← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 12888

ذخيرة العقبى في شرح المجتبى

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (19 271 стр.). Показаны 14596–14635 · переход к 14601.

стр. 14596

ذهبت طائفة إلى أن الفرقة فسخ؛ وبه قال الشافعيّ، وأحمد -رحمهما اللَّه تعالى-؛ لأنها فرقة توجب تحريمًا مؤبّدًا، فكانت فسخًا، كفرقة الرضاع، ولأن اللعان ليس بصريح في الطلاق، ولا نوى به الطلاق، فلم يكن طلاقًا، كسائر ما ينفسخ به النكاح. وقال أبو حنيفة -رحمه اللَّه تعالى-: هي طلاقٌ؛ لأنها فرقة من جهة الزوج، تخصّ النكاح، فكانت طلاقًا، كالفرقة بقوده: أنت طالقٌ. ذكره ابن قدامة -رحمه اللَّه تعالى- (١). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: المذهب الأول هو الأظهر عندي. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الثامنة): في اختلاف أهل العلم فيمن وجد مع امرأته رجلاً، فتحقق الأمر، فقتله، هل يُقتل به أم لا؟: ذهب الجمهور إلى أنه لا يجوز له الإقدام على قتله، فإن قتله يُقتصّ منه، إلا أن يأتي ببيّنة الزنا، أو على المقتول بالاعتراف، أو يعترف به ورثته، فلا يُقتل القاتل به بشرط أن يكون المقتول محصنًا. وقيل: بل يُقتل به؛ لأنه ليس له أن يُقيم الحدّ بغير إذن الإمام. وقال بعض السلف: بل لا يُقتل أصلاً، وُيعزّر فيما فعله، إذا ظهرت أمارات صدقه. وشرط أحمد، وإسحاق، ومن تبعهما أن يأتي بشاهدين أنه قتله بسبب ذلك، ووافقهم ابن القاسم، وابن حبيب من المالكيّة، لكن زاد أن يكون المقتول قد أحصن. أفاده في "الفتح" (٢). وقال في "المفهم": وكونه ﷺ لم ينكر على السائل قوله: أيقتله؟ تقرير منه على ذلك، ويلزم منه إن قتله لم يكن فيه قصاص، ولا غيره، وقد عضده قول سعد ﵁: لو رأيته ضربته بالسيف. ولم ينكر عليه، بل صوّبه بقوله: "تعجبون من غيرة سعد؟ ". متّفق عليه. ولهذا قال أحمد، وإسحاق: يُهدر دمه إذا جاء القاتل بشاهدين. انتهى (٣). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: ما قاله أحمد، وإسحاق -رحمهما اللَّه تعالى- عندي أرجح؛ لظاهر حديث سعد، وعويمر - رضي اللَّه تعالى عنهما -. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". …

стр. 14597

٣٦ - (بَابُ اللِّعَانِ بِالْحَبَلِ) ٣٤٩٤ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ, قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ عَلِيٍّ, قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عُقْبَةَ, عَنْ أَبِي الزِّنَادِ, عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ, عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ, قَالَ: "لَاعَنَ رَسُولُ اللهِ ﷺ , بَيْنَ الْعَجْلَانِيِّ وَامْرَأَتِهِ, وَكَانَتْ حُبْلَى"). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "أحمد بن عليّ": هو أبو بكر القاضي المروزيّ الثقة الحافظ [١٢] ١/ ٢٠٩٤. من أفراد المصنّف. و"محمد بن أبي بكر" بن عليّ بن عطاء بن مُقدَّم -بالتشديد بوزن محمد- المقدّميّ، أبو عبد اللَّه الثقفيّ مولاهم البصريّ، ثقة [١٠]. قال عبد الخالق بن منصور: قلت ليحيى: أكتب عنه أحاديث أبيه؟ قال: اكتب. وقال أيضًا عن يحيى: صدوق. وقال أبو زرعة: ثقة. وقال أبو حاتم: صالح الحديث، محلّه الصدق. قال البخاريّ، وغير واحد: مات سنة (٢٣٤) زاد بعضهم: في أول السنة. وقال ابن قانع: مات في شعبان، وكان ثقة. أخرج له البخاريّ، ومسلم، والمصنّف، وله عنده حديث الباب فقط. و"عمر بن عليّ" بن عطاء بن مقدّم، أبو حفص البصريّ، واسطيّ الأصل، مولى ثقيف، ثقة، وكان يدلّس تدليسًا شديدًا [٨]. قال عبد اللَّه بن أحمد: سمعت أبي ذكره، فأثنى عليه خيرًا، وقال: كان يدلّس. وفي "الميزان" عن أحمد: عمر بن عليّ صالح عفيفٌ مسلم عاقلٌ، كان به من العقل أمر عجيب جدًّا؛ جاء إلى معاذ بن معاذ، فأدّى إليه مائتي ألف. وقال ابن معين: كان يدلّس، وما كان به بأس، حسن الهيئة، وأصله واسطيّ، نزل البصرة، لم أكتب عنه شيئًا. وقال ابن سعد: كان ثقةً، وكان يدلّس تدليسًا شديدًا، يقول: سمعت، وحدثنا، ثم يسكت، فيقول: هشام بن عروة، والأعمش. وقال عفان بن مسلم: كان رجلاً صالحًا، ولم يكونوا يَنقمون عليه غير التدليس، وأما غير ذلك فلا، ولم أكن أقبل منه حتى يقول: حدّثنا. وقال أبو حاتم: محلّه الصدق، ولولا تدليسه لحكمنا له إذا جاءنا بزيادة، غير أنا نخاف أن يكون أخذه عن غير ثقة. وقال ابن عديّ: أرجو أنه لا بأس به. وقال الساجيّ: صدوق ثقة، كان يدلّس. ونقل ابن خلفون توثيقه عن العجليّ. وقال أبو زيد عمر بن شبّة: كان مدلّسًا، وكان مع تدليسه أنبل الناس. قال ابنه عاصم: مات سنة (١٩٠) في جمادى الأولى. وفيها أرّخه البخاريّ. وقال أبو موسى: مات سنة

стр. 14598

(٩٢). وذكره ابن حبّان في "الثقات"، وحكى القولين في وفاته. أخرج له الجماعة. وله عند المصنّف خمسة أحاديث: حديث الباب، وحديث ٥٠١٠ "كتاب قطع السارق" - "باب تعليق يد السارق في عنقه" و٥٠٦١ "كتاب الإيمان" - "الدين يسر" و ٥٢٦٤ "كتاب الزينة" - "تسكين الشعر" و ٥٤٠٩ "كتاب القضاء" - "باب ترك استعمال من يحرص على القضاء". و"إبراهيم بن عقبة": هو الأسديّ مولاهم المدنيّ، أخو موسى، ثقة [٦] ٥٠/ ٦٠٩. و"أبو الزناد": هو عبد اللَّه بن ذكوان المدنيّ الثقة الحافظ. والحديث متّفق عليه، وسيأتي شرحه بعد بابين، إن شاء اللَّه تعالى، واستدلّ به المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- هنا لمشروعيّة اللعان بسبب الحبل من الزنا، وهو واضحٌ. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ٣٧ - (بَابُ اللِّعَانِ فِي قَذْفِ الرَّجُلِ زَوْجَتَهُ بِرَجُلٍ بِعَيْنِهِ) قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الظاهر أن المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- أشار بهذه الترجمة إلى أنه إذا قذف الرجل امرأته برجل معيّن، إنما يجب عليه اللعان فقط، دون حدّ القذف لذلك الرجل؛ لأنه ﷺ لم يحدّ هلالاً بشريك بن سحماء، وهذا قول الشافعيّ -رحمه اللَّه تعالى-. قال أبو العبّاس القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى-: وظاهر هذا الحديث أن هلالاً صرّح بذكر شريك أنه قذفه، ومع ذلك، فلم يحدّه النبيّ ﷺ له، وبهذا قال الشافعيّ: إنه لا حدّ على الرامي لزوجته إذا سمَّى الذي رماها به، ثم التعن، ورأى أنه التعن لهما. وقال مالك: إنه يُحدّ، ولا يُكتفى بالتعانه؛ لأنه إنما التعيين للمرأة، ولم تكن له ضرورة إلى ذكره، بخلاف المرأة، فهو إذًا قاذفٌ، فيُحدّ. واعتذر بعض أصحابنا -يعني المالكيّة- عن حديث شريك بأن يقال: إنه كان يهوديًّا، وأيضًا فلم يطلب شريك بشيء من ذلك، وهو حقّه، فلا متعلّق في الحديث. قال القاضي عياض: لا يصحّ قول من

стр. 14599

قال: إن شريكًا كان يهوديًّا، وهو باطلٌ، وهو شريك بن عبدة بن مغيث، وهو بلويّ، حليف الأنصار، وهو أخو البراء بن مالك لأمه. انتهى (١). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: ما قاله الشافعيّ -رحمه اللَّه تعالى- هو الأرجح عندي؛ لظاهر الحديث. واللَّه تعالى أعلم بالصواب. ٣٤٩٥ - (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ, قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ الأَعْلَى, قَالَ: سُئِلَ هِشَامٌ عَنِ الرَّجُلِ, يَقْذِفُ امْرَأَتَهُ؟ , فَحَدَّثَنَا هِشَامٌ, عَنْ مُحَمَّدٍ, قَالَ: سَأَلْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ عَنْ ذَلِكَ؟ وَأَنَا أَرَى أَنَّ عِنْدَهُ مِنْ ذَلِكَ عِلْمًا, فَقَالَ: إِنَّ هِلَالَ بْنَ أُمَيَّةَ, قَذَفَ امْرَأَتَهُ بِشَرِيكِ ابْنِ السَّحْمَاءِ, وَكَانَ أَخُو الْبَرَاءِ بْنِ مَالِكٍ لأُمِّهِ, وَكَانَ أَوَّلَ مَنْ لَاعَنَ, فَلَاعَنَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بَيْنَهُمَا, ثُمَّ قَالَ: «ابْصُرُوهُ, فَإِنْ جَاءَتْ بِهِ أَبْيَضَ, سَبِطًا, قَضِيءَ الْعَيْنَيْنِ, فَهُوَ لِهِلَالِ بْنِ أُمَيَّةَ, وَإِنْ جَاءَتْ بِهِ أَكْحَلَ, جَعْدًا أَحْمَشَ السَّاقَيْنِ, فَهُوَ لِشَرِيكِ ابْنِ السَّحْمَاءِ» , قَالَ: فَأُنْبِئْتُ أَنَّهَا جَاءَتْ بِهِ أَكْحَلَ, جَعْدًا, أَحْمَشَ السَّاقَيْنِ). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "إسحاق بن إبراهيم": هو ابن راهويه. و "عبد الأعلى": هو ابن عبد الأعلى الساميّ البصريّ الثقة المتقين [٨]. و"هشام": هو ابن حسّان القردوسيّ البصريّ. و"محمد": هو ابن سيرين. وقوله: "أن عنده من ذلك علمًا" الظرف خبر "أنا مقدّمًا، و"علمًا" اسمها مؤخّرًا، هكذا النسخة المصريّة، ونسخة "الكبرى" أيضًا. ووقع في النسخة الهنديّة، وشرح السنديّ بلفظ: "أن عنده من ذلك علم"، ولذا قال السنديّ في "شرحه": هو بالنصب اسم "أنّ"، وإن كتب بصورة المرفوع. ويحتمل أن يكون مرفوعًا بتقدير ضمير الشأن، أي أن الشأن عنده من ذلك علم. انتهى (٢). وقوله: "وكان أخو البراء" قال السنديّ: هكذا نسخ "المجتبى"، و"الكبرى" برفع "أخو"، والصواب "وكان أخا البراء" بالنصب؛ لأنه يُنصب بالألف؛ لأنه من الأسماء الستة التي ترفع بالواو، وتنصب بالألف، وتجرّ بالياء، كما قال ابن مالك في "الخلاصة": وَارْفَعْ بِوَاوِ وَانْصِبَنَّ بِالأَلِفْ … وَاجْرُرْ بِيَاءٍ مَا مِنَ الأَسْمَا أَصِفْ مِنْ ذَاكَ "ذُو" إِنْ صُحْبَةً أَبَانَا … و"الْفَمُ" حَيْثُ الْمِيمُ مِنْهُ بَانَا "أَبٌ" "أَخٌ" "حَمٌ"، كَذَاكَ وَ"هَنُ" … وَالنَّقْصُ فِي هَذَا الأَخِيرِ أَحْسَنُ

стр. 14600

وَفِي أَبٍ وَتَالِيَيْهِ يَنْدُرُ … وَقَصْرُهَا مِنْ نَقْصِهِنَّ أَشْهَرُ و"البراء" هذا هو ابن مالك بن النضر بن ضمضم بن زيد بن حرام بن جندب بن عامر ابن غَنم بن عديّ بن النجّار الأنصاريّ النجاريّ، أخو أنس بن مالك لأبيه. قاله أبو حاتم. وقال ابن سعد: أخوه لأبيه وأمه، أمهما أم سليم. قال الحافظ: وفيه نظر؛ لأنه أخو شريك بن سحماء لأمه، أمهما سحماء، وأما أم أنس، فهي أم سليم، بلا خلاف. وكان البراء ﵁ حادي النبيّ ﷺ ، يرجز له في بعض أسفاره، وشهد معه المشاهد إلا بدرًا. روى البغويّ بإسناد صحيح عن محمد بن سيرين، عن أنس ﵁ قال: دخلت على البراء بن مالك ﵁، وهو يتغنّى، فقلت له: قد أبدلك اللَّه ما هو خير منه، فقال: أترهب أن أموت على فراشي، لا واللَّه، ما كان اللَّه ليَحْرِمني ذلك، وقد قتلت مائة منفردَا، سوى من شاركت فيه. وأخرج بقي بن مخلد في "مسنده" عن أبي إسحاق، قال: زحف المسلمون إلى المشركين يوم اليمامة حتى ألجئوهم إلى حديقة فيها عدوّ اللَّه مسيلمة، فقال البراء بن مالك: يا معشر المسلمين، ألقوني إليهم، فاحتُمِل حتى إذا أشرف على الجدار اقتحم، فقاتلهم على الحديقة، حتى فتحها على المسلمين، ودخل عليهم المسلمون، فقتل اللَّه مسيلمة. وأخرج بسنده عن أنس ﵁، قال: رَمَى البراء بنفسه عليهم، فقاتلهم حتى فتح الباب، وبه بضع وثمانون جراحةً من بين رمية بسهم، وضربة، فحُمل إلى رحله يُداوَى، وقام عليه خالد شهرًا. وأخرج الترمذيّ من طريق ثابت، وعليّ بن زيد، عن أنس ﵁: أن النبيّ ﷺ قال: "ربّ أشعث أغبر لا يُؤْبه له، لو أقسم على اللَّه لأبرّه، منهم البراء بن مالك"، فلما كان يوم تُستر من بلاد فارس، انكشف الناس، فقال المسلمون: يا براء أقسم على ربّك، فقال: أُقسم عليك يا ربّ لَمّا منحتنا أكتافهم، وألحقتني بنبيّك، فحمل، وحمل الناس معه، فقتل مرزُبان الزارة من عظماء الفرس، وأخذ سلبه، فانهزم الفرس، وقُتل البراء. استُشهد يوم حصن تستر في خلافة عمر ﵁ سنة عشرين. وقيل: قبلها. وقيل: سنة ثلاث وعشرين. وذكر سيف أن الهرمزان هو الذي قتله. انتهى ملخّصًا من "الإصابة" (١). وقوله: "أبصروه" الضمير لولدها. ثم الظاهر أنه من الإبصار، فهمزته همزة قطع، ويحتمل أن يكون من البصر -بفتحتين- من بابي كَرُم، وعلم، لكن هذا قليل، إذ

стр. 14601

الفصيح أن يتعدى بالباء، قال الفيّوميّ: يقال: أبصرته برؤية العين إبصارًا، وبَصُرتُ بالشيء -بالضمّ، والكسرُ لغة، بَصَرًا -بفتحتين-: علمت به، فأنا بصير به، يتعدّى بالباء في اللغة الفصحى، وقد يتعدّى بنفسه انتهى (١). وقال السمين الحلبيّ في قوله تعالى: ﴿فَبَصُرَتْ بِهِ﴾: يقال: بصر بالشيء: أي علمه، وأبصره: أي نظر إليه. كذا قال الزجّاج، وقال غيره: بصر بالشيء، وأبصره: بمعنى علمه، والعامّة بضمّ الصاد في الماضي، ومضارعه، وقرأ الأعمش، وأبو السمّال "بصِرت" بالكسر، يبصَروا بالفتح، وهي لغة. انتهى (٢). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الحاصل أن الفصيح في قوله: "أبصروا" قطع الهمزة، أو تعديته بالباء، والمعنى اعلموا ولدها، أو انظروا إلى ولدها الذي ستلده من هذا الحمل الذي لاعنت به على أي صفة تلده، حتى تستدلّوا على كذب أحدهما. واللَّه تعالى أعلم. وتمام شرح الحديث يأتي في الباب التالي، إن شاء اللَّه تعالى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ٣٨ - (كَيْفَ اللِّعَانُ) ٣٤٩٦ - (أَخْبَرَنَا عِمْرَانُ بْنُ يَزِيدَ, قَالَ: حَدَّثَنَا مَخْلَدُ بْنُ حُسَيْنٍ الأَزْدِيُّ, قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ حَسَّانَ, عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ, عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ, قَالَ: إِنَّ أَوَّلَ لِعَانٍ كَانَ فِي الإِسْلَامِ, أَنَّ هِلَالَ بْنَ أُمَيَّةَ, قَذَفَ شَرِيكَ ابْنَ السَّحْمَاءِ بِامْرَأَتِهِ, فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ , فَأَخْبَرَهُ بِذَلِكَ, فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : «أَرْبَعَةَ شُهَدَاءَ, وَإِلاَّ فَحَدٌّ فِي ظَهْرِكَ» , يُرَدِّدُ ذَلِكَ عَلَيْهِ مِرَارًا, فَقَالَ لَهُ هِلَالٌ: وَاللَّهِ, يَا رَسُولَ اللهِ, إِنَّ اللَّهَ , لَيَعْلَمُ أَنِّي صَادِقٌ, وَلَيُنْزِلَنَّ اللَّهُ عَلَيْكَ, مَا يُبَرِّئُ ظَهْرِي مِنَ الْجَلْدِ, فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ, إِذْ نَزَلَتْ عَلَيْهِ آيَةُ اللِّعَانِ: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ إِلَى آخِرِ الآيَةِ, فَدَعَا هِلَالاً, فَشَهِدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ, إِنَّهُ لَمِنَ

стр. 14602

الصَّادِقِينَ, وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ, ثُمَّ دُعِيَتِ الْمَرْأَةُ, فَشَهِدَتْ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ, إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ, فَلَمَّا أَنْ كَانَ فِي الرَّابِعَةِ, أَوِ الْخَامِسَةِ, قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «وَقِّفُوهَا, فَإِنَّهَا مُوجِبَةٌ, فَتَلَكَّأَتْ, حَتَّى مَا شَكَكْنَا, أَنَّهَا سَتَعْتَرِفُ, ثُمَّ قَالَتْ: لَا أَفْضَحُ قَوْمِي سَائِرَ الْيَوْمِ, فَمَضَتْ عَلَى الْيَمِينِ, فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «انْظُرُوهَا, فَإِنْ جَاءَتْ بِهِ أَبْيَضَ, سَبِطًا قَضِيءَ الْعَيْنَيْنِ, فَهُوَ لِهِلَالِ بْنِ أُمَيَّةَ, وَإِنْ جَاءَتْ بِهِ آدَمَ, جَعْدًا, رَبْعًا, حَمْشَ السَّاقَيْنِ, فَهُوَ لِشَرِيكِ ابْنِ السَّحْمَاءِ» , فَجَاءَتْ بِهِ آدَمَ, جَعْدًا, رَبْعًا, حَمْشَ السَّاقَيْنِ, فَقَالَ: رَسُولُ اللهِ ﷺ : «لَوْلَا مَا سَبَقَ فِيهَا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ, لَكَانَ لِي وَلَهَا شَأْنٌ». قَالَ الشَّيْخُ" وَالْقَضِىءُ طَوِيلُ شَعْرِ الْعَيْنَيْنِ, لَيْسَ بِمَفْتُوحِ الْعَيْنِ, وَلَا جَاحِظِهِمَا, وَاللَّهُ أَعْلَمُ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (عمران بن يزيد) هو عمران بن خالد بن يزيد بن مسلم -نُسب لجدّه- القرشيّ الدمشقيّ، صدوق [١٠] ١٨/ ٤٢٢ من أفراد المصنّف. ٢ - (مخلد بن الحسين الأزديّ) أبو محمد البصريّ، نزيل المصّيصة، ثقة فاضل، من كبار [٩] ٧٢/ ٢٣٨٠. من أفراد المصنّف، ومسلم في "المقدّمة". ٣ - (هشام بن حسّان) القردوسيّ البصريّ، ثقة، من أثبت الناس في ابن سيرين [٦] ١٨٨/ ٣٠٠. ٤ - (محمد بن سيرين) الأنصاريّ مولاهم، أبو بكر بن أبي عمرة البصريّ، ثقة ثبت فقيه فاضل [٣] ٥٧/ ٤٦. ٥ - (أنس بن مالك) بن النضر الأنصاريّ - رضي اللَّه تعالى عنه - ٦/ ٦. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، وشيخ شيخه كما مرَّ آنفًا. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين، غير شيخه، فدمشقيّ. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث عن مخلد بن الحسين أنه (قال: حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ حَسَّانَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) - رضي اللَّه تعالى عنه -. هكذا أخرج المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- هذا

стр. 14603

الحديث من رواية هشام بن حسان، عن ابن سيرين، عن أنس ﵁، وأخرجه البخاريّ من رواية هشام، عن عكرمة، عن ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما -. قال في "الفتح": فمنهم من أعلّ حديث ابن عبّاس بهذا -يعني حديث أنس- ومنهم من حمله على أن لهشام فيه شيخين، وهذا هو المعتمد، فإن البخاريّ أخرج طريق عكرمة، ومسلمًا أخرج طريق ابن سيرين، ويرجّح هذا الحمل اختلاف السياقين، كما سنبيّنه، إن شاء اللَّه تعالى انتهى (١). (قَالَ: إِنَّ أَوَّلَ لِعَانٍ كَانَ فِي الإِسْلَام) قال أبو العبّاس القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى-: هذا يقتضي أن آية اللعان نزلت بسبب هلالَ بن أميّة، وكذلك ذكره البخاريّ، وهو مخالفٌ لما تقدّم أنها نزلت بسبب عويمر العجلانيّ. وهذا يحتمل أن تكون القضيّتان متقاربي الزمان، فنزلت بسببهما معًا. ويحتمل أن تكون الآية أنزلت على النبيّ ﷺ مرّتين، أي كرّر نزولها عليه، كما قال بعض العلماء في "سورة الفاتحة": إنها نزلت بمكّة، وتكرر نزولها بالمدينة، وهذه الاحتمالات -وإن بعُدت- فهي أولى من أن يُطرَّق الوهم للرواة الأئمة الحفّاظ. انتهى (٢). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: حاصل ما أشار إليه القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى- أن الجمع بأنها نزلت بسببهما هو الأرجح، وقد تقدّم تمام البحث في ذلك في المسألة الرابعة، في "باب بدء اللعان"، فراجعه تستفد. واللَّه تعالى وليّ التوفيق. (أَنَّ هِلَالَ بْنَ أُمَيَّةَ) بن عامر بن قيس بن عبد الأعلم بن عامر بن كعب بن واقف الأنصاريّ الواقفيّ، شهد بدرًا، وما بعدها، وهو أحد الثلاثة الذين تِيب عليهم، وقد تقدّم ذلك في -١٨/ ٣٤٤٩ باب "الحقي بأهلك" (قَذَفَ) أي رمى، يقال: قذف المحصنة قَذْفًا، من باب رمى: رماها بالفاحشة. أفاده الفيّوميّ (شَرِيكَ بْنَ السَّحْمَاءِ) بالنصب مفعول "قذف". وهو شريك -بفتح الشين المعجمة، وكسر الراء- ابن السحماء -بفتح السين، وسكون الحاء المهملتين- وهي أمه، واسم أبيه عبدة بن معتّب ابن الجدّ بن العجلان البلويّ، حليف الأنصار. وتقدّم في الباب الماضي أنه أخو البراء بن مالك لأمه. قال في "الإصابة": فقال أبو نعيم: إن بعضهم زعم أن شريكًا صفة لهذا الرجل، لا اسم له، وإنما كان بينه وبين ابن سحماء شَرِكَةٌ، فقيل له: شريك بن سحماء، فعلى هذا يتعيّن كتابة ألف بين "شريك"، و"ابن سحماء"، ولكنّه قول شاذّ. وقد يتقوّى بأن البراء بن مالك، كان أخا أنس بن

стр. 14604

مالك شقيقه، فعلى هذا فأُمهم جميعًا أم سُليم، ولم ينقل أن أم سُليم، تزوّجت عبدة بن مُعتّب قط. لكن يُجاب عن هذا بأنه كان أخا البراء لأمه من الرضاعة. وقد ذكر ابن الكلبيّ وغيره أن أمّ إبراهيم بن عبد اللَّه بن عربيّ الذي كان والي اليمامة لعبد الملك بن مروان فاطمة بنت شريك بن سحماء. وذكروا أيضًا لفاطمة بنت شريك خبرًا يوم الدار، وأنها حملت مروان بن الحكم لما ضُرب يوم الدار، فسقط، فأدخلته بيتًا حتى سلم من القتل. ويقال: إن شريك بن السحماء بعثه أبو بكر الصدّيق ﵁ رسولاً إلى خالد بن الوليد ﵁ -وهو باليمامة. ويقال: إنه شهد مع أبيه أحدًا. روى ذلك ابن سعد، عن الواقديّ بسنده، قال: فبعث أبو بكر إلى خالد أن يسير من اليمامة إلى العراق، وبعث عبده مع شريك بن عبدة العجلانيّ، وكان شريك أحد الأمراء بالشام في خلافة أبي بكر، وبعثه عمر رسولاً إلى عمرو بن العاص حين أذن له أن يتوجّه إلى فتح مصر. ذكره ابن عساكر، ولم ينبّه على أنه ابن سحماء، فكأنه عنده آخر انتهى ما في "الإصابة" باختصار (١). (بامْرَأَتِهِ) متعلّق بـ "قذف"، أي رماه بأنه زنى بامرأته (فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ ، فَأَخْبَرَهُ بذَلِكَ، فَقَالَ: لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : "أَرْبَعَةَ شُهَدَاءَ، وَإِلاَّ فَحَدٌّ فِي ظَهْرِكَ) "إلا" هي "إن" الشرطيّة أُدغمت في "لا" النافية، ولذا جاءت الفاء في جوابها، أي وإن لم تأت بأربعة شهداء، يشهدون على أنه زنى بامرأتك، فعليك حد القذف، يُضرب به ظهرك (يُرَدِّدُ ذَلِكَ عَلَيْهِ مِرَارًا) أي يردّ النبيّ ﷺ هذا الكلام على هلال كلما راجعه في هذه القضية. وفي رواية البخاريّ من حديث ابن عبّاس - رضي اللَّه تعالى عنهما -: "البيّنةَ، وإلا حدّ في ظهرك، فقال: يا رسول اللَّه، إذا رأى أحدنا على امرأته رجلاً، ينطلق، يلتمس البيّنة؟، فجعل النبيّ ﷺ يقول: "البيّنةَ، وإلا حدّ في ظهرك". قال ابن مالك: ضبطوا "البيّنةَ" بالنصب على تقدير عامل، أي أحضر البيّنة. وقال غيره: روي بالرفع، والتقدير إما البيّنة، وإما حدّ. وقوله: "أو حدّ في ظهرك" قال ابن مالك: حُذف منه فاء الجواب، وفعل الشرط بعد "إلا"، والتقدير: وإلا تُحضرها، فجزاؤك حدّ في ظهرك، قال: وحذف مثل هذا لم يذكر النحاة أنه يجوز إلا في الشعر، لكن يرد عليهم وروده في هذا الحديث الصحيح انتهى (٢). (فَقَالَ لَهُ هِلَالٌ: وَاللَّهِ، يَا رَسُولَ اللهِ، إِنْ اللَّهَ ، لَيَعْلَمُ أَنِّي صَادِقٌ) وفي

стр. 14605

حديث ابن عبّاس المذكورة: "فقال هلال: والذي بعثك بالحقّ إني لصادق، فليُنزلنّ اللَّه ما يُبرىء ظهري من الحدّ (وَلَيُنْزِلَنَّ اللَّهُ عَلَيْكَ، مَا يُبَرِّئُ) بتشديد الراء، من التبرئة (ظَهْرِي مِنَ الْجَلْدِ) -بفتح الجيم، وسكون اللام-: هو الضرب بالسوط، يقال: جلدتُ الجاني جَلْدًا من باب ضرب: ضربتُهُ بالْمِجْلَد -بكسر الميم- وهو السوط. الواحدة جَلْدَة، مثل ضرب، وضَرْبَة. قاله الفيّوميّ (فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ) أي بينما النبيّ ﷺ يتراجع الكلام مع هلال، وأصحابه جالسون معه يستمعون (إِذْ نَزَلَتْ عَلَيْهِ آيَةُ اللِّعَانِ: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ إِلَى آخِرِ الْآيَةِ، فَدَعَا هِلَالاً) إنما بدىء بالرجل؛ لأنه القاذف، فيدرأ الحدّ عن نفسه، ولأنه هو الذي بدأ اللَّه تعالى به، فإذا فرغ من أيمانه تعيّن عليها أن تقابل أيمانه بأيمانها النافية لما أثبته عليها، أو الحدّ، وهذا مما أجمع عليه العلماء. قاله القرطبيّ (١). (فَشَهِدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتِ باللَّهِ) قال أبو العبّاس القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى-: أي حلف أربع أيمان، وهذا معنى قولَه تعالى: ﴿فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ﴾ [النور: ٦] أي يحلف أربع أيمان، والعرب تقول: أشهد باللَّه: أي أحلف، وكما قال شاعرهم [من الطويل]: فَأَشْهَدُ عِنْدَ اللَّهِ أَنِّي أُحِبُّهَا … فَهَذَا لَهَا عِنْدِي فَمَا عِنْدَهَا لِيَا؟ وهذا مذهب الجمهور. وقال أبو حنيفة: هي شهادات محقّقة من المتلاعنين على أنفسهما. وانبنى على هذا الخلافُ في لعان الفاسقين، والعبدين، فعند الجمهور يصحّ، وعنده أبي حنيفة لا يصحّ. وربما استُدلّ لأبي حنيفة بما رواه أبو عمرو من حديث عمرو بن شعيب، مرفوعًا: "لا لعان بين مملوكين، ولا كافرين،"، وبما رواه الدارقطنيّ من هذا المعنى، ولا يصحّ منها كلّها شيء عند المحدّثين انتهى كلام القرطبيّ (٢). (إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ، وَالْخَامِسَةَ) بالنصب عطفًا على "أربعَ"، أي وشهد الخامسة (أَنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ) وجملة "أن الخ" بدل من "الخامسة"، أو عطف بيان (ثُمَّ دُعِيَتِ الْمَرْأَةُ) ببناء الفعل للَمفعول (فَشَهِدَتْ أَرْبَعَ شَهَادَاتِ بِاللَّهِ، إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ، فَلَمَّا أَنْ كَانَ فِي الرَّابِعَةِ) "أن" بعد "لما" التوقيتيّة زائدة، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا أَنْ جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ﴾ الآية (٣) (أَوِ الخَامِسَةِ) وفي حديث ابن عبّاس: "فلما كانت عند الخامسة" بدون شكّ (قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : (وَقِّفُوهَا) من التوقيف، أي

стр. 14606

أعلموها حكم الخامسة، وهو أن اللعان إنما يتمّ بها، ويترتب عليها آثاره، كما أشار إليه بقوله (فَإِنَّهَا مُوجِبَةٌ) لحكم اللعان، من الفرقة، وغيرها؛ وموجبة للعنة اللَّه المؤدّية إلى العذاب، في حقّ الكاذب (فَتَلَكَأَتْ) أي توقّفت، يقال: تلكّأ في الأمر تلكّئًا: إذا تباطأ عنه، وتوقّف فيه. يعني أنها توقّفت عن تكميل الخامسة (حَتَّى مَا شَكَكْنَا)، "ما" نافية، ويحتمل أن تكون زائدة، والأول أشبه (أَنَّهَا سَتَعْتَرِفُ، ثُمَّ قَالَتْ: لَا أَفْضَحُ) -بفتح الضاد المعجمة، من باب نفع: أي لا أُلحق العيب فيهم. قال الفيّوميّ: الفضيحة: العيب، والجمع فضائح، وفضحته فَضْحًا، من باب نفع: كشفته. وفي الدعاء: "لا تَفْضَحنا بين خلقك"، أي استر عيوبنا، ولا تكشفها، ويجوز أن يكون المعنى: اعصمنا، حتى لا نعصي، فنستحقّ الكشف انتهى (قَوْمِي سَائِرَ الْيَوْمِ) قيل: أرادت باليوم الجنس، أي جميع الأيام، أو بقيّتها، والمراد مدّة عمرهم (فَمَضَتْ عَلَى الْيَمِينِ، فَقَالَ: رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "انْظُرُوهَا") أي انتظروها (فَإِنْ جَاءَتْ بِهِ أَبْيَضَ، سَبِطًا) أي مسترسل الشعر، منبسطه، يقال: سَبِط الشعر سَبَطًا، من باب تعب، فهو سَبِطٌ -بكسر الباء، وربّما قيل: سَبَطٌ بالفتح وصفٌ بالمصدر: إذا كان مسترسلاً، وسَبُطَ سَبُوطةً، فهو سَبْطٌ، مثلُ سَهُل سُهُولةً، فهو سَهْلٌ، لغةٌ فيه. قاله الفيّوميّ (قَضِيءَ الْعَينَيْنِ) -بفتح القاف، وكسر الضاد المعجمة- على وزن فَعِيل أي فاسد العينين بكثر دمع، أو حمرة، أو غير ذلك. قال ابن منظور في "اللسان": قَضِئَتْ عينُهُ تَقْضَأُ قَضَأً، فهي قَضِئَةٌ: احمرّت، واسترخت مآقيها، وقَرِحَت، وفَسَدَت. والقُضْأَةُ الاسم. وفيها قَضْأَةٌ: أي فسادٌ. انتهى (فَهُوَ لِهِلَالِ بْنِ أُمَيَّةَ) أي لأن هذه صفته الْخِلْقيّة (وَإنْ جَاءَتْ بِهِ آدَمَ) بالمدّ من الأُدمة، وهي شدّة السمرة، يقال: رجلٌ آدم، وامرأة أَدْماءُ، كأحمر، وحمراء، ويُجمع آدم على أُدْم، كَحُمْر. قاله في "المفهم". وفي "القاموس": أدم، كعلم، وكرُم، فهو آدم، جمعه أُدْمٌ، وأُدْمَانْ -بضمّهما-، وهي أَدْمَاءُ، وشدّ أَدمَانةٌ، جمعها أُدْمٌ- بالضمّ- انتهى (جَعْدًا) -بفتح الجيم، وسكون العين المهملة- المرإد هنا هو المتكسّر الشعر، ضدّ السبوطة المتقدّمة. قال الفيّوميّ: جَعد الشعر -بضمّ العين، وكسرها- جُعُودةً إذا كان فيه التواء، وتقبّضٌ، فهو جعد، وذلك خلاف المسترسل انتهى. وفي رواية أخرى: "إن جاءت به جعدًا قَطِطًا": أي شديد الجعودة. وقال الهرويّ -رحمه اللَّه تعالى-: الجعد في صفات الرجال يكون مدحًا، ويكون ذمًّا، فإذا كان مدحًا، فله معنيان: أحدهما: أن يكون معصوب الخلق، شديد الأسر. والثاني: أن يكون شعره غير سبط؛ لأن السبوطة أكثرها في شعور العجم. وأما

стр. 14607

المذموم، فله معنيان: أحدهما: القصير المتردّد. والآخر: البخيل، يقال: جعد الأصابع، وجعد اليدين: أي بخيل انتهى (١). (رَبْعًا) -بفتح الراء، وسكون الموحّدة، وتُفتح- ويقال أيضًا: رَبْعَةٌ: أي متوسّطًا، غير طويل، ولا قصير. قال الفيّوميّ: رجلٌ رَبْعةٌ، وامرأة رَبْعَةٌ: أي معتدل، وحذف الهاء في المذكّر لغةٌ، وفتح الباء فيهما لغةٌ، ورجلٌ مربوعٌ مثله. انتهى (حَمْشَ السَّاقَيْنِ) -بفتح الحاء المهملة، وسكون الميم، وشين معجمة، وزان فَلْس، يقال: رجلٌ حَمْشُ الساقين، وأحمش الساقين: أي دقيقهما. وحَمِشَ عَظْمُ ساقه، من باب تَعِب حَمْشةً: رقّ (فَهُوَ لِشَرِيكِ بْنِ السَّحْمَاءِ) قال القرطبيّ: هذا يدلّ على أن هذا كان منه ﷺ تفرّسًا وحَدْسًا، لا وحيًا، ولو كان وحيًا لكان معلومًا عنده. وفيه ما يدلّ على إلغاء حكم الشبه في الحرائر، كما هو مذهب مالك. قال: وفيه: أن ذكر الأوصاف المذمومة للضرورة، والتحلية بها للتعريف ليس بغيبة. انتهى (٢). (فَجَاءَتْ بِهِ آدَمَ، جَعْدًا، رَبْعًا، حَمْشَ السَّاقَيْنِ) أي على صفة شريك بن السحماء الذي ادّعى هلال أنه وجده مع امرأته (فَقَالَ: رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَوْلَا مَا سَبَقَ فِيهَا مِنْ كِتَابِ اللَّه، لَكَانَ لِي وَلَهَا شَأْنٌ) وفي رواية: "لولا ما مضى من كتاب اللَّه، لكان لي ولها شأن". أي لولا ما سبق من حكم اللَّه تعالى أن اللعان يدفع الحدّ عن المرأة لأقمت عليها الحدّ من أجل الشبه الظاهر بالذي رُميت به. ويستفاد منه أنه ﷺ كان يحكم بالاجتهاد فيما لم ينزل عليه فيه وحي خاصّ، فإذا أنزل الوحي بالحكم في تلك المسألة قطع النظر، وعمل بما نزل، وأجرى الأمر على الظاهر، ولو قامت قرينة تقتضي خلاف الظاهر. قاله في "الفتح" (٣). وقال القرطبيّ: يفهم من ذلك أن الحكم إذا وقع على شروطه لا يُنقض، وإن تبيّن خلافه. هذا إن لم يقع خلل، أو تفريط في شيء من أسبابه، فأما لو فرّط الحاكم، فغلط، وتبيّن تفريطه، وغلطه بوجه واضح، نُقض حكمه. وهذا مذهب الجمهور انتهى (٤). (قَالَ: الشَّيْخُ) أبو عبد الرحمن النسائيّ -رحمه اللَّه تعالى-، مفسّرًا قوله: "قضيء العينين (وَالْقَضِئُ طَوِيلُ شَعْرِ الْعَيْنَيْنِ) وفي نسخة: "والقضيء العينين"، وفي أخرى: "والقضيء العين" (لَيْسَ بِمَفْتُوحِ الْعَيْنِ، وَلَا جَاحِظِهَا) وفي نسخة: "ولا جاحظهما". قال

стр. 14608

في "القاموس": جَحَظَت عينُهُ، كمنع: خرجت مقلتها، أو عظُمت انتهى. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا التفسير الذي فسّر به المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- لـ "لقضيء" لم أجده في كتب اللغة التي بين يديّ، والمذكرر فيها تفسيره بالفاسد. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث أنس بن مالك - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا أخرجه مسلم. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٣٨/ ٣٤٩٦ و ٣٧/ ٣٤٩٥ - وفي "الكبرى" ٣٧/ ٥٦٦٢ و ٣٨/ ٥٦٦٣. وأخرجه (م) في "اللعان" ١٤٩٦ (أحمد) في "باقي مسند المكثرين" ١٢٠٤٢. واللَّه تعالى أعلم. أما فوائد الحديث، وبيان المسائل المتعلّقة به، فقد تقدّمت في شرح حديث سهل بن سعد ﵁ قبل بابين، وإنما أتكلّم هنا فيما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، فأقول: (المسألة الثالثة): في أقوال أهل العلم في كيفيّة اللعان، وألفاظه: قال العلامة ابن قُدامة -رحمه اللَّه تعالى-: أما ألفاظه فهي خمسة في حقّ كلّ واحد منهما. وصفته أن الإمام يبدأ بالزوج، فيقيمه، ويقول له: قل أربع مرّات: أشهد باللَّه أني لمن الصادقين فيما رميت به زوجتي هذه من الزنا، وُيشير إليها، إن كانت حاضرة، ولا يحتاج مع الحضور، والإشارة إلى نسبة وتسمية، كما لا يحتاج إلى ذلك في سائر العقود. وإن كانت غائبةً أسماها، ونسبها، فقال: امرأتي فلانة بنت فلان، ويرفع في نسبها حتى تنتفي المشاركة بينها وبين غيرها. فإذا شهد أربع مرّات، وقفه الحاكم، وقال له: اتّق اللَّه، فإنها الموجبة، وعذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة، وكلّ شيء من لعنة اللَّه. ويأمر رجلاً، فيضع يده على فيه، حتى لا يبادر بالخامسة قبل الموعظة، ثم يأمر الرجل، فيرسل يده عن فيه، فإن رآه يمضي في ذلك، قال له: قل: وأن لعنة اللَّه عليّ، إن كنت من الكاذبين فيما رميت به زوجتي هذه من الزنى. ثم يأمر المرأة بالقيام، ويقول لها: قولي: أشهد باللَّه أن زوجي هذا لمن الكاذبين فيما رماني به من الزنى، وتشير إليه، وإن كان غائبًا أسمته، ونسبته، فإذا كرّرت ذلك أربع مرّات، وقفها، ووعظها كما ذكرنا في حقّ الزوج، ويأمر امرأة، فتضع يدها على فيها، فإن رآها تمضي على ذلك، قال لها: قولي: وأن غضب اللَّه عليّ، إن كان زوجي هذا من الصادقين فيما رماني به من الزنى.

стр. 14609

قال: وعدد هذه الألفاظ الخمسة شرط في اللعان، فإن أخلّ بواحدة منها لم يصحّ. انتهى كلام ابن قدامة باختصار. وسئل الإمام أحمد -رحمه اللَّه تعالى- كيف يلاعن؟ فقال: على ما كتاب اللَّه تعالى، ثم ذكر نحو ما تقدّم (١). وقال أبو العبّاس القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى-: واختلفوا في الألفاظ التي يقولها المتلاعنان، وأولى ذلك كلّه ما دلّ عليه كتاب اللَّه تعالى، ثم ذكر نحو ما تقدّم. انتهى (٢). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الحاصل أن ما دلّ عليه نصّ كتاب اللَّه تعالى من ألفاظ اللعان، هو المتّبع، ولا حاجة إلى الاختلاف في الزيادة والنقص، إلا إذا ثبت في الأحاديث ما يدلّ على الزيادة، مثل التوقيف ووضع اليد في الخامسة، وقوله: إنها موجبة، ونحو ذلك، فيعمل بالزيادة. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ٣٩ - (بَابُ قَوْلِ الإِمَام: اللَّهُمَّ بَيِّنْ) أي هذا باب في بيان الحديث الدّالّ على مشروعيّة قول الإمام في اللعان: "اللَّهم بين"، أي أظهر حكم هذه المسألة الواقعة. وقال ابن العربيّ -رحمه اللَّه تعالى-: ليس معنى هذا الدعاء طلب ثبوت صدق أحدهما فقط، بل معناه أن تلد ليظهر الشبه، ولا يمتنع دلالتها بموت الولد مثلاً، فلا يظهر البيان. والحكمة فيه ردع من شاهد ذلك عن التلبس بمثل ما وقع لما يترتّب على ذلك من القبح، ولو اندرأ الحدّ انتهى (٣). واللَّه تعالى أعلم بالصواب. ٣٤٩٧ - (أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ حَمَّادٍ, قَالَ: أَنْبَأَنَا اللَّيْثُ, عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ, عَنْ عَبْدِ

стр. 14610

الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ, عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ, عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ, أَنَّهُ قَالَ: ذُكِرَ التَّلَاعُنُ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ , فَقَالَ عَاصِمُ بْنُ عَدِيٍّ فِي ذَلِكَ قَوْلاً, ثُمَّ انْصَرَفَ, فَأَتَاهُ رَجُلٌ مِنْ قَوْمِهِ, يَشْكُو إِلَيْهِ, أَنَّهُ وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلاً, قَالَ عَاصِمٌ: مَا ابْتُلِيتُ بِهَذَا, إِلاَّ بِقَوْلِي, فَذَهَبَ بِهِ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ , فَأَخْبَرَهُ, بِالَّذِي وَجَدَ عَلَيْهِ امْرَأَتَهُ, وَكَانَ ذَلِكَ الرَّجُلُ مُصْفَرًّا, قَلِيلَ اللَّحْمِ, سَبِطَ الشَّعَرِ, وَكَانَ الَّذِي ادَّعَى عَلَيْهِ أَنَّهُ وَجَدَهُ عِنْدَ أَهْلِهِ آدَمَ, خَدْلاً, كَثِيرَ اللَّحْمِ, فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «اللَّهُمَّ بَيِّنْ» , فَوَضَعَتْ شَبِيهًا بِالرَّجُلِ الَّذِي ذَكَرَ زَوْجُهَا, أَنَّهُ وَجَدَهُ عِنْدَهَا, فَلَاعَنَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بَيْنَهُمَا, فَقَالَ رَجُلٌ لاِبْنِ عَبَّاسٍ فِي الْمَجْلِسِ: أَهِيَ الَّتِي قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «لَوْ رَجَمْتُ أَحَدًا بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ, رَجَمْتُ هَذِهِ؟» , قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَا, تِلْكَ امْرَأَةٌ, كَانَتْ تُظْهِرُ فِي الإِسْلَامِ الشَّرَّ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (عيسى بن حمّاد) بن مسلم التجيبيّ، أبو موسى المصريّ الملقب زُغْبَة، وهو لقب أبيه أيضًا، ثقة [١٠] ١٣٥/ ٢١١. [تنبيه]: وقع في النسخة المصريّة من "المجتبى" "عيسى بن حميد"، وهو غلطٌ، فتنبّه. واللَّه تعالى أعلم. ٢ - (الليث) بن سعد بن عبد الرحمن الفهميّ الإمام الحجة الثبت المصريّ [٧] ٣١/ ٣٥. ٣ - (يحيى بن سعيد) بن قيس الأنصاريّ المدنيّ القاضي، ثقة ثبت [٥] ٢٢/ ٢٣. ٤ - (عبد الرحمن بن القاسم) بن محمد التيميّ، أبو محمد المدنيّ، ثقة جليل، قال ابن عيينة: كان أفضل أهل زمانه [٦] ١٢٠/ ١٦٦. ٥ - (القاسم بن محمد) بن أبي بكر الصدّيق التيميّ المدنيّ الفقيه، ثقة ثبت، قال أيوب: ما رأيت أفضل منه، من كبار [٣] ١٢٠/ ١٦٦. ٦ - (ابن عباس) عبد اللَّه البحر الحبر - رضي اللَّه تعالى عنهما - ٢٧/ ٣١. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، إلا شيخه، والليث، فمصريان. (ومنها): أن رواية يحيى، عن عبد الرحمن من رواية الأكابر، عن الأصاغر؛ لأن يحيى من الطبقة الخامسة، وعبد الرحمن من السادسة، وفيه رواية الابن عن أبيه، وفيه القاسم بن محمد أحد الفقهاء السبعة، وفيه ابن عبّاس - رضي اللَّه تعالى عنهما - أحد العبادلة

стр. 14611

الأربعة، وأحد المكثرين السبعة، وكلهم تقدّموا غير مرّة. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) - رضي اللَّه تعالى عنهما - (أَنَّهُ قَالَ: ذُكِرَ التَّلَاعُنُ) ببناء الفعل للمفعول، و"التلاعن" بالرفع على أنه نائب الفاعل. وفي رواية عند البخاريّ: "ذُكر المتلاعنان". والمراد ذكر حكم الرجل يرمي امرأته بالزنا، فعبّر عنه بالتلاعن باعتبار ما آل إليه الأمر بعد نزول الآية (عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَقَالَ: عَاصِمُ بْنُ عَدِي فِي ذَلِكَ قَوْلاً) قال الكرمانيّ: معنى قوله: "قولاً"، أي كلامًا لا يليق به، كعجب النفس، والنخوة، والمبالغة في الغيرة، وعدم المردّ إلى اللَّه، وقدرته. وتعقّبه الحافظ، فقال: وكلّ ذلك بمعزل عن الواقع، وإنما المراد بقول عاصم ما تقدّم في حديث سهل بن سعد أنه سأل عن الحكم الذي أمره عويمرٌ أن يسأل له عنه، وإنما جزمت بذلك؛ لأنه تبيّن لي أن حديثي سهل بن سعد، وابن عبّاس من رواية القاسم بن محمد، عنه في قصّة واحدة، بخلاف رواية عكرمة، عن ابن عبّاس، فإنها قصّة أخرى، كما تقدّم في تفسير سورة النور، عن ابن عبد البرّ أن القاسم روى قصّة اللعان عن ابن عبّاس، كما رواه سهل بن سعد، وغيره، في أن الملاعن عويمر، وبينّت هناك توجيهه، وعلى هذا فالقول المبهم عن عاصم في رواية القاسم هذه هو قوله: "أرأيت رجلاً وجد مع امرأته رجلاً، أيقتله، فتقتلونه؟ " الحديث. ولا مانع أن يروي ابن عبّاس القصّتين معًا. ويؤيّد التعدّد اختلاف السياقين، وخلوّ أحدهما عما وقع في الآخر، وما وقع بين القصّتين من المغايرة، كما أبيّنه انتهى (١). (ثُمَّ انْصَرَفَ) أي رجع عاصم من مجلس رسول اللَّه ﷺ إلى منزله (فَأَتَاهُ رَجُلٌ مِنْ قَوْمِهِ) هو عويمر كما تقدّم، ولا يمكن تفسيره بهلال بن أميّة؛ لأنه لا قرابة بينه وبين عاصم؛ لأنه هلال بن أمية بن عامر بن عبد قيس من بني واقف، وهو مالك بن امرئ القيس بن مالك بن الأوس، فلا يجتمع مع بني عمرو بن عوف الذي ينتمي عاصم إلى حلفهم، إلا في مالك بن الأوس؛ لأن عمرو بن عوف هو ابن مالك. قاله في "الفتح" (يَشْكُو إِلَيْهِ، أَنَّهُ وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلاً، قَالَ عَاصِمٌ: مَا ابْتُلِيتُ بِهَذَا) ببناء الفعل للمجهول. أي ما ابتُليت بوقوع هذه الفاحشة في قومي إلا بسؤالي عما لم يقع، وإنما أسند الابتلاء إليه؛ لأن عويمرًا كانت تحته بنت عاصم، أو بنت أخيه، فما وقع منها فهو ابتلاء له.

стр. 14612

وقوله (إِلاَّ بقَوْلِي) أي بسؤالي عما لم يقع، كأنه قال: فعوقبت بوقوع ذلك في آل بيتي. قال الحافظ: وزعم الداوديّ أن معناه أنه قال مثلاً: لو وجدت أحدًا يفعل ذلك لقتلته، أو عيّر أحدًا بذلك، فابتلي به. وكلامه أيضًا بمعزل عن الواقع، فقد وقع في مرسل مقاتل بن حيّان عن ابن أبي حاتم: "فقال عاصم: إنا للَّه، وإنا إليه راجعون، هذا واللَّه بسؤالي عن هذا الأمر بين الناس، فابتليت به"، والذي كان قال: "لو رأيته لضربته بالسيف" هو سعد بن عبادة، وقد أورد الطبريّ من طريق أيوب، عن عكرمة، مرسلاً، ووصله ابن مردويه بذكر ابن عبّاس، قال: لما نزلت: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ قال سعد بن عبادة: إن أنا رأيت لكاع يفجر بها رجل … " فذكر القصّة، وفيه: فواللَّه ما لبثوا إلا يسيرًا حتى جاء هلال بن أميّة، فذكر قصّته، وهو عند أبي داود في رواية عبّاد بن منصور، عن عكرمة، عن ابن عبّاس، فوضح أن قول عاصم كان في قصّة عويمر، وقول سعد بن عبادة كان في قصّة هلال، فالكلامان مختلفان، وهما مما يؤيّد تعدد القصّة، ويؤيّد التعدّد أيضًا أنه وقع في آخر حديث ابن عبّاس عند الحاكم: "قال ابن عبّاس: فما كان بالمدينة أكثر غاشية منه". وعند أبي داود وغيره: "قال عكرمة: فكان بعد ذلك أميرًا على مصر، وما يُدعى لأب"، فهذا يدلّ على أن ولد الملاعنة عاش بعد النبيّ ﷺ زمانًا. وقوله: "على مصر"، أي من الأمصار، وظنّ بعض شيوخنا أنه أراد مصر البلد المشهور، فقال: فيه نظر؛ لأن اْمراء مصر معروفون معدودون، ليس فيهم هذا. ووقع في حديث عبد اللَّه بن جعفر، عند ابن سعد في "الطبقات" أن ولد الملاعنة عاش بعد ذلك سنتين، ومات، فهذا أيضًا مما يقوّي التعدد، واللَّه أعلم. انتهى كلام الحافظ -رحمه اللَّه تعالى- (١). (فَذَهَبَ بِهِ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَأَخْبَرَهُ، بِالَّذِي وَجَدَ عَلَيْهِ امْرَأَتَهُ، وَكَانَ ذَلِكَ الرَّجُلُ) أي الذي رمى امرأته (مُصْفَرًّا) -بضم أوله، وسكون الصاد المهملة، وفتح الفاء، وتشديد الراء- أي قويّ الصفرة. وهذا لا يخالف قوله في حديث سهل ﵁: "إنه أحمر، أو أشقر"؛ لأن ذاك لونه الأصليّ، والصفرة عارضة (قَلِيلَ اللَّحْمِ) أي نحيف الجسم (سَبِطَ الشَّعْرِ) بفتح، فكسر، أو بفتحتين: أي مسترسله، وهو ضدّ الجعودة (وَكَانَ الَّذِيَ ادَّعَى عَلَيْهِ أَنَّهُ وَجَدَهُ عِنْدَ أهْلِهِ آدَمَ) بالمدّ: أي لونه قربٌ من السواد (خَدْلاً) -بفتح الخاء المعجمة، وإسكان الدال المهملة: هو الممتلئ الساق الضخم. أي ممتلىء الساقين. وقال أبو الحسين بن فارس: "ممتلىء الأعضاء". وقال الطبريّ: لا

стр. 14613

يكون إلا مع غلظ العظم مع اللحم. وقال ابن التين: ضبط في بعض الكتب بكسر الدال، وتخفيف اللام، وفي بعضها بتشديد اللام، وفي بعضها بسكون الدال، وكذلك هو في كتب اللغة، وكذا ضبط في رواية أبي صالح، وابن يوسف. قاله العينيّ (١) (كَثِيرَ اللَّحْمٍ) أي في جميع جسده. قال في "الفتح": يحتمل أن تكون صفة شارحة لقوله: "خدلاً"، بناء على أن الخدل الممتلئ البدن، وأما على قول من قال: إنه الممتلئ الساق، فيكون فيه تعميم بعد تخصيص. وزاد في الرواية التالية: " جعدًا قططًا"، و"الجعد": هو المتكسّر، ضدّ السبوطة. و"القطط" -بفتحتين، أو بفتح، فكسر-: هو المتفلفل الشعر. قال في "الفتح": وهذه الصفة موافقة للتي في حديث سهل بن سعد حيث فيه: "عظيم الأليتين خدلّج الساقين الخ". انتهى (٢). (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "اللَّهُمَّ بَيِّنْ") أي بين لنا الحكم في هذه المسألة. قال أبو العبّاس القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى-: ظاهره أنه دعاء في أن يبيّن له ممن الولد؟، فأجيب بأنه للذي رُمي به، وتبيّن له ذلك بأن اللَّه تعالى خلقه يُشبه الذي رميت به، وعلى الصفة التي قال النبيّ ﷺ ، ولذلك نسّق قوله: "فوضعت" على الكلام المتقدّم بالفاء. وقيل: معناه: اللَّهمّ بين الحكم في هذه الواقعة، كما جاء في الرواية الأخرى: "اللَّهم افتح"، أي احكم، ومنه قوله تعالى: ﴿ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ﴾ [سبأ: ٢٦] أي يحكم انتهى (٣). وقال البدر العينيّ -رحمه اللَّه تعالى-: قوله: "اللَّهم بيّن" أي حكم المسألة. ويقال: معناه الحرص على أن يعلم من باطن المسألة ما يقف به على حقيقتها، وإن كانت شريعته قد أحكمها اللَّه في القضاء بالظاهر. وإنما صارت شرائع الأنبياء ﵈ يُقضى فيها بالظاهر؛ لأنها تكون سببًا لمن بعدهم من أممهم، ممن لا سبيل له إلى وحي يعلم به بواطن الأمور (٤). (فَوَضَعَتْ) أي ولدت تلك المرأة ولدًا (شَبِيهًا بِالرَّجُلِ الَّذِي ذَكَرَ زَوْجُهَا، أَنَّهُ وَجَدَهُ عِنْدَهَا، فَلَاعَنَ) أي أمر باللعان (رَسُولُ اللهِ ﷺ بَيْنَهُمَا) هذا ظاهره أن الملاعنة بينهما تأخّرت حتى وضعت، فيُحمل على أن قوله: "فلاعن" معقّب بقوله: فذهب به إلى النبيّ ﷺ ، فأخبره بالذي وجد عليه امرأته، واعترض قوله: "وكان ذلك الرجل الخ"،

стр. 14614

والحامل على ذلك ما قدّمناه من الأدلّة على أن رواية القاسم هذه موافقة لحديث سهل بن سعد. ويحتمل على بعد أن تكون الملاعنة وقعت مرّة بسبب القذف، وأخرى بسبب الانتفاء. قاله في "الفتح" (١). (فَقَالَ: رَجُلٌ لِابْنِ عَبَّاسٍ فِي الْمَجْلِسِ) هذا السائل هو عبد اللَّه بن شدّاد بن الهاد، وهو ابن خالة ابن عبّاس، سمّاه أبو الزناد عن القاسم بن محمد في هذا الحديث عند البخاريّ في "كتاب الحدود" (أَهِيَ الَّتِي قَالَ: رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَوْ رَجَمْتُ أَحَدًا بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ، رَجَمْتُ هَذِهِ؟ "، قَالَ: ابْنُ عَبَّاسٍ) - رضي اللَّه تعالى عنهما - (لَا، تِلْكَ امْرَأَةٌ، كَانَتْ تُظْهِرُ فِي الْإِسْلَامِ الشَّرِّ) وفي رواية: "كانت تظهر في الإسلام السوء" أي كانت تُعلن بالفاحشة، ولكن لم يثبت عليها ذلك ببيّنة، ولا اعتراف. قال الداوديّ: فيه جواز عيب من يسلك مسالك السوء. وتُعُقّب بأن ابن عبّاس لم يسمها، فإن أراد إظهار العيب على الإبهام فمحتملٌ (٢). وقال القرطبيّ: قوله: "تلك امرأة كانت تُظهِر في الإسلام السوء" أي تَظهَر عليها قرائنُ، تدلّ على أنها بَغِيّ، تتعاطى الفاحشة، لكن لم يثبت عليها سببٌ شرعيّ، يتعلّق به الرجم، لا إقرارٌ، ولا حملٌ، ولا بيّنةٌ، فلم يُقَم عليها حدٌّ لتلك الأسباب المحصورة انتهى (٣). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث ابن عبّاس - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٣٩/ ٣٤٩٧ و ٣٤٩٨ - و ٣٦/ ٣٤٩٤ - وفي "الكبرى" ٣٩/ ٥٦٦٤. وأخرجه (خ) في "الطلاق" ٥٣١٠ و ٥٣١٦ و"الحدود" ٦٨٥٥ و ٦٨٥٦ و"التمنّي" ٧٢٣٨ (م) في "اللعان" ١٤٩٧ (ق) في "الحدود" ٢٥٦٠ (أحمد) في "مسند بني هاشم" ٣٠٩٦ و٣٣٥٠ و ٣٤٣٩. وأما فوائد الحديث، وسائر متعلّقاته، فقد تقدّمت قريبًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٤٩٨ - (أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ السَّكَنِ, قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَهْضَمٍ, عَنْ

стр. 14615

إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ, عَنْ يَحْيَى, قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الْقَاسِمِ, يُحَدِّثُ عَنْ أَبِيهِ, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ, أَنَّهُ قَالَ: ذُكِرَ التَّلَاعُنُ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ , فَقَالَ عَاصِمُ بْنُ عَدِيٍّ, فِي ذَلِكَ قَوْلاً, ثُمَّ انْصَرَفَ, فَلَقِيَهُ رَجُلٌ مِنْ قَوْمِهِ, فَذَكَرَ أَنَّهُ وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلاً, فَذَهَبَ بِهِ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ , فَأَخْبَرَهُ بِالَّذِي وَجَدَ عَلَيْهِ امْرَأَتَهُ, وَكَانَ ذَلِكَ الرَّجُلُ مُصْفَرًّا, قَلِيلَ اللَّحْمِ, سَبِطَ الشَّعْرِ, وَكَانَ الَّذِي ادَّعَى عَلَيْهِ أَنَّهُ وَجَدَ عِنْدَ أَهْلِهِ آدَمَ, خَدْلاً, كَثِيرَ اللَّحْمِ, جَعْدًا, قَطَطًا, فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «اللَّهُمَّ بَيِّنْ» , فَوَضَعَتْ شَبِيهًا بِالَّذِي ذَكَرَ زَوْجُهَا, أَنَّهُ وَجَدَهُ عِنْدَهَا, فَلَاعَنَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بَيْنَهُمَا, فَقَالَ رَجُلٌ لاِبْنِ عَبَّاسٍ فِي الْمَجْلِسِ: أَهِيَ الَّتِي قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «لَوْ رَجَمْتُ أَحَدًا بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ, رَجَمْتُ هَذِهِ» , قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَا, تِلْكَ امْرَأَةٌ كَانَتْ تُظْهِرُ الشَّرَّ فِي الإِسْلَامِ). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "يحيى بن محمد بن السكن": هو القرشيّ البصريّ، نزيل بغداد، صدوق [١١] ٦٠/ ١٧٧٠. و"محمد بن جهضم": هو أبو جعفر الثقفيّ البصريّ، خراسانيّ الأصل، صدوقٌ [١٠] ٦٠/ ١٧٧٠. و"إسماعيل بن جعفر" بن أبي كثير الأنصاريّ الزُّرقيّ، أبو إسحاق المدنيّ الثقة الثبت [٨] ١٦/ ١٧. و"يحيى": هو ابن سعيد الأنصاريّ المذكور في السند الماضي. وقوله: " جعدًا" -بفتح، فسكون-: هو الذي شعره غير سبط. وقوله: "قططًا" - بفتحتين، أو كسر الطاء الأولى-: شديد الجعودة، والتقبّض، كشعر السودان. والحديث متّفقٌ عليه، وقد تقدّم شرحه مستوفى في الذي قبله. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ٤٠ - (بَابُ الأَمْرِ بِوَضْع الْيَدِ عَلَى فِي الْمُتَلَاعِنَينِ عِنْدَ الْخَامِسَةِ) قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قوله: "على في المتلاعنين" هي لغة في "الفم"، وقد تقدّم أنها من الأسماء الستّة التي ترفع بالواو، وتنصب بالألف، وتجرّ بالياء. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.

стр. 14616

٣٤٩٩ - (أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ مَيْمُونٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ, عَنْ عَاصِمِ بْنِ كُلَيْبٍ, عَنْ أَبِيهِ, عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ, أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ , أَمَرَ رَجُلاً حِينَ أَمَرَ الْمُتَلَاعِنَيْنِ أَنْ يَتَلَاعَنَا, أَنْ يَضَعَ يَدَهُ, عِنْدَ الْخَامِسَةِ, عَلَى فِيهِ, وَقَالَ «إِنَّهَا مُوجِبَةٌ»). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (عليّ بن ميمون) الرقّيّ العطّار، ثقة [١٠] ٢٨/ ٤٣٥. ٢ - (سفيان) بن عيينة الإمام الحجة الثبت [٨] ١/ ١. ٣ - (عاصم بن كليب) الجرميّ الكوفيّ، صدوق رُمي بالإرجاء [٥] ١١/ ٨٨٩. ٤ - (أبوه) عاصم بن كُليب بن شهاب، صدوق [٢] ووهم من ذكره في الصحابة ١١/ ٨٨٩. ٥ - (ابن عباس) - رضي اللَّه تعالى عنهما - ٢٧/ ٣١. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فقد تفرد هو وابن ماجه. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ، والابن عن أبيه. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) - رضي اللَّه تعالى عنهما - (أَنَّ النَّبِيِّ ﷺ ، أَمَرَ رَجُلاً حِينَ أَمَرَ الْمُتَلَاعِنَيْنِ أَنْ يَتَلَاعَنَا، أَنْ يَضَعَ يَدَهُ) الضمير للرجل المأمور (عِنْدَ الْخَامِسَةِ) أي اللعنة الخامسة (عَلَى فِيهِ) أي فم الرجل الملاعن. [فإن قيل]: الحديث نصّ في الأمر بالوضع على في الرجل، فمن أين أخذ المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- حكم المرأة، حيث ترجم بقوله: "باب الأمر بوضع اليد على في المتلاعنين"؟. [قلت]: قياسًا على الرجل؛ لاستوائهما في العلّة التي أُمر من أجلها بالوضع. وهي أن لا يسارع الملاعن إلى إتمام الخامسة قبل أن يعظه الإمام، ويذكّره باللَّه تعالى، ويخبره بأن عذاب الدنيا اْهون من عذاب الآخرة، كما سيأتي في الباب التالي، إن شاء اللَّه تعالى. ثم إن المرأة لا يضع يده عليها إلا امرأة، أو محرمٌ لها. واللَّه تعالى أعلم. (وَقَالَ) ﷺ (إِنَّهَا مُوجِبَةٌ) أي إن الخامسة موجبة للعنة اللَّه تعالى، وغضبه، وعذابه لمن كان كاذبًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.

стр. 14617

مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث ابن عبّاس - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا صحيح. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٤٠/ ٣٤٩٩ - وفي "الكبرى" ٤٠/ ٥٦٦٦. وأخرجه (د) في "الطلاق" ٢٢٥٥. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ٤١ - (بَابُ عِظَةِ الإِمَامِ الرَّجُلَ وَالْمَرْأَةَ عِنْدَ اللِّعَانِ) ٣٥٠٠ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ, وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى, قَالَا: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ, قَالَ: سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ, يَقُولُ: سُئِلْتُ عَنِ الْمُتَلَاعِنَيْنِ, فِي إِمَارَةِ ابْنِ الزُّبَيْرِ, أَيُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا؟ , فَمَا دَرَيْتُ مَا أَقُولُ, فَقُمْتُ مِنْ مَقَامِي, إِلَى مَنْزِلِ ابْنِ عُمَرَ, فَقُلْتُ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ, الْمُتَلَاعِنَيْنِ, أَيُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا؟ , قَالَ: نَعَمْ, سُبْحَانَ اللَّهِ, إِنَّ أَوَّلَ مَنْ سَأَلَ عَنْ ذَلِكَ, فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ, فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ, أَرَأَيْتَ -وَلَمْ يَقُلْ عَمْرٌو أَرَأَيْتَ- الرَّجُلَ مِنَّا يَرَى عَلَى امْرَأَتِهِ فَاحِشَةً, إِنْ تَكَلَّمَ فَأَمْرٌ عَظِيمٌ -وَقَالَ عَمْرٌو: أَتَى أَمْرًا عَظِيمًا- وَإِنْ سَكَتَ سَكَتَ عَلَى مِثْلِ ذَلِكَ, فَلَمْ يُجِبْهُ, فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ أَتَاهُ, فَقَالَ: إِنَّ الأَمْرَ الَّذِي سَأَلْتُكَ, ابْتُلِيتُ بِهِ, فَأَنْزَلَ اللَّهُ , هَؤُلَاءِ الآيَاتِ, فِي سُورَةِ النُّورِ: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ حَتَّى بَلَغَ ﴿وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ فَبَدَأَ بِالرَّجُلِ, فَوَعَظَهُ, وَذَكَّرَهُ, وَأَخْبَرَهُ أَنَّ عَذَابَ الدُّنْيَا, أَهْوَنُ مِنْ عَذَابِ الآخِرَةِ, فَقَالَ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ, مَا كَذَبْتُ, ثُمَّ ثَنَّى بِالْمَرْأَةِ, فَوَعَظَهَا, وَذَكَّرَهَا, فَقَالَتْ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ, إِنَّهُ لَكَاذِبٌ, فَبَدَأَ بِالرَّجُلِ, فَشَهِدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ, إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ, وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ, إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ, ثُمَّ ثَنَّى بِالْمَرْأَةِ, فَشَهِدَتْ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ, إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ, وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا, إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ, فَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (عمرو بن عليّ) الفلاّس الصيرفيّ أبو حفص البصريّ، ثقة حافظ [١٠] ٤/ ٤.

стр. 14618

٢ - (محمد بن المثنّى) العنَزيّ، أبو موسى البصريّ، ثقة ثبت [١٠] ٦٤/ ٨٠. ٣ - (يحيى بن سعيد) بن فرّوخ القطّان البصريّ الإمام الحجة الثبت [٩] ٤/ ٤. ٤ - (عبد الملك بن أبي سليمان) ميسرة العرزميّ الكوفيّ، صدوقٌ له أوهامٌ [٥] ٧/ ٤٠٦. ٥ - (سعيد بن جُبير) الأسديّ الوالبيّ مولاهم الكوفيّ، ثقة ثبت فقيه فاضل [٣] ٢٨/ ٤٣٦. ٦ - (ابن عمر) عبد اللَّه - رضي اللَّه تعالى عنهما - ١٢/ ١٢. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أن شيخيه من التسعة الذين يروي عنهم الجماعة بلا واسطة. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ. (ومنها): أن فيه ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما - من العبادلة الأربعة، ومن المكثرين السبعة، روى (٢٦٣٠) حديثًا. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث عن عبد الملك بن أبي سليمان، أنه (قال: سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ، يَقُولُ: سُئِلْتُ) بالبناء للمفعول (عَنِ الْمُتَلَاعِنَيْنِ فِي إِمَارَةِ ابْنِ الزُّبَيْرِ) وفي رواية مسلم: "في إمرة مصعب بن الزبير"، وفي رواية له: "زمن مصعب بن الزبير". ولا تعارض بينهما؛ لأن مصعبًا كان أميرًا على العراق في زمن إمرة أخيه عبد اللَّه بن الزبير - رضي اللَّه تعالى عنهما - على مكة (أَيُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا؟) ببناء الفعل للمفعول (فَمَا دَرَيْتُ مَا أَقُولُ، فَقُمْتُ مِنْ مَقَامِي، إِلَى مَنْزِلِ ابْنِ عُمَرَ) - رضي اللَّه تعالى عنهما -. في هذه الرواية اختصار يبيّنها ما في "صحيح مسلم": "سُئلتُ عن المتلاعنين في إمرة مصعب بن الزبير، فما دريت ما أقول، فمضيت إلى منزل ابن عمر بمكة، فقلت للغلام: استأذن لي، قال: إنه قائل (١)، فسمع صوتي، فقال: ابن جبير؟ قلت: نعم، قال: ادخل، فواللَّه، ما جاء بك هذه الساعة إلا حاجة، فدخلت، فإذا هو مفترشٌ بَرْذَعَةً (٢)، متوسّد وسادةً حشوها ليف". والظاهر أن سعيدًا سافر من الكوفة إلى مكة ليسأل ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما - عن هذه المسألة التي لم يدر جوابها حين سئل.

стр. 14619

وفي رواية عبد الرزاق، عن معمر، عن أيوب، عن سعيد، قال: كنّا بالكوفة نختلف في الملاعنة، يقول بعضنا: يفرّق بينهما، ويقول بعضنا: لا يفرّق". ويؤخذ منه أن الخلاف في ذلك كان قديمًا، وقد استمر عثمان البتّيّ من فقهاء البصرة على أن اللعان لا يقتضي الفرقة، كما تقدّم نقله عنه، وكأنه لم يبلغه حديث ابن عمر. قاله في "الفتح" (١). (فَقُلْتُ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ) كنية عبد اللَّه بن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما - (الْمُتَلَاعِنَيْنِ) هكذا رواية المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- "المتلاعنين" بالياء، وهو يحتمل أن يكون منصوبًا بفعل مقدّر، أي أسألك المتلاعنين، أي حكمهما، ويحتمل الجرّ بحرف مقدّر على قلّة، أي أخبرني عن المتلاعنين، ولفظ مسلم: "المتلاعنان"، وهو واضح، إذ هو مبتدأٌ، خبره جملة: أيفرّق بينهما" (أَيُفَرَّقُ) بالبناء للمجهول (بَيْنَهُمَا؟) وفي رواية عزرة، عن سعيد بن جبير الآتية في الباب التالي: قال: "لم يفرّق المصعب -يعني ابن الزبير- بين المتلاعنين، فذكرت ذلك لابن عمر، فقال: فرّق رسول اللَّه ﷺ بين أخوي بني العجلان". (قَالَ: نَعَمْ، سُبْحَانَ اللَّهِ) إنما سبّح تعجبًا من خفاء هذا الحكم المشهور على سعيد (إِنَّ أَوَّلَ مَنْ سَأَلَ عَنْ ذَلِكَ، فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ) قال القرطبيّ: هو -واللَّه أعلم- عويمر العجلانيّ المتقدّم الذكر انتهى (٢) (فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَأَيْتَ -وَلَمْ يَقُلْ عَمْرٌو: أَرَأَيْتَ-) يعني أن شيخه عمر بن عليّ لم يذكر في روايته: لفظ "أرأيت"، وإنما ذكرها محمد بن المثنى (الرَّجُلَ مِنَّا يَرَى عَلَى امْرَأَتِهِ فَاحِشَةً) أي زنا (إِنْ تَكَلَّمَ فَأَمْرٌ عَظِيمٌ، وَقَالَ عَمْروٌ) يعني الفلاّس (أَتَى أَمْرًا عَظِيمًا- وَإِنْ سَكَتَ سَكَتَ عَلَى مِثْلِ ذَلِكَ، فَلَمْ يُجِبْهُ) أي لم يجب النبيّ ﷺ السائل (فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ أَتَاهُ) أي جاء السائل النبيّ ﷺ (فَقَالَ: إِنَّ الأَمْرَ الْذِي سَأَلْتُكَ، ابْتُلِيتُ بِهِ) تقدّم شرحه قريبًا (فَأَنْزَلَ اللَّهُ ، هَؤُلَاءِ الْآيَاتِ، فِي سُورَةِ النُّورِ: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ حَتَّى بَلَغَ ﴿وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ فَبَدَأَ بِالرَّجُلِ) فيه أن الابتداء في اللعان يكون بالزوج؛ لأن اللَّه تعالى بدأ به؛ ولأنه يُسقط عن نفسه حد قذفها، وينفي النسب إن كان. ونقل القاضي وغيره إجماع المسلمين على الابتداء بالزوج، ثم قال الشافعيّ، وطائفة: لو لاعنت المرأة قبله لم يصحّ لعانها. وصححه أبو حنيفة، وطالْفة. قاله النوويّ (٣). (فوَعَظَهُ، وَذَكَّرَهُ) قال القرطبيّ: هذا الوعظ والتذكير كان منه ﷺ قبل اللعان. وينبغي

стр. 14620

أن يُتّخذ سنة في وعظ المتلاعنين قبل الشروع في اللعان، ولذلك قال الطبريّ: إنه يجب على الإمام أن يعظ كلّ من يحلّفه. وذهب الشافعيّ إلى أنه يعظ كلّ واحد بعد تمام الرابعة، وقبل الخامسة؛ تمسّكًا بحديث ابن عبّاس في لعان هلال بن أمية أنه ﷺ وعظهما عند الخامسة انتهى (١) (وَأَخْبَرَهُ أَنَّ عَذَابَ الدُّنْيَا، أَهْوَنُ مِنْ عَذَابِ الآخِرَةِ، فَقَالَ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ، مَا كَذَبْتُ، ثُمَّ ثَنَّى بِالمْرْأَةِ) بتشديد النون، من التثنية، أي جعلها ثانية في الوعظ، والتذكير، واللعان (فَوَعَظَهَا، وَذَكَّرَهَا، فَقَالَتْ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ، إِنَّهُ لَكَاذِبٌ، فَبَدَأَ بالرَّجُلِ، فَشَهِدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتِ باللهِ، إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ، وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَةَ اللَّه عَلَيْهِ، إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبينَ، ثُمَّ ثَنَّى بِالْمَرْأَةِ، فَشَهِدَتْ أَرْبَعَ شَهَادَاتِ بِاللَّهِ، إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبينَ، وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا، إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ، فَفَرّقَ بَيْنَهُمَا) قال السنديّ -رحمه اللَّه تعالى-: من التفريق، وفيه أنه لا بدّ من تفريق الحاكم، أو الزوج بعد اللعان، ولا يكفي اللعان في التفريق. ومن لا يقول به يرى أن معناه أظهر أن اللعان مفرّق بينهما. انتهى. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قد تقدّم تحقيق الخلاف في ذلك مستوفًى، وأن الراجح عدم اشتراط التفريق، بل يقع بالفراغ من التعانهما، وسيأتي بعض البيان في الباب التالي أيضًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٤١/ ٣٥٠٠ و ٤٢/ ٣٥٠١ و ٤٣/ ٣٥٠٢ و ٤٤/ ٣٥٠٣ و٤٥/ ٣٥٠٤. وفي "الكبرى" ٤١/ ٥٦٦٧ و ٤٢/ ٥٦٦٨ و ٤٣/ ٥٦٦٩ و ٤٤/ ٥٦٧٠ و٤٥/ ٥٦٧١. وأخرجه (خ) في "التفسير" ٤٧٤٨ و"الطلاق" ٥٣١٢ و٥٣١٥ و"الفرائض" ٦٧٤٨ (م) في "اللعان" ١٤٩٣ (د) في "الطلاق" ٢٢٥٧ و ٢٢٥٨ و ٢٢٥٩ (ق) في "الطلاق" ٢٠٦٩ (أحمد) في "مسند المكثرين" ٤٤٦٣ و ٤٥١٣ و ٤٥٨٩ و ٤٦٧٩ و ٤٩٢٦ و٥١٨٠ و٥٢٩٠ و ٦٠٦٣ (الموطأ) في "الطلاق" ١٢٠٢ (الدارمي) في "النكاح" ٢٢٣١ و ٢٢٣٢. واللَّه تعالى أعلم. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: استدلال المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- على ما ترجم له

стр. 14621

بالحديث واضح، وفوائد الحديث، وسائر متعلّقاته قد تقدّمت مستوفاة، فلا تغفل. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ٤٢ - (بَابُ التَّفْرِيقِ بَيْنَ الْمُتَلَاعِنَيْنِ) ٣٥٠١ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ, وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى -وَاللَّفْظُ لَهُ- قَالَا: حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ, حَدَّثَنِي أَبِي, عَنْ قَتَادَةَ, عَنْ عَزْرَةَ, عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ, قَالَ: لَمْ يُفَرِّقِ الْمُصْعَبُ بَيْنَ الْمُتَلَاعِنَيْنِ, قَالَ سَعِيدٌ: فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لاِبْنِ عُمَرَ, فَقَالَ: فَرَّقَ رَسُولُ اللهِ ﷺ , بَيْنَ أَخَوَيْ بَنِي الْعَجْلَانِ). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "أبو معاذ": هو هشام بن أبي عبد اللَّه الدستوائيّ. و"عزرة": هو ابن عبد الرحمن الخزاعيّ الكوفيّ الأعور، ثقة [٦] ٣٧/ ١٧٠١. وقوله: "أخوي بني العجلان": أي بين رجل وامرأة من بني عجلان، وتسميتهما أخوين تغليبٌ للذكر على الأنثى. والمراد بهما عويمرٌ، وزوجته. والحديث متّفق عليه، وهو مختصر من حديث الباب الذي قبله. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: ظاهر ترجمة المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، واستدلاله بهذا الحديث أنه يرى مذهب من يقول: إن اللعان لا تقع به الفرقة، بل يتوقّف على تفريق الحاكم، وهو مذهب الحنفيّة، ورواية عن أحمد، وقال به أحمد بن أبي صفرة من المالكيّة، ثم اختلفوا في هذا التفريق، فقال أبو حنيفة، ومحمد بن الحسن، وعبيد اللَّه بن الحسن: هي طلقة بائنة، فلو أكذب نفسه بعد ذلك، جاز له نكاحها، وهو رواية عن أحمد. وقال أبو يوسف: هو تحريمٌ مؤبّدٌ. والذي عليه جمهور العلماء حصول الفرقة بمجرّد اللعان، من غير توقّف على تفريق، وبه قال مالكٌ، والشافعيّ، وأحمد، وزفر، ثم قال الشافعيّ، وبعض المالكيّة: تحصل الفرقة بتمام لعانه هو، وإن لم تلتعن هي، وقال أحمد: لا يحصل ذلك إلا بتمام لعانهما معًا، وهو المشهور عند المالكيّة، وبه قال أهل الظاهر، قالوا: وهي فرقة فسخ، وحرمة مؤبّدة. وأجاب الجمهور عن هذا الحديث بأنه ليس معناه إنشاء الفرقة بينهما، بل إظهار

стр. 14622

ذلك، وبيان حكم الشرع فيه، ويدلّ لذلك ما في "الصحيحين"، وغيرهما، من قوله ﷺ : "لا سبيل لك عليها" (١). وتُعُقّب بأن ذلك وقع جوابًا لسؤال الرجل عن ماله الذي أخذته منه. وأجيب بأن العبرة بعموم اللفظ، وهو نكرة في سياق النفي، فيشمل المال والبدن، ويقتضي نفي تسليطه عليها بوجه من الوجوه. ووقع في آخر حديث ابن عبّاس عند أبي داود: "وقضى أن ليس عليه نفقة، ولا سُكنى من أجل أنهما يفترقان بغير طلاق، ولا متوفَّى عنها". وهو ظاهر في أن الفرقة وقعت بينهما بنفس اللعان. قاله في "الفتح" (٢). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قد تقدّم ترجيح مذهب الجمهور في هذه المسألة في المسائل المذكورة في أوائل باب اللعان، فراجعه تستفد. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ٤٣ - (اسْتِتَابَةُ الْمُتَلَاعِنَيْنِ بَعْدَ اللِّعَانِ) قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذه الترجمة ظاهرة في أن المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- يرى أنه قوله ﷺ : "اللَّه يعلم أن أحدكما كاذبٌ" كان بعد فراغهما من اللعان، قال القاضي عياض -رحمه اللَّه تعالى-: ظاهره أنه قال هذا الكلام بعد فراغهما من اللعان، والمراد أنه يلزم الكاذب التوبة. قال: وقال الداوديّ: إنما قاله قبل اللعان، تحذيرًا لهما منه. قال: والأول أظهر، وأولى بسياق الكلام انتهى (٣). وقال الحافظ -رحمه اللَّه تعالى-: والذي قاله الداوديّ أولى من جهة أخرى، وهي مشروعيّة الموعظة قبل الوقوع في المعصية، بل هو أحرى مما بعد الوقوع، وأما سياق الكلام، فمحتملٌ في رواية ابن عمر للأمرين، وأما حديث ابن عبّاس، فسياقه ظاهرٌ فيما

стр. 14623

قال الداوديّ، ففي رواية جرير بن حازم، عن أيوب، عن عكرمة، عن ابن عبّاس - رضي اللَّه تعالى عنهما - عند الطبريّ، والحاكم، والبيهقيّ في قصّة هلال بن أميّة: "قال: فدعاهما حين نزدت آية الملاعنة، فقال: "اللَّه يعلم أن أحدكما كاذبٌ، فهل منكما تائب؟ قال هلالٌ: واللَّه إني لصادقٌ … " الحديث. وقد قدّمت أن حديث ابن عبّاس من رواية عكرمة في قصّة غير القصّة التي في حديث سهل بن سعد، وابن عمر ﵃، فيصحّ الأمران معًا باعتبار التعدّد انتهى كلام الحافظ (١). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قد تبيّن بما ذُكر أن استدلال المصنّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- بهذا الحديث على أن الاستتابة بعد وقوع اللعان صحيحٌ؛ إذ هو ظاهر سياق الحديث، كما قاله عياضٌ -رحمه اللَّه تعالى-. والحاصل أنه يستحبّ الاستتابة قبل اللعان، كما يدلّ له ظاهر حديث ابن عبّاس - رضي اللَّه تعالى عنهما - المذكور، وبعده، كما هو ظاهر حديث الباب. واللَّه تعالى أعلم بالصواب. ٣٥٠٢ - (أَخْبَرَنَا زِيَادُ بْنُ أَيُّوبَ, قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ, عَنْ أَيُّوبَ, عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ, قَالَ: قُلْتُ: لاِبْنِ عُمَرَ: رَجُلٌ قَذَفَ امْرَأَتَهُ, قَالَ: فَرَّقَ رَسُولُ اللهِ ﷺ , بَيْنَ أَخَوَيْ بَنِي الْعَجْلَانِ, وَقَالَ «اللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّ أَحَدَكُمَا كَاذِبٌ, فَهَلْ مِنْكُمَا تَائِبٌ» , قَالَ لَهُمَا ثَلَاثًا, فَأَبَيَا, فَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا, قَالَ أَيُّوبُ: وَقَالَ عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ: إِنَّ فِي هَذَا الْحَدِيثِ شَيْئًا, لَا أَرَاكَ تُحَدِّثُ بِهِ, قَالَ: قَالَ الرَّجُلُ: مَالِي؟ , قَالَ: «لَا مَالَ لَكَ, إِنْ كُنْتَ صَادِقًا, فَقَدْ دَخَلْتَ بِهَا, وَإِنْ كُنْتَ كَاذِبًا, فَهِيَ أَبْعَدُ مِنْكَ»). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، و"زياد بن أيوب": هو الحافظ البغداديّ المعروف بـ "دَلُّويه". و"أيوب": هو السختيانيّ. وقوله: "اللَّه يعلم أن أحدكما كاذب" فيه تغليب المذكّر على المؤنّث. قال القاضي عياض، وتبعه النوويّ: في قوله: "أحدكما" ردٌّ على من قال من النحاة: إن لفظ "أحد" لا يُستعمل إلا في النفي، وعلى من قال منهم ة لا يستعمل إلا في الوصف، وأنها لا توضع موضع واحد، ولا تقع موقعه. وقد أجازه المبرّد، وجاء في هذا الحديث في غير وصف، ولا نفي، وبمعنى "واحد" انتهى. قال الفاكهيّ: هذا من أعجب ما وقع للقاضي مع براعته، وحِذْقه، فإن الذي قاله النحاة، إنما هو في "أحد" التي للعموم، نحو ما في الدار من أحد، وما جاءني من

стр. 14624

أحد، وأما "أحد" بمعنى "واحد" فلا خلاف في استعمالها في الإثبات، نحو: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، ونحو: ﴿فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ﴾، ونحو: "أحدكما كاذب". قاله في "الفتح" (١). وقوله: "فهل منكما تائب؟ " يحتمل أن يكون إرشادًا؛ لأنه لم يحصل منهما، ولا من أحدهما اعترافٌ، ولأن الزوج لو أكذب نفسه كانت توبة منه (٢). وقوله: "قال أيوب": هو موصول بالسند الأول. وقوله: "وقال عمرو بن دينار": إن في هذا الحديث شيئًا، لا أراك تحدّث به". حاصله أن عمرو بن دينار، وأيوب سمعا الحديث جميعًا من سعيد بن جبير، فحفظ فيه عمرو ما لم يحفظه أيوب، وهو قوله: "قال الرجل: مالي، قال: لا مال لك، إن كنت صادقًا، فقد دخلت بها، وإن كنت كاذبًا، فهي أبعد منك". قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: وقد روى سفيان بن عيينة هذا الحديث عن كلّ من عمرو بن دينار، وأيوب السختيانيّ، فروايته عن عمرو ستأتي في الباب التالي، وروايته عن أيوب أخرجها البخاريّ، فقال بعد أن ساق الحديث عن علي بن المدينيّ، عن سفيان، عن عمرو: قال سفيان: حفظته من عمرو، وقال أيوب: سمعت سعيد بن جبير، فساقه، ثم قال: قال سفيان: حفظته من عمرو، ومن أيوب، كما أخبرتك. قال في "الفتح": قوله: "قال أيوب" هو موصول بالسند المبتدإ به، وليس بتعليق، وحاصله أن الحديث كان عند سفيان، عن عمرو بن دينار، وعن أيوب جميعًا، عن ابن عمر. وقد وقع في رواية الحميديّ، عن سفيان: "قال: وحدّثنا أيوب في مجلس عمرو بن دينار، فحدّثه عمرو بحديثه هذا، فقال له أيوب: أنت أحسن حديثًا منّي". وسبب قوله هذا أن في حديث عمرو ما ليس عند أيوب من الزيادة، كما سبق قريبًا. واللَّه تعالى أعلم. وقوله: "قال الرجل: مالي". فاعلٌ لفعل محذوف، كأنه لما سمع "لا سبيل لك عليها"، قال: أيذهب مالي؟، والمراد به الصداق. قال ابن العربيّ: قوله: "مالي" أي الصداق الذي دفعته إليها، فأجيب بأنك استوفيته بدخولك عليها، وتمكينها لك من نفسها، ثم أوضح له ذلك بتقسيم مستوعبٍ، فقال: إن كنت صادقًا فيما ادّعيته عليها، فقد استوفيت حقّك منها قبل ذلك، وإن كنت كذبت عليها، فذلك أبعد لك من مطالبتها؛ لئلا تجمع عليها الظلم في عرضها، ومطالبتها بمال قبضته منك قبضًا صحيحًا تستحقّه.

стр. 14625

وقوله: "فقد دخلت بها" فسره قوله في الرواية الآتية في الباب التالي من طريق ابن عيينة، عن عمرو: "فهو بما استحللت من فرجها". وقوله: "فهو أبعد منك" وفي الرواية المذكورة: "أبعد لك". ووقع في رواية للبخاريّ بلفظ: "فذلك أبعد، وأبعد لك منها"، بتكرير لفظ "أبعد" تأكيدًا. وقوله: "ذلك" إشارة إلى الكذب؛ لأنه مع الصدق يبعد عليه استحقاق إعادة المال، ففي الكذب أبعد. والحديث متّفقٌ عليه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ٤٤ - (اجْتِمَاعُ الْمُتَلَاعِنَيْنِ) قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: أراد المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- بهذا بيان حكم اجتماع المتلاعنين، وهو أنه لا يجوز، وأن الفرقة بينهما تحريم مؤبّد؛ لقوله في هذا الحديث: "لا سبيل لك عليها"، ولما سبق في حديث سهل بن سعد - رضي اللَّه تعالى عنهما - من رواية ابن جريج، عن ابن شهاب: "فكانت تلك سنة في المتلاعنين، لا يجتمعان أبدًا، وقد سبق الاختلاف في كونه مرسلاً، أو موصولاً. وبهذا قال الجمهور، وهو المذهب الراجح. وقال بعضهم: يجوز أن يتزوّجها، وإنما يقع باللعان طلقة واحدةٌ بائنة، وبه قال حمّاد، وأبو حنيفة، ومحمد بن الحسن، وصحّ عن ابن المسيّب، قالوا: ويكون الملاعن إذا أكذب نفسه خاطبًا من الخطاب. وعن الشعبيّ، والضحّاك: إذا أكذب نفسه رُدّت إليه امرأته. قال ابن عبد البرّ: هذا عندي قولٌ ثالث. قال الحافظ: ويحتمل أن يكون معنى قوله: "رُدّت إليه" أي بعد العقد الجديد، فيوافق الذي قبله. قال ابن السمعانيّ: لم أقف على دليل لتأييد الفرقة من حيث النظر، وإنما المتّبع في ذلك النصّ. وقال ابن عبد البرّ: أبدى بعض أصحابنا له فائدةً، وهو أن لا يجتمع ملعونٌ مع غير ملعون؛ لأن أحدهما ملعونٌ في الجملة، بخلاف ما إذا تزوّجت المرأة غير الملاعن، فإنه لا يتحقّق. وتُعُقّب بأنه لو كان كذلك لامتنع عليهما معًا التزويج؛ لأنه يتحقّق أن أحدهما

стр. 14626

ملعون. ويمكن أن يجاب بأن في هذه الصورة افترقا في الجملة. قال السمعانيّ: وقد أورد بعض الحنفيّة أن قوله: "المتلاعنان" يقتضي أن فرقة التأبيد يشترط لها أن يقع التلاعن من الزوجين، والشافعيّة يكتفون في التأبيد بلعان الزوج فقط، كما تقدّم. وأجاب بأنه لما كان لعانه بسبب لعانها، وصريح اللعن يوجد في جانبه دونها، سمّي الموجود منه ملاعنة، ولأنه سبب في إثبات الزنا عليها، فيستلزم انتفاء نسب الولديّة، فإذا انتفى الفراش انقطع النكاح. [فإن قيل]: إذا أكذب الملاعن نفسه يلزم ارتفاع الملاعنة حكمًا، وإذا ارتفعت صارت المرأة محلّ استمتاع. [قلنا]: اللعان عندكم شهادةٌ، والشاهد إذا رجع بعد الحكم لم يرتفع الحكم، وأما عندنا فهو يمينٌ، واليمين إذا صارت حجة، وتعلّق بها الحكم، لا ترتفع، فإن أكذب نفسه، فقد زعم أنه لم يوجد منه ما سقط الحدّ عنه، فيجب عليه الحدّ، ولا يرتفع موجب اللعان. قاله في "الفتح" (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب. ٣٥٠٣ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ, عَنْ عَمْرٍو, قَالَ: سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ, يَقُولُ: سَأَلْتُ ابْنَ عُمَرَ, عَنِ الْمُتَلَاعِنَيْنِ, فَقَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : لِلْمُتَلَاعِنَيْنِ: «حِسَابُكُمَا عَلَى اللَّهِ, أَحَدُكُمَا كَاذِبٌ, وَلَا سَبِيلَ لَكَ عَلَيْهَا» , قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ, مَالِي, قَالَ: «لَا مَالَ لَكَ, إِنْ كُنْتَ صَدَقْتَ عَلَيْهَا, فَهُوَ بِمَا اسْتَحْلَلْتَ مِنْ فَرْجِهَا, وَإِنْ كُنْتَ كَذَبْتَ عَلَيْهَا, فَذَاكَ أَبْعَدُ لَكَ»). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، غير شيخه "محمد بن منصور"، وهو الْجَوّاز المكيّ، فإنه من أفراده، و"سفيان": هو ابن عيينة، و"عمرو": هو ابن دينار. وقوله: "لا سبيل لك عليها" أي لا تسلّط لك على زوجتك التي لاعنتها. قال القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى-: هو دليل لمالك، ولمن قال بقوله في تأبيد التحريم، فإن ظاهره النفي العامّ. وقد ذكر الدارقطنيّ زيادة في حديث سهل بعد قوله: "ففرّق رسول اللَّه ﷺ بينهما، وقال: "لا يجتمعان أبدًا". وقال أبو داود، عن سهل: "مضت سنة المتلاعنين أن يُفرّق بينهما، ثم لا يجتمعان أبدًا". قال مالك: وهي السنّة التي لا اختلاف فيها عندنا انتهى (٢). والحديث متّفقٌ عليه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

стр. 14627

"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ٤٥ - (بَابُ نَفْيِ الْوَلَدِ بِاللِّعَانِ، وَإِلْحَاقِهِ بِأُمِّهِ) ٣٥٠٤ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ, قَالَ: حَدَّثَنَا مَالِكٌ, عَنْ نَافِعٍ, عَنِ ابْنِ عُمَرَ, قَالَ: "لَاعَنَ رَسُولُ اللهِ ﷺ , بَيْنَ رَجُلٍ وَامْرَأَتِهِ, وَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا, وَأَلْحَقَ الْوَلَدَ بِالأُمِّ"). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وهو من رباعيات المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو (١٨٠) من رباعيات الكتاب، وهو أصحّ الأسانيد مطلقًا، على ما نُقل عن الإمام البخاريّ -رحمه اللَّه تعالى-، وهو المعروف بسلسلة الذهب، روى الخطيب بسنده، عن يحيى بن بكير، أنه قال لأبي زرعة الرازيّ: يا أبا زرعة ليس ذا زَعْزَعَةٍ عن زَوْبَعَة (١)، إنما ترفع الستر، فتنظر إلى النبيّ ﷺ ، والصحابة: حدثنا مالك، عن نافع، عن ابن عمر" (٢). وقوله: "لاعن رسول اللَّه ﷺ الخ" ولفظ البخاريّ: "أن النبيّ ﷺ لاعن بين رجل وامرأته، فانتفى من ولدها، ففرّق بينهما، وألحق الولد بالمرأة". وقوله: "فانتفى الخ" قال الطيبيّ: الفاء سببيّة، أي الملاعنة سبب الانتفاء. قال الحافظ: فإن أراد أن الملاعنة سبب ثبوت الانتفاء، فجيّد، وإن أراد أن الملاعنة سبب وجود الانتفاء، فليس كذلك، فإنه إن لم يتعرّض لنفي الولد في الملاعنة لم ينتف، والحديث في "الموطّإ" بلفظ: "وانتفى" بالواو، لا بالفاء. وذكر ابن عبد البرّ أن بعض الرواة عن مالك ذكره بلفظ: "وانتقل" يعني بقاف بدل الفاء، ولام آخره، وكأنه تصحيف، وإن كان محفوظًا، فمعناه قريبٌ من الأول. وعند البخاريّ في "التفسير" من وجه آخر عن نافع بلفظ: "أن رجلاً رمى امرأته، وانتفى من ولدها، فأمرهما النبيّ ﷺ ، فتلاعنا"، فوضح أن الانتفاء سبب الملاعنة، لا العكس.

стр. 14628

واستُدِلَّ بهذا الحديث على مشروعيّة اللعان لنفي الولد، وعن أحمد ينتفي الولد بمجرّد اللعان، ولو لم يتعرّض الرجل لذكره في اللعان. وفيه نظر؛ لأنه لو استلحقه لحقه، وإنما يؤثر لعان الرجل دفع حدّ القذف عنه، وثبوت زنا المرأة، ثم يرتفع عنها الحدّ بالتعانها. وقال الشافعيّ: إن نفى الولد في الملاعنة انتفى، وإن لم يتعرّض له، فله أن يعيد اللعان لانتفائه، ولا إعادة على المرأة، وإن أمكنه الرفع إلى الحاكم، فأخّر بغير عذر حتى ولدت، لم يكن له أن ينفيه كما في الشفعة. واستدلّ به على أنه لا يُشترط في نفي الحمل تصريحُ الرجل بانها ولدت من زنا، ولا أنه استبرأها بحيضة، وعن المالكيّة يُشترط ذلك. واحتجّ بعض من خالفهم بأنه نفى الحمل عنه من غير أن يتعرّض لذلك، بخلاف اللعان الناشىء عن قذفها. واحتجّ الشافعيّ بأن الحامل قد تحيض، فلا معنى لاشتراط الاستبراء. قال ابن العربيّ: ليس عن هذا جواب مقنع (١). وقوله: "وفرّق بينهما، وألحق الولد بالأمّ" ولفظ البخاريّ: "ففرّق بينهما، وألحق الولد بالمرأة". قال الدارقطنيّ: تفرّد مالكٌ بهذه الزيادة، قال: ابن عبد البرّ: ذكروا أن مالكًا تفرّد بهذه اللفظة في حديث ابن عمر، وقد جاءت من أوجه أخرى في حديث سهل بن سعد، كما تقدّم من رواية يونس، عن الزهريّ، عند أبي داود بلفظ: "ثم خرجت حاملاً، فكان الولد إلى أمه". ومن رواية الأوزاعيّ، عن الزهريّ: "وكان الولد يُدعى إلى أمه". ومعنى قوله: "وألحق الولد بأمه": أي صيّره لها وحدها، ونفاه عن الزوج، فلا توارث بينهما، وأما أمّه فترث منه ما فرض اللَّه لها، كما وقع صريحًا ففي حديث سهل ابن سعد: "وكان ابنها يُدعَى لأمه، ثم جرت السنّة في ميراثها أنها ترثه، ويرث منها ما فرض اللَّه لها". وقيل: معنى إلحاقه بأمه أنه صيّرها له أبًا وأمًّا، فترث جميع ماله، إذا لم يكن له وارث آخر من ولد ونحوه. وهو قول ابن مسعود، وواثلة بن الأسقع، وطائفة، ورواية عن أحمد. وروي أيضًا عن ابن القاسم، وعنه: معناه أن عصبة أمه تصير عصبة له، وهو قول عليّ، وابن عمر، وعطاء، والمشهور عن أحمد. وقيل: ترثه أمه وإخوته منها بالفرض والردّ، وهو قول أبي عبيد، ومحمد بن الحسن، ورواية عن أحمد، قال: فإن لم يرثه ذو فرض بحال، فعصبته عصبة أمه. واستدلّ به على أن الولد المنفيّ باللعان لو كان بنتًا حلّ للملاعن نكاحها، وهو وجه

стр. 14629

شاذّ لبعض الشافعيّة، والأصحّ كقول الجمهور أنها تحرم؛ لأنها ربيبته في الجملة (١). والحديث متّفقٌ عليه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ٤٦ - (بَابٌ إِذَا عَرَّضَ بِامْرَأَتِهِ، وَشَكَّ فِي وَلَدِهِ، وَأَرَادَ الانْتِفَاءَ مِنْهُ) قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: وقع في معظم نسخ "المجتبى" و"شكّت" بتاء التأنيث، وفي بعضها: "وسكت" من السكوت، والظاهر أن كليهما تصحيف، والصواب كما في بعض النسخ، و"السنن الكبرى": "وَشَكَّ". فتنبّه. وقال السنديّ: وقيل: يحتمل أن يكون من السكوت، أي لم يصرّح بما يوجب القذف انتهى. وفيه بعد لا يخفى. وجواب "إذا" محذوف، أي لا يكون قذفًا، فلا يترتّب عليه لعان، ولا حدّ. وقوله: "عرّض" بتشديد الراء، من التعريض، وهو ذكر شيء يفهم منه شيء آخر لم يُذكر، ويفارق الكناية بأنها ذكر شيء بغير لفظه الموضوع، يقوم مقامه. قال في "الكوكب الساطع": اللَّفْظُ إِنْ أُطْلِقَ فِي مَعْنَاهُ ثُمَّ … أُرِيدَ مِنْهُ لَازِمُ الْمَعْنَى فَسَمّ كِنَايَةً وَهْوَ حَقِيقَة جَرَى … أَوْ لَمْ يُرَد مَعْنًى وَلَكِنْ عُبِّرًا عَنْ لَازِمِ مِنْهُ بِمَلْزُومٍ فَذَا … يَجْرِي مَجَازًا فِي الَّذِي السُّبْكِي احْتَذَا وَمَنْ يَقُلْ مَجَازٌ أَوْ حَقِيقَةُ … أَوْ لَا وَلَا كُلٌّ لدَيْهِ حُجَّةُ وَإِنْ لِتَلْوِيحٍ سِوَاهُ قُصِدَا … تَعرِيضُهُمْ لَيْسَ مَجَازًا أَبَدَا وقد ترجم الإمام البخاريّ -رحمه اللَّه تعالى- في "صحيحه" في "اللعان" بقوله: "بابٌ إذا عرّض بنفي الولد"، وفي "الحدود" بقوله: "باب ما جاء في التعريض". قال في "الفتح": وكأنه أخذه من قوله في بعض طرقه: "يُعَرِّضُ بنفيه". وقد اعترضه

стр. 14630

ابن المنيّر، فقال: ذكر ترجمة التعريض عقب ترجمة الإشارة؛ لاشتراكهما في إفهام المقصود، لكن كلامه يشعر بإلغاء حكم التعريض، فيتناقض مذهبه في الإشارة. والجواب أن الإشارة المعتبرة هي التي لا يُفهم منها إلا المعنى المقصود، بخلاف التعريض، فإن الاحتمال فيه، إما راجح، وإما مساوٍ، فافترقا. قال الشافعيّ في "الأمّ": ظاهر قول الأعرابيّ أنه اتّهم امرأته، لكن لَمّا كان لقوله وجهٌ غير القذف، لم يحكم النبيّ ﷺ فيه بحكم القذف، فدلّ ذلك على أنه لا حدّ في التعريض. ومما يدلّ على أن التعريض لا يُعطَى حكم التصريح الإذن بخِطْبة المعتدّة بالتعريض، لا بالتصريح، فلا يجوز. انتهى (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب. ٣٥٠٥ - (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ, قَالَ: أَنْبَأَنَا سُفْيَانُ, عَنِ الزُّهْرِيِّ, عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ, عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, أَنَّ رَجُلاً مِنْ بَنِي فَزَارَةَ, أَتَى رَسُولَ اللهِ ﷺ , فَقَالَ: إِنَّ امْرَأَتِي وَلَدَتْ غُلَامًا أَسْوَدَ, فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «هَلْ لَكَ مِنْ إِبِلٍ؟» , قَالَ: نَعَمْ, قَالَ: «فَمَا أَلْوَانُهَا؟» , قَالَ: حُمْرٌ, قَالَ: «فَهَلْ فِيهَا مِنْ أَوْرَقَ؟» , قَالَ: إِنَّ فِيهَا لَوُرْقًا, قَالَ: «فَأَنَّى تَرَى أَتَى ذَلِكَ؟» , قَالَ: عَسَى أَنْ يَكُونَ نَزَعَهُ عِرْقٌ, فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «وَهَذَا عَسَى أَنْ يَكُونَ نَزَعَهُ عِرْقٌ»). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (إسحاق بن إبراهيم) الحنظليّ المروزيّ المعروف بابن راهويه، ثقة ثبت إمام [١٠] ٢/ ٢. ٢ - (سفيان) بن عيينة الإمام الحجة الثبت المكيّ [٨] ١/ ١. ٣ - (الزهريّ) محمد بن مسلم الإمام الحجة الثبت المدنيّ [٤] ١/ ١. ٤ - (سعيد بن المسيّب) بن حَزْن المخزوميّ المدنيّ الإمام الحجة الفقيه، من كبار [٣] ٩/ ٩. ٥ - (أبو هريرة) - رضي اللَّه تعالى عنه - ١/ ١. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، وهو من أصحّ أسانيد أبي هريرة ﵁. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، سوى شيخه، فمروزيّ، ثم نيسابوريّ، وسفيان، فكوفيّ، ثم مكيّ. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ. (ومنها): أن ابن المسيب من الفقهاء السبعة،

стр. 14631

وأبا هريرة ﵁ من المكثرين السبعة، روى (٥٣٧٤) حديثًا. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ) قال في "الفتح": كذا لأكثر أصحاب الزهريّ، وخالفهم يونس، فقال: عنه، عنَ أبي سلمة، عن أبي هريرة، وقد أخرجه البخاريّ في "كتاب الاعتصار" من طريق ابن وهب، عنه، وهو مصير من البخاريّ إلى أنه عند الزهريّ، عن سعيد، وأبي سلمة معًا، وقد وافقه مسلم على ذلك. ويؤيّده رواية يحيى بن الضحّاك، عن الأوزاعيّ، عن الزهريّ، عنهما جميعًا. وقد أطلق الدارقطنيّ أن المحفوظ رواية مالك، ومن تابعه. وهو محمول على العمل بالترجيح، وأما طريق الجمع فهو ما صنعه البخاريّ، ويتأيّد أيضًا بأن عُقيلاً رواه عن الزهريّ، قال: بلغنا عن أبي هريرة، فإن ذلك يُشعر بأنه عنده عن غير واحد، وإلا لو كان عن واحد فقط، كسعيد مثلاً لاقتصر عليه انتهى (١) (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) - رضي اللَّه تعالى عنه - (أَنَّ رَجُلاً مِنْ بَنِي فَزَارَةَ) -بفتح الفاء، وبالزاي، وبعد الألف راء مهملة-. وفي رواية أبي مصعب: "جاء أعرابي". وفي رواية: "جاء رجلٌ من أهل البادية". واسم هذا الأعرابيّ ضمضم بن قتادة، أخرج حديثه عبد الغني بن سعيد في "المبهمات" له من طريق قطبة بنت عمرو بن هرم أن مدلوكًا حدّثها، أن ضمضم بن قتادة وُلد له مولود أسود، من امرأة من بني عجل، فشكا إلى النبيّ ﷺ ، فقال: "هل لك من إبل؟ " (أَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ) وفي رواية ابن أبي ذئب: "صرخ بالنبيّ ﷺ (فَقَالَ: إِنَّ امْرَأَتِي وَلَدَتْ غُلَامًا أَسْوَدَ) قال الحافظ: لم أقف على اسم المرأة، ولا على اسم الغلام. وزاد في رواية يونس: "وإني أنكرته"، أي استنكرته بقلبي، ولم يُرد أنه أنكر كونه ابنه بلسانه، وإلا لكان تصريحًا بالنفي، لا تعريضًا، ووجه التعريض أنه قال: غلامًا أسود، أي وأنا أبيض، فكيف يكون منّي؟. ووقع في رواية معمر، عن الزهريّ التالية: "ويريد الانتفاء منه"، ولفظ مسلم: "وهو حينئذ يعرّض بأن ينفيه". ويؤخذ منه أن التعريض بالقذف ليس قذفًا، وبه قال الجمهور. واستدلّ الشافعي بهذا الحديث لذلك. وعن المالكيّة يجب به الحدّ، إذا كان مفهومًا، وأجابوا عن الحديث بما سيأتي بيانه في آخر شرحه. وقال ابن دقيق العيد: في الاستدلال بالحديث نظر؛ لأن المستفتي لا يجب عليه حدّ، ولا تعزير. قال الحافظ: وفي هذا الإطلاق نظرٌ؛ لأنه قد يستفتي بلفظ لا يقتضي القذف، وبلفظ يقتضيه، فمن الأول أن يقول مثلاً: إذا كان زوج

стр. 14632

المرأة أبيض، فأتت بولد أسود: ما الحكم؟، ومن الثاني أن يقول مثلاً: إن امرأتي أتت بولد أسود، وأنا أبيض، فيكون تعريضًا، أو يزيد فيه مثلاً: زنت، فيكون تصريحًا، والذي ورد في حديث الباب هو الثاني، فيتمّ الاستدلال. وقد نبّه الخطّابيّ على عكس هذا، فقال: لا يلزم الزوج إذا صرّح بأن الولد الذي وضعته امرأته ليس منه حدّ قذف؛ لجواز أن يريد أنها وُطئت بشبهة، أو وضعته من الزوج الذي قبله، إذا كان ذلك ممكنًا (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "هَلْ لَكَ مِنْ إِبِلٍ؟، قَالَ: نَعَمْ، قَالَ) ﷺ ("فَمَا أَلْوَانُهَا؟، قَالَ) الرجل (حُمْرٌ) وفي رواية محمد بن مصعب، عن مالك، عند الدارقطنيّ: "رُمْك"، والأرمك الأبيض إلى حمرة (قَالَ) ﷺ ("فَهَل فِيهَا مِنْ أَوْرَقَ؟ ") بوزن أحمر (قَالَ) الرجل (إِنَّ فِيهَا لَوُرْقًا) بضمّ الواو بوزن حُمْر، جمع أورق، وهو الذي فيه سواد، ليس بحالك، بل يميل إلى الغبرة، ومنه قيل للحمامة: ورقاء (قَالَ) ﷺ (فَأَنَّى) -بفتح الهمزة، وتشديد النون- بمعنى "من أين" (تَرَى أتى ذَلِكَ؟) أي من أين تظنّ أن ذلك اللون الذي خالفها حصل لها، هل هو بسبب فحل من غير لونها، طرأ عليها، أو لأمر آخر؟ (قَالَ: عَسَى أَنْ يَكُونَ نَزَعَهُ عِرْقٌ) وفي رواية معمر التالية: "قال: فلم يُرخّص له في الانتفاء". وفي رواية شعيب الآتية: "فمن أجله قضى رسول اللَّه ﷺ هذا لا يجوز لرجل أن ينتفي من ولد وُلد على فراشه، إلا أن يزعُم أنه رأى فاحشةً". قال النوويّ -رحمه اللَّه تعالى-: المراد بالعرق هنا الأصل من النسب؛ تشبيهًا بعرق الشجرة، ومنه قولهم: فلان مُعرقٌ في النسب، والحسب، وفي اللؤم، والكرم. ومعنى نزعه: أشبهه، واجتذبه إليه، وأظهر لونه عليه. وأصل النزع الجذب، فكأنه جذبه إليه لشبهه، يقال منه نزع الولد لأبيه، وإلى أبيه، ونزعه أبوه، ونزعه إليه انتهى (١). وفي رواية البخاريّ: "لعلّه نزعه عرقٌ". والمعنى يحتمل أن يكون في أصولها ما هو باللون المذكور، فاجتذبه إليه، فجاء على لونه انتهى (٢) (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "وَهَذَا عَسَى أَنْ يَكُونَ نَزَعَهُ عِرْقٌ") أي كذلك يحتمل أن يكون نزع هذا الولد الأسود المخالف للونك أحد من كان بهذا اللون من أصوله. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، د إليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته:

стр. 14633

حديث أبي هريرة - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٤٦/ ٣٥٠٥ و ٣٥٠٦ و ٣٥٠٧ - وفي "الكبرى" ٤٦/ ٥٦٧٢ و ٥٦٧٣ و ٥٦٧٤. وأخرجه (خ) في "الطلاق" ٥٣٠٥ و"الحدود" ٦٨٤٧ و"الاعتصام بالكتاب والسنة" ٧٣١٤ (م) في "اللعان" ١٥٠٠ (د) في "الطلاق" ٢٢٦٠ (ت) في "الولاء والهبة" ٢١٢٨ (ق) في "النكاح" ٢٠٠٢ (أحمد) في "مسند المكثرين" ٧١٤٩ و ٧٢٢٣ و ٧٧٠٢ و ٩٠٤٣. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان حكم التعريض بالقذف، وهو أنه لا يُوجب حكم القذف، حتى يقع التصريح، وبه قال أبو حنيفة، والشافعيّ، وآخرون. وذهب المالكيّة إلى وجوب الحدّ بالتعريض، إذا كان مفهومًا. قاله وليّ الدين (١). وقال في "الفتح" بعد ذكره مخالفة المالكيّة في ذلك: ما نصّه: وأجاب بعض المالكيّة أن التعريض الذي يجب به القذف عندهم هو ما يفهم منه القذف، كما يُفهم من التصريح، وهذا الحديث لا حجة فيه لدفع ذلك، فإن الرجل لم يُرد قذفًا، بل جاء سائلاً، مستفتيًا عن الحكم لما وقع له من الريبة، فلما ضرب له المثل أذعن. وقال المهلّب: التعريض إذا كان على سبيل السؤال لا حد فيه، وإنما يجب الحدّ في التعريض إذا كان على سبيل المواجهة، والمشاتمة. وقال ابن المنيّر: الفرق بين الزوج والأجنبيّ في التعريض أن الأجنبيّ يقصد الأذيّة المحضة، والزوج قد يُعذر بالنسبة إلى صيانة النسب. انتهى (٢). وقال ابن دقيق العيد بعد ذكره أن فيه ما يُشعر بأن التعريض بنفي الولد لا يوجب حدًّا: كذا قيل، وفيه نظر؛ لانتفاء الحدّ، أو التعزير عن المستفتين انتهى (٣). (ومنها): أن فيه ضرب المثل، وتشبيه المجهول بالمعلوم؛ تقريبًا لفهم السائل. (ومنها): أنه يدلّ على صحّة القياس. قال الخطّابيّ -رحمه اللَّه تعالى-: وهو أصل في قياس الشَّبَهِ. وقال ابن العربيّ: فيه دليلٌ على صحّة القياس، والاعتبار بالنظير. وتوقّف فيه ابن دقيق العيد، فقال: هو تشبيه في أمر وجوديّ، والنزاع إنما هو في التشبيه في

стр. 14634

الأحكام الشرعيّة من طريق واحد قويّة. (ومنها): أن فيه أن الزوج لا يجوز له الانتفاء من ولده بمجرّد الظنّ، وأن الولد يلحق به، ولو خالف لونه لون أمّه. وقال القرطبيّ، تبعًا لابن رُشيد: لا خلاف في أنه لا يحلّ نفي الولد باختلاف الألوان المتقاربة، كالأُدْمة، والسُّمْرة، ولا في البياض، والسواد، إذا كان قد أقرّ بالوطء، ولم تمض مدّة الاستبراء. قال الحافظ: وكأنه أراد في مذهبه، وإلا فالخلاف ثابت عند الشافعيّة بتفصيل، فقالوا: إن لم ينضمّ إليه قرينة زنا لم يجز النفي، فإن اتّهمها، فأتت بولد على لون الرجل الذي اتّهمها به جاز النفي على الصحيح. وفي حديث ابن عبّاس - رضي اللَّه تعالى عنهما - المتقدّم في اللعان ما يقويّه. وعند الحنابلة يجوز النفي مع القرينة مطلقًا. والخلاف إنما هو عند عدمها، وهو عكس ترتيب الخلاف عند الشافعيّة. انتهى (١). (ومنها): أن فيه تقديم حكم الفراش على ما يُشعر به مخالفة الشبَه، (ومنها): أن فيه الاحتياط للأنساب، وإبقائها مع الإمكان، والزجر عن تحقيق ظنّ السوء. (ومنها): ما قال الخطّابيّ: أن قوله: ليس منّي ليس قذفًا لأمه بمجرّد ذلك؛ لجواز كونه لغيره بوطء شبهة، أو من زوج متقدّم انتهى. وفيه أن هذا الرجل لم يصدر منه أنه قال: ليس منّي، وإنما عرّض بذلك، كما تقدّم (٢). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٥٠٦ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَزِيعٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ, عَنِ الزُّهْرِيِّ, عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ, عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي فَزَارَةَ, إِلَى النَّبِيِّ ﷺ , فَقَالَ: إِنَّ امْرَأَتِي وَلَدَتْ غُلَامًا أَسْوَدَ, وَهُوَ يُرِيدُ الاِنْتِفَاءَ مِنْهُ, فَقَالَ: «هَلْ لَكَ مِنْ إِبِلٍ؟» , قَالَ: نَعَمْ, قَالَ: «مَا أَلْوَانُهَا؟» , قَالَ: حُمْرٌ, قَالَ: «هَلْ فِيهَا مِنْ أَوْرَقَ؟» , قَالَ: فِيهَا ذَوْدٌ وُرْقٌ, قَالَ: «فَمَا ذَاكَ تُرَى؟» , قَالَ: لَعَلَّهُ أَنْ يَكُونَ نَزَعَهَا عِرْقٌ, قَالَ: فَلَعَلَّ هَذَا أَنْ يَكُونَ نَزَعَهُ عِرْقٌ, قَالَ: فَلَمْ يُرَخِّصْ لَهُ فِي الاِنْتِفَاءِ مِنْهُ). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، و"محمد بن عبد اللَّه بن بَزِيع" -بفتح الباء الموحّدة، وكسر الزاي المعجمة، آخره عين مهملة- بصريّ، ثقة [١٠] ٤٣/ ٥٨٨. و"يزيد بن زُريع" -بتقديم الزاي، مصغّرًا، أبو معاوية البصريّ، ثقة ثبت [٨] ٥/ ٥. "ومعمر" هو: ابن راشد أبو عروة اليمنيّ الثقة الثبت [٧]

стр. 14635

وقوله: "ذود ورق" -بفتح الذال المعجمة، وسكون الواو، آخره قال مهملة-: قال ابن الأنباريّ: سمعت أبا العبّاس يقول: ما بين الثلاث إلى العشر ذَوْدٌ، وكذا قال الفارابيّ. والذود مؤنّثةٌ؛ لأنهم قالوا: ليس في أقلّ من خمس ذود صدقة، والجمع أذوادٌ، مثلُ ثوب وأثواب. وقال في البارع: الذود لا يكون إلا إناثًا. قاله الفيّوميّ. وقوله: "وُرْق" -بضمّ، فسكون-: جمع أروق، وهو مرفوع صفة لذود. وضُبط في النسخ المطبوعة ضبط قلم بالجرّ، فإن صحّت الرواية به فله وجهٌ على قلّة، وهو أن يضاف إليه "ذودٌ"، من إضافة الموصوف إلى الصفة، كمسجد الجامع، كما قال في "الخلاصة": وَلَا يُضَافُ اسْمٌ لِمَا بِهِ اتَّحَدْ … مَعْنًى وَأَوِّلْ مُوهِمًا إِذَا وَرَدْ والحديث متّفقٌ عليه، وقد سبق شرحه، وبيان مسائله في الذي قبله. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٥٠٧ - (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ, قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو حَيْوَةَ, حِمْصِيٌّ, قَالَ: حَدَّثَنَا شُعَيْبُ بْنُ أَبِي حَمْزَةَ, عَنِ الزُّهْرِيِّ, عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ, عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, قَالَ: بَيْنَمَا نَحْنُ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ , قَامَ رَجُلٌ: فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ, إِنِّي وُلِدَ لِي غُلَامٌ أَسْوَدُ, فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «فَأَنَّى كَانَ ذَلِكَ؟» , قَالَ: مَا أَدْرِي, قَالَ: «فَهَلْ لَكَ مِنْ إِبِلٍ؟» , قَالَ: نَعَمْ, قَالَ: «فَمَا أَلْوَانُهَا؟» , قَالَ: حُمْرٌ, قَالَ: «فَهَلْ فِيهَا جَمَلٌ أَوْرَقُ» , قَالَ: "فِيهَا إِبِلٌ وُرْقٌ", قَالَ: «فَأَنَّى كَانَ ذَلِكَ؟» , قَالَ: مَا أَدْرِي يَا رَسُولَ اللهِ, إِلاَّ أَنْ يَكُونَ نَزَعَهُ عِرْقٌ, قَالَ: «وَهَذَا لَعَلَّهُ نَزَعَهُ عِرْقٌ» , فَمِنْ أَجْلِهِ قَضَى رَسُولُ اللهِ ﷺ هَذَا لَا يَجُوزُ لِرَجُلٍ أَنْ يَنْتَفِىَ مِنْ وَلَدٍ, وُلِدَ عَلَى فِرَاشِهِ, إِلاَّ أَنْ يَزْعُمَ أَنَّهُ رَأَى فَاحِشَةً"). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، "أحمد بن محمد بن المغيرة": هو الأزديّ الحمصيّ، صدوقٌ [١١] ٦٥/ ٨٥ فإنه من أفراده. و"أبو حيوة": هو شريح بن يزيد الحضرميّ المؤذّن الحمصيّ، ثقة [٩] ١٦/ ٨٩٦. و"شعيب بن أبي حمزة" دينار الأمويّ مولاهم، أبو بشر الحمصيّ، ثقة ثبتٌ [٧] ٦٩/ ٨٥. وقوله: "فمن أجله" الظاهر أنه من كلام أبي هريرة ﵁. أي من أجل سؤال هذا الرجل عن قضيّة لا بيّنة فيها، ولا حجة تثبتها، قضى ﷺ أنه لا يجوز لشخص أن ينتفي من ولد ولدته امرأته، وهي تحته، إلا إذا أثبت أنه رآها تزني، فيجوز له عند ذلك أن يلاعنها، ويفارقها، وينتفي من ولدها.
следующие страницы →