأخرجه (د) في "الحدود" ٤٤٥٤ (ت) في "السير" ١٥٨٤ (ق) في "الحدود" ٢٥٤٢ (أحمد) في "مسند الكوفيين" و١٨٢٩٩ و١٨٩٢٨ و"مسند الأنصار" ٢٢١٥٢ (الدارمي) في "السير" ٢٤٦٤. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان وقت وقوع طلاق الصبي، وذلك إذا بلغ، إما بالاحتلام، أو بنبت عانته، وهذا هو الراجح، وسيأتي اختلاف العلماء في ذلك في المسألة التالية، إن شاء اللَّه تعالى. (ومنها): بيان ما يبلغ به الصبيّ، وهو إما الاحتلام، أو الإنبات، وسيأتي تمام البحث في ذلك في موضعه من "كتاب قطع السارق " - "حدّ البلوغ، وذكر السنّ الذي إذا بلغها الرجل والمرأة، أُقيم عليهما الحدّ"، إن شاء اللَّه تعالى. (ومنها): عدم مؤاخذة الصبيّ بما يصدر منه، من كفر، وموجب حدّ، وقصاص، ونحو ذلك. (ومنها): أن الكفّار إذا نقضوا العهد حُوربوا، وقوتلوا، وتُسبى ذراريّهم. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في طلاق الصبيّ: قال في "الفتح": اختُلف في إيقاع طلاق الصبيّ، فعن ابن المسيّب، والحسن يلزمه إذا عقلَ، ومَيّزَ، وحدّه عند أحمد أن يُطيق الصيام، ويُحصي الصلاة. وعند عطاء إذا بلغ اثنتي عشرة سنة. وعن مالك رواية إذا ناهز الاحتلام انتهى (١). وقال العلامة ابن قُدامة في "المغني": أما الصبيّ الذي لا يَعقل، فلا خلاف في أنه لا طلاق له، وأما الذي يَعقل الطلاق، ويعلم أن زوجته تَبين به، وتحرُم عليه، فأكثر الروايات عن أحمد أن طلاقه يقع، اختارها أبو بكر، والْخِرَقيّ، وابن حامد. وروي نحو ذلك عن سعيد بن المسيّب، وعطاء، والحسن، والشعبيّ، وإسحاق. وروى طالب، عن أحمد: لا يجوز طلاقه حتى يحتلم. وهو قول النخعيّ، والزهريّ، ومالكِ، وحمّاد، والثوريّ، وأبي عُبيد. وذكر أبو عُبيد أنه قول أهل العراق، وأهل الحجاز. وروي نحوُ ذلك عن ابن عبّاس؛ لقول النبيّ ﷺ : "رُفع القلم عن الصبيّ حتى

стр. 14432

يَحتلم". ولأنه غير مكلّف، فلم يقع طلاقه، كالمجنون. ووجه الأولى قوله ﵇: "الطلاق لمن أخذ بالساق"، وقوله: "كلّ طلاق جائزٌ إلا طلاق المعتوه المغلوب على عقله". وروي عن عليّ ﵁ أنه قال: "اكتُمُوا الصبيان النكاح"، فيُفهم منه أن فائدته أن لا يُطلّقوا؛ ولأنه طلاقٌ من عاقل، صادَفَ محلَّ الطلاق، فوقع كطلاق البالغ انتهى كلام ابن قُدامة -رحمه اللَّه تعالى- (١). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: عندي أن مذهب القائلين بعدم وقوع طلاق الصبيّ حتى يبلغ -كما هو ظاهر مذهب المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- هو الحقّ؛ لحديث الباب؛ لأنه إذا لم يؤاخذ بالكفر، فعدم أخذه بالطلاق أولى، ولحديث عائشة - رضي اللَّه تعالى - عنها -، مرفوعًا: "رُفع القلم عن ثلاثة: عن الصبي حتى يبلغ، وعن النائم حتى يستيقظ، وعن المجنون حتى يُفيق". وهو حديث صحيح سيأتي للمصنّف بنحوه في الباب التالي، إن شاء اللَّه تعالى. وأما حديث "إنما الطلاق لمن أخذ بالساق" فإنه وإن حسّنه بعضهم بمجموع طرقه (٢) ضعيف؛ لضعف سنده، واضطرابه، فإنه من رواية ابن لَهِيعة، وهو ضعيفٌ لاختلاطه بعد احتراق كتبه، وقد اختُلف عليه في إسناده، وعلى تقدير صحّته، فإنه محمول على أنه لا يُطلّق المرأة غير زوجها، كالسيّد لا يجوز أن يُطلّق امرأة عبده، كما هو سبب الحديث. وأما حديث: "كلّ طلاق جائزٌ إلا طلاق المعتوه، والمغلوب على عقله"، فإنه ضعيف جدًّا، كما قال الحافظ في "الفتح" ٩/ ٣٤٥. وقال الإمام الترمذيّ -رحمه اللَّه تعالى-١/ ٢٢٤ - بعد إخراجه: هذا حديثٌ غريبٌ، لا نعرفه مرفوعًا إلا من حديث عطاء بن عجلان، وهو ضعيف، ذاهب الحديث انتهى. والحاصل أن الأرجح أن طلاق الصبيّ لا يقع حتى يبلغ. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٤٥٧ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ, عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ, عَنْ عَطِيَّةَ الْقُرَظِيِّ, قَالَ: "كُنْتُ يَوْمَ حُكْمِ سَعْدٍ فِي بَنِي قُرَيْظَةَ غُلَامًا, فَشَكُّوا فِيَّ فَلَمْ يَجِدُونِي أَنْبَتُّ, فَاسْتُبْقِيتُ, فَهَا أَنَا ذَا بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ"). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "محمد بن منصور": هو الجَوَّاز المكيّ. و"سفيان": هو ابن عُيينة. و"عبد الملك بن عُمير": هو الفرسيّ القبطيّ الكوفيّ. والسند من رباعيّات المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو أعلى الأسانيد له، كما نبّهتُ عليه غير مرّة، وهذا هو (١٧٨). وقوله: "يوم حكم سعد" يحتمل أن يكون "حُكْم" بلفظ المصدر، مضافًا إلى

стр. 14433

"سعد"، ومضافًا إليه "يوم"، ويحتمل أن يكون بصيغة الفعل الماضي المضعّف المبنيّ للمفعول، و"سعدٌ"، نائب فاعله، و"يوم" مضاف إلى الجملة الفعليّة. وقوله: "أثبت" بالبناء للفاعل، من الإنبات، والمراد أن شعر عانته لم يَنبُتْ وقوله: "فاستُبقيت" بالبناء للمفعول، أي تُرِكتُ، ولم أُقتَل. وقوله: "ها أنا ذا" "ها" هي حرف تنبيه دخلت على الضمير. وقوله: "بين أظهركم": أي بينكم، فـ"أظهر" مقحَمٌ، وهو جمع ظهر. والحديث صحيح، وقد سبق تمام البحث عنه في الذي قبله. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٤٥٨ - (أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى, عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ, قَالَ: أَخْبَرَنِي نَافِعٌ, عَنِ ابْنِ عُمَرَ: "أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ , عَرَضَهُ يَوْمَ أُحُدٍ, وَهُوَ ابْنُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً, فَلَمْ يُجِزْهُ, وَعَرَضَهُ يَوْمَ الْخَنْدَقِ, وَهُوَ ابْنُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً, فَأَجَازَهُ"). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (عبيد اللَّه بن سعيد) بن يحيى اليشكريّ، أبو قُدَامة السَّرَخْسيّ، نزيل نيسابور، ثقة مأمون، سنّيّ [١٠] ١٥/ ١٥. ٢ - (يحيى) بن سعيد بن فَرُّوخ التميميّ، أبو سعيد القطّان المصريّ، ثقة متقنٌ حافظٌ، إمام، قدوة، من كبار [٩] ٤/ ٤. ٣ - (عبيد اللَّه) بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب العمريّ، أبو عثمان المدنيّ الفقيه، ثقة ثبت [٥] ١٥/ ١٥. ٤ - (نافع) العدويّ، مولى ابن عمر، أبو عبد اللَّه المدنيّ الفقيه، ثقة ثبت [٣] ١٢/ ١٢. ٥ - (ابن عمر) بن الخطاب - رضي اللَّه تعالى عنهما - ١٢/ ١٢. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخه، فسرخسي، ثم نيسابوريّ، ويحيى، فبصريّ. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ. (ومنها): أن عبيد اللَّه من أثبت الناس في نافع، والقاسم بن محمد، بل قدّمه أحمد بن صالح على مالك في نافع، وقدمه ابن معين في القاسم عن عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - على الزهريّ عن عروة عنها، وأنَّ نافعًا من أثبت الناس في ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما -، بل قدّمه بعضهم على سالم فيه. (ومنها): أن فيه ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما - من العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، روى (٢٦٣٠) حديثًا. واللَّه تعالى أعلم.

стр. 14434

شرح الحديث (عَنِ ابْنِ عُمَرَ) - رضي اللَّه تعالى عنهما - (أَنَّ رَسُولَ ﷺ ، عَرَضَهُ) من باب ضرب: عَرَضتُ الجندَ: إذا أمرَرْتَهم، ونظرت إليهم؛ لتعرفهم. قاله الفيّوميّ (يَوْمَ أُحُدٍ) أي يوم وقعة أحد، وهو -بضمّتين-: جبل بقرب مدينة النبيّ ﷺ ، من جهة الشام، كانت به الوقعة، في أوائل شوّال سنة ثلاث من الهجرة، وهو مذكّر، فينصرف، وقيل: يجوز تأنيثه على توهّم البقعة، فيُمنع من الصرف، وليس بالقويّ. أفاده الفيّوميّ (وَهُوَ ابْنُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةَ) جملة في محلّ نصب على الحال من المفعول (فَلَمْ يُجِزْهُ) بضمّ أوّله، من الإجازة، يقال: جاز العقدُ وغيره: نَفَذَ، ومضى على الصحّة، وأَجزتُ العقدَ: جعلته جائزًا نافذًا. يعني أنه لم يجعله في ديوان المقاتلين. وفي رواية البخاريّ: "فلم يُجزني"، وفيه التفات. وفي رواية لمسلم: "عرضني رسول اللَّه ﷺ يوم أحد في القتال، فلم يُجزني". وفي رواية: "فاستصغرني". وفي "صحيح ابن حبّان": "فلم يُجزني، ولم يَرَني بلغت" (وَعَرَضَهُ يَوْمَ الْخَنْدَقِ) قال في "القاموس": الخندق كجَعْفَر: حَفِيرٌ حولَ أَسْوَار الْمُدُن، مُعرَّبُ كَنْدَه انتهى. أي يوم غزوة الخندق، وسيأتي الاختلاف في وقتها قريبًا (وَهُوَ ابْنُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً، فَأَجَازَهُ) قال في "الفتح": ولم تختلف الرواة عن عبيد اللَّه بن عمر في ذلك، وهو الاقتصار على ذكر أُحُدٍ والخندق. وكذا أخرجه ابن حبّان من طريق مالك، عن نافع. وأخرجه ابن سعد في "الطبقات" عن يزيد بن هارون، عن أبي معشر، عن نافع، عن ابن عمر، فزاد فيه ذكر بدرٍ، ولفظه: "عُرِضت على رسول اللَّه ﷺ يوم بدرٍ، وأنا ابن ثلاث عشرة، فردّني، وعُرِضتُ عليه يوم أحد … " الحديث، قال ابن سعد: قال يزيد بن هارون: ينبغي أن يكون في الخندق ابن ستّ عشرة سنة انتهى. وهو أقدم من نعرفه استشكل قول ابن عمر هذا، وإنما بناه على قول ابن إسحاق، وأكثر أهل السير أن الخندق كانت في سنة خمس من الهجرة، وإن اختلفوا في تعيين شهرها. واتّفقوا على أن أُحُدًا كانت في شوّال سنة ثلاث، وإذا كان كذلك جاء ما قال يزيد: إنه يكون حينئذ ابن ستّ عشرة سنة، لكن البخاريّ جنح إلى قول موسى بن عقبة في "المغازي": إن الخندقَ كانت في شوّال سنة أربع. وقد روى يعقوب بن سفيان في: تاريخه"، ومن طريقه البيهقيّ، عن عروة نحو قول موسى بن عقبة. وعن مالك الجزم بذلك، وعلى هذا لا إشكال، لكن اتّفق أهل المغازي على أن المشركين لَمّا توجّهوا في أُحُد نادوا المسلمين: موعدكم العام المقبل بدر، وأنه ﷺ خرج إليها من السنة المقبلة في شوّال، فلم يَجِد بها أحدًا، وهذه هي التي تُسمّى "بدر الموعد"، ولم يقع بها قتالٌ، فتعيّن ما قال ابن إسحاق: إن

стр. 14435

الخندق كانت في سنة خمس، فيحتاج حينئذ إلى الجواب عن الإشكال. وقد أجاب عنه البيهقيّ وغيره بأن قول ابن عمر: "عُرضت يوم أحد، وأنا ابن أربع عشرة" أي دخلت فيها، وأن قوله: "عُرضتُ يوم الخندق، وأنا ابن خمس عشرة سنة" أي تجاوزتها، فألغى الكسر في الأولى، وجبره في الثانية، وهو شائعٌ مسموعٌ في كلامهم، وبه يرتفع الإشكال المذكور، وهو أولى من الترجيح. واللَّه أعلم. [تنبيهان]: (الأول): زعم ابن التين أنه ورد في بعض الروايات أن عرض ابن عمر كان ببدر، فلم يُجزه، ثم بأحد، فأجازه. قال: وفي رواية عُرض يوم أحد، وهو ابن ثلاث عشرة، فلم يُجزه، وعُرض يوم الخندق، وهو ابن أربع عشرة سنةً، فأجازه. قال الحافظ: ولا وجود لذلك، وإنما وُجد ما أشرف إليه عن ابن سعد، أخرجه البيهقيّ من وجه آخر، عن أبي معشر، وأبو معشر مع ضعفه لا يُخالف ما زاده من ذكر بدر ما رواه الثقات، بل يوافقهم. (الثاني): زعم ابن ناصر أنه وقع في "الجمع" للحُميديّ هنا "يوم الفتح" بدل يوم الخندق، قال ابن ناصر (١): والسابق إلى ذلك أبو مسعود (٢)، أو خلف، فتبعه شيخنا (٣)، ولم يتدبّره، والصواب "يوم الخندق" في جميع الروايات، وتلقّى ذلك ابن الجوزيّ عن ابن ناصر، وبالغ في التشنيع على من وهم في ذلك، وكان الأولى ترك ذلك، فإن الغلط لا يَسلَم منه كثيرًا أحدٌ. انتهى (٤). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٢٠/ ٣٤٥٨ - وفي "الكبرى" ٢١/ ٥٦٢٤. وأخرجه (خ) في "الشهادات" ٢٦٦٤ و"المغازي" ٤٠٩٧ (م) في "الإمارة" ١٨٦٨ (د) في "الخراج" ٢٩٥٧ و"الحدود" ٤٤٠٦ (ت) في "الأحكام" ١٣٦١ و"الجهاد" ١٧١١ (ق) في "الحدود" ٢٥٤٣ (أحمد) في "مسند المكثرين" ٤٦٤٧. واللَّه تعالى أعلم.

стр. 14436

(المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف، وهو بيان أن طلاق الصبيّ لا يقع حتى يبلغ، وبلوغه، إما بالاحتلام، أو بالإنبات، كما سبق في الحديث الماضي، أو ببلوغ السنّ، وهو خمس عشرة سنة، كما في حديث ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا. (ومنها): أن الإمام يستعرض من يخرج معه للقتال قبل أن تقع الحرب، فمن وجده أهلاً استصحبه، وإلا ردّه، وقد وقع ذلك للنبيّ ﷺ في بدر، وأُحُد، وغيرهما. وعند المالكيّة والحنفيّة لا تتوقّف الإجازة للقتال على البلوغ، بل للإمام أن يُجيز من الصبيان من فيه قوّة ونَجْدَةٌ، فرُبّ مُراهقٍ أقوى من بالغ، وحديث ابن عمر - رضي اللَّه تعالى - عنهما هذا حجةٌ عليهما، ولا سيّما وقد ثبتت زيادة: "فلم يُجزني، ولم يرني بلغتُ"، وهي صحيحة، كما سيأتي قريبًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): وقع في "الصحيحين" في آخر هذا الحديث: ما نصّه: قال نافعٌ: "فقدِمتُ على عمر بن عبد العزيز، وهو خليفة، فحدّثته الحديثَ، فقال: إن هذا لحدٌّ بين الصغير والكبير، وكتب إلى عُمّاله أن يَفرِضُوا لمن بلغ خمس عشرة سنة"، زاد مسلم في روايته: "ومن كان دون ذلك، فاجعلوه في العيال". وقوله: "أن يَفرِضوا" أي يُقدّروا لهم رزقًا في ديوان الجند، وكانوا يفرّقون بين المقاتلة وغيرهم في العطاء، وهو الرزق الذي يُجمع في بيت المال، ويفرّق على مستحقّيه. واستدلّ بقصّة ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما - على أن من استكمل خمس عشرة سنة أُجريت عليه أحكام البالغين، وإن لم يحتلم، فيكلّف بالعبادات، وإقامة الحدود، ويَستحقّ سهم الغنيمة، وُيقتل إن كان حربيًّا، ويُفكّ عنه الحجر، إن أُونس رُشده، وغير ذلك من الأحكام. وقد عمل بذلك عمر بن عبد العزيز، وأقرّه عليه راويه نافع. وأجاب الطحاويّ، وابن القصّار، وغيرهما، ممن لم يأخذ به بأن الإجازة المذكورة جاء التصريح بانها كانت في القتال، وذلك يتعلّق بالقوّة والجلَد. وأجاب بعض المالكيّة بأنها واقعة عين، فلا عموم لها، ويَحتمل أن يكون صادف أنه كان عند تلك السنّ قد احتلم، فلذلك أجازه. وتجاسر بعضهم، فقال: إنما ردّه لضعفه، لا لسنّه، وإنما أجازه لقوّته، لا لبلوغه. ويردّ على ذلك ما أخرجه عبد الرزّاق، عن ابن جريج، ورواه أبو عوانة، وابن حبّان في "صحيحيهما" من وجه آخر، عن ابن جريج، قال: أخبرني نافع، فذكر هذا الحديث بلفظ: "عُرضتُ على النبيّ ﷺ يوم الخندق، فلم يُجزني، ولم يرني بلغتُ … " الحديث، وهي زيادة صحيحة، لا مَطعَنَ فيها؛ لجلالة ابن جريج، وتقدّمه على غيره في حديث نافع، وقد صرّح فيها بالتحديث، فانتفى ما يُخشى من تدليسه،

стр. 14437

وقد نصّ فيها لفظ ابن عمر بقوله: "ولم يرني بلغت"، وابن عمر أعلم بما روى من غيره، ولا سيّما في قصّة تتعلّق به. قاله في "الفتح" (١). والحاصل أن المذهب الراجح القول بأن من بلغ خمس عشرة سنة، أُجْرِيَتْ عليه أحكامُ البالغين؛ لكونه منهم. وسيأتي مزيد بسط في هذه المسألة في محلّه من "كتاب قطع السارق"، إن شاء اللَّه تعالى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ٢١ - (بَابُ مَنْ لَا يَقَعُ طَلَاقُهُ مِنَ الأَزْوَاجِ) ٣٤٥٩ - (أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ, قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ, قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ, عَنْ حَمَّادٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ, عَنِ الأَسْوَدِ, عَنْ عَائِشَةَ, عَنِ النَّبِيِّ ﷺ , قَالَ: «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثٍ: عَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ, وَعَنِ الصَّغِيرِ حَتَّى يَكْبُرَ, وَعَنِ الْمَجْنُونِ حَتَّى يَعْقِلَ أَوْ يَفِيقَ»). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (يعقوب بن إبراهيم) بن كثير بن أفلح العبديّ مولاهم، أبو سعيد الدَّوْرَقِيُّ البغداديّ، ثقة [١٠] ٢١/ ٢٢. ٢ - (عبد الرحمن بن مهديّ) بن حسّان العنبريّ مولاهم، أبو سعيد البصريّ، ثقة ثبت حافظ عارف بالرجال والحديث [٩] ٤٢/ ٤٩. ٣ - (حماد بن سلمة) المذكور في الباب الماضي. ٤ - (حمّاد) بن أبي سُليمان مسلم الأشعريّ مولاهم، أبو إسماعيل الكوفيّ، فقيه صدوق، له أوهام [٥] ١٩٠/ ١١٦٥. ٥ - (إبراهيم) بن يزيد بن قيس بن الأسود النخعيّ، أبو عمران الكوفيّ الفقيه، ثقة يرسل كثيرًا [٥] ٢٩/ ٣٣.

стр. 14438

٦ - (الأسود) بن يزيد النخعيّ، أبو عمرو، أو أبو عبد الرحمن الكوفيّ، مخضرم ثقة مكثر [٢] ٢٩/ ٣٣. ٧ - (عائشة) أم المؤمنين - رضي اللَّه تعالى عنها - ٥/ ٥. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سباعيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أن شيخه أحد المشايخ التسعة الذين روى عنهم الجماعة بلا واسطة، وقد تقدّموا غير مرّة. (ومنها): أن فيه ثلاثةً من التابعين يروي بعضهم عن بعض، وكلهم كوفيّون: حماد، عن إبراهيم، عن الأسود، وهو خال لإبراهيم. (ومنها): أن فيه عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - من المكثرين السبعة روت (٢٢١٠) أحاديث. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ عَائِشَةَ) - رضي اللَّه تعالى عنها - (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ) أنه (قَالَ: رُفِعَ الْقَلَمُ) ببناء الفعل للمفعول، قال السنديّ -رحمه اللَّه تعالى-: هو كناية عن عدم كتابة الآثام عليهم في هذه الأحوال، وهو لا ينافي ثبوت بعض الأحكام الدنيويّة، والأخرويّة لهم في هذه الأحوال، كضمان المتلفات، وغيره، فلذلك من فاتته صلاة في النوم، فصلّى، ففعله قضاءً عند كثير من الفقهاء، مع أن القضاء مسبوقٌ بوجوب الصلاة، فلا بدّ لهم من القول بالوجوب حالة النوم، ولهذا كان الصحيحُ أن الصبيّ يُثاب على الصلاة، وغيرها، من الأعمال. فهذا الحديث كحديث "رُفع عن أمتي الخطأ"، مع أن القاتل خطأً تجب عليه الكفّارة، وعلى عاقلته الدية، وعلى هذا ففي دلالة الحديث على عدم وقوع طلاق هؤلاء بحثٌ. انتهى (١). وقال في "التلخيص الحبير": الرفع مجازٌ عن عدم التكليف لأنه يُكتب لهم فعل الخير. قاله ابن حبّان انتهى (٢). قال الشوكانيّ: وهذا في الصبي ظاهر. وأما في المجنون فلا يتّصف أفعاله بخير، ولا شرّ، إذ لا قصد له، والموجود منه من صور الأفعال، لا حكم له شرعًا. وأما في النائم ففيه بُعد؛ لأن قصده منتف أيضًا، فلا حكم لما صدر منه من الأفعال حال نومه. وللناس كلام في تكليف الصبيّ بجميع الأحكام، أو ببعضها ليس هذا محلّ بسطه، وكذلك النائم انتهى (٣).

стр. 14439

ونقل السيوطيّ في "مرقاة الصعود شرح سنن أبي داود" عن السبكيّ -رحمهما اللَّه تعالى-، أنه قال: رفع القلم هل هو حقيقة، أو مجازٌ فيه احتمالان: [أحدهما]: وهو المنقول المشهور أنه مجازٌ، لم يُرد فيه حقيقة الرفع، وإنما هو كنايةٌ عن عدم التكليف، ووجه الكناية فيه أن التكليف يلزم منه الكتابة، كقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾، وغير ذلك، ويلزم من الكتابة القلم؛ لأنه آلةٌ لها، فالقلم لازم للتكليف، وانتفاء اللازم يدلّ على انتفاء الملزوم، فلذلك كنى بنفي القلم عن نفي الكتابة، وهي من أحسن الكنايات، وأَتَى بلفظ الرفع إشعارًا بأن التكليف لازم لبني آدم، إلا هؤلاء الثلاثة، وأن صفة الوضع أمرٌ ثابتٌ للقلم، لا ينفكّ عن غير الثلاثة موضوعًا عليه حتّى يُرفع، ولو لم يوضع، أو لم يكتب على ثلاثة لم يكن به إشعارٌ بذلك، وأنه في الأصل متّصفٌ بوضع، وجريان على كلّ مخلوق من العاملين، فهذه فائدة جليلة، فاستَعمَل الرفعَ في موضع عدم الوضع بطريق المجاز، واستعمل عدم وضع القلم في موضع عدم الكتابة بطريق المجاز، وعدمُ الكتابة مجاز في عدم التكليف، والوضع الذي أشعر به لفظ الرفع مجاز أيضًا بالنسبة إلى هؤلاء الثلاثة، إذ لم يتقدّم في حقهم إلا بطريق القوّة، لا بطريق الفعل. [والثاني]: أن يراد حقيقة القلم الذي ورد به الحديث: "أول ما خلق اللَّه القلم، فقال له: اكتب، فكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة"، فأفعال العباد كلّها حسنها وسيّئها جرى به ذلك القلم، وكتبه حقيقةً، فثواب الطاعات، وعقاب السيّئات كتبه حقيقة، وقد خلقه اللَّه لذلك، وأمره بكتبه، وصار موضوعًا على اللوح المحفوظ ليكتب ذلك فيه، جاريًا إلى يوم القيامة، وقد كتب ذلك، وفرغ منه، وحُفظ، وفعل الصبيّ، والمجنون، والنائم لا أثر فيه، فلا يكتب القلم إثمه، ولا التكليف به، فحكمُ اللَّه بأن القلم لا يكتبه من بين كلّ الأشياء رفيع للقلم الموضوع للكتابة، والرفع فعله تعالى، فالرفع في نفسه حقيقةٌ، والقلم حقيقة، والمجاز في شيء واحد، وهو أن القلم لم يكن موضوعًا على هؤلاء الثلاثة، إلا بالقوّة، والتهيّءِ لأن يكتب ما صدر منهم، فسمّي منعه من ذلك رفعًا، فمن هذا الوجه يشارك هذا الاحتمالُ للاحتمال الأول، ويفارقه فيما قبله، واللَّه تعالى أعلم، وعلمه أحكم انتهى (١). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الاحتمال الثاني هو الصواب، والأول تكلّف بارد، وتعسّف بعيد؛ فالنصوص مهما أمكن حملها على الحقيقة، لا تُحمل على المجاز،

стр. 14440

فتبصّر بالإنصاف، ولا تتحيّر بتقليد ذوي الاعتساف. واللَّه الهادي إلى سواء السبيل. (عَنْ ثَلَاثٍ) أي ثلاث أنفس، وفي نسخة، وهو الذي في "الكبرى": "عن ثلاثة" بالتاء، فيقدّر تمييزه مذكّرًا، أي ثلاثة أصناف من الناس (عَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيقِظَ) غاية مستقبلة، والفعل المغيّا بها ماضٍ، والماضي لا يجوز أن تكون غايته مستقبلة. وجوابه أن تقديره: رُفع القلم عن النائم، فلا يزال مرفوعًا حتى يستيقظ، أو فهو مرتفعٌ حتى يستيقظ (١) (وَعَنِ الصَّغِيرِ حَتَّى يَكْبَرَ) بفتح الموحّدة، يقال: كَبِرَ الصبيّ وغيره يَكْبَرُ، من باب تَعِبَ مَكْبِرًا، مثلُ مسجِدٍ، وكِبَرًا، وِزانُ عِنَبً، فهو كبير، وجمعه كِبَارٌ، والأُنثى كبيرةٌ. وكَبُر الشيءُ كُبْرًا، من باب قَرُبَ: عَظُمَ، فهو كَبيرٌ أيضًا. قاله الفيّوميّ. والمناسب هنا الأول. وفي رواية: "وعن الصبيّ حتى يَحتلم". (وَعَنِ الْمَجنُونِ) وفي رواية: "وعن المُبْتَلَى حتى يبرأ"، وفي رواية: "وعن المعتوه"، وكلُّها متقاربُ المعنى (حَتَّى يَعْقِلَ) بفتح أوله، وكسر ثالثه، وفتحه، أي إلى أن يرجع إليه تدبّره، وفهمه للأمور، يقال: عَقَلتُ الشيءَ عَقلاً، من باب ضرب: تدبّرتُهُ، وعَقِلَ يَعْقَلُ، من باب تَعِبَ لغةٌ، ثم أُطلق العقلُ الذي هو المصدر على الحِجَا واللُّبّ، ولهذا قال بعض الناس: العقل غريزة يتهيّأُ بها الإنسان إلى فهم الخطاب، فالرجل عاقلٌ، والجمعُ عُقَّالٌ، مثلُ كافر وكُفَّار، وربّما قيل: عُقلاء، وامرأةٌ عاقلٌ، وعاقلةٌ، كما يقال فيها: بالغٌ، وبالغةٌ، والجمع عَوَاقلُ، وعاقلاتٌ. قاله الفيّوميّ (أَوْ) للشكّ من الراوي (يُفِيقَ) بضمّ أوله، يقال: أفاق المجنون إفاقةً: رجع إليه عقله، وأفاق السكران إفاقةً، والأصل أفاق من سُكْره كما استيقظ من نومه، قاله الفيّوميّ. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - هذا صحيح. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٢١/ ٣٤٥٩ - وفي "الكبرى" ٢٢/ ٥٦٢٥. وأخرجه (د) في "الحدود" ٤٣٩٨ (ق) في "الطلاق" ٢٠٤١ (أحمد) في "باقي مسند الأنصار" ٢٤١٧٣ و ٢٤١٨٢ (الدارمي) في "الحدود" ٢٢٩٦ (ابن حبّان) ١٤٩٦ (ابن الجارود في المنتقى) ص ٧٧

стр. 14441

(الحاكم) ٢/ ٥٩، وقال: صحيح على شرط مسلم، ووافقه الذهبيّ، وهو كما قالا، وحمّاد بن أبي سليمان، وإن كان فيه كلام من قبل حفظه، فهو يسير، لا يُسقط حديثه عن رتبة الاحتجاج به. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. [تنبيه]: حديث الباب مرويّ عن عائشة، وعليّ بن أبي طالب، وأبي قتادة الأنصاريّ ﵁. أما حديث عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها -، فقد ذكرنا من خرّجه آنفًا. وأما حديث عليّ ﵁ فله عنه طرقٌ: [منها]: عن أبي ظبيان، عن ابن عبّاس، قال: "قال: أُتي عمرُ بمجنونة، قد زنت، فاستشار فيها أناسا، فأمَر بها عمر أن تُرجَمَ، فَمُرّ بها على علي بن أبي طالب رضوان اللَّه عليه، فقال: ما شأن هذه؟ قالوا: مجنونة بني فلان زنت، فأمر بها عمر أن ترجم، قال: فقال: ارجعوا بها، ثم أتاه، فقال: يا أمير المؤمنين، أما علمت، أن القلم قد رُفع عن ثلاثة: عن المجنون حتى يَبْرَأَ، وعن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يعقل، قال: بلى، قال: فما بال هذه ترجم؟ قال: لا شيء، قال: فأَرْسِلْها، قال فارسلها، قال: فجعل يُكَبِّر". وفي رواية: قال: أَوَ ما تذكر أن رسول اللَّه ﷺ قال: "رفع القلم عن ثلاثة: عن المجنون المغلوب على عقله حتى يُفيق، وعن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يحتلم"، قال: صدقت، قال: فخَلَّى عنها. رواه أبو داود ٤٣٩٩ - ٤٤٠١، وابن خزيمة في "صحيحه" ١٠٠٣ وابن حبّان ١٤٩٧ والحاكم ٢/ ٥٩ والدارقطنيّ ٣٤٧ وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين، ووافقه الذهبيّ، وهو كما قالا، ولا يضرّه وقف من وقفه، لأن من رفعه ثقة، والرفع زيادة، فيجب قبولها، ولأن رواية الوقف في مثل هذا في حكم الرفع؛ لقول عليّ لعمر - رضي اللَّه تعالى عنهما -: أما علمتَ؟ وقول عمر: بلى، فإنه دليل على أن الحديث معروف عندهما واللَّه تعالى أعلم. وأما حديث أبي قتادة ﵁، فلفظه: أنه كان مع النبيّ ﷺ في سفر، فأدلج، فتقطع الناس عنه، فقال النبيّ ﷺ : "إنه رُفع القلم عن ثلاث: عن النائم حتى يستقيظ، وعن المعتوه حتى يصحّ، وعن الصبيّ حتى يحتلم". أخرجه الحاكم، وقال: صحيح الإسناد. وردّه الذهبيّ بأن فيه عكرمة بن إبراهيم، وقد ضعّفوه. وفي الباب عن أبي هريرة، وثوبان، وابن عباس، وغير واحد من أصحاب النبيّ ﷺ ، لكن لا تخلو أسانيدها من مقال، وقد أوردها الهيثميّ في "المجمع" ٦/ ٢٥١ وأورد الزيلعيّ بعضها في "نصب الراية" ٤/ ١٦٤ - ١٦٥ (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

стр. 14442

(المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان من لا يقع طلاقه من الأزواج، وهم هؤلاء المذكورون في هذا الحديث. (ومنها): بيان عدم تكليف الصبيّ، والمجنون، والنائم ما داموا متّصفين بتلك الأوصاف. (ومنها): عِظَمُ رأفة اللَّه بعباده، حيث لم يكلّف من ليس له صلاحية لأداء ما كُلّف به، مثل هؤلاء الثلاثة، ﴿وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في مذاهب العلماء في طلاق من زال عقله: قال العلامة ابن قُدامة -رحمه اللَّه تعالى-: أجمع أهل العلم على أن الزائل العقل بغير سُكر، أو ما في معناه لا يقع طلاقه، كذلك قال عثمان، وعليّ، وسعيد بن المسيّب، والحسن، والنخعيّ، والشعبيّ، وأبو قلابة، وقتادة، والزهريّ، ويحيى الأنصاريّ، ومالك، والثوريّ، والشافعيّ، وأصحاب الرأي. وأجمعوا على أن الرجل إذا طلّق في حال نومه فلا طلاق له؛ لحديث: "رُفع القلم عن ثلاثة … " الحديث؛ ولأنه قولٌ يُزيل الملك، فاعتُبر له العقل، كالبيع، وسواء زال عقله لجنون، أو إغماء، أو نوم، أو شُرب دواء، أو إكراه على شرب خمر، أو شرب ما يُزيل عقله شربُهُ، ولا يَعلَم أنه مزيلٌ للعقل، فكلّ هذا يمنع وقوع الطلاق، رواية واحدة، ولا نَعلم فيه خلافًا. فأما إن شرب الْبَنْجَ ونحوه مما يُزيل عقلَهُ، عالمًا به، متلاعبًا، فحكمه حكم السكران في طلاقه، وبهذا قال أصحاب الشافعيّ، وقال أصحاب أبي حنيفة: لا يقع طلاقه؛ لأنه لا يلتذّ بشربها، ولنا أنه زال عقله بمعصية، فأشبه السكران. وأما السكران ففيه روايتان: [إحداهما]: يقع طلاقه، اختارها أبو بكر الخلّال، والقاضي، وهو مذهب سعيد بن المسيّب، وعطاء، ومجا هد، والحسن، وابن سيرين، والشعبيّ، والنخعيّ، وميمون بن مهران، والحكم، ومالك، والثوريّ، والأوزاعيّ، والشافعيّ في أحد قوليه، وابن شُبْرُمة، وأبي حنيفة، وصاحبيه، وسليمان بن حرب؛ لحديث أبي هريرة ﵁ عن النبيّ ﷺ ، أنه قال: "كلّ الطلاق جائزٌ، إلا طلاق المعتوه المغلوب على عقله". رواه الترمذيّ، وقال: لا نعرفه إلا من حديث عطاء بن عجلان، وهو ذاهب الحديث. ومثل هذا عن عليّ، ومعاوية، وابن عباس ﵃. [والثانية]: أنه لا يقع طلاقه، واختارها أبو بكر عبد العزيز، وهو قول عثمان ﵁، ومذهب عمر بن عبد العزيز، والقاسم، وطاوس، وربيعة، ويحيى الأنصاريّ، والليث، والعنبريّ، وإسحاق، وأبي ثور، والمزنيّ. قال ابن المنذر: هذا ثابتٌ عن عثمان، ولا

стр. 14443

نعلم أحدًا من الصحابة خالفه. وقال أحمد: حديث عثمان أرفع شيء فيه، وهو أصحّ -يعني من حديث عليّ، وحديث الأعمش منصور، لا يرفعه إلى عليّ؛ ولأنه زائل العقل، فأشبه المجنون والنائم، ولأنه مفقود الإرادة، فأشبه المكره؛ ولأن العقل شرط التكليف؛ إذ هو عبارةٌ عن الخطاب بأمر، أو نهي، ولا يتوجّه ذلك إلى من لا يفهمه، ولا فرق بين زوال الشرط بمعصية، أو غيرها؛ بدليل أن من كسَرَ ساقيه جاز له أن يصلّي قاعدًا، ولو ضَرَبت المرأة بطنها، فنُفست، سقطت عنها الصلاة، ولو ضَرَب رأسه فجُنّ، سقط عنه التكليف، وحديث أبي هريرة لا يثبت انتهى كلام ابن قدامة باختصار (١). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: المذهب الثاني هو الراجح عندي؛ لوضوح أدلّته. قال العلاّمة الشوكانيّ -رحمه اللَّه تعالى- منتصرًا القولَ بعدم الوقوع: إن السكران الذي لا يعقل لا حكم لطلاقه؛ لعدم المناط الذي تدور عليه الأحكام، وقد عيّن الشارع عقوبته، فليس لنا أن نتجاوزها برأينا، ونقول: يقع طلاقه عقوبةً له، فيُجمَعَ له بين عقوبتين انتهى (٢). وهو تحقيق نفيس. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ٢٢ - (بَابُ مَنْ طَلَّقَ فِي نَفْسِهِ) ٣٤٦٠ - (أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْحَسَنِ, وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَلاَّمٍ (٣) , قَالَا: حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ, عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ, عَنْ عَطَاءٍ, عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ , قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى, تَجَاوَزَ عَنْ أُمَّتِي, كُلَّ شَيْءٍ, حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا, مَا لَمْ تَكَلَّمْ بِهِ, أَوْ تَعْمَلْ»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (إبراهيم بن الحسن) بن الْهَيْثَم الْخَثعَميّ، أبو إسحاق الْمِصِّيصيّ الْمِقْسَميّ، ثقة

стр. 14444

[١١] ٥١/ ٦٤. ٢ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَلاَّمٍ) بن ناصح الهاشميّ مولاهم، أبو القاسم البغداديّ، ثم الطَّرَسُوسيّ، وقد يُنسب لجدّه، لا بأس به [١١] ١٧٢/ ١١٤١. ٣ - (حجاج بن محمد) الأعور، أبو محمد الترمذيّ الأصل، نزيل بغداد، ثم المصّيصة، ثقة ثبت، لكنه اختلط بآخره لما قدِمَ بغداد [٩] ٢٨/ ٣٢. ٤ - (ابن جريج) هو عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج، نُسب لجدّه، وله كنيتان اشتهر بهما، أبو خالد، وأبو الوليد، الأمويّ مولاهم، المكيّ، ثقة فقيه فاضل، لكنه يدلّس ويرسل [٦] ٢٨/ ٣٢. ٥ - (عطاء) بن أبي رباح أسلم القرشيّ مولاهم، أبو محمد المكيّ، ثقة فقيه فاضل، لكنه كثير الإرسال [٣] ١١٢/ ١٥٤. ٦ - (أبو هريرة) - رضي اللَّه تعالى عنه - ١/ ١. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخية، فقد تفرد بهما هو وأبو داود. (ومنها): أن فيه أبا هريرة ﵁ رأس المكثرين السبعة، روى (٥٣٧٤) حديثًا. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) - رضي اللَّه تعالى عنه - (أَنَّ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: عَبْدُ الرَّحْمَنِ) يعني ابن محمد بن سلّام شيخه الثاني في هذا السند (عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ) يعني أن عبد الرحمن بن محمد ابن سلّام قال في روايته: "عن رسول اللَّه ﷺ "، بدل قول إبراهيم بن الحسن: "أن النبيّ ﷺ "، فاختلفا في موضعين: [أحدهما]: في لفظ "أنّ"، و"عن". [الثاني]: في لفظة "النبيّ"، و"رسول اللَّه"، وهذا من احتياطات المصنّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-، وورعه، حيث يُراعي اختلاف ألفاظ الشيوخ، وإن لَم يكن الاختلاف مما يضرّ؛ إلا أن الاحتياط أولى. والمسألتان قد اختلف فيهما أهل الحديث، فإلى المسألة الأولى أشار الحافظ السيوطيّ -رحمه اللَّه تعالى- في "ألفية المصطلح"، بقوله: وَمَنْ رَوَى بِـ "عَنْ" و"أَنَّ" فَاحْكُمِ … بِوَصْلِهِ إِنِ اللِّقَاءُ يُعْلَم وَلَمْ يَكُنْ مُدَلِّسَا وَقِيلَ لَا … وَقِيلَ "أَنَّ" اقْطَعْ وَأَمَّا "عَنْ" صِلَا وَمُسْلِمٌ يَشرُطْ تَعَاصُرًا فَقَطْ … وَبَعْضُهُمْ طُولَ صَحَابَةِ شَرَطْ

стр. 14445

وَبَعْضُهُمْ عِرْفَانَهُ بِالأَخْذِ عَنْ … وَاستُعْمِلَا إِجَازَةً فِي ذَا الزَّمَنْ وإلى المسألة الثانية أشار بقوله: وَجَازَ أَنْ يُبْدَلَ بِـ "النَّبِيِّ" … "رَسُولُهُ" وَالْعَكْسُ فِي الْقَوِيِّ (قَالَ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى، تجَاوَزَ عَنْ أُمَّتي، كُلَّ شَيْءٍ، حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا) وفي نسخة: "نفسها" بالإفراد. قاله في "الفتح": بالنصب للأكثر، وبالرفع لبعضهم. وقال النوويّ في "شرح مسلم": ضبط العلماء "أنفسها" بالنصب، والرفع، وهما ظاهران، إلا أن النصب أظهر، وأشهر. قال القاضي عياض: "أنفسها" بالنصب، ويدلّ عليه قوله: "إن أحدنا يُحدّث نفسه … "، قال: قال الطحاويّ: وأهل اللغة يقولون: "أنفسُها" بالرفع، يريدون بغير اختيارها، كقوله تعالى: ﴿وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾ واللَّه أعلم (١). وقال السنديّ: قوله: "حدّثت به أنفسها" يحتمل الرفع على الفاعليّة، والنصب على المفعوليّة، والثاني أظهر معنىً، والأول يُجعل كنايةً عما لم تحدّث به ألسنتهم انتهى (٢). (مَا لَمْ تَكَلَّمْ بِهِ) بحذف إحدى التاءين، وأصله "تتكلّم"، فحُذفت منه إحدى التاءين، كقوله تعالى: ﴿نَارًا تَلَظَّى﴾، و ﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ﴾ (أَوْ تَعْمَلْ) قال الكرمانيّ: فيه أن الوجود الذهنيّ لا أثر له، وإنما الاعتبار بالوجود القوليّ في القوليّات، والعمليّ في العمليّات، وقد احتجّ به من لا يرى المؤاخذة بما وقع في النفس، ولو عزم عليه. وانفصل من قال: يؤاخذ بالعزم بأنه نوع من العمل -يعني عمل القلب. قال الحافظ: وظاهر الحديث أن المراد بالعمل عمل الجوارح؛ لأن المفهوم من لفظ: "ما لم يعمل" يُشعر بأن كلّ شيء في الصدر لا يؤاخذ به، سواء توطّن به، أم لم يتوطّن. وقال السنديّ: وقوله: "ما لم تكلّم به، أو تعمل" صريحٌ في أنه مغفور ما دام لم يتعلّق به قولٌ، أو فعل، فقولهم: إذا صار عزمًا يؤاخذ به مخالفٌ لذلك قطعًا. ثم حاصل الحديث أن العبد لا يؤاخذ بحديث النفس قبل التكلّم به، والعمل به، وهذا لا ينافي ثبوت الثواب على حديث النفس أصلاً، فمن قال: إنه معارض بحديث: "من همّ بحسنة، فلم يعملها، كُتبت له حسنة"، فقد وَهِم. بقي الكلام في اعتقاد الكفر، ونحوه. والجواب أنه ليس من حديث النفس، بل هو مندرجٌ في العمل، وعملُ كلّ شيء على حسبه، ونقول: الكلام فيما يتعلّق به تكلّمٌ، أو عملٌ، بقرينة "ما لم يتكلّم الخ"، وهذا ليس منهما، وإنما هو من أفعال القلب،

стр. 14446

وعقائده، لا كلام فيه، فليتأمّل واللَّه تعالى أعلم انتهى (١). وسيأتي تمام البحث في ذلك في المسألة الرابعة، إن شاء اللَّه تعالى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث أبي هريرة - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٢٢/ ٣٤٦٠ و٣٤٦١ و ٣٤٦٢ - وفي "الكبرى" ٢٣/ ٥٦٢٦ و ٥٦٢٧ و ٥٦٢٨. وأخرجه (خ) في "العتق" ٢٥٢٨ و"الطلاق" ٥٢٦٩ و"الأيمان والنذور" ٦٦٦٤ (م) في "الإيمان" ١٢٧ (د) في "الطلاق" ٢٢٠٦ (ت) في "الطلاق" ١١٨٣ (ق) في "الطلاق" ٢٠٤٠ (أحمد) "باقي مسند المكثرين" ٨٨٦٤ و ٩٢١٤ و ٩٧٨٦ و ٩٨٧٨ و٩٩٩٠. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان أن من طلّق زوجته في نفسه لا يقع طلاقها. (ومنها): أن فيه بيانَ عظيم قدر الأمة المحمّدية؛ لأجل نبيّها ﷺ ؛ لقوله: "تجاوز لي". (ومنِها): أن هذا خصوصيّة لهذه الأمة، لا يُشاركها فيه غيرها من الأمم، بل صرّح بعضهم بأنه كان الناسي كالعامد في الإثم، وأن ذلك من الإصر الذي كان على من قبلنا، ويؤيّده ما أخرجه مسلم، عن أبي هريرة ﵁، قال: "لَمّا نزلت: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ اشتدّ ذلك على الصحابة … "، فذكر الحديث في شكواهم ذلك، وقوله ﷺ لهم: "تريدون أن تقولوا مثل ما قاله أهل الكتاب: سمعنا، وعصينا، بل قولوا: سمعنا، وأطعنا، فقالوها، فنزلت: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ﴾ إلى آخر السورة"، وفيه في قوله: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ قال: نعم. وأخرجه من حديث ابن عبّاس بنحوه، وفيه: "قال: قد فعلت" (٢). (ومنها): أنه حجة في أن الموسوس لا يقع طلاقه، والمعتوه، والمجنون أولى منه بذلك. (ومنها): أن الطحاويّ احتجّ بهذا الحديث للجمهور فيمن قال لامرأته: أنت طالقٌ، ونوى في نفسه ثلاثًا أنه لا يقع إلا واحدةً، -خلافًا للشافعيّ، ومن وافقه- قال: لأن الخبر دلّ

стр. 14447

على أنه لا يجوز وقوع الطلاق بنيّة، لا لفظ معها. وتُعُقّب بأنه لفظ بالطلاق، ونوى الفرقة التامّة، فهي نيّةٌ صحبها لفظٌ. (ومنها): أن الطحاويّ احتجّ به أيضًا لمن قال فيمن قال لامرأته: يا فلانة، ونوى بذلك طلاقها إنها لا تطلّق، خلافًا لمالك وغيره؛ لأن الطلاق لا يقع بالنيّة، دون اللفظ، ولم يأت بصيغة، لا صريحة، ولا كناية. (ومنها): أنه استُدلّ به على أن من كتب الطلاق طلّقت امرأته؛ لأنه عزم بقلبه، وعمل بكتابته، وهو قول الجمهور، وشرط مالكٌ فيه الإشهاد على ذلك. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): قال في "الفتح" نقلاً عن المازريّ: ذهب ابن الباقلّانيّ -يعني ومن تبعه- إلى أن من عزم على المعصية بقلبه، ووَطّن عليها نفسه أنه يأثم, وحمل الأحاديث الواردة في العفو عمن همّ بسيّئة، ولم يعملها على الخاطر الذي يمرّ بالقلب، ولا يستقرّ. قال المازريّ: وخالفه كثير من الفقهاء، والمحدّثين، والمتكلّمين، ونقل عن نصّ الشافعيّ، ويؤيّده قوله في حديث أبي هريرة فيما أخرجه مسلم، من طريق همّام عنه بلفظ: "فأنا أغفرها له ما لم يعملها"، فإن الظاهر أن المراد بالعمل هنا عمل الجارحة بالمعصية المهموم بها. وتعقّبه عياض بأن عامّة السلف، وأهل العلم على ما قال ابن الباقلاّنيّ؛ لاتفاقهم على المؤاخذة بأعمال القلوب، لكتهم قالوا: إن العزم على السيّئة يُكتب سيّئةً مجرّدة، لا السيّئة التي همّ أن يعملها، كمن يأمر بتحصيل معصية، ثم لا يفعلها بعد حصولها، فإنه يأثم بالأمر المذكور، لا بالمعصية. ومما يدلّ على ذلك حديث: "إذا التقى المسلمان بسيفيهما، فالقاتل والمقتول في النار"، قيل: هذا القاتل، فما بال المقتول؟ قال: "إنه كان حريصًا على قتل صاحبه". والذي يظهر أنه من هذا الجنس، وهو أنه يُعاقب على عزمه بمقدار ما يستحقّه، ولا يُعاقب عقاب من باشر القتل حسًّا. وهنا قسم آخر، وهو من فعل المعصية، ولم يتب منها، ثمّ همّ أن يعود إليها، فإنه يعاقب على الإصرار، كما جزم به ابن المبارك، وغيره في تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾، ويؤيّده أن الإصرار معصيةٌ اتفاقًا، فمن عزم على المعصية، وصمّم عليها كتبت عليه سيّئةً، فإذا عملها كُتبت عليه معصيةً ثانيةً. قال النوويّ: وهذا ظاهرٌ حسنٌ، لا مزيد عليه، وقد تظاهرت نصوص الشريعة بالمؤاخذة على عزم القلب المستقرّ، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ﴾

стр. 14448

الآية، وقوله: ﴿اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ﴾، وغير ذلك. وقال ابن الجوزيّ: إذا حدّث نفسه بالمعصية لم يؤاخذ، فإن عزم، وصمّم زاد على حديث النفس، وهو من عمل القلب، قال: والدليل على التفريق بين الهمّ والعزم أن من كان في الصلاة، فوقع في خاطره أن يقطعها لم تنقطع، فإن صمّم على قطعها بطلت. وأجيب عن القول الأول بأن المؤاخذة على أعمال القلوب المستقلّة بالمعصية، لا تستلزم المؤاخذة على عمل القلب بقصد معصية الجارحة، إذا لم يعمل المقصود؛ للفرق بين ما هو بالقصد، وبين ما هو بالوسيلة. وقسم بعضهم ما يقع في النفس أقسامًا يظهر منها الجواب عن الثاني، أضعفها أن يخطُر له، ثم يذهب في الحال، وهذا من الوسوسة، وهو معفوّ عنه، وهو دون التردّد. وفوقه أن يتردّد فيه، فيهتم به، ثم ينفر عنه، فيتركه، ثم يهمّ به، ثم يترك كذلك، ولا يستمرّ على قصده، وهذا هو التردّد، فيُعفى عنه أيضًا. وفوقه أن يميل إليه، ولا ينفر منه، بل يُصمّم على فعله، فهذا هو العزم، وهو منتهى الهمّ، وهو على قسمين: [القسم الأول]: أن يكون من أعمال القلوب صِرْفًا، كالشكّ في الوحدانيّة، أو النبوّة، أو البعث، فهذا كفرٌ، ويُعاقب عليه جزمًا. ودونه المعصية التي لا تَصِلُ إلى الكفر، كمن يُحبّ ما يُبغض اللَّه، وُيبغض ما يُحبّ اللَّه، ويُحبّ للمسلم الأذى بغير موجب لذلك، فهذا يأثم. ويلتحق به الكبر، والعجب، والبغي، والمكر، والحسد، وفي بعض هذا خلاف، فعن الحسن البصريّ أن سوء الظنّ بالمسلم، وحسده معفوّ عنه، وحملوه على ما يقع في النفس، مما لا يقدر على دفعه. لكن من يقع له ذلك مأمورٌ بمجاهدته النفس على تركه. [القسم الثاني]: أن يكون من أعمال الجوارح، كالزنا، والسرقة، فهو الذي وقع به النزاع، فذهبت طائفة إلى عدم المؤاخذة بذلك أصلاً. ونُقل عن نصّ الشافعيّ، ويؤيّده ما وقع في حديث خُريم بن فاتك (١)، فإنه حيث ذكر الهمّ بالحسنة قال: "علم اللَّه أنه

стр. 14449

أشعرها قلبه، وحرص عليها"، وحيث ذكر الهمّ بالسيئة لم يقيّد بشيء، بل قال فيه: "ومن همّ بسيئة لم تُكتب عليه"، والمقام مقام الفضل، فلا يليق التحجير فيه. وذهب كثير من العلماء إلى المؤاخذة بالعزم المصمّم، وسأل ابن المبارك سفيان الثوريّ: أيؤاخذ العبد بما يهمّ به؟ قال: إذا جزم بذلك. واستدلّ كثير منهم بقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾، وحملوا حديث أبي هريرة المذكور في الباب على الخطرات، كما تقدّم. ثم افترق هؤلاء، فقالت طائفةٌ: يُعاقب عليه صاحبه في الدنيا خاصّةً، بنحو الهمّ والغمّ. وقالت طائفة: بل يُعاقب عليه يوم القيامة، لكن بالعتاب، لا بالعذاب. وهذا قول ابن جُريج، والربيع بن أنس، وطائفة، ونُسب ذلك إلى ابن عبّاس أيضًا. واستدلّوا بحديث النجوى (١)، واستثنى جماعة ممن ذهب إلى عدم مؤاخذة من وقع منه الهمّ بالمعصية ما يقع في الحرم المكيّ، ولو لم يُصمّم؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ ذكره السدّيّ في "تفسيره" عن مرّة، عن ابن مسعود ﵁. وأخرجه أحمد من طريقه، مرفوعًا. ومنهم من رجّحه موقوفًا. ويؤيّد ذلك أن الحرم يجب اعتقاد تعظيمه، فمن همّ بالمعصية فيه، خالف الواجب بانتهاك حرمته. وتُعُقّب هذا البحثُ بأن تعظيم اللَّه آكد من تعظيم الحرم، ومع ذلك فمن همّ بمعصيته لا يؤاخذه، فكيف يؤاخذه بما دونه؟. ويمكن أن يُجاب عن هذا بأن انتهاك حرمة الحرم بالمعصية تستلزم انتهاك حرمة اللَّه؛ لأن تعظيم الحرم من تعظيم اللَّه، فصارت المعصية في الحرم أشدّ من المعصية في غيره، وإن اشترك الجميع في ترك تعظيم اللَّه تعالى. نعم من همّ بالمعصية، قاصدًا الاستخفاف بالحرم عصى، ومن همّ بمعصية اللَّه، قاصدًا الاستخفاف باللَّه كفر، وإنما المعفوّ عنه من همّ بمعصية، ذاهلاً عن قصد الاستخفاف. قال الحافظ -رحمه اللَّه تعالى-: وهذا تفصيلٌ جيدٌ جدًّا، ينبغي أن يُستحضر عند شرح حديث: "لا يزني الزاني، وهو مؤمن … ".

стр. 14450

وقال السبكيّ الكبير -رحمه اللَّه تعالى-: الهاجس لا يؤاخذ به إجماعًا، والخاطر، وهو جريان ذلك الهاجس، وحديث النفس لا يؤاخذ بهما؛ للحديث المشار إليه، والهمّ، وهو قصد فعل المعصية مع التردّد لا يؤاخذ به؛ لحديث الباب، والعزم، وهو قوّة ذلك القصد، أو الجزم به، ورفع التردّد، قال المحقّقون: يؤاخذ به، وقال بعضهم: لا، واحتجّ بقول أهل اللغة: همّ بالشيء: عزم عليه، وهذا لا يكفي، قال: ومن أدلّة الأول حديث: "إذا التقى المسلمان بسيفيهما … " وفيه: "إنه كان حريصًا على قتل صاحبه"، فعلّل بالحرص. واحتجّ بعضهم بأعمال القلوب، ولا حجة معه؛ لأنها على قسمين: [أحدهما]: لا يتعلّق بفعل خارجيّ، وليس البحث فيه. [والثاني]: يتعلّق بالمقتتلين، عزم كلّ منهما على قتل صاحبه، واقترن بعزمه فعل بعض ما عزم عليه، وهو شهر السلاح، وإشارته به إلى الآخر، فهذا الفعل يؤاخذ به، سواء حصل القتل، أم لا انتهى. قال الحافظ: ولا يلزم من قوله: "فالقاتل والمقتول في النار" أن يكونا في درجة واحدة من العذاب بالاتفاق. (١). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا التفصيل الذي ذكره السبكيّ -رحمه اللَّه تعالى- هو خلاصة ما تقدّم من أقوال المحققين، وهو تفصيلٌ حسنٌ جدًّا، وبه تجتمع الأدلّة المختلفة في هذا الباب. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٤٦١ - (أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ إِدْرِيسَ, عَنْ مِسْعَرٍ, عَنْ قَتَادَةَ, عَنْ زُرَارَةَ بْنِ أَوْفَى, عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إِنَّ اللَّهَ , تَجَاوَزَ لأُمَّتِي, مَا وَسْوَسَتْ بِهِ, وَحَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا, مَا لَمْ تَعْمَلْ, أَوْ تَتَكَلَّمْ (٢) بِهِ»). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد عندهم رجال الصحيح، و"عبيد اللَّه بن سعيد": هو المذكور قبل باب، و"ابن إدريس": هو عبد اللَّه الأوديّ الكوفيّ. و"مِسْعَر": هو ابن كدام الهلاليّ الكوفيّ. و"زُرارة بن أوفى": هو العامريّ الْحَرَشيّ، أبو حاجب البصريّ، الثقة العابد، قاضي البصرة، مات وهو ساجد، سنة (٩٣) [٣] ٢٧/ ٩١٧. وقوله: "عن أبي هريرة" قال الحافظ: لم أقف على التصريح بسماع زُرارة لهذا الحديث من أبي هريرة، لكنه لم يوصف بالتدليس، فيُحمل على السماع. وذكر الإسماعيليّ أن الفرات بن خالد أدخل بين زُرارة، وبين أبي هريرة في هذا الإسناد رجلاً

стр. 14451

من بني عامر، وهو خطأٌ، فإن زاررة من بني عامر، فكأنه كان فيه "عن زرارة، رجلٍ من بني عامر، فظته آخر أُبهم، وليس كذلك انتهى (١). والحديث متّفقٌ عليه، وقد سبق شرحه، وبيان ما يتعلّق به من المسائل في الحديث الذي قبله. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٤٦٢ - (أَخْبَرَنِي مُوسَى بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ, قَالَ: حَدَّثَنَا حُسَيْنٌ الْجُعْفِيُّ, عَنْ زَائِدَةَ, عَنْ شَيْبَانَ, عَنْ قَتَادَةَ, عَنْ زُرَارَةَ بْنِ أَوْفَى, عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, عَنِ النَّبِيِّ ﷺ , قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى تَجَاوَزَ لأُمَّتِي, عَمَّا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا, مَا لَمْ تَكَلَّمْ, أَوْ تَعْمَلْ بِهِ»). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد عندهم رجال الصحيح، غير شيخه، "موسى بن عبد الرحمن" الكنديّ المسروقيّ، أبي عيسى الكوفيّ، فقد تفرّد به هو والترمذيّ، وابن ماجه، وهو ثقة، من كبار [١١] ٧٤/ ٩١. و"حسين الجعفيّ": هو ابن عليّ المقرئ الكوفيّ العابد. و"زائدة": هو ابن قُدامة. و"شيبان": هو ابن عبد الرحمن النحويّ. والحديث متّفقٌ عليه، وقد سبق تمام البحث فيه قريبًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ٢٣ - (الطَّلَاقُ بِالإِشَارَةِ الْمَفْهُومَةِ) ٣٤٦٣ - (أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ نَافِعٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا بَهْزٌ, قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ, قَالَ: حَدَّثَنَا ثَابِتٌ, عَنْ أَنَسٍ, قَالَ: كَانَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ , جَارٌ فَارِسِيٌّ, طَيِّبُ الْمَرَقَةِ, فَأَتَى رَسُولَ اللهِ ﷺ , ذَاتَ يَوْمٍ, وَعِنْدَهُ عَائِشَةُ, فَأَوْمَأَ إِلَيْهِ بِيَدِهِ أَنْ تَعَالَ, وَأَوْمَأَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِلَى عَائِشَةَ, أَيْ وَهَذِهِ, فَأَوْمَأَ إِلَيْهِ الآخَرُ هَكَذَا بِيَدِهِ, أَنْ لَا, مَرَّتَيْنِ, أَوْ ثَلَاثًا). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (أبو بكر بن نافع) هو محمد بن أحمد بن نافع العبديّ البصريّ، ثقة، من صغار [١٠] ٢٧/ ٨١٣.

стр. 14452

٢ - (بهز) بن أسد العَمّيّ، أبو الأسود البصريّ، ثقة ثبت [٩] ٢٤/ ٢٨. ٣ - (حماد بن سلمة) بن دينار، أبو سلمة البصريّ، ثقة عابد، أثبت الناس في ثابت، وتغيّر حفظه بآخره، من كبار [٨] ١٨١/ ٢٨٨. ٤ - (ثابت) بن أسلم الْبُنَانيّ، أبو محمد البصريّ، ثقة عابد [٤] ٤٥/ ٥٣. ٥ - (أنس) بن مالك الصحابيّ الخادم الشهير - رضي اللَّه تعالى عنه - ٦/ ٦. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين. (ومنها): أن فيه حماد بن سلمة أثبت الناس في ثابت، وثابت ألزم الناس لأنس ﵁ لزمه أربعين سنة. (ومنها): أن أنسًا ﵁ من المكثرين السبعة، روى (٢٢٨٦) حديثًا، وهو آخر الصحابة موتًا بالبصرة، مات سنة (٩٢) أو (٣٩)، وهو من المعمرين، فقد جَاوَزَ عُمْرُهُ مائة سنة. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ أَنَسٍ) - رضي اللَّه تعالى عنه -، أنه (قَالَ: كانَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ ، جَارٌ فَارِسِيٌّ) أي منسوب إلى فارس البلد المعروف. قال ابن منظور: وفارس: بلد ذو جِيل، والنسب إليه فارسيّ، والجمع فُرْس، قال ابن مُقْبِل: طَافَتْ بِهِ الْفُرْسُ حَتَّى بَدَّ نَاهِضُهَا (١) (طَيِّبُ الْمَرَقَةِ) من إضافة الصفة المشبهة إلى مرفوعها. قال ابن منظور: الْمَرَقُ: الذي يُؤتَدَم به: معروفٌ، واحدته مَرَقَةٌ، والمرَقَةُ أخصُّ منه. وقال السنديّ: قوله: "طيب المرقة" أي أصلَحَهَا، وطَبَخَها جيّدًا، أو هو صيغة الصفة انتهى. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: ما قاله السندي يقتضي أن "طَيَّبَ" فعل ماضٍ، فاعله ضمير الفارسي، و"المرقةَ" مفعوله، وهذا إن صحّت الرواية به، وإلا فما قدّمته أقرب، وأشبه. وفي رواية مسلم من طريق يزيد بن هارون، عن حماد بن سلمة: "أن جارًا لرسول اللَّه ﷺ فارسيًّا، كان طَيِّبَ المرق، فصنع لرسول اللَّه ﷺ ، ثم جاء يدعوه … " (فَأَتَى رَسُولَ اللهِ ﷺ ، ذَاتَ يَوْمِ) يومًا من الأيّام، فـ "ذات" مقحمة (وَعِنْدَهُ عَائِشَةُ) جملةٌ في محلّ نصب على الحال (فأَوْمَأَ إِلَيْهِ بِيَدِهِ) أي أشار ذلك الفارسي (أَنْ تَعَالَ) "أن"

стр. 14453

مصدريّة، أي بأن تعال، وقال السنديّ: "أن" تفسيريّة، يريد أن يدعوه إلى المرقة (وَأَوْمَأَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِلَى عَائِشَةَ، أَيْ وَهَذِهِ) أي ادعني وهذه، وإلا لا أقبل دعوتك، ولعلّ الوقت ما كان يُساعد الانفراد بذلك، فكره انفراده عنها بذلك، فعلّق قبول الدّعوة بالاجتماع، فإن رضيَ الداعي بذلك دعاهما، وإلا تركهما، ومقصود المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- أن الإشارة المفهومة تُستعمل في المفاسد، والطلاقُ من جملتها، فيصحّ استعمالها فيه. قاله السنديّ (١). (فَأَؤمَأَ إِلَيْهِ الآخَرُ) يعني الفارسيّ (هَكَذَا بيَدِهِ، أَنْ لَا) "أن" مخفّفةٌ من الثيقلة، ومدخول "لا" أي أنها لا تأتي معك (مَرَّتَينِ، أَوْ ثَلاثًا) أي قال هذا القول مرّتين، أو ثلاث مرّات. وفي رواية مسلم المذكورة: "فقال: وهذه، لعائشة، فقال: لا، فقال رسول اللَّه ﷺ : "لا"، فعاد يدعوه، فقال رسول اللَّه ﷺ : "وهذه"، قال: لا، قال رسول اللَّه ﷺ : "لا" ثم عاد يدعوه، فقال رسول اللَّه- ﷺ : "وهذه"، قال: نعم في الثالثة، فقاما يتدافعان، حتى أتيا منزله". قال النوويّ -رحمه اللَّه تعالى-: قوله: "فقاما يتدافعان" معناه: يمشي كلّ واحد منهما في إثر صاحبه. قالوا: ولعلّ الفارسيّ إنما لم يدع عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - أوّلَا لكون الطعام كان قليلاً، فأراد توفيره على رسول اللَّه ﷺ . انتهى كلام النوويّ (٢). وقال أبو العبّاس القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى-: وامتناع الفارسيّ من الإذن لعائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - أولى ما قيل فيه: أنه إنما كان صنع من الطعام ما يكفي النبيّ ﷺ وحده؛ للذي رأى عليه من الجوع، فكانه رأى أن مشاركة النبيّ ﷺ في ذلك يُجحف بالنبيّ ﷺ . وامتناع النبيّ ﷺ من إجابة الفارسيّ عند امتناعه من إذن عائشة إنما كان -واللَّه أعلم- لأن عائشة كان بها من الجوع مثل الذي كان بالنبيّ ﷺ ، فكره النبيّ ﷺ أن يستأثر عليها بالأكل دونها، وهذا تقتضيه مكارم الأخلاق، وخصوصًا مع أهل بيت الرجل، ولذلك قال بعض الشعراء (٣): وَشِبْعُ الْفَتَى لُؤْمٌ إِذَا جَاعَ صَاحِبُهْ وقد نبه مالكٌ -رحمه اللَّه تعالى- على هذا المعنى حين سُئل عن الرجل يدعو الرجل يُكرمه؟ قال: إذا أراد فليبعث بذلك إليه يأكله مع أهله انتهى كلام القرطبيّ (٤). واللَّه

стр. 14454

تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث أنس - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا أخرجه مسلم. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٢٣/ ٣٤٦٣ - وفي "الكبرى" ٢٤/ ٥٦٢٩. وأخرجه (م) في "الأشربة" ٢٠٢٢٧ (أحمد) في "باقي مسند المكثرين" ١٣٤٥٧ (الدارمي) في "الأطعمة" ٢٠٦٧. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان وقوع الطلاق بالإشارة المفهومة، ووجه الاستدلال بالحديث أن الإشارة المفهومة تستعمل في المقاصد؛ لأن الفارسيّ دعا النبيّ ﷺ للطعام بالإشارة، ففهمها ﷺ ، وبنى على ذلك، أن طلب منه الإذن لعائشة - رضي اللَّه تعالى عنها -، وراجعه في ذلك حتى أذن لها، فمضيا إلى بيته بناء على ذلك، فدلّ على أن الإشارة تقوم مقام العبارة إذا كانت مفهومة. (ومنها): جواز أكل المرق، والطيبات، قال اللَّه تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ الآية. (ومنها): أن في امتناع النبيّ ﷺ من إجابة دعوة الفارسيّ، إلا أن يأذن لعائشة دليلٌ على أنه لا تجب إجابة الدعوة في مثل ذلك؛ فيكون من مسقطات وجوب إجابة الدعوة. قال النووي -رحمه اللَّه تعالى-: ما معناه: هذا محمول على أنه كان هناك عذز يمنع وجوب إجابة الدعوة، فكان النبيّ ﷺ مخيّرًا بين إجابته، وتركها، فاختار أحد الجائزين، وهو تركها، إلا أن يأذن لعائشة - رضي اللَّه تعالى عنها -؛ لما كان بها من الجوع، أو نحوه، فكره ﷺ الاختصاص بالطعام دونها، وهذا من جميل المعاشرة، وحقوق المصاحبة، وآداب المجالسة، فلما أذن لها اختار النبيّ ﷺ الجائز الآخر؛ لتجدّد المصلحة، وهو حصول ما كان يريده، من إكرام جليسه، وإيفاء حقّ معاشره، ومواساته فيما يحصل. انتهى كلام النوويّ (١). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: عندي في قوله: "على أنه كان هناك عذر يمنع الخ" نظر، إذ الظاهر من سياق الحديث أن المانع من الإجابة هو عدم سماح الفارسيّ لعائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - في مصاحبته ﷺ في أكل الطعام، لا أمر آخر، فيُستفاد منه أن

стр. 14455

المدعو إذا كانت زوجته، أو من عليه نفقته محتاجين إلى الطعام، فله أن يمتنع من الإجابة، إلا أن يؤذن لهم، فيكون هذا عذرًا من الأعذار التي تسقط وجوب إجابة الدعوة. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في مذاهب العلماء في الإشارة بالطلاق: قال العلاّمة ابن قدامة -رحمه اللَّه تعالى-: من لا يقدر على الكلام، كالأخرس إذا طلّق بالإشارة، طُلّقت زوجته، وبهذا قال مالكٌ، والشافعيّ، وأصحاب الرأي، ولا نعلم عن غيرهم خلافهم؛ وذلك لأنه لا طريق له إلى الطلاق إلا بالإشارة، فقامت إشارته مقام الكلام من غيره فيه، كالنكاح. فاما القادر، فلا يصحّ طلاقه بالإشارة، كما لا يصحّ نكاحه بها انتهى (١). وقال الإمام البخاريّ -رحمه اللَّه تعالى- في "صحيحه": "باب الإشارة في الطلاق، والأمور"، ثم أرود عدّة أحاديث معلّقةً، وموصولةً، استدلالاً على ما ترجم به. فقال ابن بطال: ذهب الجمهور إلى أن الإشارة إذا كانت مفهمةً تتنزّل منزلة النطق، وخالف الحنفيّة في بعض ذلك، ولعلّ البخاريّ ردّ عليهم بهذه الأحاديث التي جعل فيها النبيّ ﷺ الإشارة قائمة مقام النطق، وإذا جازت الإشارة في أحكام مختلفة في الديانة، فهي لمن لا يمكنه النطق أجوز. وقال ابن المنيّر: أراد البخاريّ أن الإشارة بالطلاق وغيره من الأخرس وغيره التي يُفهم منها الأصل، والعدد نافذٌ كاللفظ انتهى. وقال الحافظ: وقد اختلف العلماء في الإشارة المفهمة، فأما في حقوق اللَّه، فقالوا: يكفي ولو من القادر على النطق، وأما في حقوق الآدميين، كالعقود، والإقرار، والوصيّة، ونحو ذلك، فاختلف العلماء فيمن اعتُقل لسانه، ثالثها عن أبي حنيفة: إن كان مأيوسًا من نطقه، وعن بعض الحنابلة: إن اتّصل بالموت، ورجّحه الطحاويّ. وعن الأوزاعيّ: إن سبقه كلام. ونُقل عن مكحول: إن قال: فلان حرّ، ثم أُصمت، فقيل له: وفلان؟ فأوما صحّ. وأما القادر على النطق، فلا تقوم إشارته مقام نطقه عند الأكثرين، واختُلف هل يقوم مقام النيّة، كما لو طلّق امرأته، فقيل له: كم طلّقتَ؟ فأشار بإصبعه. انتهى (٢). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: عندي أن القول بوقوع الطلاق بالإشارة المفهمة مطلقًا، سواء كان من الأخرس، أو من القادر على النطق، هو الأصحّ، كما هو مذهب الإمام البخاريّ، والمصنّف، وبعض أهل العلم؛ لوضوح أدلّته، فقد ساق الإمام

стр. 14456

البخاريّ -رحمه اللَّه تعالى- أحاديث كثيرة اعتبر الشارع فيها الإشارة كالنطق، ودلالتها على ما قلنا واضحة. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ٢٤ - (بَابُ الْكَلَامِ إِذَا قُصِدَ بِهِ فِيمَا يَحْتَمِلُ مَعْنَاهُ) قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "باب" مضاف إلى "الكلام"، ويحتمل أن يكون منؤنَا، و"الكلام" مرفوعٌ با لابتداء، وخبره جملة الشرط، وجوابه. وفي نسخة: "لما يحتمل" باللام بدل "في". وفي "الكبرى": "لما يحتمله"، والظاهر أن الجارّ هنا زائد، و"ما" في محلّ رفع نائب فاعل "قُصد"، وجواب "إذا" محذوف؛ لدلالة المقام عليه، أي فهو على نيّة المتكلّم. وغرض المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- أن كنايات الطلاق يقع بها الطلاق، إذا نواه المتكلّم، وذلك كقوله: "الحقي بأهلك"، كما سبق الكلام عليه، و"خليّة"، و"بريّة"، و"بتّةٌ"، و"بتلةٌ"، ونحوها، ومحلّ الاستدلال من الحديث قوله ﷺ : "ولكلّ امرئ ما نوى"؛ لأنه عامّ يدخل فيه الطلاق، فإذا تكلّم بلفظ محتملٍ للطلاق، وأراده به وقع. وبمعنى ترجمة المصنّف ترجمة الإمام البخاريّ -رحمهما اللَّه تعالى- في "صحيحه"، حيث قال: "باب" إذا قال: فارقتُك، أو سرّحتك، أو الخليّة، أو البريّة، أو عُني به الطلاق، فهو على نيّته، وقولى اللَّه : ﴿وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾، وقال: ﴿وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾، وقال تعالى: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾، وقال: ﴿أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾، وقالت عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها -: قد علم النبيّ ﷺ أنّ أبويّ لم يكونا يأمراني بفراقه". قال في "الفتح": هكذا بت المصنّف الحكم في هذه المسألة، فاقتضى أن لا صريح عنده إلا لفظ الطلاق، أو ما تصرّف منه، وهو قولى الشافعيّ في القديم، ونصّ في الجديد على أن الصريح لفظ الطلاق، والفراق، والسراح؛ لورود ذلك في القرآن بمعنى الطلاق. وحجة القديم أنه ورد في القرآن لفظ الفراق والسراح لغير الطلاق، بخلاف

стр. 14457

الطلاق، فإنه لم يرد إلا للطلاق. وقد رجّح جاعة القديم، كالطبريّ في "العدّة"، والمحامليّ، وغيرهما، وهو قول الحنفيّة، واختاره القاضي عبد الوهّاب من المالكيّة، وحكى الدارميّ عن ابن خير أن من لم يعرف إلا الطلاق، فهو صريحٌ في حقّه فقط، وهو تفصيلٌ قويّ، ونحوه للرويانيّ، فإنه قال: لو قال عربيّ: فارقتك، ولم يعرف أنها صريحة لا يكون صريحًا في حقّه. واتفقوا على أن لفظ الطلاق، وما تصرّف منه صريح، لكن أخرج أبو عبيد في "غريب الحديث" من طريق عبد اللَّه بن شهاب الخولانيّ، عن عمر ﷺ ، أنه رُفع إليه رجلٌ قالت له امرأته: شبّهني، فقال: كأنّك ظبيةٌ، قالت: لا، قال: كأنك حمامةٌ، قالت: لا أرضى حتى تقول: أنت خليّةٌ طالقٌ، فقالها، فقال له عمر: خذ بيدها، فهي امرأتك. قال أبو عبيد: قوله: "خليّةٌ طالقٌ"، أي ناقةٌ كانت معقولةً، ثم أطلقت من عقالها، وخُلّي عنها، فتُسمّى خليّةً؛ لأنها خُلّيت عن العقال، وطالقٌ لأنها طلّقت منه، فأراد الرجل أنها تشبه الناقة، ولم يقصد الطلاق بمعنى الفراق أصلاً، فأسقط عنه عمرُ الطلاقَ. قال أبو عُبيد: وهذا أصلٌ لكلّ من تكلّم بشيء من ألفاظ الطلاق، ولم يرد الفراق، بل أراد غيره، فالقول قوله فيه فيما بينه وبين اللَّه تعالى انتهى. وإلى هذا ذهب الجمهور، لكن المشكل من قصّة عمر كونه رُفع إليه، وهو حاكم، فإن كان أجراه مجرى الفتيا، ولم يكن هناك حكم، فيوافق، وإلا فهو من النوادر. وقد نقل الخطّابيّ الإجماع على خلافه، لكن أثبت غيره الخلاف، وعزاه لداود، وفي البويطيّ ما يقتضيه. وحكاه الرويانيّ، ولكن أوله الجمهور، وشرطوا قصد لفظ الطلاق لمعنى الطلاق ليخرج العجميّ مثلاً، إذا لقّن كلمة الطلاق، فقالها، وهو لا يعرف معناها، أو العربيّ بالعكس، وشرطوا مع النطق بلفظ الطلاق تعمّد ذلك؛ احترازًا عما سبق به اللسان، والاختيار؛ ليخرج المكره، لكن إن أكره فقالها مع القصد إلى الطلاق وقع في الأصحّ انتهى ما في "الفتح" (١). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: ما ذهب إليه الجمهور من أن من تكلم بألفاظ الطلاق، من غير إرادة الفراق، بل لمعنى آخر لا يلزمه الطلاق هو الحقّ، كما في قصّة عمر ﵁؛ لحديث النيّة المذكور في الباب. واللَّه تعالى أعلم بالصواب. ٣٤٦٤ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ مَنْصُورٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ, قَالَ: حَدَّثَنَا مَالِكٌ, وَالْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ, قِرَاءَةً عَلَيْهِ, وَأَنَا أَسْمَعُ عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ, قَالَ: أَخْبَرَنِي

стр. 14458

مَالِكٌ, عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ, عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ, عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ وَقَّاصٍ, عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ, ﵁, وَفِي حَدِيثِ الْحَارِثِ, أَنَّهُ سَمِعَ عُمَرَ, يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّةِ, وَإِنَّمَا لاِمْرِئٍ مَا نَوَى, فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ, فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ, وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ لِدُنْيَا يُصِيبُهَا, أَوِ امْرَأَةٍ يَتَزَوَّجُهَا, فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ»). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الحديث متّفقٌ عليه، وقد تقدّم للمصنّف - رحمه اللَّه تعالى - سندًا ومتنًا في "الطهارة" -٦٠/ ٧٥ - "باب النيّة في الوضوء" وتقدم شرحه هناك مستوفًى، وذكرت فيه ثمانيةً وأربعين مسألةً، وأذكر هنا ما ترجم له المصنّف، وهو بيان كنايات الطلاق، فأقول: (مسألة): في اختلاف أهل العلم في حكم كنايات الطلاق: قال الإمام أحمد -رحمه اللَّه تعالى-: إذا قال لها: أنت خليّةٌ، أو أنت بريّةٌ، أو أنت بائنٌ، أو حبلُكِ على غاربكِ، أو الحقي بأهلكِ، فهو عندي ثلاثٌ، ولكنّي أكره أن أُفتي به، سواء دخل بها، أو لم يدخل. قال ابن قدامة: أكثر الروايات عن أبي عبد اللَّه كراهية الفُتْيا في هذه الكنايات، مع ميله إلى أنها ثلاث. وحكى أبو موسى في "الإرشاد" عنه روايتين: إحداهما أنها ثلاث. والثانية: يُرجع إلى ما نواه، اختارها أبو الخطّاب، وهو مذهب الشافعيّ، قال: يُرجع إلى ما نواه، فإن لم ينو شيئًا وقعت واحدةً، ونحوه قول النخعيّ، إلا أنه قال: تقع طلقةٌ بائنةٌ؛ لأن لفظه يقتضي البينونة، ولا يقتضي عددًا. وروى حنبلٌ عن أحمد ما يدلّ على هذا. وقال الثوريّ، وأصحاب الرأي: إن نوى ثلاثًا، فثلاثٌ، وإن نوى اثنتين، أو واحدة وقعت واحدةً، ولا يقع اثنتان. ثم قال ابن قُدامة: ووجه أنها ثلاثٌ أنه قول أصحاب رسول اللَّه ﷺ ، فروي عن عليّ، وابن عمر، وزيد بن ثابت أنها ثلاث. قال أحمد في الخليّة، والبريّة، والبتّة: قول عليّ، وابن عمر قول صحيح ثلاثًا. وقال عليّ، والحسن، والزهريّ في البائن: إنها ثلاث. وروى النجّاد بإسناده، عن نافع: أن رجلاً جاء إلى عاصم، وابن الزبير، فقال: إن ظِئري هذا طلّق امرأته البتّة قبل أن يدخل بها، فهل تجدان رخصةً؟ فقالا: لا، ولكنّا تركنا ابن عبّاس، وأبا هريرة عند عائشة، فسلهم، ثم ارجع إلينا، فأَخبِرنا، فسألهم، فقال أبو هريرة: لا تحلّ له حتى تنكح زوجا غيره. وقال ابن عبّاس: هي ثلاث. وذكر عن عائشة متابعتهما. وروى النجّاد بإسناده أن عمر ﵁ جعل البتّة واحدة، ثم جعلها بعدُ ثلاث تطليقات. وهذه أقوال علماء الصحابة، ولم يُعرف لهم

стр. 14459

مخالفٌ في عصرهم، فكان إجماعًا. انتهى كلام ابن قدامة باختصار (١). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: عندي أن ما ذهب إليه الشافعيّ -رحمه اللَّه تعالى- من أنه يُرجع إلى نيّته هو الأرجح؛ كما هو ظاهر مذهب المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-؛ لحديث الباب. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. [تنبيه]: قال ابن قدامة -رحمه اللَّه تعالى-: الطلاق الواقع بالكنايات رجعيّ، ما لم يقع الثلاث في ظاهر المذهب، وهو قول الشافعيّ. وقال أبو حنيفة: كلها بوائن، إلا اعتدّي، واستبرئي رحمك، وأنت واحدةٌ؛ لأنها تقتضي البينونة، فتقع البينونة، كقوله: أنت طالق ثلاثًا. ولنا أنه طلاقٌ صادف مدخولاً بها، من غير عِوَضٍ، ولا استيفاء عدد، فوجب أن يكون رجعيًّا، كصريح الطلاق، وما سلّموه من الكنايات، وقولهم: إنها تقتضي البينونة، قلنا: فينبغي أن تبين بثلاث؛ لأن المدخول بها لا تبين إلا بثلاث، أو عوض انتهى (٢). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: القول بأن الطلاق الواقع بألفاظ الكنايات رجعي هو الأرجح عندي؛ لوضوح متمسكه كما أوضحه ابن قدامة ﵀ في كلامه السابق. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ٢٥ - (بَابُ الإِبَانَةِ، وَالإِفْصَاحِ بِالْكَلِمَةِ الْمَلْفُوظِ بهِا، إِذَا قُصِدَ بِهَا لِمَا لَا يَحْتَمِلُ مَعْنَاهَا، لَمْ تُوجِبْ شَيئًا، وَلَمْ تُثْبِتْ حُكْمًا) قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قوله: "باب" مضاف إلى ما بعده، أو منوّنٌ، وما بعده مبتدأ، خبره جملة الشرط والجواب. والسلام في قوله: "لما لا يحتمل الخ" زائدة، و"ما" نائب فاعل "قُصد". و"يُثبت" بضمّ أوله، وكسر ثالثه، من الإثبات. وغرض المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- أنّ الألفاظ التي لا تحتمل الطلاق، كقوله: اقعدي،

стр. 14460

وقومي، وكلي، واشربي، ونحو ذلك، لا يقع بها الطلاق، وإن نواه المتكلّم؛ لحديث الباب، وسيأتي وجه الاستدلال به، إن شاء اللَّه تعالى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب. ٣٤٦٥ - (أَخْبَرَنَا عِمْرَانُ بْنُ بَكَّارٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَيَّاشٍ, قَالَ: حَدَّثَنِي شُعَيْبٌ, قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو الزِّنَادِ, مِمَّا حَدَّثَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ الأَعْرَجُ, مِمَّا ذَكَرَ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ, يُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ , قَالَ: قَالَ: «انْظُرُوا كَيْفَ يَصْرِفُ اللَّهُ عَنِّي شَتْمَ قُرَيْشٍ, وَلَعْنَهُمْ, إِنَّهُمْ يَشْتِمُونَ مُذَمَّمًا, وَيَلْعَنُونَ مُذَمَّمًا, وَأَنَا مُحَمَّدٌ»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (عمران بن بكار) بن راشد الكلاعيّ الْبَرّاد الحمصيّ المؤذّن، ثقة [١١] ١٧/ ١٥٤١ من أفراد المصنّف. ٢ - (عليّ بن عياش) الأَلْهَانيّ الحمصيّ، ثقة ثبت [٩] ١٢٣/ ١٨٢. ٣ - (شعيب) بن أبي حمزة دينار الأمويّ مولاهم، أبو بِشْر الحمصيّ، ثقة عابد، قال ابن معين: أثبت الناس في الزهريّ [٧] ٦٩/ ٨٥. ٤ - (أبو الزناد) عبد اللَّه بن ذكوان القرشيّ، أبو عبد الرحمن المدنيّ، ثقة فقيه [٥] ٧/ ٧. ٥ - (عبد الرحمن) بن هُرْمُز الأعرج، مولى ربيعة بن الحارث، أبو داود المدنيّ، ثقة ثبت فقيه [٣] ٧/ ٧. ٦ - (أبو هريرة) - رضي اللَّه تعالى عنه - ١/ ١. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله عندهم رجال الصحيح، غير شيخه، كما مرّ آنفًا. (ومنها): أن النصف الأول منه حمصيّون، والباقون مدنيّون. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ: أبو الزناد، عن الأعرج، (ومنها): أن عبد اللَّه بن ذكوان ممن اشتهر بلقب بصورة الكنية، فإن أبا الزناد لقبه، وكنيته أبو عبد الرحمن، كما سبق آنفًا، وفيه أبو هريرة ﵁ أحفظ من روى الحديث في دهره. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث عن شعيب بن أبي حمزة، أنه (قال: حَدَّثَني أَبُو الزِّنَادِ) عبد اللَّه بن ذكوان (مِمَّا حدثهُ) أي من جملة الحديث الذي حدثه به (عَبْدُ الرَّحْمَنِ) بن هُرْمُزَ (الأَعْرَجُ، مِمَّا ذَكَرَ) بالبناء للفاعل، أي من الحديث الذي ذكر عبد الرحمن (أنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ، يُحَدِّثُ) به (عَنْ
следующие страницы →