البخاريّ -رحمه اللَّه تعالى- أحاديث كثيرة اعتبر الشارع فيها الإشارة كالنطق، ودلالتها على ما قلنا واضحة. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه
أنيب".
…
٢٤ - (بَابُ الْكَلَامِ إِذَا قُصِدَ بِهِ فِيمَا يَحْتَمِلُ مَعْنَاهُ)
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "باب" مضاف إلى "الكلام"، ويحتمل أن يكون
منؤنَا، و"الكلام" مرفوعٌ با لابتداء، وخبره جملة الشرط، وجوابه.
وفي نسخة: "لما يحتمل" باللام بدل "في". وفي "الكبرى": "لما يحتمله"، والظاهر أن الجارّ هنا زائد، و"ما" في محلّ رفع نائب فاعل "قُصد"، وجواب "إذا" محذوف؛ لدلالة المقام عليه، أي فهو على نيّة المتكلّم.
وغرض المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- أن كنايات الطلاق يقع بها الطلاق، إذا نواه المتكلّم، وذلك كقوله: "الحقي بأهلك"، كما سبق الكلام عليه، و"خليّة"، و"بريّة"، و"بتّةٌ"، و"بتلةٌ"، ونحوها، ومحلّ الاستدلال من الحديث قوله ﷺ : "ولكلّ امرئ ما نوى"؛ لأنه عامّ يدخل فيه الطلاق، فإذا تكلّم بلفظ محتملٍ للطلاق، وأراده به وقع. وبمعنى ترجمة المصنّف ترجمة الإمام البخاريّ -رحمهما اللَّه تعالى- في "صحيحه"، حيث قال: "باب" إذا قال: فارقتُك، أو سرّحتك، أو الخليّة، أو البريّة، أو عُني به الطلاق، فهو على نيّته، وقولى اللَّه : ﴿وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾، وقال: ﴿وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾، وقال تعالى: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾، وقال: ﴿أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾، وقالت عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها -: قد علم النبيّ ﷺ أنّ أبويّ لم يكونا يأمراني بفراقه".
قال في "الفتح": هكذا بت المصنّف الحكم في هذه المسألة، فاقتضى أن لا صريح عنده إلا لفظ الطلاق، أو ما تصرّف منه، وهو قولى الشافعيّ في القديم، ونصّ في الجديد على أن الصريح لفظ الطلاق، والفراق، والسراح؛ لورود ذلك في القرآن بمعنى الطلاق. وحجة القديم أنه ورد في القرآن لفظ الفراق والسراح لغير الطلاق، بخلاف
стр. 14457
الطلاق، فإنه لم يرد إلا للطلاق. وقد رجّح جاعة القديم، كالطبريّ في "العدّة"، والمحامليّ، وغيرهما، وهو قول الحنفيّة، واختاره القاضي عبد الوهّاب من المالكيّة، وحكى الدارميّ عن ابن خير أن من لم يعرف إلا الطلاق، فهو صريحٌ في حقّه فقط، وهو تفصيلٌ قويّ، ونحوه للرويانيّ، فإنه قال: لو قال عربيّ: فارقتك، ولم يعرف أنها صريحة لا يكون صريحًا في حقّه. واتفقوا على أن لفظ الطلاق، وما تصرّف منه صريح، لكن أخرج أبو عبيد في "غريب الحديث" من طريق عبد اللَّه بن شهاب الخولانيّ، عن عمر ﷺ ، أنه رُفع إليه رجلٌ قالت له امرأته: شبّهني، فقال: كأنّك ظبيةٌ، قالت: لا، قال: كأنك حمامةٌ، قالت: لا أرضى حتى تقول: أنت خليّةٌ طالقٌ، فقالها، فقال له عمر: خذ بيدها، فهي امرأتك. قال أبو عبيد: قوله: "خليّةٌ طالقٌ"، أي ناقةٌ كانت معقولةً، ثم أطلقت من عقالها، وخُلّي عنها، فتُسمّى خليّةً؛ لأنها خُلّيت عن العقال، وطالقٌ لأنها طلّقت منه، فأراد الرجل أنها تشبه الناقة، ولم يقصد الطلاق بمعنى الفراق أصلاً، فأسقط عنه عمرُ الطلاقَ. قال أبو عُبيد: وهذا أصلٌ لكلّ من تكلّم بشيء من ألفاظ الطلاق، ولم يرد الفراق، بل أراد غيره، فالقول قوله فيه فيما بينه وبين اللَّه تعالى انتهى.
وإلى هذا ذهب الجمهور، لكن المشكل من قصّة عمر كونه رُفع إليه، وهو حاكم، فإن كان أجراه مجرى الفتيا، ولم يكن هناك حكم، فيوافق، وإلا فهو من النوادر. وقد نقل الخطّابيّ الإجماع على خلافه، لكن أثبت غيره الخلاف، وعزاه لداود، وفي البويطيّ ما يقتضيه. وحكاه الرويانيّ، ولكن أوله الجمهور، وشرطوا قصد لفظ الطلاق لمعنى الطلاق ليخرج العجميّ مثلاً، إذا لقّن كلمة الطلاق، فقالها، وهو لا يعرف معناها، أو العربيّ بالعكس، وشرطوا مع النطق بلفظ الطلاق تعمّد ذلك؛ احترازًا عما سبق به اللسان، والاختيار؛ ليخرج المكره، لكن إن أكره فقالها مع القصد إلى الطلاق وقع في الأصحّ انتهى ما في "الفتح" (١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: ما ذهب إليه الجمهور من أن من تكلم بألفاظ الطلاق، من غير إرادة الفراق، بل لمعنى آخر لا يلزمه الطلاق هو الحقّ، كما في قصّة عمر ﵁؛ لحديث النيّة المذكور في الباب. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
٣٤٦٤ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ مَنْصُورٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ, قَالَ: حَدَّثَنَا مَالِكٌ, وَالْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ, قِرَاءَةً عَلَيْهِ, وَأَنَا أَسْمَعُ عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ, قَالَ: أَخْبَرَنِي
стр. 14458
مَالِكٌ, عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ, عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ, عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ وَقَّاصٍ, عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ, ﵁, وَفِي حَدِيثِ الْحَارِثِ, أَنَّهُ سَمِعَ عُمَرَ, يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّةِ, وَإِنَّمَا لاِمْرِئٍ مَا نَوَى, فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ, فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ, وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ لِدُنْيَا يُصِيبُهَا, أَوِ امْرَأَةٍ يَتَزَوَّجُهَا, فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الحديث متّفقٌ عليه، وقد تقدّم للمصنّف - رحمه اللَّه تعالى - سندًا ومتنًا في "الطهارة" -٦٠/ ٧٥ - "باب النيّة في الوضوء" وتقدم شرحه هناك مستوفًى، وذكرت فيه ثمانيةً وأربعين مسألةً، وأذكر هنا ما ترجم له المصنّف، وهو بيان كنايات الطلاق، فأقول:
(مسألة): في اختلاف أهل العلم في حكم كنايات الطلاق:
قال الإمام أحمد -رحمه اللَّه تعالى-: إذا قال لها: أنت خليّةٌ، أو أنت بريّةٌ، أو أنت بائنٌ، أو حبلُكِ على غاربكِ، أو الحقي بأهلكِ، فهو عندي ثلاثٌ، ولكنّي أكره أن أُفتي به، سواء دخل بها، أو لم يدخل.
قال ابن قدامة: أكثر الروايات عن أبي عبد اللَّه كراهية الفُتْيا في هذه الكنايات، مع ميله إلى أنها ثلاث. وحكى أبو موسى في "الإرشاد" عنه روايتين: إحداهما أنها ثلاث. والثانية: يُرجع إلى ما نواه، اختارها أبو الخطّاب، وهو مذهب الشافعيّ، قال: يُرجع إلى ما نواه، فإن لم ينو شيئًا وقعت واحدةً، ونحوه قول النخعيّ، إلا أنه قال: تقع طلقةٌ بائنةٌ؛ لأن لفظه يقتضي البينونة، ولا يقتضي عددًا. وروى حنبلٌ عن أحمد ما يدلّ على هذا.
وقال الثوريّ، وأصحاب الرأي: إن نوى ثلاثًا، فثلاثٌ، وإن نوى اثنتين، أو واحدة وقعت واحدةً، ولا يقع اثنتان.
ثم قال ابن قُدامة: ووجه أنها ثلاثٌ أنه قول أصحاب رسول اللَّه ﷺ ، فروي عن عليّ، وابن عمر، وزيد بن ثابت أنها ثلاث. قال أحمد في الخليّة، والبريّة، والبتّة: قول عليّ، وابن عمر قول صحيح ثلاثًا. وقال عليّ، والحسن، والزهريّ في البائن: إنها ثلاث. وروى النجّاد بإسناده، عن نافع: أن رجلاً جاء إلى عاصم، وابن الزبير، فقال: إن ظِئري هذا طلّق امرأته البتّة قبل أن يدخل بها، فهل تجدان رخصةً؟ فقالا: لا، ولكنّا تركنا ابن عبّاس، وأبا هريرة عند عائشة، فسلهم، ثم ارجع إلينا، فأَخبِرنا، فسألهم، فقال أبو هريرة: لا تحلّ له حتى تنكح زوجا غيره. وقال ابن عبّاس: هي ثلاث. وذكر عن عائشة متابعتهما. وروى النجّاد بإسناده أن عمر ﵁ جعل البتّة واحدة، ثم جعلها بعدُ ثلاث تطليقات. وهذه أقوال علماء الصحابة، ولم يُعرف لهم
стр. 14459
مخالفٌ في عصرهم، فكان إجماعًا. انتهى كلام ابن قدامة باختصار (١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: عندي أن ما ذهب إليه الشافعيّ -رحمه اللَّه تعالى- من أنه يُرجع إلى نيّته هو الأرجح؛ كما هو ظاهر مذهب المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-؛ لحديث الباب. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
[تنبيه]: قال ابن قدامة -رحمه اللَّه تعالى-: الطلاق الواقع بالكنايات رجعيّ، ما لم يقع الثلاث في ظاهر المذهب، وهو قول الشافعيّ. وقال أبو حنيفة: كلها بوائن، إلا اعتدّي، واستبرئي رحمك، وأنت واحدةٌ؛ لأنها تقتضي البينونة، فتقع البينونة، كقوله: أنت طالق ثلاثًا. ولنا أنه طلاقٌ صادف مدخولاً بها، من غير عِوَضٍ، ولا استيفاء عدد، فوجب أن يكون رجعيًّا، كصريح الطلاق، وما سلّموه من الكنايات، وقولهم: إنها تقتضي البينونة، قلنا: فينبغي أن تبين بثلاث؛ لأن المدخول بها لا تبين إلا بثلاث، أو عوض انتهى (٢).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: القول بأن الطلاق الواقع بألفاظ الكنايات رجعي هو الأرجح عندي؛ لوضوح متمسكه كما أوضحه ابن قدامة ﵀ في كلامه السابق. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
٢٥ - (بَابُ الإِبَانَةِ، وَالإِفْصَاحِ بِالْكَلِمَةِ الْمَلْفُوظِ بهِا، إِذَا قُصِدَ بِهَا لِمَا لَا يَحْتَمِلُ مَعْنَاهَا، لَمْ تُوجِبْ شَيئًا، وَلَمْ تُثْبِتْ حُكْمًا)
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قوله: "باب" مضاف إلى ما بعده، أو منوّنٌ، وما بعده مبتدأ، خبره جملة الشرط والجواب. والسلام في قوله: "لما لا يحتمل الخ" زائدة، و"ما" نائب فاعل "قُصد". و"يُثبت" بضمّ أوله، وكسر ثالثه، من الإثبات.
وغرض المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- أنّ الألفاظ التي لا تحتمل الطلاق، كقوله: اقعدي،
стр. 14460
وقومي، وكلي، واشربي، ونحو ذلك، لا يقع بها الطلاق، وإن نواه المتكلّم؛ لحديث الباب، وسيأتي وجه الاستدلال به، إن شاء اللَّه تعالى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
٣٤٦٥ - (أَخْبَرَنَا عِمْرَانُ بْنُ بَكَّارٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَيَّاشٍ, قَالَ: حَدَّثَنِي شُعَيْبٌ, قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو الزِّنَادِ, مِمَّا حَدَّثَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ الأَعْرَجُ, مِمَّا ذَكَرَ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ, يُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ , قَالَ: قَالَ: «انْظُرُوا كَيْفَ يَصْرِفُ اللَّهُ عَنِّي شَتْمَ قُرَيْشٍ, وَلَعْنَهُمْ, إِنَّهُمْ يَشْتِمُونَ مُذَمَّمًا, وَيَلْعَنُونَ مُذَمَّمًا, وَأَنَا مُحَمَّدٌ»).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (عمران بن بكار) بن راشد الكلاعيّ الْبَرّاد الحمصيّ المؤذّن، ثقة [١١] ١٧/ ١٥٤١ من أفراد المصنّف.
٢ - (عليّ بن عياش) الأَلْهَانيّ الحمصيّ، ثقة ثبت [٩] ١٢٣/ ١٨٢.
٣ - (شعيب) بن أبي حمزة دينار الأمويّ مولاهم، أبو بِشْر الحمصيّ، ثقة عابد، قال ابن معين: أثبت الناس في الزهريّ [٧] ٦٩/ ٨٥.
٤ - (أبو الزناد) عبد اللَّه بن ذكوان القرشيّ، أبو عبد الرحمن المدنيّ، ثقة فقيه [٥] ٧/ ٧.
٥ - (عبد الرحمن) بن هُرْمُز الأعرج، مولى ربيعة بن الحارث، أبو داود المدنيّ، ثقة ثبت فقيه [٣] ٧/ ٧.
٦ - (أبو هريرة) - رضي اللَّه تعالى عنه - ١/ ١. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله عندهم رجال الصحيح، غير شيخه، كما مرّ آنفًا. (ومنها): أن النصف الأول منه حمصيّون، والباقون مدنيّون. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ: أبو الزناد، عن الأعرج، (ومنها): أن عبد اللَّه بن ذكوان ممن اشتهر بلقب بصورة الكنية، فإن أبا الزناد لقبه، وكنيته أبو عبد الرحمن، كما سبق آنفًا، وفيه أبو هريرة ﵁ أحفظ من روى الحديث في دهره. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
عن شعيب بن أبي حمزة، أنه (قال: حَدَّثَني أَبُو الزِّنَادِ) عبد اللَّه بن ذكوان (مِمَّا حدثهُ) أي من جملة الحديث الذي حدثه به (عَبْدُ الرَّحْمَنِ) بن هُرْمُزَ (الأَعْرَجُ، مِمَّا ذَكَرَ) بالبناء للفاعل، أي من الحديث الذي ذكر عبد الرحمن (أنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ، يُحَدِّثُ) به (عَنْ
стр. 14461
رَسُولِ اللهِ ﷺ ، قَالَ) أي أبو هريرة ﵁ (قَالَ) أي رسول اللَّه ﷺ (انْظُرُوا كَيْفَ يَصْرِفُ اللَّهُ عَنِّي) وفي رواية البخاريّ من طريق سفيان بن عيينة، عن أبي الزناد: "ألا تعجبون، كيف يصرف اللَّه عنّي … وفي رواية البخاريّ في "التاريخ" من طريق عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن أبيه: "يا عباد اللَّه انظروا … ". وله من طريق محمد بن عجلان، عن أبيه، عن أبي هريرة بلفظ: "أَلَمْ تروا كيف … " والباقي سواء (شَتْمَ قُرَيْشِ، وَلَعْنَهُمْ) المراد به كُفَّارهم، حيث يصفونه بذلك، فكانت العوراء، زوجة أبي لهب لعنهم اللَّه تعالى جميعًا تقول:
مُذَمَّمًا قَلَيْنَا وَدِينَهُ … أَبَيْنَا وَأَمْرَهُ عَصَيْنَا
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قلت أنا ردًّا على كلامها البذيّ الوقِح:
مُحَمَّدًا أَحْبَبْنَا وَدِينَهُ … أَعْلَيْنَا وأَمْرَهُ أَمْضَيْنَا
(إِنَّهُمْ يَشْتِمُونَ مُدَمَّمَا) بدل محمد (وَيَلْعَنُونَ مُذَمَّمَا) قال في "الفتح": كان الكفّار من قريش من شدّة كراهتهم في النبيّ ﷺ ، لا يسمّونه باسمه الدّالّ على المدح، فيَعدِلون إلى ضدّه، فيقولون: مُذَمَّم، وإذا ذكرهوه بسوء قالوا: فعل اللَّه بمذمّم، ومذمّم ليس هو اسمه، ولا يُعرف به، فكان الذي يقع منهم في ذلك مصروفًا إلى غيره انتهى (١) (وَأَنَا مُحَمَّد) ﷺ أي أنا محمد اسمًا ووصفًا، فلا يمكن اسم المذَمَّم لي، ولا إطلاقه عليّ، وإرادتي به بوجه من الوجوه، فلا يعود الشتم واللعن إليّ أصلاً، بل رجع إليهم؛ لأنهم يصدُقُ عليهم مسمّى هذا الاسم وصفًا. وظهر بهذا أن اللفظ إذا قُصد به معنىً، لا يحتمله، لا يَثبت له الحكم المسوق له الكلام، وهذا هو غرض المصنّف بترجمته، واستدلاله عليها بهذا الحديث واضح، لا لبس فيه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث أبي هريرة - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا أخرجه البخاريّ.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٢٥/ ٣٤٦٥ - وفي "الكبرى" ٢٦/ ٥٦٣١. وأخرجه (خ) في "المناقب" ٣٥٣٣ (أحمد) في "باقي مسند المكثرين" ٧٢٨٧ و ٨٦٠٧. واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
стр. 14462
(منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان حكم من تكلّم بكلام منافٍ لمعنى الطلاق، وقصد به الطلاق لا يقع، كمن قال لامرأته: كلي، وقصد به طلاقها لا تطلق؛ لأن الأكل لا يصلح أن يُفسّر به الطلاق بوجه من الوجوه، كما أن مذممًا لا يُمكن أن يفسّر بمحمد ﷺ بوجه من الوجوه. وسيأتي مزيد بسط في ذلك في المسألة التالية، إن شاء اللَّه تعالى. (ومنها): ما قاله ابن التين -رحمه اللَّه تعالى-: استدلّ به من أسقط حدّ القذف بالتعريض، وهم الأكثرون؛ خلافًا لمالك. وأجاب بأنه لم يقع في الحديث أنه لا شيء عليهم في ذلك، بل الواقع أنهم عوقبوا على ذلك بالقتل وغيره انتهى. قال في "الفتح": والتحقيق أنه لا حجة في ذلك إثباتًا، ولا نفيًا انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): قال العلاّمة ابن قُدامة -رحمه اللَّه تعالى-: فأما ما لا يُشبه الطلاق، ولا يدلّ على الفراق، كقوله: اقعدي، وقومي، وكلي، واشربي، واقرُبي، وأطعميني، واسقيني، وبارك اللَّه عليك، وغفر اللَّه لك، وما أحسنك، وأشباه ذلك، فليس بكناية، ولا تطلّق به، وإن نوى؛ لأن اللفظ لا يحتمل الطلاق، فلو وقع الطلاق به، لوقع بمجرّد النيّة، وقد ذكرنا أنه لا يقع بها، وبهذا قال أبو حنيفة، واختلف أصحاب الشافعيّ في قوله: كلي، واشربي، فقال بعضهم كقولنا، وقال بعضهم: هو كناية؛ لأنه يحتمل: كلي ألم الطلاق، واشربي كأس الفراق، فوقع به. انتهى كلام ابن قدامة باختصار (١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: القول بعدم وقوع الطلاق بمثل هذه الكنايات هو الحقّ، كما استنبطه المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- من حديث الباب. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أُنيب".
…
٢٦ - (بَابُ التَّوْقِيتِ فِي الْخِيَارِ)
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الظاهر أن المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- أراد أن الخيار لا توقيت فيه، فإذا خيّرها تختار متى شاءت، فلا يتقيّد بالمجلس، وبهذا قال الحسن البصريّ، والزهريّ، وغيرهما، واختاره ابن المنذر؛ لقول النبيّ ﷺ لعائشة - رضي اللَّه
стр. 14463
تعالى عنها: "فلا عليك أن لا تعجلي حتى تستأمري أبويك"، فإنه مدّ لها الخيار إلى
وقت استئذانها أبويها، ولم يقيده بالمجلس، وسيأتي تحقيق اختلاف العلماء في ذلك في
المسألة الثالثة، إن شاء اللَّه تعالى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
٣٤٦٦ - (أَخْبَرَنَا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى, قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ, قَالَ: أَنْبَأَنَا يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ, وَمُوسَى بْنُ عُلَيٍّ, عَنِ ابْنِ شِهَابٍ, قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ, أَنَّ عَائِشَةَ, زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ , قَالَتْ: لَمَّا أُمِرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ , بِتَخْيِيرِ أَزْوَاجِهِ, بَدَأَ بِي, فَقَالَ: إِنِّي ذَاكِرٌ لَكِ أَمْرًا, فَلَا عَلَيْكِ, أَنْ لَا تُعَجِّلِي, حَتَّى تَسْتَأْمِرِي أَبَوَيْكِ, قَالَتْ: قَدْ عَلِمَ أَنَّ أَبَوَيَّ, لَمْ يَكُونَا لِيَأْمُرَانِّي بِفِرَاقِهِ, قَالَتْ: ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الآيَةَ ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ إِلَى قَوْلِهِ ﴿جَمِيلاً﴾ , فَقُلْتُ أَفِي هَذَا أَسْتَأْمِرُ أَبَوَيَّ, فَإِنِّي أُرِيدُ اللَّهَ , وَرَسُولَهُ, وَالدَّارَ الآخِرَةَ, قَالَتْ عَائِشَةُ: ثُمَّ فَعَلَ أَزْوَاجُ النَّبِيِّ ﷺ , مِثْلَ مَا فَعَلْتُ, وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ, حِينَ قَالَ: لَهُنَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ , وَاخْتَرْنَهُ طَلَاقًا, مِنْ أَجْلِ أَنَّهُنَّ اخْتَرْنَهُ).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وهو مسلسل بالمصريين إلى ابن شهاب، ومنه مدنيّون، و"عُليّ" والد موسى -بضم العين المهملة، بصيغة التصغير- وكان يَغضب منه، وبفتحها مكبّرًا.
وقولها: "بدأ بي": قال النوويّ: إنما بدأ بها لفضيلتها. وقال وليّ الدين: وإن صحّ أنها السبب في نزول الآية، فلعلّ البداءة بها لذلك انتهى (١).
وقولها: "أن أبوَيَّ" هكذا في النسخة الهنديّة، وهو الموافق للقواعد؛ لأن المثنّى يُجرّ، وُينصب، بالياء، فإذا أضيف إلى ياء المتكلّم تدغم ياؤه في ياء المتكلّم، ووقع في النسخ المطبوعة بلفظ "أن أبواي" بالألف، ويحتمل أن يكون له وجه صحيح، وهو أن يُخرّج على لغة من يُلزم المثنّى الألف في الأحوال كلها.
[فائدة]: ذكر ابن مالك -رحمه اللَّه تعالى- قاعدة ما يُضاف إلى ياء المتكلم في "الخلاصة"، فقال:
آخِرَ مَا اُضِيفَ لِلْيَا اكْسِرْ إِذَا … لَمْ يَكُ مُعْتَلاً كَرَامٍ وَقَذَى
أَوْ يَكُ كَابْنَيْنِ وَزَيدِينَ فَذِي … جَمِيعُهَا الْيَا بَعْدُ فَتْحُهَا احْتُذِي
وَتُدْغَمُ الْيَا فِيهِ وَالْوَاوُ وَإِنْ .. مَا قَبْلَ وَاوِ ضُمّ فَاكْسِرْهُ يَهُنْ
وَأَلِفًا سَلِّمْ وَفِي الْمَقْصُورِ … عَنْ هُذَيْلٍ انْقِلَابَهُا يَاءً حَسَنْ
стр. 14464
وقولها: "من أجل أنّهنّ اخترنه" قال السنديّ -رحمه اللَّه تعالى-: يشير بذلك إلى أنهنّ لو لم يكنّ اخترنه كان ما قال طلاقًا، وهو خلاف ما يفيده ظاهر الآية، فإنه يُفيد أن الاختيار للدنيا ليس طلاقًا، وإنما إذا اخترن الدنيا، ينبغي له ﷺ أن يُطلّقهنّ، ولهذا قال أهل التحقيق: إن هذا الاختيار خارج عن محلّ النزاع، فلا يتمّ به الاستدلال على مسائل الاختيار، فليُتأمّل انتهى. وسيأتي تحقيق أقوال أهل العلم في المسألة قريبًا، إن شاء اللَّه تعالى.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الحديث متّفقٌ عليه، وقد تقدّم في "كتاب النكاح" -٢/ ٣٢٠٢ - باب "ما افترض اللَّه على رسوله ﷺ ، وحرّمه على خلقه؛ ليزيده إن شاء اللَّه قربةً إليه"، وقد استوفيت شرحه وبيان المسائل المتعلّقة به هناك، وبقي هنا البحث المتعلّق بالتخيير، وفيه مسائل:
(المسألة الأولى): ذهب جمهور أهل العلم من الصحابة، والتابعين، وفقهاء الأمصار على أن من خيّر امرأته، فاختارته، لا يقع عليه بذلك طلاق، واختلفوا فيما إذا اختارت نفسها، هل يقع طلقة واحدة رجعيّةً، أو بائنًا، أو يقع ثلاثًا؟. وحكى الترمذيّ عن عليّ ﵁: إن اختارت نفسها فواحدةٌ بائنةٌ، وإن اختارت زوجها فواحدةٌ رجعيّةٌ. وعن زيد ابن ثابت ﵁: إن اختارت نفسها فثلاثٌ، وإن اختارت زوجها فواحدة بائنة. وعن عمر، وابن مسعود - رضي اللَّه تعالى عنهما -: إن اختارت نفسها فواحدةٌ بائنةٌ، وعنهما رجعيّةٌ، وإن اختارت زوجها فلا شيء.
ويؤيّد قول الجمهور من حيث المعنى: أن التخيير ترديدٌ بين شيئين، فلو كان اختيارها لزوجها طلاقًا لاتّحدا، فدلّ على أن اختيارها لنفسها بمعنى الفراق، واختيارها لزوجها بمعنى البقاء في العصمة. وقد أخرج ابن أبي شيبة من طريق زاذان، قال: كنّا جلوسًا عند عليّ ﷺ ، فسُئل عن الخيار؟ فقال: سألني عنه عمر؟ فقلت: إن اختارت نفسها فواحدةٌ بائنٌ، وإن اختارت زوجها فواحدةٌ رجعيّةٌ. قال: ليس كما قلت، إن اختارت زوجها فلا شيء، قال: فلم أجد بُدًّا من متابعته، فلما وليت رجعت إلى ما كنت أعرف. قال عليّ: وأرسل عمر إلى زيد بن ثابت، فقال … فذكر مثل ما حكاه عنه الترمذيّ. وأخرج ابن أبي شيبة من طرق عن عليّ ﵁ نظير ما حكاه عنه زاذان من اختياره.
وأخذ مالك بقول زيد بن ثابت، واحتجّ بعض أتباعه لكونها إذا اختارت نفسها تقع ثلاثًا بأن معنى الخيار بت أحد الأمرين، إما الأخذ، وإما الترك، فلو قلنا: إذا اختارت نفسها يكون طلقة رجعيّة لم يعمل بمقتضى اللفظ؛ لأنها تكون بعدُ في أسر الزوج،
стр. 14465
وتكون كمن خُيِّرَ فاختار غيرهما.
وأخذ أبو حنيفة بقول عمر، وابن مسعود فيما إذا اختارت نفسها، فواحدةٌ بائنةٌ، ولا يرد عليه الإيراد السابق.
وقال الشافعيّ: التخيير كناية، فإذا خيّر الزوج امرأته، وأراد بذلك تخييرها بين أن تطلّق منه، وبين أن تستمرّ في عصمته، فاختارت نفسها، وأرادت بذلك الطلاق طلّقت، فلو قالت: لم أرد باختيار نفسي الطلاق صُدّقت.
قال الحافظ: ويؤخذ من هذا أنه لو وقع التصريح في التخيير بالتطليق أن الطلاق يقع جزمًا، نبّه على ذلك شيخنا الحافظ أبو الفضل العراقيّ في "شرح الترمذيّ". ونبّه صاحب "الهداية" من الحنفيّة على اشتراط ذكر النفس في التخيير، فلو قال مثلاً: اختاري، فقالت: اخترتُ لم يكن تخييرًا بين الطلاق وعدمه، وهو ظاهر، لكن محلّه الإطلاق، فلو قصد ذلك بهذا اللفظ ساغ. وقال صاحب "الهدإية" أيضًا: إن قال: اختاري ينوي به الطلاق، فلها أن تطلّق نفسها، ويقع بائنا، فلو لم ينو فهو باطلٌ. وكذا لو قال: اختاري، فقالت: اخترتُ، فلو نوى، فقالت: اخترت نفسي وقعت طلقةٌ رجعيّة. انتهى.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: عندي الأرجح ما قاله عمر، وابن مسعود - رضي اللَّه تعالى عنهما -، وهو أنها إن اختارت زوجها، فلا شيء، وإن اختارت نفسها فهي طلقة واحدة؛ لحديث عائشة ﵂ المذكور في الباب وسيأتي وَجه الاستدلال في المسألة التالية. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الثانية): قال الخطّابيّ: يؤخذ من قول عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها -: "فاخترناه، فلم يكن ذلك طلاقًا" أنها لو اختارت نفسها لكان ذلك طلاقًا. ووافقه القرطبيّ في "المفهم"، فقال: في الحديث أن المخيّرة إذا اختارت نفسها أن نفس ذلك الاختيار يكون طلاقًا من غير احتياج إلى نطق بلفظ يدلّ على الطلاق، قال: وهو مقتبسٌ من مفهوم قول عائشة المذكور.
قال الحافظ: لكن ظاهر الآية أن ذلك بمجرّده لا يكون طلاقًا، بل لا بدّ من إنشاء الزوج الطلاق؛ لأن فيها: ﴿فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ﴾ الآية، أي بعد الاختيار، ودلالة المنطوق مقدّمةٌ على دلالة المفهوم. انتهى (١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: عندي أنه لا تخالف بين الدلالتين؛ إذ التسريح المراد به أن يخلي سبيلها، ولا يتعرض لها بعد اختيار نفسها؛ لكونه طلاقًا، لا أنه يحتاج إلى أن يطلقها، فلا يخالف مفهومُ حديث عائشة منطوق الآية. فَتَأَمَّلْ. واللَّه تعالى أعلم
стр. 14466
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الثالثة): اختلفوا في التخيير، هل هو بمعنى التمليك، أو بمعنى التوكيل؟ وللشافعي فيه قولان: المصحّح عند أصحابه أنه تمليكٌ، وهو قول المالكيّة بشرط مبادرتها له حتى لو أخّرت بقدر ما ينقطع القبول عن الإيجاب في العقد، ثم طلّقت لم يقع. وفي وجه لا يضرّ التأخير ما داما في المجلس، وبه جزم ابن القاصّ، وهو الذي رجّحه المالكيّة، والحنفيّة، وهو قول الثوريّ، والليث، والأوزاعيّ. وقال ابن المنذر: الراجح أنه لا يتقيّد، ولا يشترط فيه الفور، بل متى طلّقت نفذ، وهو قول الحسن، والزهريّ، وبه قال أبو عبيد، ومحمد بن نصر، من الشافعيّة، والطحاويّ من الحنفيّة. وتمسّكوا بحديث الباب، حيث وقع فيه: "إني ذاكرٌ لك أمرًا، فلا تعجلي حتى تستأمري أبويك … " الحديث، فإنه ظاهرٌ في أنه فسّح لها إذ أخبرها أن لا تختار شيئًا حتى تستأذن أبويها، ثم تفعل ما يشيران به عليها، وذلك يقتضي عدم اشتراط الفور في جواب التخيير.
قال الحافظ: ويمكن أن يقال: يشترط الفور، أو ما داما في المجلس عند الإطلاق، فأما لو صرّح الزوج بالفسحة في تأخيره بسبب يقتضي ذلك، فيتراخى، وهذا الذي وقع في قصّة عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها -، ولا يلزم من ذلك أن يكون كلّ خيار كذلك. انتهى (١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الذي ذكره الحافظ من الإمكان فيه نظر لا يخفى، بل الظاهر ما قاله الحسن، والزهريّ، وأبو عبيد، والطحاويّ، واختاره ابن المنذر --رحمهم اللَّه تعالى--، من عدم التقييد في التخيير، كما هو ظاهر حديث الباب، فليُتأمّل. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٤٦٧ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى, قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ ثَوْرٍ, عَنْ مَعْمَرٍ, عَنِ الزُّهْرِيِّ, عَنْ عُرْوَةَ, عَنْ عَائِشَةَ, قَالَتْ: لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ دَخَلَ عَلَيَّ النَّبِيُّ ﷺ , بَدَأَ بِي, فَقَالَ: «يَا عَائِشَةُ, إِنِّي ذَاكِرٌ لَكِ أَمْرًا, فَلَا عَلَيْكِ أَنْ لَا تُعَجِّلِي, حَتَّى تَسْتَأْمِرِي أَبَوَيْكِ» , قَالَتْ: قَدْ عَلِمَ وَاللَّهِ, أَنَّ أَبَوَيَّ لَمْ يَكُونَا, لِيَأْمُرَانِّي بِفِرَاقِهِ, فَقَرَأَ عَلَيَّ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا﴾ , فَقُلْتُ: أَفِي هَذَا أَسْتَأْمِرُ أَبَوَيَّ؟ فَإِنِّي أُرِيدُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ.
قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ: هَذَا خَطَأٌ, وَالأَوَّلُ أَوْلَى بِالصَّوَابِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ).
قال الجامع عفا اللَّهَ تعالى عنه: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير "محمد بن
стр. 14467
ثور" الصنعانيّ، فإنه من أفراده هو، وأبي داود، وهو ثقة عابد [٩] ١٠٢/ ٢٠٤٥.
وقوله: "قال أبو عبد الرحمن الخ" غرضه بهذا أن رواية معمر هذه عن الزهريّ، عن عروة، عن عائشة غير محفوظة، وإنما المحفوظ ما رواه غيره عن الزهريّ، عن أبي سلمة، عنها، كما هي الرواية السابقة.
وعبارة "الكبرى": وحديث يونس، وموسى بن عُليّ الذي قبله أولى بالصواب.
وهذا الكلام نقله الحافظ المزّيّ في "تحفة الأشراف" -١٢/ ٨٧ - قال: وقال النسائيّ: هذا خطأٌ، لا نعلم أحدًا من الرواة تابع معمرًا على هذه الرواية، فقد رواه موسى بن أعين، عن معمر، عن الزهريّ، عن أبي سلمة، عن عائشة، ومحمد بن ثور ثقةٌ انتهى.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الذي قاله المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، من تفرّد معمر، فيه نظر، فقد تابعه عليه جعفر بن بُرقان، كما قال الحافظ في "الفتح"، وعبارته: وتابع معمرًا على عروة جعفر بن برقان، ولعلّ الحديث كان عند الزهريّ عنهما جميعًا، فحدّث به تارة عن هذا، وتارةً عن هذا، وإلى هذا مال الترمذيّ انتهى (١).
والحاصل أن الذي يظهر أن الطريقين محفوظتان، فيكون الحديث صحيحًا بالطريقين. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه
أنيب".
…
٢٧ - (بَابٌ فِي الْمُخَيَّرَةِ، تَخْتَارُ زَوْجَهَا)
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: غرض المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- بهذا أن المرأة التي خيرها زوجها بين البقاء معه، وبين مفارقته، إذا اختارت زوجها، لا يقع عليها شيء من الطلاق؛ لحديث الباب.
قال الحافظ وليّ الدين -رحمه اللَّه تعالى-: فيه أن من خيّر زوجته، فاختارته لم يكن ذلك طلاقًا، ولم تقع به فُرقةٌ، وقد صرّحت بذلك عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - بقولها:
стр. 14468
"خيّرنا رسول اللَّه ﷺ ، فلم يعدّه طلاقًا". وفي لفظ: "فلم يكن طلاقًا". وفي لفظ: "فلم يعُدّه علينا شيئًا". وفي لفظ: "أفكان طلاقًا؟ "، وكلّ هذه الألفاظ في الصحيح، من رواية مسروق عنها. وبه قال جمهور العلماء، من الصحابة، والتابعين، ومن بعدهم، وهو مذهب الأئمّة الأربعة. وممن قال به عمر، وابن مسعود، وأبو الدرداء، وابن عبّاس، وغيرهم. ووراء ذلك قولان شاذّان:
[أحدهما]: أنه يقع بذلك طلقةٌ رجعيّة، وهو محكي عن عليّ ﵁.
[والثاني]: أنه تقع به طلقة بائنة. وهو محكيّ عن زيد بن ثابت انتهى كلام وليّ الدين باختصار (١). وقد تقدّم في الباب الماضي تمام البحث في هذه المسألة. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
٣٤٦٨ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ, قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى, - هُوَ ابْنُ سَعِيدٍ- عَنْ إِسْمَاعِيلَ, عَنْ عَامِرٍ, عَنْ مَسْرُوقٍ, عَنْ عَائِشَةَ, قَالَتْ: "خَيَّرَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ , فَاخْتَرْنَاهُ, فَهَلْ كَانَ طَلَاقًا").
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد عندهم رجال الصحيح، وتقدّموا غير مرّة.
و"عمرو بن عليّ": هو الفلاّس. و"يحيى بن سعيد": هو القطّان. و"إسماعيل": هو ابن أبي خالد. و"عامر": هو ابن شراحيل الشعبيّ.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد سبق تمام البحث فيه في الباب الماضي. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٤٦٩ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى, قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ, قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ, عَنْ عَاصِمٍ, قَالَ: قَالَ: الشَّعْبِيُّ, عَنْ مَسْرُوقٍ, عَنْ عَائِشَةَ, قَالَتْ: "قَدْ خَيَّرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ نِسَاءَهُ, فَلَمْ يَكُنْ طَلَاقًا").
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، و"خالد": هو ابن الحارث. و"عاصم": هو ابن سليمان الأحول. والسند مسلسلٌ بالبصريين إلى عاصم. والحديث متّفقٌ عليه، وقد سبق القول فيه قريبًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٤٧٠ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ صُدْرَانَ, عَنْ خَالِدِ بْنِ الْحَارِثِ, قَالَ: حَدَّثَنَا أَشْعَثُ -وَهُوَ ابْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ- عَنْ عَاصِمٍ, عَنِ الشَّعْبِيِّ, عَنْ مَسْرُوقٍ, عَنْ عَائِشَةَ,
стр. 14469
قَالَتْ: "قَدْ خَيَّرَ النَّبِيُّ ﷺ نِسَاءَهُ, فَلَمْ يَكُنْ طَلَاقًا").
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، غير شيخه "محمد بن إبراهيم بن صُدْران" أبي جعفر الأزديّ السَّلَميّ المؤذِّن البصريّ، فقد تفرد به هو وأبو داود، والترمذيّ. و"أشعث بن عبد الملك": هو الْحُمْرانيّ، أبو هانيّ البصريّ.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد سبق الكلام عليه قريبًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٤٧١ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى, قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ, قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ, عَنْ سُلَيْمَانَ, عَنْ أَبِي الضُّحَى, عَنْ مَسْرُوقٍ, عَنْ عَائِشَةَ, قَالَتْ: "قَدْ خَيَّرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ نِسَاءَهُ, أَفَكَانَ طَلَاقًا").
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد عندهم رجال الصحيح، و"خالد": هو ابن الحارث المذكور في السند السابق، و"سليمان": هو سليمان بن مِهْران الأعمش. و"أبو الضحى": هو مسلم بن صُبيح. والحديث متّفقٌ عليه، وقد سبق الكلام عليه قريبًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٤٧٢ - (أَخْبَرَنِي (١) عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الضَّعِيفُ, قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ, قَالَ: حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ, عَنْ مُسْلِمٍ, عَنْ مَسْرُوقٍ, عَنْ عَائِشَةَ, قَالَتْ: "خَيَّرَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ , فَاخْتَرْنَاهُ, فَلَمْ يَعُدَّهَا عَلَيْنَا شَيْئًا").
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، غير شيخه "عبد اللَّه بن محمد الضعيف" أبي محمد الطرسوسيّ، فقد تفرّد به هو، وأبو داود، وقيل له: "الضعيف"؛ لأنه كان كثير العبادة. وقيل: لكونه نَحِيفًا. وقيل: لشدّة إتقانه، فهو من أسماء الأضداد. وهو ثقة [١٠] ٤٣/ ٢٢٢٢. و"أبو معاية": هو محمد بن خازم الضرير الكوفيّ. و"مسلم": هو أبو الضُّحَى المذكور في السند الماضي.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد سبق الكلام عليه قريبًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
стр. 14470
٢٨ - (خِيَارُ الْمَمْلُوكَيْنِ يَعْتِقَانِ)
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قوله: "يعتقان" يحتمل أن يكون بضمّ أوله مبنيًا للمفعول، من أُعتق الرباعيّ، ويحتمل أن يكون بفتح أوله، وكسر ثالثه، من عتق الثلاثيّ، من باب ضرب، والجملة في محلّ جرّ صفة للمملوكين.
ثم إن ظاهر عبارته يقتضي أنه يرى ثبوت الخيار لكلّ من الزوجين، أما ثبوت الخيار للزوجة فواضح، وأما ثبوته للزوج فغير واضح، إذ في حالة اختياره عدم بقاء زوجته لا ينفسخ النكاح كما ينفسخ إذا اختارت هي نفسها، بل لابدّ من طلاقها، فليُتَأَمَّل. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
٣٤٧٣ - (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ, قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ مَسْعَدَةَ, قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ مَوْهَبٍ, عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ, قَالَ: كَانَ لِعَائِشَةَ غُلَامٌ وَجَارِيَةٌ, قَالَتْ: فَأَرَدْتُ أَنْ أُعْتِقَهُمَا, فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَ: «ابْدَئِي بِالْغُلَامِ, قَبْلَ الْجَارِيَةِ»).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (إسحاق بن إبراهيم) الحنظليّ المعروف بـ "ابن راهويه"، أبو يعقوب المروزيّ، ثقة ثبت حجة [١٠] ٢/ ٢.
٢ - (حماد بن مسعدة) التميميّ، أبو سعيد البصريّ، ثقة [٩] ٩٧/ ١٠٤٠.
٣ - (ابن موهب) -بفتح الهاء- هو: عبيد اللَّه بن عبد الرحمن بن عبد اللَّه بن موهَب القرشيّ التيميّ المدنيّ، ويقال: عبد اللَّه، حسن الحديث (١) [٧].
روى عن عمّه عبيد اللَّه بن عبد اللَّه، والقاسم بن محمد، وعليّ بن الحسين، ومحمد بن كعب الْقُرظيّ، وشريك بن أبي نَمِر، وشَهْر بن حوشب، وغيرهم. وعنه الثوريّ، وابن المبارك، ووكيعٌ، وعيسى بن يونس، وأبو أحمد الزبيريّ، وحمّاد بن مسعدة، وابن أبي فُديك، وأبو نُبَاتة، وأبو عليّ الحنفيّ، والقعنبيّ، وآخرون.
قال إسحاق بن منصور، عن يحيى: ثقة. وقال الدوريّ، عن يحيى: ضعيف. وقال أبو حاتم: صالح. وقال يعقوب بن شيبة: عبيد اللَّه بن موهب، عن القاسم، فيه ضعف. وقال البخاريّ في "التاريخ"الأوسط": كان ابن عُيينة يُضعّفه. وقال العجليّ:
стр. 14471
ثقة. وقال النسائيّ: ليس بذاك القويّ. وقال ابن عديّ: حسن الحديث، يكتب حديثه. وذكره ابن حبّان في "الثقات". وقال ابن سعد: يكنى أبا محمد، مات سنة (١٥٤) وهو ابن ثمانين سنةً، وكان قليل الحديث.
روى له البخاريّ في "الأدب المفرد"، والمصنّف، وأبو داود، وابن ماجه، وله عند المصنّف، وأبي داود حديث الباب فقط، وله عند ابن ماجه حديث آخر أيضًا.
٤ - (القاسم بن محمد) بن أبي بكر الصدّيق ﵁، التيميّ، أحد الفقهاء السبعة المشهورين بالمدينة، ثقة ثبت، قال أيوب: ما رأيت أفضل منه، من كبار [٣] ١٢٠/ ١٦٦.
٥ - (عائشة) - رضي اللَّه تعالى عنها - ٥/ ٥. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير ابن موهب، كما مرّ آنفًا. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخه، فمروزيّ، وحماد بن مسعدة، فبصريّ. (ومنها): أن فيه القاسم بن محمد من الفقهاء السبعة. (ومنها): أن فيه عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - من المكثرين السبعة، روت (٢٢١٠) أحاديث. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
٤ - (عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّد) بن أبي بكر الصدّيق، أنه (قَالَ: كَانَ لِعَائِشَةَ) - رضي اللَّه تعالى عنها - (غُلَامٌ وَجَارِيَةٌ) ولفظ أبي داود من طريق عبيد اللَّه بن عبد المجيد، عن ابن موهب: "أنها أرادت أن تُعتق مملوكين لها، زوج … " قال في "عون المعبود": أي هما زوجٌ، أي رجلٌ، وامرأةٌ؛ لأن الزوج في الأصل يُطلق على شيئين، بينهما ازدواج، وقد يطلق على فرد منهما.
وقال الطيبيّ: قوله: "لها زوجٌ": في إعرابه إشكالٌ، إلا أن يقدّر: أحدهما زوجٌ للآخر، أو بينهما ازدواجٌ. وفي أكثر نسخ "المصابيح"، وفي "شرح السنّة": "لها زوجين" وهو صفة و"مملوكين"، والضمير في "لها" لعائشة، ويجوز أن يكون الضمير للجارية؛ لما يُفهم من قوله: "مملوكين" في هذا السياق، فحينئذ يجوز أن يكون "زوج" مبتدأ، والجارّ والمجرور خبره، وأن يكون فاعله؛ لاعتماده على الموصوف، ويؤيّده ما وقع في بعض نسخ المصابيح: "مملوكة لها زوج" انتهى كلام الطيبيّ ببعض تغيير (١).
стр. 14472
(قَالَتْ) عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - (فَأَرَدْتُ أَنْ أُعْتِقَهُمَا) بضم الهمزة، من الإعتاف رباعيًّا (فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَقَالَ) ﷺ (ابْدَئِي بِالْغُلَامِ، قَبْلَ الْجَارَيةِ) أي أعتقي العبد قبل الأمة.
قال الطيبيّ: معناه: كان لعائشة عبد وأمة، وكانت الأمة زوجته، وأرادت أن تُعتقهما، فسألت النبيّ ﷺ بعتق أيّهما أبتدىء؟ فأمرها ﷺ أن تبتدىء بعتق الزوج؛ لأنها لو أعتقت أوّلاً الزوجة لانفسخ النكاح، ولو أعتقت أوّلاً الزوج لا ينفسخ، والإعتاق على وجه يُبقي النكاح أولى انتهى (١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قوله: "لانفسخ النكاح" فيه نظر، إذ لا ينفسخ بمجرّد العتق، وإنما إذا اختارت نفسها، فالأولى أن يقيّده بقوله: إن اختارت نفسها. واللَّه تعالى أعلم.
وقال الخطّابيّ: وفي هذا دلالةٌ على أن الخيار بالعتق إنما يكون للأمة، إذا كانت تحت عبد، ولو كان لها خيارٌ إذا كانت تحت حرّ، لم يكن لتقديم الزوج عليها معنىً، ولا فيه فائدة انتهى (٢).
وقال السنديّ: قيل: أمرها بذلك؛ لئلا تختار الزوجة نفسها، إن بدأت بإعتاقها. قلت: وهذا لا يمنع إعتاقهما معًا، فيمكن أن يقال: بدأ بالرجل؛ لشرفه. انتهى (٣).
واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - هذا حسنٌ، ولا يضرّه الكلام في ابن موهب؛ فإنه قد روى عنه جماعة، ووثّقه جماعة، وتضعيف من ضعّفه غير مفسّرٍ، فلا ينزل حديثه عن درجة الحسن، كما وصفه بذلك ابن عديّ -رحمه اللَّه تعالى- في كلامه السابق، فتبصّر. واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٢٨/ ٣٤٧٣ - وفي "الكبرى" ٢٩/ ٥٦٣٩. وأخرجه (د) في "الطلاق" ٢٢٣٧ (ق) في "الأحكام" ٢٥٣٢. واللَّه تعالى أعلم.
стр. 14473
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ثبوت الخيار للأمة إذا أعتقت، ووجه الدلالة من الحديث أنه ﷺ أمر عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - أن تعبدًا بعتق العبد قبل الأمة؛ لئلا تختار نفسها، فينفسخ النكاح، فيدلّ على أن لها الخيار لو أعتقت قبله، وسيأتي في الباب التالي تحقيق أقوال أهل العلم في هذه المسألة، إن شاء اللَّه تعالى. (ومنها): استحباب البداءة بالرجل لمن أراد أن يُعتق الزوجين من عبيده؛ للمعنى المذكور. (ومنها): جواز تصرّف المرأة لمالها بدون استئذان زوجها؛ لأن عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - ما استئذنت النبيّ ﷺ في العتق، وإنما سألته بأيهما تبدأ؟. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
قال الجامع الفقير إلى مولاه الغني القدير، محمد ابن الشيخ عليّ بن آدم بن موسى الإثيُوبي الولّويّ، نزيل مكة المكرّمة، - عفا اللَّه تعالى عنه - وعن والديه ومشايخه آمين:
قد انتهيت من كتابة الجزء الثامن والعشرين من شرح سنن الإمام الحافظ الحجة أبي عبد الرحمن النسائيّ -رحمه اللَّه تعالى-، المسمى "ذخيرةَ العُقْبَى في شرح المجتبى"، أو "غاية المنى في شرح المجتبى".
وذلك بحيّ الزهراء، مخطّط الأمير طلال، في مكة المكرمة زادها اللَّه تعالى تشريفًا وتعظيمًا، وجعلني من خيار أهلها حيًّا وميتًا، وأعْظِمْ به تكريمًا.
وأخر دعوانا ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾.
﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠) وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (١٨١) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
"اللهم صلّ على محمد، وعلى آل محمد، كما صلّيت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد. اللهم بارك على محمد، وعلى آل محمد، كما باركت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد". "السلام عليك أيها النبيّ، ورحمة اللَّه، وبركاته".
ويليه -إن شاء اللَّه تعالى- الجزء التاسع والعشرون مفتتحًا بالباب ٢٩ "باب خيار الأمة" الحديث رقم ٣٤٧٤.
"سبحانك اللهمّ، وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك، وأتوب إليك".
стр. 14474
شرح
سُنن النّسائى
شرح سنن النسائي
المسمَّى
ذخيرة العقبى في شرح المجتبى
لجامعه الفقير إلى مولاه الغتي القدير
محمد ابن الشيخ العلامة علي بن آدم بن موسى الأيتوبي الوَلَّوي
المدرس بدار الحديث الخيرية بمكة المكرمة
عفا اللَّه عنه وعن والديه آمين
الجزء الثامن والعشرون
دار آل بروم للنشر والتوزيع
стр. 14475
جميع الحقوق محفوظة
الطبعة الأولى
١٤٢٤هـ - ٢٠٠٣م
دار آل بروم للنشر والتوزيع
المملكة العربية السعودية - مكة المكرمة - المكتب الرئيسي التنعيم
ص ب: ٤١٤٥ - (تلفاكس ٥٢١١٥٧٦ - جوّال ٠٥٥٥٤١٠٢٦)
стр. 14476
شرح سنن النسائي
стр. 14477
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
стр. 14478
٢٩ - (بَابُ خِيَارِ الأَمَةِ)
٣٤٧٤ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ, قَالَ: أَنْبَأَنَا ابْنُ الْقَاسِمِ, عَنْ مَالِكٍ, عَنْ رَبِيعَةَ, عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ, عَنْ عَائِشَةَ, زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ , قَالَتْ: كَانَ فِي بَرِيرَةَ ثَلَاثُ سُنَنٍ: إِحْدَى السُّنَنِ أَنَّهَا أُعْتِقَتْ, فَخُيِّرَتْ فِي زَوْجِهَا, وَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ» , وَدَخَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ , وَالْبُرْمَةُ تَفُورُ بِلَحْمٍ, فَقُرِّبَ إِلَيْهِ خُبْزٌ وَأُدْمٌ, مِنْ أُدْمِ الْبَيْتِ, فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «أَلَمْ أَرَ بُرْمَةً فِيهَا لَحْمٌ؟» , فَقَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ, ذَلِكَ لَحْمٌ تُصُدِّقَ بِهِ عَلَى بَرِيرَةَ, وَأَنْتَ لَا تَأْكُلُ الصَّدَقَةَ, فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «هُوَ عَلَيْهَا صَدَقَةٌ, وَهُوَ لَنَا هَدِيَّةٌ»).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (محمد بن سلمة) بن أبي فاطمة المراديّ الْجَمَليّ، أبو الحارث المصريّ، ثقة ثبت [١١] ١٩/ ٢٠.
٢ - (ابن القاسم) هو عبد الرحمن الْعُتَقيّ، أبو عبد اللَّه المصريّ الفقيه، صاحب مالك، ثقة، من كبار [١٠] ١٩/ ٢٠.
٣ - (مالك) بن أنس الإمام الحجة الفقيه المدنيّ [٧] ٧/ ٧.
٤ - (ربيعة) بن أبي عبد الرحمن فَرُّوخ التيميّ مولاهم، أبو عثمان المدنيّ المعروف بربيعة الرأي، ثقة فقيه، مشهور، قال ابن سعد: كانوا يتّقونه لموضع الرأي [٥] ٣٦/ ٧٢٩. والباقيان تقدّما في الباب الماضي. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخه، وشيخ شيخه، فمصريان. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ عَائِشَةَ) - رضي اللَّه تعالى عنها - (زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ ) بجرّ "زوج" بدلاً عن "عائشة"، ويجوز قطعه إلى الرفع والنصب، أنها (قَالَتْ: كَانَ فِي بَرِيرَةَ) بفتح الموحّدة، بوزن فَعِيلة، مشتقّةٌ من البَرِير، وهو ثمر الأراك. وقيل: فَعِيلةٌ، من البرّ، بمعنى مفعولة،
стр. 14479
كمبرورة، أو بمعنى فاعلة، كرحيمة. هكذا وجّهه القرطبيّ. والأول أولى؛ لأنه ﷺ غيّر اسم جُويرية، وكان اسمها برّة، وقال: "لا تزكّوا أنفسكم"، فلو كانت بَرِيرة من البرّ لشاركتها في ذلك. وكانت بريرةُ مولاةً لقوم من الأنصار. وقيل: لآل عُتبة بن أبي لهب. وقيل: لبني هلال. وقيل: لآل أبي أحمد بن جحش. قال الحافظ: وفي هذا القول نظرٌ، فإن زوجها هو الذي كان مولى أبي أحمد بن جحش. والقول الثاني خطأٌ، فإن مولى عُتبة سأل عائشة عن حكم المسألة، فذكرت له قصّة بريرة. أخرجه ابن سعد، وأصله عند البخاريّ، فاشترتها عائشة، فأعتقتها، وكانت تخدم عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - قبل أن تشتريها، وتعتقها. وعاشت إلى خلافة معاوية. وتفرّست في عبد الملك بن مروان أنه يلي الخلافة، فبشّرته بذلك، وروى هو ذلك عنها، فقد ذكر أبو عمر ابن عبد البرّ من طريق عبد الخالق بن زيد بن واقد، عن أبيه: عبد الملك بن مروان، قال: كنت أُجالس بَرِيرة بالمدينة، فكانت تقول لي: يا عبد الملك، إني أرى فيك خصالاً، وإنك لخليقٌ أن تلي هذا الأمر، فإني وليته، فاحذر الدماء، فإني سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "إن الرجل لَيُدفَع عن باب الجنّة بعد أن ينظر إليه بملء مِحْجَمة، من دم يريقه من مسلم بغير حقّ". أفاده في "الإصابة"، و"الفتح" (١).
وقال في "الفتح" أيضًا في موضع آخر (٢): وقيل: إنها نَبَطيةٌ -بفتح النون، والموحّدة. وقيل: إنها قِبْطِيّةٌ -بكسر القاف، وسكون الموحّدة. وقيل: إن اسم أبيها صفوان، وإنّ له صحبةً. واختُلف في مواليها، ففي رواية أُسامة بن زيد، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن القاسم، عن عائشة: أنّ بَريرة كانت لناس من الأنصار.
وكذا عند النسائيّ من رواية سماك، عن عبد الرحمن. ووقع في بعض الشروح: لآل أبي لَهَب، وهو وَهَمٌ من قائله، انتقل وهمه من أيمن أحد رواة قصّة بَريرة، عن عائشة إلى بَرِيرة. وقيل: لآل بني هلال. أخرجه الترمذيّ، من رواية جرير، عن هشام بن عروة انتهى (٣).
(ثَلَاثُ سُنَنٍ) وفي رواية هشام بن عروة، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه التالية: "ثلاث قضيات". وفي حديث ابن عبّاس عند أحمد، وأبي داود: "قضَى فيها
стр. 14480
النبيّ ﷺ أربع قضيّات"، فذكر نحو حديث عائشة، وزاد: "وأمرها أن تعتدّ عدّة الحرّة". أخرجه الدارقطنيّ. وهذه الزيادة لم تقع في حديث عائشة، فلذلك اقتصرت على ثلاث، لكن أخرج ابن ماجه من طريق الثوريّ، عن منصور، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة، قالت: "أُمرت بَريرة أن تعتدّ بثلاث حِيَض". وهذا مثلُ حديث ابن عباس في قوله: "تعتدّ عدّة الحرّة"، ويُخالف ما وقع في رواية أُخرى عن ابن عباس: "تعتدّ بحيضة". وسيأتي البحث في عدّة المختلعة، وأن من قال: الخلع فسخٌ، قال: تعتدّ بحيضة، وهنا ليس اختيار العتيقة نفسها طلاقًا، فكان القياس أن تعتدّ بحيضة، لكن الحديث الذي أخرجه ابن ماجه على شرط الشيخين، بل هو في أعلى درجات الصحّة. وقد أخرج أبو يعلى، والبيهقيّ من طريق أبي معشر، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها -: "أنّ النبيّ ﷺ جعل عدّة بريرة عدّة المطلّقة"، وهو شاهدٌ قويّ؛ لأن أبا معشر، وإن كان فيه ضعفٌ، لكن يصلح في المتابعات. وأخرج ابن أبي شيبة بأسانيد صحيحة، عن عثمان، وابن عمر، وزيد بن ثابت، وآخرين: "أنّ الأمة إذا أُعتقت تحت العبد، فطلاقها طلاق عبد، وعدّتها عدّة حرّة".
وقد صنّف العلماء في قصّة بريرة تصانيف، وإنّ بعضهم أوصلها إلى أربعمائة فائدة، ولا يُخالف ذلك قول عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها -: "ثلاث سُنن"؛ لأن مراد عائشة ما وقع من الأحكام فيها مقصودًا خاصّةً، لكن لمّا كان كلّ حكم منها يشتمل على تقعيد قاعدة يَستنبط العالم الفطن منها فوائد جمّة وقع التكثير من هذه الحيثيّة، وانضمّ إلى ذلك ما وقع في سياق القصّة غير مقصود، فإن في ذلك أيضًا فوائد تؤخذ بطريق التنصيص، أو الاستنباط، أو اقتصر على الثلاث، أو الأربع؛ لكونها أظهر ما فيها، وما عداها إنما يؤخذ بطريق الاستنباط، أو لأنها أهمّ، والحاجة إليها أمسّ.
قال القاضي عياضٌ: معنى "ثلاث"، أو "أربع" أنها شرعت في قصّتها، وما يظهر فيها مما سوى ذلك، فكان قد عُلم من غير قصّتها. وهذا أولى من قول من قال: ليس في كلام عائشة حصرٌ، ومفهوم العدد ليس بحجّة، وما أشبه ذلك من الاعتذارات التي لا تدفع سؤال ما الحكمة في الاقتصار على ذلك؟. قاله في "الفتح" (١).
стр. 14481
(إِحْدَى السُّنَنِ أَنَّهَا أُعْتِقَتْ) بضمّ أوله، مبنيًّا للمفعول (فَخُيِّرَتْ فِي زَوْجِهَا) ببناء الفعل للمفعول أيضًا. وفي رواية الأسود عن عائشة الآتية في الباب التالي: "فدعاها رسول اللَّه ﷺ ، فخيرها من زوجها، قال: لو أعطاني كذا وكذا ما أقمتُ عنده، فاختارت نفسها". وفي رواية عند البخاريّ: "فخُيّرت بين أن تبقى تحت زوجها، أو تُفارقه". و"تقرّ" بفتح القاف، وتشديد الراء: أي تدوم. وفي رواية للدارقطنيّ من طريق أبان بن صالح، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها -: أن النبيّ ﷺ قال لبريرة: "اذهبي فقد عَتَقَ بُضْعُك".
(وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ") هذه هي السنّة الثانية. وفي الرواية التالية: "فإنما الولاء لمن أعتق"، ويُستفاد منه أن كلمة "إنما" تفيد الحصر، وإلا لما لزم من إثبات الولاء للمعتق نفيه عن غيره، وهو أريد من الخبر، ويؤخذ منه أنه لا ولاء للإنسان على أحد بغير العتق، فينتفي من أسلم على يد أحد، وأنه لا ولاء للملتقط؛ خلافًا لإسحاق، ولا لمن حالف إنسانًا، خلافًا لطائفة من السلف، وبه قال أبو حنيفة. ويؤخذ من عمومه أن الحربيّ لو أَعتق عبدًا، ثم أسلما أنه يستمرّ ولاؤه، وبه قال الشافعيّ، وقال ابن عبد البرّ: إنه قياس قول مالك، ووافق على ذلك أبو يوسف، وخالف أصحابه، فإنهم قالوا: العتيق في هذه الصورة له أن يتولّى من يشاء (١).
(وَدَخَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ) زاد في رواية البخاريّ: "بيت عائشة" (وَالْبُرْمَةُ) الواو للحال، وهو بضمّ الموحّدة، وسكون الراء: القِدْرُ، جمعه بُرَم، مثلُ غرفة وغُرَف، وبِرَام، ككِتاب (تَفُورُ بِلَحْمٍ) وهو لحم شاة؛ لرواية عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها -: "تُصُدّق على مولاتي بشاة من الَصدقة … "، فما وقع في بعض الشروح أنه كان لحم بقر فيه نظر؛ لأن أولى ما يفسّر به المبهم ما وقع في الروايات الأخرى. أفاده في "الفتح" (فَقُرِّبَ) بالبناء للمفعول (إِلَيْهِ خُبْزٌ وَأُدْمٌ من أُدُمِ الْبَيْتِ) الأول بضمّ، فسكون، مفرد، ويجمع على اَدام، كقُفْل وأقفال، والثاني بضمّتين، جمع إدام، ككتاب وكُتُب، ويجوز تسكين داله للتخفيف: وهو ما يُؤتدم به مائعًا كان، أو جامدًا.
وقال السنديّ: في "المجمع": "الأُدْمُ" ككُتْبٍ في كُتُبٍ. فظاهره أنه بالضمّتين جمع، نعم يجوز السكون في كلّ ما كان بضمّتين، وعلى هذا فالظاهر أن الأول بضمّ، فسكون
стр. 14482
مفردٌ، والثاني بضمّتين جمعٌ، ومعنى "أدم البيت" الأدم التي توجد في البيوت غالبًا، كالخلّ، والعسل، والتمر انتهى (١).
(فَقَالَ: رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أَلَمْ أَرَ بُرْمَة فِيهَا لَحْمٌ؟ "، فَقَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ، ذَلِكَ لَحْمْ تُصُدِّقَ بِهِ عَلَى بَرِيرَةَ، وَأَنْتَ لَا تَأْكُلُ الصَّدَقَةَ) وفي رواية الأسود، عن عائشة الآتية في الباب التالي: "وأُتي بلحم، فقيل: إن هذا مما تُصُدّق به على بريرة … ". قال في "الفتح": ويُجمع بين الروايتين بأنه لَمّا سأل عنه أُتي به، وقيل له ذلك. ووقع في رواية عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة عند البخاريّ في "الهبة": "فأُهدي لها لحم، فقيل: هذا تُصدّق به على بَرِيرة"، فإن كان الضمير لبريرة، فكأنه أطلق على الصدقة عليها هديّة لها، وإن كان لعائشة فلأن بَريرة لما تصدّقوا عليها باللحم أهدت منه لعائشة. ويؤيّده ما وقع في رواية أسامة بن زيد، عن القاسم عند أحمد، وابن ماجه: "ودخل عليّ رسول اللَّه ﷺ ، والْمِرْجل يَفور بلحم، فقال: من أين لك هذا؟ قلت: أهدته لنا بريرة، وتُصُدّق به عليها". وعند أحمد، ومسلم من طريق أبي معاوية، عن هشام بن عروة، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة: "وكان الناس يتصدّقون عليها، فتُهدي لنا". انتهى (فَقَالَ: رَسُولُ اللْهِ ﷺ : "هُوَ عَلَيْهَا صَدَقَةٌ، وَهُوَ لَنَا هَدِيَّةٌ") زاد في رواية أبي معاوية المذكورة: "فكلوه". واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الحديث متّفقٌ عليه، وقد تقدّم تخريجه في "كتاب الزكاة" - "إذا تحوّلت الصّدقة"، وبقي هنا بيان فوائده، وما ترجم له المصنّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- في مسألتين، فنقول:
(المسألة الأولى): في فوائده، وليس المراد فوائد هذا السياق فحسبُ، بل ما اشتمل عليه قصّة بريرة - رضي اللَّه تعالى عنها -، بجميع رواياته المختلفة، سواء كان عند المصنّف، أو في "الصحيحين"، أو في غيرهما، كما أشرنا إلى معظمها في الشرح جمعناها في محلّ واحدٍ حتّى تتكامل الاستفادة:
١ - (منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان مشروعيّة الخيار للأمة، إذا أُعتقت، وسيأتي بيان اختلاف المذاهب، وأدلّتها، وترجيح الراجح منها في المسألة التالية، إن شاء اللَّه تعالى.
стр. 14483
٢ - (ومنها): جواز المكاتبة بالسنّة، تقريرًا لحكم الكتاب.
٣ - (ومنها): ما رواه ابن أبي شيبة في "الأوائل" بسند صحيح أنها أول كتابة كانت في الإسلام. لكن يردّ عليه قصّة سلمان الفارسيّ ﵁. ويمكن أن يُجمع بأن أوليته في الرجال، وأوّليّة بريرة في النساء. وقد قيل: إن أول مكاتب في الإسلام أبو أميّة عبد عمر. وادّعى الرويانيّ أن الكتابة لم تكن تُعرف في الجاهليّة. وخولف.
٤ - (ومنها): أنه يؤخذ من مشروعيّة نجوم الكتابة البيع إلى أجل، والاستقراض، ونحو ذلك.
٥ - (ومنها): أن فيه إلحاق الإماء بالعبيد؛ لأن الآية ظاهرة في الذكور.
٦ - (ومنها): جواز كتابة أحد الزوجين الرقيقين، ويُلحق به جواز بيع أحدهما دون الآخر.
٧ - (ومنها): جواز كتابة من لا مال له، ولا حرفة. كذا قيل. وفيه نظر؛ لأنه لا يلزم من طلبها من عائشة الإعانة على حالها أن يكون لا مال لها، ولا حرفة.
٨ - (ومنها): جواز بيع المكاتب إذا رضي، ولم يعجّز نفسه إذا وقع التراضي بذلك. وحمله من منع على أنها عجّزت نفسها قبل البيع. ولكن يحتاج إلى دليل. وقيل: إنما وقع البيع على نجوم الكتابة. وهو بعيدٌ جدًّا.
٩ - (ومنها): أنه يؤخذ منه أن المكاتب عبدٌ ما بقي عليه شيء، فيتفرّع منه إجراء أحكام الرّقيق كلّها في النكاح، والجنايات، والحدود، وغيرها.
١٠ - (ومنها): أن من أدّى أكثر نجومه لا يَعتق تغليبًا لحكم الأكثر، وأن من أدّى من النجوم بقدر قيمته يَعتق، وأن من أذى بعض نجومه لم يَعتق منه بقدر ما أدّى؛ لأن النبيّ ﷺ أذِنَ في شراء بريرة من غير استفصال.
١١ - (ومنها): أن فيه جواز بيع المكاتب، والرقيق بشرط العتق.
١٢ - (ومنها): أن بيع الأمة المزوّجة، وعتقها ليس طلاقًا، ولا فسخًا؛ لثبوت التخيير، فلو طلّقت بذلك واحدةً لكان لزوجها الرجعة، ولم يتوقف على إذنها، أو ثلاثًا لم يقل لها: "لو راجعته"؛ لأنها ما كانت تحلّ له، إلا بعد زوج آخر.
١٣ - (ومنها): أن بيعها لا يُبيح لمشتريها وطأها؛ لأن تخييرها يدلّ على بقاء عُلقة العصمة.
١٤ - (ومنها): أن سيد المكاتب لا يمنعه من الاكتساب، وأن اكتسابه من حين الكتابة يكون له.
١٥ - (ومنها): جواز سؤال المكاتب من يُعينه على بعض نجومه، وإن لم تحلّ، وأن
стр. 14484
ذلك لا يقتضي تعجيزه.
١٦ - (ومنها): جواز سؤال ما لا يضطرّ السائل إليه في الحال.
١٧ - (ومنها): جواز الاستعانة بالمرأة المتزوّجة.
١٨ - (ومنها): جواز تصرّف المرأة في مالها بغير إذن زوجها.
١٩ - (ومنها): جواز بذل مالها في طلب الأجر، حتى في الشراء بالزيادة على ثمن المثل، بقصد التقرّب بالعتق.
٢٠ - (ومنها): جواز شراء من يكون مطلق التصرّف السلعةَ بأكثر من ثمنها؛ لأن عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - بذلت نقدًا ما جعلوه نسيئةً في تسع سنين؛ لحصول الرغبة في النقد أكثر من النسيئة.
٢١ - (ومنها): جواز السؤال في الجملة لمن يتوقع الاحتياج إليه، فتحمل الأخبار الواردة في الزجر عن السؤال على الأولويّة.
٢٢ - (ومنها): جواز سعي المرقوق في فكاك رقبته، ولو كان بسؤال من يشتري ليُعتق، وإن أضرّ ذلك بسيده؛ لتشوّف الشارع إلى العتق.
٢٣ - (ومنها): بطلان الشروط الفاسدة في المعاملات، وصحّة الشروط المشروعة؛ لمفهوم قوله ﷺ : "كلُّ شرط ليس في كتاب اللَّه، فهو باطلٌ".
٢٤ - (ومنها): أنه يؤخذ منه أن من استثنى خدمة المرقوق عند بيعه لم يصحّ شرطه.
٢٥ - (ومنها): أن من اشترك شرطًا فاسدًا لم يستحقّ العقوبة، إلا إن علم بتحريمه، وأصرّ عليه.
٢٦ - (ومنها): أن سيّد المكاتب لا يمنعه من السعي في تحصيل مال الكتابة، ولو كان حقّه في الخدمة ثابتًا.
٢٧ - (ومنها): أن المكاتب إذا أذى نجومه من الصدقة لم يردها السيّد، وإذا أدّى نجومه قبل حلولها كذلك.
٢٨ - (ومنها): أنه يؤخذ منه أن المكاتب يَعتِق بتعجيل نجومه؛ أخذًا من قول موالي بريرة: "إن شاءت أن تحتسب عليك"، فإن ظاهره في قبول تعجيل ما اتفقوا على تأجيله، ومن لازمه حصول العتق.
٢٩ - (ومنها): أنه يؤخذ منه أيضًا أن من تبرع عن المكاتب بما عليه عَتَقَ.
٣٠ - (ومنها): أنه استُدلّ به على عدم وجوب الوضع عن المكاتب؛ لقول عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها -: "أعدّها لهم عَدَّةَ واحدةً"، ولم ينكر ﷺ ذلك عليها. وأجيب بجواز قصد دفعهم لها بعد القبض.
стр. 14485
٣١ - (ومنها): جواز إبطال الكتابة، وفسخ عقدها إذا تراضى السيّد والعبد، وإن كان فيه إبطال التحرير؛ لتقرير بريرة على السعي بين عائشة ومواليها في فسخ كتابتها؛ لتشتريها عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها -.
٣٢ - (ومنها): ثبوت الولاء للمعتِقِ، والردّ على من خالفه.
٣٣ - (ومنها): أنه يؤخذ منه عدةُ مسائل، كعتق السائبة، واللقيط، والحليف، ونحو ذلك، كثّرَ بها العددَ من تكلّم على حديث بريرة - رضي اللَّه تعالى عنها -.
٣٤ - (ومنها): مشروعيّة الخطبة في الأمر المهمّ، والقيام فيها، وتقدمة الحمد
والثناء، وقولِ: "أما بعد" عند ابتداء الكلام في الحاجة.
٣٥ - (ومنها): أن من وقع منه ما يُنكر استُحبّ عدم تعيينه.
٣٦ - (ومنها): أن استعمال السجع في الكلام لا يكره، إلا إذا قصد إليه، ووقع متكلّفًا.
٣٧ - (ومنها): جواز اليمين فيما لا تجب فيه، ولا سيّما عند العزم على فعل الشيء.
٣٨ - (ومنها): أن لغو اليمين لا كفّارة فيه؛ لأن عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - حلفت أن لا تشترط، ثم قال لها النبيّ ﷺ : "اشترطي لهم الولاء"، ولم يُنقل كفّارة على ذلك.
٣٩ - (ومنها): جواز مناجاة الاثنين بحضرة الثالث في الأمر يستحيي منه المناجي، ويعلم أن من ناجاه يعلم الثالث به، ويستثنى ذلك من النهي الوارد فيه.
٤٠ - (ومنها): جواز سؤال الثالث عن المناجاة المذكورة إذا ظنّ أن له تعلّقًا به، وجواز إظهار السرّ في ذلك، ولا سيّما إن كان فيه مصلحة للمناجي.
٤١ - (ومنها): جواز المساومة في المعاملة، والتوكيل فيها، ولو للرقيق.
٤٢ - (ومنها): جواز استخدام الرقيق في الأمر الذي يتعلّق بمواليه، وإن لم يأذنوا في ذلك بخصوصه.
٤٣ - (ومنها): ثبوت الولاء للمرأة المعتقة، فيُستثنى من عموم: "الولاء لُحْمةٌ كلُحمة النسب"، فإن الولاء لا ينتقل إلى المرأة بالإرث، بخلاف النسب.
٤٤ - (ومنها): أن الكافر يرث ولاء عتيقه المسلم، وإن كان لا يرث قريبه المسلم.
٤٥ - (ومنها): أن الولاء لا يباع، ولا يوهب.
٤٦ - (ومنها): يؤخذ منه أن معنى قوله في الرواية الأخرى: "الولاء لمن أعطى الورِق" أن المراد بالمعطي المالك، لا من باشر الإعطاء مطلقًا، فلا يدخل الوكيل، ويؤيّده قوله في رواية الثوريّ عند أحمد: "لمن أعطى الورق، وولي النعمة".
٤٧ - (ومنها): ثبوت الخيار للأمة إذا أُعتِقت، على التفصيل الآتي، وأن خيارها
стр. 14486
يكون على الفور، وفيه خلاف بين العلماء سيأتي قريبًا، إن شاء اللَّه تعالى.
٤٨ - (ومنها): أن في قوله ﷺ : "إن وطئك فلا خيار لك" دلالةً على أن المرأة إذا وجدت بزوجها عيبًا، ثم مكّنته من الوطء، بطل خيارها.
٤٩ - (ومنها): أن الخيار فسخ لا يملك الزوج فيه رجعة، وتمسّك من قال: له الرجعة بقول النبيّ ﷺ : "لو راجعته"، ولا حجّة فيه، وإلا لما كان لها اختيار، فتعيّن حمل المراجعة في الحديث على معناها اللغويّ، والمراد رجوعها إلى عصمته، ومنه قوله تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا﴾، مع أنها في المطلّق ثلاثًا.
٥٠ - (ومنها): أن فيه إبطال قول من زعم استحالة أن يحبّ أحد الشخصين الآخر، والآخر يبغضه؛ لقول النبيّ ﷺ : "ألا تعجب من حبّ مُغيث بريرة، ومن بغض بريرة مُغيثًا"؟. نعم يؤخذ منه أن ذلك هو الأكثر الأغلب، ومن ثمّ وقع التعجّب؛ لأنه على خلاف المعتاد، وجوّز الشيخ أبو محمد بن أبي جمرة -نفع اللَّه به- أن يكون ذلك مما ظهر من كثرة استمالة مغيث لها بأنواع من الاستمالات، كإظهاره حبّها، وتردّده خلفها، وبكائه عليها، مع ما ينضمّ إلى ذلك من استمالته لها بالقول الحسن، والوعد الجميل، والعادة في مثل ذلك أن يميل القلب، ولو كان نافرًا، فلما خالفت العادة وقع التعجّب، ولا يلزم منه ما قال الأولون.
٥١ - (ومنها): أن المرء إذا خُير بين مباحين، فآثر ما ينفعه لم يُلَم، ولو أضرّ ذلك برفيقه.
٥٢ - (ومنها): أن فيه اعتبار الكفاءة في الحرّيّة.
٥٣ - (ومنها): فيه سقوط الكفاءة برضا المرأة التي لا وليّ لها.
٥٤ - (ومنها): أن من خير امرأته، فاختارت فراقه وقع، وانفسخ النكاح بينهما، وأنها لو اختارت البقاء معه لم ينقص عدد الطلاق. وكثّر بعض من تكلّم على حديث بريرة هنا في سرد تفاريع التخيير.
٥٥ - (ومنها): أن المرأة إذا ثبت لها الخيار، فقالت: لا حاجة لي به ترتّب على ذلك حكم الفراق. قال الحافظ: كذا قيل، وهو مبنيّ على أن ذلك وقع قبل اختيارها الفراقَ، ولم يقع إلا بهذا الكلام، وفيه من النظر ما تقدّم.
٥٦ - (ومنها): جواز دخول النساء الأجانب بيت الرجل، سواء كان فيه، أم لا.
٥٧ - (ومنها): أن المكاتبة لا يلحقها في العتق ولدها، ولا زوجها.
٥٨ - (ومنها): تحريم الصدقة على النبيّ ﷺ مطلقًا، وجواز التطوّع منها على ما يلحق به في تحريم صدقة الفرض، كأزواجه، ومواليه، وأن موالي أزواج النبيّ ﷺ لا
стр. 14487
تحرم عليهنّ الصدقة، وإن حرمت على الأزواج.
٥٩ - (ومنها): جواز أكل الغني ما تصدّق به على الفقير إذا أهداه له، وبالبيع أولى.
٦٠ - (ومنها): جواز قبول الغنيّ هديّة الفقير.
٦١ - (ومنها): الفرق بين الصدقة والهديّة في الحكم.
٦٢ - (ومنها): نصح أهل الرجل له في الأمور كلها.
٦٣ - (ومنها): جواز أكل الإنسان من طعام من يُسَرُّ بأكله منه، ولو لم يأذن له فيه بخصوصه.
٦٤ - (ومنها): أن الأمة إذا أُعتقت جاز لها التصرّف بنفسها في أمورها، ولا حجر لمعتِقِها عليها، إذا كانت رشيدة، وأنها تتصرّف في كسبها، دون إذن زوجها، وإن كان لها زوج.
٦٥ - (ومنها): جواز الصدقة على من يمونه غيره؛ لأن عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - كانت تمون بريرة، ولم يُنكَر عليها قبولها الصدقة.
٦٦ - (ومنها): أن من أُهدي لأهله شيء له أن يُشرك نفسه معهم في الإخبار عن ذلك؛ لقوله ﷺ : "وهو لنا هديّة".
٦٧ - (ومنها): أن من حرمت عليه الصدقة جاز له أكل عينها إذا تغيّر حكمها.
٦٨ - (ومنها): أنه يجوز للمرأة أن تُدخِل إلى بيت زوجها ما لا يملكه بغير علمه، وأن تتصرّف في بيته بالطبخ وغيره بآلاته، ووقوده.
٦٩ - (ومنها): جواز أكل المرء ما يجده في بيته إذا غلب الحلّ في العادة، وأنه ينبغي تعريفه بما يخشى توقّفه عنه.
٧٠ - (ومنها): استحباب السؤال عما يستفاد به علم، أو أدب، أو بيان حكم، أو رفع شبهة، وقد يَجِب.
٧١ - (ومنها): سؤال الرجل عما لم يعهده في بيته.
٧٢ - (ومنها): أن هديّة الأدنى للأعلى لا تستلزم الإثابة مطلقًا.
٧٣ - (ومنها): أن قبول الهديّة، وإن نزر قدرها جبرٌ للمهدي.
٧٤ - (ومنها): أن الهديّة تُملك بوضعها في بيت المهدي له، ولا يحتاج إلى التصريح بالقبول.
٧٥ - (ومنها): أن من تُصُدّق عليه بصدقة له أن يتصرّف فيها بما شاء، ولا ينقص أجر المتصدّق.
٧٦ - (ومنها): أنه لا يجب السؤال عن أصل المال الواصل إذا لم يكن فيه شبهة،
стр. 14488
ولا عن الذبيحة إذا ذُبحت بين المسلمين.
٧٧ - (ومنها): أن من تُصُدّق عليه بقليل لا يتسخّطه.
٧٨ - (ومنها): أن فيه مشاورة المرأة زوجها في التصرّفات.
٧٩ - (ومنها): سؤال العالم عن الأمور الدينيّة.
٨٠ - (ومنها): إعلام العالم بالحكم لمن رآه يتعاطى أسبابه، ولو لم يسأل.
٨١ - (ومنها): مشاروة المرأة إذا ثبت لها التخيير في فراق زوجها، أو الإقامة عنده، وعلى الذي يشاوَرُ بذل النصيحة.
٨٢ - (ومنها): جواز مخالفة المشير فيما يُشير به في غير الواجب.
٨٣ - (ومنها): استحباب شفاعة الحاكم في الرفق بالخصم، حيث لا ضرر، ولا إلزام، ولا لوم على من خالف، ولا غَضَبَ، ولو عظم قدر الشافع، وترجم عليه النسائيّ في "كتاب آداب القضاء" -٢٨/ ٥٤٤٤ - : "شفاعة الحاكم للخصوم قبل فصل الحكم"، ولا يجب على المشفوع عنده القبول.
٨٤ - (ومنها): يؤخذ منه أن التصميم في الشفاعة لا يسوغ فيما تشقّ الإجابة فيه على المسؤول، بل يكون على وجه العرض والترغيب.
٨٥ - (ومنها): جواز الشفاعة قبل أن يسألها المشفوع له؛ لأنه لم يُنقل أن مُغيثًا سأل النبيّ ﷺ أن يشفع له. قال الحافظ: كذا قيل، وقد قدّمت أن في بعض الطرق أن العبّاس هو الذي سأل النبيّ ﷺ في ذلك، فيحتمل أن يكون مغيث سأل العبّاس في ذلك، ويحتمل أن يكون العبّاس ابتدأ ذلك من قبل نفسه؛ شفقةً منه على مغيث.
٨٦ - (ومنها): أنه يؤخذ منه استحباب إدخال السرور على قلب المؤمن.
٨٧ - (ومنها): أن الشافع يؤجر، ولو لم تحصل إجابته.
٨٨ - (ومنها): أن المشفوع عنده إذا كان دون قدر الشافع لم تمتنع الشفاعة.
٨٩ - (ومنها): تنبيه الصاحب صاحبه على الاعتبار بآيات اللَّه، وأحكامه؛ لتعجييب النبيّ ﷺ العبّاسَ من حبّ مغيث بريرة.
٩٠ - (ومنها): أن نظر النبيّ ﷺ كان كله بحضور وفكر.
٩١ - (ومنها): أن كلّ ما خالف العادة يُتعجّب منه، ويُعتبر به.
٩٢ - (ومنها): حسن أدب بريرة؛ لأنها لم تُفصح بردّ الشفاعة، وإنما قالت: "لا حاجة لي فيه".
٩٣ - (ومنها): أن فرط الحبّ يُذهب الحياء؛ لما ذُكر من حال مغيث، وغلبة الوجد عليه، حتى لم يستطع كتمان حبّها. وفي ترك النكير عليه بيان جواز قبول عذر من
стр. 14489
في مثل حاله، ممن يقع منه ما لا يليق بمنصبه، إذا وقع بغير اختياره. ويستنبط من هذا معذرة أهل المحبّة في اللَّه إذا حصل لهم الوجد من سماع ما يفهمون منه الإشارة إلى أحوالهم حيث يظهر منهم ما لا يصدر عن اختيار من الرقص، ونحوه. قاله الحافظ.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: في هذا الاستنباط نظر لا يخفى.
٩٤ - (ومنها): استحباب الإصلاح بين المتنافرين، سواء كانا زوجين، أم لا، وتأكيد الحرمة بين الزوجين إذا كان بينهما ولدٌ؛ لقوله ﷺ : "إنه أبو ولدك".
٩٥ - (ومنها): أنه يؤخذ منه أن الشافع يذكر للمشفوع عنده ما يبعث على قبوله من مقتضى الشفاعة، والحامل عليها.
٩٦ - (ومنها): جواز شراء الأمة دون ولدها، وأن الولد يثبت بالفراش، والحكم بظاهر الأمر في ذلك. قال الحافظ: ولم أقف على تسمية أحدٍ من أولاد بريرة. والكلام محتمل لأن يريد به أنه ولدها بالقوّة، لكنه خلاف الظاهر.
٩٧ - (ومنها): أن فيه جواز نسبة الولد إلى أمه.
٩٨ - (ومنها): أن المرأة الثيّب لا إجبار عليها، ولو كانت معتقة.
٩٩ - (ومنها): جواز خِطبة الكبير والشريف لمن هو دونه.
١٠٠ - (ومنها): حسن الأدب في المخاطبة حتى من الأعلى مع الأدنى، وحسن التلطّف في الشفاعة.
١٠١ - (ومنها): أن للعبد أن يخطب مطلّقته بغير إذن سيّده.
١٠٢ - (ومنها): أن خطبة المعتدّة لا تحرم على الأجنبيّ، إذا خطبها لمطلّقها.
١٠٣ - (ومنها): أن فسخ النكاح لا رجعة فيه إلا بنكاح جديد.
١٠٤ - (ومنها): أن الحبّ والبغض بين الزوجين لا لوم فيه على واحد منهما؛ لأنه بغير اختيار.
١٠٥ - (ومنها): جواز بكاء المحبّ على فراق حبيبه، وعلى ما يفوته من الأمور الدنيويّة، ومن الدينيّة بطريق الأولى.
١٠٦ - (ومنها): أنه لا عار على الرجل في إظهار حبّه لزوجته.
١٠٧ - (ومنها): أن المرأة إذا أبغضت زوجها لم يكن لوليّها إكراهها على عشرته، وإذا أحبّته لم يكن لوليّها التفريق بينهما.
١٠٨ - (ومنها): جواز ميل الرجل إلى امرأة يطمع في تزويجها، أو رجعتها.
١٠٩ - (ومنها): جواز كلام الرجل لمطلّقته في الطرق، واستعطافه لها، واتباعها أين سلكت كذلك. ولا يخفى أن محلّ الجواز عند أمن الفتنة.
стр. 14490
١١٠ - (ومنها): جواز الإخبار عما يظهر من حال المرء، وإن لم يُفصح به؛ لقوله ﷺ للعبّاس ما قال.
١١١ - (ومنها): جواز ردّ الشافع المنّة على المشفوع إليه بقبول شفاعته؛ لأن قول بريرة للنبيّ ﷺ : "أتأمرني؟ " ظاهر في أنه لو قال: نعم لقبلت شفاعته، فلما قال: "لا" عُلم أنه ردّ عليها ما فَهِم من المنّة في امتثال الأمر. كذا قيل، وهو مُتكَلَّف، بل يؤخذ منه أن بريرة علمت أن أمره واجب الامتثال، فلما عرض عليها ما عَرَضَ استفصلت، هل هو أمرٌ، فيجب عليها امتثاله، أو مشورةٌ، فتتخيّر فيها؟.
١١٢ - (ومنها): أن كلام الحاكم بين الخصوم في مشورة وشفاعة، ونحوهما ليس حكمًا.
١١٣ - (ومنها): أنه يجوز لمن سُئل قضاء حاجة أن يشترط على الطالب ما يعود عليه نفعه؛ لأن عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - شرطت أن يكون لها الولاء، إذا أدّت الثمن دفعة واحدة.
١١٤ - (ومنها): جواز أداء الدين عن المدين، وأنه يبرأ بأداء غيره عنه.
١١٥ - (ومنها): جواز إفتاء الرجل زوجته فيما لها فيه حظّ وغرضٌ، إذا كان حقًّا، وحكم الحاكم لزوجته بالحقّ.
١١٦ - (ومنها): جواز قول مشتري الرقيق: أشتريه لأعتقه ترغيبًا للبائع في تسهيل البيع.
١١٧ - (ومنها): جواز المعاملة بالدراهم والدنانير عددًا، إذا كان قدرها بالكتابة معلومًا؛ لقولها: "أعُدّها"، ولقولها: "تسع أواق".
١١٨ - (ومنها): جواز بيع المعاطاة.
١١٩ - (ومنها): جواز عقد البيع بالكتابة؛ لقوله: "خذيها"، ومثله قوله ﷺ لأبي بكر في حديث الهجرة: "قد أخذتها بالثمن".
١٢٠ - (ومنها): أن حقّ اللَّه مقدّمٌ على حقّ الآدميّ؛ لقوله: "شرط اللَّه أحقّ، وأوثق"، ومثله الحديث الآخر: "دين اللَّه أحقّ أن يُقضى".
١٢١ - (ومنها): جواز الاشتراك في الرقيق؛ لتكرّر ذكر أهل بريرة في الحديث، وفي رواية: "كانت لناس من الأنصار"، ويحتمل مع ذلك الوحدة، وإطلاق ما في الخبر على المجاز.
١٢٢ - (ومنها): أن الأيدي ظاهرةٌ في الملك، وأن مشيري السلعة لا يَسأل عن أصلها، إذا لم تكن رِيبة.
стр. 14491
١٢٣ - (ومنها): استحباب إظهار أحكام العقد للعالم بها، إذا كان العاقد يجهلها.
١٢٤ - (ومنها): أن حكم الحاكم لا يُغيّر الحكم الشرعيّ، فلا يُحلّ حرامًا، ولا
يُحرّم حلالاً.
١٢٥ - (ومنها): قبول خبر الواحد الثقة، ذكرًا، كان، أو أنثى، حرًّا كان، أو عبدًا.
١٢٦ - (ومنها): أن البيان بالفعل أقوى من القول.
١٢٧ - (ومنها): جواز تأخير البيان إلى وقت الحاجة، والمبادرة إليه عند الحاجة.
١٢٨ - (ومنها): أن الحاجة إذا اقتضت بيان حكم عامّ وجب إعلانه، أو نُدب بحسب الحال.
١٢٩ - (ومنها): جواز الرواية بالمعنى، والاختصار من الحديث، والاقتصار على بعضه بحسب الحاجة؛ فإن الواقعة واحدةٌ، وقد رويت بألفاظ مختلفة، وزاد بعض الرواة ما لم يذكره الآخرون، ولم يقدح ذلك في صحّة الحديث عند أحد من العلماء.
١٣٠ - (ومنها): أن العدّة بالنساء؛ لما تقدّم من حديث ابن عبّاس - رضي اللَّه تعالى عنهما - أنها أُمرت أن تعتدّ عدّة الحرّة، ولو كان بالرجال لأُمرت أن تعتدّ بعدّة الإماء.
١٣١ - (ومنها): أن عدّة الأمة إذا أُعتقت تحت عبد، فاختارت نفسها ثلاثة قروء، وأما ما وقع في بعض طرقه: "تعتدّ بحيضة" فهو مرجوحٌ. ويحتمل أن أصله: "تعتدّ بحيض"، فيكون المراد جنس ما تستبرىء به رحمها، لا الوحدة.
١٣٢ - (ومنها): أن فيه تسمية الأحكام سننًا، وإن كان بعضها واجبًا، وأن تسمية ما دون الواجب سنّةً اصطلاحٌ حادثٌ.
١٣٣ - (ومنها): جواز جبر السيّد أمته على تزويج من لا تختاره، إما لسوء خَلْقِهِ، أو خُلُقه، وهي بالضدّ من ذلك، فقد قيل: إن بريرة كانت جميلة، غير سوداء، بخلاف زوجها، وقد زُوّجت منه، وظهر عدم اختيارها لذلك بعد عتقها.
١٣٤ - (ومنها): أن أحد الزوجين قد يُبغض الآخر، ولا يظهر له ذلك. ويحتمل أن بريرة مع بغضها مُغيثًا، كانت تصبر على حكم اللَّه عليها في ذلك، ولا تُعامله بما يقتضيه البغض إلى أن فرّج اللَّه عنها.
١٣٥ - (ومنها): أن فيه تنبيهَ صاحب الحقّ على ما وجب له إذا جهله.
١٣٦ - (ومنها): استقلال المكاتب بتعجيز نفسه.
١٣٧ - (ومنها): جواز إطلاق الأهل على السادة، وإطلاق العبيد على الأرقّاء.
١٣٨ - (ومنها): جواز تسمية العبد مُغيثًا.
١٣٩ - (ومنها): أن مال الكتابة لا حدّ لأكثره.
стр. 14492
١٤٠ - (ومنها): جواز قبول المعتق الهديّةَ من معتَقه، ولا يقدح ذلك في ثواب العتق.
١٤١ - ومنها): جواز الهديّة لأهل الرجل بغير استئذانه، وقبول المرأة ذلك، حيث لا ريبة.
٤٢ - (ومنها): سؤال الرجل عمّا لم يعهده في بيته، ولا يرِدُ على هذا ما في قصّة أمّ زرع، حيث وقع في سياق المدح: "ولا يسأل عما عهد"، لأن معناه: ولا يسأل عن شيء عهده، وفات، فلا يقول لأهله: أين ذهب؟، وهنا لم يسأل النبيّ ﷺ عن شيء رآه، وعاينه، ثم أحضر له غيره، فسأل عن سبب ذلك؛ لأنه يعلم أنهم لا يتركون إحضاره له شُحًّا عليه، بل لتوهّم تحريمه، فأراد أن يبيّن لهم الجواز.
وقال ابن دقيق العيد: فيه دلالة على تبسّط الإنسان في السؤال عن أحوال منزله، وما عهده فيه قبلُ، والأول أظهر. قال الحافظ: وعندي أنه مبني على خلاف ما انبنى عليه الأول؛ لأن الأول بُني على أنه علم حقيقة الأمر في اللحم، وأنه مما تُصُدّق به على بريرة، والثاني بُني على أنه لم يتحقّق من أين هو؟ فجائز أن يكون مما أُهدي لأهل بيته من بعض اْقاربها مثلاً، ولم يتعيّن الأول.
١٤٣ - (ومنها): ما قيل: إنه لا يجب السؤال عن أصل المال الواصل إليه، إذا لم يظنّ تحريمه، أو تظهر فيه شبهة، إذ لم يسأل ﷺ عمن تصدّق على بريرة، ولا عن حاله.
وتُعُقّب بأنه ﷺ هو الذي أرسل إلى بريرة بالصدقة، فلم يتمّ هذا (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الثانية): في اختلاف أهل العلم في خيار الأمة إذا أُعتقت:
قال العلاّمة ابن قُدامة -رحمه اللَّه تعالى-: أجمع أهل العلم على أن الأمة إذا أُعتقت، وزوجها عبدٌ، فلها الخيار في فسخ النكاح. ذكره ابن المنذر، وابن عبد البرّ، وغيرهما،
стр. 14493
والأصل فيه خبر بَريرة - رضي اللَّه تعالى عنها -، قالت عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها -: "كاتبت بريرة، فخيّرها رسول اللَّه ﷺ في زوجها، وكان عبدًا، فاختارت نفسها. قال عروة: ولو كان حرًّا ما خيّرها رسول اللَّه ﷺ . رواه مالكٌ في "الموطأ" (١)، وأبو داود (٢)، والنسائيّ (٣). ولأن عليها ضَررًا في كونها تحت عبدٍ، فكان لها الخيار، كما لو تزوّج حرّةً على أنه حرّ، فبان عبدًا، فإن اختارت الفسخ، فلها فراقه، وإن رضيت الْمُقامَ معه لم يكن لها فراقه بعد ذلك؛ لأنها أسقطت حقّها، وهذا مما لا خلاف فيه بحمد اللَّه تعالى.
قال: وإن أُعتقت تحت حرّ، فلا خيار لها. وهذا قول ابن عمر، وابن عبّاس، وسعيد بن المسيّب، والحسن، وعطاء، وسليمان بن يسار، وأبي قلابة، وابن أبي ليلى، ومالك، والأوزاعيّ، والشافعيّ، وإسحاق. وقال طاوس، وابن سيرين، ومجاهد، والنخعيّ، وحمّاد بن أبي سليمان، والثوريُّ، وأصحاب الرأي: لها الخيار؛ لما روى الأسود، عن عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها -: أن النبيّ ﷺ خيّر بريرة، وكان زوجها حرًّا. رواه النسائيّ (٤)، ولأنها كملت بالحرّية، فكان لها الخيار، كما لو كان زوجها عبدًا.
قال: ولنا أنها كافأت زوجها في الكمال، فلم يثبت لها الخيار، كما لو أسلمت الكتابيّة تحت مسلم. فأما خبر الأسود، عن عائشة، فقد روى عنها القاسم بن محمد، وعروة أن زوج بريرة كان عبدًا، وهما أخصّ بها من الأسود؛ لأنهما ابن أخيها، وابن أختها. وقد روى الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة أن زوج بريرة كان عبدًا، فتعارضت روايتاه. وقال ابن عباس: كان زوج بريرة عبدًا أسود لبني المغيرة، يقال له مغيث. رواه البخاريّ وغيره. وقالت صفيّة بنت عبيد: كان زوج بريرة عبدًا أسود. وقال أحمد: هذا ابن عبّاس، وعائشة قالا في زوج بريرة: إنه عبدٌ، رواية علماء المدينة، وعَمَلهم، وإذا روى أهل المدينة حديثًا، وعملوا به، فهو أصحّ شيء، وإنما يصحّ أنه حرّ عن الأسود وحده، فأما غيره فليس بذاك. قال: والعقد صحيح، فلا يُفسخ بالمختلف فيه، والحرّ فيه اختلاف، والعبد لا اختلاف فيه، ويُخالف الحرّ العبدَ؛ لأن العبد نقصٌ، فإذا كملت تحته تضرّرت ببقائها عنده، بخلاف الحرّ. انتهى كلام ابن قُدامة -رحمه اللَّه تعالى- (٥).
стр. 14494
وقال في "الفتح": وحاول بعض الحنفيّة ترجيح رواية من قال: كان حرًّا على رواية من قال: كان عبدًا، فقال: الرقّ تعقبه الحرّية بلا عكس، وهو كما قال، لكن محلّ طريق الجمع إذا تساوت الروايات في القوّة، أما مع التفرّد في مقابلة الاجتماع، فتكون الرواية المنفردة شاذّةً، والشاذّ مردود، ولهذا لم يَعتبر الجمهور طريق الجمع بين الروايتين، مع قولهم: إنه لا يُصار إلى الترجيح مع إمكان الجمع، والذي يتحصّل من كلام محقّقيهم، وقد أكثر منه الشافعيّ، ومن تبعه أن محلّ الجمع إذا لم يظهر الغلط في إحدى الروايتين، ومنهم من شرط التساوي في القوّة.
قال ابن بطّال: أجمع العلماء أن الأمة إذا عَتَقَت تحت عبد فإن لها الخيار، والمعنى فيه ظاهرٌ؛ لأن العبد غير مكافىء للحرّة في أكثر الأحكام، فإذا عَتَقت ثبت لها الخيار من البقاء في عصمته، أو المفارقة؛ لأنها في وقت العقد عليها لم تكن من أهل الاختيار. واحتجّ من قال: إن لها الخيار، ولو كانت تحت حرّ بأنها عند التزويج لم يكن لها رأيٌ؛ لاتفاقهم على أن لمولاها أن يزوّجها بغير رضاها، فإذا عتقت تجدّد لها حالٌ لم يكن لها قبل ذلك.
وعارضهم الآخرون بأن ذلك لو كان مؤثّرًا لثبت الخيار للبكر إذا زوّجها أبوها، ثم بلغت رشيدةً، وليس كذلك، فكذلك الأمة تحت الحرّ، فإنه لم يحدُث لها بالعتق حالٌ ترتفع به عن الحرّ، فكانت كالكتابيّة تُسلم تحت المسلم انتهى (١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قد تبيّن بما ذُكر من الأدلّة أن الأرجح القول الأول، وهو أن خيار الأمة إذا أُعتقت إنما هو إذا كانت تحت عبد، لا تحت حرّ. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الثالثة): في اختلاف أهل العلم هل الخيار فسخٌ، أم طلاقٌ؟:
قال ابن قُدامة -رحمه اللَّه تعالى-: وفرقة الخيار فسخٌ، لا ينقص بها عدد الطلاق. نصّ عليه أحمد، ولا أعلم فيه خلافًا. قيل لأحمد: لم لا يكون طلاقًا؟ قال: لأن الطلاق ما تَكلّم به الرجل؛ ولأن الفرقة لاختيار المرأة، فكانت فسخًا، كالفسخ لعُنّته، أو عَتَهِهِ انتهى (٢).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قوله: ولا أعلم فيه خلافًا. فيه نظر، فإن الخلاف ثابت، قال في "الفتح": واختُلف في التي تختار الفراق، هل يكون ذلك طلاقًا، أو فسخًا؟، فقال مالكٌ، والأوزاعيّ، والليث: تكون طلقة بائنة، وثبت مثله عن الحسن،
стр. 14495
وابن سيرين. أخرجه ابن أبي شيبة. وقال الباقون: يكون فسخًا، لا طلاقًا انتهى (١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الذي يظهر لي أن الأرجح القول بأنه فسخٌ؛ لظهور معنى الفسخ فيه أكثر من ظهور معنى الطلاق، حيث إنه ليس فيه كلام للزوج، وأنه من قبل المرأة، فيترجّح كونه فسخًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في وقت خيار الأمة:
قال ابن قُدامة -رحمه اللَّه تعالى-: خيار المعتقة على التراخي، ما لو يوجد أحد أمرين: عتق زوجها، أو وطؤه لها، وممن قال: إنه على التراخي مالكٌ، والأوزاعيّ، وروي ذلك عن عبد اللَّه بن عمر، وأخته حفصة، وبه قال سليمان بن يسار، ونافعٌ، والزهريّ، وقتادة، وحكاه بعض أهل العلم عن الفقهاء السبعة.
وقال أبو حنيفة، وسائر العراقيين: لها الخيار في مجلس العلم. وللشافعيّ ثلاثة أقوال: أظهرها كقولنا. والثاني: أنه على الفور، كخيار الشفعة. والثالث أنه إلى ثلاثة أيام.
ولنا ما روى الإمام أحمد في "المسند" بإسناده عن الحسن بن عمرو بن أميّة، قال: سمعت رجالاً يتحدَّثون عن النبيّ ﷺ أنه قال: "إذا أُعتقت الأمة، فهي بالخيار، ما لم يطأها، إن شاءت فارقته، وإن وطئها فلا خيار لها" (٢). ورواه الأثرم أيضًا. وروى أبو داود أن بريرة عتقت، وهي عند مغيث، عبد لآل أحمد، فخيّرها النبيّ ﷺ ، فقال لها: "إن قربك فلا خيار لك" (٣). ولأنه قول من سمّينا من الصحابة، ولا مخالف لهم في عصرهم. قال ابن عبد البرّ: لا أعلم لابن عمر، وحفصة مخالفًا من الصحابة. ولأن الحاجة داعية إلى ذلك فثبت، كخيار القصاص، أو خيارٍ لدفع ضرر متحقّق، فأشبه ما قلناه. انتهى (٤).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: عندي أن ما ذهب إليه الإمام أحمد، ومن معه من أن تخيير الأمة على التراخي أرجح؛ لإطلاق تخيير الشارع لها، دون أن يقيّده بوقت دون وقت. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٤٧٥ - (أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ آدَمَ, قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ, عَنْ هِشَامٍ, عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ, عَنْ أَبِيهِ, عَنْ عَائِشَةَ, قَالَتْ: كَانَ فِي بَرِيرَةَ ثَلَاثُ قَضِيَّاتٍ: أَرَادَ