← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 12888

ذخيرة العقبى في شرح المجتبى

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (19 271 стр.). Показаны 14561–14600 · переход к 14566.

стр. 14561

أساف. ووقع في رواية حجّاج بن محمد، عن ابن جُريج: أخبرني أبو الزبير: "أن ثابت ابن قيس بن شمّاس، كانت عنده زينب بنت عبد اللَّه بن أُبيّ ابن سلول، وكان أصدقها حديقة، فكرهته … " الحديث. أخرجه الدارقطنيّ، والبيهقيّ، وسنده قويّ مع إرساله. ولا تنافي بينه وبين الذي قبله لاحتمال أن يكون لها اسمان، أو أحدهما لقب، وإن لم يؤخذ بهذا الجمع فالموصول أصحّ، وقد اعتضد بقول أهل النسب: إن اسمها جميلة، وبه جزم الدمياطيّ، وذكر أنها كانت أخت عبد اللَّه بن عبد اللَّه بن أبيّ، شقيقته، أمهما خولة بنت المنذر بن حرام. قال الدمياطيّ: والذي وقع في البخاريّ من أنها بنت أُبي وَهَمٌ. قال الحافظ: ولا يديق إطلاق كونه وَهَمًا، فإن الذي وقع فيه أخت عبد اللَّه بن أُبيّ، وهي أخت عبد اللَّه بلا شكّ، لكن نُسب أخوها في هذه الرواية إلى جدّه أُبيّ، كما نُسبت هي في رواية قتادة إلى جدّتها سَلُول. فبهذا يُجمع بين المختلف من ذلك. وأما ابن الأثير، وتبعه النوويّ، فجزما بأن قول من قال: إنها بنت عبد اللَّه بن أبيّ وَهَمٌ، وأن الصواب أنها أخت عبد اللَّه ابن أُبيّ. وليس كما قالا، بل الجمع أولى. وجمع بعضهم باتحاد اسم المرأة وعمّتها، وأن ثابتًا خالع الثنتين، واحدةً بعد أخرى، ولا يَخفَى بُعْده، ولا سيّما مع اتحاد المخرج. وقد كثرت نسبة الشخص إلى جدّه إذا كان مشهورًا، والأصل عدم التعدّد حتى يثبت صريحًا. وجاء في اسم امرأة ثابت بن قيس قولان آخران: [أحدهما]: أنها مريم المَغَاليّة. أخرجه النسائيّ (١)، وابن ماجه من طريق محمد بن إسحاق: "حدّثني عُبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت، عن الرُّبَيِّع بنت مُعَوِّذ، قالت: اختلعت من زوجي … "، فذكرت قصّة فيها: "وإنما تبع عثمان في ذلك قضاء رسول اللَّه ﷺ في مريم الْمَغَاليّة، وكانت تحت ثابت بن قيس، فاختعلت منه"، وإسناده جيّد. قال البيهقيّ: اضطرب الحديث في تسمية امرأة ثابت، ويمكن أن يكون الخلع تعدّد من ثابت انتهى. وتسميتها مريم يمكن ردّه للأول؛ لأن المغالية -وهي بفتح الميم، وتخفيف الغين المعجمة-: نسبة إلى مَغَالة، وهي امرأة من الخزرج، ولَدَت لعمرو بن مالك بن النّجّار ولده عَديًّا، فبنو عديّ بن النجّار يُعرفون كلهم ببني مغالة، ومنهم عبد اللَّه بن أُبيّ، وحَسّان بن ثابت، وجماعة من الخزرج، فإذا كان آل عبد اللَّه بن أُبيّ من بني مَغالة،

стр. 14562

فيكون الوهم وقع في اسمها، أو يكون مريم اسمًا ثالثًا، أو بعضها لقب لها. [والقول الثاني]: في اسمها أنها حبيبة بنت سهل، أخرجه مالك في "الموطّإ" عن يحيى بن سعيد الأنصاريّ، عن عمرة بنت عبد الرحمن، عن حبيبة بنت سهل، أنها كانت تحت ثابت بن قيس بن شَمَّاس، وأنّ رسول اللَّه ﷺ خرج إلى الصبح، فوجد حبيبة عند بابه في الغلس … الحديث. وأخرجه أصحاب السنن الثلاثة، وصححه ابن خزيمة، وابن حبّان من هذا الوجه، وأخرجه أبو داود من طريق عبد اللَّه بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، "عن عمرة، عن عائشة، أن حبيبة بنت سهل، كانت عند ثابت … ". قال ابن عبد البرّ: اختُلف في امرأة ثابت بن قيس، فذكر البصريّون أنها جميلة بنت أُبيّ، وذكر المدنيّون أنها حبيبة بنت سهل. قال الحافظ: والذي يظهر أنهما قصّتان وقعتا لامرأتين لشهرة الخبرين، وصحّة الطريقين، واختلاف السياقين، بخلاف ما وقع من الاختلاف في تسمية جميلة، ونسبها، فإن سياق قصّتها متقاربٌ، فأمكن ردّ الاختلاف فيه إلى الوفاق، قال: وسأبّين اختلاف القصّتين عند سياق ألفاظ قصّة جميلة. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الذي قاله الحافظ -رحمه اللَّه تعالى- من تعدّد القضتين هو الذي يترجّح عندي. واللَّه تعالى أعلم. وقد أخرج البزّار من حديث عمر، قال: "أوّل مختلعة في الإسلام حبيبة بنت سهل، كانت تحت ثابت بن قيس … " الحديث. قال الحافظ: وهذا على تقدير التعدّد يقتضي أن ثابتًا تزوّج حبيبة قبل جميلة، ولو لم يكن في ثبوت ما ذكره البصريون إلا كون محمد بن ثابت بن قيس من جميلة، لكان دليلاً على صحّة تزوّج ثابت بجميلة. [تنبيه]: وقع لابن الجوزيّ في "تنقيحه" أنها سهلة بنت حبيب. قال الحافظ: فما أظنّه إلا مقلوبًا، والصواب حبيبة بنت سهل. وقد ترجم لها ابن سعد في "الطبقات"، فقال: بنت سهل بن ثعلبة بن الحارث، وساق نسبها إلى مالك بن النجّار، وأخرج حديثها عن حمّاد بن زيد، عن يحيى بن سعيد، قال: "كانت حبيبة بنت سهل تحت ثابت بن قيس، وكان في خُلُقه شدّة"، فذكر نحو حديث مالك، وزاد في آخره: "وقد كان رسول اللَّه ﷺ هَمّ أن يتزوّجها، ثم كره ذلك؛ لغيرة الأنصار، وكره أن يسوءهم في نسائهم. انتهى (١).

стр. 14563

(أَتَتِ النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ثَابِتُ بْنُ قَيْسِ) وفي رواية إبراهيم بن طهمان، عن أيوب عند البخاريّ تعليقًا، ووصلها الإسماعيليّ: " جاءت امرأة ثابت بن قيس بن شمّاس الأنصاريّ". وفي رواية سعيد، عن قتادة، عن عكرمة في هذه القصّة: "فقالت: بأبي وأمّي"، أخرجها البيهقيّ. (أَمَا) أداة استفتاح وتنبيه، بمنزلة "ألا" (إِنِّي مَا أَعِيبُ عَلَيْهِ) من العيب، يقال: عاب المتاعُ عيبًا، من باب سار، فهو عائبٌ، وعابه صاحبه، فهو مَعِيبٌ، يتعدّى، ولا يتعدّى. قاله الفيّوميّ. وفي رواية البخاريّ: "ما أعتب عليه". قال في "الفتح": بضمّ المثنّاة من فوقُ، ويجوز كسرها، من العتاب، يقال: عتبت على فلان أَعتب عَتْبًا، والاسم الْمَعْتِبَة، والعِتَاب: هو الخطاب بالإدلال. وفي رواية بكسر العين المهملة، بعدها تحتانيّةٌ ساكنة، من العيب، وهي أليق بالمراد انتهى (فِي خُلُقٍ وَلَا دِينٍ) بضمّ الخلق المعجمة، ويجوز إسكانها، أي لا أريد مفارقته لسوء خلقه، ولا لنقصان دينه. زاد في رواية: "ولكنّي لا أطيقه"، كذا فيه لم يذكر مميّز عدم الطاقة، وبيّنه الإسماعيليّ في روايته، ثم البيهقيّ، بلفظ: "لا أطيقه بغضًا". وهذا ظاهرٌ أنه لم يصنع بها شيئًا، يقتضي الشكوى منه بسببه، لكن تقدّم من رواية النسائيّ أنه كسر يدها، فيحمل على أنها أرادت أنه سيء الخلق، لكنّها ما تعيبه بذلك، بل بشيء آخر. وكذا وقع في قصّة حبيبة بنت سهيل عند أبي داود أنه ضربها، فكسر بعضها، لكن لم تشكه واحدةٌ منهما بسبب ذلك، بل وقع التصريح بسبب آخر، وهو أنه كان دميم الخلقة، ففي حديث عمرو بن شُعيب، عن أبيه، عن جدّه، عند ابن ماجه: "كانت حبيبة بنت سهلة عند ثابت بن قيس، وكان رجلاً دميمًا، فقال: واللَّه لولا مخافة اللَّه، إذا دخل عليّ لبصقت في وجهه". وأخرج عبد الرزّاق، عن معمر، قال: "بلغني أنها قالت: يا رسول اللَّه بي من الجمال ما ترى، وثابتٌ رجلٌ دميمٌ"، وفي رواية معتمر بن سليمان، عن فُضيل، عن أبي حريز (١)، عن عكرمة، عن ابن عبّاس: "أول خلع كان في الإسلام امرأة ثابت بن قيس، أتت النبيّ ﷺ ، فقالت: يا رسول اللَّه، لا يجتمع رأسي ورأس ثابت أبدًا، إني رفعت جانب الخباء، فرأيته أقبل في عدّةِ، فإذا هو أشدّهم سوادًا، وأقصرهم قامةً، وأقبحهم وجهًا، فقال: "أتردّين عليه

стр. 14564

حديقته؟ "، قالت: نعم، وإن شاء زدته، ففرّق بينهما" (١). (وَلَكِنِّي أَكْرَهُ الْكُفْرَ فِي الإِسْلَامِ) أي أكره إن أقمت معه أن أقع فيما يقتضي الكفر، وانتفى أنها أرادت أن يحملها على الكفر، ويامرها به نفاقًا بقولها: "لا أعتب عليه في دين"، فتعيّن الحمل على ما قلناه. ورواية جرير بن حازم عند البخاريّ تؤيد ذلك، حيث جاء فيها: "إلا أني أخاف الكفر"، وكأنها أشارت إلى أنها قد تحملها شدّة كراهتها له على إظهار الكفر؛ لينفسخ نكاحها منه، وهي كانت تعرف أن ذلك حرام، لكن خشيت أن تحملها شدّة البغض على الوقوع فيه. ويحتمل أن تريد بالكفر كفران العشير، إذ هو تقصير المرأة في حقّ الزوج. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا التوجيه هو الصواب عندي، وأما الذي قبله، فما أبعده احتمالاً، في صحابية فاضلة، تكلّم النبيّ ﷺ بمثله، ويسكت عنها، إن هذا لشيء بعيد. وقال الطيبيّ: المعنى أخاف على نفسي في الإسلام ما يُنافي حكمه، من نشوز، وفرك، وغيره، مما يقع من الشابّة الجميلة المبغضة لزوجها، إذا كان بالضدّ منها، فأطلقت على ما يُنافي مقتضى الإسلام الكفر. ويحتمل أن يكون في كلامها إضمارٌ، أي أكره لوازم الكفر، من المعاداة، والشقاق، والخصومة (٢). (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أترُدِّينَ عَلَيْهِ حَدِيقَتَهُ؟) أي بستانه الذي أصدقك إيّاه، فقد جاء في رواية: "كان تزوّجها على حديقة نخل". و"الحديقة" -بفتح الحاء، وكسر الدال المهملتين-: الْبُستان يكون عليه حائطٌ، فَعِيلةٌ بمعنى مفعولة؛ لأن الحائط أحدق بها، أي أحاط، ثم توسّعوا حتى أطلقوا الحديقة على البستان، وإن كان بغير حائط، والجمع الحدائق. قاله الفيّوميّ. (قَالَت: نَعَمْ) زاد في رواية: "أيطيب ذلك يا رسول اللَّه؟، قال: نعم" (قَالَ: رَسُولُ اللَّه ﷺ : "اقْبَلِ الْحَدِيقَةَ) بفتح الباء الموحّدة، أمر قبل يقبل، من باب تعب (وَطَلِّقْهَا تَطْلِيقَةً") هو أمر إرشاد، وإصلاح، لا إيجاب. ووقع في رواية جرير بن حازم: "فردّت عليه، وأمره بفراقها". واستُدلّ بَهذا السياق على أن الخلع ليس بطلاق. وفيه نظر، فليس في الحديث ما يُثبت ذلك، ولا ما ينفيه، فإن قوله: "طلّقها الخ" يحتمل أن يراد طلّقها على ذلك، فيكون طلاقًا صريحًا على عوض، وليس البحث فيه، إنما الاختلاف فيما إذا وقع لفظ الخلع، أو ما كان في حكمه من غير تعرّض لطلاق بصراحة، ولا

стр. 14565

كناية، هل يكون الخلع طلاقًا أو فسخًا؟، وكذلك ليس فيه التصريح بأن الخلع وقع قبل الطلاق، أو بالعكس. نعم في رواية خالد الحذاء المرسلة المتقدّمة في رواية البخاريّ: "فردّتها، وأمره، فطلّقها"، وليس صريحًا في تقديم العطيّة على الأمر بالطلاق، بل يحتمل أيضًا أن يكون المراد إن أعطتك طلّقها، وليس فيه أيضًا التصريح بوقوع صيغة الخلع. ووقع في مرسل أبي الزبير عند الدارقطنيّ: "فأخذها له، وخلّى سبيلها". وفي حديث حبيبة بنت سهل: "فأخذها منها، وجلست في أهلها"، لكن في معظم الروايات في الباب تسميته خلعًا، ففي رواية عمرو بن مسلم، عن عكرمة، عن ابن عبّاس: "أنها اختلعت من زوجها". أخرجه أبو داود، والترمذيّ. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث ابن عبّاس - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا أخرجه البخاريّ. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٣٤/ ٣٤٩٠ - وفي "الكبرى" - ٣٥/ ٥٦٥٧. وأخرجه (خ) في "الطلاق" ٥٢٧٣ و٥٢٧٧ و ٥٢٧٧ (ق) في "الطلاق" ٢٠٥٦. واللَّه تعالى أعلم. [تنبيه]: أخرج الإمام البخاريّ -رحمه اللَّه تعالى- هذا الحديث عن أزهر بن جميل شيخ النسائيّ، بسنده، وقال بعده: "لا يُتابع فيه عن ابن عبّاس". قال في "الفتح": أي لا يتابع أزهر بن جميل على ذكر ابن عبّاس في هذا الحديث، بل أرسله غيره، ومراده بذلك خصوص طريق خالد الحذّاء، عن عكرمة، ولهذا عقّبه برواية خالد بن عبد اللَّه الطحان، عن خالد الحذّاء، عن عكرمة، مرسلاً، ثم برواية إبراهيم بن طهمان، عن خالد الحذّاء، مرسلاً، وعن أيوب موصولاً، ورواية إبراهيم بن طهمان، عن أيوب الموصولة، وصلها الإسماعيليّ. قال: ثم أشار البخاريّ إلى أنه اختُلف على أيوب أيضًا في وصل الخبر، وإرساله، فاتّفق إبراهيم بن طهمان، وجرير بن حازم على وصله، وخالفهما حمّاد بن زيد، فقال: "عن أيوب، عن عكرمة" مرسلاً. ويؤخذ من إخراج البخاريّ هذا الحديث في "الصحيح" فوائد: (منها): أن الأكثر إذا وصلوا، وأرسل الأقلّ قُدّم الواصل، ولو كان الذي أرسل أحفظ، ولا يلزم منه أنه تُقدّم رواية الواصل على المرسل دائمًا. (ومنها): أن الراوي إذا لم يكن في الدرجة العليا من الضبط، ووافقه من هو مثله، اعتضَدَ، وقاومت الروايتان رواية الضابط المتقن.

стр. 14566

(ومنها): أن أحاديث "الصحيح" متفاوتة المرتبة إلى صحيح، وأصحّ انتهى (١). واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان ما جاء في الخلع. (ومنها): أن الشقاق إذا حصل من قبل المرأة فقط جاز الخلع والفدية، ولا يتقيّد ذلك بوجوده منهما جميعًا. (ومنها): مشروعيّة الخلع، إذا كرهت المرأة عِشرة الرجل، ولو لم يكرهها هو، ولم ير منها ما يقتضي فراقها. وهو قول الجمهور. وخالف في ذلك أبو قلابة، ومحمد بن سيرين، فقالا: لا يجوز له أخذ الفدية منها إلا أن يرى على بطنها رجلاً. وسيأتي تحقيق الخلاف قريبًا، إن شاء اللَّه تعالىء (ومنها): أن فيه أن المرأة إذا سألت زوجها الطلاق على مال، فطلّقها وقع الطلاق. (ومنها): أن الفدية لا تكون إلا بما أعطى الرجل المرأة، عينًا، أو قدرًا؛ لقوله ﷺ : "أتردّين عليه حديقته"، وسيأتي قريبًا اختلاف العلماء في ذلك، إن شاء اللَّه تعالى. (ومنها): أن الخلع جائز في الحيض؛ لأنه ﷺ لم يستفصلها، أحائض هي أم لا؟، وفيه الخلاف بين العلماء أيضًا، سيأتي بيانه قريبًا، إن شاء اللَّه تعالى. (ومنها): أن الأخبار الواردة في ترهيب المرأة من طلب طلاق زوجها محمولة على إذا لم يكن هناك سبب يقتضي ذلك، كحديث ثوبان ﵁، مرفوعًا: "أيّما امرأة سألت زوجها الطلاق، فحرام عليها رائحة الجنّة". رواه أصحاب السنن، وصححه ابن خزيمة، وابن حبّان. ويدلّ على تخصيصه قوله في بعض طرقه: "من غير ما بأس"، وكحديث أبي هريرة ﵁ المتقدِّم في هذا الباب: "المنتزعات، والمختلعات هنّ المنافقات". (ومنها): أن الصحابيّ إذا أفتى بخلاف ما روى أن المعتبر ما رواه، لا ما رآه؛ لأن ابن عبّاس - رضي اللَّه تعالى عنهما - روى قصّة امرأة ثابت بن قيس الدّالّة على أن الخلع طلاقٌ، وكان يُفتي بأن الخلع ليس بطلاق. لكن ادّعى ابن عبد البرّ شذوذ ذلك عن ابن عبّاس، إذ لا يُعرف له أحد نقل عنه أنه فسخٌ، وليس بطلاق إلا طاوسٌ. قال الحافظ: وفيه نظر؛ لأن طاوسًا ثقة حافظ فقيهٌ، فلا يضره تفرّده، وقد تلقّى العلماء ذلك بالقبول، ولا أعلم من ذكر الاختلاف في المسألة إلا جزم أن ابن عبّاس كان يراه فسخًا. نعم أخرج إسماعيل القاضي بسند صحيحٍ عن ابن أبي نجيح أن طاوسًا لما قال: إن الخلع ليس بطلاق أنكره عليه أهل مكة، فاعتذر، وقال: إنما قاله ابن عبّاس. قال إسماعيل: لا نعلم أحدًا قاله غيره اهـ.

стр. 14567

ولكن الشأن في كون قصّة ثابت صريحة في كون الخلع طلاقًا (١). وسيأتي تمام البحث في ذلك قريبًا، إن شاء اللَّه تعالى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. [فائدة]: نقل ابن عبد البرّ عن مالك -رحمهما اللَّه تعالى- أن المختلعة هي التي اختلعت من جميع مالها، وأن المفتدية هي التي افتدت ببعض مالها، وأن المبارئة هي التي بارأت زوجها قبل الدخول. قال ابن عبد البرّ -رحمه اللَّه تعالى-: وقد يُستعمل بعض ذلك في موضع بعض انتهى (٢). (المسألة الرابعة): في أقوال أهل العلم في حكم الخلع: قال العلامة ابن قُدامة -رحمه اللَّه تعالى-: ما حاصله: إذا كرهت المرأة زوجها لخَلْقِه، أو خُلُقه، أو دينه، أو كبره، أو ضعفه، أو نحو ذلك، وخَشِيت أن لا تؤدّي حقّ اللَّه تعالى في طاعته، جاز لها أن تُخالعه بعوض تفتدي به نفسها منه؛ يقول اللَّه تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا﴾ [البقرة: ٢٢٩]، ولحديث امرأة ثابت ابن قيس ﵁ المذكور في الباب. قال: وبهذا قال جميع الفقهاء بالحجاز والشام. قال ابن عبد البرّ: ولا نعلم أحدًا خالفه إلا بكر بن عبد اللَّه المزنيّ، فإنه لم يُجزه، وزعم أن الآية منسوخة بقوله : ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ﴾ الآية [النساء:٢٠]. وروي عن ابن سيرين، وأبي قلابة أنه لا يَحِلّ الخلع حتى يجد على بطنها رجلاً؛ لقول اللَّه تعالى: ﴿وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ الآية [النساء: ١٩]. وحجة الجمهور الآية، والخبر المتقدّمان، وأنه قول عمر، وعثمان، وعليّ، وغيرهم من الصحابة، ولم يُعرف لهم مخالفٌ في عصرهم، فيكون إجماعًا، ودعوى النسخ لا تُسمَع حتى يثبت تعذّر الجمع، وأن الآية الناسخة متأخّرة، ولم يثبت شيء من ذلك. انتهى كلام ابن قدامة بتصرف (٣). وقال الحافظ -رحمه اللَّه تعالى- وقال أبو قلابة، ومحمد بن سيرين: لا يجوز له أخذ الفدية منها إلا أن يرى على بطنها رجلاً. أخرجه ابن أبي شيبة، وكأنهما لم يبلغهما الحديث. واستدلّ ابن سيرين بظاهر قوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾. وتُعُقْب بأن آية البقرة فسّرت المراد بذلك، مع ما دلّ عليه الحديث. قال الحافظ: ثم ظهر لي لما قاله ابن سيرين توجيهٌ، وهو تخصيصه بما إذا كان ذلك

стр. 14568

من قبل الرجل بأن يكرهها، وهي لا تكرهه، فضاجرها؛ لتفتدي منه، فوقع النهي عن ذلك، إلا أن يراها على فاحشة، ولا يجد بيّنةً، ولا يُحبّ أن يفضحها، فيجوز حينئذ أن يفتدي منها، ويأخذ منها ما تراضيا عليه، ويطلّقها، فليس في ذلك مخالفة للحديث؛ لأن الحديث ورد فيما إذا كانت الكراهة من قبلها. واختار ابن المنذر أنه لا يجوز حتى يقع الشقاق بينهما جميعًا، وإن وقع من أحدهما لا يندفع الإثم. وهو قويّ موافقٌ لظاهر الآيتين، ولا يُخالف ما ورد فيه. وبه قال طاوس، والشعبيّ، وجماعة من التابعين. وأجاب الطبريّ وغيره عن ظاهر الآية بأن المرأة إذا تقُم بحقوق الزوج التي أُمرت بها، كان ذلك منفّرًا للزوج عنها غالبًا، ومقتضيًا لبغضه لها، فنُسبت المخالفة إليهما لذلك، وعن الحديث بأنه ﷺ لم يستفسر ثابتًا، هل أنت كارهها، كما كرهتك، أم لا؟ انتهى (١). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: ما ذهب إليه الجمهور من جواز الخلع، إذا حصل الشقاق من قبل المرأة فقط هو الأرجح عندي؛ لظاهر حديث امرأة ثابت - رضي اللَّه تعالى عنهما -, ولا يعارض ظاهر الآية، كما أشار إلى ذلك الطبريّ في كلامه المذكور آنفًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في جواز الخلع بأكثر مما أعطاها من الصداق: قال العلامة ابن قُدامة -رحمه اللَّه تعالى-: ما حاصله: أكثر أهل العلم على أنه يصحّ الخلع بأكثر من الصداق، وأنهما إذا تراضيا على الخلع بشي صحّ، روي ذلك عن عثمان، وابن عمر، وابن عبّاس، وعكرمة، ومجاهد، وقبيصة بن ذؤيب، والنخعيّ، ومالك، والشافعيّ، وأصحاب الرأي. وُبروى عن ابن عبّاس، وابن عمر ﵃ أنهما قالا: لو اختلعت امرأة من زوجها بميراثها، وعقاص رأسها، كان ذلك جائزًا. وروي ذلك عن عليّ ﵁ بإسناد منقطع، واختاره أبو بكر، قال: فإن فعل ردّ الزيادة. وعن سعيد بن المسيّب قال: ما أرى أن يأخذ كلّ مالها، ولكن ليدعْ لها شيئًا. واحتخوا بحديث قصّة امرأة ثابت بن قيس - رضي اللَّه تعالى عنهما - المذكور في الباب، وفي رواية ابن ماجه: "فأمره النبيّ ﷺ أن يأخذ منها حديقته، ولا يزداد"، ولأنه

стр. 14569

بدلٌ في مقابلة فسخ، فلم يزد على قدره في ابتداء العقد، كالعِوَض في الإقالة. واحتجّ الجمهور بقوله تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ الآية [البقرة: ٢٢٩]، ولأنه قول من سُمّي من الصحابة، قالت الرُّبَيِّع بنت مُعوِّذ - رضي اللَّه تعالى عنها -: "اختلعتُ من زوجي بما دون عِقَاص رأسي، فأجاز ذلك عثمان بن عفّان ﵁"، ومثل هذا يَشتهر، فلم يُنكر، فيكون إجماعًا، ولم يصحّ عن عليّ خلافه. فإذا ثبت هذا، فإنه لا يُستحبّ له أن يأخذ أكثر مما أعطاها، وبذلك قال سعيد بن المسيّب، والحسن، والشعبيّ، والحكم، وحمّاد، وإسحاق، وأبو عُبيد، فإن فعل جاز مع الكراهية، ولم يكرهه أبو حنيفة، ومالكٌ، والشافعيّ. قال مالكٌ: لم أزل أسمع إجازة الفداء بأكثر من الصداق. واحتجّ الأولون بحديث جميلة المتقدّم. وري عن عطاء، عن النبيّ ﷺ أنه كره أن يأخذ من المختلعة أكثر مما أعطاها. رواه أبو حفص بإسناده. وهو صريحٌ في الحكم، فنجمع بين الآية والخبر، فنقول الآية دالّة على الجواز، والنهي عن الزيادة للكراهية. انتهى (١). وقال في "الفتح": واستُدلّ بالحديث على أن الفدية لا تكون إلا بما أعطى الرجل المرأة عينًا، أو قدرها؛ لقوله ﷺ : "أتردّين عليه حديقته؟ ". وقد وقع في رواية سعيد، عن قتادة، عن عكرمة، عن ابن عبّاس في آخر حديث الباب عند ابن ماجه، والبيهقيّ: "فأمره أن يأخذ منها، ولا يزداد"، وفي رواية عبد الوهّاب بن عطاء، عن سعيد، قال أيوب: لا أحفظ: "ولا تزدد". ورواه ابن جريج، عن عطاء، مرسلاً، ففي رواية ابن المبارك، وعبد الوهّاب، عنه: "أما الزيادة فلا"، زاد ابن المبارك عن مالك، وفي رواية الثوريّ: "وكره أن يأخذ منها أكثر مما أعطى". ذكر ذلك كلّه البيهقيّ. قال: ووصله الوليد بن مسلم، عن ابن جريج بذكر ابن عبّاس فيه، أخرجه أبو الشيخ، قال: وهو غير محفوظ. يعني أن الصواب إرساله. وفي مرسل أبي الزبير عند الدارقطنيّ، والبيهقيّ: "أتردّين عليه حديقته التي أعطاك؟ قال: نعم، وزيادة، قال النبيّ ﷺ : أما الزيادة فلا، ولكن حديقته، قالت: نعم، فأخذ ماله، وخلّى سبيلها". ورجال إسناده ثقات. وقد وقع في بعض طرقه سمعه أبو الزبير من غير واحد، فإن كان فيهم صحابيّ، فهو صحيح، وإلا فيعتضد بما سبق، لكن فيه دلالة على الشرط، فقد يكون ذلك وقع على سبيل الإشارة رفقًا بها. وأخرج عبد الرزّاق عن عليّ ﵁: "لا يأخذ منها فوق ما أعطاها". وعن طاوس،

стр. 14570

وعطاء، والزهريّ مثله. وهو قول أبي حنيفة، وأحمد، واسحاق. وأخرج إسماعيل بن إسحاق، عن ميمون بن مهران: "من أخذ أكثر مما أعطى لم يسرّح بإحسان". ومقابل هذا ما أخرج عبد الرزّاق بسند صحيح عن سعيد بن المسيّب، قال: ما أُحبّ أن يأخذ منها ما أعطاها, لياع لها شيئًا". وقال مالك: لم أزل أسمع أن الفدية تجوز بالصداق، وبأكثر منه؛ لقوله تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾، ولحديث حبيبة بنت سهل - رضي اللَّه تعالى عنها -، فإذا كان النشوز من قبلها حلّ للزوج ما أخذ منها برضاها، وإن كان من قبله لم يحلّ له، ويردّ عليها إن أخذ، وتمضي الفرقة. وقال الشافعيّ: إذا كانت غير مؤدّية لحقّه، كارهةً له حلّ له أن يأخذ، فإنه يجوز أن يأخذ منها ما طابت به نفسًا، بغير سبب، فبالسبب أولى. وقال إسماعيل القاضي: ادّعى بعضهم أن المراد بقوله تعالى: ﴿فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ أي بالصداق، وهو مردود؛ لأنه لم يقيّد في الآية بذلك انتهى (١). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: عندي أن ما تقدّم عن الجمهور أنه يستحبّ أن لا يأخذ أكثر مما أعطاها أولى؛ جمعًا بين إطلاق الآية، وما ورد من النهي عن أخذ الزيادة، فهو وإن كان مرسلاً، لكنه يعتضد بكثرة طرقه. والحاصل أن الجمع يحمل النهي عن أخذ الزيادة على التنزيه أولى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة السادسة): في اختلاف أهل العلم في جواز الخلع بلا سبب: ذهب بعضهم إلى أنها لو خالعت من زوجها، لغير بغض، وخشية عدم قيامها بحدود اللَّه كره لها ذلك، وصحّ الخلع، وهذا قول أكثر أهل العلم -كما قاله ابن قدامة- منهم ة أبو حنيفة، والثوريّ، ومالكٌ، والأوزاعيّ، والشافعيّ. وذهب بعضهم إلى تحريم الخلع لغير حاجة، وبه قال ابن المنذر، وداود، وقال ابن قُدامة: ويحتمل كلام أحمد تحريمه، فإنه قال: الخلع مثل حديث سهلة تَكره الرجل، فتُعطيه المهر، فهذا الخلع. وهذا يدلّ على أنه لا يكون الخلع صحيحًا إلا في هذه الحال. وقال ابن المنذر: وروي معنى ذلك عن ابن عبّاس - رضي اللَّه تعالى عنهما -، وكثير من أهل العلم؛ وذلك لأن اللَّه تعالى قال: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾ الآية [البقرة: ٢٢٩]. وهذا صريحٌ في التحريم إذا لم

стр. 14571

يخافا ألا يقيما حدود اللَّه، ثم قال: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ﴾، فدلّ بمفهومه على أن الجناح لاحقٌ بهما إذا افتدت من غير خوف، ثم غلّظ بالوعيد، فقال: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة: ٢٢٩]. ولحديث ثوبان ﵁، مرفوعًا: "أيما امرأة سألت زوجها الطلاق من غير ما بأس، فحرام عليها رائحة الجنة". حديث صحيح، رواه أحمد، وأصحاب السنن إلا النسائيّ. ولحديث أبي هريرة ﵁، مرفوعًا: "المختلعات، والمنتزعات، هنّ المنافقات". حديث صحيح، أخرجه أحمد، وتقدّم للنسائيّ أول الباب. قال ابن قدامة ذكره أحمد محتجًّا به، وهذا يدلّ على تحريم المخالعة لغير حاجة؛ ولأنه إضرارٌ بها، وبزوجها، وإزالة لمصالح النكاح من غير حاجة، فحُرّم؛ لقوله ﷺ : "لا ضرر، ولا ضرار". حديث صحيح، أخرجه أحمد، وابن ماجه من حديث ابن عبّاس - رضي اللَّه تعالى عنهما -. واحتجّ الأولون بقوله : ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ [النساء: ٤]. قال ابن المنذر -رحمه اللَّه تعالى-: لا يلزم من الجواز في غير عقد الجواز في المعاوضات؛ بدليل الربا، حرّمه اللَّه تعالى في العقد، وأباحه في الهبة، والحجة مع من حرّمه، وخصوص الآية في التحريم يجب تقديمه على عموم آية الجواز، مع ما عاضدها من الأخبار. انتهى (١). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: إن القول بتحريمه بغير حاجة هو الأرجح؛ لظهور أدلّته، كما حقّقه الإمام ابن المنذر -رحمه اللَّه تعالى- في كلامه المذكور آنفًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة السابعة): في اختلاف أهل العلم في الخلع هل هو فسخٌ، أو تطليقة: قال ابن قُدامة -رحمه اللَّه تعالى-: اختلفت الرواية عن أحمد في الخلع، ففي إحدى الروايتين أنه فسخٌ، وهذا اختيار أبي بكر، وقول ابن عبّاس، وطاوس، وعكرمة، وإسحاق، وأبي ثور، وأحد قولي الشافعيّ. والرواية الثانية: أنه تطليقة بائنة. ورُوي ذلك عن سعيد بن المسيّب، والحسن، وعطاء، وقَبيصة، وشُريح، ومجاهد، وأبي سلمة بن عبد الرحمن، والنخعيّ، والشعبيّ، والزهريّ، ومكحول، وابن أبي نُجيح، ومالك، والأوزاعيّ، والثوريّ، وأصحاب الرأي. وقد رُوي عن عثمان، وعلي، وابن مسعود، لكن ضعّف أحمد

стр. 14572

الحديث عنهم، وقال: ليس لنا في الباب شيء أصحّ من حديث ابن عبّاس أنه فسخٌ. واحتجّ ابن عبّاس بقوله تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾، ثم قال: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ﴾، ثم قال: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾، فذكر تطليقتين، والخلعَ، وتطليقةً بعدها، فلو كان الخلع طلاقًا لكان أربعًا، ولأنها فُرقة خَلَتْ عن صريح الطلاق ونيّته، فكانت فسخًا، كسائر الفسوخ. ووجه الثانية أنها بذلت العوض للفرقة، والفرقة التي يملك الزوج إيقاعها هي الطلاق دون الفسخ، فوجب أن يكون طلاقًا؛ ولأنه أتى بكناية الطلاق، قاصدًا فراقها، فكان طلاقًا، كغير الخلع، وفائدة الروايتين أنا إذا قلنا: هو طلقة، فخالعها مرّةً، حُسبت طلقة، فنقص بها عدد طلاقها، وإن خالعها ثلاثًا، طلقت ثلاثًا، فلا تحلّ له من بعد حتى تنكح زوجًا غيره. وإن قلنا: هو فسخٌ، لم تحرم عليه، وإن خالعها مائة مرّة. وهذا الخلاف فيما إذا خالعها بغير لفظ الطلاق، ولم ينوه، فأما إن بذلت له العوض على فراقها، فهو طلاق، لا اختلاف فيه، وإن وقع بغير لفظ الطلاق، مثل كنايات الطلاق، أو لفظ الخلع والمفاداة، ونحوهما، ونوى به الطلاق، فهو طلاق أيضًا؛ لأنه كناية نوى بها الطلاق، فكانت طلاقًا، كما لو كان بغير عوض، فان لم ينو به الطلاق، فهو الذي فيه الروايتان. انتهى كلام ابن قُدامة (١). وقال في "الفتح": واستُدلّ لمن قال بأنه فسخ بما وقع في بعض طرق حديث الباب من الزيادة، ففي رواية عمرو بن مسلم، عن عكرمة، عن ابن عبّاس، عند أبي داود، والترمذيّ في قصّة امرأة ثابت بن قيس: "فأمرها أن تعتدّ بحيضة" (٢). وعند أبي داود، والنسائيّ، وابن ماجه من حديث الرُّبيّع بنت معوّذ: "أن عثمان أمرها أن تَعْتَدَّ بحيضة"، قال: وتبع عثمان في ذلك قضاء رسول اللَّه ﷺ في امرأة ثابت بن قيس. وفي رواية النسائيّ، والطبريّ من حديث الربيع بنت معوّذ: "أن ثابت بن قيس ضرب امرأته … " فذكر نحو حديث الباب، وقال في آخره: "خذ الذي لها، وخلِّ سبيلها"، قال: نعم، "فأمرها أن تتربّص حيضة، وتلحق بأهلها" (٣). قال الخطّابيّ: في هذا دليلٌ أقوى لمن قال: إن الخلع فسخٌ، وليس بطلاق، إذ لو كان طلاقًا لم تكتف بحيضة للعدّة انتهى (٤).

стр. 14573

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قد تبيّن بما ذُكر أن الراجح قول من قال: إن الخلع فسخٌ، لا طلاقٌ، كما أوضحه ابن عبّاس - رضي اللَّه تعالى عنهما -، وحديث قصّة امرأة ثابت بن قيس - رضي اللَّه تعالى عنهما -. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الثامنة): في اختلاف أهل العلم في ثبوت الرجعة بعد الخلع: قال ابن قُدامة -رحمه اللَّه تعالى-: ولا يثبت في الخلع رجعة، سواء قلنا: هو فسخٌ، أو طلاقٌ، في قول أكثر أهل العلم، منهم الحسن، وعطاء، وطاوسٌ، والنخعيّ، والثوريّ، والأوزاعيّ، ومالكٌ، والشافعيّ، وإسحاق. وحكي عن الزهريّ، وسعيد بن المسيّب أنهما قالا: الزوج بالخيار بين إمساك العوض، ولا رجعة، وبين ردّه، وله الرجعة. وقال أبو ثور: إن كان الخلع بلفظ الطلاق، فله الرجعة؛ لأن الرجعة من حقوق الطلاق، فلا تسقط بالعوض، كالولاء مع العتق. واحتجّ الأولون بقوله : ﴿فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾، وإنما يكون فداءً إذا خرجت به عن قبضته وسُلطانه، وإذا كانت له الرجعة، فهي تحت حكمه؛ ولأن القصد إزالة الضرر عن المرأة، فلو جاز ارتجاعها لعاد الضرر، وفارق الولاء، فإن العتق لا ينفكّ منه، والطلاق ينفكّ عن الرجعة فيما قبل الدخول، وإذا أكمل العدد انتهى كلام ابن قُدامة -رحمه اللَّه تعالى- (١). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الذي يظهر لي أن ما ذهب إليه أكثر أهل العلم، من أنه لا رجعة بعد الخلع هو الأقرب؛ لظهور مناسبته لما شُرع له الخلع من دفع الضرر عن المرأة؛ فإن ضررها لا يندفع مع ثبوت المراجعة للزوج. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٤٩١ - (أَخْبَرَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ حُرَيْثٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ مُوسَى, قَالَ: حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ وَاقِدٍ, عَنْ عُمَارَةَ بْنِ أَبِي حَفْصَةَ, عَنْ عِكْرِمَةَ, عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: إِنَّ امْرَأَتِي لَا تَمْنَعُ يَدَ لَامِسٍ, فَقَالَ: «غَرِّبْهَا, إِنْ شِئْتَ» , قَالَ: إِنِّي أَخَافُ أَنْ تَتَّبِعَهَا نَفْسِي, قَالَ: «اسْتَمْتِعْ بِهَا»). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، وكلهم تقدّموا غير مرّة، سوى: ١ - (عمارة بن أبي حفصة) اسم أبيه ثابت أوّله نون -ويقال: ثابت بالثاء المثلّثة، وهو

стр. 14574

تصحيف- الأزديّ العتكيّ مولاهم، أبو رَوْحٍ، وقيل: أبو الحكم البصريّ، ثقة [٦]. قال عبد اللَّه بن أحمد، عن أبيه: شيخٌ ثقة. وقال ابن معين، وأبو زرعة، وابن سعد، والنسائيّ: ثقة. وقال أبو حاتم: أثنى عليه سليمان بن سعيد اليماميّ. وقال عليّ بن عاصم: قال لي شعبة: عليك بعُمارة بن أبي حفصة، فإنه غنيّ لا يكذب. وقال الدارقطنيّ: ثقة. وذكره ابن حبّان في "الثقات". وقال حرميّ بن عُمارة: كنّا عند شعبة، فحدّث بحديث عن عمارة بن أبي حفصة، فقال بعض القوم: ههنا ابن عمارة، فقال: لا أُتمّه، حتى تقبّلوا رأسه، فما بقي في المجلس أحدٌ إلا قتل رأسي. وقال الفلاّس في "تاريخه": قلت لحرميّ بن عمارة: ما اسم أبي حفصة؟ فقال: ما يكون أسماء العبيد؟ قلت: ثابت؟ قال: صحّفتَ، صحّفتَ، هو نابت -بنون-. قال خليفة، وابن حبّان: مات سنة (١٣٢). روى له الجماعة، سوى مسلم، له في البخاريّ حديث عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها -: "لَمّا فتُحت خيبر، قلنا: الآن نشبع من التمر … "، وله عند المصنّف هذا الحديث، وحديث رقم ٤٦٥٥ - "كذب، قد علم أني من أتقاهم للَّه … ". وعند ابن ماجه حديث في ذكر المهديّ. وقوله: "لا تردّ يد لامس": اختّلف في معناه، فقيل: كناية عن الزنا. وقيل: كناية عن بذل الطعام. والصحيح أن سجيّتها ليس فيها ممانعة، ولا مخالفةٌ لمن أرادها لو خلا بها أحدٌ، لا أن المراد أن هذا واقعٌ منها، وأنها تفعل الفاحشة، فإن النبيّ ﷺ لا يأذن في مصاحبة من هذه صفتها، فإن زوجها يكون حينئذ دَيّوثًا، وقد ورد الوعيد على ذلك. وإنما أمره ﷺ بعدم فراقها لما ذكر له أنه يحبها؛ لأن محبته لها محققة، ووقوع الفاحشة منها متوهّمٌ، فلا يُصار إلى الضرر العاجل لتوهّم الآجل. وقد تقدّم البحث في هذا مستوفًى في -١٢/ ٣٢٣٠ - . واللَّه تعالى أعلم. والحديث صحيح، وهو من أفراد المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وتقدّم له بالرقم المذكور، وتقدّم شرحه، وبيان مسائله هناك، فراجعه تستفد. وغرض المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- بإيراده هنا الاستدلال على جواز الخلع عند الحاجة؛ لأن قوله-سيد: "غَرِّبها": ومعناه أبعدها، يشمل التغريب بالخلع وغيره، فيدلّ على جواز الخلع. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٤٩٢ - (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ, قَالَ: حَدَّثَنَا النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ, قَالَ: أَنْبَأَنَا هَارُونُ بْنُ رِئَابٍ, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ, عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ, أَنَّ رَجُلاً قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ, إِنَّ تَحْتِي امْرَأَةً, لَا تَرُدُّ يَدَ لَامِسٍ, قَالَ: «طَلِّقْهَا».

стр. 14575

قَالَ: إِنِّي لَا أَصْبِرُ عَنْهَا, قَالَ: «فَأَمْسِكْهَا». قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ: هَذَا خَطَأٌ, وَالصَّوَابُ مُرْسَلٌ). قال الجامع عفا اللَّهَ تعالى عنه: رجال هذا الإسناد عندهم رجال الصحيح، وتقدّموا. و"هارون بن رئاب" -بكسر الراء، وتحتانيّة مهموزة، ثم موحدة- هو: التميميّ البصريّ، ثقة [٦] ٨٠/ ٢٥٧٥. و"عبد اللَّه بن عبيد بن عمير": هو الليثيّ المكيّ، ثقة [٣] ٨٩/ ٢٨٣٧. وقوله: "قال عبد الرحمن: هذا خطأٌ الخ" أراد به أن الصواب إرسال هذا الحديث بإسقاط ذكر ابن عبّاس - رضي اللَّه تعالى عنهما -، وقد سبق له في الحديث المتقدم بالرقم المذكور في الحديث الماضي نحو هذا الكلام، وقدّمنا أن الظاهر صحّة الحديث، فراجع الموضع المذكور تستفد. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ٣٥ - (بَابُ بَدْءِ اللِّعَانِ) قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الظاهر أن المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- يرى ترجيح كون سبب نزول آية اللعان هو قصّة عويمر العجلانيّ ﵁، وقد اختلف أهل العلم في ذلك، فمنهم من قال: إنها نزلت في عويمر، ومنهم من قال: نزلت في هلال بن أميّة، ومنهم من قال: نزلت فيهما، وهو الذي رجحه الكثيرون، كما سيأتي تحقيقه في المسألة الرابعة، إن شاء اللَّه تعالى. و"اللعان" -بكسر اللام- مصدر لاعن، كالملاعنة، كما قال ابن مالك في "لاميّته": لِفَاعَلَ اجْعَلْ فِعَالاً أَوْ مُفَاعَلَةً … وِفِعْلَةٌ عَنْهُمَا قَدْ نَابَ فَاحْتُمِلَا قال الفيّوميّ: لاعن الرجل زوجته: قذفها بالفجور. وقال ابن دريد: كلمة إسلاميّة في لغة فصيحة انتهى. وقال في "الفتح": هو مأخوذ من اللعن؛ لأن الملاعن يقول: "لعنة اللَّه عليه إن كان من الكاذبين. واختير لفظ اللعن، دون الغضب في التسمية؛ لأنه قول الرجل، وهو الذي بُدىء به في الآية، وهو أيضًا يُبدأ به، وله أن يرجع عنه، فيسقط عن المرأة بغير عكس. وقيل: سُمّي لعانًا؛ لأن اللعن الطردُ والابعاد، وهو مشتركٌ بينهما، وإنما

стр. 14576

خُصّت المرأة بلفظ الغضب؛ لعظم الذنب بالنسبة إليها؛ لأن الرجل إذا كان كاذبًا لم يصل ذنبه إلى أكثر من القذف، وإن كانت هي كاذبةً، فذنبها أعظم؛ لما فيه من تلويث الفراش، والتعرّض لإلحاق من ليس من الزوج به، فتنتشر المحرميّة، وتَثْبُتُ الولاية، والميراث لمن لا يستحقّهما. واللعان، والالتعان، والملاعنة بمعنًى. ويقال: تلاعنا، والتعنا، ولاعن الحاكم بينهما، والرجل ملاعن، والمرأة ملاعنةٌ؛ لوقوعه غالبًا من الجانبين. وأجمعوا على مشروعيّة اللعان، وعلى أنه لا يجوز مع عدم التحقّق. واختُلف في وجوبه على الزوج، لكن لو تحقّق أن الولد ليس منه قَوِيَ الوجوب انتهى (١). وقال البدر العينيّ: ويقال: تلاعنا، والتعنا، ولاعن الحاكم بينهما، والرجل ملاعنٌ، والمرأة ملاعنةٌ، وسمّي به لما فيه من لعن نفسه في الخامسة، وهي من تسمية الكلّ باسم البعض، كالصلاة تُسمّى ركوعًا وسُجودًا. ومعناه الشرعيّ: شهادات مؤكّدات بالأيمان مقرونة باللعن. وقال الشافعيّ: هي أيمان مؤكّدات بلفظ الشهادة، فيُشترط أهليّة اليمين عنده، فيجري بين المسلم وامرأته الكافرة، وبين الكافر والكافرة، وبين العبد وامرأته، وبه قال مالكٌ، وأحمد. وعندنا -يعني الحنفيّة- يُشترط أهليّة الشهادة، فلا يَجري إلا بين المسلمين الحرّين العاقلين البالغين، غير محدودين في قذف. قال: وجُوّز اللعان؛ لحفظ الإنساب، ودفع المعَرَّة عن الأزواج، وأجمع العلماء على صحّته. انتهى المقصود منه (٢). واللَّه تعالى أعلم بالصواب. ٣٤٩٣ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَعْمَرٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ, قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ, وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ, عَنِ الزُّهْرِيِّ, عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ, عَنْ عَاصِمِ بْنِ عَدِيٍّ, قَالَ: جَاءَنِي عُوَيْمِرٌ, رَجُلٌ مِنْ بَنِي الْعَجْلَانِ, فَقَالَ: أَيْ عَاصِمُ, أَرَأَيْتُمْ رَجُلاً, رَأَى مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلاً, أَيَقْتُلُهُ, فَتَقْتُلُونَهُ, أَمْ كَيْفَ يَفْعَلُ؟ , يَا عَاصِمُ, سَلْ لِي رَسُولَ اللهِ ﷺ , فَسَأَلَ عَاصِمٌ, عَنْ ذَلِكَ النَّبِيَّ ﷺ , فَعَابَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الْمَسَائِلَ, وَكَرِهَهَا, فَجَاءَهُ عُوَيْمِرٌ, فَقَالَ: مَا صَنَعْتَ يَا عَاصِمُ؟ , فَقَالَ: صَنَعْتُ, أَنَّكَ لَمْ تَأْتِنِي بِخَيْرٍ, كَرِهَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الْمَسَائِلَ, وَعَابَهَا, قَالَ عُوَيْمِرٌ: وَاللَّهِ لأَسْأَلَنَّ عَنْ ذَلِكَ رَسُولَ اللهِ ﷺ , فَانْطَلَقَ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ , فَسَأَلَهُ, فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ فِيكَ, وَفِي صَاحِبَتِكَ, فَائْتِ بِهَا» , قَالَ سَهْلٌ: وَأَنَا مَعَ النَّاسِ, عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ , فَجَاءَ بِهَا, فَتَلَاعَنَا, فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ, وَاللَّهِ لَئِنْ أَمْسَكْتُهَا, لَقَدْ كَذَبْتُ عَلَيْهَا, فَفَارَقَهَا, قَبْلَ أَنْ

стр. 14577

يَأْمُرَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِفِرَاقِهَا, فَصَارَتْ سُنَّةَ الْمُتَلَاعِنَيْنِ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (محمد بن مَعْمَر) البحرانيّ البصريّ، صدوق [١١] ٥/ ١٨٢٩. ٢ - (أبو داود) سليمان بن داود بن الجارود الطيالسيّ البصريّ الحافظ الثقة [٩] ١٣/ ٣٤٣. ٣ - (عبد العزيز بن أبي سليمة) هو عبد العزيز بن بن عبد اللَّه بن أبي سلمة - نُسب لجده- الماجشون المدنيّ، نزيل بغداد، مولى آل الْهُدير، ثقة فقيه مصنّف [٧] ١٧/ ٨٩٧. ٤ - (إبراهيم بن سعد) الزهريّ، أبو إسحاق المدنيّ، نزيل بغداد، ثقة حجةٌ [٨] ١٩٦/ ٣١٤. ٥ - (الزهريّ) محمد بن مسلم الإمام المدنيّ الحجة الحافظ الشهير [٤] ١/ ١. ٦ - (سهل بن سعد) بن مالك بن خالد الأنصاريّ الخزرجيّ الساعديّ الصحابيّ ابن الصحابيّ - رضي اللَّه تعالى عنهما -، مات سنة (٨٨) وقيل: بعدها، وقد جاوز المائة، تقدّم في ٤٠/ ٧٣٤. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أن شيخه أحد التسعة الذين روى عنهم الجماعة بلا واسطة. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخه، وشيغ شيخه، فبصريان. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعدٍ) الساعديّ - رضي اللَّه تعالى عنهما - (عَنْ عَاصِمِ بْنِ عَدِيٍّ) بن الحارث بن الجدّ بن العجلان العجلانيّ الأنصاريّ الصحابيّ ﵁، شهَد أحدًا، ومات في خلافة معاوية ﵁، وقد جاوز المائة، تقدّمت ترجمته في ٢٢٥/ ٣٠٦٨. وقال في "الفتح": وهو ابن عمّ والد عُويمر. وفي رواية الأوزاعيّ، عن الزهريّ عند البخاريّ في "التفسير": "وكان عاصم سيّد بني عجلان". و"الْجَدّ" -بفتح الجيم، وتشديد الدال. و"العجلان" -بفتح المهملة، وسكون الجيم- هو ابن حارثة بن ضُبيعة، من بني بَلِيّ بن عمرو بن الحاف بن قُضاعة، وكان العجلان حالف بني عمرو بن عوف بن مالك بن الأوس، من الأنصار في الجاهليّة، وسكن المدينة، فدخلوا في الأنصار. وقد ذكر ابن الكلبيّ أن امرأة عويمر هي بنت عاصم المذكور، وأن اسمها خولة.

стр. 14578

وقال ابن منده في "كتاب الصحابة": خولة بنت عاصم التي قذفها زوجها، فلاعن النبيّ ﷺ بينهما، لها ذكر، ولا تُعرف لها رواية. وتبعه أبو نُعيم، ولم يذكرا سلفهما في ذلك، وكأنه ابن الكلبيّ. وذكر مقاتل بن سليمان -فيما حكاه القرطبيّ- أنها خولة بنت قيس. وذكر ابن مردويه أنها بنت أخي عاصم، فأخرج من طريق الحكم، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى: "أن عاصم بن عديّ، لَمّا نزلت: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ قال: يا رسول اللَّه، أين لأحدنا أربعة شُهداء؟، فابتُلي في بنت أخيه". وفي سنده مع إرساله ضعف. وأخرج ابن أبي حاتم في "التفسير" عن مقاتل بن حيّان، قال: "لَمّا سأل عاصمٌ عن ذلك ابتُلي به في أهل بيته، فأتاه ابن عمّه، تحته ابنة أخيه، رماها بابن عمّه، والمرأة، والزوجُ، والحليل، ثلاثتهم بنو عمّ عاصم". وعن ابن مردويه في مرسل ابن أبي ليلى المذكور أن الرجل الذي رَمَى عُويمرٌ امرأته به هو شريك ابن سَحْمَاء. وهو يشهد لصحّة هذه الرواية؛ لأنه ابن عمّ عُويمر، كما سيأتي بعد بابين، وكذا في مرسل مقاتل بن حيان عند أبي حاتم، فقال الزوج لعاصم: يا ابن عمّ أُقسم باللَّه، لقد رأيت شريك بن سحماء على بطنها، وإنها لحبلى، وما قربتها منذ أربعة أشهر. وفي حديث عبد اللَّه بن جعفر عند الدارقطنيّ: "لاعن بين عُويمر العجلانيّ وامرأته، فأنكر حملها الذي في بطنها، وقال: هو لابن سحماء". ولا يمتنع أن يُتّهم شريك بن سحماء بالمرأتين معًا. وأما قول ابن الصبّاغ في "الشامل": إن الْمُزَنيّ ذكر في "المختصر" أن العجلانيّ قذف زوجته بشريك بن سحماء، فهو سهو في النقل، وإنما القاذف بشريك هلال بن أميّة، فكأنه لم يعرف مستند المزنيّ في ذلك، وإذا جاء الخبر من طرق متعدّدة، فإن بعضها يعضد بعضًا، والجمع ممكن، فيتعيّن المصير إليه، فهو أولى من التغليط (١). (قَالَ: جَاءَنِي عُوَيْمِرٌ) ابن أبي الأبيض العَجْلانيّ. وقال الطبرانيّ (٢): هو عُويمر بن الحارث بن زيد بن جابر بن الْجَدّ بن الْعَجْلان، وأبيض لقب لأحد آبائه. قاله في "الإصابة" (٣). وقال في "الفتح": في رواية القعنبيّ، عن مالك: "عويمر بن أشقر"، وكذا أخرجه أبو داود، وأبو عوانة من طريق عياض بن عبد اللَّه الفهريّ، عن الزهريّ. ووقع في "الاستيعاب": عويمر بن أبيض. وعند الخطيب في "المبهمات": عويمر بن الحارث.

стр. 14579

وهذا هو المعتمد، فإن الطبريّ نسبه في "تهذيب الآثار"، فقال: عويمر بن الحارث بن زيد بن الجدّ بن عجلان. فلعلّ أباه كان يُلقّب أشقر، أو أبيض. وفي الصحابة ابن أشقر آخر، وهو مازنيّ، أخرج له ابن ماجه. واتفقت الروايات عن ابن شهاب على أنه في مسند سهل، إلا ما أخرجه النسائيّ من طريق عبد العزيز بن أبي سلمة، وإبراهيم بن سعد، كلاهما، عن الزهريّ، فقال فيه: "عن سهل، عن عاصم بن عديّ، قال: كان عُويمر رجلاً من بني العجلان، فقال"، أي عاصم، فذكر الحديث، والمحفوظ الأول، وسيأتي عن سهل أنه حضر القصّة، وفي رواية للبخاريّ في "الحدود" من رواية سفيان بن عُيينة، عن الزهريّ، قال: قال سهل بن سعد: شهدت المتلاعنين، وأنا ابن خمس عشرة سنة". ووقع في نسخة أبي اليمان، عن شُعيب، عن الزهريّ، عن سهل بن سعد، قال: "توفّي رسول اللَّه ﷺ ، وأنا ابن خمس عشرة سنة"، فهذا يدلّ على أن قصّة اللعان، كانت في السنة الأخيرة من زمان النبيّ ﷺ . لكن جزم الطبريّ، وأبو حاتم، وابن حبّان بأن اللعان كان في شعبان سنة تسع، وجزم به غير واحد من المتأخّرين. ووقع في حديث عبد اللَّه بن جعفر عند الدارقطنيّ أن قصّة اللعان كانت بمنصرف النبيّ ﷺ من تبوك. وهو قريب من قول الطبريّ، ومن وافقه، لكن في إسناده الواقديّ، فلا بدّ من تأويل أحد القولين، فإن أمكن، وإلا فطريق شعيب أصحّ. ومما يوهن رواية الواقديّ ما اتفق عليه أهل السير أن التوجّه إلى تبوك كان في رجب، وما ثبت في "الصحيحين" أن هلال بن أُميّة أحد الثلاثة الذين تيب عليهم، وفي قصّته أن امرأته استأذنت له النبيّ ﷺ أن تخدُمه، فأذن لها بشرط أن لا يقربها، فقالت: إنه لا حِرَاك به، وفيه أن ذلك كان بعد أن مضى لهم أربعون يومًا، فكيف تقع قصّة اللعان في الشهر الذي انصرفوا فيه من تبوك، ويقع لهلال مع كونه فيما ذُكر من الشغل بنفسه، وهجران الناس له، وغير ذلك. وقد ثبت في حديث ابن عبّاس - رضي اللَّه تعالى عنهما - أن آية اللعان نزلت في حقّه. وكذا عند مسلم من حديث أنس ﵁ أنه أول من لاعن في الإسلام. ووقع في رواية عبّاد بن منصور في حديث ابن عبّاس عند أبي داود، وأحمد: "حتى جاء هلال بن أميّة، وهو أحد الثلاثة الذين تيب عليهم، فوجد عند أهله رجلاً … " الحديث. فهذا يدلّ على أن قصّة اللعان تأخّرت عن قصّة تبوك. قال الحافظ: والذي يظهر أن القصّة كانت متأخّرةً، ولعلّها كانت في شعبان سنة عشر، لا تسع، وكانت الوفاة النبويّة في شهر ربيع الأول سنة إحدى عشرة باتفاق، فيلتئم حينئذ مع حديث سهل بن سعد ﵁. ووقع عند مسلم من حديث ابن مسعود

стр. 14580

- ﵁: "كنّا ليلة جمعة في المسجد، إذ جاء رجلٌ من الأنصار … " فذكر القصّة في اللعان باختصار، فعيّن اليوم، لكن لم يُعيّن الشهر، ولا السنة انتهى ما في "الفتح" (١). (رَجُلٌ) بدلٌ من "عُويمر"، أو خبر لمحذوف، أي هو رجلٌ (مِنْ بَنِي الْعَجْلَانِ، فَقَالَ: أَيْ عَاصِمُ) "أي" حرف لنداء القريب، أو الأوسط، أو البعيد، ورجح السيوطيّ الأوسط" حيث قال في "الكوكب الساطع": "أَيْ" لِنِدَا الأَوْسَطِ فِي الشَّهِيرِ … لَا الْقُرْبِ وَالْبُعْدِ وَلِلتَّفْسِيرِ (أَرَأَيتُمْ رَجُلاً) أي أخبرني عن حكم رجل (رَأَى مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلاً) قال في "الفتح": كذا اقتصر على قوله: "مع"، فاستعمل الكناية، فإن مراده معيّةٌ خاصّة، ومراده أن يكون وجده عند الرؤية انتهى (أَيَقْتُلُهُ) الهمزة فيه للاستفهام على سبيل الاستخبار. قاله العيني (٢) (فَتَقْتُلُونَهُ) أي قصاصًا؛ لتقدّم علمه بحكم القصاص؛ لعموم قوله تعالى: ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾، لكن في طرقه احتمال أن يُخصّ من ذلك ما يقع بالسبب الذي لا يقدر على الصبر عليه غالبًا من المغيرة التي في طبع البشر، ولأجل هذا قال: "أم كيف يفعل؟ ". وقد ثبت في "الصحيحين" استشكال سعد بن عبادة مثل ذلك، وقوله: "لو رأيته لضربته بالسيف غير مُصفح"، وسيأتي بعد بابين قول النبيّ ﷺ لهلال بن أميّة: "أربعة شهداء، وإلا فحدّ في ظهرك"، وذلك كلّه قبل أن ينزل اللعان. وقد اختلف العلماء فيمن وجد مع امرأته رجلاً، فقتله، هل يُقتل به، أم لا؟، وسيأتي بيان ذلك في المسألة الثامنة، إن شاء اللَّه تعالى. وقوله (أَمْ كَيْفَ يَفْعَلُ؟) يحتمل أن تكون "أم" متّصلة، والتقدير: أم يصبر على ما به من المضض. ويحتمل أن تكون منقطعة بمعنى الإضراب، أي بل هناك حكم آخر لا يعرفه، ويريد أن يطلع عليه، فلذلك قال: سل لي يا عاصم، وإنما خصّ عاصمًا بذلك لما تقدّم من أنه كان كبير قومه، وصهره على ابنته، أو ابن أخيه، ولعله كان اطّلع على مخايل ما سأل عنه، لكن لم يتحقّقه، فلذلك لم يُفصح به، أو اطّلع حقيقة، لكن خشي إذا صرّح به من العقوبة التي تضمّنها من رمي المحصنة بغير بيّنة. أشار إلى ذلك ابن العربيّ. قال: ويحتمل أن يكون لم يقع له شيء من ذلك، لكن اتفق أنه وقع في نفسه إرادة الاطّلاع على الحكم، فابتُلي به، كما يُقال: النبلاء موكّلٌ بالمنطق، ومن ثمّ قال: إن الذي سألتك عنه قد ابتُليت به. وقد وقع في حديث ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما - عند مسلم في قصّة العجلانيّ: "فقال: أرأيت إن وجد رجلٌ مع امرأته رجلاً، فإن تكلّم

стр. 14581

به تكلّم بأمر عظيم، وإن سكت سكت على مثل ذلك". وفي حديث ابن مسعود ﵁ عنده أيضًا: "إن تكلّم جلدتموه، أو قتل قتلتموه، وإن سكت سكت على غيظ". وهذه أتمّ الروايات في هذا المعنى. (يَا عَاصِمُ، سَلْ) أصله "اسأل"، فنُقلت حركة الهمزة إلى السين، بعد حذفها للتخفيف، واستُغني عن همزة الوصل، فحُذفت، فصار "سَلْ"، على وزن "فَلْ" (لِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَسَأَلَ عَاصِمٌ، عَنْ ذَلِكَ النَّبِيِّ ﷺ ، فَعَابَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَسَائِلَ، وَكَرِهَهَا) وفي رواية مالك، عن ابن شهاب المتقدّمة في -٧/ ٣٤٠٣٠ - : "فكره رسول اللَّهَ ﷺ المسائل، وعابها، حتى كبر على عاصم ما سمع من رسول اللَّه ﷺ … ". وقوله: "كبر" بفتح الكاف، وضمّ الموحّدة: أي عظُم وزنًا ومعنًى. وسببه أن الحامل لعاصم على السؤال غيره، فاختصّ هو بالإنكار عليه، ولهذا قال لعويمر لَمّا رجع، فاستفهمه عن الجواب: لم تأتني بخير. وإنما كره النبيّ ﷺ ذلك ما قال الشافعيّ: كانت المسائل فيما لم ينزل فيه حكم زمن نزول الوحي ممنوعة؛ لئلاّ ينزل الوحي بالتحريم فيما لم يكن قبل ذلك محرمًا، فيحرم، ويشهد له الحديث المخرج في "الصحيح": "أعظم الناس جُرْمًا من سأل عن شيء لم يحرم، فيحرم من أجل مسألته". وقال النوويّ: المراد كراهة المسائل التي لا يُحتاج إليها، لا سيّما ما كان فيه هتك ستر مسلمٍ، أو إشاعة فاحشة، أو شناعة عليه، وليس المراد المسائل المحتاج إليها إذا وقعت، فقد كان المسلمون يسألون عن النوازل، فيُجيبهم ﷺ بغير كراهة، فلما كان في سؤال عاصم شناعة، ويترتّب عليه تسليط اليهود والمنافقين على أعراض المسلمين، كَرِهَ مسألته، وربما كان في المسألة تضييق، وكان ﷺ يحبّ التيسير على أمّته، وشواهد ذلك في الأحاديث كثيرة، وفي حديث جابر ﵁: "ما نزلت آية اللعان إلا لكثرة السؤال". أخرجه الخطيب في "المبهمات" من طريق مجالد، عن عامر عنه (١). (فَجَاءَهُ عُوَيْمِرْ) وفي رواية مالك المذكورة: "فلما رجع عاصم إلى أهله، جاءه عُويمر" (فَقَالَ: مَا صَنَعْتَ،) "ما" استفهامية، أيْ أيَّ شيء صنعت فيما أمرتك به من سؤال النبيّ ﷺ ؟ (يَا عَاصِمُ؟، فَقَالَ: صَنَعْتُ) أي فعلتُ ما أمرتني به (إِنَّكَ لَمْ تَأْتِنِي بِخَيْرٍ، كَرِهَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَسَائِلَ وَعَابَهَا) جملة "كره الخ" تعليليّة لكونه لم يأته بخير (قَالَ عُوَيْمِرْ: وَاللَّهِ لَأَسْأَلَنَّ عَنْ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ) وفي رواية مالك المذكورة: "فأقبل

стр. 14582

عُويمر: واللَّه لا أنتهي حتى أسال رسول اللَّه ﷺ (فَانْطَلَقَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَسَأَلَهُ) وفي رواية مالك: "فأقبل عُويمر حتى أتى رسول اللَّه ﷺ وسط الناس (١)، فقال: يا رسول اللَّه، أرأيت رجلاً وجد مع امرأته رجلاً، أيقتده، فتقتدونه؟، أم كيف يفعل؟ " (فَقَالَ: لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ فِيكَ، وَفِي صَاحِبَتِكَ) قال الحافظ -رحمه اللَّه تعالى-: ظاهر هذا السياق أنه كان تقدّم منه إشارة إلى خصوص ما وقع له مع امرأته، فيترجّح أحد الاحتمالات التي أشار إليها ابن العربيّ. لكن ظهر لي من بقيّة الطرق أن في السياق اختصارًا، ويوضّح ذلك ما وقع في حديث ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما - في قصّة العجلانيّ بعد قوله: "إن تكلّم تكلّم بأمر عظيم، وإن سكت سكت على مثل ذلك": "فسكت عنه النبيّ ﷺ ، فلما كان بعد ذلك أتاه، فقال: إن الذي سألتك عنه، قد ابتُليتُ به"، فدلّ على أنه لم يذكر امرأته إلا بعد أن انصرف، ثم عاد. ووقع في حديث ابن مسعود ﵁: أن الرجل لما قال: "وإن سكت سكت على غيظ" قال النبيّ ﷺ : "اللَّهمّ افتح"، وجعل يدعو، فنزلت آية اللعان. وهذا ظاهر أن الآية نزلت عقب السؤال. لكن يحتمل أن يتخلّل بين الدعاء والنزول زمن بحيث يذهب عاصم، ويعود عويمر. وهذا ظاهر جدًّا في أن القصّة نزلت بسبب عويمر، ويعارضه حديث ابن عبّاس - رضي اللَّه تعالى عنهما - "إن هلال ابن أُميّة قذف امرأته بشريك بن سحماء، فقال النبيّ ﷺ : "البيّنة، أو حدّ في ظهرك"، فقال هلال: والذي بعثك بالحقّ إنني لصادقٌ، وليُنزلنّ اللَّه ما يُبرىء ظهري من الحدّ، فنزل جبريل، فأنزل عليه: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ الحديث. وفي رواية عبّاد منصور، عن عكرمة، عن ابن عبّاس - رضي اللَّه تعالى عنهما - في هذا الحديث عند أبي داود: "فقال هلال: وإني لأرجو أن يجعل اللَّه لي فَرَجًا، قال: فبينا رسول اللَّه ﷺ كذلك إذ نزل عليه الوحي". وفي حديث أنس ﵁ عند مسلم، والنسائيّ (٢): "إن هلال بن أميّة قذف امرأته بشريك بن سحماء، وكان أخا البراء بن مالك لأمه، وكان أول رجل لاعن في الإسلام". فهذا يدلّ على أن الآية نزلت بسبب هلال بن أمية ﵁، وقد اختلف العلماء في سبب نزول هذه الآية، وسيأتي تحقيق ذلك في المسألة الرابعة، إن شاء اللَّه تعالى. (فَائْتِ بِهَا) وفي رواية مالك: "فاذهب، فأت بها". يعني فذهب، فأَتَى بها. واستُدلّ به على أن اللعان يكون عند الحاكم، وبأمره، فلو تراضيا بمن يُلاعن بينهما، فلاعن لم يصحّ؛ لأن في اللعان من التغليظ ما يقتضي أن يختصّ به الْحُكّام. وفي حديث ابن

стр. 14583

عمر: "فتلاهنّ عليه -أي الآيات التي في سورة النور- ووعظه، وذكّره، وأخبره أن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة، قال: والذي بعثك بالحقّ ما كذبت عليها، ثم دعاها، فوعظها، وذكّرها، وأخبرها أن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة، قالت: والذي بعثك بالحقّ إنه لكاذب". (قَالَ: سَهْلٌ) ﵁ هو موصول بالسند السابق (وَأَنَا مَعَ النَّاسِ، عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ) زاد البخاريّ من طريق ابن جريج، عن ابن شهاب: "في المسجد"، وزاد ابن إسحاق في روايته عن ابن شهاب في هذا الحديث: "بعد العصر". أخرجه أحمد. وفي حديث عبد اللَّه بن جعفر: "بعد العصر عند المنبر". وسنده ضعيف. واستُدلّ بمجموع ذلك على أن اللعان يكون بحضرة الحكّام، وبمجمع من الناس، وهو أحد أنواع التغليظ. ثانيها الزمان. ثالثها المكان. وهذا التغليظ مستحبّ. وقيل: واجب. (فَجَاءَ بِهَا، فَتَلَاعَنَا) فيه حذفٌ تقديره: فأتى بها، فسألها، فأنكرت، فأمر باللعان، فتلاعنا. [تنبيه]: قال الحافظ -رحمه اللَّه تعالى-: لم أر في شيء من طرق سهل بن سعد ﵁ صفة تلاعنهما، إلا ما في رواية الأوزاعيّ، فإنه قال: "فأمرهما بالملاعنة بما سمّى في كتابه"، وظاهره أنهما لم يزيدا على ما في الآية. وحديث ابن عمر عند مسلم صريحٌ في ذلك، فإن فيه: "فبدأ بالرجل، فشهد أربع شهادات باللَّه إنه لمن الصادقين، والخامسة أن لعنة اللَّه عليه إن كان من الكاذبين، ثم ثنى بالمرأة … " الحديث. وحديث ابن مسعود ﵁ نحوه، لكن زاد فيه: "فذهبت لتلتعن، فقال النبيّ ﷺ : مه، فأبت، فالتعنت". وفي حديث أنس ﵁ عند أبي يعلى، وأصله في مسلم: "فدعاه النبيّ ﷺ ، فقال: أتشهد باللَّه إنك لمن الصادقين فيما رميتها به من الزنا؟، فشهد بذلك أربعًا، ثم قال في الخامسة: ولعنة اللَّه عليك إن كنت من الكاذبين؟ ففعل، ثم دعاها، فذكر نحوه، فلما كان في الخامسة سكتت سكتةً حتى ظنّوا أنها ستعترف، ثم قالت: لا أفضح قومي سائر اليوم، فمضت على القول". وفي حديث ابن عبّاس - رضي اللَّه تعالى عنهما - من طريق عاصم بن كُليب، عن أبيه، عنه، عند أبي داود، والنسائيّ، وابن أبي حاتم: "فدعا الرجل، فشهد أربع شهادات باللَّه إنه لمن الصادقين، فأمر به، فأُمسك على فيه، فوعظه، فقال: كلّ شيء أهون عليك من لعنة اللَّه، ثم أرسله، فقال: لعنة اللَّه عليه إن كان من الكاذبين، وقال في المرأة نحو ذلك". وهذه الطريق لم يُسمّ فيها الزوج، ولا الزوجة، بخلاف حديث أنس ﵁، فصرّح فيه بأنها في قصّة هلال بن أميّة، فإن كانت

стр. 14584

القصّة واحدة وقع الوهم في تسمية الملاعن، كما جزم به غير واحد، فهذه زيادة ثقة، فتُعتمد، وإن كانت متعدّدة، فقد ثبت بعضها في قصّة امرأة هلال انتهى كلام الحافظ ببعض اختصار (١). (فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَاللَّهِ لَئِنْ أَمْسَكتُهَا، لَقَدْ كَذَبْتُ عَلَيْهَا) وفي رواية الأوزاعيّ: "إن حبستها، فقد ظلمتها" (فَفَارَقَهَا، قَبْلَ أَنْ يَأْمُرَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِفِرَاقِهَا) وفي رواية مالك المذكورة: "فطلّقها ثلاثًا قبل أن يأمره رسول اللَّه ﷺ ". وفي رواية ابن إسحاق: "ظلمتها إن أمسكتها، فهي الطلاق، فهي الطلاق". قال في "الفتح": وقد تفرّد بهذه الزيادة، ولم يُتابَع عليها، وكأنه رواه بالمعنى لاعتقاده منع جمع الطلقات الثلاث بكلمة واحدة. وقد تقدّم البحث عن هذا في باب "الثلاث المجموعة، وما فيه من التغليظ". واستُدلّ بقوله: "طلّقها ثلاثًا" أن الفرقة بين المتلاعنين تتوقّف على تطليق الرجل، كما نُقل عن عثمان الْبَتِّيّ. وأُجيب بقوله في حديث ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما - "فرق النبيّ ﷺ بين المتلاعنين"، فإن حديث سهل، وحديث ابن عمر ﵃ في قصّة واحدة، وظاهر حديث ابن عمر أن الفرقة وقعت بتفريق النبيّ ﵁. وقد وقع في "شرح مسلم للنوويّ": قوله: "كذبتُ عليها يا رسول اللَّه، إن أمسكتها" هو كلام مستقلّ، وقوله: "فطلّقها"، أي ثم عقب قوله ذلك بطلاقها، وذلك لأنه ظنّ أن اللعان لا يحرّمها عليه، فأراد تحريمها بالطلاق، فقال: هي طالقٌ ثلاثًا، فقال له النبيّ ﷺ : "لا سبيل لك عليها"، أي لا ملك لك عليها، فلا يقع طلاقك انتهى. قال الحافظ: وهو يوهم أن قوله: "لا سبيل لك عليها" وقع منه ﷺ عقب قول الملاعن: هي طالق ثلاثًا، وأنه موجود كذلك في حديث سهل بن سعد ﵁ الذي شرحه، وليس كذلك، فإن قوله: "لا سبيل لك عليها"، لم يقع في حديث سهل ﵁، وإنما في حديث ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما - عقب قوله: "اللَّه يعلم أن أحدكما كاذبٌ، لا سبيل لك عليها"، وفيه: "قال: يا رسول اللَّه مالي … " الحديث. كذا في "الصحيحين". قال الحافظ: وظهر من ذلك أن قوله: "لا سبيل لك عليها"، إنما استدلّ من استدلّ به من أصحابنا -يعني الشافعيّة- لوقوع الفرقة بنفس الطلاق من عموم لفظه، لا من خصوص السياق. واللَّه أعلم انتهى (٢).

стр. 14585

(فَصَارَتْ سُنَّةَ الْمُتَلَاعِنَيْنِ) الضمير للملاعنة المفهومة من "تلاعنا"، أي صارت الملاعنة على الوجه المذكور طريقة شرعها اللَّه تعالى لكلّ من أتى بعدهما ممن عليه التلاعن. وفي رواية البخاريّ: "قال ابن شهاب: فكانت سنّة المتلاعنين"، قال في "الفتح": زاد أبو داود عن القعنبيّ، عن مالك: "فكانت تلك"، وهي إشارة إلى الفرقة. وفي رواية ابن جريج: "فطلّقها ثلاثًا قبل أن يأمره رسول اللَّه ﷺ حين فرغا من التلاعن، ففارقها عند النبيّ ﷺ ، فقال: ذلك تفريق بين كلّ متلاعنين". كذا للمستملي، وللباقين: "فكان ذلك تفريقًا"، وللكشميهني: "فصار" بدل "فكان". وأخرجه مسلم من طريق ابن جريج بلفظ: "فقال النبيّ ﷺ : ذلك التفريق بين كلّ متلاعنين". وهو يؤيّد رواية المستملي. ومن طريق يونس، عن ابن شهاب: قال بمثل حديث مالك. قال مسلم: لكن أدرج قوله: "وكان فراقه إياها بعدُ سنّة بين المتلاعنين". وكذا ذكر الدارقطنيّ في "غرائب مالك" اختلاف الرواة على ابن شهاب، ثم على مالك في تعيين من قال: "فكان فراقها سنة"، هل هو من قول سهل، أو من قول ابن شهاب، وذكر ذلك الشافعيّ، وأشار إلى أن نسبته إلى ابن شهاب لا تمنع نسبته إلى سهل. ويؤيّده ما وقع عند أبي داود من طريق عياض بن عبد اللَّه الفهريّ، عن ابن شهاب، عن سهل، قالك "فطلّقها ثلاث تطليقات عند رسول اللَّه ﷺ ، فأنفذه رسول اللَّه ﷺ ، وكان ما صنع عند رسول اللَّه ﷺ سنّة"، قال: سهل: "حضرت هذا عند رسول اللَّه ﷺ ، فمضت السنّة بعد في المتلاعنين أن يفرّق بينهما، ثم لا يجتمعان أبدًا". فقوله: "فمضت السنّة" ظاهر في أنه من تمام قول سهل. ويحتمل أنه من قول ابن شهاب، ويؤيّده أن ابن جريج -كما عند البخاريّ- أورد قول ابن شهاب في ذلك بعد ذكر حديث سهل، فقال -بعد قوله: "ذلك تفريق بين كلّ متلاعنين" -: قال ابن جريج: قال ابن شهاب: كانت السنة بعدهما أن يفرّق بين المتلاعنين. قال الحافظ: ثم وجدت في نسخة الصغانيّ في آخر الحديث: "قال أبو عبد اللَّه: قوله: ذلك تفريق بين المتلاعنين، من قول الزهريّ، وليس من الحديث انتهى. وهو خلاف ظاهرسياق ابن جريج، فكأن البخاريّ رأى أنه مدرجٌ فنبّه عليه. انتهى (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.

стр. 14586

مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث سهل بن سعد - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٧/ ٣٤٣٠ و٣٥/ ٣٤٩٣ - وفي "الكبرى" ٨/ ٥٥٩٥ و ٣٦/ ٥٦٦٠. وأخرجه (خ) ففي "الطلاق" ٥٢٥٩ (م) في "اللعان" ١٤٩٢ (د) في "الطلاق" ٢٢٤٥ و٢٣٥١ (ق) في "الطلاق" ٢٠٦٦ (أحمد) في "باقي مسند الأنصار" ٢٢٣٢٠ و ٢٢٣٤٤ و ٢٢٣٤٦ (الموطأ) في "الطلاق" ١٢٠١ (الدارمي) في "النكاح" ٢٢٢٩. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده (١): (منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان بدء اللعان. (ومنها): مشروعيةُ الاستعداد للوقائع قبل وقوعها؛ ليعلم أحكامها إذا وقعت. (ومنها): الرجوع إلى من له الأمر. (ومنها): إجراء الأمر على الظواهر، واللَّه تعالى يتولّى السرائر. (ومنها): كراهة المسائل التي يترتّب عليها هتك المسلم، أو التوصّل إلى أذيّته بأيّ سبب كان، وفي كلام الشافعيّ -رحمه اللَّه تعالى- إشارة إلى أن كراهة ذلك كانت خاصّة بزمنه ﷺ من أجل نزول الوحي؛ لئلّا تقع المسألة عن شيء مباح، فيقع التحريم بسبب المسألة. وقد ثبت في "الصحيح": "أعظم المسلمين جُرْمًا من سأل عن شيء لم يُحرّم، فحُرّم من أجل مسألته". وقد استمرّ جماعة من السلف على كراهة السؤال عما لم يقع، لكن عمل الأكثر على خلافه، فلا يُحصى ما فرّعه الفقهاء من المسائل قبل وقوعها (٢). (ومنها): أن العالم يُقصد في منزله، ولا يُنتظر به حتى يُصادفه في المسجد، أو الطريق. (ومنها): مشروعيّة اللعان؛ لقول اللَّه : ﴿وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾. (ومنها): أن اللعان يكون بحضرة الإمام، أو القاضي، وبمجمع من الناس. (ومنها): تغليظ اللعان، قال النوويّ -رحمه اللَّه تعالى-: يغلّظ اللعان بالزمان، والمكان، والجمع، فأما الزمان فبعد العصر، والمكان في أشرف موضع في ذلك البلد، والجمع طائفة من الناس، وأقلّهم أربعة. وهل هذه التغليظات واجبة، أم

стр. 14587

مستحبّة، فيه خلاف عندنا، والأصحّ الاستحباب انتهى (١). (ومنها): أن اللعان لا يكون إلا بين الزوجين؛ لأن اللَّه تعالى خصّه بالأزواج، حيث قال: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ الآية. (ومنها): سقوط الحدّ به عن الرجل. (ومنها): أن شرط مشروعيّة اللعان عدم إقامة البيّنة؛ لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ الآية، فلو أقام الزوج الشهداء لا يجوز اللعان، بل يقام عليها الحدّ، وهو الجلد إن كانت غير محصنة، والرجم إن كانت محصنة. (ومنها): أن شرط وجوب اللعان إنكار المرأة وجود الزنا منها، فلو أقرّت به لا يجوز اللعان، بل يقام عليها الحدّ المذكور. (ومنها): أن في حديث سعيد بن جبير الآتي -٤١/ ٣٥٠٠ - ينبغي للعالم إذا سُئل عن واقعة، ولم يعلم حكمها، ورجا أن يجد فيها نصًّا لا يُبادر إلى الاجتهاد فيها. (ومنها): الرحلة في المسألة النازلة؛ لأن سعيد بن جُبير رحل من العراق إلى مكّة من أجل مسألة الملاعنة. (ومنها): إتيان العالم في منزله، ولو كان في قائلته، إذا عرف الآتي أنه لا يشُقّ عليه. (ومنها): تعظيم العالم، ومخاطبته بكنيته؛ لقول سعيد لابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما -: يا أبا عبد الرحمن. (ومنها): التسبيح عند التعجّب؛ يقول ابن عمر: "نعم سبحان اللَّه". وفيه إشعار بسعة علم سعيد؛ لأن ابن عمر عجب من خفاء مثل هذا الحكم عليه. ويحتمل أن يكون تعجبه لعلمه بأن الحكم المذكور كان مشهورًا من قبلُ، فتعجّب كيف خفي على بعض الناس. (ومنها): بيان أوليات الأشياء، والعناية بمعرفتها؛ لقول ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما -: "أول من سأل عن ذلك فلان"، وقول أنس ﵁: "أول لعان كان". (ومنها): أن البلاء موكّلٌ بالمنطق، وأنه إن لم يقع بالناطق وقع بمن له به صلة. (ومنها): أن الحاكم يردع الخصم عن التمادي على الباطل بالموعظة، والتذكير، والتحذير، ويكرّر ذلك؛ ليكون أبلغ. (ومنها): ارتكاب أخفّ المفسدتين بترك أثقلهما؛ لأن مفسدة الصبر على خلاف ما توجبه الغيرة مع قبحه وشدّته أسهل من الإقدام على القتل الذي يؤدّي إلى الاقتصاص من القاتل، وقد نهج له الشارع سبيلاً إلى الراحة منها، إما بالطلاق، وإما باللعان. (ومنها): أن الاستفهام بـ "أرأيت" كان قديمًا. (ومنها): أن خبر الواحد يُعمل به إذا كان ثقةً. (ومنها): أن يسنّ للحاكم وعظ المتلاعنين عند إرادة التلاعن، ويتأكّد عند الخامسة. ونقل ابن دقيق العيد عن الفقهاء أنهم خصّوه بالمرأة عند إرادة تلفّظها بالغضب، واستشكله بما في حديث ابن عمر، لكن قد صرّح جماعة من الشافعيّة وغيرهم باستحباب وعظهما معًا. (ومنها): أن فيه ذكر

стр. 14588

الدليل مع بيان الحكم. (ومنها): أن الصحابة ﵃ كانوا يسألون عن الحكم الذي لم ينزل فيه وحي. (ومنها): أن للعالم إذا كره السؤال أن يَعيبه، ويهجّنه. (ومنها): أن من لقي شيئًا من المكروه بسبب غيره له أن يعاتبه عليه. (ومنها): أن المحتاج إلى معرفة الحكم لا يردّه كراهة العالم لما سأل عنه، ولا غضبه عليه، ولا جفاؤه له، بل يُعاود ملاطفته إلى أن يقضي حاجته. (ومنها): أن السؤال عما يلزم من أمور الدين مشروع سرًّا وجهرًّا، وأن لا عيب في ذلك على السائل، ولو كان مما يُستقبح. (ومنها): أن فيه التحريض على التوبة، والعمل بالستر، وانحصار الحقّ في أحد الجانبين عند تعذّر الواسطة؛ لقوله: "إن أحدكما كاذب"، وأن الخصمين المتكاذبين لا يعاقب واحد منهما، وإن أحاط العلم بكذب أحدهما لا بعينه. (ومنها): أن فيه أن اللعان إذا وقع سقط حدّ القذف عن الملاعن للمرأة، وللذي رميت به؛ لأنه صرّح في بعض طرقه بتسمية المقذوف، ومع ذلك لم يُنقل أن القاذف حدّ. قال الداوديّ: لم يقل به مالكٌ؛ لأنه لم يبلغه الحديث، ولو بلغه لقال به. وأجاب بعض من قال: يُحدّ من المالكيّة، والحنفيّة بأن المقذوف لم يطلب، وهو حقّه، فلذلك لم يُنقل أن القاذف حدّ؛ لأن الحدّ سقط من أصله باللعان. وذكر عياض أن بعض أصحابهم اعتذر عن ذلك بأن شريكًا كان يهوديًّا. (ومنها): أن فيه ليس على الإمام أن يعلم المقذوف بما وقع من قاذفه. (ومنها): أن الحامل تلاعنُ قبل الوضع؛ لقوله في الحديث: "انظروا، فإن جاءت به الخ"، كما في حديث سهل ﵁، وفي حديث ابن عبّاس - رضي اللَّه تعالى عنهما -. وعند مسلم من حديث ابن مسعود ﵁: "فجاء -يعني الرجل- هو وامرأته، فتلاعنا، فقال النبيّ ﷺ : "لعلّها أن تجيء به أسود جَعدًا، فجاءت به أسود، جعدًا". وبه قال الجمهور؛ خلافًا لمن أبى ذلك من أهل الرأي، معتلاًّ بأن الحمل لا يُعلم لأنه قد يكون نفخة. وحجة الجمهور أن اللعان شُرع لدفع حدّ القذف عن الرجل، ودفع حدّ الرجم عن المرأة، فلا فرق بين أن تكون حاملاً، أو حائلاً، ولذلك يُشرع اللعان مع الآيسة. وقد اختُلف في الصغيرة، فالجمهور على أن الرجل إذا قذفها فله أن يلتعن لدفع حدّ القذف عنه دونها. (ومنها): أنه استُدلّ به على أن لا كفارة في اليمين الغموس؛ لأنها لو وجبت لبيّنت في هذه القصّة. وتُعقّب بأنه لم يتعيّن الحانث. وأُجيب بأنه لو كان واجبًا لبيّنه مجملاً بأن يقول مثلاً: فليُكفّر الحانث منكما عن يمينه، كما أرشد أحدهما إلى التوبة. (ومنها): أن في قوله ﷺ لهلال بن أُميّة ﵁: "أربعة شُهداء، وإلا فحدّ في ظهرك" الآتي بعد بابين دلالةً على أن القاذف لو عجز عن البيّنة، فطلب تحليف المقذوف لا

стр. 14589

يُجاب؛ لأن الحصر المذكور لم يتغيّر منه إلا زيادة مشروعيّة اللعان. (ومنها): جواز ذكر الأوصاف المذمومة عند الضرورة الداعية إلى ذلك، ولا يكون ذلك من الغيبة المحرمة. (ومنها): أن الحكم يتعلّق بالظاهر، وأمر السرائر موكول إلى اللَّه . (ومنها): ما قال ابن التين: وبه احتجّ الشافعيّ على قبول توبة الزنديق. وفيه نظر؛ لأن الحكم يتعلّق بالظاهر فيما لا يتعلّق فيه حكم الباطن، والزنديق قد علم باطنه بما تقدّم، فلا يقبل منه ظاهر ما يبديه بعد ذلك. قال الحافظ: كذا قال، وحجة الشافعيّ ظاهرة؛ لأنه ﷺ قد تحقّق أن أحدهما كاذب، وكان قادرًا على الاطلاع على عين الكاذب، لكن أخبر أن الحكم بظاهر الشرع يقتضي أنه لا ينقب عن البواطن، وقد لاحت القرائن بتعيين الكاذب في المتلاعنين، ومع ذلك فأجراهما على حكم الظاهر، ولم يُعاقب المرأة. (ومنها): أنه يستفاد منه أن الحاكم لا يكتفي بالمظنّة، والإشارة في الحدود، إذا خالفت الحكم الظاهر، كيمين المدّعَى عليه، إذا أنكر، ولا بيّنة. (ومنها): أن الشافعيّ -رحمه اللَّه تعالى- استدلّ به على إبطال الاستحسان؛ لقوله: "لولا الأيمان لكان لي ولها شأن". (ومنها): أن الحاكم إذا بذل وسعه، واستوفى الشرائط لا ينقض حكمه إلا إن ظهر عليه إخلال شرط، أو تفريق في سبب. (ومنها): أن اللعان يُشرع في كلّ امرأة دخل بها، أو لم يدخل، ونقل فيه ابن المنذر الإجماع. وفي صداق غير المدخول بها خلاف للحنابلة، والمشهور أن لها نصف المهر؛ لأنها فُرقة منه، وبه قال الحسن، وسعيد بن جبير، وقتادة، ومالك. وفي رواية لا صداق لها؛ لأن الفرقة حصلت بلعانهما جميعًا، فأشبه الفرقة بعيب في أحدهما (١). (ومنها): أنه لو نكح فاسدًا، أو طلّق بائنًا، فولدت، فأراد نفي الولد، فله الملاعنة. وقال أبو حنيفة: يلحقه الولد، ولا نفي، ولا لعان؛ لأنها أجنبيّة. وكذا لو قذفها، ثم أبانها بثلاث فله اللعان. وقال أبو حنيفة: لا. وقد أخرج ابن أبي شيبة عن هُشيم، عن مغيرة، قال الشعبيّ: إذا طلّقها ثلاثًا، فوضعت، فانتفى منه، فله أن يلاعن. فقال له الحارث: إن اللَّه يقول: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ الآية، أفتراها زوجة؟ فقال الشعبيّ: إني لأستحيي من اللَّه إذا رأيت الحقّ أن لا أرجع إليه. فلو التعن ثلاث مرّات فقط، فالتعنت المرأة مثله، ففرق الحاكم بينهما لم تقع الفرقة عند الجمهور؛ لأن ظاهر القرآن أن الحدّ وجب عليهما، وأنه لا يندفع إلا بما ذكر، فتعيّن الإتيان بجميعه. وقال أبو حنيفة: أخطأ السنّة، وتحصل الفرقة؛ لأنه أُتي بالأكثر، فتعلّق به الحكم. ومذهب الجمهور أصحّ. (ومنها): أنه استُدلّ به على أن

стр. 14590

الالتعان ينتفي به الحمل؛ خلافًا لأبي حنيفة، ورواية عن أحمد؛ لقوله ﷺ : "انظروا، فإن جاءت الخ"، فإن الحديث ظاهر في أنها كانت حاملاً، وقد أُلحق الولد مع ذلك بأمه. (ومنها): أن فيه جواز الحلف على ما يغلب على الظنّ، ويكون المستند التمسّك بالأصل، أو قوة الرجاء من اللَّه تعالى عند تحقّق الصدق؛ لقول من سأله هلال: "واللَّه ليجلدنّك"، ولقول هلال: "واللَّه لا يضربني، وقد علم أني رأيت، حتى استفتيت". (ومنها): أن اليمين التي يعتدّ بها في الحكم ما يقع بعد إذن الحاكم؛ لأن هلالاً قال: "واللَّه إني لصادق"، ثم لم يحتسب بها من كلمات اللعان الخمس. (ومنها): أنه تمسّك به من قال بإلغاء حكم القافة. وتُعقّب بأن إلغاء حكم الشبه هنا إنما وقع حيث عارضه حكم الظاهر بالشرع، وإنما يُعتبر حكم القافة حيث لا يوجد ظاهر يتمسّك به، ويقع الاشتباه، فيرجع حينئذ إلى القافة (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في سبب نزول آية اللعان: قال في "الفتح": وقد اختلف الأئمة في هذا الموضع: فمنهم من رجّح أنها نزلت في شأن عويمر. ومنهم من رجّح أنها نزلت في شأن هلال. ومنهم من جمع بينهما بأن أوّل من وقع له ذلك هلال، وصادف مجيء عويمر أيضًا، فنزلت في شأنهما معًا في وقت واحد. وقد جنح النوويّ إلى هذا، وسبقه الخطيب، فقال: لعاّهما اتفق كونهما جاآ في وقت واحد. ويؤيّد التعدّد أن القائل في قصّة هلال سعد بن عبادة، كما أخرجه أبو داود، والطبريّ من طريق عبّاد بن منصور، عن عكرمة، عن ابن عبّاس مثل رواية هشام بن حسّان بزيادة في أوله: "لَمّا نزلت ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ الآية، قال سعد بن عبادة: لو رأيت لكاعًا قد تفخّذها رجلٌ، لم يكن لي أن أُهيجه حتى آتي أربعة شهداء، ما كنت لآتي بهم حتى يفرغ من حاجته، قال: فما لبثوا إلا يسيرًا حتى جاء هلال بن أمية … " الحديث. وعند الطبريّ من طريق أيوب، عن عكرمة، مرسلاً فيه نحوه، وزاد: "فلم يلبثوا أن جاء ابن عمّ له، فرمى امرأته … " الحديث. والقائل في قصّة عويمر عاصم بن عديّ، كما في حديث سهل بن سعد في هذا الباب. وأخرج الطبريّ من طريق الشعبيّ مرسلاً، قال: "لما نزلت: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ الآية، قال عاصم بن عديّ: إن أنا رأيت، فتكلّمت، جُلدتُ، وإن سكتّ سكتّ على غيظ … " الحديث.

стр. 14591

ولا مانع أن تتعدّد القصص، ويتّحد النزول. وروى البزّار من طريق زيد بن يُثيع، عن حذفة ﵁، قال: قال رسول اللَّه ﷺ لأبي بكر: لو رأيت مع أم رومان رجلاً ما كنت فاعلاً به؟ قال: كنت فاعلاً به شرًّا. قال: فأنت يا عمر؟ قال: أقول: لعن اللَّه الأبعد، قال: فنزلت". ويحتمل أن النزول سبق بسبب هلال، فلما جاء عويمر، ولم يكن علم بما وقع لهلال أعلمه النبيّ ﷺ بالحكم، ولهذا قال في قصّة هلال: "فنزل جبريل"، وفي قصّة عويمر: "قد أنزل اللَّه فيك"، فيؤوّل قوله: "قد أنزل اللَّه فيك"، أي وفيمن كان مثلك. وبهذا أجاب ابن الصبّاغ في "الشامل"، قال: نزلت الآية في هلال، وأما قوله لعويمر: "قد نزل فيك وفي صاحبتك"، فمعناه ما نزل في قصّة هلال. ويؤيّده أن في حديث أنس عند أبي يعلى قال: "أول لعان كان في الإسلام أن شريك بن سحماء قذفه هلال بن أميّة بامرأته … " الحديث. وجنح القرطبيّ إلى تجويز نزول الآية مرّتين، قال: وهذه الاحتمالات، وإن بعدت أولى من تغليط الرواة الحفّاظ. وقد أنكر جماعة ذكر هلال فيمن لاعن، قال القرطبيّ: أنكره أبو عبد اللَّه بن أبي صفرة، أخو المهلّب، وقال: هو خطأ، والصحيح أنه عويمر. وسبقه إلى نحو ذلك الطبريّ. وقال ابن العربيّ: قال الناس: هو وَهَمٌ من هشام بن حسّان، وعليه دار حديث ابن عبّاس، وأنس بذلك. وقال عياضٌ في "المشارق": كذا جاء من رواية هشام بن حسّان، ولم يقله غيره، وإنما القصّة لعويمر العجلانيّ، قال: ولكن وقع في "المدوّنة" في حديث العجلانيّ ذكر شريك. وقال النوويّ في "مبهماته": اختلفوا في الملاعن على ثلاثة أقوال: عويمر العجلانيّ، وهلال بن أُميّة، وعاصم بن عديّ. ثم نقل عن الواحديّ أن أظهر هذه الأقوال أنه عويمر. قال الحافظ: وكلام الجميع مُتعقَّبٌ، أما قول ابن أبي صفرة، فدعوى مجرّدة، وكيف يجزم بخطأ حديث ثابت في "الصحيحين" مع إمكان الجمع؟، وما نسبه إلى الطبريّ لم أره في كلامه. وأما قول ابن العربيّ: إن ذكر هلال دار على هشام بن حسّان، وكذا جزم عياض بأنه لم يقله غيره، فمردود؛ لأن هشام بن حسّان لم ينفرد به، فقد رواه عبّاد بن منصور، كما قدّمته، وكذا جزم جرير بن حازم، عن أيوب، أخرجه الطبريّ، وابن مردويه، موصولاً، قال: "لَمّا قذف هلال بن أميّة امرأته". وأما قول النوويّ تبعًا للواحديّ، وجنوحه إلى الترجيح فمرجوح؛ لأن الجمع مع

стр. 14592

إمكانه أولى من الترجيح. ثم قوله: "وقيل: عاصم بن عديّ" فيه نظر؛ لأنه ليس لعاصم فيه قصّة أنه الذي لاعن امرأته، وإنما الذي وقع من عاصم نظير الذي وقع من سعد بن عبادة. ولما روى ابن عبد البرّ في "التمهيد" طريق جرير بن حازم تعقّبه بأن قال: قد رواه القاسم بن محمد، عن ابن عبّاس كما رواه الناس. وهذا يوهم أن القاسم سمّى الملاعن عويمرًا، والذي في "الصحيح": "فأتاه رجلٌ من قومه"، أي من قوم عاصم، وللنسائيّ من هذا الوجه: "لاعن بين العجلانيّ وامرأته"، والعجلانيّ هو عمير. انتهى كلام الحافظ -رحمه اللَّه تعالى- في "تفسير سورة النور" (١). وقال في "كتاب الطلاق" بعد الإشارة إلى ما تقدّم: وظهر لي الآن احتمال أن يكون عاصم سأل قبل النزول، ثم جاء هلال بعده، فنزلت عند سؤاله، فجاء عويمرٌ في المرّة الثانية التي قال فيها: "إن الذي سألتك عنه، قد ابتليت به"، فَوَجَدَ الآيةَ نزلت في شأن هلال، فأعلمه ﷺ بأنها نزلت فيه، يعني أنها نزلت في كلّ من وقع له ذلك؛ لأن ذلك لا يختصّ بهلال، وكذا يجاب على سياق حديث ابن مسعود ﵁ يحتمل أنه لما شرع يدعو بعد توجّه العجلانيّ جاء هلال، فذكر قصّته، فنزلت، فجاء عويمرٌ، فقال: قد نزل فيك، وفي صاحبتك انتهى (٢). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الجمع الذي سلكه الحافظ -رحمه اللَّه تعالى- جمع حسنٌ جدًّا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في صفة الزوجين اللذين يصحّ منهما اللعان: ذهبت طائفة إلى أن اللعان يصحّ من كلّ زوجين مكلّفين، مسلمين كانا، أو كافرين، أو عدلين، أو فاسقين، أو محدودين في قذف، أو كان أحدهما كذلك. وبهذا قال سعيد ابن المسيّب، وسليمان بن يسار، والحسن، وربيعة، ومالك، وإسحاق، وأحمد في رواية. وحجّتهم عموم قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ الآية؛ ولأن اللعان يمين، فلا يفتقر إلى سائر ما اشترطوه، كسائر الأيمان، ودليل أنه يمين قوله ﷺ : "لولا الأيمان، لكان لي ولها شأن". وأما تسميته شهادة؛ فلقوله في يمينه: أشهد باللَّه، فسمي ذلك شهادة، وإن كان يمينًا، كما قال تعالى: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللهِ﴾ الآية [المنافقون: ١].

стр. 14593

وذهبت طائفة إلى أنه لا يصحّ اللعان إلا من زوجين مسلمين، عدلين، حرّين، غير محدودين في قذف. روي هذا عن الزهريّ، والثوريّ، والأوزاعيّ، وحماد، وأصحاب الرأي. وعن مكحول: ليس بين المسلم والذّمّيّة لعان. وعن عطاء، والنخعيّ في المحدود في القذف: يُضرب الحدّ، ولا يُلاعن. وروي فيه حديث، ولا يثبت، كذلك قال الشافعيّ، والساجيّ؛ ولأن اللعان شهادة، بدليل قوله : ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ﴾، فاستثنى أنفسهم من الشهداء، وقال تعالى: ﴿فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ﴾، فلا يُقبل ممن ليس من أهل الشهادة (١). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الأرجح عندي ما ذهب إليه الأولون؛ لقوّة دليله. واللَّه تعالى أعلم. وقال في "الفتح" عند شرح حديث ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما -: "أن رجلاً من الأنصار قذف امرأته، فأحلفهما النبيّ ﷺ ، ثم فرّقهما": ما نصّه: وقد تمسّك به من قال: إن اللعان يمين، وهو قول مالك، والشافعيّ، والجمهور. وقال أبو حنيفة: اللعان شهادة، وهو وجه للشافعيّة. وقيل: شهادة فيها شائبة اليمين. وقيل: بالعكس. ومن ثمّ قال بعض العلماء: ليس بيمين، ولا شهادة. وانبنى على الخلاف أن اللعان يُشرع بين كلّ زوجين مسلمين، أو كافرين، حرّين، أو عبدين، عدلين، أو فاسقين؛ بناءً على أنه يمين، فمن صحّ يمينه صحّ لعانه. وقيل: لا يصحّ اللعان إلا من زوجين حرّين مسلمين؛ لأن اللعان شهادة، ولا يصحّ من محدود في قذف، وهذا الحديث حجة للأولين؛ لتسوية الراوي بين لاعَنَ، وحلف، ويؤيّده أن اليمين ما دلّ على حثّ، أو منع، أو تحقيق خبر، وهو هنا كذلك، ويدلّ عليه قوله ﷺ في بعض طرق حديث ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما -: "فقال له: احلف باللَّه الذي لا إله إلا هو إني لصادق، يقول ذلك أربع مرّات". أخرجه الحاكم، والبيهقيّ، من رواية جرير بن حازم، عن أيوب، عن عكرمة، عنه. وقوله ﷺ : "لولا الأيمان لكان لي ولها شأن". واعتلّ بعض الحنفيّة بأنها لو كانت يمينًا لما تكرّرت. وأجيب بأنها خرجت عن القياس تغليظًا لحرمة الفرج، كما خرجت القسامة لحرمة الأنفس، وبأنها لو كانت شهادة لم تكرر أيضًا. قال الحافظ -رحمه اللَّه تعالى-: والذي تحرّر لي أنها من حيث الجزم بنفي الكذب،

стр. 14594

وإثبات الصدق يمين، لكن أطلق عليها شهادة لاشتراط أن لا يكفَى في ذلك بالظنّ، بل لا بدّ من وجود علم كلّ منهما بالأمرين علمًا يصحّ معه أن يشهد به، ويؤيّد كونها يمينًا أن الشخص لو قال: أشهد باللَّه فقد كان كذا لعُدّ حالفًا. وقد قال القفّال في "محاسن الشريعة": كررت أيمان اللعان لأنها أقيمت مقام أربع شهود في غيره ليقام عليها الحدّ، ومن ثمّ سمّيت شهادات. انتهى كلام الحافظ -رحمه اللَّه تعالى- (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة السادسة): في اختلاف أهل العلم في اشتراط تفريق الحاكم بين المتلاعنين: ذهبت جمماعة إلى أن الفرقة لا تحصل إلا بتفريق الحاكم بينهما، وبه قال أبو حنيفة، والثوريّ، وأحمد؛ يقول ابن عبّاس - رضي اللَّه تعالى عنهما - في حديثه: ففرّق رسول اللَّه ﷺ بينهما. وفي حديث عويمر ﵁، قال: "كذبت عليها يا رسول اللَّه إن أمسكتها، فطلّقها ثلاثًا قبل أن يأمره رسول اللَّه ﷺ "، وهذا يقتضي إمكان إمساكها، وأنه وقع طلاقه، ولو كانت الفرقة وقعت قبل ذلك، لما وقع طلاقه، ولا أمكنه إمساكها. ولأن سبب هذه الفرقة يَقِفُ على الحاكم، فالفرقة المتعلّقة به لا تقع إلا بحكم الحاكم، كفرقة الْعُنّة. وذهبت طائفة إلى أن الفرقة تحصل بمجرّد التعانهما، وبه قال مالكٌ، وأبو عبيد، وأبو ثور، وداود، وزفر، وابن المنذر. وروي ذلك عن ابن عبّاس؛ لما روي عن عمر ﵁ أنه قال: "المتلاعنان يُفرّق بينهما، ولا يجتمعان أبدًا". رواه سعيد بن منصور. ولأنه معنى يقتضي التحريم المؤبّد، فلم يقف على حكم الحاكم كالرضاع، ولأن الفرقة لو لم يحصل إلا بتفريق الحاكم، لساغ ترك التفريق إذا كرهاه، كالتفريق للعيب، وللإعسار، ولو وجب أن الحاكم إذا لم يُفرّق بينهما أن يبقى النكاح مستمرًّا، وقول النبيّ ﷺ : "لا سبيل لك عليها" يدلّ على هذا، وتفريقه بينهما بمعنى إعلامه لهما بحصول الفرقة، وعلى كلتا الروايتين لا تحصل الفرقة قبل تمام اللعان منهما. وقال الشافعيّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: تحصل الفرقة بقول الزوج وحده، وإن لم تلتعن المرأة؛ لأنها فرقة حاصلة بالقول، فتحصل بقول الزوج وحده، كالطلاق. قال ابن قدامة: ولا نعلم أحدًا وافق الشافعيّ على هذا القول. وحكي عن الْبَتّيّ أنه لا يتعلّق باللعان فرقةٌ؛ لما روى أن العجلانيّ لَمّا لاعن عن امرأته طلّقها ثلاثًا، فأنفذه رسول اللَّه ﷺ ، ولو وقعت الفرقة لما نفذ طلاقه.

стр. 14595

قال ابن قدامة: وكلا القولين لا يصحّ؛ لأن النبيّ ﷺ فرّق بين المتلاعنين. رواه عبد الله بن عمر، وسهل بن سعد، وأخرجهما مسلم. وقال سهل بن سعد: "فكانت سنة لمن كان بعدهما أن يفرّق بين المتلاعنين". وقال عمر ﵁: "المتلاعنان يُفرّق بينهما، ثم لا يجتمعان أبدًا. وأما القول الآخر فلا يصحّ؛ لأن الشرع إنما ورد بالتفريق بين المتلاعنين، ولا يكونان متلاعنين بلعان أحدهما، وإنما فرّق النبيّ ﷺ بينهما بعد تمام اللعان منهما، فالقول بوقوع الفرقة قبله تحكّمٌ، يخالف مدلول السنّة، وفعل النبيّ ﷺ . انتهى المقصود من كلام ابن قدامة رحمه الله تعالى (١). وقال في "الفتح": ذهب مالكٌ، والشافعيّ، ومن تبعهما إلى أن الفرقة تقع بنفس اللعان، قال مالك، وغالب أصحابه: بعد فراغ المرأة. وقال الشافعيّ، وأتباعه، وسحنون من المالكية: بعد فراغ الزوج، واعتلّ بأن التعان المرأة إنما شُرع لدفع الحدّ عنها، بخلاف الرجل، فإنه يزيد على ذلك في حقّه نفي النسب، ولحاق الولد، وزوال الفراش. وتظهر فائدة الخلاف في التوارث لو مات أحدهما عقب فراغ الرجل، وفيما إذا علّق طلاق امرأة بفراق أخرى، ثم لاعن الأخرى. وقال الثوري، وأبو حنيفة، وأتباعهما: لا تقع الفرقة حتى يوقعها عليهما الحاكم. واحتجّوا بظاهر ما وقع في أحاديث اللعان. وعن أحمد روايتان. وذهب عثمان البتّيّ إلى أنه لا تقع الفرقة حتى يوقعها الزوج. واعتلّ بأن الفرقة لم تذكر في القرآن، ولأن ظاهر الأحاديث أن الزوج هو الذي طلّق ابتداءً. ويقال: إن عثمان تفرّد بذلك. لكن نقل الطبريّ عن أبي الشعثاء جابر بن زيد البصريّ، أحد أصحاب ابن عبّاس - رضي الله تعالى عنهما -، من فقهاء التابعين نحوه. ومقابله قول أبي عبيد: إن الفرقة بين الزوجين تقع بنفس القذف، ولو لم يقع اللعان، وكأنه مفرّعٌ على وجوب اللعان على من تحقّق ذلك من المرأة، فإذا أخلّ به عوقب بالفرقة، تغليظًا عليه. انتهى (٢). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الذي يظهر لي أنه لا يحتاج إلى حكم الحاكم، بل تقع الفرقة بنفس اللعان، وأنه لا بدّ من تمام لعانهما، فلا تقع قبله؛ عملاً بظاهر الأحاديث، وأما تفريق النبيّ ﷺ بينهما، فالظاهر أنه أعلمهما بذلك، وأنهما لا يجتمعان بعد ذلك. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة السابعة): في اختلاف أهل العلم في فرقة اللعان، هل هي فسخٌ، أم طلاق؟:

стр. 14596

ذهبت طائفة إلى أن الفرقة فسخ؛ وبه قال الشافعيّ، وأحمد -رحمهما اللَّه تعالى-؛ لأنها فرقة توجب تحريمًا مؤبّدًا، فكانت فسخًا، كفرقة الرضاع، ولأن اللعان ليس بصريح في الطلاق، ولا نوى به الطلاق، فلم يكن طلاقًا، كسائر ما ينفسخ به النكاح. وقال أبو حنيفة -رحمه اللَّه تعالى-: هي طلاقٌ؛ لأنها فرقة من جهة الزوج، تخصّ النكاح، فكانت طلاقًا، كالفرقة بقوده: أنت طالقٌ. ذكره ابن قدامة -رحمه اللَّه تعالى- (١). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: المذهب الأول هو الأظهر عندي. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الثامنة): في اختلاف أهل العلم فيمن وجد مع امرأته رجلاً، فتحقق الأمر، فقتله، هل يُقتل به أم لا؟: ذهب الجمهور إلى أنه لا يجوز له الإقدام على قتله، فإن قتله يُقتصّ منه، إلا أن يأتي ببيّنة الزنا، أو على المقتول بالاعتراف، أو يعترف به ورثته، فلا يُقتل القاتل به بشرط أن يكون المقتول محصنًا. وقيل: بل يُقتل به؛ لأنه ليس له أن يُقيم الحدّ بغير إذن الإمام. وقال بعض السلف: بل لا يُقتل أصلاً، وُيعزّر فيما فعله، إذا ظهرت أمارات صدقه. وشرط أحمد، وإسحاق، ومن تبعهما أن يأتي بشاهدين أنه قتله بسبب ذلك، ووافقهم ابن القاسم، وابن حبيب من المالكيّة، لكن زاد أن يكون المقتول قد أحصن. أفاده في "الفتح" (٢). وقال في "المفهم": وكونه ﷺ لم ينكر على السائل قوله: أيقتله؟ تقرير منه على ذلك، ويلزم منه إن قتله لم يكن فيه قصاص، ولا غيره، وقد عضده قول سعد ﵁: لو رأيته ضربته بالسيف. ولم ينكر عليه، بل صوّبه بقوله: "تعجبون من غيرة سعد؟ ". متّفق عليه. ولهذا قال أحمد، وإسحاق: يُهدر دمه إذا جاء القاتل بشاهدين. انتهى (٣). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: ما قاله أحمد، وإسحاق -رحمهما اللَّه تعالى- عندي أرجح؛ لظاهر حديث سعد، وعويمر - رضي اللَّه تعالى عنهما -. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". …

стр. 14597

٣٦ - (بَابُ اللِّعَانِ بِالْحَبَلِ) ٣٤٩٤ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ, قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ عَلِيٍّ, قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عُقْبَةَ, عَنْ أَبِي الزِّنَادِ, عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ, عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ, قَالَ: "لَاعَنَ رَسُولُ اللهِ ﷺ , بَيْنَ الْعَجْلَانِيِّ وَامْرَأَتِهِ, وَكَانَتْ حُبْلَى"). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "أحمد بن عليّ": هو أبو بكر القاضي المروزيّ الثقة الحافظ [١٢] ١/ ٢٠٩٤. من أفراد المصنّف. و"محمد بن أبي بكر" بن عليّ بن عطاء بن مُقدَّم -بالتشديد بوزن محمد- المقدّميّ، أبو عبد اللَّه الثقفيّ مولاهم البصريّ، ثقة [١٠]. قال عبد الخالق بن منصور: قلت ليحيى: أكتب عنه أحاديث أبيه؟ قال: اكتب. وقال أيضًا عن يحيى: صدوق. وقال أبو زرعة: ثقة. وقال أبو حاتم: صالح الحديث، محلّه الصدق. قال البخاريّ، وغير واحد: مات سنة (٢٣٤) زاد بعضهم: في أول السنة. وقال ابن قانع: مات في شعبان، وكان ثقة. أخرج له البخاريّ، ومسلم، والمصنّف، وله عنده حديث الباب فقط. و"عمر بن عليّ" بن عطاء بن مقدّم، أبو حفص البصريّ، واسطيّ الأصل، مولى ثقيف، ثقة، وكان يدلّس تدليسًا شديدًا [٨]. قال عبد اللَّه بن أحمد: سمعت أبي ذكره، فأثنى عليه خيرًا، وقال: كان يدلّس. وفي "الميزان" عن أحمد: عمر بن عليّ صالح عفيفٌ مسلم عاقلٌ، كان به من العقل أمر عجيب جدًّا؛ جاء إلى معاذ بن معاذ، فأدّى إليه مائتي ألف. وقال ابن معين: كان يدلّس، وما كان به بأس، حسن الهيئة، وأصله واسطيّ، نزل البصرة، لم أكتب عنه شيئًا. وقال ابن سعد: كان ثقةً، وكان يدلّس تدليسًا شديدًا، يقول: سمعت، وحدثنا، ثم يسكت، فيقول: هشام بن عروة، والأعمش. وقال عفان بن مسلم: كان رجلاً صالحًا، ولم يكونوا يَنقمون عليه غير التدليس، وأما غير ذلك فلا، ولم أكن أقبل منه حتى يقول: حدّثنا. وقال أبو حاتم: محلّه الصدق، ولولا تدليسه لحكمنا له إذا جاءنا بزيادة، غير أنا نخاف أن يكون أخذه عن غير ثقة. وقال ابن عديّ: أرجو أنه لا بأس به. وقال الساجيّ: صدوق ثقة، كان يدلّس. ونقل ابن خلفون توثيقه عن العجليّ. وقال أبو زيد عمر بن شبّة: كان مدلّسًا، وكان مع تدليسه أنبل الناس. قال ابنه عاصم: مات سنة (١٩٠) في جمادى الأولى. وفيها أرّخه البخاريّ. وقال أبو موسى: مات سنة

стр. 14598

(٩٢). وذكره ابن حبّان في "الثقات"، وحكى القولين في وفاته. أخرج له الجماعة. وله عند المصنّف خمسة أحاديث: حديث الباب، وحديث ٥٠١٠ "كتاب قطع السارق" - "باب تعليق يد السارق في عنقه" و٥٠٦١ "كتاب الإيمان" - "الدين يسر" و ٥٢٦٤ "كتاب الزينة" - "تسكين الشعر" و ٥٤٠٩ "كتاب القضاء" - "باب ترك استعمال من يحرص على القضاء". و"إبراهيم بن عقبة": هو الأسديّ مولاهم المدنيّ، أخو موسى، ثقة [٦] ٥٠/ ٦٠٩. و"أبو الزناد": هو عبد اللَّه بن ذكوان المدنيّ الثقة الحافظ. والحديث متّفق عليه، وسيأتي شرحه بعد بابين، إن شاء اللَّه تعالى، واستدلّ به المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- هنا لمشروعيّة اللعان بسبب الحبل من الزنا، وهو واضحٌ. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ٣٧ - (بَابُ اللِّعَانِ فِي قَذْفِ الرَّجُلِ زَوْجَتَهُ بِرَجُلٍ بِعَيْنِهِ) قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الظاهر أن المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- أشار بهذه الترجمة إلى أنه إذا قذف الرجل امرأته برجل معيّن، إنما يجب عليه اللعان فقط، دون حدّ القذف لذلك الرجل؛ لأنه ﷺ لم يحدّ هلالاً بشريك بن سحماء، وهذا قول الشافعيّ -رحمه اللَّه تعالى-. قال أبو العبّاس القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى-: وظاهر هذا الحديث أن هلالاً صرّح بذكر شريك أنه قذفه، ومع ذلك، فلم يحدّه النبيّ ﷺ له، وبهذا قال الشافعيّ: إنه لا حدّ على الرامي لزوجته إذا سمَّى الذي رماها به، ثم التعن، ورأى أنه التعن لهما. وقال مالك: إنه يُحدّ، ولا يُكتفى بالتعانه؛ لأنه إنما التعيين للمرأة، ولم تكن له ضرورة إلى ذكره، بخلاف المرأة، فهو إذًا قاذفٌ، فيُحدّ. واعتذر بعض أصحابنا -يعني المالكيّة- عن حديث شريك بأن يقال: إنه كان يهوديًّا، وأيضًا فلم يطلب شريك بشيء من ذلك، وهو حقّه، فلا متعلّق في الحديث. قال القاضي عياض: لا يصحّ قول من

стр. 14599

قال: إن شريكًا كان يهوديًّا، وهو باطلٌ، وهو شريك بن عبدة بن مغيث، وهو بلويّ، حليف الأنصار، وهو أخو البراء بن مالك لأمه. انتهى (١). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: ما قاله الشافعيّ -رحمه اللَّه تعالى- هو الأرجح عندي؛ لظاهر الحديث. واللَّه تعالى أعلم بالصواب. ٣٤٩٥ - (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ, قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ الأَعْلَى, قَالَ: سُئِلَ هِشَامٌ عَنِ الرَّجُلِ, يَقْذِفُ امْرَأَتَهُ؟ , فَحَدَّثَنَا هِشَامٌ, عَنْ مُحَمَّدٍ, قَالَ: سَأَلْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ عَنْ ذَلِكَ؟ وَأَنَا أَرَى أَنَّ عِنْدَهُ مِنْ ذَلِكَ عِلْمًا, فَقَالَ: إِنَّ هِلَالَ بْنَ أُمَيَّةَ, قَذَفَ امْرَأَتَهُ بِشَرِيكِ ابْنِ السَّحْمَاءِ, وَكَانَ أَخُو الْبَرَاءِ بْنِ مَالِكٍ لأُمِّهِ, وَكَانَ أَوَّلَ مَنْ لَاعَنَ, فَلَاعَنَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بَيْنَهُمَا, ثُمَّ قَالَ: «ابْصُرُوهُ, فَإِنْ جَاءَتْ بِهِ أَبْيَضَ, سَبِطًا, قَضِيءَ الْعَيْنَيْنِ, فَهُوَ لِهِلَالِ بْنِ أُمَيَّةَ, وَإِنْ جَاءَتْ بِهِ أَكْحَلَ, جَعْدًا أَحْمَشَ السَّاقَيْنِ, فَهُوَ لِشَرِيكِ ابْنِ السَّحْمَاءِ» , قَالَ: فَأُنْبِئْتُ أَنَّهَا جَاءَتْ بِهِ أَكْحَلَ, جَعْدًا, أَحْمَشَ السَّاقَيْنِ). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "إسحاق بن إبراهيم": هو ابن راهويه. و "عبد الأعلى": هو ابن عبد الأعلى الساميّ البصريّ الثقة المتقين [٨]. و"هشام": هو ابن حسّان القردوسيّ البصريّ. و"محمد": هو ابن سيرين. وقوله: "أن عنده من ذلك علمًا" الظرف خبر "أنا مقدّمًا، و"علمًا" اسمها مؤخّرًا، هكذا النسخة المصريّة، ونسخة "الكبرى" أيضًا. ووقع في النسخة الهنديّة، وشرح السنديّ بلفظ: "أن عنده من ذلك علم"، ولذا قال السنديّ في "شرحه": هو بالنصب اسم "أنّ"، وإن كتب بصورة المرفوع. ويحتمل أن يكون مرفوعًا بتقدير ضمير الشأن، أي أن الشأن عنده من ذلك علم. انتهى (٢). وقوله: "وكان أخو البراء" قال السنديّ: هكذا نسخ "المجتبى"، و"الكبرى" برفع "أخو"، والصواب "وكان أخا البراء" بالنصب؛ لأنه يُنصب بالألف؛ لأنه من الأسماء الستة التي ترفع بالواو، وتنصب بالألف، وتجرّ بالياء، كما قال ابن مالك في "الخلاصة": وَارْفَعْ بِوَاوِ وَانْصِبَنَّ بِالأَلِفْ … وَاجْرُرْ بِيَاءٍ مَا مِنَ الأَسْمَا أَصِفْ مِنْ ذَاكَ "ذُو" إِنْ صُحْبَةً أَبَانَا … و"الْفَمُ" حَيْثُ الْمِيمُ مِنْهُ بَانَا "أَبٌ" "أَخٌ" "حَمٌ"، كَذَاكَ وَ"هَنُ" … وَالنَّقْصُ فِي هَذَا الأَخِيرِ أَحْسَنُ

стр. 14600

وَفِي أَبٍ وَتَالِيَيْهِ يَنْدُرُ … وَقَصْرُهَا مِنْ نَقْصِهِنَّ أَشْهَرُ و"البراء" هذا هو ابن مالك بن النضر بن ضمضم بن زيد بن حرام بن جندب بن عامر ابن غَنم بن عديّ بن النجّار الأنصاريّ النجاريّ، أخو أنس بن مالك لأبيه. قاله أبو حاتم. وقال ابن سعد: أخوه لأبيه وأمه، أمهما أم سليم. قال الحافظ: وفيه نظر؛ لأنه أخو شريك بن سحماء لأمه، أمهما سحماء، وأما أم أنس، فهي أم سليم، بلا خلاف. وكان البراء ﵁ حادي النبيّ ﷺ ، يرجز له في بعض أسفاره، وشهد معه المشاهد إلا بدرًا. روى البغويّ بإسناد صحيح عن محمد بن سيرين، عن أنس ﵁ قال: دخلت على البراء بن مالك ﵁، وهو يتغنّى، فقلت له: قد أبدلك اللَّه ما هو خير منه، فقال: أترهب أن أموت على فراشي، لا واللَّه، ما كان اللَّه ليَحْرِمني ذلك، وقد قتلت مائة منفردَا، سوى من شاركت فيه. وأخرج بقي بن مخلد في "مسنده" عن أبي إسحاق، قال: زحف المسلمون إلى المشركين يوم اليمامة حتى ألجئوهم إلى حديقة فيها عدوّ اللَّه مسيلمة، فقال البراء بن مالك: يا معشر المسلمين، ألقوني إليهم، فاحتُمِل حتى إذا أشرف على الجدار اقتحم، فقاتلهم على الحديقة، حتى فتحها على المسلمين، ودخل عليهم المسلمون، فقتل اللَّه مسيلمة. وأخرج بسنده عن أنس ﵁، قال: رَمَى البراء بنفسه عليهم، فقاتلهم حتى فتح الباب، وبه بضع وثمانون جراحةً من بين رمية بسهم، وضربة، فحُمل إلى رحله يُداوَى، وقام عليه خالد شهرًا. وأخرج الترمذيّ من طريق ثابت، وعليّ بن زيد، عن أنس ﵁: أن النبيّ ﷺ قال: "ربّ أشعث أغبر لا يُؤْبه له، لو أقسم على اللَّه لأبرّه، منهم البراء بن مالك"، فلما كان يوم تُستر من بلاد فارس، انكشف الناس، فقال المسلمون: يا براء أقسم على ربّك، فقال: أُقسم عليك يا ربّ لَمّا منحتنا أكتافهم، وألحقتني بنبيّك، فحمل، وحمل الناس معه، فقتل مرزُبان الزارة من عظماء الفرس، وأخذ سلبه، فانهزم الفرس، وقُتل البراء. استُشهد يوم حصن تستر في خلافة عمر ﵁ سنة عشرين. وقيل: قبلها. وقيل: سنة ثلاث وعشرين. وذكر سيف أن الهرمزان هو الذي قتله. انتهى ملخّصًا من "الإصابة" (١). وقوله: "أبصروه" الضمير لولدها. ثم الظاهر أنه من الإبصار، فهمزته همزة قطع، ويحتمل أن يكون من البصر -بفتحتين- من بابي كَرُم، وعلم، لكن هذا قليل، إذ
следующие страницы →