١٢٣ - (ومنها): استحباب إظهار أحكام العقد للعالم بها، إذا كان العاقد يجهلها.
١٢٤ - (ومنها): أن حكم الحاكم لا يُغيّر الحكم الشرعيّ، فلا يُحلّ حرامًا، ولا
يُحرّم حلالاً.
١٢٥ - (ومنها): قبول خبر الواحد الثقة، ذكرًا، كان، أو أنثى، حرًّا كان، أو عبدًا.
١٢٦ - (ومنها): أن البيان بالفعل أقوى من القول.
١٢٧ - (ومنها): جواز تأخير البيان إلى وقت الحاجة، والمبادرة إليه عند الحاجة.
١٢٨ - (ومنها): أن الحاجة إذا اقتضت بيان حكم عامّ وجب إعلانه، أو نُدب بحسب الحال.
١٢٩ - (ومنها): جواز الرواية بالمعنى، والاختصار من الحديث، والاقتصار على بعضه بحسب الحاجة؛ فإن الواقعة واحدةٌ، وقد رويت بألفاظ مختلفة، وزاد بعض الرواة ما لم يذكره الآخرون، ولم يقدح ذلك في صحّة الحديث عند أحد من العلماء.
١٣٠ - (ومنها): أن العدّة بالنساء؛ لما تقدّم من حديث ابن عبّاس - رضي اللَّه تعالى عنهما - أنها أُمرت أن تعتدّ عدّة الحرّة، ولو كان بالرجال لأُمرت أن تعتدّ بعدّة الإماء.
١٣١ - (ومنها): أن عدّة الأمة إذا أُعتقت تحت عبد، فاختارت نفسها ثلاثة قروء، وأما ما وقع في بعض طرقه: "تعتدّ بحيضة" فهو مرجوحٌ. ويحتمل أن أصله: "تعتدّ بحيض"، فيكون المراد جنس ما تستبرىء به رحمها، لا الوحدة.
١٣٢ - (ومنها): أن فيه تسمية الأحكام سننًا، وإن كان بعضها واجبًا، وأن تسمية ما دون الواجب سنّةً اصطلاحٌ حادثٌ.
١٣٣ - (ومنها): جواز جبر السيّد أمته على تزويج من لا تختاره، إما لسوء خَلْقِهِ، أو خُلُقه، وهي بالضدّ من ذلك، فقد قيل: إن بريرة كانت جميلة، غير سوداء، بخلاف زوجها، وقد زُوّجت منه، وظهر عدم اختيارها لذلك بعد عتقها.
١٣٤ - (ومنها): أن أحد الزوجين قد يُبغض الآخر، ولا يظهر له ذلك. ويحتمل أن بريرة مع بغضها مُغيثًا، كانت تصبر على حكم اللَّه عليها في ذلك، ولا تُعامله بما يقتضيه البغض إلى أن فرّج اللَّه عنها.
١٣٥ - (ومنها): أن فيه تنبيهَ صاحب الحقّ على ما وجب له إذا جهله.
١٣٦ - (ومنها): استقلال المكاتب بتعجيز نفسه.
١٣٧ - (ومنها): جواز إطلاق الأهل على السادة، وإطلاق العبيد على الأرقّاء.
١٣٨ - (ومنها): جواز تسمية العبد مُغيثًا.
١٣٩ - (ومنها): أن مال الكتابة لا حدّ لأكثره.
стр. 14492
١٤٠ - (ومنها): جواز قبول المعتق الهديّةَ من معتَقه، ولا يقدح ذلك في ثواب العتق.
١٤١ - ومنها): جواز الهديّة لأهل الرجل بغير استئذانه، وقبول المرأة ذلك، حيث لا ريبة.
٤٢ - (ومنها): سؤال الرجل عمّا لم يعهده في بيته، ولا يرِدُ على هذا ما في قصّة أمّ زرع، حيث وقع في سياق المدح: "ولا يسأل عما عهد"، لأن معناه: ولا يسأل عن شيء عهده، وفات، فلا يقول لأهله: أين ذهب؟، وهنا لم يسأل النبيّ ﷺ عن شيء رآه، وعاينه، ثم أحضر له غيره، فسأل عن سبب ذلك؛ لأنه يعلم أنهم لا يتركون إحضاره له شُحًّا عليه، بل لتوهّم تحريمه، فأراد أن يبيّن لهم الجواز.
وقال ابن دقيق العيد: فيه دلالة على تبسّط الإنسان في السؤال عن أحوال منزله، وما عهده فيه قبلُ، والأول أظهر. قال الحافظ: وعندي أنه مبني على خلاف ما انبنى عليه الأول؛ لأن الأول بُني على أنه علم حقيقة الأمر في اللحم، وأنه مما تُصُدّق به على بريرة، والثاني بُني على أنه لم يتحقّق من أين هو؟ فجائز أن يكون مما أُهدي لأهل بيته من بعض اْقاربها مثلاً، ولم يتعيّن الأول.
١٤٣ - (ومنها): ما قيل: إنه لا يجب السؤال عن أصل المال الواصل إليه، إذا لم يظنّ تحريمه، أو تظهر فيه شبهة، إذ لم يسأل ﷺ عمن تصدّق على بريرة، ولا عن حاله.
وتُعُقّب بأنه ﷺ هو الذي أرسل إلى بريرة بالصدقة، فلم يتمّ هذا (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الثانية): في اختلاف أهل العلم في خيار الأمة إذا أُعتقت:
قال العلاّمة ابن قُدامة -رحمه اللَّه تعالى-: أجمع أهل العلم على أن الأمة إذا أُعتقت، وزوجها عبدٌ، فلها الخيار في فسخ النكاح. ذكره ابن المنذر، وابن عبد البرّ، وغيرهما،
стр. 14493
والأصل فيه خبر بَريرة - رضي اللَّه تعالى عنها -، قالت عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها -: "كاتبت بريرة، فخيّرها رسول اللَّه ﷺ في زوجها، وكان عبدًا، فاختارت نفسها. قال عروة: ولو كان حرًّا ما خيّرها رسول اللَّه ﷺ . رواه مالكٌ في "الموطأ" (١)، وأبو داود (٢)، والنسائيّ (٣). ولأن عليها ضَررًا في كونها تحت عبدٍ، فكان لها الخيار، كما لو تزوّج حرّةً على أنه حرّ، فبان عبدًا، فإن اختارت الفسخ، فلها فراقه، وإن رضيت الْمُقامَ معه لم يكن لها فراقه بعد ذلك؛ لأنها أسقطت حقّها، وهذا مما لا خلاف فيه بحمد اللَّه تعالى.
قال: وإن أُعتقت تحت حرّ، فلا خيار لها. وهذا قول ابن عمر، وابن عبّاس، وسعيد بن المسيّب، والحسن، وعطاء، وسليمان بن يسار، وأبي قلابة، وابن أبي ليلى، ومالك، والأوزاعيّ، والشافعيّ، وإسحاق. وقال طاوس، وابن سيرين، ومجاهد، والنخعيّ، وحمّاد بن أبي سليمان، والثوريُّ، وأصحاب الرأي: لها الخيار؛ لما روى الأسود، عن عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها -: أن النبيّ ﷺ خيّر بريرة، وكان زوجها حرًّا. رواه النسائيّ (٤)، ولأنها كملت بالحرّية، فكان لها الخيار، كما لو كان زوجها عبدًا.
قال: ولنا أنها كافأت زوجها في الكمال، فلم يثبت لها الخيار، كما لو أسلمت الكتابيّة تحت مسلم. فأما خبر الأسود، عن عائشة، فقد روى عنها القاسم بن محمد، وعروة أن زوج بريرة كان عبدًا، وهما أخصّ بها من الأسود؛ لأنهما ابن أخيها، وابن أختها. وقد روى الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة أن زوج بريرة كان عبدًا، فتعارضت روايتاه. وقال ابن عباس: كان زوج بريرة عبدًا أسود لبني المغيرة، يقال له مغيث. رواه البخاريّ وغيره. وقالت صفيّة بنت عبيد: كان زوج بريرة عبدًا أسود. وقال أحمد: هذا ابن عبّاس، وعائشة قالا في زوج بريرة: إنه عبدٌ، رواية علماء المدينة، وعَمَلهم، وإذا روى أهل المدينة حديثًا، وعملوا به، فهو أصحّ شيء، وإنما يصحّ أنه حرّ عن الأسود وحده، فأما غيره فليس بذاك. قال: والعقد صحيح، فلا يُفسخ بالمختلف فيه، والحرّ فيه اختلاف، والعبد لا اختلاف فيه، ويُخالف الحرّ العبدَ؛ لأن العبد نقصٌ، فإذا كملت تحته تضرّرت ببقائها عنده، بخلاف الحرّ. انتهى كلام ابن قُدامة -رحمه اللَّه تعالى- (٥).
стр. 14494
وقال في "الفتح": وحاول بعض الحنفيّة ترجيح رواية من قال: كان حرًّا على رواية من قال: كان عبدًا، فقال: الرقّ تعقبه الحرّية بلا عكس، وهو كما قال، لكن محلّ طريق الجمع إذا تساوت الروايات في القوّة، أما مع التفرّد في مقابلة الاجتماع، فتكون الرواية المنفردة شاذّةً، والشاذّ مردود، ولهذا لم يَعتبر الجمهور طريق الجمع بين الروايتين، مع قولهم: إنه لا يُصار إلى الترجيح مع إمكان الجمع، والذي يتحصّل من كلام محقّقيهم، وقد أكثر منه الشافعيّ، ومن تبعه أن محلّ الجمع إذا لم يظهر الغلط في إحدى الروايتين، ومنهم من شرط التساوي في القوّة.
قال ابن بطّال: أجمع العلماء أن الأمة إذا عَتَقَت تحت عبد فإن لها الخيار، والمعنى فيه ظاهرٌ؛ لأن العبد غير مكافىء للحرّة في أكثر الأحكام، فإذا عَتَقت ثبت لها الخيار من البقاء في عصمته، أو المفارقة؛ لأنها في وقت العقد عليها لم تكن من أهل الاختيار. واحتجّ من قال: إن لها الخيار، ولو كانت تحت حرّ بأنها عند التزويج لم يكن لها رأيٌ؛ لاتفاقهم على أن لمولاها أن يزوّجها بغير رضاها، فإذا عتقت تجدّد لها حالٌ لم يكن لها قبل ذلك.
وعارضهم الآخرون بأن ذلك لو كان مؤثّرًا لثبت الخيار للبكر إذا زوّجها أبوها، ثم بلغت رشيدةً، وليس كذلك، فكذلك الأمة تحت الحرّ، فإنه لم يحدُث لها بالعتق حالٌ ترتفع به عن الحرّ، فكانت كالكتابيّة تُسلم تحت المسلم انتهى (١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قد تبيّن بما ذُكر من الأدلّة أن الأرجح القول الأول، وهو أن خيار الأمة إذا أُعتقت إنما هو إذا كانت تحت عبد، لا تحت حرّ. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الثالثة): في اختلاف أهل العلم هل الخيار فسخٌ، أم طلاقٌ؟:
قال ابن قُدامة -رحمه اللَّه تعالى-: وفرقة الخيار فسخٌ، لا ينقص بها عدد الطلاق. نصّ عليه أحمد، ولا أعلم فيه خلافًا. قيل لأحمد: لم لا يكون طلاقًا؟ قال: لأن الطلاق ما تَكلّم به الرجل؛ ولأن الفرقة لاختيار المرأة، فكانت فسخًا، كالفسخ لعُنّته، أو عَتَهِهِ انتهى (٢).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قوله: ولا أعلم فيه خلافًا. فيه نظر، فإن الخلاف ثابت، قال في "الفتح": واختُلف في التي تختار الفراق، هل يكون ذلك طلاقًا، أو فسخًا؟، فقال مالكٌ، والأوزاعيّ، والليث: تكون طلقة بائنة، وثبت مثله عن الحسن،
стр. 14495
وابن سيرين. أخرجه ابن أبي شيبة. وقال الباقون: يكون فسخًا، لا طلاقًا انتهى (١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الذي يظهر لي أن الأرجح القول بأنه فسخٌ؛ لظهور معنى الفسخ فيه أكثر من ظهور معنى الطلاق، حيث إنه ليس فيه كلام للزوج، وأنه من قبل المرأة، فيترجّح كونه فسخًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في وقت خيار الأمة:
قال ابن قُدامة -رحمه اللَّه تعالى-: خيار المعتقة على التراخي، ما لو يوجد أحد أمرين: عتق زوجها، أو وطؤه لها، وممن قال: إنه على التراخي مالكٌ، والأوزاعيّ، وروي ذلك عن عبد اللَّه بن عمر، وأخته حفصة، وبه قال سليمان بن يسار، ونافعٌ، والزهريّ، وقتادة، وحكاه بعض أهل العلم عن الفقهاء السبعة.
وقال أبو حنيفة، وسائر العراقيين: لها الخيار في مجلس العلم. وللشافعيّ ثلاثة أقوال: أظهرها كقولنا. والثاني: أنه على الفور، كخيار الشفعة. والثالث أنه إلى ثلاثة أيام.
ولنا ما روى الإمام أحمد في "المسند" بإسناده عن الحسن بن عمرو بن أميّة، قال: سمعت رجالاً يتحدَّثون عن النبيّ ﷺ أنه قال: "إذا أُعتقت الأمة، فهي بالخيار، ما لم يطأها، إن شاءت فارقته، وإن وطئها فلا خيار لها" (٢). ورواه الأثرم أيضًا. وروى أبو داود أن بريرة عتقت، وهي عند مغيث، عبد لآل أحمد، فخيّرها النبيّ ﷺ ، فقال لها: "إن قربك فلا خيار لك" (٣). ولأنه قول من سمّينا من الصحابة، ولا مخالف لهم في عصرهم. قال ابن عبد البرّ: لا أعلم لابن عمر، وحفصة مخالفًا من الصحابة. ولأن الحاجة داعية إلى ذلك فثبت، كخيار القصاص، أو خيارٍ لدفع ضرر متحقّق، فأشبه ما قلناه. انتهى (٤).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: عندي أن ما ذهب إليه الإمام أحمد، ومن معه من أن تخيير الأمة على التراخي أرجح؛ لإطلاق تخيير الشارع لها، دون أن يقيّده بوقت دون وقت. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٤٧٥ - (أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ آدَمَ, قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ, عَنْ هِشَامٍ, عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ, عَنْ أَبِيهِ, عَنْ عَائِشَةَ, قَالَتْ: كَانَ فِي بَرِيرَةَ ثَلَاثُ قَضِيَّاتٍ: أَرَادَ
стр. 14496
أَهْلُهَا أَنْ يَبِيعُوهَا, وَيَشْتَرِطُوا الْوَلَاءَ, فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ , فَقَالَ: «اشْتَرِيهَا, وَأَعْتِقِيهَا, فَإِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ» , وَأُعْتِقَتْ, فَخَيَّرَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ , فَاخْتَارَتْ نَفْسَهَا, وَكَانَ يُتَصَدَّقُ عَلَيْهَا, فَتُهْدِي لَنَا مِنْهُ, فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ , فَقَالَ: «كُلُوهُ, فَإِنَّهُ عَلَيْهَا صَدَقَةٌ, وَهُوَ لَنَا هَدِيَّةٌ»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه من أفراده هو، وأبي داود، وهو ثقة.
و"هشام": هو ابن عروة.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد سبق البحث فيه مستوفًى قريبًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه
أنيب".
…
٣٠ - (بَابُ خِيَارِ الأَمَةِ، تُعْتَقُ، وَزَوْجُهَا حُرٌّ)
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: يحتمل أن يكون قوله: "تعتق" بفتح أوله، مبنيًّا للفاعل، من عَتَقَ يَعتقُ، ثلاثيًّا، من باب ضرب، أو بضمّه، مبنيًّا للمفعول، من أُعتق رباعيًّا، كما سبق بيانه قبل باب. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
٣٤٧٦ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ, قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ, عَنْ مَنْصُورٍ, عَنْ إِبْرَاهِيمَ, عَنِ الأَسْوَدِ, عَنْ عَائِشَةَ, قَالَتِ اشْتَرَيْتُ بَرِيرَةَ, فَاشْتَرَطَ أَهْلُهَا وَلَاءَهَا, فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ , فَقَالَ: «أَعْتِقِيهَا, فَإِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْطَى الْوَرِقَ» , قَالَتْ: فَأَعْتَقْتُهَا, فَدَعَاهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فَخَيَّرَهَا مِنْ زَوْجِهَا, قَالَتْ: لَوْ أَعْطَانِي كَذَا وَكَذَا, مَا أَقَمْتُ عِنْدَهُ, فَاخْتَارَتْ نَفْسَهَا, وَكَانَ زَوْجُهَا حُرًّا).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح. و"جرير": هو ابن عبد الحميد. و"منصور": هو ابن المعتمر. و"إبراهيم": هو ابن يزيد النخعي. و"الأسود": هو ابن يزيد النخعي.
والحديث متّفقٌ عليه، وتقدّم البحث فيه في الباب الماضي.
стр. 14497
وقوله: "وكان زوجها حرًّا" هو محلّ الترجمة، لكن الأرجح رواية أنه كان عبدًا.
قال في "التلخيص الحبير": حديث: "أن بريرة أُعتقت، فخيّرها النبيّ ﷺ ، فاختارت نفسها, ولو كان حرًّا لم يُخيّرها". رواه النسائيّ، وابن حبّان، والطحاويّ، وابن حزم من حديث عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - بهذا. قال الطحاويّ: يحتمل أن يكون من كلام عروة. قال الحافظ: وقع التصريح بذلك في النسائي. وقال ابن حزم: يحتمل أن يكون من كلام عائشة، أو من دونها، والتخيير ثابتٌ في "الصحيحين" من حديث عائشة أيضًا من طرق، وفي "الطبقات" لابن سعد، عن عبد الوهّاب بن عطاء، عن داود بن أبي هند، عن عامر الشعبيّ: أن النبيّ ﷺ قال لبريرة لَمّا عَتَقَت: "وقد عتق بضعك معك، فاختاري". وهذا مرسل، ووصله الدارقطنيّ من طريق أبان بن صالح، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها -.
ورُوي كون زوجها عبدًا من حديث عائشة، وابن عمر، وابن عبّاس - رضي اللَّه تعالى عنهم:
أما رواية عائشة، فرواها مسلم من حديثه عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عنها، وعنده، وعند النسائيّ من طريق يزيد بن رُومان، عن عروة، عنها: "كان زوج بريرة عبدًا". وقد اختُلف فيه على عَائشة، فروى الأسود بن يزيد، عنها أنه كان حرًّا. قال إبراهيم بن أبي طالب: خالف الأسود الناس. وقال البخاريّ: هو من قول الحكم، وقول ابن عباس: إنه كان عبدًا أصحّ. وقال البيهقيّ: روينا عن القاسم، وعروة، ومجاهد، وعمرة، كلهم عن عائشة أنه كان عبدًا. وروى شعبة، عن عبد الرحمن بن القاسم أنه قال: ما أدري أحرّ، أم عبدٌ. ورواه البيهقيّ عن سماك، عن عبد الرحمن بن القاسم، فقال: كان عبدًا، وكذا رواه أسامة بن زيد، عن القاسم، عن عائشة: أن النبيّ ﷺ قال لها: "إن شئت أن تثوي تحت العبد". قال المنذريّ: رُوي عن الأسود أنه قال: كان عبدًا، فاختُلف فيه عليه، مع أن بعضهم يقول: قوله: كان حرًّا من قول إبراهيم. وقيل: من قول الحكم.
وأما رواية ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما -، فرواها الدارقطنيّ، والبيهقيّ، من حديث نافع، عن ابن عمر، قال: كان زوج بريرة عبدًا. وفي إسناده ابن أبي ليلى. وقد رواه البيهقيّ من رواية نافع، عن صفيّة بنت أبي عُبيد، وإسناده أصحّ، وهو في النسائيّ أيضًا (١).
стр. 14498
وأما رواية ابن عبّاس - رضي اللَّه تعالى عنهما -، فرواها البخاريّ من رواية القاسم بن محمد، عنه: "أن زوج بريرة كان عبدًا، يقال له: مُغيث، كأني انظر إليه يطوف خلفها يبكي … " الحديث. ورواه أحمد، وأبو داود، والترمذيّ، والطبرانيّ، وفي رواية للترمذيّ: "أن زوج بريرة كان عبدًا أسود لبني المغيرة يوم أُعتقت". انتهى ما في "التلخيص" ببعض تصرّف (١).
وقال في "الفتح" بعد أن ذكر أن البخاريّ أورده في "الفرائض" عن حفص بن عمر، عن شعبة، وزاد في آخره: قال الحكم: وكان زوجها حرًّا"، ثم أورده بعده من طريق منصور، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة، ثم قال: قال الأسود: وكان زوجها حرًّا. قال البخاريّ: قول الأسود منقطع، وقول ابن عباس: "رأيته عبدًا" أصحّ، وقال في الذي قبله في قول الحكم نحو ذلك.
ثم قال: فظهر أن هذه الزيادة مدرجة. قال: وقد قال الدارقطنيّ في "العلل": لم يُختلف على عروة، عن عائشة أنه كان عبدًا، وكذا قال جعفر بن محمد بن عليّ، عن أبيه، عن عائشة، وأبو الأسود، وأسامة بن زيد، عن القاسم.
قال الحافظ: وقع لبعض الرواة فيه غلطٌ، فأخرج قاسم بن أصبغ في "مصنّفه"، وابن حزم من طريقه، قال: أنبأنا أحمد بن يزيد المعلّم، حدّثنا موسى بن معاوية، عن جرير، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة: "كان زوج بريرة حرًّا". وهذا وهم من موسى، أو من أحمد، فإن الحفّاظ من أصحاب هشام، ومن أصحاب جرير، قالوا: "كان عبدًا"، منهم إسحاق بن راهويه، وحديثه عند النسائيّ، وعثمان بن أبي شيبة، وحديثه عند أبي داود، وعليّ بن حُجْر، وحديثه عند الترمذيّ، وأصله عند مسلم، وأحال به على رواية أبي أسامة، عن هشام، وفيه: أنه كان عبدًا. قال الدارقطنيّ: وكذا قال أبو معاوية، عن هشام بن عروة، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه. قال الحافظ: وراوه شعبة، عن عبد الرحمن، فقال: كان حرًّا، ثم رجع عبد الرحمن، فقال: ما أدري. قال الدارقطنيّ: وقال عمران بن حُدير، عن عكرمة، عن عائشة، كان حرًّا، وهو وَهمٌ. قال الحافظ: وهِمَ في شيئين: في قوله: "حرًّا"، وفي قوله: "عائشة"، وإنما هو من رواية عكرمة، عن ابن عبّاس، ولم يُختلف على ابن عبّاس في أنه كان عبدًا. وكذا جزم به الترمذيّ عن ابن عمر، وحديثه عند الشافعيّ، والدارقطنيّ، وغيرهما. وكذا أخرجه النسائيّ -أي في "الكبرى" - من حديث صفيّة بنت أبي عُبيد، قالت: كان زوج بريرة
стр. 14499
عبدًا، وسنده صحيح.
وقال النوويّ: يؤيّد قول من قال: إنه كان عبدًا قولُ عائشة: "كان عبدًا, ولو كان حرًا لم يُخيّرها"، فأخبرت وهي صاحبة القصّة بأنه كان عبدًا، ثم علّلت بقولها: "ولو كان حرًّا لم يُخيرها"، ومثلُ هذا لا يكاد أحدٌ يقوله إلا توقيفًا.
وتُعُقّب بأن هذه الزيادة في رواية جرير، عن هشام بن عروة في آخر الحديث، وهي مدرجة من قول عروة، بُيِّنَ ذلك في رواية مالك، وأبي داود، والنسائيّ. نعم وقع في رواية أسامة بن زيد، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة، قالت: "كانت بريرة مكاتبة لأناس من الأنصار، وكانت تحت عبد … " الحديث، أخرجه أحمد، وابن ماجه، والبيهقيّ. وأسامة فيه مقال.
وأما دعوى أن ذلك لا يُقال: إلا بتوقيف، فمردودة، فإن للاجتهاد فيه مجالاً. قال الدارقطنيّ: وقال إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة: كان حرًّا. قال الحافظ: وأصرح ما رأيته في ذلك رواية أبي معاوية: حدّثنا الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة، قالت: كان زوج بريرة حرًّا، فلما أُعتقت خُيّرت … " الحديث. أخرجه أحمد عنه. وأخرج ابن أبي شيبة، عن إدريس، عن الأسود، عن عائشة، قالت: كان زوج بريرة حرًّا، ومن وجه آخر عن النخعيّ، عن الأسود، أن عائشة حدّثته "أن زوج بريرة كان حرًّا حين أُعتقت".
فدلّت الروايات المفصّلة التي قدّمتها آنفًا على أنه مدرجٌ من قول الأسود، أو من دونه، فيكون من أمثلة ما أُدرج في أول الخبر، وهو نادرٌ، فإن الأكثر أن يكون في آخره، ودونه أن يقع في وسطه، وعلى تقدير أن يكون موصولاً، فترجّح رواية من قال: كان عبدًا بالكثرة، وأيضًا آل المرء أعرف بحديثه، فإن القاسم ابن أخي عائشة، وعروة ابن أختها، وتابعهما غيرهما، فروايتهما أولى من رواية الأسود، فإنهما أقعد بعائشة، وأعلم بحديثها. ويترجّح أيضًا بأن عائشة كانت تذهب إلى أن الأمة إذا عتقت تحت الحرّ، لا خيار لها، وهذا بخلاف ما روى العراقيّون عنها، فكان يلزم على أصل مذهبهم أن يأخذوا بقولها، ويدعوا ما روي عنها, لا سيّما، وقد اختلف عنها فيه. وادّعى بعضهم أنه يمكن الجمع بين الروايتين يحمل قول من قال: كان عبدًا على اعتبار ما كان عليه، ثم أعتق، فلذلك قال من قال: كان حرًّا. ويردّ هذا الجمع ما تقدّم من قول عروة: كان عبدًا, ولو كان حرًّا لم تُخيَّر. وأخرجه الترمذيّ بلفظ: "أن زوج بريرة كان عبدًا أسود يوم أُعتقت"، فهذا يعارض الرواية المتقدّمة عن الأسود، ويعارض الاحتمال المذكور احتمالُ أن يكون من قال: كان حرًّا، أراد ما آل إليه أمره، وإذا
стр. 14500
تعارضا إسنادًا، واحتمالاً احتيج إلى الترجيح، ورواية الأكثر يرجّح بها، وكذلك الأحفظ، وكذلك الألزم، وكلّ ذلك موجودٌ في جانب من قال: "كان عبدا". انتهى (١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: فتبيّن بما تقدّم أن الرواية الراجحة هي رواية "كان زوج بريرة عبدًا". واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٤٧٧ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ, عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ, قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ, عَنِ الْحَكَمِ, عَنْ إِبْرَاهِيمَ, عَنِ الأَسْوَدِ, عَنْ عَائِشَةَ, أَنَّهَا أَرَادَتْ أَنْ تَشْتَرِيَ بَرِيرَةَ, فَاشْتَرَطُوا وَلَاءَهَا, فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ , فَقَالَ: «اشْتَرِيهَا, وَأَعْتِقِيهَا, فَإِنَّ الْوَلَاءَ لِمَنْ أَعْتَقَ» , وَأُتِيَ بِلَحْمٍ, فَقِيلَ: إِنَّ هَذَا مِمَّا تُصُدِّقَ بِهِ عَلَى بَرِيرَةَ, فَقَالَ: «هُوَ لَهَا صَدَقَةٌ, وَلَنَا هَدِيَّةٌ» , وَخَيَّرَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ , وَكَانَ زَوْجُهَا حُرًّا).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح أيضًا. و"عمرو عليّ": هو الفلاّس. و"عبد الرحمن": هو ابن مهديّ. و"الحكم": هو ابن عُتيبة. وقوله: "وأُتي بلحم" ببناء الفعل للمفعول. ومثله "تُصُدّق به". وقوله: "وكان زوجها حرًّا"، الراجح أنه كان عبدًا، كما سبق قريبًا.
والحديث متّفقٌ عليه، وسبق الكلام عليه قريبًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
٣١ - (بَابُ خِيَارِ الأَمَةِ تُعْتَقُ، وَزَوْجُهَا مَمْلُوكٌ)
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الظاهر أن المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- يرى ترجيح رواية أن زوج بريرة كان عبدًا، حيث أخّر هذا الباب؛ لأن صنيعه غالبًا أنه يأتي بالأخبار المعلّلة أوّلاً، ثم يأتي بالأخبار الصحيحة بعدها، كما هو صنيع الترمذيّ غالبًا، وقد بين
стр. 14501
ذلك الحافظ ابن رجب -رحمه اللَّه تعالى- في "شرح علل الترمذيّ"، ونصّ عبارته -رحمه اللَّه تعالى- فيه:
"وقد اعتُرِض على الترمذيّ -رحمه اللَّه تعالى- بأنه في غالب الأبواب يبدأ بالأحاديث الغريبة الإسناد غالبًا. وليس ذلك بعيب، فإنه -رحمه اللَّه تعالى- يُبّين ما فيها من العلل، ثم يبيّن الصحيح في الإسناد، وكأنّ قصده -رحمه اللَّه تعالى- ذكر العدل، ولهذا تجد النسائيّ إذا استوعب طرق الحديث بدأ بما هو غلطٌ، ثم يذكر بعد ذلك الصواب المخالف له" انتهى كلام ابن رجب -رحمه اللَّه تعالى- (١).
والحاصل أن المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- أورد في الباب السابق حديث عائشة - رضي اللَّه تعالى - عنها من رواية الأسود عنها، وفيه: "وكان زوجها حرًّا"، ثم أورد حديثها في هذا الباب من رواية عروة، عنها، وفيه: "وكان زوجها عبدًا"، ومن طريق سماك، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن عائشة، وفيه: "وكان زوجها عبدًا"، ومن طريق شعبة، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عنها، وفيه: "وكان زوجها عبدًا"، ثمّ قال بعد ذلك: ما أدري الخ.
ففي هذه الروايات ما يرجّح أن رواية الأسود "وكان زوجها حرًّا" مرجوحةٌ.
وقد رجّح الإمام البخاريّ -رحمه اللَّه تعالى- في "صحيحه" أيضًا رواية كونه عبدًا، حيث قال: "باب خيار الأمة تحت العبد"، ثم أخرج بسنده من طريق قتادة، عن عكرمة عن ابن عبّاس - رضي اللَّه تعالى عنهما -، قال: رأيته عبدًا -يعني زوج بريرة، ومن طريق أيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: ذاك مُغيث عبد بني فلان -يعني زوج بَريرة- كأني انظر إليه يتبعها في سكك المدينة، يبكي عليها.
قال في "الفتح": وهذا مصير من البخاريّ إلى ترجيح قول من قال: إن زوج بريرة كان عبدًا، وقد ترجم في أوائل "النكاح" بحديث عائشة في قصّة بريرة "باب الحرّة تحت العبد" وهو جزمٌ منه أيضًا بأنه كان عبدًا. قال: واعترض عليه هناك ابن المنيّر بأنه ليس في حديث الباب أن زوجها كان عبدًا، وإثبات الخيار لها لا يدلّ؛ لأن المخالف يدّعي أن لا فرق في ذلك بين الحرّ والعبد.
والجواب أن البخاريّ جرى على عادته من الإشارة إلى ما في بعض طرق الحديث الذي يورده، ولا شكّ أن قصّة بريرة لم تتعدّد، وقد رجح عنده أن زوجها كان عبدًا، فلذلك جزم به انتهى (٢).
стр. 14502
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الحاصل أن رواية "وكان زوجها عبدًا" هي الراجحة، كما سيأتي قريبًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
٣٤٧٨ - (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ, قَالَ: أَنْبَأَنَا جَرِيرٌ, عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ, عَنْ أَبِيهِ, عَنْ عَائِشَةَ, قَالَتْ: كَاتَبَتْ بَرِيرَةُ عَلَى نَفْسِهَا, بِتِسْعِ أَوَاقٍ, فِي كُلِّ سَنَةٍ بِأُوقِيَّةٍ, فَأَتَتْ عَائِشَةَ تَسْتَعِينُهَا, فَقَالَتْ: لَا, إِلاَّ أَنْ يَشَاءُوا أَنْ أَعُدَّهَا لَهُمْ عَدَّةً وَاحِدَةً, وَيَكُونُ الْوَلَاءُ لِي, فَذَهَبَتْ بَرِيرَةُ, فَكَلَّمَتْ فِي ذَلِكَ أَهْلَهَا, فَأَبَوْا عَلَيْهَا, إِلاَّ أَنْ يَكُونَ الْوَلَاءُ لَهُمْ, فَجَاءَتْ إِلَى عَائِشَةَ, وَجَاءَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عِنْدَ ذَلِكَ, فَقَالَتْ لَهَا: مَا قَالَ أَهْلُهَا, فَقَالَتْ: لَا, هَا اللَّهِ إِذًا, إِلاَّ أَنْ يَكُونَ الْوَلَاءُ لِي, فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَا هَذَا؟» , فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ, إِنَّ بَرِيرَةَ أَتَتْنِي, تَسْتَعِينُ بِي عَلَى كِتَابَتِهَا, فَقُلْتُ: لَا, إِلاَّ أَنْ يَشَاءُوا أَنْ أَعُدَّهَا لَهُمْ عَدَّةً وَاحِدَةً, وَيَكُونُ الْوَلَاءُ لِي, فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لأَهْلِهَا, فَأَبَوْا عَلَيْهَا, إِلاَّ أَنْ يَكُونَ الْوَلَاءُ لَهُمْ, فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «ابْتَاعِيهَا, وَاشْتَرِطِي لَهُمُ الْوَلَاءَ, فَإِنَّ الْوَلَاءَ لِمَنْ أَعْتَقَ» , ثُمَّ قَامَ, فَخَطَبَ النَّاسَ, فَحَمِدَ اللَّهَ, وَأَثْنَى عَلَيْهِ, ثُمَّ قَالَ: «مَا بَالُ أَقْوَامٍ, يَشْتَرِطُونَ شُرُوطًا, لَيْسَتْ فِي كِتَابِ اللَّهِ , يَقُولُونَ: أَعْتِقْ فُلَانًا, وَالْوَلَاءُ لِي, كِتَابُ اللَّهِ أَحَقُّ, وَشَرْطُ اللَّهِ أَوْثَقُ, وَكُلُّ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ, فَهُوَ بَاطِلٌ, وَإِنْ كَانَ مِائَةَ شَرْطٍ» , فَخَيَّرَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ زَوْجِهَا, وَكَانَ عَبْدًا, فَاخْتَارَتْ نَفْسَهَا, قَالَ عُرْوَةُ: فَلَوْ كَانَ حُرًّا, مَا خَيَّرَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (إسحاق بن إبراهيم) ابن راهويه المترجم قريبًا.
٢ - (جرير) بن عبد الحميد بن قُرط الضبيّ، أبو عبد اللَّه الكوفيّ، نزيل الريّ، وقاضيها، ثقة، صحيح الكتاب، قيل: كان في آخر عمره يَهِم من حفظه [٨] ٢/ ٢.
٣ - (هشام بن عروة) بن الزبير الأسديّ، أبو المنذر المدنيّ، ثقة فقيه، ربما دلّس [٥] ٤٩/ [٦]
٤ - (أبوه) عروة بن الزبير بن العوّام الأسديّ، أبو عبد اللَّه المدنيّ الفقيه، ثقة ثبت [٣] ٤٠/ ٤٤.
٥ - (عائشة) أم المؤمنين - رضي اللَّه تعالى عنها -٥/ ٥. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخه، فمروزيّ، وجرير، فرازيّ. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ، والابن عن أبيه. واللَّه تعالى أعلم.
стр. 14503
شرح الحديث
(عَنْ عَائِشَةَ) - رضي اللَّه تعالى عنها -، أنها (قَالَتْ: كَاتَبَتْ بَرِيرَةُ عَلَى نَفْسِهَا) أي عقدت الكتابة بينها وبين مواليها على عتق نفسها، إذا أدّت البدل (بِتِسْعِ أَوَاقٍ) هذه الرواية وهي رواية هشام عن أبيه هي المشهورة في قدر بدل الكتابة، وقد وقعت في رواية للبخاريّ علّقها من طريق الليث، عن يونس، عن ابن شهاب، عن عروة، مخالفة لهذه الرواية, ولفظها: "إن بريرة دخلت عليها تستعينها في كتابتها، وعليها خمس أواق، نُجّمت عليها في خمس سنين … "، وقد جزم الإسماعيليّ بأن هذه الرواية غلطٌ. قال الحافظ: ويمكن الجمع بأن التسع أصل، والخصى كانت بقيت عليها. وبهذا جزم القرطبيّ، والمحبّ الطبريّ، لكن يعكُرُ عليه قوله في رواية قُتيبة: "ولم تكن أدّت من كتابتها شيئًا". ويجاب بأنها كانت حصلت الأربع أواقٍ قبل أن تستعين عائشة، ثم جاءتها، وقد بقي عليها خمس. وقال القرطبيّ: يُجاب بأن الخمس هي التي كانت استحقّت عليها بحلول نجومها من جملة التسع الأواقي المذكورة في حديث هشام. ويؤيّده قوله في رواية عمرة عن عائشة عند البخاريّ في "أبواب المساجد": "فقال أهلها: إن شئت أعطيت ما يبقى". وذكر الإسماعيليّ أنه رأى في الأصل المسموع على الفربريّ في هذه الطريق أنها كاتبت على خمس أوساق، وقال: إن كان مضبوطًا، فهو يدفع سائر الأخبار. قال الحافظ: لم يقع في شيء من النسخ المعتمدة التي وقفنا عليها إلا الأواقي، وكذا في نسخة النسفيّ عن البخاريّ، وكان يمكن على تقدير صحّته أن يُجمع بأن قيمة الأوساق الخمسة تسع أواقي، لكن يعكر عليه قوله: "في خمس سنين"، فيتعيّن المصير إلى الجمع الأول. انتهى (١).
(فِي كُلِّ سَنَةٍ بِأوقِيَّةٍ) هكذا النسخ بالباء، والظاهر أن الباء زائدة، ويؤيّده أن في هامش "الكبرى" ما يشير إلى أن في بعض النسخ إسقاطَ الباء، فيكون "أوقية" مبتدأ مؤخّرًا، خبره "في كلّ سنة"، ويحتمل أن يتعلّق الجارّان بفعل مقدّر دلّ عليه السابق: أي كاتبتهم في كلّ سنة باقية. و"الأوقيّة": أربعون درهما (فَأَتَتْ عَائِشَةَ تَسْتَعِينُهَا) أي تطلب عونها في بدل الكتابة (فَقَالَتْ:) عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - (لَا) أي لا أفعل ذلك، وهو العون الذي طلبته (إِلاَّ أَنْ يَشَاءُوا) أي أهل بريرة (أَنْ أَعُدَّهَا لَهُمْ عَدَّةً وَاحِدَةً) فيه أن العدّ في الدراهم الصحاح المعلومة الوزن يكفي عن الوزن، وأن المعاملة في ذلك الوقت كانت بالأواقي، وهي أربعون درهما، كما سبق آنفًا. وزعم المحبّ الطبريّ أن أهل المدينة
стр. 14504
كانوا يتعاملون بالعدّ إلى مقدم رسول اللَّه ﷺ المدينة، ثم أُمروا بالوزن. وفيه نظر؛ لأن قصّة بريرة متأخّرة عن مقدمه ﷺ بنحو ثمان سنين، لكن يحتمل قول عائشة: "أعدّها لهم عدّة واحدة": أي أدفعها لهم، وليس مرادها حقيقة العدّ، ويؤيّده قولها في طريق عمرة: "أن أصُبّ لهم ثمنكِ صبّةً واحدةً". قاله في "الفتح" (وَيَكُونُ الْوَلَاءُ لِي) وفي رواية للبخاريّ: "فإن أحبّوا أن أقضي عنك كتابتك، ويكون ولاؤك لي فعلتُ". قال في "الفتح": وظاهره أن عائشة طلبت أن يكون الولاء لها إذا بذلت جميع مال الكتابة، ولم يقع ذلك، إذ لو وقع ذلك لكان اللوم على عائشة بطلبها ولاء من أعتقها غيرها، وقد رواه أبو أسامة، عن هشام بلفظ يزيل الإشكال، فقال بعد قوله: "أن أعدّها لهم عدّة واحدة، وأُعتقك، ويكون ولاؤك لي فعلت"، وكذلك رواه وهيب، عن هشام، فعرف بذلك أنها أرادت أن تشتريها شراء صحيحًا، ثم تُعتقها، إذ العتق فرع ثبوت الملك. ويؤيّده قوله في بقيّة حديث الزهريّ: "ابتاعي، فأعتقي"، وهو يفسّر قوله في رواية مالك، عن هشام: "خذيها"، ويوضّح ذلك أيضًا قوله في طريق أيمن: "دخلت عليّ بريرة، وهي مكاتبة، فقالت: اشتريني، وأعتقيني، قالت: نعم"، وقوله في حديث عمر: "أرادت عائشة أن تشتري جارية، فتُعتقها". وبهذا يتجه الإنكار على موالي بريرة، إذ وافقوا عائشة على بيعها، ثمّ أرادوا أن يشترطوا أن يكون الولاء لهم. ويؤيّده قوله في رواية أيمن: "قالت: لا تبيعوني حتى تشترطوا ولائي". وفي رواية الأسود، عن عائشة: "اشتريت بريرةَ لأعتقها، فاشترط أهلها ولاءها". انتهى (١).
(فَذَهَبَتْ بَرِيرَةُ، فَكَلَّمَتْ فِي ذَلِكَ) أي فيما قالته عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - (أَهْلَهَا)، المراد بالأهل هنا السادة، والأهل في الأصل الآل، وفي الشرع من تلزمه نفقته على الأصحّ عند الشافعيّة. قاله في "الفتح" (٢) (فَأَبَوْا عَلَيْهَا، إِلَّا أَنْ يَكُونَ الْوَلَاءُ لَهُمْ، فَجَاءَتْ إِلَى عَائِشَةَ، وَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عِنْدَ ذَلِكَ) أي عند مجيئها إلى عائشة، راجعةً من أهلها بعد رفضهم ما قالته عائشة (فَقَالَتْ: لَهَا) أي قالت بريرة لعائشة - رضي اللَّه تعالى عنهما - (مَا قَالَ أَهْلُهَا) من اشتراط ولائها لهم (فَقَالَتْ: لَا) أي لا أشتري، ولا أعُدّ الدراهم (هَا اللَّهِ) كدمة "ها" بدل من واو القسم، وما بعدها مجرور، يقال: "ها اللَّهِ" موضع "واللَّه" بقطع الهمزة، مع إثبات ألفها، وحذفه (إِذًا) أي إذا شرطوا الولاء لأنفسهم.
[فائدة]: قال السيوطيّ -رحمه اللَّه تعالى- في "شرحه": قد تكلّم الناس قديمًا وحديثًا
стр. 14505
على هذه اللفظة، وقالوا: إنّ المحدّثين يروونها هكذا، وأنه خطأ، والصواب: لا ها اللَّه ذا، بإسقاط الألف من "ذا"، وقد ألّفتُ في ذلك تأليفًا حسنًا، وأودعته برُمّته في كتاب "إعراب الحديث" انتهى (١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: دعوى الغلط والتصحيف على المحدّثين، مع كثرة وقوعه في الأحاديث، اتباعًا لقول بعض النحاة غير صحيح، بل التركيب هذا فصيح، وتوجيهه واضح، كما قال بعض المحقّقين.
وأحسن من لَخّص أقوال العلماء في ذلك، واستوفى البحث حقّه، بإيجاز هو الحافظ ابن حجر -رحمه اللَّه تعالى- في "شرح البخاري" في شرحه حديثَ أبي قتادة ﵁ (٢)، فقال -عند شرح قوله: "فقال أبو بكر الصدّيق: لا ها اللَّه، إذا لا يعمد إلى أسد من أُسُد اللَّه، يقاتل عن اللَّه ورسوله، فيُعطيك سلبه" -:
ما نصّه: هكذا ضبطناه في الأصول المعتمدة من "الصحيحين"، وغيرهما بهذه الأحرف: "لا ها اللَّه إذا"، فأما "لا ها اللَّه"، فقال الجوهريّ: ها للتنبيه، وقد يُقسم بها، يقال: لا ها اللَّه، ما فعلت كذا.
قال ابن مالك: فيه شاهدٌ على جواز الاستغناء عن واو القسم بحرف التنبيه، قال: ولا يكون ذلك إلا مع "اللَّه"، أي لم يُسمع "لا ها الرحمن"، كما سُمع "لا والرحمن"، قال: وفي النطق بها أربعة أوجه:
[أحدها]: ها اللَّه باللام بعد الهاء بغير إظهار شيء من الألفين.
[ثانيها]: مثله، لكن بإظهار ألف واحدة بغير همز، كقولهم: "التقت حلقتا البطان".
стр. 14506
[ثالثها]: ثبوت الألفين بهمزة قطع.
[رابعها]: بحذف الألف، وثبوت همزة القطع انتهى كلامه. والمشهور في الرواية من هذه الأوجه الثالث، ثمّ الأول.
وقال أبو حاتم السجستانيّ: العرب تقول: "لا هأ اللَّه ذا" بالهمز، والقياس ترك الهمزة. وحكى ابن التين عن الداوديّ أنه روى برفع "اللَّه"، قال: والمعنى يأبى اللَّه.
وقال غيره: إن ثبت الرواية بالرفع فتكون "ها" للتنبيه، و"اللَّه " مبتدأ، و"لا يعمد" خبره انتهى. ولا يخفى تكلّفه. وقد نقل الأئمّة الاتفاق على الجرّ، فلا يلتفت إلى غيره.
وأما "إذا" فثبتت في جميع الروايات المعتمدة، والأصول المحقّقة من "الصحيحين"، وغيرهما بكسر الألف، ثمّ ذال معجمة منوّنة. وقال الخطّابيّ: هكذا يروونه، وإنما هو في كلامهم -أي العرب- لا ها اللَّه ذا، والهاء فيه بمنزلة الواو، والمعنى: لا واللَّهيكون ذا. ونقل عياض فيم "المشارق" عن إسماعيل القاضي أن المازنيّ قال: قول الرواة: "لا ها اللَّه إذا" خطأٌ، والصواب: لا ها اللَّه ذا، أي يميني وقسمي. وقال أبو زيد: ليس في كلامهم لا ها اللَّه إذا، وإنما هو لا ها اللَّه ذا، و"ذا" صلة في الكلام، والمعنى لا واللَّه، هذا ما أقسم به، ومنه أخذ الجوهريّ، قال: قولهم: لا ها اللَّه ذا، معناه لا واللَّه هذا، ففرقوا بين حرف التنبيه والصلة، والتقدير لا واللَّه ما فعلت ذا. وتوارد كثير ممن تكلّم على هذا الحديث أن الذي وقع في الخبر بلفظ "إذًا" خطأٌ، وإنما هو "ذا" تبعًا لأهل العربيّة، ومن زعم أنه ورد في شيء من الريات بخلاف ذلك، فلم يصب، بل يكون ذلك من إصلاح بعض من قلّد أهل العربية في ذلك. وقد اختلف في كتابة "إذًا" هذه، هل تُكتب بألف، أو بنون. وهذا الخلاف مبنيّ على أنها اسم، أو حرف، فمن قال: هي اسم، قال: الأصل فيمن قيل له: سأجيء إليك، فأجاب إذا أكرمك، أي إذا جئتني أكرمك، ثم حذف "جئتني"، وعوّض عنها التنوين، وأُضمرت "أن"، فعلى هذا يكتب بالنون. ومن قال: هي حرف -وهم الجمهور- اختلفوا، فمنهم من قال: هي بسيطةٌ، وهو الراجح، ومنهم من قال: مركّبةٌ من "ذا"، و"إن"، فعلى الأول تكتب بألف، وهو الراجح، وبه وقع رسم المصاحف. وعلى الثاني تكتب بنون. واختلف في معناها، قال سيبويه: معناها الجواب والجزاء، وتبعه جماعةٌ، فقالوا: هي حرف جواب يقتضي التعليل. وأفاد أبو عليّ الفارسيّ أنها قد تتمحّض للجواب، وأكثر ما تجيء جوابًا لـ "لو"، و"إن"، ظاهرًا، أو مقدّرًا، فعلى هذا لو ثبتت الرواية بلفظ "إذا" لاختلّ نظم الكلام؛ لأنه يصير هكذا: لا، واللَّه، إذًا لا يعمِد إلى أسد الخ، وكان حقّ السياق أن يقول: إذا يعمد، أي لو أجابك إلى ما طلبتَ لعمد إلى أسد الخ. وقد ثبتت
стр. 14507
الرواية بلفظ: "لا يعمد الخ"، فمن ثمّ ادّعى من ادّعى أنها تغيير، ولكن قال ابن مالك: وقع في الرواية "إذًا" بألف وتنوين، وليس ببعيد. وقال أبو البقاء: هو بعيد، ولكن يمكن أن يوجّه بأن التقدير: لا واللَّه لا يعطي إذًا، يعني، ويمكن لا يعمد الخ تأكيدًا للنفي المذكور، وموضّحًا للسبب فيه. وقال الطيبيّ: ثبت في الرواية "لا ها اللَّه إذًا"، فحمله بعض النحويين على أنه من تغيير بعض الرواة؛ لأن العرب لا تستعمل لا ها اللَّه بدون "ذا"، وإن سلّم استعماله بدون "ذا"، فليس هذا موضع "إذًا"؛ لأنها حرف جزاء، والكلام هنا على نقيضه، فإن مقتضى الجزاء أن لا يذكر "لا" في قوله: "لا يعمد"، بل كان يقول: إذًا يعمد إلى أسد الخ ليصحّ جوابًا لطلب السلب، قال: والحديث صحيح، والمعنى صحيح، وهو كقوله لمن قال لك افعل كذا، فقلت له: واللَّه إذًا لا أفعل، فالتقدير إذًا، واللَّه لا يعمد إلى أسد الخ، قال: ويحتمل أن تكون "إذًا" زائدة، كما قال أبو البقاء: إنها زائدة في قوله الحماسيّ:
إِذَا لَقَامَ بِنَصْرِي مَعْشَرٌ خُشُنٌ
في جواب قوله:
لَوْ كُنْتُ مِنْ مَازِنٍ لَمْ تُسْتَبَحْ إِبِلِي
قال: والعجب ممن يعتني بشرح الحديث، ويقدّم نقل بعض الأدباء على أئمّة الحديث، وجهابذته، وُينسبون إليهم الخطأ والتصحيف، ولا أقول: إن جهابذة المحدّثين أعدل، وأتقن في النقل، إذ يقتضي المشاركة بينهم، بل أقول: لا يجوز العدول عنهم في النقل إلى غيرهم.
وقد سبقه إلى تقرير ما وقع في الرواية, ورد ما خالفها الإمام أبو العبّاس القرطبيّ في "المفهم"، فنقل ما تقدّم عن أئمّة العربيّة، ثم قال: وقع في رواية العُذْريّ، والهوزنيّ في مسلم: "لا ها اللَّه ذا" بغير ألف ولا تنوين، وهو الذي جزم به من ذكرناه، قال: والذي يظهر لي أن الرواية المشهورة صوابٌ، وليست بخطأٌ، وذلك أن هذا الكلام وقع على جواب إحدى الكلمتين للأخرى، والهاء هي التي عوض بها عن واو القسم، وذلك لأن العرب تقول في القسم: "آاللَّه لأفعلنّ" بمدّ الهمزة، وبقصرها، فكأنهم عوضوا عن الهمزة "ها"، فقالوا: "ها اللَّه"؛ لتقارب مخرجيهما، وكذلك قالوا بالمدّ والقصر، وتحقيقه أن الذي مدّ مع الهاء كأنه نطق بهمزتين، أَبدل من إحداهما ألفًا؛ استثقالاً لاجتماعهما، كما تقول: آاللَّه، والذي قصر كأنه نطق بهمزة واحدة، كما تقول: اللَّه. وأما "إذًا"، فهي بلا شكّ حرف جواب وتعليل، وهي مثل التي وقعت في قوله ﷺ ، وقد سئل عن بيع الرطب بالتمر، فقال: "أينقص الرُّطَب إذا جفّ؟ "، قالوا: نعم، قال:
стр. 14508
"فلا إذن"، فلو قال: فلا واللَّه إذًا، لكان مساويًا لما وقع هنا، وهو قوله: "لا ها اللَّه إذًا" من كلّ وجه، لكنه لم يحتج هناك إلى القسم، فتركه. قال: فقد وضح تقرير الكلام، ومناسبته، واستقامته معنىً، ووضعًا، من غير حاجة إلى تكلّف بعيد، يخرج عن البلاغة، ولا سيّما من ارتكب أبعد، وأفسد، فجعل "ها" للتنبيه، و"ذا" للإشارة، وفصل بينهما بالمقسم به. قال: وليس هذا قياسًا، فيطّرد، ولا فصيحًا، فيحمل عليه الكلام النبويّ، ولا مرويًّا برواية ثابتة. قال: وما وُجد للعذريّ، وغيره، فإصلاح من اغترّ بما حكي عن أهل العربية، والحقّ أحقّ أن يتّبع.
وقال بعض من أدركناه، وهو أبو جعفر الغرناطيّ، نزيل حَلَب في حاشية نسخته من البخاريّ: استرسل جماعة من القدماء في هذا الإشكال إلى أن جعلوا المخلص منه أن اتهموا الأثبات بالتصحيف، فقالوا: والصواب: "لا ها اللَّه ذا" باسم الإشارة، قال: ويا عجبًا من قوم يقبلون التشكيك على الروايات الثابتة، ويطلبون لها تأويلاً. وجوابهم أن "ها اللَّه" لا يستلزم اسم الإشارة، كما قال ابن مالك، وأما جعل "لا يعمِد" جواب "فأَرْضِهِ"، فهو سبب الغلط، وليس بصحيح ممن زعمه، وإنما هو جواب شرط مقدّر، يدلّ عليه "صدق، فأرضه"، فكأن أبا بكر قال: إذا صدق في أنه صاحب السلب إذًا لا يعمد إلى السلب، فيُعطيك حقّه، فالجزاء على هذا صحيحٌ؛ لأن صدقه سببُ أن لا يفعل ذلك. قال: وهذا واضحٌ، لا تكلّف فيه انتهى. قال الحافظ: وهو توجيه حسنٌ، والذي قبله أقعد.
ويؤيّد ما رجّحه من الاعتماد على ما ثبتت به الرواية كثرة وقوع هذه الجملة من الأحاديث:
(منها): ما وقع في حديث عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - في قصّة بريرة لَمّا ذكرت أن أهلها يشترطون الولاء قالت: فانتهرتها، فقلت: "لا ها اللَّه إذًا". (ومنها): ما وقع في قصّة جُليبيب -بالجيم، والموحّدتين، مصغّرًا-: "أن النبيّ ﷺ خطب عليه امرأة من الأنصار إلى أبيها، فقال: حتّى أستأمر أمّها، قال: نعم إذًا، قال: فذهب إلى امرأته، فذكر لها، فقالت: لا ها اللَّه إذًا، وقد منعناها فلانًا" الحديث، صحّحه ابن حبّان من حديث أنس. (ومنها): ما أخرجه أحمد في "الزهد" قال: "قال مالك بن دينار للحسن، يا أبا سعيد لو لبست مثل عباءتي هذه، قال: لا ها اللَّه إذًا ألبس مثل عباءتك هذه"، وفي "تهذيب الكمال" في ترجمة ابن أبي عتيق: "أنه دخل على عائشة في مرضها، فقال: كيف أصبحت جعلني اللَّه فداك؟ قالت: أصبحت ذاهبة، قال: فلا إذًا، وكان فيه دُعابة". ووقع في كثير من الأحاديث في سياق الإثبات بقسم، وبغير قسم، فمن ذلك
стр. 14509
في قصّة جُلَيبيب. (ومنها): حديث عائشة في قصّة صفيّة لَمّا قال ﷺ : "أحابستنا هي؟ وقال: إنها طافت بعد ما أفاضت، فقال: فلتنفر إذًا". (ومنها): حديث عمرو بن العاص وغيره في سؤاله عن أحبّ الناس "فقال: عائشة، فقال: لم أعن النساء؟، قال: فأبوها إذًا". (ومنها): حديث ابن عباس في قصّة الأعرابيّ الذي أصابته الحمّى، فقال: "بل حمّى تفور، على شيخ كبير، تُزيره القبور، قال: فنعم إذًا". (ومنها): ما أخرجه الفاكهيّ من طريق سفيان قال: "لقيت ليطة بن الفرزدق، فقلت: أسمعت هذا الحديث من اْبيك؟ قال: أي ها اللَّه إذًا، سمعت أبي يقوله"، فذكر القصّة. (ومنها): ما أخرجه عبد الرزاق، عن ابن جُريج، قال: "قلت لعطاء: أرأيت لو أني فرغت من صلاتي، فلم أرض كمالها، أفلا أعود لها؟ قال: بلى ها اللَّه إذًا". قال الحافظ: والذي يظهر من تقدير الكلام بعد أن تقرّر أن "إذا" حرف جواب وجزاء أنه كانه قال: إذًا واللَّه أقول لك: نعم، وكذا في النفي كانه أجابه بقوله: إذًا واللَّه لا نعطيك، إذا واللَّه لا أشترط، إذا واللَّه لا ألبس، وأخر حرف الجواب في الأمثلة كلّها. وقد قال ابن جريج في قوله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذًا لَا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا﴾: فلا يؤتون الناس إذًا، وجعل ذلك جوابًا عن عدم النصيب بها، مع أن الفعل مستقبل. وذكر أبو موسى المدينيّ في "المغيث، له في قوله تعالى: ﴿وَإِذًا لَا يَلْبَثُونَ خِلَافَكَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ إذًا قيل: هو اسم بمعنى الحروف الناصبة، وقيل: أصله إذًا الذي هو من ظروف الزمان، وإنما نوّن للفرق، ومعناه حينئذ: أي إن أخرجوك من مكة، فحينئذ لا يلبثون خلفك إلا قليلاً. وإذا تقرّر ذلك أمكن حمل ما ورد من هذه الأحاديث عليه، فيكون التقدير: لا واللَّه حينئذ، ثم أراد بيان السبب في ذلك، فقال: لا يعمد الخ. واللَّه أعلم.
قال الحافظ -رحمه اللَّه تعالى-: وإنما أطلت في هذا الموضع لأنني منذ طلبت الحديث، ووقفت على كلام الخطّابيّ وقعت عندي نفرةٌ للإقدام على تخطئة الروايات الثابتة، خصوصًا ما في "الصحيحين"، فما زلت أتطلّب الْمَخْلَصَ من ذلك إلى أن ظفرت بما ذكرته، فرأيت إثباته كلّه هنا. انتهى كلام الحافظ -رحمه اللَّه تعالى- (١)، وهو بحث نفيس جدًّا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
(إِلَّا أَنْ يَكُونَ الْوَلَاءُ لِي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَا هَذَا؟! ") وفي رواية: "فسمع بذلك رسول اللَّه ﷺ ، فسألني، فأخبرته". وفي رواية مالك، عن هشام: "فجاءت من عندهم، ورسول اللَّه ﷺ جالسٌ، فقال: إني عرضتُ عليهم، فأبوا، فسمع النبيّ ﷺ ".
стр. 14510
وفي رواية: "فسمع بذلك النبيّ ﷺ ، أو بلغه"، زاد في رواية: "فقال: ما شأن بريرة؟ ". وفي رواية عند مسلم، وابن خزيمة: "فجاءتني بريرة، والنبيّ ﷺ جالسٌ، فقالت لي فيما بيني وبينها: ما أراد أهلها، فقلت: لا ها اللَّه إذًا، ورفعت صوتي، وانتهرتها، فسمع ذلك النبيّ ﷺ ، فسألني، فأخبرته"، لفظ ابن خزيمة. قاله في "الفتح" (فَقَالَتْ:: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ بَرِيرَةَ أَتَتْنِي، تَسْتعِينُ بِي عَلَى كِتَابَتِهَا، فَقُلْتُ: لَا، إِلاَّ أَنْ يَشَاءُوا أَنْ أَعُدَّهَا لَهُمْ عَدَّةً وَاحِدَةً، وَيكُونُ الْوَلاءُ لِي، فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لِأَهْلِهَا، فَأَبَوْا عَلَيْهَا، إِلَّا أَنْ يَكُونَ الْوَلَاءُ لَهُمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "ابْتَاعِيهَا" وفي رواية: "خذيها، فأعتقيها". وفي رواية: "ابتاعي، فأعتقي"، وفي حديث ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما -: "لا يمنعك ذلك" (وَاشْتَرِطِي لَهُمُ الوَلَاءَ) قال ابن عبد البرّ، وغيره: كذا رواه أصحاب هشام، عن عروة، وأصحاب مالك، عن هشام، واستُشكل صدور الإذن منه ﷺ في البيع على شرط فاسدٍ، واختلف العلماء في ذلك: فمنهم من أنكر الشرط في الحديث، فروى الخطّابي في "المعالم" بسنده إلى يحيى بن أكثم أنه أنكر ذلك. وعن الشافعيّ في "الأمّ" الإشارة إلى تضعيف رواية هشام المصرّحة بالاشتراط؛ لكونه انفرد بها، دون أصحاب أبيه، وروايات غيره قابلة للتأويل. وأشار غيره إلى أنه رَوَى بالمعنى الذي وقع له، وليس كما ظنّ. وأثبت آخرون، وقالوا: هشام ثقةٌ حافظٌ، والحديث متّفقٌ على صحّته، فلا وجه لردّه. ثمّ اختلفوا في توجيهها: فزعم الطحاويّ أن المزنيّ حدّث به عن الشافعيّ بلفظ "وأشرطي دا بهمزة قطع، بغير تاء مثنّاة، ثمّ وجّهه بأنّ معناه: أظهري لهم حكم الولاء، والإشراط الإظهار، قال أوس بن حجر:
فَأَشْرَطَ فِيهَا نَفْسَهُ وَهُوَ مُعْصِمٌ (١)
أي أظهر نفسه انتهى. وأنكر غيره الرواية. والذي في "مختصر المزنيّ"، و"الأمّ"، وغيرهما عن الشافعيّ كرواية الجمهور: "واشترطي" بصيغة أمر المؤنّث من الشرط، ثمّ حكى الطحاويّ أيضًا تأويل الرواية التي بلفظ "اشترطي"، وأن اللام في قوله: "اشترطي لهم " بمعنى "على"، كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾، وهذا المشهور عن المزنيّ، وجزم به الخطّابيّ، وهو صحيحٌ عن الشافعيّ، أسنده البيهقيّ في "المعرفة" من طريق أبي حاتم الرازيّ، عن حرملة، عنه. وحكى الخطّابيّ، عن ابن خزيمة أن قول يحيى بن اْكثم غلطٌ، والتأويل المنقول عن المزنيّ لا يصحّ.
وقال النوويّ: تأويل اللام بمعنى "على" هنا ضعيف؛ لأنه ﷺ أنكر الاشتراط، ولو
стр. 14511
كانت بمعنى "على" لم يُنكره.
فإن قيل: ما أنكر إلا إرادة الاشتراط في أوّل الأمر. فالجواب أن سياق الحديث يأبى ذلك. وضعّفه أيضًا ابن دقيق العيد، وقال: اللام لا تدلّ بوضعها على الاختصاص النافع، بل على مطلق الاختصاص، فلا بُدّ في حملها على ذلك من قرينة.
وقال آخرون: الأمر في قوله: "واشترطي"، للإباحة، وهو على وجه التنبيه على أن ذلك لا ينفعهم، فوجوده وعدمه سواء، وكأنه يقول: اشترطي، أو لا تشترطي، فذلك لا يُفيدهم. ويقوّي هذا التأويل قوله في رواية أيمن عند البخاريّ: "اشتريها، ودعيهم يشترطون ما شاؤوا". وقيل: كان النبيُّ ﷺ أعلمَ الناسَ بأن اشتراط البائع الولاء باطلٌ، واشتهر ذلك بحيث لا يخفى على أهل بريرة، فلما أرادوا أن يشترطوا ما تقدّم لهم العلمُ ببطلانه أطلق الأمر، مُريدًا به التهديد على مآل الحال، كقوله تعالى: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ﴾، وكقول موسى: ﴿أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ﴾، أي فليس ذلك بنافعكم، وكأنّه يقول: اشترطي لهم، فسيعلمون أن ذلك لا ينفعهم. ويؤيّده قوله حين خطبهم: "ما بال أقوام يشترطون شروطًا الخ"، فوبّخهم بهذا القول، مشيرًا إلى أنه قد تقدّم منه بيان حكم اللَّه بإبطاله، إذ لو لم يتقدّم بيان ذلك، لبدأ ببيان الحكم في الخطبة، لا بتوبيخ الفاعل؛ لأنه كان يكون باقيًا على البراءة الأصليّة.
وقيل: الأمر فيه بمعنى الوعيد الذي ظاهره الأمر، وباطنه النهي، كقوله تعالى: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾، وقال الشافعيّ في "الأمّ": لما كان من اشترط خلاف ما قضى اللَّه ورسوله عاصيًا، وكانت في المعاصي حدودٌ، وآدابٌ، وكان من أدب العاصين أن يُعطل عليهم شروطهم ليرتدعوا عن ذلك، ويرتدع به غيرهم، كان ذلك من أيسر الأدب. وقال غيره: معنى "اشترطي": اتركي مخالفتهم فيما اشترطوه، ولا تُظهري نزاعهم فيما دعوا إليه، مراعاة لتنجيز العتق؛ لتشوّف الشارع إليه، وقد يعبّر عن الترك بالفعل، كقوله تعالى: ﴿وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ أي نتركهم يفعلون ذلك، وليس المراد بالإذن إباحة الإضرار بالسحر. قال ابن دقيق العيد: وهذا وإن كان محتملاً، إلا أنه خارجٌ عن الحقيقة من غير دلالة على المجاز من حيث السياق. وقال النوويّ: أقوى الأجوبة أن هذا الحكم خاصّ بعائشة في هذه القضيّة، وأن سببه المبالغة في الرجوع عن هذا الشرط؛ لمخالفته حكم الشارع، وهو كفسخ الحجّ إلى العمرة، كان خاصًّا بتلك الحجّة، مبالغةً في إزالة ما كانوا عليه من منع العمرة في أشهر الحجّ.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الذي قوّاه النوويّ ضعيفٌ عندي؛ إذ خطبته ﷺ المذكورة في الحديث تردّ هذه الدعوى، حيث عممت بإبطال كلّ شروطٍ منافية لحكم
стр. 14512
الشارع. وقد تعقّبه ابن دقيق العيد بأن التخصيص لا يثبت إلا بدّليل، ولأن الشافعيّ نصٌّ على خلاف هذه المقالة.
ثمّ إن ما ذكره في فسخ الحجّ ضعيفٌ أيضًا، إذ الحقّ أن فسخ الحجّ إلى العمرة ليس خاصًّا بتلك الحجّة، بل عامّ إلى يوم القيامة، وقد تقدّم تحقيق هذه المسألة بأدلّتها في "كتاب الحجّ"، فراجعه تستفد. واللَّه تعالى أعلم.
قال: ويُستفاد منه ارتكاب أخفّ المفسدتين، إذا استلزم إزالة أشدّهما. وتُعُقّب بأنه استدلالٌ بمختلف فيه على مختلف فيه.
وقال ابن الجوزيّ: ليس في الحديث أن اشتراط الولاء والعتق كان مقارنًا للعقد، فيُحمل على أنه كان سابقًا للعقد، فيكون الأمر بقوله: "اشترطي" مجرّد الوعد، ولا يجب الوفاء به. وتُعُقّب باستبعاد أنه ﷺ يأمر شخصًا أن يعد مع علمه بأنه لا يفي بذلك الوعد. وأغرب ابن حزم، فقال: كان الحكم ثابتًا بجواز اشتراط الولاء لغير المعتق، فوقع الأمر باشتراطه في الوقت الذي كان جائزًا فيه، ثم نُسخ ذلك الحكم بخطبته ﷺ ، وبقوله: "إنما الولاء لمن أعتق"، ولا يخفى بعد ما قال، وسياق طرق الحديث يدفع في وجه هذا الجواب. واللَّه المستعان.
وقال الخطّابيّ: وجه هذا الحديث أن الولاء لَمّا كان كلُحْمة النسب، والإنسان إذا وُلد له ولدٌ ثبت له نسبه، ولا ينتقل نسبه عنه، ولو نُسب إلى غيره، فكذلك إذا أعتَقَ عبدًا ثبت له ولاؤه، ولو أراد نقل ولأئه عنه، أو أذن في نقله عنه لم ينتقل، فلم يعبأ باشتراطهم الولاء، وقيل: "اشترطي"، و"دعيهم يتشترطون ما شاؤوا"، ونحو ذلك؛ لأن ذلك غير قادحٍ في العقد، بل هو بمنزلة اللغو من الكلام، وأَخّر إعلامهم بذلك؛ ليكون ردّه، وإبطاله قولاً شهيرًا، يُخطب به على المنبر ظاهرًا، إذ هو أبلغ في النكير، وأوكد في التعبير انتهى. وهو يؤول إلى أن الأمر فيه بمعنى الإباحة، كما تقدّم. قاله في "الفتح" (١).
(فَإِنّ الْوَلَاءَ لِمَنْ أَعْتَقَ) وفي رواية: "إنما الولاء لمن أعتق". ويستفاد منها أن كلمة "إنما" للحصر، وهو إثبات الحكم للمذكور، ونفيه عما عداه، ولولا ذلك لما لزم من إثبات الولاء للمعتق نفيه عن غيره. واستُدلّ بمفهومه على أنه لا ولاء لمن أسلم على يديه رجل، أو وقع بينه وبينه محالفة؛ خلافًا للحنفيّة. ولا للملتقط، خلافًا لإسحاق.
ويستفاد من منطوقه إثبات الولاء لمن أعتق سائبة، خلافًا لمن قال: يصير ولاؤه
стр. 14513
للمسلمين، ويدخل فيمن أعتق عتقُ المسلم للمسلم، وللكافر، وبالعكس ثبوت الولاء للمعتق. قاله في "الفتح" (١).
وقال القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى-: قوله: "إنما الولاء لمن أعتق" هذا حصرٌ للولاء على من باشر العتق بنفسه، من كان من رجلٍ، أو امرأة، من يصحّ منه العتق، ويستقلّ بتنفيذه، وقوّة هذا الكلام قوّة النفي والإيجاب، فكأنه قال: لا ولاء إلا لمن أعتق، وإياه عنى النبيّ ﷺ بقوله: "شرط اللَّه أوثق" في أصحّ الأقوال، وأحسنها. وقال الداوديّ: هو قوله تعالى: ﴿فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ﴾ [الأحزاب: ٥]، وقال: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٣٧]، وقال: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة: ١٨٨]، وقال: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ [الحشر: ٧].
وهو حجة على أبي حنيفة، وأصحابه القائلين بأن من أسلم على يديه رجلٌ، فولاؤه له، وبه قال الليث، وربيعة. وعلى إسحاق في حكمه بثبوت الولاء بالالتقاط. وعلى أبي حنيفة في حكمه بثبوت الولاء بالموالاة. ولمن قال: إن من أعتق عبده عن غيره، أو عن المسلمين إن ولاءه له، أعني للمعتق. وإليه ذهب ابن نافع فيمن أعتق عن المسلمين. ويلزمه فيمن أعتق عن غيره مطلقًا. وخالفه في ذلك مالك، والجمهور، متمسّكين بأن مقصود الحديث بيان حكم من أعتق عن نفسه، بدليل اتفاق المسلمين على أن الوكيل على العتق مُعتقٌ، ومع ذلك فالولاء للمعتق عنه إجماعًا، فكذلك حكم من أعتق عن الغير. وتُقدّره الشافعيّة أنه ملكه ثمّ ناب عنه في العتق. وأما المالكيّة، فإنهم قالوا: لا يحتاج إلى تقدير ذلك؛ لأنه يصحّ العتق عن الميت، وهو لا يملك. وفيه نظر، فإنه إن لم يقدّر الملك لزم منه هبة الولاء، وقد نهى النبيّ ﷺ عن بيع الولاء، وعن هبته. وإن قدّر الملك لم يصحّ العتق عن الميت؛ لأنه لا يملك. انتهى المقصود من كلام القرطبيّ (٢).
(ثُمَّ قَامَ) ﷺ (فَخَطَبَ النَّاسَ، فَحَمِدَ اللَّهَ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: "مَا بَالُ أَقْوَامٍ) وفي رواية: "أما بعد، فمال أقوام … " أي ما حالهم؟ (يَشْتَرِطُونَ شُرُوطًا، لَيْسَتْ فِي كِتَاب اللَّهِ ) المراد بما ليس في كتاب اللَّه: ما خالف كتاب اللَّه. وقال ابن بطّال. المراد بكتاب اللَّه هنا حكمه، من كتابه ، أو سنّة رسوله ﷺ ، أو إجماع الأمّة. وقال ابن خزيمة: ليس في كتاب اللَّه: أي ليس في حكم اللَّه جوازه، أو وجوبه، لا أن كلّ من شرط شرطًا لم ينطق به الكتاب يبطل؛ لأنه قد يشترط في البيع الكفيل، فلا
стр. 14514
يبطل الشرط، ويشترط في الثمن شروط من أوصافه، أو من نجومه، ونحو ذلك، فلا يبطل.
وقال النوويّ: قال العلماء: الشروط في البيع ونحوه أقسام:
[أحدها]: شرط يقتضيه إطلاق العقد، بأن شرط تسليمه إلى المشتري، أو تبقية الثمرة على الشجرة إلى أوان الجداد، أو الردّ بالعيب.
[الثاني]: شرط فيه مصلحةٌ، وتدعو إليه الحاجة، كاشتراط الرهن، والضمين، والخيار، وتأجيل الثمن، ونحو ذلك، وهذان القسمان جائزان، ولا يؤثّران في صحّة العقد، بلا خلاف.
[الثالث]: اشتراط العتق في العبد المبيع، أو الأمة، وهذا جائزٌ أيضًا عند الجمهور؛ لحديث عائشة، وترغيبًا في العتق؛ لقوّته، وسرايته.
[الرابع]: ما سوى ذلك من الشروط، كشرط استثناء منفعة، وشرط أن يبيعه شيئًا آخر، أو يكريه داره، أو نحو ذلك، فهذا شرط باطلٌ، مبطلٌ للعقد. هكذا قال الجمهور. وقال أحمد: لا يبطله شرط واحد، وإنما يبطله شرطان. واللَّه أعلم انتهى كلام النوويّ (١).
وقال القرطبيّ: قوله: "ليس في كتاب اللَّه"، أي ليس مشروعًا في كتاب اللَّه تأصيلاً، ولا تفصيلاً. ومعنى هذا أنّ من الأحكام، والشروط ما يؤخذ تفصيلها من كتاب اللَّه، كالوضوء، وكونه شرطّا في صحّة الصلاة. ومنها ما يوجد فيه أصله، كالصلاة، والزكاة، فإنهما فيه مجملتان. ومنها ما يوجد أصل أصله، وهو كدلالة الكتاب على أصليّة السنة، والإجماع، والقياس، فكلّ ما يُقتبسُ من هذه الأصول تفصيلاً فهو مأخوذ من كتاب اللَّه تاصيلاً.
وعلى هذا: فمعنى الحديث أن ما كان من الشروط مما لم يدلّ على صحّته دليلٌ شرعيّ كان باطلاً، أي فاسدًا مردودًا. وهذا كما قال ﷺ في الحديث الصحيح: "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه، فهو ردّ". متّفقٌ عليه.
وفي هذا من الفقه ما يدلّ على أن العقود الشرعيّة إذا قارنها شرطٌ فاسدٌ بطل ذلك الشرط خاصّةً، وصحّ العقد. لكن هذا إنما يكون إذا كان ذلك الشرط خارجًا عن أركان العقد، كاشتراط الولاء في الكتابة، واشتراط السلف في البيع، فلو كان ذلك الشرط مُخلاًّ بركن من أركان العقد، أو مقصودًا، فُسخ العقد والشرط. انتهى كلام القرطبيّ (٢).
стр. 14515
(يَقُولُونَ: أَعْتِقْ فُلَانًا، وَالْوَلَاءُ لِي، كِتَابُ اللَّهِ أَحَقُّ) أي بالاتباع من الشروط المخالفة له. وقال القرطبيّ: أي حكم اللَّه، كما قال ﷺ في الحديث الآخر -لما قال له الخصم: اقض بيننا بكتاب اللَّه تعالى - فقال: "لأقضينّ بينكما بكتاب اللَّه"، ثم قضى على الزاني البكر بالجلد والتغريب، وعلى الزانية بالرجم، وليس الرجم، والتغريب موجودين في كتاب اللَّه تعالى، لكن في حكهم اللَّه المسمّى بالسنّة، وكذلك اختصاص الولاء بالمعتِق ليس موجودًا في كتاب اللَّه، لكن في حكم اللَّه به على لسان رسوله ﷺ
مما يُسمّى سنّة انتهى (١).
(وَشَرْطُ اللَّهِ أَوْثَقُ) أي باتباع حدوده التي حدّها، وليس أفعل التفضيل هنا على حقيقتها، إذ لا مشاركة بين الحقّ والباطل، وقد وردت صيغة "أفعل" لغير التفضيل كثيرًا. ويحتمل أن يُقال: ورد ذلك على ما اعتقدوه من الجواز. قاله في "الفتح" (٢).
(وَكُلُّ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ) أي في حكمه (فَهُوَ بَاطِلٌ، وَإِنْ كَانَ مِائَةَ شَرْطٍ") قال النوويّ: معنى قوله: "ولو مائة شرط" أي لو شرط مائة مرّة توكيدًا، فهو باطلٌ. ويؤيّده قوله في الرواية الأخيرة: "وإن شرط مائة مرّة"، وإنما حمله على التأكيد؛ لأن العموم في قوله: "كلّ شرط"، وفي قوله: "من اشترط شرطًا" دالّ على بطلان جميع الشروط المذكورة، فلا حاجة إلى تقييدها بالمائة، فإنها لو زادت عليها كان الحكم كذلك لما دلّت عليها الصيغة. نعم طريق أيمن، عن عائشة عند البخاريّ: "بلفظ: "فقال النبيّ ﷺ : الولاء لمن أعتق، وإن اشترطوا مائة شرط"، وإن احتمل التأكيد، لكنه ظاهر في أن المراد به التعدّد، وذكر المائة على سبيل المبالغة. وقال القرطبيّ: قوله: "ولو كان مائة شرط" خرج مخرج التكثير، يعني أن الشروط الغير المشروعة باطلة، ولو كثرت، ويُفيد دليل خطابه أن الشروط المشروعة صحيحة، كما قد نصّ النبيّ ﷺ بقوله: "المؤمنون على شروطهم، إلا شرطًا أحلّ حرامًا، أو حرّم حلالاً". أخرجه الترمذيّ من حديث عمرو بن عوف، وقال: حديث حسن انتهى (٣).
(فَخَيَّرَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ زَوْجِهَا، وَكَانَ عَبْدًا، فَاخْتَارَتْ نَفْسَهَا، قَالَ: عُرْوَةُ: فَلَوْ كَانَ حُرًّا، مَا خَيَّرَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ ) تقدَّم شرح ما يتعلّق بهذا الجزء قبل باب. والحديث متّفقٌ عليه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٤٧٩ - (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ, قَالَ: أَنْبَأَنَا الْمُغِيرَةُ بْنُ سَلَمَةَ, قَالَ: حَدَّثَنَا
стр. 14516
وُهَيْبٌ, عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ, عَنْ يَزِيدَ بْنِ رُومَانَ, عَنْ عُرْوَةَ, عَنْ عَائِشَةَ, ﵂, قَالَتْ: كَانَ زَوْجُ بَرِيرَةَ عَبْدًا).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح. و"وُهيب": هو ابن خالد. و"عُبيد اللَّه بن عمر": هو العمريّ المدنيّ الفقيه. و"يزيد بن رُومان": هو المدنيّ مولى آل الزبير ثقة [٥] ١٧/ ١٥٣٧.
والحديث أخرجه مسلم، وتقدّم تمام البحث فيه قريبًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٤٨٠ - (أَخْبَرَنَا الْقَاسِمُ بْنُ زَكَرِيَّا بْنِ دِينَارٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا حُسَيْنٌ, عَنْ زَائِدَةَ, عَنْ سِمَاكٍ, عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ, عَنْ أَبِيهِ, عَنْ عَائِشَةَ, أَنَّهَا اشْتَرَتْ بَرِيرَةَ, مِنْ أُنَاسٍ مِنَ الأَنْصَارِ, فَاشْتَرَطُوا الْوَلَاءَ, فَقَالَ: رَسُولُ اللهِ ﷺ : «الْوَلَاءُ لِمَنْ وَلِيَ النِّعْمَةَ» , وَخَيَّرَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ , وَكَانَ زَوْجُهَا عَبْدًا, وَأَهْدَتْ لِعَائِشَةَ لَحْمًا, فَقَالَ: رَسُولُ اللهِ ﷺ : «لَوْ وَضَعْتُمْ لَنَا مِنْ هَذَا اللَّحْمِ» , قَالَتْ عَائِشَةُ: تُصُدِّقَ بِهِ عَلَى بَرِيرَةَ, فَقَالَ: «هُوَ عَلَيْهَا صَدَقَةٌ, وَهُوَ لَنَا هَدِيَّةٌ»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلّهم رجال الصحيح. و"حُسين": هو ابن عليّ الْجُعفيّ. و"زائدة": هو ابن قُدامة. و"سماك": هو ابن حرب.
[تنبيه]: وقع في نسخ "المجتبى" التي بين يديّ إسقاط قوله: "عن أبيه"، والصواب إثباته؛ لأن عبد الرحمن لا يروي عن عائشة، وإنما يروي عن أبيه، عنها، وقد وقع على الصواب في "الكبرى" ٣/ ٣٦٦ - رقم -٥٦٤٧ - وكذا في "تحفة الأشراف" ١٢/ ٢٦٨ - ٢٦٩. فتنبّه، واللَّه تعالى أعلم.
وقوله: "من ولي النعمة" أي لمن ولي نعمة الإعتاق. والحديث صحيح. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٤٨١ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ, قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي بُكَيْرٍ الْكَرْمَانِيُّ (١) , قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ, عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ, عَنْ أَبِيهِ, عَنْ عَائِشَةَ, قَالَ: وَكَانَ وَصِيَّ أَبِيهِ, قَالَ: وَفَرِقْتُ أَنْ أَقُولَ: سَمِعْتُهُ مِنْ أَبِيكَ, قَالَتْ عَائِشَةُ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ , عَنْ بَرِيرَةَ, وَأَرَدْتُ أَنْ أَشْتَرِيَهَا, وَاشْتُرِطَ الْوَلَاءُ لأَهْلِهَا, فَقَالَ: «اشْتَرِيهَا, فَإِنَّ الْوَلَاءَ لِمَنْ أَعْتَقَ» , قَالَ: وَخُيِّرَتْ, وَكَانَ زَوْجُهَا عَبْدًا, ثُمَّ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ: مَا أَدْرِي (٢) ,
стр. 14517
وَأُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِلَحْمٍ، فَقَالُوا: هَذَا مِمَّا تُصُدّقَ بِهِ عَلَى بَرِيرَةَ، قَالَ: "هُوَ لَهَا صَدَقَةٌ، وَلَنَا هَدِيَّةٌ").
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه -وهو المعروف أبوه بابن عليّة- فإنه من أفراده، وهو ثقة حافظ. و"يحيى بن أبي بكير": اسم أبيه نَسْر -بفتح النون، وسكون السين المهملة -وهو كوفيّ الأصل، نزيل بغداد، من رجال الجماعة.
وقوله: "قال: وكان وصيّ أبيه" الظاهر أن فاعل "قال" ضمير شعبة، أي قال شعبة: كان عبد الرحمن بن القاسم وصيّ أبيه، أي أوصى إليه أبوه بالقيام بشأن أولاده، وتدبير أحوالهم؛ حيث كان أكبر أولاده، فيكون قوله: "عن عائشة" معترضًا.
وقوله: "وفرِقتُ" بتاء المتكلّم هو من تتمّة كلام شعبة، وهو بكسر الراء، يقال: فرِق من الشيء، من باب تَعِبَ: إذا خاف منه.
وقوله: "هل سمعتَهُ" بفتع التاء؛ لأنها تاء خطاب، فما وقع في النسخ المطبوعة من ضبطها بالضمّ ضبطَ قلم غلط فليُتنبّه. ومعناه: أن شعبة خاف أن يسأل عبد الرحمن بن القاسم أن يسأله هل سمع هذا الحديث من أبيه، أم لا؟.
وقولها: "وأردتُ أن أشتريها" جملة في حلّ نصب على الحال من فاعل "سألتُ". وقولها: "واشتُرط الولاء لأهلها" ببناء الفعل للمفعول جملة في محلّ نصب على الحال من فاعل "أشتريها".
وقوله: "قال: وخُيّرت، وكان زوجها عبدًا" ببناء "خُيّرت" للمفعول، والقائل هو عبد الرحمن: يعني أن عبد الرحمن بن القاسم، قال: وخُيّرت بريرة حينما أُعتقت، وكان زوجها وقت التخيير عبدًا.
وقوله: "ثم قال بعد ذلك: ما أدري" أي قال عبد الرحمن بعد أن حدّث أن زوجها كان عبدًا، لا أعلم أكان زوجها عبدًا، أم حرًّا، ومعنى ذلك أنه شكّ في كونه عبدًا بعد ما حدّث بالجزم أنه عبدٌ، والمعتبر في هذا جزمه السابق؛ لأن الشكّ الطارئ لا يرفعه، ولا سيّما وقد وافقه عليه عروة، وهو أتقن من روى عن عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها -.
[تنبيه]: وقع في رواية المصنّف هنا من طريق يحيى بن أبي بُكير، عن شعبة: "وكان زوجها عبدًا".
والذي في "صحيح البخاريّ" عن محمد بن بشّار، عن غندر، عن شعبة: قال عبد الرحمن: زوجها حرٌّ، أو عبد، قال شعبة: سألت عبد الرحمن عن زوجها؟ قال: لا أدري، أحرّ، أم عبد انتهى.
стр. 14518
والذي في "صحيح مسلم" عن محمد بن المثنى، عن محمد بن جعفر، عن شعبة في هذا الحديث: "فقال عبد الرحمن: وكان زوجها حرًّا، قال شعبة: ثم سألته عن زوجها؟ فقال: لا أدري" انتهى.
والظاهر أن عبد الرحمن كان متردّدًا، فمرّة يقول حرّ، ومرّة يقول: عبدٌ، ومرّة يقول: لا أدري، وقد تقدّم أن المحفوظ أنه كان عبدًا، فتبصّر. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه
أنيب".
…
٣٢ - (بَابُ الإِيلَاءِ)
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "الإيلاء": في اللغة هو الحلف، يقال: آلى يولي إيلاءً: أي حلف، ويقال: تألّى تألّيًا، وائتلاءً، وهو في الشرع: الحلف على الامتناع من وطء الزوجة بيمين يلزم بها حكمٌ أكثر من أربعة أشهر بمدّة مؤثّرة. قاله القرطبيّ (١).
وقال ابن قُدامة: الإيلاء في اللغة: الحَلِف، يقال: آلى يولي إيلاءً، وأَلِيّةً، وجمع الأَلِيّة ألايا، بالتخفيف، مثلُ عطيّة وعَطَايا، قال الشاعر [من الطويل]:
قَلِيلُ الألَايَا حَافِظٌ لِيَمِينِهِ … إِذَا صَدَرَتْ مِنْهُ الأَلِيّةُ بَرَّتِ
فجمع بين المفرد والجمع. ويقال: تَأَلَّى يَتَأَلَّى. فأما الإيلاء في الشرع، فهو الحلف على ترك وطء المرأة. والأصل فيه قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾ [البقرة: ٢٢٦] وكان أبيّ بن كعب، وابن عبّاس ﵃ يقرآن: "يُقْسِمُونَ" انتهى ببعض اختصار (٢).
وأخرج الطبريّ عن أبيّ بن كعب ﵁ أنه قرأ "الذين يولون من نسائهم" قال الفرّاء: التقدير على نسائهم، و"من" بمعنى "على". وقال غيره: بل فيه حذفٌ، تقديره: يُقسمون على الامتناع من نسائهم. قاله في "الفتح" (٣).
стр. 14519
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قد اعترض بعضهم على الاستدلال بحديث "آلى من نسائه شهرًا" على الإيلاء المعروف عند الفقهاء؛ إذ ليس فيه أنه حلف على ترك جماعهنّ، اللَّهم إلا أن يكون على رأي من لا يشترط في الإيلاء ذكر الجماع.
قال في "الفتح": ذَكَرَ البخاريّ حديث أنس ﵁ "آلى رسول اللَّه ﷺ من نسائه … " الحديث -يعني الحديث الثاني من حديثي الباب هنا - وإدخاله في هذا الباب على طريقة من لا يشترط في الإيلاء ذكر الجماع.
قال: وأنكر شيخنا (١) في "التدريب" إدخال هذا الحديث في هذا الباب، فقال: الإيلاء المعقود له الباب حرام، يأثم به من علم بحاله، فلا تجوز نسبته إلى النبيّ ﷺ انتهى. وهو مبنيّ على اشتراط ترك الجماع فيه، وقد كنت أطلقت في أوائل "الصلاة"، و"المظالم" أن المراد بقول أنس ﵁: "آلى" أي حلف، وليس المراد به الإيلاء المعروف في كتب الفقهاء، ثم ظهر لي أن فيه الخلاف قديمًا، فليُقيّد ذلك بأنه على رأي معظم الفقهاء، فإنه لم يُنقل عن أحد من فقهاء الأمصار أن الإيلاء ينقعد بغير ذكر ترك الجماع إلا عن حمّاد بن أبي سليمان، شيخ أبي حنيفة، وإن كان ذلك قد ورد عن بعض من تقدّمه، كما تقدّم. وفي كونه حرامًا أيضًا خلافٌ.
وقد جزم ابن بطّال، وجماعة بأنه ﷺ امتنع من جماع نسائه في ذلك الشهر. ولم أقف على نقل صريح في ذلك، فإنه لا يلزم من ترك دخوله عليهنّ أن لا تدخل إحداهنّ عليه في المكان الذي اعتزل فيه، إلا إِنْ كان المذكور من المسجد، فيتمّ استلزام عدم الدخول عليهنّ مع استمرار الإقامة في المسجد العزم على ترك الوطء؛ لامتناع الوطء في المسجد. انتهى (٢). واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
٣٤٨٢ - (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَكَمِ الْبَصْرِيُّ, قَالَ: حَدَّثَنَا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ, قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو يَعْفُورٍ, عَنْ أَبِي الضُّحَى, قَالَ: تَذَاكَرْنَا الشَّهْرَ عِنْدَهُ, فَقَالَ بَعْضُنَا: ثَلَاثِينَ, وَقَالَ بَعْضُنَا: تِسْعًا وَعِشْرِينَ, فَقَالَ أَبُو الضُّحَى: حَدَّثَنَا ابْنُ عَبَّاسٍ, قَالَ: أَصْبَحْنَا يَوْمًا, وَنِسَاءُ النَّبِيِّ ﷺ , يَبْكِينَ عِنْدَ كُلِّ امْرَأَةٍ مِنْهُنَّ أَهْلُهَا, فَدَخَلْتُ الْمَسْجِدَ, فَإِذَا هُوَ مَلآنُ مِنَ النَّاسِ, قَالَ: فَجَاءَ عُمَرُ ﵁, فَصَعِدَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ , وَهُوَ فِي عُلِّيَّةٍ لَهُ, فَسَلَّمَ عَلَيْهِ, فَلَمْ يُجِبْهُ أَحَدٌ, ثُمَّ سَلَّمَ, فَلَمْ يُجِبْهُ أَحَدٌ, ثُمَّ سَلَّمَ, فَلَمْ يُجِبْهُ أَحَدٌ, فَرَجَعَ, فَنَادَى بِلَالاً, فَدَخَلَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ , فَقَالَ: أَطَلَّقْتَ نِسَاءَكَ؟ فَقَالَ: لَا, وَلَكِنِّي آلَيْتُ مِنْهُنَّ شَهْرًا, فَمَكَثَ تِسْعًا وَعِشْرِينَ, ثُمَّ نَزَلَ, فَدَخَلَ عَلَى نِسَائِهِ).
стр. 14520
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (أحمد بن عبد اللَّه بن الحكم بن أبي فروة البصريّ) أبو الحسين الهاشميّ، المعروف بابن الكرديّ، ثقة [١٠] ٣٩/ ٥٨٣.
٢ - (مروان بن معاوية) أبو عبد اللَّه الفزاريّ الكوفيّ، نزيل مكّة، ثم الدمشقيّ، ثقة حافظ، وكان يدلّس أسماء الشيوخ [٨] ٥٠/ ٨٥٠.
٣ - (أبو يعفور) (١) -بفتح التحتانيّة، وسكون المهملة، وضتم الفاء، وسكون الواو، وآخره راء-: هو عبد الرحمن بن عُبيد بن نِسْطاس الكوفيّ، ثقة [٥] ١٧/ ١٦٣٩.
٤ - (أبو الضُّحَى) مسلم بن صُبيح -بالتصغير- الهمدانيّ الكوفيّ العَطّار، مشهور بكنيته، ثقة فاضلٌ [٤] ٩٦/ ١٢٣.
٥ - (ابن عباس) عبد اللَّه البحر - رضي اللَّه تعالى عنهما - ٢٧/ ٣١. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين، غير شيخه، فبصريّ، والصحابيّ، فمدني، ثم بصريّ، ثم مكيّ، ثم طائفيّ. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ: أبو يعفور، عن أبي الضحى. (ومنها): أن فيه ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما - أحد العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، روى (١٦٩٦) حديثًا واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ أَبِي الضُّحَى) مسلم بن صُبَيْحٍ (قَالَ) أبو يعفور، فالضمير لأبي يعفور، لا لأبي الضحى، فجملة "قال: تذاكرنا الخ" تفصيل لمعنى قوله: "حدّثنا أبو يعفور، عن أبي الضحى"، فليُتنبّه. واللَّه تعالى أعلم.
(تَذَاكَرْنَا الشَّهْرَ) أي مدّة الشهر العربيّ، هل هو ثلاثون ليلةً، أم تسع وعشرون ليلةً (عِنْدَهُ) أي عند أبي الضحى (فَقَالَ بَعْضُنَا: ثَلَاثِينَ) بالنصب خبر لـ "يكون" محذوفًا، أي يكون ثلاثين ليلةً (وَقَالَ بَعْضُنَا: تِسْعًا وَعِشْرِينَ) أي يكون تسعًا وعشرين ليلة (فَقَالَ: أَبُو الضُّحَى: حَدَّثَنَا ابْنُ عَبَّاسٍ) - رضي اللَّه تعالى عنهما - (قَالَ) تفصيل لمجمل "حدّثنا" (أَصْبَحْنَا يَومًا، وَنِسَاءُ النَّبِيِّ ﷺ ، يَبْكِينَ) الواو للحال، والجملة في محلّ نصب على الحال من فاعل "أصبحنا" (عِنْدَ كُلِّ امْرَأَةٍ مِنْهُنَّ أَهْلُهَا) جملة في محلّ نصب على الحال
стр. 14521
من فاعل "يبكين" (فَدَخَلْتُ الْمَسْجِدَ) أي النبويّ، فـ "ال" فيه للعهد الذهنيّ، أو الحضوري، إن كان تحديث ابن عبّاس - رضي اللَّه تعالى عنهما - وقع في المسجد نفسه (فَإِذَا هُوَ مَلآنُ) غير منصرف للوصفية وزيادة الألف والنون (مِنَ النَّاسِ) هذا ظاهر في حضور ابن عبّاس - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذه القصّة، وحديثه الطويل الذي سنذكره، يشعر بأنه ما عرف القصّة إلا من عمر ﵁، لكن يحتمل أن يكون عرفها مجملة، ففصّلها عمر ﵁ له لَمّا سأله عن المتظاهرتين. قاله في "الفتح" (١) (قَالَ) ابن عبّاس - رضي اللَّه تعالى عنهما - (فَجَاءَ عُمَرُ) بن الخطاب (﵁، فصَعِدَ) بكسر العين المهملة، قال في "القاموس": صَعِدَ في السُّلّم، كَسَمِعَ، صُعُودًا, وصَعْدَ في الجبل، وعليه تصعيدًا: رَقِيَ، ولم يُسمَع صَعِد فيه انتهى (إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، وَهُوَ فِي عُلِّيَّةِ لَهُ) بكسر العين المهملة، وضمّها لغةٌ، واللام مشدّدةٌ: هي المكان العالي، وهي الغُرْفة، والأصل عِلّيْوَة، فقُلبت الواو ياء، وأدغمت فيها الياء، للقاعدة المشهورة أنه إذا اجتمعت الواو والياء في كلمة، وسبقت إحداهما بالسكون الأصليّ، وجب قُلب الواو ياء، وإدغامها في الياء، كما قال في "الخلاصة":
إِنْ يِسْكُنِ السَّابِقُ مِنْ وَاو وَيَا … وَاتَّصَلَا وَمِنْ عُرُوضٍ عَرِيَا
فَيَاء الْوَاوَ اقْلِبَنَّ مُدْغِمَا … وَشَذَّ مُعْطًى غَيْرَ مَا قَدْ رُسِمَا
والجمع الْعَلَالِيّ (٢).
وزاد في رواية الإسماعليّ، من طريق عبد الرحيم بن سُليمان، عن أبي يعفور: "في غُرفة ليس عنده فيها إلا بلال".
(فَسَلَّمَ عَلَيْهِ) أي على النبيّ ﷺ (فَلَمْ يُجِبْهُ أَحَدٌ) لعله لم يُسمع تسليمه، أو ردّ عليه، لكن عمرء ﵁ يسمع الجواب (ثُمَّ سَلَّمَ، فَلَمْ يُجِبهُ أَحَدٌ، ثُمَّ سَلَّمَ، فَلَمْ يُجِبْهُ أَحَدٌ، فَرَجَعَ،) أي انصرف إلى بيته، أو محلّ حاجته (فَنَاَدَى بلَالاً) هكذا في رواية المصنّف هنا، وفي "الكبرى" بنصب بلال، والظاهر أن الصواب فيه الرفع؛ لأنه الفاعل، والمفعول محذوف ضمير عمر ﵁، يدلّ على ذلك ما في "الفتح"، ونصّه: عند قول البخاريّ: "فناداه، فدخل على النبيّ ﷺ ": كذا في جميع الأصول التي وقفت عليها من البخاريّ بحذف فاعل "فناداه"، فإن الضمير لعمر، وهو الذي دخل، وقد وقع مبيّنًا في رواية أبي نُعيم، ولفظه بعد قوله: "فسلّم": "فلم يجبه أحدٌ، فانصرف، فناداه بلالٌ، فدخل"، ومثله للنسائيّ، لكن قال: "فنادى بلالٌ" بحذف المفعول، وهو الضمير في
стр. 14522
رواية غيره. وعند الإسماعيليّ: "فسلّم، فلم يُجبه أحدٌ، فانحطّ، فدعاه بلالٌ، فسلّم، ثم دخل".
فظهر بما نقله صاحب "الفتح" من رواية النسائيّ أن نسخه مختلفة، والصواب "فنادى بلالٌ" بالرفع، والمفعول محذف، أي نادى بلالٌ عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما -.
ويحتمل تصحيح ما وقع في نسختنا بأن يكون عمر نادى بلالاً لَمّا عرف أنه عند النبيّ ﷺ ؛ ليستأذن له في الدخول، لكن الأول أقرب. واللَّه تعالى أعلم.
ووقع في رواية مسلم عن ابن عباس، عن عمر ﵁ أن اسم الغلام الذي استأذن له رَبَاح، فيمكن أن يكون المراد بالحصر في رواية الإسماعيليّ المتقدّمة، حيث قال: "ليس عنده فيها إلا بلال" حصر من في داخل الغرفة، فيكون رباح قاعدًا على أُسْكُفّة الباب، وعند الإذن ناداه بلال، فأسمعه رباح، فبهذا يجتمع الخبران. كما أفاده في "الفتح".
(فَدَخَلَ عَلَى النَّبيِّ ﷺ ، فَقَالَ) عمر ﵁ (أَطَلَّقْتَ نِسَاءَكَ؟ فَقَالَ) ﷺ (لَا، وَلَكِنِّي آلَيْتُ مِنْهُنَّ شَهْرًا) أي حلفت، أو أقسمت أن لا أدخل عليهنّ مدّة شهر، وليس المراد به الإيلاء الذي في عرف الفقهاء اتفاقًا. قاله في "الفتح" (١). وقد تقدّم الاختلاف في سبب
إيلائه، هل هو شربه العسل عند زينب بنت جحش - رضي اللَّه تعالى عنها -، أو تحريمه جاريته مارية - رضي اللَّه تعالى عنها -، وقدّمنا أن الصحيح أن الأمرين جميعًا هما السبب في ذلك (فَمَكَثَ تِسْعَا وَعِشْرِينَ) أي من الليالي (ثُمَّ نَزَلَ) أي من تلك العلّيّة (فَدَخَلَ عَلَى نِسَائِهِ).
[تنبيه]: قصّة إيلائه ﷺ قد ساقه الشيخان في "صحيحيهما"، مطوّلاً، أحببت إيراده هنا؛ لأنه من رواية ابن عبّاس - رضي اللَّه تعالى عنهما - راوي حديث الباب، ولفظ البخاريّ في "كتاب النكاح":
حدثنا أبو اليمان، أخبرنا شعيب، عن الزهريّ، قال: أخبرني عبيد اللَّه بن عبد اللَّه ابن أبي ثور، عن عبد اللَّه بن عباس ﵄، قال: لم أزل حريصا على أن أسأل عمر بن الخطاب، عن المرأتين من أزواج النبي ﷺ ، اللتين قال اللَّه تعالى: ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ حتى حج، وحججت معه، وعَدَل، وعدلت معه بإداوة، فتبرز، ثم جاء، فسكبت على يديه منها، فتوضأ، فقلت له: يا أمير المؤمنين: من المرأتان، من أزواج النبي ﷺ ، اللتان قال اللَّه تعالى: ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ
стр. 14523
قُلُوبُكُمَا﴾، قال: واعجبا لك يا ابن عباس، هما عائشة وحفصة، ثم استقبل عمر الحديث يسوقه، قال: كنت أنا، وجار لي من الأنصار، في بني أمية بن زيد، وهم من عوالي المدينة، وكنا نتناوب النزول على النبي ﷺ ، فينزل يوما، وأنزل يوما، فإذا نزلت جئته بما حدث من خبر ذلك اليوم، من الوحي، أو غيره، وإذا نزل، فعل مثل ذلك، وكنا معشرَ قريش، نغلب النساء، فلما قدمنا على الأنصار، إذا قوم تغلبهم نساؤهم، فطفق نساؤنا، يأخذن من أدب نساء الأنصار، فصخبْتُ عَلَى امرأتي، فراجعتني، فأنكرت أن تراجعني، قالت: ولِمَ تنكر أن أراجعك، فواللَّه إن أزواج النبي ﷺ ، ليراجعنه، وإن إحداهن لتهجره اليوم، حتى الليل، فأفزعني ذلك، وقلت لها: قد خاب من فعل ذلك منهن، ثم جمعت عليّ ثيابي، فنزلت، فدخلت على حفصة، فقلت لها: أي حفصة، أتغاضب إحداكن النبي ﷺ ، اليوم حتى الليل، قالت: نعم، فقلت: قد خِبتِ، وخسرت، أفتأمنين أن يغضب اللَّه لغضب رسوله ﷺ ، فتهلكي، لا تستكثري النبي ﷺ ، ولا تراجعيه في شيء، ولا تهجريه، وسليني ما بدا لك، ولا يغرنّكِ، أن كانت جارتك أوضأ منك، وأحب إلى النبي ﷺ -يريد عائشة- قال عمر: وكنا قد تحدثنا أن غَسّان تُنعِل الخيل لغزونا، فنزل صاحبي الأنصاري، يوم نوبته، فرجع إلينا عشاء، فضرب بأبي ضربا شديدا، وقال: أَثَمَّ هو؟ ففزعت، فخرجت إليه، فقال: قد حدث اليوم أمر عظيم، قلت: ما هو؟ أجاء غسان؟ قال: لا، بل أعظم من ذلك وأهول، طَلَّق النبي ﷺ نساءه. وقال عبيد بن حنين: سمع ابن عباس، عن عمر، فقال: اعتزل النبي ﷺ أزواجه، فقلت: خابت حفصة وخسرت، قد كنت أظن هذا، يوشك أن يكون، فجمعت علي ثيابي، فصليت صلاة الفجر مع النبيّ ﷺ ، فدخل النبي ﷺ ، مشربة له، فاعتزل فيها، ودخلت على حفصة، فإذا هي تبكي، فقلت: ما يبكيك؟ ألم أكن حذرتك هذا؟ أطلقكنّ النبي ﷺ ، قالت: لا أدري، ها هو ذا، معتزل في المشربة، فخرجت،
فجئت إلى المنبر، فإذا حوله رهط، يبكي بعضهم، فجلست معهم قليلا، ثم غلبني ما أجد، فجئت المشربة، التي فيها النبي ﷺ ، فقلت لغلام له أسود: استأذن لعمر، فدخل الغلام، فكلم النبي ﷺ ، ثم رجع، فقال: كلمت النبي ﷺ ، وذكرتك له، فصمت، فانصرفت حتى جلست مع الرهط الذين عند المنبر، ثم غلبني ما أجد، فجئت، فقلت للغلام: استأذن لعمر، فدخل: ثم رجع، فقال: قد ذكرتك له، فصمت، فرجعت، فجلست مع الرهط الذين عند المنبر، ثم غلبني ما أجد، فجئت الغلام، فقلت: استأذن لعمر، فدخل، ثم رجع إليّ، فقال: قد ذكرتك له، فصمت، فلما ولّيت منصرفا، قال: إذا الغلام يدعوني، فقال: قد أذن لك النبي ﷺ فدخلت على رسول اللَّه ﷺ ، فإذا هو
стр. 14524
مضطجع، على رِمَال حَصِير ليس بينه وبينه فراش، قد أَثّر الرمال بجنبه، متكئا على وسادة من أَدَمٍ، حشوها لِيفٌ، فسلمت عليه، ثم قلت: وأنا قائم، يا رسول اللَّه، أطلقت نساءك؟ فرفع إلى بصره، فقال: لا، فقلت: اللَّه أكبر، ثم قلت: وأنا قائم، أستأنس، يا رسول اللَّه، لو رأيتني، وكنا معشر قريش، نغلب النساء، فدما قدمنا المدينة، إذا قوم تغلبهم نساؤهم، فتبسم النبي ﷺ ، ثم قلت: يا رسول اللَّه لو رأيتَنِي، ودخلت على حفصة، فقلت لها: لا يَغُرّنكِ، أن كانت جارتك أوضأ منك، وأحب إلى النبيّ ﷺ -يريد عائشة- فتبسم النبي ﷺ تبسمة أخرى، فجلست حين رأيته تبسم، فرفعت بصري في بيته، فواللَّه ما رأيت في بيته شيئا، يَرُدّ البصر غير أَهَبَةٍ ثلاثة، فقلت: يا رسول اللَّه، ادع اللَّه، فليوسع على أمتك، فإن فارس والروم، قد وُسِّعَ عليهم، وأُعُطوا الدنيا، وهم لا يعبدون اللَّه، فجلس النبي ﷺ ، وكان متكئا، فقال: "أوفي هذا أنت يا ابن الخطاب، إن أولئك قوم، عُجِّلُوا طيباتهم في الحياة الدنيا"، فقلت: يا رسول اللَّه، استغفر لي، فاعتزل النبي ﷺ نساءه، من أجل ذلك الحديث، حين أفشته حفصة إلى عائشة، تسعا وعشرين ليلة، وكان قال: ما أنا بداخل عليهن شهرا، من شدة مَوْجِدَته عليهن، حين عاتبه اللَّه، فلما مضت تسع وعشرون ليلة، دخل على عائشة، فبدأ بها، فقالت له عائشة: يا رسول اللَّه، إنك كنت قد أقسمت أن لا تدخل علينا شهرا، وإنما أصبحت من تسع وعشرين ليلة، أَعُدّها عَدًّا، فقال: "الشهر تسع وعشرون ليلة"، فكان ذلك الشهر تسعا وعشرين ليلة، قالت عائشة: ثم أنزل اللَّه تعالى آية التخيير، فبدأ بي، أول امرأة من نسائه، فاخترته، ثم خير نساءه كلهن، فقلن مثل ما قالت عائشة. انتهى (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما - متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٣٢/ ٣٤٨٢ - وفي "الكبرى" ٣٣/ ٥٦٤٩. وأخرجه (خ) في "النكاح" ٥٢٠٣ (م) في "الطلاق" ١٤٧٩. واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
стр. 14525
(منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان مشروعية الإيلاء.
(ومنها): ما كان عليه النبيّ ﷺ من الصبر على زوجاته، والإغضاء عن أخطائهنّ، والصفح عما يقع منهنّ من الزلل. (ومنها): ما كان عليه الصحابة ﵃ من محبّة الاطلاع على أحوال النبيّ ﷺ ، جلّت، أو قلّت، وشدّة اهتمامهم بما يهتمّ له، حيث اجتمعوا في المسجد لَمّا سمعوا اعتزاله ﷺ عن أهله.
(ومنها): جواز اتخاذ الحاكم عند الخلوة بوّابًا يمنع من يدخل عليه دون استئذان، فقد اتّخذ النبيّ ﷺ غلامًا يجلس على باب علّيّته. فيحمل قول أنس ﵁ في قصّة تلك المرأة التي كانت جالسة عند القبر تبكي، فوعظها ﷺ ، فقالت له: إليك عنّي، فإنك لم تُصَب بمصيبتي، فلما أخبرت أنه النبيّ ﷺ ، ندمت، فجاءت إليه لتعتذر، فلم تجد عنده بوّابين الخ على الأوقات التي يجلس فيها للناس. وقال المهلّب -رحمه اللَّه تعالى-: فيه أن للإمام أن يحتجب عن بطانته، وخاصّته عند أمر يطرقه من جهة أهله، حتى يذهب غيظه، ويخرُج إلى الناس، وهو منبسطٌ إليهم، فإن الكبير إذا احتجب لم يَحسُن الدخول إليه بغير إذن، ولو كان الذي يريد أن يدخل جليل القدر، عظيم المنزلة عنده. (ومنها): الرفق بالأصهار، والحياء منهم إذا وقع للرجل من أهله ما يقتضي معاتبتهم.) ومنها): بيان أبي الضّحَى للذين اختلفوا عنده في مدّة الشهر، هل ثلاثون يومًا، أو تسعة وعشرون بما سمعه عن ابن عبّاس - رضي اللَّه تعالى عنهما - من هذه القصّة، وذلك أنه ﷺ لما قالت عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها -: يا رسول اللَّه، إنك كنت قد أقسمت أن لا تدخل علينا شهرًا، وإنما أصبحت من تسع وعشرين ليلةً، أعدّها عدًّا، قال: "الشهر
تسعٌ وعشرون ليلة". يعني أن بعض الشهور يكون تسعًا وعشرين، وبعضها ثلاثين يومًا، فحصل بذلك جواب كلا الفريقين المختلفين.
(ومنها): جواز تكرير السلام، والاستئذان لمن لم يؤذن له، إذا رجا حصول الإذن، وأنه لا يجاوز به ثلاثًا، وقد أخرج الشيخان من حديث أبي موسى الأشعريّ ﵁، مرفوعًا: "إذا استأذن أحدكم ثلاثًا، فلم يؤذن له، فليرجع". (ومنها): جواز سكنى الغرفة، ذات الدرج، واتخاذ الخِزانة لأثاث البيت والأمتعة. (ومنها): تذكير الحالف بيمينه، إذا وقع منه ما ظاهره نسيانها، لا سيّما ممن له تعلّقٌ بذلك؛ لأن عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - خشيت أن يكون النبيّ ﷺ نسي مقدار ما حلف عليه، وهو شهر، والشهر ثلاثون يومًا، أو تسعة وعشرون يومًا، فلما نزل في تسعة وعشرين ظنّت أنه ذَهِلَ عن القدر، أو أنّ الشهر لم يُهلّ، فأعلمها أن الشهر استهلّ، فإن الذي كان الحلف وقع فيه جاء تسعًا وعشرين يومًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
стр. 14526
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في الإيلاء:
قال العلاّمة ابن قُدامة عند قول الخِرَقيّ -رحمهما اللَّه تعالى-: "والمولي الذي يَحلف باللَّه أن لا يطأ زوجته أكثر من أربعة أشهر": ما حاصله: وجملته أن شروط الإيلاء أربعة:
[أحدها]: أن يحلف باللَّه تعالى، أو بصفة من صفاته، ولا خلاف بين أهل العلم في أن الحالف بذلك إيلاءٌ. فأما إن حلف على ترك الوطء بغير هذا، مثل أن حلف بطلاق، أو عَتَاق، أو صدقة المال، أو الحجّ، أو الظهار، ففيه روايتان: إحداهما: لا يكون موليًا، وهو قول الشافعيّ القديم. والرواية الثانية: هو مولٍ. وروي عن ابن عبّاس أنه قال: كلّ يمين منعت جماعها، فهي إيلاء. وبذلك قال الشعبيّ، والنخعيّ، ومالك، وأهل الحجاز، والثوريّ، وأبو حنيفة، وأهل العراق، والشافعيّ، وأبو ثور، وأبو عبيد، وغيرهم؛ لأنها يمينٌ منعت جماعها، فكانت إيلاءً، كالحلف باللَّه تعالى، ولأن تعليق الطلاق، والعَتَاق على وطئها حلِفٌ بدليل أنه لو قال: متى حلفت بطلاقك، فأنت طالقٌ، ثم قال: إن وطئتك فأنت طالقٌ طلقت في الحال. وقال أبو بكر: كلّ يمين من حرام، أو غيرها يجب بها كفّارة يكون الحالف بها موليًا، وأما الطلاق، والعتاق فليس الحلف به إيلاء؛ لأنه يتعلّق به حقّ آدميّ، وما أوجب كفّارةً تعلّق بها حقّ اللَّه تعالى. والرواية الأولى هي المشهورة؛ لأن الإيلاء المطلق إنما هو القسَمُ، ولهذا قرأ أُبيّ، وابن عبّاس ﵃: "يُقسِمون" مكان: ﴿يُؤْلُونَ﴾، وروي عن ابن عبّاس في تفسير ﴿يُؤْلُونَ﴾ قال: يحلفون باللَّه. هكذا ذكره الإمام أحمد. والتعليق بشرط ليس بقسم، ولهذا لا يؤتى فيه بحرف القسم، ولا يُجاب بجوابه، ولا يذكره أهل العربيّة في باب القسم، فلا يكون إيلاء، وإنما يُسمى حلفًا تجوّزًا؛ لمشاركته القسم في المعنى المشهور في القسم، وهو الحثّ على الفعل، أو المنع عنه، أو توكيد الخبر، والكلام عند الإطلاق لحقيقته. ويدلّ على هذا قول اللَّه تعالى: ﴿فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٦] وإنما يدخل الغفران في اليمين باللَّه. وأيضًا قول النبيّ ﷺ : "من حلف بغير اللَّه فقد أشرك". رواه أحمد، والترمذيّ، وقوله: "إن اللَّه ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم". متّفقٌ عليه.
قال: الشرط الثاني: أن يحلف على ترك الوطء أكثر من أربعة أشهر. وهذا قول ابن عبّاس، وطاوس، وسعيد بن جبير، وما لك، والأوزاعيّ، والشافعيّ، وأبي ثور، وأبي عبيد. وقال عطاءٌ، والثوريّ، وأصحاب الرأي: إذا حلف على أربعة اْشهر، فما زاد كان موليًا. وحكى ذلك القاضي، وأبو الحسين رواية عن أحمد؛ لأنه ممتنع من الوطء
стр. 14527
باليمين أربعة أشهر، فكان موليًا، كما لو حلف على ما زاد. وقال النخعيّ، وقتادة، وحمّاد بن زيد، وابن أبي ليلى، وإسحاق: من حلف على ترك الوطء في قليل من الأوقات، أو كثير، تركها أربعة أشهر، فهو مولٍ؛ لقول اللَّه تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾، وهذا مولٍ، فإن الإيلاء الحلف، وهذا حالف.
قال: ولنا أنه لم يمنع نفسه من الوطء ياليمين أكثر من أربعة أشهر، فلم يكن موليًا، كما لو حلف على ترك قُبلتها، والآية حجة لنا؛ لأنه جعل له تربّص أربعة أشهر، فإذا حلف على أربعة أشهر، أو ما دونها، فلا معنى للتربّص؛ لأن مدّة الإيلاء تنقضي قبل ذلك، أو مع انقضائه، وتقدير التربّص بأربعة أشهر يقتضي كونه في مدّة تناولها الإيلاء، ولأن المطالبة إنما تكون بعد أربعة أشهر، فإذا انقضت المدّة بأربعة، فما دون لم تصحّ المطالبة من غير إيلاء. وأبو حنيفة، ومن وافقه بنوا ذلك على قولهم في الْفَيْئة أنها تكون في مدّة الأربعة الأشهر، وظاهر الآية خلافه؛ فإن اللَّه تعالى قال: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا﴾ الآية، فعقّب الفيئة عقب التربّص بفاء التعقيب، فيدلّ على تأخّرها عنه.
قال: الشرط الثالث: أن يحلف على ترك الوطء في الفرج، ولو قال: واللَّه لا وطئتك في الدبر لم يكن موليًا؛ لأنه لم يترك الوطء الواجب عليه، ولا تتضرّر المرأة بتركه، وإنما هو وطء محرّمٌ، وقد أكّد منع نفسه منه بيمينه. وإن قال: واللَّه لا وطئتك دون الفرج، لم يكن موليًا؛ لأنه لم يحلف على الوطء الذي يُطالب به في الفيئة، ولا ضرر على المرأة في تركه.
قال: الشرط الرابع: أن يكون المحلوف عليها امرأته؛ لقول اللَّه تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾، ولأن غير الزوجة لا حقّ لها في وطئه، فلا يكون موليًا عنها، كالأجنبيّة، فإن حلف على ترك وطء أمته لم يكن موليًا؛ لما ذكرنا. وإن حلف على ترك وطء أجنبيّة، ثم نكحها، يكن موليًا؛ لذلك. وبه قال الشافعيّ، وإسحاق، وأبو ثور، وابن المنذر. وقال مالكٌ يصير موليًا إذا بقي من مدّة يمينه أكثر من أربعة أشهر؛ لأنه ممتنع من وطء امرأته بحكم يمينه مدّة الإيلاء، فكان موليًا، كما لو حلف في الزوجيّة. وحكي عن أصحاب الرأي أنه إن مرّت به امرأةٌ، فحلف أن لا يقربها، ثم تزوّجها، لم يكن موليًا، وإن قال: إن تزوّجت فلانة، فو اللَّه لا قربتها، صار موليًا؛ لأنه أضاف اليمين إلى حال الزوجيّة، فأشبه ما لو حلف بعد تزوّجها. قال: ولنا قول اللَّه تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ وهذه ليست من نسائه. انتهى كلام ابن قدامة
стр. 14528
باختصار (١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: خلاصة القول في المسألة أن الراجح في الإيلاء، هو أن يحلف باللَّه تعالى، أو بصفة من صفاته على ترك وطء زوجته في الفرج أكثر من أربعة أشهر. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم فيما إذا مضت أربعة أشهر، ولم يَفِىء إلى امرأته:
قال العلامة ابن قُدامة -رحمه اللَّه تعالى-: المولي يتربّص أربعة أشهر، كما أمر اللَّه تعالى، ولا يُطالب بالوطء فيهنّ، فإذا مضت أربعة أشهر، ورافعته امرأته إلى الحاكم وَقَفَه، وأمره بالفيئة، فإن أبى أمره بالطلاق، ولا تطلق زوجته بنفس مضيّ المدّة. قال أحمد في الإيلاء: يوقف عن الأكابر من أصحاب النبيّ ﷺ عن عمر شيء يدلّ على ذلك، وعن عثمان، وعليّ، وجعل يثبت حديث عليّ. وبه قال ابن عمر، وعائشة. وروي ذلك عن أبي الدرداء، وقال سليمان بن يسار: كان تسعة عشر رجلاً من أصحاب محمد ﷺ يوقفون في الإيلاء. وقال سهيل بن أبي صالح: سألت اثني عشر من أصحاب النبيّ ﷺ ، فكلّهم يقول: ليس عليه شيء، حتى يمضي أربعة أشهر، فيوقف،
فإن فاء، وإلا طلّق. وبهذا قال سعيد بن المسيّب، وعروة، ومجاهدٌ، وطاوسٌ، ومالكٌ، والشافعيّ، وإسحاق، وأبو عبيد، وأبو ثور، وابن المنذر.
وقال ابن مسعود، وابن عبّاس، وعكرمة، وجابر بن زيد، وعطاء، والحسن، ومسروقٌ، وقبيصة، والنخعيّ، والأوزاعيّ، وابن أبي ليلى، وأصحاب الرأي: إذا مضت أربعة أشهر، فهي تطليقة بائنة. وروي ذلك عن عثمان، وعليّ، وزيد، وابن عمر. وروي عن أبي بكر بن عبد الرحمن، ومكحول، والزهريّ: تطليقةٌ رجعيّة.
وُيحكى عن ابن مسعود أنه كان يقرأ: ﴿فَإِنْ فَاءُوا﴾ فيهن ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، ولأن هذه مدّةٌ ضُربت لاستدعاء الفعل منه، فكان ذلك في المدّة كمدّة العنّة.
قال: ولنا قول اللَّه تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، وظاهر ذلك أن الفيئة بعد أربعة أشهر؛ لذكره الفيئة بعدها بالفاء المقتضية للتعقيب، ثم قال: ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾، ولو وقع بمضيّ المدّة لم يحتج إلى عزم عليه، وقوله: ﴿سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ يقتضي أن الطلاق مسموع، ولا يكون المسموع إلا كلامًا انتهى كلام ابن قدامة باختصار (٢).
стр. 14529
وقال في "الفتح" بعد ذكر كلام سليمان بن يسار: "أدركنا الناس يقفون في الإيلاء إذا مضت أربعة أشهر": ما نصّه: وهو قول مالك، والشافعيّ، وأحمد، وإسحاق، وسائر أصحاب الحديث، إلا أن للمالكيّة والشافعيّة بعد ذلك تفاريع يطول ذكرها، منها: أن الجمهور ذهبوا إلى أن الطلاق يكون فيه رجعيًّا، لكن قال مالك: لا تصحّ رجعته إلا إن جامع في العدّة. وقال الشافعيّ: ظاهر كتاب اللَّه تعالى على أن له أربعة أشهر، ومن كانت له أربعة أشهر أجلاً، فلا سبيل عليه فيها حتى تنقضي، فإذا انقضت فعليه أحد أمرين: إما أن يفيء، وإما أن يطلّق، فلهذا قلنا: لا يلزمه الطلاق بمجرّد مضيّ المدّة حتى يُحدث رجوعًا، أو طلاقًا، ثم رجّح قول الوقف بأن أكثر الصحابة قال به، والترجيح قد يقع بالأكثر، مع موافقة ظاهر القرآن. ونقل ابن المنذر عن بعض الأئمّة قال: لم يجد في شيء من الأدلّة أن العزيمة على الطلاق تكون طلاقًا، ولو جاز لكان العزم على الفيء يكون فيئًا، ولا قائل به، وكذلك ليس في شيء من اللغة أن اليمين التي لا ينوي بها الطلاق تقتضي طلاقًا. وقال غيره: العطف على الأربعة أشهر بالفاء يدلّ على أن التخيير بعد مضيّ المدّة، والذي يتبادر من لفظ التربّص أن المراد به المدّة المضروبة ليقع التخيير بعدها. وقال غيره ة جعل اللَّه الفيء، والطلاق معلّقين بفعل المولي بعد المدّة، وهو من قوله تعالى: ﴿فَإِنْ فَاءُوا﴾، ﴿وَإِنْ عَزَمُوا﴾، فلا يتّجه قول من قال: إن الطلاق يقع بمجرّد مضيّ المدّة. واللَّه أعلم انتهى (١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قد اتّضح بما ذُكر من الأدلّة أن الراجح أنه إذا مضت المدّة يوقف المولي، فإما أن يفيء إلى امرأته، وإما أن يطلّق، وأن القول بوقوع الطلاق بنفس مضيّ المدّة قول مرجوح؛ لمخالفته ظاهر كتاب اللَّه تعالى، وقول جمهور الصحابة ﵁. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة السادسة): في أقوال أهل العلم في معنى الفيئة:
قال الإمام ابن المنذر -رحمه اللَّه تعالى-: أجمع كلّ من يُحفظ عنه من أهل العلم على أن الفيء الجماع، كذلك قال ابن عبّاس. وروي ذلك عن عليّ، وابن مسعود. وبه قال مسروق، وعطاء، والشعبيّ، والنخعيّ، وسعيد بن جبير، والثوريّ، والأوزاعيّ، وأبو عبيدة، وأصحاب الرأي، إذا لم يكن عن عذر.
وأصل الفيء الرجوع، ولذلك يُسمّى الظلّ بعد الزوال فيئًا؛ لأنه رجع من المغرب إلى المشرق، فسمّي الجماع من المولِي فيئةً؛ لأنه رجوع إلى فعل ما تركه. وأدنى
стр. 14530
الوطء الذي يحصل به الفيئة أن تغيب الحشفة في الفرج. قاله ابن قدامة -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة السابعة): في اختلاف أهل العلم في وجوب الكفّارة في الإيلاء:
قال ابن قدامة -رحمه اللَّه تعالى-: وإذا فاء لزمته الكفارة في قول أكثر أهل العلم. روي ذلك عن زيد، وابن عباس ﵄. وبه قال ابن سيرين، والنخعيّ، والثوريّ، وقتادة، ومالكٌ، وأهل المدينة، وأبو عبيد، وأصحاب الرأي، وابن المنذر، وهو ظاهر مذهب الشافعيّ، وله قول آخر: لا كفّارة عليه، وهو قول الحسن، وقال النخعيّ: كانوا يقولون ذلك؛ لأن اللَّه تعالى قال: ﴿فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. قال قتادة: هذا خالف الناس -يعني الحسن-.
قال: ولنا قول اللَّه تعالى: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾ الآية إلى قوله: ﴿ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ﴾ الآية [المائدة: ٨٩] وقال : ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ الآية [التحريم: ٢]، وقال النبيّ ﷺ : "إذا حلفت على يمين، فرأيت غيرها خيرًا منها، فاءت الذي هو خيرٌ، وكفّر عن يمينك"، متّفقٌ عليه. ولأنه حالف حانثٌ في يمينه، فلزمته الكفّارة كما لو حلف على ترك فريضة، ثم فعلها، والمغفرة لا تنافي الكفّارة؛ فاللَّه تعالى قد غفر لرسوله ﷺ ما تقدّم من ذنبه، وما تأخّر، وقد كان يقول: "إني واللَّه لا أحلف على يمين، فأرى غيرها خيرًا منها، إلا أتيت الذي هو خيرٌ، وتحلّلتها". متّفقٌ عليه انتهى كلام ابن قدامة - رحمه اللَّه تعالى - (٢).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قول جمهور أهل العلم في وجوب الكفّارة على المولي إذا رجع هو الحقّ؛ لظهور أدلته كما سبق آنفًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٤٨٣ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى, قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ, قَالَ: حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ, عَنْ أَنَسٍ, قَالَ: آلَى النَّبِيُّ ﷺ , مِنْ نِسَائِهِ شَهْرًا, فِي مَشْرَبَةٍ لَهُ, فَمَكَثَ تِسْعًا وَعِشْرِينَ لَيْلَةً, ثُمَّ نَزَلَ, فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ, أَلَيْسَ آلَيْتَ عَلَى شَهْرٍ, قَالَ: «الشَّهْرُ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "خالد": هو ابن الحارث الْهُجيميّ البصريّ. و"حميد": هو ابن أبي حميد الطويل البصريّ. والسند مسلسل بالبصريين، وفيه محمد ابن المثنّى أحد التسعة الذين اتفق أصحاب الأصول الستة بالرواية عنهم بلا واسطة، وقد