(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في الإيلاء:
قال العلاّمة ابن قُدامة عند قول الخِرَقيّ -رحمهما اللَّه تعالى-: "والمولي الذي يَحلف باللَّه أن لا يطأ زوجته أكثر من أربعة أشهر": ما حاصله: وجملته أن شروط الإيلاء أربعة:
[أحدها]: أن يحلف باللَّه تعالى، أو بصفة من صفاته، ولا خلاف بين أهل العلم في أن الحالف بذلك إيلاءٌ. فأما إن حلف على ترك الوطء بغير هذا، مثل أن حلف بطلاق، أو عَتَاق، أو صدقة المال، أو الحجّ، أو الظهار، ففيه روايتان: إحداهما: لا يكون موليًا، وهو قول الشافعيّ القديم. والرواية الثانية: هو مولٍ. وروي عن ابن عبّاس أنه قال: كلّ يمين منعت جماعها، فهي إيلاء. وبذلك قال الشعبيّ، والنخعيّ، ومالك، وأهل الحجاز، والثوريّ، وأبو حنيفة، وأهل العراق، والشافعيّ، وأبو ثور، وأبو عبيد، وغيرهم؛ لأنها يمينٌ منعت جماعها، فكانت إيلاءً، كالحلف باللَّه تعالى، ولأن تعليق الطلاق، والعَتَاق على وطئها حلِفٌ بدليل أنه لو قال: متى حلفت بطلاقك، فأنت طالقٌ، ثم قال: إن وطئتك فأنت طالقٌ طلقت في الحال. وقال أبو بكر: كلّ يمين من حرام، أو غيرها يجب بها كفّارة يكون الحالف بها موليًا، وأما الطلاق، والعتاق فليس الحلف به إيلاء؛ لأنه يتعلّق به حقّ آدميّ، وما أوجب كفّارةً تعلّق بها حقّ اللَّه تعالى. والرواية الأولى هي المشهورة؛ لأن الإيلاء المطلق إنما هو القسَمُ، ولهذا قرأ أُبيّ، وابن عبّاس ﵃: "يُقسِمون" مكان: ﴿يُؤْلُونَ﴾، وروي عن ابن عبّاس في تفسير ﴿يُؤْلُونَ﴾ قال: يحلفون باللَّه. هكذا ذكره الإمام أحمد. والتعليق بشرط ليس بقسم، ولهذا لا يؤتى فيه بحرف القسم، ولا يُجاب بجوابه، ولا يذكره أهل العربيّة في باب القسم، فلا يكون إيلاء، وإنما يُسمى حلفًا تجوّزًا؛ لمشاركته القسم في المعنى المشهور في القسم، وهو الحثّ على الفعل، أو المنع عنه، أو توكيد الخبر، والكلام عند الإطلاق لحقيقته. ويدلّ على هذا قول اللَّه تعالى: ﴿فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٦] وإنما يدخل الغفران في اليمين باللَّه. وأيضًا قول النبيّ ﷺ : "من حلف بغير اللَّه فقد أشرك". رواه أحمد، والترمذيّ، وقوله: "إن اللَّه ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم". متّفقٌ عليه.
قال: الشرط الثاني: أن يحلف على ترك الوطء أكثر من أربعة أشهر. وهذا قول ابن عبّاس، وطاوس، وسعيد بن جبير، وما لك، والأوزاعيّ، والشافعيّ، وأبي ثور، وأبي عبيد. وقال عطاءٌ، والثوريّ، وأصحاب الرأي: إذا حلف على أربعة اْشهر، فما زاد كان موليًا. وحكى ذلك القاضي، وأبو الحسين رواية عن أحمد؛ لأنه ممتنع من الوطء
стр. 14527
باليمين أربعة أشهر، فكان موليًا، كما لو حلف على ما زاد. وقال النخعيّ، وقتادة، وحمّاد بن زيد، وابن أبي ليلى، وإسحاق: من حلف على ترك الوطء في قليل من الأوقات، أو كثير، تركها أربعة أشهر، فهو مولٍ؛ لقول اللَّه تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾، وهذا مولٍ، فإن الإيلاء الحلف، وهذا حالف.
قال: ولنا أنه لم يمنع نفسه من الوطء ياليمين أكثر من أربعة أشهر، فلم يكن موليًا، كما لو حلف على ترك قُبلتها، والآية حجة لنا؛ لأنه جعل له تربّص أربعة أشهر، فإذا حلف على أربعة أشهر، أو ما دونها، فلا معنى للتربّص؛ لأن مدّة الإيلاء تنقضي قبل ذلك، أو مع انقضائه، وتقدير التربّص بأربعة أشهر يقتضي كونه في مدّة تناولها الإيلاء، ولأن المطالبة إنما تكون بعد أربعة أشهر، فإذا انقضت المدّة بأربعة، فما دون لم تصحّ المطالبة من غير إيلاء. وأبو حنيفة، ومن وافقه بنوا ذلك على قولهم في الْفَيْئة أنها تكون في مدّة الأربعة الأشهر، وظاهر الآية خلافه؛ فإن اللَّه تعالى قال: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا﴾ الآية، فعقّب الفيئة عقب التربّص بفاء التعقيب، فيدلّ على تأخّرها عنه.
قال: الشرط الثالث: أن يحلف على ترك الوطء في الفرج، ولو قال: واللَّه لا وطئتك في الدبر لم يكن موليًا؛ لأنه لم يترك الوطء الواجب عليه، ولا تتضرّر المرأة بتركه، وإنما هو وطء محرّمٌ، وقد أكّد منع نفسه منه بيمينه. وإن قال: واللَّه لا وطئتك دون الفرج، لم يكن موليًا؛ لأنه لم يحلف على الوطء الذي يُطالب به في الفيئة، ولا ضرر على المرأة في تركه.
قال: الشرط الرابع: أن يكون المحلوف عليها امرأته؛ لقول اللَّه تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾، ولأن غير الزوجة لا حقّ لها في وطئه، فلا يكون موليًا عنها، كالأجنبيّة، فإن حلف على ترك وطء أمته لم يكن موليًا؛ لما ذكرنا. وإن حلف على ترك وطء أجنبيّة، ثم نكحها، يكن موليًا؛ لذلك. وبه قال الشافعيّ، وإسحاق، وأبو ثور، وابن المنذر. وقال مالكٌ يصير موليًا إذا بقي من مدّة يمينه أكثر من أربعة أشهر؛ لأنه ممتنع من وطء امرأته بحكم يمينه مدّة الإيلاء، فكان موليًا، كما لو حلف في الزوجيّة. وحكي عن أصحاب الرأي أنه إن مرّت به امرأةٌ، فحلف أن لا يقربها، ثم تزوّجها، لم يكن موليًا، وإن قال: إن تزوّجت فلانة، فو اللَّه لا قربتها، صار موليًا؛ لأنه أضاف اليمين إلى حال الزوجيّة، فأشبه ما لو حلف بعد تزوّجها. قال: ولنا قول اللَّه تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ وهذه ليست من نسائه. انتهى كلام ابن قدامة
стр. 14528
باختصار (١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: خلاصة القول في المسألة أن الراجح في الإيلاء، هو أن يحلف باللَّه تعالى، أو بصفة من صفاته على ترك وطء زوجته في الفرج أكثر من أربعة أشهر. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم فيما إذا مضت أربعة أشهر، ولم يَفِىء إلى امرأته:
قال العلامة ابن قُدامة -رحمه اللَّه تعالى-: المولي يتربّص أربعة أشهر، كما أمر اللَّه تعالى، ولا يُطالب بالوطء فيهنّ، فإذا مضت أربعة أشهر، ورافعته امرأته إلى الحاكم وَقَفَه، وأمره بالفيئة، فإن أبى أمره بالطلاق، ولا تطلق زوجته بنفس مضيّ المدّة. قال أحمد في الإيلاء: يوقف عن الأكابر من أصحاب النبيّ ﷺ عن عمر شيء يدلّ على ذلك، وعن عثمان، وعليّ، وجعل يثبت حديث عليّ. وبه قال ابن عمر، وعائشة. وروي ذلك عن أبي الدرداء، وقال سليمان بن يسار: كان تسعة عشر رجلاً من أصحاب محمد ﷺ يوقفون في الإيلاء. وقال سهيل بن أبي صالح: سألت اثني عشر من أصحاب النبيّ ﷺ ، فكلّهم يقول: ليس عليه شيء، حتى يمضي أربعة أشهر، فيوقف،
فإن فاء، وإلا طلّق. وبهذا قال سعيد بن المسيّب، وعروة، ومجاهدٌ، وطاوسٌ، ومالكٌ، والشافعيّ، وإسحاق، وأبو عبيد، وأبو ثور، وابن المنذر.
وقال ابن مسعود، وابن عبّاس، وعكرمة، وجابر بن زيد، وعطاء، والحسن، ومسروقٌ، وقبيصة، والنخعيّ، والأوزاعيّ، وابن أبي ليلى، وأصحاب الرأي: إذا مضت أربعة أشهر، فهي تطليقة بائنة. وروي ذلك عن عثمان، وعليّ، وزيد، وابن عمر. وروي عن أبي بكر بن عبد الرحمن، ومكحول، والزهريّ: تطليقةٌ رجعيّة.
وُيحكى عن ابن مسعود أنه كان يقرأ: ﴿فَإِنْ فَاءُوا﴾ فيهن ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، ولأن هذه مدّةٌ ضُربت لاستدعاء الفعل منه، فكان ذلك في المدّة كمدّة العنّة.
قال: ولنا قول اللَّه تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، وظاهر ذلك أن الفيئة بعد أربعة أشهر؛ لذكره الفيئة بعدها بالفاء المقتضية للتعقيب، ثم قال: ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾، ولو وقع بمضيّ المدّة لم يحتج إلى عزم عليه، وقوله: ﴿سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ يقتضي أن الطلاق مسموع، ولا يكون المسموع إلا كلامًا انتهى كلام ابن قدامة باختصار (٢).
стр. 14529
وقال في "الفتح" بعد ذكر كلام سليمان بن يسار: "أدركنا الناس يقفون في الإيلاء إذا مضت أربعة أشهر": ما نصّه: وهو قول مالك، والشافعيّ، وأحمد، وإسحاق، وسائر أصحاب الحديث، إلا أن للمالكيّة والشافعيّة بعد ذلك تفاريع يطول ذكرها، منها: أن الجمهور ذهبوا إلى أن الطلاق يكون فيه رجعيًّا، لكن قال مالك: لا تصحّ رجعته إلا إن جامع في العدّة. وقال الشافعيّ: ظاهر كتاب اللَّه تعالى على أن له أربعة أشهر، ومن كانت له أربعة أشهر أجلاً، فلا سبيل عليه فيها حتى تنقضي، فإذا انقضت فعليه أحد أمرين: إما أن يفيء، وإما أن يطلّق، فلهذا قلنا: لا يلزمه الطلاق بمجرّد مضيّ المدّة حتى يُحدث رجوعًا، أو طلاقًا، ثم رجّح قول الوقف بأن أكثر الصحابة قال به، والترجيح قد يقع بالأكثر، مع موافقة ظاهر القرآن. ونقل ابن المنذر عن بعض الأئمّة قال: لم يجد في شيء من الأدلّة أن العزيمة على الطلاق تكون طلاقًا، ولو جاز لكان العزم على الفيء يكون فيئًا، ولا قائل به، وكذلك ليس في شيء من اللغة أن اليمين التي لا ينوي بها الطلاق تقتضي طلاقًا. وقال غيره: العطف على الأربعة أشهر بالفاء يدلّ على أن التخيير بعد مضيّ المدّة، والذي يتبادر من لفظ التربّص أن المراد به المدّة المضروبة ليقع التخيير بعدها. وقال غيره ة جعل اللَّه الفيء، والطلاق معلّقين بفعل المولي بعد المدّة، وهو من قوله تعالى: ﴿فَإِنْ فَاءُوا﴾، ﴿وَإِنْ عَزَمُوا﴾، فلا يتّجه قول من قال: إن الطلاق يقع بمجرّد مضيّ المدّة. واللَّه أعلم انتهى (١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قد اتّضح بما ذُكر من الأدلّة أن الراجح أنه إذا مضت المدّة يوقف المولي، فإما أن يفيء إلى امرأته، وإما أن يطلّق، وأن القول بوقوع الطلاق بنفس مضيّ المدّة قول مرجوح؛ لمخالفته ظاهر كتاب اللَّه تعالى، وقول جمهور الصحابة ﵁. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة السادسة): في أقوال أهل العلم في معنى الفيئة:
قال الإمام ابن المنذر -رحمه اللَّه تعالى-: أجمع كلّ من يُحفظ عنه من أهل العلم على أن الفيء الجماع، كذلك قال ابن عبّاس. وروي ذلك عن عليّ، وابن مسعود. وبه قال مسروق، وعطاء، والشعبيّ، والنخعيّ، وسعيد بن جبير، والثوريّ، والأوزاعيّ، وأبو عبيدة، وأصحاب الرأي، إذا لم يكن عن عذر.
وأصل الفيء الرجوع، ولذلك يُسمّى الظلّ بعد الزوال فيئًا؛ لأنه رجع من المغرب إلى المشرق، فسمّي الجماع من المولِي فيئةً؛ لأنه رجوع إلى فعل ما تركه. وأدنى
стр. 14530
الوطء الذي يحصل به الفيئة أن تغيب الحشفة في الفرج. قاله ابن قدامة -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة السابعة): في اختلاف أهل العلم في وجوب الكفّارة في الإيلاء:
قال ابن قدامة -رحمه اللَّه تعالى-: وإذا فاء لزمته الكفارة في قول أكثر أهل العلم. روي ذلك عن زيد، وابن عباس ﵄. وبه قال ابن سيرين، والنخعيّ، والثوريّ، وقتادة، ومالكٌ، وأهل المدينة، وأبو عبيد، وأصحاب الرأي، وابن المنذر، وهو ظاهر مذهب الشافعيّ، وله قول آخر: لا كفّارة عليه، وهو قول الحسن، وقال النخعيّ: كانوا يقولون ذلك؛ لأن اللَّه تعالى قال: ﴿فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. قال قتادة: هذا خالف الناس -يعني الحسن-.
قال: ولنا قول اللَّه تعالى: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾ الآية إلى قوله: ﴿ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ﴾ الآية [المائدة: ٨٩] وقال : ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ الآية [التحريم: ٢]، وقال النبيّ ﷺ : "إذا حلفت على يمين، فرأيت غيرها خيرًا منها، فاءت الذي هو خيرٌ، وكفّر عن يمينك"، متّفقٌ عليه. ولأنه حالف حانثٌ في يمينه، فلزمته الكفّارة كما لو حلف على ترك فريضة، ثم فعلها، والمغفرة لا تنافي الكفّارة؛ فاللَّه تعالى قد غفر لرسوله ﷺ ما تقدّم من ذنبه، وما تأخّر، وقد كان يقول: "إني واللَّه لا أحلف على يمين، فأرى غيرها خيرًا منها، إلا أتيت الذي هو خيرٌ، وتحلّلتها". متّفقٌ عليه انتهى كلام ابن قدامة - رحمه اللَّه تعالى - (٢).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قول جمهور أهل العلم في وجوب الكفّارة على المولي إذا رجع هو الحقّ؛ لظهور أدلته كما سبق آنفًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٤٨٣ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى, قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ, قَالَ: حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ, عَنْ أَنَسٍ, قَالَ: آلَى النَّبِيُّ ﷺ , مِنْ نِسَائِهِ شَهْرًا, فِي مَشْرَبَةٍ لَهُ, فَمَكَثَ تِسْعًا وَعِشْرِينَ لَيْلَةً, ثُمَّ نَزَلَ, فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ, أَلَيْسَ آلَيْتَ عَلَى شَهْرٍ, قَالَ: «الشَّهْرُ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "خالد": هو ابن الحارث الْهُجيميّ البصريّ. و"حميد": هو ابن أبي حميد الطويل البصريّ. والسند مسلسل بالبصريين، وفيه محمد ابن المثنّى أحد التسعة الذين اتفق أصحاب الأصول الستة بالرواية عنهم بلا واسطة، وقد
стр. 14531
تقدّموا غير مرّة. والرواة كلهم من رجال الصحيح.
[تنبيه]: هذا الإسناد من رباعيّات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو أعلى الأسانيد له، وهو (١٧٩) من رباعيات الكتاب.
وقوله: في "مشرُبة" -بفتح الميم، وسكون الشين المعجمة، وضمّ الراء، وفتحها، جمعها مشارب، ومشربات: الغُرْفة، وهي العلّيّة المذكورة في الحديث الماضي.
وقوله: "فقيل له": القائل هي عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها -، وثبت في حديث عمر بن الخطّاب - رضي اللَّه تعالى عنه -، أنه الذي قال له ذلك، ولا تنافي بين الروايتين، إذ يمكن الجمع بأن عمر ذكّره بذلك عند نزوله من الغرفة، وعائشة ذكّرته به حين دخل عليها البيت، فتواردا على ذلك.
وقوله: "أليس آليت الخ" اسم ليس ضمير الشأن، أي أليس الشأن والأمر أنك آليت على شهر. واللَّه تعالى أعلم. وتمام شرح الحديث يُعلم مما قبله، وأما البحث عن الشهر هل هو ثلاثون، أو تسع وعشرون، فقد مضى مستوفى في "كتاب الصيام"، في باب "كم الشهر"، فراجعه تستفد.
والحديث أخرجه المصنّف هنا-٣٢/ ٣٤٨٣ - وفي "الكبرى" ٣٣/ ٥٦٥٠. وأخرجه (خ) في "الصوم" ١٩١١ و"المظالم والغصب" ٢٤٦٩ و"النكاح" ٥٢٠١ و"الطلاق" ٥٢٨٩ وفي "الأيمان والنذور" ٦٦٨٤، (ت) في "الصوم" ٦٩٠. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه
أنيب".
…
٣٣ - (بَابُ الظِّهَارِ)
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "الظهار" -بكسر الظاء المعجمة-: مصدر ظاهر يُظاهر مُظاهرةً، وظِهارًا، مشتقّ من الظهر، وإنما خضوا الظهر بذلك من بين سائر الأعضاء؛ لأن كلّ مركوب يُسمّى ظهرًا؛ لحصول الركوب على ظهره في الأغلب، فشبّهوا الزوجة بذلك. وهو محرّم؛ لقول اللَّه تعالى: ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا﴾. ومعناه أن الزوجة ليست كالأمّ في التحريم. قال اللَّه تعالى: ﴿مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ﴾، وقال تعالى:
стр. 14532
﴿وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ﴾ قاله في "المغني" (١).
وقال في "الفتح": الظهار قول الرجل لامرأته: أنت عليّ كظهر أمّي. وإنما خصّ الظهر بذلك دون سائر الأعضاء؛ لأنه محلّ الركوب غالبًا، ولذلك سمّي المركوب ظهرًا، فشُبّهت الزوجة بذلك لأنها مركوب الرجل، فلو أضاف لغير الظهر -كالبطن مثلاً- كان ظهارًا على الأظهر عند الشافعيّة. واختُلف فيما إذا لم يعين الأمّ كان قال: كظهر أختي مثلاً، فعن الشافعيّ في القديم لا يكون ظهارًا، بل يختصّ بالأمّ، كما ورد في القرآن، وكذا في حديث خولة التي ظاهر منها أوس. وقال في الجديد: يكون ظهارًا، وهو قول الجمهور، لكن اختلفوا فيمن لم تحرم على التأبيد، فقال الشافعيّ: لا يكون ظهارًا، وعن مالك هو ظهارٌ، وعن أحمد روايتان كالمذهبين. فلو قال: كظهر أبي مثلاً، فليس بظهار عند الجمهور، وعن أحمد رواية أنه ظهارٌ، وطرده في كلّ من يحرُم عليه وطؤه حتى في البهيمة. ويقع الظهار بكلّ لفظ يدلّ على تحريم الزوجة، لكن بشرط اقترانه بالنيّة. وتجب الكفّارة على قائله، كما قال اللَّه تعالى، لكن بشرط العود عند الجمهور. وعند الثوريّ، وروي عن مجاهد: تجب الكفّارة بمجرّد الظهار انتهى (٢). واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
٣٤٨٤ - (أَخْبَرَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ حُرَيْثٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ مُوسَى, عَنْ مَعْمَرٍ, عَنِ الْحَكَمِ بْنِ أَبَانَ, عَنْ عِكْرِمَةَ, عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ, أَنَّ رَجُلاً أَتَى النَّبِيَّ ﷺ , قَدْ ظَاهَرَ مِنِ امْرَأَتِهِ, فَوَقَعَ عَلَيْهَا, فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ, إِنِّي ظَاهَرْتُ مِنِ امْرَأَتِي, فَوَقَعْتُ قَبْلَ أَنْ أُكَفِّرَ, قَالَ: «وَمَا حَمَلَكَ عَلَى ذَلِكَ, يَرْحَمُكَ اللَّهُ؟» , قَالَ: رَأَيْتُ خَلْخَالَهَا فِي ضَوْءِ الْقَمَرِ, فَقَالَ: «لَا تَقْرَبْهَا حَتَّى تَفْعَلَ مَا أَمَرَ اللَّهُ »).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (الحسين بن حُريث) الخزاعيّ مولاهم، أبو عمّار المروزيّ، ثقة [١٠] ٤٤/ ٥٢.
٢ - (الفضل بن موسى) السِّينَانيّ، أبو عبد اللَّه المروزيّ، ثقة ثبت، ربما أغرب، من كبار [٩] ٨٣/ ١٠٠.
٣ - (معمر) بن راشد الأزديّ مولاهم، أبو عروة البصريّ، ثم اليمنيّ، ثقة ثبت [٧] ١٠/ ١٠.
٤ - (الحكم بن أبان) أبو عيسى العدنيّ، صدوق له أوهام [٦] ١١/ ٢٦٣٩.
стр. 14533
٥ - (عكرمة) البربريّ، مولى ابن عبّاس، أبو عبد اللَّه المدنيّ، ثقة ثبت [٣] ٢/ ٣٢٥.
٦ - (ابن عبّاس) عبد اللَّه البحر - رضي اللَّه تعالى عنهما - ٢٧/ ٣١. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير الحكم بن أبان، فإنه من رجال الأربعة، وأخرج له البخاريّ في " جزء القراءة". (ومنها): أن فيه مروزيين: الحسين، والفضل، ويمنيين: معمر، والحكم، ومدنيين: عكرمة، وابن عبّاس. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) - رضي اللَّه تعالى عنهما - (أَنَّ رَجُلاً) يحتمل أن يكون سَلَمَة بن صَخْر الزُّرَقي ﵁ كما ستأتي قصته (أَتَى النَّبِيِّ ﷺ ، قَدْ ظَاهَرَ مِنِ امْرَأَتِهِ) جملة حاليّة من فاعل "أتى" (فَوَقَعَ عَلَيْهَا) أي جامعها (فَقَالَ) وفي رواية أبي داود: "فأتي النبيّ ﷺ ، فأخبره … " (يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي ظَاهَرْتُ مِنِ امْرَأَتِي، فَوَقَعْتُ قَبْلَ أَنْ أُكُفِّرَ) من التكفير، أي قبل أن أعطي الكفّارة التي أوجبها اللَّه تعالى عليّ (قَالَ) ﷺ (وَمَا حَمَلَكَ عَلَى ذَلِكَ) "ما" استفهاميّة: أي أيّ شيء حملك على أن تواقع امرأتك التي حرّم اللَّه عليك العودة إليها قبل أن تكفّر عن ظهارك؟ (يَرْحَمُكَ اللَّه؟) فيه إظهار الشفقة والرأفة بالتائب، فإنه ﷺ لم يعنّفه، ولم يوبّخه، بل دعا له بالرحمة؛ لأنه جاء تائبًا إلى اللَّه تعالى، نادمًا على ما فعل، إذ الندم من الذنب يمحو الذنب، كما ثبت فيما أخرجه البيهقيّ، وحسّنه بعضهم، من حديث ابن مسعود ﵁، مرفوعًا "التائب من الذنب كمن لا ذنب له" (١)
(قَالَ) الرجل (رَأَيْتُ خَلْخَالَهَا) بفتح الخاءين المعجمين، وإسكان اللام الأولى، قال في "القاموس": الْخَلْخَلُ، وُيضمّ، وكَبَلْبَالٍ: حَلْيٌ معروف. انتهى. وفي "اللسان": والْخَلْخَلُ، والْخُلْخُلُ من الْحُلْي: معروف، قال الشاعر:
بَرَّاقَةُ الْجِيْدِ صَمُوتُ الْخَلْخَلِ
وهو لغةٌ في الْخَلَخال، أو مقصور منه انتهى.
(فِي ضَوْءِ الْقَمَرِ) وفي رواية المعتمر، عن الحكم بن أبان الآتية: "قال: يا نبيّ اللَّه رأيت بياض ساقيها في ضوء القمر" (فَقَالَ) ﷺ (لَا تَقْرَبْهَا) بفتح الراء، وضمّها، من بابي تَعِبَ، وقتل، أي لا تجامعها مرّة أخرى (حَتَّى تَفْعَلَ مَا أَمَرَ اللَهُ ) وفي رواية
стр. 14534
عبد الرزّاق، عن معمر الآتية: "فاعتزلها حتى تفعل ما أمرك اللَّه "، وفي رواية المعتمر: "فاعتزل حتى تقضي ما عليك". والمراد به أداء الكفّارة التي ذكرها اللَّه تعالى في كتابه، حيث قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ إلى آخر الآيتين [المجادلة: ٣ - ٤]. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث ابن عبّاس - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا صحيحٌ.
[فإن قلت]: كيف يكون صحيحًا، وسيأتي أن المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- سيُرجّح أن المرسل هو الصواب؟.
[قلت]: الظاهر أن الإرسال في مثل هذا لا يضرّ؛ لأن الذي وصله ثقة، وقد صحّحه الترمذيّ، والحاكم، وقال ابن حزم: رجاله ثقات، ولا يضرّ إرسال من أرسله. وقال الحافظ: رجاله ثقات. وقال في "البدر المنير": هذا الحديث صحيح. وقال المنذريّ: صححه الترمذيّ، ورجال إسناده ثقات، وسماع بعضهم من بعض مشهور، وترجمة عكرمة عن ابن عبّاس احتجّ بها البخاريّ في غير موضع. قال ابن الملقّن: وهو كما قال.
وأخرج له البزّار شاهدّا من طريق خُصيف، عن عطاء، عن ابن عبّاس - رضي اللَّه تعالى عنهما -: أن رجلاً قال: يا رسول اللَّه إني ظاهرت من امرأتي، رأيت ساقها في القمر، فواقعتها قبل أن أكفّر، قال: "كفّر، ولا تعُد". وقال في "الفتح" بعد أن ذكر أحاديث الظهار، ومنها هذا الحديث: ما نصّه: وأسانيد هذه الأحاديث حسان. انتهى (١).
وقال الشيخ الألباني: وبالجملة فالحديث بطرقه، وشاهده صحيح. وقال أيضًا: له طريق أخرى عن ابن عبّاس يرويه إسماعيل بن مسلم، عن عمرو بن دينار، عن طاوس، عن ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما -: أن رجلاً ظاهر من امرأته، فرأى خلخالها في ضوء القمر، فأعجبه، فوقع عليها، فأتى النبيّ ﷺ ، فذكر ذلك له، فقال: "قال اللَّه تعالى: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ "، فقال: قد كان ذلك، فقال رسول اللَّه ﷺ : "أمسك حتى تكفّر". أخرجه الحاكم ٢/ ٢٠٤ والبيهقيّ ٧/ ٣٨٦. وإسماعيل بن مسلم، وهو المكيّ
ضعيف. ويشهد له حديث سلمة بن صخر الزرقيّ، قال: "تظاهرت من امرأتي، ثم
стр. 14535
وقعت بها، قبل أن أكفّر، فسألت النبيّ ﷺ ، فأفتاني بالكفّارة". هكذا أخرجه الترمذيّ مختصرًا ٩/ ٢٢٥ وأحمد ٤/ ٣٧ من طريق محمد بن إسحاق، عن محمد بن عمرو بن عطاء، عن سليمان بن يسار، عنه. قال: وهذا إسناد ضعيف. يعني لعنعنة ابن إسحاق، فإنه مدلّس (١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الحاصل أن الحديث بطرقه، وشواهده صحيح. واللَّه تعالى أعلم.
[تنبيه]: قد بالغ أبو بكر ابن العربيّ، فقال: ليس في الظهار حديث صحيح. وهذه مبالغة غير مرضيّة فإن حديث الباب صحيح كما عرفت. فتبصّر. واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٣٣/ ٣٤٨٤ و٣٤٨٥ و ٣٤٨٦ - وفي "الكبرى" ٣٤/ ٥٦٥١ و ٥٦٥٢ و ٥٦٥٣. وأخرجه (د) في "الطلاق" ٢٢٢١ و ٢٢٢٢ (ت) في "الطلاق" ١١٩٩ (ق) في "الطلاق" ٢٠٦٥ و ٢٠٦٦. واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان حكم الظهار، وهو ما تضمّنه حديث الباب. (ومنها): تحريم مواقعة المرأة التي ظاهر منها قبل التكفير. (ومنها): وجوب التكفير في الظهار. (ومنها): أن من واقع قبل التكفير ليس عليه إلا التوبة، وعدم العودة قبل التكفير. (ومنها): أن من ارتكب ذنبًا، ثم تاب، لا ينبغي أن يوبّخ، وُيعنّف، بل يترخم عليه، ويستغفر له. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في تحريم ما دون الجماع على المظاهر:
قال ابن قُدامة -رحمه اللَّه تعالى-: فأما التلذّذ بما دون الجماع، من القبلة، واللمس، والمباشرة فيما دون الفرج، ففيه روايتان: إحداهما: يحرم، وهو اختيار أبي بكر. وهو قول الزهريّ، ومالك، والأوزاعيّ، وأبي عبيد، وأصحاب الرأي، وروي ذلك عن النخعيّ، وهو أحد قولي الشافعيّ؛ لأن ما حَرَّم الوطءَ من القول حرّم دواعيه، كالطلاق، والإحرام. والثانية: لا يحرم، قال أحمد: أرجو أن لا يكون به بأس، وهو قول الثوريّ، وإسحاق، وأبي حنيفة، وحكي عن مالك، وهو القول الثاني للشافعيّ؛
стр. 14536
لأنه وطء يتعلّق بتحريمه مالٌ، فلم يتجاوزه التحريم، كوطء الحائض انتهى (١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: القول الأول هو الراجح؛ لظاهر قوله: "لا تقربها"، فإن القربان يشمل الجماع، وغيره من أنواع التلذّذ بها. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): اتّفق أهل العلم على أن المظاهر يحرم عليه وطء امرأته التي ظاهر منها قبل أن يكفّر، إذا كانت الكفّارة عتقًا، أو صومًا؛ لقول اللَّه تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ [المجادلة: ٣ - ٤] وقوله : ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ [المجادلة: ٣ - ٤]. واختلفوا فيما إذا كان التكفير بالإطعام، فذهب أكثر أهل العلم إلى أنه مثل ذلك، وأنه يحرم وطؤها قبل التكفير، منهم: عطاء، والزهريّ، والشافعيّ، وأصحاب الرأي.
وذهب أبو ثور إلى إباحة الجماع قبل التكفير بالإطعام. وعن أحمد ما يقتضي ذلك؛ لأن اللَّه تعالى لم يمنع المسيس قبله، كما في العتق والصيام.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قول الأولين هو الصواب؛ لحديث الباب؛ فإنه ﷺ قال: "لا تقربها حتى تكفّر"، ولم يخصّ نوعًا من الكفّارة، دون نوع، بل أطلق النهي عن القربان قبل التكفير. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٤٨٥ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ, قَالَ: حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ, عَنِ الْحَكَمِ بْنِ أَبَانَ, عَنْ عِكْرِمَةَ, قَالَ: تَظَاهَرَ رَجُلٌ مِنِ امْرَأَتِهِ, فَأَصَابَهَا قَبْلَ أَنْ يُكَفِّرَ, فَذَكَرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ , فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ «مَا حَمَلَكَ عَلَى ذَلِكَ؟» , قَالَ: رَحِمَكَ اللَّهُ, يَا رَسُولَ اللهِ, رَأَيْتُ خَلْخَالَهَا, أَوْ سَاقَيْهَا فِي ضَوْءِ الْقَمَرِ, فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «فَاعْتَزِلْهَا, حَتَّى تَفْعَلَ مَا أَمَرَكَ اللَّهُ »).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير الحكم، كما تقدّم في الحديث الماضي.
وقوله: "رحمك اللَّه يا رسول اللَّه " قال السنديّ -رحمه اللَّه تعالى-: الظاهر أنّ النبيّ ﷺ بدأ بالدعاء بالرحمة، فقال له: "يرحمك اللَّه"، كما تقدّم، فقابله الرجل بمثل ذلك، أو بأحسن منه، حيث استعمل صيغة المضيّ، ووقع الاختصار من الرواة، فنقل البعض الأول، والبعض الآخر. وفي تقرير النبيّ ﷺ على ذلك دلالة على جواز الدعاء
стр. 14537
له ﷺ بالرحمة انتهى (١).
والحديث صحيح بمجموع طرقه، كما سبق بيانه في الذي قبله. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٤٨٦ - (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ, قَالَ: أَنْبَأَنَا الْمُعْتَمِرُ ح وَأَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى, قَالَ: حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ, قَالَ: سَمِعْتُ الْحَكَمَ بْنَ أَبَانَ, قَالَ: سَمِعْتُ عِكْرِمَةَ, قَالَ: أَتَى رَجُلٌ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ , فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ, إِنَّهُ ظَاهَرَ مِنِ امْرَأَتِهِ, ثُمَّ غَشِيَهَا, قَبْلَ أَنْ يَفْعَلَ مَا عَلَيْهِ, قَالَ: «مَا حَمَلَكَ عَلَى ذَلِكَ؟» ,
قَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ, رَأَيْتُ بَيَاضَ سَاقَيْهَا فِي الْقَمَرِ, قَالَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ : «فَاعْتَزِلْ حَتَّى تَقْضِيَ مَا عَلَيْكَ».
وَقَالَ إِسْحَاقُ فِي حَدِيثِهِ: «فَاعْتَزِلْهَا حَتَّى تَقْضِيَ مَا عَلَيْكَ» , وَاللَّفْظُ لِمُحَمَّدٍ.
قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ: الْمُرْسَلُ أَوْلَى بِالصَّوَابِ مِنَ الْمُسْنَدِ, وَاللَّهُ أَعْلَمُ).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "إسحاق": هو ابن راهويه. و"محمد بن عبد الأعلى": هو الصنعانيّ البصريّ. و"المعتمر": هو ابن سليمان التيميّ.
وقوله: "وقال إسحاق الخ" يعني أن إسحاق ابن راهويه ذكر في روايته الضمير المنصوب، وقال: "فاعتزلها"، وأما محمد بن عبد الأعلى، فحذفه، وقال: "فاعتزل"، وحذف الفضلة جائز، كما قال في "الخلاصة":
وَحَذفَ فَضْلَةٍ أَجِزْ إِنْ لَمْ يَضِرْ … كحَذْفِ مَا سِيقَ جَوَابًا أَوْ حُصِرْ
وقوله: "واللفظ محمد" يعني أن سياق المتن الذي ساقه هو لفظ محمد بن عبد الأعلى، وأما إسحاق فرواه بالمعنى. هذا هو الذي تقتضيه عبارته، وفيه نظر، إذ يقتضي أن شيخيه مختلفان في سياق الحديث، وإن اتفقا في المعنى، وهذا يعارض قوله: "وقال إسحاق في حديثه الخ"، إذ هو يقتضي أنهما متّفقان، إلا في هذا الحرف، فليُتأمّل.
وقوله: "قال أبو عبد الرحمن: المرسل أولى بالصواب من المسند"، أراد بالمسند المتّصل، يعني أن رواية من رواه عن عكرمة، عن النبيّ ﷺ مرسلاً أولى ممن رواه عن عكرمة، عن ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما - متّصلاً، وإنما رجّح المرسل على المتصل؛ للاختلاف على معمر، فإن عبد الرزاق رواه عنه بالإرسال، فخالف الفضل بن موسى، ووافق رواية المعتمر. وهكذا رجّح أبو حاتم المرسل على المتّصل، كما ذكره الحافظ في "التلخيص الحبير".
стр. 14538
لكن تقدّم أن الموصول له شواهد، ولهذا صححه كثيرٌ من العلماء وهو الحقّ. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٤٨٧ - (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ, قَالَ: أَنْبَأَنَا جَرِيرٌ, عَنِ الأَعْمَشِ, عَنْ تَمِيمِ بْنِ سَلَمَةَ, عَنْ عُرْوَةَ, عَنْ عَائِشَةَ, أَنَّهَا قَالَتِ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَسِعَ سَمْعُهُ الأَصْوَاتَ, لَقَدْ جَاءَتْ خَوْلَةُ, إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ , تَشْكُو زَوْجَهَا, فَكَانَ يَخْفَى عَلَيَّ كَلَامُهَا, فَأَنْزَلَ اللَّهُ : ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا﴾ الآيَةَ [المجادلة: ١]).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (إسحاق بن إبراهيم) الحنظليّ المعروف بابن راهويه، أبو يعقوب المروزيّ، ثقة ثبت [١٠] ٢/ ٢.
٢ - (جرير) بن عبد الحميد بن قُرْط الضبّيّ، أبو عبد اللَّه الكوفيّ، نزيل الريّ، وقاضيها، ثقة صحيح الكتاب، قيل: كان في آخره يَهِم من حفظه [٨] ٢/ ٢.
٣ - (الأعمش) سليمان بن مِهران الكاهليّ مولاهم، أبو محمد الكوفيّ، ثقة ثبت ورع، لكنه يدلّس [٥] ١٨/ ١٧.
٤ - (تميم بن سلمة) السلميّ الكوفيّ، ثقة [٣] ٢١/ ٣٨٨.
٥ - (عروة) بن الزبير بن العوّام الأسديّ، أبو عبد اللَّه المدنيّ الفقيه، ثقة ثبت [٣] ٤٠/ ٤٤.
٦ - (عائشة) أم المؤمنين - رضي اللَّه تعالى عنها - ٥/ ٥. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله عندهم رجال الصحيح. (ومنها): أن فيه ثلاثة من التابعين يروي بعضهم عن بعض: الأعمش، عن تميم، عن عروة. (ومنها): أن فيه عروة أحد الفقهاء السبعة، وفيه عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - من المكثرين السبعة، روت (٢٢١٠) أحاديث. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ عَائِشَةَ) - رضي اللَّه تعالى عنها - (أَنَّهَا قَالَتِ: الْحَمْدُ لِلَهِ الَّذِي وَسِعَ) بكسر السين المهملة، قال الفيّوميّ: وَسِع الإناء المتاعَ سَعَةً بفتح السين، وقرأ به السبعة في قوله تعالى: ﴿وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ﴾، وكسرها لغة، وقرأ به بعض التابعين. قيل: الأصل في المضارع الكسر، ولهذا حُذفت الواو لوقوعها بين ياء مفتوحة، وكسرة، ثمّ
стр. 14539
فُتحت بعد الحذف لمكان حرف الحلق، ومثله يَهَبُ، ويقَعُ، وَيدَع، ويَلَغُ، وَيطَأُ، ويَضَعُ، ويَلَعُ، ويَزَعُ الجيشَ: أي يَحبسه. والحذف في يسع، ويطأ مما ماضيه مكسورٌ شاذّ؛ لأنهم قالوا: فَعِلَ بالكسر مضارعه يَفْعَل بالفتح، واستثنوا أفعالاً، ليست هذه منها. ووِسِعَ المكانُ القومَ، ووسِعَ المكانُ: أي اتّسع، يتعدّى، ولا يتعدّى، قال النابغة [من الكامل]:
تَسَعُ الْبِلَادُ إِذَا أَتَيْتُكَ زَائِرًا … وَإِذَا هَجَرْتُكَ ضَاقَ عَنِّي مَقْعَدِي
ووسُعَ المكان بالضمّ بمعنى اتّسع أيضًا، فهو واسع من الأولى، ووَسِيعٌ من الثانية انتهى.
وما هنا من المتعدّي، ولذا نصب "الأصوات" (سَمْعُهُ الأَصْوَاتَ) وفي رواية ابن ماجه: "كلّ شيء" بدل "الأصوات". أي يسمع كلّ الأصوات، فلا يخفى عليه صوت في الأرض ولا في السماء، جهر به المتكلّم، أو أسرّ به، كما استشهدت عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - على ذلك (لَقَدْ جَاءَتْ خَوْلَةُ) بنت ثعلبة بن أصرم بن فِهْر بن ثعلبة بن غَنْم بن عوف بن عمرو بن عوف بن الخرج الأنصاريّة الخزرجيّة. ويقال: خولة بنت ثعلبة بن مالك. ويقال: بنت مالك بن ثعلبة. ويقال: بنت دليج. ويقال: بنت الصامت. وهي المجادلة التي ظاهر منها زوجها. روى حديثها ابن إسحاق عن معمر بن عبد اللَّه بن حنظلة، عن يوسف بن عبد اللَّه بن سلام، عن خولة، قالت: "ظاهر منّي زوجي أوس بن الصامت … ". وقال يونس بن بكير، عن ابن إسحاق: خولة بغير تصغير. وكذا قال ابن الكلبيّ، عن أبي صالح، عن ابن عبّاس. وكذا هو في تفسير النخعيّ، عن ابن جريج، عن عطاء عن ابن عبّاس. قال محمد بن أبي حرملة، عن عطاء بن يسار: إن خُويلة بنت ثعلبة. وكذا سمّاها محمد بن كعب، وعروة، وعكرمة. وقال محمد بن سلمة، عن ابن إسحاق: خويلة بنت ثعلبة. أخرجه الطبرانيّ. وقال يحيى بن أبي زائدة، عن محمد بن إسحاق: بنت مالك بن ثعلبة. أخرجه الحسن بن سفيان. وكذا قال جعفر بن الحارث، عن ابن إسحاق. أخرجه ابن منده. وأخرجه يحيى الحِمّاني في "مسنده" من طريق أبي إسحاق السبيعيّ، عن زيد بن يزيد، عن خولة بنت الصامت. قاله في "تهذيب التهذيب" (١).
وقال الحافظ -رحمه اللَّه تعالى- في "الفتح" بعد أن ذكر أنه وقع اسمها خويلة بنت مالك بن ثعلبة، عند أبي داود، وابن حبّان: ما نصّه: وهذا يُحمل على أن اسمها كان
стр. 14540
ربّما صُغّر، وإن كان محفوظًا، فتكون نُسبت في الرواية الأخرى لجدّها. وقد تظاهرت الروايات بالأول، ففي مرسل محمد بن كعب القرظيّ عند الطبرانيّ، كانت خولة بنت ثعلبة تحت أوس بن الصامت، فقال لها: أنت عليّ كظهر أمي. وعند ابن مردويه من طريق سعيد بن بشير، عن قتادة، عن أنس ﵁ أن أوس بن الصامت ﵁ تظاهر من امرأته خولة بنت ثعلبة. وعنده أيضًا من مرسل أبي العالية: "كانت خولة بنت دُلَيح تحت رجل من الأنصار، سيء الخلُق، فنازعته في شيء، فقال: أنت عليّ كظهر أمي. دُلَيح -بمهملتين، مصغّرًا- لعلّه من أجدادها. وأخرج أبو داود من رواية حمّاد بن سلمة، عن هشام بن عروة، عن أبيه: أن جميلة كانت تحت أوس بن الصامت. ووصله من وجه آخر عن عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها -، والرواية المرسلة أقوى. وأخرجه ابن مردويه من رواية إسماعيل بن عياش، عن هشام، عن أبيه، عن أوس بن الصامت، وهو الذي ظاهر من امرأته. ورواية إسماعيل عن الحجازيين ضعيفة، وهذا منها، فإن كان حفظه، فالمراد بقوله: "عن أوس بن الصامت"، أي عن قصّة أوس، لا أن عروة حمله عن أوس، فيكون مرسلاً، كالرواية المحفوظة، وإن كان الراوي حفظها أنها جميلة، فلعلّه كان لقبها. وأما ما أخرجه النقّاش في "تفسيره" بسند ضعيف إلى الشعبيّ، قال: المرأة التي جادلت في زوجها هي خولة بنت الصامت، وأمها معاذة أمة عبد اللَّه بن أبيّ التي نزل فيها: ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ﴾. وقوله: "بنت الصامت" خطأٌ، فإن الصامت والد زوجها، كما تقدّم، فلعلّه سقط منه شيء، وتسمية أمها غريبٌ. انتهى كلام الحافظ -رحمه اللَّه تعالى- (١).
وقال أبو عمر ابن عبد البرّ -رحمه اللَّه تعالى-: روينا من وجوه عن عمر بن الخطّاب ﵁ أنه خرج، ومعه الناس، فمرّ بعجوز، فاستوقفته، فوقف، فجعل يُحدّثها، وتحدّثه، فقال له رجلٌ: يا أمير المؤمنين حبست الناس على هذه العجوز، فقال: ويلك، أتدري من هي؟ هذه امرأة سمع اللَّه شكواها من فوق سبع سماوات، هذه خولة بنت مالك بن ثعلبة التي أنزل اللَّه فيها: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا﴾ الآية.
قال: وقد روى خُليد بن دعلج، عن قتادة، قال: خرج عمر من المسجد، ومعه الجارود العبديّ، فإذا بامرأة بَرْزَةٍ، على ظهر الطريق، فسلّم عليها عمر، فردّت ﵇، فقالت: هيهات يا عمر، عهدتك، وأنت تسمّى عميرًا في سوق عكاظ، تَزع
стр. 14541
الصبيان بعصاك، فلم تذهب الأيام حتى سميت أمير المؤمنين، فاتق اللَّه في الرعيّة، واعلم أنه من خاف الوعيد قرب إليه البعيد، ومن خاف الموت، خشي الفوت، فقال الجارود: قد أكثرتِ على أمير المؤمنين أيتها المرأة، فقال عمر: دعها، أما تعرفها؟ هذه خولة بنت حكيم امرأة عبادة بن الصامت التي سمع اللَّه قولها من فوق سبع سموات، فعمر أحقّ، واللهِ أن يسمع لها، قال أبو عمر: هكذا في الخبر خولة بنت حكيم، امرأة عبادة بن الصامت، وهو وَهَمٌ. يعني في اسم أبيها، وزوجها، وخُلَيد ضعيفٌ، سيّء الحفظ. قاله في "الإصابة" (١).
(إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، تَشْكُو زَوْجَهَا) أخرج قصّتها الإمام أحمد في "مسنده"، وأبو داود في "سننه"، ونصّ أحمد:
٢٦٧٧٤ - حدثنا سعد بن إبراهيم، ويعقوب، قالا: حدثنا أبي، قال: حدثنا محمد بن إسحاق، قال: حدثني معمر بن عبد اللَّه بن حنظلة، عن يوسف بن عبد اللَّه بن سلام، عن خولة بنت ثعلبة، قالت: واللَّه فيّ، وفي أوس بن صامت، أنزل اللَّه ، صدر سورة المجادلة، قالت: كنت عنده، وكان شيخا كبيرا، قد ساء خلقه، وضَجِر، قالت: فدخل عليّ يوما، فراجعته بشيء، فغضب، فقال: أنت عليّ كظهر أمي، قالت: ثم خرج، فجلس في نادي قومه ساعة، ثم دخل علي، فإذا هو يريدني على نفسي، قالت: فقلت: كلَّا، والذي نفس خويلة بيده، لا تخلص إليّ، وقد قلت: ما قلت، حتى يحكم اللَّه ورسوله فينا بحكمه، قالت: فواثبني، وامتنعت منه، فغلبته بما تغلب به المرأة الشيخ الضعيف، فألقيته عني، قالت: ثم خرجت إلى بعض جاراتي، فاستعرت منها ثيابها، ثم خرجت، حتى جئت رسول اللَّه ﷺ ، فجلست بين يديه، فذكرت له ما لقيت منه، فجعلت أشكو إليه ﷺ ، ما ألقى من سوء خلقه، قالت: فجعل رسول اللَّه ﷺ ، يقول: "يا خويلة ابن عمك، شيخ كبير، فاتقي اللَّه فيه"، قالت: فواللَّه، ما بَرِحت، حتى نزل فيّ القرآن، فتغشى رسول اللَّه ﷺ ، ما كان يتغشاه، ثم سُرِّيَ عنه، فقال لي: "يا خويلة، قد أنزل اللَّه فيك، وفي صاحبك"، ثم قرأ عليّ: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ إلى قوله: ﴿وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾، فقال لي رسول اللَّه ﷺ : "مُرِيه، فليُعتِق رقبة"، قالت: فقلت: واللَّه يا رسول اللَّه، ما عنده ما يُعتق، قال: "فليصم شهرين متتابعين"، قالت: فقلت: واللَّه يا رسول اللَّه، إنه شيخ كبير، ما به من صيام، قال: "فليطعم ستين
стр. 14542
مسكينا وسقا من تمر"، قالت: قلت: واللَّه، يا رسول اللَّه، ما ذاك عنده، قالت: فقال رسول اللَّه ﷺ : "فإنا سنعينه بعرق من تمر"، قالت: فقلت: وأنا يا رسول اللَّه سأعينه بعرق آخر، قال: "قد أصبت، وأحسنت، فاذهبي، فتصدقي عنه، ثم استوصي بابن عمك خيرا"، قالت: ففعلت.
وقال أبو داود بعد إخراجه: ما نصّه: في هذا، أنها كفّرت عنه، من غير أن تستأمره، قال أبو داود: وهذا أخو عبادة بن الصامت (١).
وقال الحافظ -رحمه اللَّه تعالى- في "الفتح" بعد أن ذكر أن الحديث أخرجه أحمد، وغيره: ما نصّه: وهذا أصحّ ما ورد في قصّة المجادلة، وتسميتها. وقد أخرجه أبو داود، وصححه ابن حبّان. انتهى (٢).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الحديث فيه ابن إسحاق، مدلّسٌ، لكنه صرّح هنا بالسماع، دكين معمر بن عبد اللَّه بن حنظلة، لم يرو عنه غير ابن إسحاق، ووثقه ابن حبّان، وصحح حديثه هذا، وقال فيه ابن القطّان: مجهول الحال. وقد علّق البخاريّ الحديث في "صحيحه" بصيغة الجزم. ويشهد له حديث عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - المذكور في الباب.
وخلاصة الأمران الحديث صحيح. واللَّه تعالى أعلم.
(فَكَانَ يَخْفَى) بفتح أوّله، من باب تَعِبَ (عَلَيَّ كَلَامُهَا) أي لعدم رفعها له، بل كانت تسرّ به إلى النبيّ ﷺ ، ولا تريد أن يسمعه غيره (فَأَنْزَلَ اللَّه : ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا﴾ الآيَةَ). ولفظ ابن ماجه، من طريق محمد بن أبي عبيدة، عن أبيه، عن الأعمش: قالت عائشة: تبارك الذي وسع سمعه كلّ شيء، إني لأسمع كلام خولة بنت ثعلبة، ويَخفَى عليّ بعضه، وهي تشتكي زوجها إلى رسول اللَّه ﷺ ، وهي تقول: يا رسول اللَّه أكل شبابي، ونثرت له بطني، حتى إذا كَبِرَت سنين، وانقطع ولدي، ظاهر مني، اللَّهم إني أشكو إليك، فما برحت، حتى نزل جبرائيل بهؤلاء الآيات: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ﴾. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
стр. 14543
حديث عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - هذا صحيح.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٣٣/ ٣٤٨٧ - وفي "الكبرى" ٣٤/ ٥٦٥٤ وفي "التفسير" ١١٥٧٠. وأخرجه (ق) في "المقدمة" ١٨٨ وفي "الطلاق " ٢٠٦٣. واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان حكم الظهار، وذلك لأن الآيات التي نزلت بسبب المجادلة بيّنت حكمه. (ومنها): بيان سبب نزول هذه الآيات، وهو أصحّ ما ذكر في سبب نزولها. (ومنها): أن فيه إثباتَ صفة السمع للَّه تعالى. قال الإمام البخاريّ -رحمه اللَّه تعالى- في "كتاب التوحيد" من "صحيحه": "باب وكان اللَّه سميعًا بصيرًا". قال ابن بطال -رحمه اللَّه تعالى-: غرض البخاريّ في هذا الباب الردّ على من قال: إن معنى "سميع بصير" عليم، قال: ويلزم من قال ذلك أن يسوّيه بالأعمى الذي يعلم أن السماء خضراء، ولا يراها، والأصمّ الذي يعلم أن في الناس أصواتًا، ولا يسمعها، ولا شكّ أن من سمع وأبصر أدخل في صفة الكمال ممن انفرد بأحدهما دون الآخر، فصحّ أن كونه سميعًا بصيرًا، يفيد قدرًا زائدًا على كونه عليمًا، وكونه سميعًا بصيرًا يتضمّن أنه يسمع بسمع، ويبصر ببصر، كما تضمّن كونه عليمًا أنه يعلم بعلم، ولا فرق بين إثبات كونه سميعًا بصيرًا، وبين كونه ذا سمع وبصر. قال: وهذا قول أهل السنّة قاطبة انتهى.
قال الحافظ: واحتجّ المعتزلة بأن السمع ينشأ عن وصول الهواء إلى العصب المفروش في أصل الصماخ، واللَّه منزّهٌ عن الجوارح. وأجيب بأنها عادة أجراها اللَّه تعالى فيمن يكون حيًّا، فيخلقه اللَّه عند وصول الهواء إلى المحلّ المذكور، واللَّهسبحانه وتعالى يسمع المسموعات بدون الوسائط، وكذا يرى المرئيّات بدون المقابلة، وخروج الشعاع، فذات الباري مع كونه حيًّا موجودًا، لا تشبه الذوات، فكذلك صفات ذاته لا تشبه الصفات.
وقال البيهقيّ في "الأسماء والصفات": السميع من له سمع، يدرك به المسموعات، والبصير من له بصرٌ يدرك به المرئيّات، وكلّ منهما في حقّ الباري صفة قائمة بذاته، وقد أفادت الآية، وأحاديث الباب الردّ على من زعم أنه سميعٌ بصيرٌ بمعنى عليم، ثم ساق حديث أبي هريرة ﵁ الذي أخرجه أبو داود بسند قويّ، على شرط مسلم، من رواية أبي يونس، عن أبي هريرة ﵁ رأيت رسول اللَّه ﷺ -يقرؤها -يعني قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ -إلى قوله تعالى-: ﴿إِنَّ اللَّهَ
стр. 14544
كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ ويضع إصبعه، قال أبو يونس: وضع أبو هريرة ﵁ إبهامه على أذنه، والتي تليها على عينه. قال البيهقيّ: وأراد بهذه الإشارة تحقيق إثبات السمع والبصر للَّه ببيان محلّهما من الإنسان، يريد أن له سمعًا وبصرًا، لا أن المراد به العلم، فلو كان كذلك لأشار إلى القلب؛ لأنه محلّ العلم، ولم يرد بذلك الجارحة، فإن اللَّه تعالى منزّه عن مشابهة المخلوقين. ثم ذكر لحديث أبي هريرة ﵁ شاهدًا من حديث عقبة بن عامر ﵁: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول على المنبر: "إن ربّنا سميعٌ بصيرٌ، واْشار إلى عينيه". وسنده حسن. ذكره في "الفتح" (١).
[تنبيه]: قال الحافظ ابن كثير -رحمه اللَّه تعالى- في "تفسيره" بعد أن أورد قصّة خولة المذكورة: ما نصّه: هذا هو الصحيح في سبب نزول هذه السورة، فأما حديث سلمة بن صخر، فليس فيه أنه كان سبب النزول، ولكن أمر بما أنزل اللَّه في هذه السورة، من العتق، أوالصيام، أو الإطعام، كما قال الإمام أحمد:
١٥٩٨٦ - حدثنا يزيد بن هارون، قال: أخبرنا محمد بن إسحاق، عن محمد بن عمرو بن عطاء، عن سليمان بن يسار، عن سلمة بن صخر الأنصاري، قال: كنت امرأ، قد أوتيت من جماع النساء، ما لم يؤت غيري، فلما دخل رمضان، تظاهرت من امرأتي حتى ينسلخ رمضان، فَرَقًا من أن أصيب في ليلتي شيئا، فأتتابع في ذلك، إلى أن يدركني النهار، وأنا لا أقدر على أن أنزع، فبينا هي تخدمني، إذ تكشف لي منها شيء، فوثبت عليها، فلما أصبحت غدوت على قومي، فأخبرتهم خبري، وقلت لهم: انطلقوا معي إلى النبي ﷺ ، فأخبره بأمري، فقالوا: لا واللَّه لا نفعل، نتخوف أن ينزل فينا قرآن، أو يقول فينا رسول اللَّه ﷺ ، مقالة يبقى علينا عارها، ولكن اذهب أنت، فاصنع
ما بدا لك، قال: فخرجت، فأتيت النبي ﷺ ، فأخبرته خبري، فقال لي: "أنت بذاك؟ "، فقلت: أنا بذاك، فقال: "أنت بذاك؟ "، فقلت: أنا بذاك، قال: "أنت بذاك؟ "، قلت: نعم، ها أنا ذا، فأمض فيّ حكم اللَّه ، فإني صابر له، قال: "أعتق رقبة"، قال: فضربت صفحة رقبتي بيدي، وقلت: لا، والذي بعثك بالحق ما، أصبحت أملك غيرها، قال: "فصم شهرين"، قال: قلت: يا رسول اللَّه، وهل أصابني ما أصابني إلا في الصيام، قال: "فتصدق"، قال: فقلت: والذي بعثك بالحق، لقد بتنا ليلتنا هذه، وَحْشَاء، ما لنا عشاء، قال: "اذهب إلى صاحب صدقة بني زريق، فقل له، فليدفعها إليك، فأطعم عنك منها وسقا من تمر، ستين مسكينا، ثم استعن بسائره عليك
стр. 14545
وعلى عيالك"، قال: فرجعت إلى قومي، فقلت: وجدت عندكم الضيق، وسوء الرأي، ووجدت عند رسول اللَّه ﷺ ، السعة والبركة، قد أمر لي بصدقتكم، فادفعوها لي، قال: فدفعوها إليّ (١).
وهكذا رواه أبو داود، وابن ماجه، واختصره الترمذيّ، وحسّنه، وظاهر السياق أن هذه القصّة كانت بعد قصّة أوس بن الصامت، وزوجته خويلة بنت ثعلبة، كما دلّ عليه سياق تلك وهذه بعد التأمّل. انتهى كلام ابن كثير -رحمه اللَّه تعالى- (٢). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه
أنيب".
…
٣٤ - (بَابُ مَا جَاءَ فِي الْخُلْعِ)
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "الخلع" -بضمّ الخاء المعجمة، وسكون اللام- قال في "المصباح": خَلَعتُ النعل وغيره خَلْعًا، أي من باب نفع: نزعتُهُ، وخالعت المرأة زوجها مُخالعةً: إذا افتدت منه، وطلّقها على الفدية، فَخَلَها هو خَلْعًا، والاسم الْخُلْعُ بالضمّ، وهو استعارة من خَلَع اللباس؛ لأن كلّ واحد منهما لباس للآخر، فإذا فعلا ذلك فكأن كلّ واحد نزع لباسه عنه. انتهى.
وقال العينيّ -رحمه اللَّه تعالى-: ما حاصله: "الخلع" -بضمّ الخاء المعجمة، وسكون اللام- مأخوذٌ من خَلَعَ الثوبَ والنعلَ، ونحوَهما، من باب نفع، وذلك لأن المرأة لباس الرجل، كما قال اللَّه تعالى: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾ الآية. وإنما جاء مصدره بضمّ الخاء تفرقةً بين الأجرام والمعاني، يقال: خلع ثوبه ونعله خَلْعًا -بفتح الخاء- وخلع امرأته خُلْعًا وخُلْعَة -بالضمّ-. وأما حقيقته الشرعيّة، فهو فراق الرجل امرأته على عوض يحصل له. هكذا قال الحافظ العراقيّ في "شرح الترمذيّ"، وقال: هو الصواب. وقال كثير من الفقهاء: هو مفارقة الرجل امرأته على مال. وليس بجيّد، فإنه لا يشترط كون العوض في الخلع مالاً، فإنه لو خالعها بما لها عليه من دين، أو خالعها
стр. 14546
على قصاص لها عليه، فإنه صحيح، وإن لم يأخذ الزوج منها شيئًا، فلذلك عبّرت بالحصول، لا بالأخذ. انتهى "عمدة القاري" (١).
وقال في "الفتح": وذكر أبو بكر بن دُريد في "أماليه" أن أوّل خلع كان في الدنيا أن عامر بن الظرب -بفتح المعجمة، وكسر الراء، ثم موحّدة- زوّج ابنته من ابن أخيه عامر بن الحارث بن الظرب، فلما دخلت عليه نفرت منه، فشكا إلى أبيها، فقال: لا أجمع عليك فراق أهلك ومالك، وقد خلعتها منك بما أعطيتها. قال: فزعم العلماء أن هذا كان أول خلع في العرب انتهى.
وأما أول خلع وقع في الإسلام فهو الآتي في الحديث الثاني، في قصّة حبيبة بنت سهل - رضي اللَّه تعالى عنها -، فإنها أوّل مختلعة في الإسلام، كما أخرجه البزّار من حديث عمر ﵁. كما سيأتي.
وُيسمّى أيضًا فديةً، وافتداء. وأجمع العلماء على مشروعيته إلا بكر بن عبد اللَّه المزنيّ التابعيّ المشهور، فإنه قال: لا يحلّ للرجل أن يأخذ من امرأته في مقابل فراقها شيئًا؛ لقوله تعالى: ﴿فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا﴾، فأوردوا عليه قوله تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾، فادّعى نسخها بآية النساء (٢) ٠ أخرجه ابن أبي شيبة وغيره عنه. وتُعُقّب مع شذوذه بقوله تعالى في النساء أيضًا: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ الآية، وبقوله فيها: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا﴾ الآية، وبالحديث، وكأنه لم يثبت عنده، أو لم يبلغه، وانعقد الإجماع بعده على اعتباره، وأن آية النساء مخصوصة بآية البقرة، وبآيتي النساء الآخرتين.
وضابطه شرعًا فراق الرجل زوجته ببذل قابل للعوض، يحصل لجهة الزوج. وهو مكروه إلا في حال مخافة أن لا يقيما، أو أحدهما ما أمر به. وقد ينشأ ذلك عن كراهة العشرة، إما لسوء خَلْقٍ، أو خُلُق. وكذا ترفع الكراهة إذا احتاجا إليه خشية حنث يؤول إلى البينونة الكبرى. انتهى (٣). واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
٣٤٨٨ - (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ, قَالَ: أَنْبَأَنَا الْمَخْزُومِيُّ -وَهُوَ الْمُغِيرَةُ بْنُ سَلَمَةَ- قَالَ: حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ, عَنْ أَيُّوبَ, عَنِ الْحَسَنِ, عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, عَنِ النَّبِيِّ ﷺ , أَنَّهُ قَالَ: «الْمُنْتَزِعَاتُ, وَالْمُخْتَلِعَاتُ, هُنَّ الْمُنَافِقَاتُ». قَالَ الْحَسَنُ: لَمْ أَسْمَعْهُ مِنْ غَيْرِ أَبِي هُرَيْرَةَ.
стр. 14547
قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ: الْحَسَنُ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ أَبِي هُرَيْرَةَ شَيْئًا).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (إسحاق بن إبراهيم) ابن راهويه المترجم في الباب الماضي.
٢ - (المغيرة بن سلمة المخزوميّ) أبو هشام البصريّ، ثقة ثبت، من صغار [٩] ٢٨/ ٨١٥.
٣ - (وُهيب) بن خالد بن عجلان الباهليّ مولاهم، أبو بكر البصريّ، ثقة ثبت، لكنه تغيّر قليلاً بآخره [٧] ٢١/ ٤٢٧.
٤ - (أيوب) بن أبي تميمة كيسان السختيانيّ أبو بكر البصريّ، ثقة ثبت فقيه فاضل [٥] ٤٢/ ٤٨.
٥ - (الحسن) بن أبي الحسن يسار الأنصاريّ مولاهم، أبو سعيد البصريّ، ثقة فقيه
فاضل مشهور، لكنه كثير الإرسال والتدليس [٣] ٣٢/ ٣٦.
٦ - (أبو هريرة) - رضي اللَّه تعالى عنه - ١/ ١. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله عندهم رجال الصحيح، غيرأنه منقطع على ما قاله المصنّف، وسيأتي تحقيق القول في ذلك عند شرح كلامه، إن شاء اللَّه تعالى. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين، غير شيخه، فنيسابوريّ، وأبي هريرة، فمدنيّ (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ، أيوب، عن الحسن. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) - رضي اللَّه تعالى عنه - (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، أَنَّهُ قَالَ: "الْمُنْتَزِعَاتُ) أي التي تنزع نفسها من يد زوجها بما تدفعه له من العوض، وهو بمعنى قوله (وَالْمُخْتَلِعَاتُ) قال ابن الأثير -رحمه اللَّه تعالى-: يعني اللاتي يطلبن الخلع، والطلاق من أزواجهنّ بغير عذر، يقال: خَلَعَ امرأتَهُ خُلْعًا، وخالعها مخالعةً، واختلعت هي منه، فهي خالعٌ. وأصله من خلع الثوب. والخلع أن يطلّق زوجته على عوض، تبذُله له. وفائدته إبطال الرجعة إلا بعد عقد جديد. وفيه عند الشافعيّ خلافٌ، هل هو فسخٌ، أو طلاقٌ؟. وقد يُسمّى الخلع طلاقًا انتهى كلام ابن الأثير (١) (هُنَّ الْمُنَافِقَاتُ) أي إنهنّ كالمنافقات في كونهنّ لا
стр. 14548
يحقّ لهنّ دخول الجنّة، مع من يدخلها أوّلاً، ففيه تحريم الخلع على المرأة من غير ضرورة. وقد أخرج أحمد، وأبو داود، والترمذيّ بإسناد صحيح، عن ثوبان ﵁، قال: قال رسول اللَّه ﷺ "أيما امرأة، سألت زوجها طلاقا، في غير ما بأس، فحرام عليها رائحة الجنة". واللَّه تعالى أعلم.
(قَالَ: الْحَسَنُ) البصريّ -رحمه اللَّه تعالى- (لَمْ أَسْمَعْهُ مِنْ غَيْرِ أَبِي هُرَيْرَةَ) ولفظ "الكبرى": قال الحسن: "لم أسمعه من أحد غير أبي هريرة". يعني أنه لم يسمع هذا الحديث عن أبي هريرة ﵁ بواسطة، بل إنما سمعته من نفسه. وهذا صريحٌ على أن الحسن سمع من أبي هريرة ﵁، خلافًا لكلام المصنّف الآتي.
وهذا الذي وقع في "المجتبى"، و"الكبرى" من نصّ كلام الحسن هو الصواب، وقد وقع عند الحافظ ابن حجر في "الفتح"، و"التهذيب" بلفظ: "قال الحسن: لم أسمع من أبي هريرة غير هذا الحديث". ووقع لابن حزم في "المحلّى" بلفظ: "قال الحسن: لم أسمعه من أبي هريرة" وكلاهما تصحيف، والصواب ما هنا، وسيأتي تمام البحث فيه في كلام العلامة أحمد محمد شاكر -رحمه اللَّه تعالى-.
(قَالَ: أَبو عَبْد الرَّحْمَنِ) النسائيّ -رحمه اللَّه تعالى- (الْحَسَنُ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) - رضي اللَّه تعالى عنه - (شَيْئًا) وهذا الذي قاله المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، قاله غيره أيضًا، ومنهم أحمد، وأبو حاتم، وبهز بن أسد. وقال شعبة: قلت ليونس بن عبيد: سمع الحسن من أبي هريرة؟ قال: ما رآه قط.
لكن السند الذي عند المصنّف رجاله كلهم ثقات أثبات، وهو صريح لا يقبل التأويل في أن الحسن سمع من أبي هريرة ﵁.
ولقد أجاد البحث في هذه المسألة العلامة أحمد محمد شاكر -رحمه اللَّه تعالى- فيما كتبه على "مسند الإمام أحمد" -رحمه اللَّه تعالى-، وهاك نصّه:
وقد تكلّم العلماء كثيرًا في سماع الحسن من بعض الصحابة، وأشرنا إلى بعض ذلك مرارًا، وممن تحدّثوا في سماعه منه، فأكثروا أبو هريرة، ونشير إلى أقاويلهم، ومن رواها:
فروى ابن سعد في "الطبقات" ٧/ ١١٥/١ عن عليّ بن زيد بن جُدْعان، وعن يونس: لم يسمع الحسن من أبي هريرة. وروى ابن أبي حاتم في "المراسيل" ص ١٣ - ١٤ عن شعبة، قلت ليونس بن عُبيد: الحسن سمع من أبي هريرة؟ قال: لا، ولا رآه قط. وروى عن أيوب، وعليّ بن زيد، قالا: لم يسمع الحسن من أبي هريرة. وروى عن بهز، أنه سئل عن الحسن: من لقي من أصحاب النبيّ ﷺ ؟ قال: سمع من ابن عمر
стр. 14549
حديثًا، ولم يسمع من أبي هريرة، ولم يره. وقال ابن أبي حاتم: سمعت أبي يقول: لم يسمع الحسن من أبي هريرة. وسمعت أبا زرعة يقول: لم يسمع الحسن من أبي هريرة، ولم يره. قلت له: فمن قال: حدثنا أبو هريرة؟ قال يُخطىء. ثم أشار ابن أبي حاتم إلى رواية ربيعة بن كلثوم لهذا الحديث الذي يأتي قريبًا، إن شاء اللَّه تعالى، والتي يقول فيها: سمعت الحسن يقول: حدّثنا أبو هريرة الخ، وأن أباه أبا حاتم قال: لم يعمل ربيعة بن كلثوم شيئًا، لم يسمع الحسن من أبي هريرة شيئًا. ثم قال: قلت لأبي إن سالمًا الخيّاط روى عن الحسن، قال: سمعت أبا هريرة؟ قال: هذا ما يبيّن ضعف سالم.
وروى ابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" ١/ ٢/ ٤١ عن أبيه أيضًا، قال أبي: قال بعضهم: عن الحسن: حدثنا أبو هريرة، قال ابن أبي حاتم إنكارًا عليه أنه لم يسمع من أبي هريرة.
وقال ابن حبّان في "كتاب الضعفاء" ص ٢٢٩ في ترجمة سالم بن عبد اللَّه الخياط:
يقلب الأخبار، ويزيد فيها ما ليس منها، يجعل روايات الحسن عن أبي هريرة سماعًا، ولم يسمع الحسن من أبي هريرة شيئًا.
قال: الشيخ أحمد شاكر: وأكثر هذه الروايات منقول في "التهذيب" في ترجمة الحسن، وهي -عندي- أقوال مرسلة على عواهنها، يقلّد بعضهم بعضًا، دون نظر إلى سائر الروايات التي تُثبت سماعه من أبي هريرة، ودون نظر إلى القواعد الصحيحة في الرواية:
فإن الراجح عند أهل العلم بالحديث أن المعاصرة كافيةٌ في الحكم بالاتّصال، إلا أن يثبت في حديث بعينه أن الراوي لم يسمعه ممن روى عنه، أو يثبت أنه كثير التدليس، والمتشدّدون -كالبخاريّ- يشترطون اللُّقِيّ، أي يثبت أن الراوي لقي من حدّث عنه، ولو أن يثبت ذلك في حديث واحد، فإذا ثبت اللُّقيّ حمل سائر الروايات على الاتصال، إلا أن يثبت أيضًا في حديث بعينه عدم سماعه.
وأن الراوي الثقة إذا قال في روايته: حدّثنا، أو سمعت، أو نحو ذلك كان ذلك قاطعًا في لقائه من روى عنه، وفي سماعه منه، وكان ذلك كافيًا في حمل كلّ رواياته عنه على السماع، دون حاجة إلى دليل آخر، إلا فيما ثبت أنه لم يسمعه، وهذا شيء بديهيّ؛ لأن الراوي إذا روى أنه سمع من شيخه، مصرّحًا بذلك، ولم يكن قد سمع منه، لم يكن راويًا ثقة، بل كان كذّابًا لا يؤتمن على الرواية.
أما معاصرة الحسن لأبي هريرة، فما أظنّ أن أحدًا يشكّ فيها، أو يتردّد، فأبو هريرة
стр. 14550
مات سنة (٥٧ هـ) وكانت سق الحسن إذ ذاك (٣٦) سنة. وأما من ادّعى أن الحسن لم يلق أبا هريرة، فأنّى له أن يُثبت ذلك؟ وهو إنما يجزم بنفي مطلق، تنقضه الروايات الأخرى الثابتة التي إذا جمُعت، ونُظر فيها بعين الإنصاف، دون التكلّف والتمحّل لم تدع شكَّا في ذلك.
فروى ابن أبي حاتم في "المراسيل" ص١٣ بإسناد صحيح عن شعبة، عن قتادة، قال: قال الحسن: إن واللَّه ما أدركنا حتى مضى صدر أصحاب محمد الأول. قال قتادة: إنما أخذ الحسن، عن أبي هريرة، قلت له -القائل شعبة-: زعم زياد الأعلم أن الحسن لم يلق أبا هريرة؟ قال: لا أدري. وقتادة تابعي أيضًا، أصغر من الحسن، مات بعده بسبع سنين، وهو من أعلم أصحاب الحسن، كما قال أبو زرعة. وقال أبو حاتم في "الجرح والتعديل" ٣/ ٢/ ١٣٥: أكثر أصحاب الحسن قتادة، وأثبت أصحاب أنس الزهريّ، ثم قتادة.
فهذا قتادة يجزم بأن الحسن إنما أخذ عن أبي هريرة، بكلمة عامّة مطلقة، يفهم سامعها أن الحسن أخذ عن أبي هريرة العلم، لا أنه أخذ منه حديثًا واحدًا، أو أحاديث معدودةً، وقتادة من أعلم الناس بالحسن، فأنّى تؤثّر كلمة زياد بن حسّان الأعلم التي اعترض بها شعبة بصيغة تُشعر بالتمريض؟ ولذلك لم يجد قتادة جوابًا إلا أن يقول: لا أدري، لا يريد بذلك أنه يشكّ فيما عرف عن شيخه، إنما يشكّ فيما زعم زياد الأعلم، ويوحي باستنكاره، ومن فهم غير هذا، فإنما يُخطىء مواقع الكلام.
ثم قد جاءت روايات صحيحة فيها تصريح الحسن بالسماع من أبي هريرة، مجموعها لا يدع ارتيابًا في صحّة ذلك، وإن فرّقها العلماء في مواضع، وحاول بعضهم أن يتأول ما وقع إليه منها بما وقر في نفوسهم من النفي المطلق، حتى جعلوه جرحًا لبعض الرواة، كما صنع ابن حبّان -فيما حكينا عنه من قبل- في شأن سالم الخيّاط.
ولكن الحافظ ابن حجر لم يستطع أمام بعض الروايات الثابتة، إلا أن ينقض هذا النفي المطلق بحديث واحد، لم يجد منه مناصًا، فقال في "التهذيب" ٢: ٢٦٩ - ٢٧٠ بعد ذكره ذلك الحديث: وهذا إسناد لا مطعن في أحد من رواته، وهو يؤيّد أنه سمع من أبي هريرة في الجملة. وقال في "الفتح" ٩/ ٣٥٤ في الحديث نفسه: وما المانع أن يكون سمع هذا منه فقط، وسنذكر كلامه مفصّلاً، واستدراكنا عليه فيما يأتي في هذا البحث، إن شاء اللَّه.
وقد جمعت ما استطعت مما صرّح فيه الحسن بالسماع من أبي هريرة، ولم أستقص، فما ذلك في مقدوري، ولكن فيما سأذكر مقنعٌ لمن شاء أن يقنع، واللَّه وليّ التوفيق.
стр. 14551
١ - حديث هذا الباب الذي نشرحه (٧١٣٨) -يعني في "مسند أحمد" - رواه ابن سعد في "الطبقات" ٧/ ١/ ١١٥: أخبرنا مسلم بن إبراهيم، قال: حدّثنا ربيعة بن كلثوم، قال: سمعت رجلاً قال للحسن: يا أبا سعيد، يوم الجمعة يوم لثق وطين ومطر؟ فأبى عليه الحسن إلا الغسل، فلما أبى عليه قال الحسن: حدثنا أبو هريرة، قال: عهد إليّ رسول اللَّه ﷺ ثلاثًا: الغسل يوم الجمعة، والوتر قبل النوم، وصيام ثلاثة أيام من كلّ شهر.
وهذا هو الحديث أشار إليه ابن أبي حاتم في "المراسيل" فيما نقلناه عنه آنفًا، أنه سأل عنه أباه؟ فقال أبوه أبو حاتم: لم يعمل ربيعة بن كلثوم شيئًا، لم يسمع الحسن من أبي هريرة شيئًا. وكيف كان هذا؟ لا أدري إنما هو نفي مطلقٌ، وتحكّم ما بعده تحكّم. فربيعة بن كلثوم بن جبر ثقة، وثّقه ابن معين، والعجليّ وغيرهما، وقال أحمد بن حنبل: صالحٌ، وللنسائيّ فيه قولان متقاربان: ليس به بأس، وليس بالقويّ. وترجمه البخاريّ في "الكبير" ٢/ ١/ ٢٢٦ فلم يذكر فيه جرحًا، وابن أبي حاتم ١/ ٢/ ٤٧٧ - ٤٧٨ وروى توثيقه عن ابن معين، وذكره ابن حبّان في "الثقات"، وأخرج له مسلم في "صحيحه".
فهذا إسنادٌ صحيح حجة في تصريح الحسن بسماعه من أبي هريرة، بل إن فيه قصّة تدلّ على تثبّت راويه، إذ شهد سؤال الرجل للحسن، وجواب الحسن إياه. وقد ذكر البخاريّ في "الكبير" ٢/ ٢/ ١٧ رواية ربيعة هذه بإشارته الدقيقة كعادته، حين أشار إلى روايات هذا الحديث، والخلاف بين رواته في غسل الجمعة، أو صلاة الضحى، وذلك في ترجمة سليمان بن أبي سليمان، فقال: وقال موسى: حدثنا ربيعة، عن الحسن، نا أبو هريرة … نحوه، وقال الغسل يوم الجمعة. فموسى: هو ابن إسماعيل التبوذكيّ، شيخ البخاريّ، وربيعة هو ابن كلثوم، وهذه الرواية عند البخاريّ تؤيّد ما ذهبنا إليه من صحّة سماع الحسن من أبي هريرة، إذ من عادة البخاريّ أن يشير إلى العلة في الإسناد، أو في الراوي، إذا كان يرى علّة، أما وقد ساق هذا الإسناد، وفيه تصريح الحسن بالسماع من أبي هريرة، ولم يعقب عليه: فإنه يدلّ على صحّة سماعه منه عنده.
٢ - وروى ابن سعد أيضًا: حدّثنا بن إبراهيم, قال حدّثنا أبو هلال محمد بن سُليم, قال: سمعت الحسن يقول: كان موسى نبيّ اللَّه لا يغتسل إلا مستترًا, قال: فقال له عبد اللَّه ابن بُريدة: يا أبا سعيد, ممن سمعت هذا؟ قال: سمعته من أبي هريرة.
وهذا إسناد صحيحٌ، أبو هلال الراسبيّ محمد بن سُليم وثّقه أبو داود. وقال ابن معين: ليس به بأس، وليس بصاحب كتاب. وقال ابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" ٣/ ٢/ ٢٧٣ - ٢٧٤: قال أبي: أدخله البخاريّ في "كتاب الضعفاء"، فسمعت.
стр. 14552
أبي يقول: يُحوّل من "كتاب الضعفاء"، وكلمة البخاريّ في "الضعفاء" ص٣١ هي كلمته في "الكبير" ١/ ١/ ١٠٥ قال: كان يحيى بن سعيد لا يروي عنه، وابن مهديّ يروي عنه. قال أحمد شاكر: وعندي أن من تكلّم فيه إنما تكلّم في حفظه في روايته عن قتادة خاصّة، فقد روى ابن أبي حاتم، عن أبي بكر الأثرم، قال: سألت أبا عبد اللَّه أحمد بن حنبل عن أبي هلال -يعني الراسبيّ؟ - قال: قد احتُمل حديثه، إلا أنه يخالف في حديث قتادة، وهو مضطرب الحديث في قتادة.
فهذا إسناد يصلح للاحتجاج به في سماع الحسن من أبي هريرة؛ لأن راويه أبا هلال الراسبيّ لم يروه عن قتادة الذي يضطرب روايته عنه، بل رواه عن الحسن، وسياق الرواية يدلّ على أنه حفظ القصّة، فذكرها مفصّلةً، وشهد عبد اللَّه بن بُريدة، وهو يسأل الحسن: ممن سمعت هذا؟، وسمع جوابه: سمعته من أبي هريرة، ومثل هذا التفصيل يدلّ على توثّق الراوي مما سمع، وحفظه إياه.
٣ - وروى ابن سعد أيضًا: أخبرنا معن بن عيسى, قال: حدّثنا محمد بن عمرو, قال: سمعت الحسن يقول: سمعت أبا هريرة يقول: "الوضوء مما غيّرت النار". قال: فقال الحسن: لا أدعه أبدًا.
فهذا إسناد جيّد، يصلح للمتابعات والشواهد على الأقلّ؛ لأن راويه محمد بن عمرو هو الأنصاريّ الواقفيّ، أبو سهل، ضعّفه يحيى القطّان، وغيره، ولكن ترجمه البخاريّ في "الكبير" ١/ ١/ ١٩٤، فلم يذكر فيه جرحًا، ولم يذكره هو ولا النسائيّ في "الضعفاء"، واضطرب فيه ابن حبّان، فذكره في "الثقات"، ثم أعاده في "الضعفاء"، كما في "التهذيب"، بل جزم ابن حزم في "المحلّى" بتوثيقه، فروى ٤/ ٢٥٦ حديثًا آخر من طريقه، ثم قال: وأبو سهل محمد بن عمرو الأنصاريّ، ثقة، روى عنه ابن مهديّ، ووكيع، ومعمرٌ، وعبد اللَّه بن المبارك، وغيرهم.
وروى الإمام أحمد في "المسند" -٨٧٢٧ - : حدّثنا أبو سعيد مولى بني هاشم، حدّثنا عبّاد بن راشد، حدّثنا الحسن، حدثنا أبو هريرة، إذ ذاك، ونحن بالمدينة … فذكر حديثًا. ثم قال عبد اللَّه بن أحمد عقب روايته: "عباد بن راشد ثقة"، ولكن لم يسمع الحسن من أبي هريرة. ونقله ابن كثير في "تفسيره" ٢/ ١٨٠ - ١٨١ عن "المسند" مع استدراك عبد اللَّه بن أحمد.
وروى الطيالسيّ قطعة منه في "مسنده" -٢٤٧٢ - قال: حدثنا عبّاد بن راشد، قال: حدّثنا الحسن، قال: حدّثنا أبو هريرة، ونحن بالمدينة. ولم يستدرك الطيالسيّ عقبه بشيء.
стр. 14553
فهذا الاستدراك من عبد اللَّه بن أحمد، ومثله فيما سيأتي استدراك النسائيّ من أعجب ما رأيت من دون دليل، إلا التقليد الصرف.
عبّاد بن راشد التميميّ البصريّ، ثقة، قال أحمد بن حنبل: شيخ ثقة صدوق صالح. ووثقه العجليّ، والبزّار، وغيرهما، وضعّفه أبو داود وغيره، وذكره البخاريّ في "الضعفاء" ص ٢٣ وقال: روى عنه ابن مهديّ، يهم شيئًا، وتركه يحيى القطّان. فقال ابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" ٣/ ١/ ٧٩: سألت أبي عن عباد بن راشد؟ فقال: صالح، واْنكر على البخاريّ إدخال اسمه في "كتاب الضعفاء"، وقال: يُحوّل من هناك، ومع ذلك فقد روى له البخاريّ في "صحيحه"، وزعم الحافظ في "التهذيب" ٥/ ٩٢ أنه روى له مقرونًا بغيره، وحديثه عند البخاريّ ٨/ ١٤٣ غير مقرون بأحد، وقد غيّر الحافظ العبارة في "مقدّمة الفتح" ص٤١٠، فقال: له في "الصحيح" حديث واحد في تفسير سورة البقرة بمتابعة يونس له، والمتابعة التي أشار إليها جاء بها البخاريّ معلّقة عقب رواية عبّاد، وليس التعليق عند البخاريّ كالموصول، فرواية عباد عنده في ذلك أصل. فالراوي الثقة عند أحمد، وابنه عبد اللَّه، يروي عن الحسن سماعًا منه أنه قال: حدّثنا أبو هريرة إذ ذاك، ونحن بالمدينة، ثم لا ينفرد بتصريح الحسن بالسماع من أبي هريرة، بل يتابعه فيه ثقات آخرون، ممن ذكرنا قبل، وممن نذكر بعد، ثم يقال: ولكن الحسن لم يسمع من أبي هريرة، لا أدري ماذا أقول؟ إلا أن أستغفر لمن صنع هذا، فاخطأ، رحمنا اللَّه وإياهم.
٥ - وروى النسائيّ ٢/ ١٠٤: أخبرنا إسحاق بن إبراهيم إلى آخر حديث الباب.
ثم عقّب النسائيّ على هذا الحديث بقوله: قال أبو عبد الرحمن: لم يسمع الحسن من أبي هريرة شيئًا.
قال ابن شاكر: وهذا هو الاستدراك الآخر بالعسف والتحكم الذي أشرنا إليه آنفًا حديث صحيح الإسناد على شرط الشيخين، لا مطعن في أحد من رواته يصرّح فيه الحسن بأنه لم يسمعه من غير أبي هريرة، ثم يقال من غير دليل، ولا حجة: لم يسمع الحسن من أبي هريرة شيئًا.
قال: وكلمة الحسن التي في رواية النسائيّ قاطعة في إثبات سماعه من أبي هريرة، دون حاجة إلى دليل آخر، ومع ذلك فقد تأيّدت صحّتها بما سُقنا من الروايات قبل. وهي ثابتة بهذا النصّ حرفيًّا في طبعة مصر -كما ذكرنا- وفي طبعة الهند ص ٥٤٧ وفي المخطوطتين اللتين عندي، وإحداهما نسخة الشيخ عابد السنديّ، وهي موثقة التصحيح، كما قلنا مرارًا.
стр. 14554
وقد نقلها حافظان كبيران عن النسائيّ محرّفة على غير هذا النصّ، وتحريفها عندهما لا ينفي سماع الحسن من أبي هريرة، بل يُثبته، كما سنذكره، حتى إن أحدهما، وهو الحافظ ابن حجر لم يجد مناصًا من القول بسماعه منه في الجملة، ونقض النفي العامّ الذي قلّد فيه بعضهم بعضًا:
فنقلها ابن حزم في "المحلّى" ١٠/ ٢٣٦، إذ روى الحديث من طريق النسائيّ، وذكرها بلفظ: قال الحسن لم أسمع من أبي هريرة، ثم بني عليها عدم صحّة ذلك الحديث عنده، فقال: فسقط بقول الحسن أن نحتجّ بذلك الخبر.
فهذه الرواية لكلمة الحسن وقعت لابن حزم على اللفظ الذي نقله، ولعلّ الغلط فيها من بعض الناسخين، أو الرواة الذين أخذ عنهم كتاب النسائيّ، ولذلك احتجّ باللفظ الذي وقع له، مستدلاًّ به على أن هذا الحديث بعينه ضعيف؛ لتصريح الحسن في الرواية التي عنده بأنه لم يسمعه من أبي هريرة. ونسخ كتاب النسائيّ الصحيحة هي على اللفظ الذي نقلناه.
ومع هذا فإن اللفظ الذي وقع لابن حزم لو صحّ عن الحسن كان دليلاً على سماعه من أبي هريرة بمفهوم الكلام وإيمائه، إذ ينصّ على أنه لم يسمع هذا الحديث بعينه من أبي هريرة، فيؤخذ منه أنه معروفٌ بالسماع منه، وأن ما يرويه عنه إنما يرويه سماعًا، ولذلك نصّ على الحديث الذي لم يسمعه؛ لئلا يُحمل على ما عُرف عنه.
ووقعت كلمة الحسن للحافظ ابن حجر بلفظ: قال الحسن: لم أسمع من أبي هريرة غير هذا الحديث. نقلها في "الفتح" ٩/ ٣٥٤، و"تهذيب التهذيب" ٢/ ٢٦٩ - ٢٧٠، وعقّب عليها في الموضعين بما يُفيد تسليمه بسماع الحسن من أبي هريرة.
فقال في "التهذيب": أخرجه -يعني النسائيّ- عن إسحاق بن راهويه، عن المغيرة بن سلمة، عن وُهيب، عن أيوب، وهذا إسناد لا مطعن في أحد من رواته، وهو يؤيّد أنه سمع من أبي هريرة في الجملة.
وقال في "الفتح": وقد تأوله بعضهم على أنه أراد لم يسمع هذا إلا من حديث أبي هريرة، وهو تكلّف، وما المانع أن يكون سمع هذا منه فقط، وصار يُرسل عنه غير ذلك.
فلم يستطع الحافظ أن يتفضى من دلالة كلمة الحسن على اللفظ الذي وقع له، واضطرّ إلى التسليم بسماع الحسن من أبي هريرة في الجملة.
واللفظ الثابت في كتاب النسائيّ بيّنٌ واضحٌ، صريحٌ في السماع، دالّ بإيمائه على أن الحسن لم يسمع حديث "المختلعات" من أحد من الصحابة غير أبي هريرة، وعلى أن
стр. 14555
سماعه من أبي هريرة معروفٌ، ليس موضع شكّ، أو تردّد، انتهى المقصود من كلام العلامة أحمد محمد شاكر -رحمه اللَّه تعالى- (١).
وقال الشيخ الألباني في "سلسلته الصحيحة" بعد أن ذكر رواية المصنّف:
وبالجملة فهذا الإسناد متّصل صحيح، فلا يُلتفت إلى إعلال النسائيّ له بالانقطاع؛ لأنه يلزم منه أحد أمرين: إما تكذيب الحسن البصريّ في قوله المذكور، وإما توهيم أحد الرواة الذين رووا ذلك عنه، وكلّ منهما لا سبيل إليه، أما الأول فواضحٌ، وأما الآخر، فلأنه لا يجوز توهيم الثقات بدون حجّة، أو بيّنة، وهو واضح بيّن. ثم ذكر للحديث شواهد من أحاديث: أنس بن مالك، وعبد اللَّه بن مسعود، وثوبان، وعقبة بن عامر ﵃، وكلّها فيها مقالٌ، غير أنها تصلح للاستشهاد بها، فراجع ما كتبه في "صحيحته" ٢/ ٢١٠ - ٢١٤ رقم الحديث ٦٣٢.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: خلاصة القول في هذه المسألة أن الراجح ثبوت سماع الحسن من أبي هريرة ﵁، وصحّة حديث الباب؛ حيث إنه متّصل الإسناد، ورجاله ثقات، لا مطعن في أحد منهم. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث أبي هريرة - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا صحيح.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٣٤/ ٣٤٨٨ - وفي "الكبرى" ٣٥/ ٥٦٥٥. وأخرجه (أحمد) في "باقي مسند المكثرين" ٩٠٩٤. واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان ما ورد في حكم الخلع. (ومنها): أن فيه تحريم الخلع من غير حاجة تدعو إليه، كما بينته الآية: ﴿إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾ الآية. (ومنها): أن الخلع بلا حاجة يعتبر نفاقًا، وقد تقدّم حديث ثوبان ﵁، مرفوعًا: "أيما امرأة سألت زوجها طلاقا في غير ما بأس، فحرام عليها رائحة الجنّة". قيل: هو على نهج الوعيد والمبالغة في التهديد، أو وقوع ذلك متعلّقٌ بوقت دون وقت، أي لا تجد رائحة الجنّة أول ما يجدها المحسنون، أو لا تجدها أصلاً، وهذا
стр. 14556
من المبالغة في التهديد، ونظير ذلك كثير. قاله القاضي. ولا بدّع أنها تُحرم لذّة الرائحة، ولو دخلت الجنّة. قاله القاري (١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الحاصل أن الأَوْلَى أن يُحمل الوعيد المذكور ونحوه على من كانت مستحلّة مع علمها بتحريمه، فلا تجد رائحة الجنّة، أي لا تدخل الجنّة، فتجد ريحها، فيكون منعها منعًا مؤبّدًا، لكفرها باستحلالها ما حرّم اللَّه تعالى، وإن كانت لا تستحلّه، بل تعلم أنها عاصية، فمنعها يكون منعًا أوليًّا، فلا تدخل مع من لم يقترف ذنبًا أصلاً، بل إنما تدخل بعد أن تعذّب، بقدر ذنبها، إلا أن يعفو اللَّه تعالى عنها، وهكذا في كلّ نصّ جاء على هذا النحو. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٤٨٩ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ, قَالَ: أَنْبَأَنَا ابْنُ الْقَاسِمِ, عَنْ مَالِكٍ, عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ, عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ, أَنَّهَا أَخْبَرَتْهُ, عَنْ حَبِيبَةَ بِنْتِ سَهْلٍ, أَنَّهَا كَانَتْ تَحْتَ ثَابِتِ بْنِ قَيْسِ بْنِ شَمَّاسٍ, وَأَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ , خَرَجَ إِلَى الصُّبْحِ, فَوَجَدَ حَبِيبَةَ بِنْتَ سَهْلٍ عِنْدَ بَابِهِ فِي الْغَلَسِ, فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَنْ هَذِهِ؟» , قَالَتْ: أَنَا حَبِيبَةُ بِنْتُ سَهْلٍ, يَا رَسُولَ اللهِ, قَالَ: «مَا شَأْنُكِ؟». قَالَتْ: لَا أَنَا, وَلَا ثَابِتُ بْنُ قَيْسٍ. لِزَوْجِهَا, فَلَمَّا جَاءَ ثَابِتُ بْنُ قَيْسٍ, قَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «هَذِهِ حَبِيبَةُ بِنْتُ سَهْلٍ, قَدْ ذَكَرَتْ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ تَذْكُرَ» , فَقَالَتْ حَبِيبَةُ: يَا رَسُولَ اللهِ, كُلُّ مَا أَعْطَانِي عِنْدِي, فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِثَابِتٍ: «خُذْ مِنْهَا» , فَأَخَذَ مِنْهَا, وَجَلَسَتْ فِي أَهْلِهَا).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (محمد بن سلمة) بن أبي فاطمة المراديّ الْجَمَليّ، أبو الحارث المصريّ، ثقة ثبت [١١] ١٩/ ٢٠.
٢ - (ابن القاسم) هو عبد الرحمن الْعُتَقيّ، أبو عبد اللَّه المصريّ، ثقة فقيه، من كبار [١٠] ١٩/ ٢٠.
٣ - (مالك) بن أنس إمام دار الهجرة، أبو عبد اللَّه الفقيه الثبت الحجة [٧] ٧/ ٧.
٤ - (يحيى بن سعيد) بن قيس الأنصاريّ، أبو سعيد المدنيّ القاضي، ثقة ثبت [٥] ٢٢/ ٢٣.
٥ - (عمرة بنت عبد الرحمن) بن سعد بن زُرارة الأنصاريّة المدنيّة، ثقة [٣] ١٣٤/ ٢٠٣.
стр. 14557
٦ - (حبيبة بنت سهل) بن ثعلبة بن الحارث بن زيد بن ثعلبة بن غَنْم بن مالك بن النجّار الأنصاريّة. روى حديثها يحيى بن سعيد الأنصاريّ، عن عمرة، عنها أنها كانت تحت ثابت بن قيس بن شمّاس. وقد اختُلف فيه على يحيى بن سعيد، وعلى عمرة بنت عبد الرحمن. وقيل: إن التي اختلعت من ثابت بن قيس بن شَمّاس جميلة بنت أُبيٍّ ابن سَلُولَ. قال بعض العلماء: وجائزٌ أن يكون كلّ واحدة منهما اختلعت منه. وقيل: إن النبيّ ﷺ كان عزم على تزويجها، ثم تركها، فتزوّجها ثابت، ثمّ اختلعت منه. وذكر ابن سعد في "الطبقات" عن يحيى بن سعيد الأنصاريّ، قال: كان رسول اللَّه ﷺ قد همّ أن يتزوّج حبيبة بنت سهل، وهي إحدى عمّاتي، ثم ذكر غيرة الأنصار، فكره أن يسوءهم.
وسيأتي تمام البحث في هذا في الحديث التالي، إن شاء اللَّه تعالى. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخه، وشيخ شيخه، فمصريان. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّة. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ حَبِيبَةَ بِنْتِ سَهْلٍ) - رضي اللَّه تعالى عنها - (أَنَّهَا كَانَتْ تَحْتَ ثَابِتِ بْنِ قَيْسِ بْنِ شَمَّاسٍ) بن مالك بن امرئ القيس الخزرجيّ، أبي عبد الرحمن، ويقال: أبو محمد المدنيّ، خطيب النبيّ ﷺ . روى عن النبيّ ﷺ . وعنه أولاده: محمد، وقيس، وإسماعيل، وأنس بن مالك، وعبد الرحمن بن أبي ليلى. واستُشهد باليمامة في خلافة أبي بكر الصّدّيق سنة (١٢هـ)، شهد بدرًا (١)، والمشاهد كلّها، ودخل عليه النبيّ ﷺ ، وهو عليل، فقال: "أذهب الباس ربّ الناس عن ثابت بن قيس بن شمّاس". وقال النبيّ ﷺ : "نعم الرجل ثابت بن قيس بن شمّاس". رواه الترمذيّ بإسناد حسن. وبشّره النبيّ ﷺ بالجنّة في قصّة رواها موسى بن أنس، عن أبيه. وفي البخاريّ مختصرًا، والطبرانيّ مطوْلاً عن أنس ﵁، قال: لَمّا انكشف الناس يوم اليمامة قلتُ لثابت بن قيس: ألا ترى يا عمّ؟ ووجدته يتحنّط، فقال: ما هكذا كنّا نفعل مع رسول اللَّه ﷺ ، بئسما عوّدتم أقرانكم، اللَّهمّ إني أبرأ إليك مما جاء به هؤلاء، ومما صنع هؤلاء، ثم قاتل حتّى قُتل، وكان عليه درع نفيسةٌ، فمرّ به رجلٌ مسلمٌ، فأخذها، فبينما رجلٌ من المسلمين نائمٌ أتاه
стр. 14558
ثابت في منامه، فقال: إني أوصيك بوصيّة، فإياك أن تقول هذا حُلُم، فتضيّعه، إني لما قُتلت أخذ درعي فلانٌ، ومنزله في أقصى الناس، وعند خبائه فرسٌ تستنّ (١)، وقد كفأ على الدرع بُرْمة، وفوقها رَحْلٌ، فَأْتِ خالدًا، فمُرْه، فليأخذها، وليقُل لأبي بكر: إن عليّ من الدين كذا وكذا، وفلانٌ عتيقٌ، فاستيقظ الرجل، فأتى خالدًا، فأخبره، فبعث إلى الدرع، فأُتي بها، وحدّث أبا بكر برؤياه، فأجاز وصيّته. ورواه البغويّ من وجه آخر عن عطاء الخراسانيّ، عن بنت ثابت بن قيس مطوّلاً (٢). ليس له رواية عند المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وإنما أورده خلال هذه القصّة، وأخرج له في "عمل اليوم والليلة"، وله حديث واحد في "صحيح البخاري"، وحديثان عند أبي داود.
(وَأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، خَرَجَ إِلَى الصُّبْحِ) أي إلى أداء صلاة الصبح جماعةً في المسجد (فَوَجَدَ حَبِيبَةَ بِنْتَ سَهْل عِنْدَ بَابِه) أي باب رسول اللَّه ﷺ (فِي الْغَلَسِ) بفتحتين: أول الصبح حتى ينتشر في الآفاق، وكذلك الْغَلَس -بالباء- وهما سواد مختلط ببياض وحمرة، مثل الصبح سواء. وفي الحديث الصحيح: "كان يصلي الصبح بغلس": ظلمة آخر الليل إذا اختلط بضوء الصباح. أفاده في "اللسان" (فَقَالَ: رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ هَذِهِ؟ "، قَالَتْ: أَنَا حَبِيبَةُ بِنْتُ سَهْلٍ، يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: "مَا شَأْنكِ؟ ") استفهام عن سبب حضورها في وقت لا يليق لمثلها أن تخرج من بيتها (قَالَتْ: لَا أَنَا، وَلَا ثَابِتُ بْنُ قَيْسٍ) أي لا يمكن الاجتماع بيننا. قال السنديّ: يحتمل أن "لا" الثانية مزيدة، والخبر محذوفٌ بعدهما: أي مجتمعان، أي لا يمكن الاجتماع. ويحتمل أنها غير زائدة، وأن خبر كلٍّ محذوف، أي لا أنا مجتمعة مع ثابت، ولا ثابت مجتمعٌ معي انتهى (لِزَوْجِهَا) اللام للتبيين، أي قالت هذا الكلام لأجل زوجها (فَلَمَّا جَاءَ ثَابتُ بْنُ قَيْسٍ) ﵁ إلى مجلس رسول اللَّه ﷺ (قَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "هَذِهِ حَبِيبَةُ بِنْتُ سَهْلٍ، قَدْ ذَكَرَتْ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ تَذْكُرَ") أي من الشكوى منه من أنها تُبغضه، وفي رواية أنه كسر يدها (فَقَالَتْ: حَبِيبَةُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كُلُّ مَا أَعْطَانِي عِنْدِي) تعني المهر الذي دفع لها حينما تزوّجها
(فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : لِثَابتٍ: "خُذْ مِنْهَا") أي ما أعطيتها، فالمفعول محذوفٌ، وفيه جواز أخذ جميع ما أعطاها من المهر، وفيه اختلاف بين العلماء، سيأتي تحقيقه في مسائل الحديث التالي، إن شاء اللَّه تعالى (فَأَخَذَ مِنْهَا، وَجَلَسَتْ فِي أَهْلِهَا) أي لأنه لا سكنى لها. ولم يذكر في هذه الرواية الأمر بطلاقها، وقد اختلف العلماء، هل الخلع فسخ، أم طلاق، وسيأتي تحقيق ذلك في مسائل الحديث التالي، إن شاء اللَّه تعالى. واللَّه تعالى
стр. 14559
أعلم بالصواب، د إليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث حبيبة بنت سهل - رضي اللَّه تعالى عنها - هذا صحيح.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٣٤/ ٣٤٨٩ - وفي "الكبرى" ٣٥/ ٥٦٥٦. وأخرجه (د) في "الطلاق" ٢٢٢٧ و (أحمد) في "مسند القبائل" ٢٦٨٩ (الموطأ) في "الطلاق" ١١٩٨ (الدارمي) في "الطلاق" ٢٢٧١. وبقية المسائل ستأتي في الحديث التالي، إن شاء اللَّه تعالى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٤٩٠ - (أَخْبَرَنَا أَزْهَرُ بْنُ جَمِيلٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ, قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ, عَنْ عِكْرِمَةَ, عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ, أَنَّ امْرَأَةَ ثَابِتِ بْنِ قَيْسٍ, أَتَتِ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ, ثَابِتُ بْنُ قَيْسٍ, أَمَا إِنِّي مَا أَعِيبُ عَلَيْهِ فِي خُلُقٍ, وَلَا دِينٍ, وَلَكِنِّي أَكْرَهُ الْكُفْرَ فِي الإِسْلَامِ, فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «أَتَرُدِّينَ عَلَيْهِ حَدِيقَتَهُ؟» , قَالَتْ: نَعَمْ, قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «اقْبَلِ الْحَدِيقَةَ, وَطَلِّقْهَا تَطْلِيقَةً»).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (أزهر بن جميل) الهاشميّ مولاهم، أبو محمد البصريّ الشّطّيّ، صدوق يُغرب [١٠] ٦٤/ ٢٥٥٤.
٢ - (عبد الوهّاب) بن عبد المجيد بن الصَّلْت الثقفيّ، أبو محمد البصريّ، ثقة تغيّر قبل موته بثلاث سنين [٨] ٤٢/ ٤٨.
٣ - (خالد) بن مهران الحذّاء، أبو الْمُنَازل البصريّ، ثقة يرسل [٥] ٧/ ٦٣٤.
والباقيان تقدّما في الباب الماضي. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين. (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: خالدٌ، عن عكرمة. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ) - رضي اللَّه تعالى عنهما - (أَنَّ امْرَأَةَ ثَابِتِ بْنِ قَيْسٍ) هي جميلة، وليست هي حبيبة بنت سهل المذكورة في الحديث الماضي، بل هي غيرها، على الراجح،
стр. 14560
وأنها وقع لها الخلع قبل هذه، فإنها أول مختلعة في الإسلام، كما سبق بيانه أول الباب. قال في "الفتح" عند شرح هذا الحديث: وأبهم في هذه الطريق اسم المرأة، وفي الطريق التي بعدها، وسمّيت في آخر الباب (١) في طريق حمّاد بن زيد، عن أيّوب، عن عكرمة مرسلاً جميلة. ووقع في الرواية الثانية أنها أخت عبد اللَّه بن أبيّ -يعني كبير الخزرج، ورأس النفاق- فظاهره أنها جميلة بنت أُبيّ. ويؤيّده أن في رواية قتادة، عن عكرمة، عن ابن عبّاس: "أن جميلة بنت سلول جاءت … " الحديث. أخرجه ابن ماجه، والبيهقيّ، وسَلُول امرأة اختُلف فيها، هل هي أمّ أُبيّ، أو امرأته. ووقع في رواية النسائيّ (٢)، والطبرانيّ، من حديث الرُّبَيع بنت مُعوّذ أن ثابت بن قيس بن شَمّاس ضرب امرأته، فكسر يدها، وهي جميلة بنت عبد اللَّه بن أبيّ، فأتى أخوها يشتكي إلى رسول اللَّه ﷺ … الحديث. وبذلك جزم ابن سعد في "الطبقات"، فقال: جميلة بنت عبد اللَّه ابن أبي أسلمت، وبايعت، وكانت تحت حنظلة بن أبي عامر، غسيل الملائكة، فقُتل عنها بأُحُد، وهي حامل، فولدت له عبد اللَّه بن حنظلة، فخلف عليها ثابت بن قيس، فولدت له ابنه محمدًا، ثم اختلعت منه، فتزوّجها مالك بن الدخشم، ثم خُبيب بن
стр. 14561
أساف. ووقع في رواية حجّاج بن محمد، عن ابن جُريج: أخبرني أبو الزبير: "أن ثابت ابن قيس بن شمّاس، كانت عنده زينب بنت عبد اللَّه بن أُبيّ ابن سلول، وكان أصدقها حديقة، فكرهته … " الحديث. أخرجه الدارقطنيّ، والبيهقيّ، وسنده قويّ مع إرساله. ولا تنافي بينه وبين الذي قبله لاحتمال أن يكون لها اسمان، أو أحدهما لقب، وإن لم يؤخذ بهذا الجمع فالموصول أصحّ، وقد اعتضد بقول أهل النسب: إن اسمها جميلة، وبه جزم الدمياطيّ، وذكر أنها كانت أخت عبد اللَّه بن عبد اللَّه بن أبيّ، شقيقته، أمهما خولة بنت المنذر بن حرام.
قال الدمياطيّ: والذي وقع في البخاريّ من أنها بنت أُبي وَهَمٌ. قال الحافظ: ولا يديق إطلاق كونه وَهَمًا، فإن الذي وقع فيه أخت عبد اللَّه بن أُبيّ، وهي أخت عبد اللَّه بلا شكّ، لكن نُسب أخوها في هذه الرواية إلى جدّه أُبيّ، كما نُسبت هي في رواية قتادة إلى جدّتها سَلُول. فبهذا يُجمع بين المختلف من ذلك. وأما ابن الأثير، وتبعه النوويّ، فجزما بأن قول من قال: إنها بنت عبد اللَّه بن أبيّ وَهَمٌ، وأن الصواب أنها أخت عبد اللَّه ابن أُبيّ. وليس كما قالا، بل الجمع أولى. وجمع بعضهم باتحاد اسم المرأة وعمّتها، وأن ثابتًا خالع الثنتين، واحدةً بعد أخرى، ولا يَخفَى بُعْده، ولا سيّما مع اتحاد المخرج. وقد كثرت نسبة الشخص إلى جدّه إذا كان مشهورًا، والأصل عدم التعدّد حتى يثبت صريحًا.
وجاء في اسم امرأة ثابت بن قيس قولان آخران:
[أحدهما]: أنها مريم المَغَاليّة. أخرجه النسائيّ (١)، وابن ماجه من طريق محمد بن إسحاق: "حدّثني عُبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت، عن الرُّبَيِّع بنت مُعَوِّذ، قالت: اختلعت من زوجي … "، فذكرت قصّة فيها: "وإنما تبع عثمان في ذلك قضاء رسول اللَّه ﷺ في مريم الْمَغَاليّة، وكانت تحت ثابت بن قيس، فاختعلت منه"، وإسناده جيّد. قال البيهقيّ: اضطرب الحديث في تسمية امرأة ثابت، ويمكن أن يكون الخلع تعدّد من ثابت انتهى.
وتسميتها مريم يمكن ردّه للأول؛ لأن المغالية -وهي بفتح الميم، وتخفيف الغين المعجمة-: نسبة إلى مَغَالة، وهي امرأة من الخزرج، ولَدَت لعمرو بن مالك بن النّجّار ولده عَديًّا، فبنو عديّ بن النجّار يُعرفون كلهم ببني مغالة، ومنهم عبد اللَّه بن أُبيّ، وحَسّان بن ثابت، وجماعة من الخزرج، فإذا كان آل عبد اللَّه بن أُبيّ من بني مَغالة،
стр. 14562
فيكون الوهم وقع في اسمها، أو يكون مريم اسمًا ثالثًا، أو بعضها لقب لها.
[والقول الثاني]: في اسمها أنها حبيبة بنت سهل، أخرجه مالك في "الموطّإ" عن
يحيى بن سعيد الأنصاريّ، عن عمرة بنت عبد الرحمن، عن حبيبة بنت سهل، أنها كانت تحت ثابت بن قيس بن شَمَّاس، وأنّ رسول اللَّه ﷺ خرج إلى الصبح، فوجد حبيبة عند بابه في الغلس … الحديث. وأخرجه أصحاب السنن الثلاثة، وصححه ابن خزيمة، وابن حبّان من هذا الوجه، وأخرجه أبو داود من طريق عبد اللَّه بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، "عن عمرة، عن عائشة، أن حبيبة بنت سهل، كانت عند ثابت … ". قال ابن عبد البرّ: اختُلف في امرأة ثابت بن قيس، فذكر البصريّون أنها جميلة بنت أُبيّ، وذكر المدنيّون أنها حبيبة بنت سهل.
قال الحافظ: والذي يظهر أنهما قصّتان وقعتا لامرأتين لشهرة الخبرين، وصحّة الطريقين، واختلاف السياقين، بخلاف ما وقع من الاختلاف في تسمية جميلة، ونسبها، فإن سياق قصّتها متقاربٌ، فأمكن ردّ الاختلاف فيه إلى الوفاق، قال: وسأبّين اختلاف القصّتين عند سياق ألفاظ قصّة جميلة.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الذي قاله الحافظ -رحمه اللَّه تعالى- من تعدّد القضتين هو الذي يترجّح عندي. واللَّه تعالى أعلم.
وقد أخرج البزّار من حديث عمر، قال: "أوّل مختلعة في الإسلام حبيبة بنت سهل، كانت تحت ثابت بن قيس … " الحديث.
قال الحافظ: وهذا على تقدير التعدّد يقتضي أن ثابتًا تزوّج حبيبة قبل جميلة، ولو لم يكن في ثبوت ما ذكره البصريون إلا كون محمد بن ثابت بن قيس من جميلة، لكان دليلاً على صحّة تزوّج ثابت بجميلة.
[تنبيه]: وقع لابن الجوزيّ في "تنقيحه" أنها سهلة بنت حبيب. قال الحافظ: فما أظنّه إلا مقلوبًا، والصواب حبيبة بنت سهل. وقد ترجم لها ابن سعد في "الطبقات"، فقال: بنت سهل بن ثعلبة بن الحارث، وساق نسبها إلى مالك بن النجّار، وأخرج حديثها عن حمّاد بن زيد، عن يحيى بن سعيد، قال: "كانت حبيبة بنت سهل تحت ثابت بن قيس، وكان في خُلُقه شدّة"، فذكر نحو حديث مالك، وزاد في آخره: "وقد كان رسول اللَّه ﷺ هَمّ أن يتزوّجها، ثم كره ذلك؛ لغيرة الأنصار، وكره أن يسوءهم في نسائهم. انتهى (١).
стр. 14563
(أَتَتِ النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ثَابِتُ بْنُ قَيْسِ) وفي رواية إبراهيم بن طهمان، عن أيوب عند البخاريّ تعليقًا، ووصلها الإسماعيليّ: " جاءت امرأة ثابت بن قيس بن شمّاس الأنصاريّ". وفي رواية سعيد، عن قتادة، عن عكرمة في هذه القصّة: "فقالت: بأبي وأمّي"، أخرجها البيهقيّ.
(أَمَا) أداة استفتاح وتنبيه، بمنزلة "ألا" (إِنِّي مَا أَعِيبُ عَلَيْهِ) من العيب، يقال: عاب المتاعُ عيبًا، من باب سار، فهو عائبٌ، وعابه صاحبه، فهو مَعِيبٌ، يتعدّى، ولا يتعدّى. قاله الفيّوميّ.
وفي رواية البخاريّ: "ما أعتب عليه". قال في "الفتح": بضمّ المثنّاة من فوقُ، ويجوز كسرها، من العتاب، يقال: عتبت على فلان أَعتب عَتْبًا، والاسم الْمَعْتِبَة، والعِتَاب: هو الخطاب بالإدلال. وفي رواية بكسر العين المهملة، بعدها تحتانيّةٌ ساكنة، من العيب، وهي أليق بالمراد انتهى (فِي خُلُقٍ وَلَا دِينٍ) بضمّ الخلق المعجمة، ويجوز إسكانها، أي لا أريد مفارقته لسوء خلقه، ولا لنقصان دينه. زاد في رواية: "ولكنّي لا أطيقه"، كذا فيه لم يذكر مميّز عدم الطاقة، وبيّنه الإسماعيليّ في روايته، ثم البيهقيّ، بلفظ: "لا أطيقه بغضًا". وهذا ظاهرٌ أنه لم يصنع بها شيئًا، يقتضي الشكوى منه بسببه، لكن تقدّم من رواية النسائيّ أنه كسر يدها، فيحمل على أنها أرادت أنه سيء الخلق، لكنّها ما تعيبه بذلك، بل بشيء آخر. وكذا وقع في قصّة حبيبة بنت سهيل عند أبي داود أنه ضربها، فكسر بعضها، لكن لم تشكه واحدةٌ منهما بسبب ذلك، بل وقع التصريح بسبب آخر، وهو أنه كان دميم الخلقة، ففي حديث عمرو بن شُعيب، عن أبيه، عن جدّه، عند ابن ماجه: "كانت حبيبة بنت سهلة عند ثابت بن قيس، وكان رجلاً دميمًا، فقال: واللَّه لولا مخافة اللَّه، إذا دخل عليّ لبصقت في وجهه". وأخرج عبد الرزّاق، عن معمر، قال: "بلغني أنها قالت: يا رسول اللَّه بي من الجمال ما ترى، وثابتٌ رجلٌ دميمٌ"، وفي رواية معتمر بن سليمان، عن فُضيل، عن أبي حريز (١)، عن عكرمة، عن ابن عبّاس: "أول خلع كان في الإسلام امرأة ثابت بن قيس، أتت النبيّ ﷺ ، فقالت: يا رسول اللَّه، لا يجتمع رأسي ورأس ثابت أبدًا، إني رفعت جانب الخباء، فرأيته أقبل في عدّةِ، فإذا هو أشدّهم سوادًا، وأقصرهم قامةً، وأقبحهم وجهًا، فقال: "أتردّين عليه
стр. 14564
حديقته؟ "، قالت: نعم، وإن شاء زدته، ففرّق بينهما" (١).
(وَلَكِنِّي أَكْرَهُ الْكُفْرَ فِي الإِسْلَامِ) أي أكره إن أقمت معه أن أقع فيما يقتضي الكفر، وانتفى أنها أرادت أن يحملها على الكفر، ويامرها به نفاقًا بقولها: "لا أعتب عليه في دين"، فتعيّن الحمل على ما قلناه. ورواية جرير بن حازم عند البخاريّ تؤيد ذلك، حيث جاء فيها: "إلا أني أخاف الكفر"، وكأنها أشارت إلى أنها قد تحملها شدّة كراهتها له على إظهار الكفر؛ لينفسخ نكاحها منه، وهي كانت تعرف أن ذلك حرام، لكن خشيت أن تحملها شدّة البغض على الوقوع فيه.
ويحتمل أن تريد بالكفر كفران العشير، إذ هو تقصير المرأة في حقّ الزوج.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا التوجيه هو الصواب عندي، وأما الذي قبله، فما أبعده احتمالاً، في صحابية فاضلة، تكلّم النبيّ ﷺ بمثله، ويسكت عنها، إن هذا لشيء بعيد.
وقال الطيبيّ: المعنى أخاف على نفسي في الإسلام ما يُنافي حكمه، من نشوز، وفرك، وغيره، مما يقع من الشابّة الجميلة المبغضة لزوجها، إذا كان بالضدّ منها، فأطلقت على ما يُنافي مقتضى الإسلام الكفر. ويحتمل أن يكون في كلامها إضمارٌ، أي أكره لوازم الكفر، من المعاداة، والشقاق، والخصومة (٢).
(فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أترُدِّينَ عَلَيْهِ حَدِيقَتَهُ؟) أي بستانه الذي أصدقك إيّاه، فقد جاء في رواية: "كان تزوّجها على حديقة نخل". و"الحديقة" -بفتح الحاء، وكسر الدال المهملتين-: الْبُستان يكون عليه حائطٌ، فَعِيلةٌ بمعنى مفعولة؛ لأن الحائط أحدق بها، أي أحاط، ثم توسّعوا حتى أطلقوا الحديقة على البستان، وإن كان بغير حائط، والجمع الحدائق. قاله الفيّوميّ.
(قَالَت: نَعَمْ) زاد في رواية: "أيطيب ذلك يا رسول اللَّه؟، قال: نعم" (قَالَ: رَسُولُ اللَّه ﷺ : "اقْبَلِ الْحَدِيقَةَ) بفتح الباء الموحّدة، أمر قبل يقبل، من باب تعب (وَطَلِّقْهَا تَطْلِيقَةً") هو أمر إرشاد، وإصلاح، لا إيجاب. ووقع في رواية جرير بن حازم: "فردّت عليه، وأمره بفراقها". واستُدلّ بَهذا السياق على أن الخلع ليس بطلاق. وفيه نظر، فليس في الحديث ما يُثبت ذلك، ولا ما ينفيه، فإن قوله: "طلّقها الخ" يحتمل أن يراد طلّقها على ذلك، فيكون طلاقًا صريحًا على عوض، وليس البحث فيه، إنما الاختلاف فيما إذا وقع لفظ الخلع، أو ما كان في حكمه من غير تعرّض لطلاق بصراحة، ولا
стр. 14565
كناية، هل يكون الخلع طلاقًا أو فسخًا؟، وكذلك ليس فيه التصريح بأن الخلع وقع قبل الطلاق، أو بالعكس. نعم في رواية خالد الحذاء المرسلة المتقدّمة في رواية البخاريّ: "فردّتها، وأمره، فطلّقها"، وليس صريحًا في تقديم العطيّة على الأمر بالطلاق، بل يحتمل أيضًا أن يكون المراد إن أعطتك طلّقها، وليس فيه أيضًا التصريح بوقوع صيغة الخلع. ووقع في مرسل أبي الزبير عند الدارقطنيّ: "فأخذها له، وخلّى سبيلها". وفي حديث حبيبة بنت سهل: "فأخذها منها، وجلست في أهلها"، لكن في معظم الروايات في الباب تسميته خلعًا، ففي رواية عمرو بن مسلم، عن عكرمة، عن ابن عبّاس: "أنها اختلعت من زوجها". أخرجه أبو داود، والترمذيّ. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث ابن عبّاس - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا أخرجه البخاريّ.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٣٤/ ٣٤٩٠ - وفي "الكبرى" - ٣٥/ ٥٦٥٧. وأخرجه (خ) في "الطلاق" ٥٢٧٣ و٥٢٧٧ و ٥٢٧٧ (ق) في "الطلاق" ٢٠٥٦. واللَّه تعالى أعلم.
[تنبيه]: أخرج الإمام البخاريّ -رحمه اللَّه تعالى- هذا الحديث عن أزهر بن جميل شيخ النسائيّ، بسنده، وقال بعده: "لا يُتابع فيه عن ابن عبّاس". قال في "الفتح": أي لا يتابع أزهر بن جميل على ذكر ابن عبّاس في هذا الحديث، بل أرسله غيره، ومراده بذلك خصوص طريق خالد الحذّاء، عن عكرمة، ولهذا عقّبه برواية خالد بن عبد اللَّه الطحان، عن خالد الحذّاء، عن عكرمة، مرسلاً، ثم برواية إبراهيم بن طهمان، عن خالد الحذّاء، مرسلاً، وعن أيوب موصولاً، ورواية إبراهيم بن طهمان، عن أيوب الموصولة، وصلها الإسماعيليّ.
قال: ثم أشار البخاريّ إلى أنه اختُلف على أيوب أيضًا في وصل الخبر، وإرساله، فاتّفق إبراهيم بن طهمان، وجرير بن حازم على وصله، وخالفهما حمّاد بن زيد، فقال: "عن أيوب، عن عكرمة" مرسلاً.
ويؤخذ من إخراج البخاريّ هذا الحديث في "الصحيح" فوائد: (منها): أن الأكثر إذا وصلوا، وأرسل الأقلّ قُدّم الواصل، ولو كان الذي أرسل أحفظ، ولا يلزم منه أنه تُقدّم رواية الواصل على المرسل دائمًا. (ومنها): أن الراوي إذا لم يكن في الدرجة العليا من الضبط، ووافقه من هو مثله، اعتضَدَ، وقاومت الروايتان رواية الضابط المتقن.