وأبا هريرة ﵁ من المكثرين السبعة، روى (٥٣٧٤) حديثًا. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ) قال في "الفتح": كذا لأكثر أصحاب الزهريّ، وخالفهم يونس، فقال: عنه، عنَ أبي سلمة، عن أبي هريرة، وقد أخرجه البخاريّ في "كتاب الاعتصار" من طريق ابن وهب، عنه، وهو مصير من البخاريّ إلى أنه عند الزهريّ، عن سعيد، وأبي سلمة معًا، وقد وافقه مسلم على ذلك. ويؤيّده رواية يحيى بن الضحّاك، عن الأوزاعيّ، عن الزهريّ، عنهما جميعًا. وقد أطلق الدارقطنيّ أن المحفوظ رواية مالك، ومن تابعه. وهو محمول على العمل بالترجيح، وأما طريق الجمع فهو ما صنعه البخاريّ، ويتأيّد أيضًا بأن عُقيلاً رواه عن الزهريّ، قال: بلغنا عن أبي هريرة، فإن ذلك يُشعر بأنه عنده عن غير واحد، وإلا لو كان عن واحد فقط، كسعيد مثلاً لاقتصر عليه انتهى (١) (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) - رضي اللَّه تعالى عنه - (أَنَّ رَجُلاً مِنْ بَنِي فَزَارَةَ) -بفتح الفاء، وبالزاي، وبعد الألف راء مهملة-. وفي رواية أبي مصعب: "جاء أعرابي". وفي رواية: "جاء رجلٌ من أهل البادية". واسم هذا الأعرابيّ ضمضم بن قتادة، أخرج حديثه عبد الغني بن سعيد في "المبهمات" له من طريق قطبة بنت عمرو بن هرم أن مدلوكًا حدّثها، أن ضمضم بن قتادة وُلد له مولود أسود، من امرأة من بني عجل، فشكا إلى النبيّ ﷺ ، فقال: "هل لك من إبل؟ " (أَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ) وفي رواية ابن أبي ذئب: "صرخ بالنبيّ ﷺ (فَقَالَ: إِنَّ امْرَأَتِي وَلَدَتْ غُلَامًا أَسْوَدَ) قال الحافظ: لم أقف على اسم المرأة، ولا على اسم الغلام. وزاد في رواية يونس: "وإني أنكرته"، أي استنكرته بقلبي، ولم يُرد أنه أنكر كونه ابنه بلسانه، وإلا لكان تصريحًا بالنفي، لا تعريضًا، ووجه التعريض أنه قال: غلامًا أسود، أي وأنا أبيض، فكيف يكون منّي؟. ووقع في رواية معمر، عن الزهريّ التالية: "ويريد الانتفاء منه"، ولفظ مسلم: "وهو حينئذ يعرّض بأن ينفيه".
ويؤخذ منه أن التعريض بالقذف ليس قذفًا، وبه قال الجمهور. واستدلّ الشافعي بهذا الحديث لذلك. وعن المالكيّة يجب به الحدّ، إذا كان مفهومًا، وأجابوا عن الحديث بما سيأتي بيانه في آخر شرحه. وقال ابن دقيق العيد: في الاستدلال بالحديث نظر؛ لأن المستفتي لا يجب عليه حدّ، ولا تعزير. قال الحافظ: وفي هذا الإطلاق نظرٌ؛ لأنه قد يستفتي بلفظ لا يقتضي القذف، وبلفظ يقتضيه، فمن الأول أن يقول مثلاً: إذا كان زوج
стр. 14632
المرأة أبيض، فأتت بولد أسود: ما الحكم؟، ومن الثاني أن يقول مثلاً: إن امرأتي أتت بولد أسود، وأنا أبيض، فيكون تعريضًا، أو يزيد فيه مثلاً: زنت، فيكون تصريحًا، والذي ورد في حديث الباب هو الثاني، فيتمّ الاستدلال. وقد نبّه الخطّابيّ على عكس هذا، فقال: لا يلزم الزوج إذا صرّح بأن الولد الذي وضعته امرأته ليس منه حدّ قذف؛ لجواز أن يريد أنها وُطئت بشبهة، أو وضعته من الزوج الذي قبله، إذا كان ذلك ممكنًا (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "هَلْ لَكَ مِنْ إِبِلٍ؟، قَالَ: نَعَمْ، قَالَ) ﷺ ("فَمَا أَلْوَانُهَا؟، قَالَ) الرجل (حُمْرٌ) وفي رواية محمد بن مصعب، عن مالك، عند الدارقطنيّ: "رُمْك"، والأرمك الأبيض إلى حمرة (قَالَ) ﷺ ("فَهَل فِيهَا مِنْ أَوْرَقَ؟ ") بوزن أحمر (قَالَ) الرجل (إِنَّ فِيهَا لَوُرْقًا) بضمّ الواو بوزن حُمْر، جمع أورق، وهو الذي فيه سواد، ليس بحالك، بل يميل إلى الغبرة، ومنه قيل للحمامة: ورقاء (قَالَ) ﷺ (فَأَنَّى) -بفتح الهمزة، وتشديد النون- بمعنى "من أين" (تَرَى أتى ذَلِكَ؟) أي من أين تظنّ أن ذلك اللون الذي خالفها حصل لها، هل هو بسبب فحل من غير لونها، طرأ عليها، أو لأمر آخر؟ (قَالَ: عَسَى أَنْ يَكُونَ نَزَعَهُ عِرْقٌ) وفي رواية معمر التالية: "قال: فلم يُرخّص له في الانتفاء". وفي رواية شعيب الآتية: "فمن أجله قضى رسول اللَّه ﷺ هذا لا يجوز لرجل أن ينتفي من ولد وُلد على فراشه، إلا أن يزعُم أنه رأى فاحشةً".
قال النوويّ -رحمه اللَّه تعالى-: المراد بالعرق هنا الأصل من النسب؛ تشبيهًا بعرق الشجرة، ومنه قولهم: فلان مُعرقٌ في النسب، والحسب، وفي اللؤم، والكرم. ومعنى نزعه: أشبهه، واجتذبه إليه، وأظهر لونه عليه. وأصل النزع الجذب، فكأنه جذبه إليه لشبهه، يقال منه نزع الولد لأبيه، وإلى أبيه، ونزعه أبوه، ونزعه إليه انتهى (١).
وفي رواية البخاريّ: "لعلّه نزعه عرقٌ". والمعنى يحتمل أن يكون في أصولها ما هو باللون المذكور، فاجتذبه إليه، فجاء على لونه انتهى (٢) (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "وَهَذَا عَسَى أَنْ يَكُونَ نَزَعَهُ عِرْقٌ") أي كذلك يحتمل أن يكون نزع هذا الولد الأسود المخالف للونك أحد من كان بهذا اللون من أصوله. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، د إليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
стр. 14633
حديث أبي هريرة - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٤٦/ ٣٥٠٥ و ٣٥٠٦ و ٣٥٠٧ - وفي "الكبرى" ٤٦/ ٥٦٧٢ و ٥٦٧٣ و ٥٦٧٤. وأخرجه (خ) في "الطلاق" ٥٣٠٥ و"الحدود" ٦٨٤٧ و"الاعتصام بالكتاب والسنة" ٧٣١٤ (م) في "اللعان" ١٥٠٠ (د) في "الطلاق" ٢٢٦٠ (ت) في "الولاء والهبة" ٢١٢٨ (ق) في "النكاح" ٢٠٠٢ (أحمد) في "مسند المكثرين" ٧١٤٩ و ٧٢٢٣ و ٧٧٠٢ و ٩٠٤٣. واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان حكم التعريض بالقذف، وهو أنه لا يُوجب حكم القذف، حتى يقع التصريح، وبه قال أبو حنيفة، والشافعيّ، وآخرون. وذهب المالكيّة إلى وجوب الحدّ بالتعريض، إذا كان مفهومًا. قاله وليّ الدين (١).
وقال في "الفتح" بعد ذكره مخالفة المالكيّة في ذلك: ما نصّه: وأجاب بعض المالكيّة أن التعريض الذي يجب به القذف عندهم هو ما يفهم منه القذف، كما يُفهم من التصريح، وهذا الحديث لا حجة فيه لدفع ذلك، فإن الرجل لم يُرد قذفًا، بل جاء سائلاً، مستفتيًا عن الحكم لما وقع له من الريبة، فلما ضرب له المثل أذعن. وقال المهلّب: التعريض إذا كان على سبيل السؤال لا حد فيه، وإنما يجب الحدّ في التعريض إذا كان على سبيل المواجهة، والمشاتمة. وقال ابن المنيّر: الفرق بين الزوج والأجنبيّ في التعريض أن الأجنبيّ يقصد الأذيّة المحضة، والزوج قد يُعذر بالنسبة إلى صيانة النسب. انتهى (٢).
وقال ابن دقيق العيد بعد ذكره أن فيه ما يُشعر بأن التعريض بنفي الولد لا يوجب حدًّا: كذا قيل، وفيه نظر؛ لانتفاء الحدّ، أو التعزير عن المستفتين انتهى (٣).
(ومنها): أن فيه ضرب المثل، وتشبيه المجهول بالمعلوم؛ تقريبًا لفهم السائل.
(ومنها): أنه يدلّ على صحّة القياس. قال الخطّابيّ -رحمه اللَّه تعالى-: وهو أصل في قياس الشَّبَهِ. وقال ابن العربيّ: فيه دليلٌ على صحّة القياس، والاعتبار بالنظير. وتوقّف فيه ابن دقيق العيد، فقال: هو تشبيه في أمر وجوديّ، والنزاع إنما هو في التشبيه في
стр. 14634
الأحكام الشرعيّة من طريق واحد قويّة. (ومنها): أن فيه أن الزوج لا يجوز له الانتفاء من ولده بمجرّد الظنّ، وأن الولد يلحق به، ولو خالف لونه لون أمّه. وقال القرطبيّ، تبعًا لابن رُشيد: لا خلاف في أنه لا يحلّ نفي الولد باختلاف الألوان المتقاربة، كالأُدْمة، والسُّمْرة، ولا في البياض، والسواد، إذا كان قد أقرّ بالوطء، ولم تمض مدّة الاستبراء.
قال الحافظ: وكأنه أراد في مذهبه، وإلا فالخلاف ثابت عند الشافعيّة بتفصيل، فقالوا: إن لم ينضمّ إليه قرينة زنا لم يجز النفي، فإن اتّهمها، فأتت بولد على لون الرجل الذي اتّهمها به جاز النفي على الصحيح. وفي حديث ابن عبّاس - رضي اللَّه تعالى عنهما - المتقدّم في اللعان ما يقويّه. وعند الحنابلة يجوز النفي مع القرينة مطلقًا. والخلاف إنما هو عند عدمها، وهو عكس ترتيب الخلاف عند الشافعيّة. انتهى (١).
(ومنها): أن فيه تقديم حكم الفراش على ما يُشعر به مخالفة الشبَه، (ومنها): أن فيه
الاحتياط للأنساب، وإبقائها مع الإمكان، والزجر عن تحقيق ظنّ السوء.
(ومنها): ما قال الخطّابيّ: أن قوله: ليس منّي ليس قذفًا لأمه بمجرّد ذلك؛ لجواز كونه لغيره بوطء شبهة، أو من زوج متقدّم انتهى. وفيه أن هذا الرجل لم يصدر منه أنه قال: ليس منّي، وإنما عرّض بذلك، كما تقدّم (٢). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٥٠٦ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَزِيعٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ, عَنِ الزُّهْرِيِّ, عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ, عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي فَزَارَةَ, إِلَى النَّبِيِّ ﷺ , فَقَالَ: إِنَّ امْرَأَتِي وَلَدَتْ غُلَامًا أَسْوَدَ, وَهُوَ يُرِيدُ الاِنْتِفَاءَ مِنْهُ, فَقَالَ: «هَلْ لَكَ مِنْ إِبِلٍ؟» , قَالَ: نَعَمْ, قَالَ: «مَا أَلْوَانُهَا؟» , قَالَ: حُمْرٌ, قَالَ: «هَلْ فِيهَا مِنْ أَوْرَقَ؟» , قَالَ: فِيهَا ذَوْدٌ وُرْقٌ, قَالَ: «فَمَا ذَاكَ تُرَى؟» , قَالَ: لَعَلَّهُ أَنْ يَكُونَ نَزَعَهَا عِرْقٌ, قَالَ: فَلَعَلَّ هَذَا أَنْ يَكُونَ نَزَعَهُ عِرْقٌ, قَالَ: فَلَمْ يُرَخِّصْ لَهُ فِي الاِنْتِفَاءِ مِنْهُ).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، و"محمد بن عبد اللَّه بن بَزِيع" -بفتح الباء الموحّدة، وكسر الزاي المعجمة، آخره عين مهملة- بصريّ، ثقة [١٠] ٤٣/ ٥٨٨. و"يزيد بن زُريع" -بتقديم الزاي، مصغّرًا، أبو معاوية البصريّ، ثقة ثبت [٨] ٥/ ٥. "ومعمر" هو: ابن راشد أبو عروة اليمنيّ الثقة الثبت [٧]
стр. 14635
وقوله: "ذود ورق" -بفتح الذال المعجمة، وسكون الواو، آخره قال مهملة-: قال ابن الأنباريّ: سمعت أبا العبّاس يقول: ما بين الثلاث إلى العشر ذَوْدٌ، وكذا قال الفارابيّ. والذود مؤنّثةٌ؛ لأنهم قالوا: ليس في أقلّ من خمس ذود صدقة، والجمع أذوادٌ، مثلُ ثوب وأثواب. وقال في البارع: الذود لا يكون إلا إناثًا. قاله الفيّوميّ.
وقوله: "وُرْق" -بضمّ، فسكون-: جمع أروق، وهو مرفوع صفة لذود. وضُبط في النسخ المطبوعة ضبط قلم بالجرّ، فإن صحّت الرواية به فله وجهٌ على قلّة، وهو أن يضاف إليه "ذودٌ"، من إضافة الموصوف إلى الصفة، كمسجد الجامع، كما قال في "الخلاصة":
وَلَا يُضَافُ اسْمٌ لِمَا بِهِ اتَّحَدْ … مَعْنًى وَأَوِّلْ مُوهِمًا إِذَا وَرَدْ
والحديث متّفقٌ عليه، وقد سبق شرحه، وبيان مسائله في الذي قبله. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٥٠٧ - (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ, قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو حَيْوَةَ, حِمْصِيٌّ, قَالَ: حَدَّثَنَا شُعَيْبُ بْنُ أَبِي حَمْزَةَ, عَنِ الزُّهْرِيِّ, عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ, عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, قَالَ: بَيْنَمَا نَحْنُ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ , قَامَ رَجُلٌ: فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ, إِنِّي وُلِدَ لِي غُلَامٌ أَسْوَدُ, فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «فَأَنَّى كَانَ ذَلِكَ؟» , قَالَ: مَا أَدْرِي, قَالَ: «فَهَلْ لَكَ مِنْ إِبِلٍ؟» , قَالَ: نَعَمْ, قَالَ: «فَمَا أَلْوَانُهَا؟» , قَالَ: حُمْرٌ, قَالَ: «فَهَلْ فِيهَا جَمَلٌ أَوْرَقُ» , قَالَ: "فِيهَا إِبِلٌ وُرْقٌ", قَالَ: «فَأَنَّى كَانَ ذَلِكَ؟» , قَالَ: مَا أَدْرِي يَا رَسُولَ اللهِ, إِلاَّ أَنْ يَكُونَ نَزَعَهُ عِرْقٌ, قَالَ: «وَهَذَا لَعَلَّهُ نَزَعَهُ عِرْقٌ» , فَمِنْ أَجْلِهِ قَضَى رَسُولُ اللهِ ﷺ هَذَا لَا يَجُوزُ لِرَجُلٍ أَنْ يَنْتَفِىَ مِنْ وَلَدٍ, وُلِدَ عَلَى فِرَاشِهِ, إِلاَّ أَنْ يَزْعُمَ أَنَّهُ رَأَى فَاحِشَةً").
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، "أحمد بن محمد بن المغيرة": هو الأزديّ الحمصيّ، صدوقٌ [١١] ٦٥/ ٨٥ فإنه من أفراده. و"أبو حيوة": هو شريح بن يزيد الحضرميّ المؤذّن الحمصيّ، ثقة [٩] ١٦/ ٨٩٦.
و"شعيب بن أبي حمزة" دينار الأمويّ مولاهم، أبو بشر الحمصيّ، ثقة ثبتٌ [٧] ٦٩/ ٨٥.
وقوله: "فمن أجله" الظاهر أنه من كلام أبي هريرة ﵁. أي من أجل سؤال هذا الرجل عن قضيّة لا بيّنة فيها، ولا حجة تثبتها، قضى ﷺ أنه لا يجوز لشخص أن ينتفي من ولد ولدته امرأته، وهي تحته، إلا إذا أثبت أنه رآها تزني، فيجوز له عند ذلك أن يلاعنها، ويفارقها، وينتفي من ولدها.
стр. 14636
وقوله: "هذا" الظاهر أن اسم الإشارة منصوب بنزع الخافض، متعلّقٌ بـ "قضى"، أي قضى بهذا الحكم، وقوله: "لا يجوز لرجل الخ" بيان لمرجع اسم الإشارة.
والحديث متّفقٌ عليه. كما سبق بيانه قريبًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه
أنيب".
…
٤٧ - (بَابُ التَّغْلِيظِ فِي الانْتِفَاءِ مِنَ الْوَلَدِ)
٣٥٠٨ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ, قَالَ: شُعَيْبٌ قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ, عَنِ ابْنِ الْهَادِ, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُونُسَ, عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ, عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ ﷺ , يَقُولُ -حِينَ نَزَلَتْ آيَةُ الْمُلَاعَنَةِ-: «أَيُّمَا امْرَأَةٍ أَدْخَلَتْ عَلَى قَوْمٍ رَجُلاً, لَيْسَ مِنْهُمْ, فَلَيْسَتْ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ, وَلَا يُدْخِلُهَا اللَّهُ جَنَّتَهُ, وَأَيُّمَا رَجُلٍ جَحَدَ وَلَدَهُ, وَهُوَ يَنْظُرُ إِلَيْهِ, احْتَجَبَ اللَّهُ مِنْهُ, وَفَضَحَهُ عَلَى رُءُوسِ الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ, يَوْمَ الْقِيَامَةِ»).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ) بن أعين المصريّ، ثقة فقيه [١١] ١٢٠/ ١٦٦.
٢ - (شعيب) بن الليث بن سعد الفهميّ مولاهم، أبو عبد الملك المصريّ، ثقة نبيل فقيه، من كبار [١٠] ١٢٠/ ١٦٦.
٣ - (الليث) بن سعد بن عبد الرحمن الفهمي مولاهم، والد شعيب الراوي عنه، أبو الحارث المصريّ، ثقة ثبت فقيه حجة [٧] ٣١/ ٣٥.
٤ - (ابن الهاد) هو يزيد بن عبد اللَّه بن أسامة بن الهاد الليثيّ، أبو عبد اللَّه المدنيّ، ثقة مكثر [٣] ٧/ ٩٠.
٥ - (عبد اللَّه بن يونس) حجازيّ، مجهول الحال [٦].
روى عن سعيد المقبريّ، ومحمد بن كعب القرظيّ. وعنه يزيد بن عبد اللَّه بن الهاد. ذكره ابن حبّان في "الثقات". وذكر عبد الحقّ أنه لا يعرف إلا بهذا الحديث.
стр. 14637
وقال ابن القطّان: مجهول الحال. تفرّد به المصنّف، وأبو داود بهذا الحديث فقط.
٦ - (سعيد بن أبي سعيد) كيسان المقبريّ، أبو سَعْد المدنيّ، ثقة تغيّر قبل موته بأربع سنين [٣] ٩٥/ ١١٧.
٧ - (أبو هريرة) - رضي اللَّه تعالى عنه - ١/ ١. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) - رضي اللَّه تعالى عنه - (أنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، يَقُولُ- حِينَ نَزَلَث آيَةُ الْمُلَاعَنَةِ) أي قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ﴾ الآية (أَيُّمَا امْرَأَةٍ أَدْخَلَتْ عَلَى قَوْمٍ رَجُلاً، لَيْسَ مِنْهُمْ) أي بالنسب الباطل، وذلك أن تزني، فتدد ولدًا، وتقول: هو لزوجها (فَلَيْسَتْ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ) أي ليست من دين اللَّه تعالى، أو من رحمته في شيء يُعتدّ به، وهذا تغليظ لفعلها (وَلَا يُدْخِلُهَا اللَّهُ جَنَّتَهُ) أي لا تستحقّ أن يدخلها اللَّه تعالى جنته، وهذا وأمثاله يؤول بتأولين: أحدهما أنه فيمن استحلّت ذلك، فيكون على ظاهره، وأنها لا تدخل الجنّة أبدًا؛ لارتدادها باستحلال ما حرّم اللَّه تعالى، مع علمها بتحريمه. والثاني: أن المراد أنها لا تدخل مع الأولين، بل إنما تدخل بعد أن تعذّب. واللَّه تعالى أعلم (وَأَيُّمَا رَجُلٍ جَحَدَ وَلَدَهُ) أي اْنكره، ونفاه (وَهُوَ يَنْظُرُ إِلَيْهِ) أي ينظر الرجل إلى ولده، وهو كناية عن العلم بأنه ولده، أو المعنى ينظر الولد إلى الرجل، فهو تقبيحٌ لفعله، وإشارة إلى قلّة شفقته، ورحمته، وشدّة قساوة قلبه، وغلظته (احْتَجَبَ اللَّهُ مِنْهُ) أي فيكون ممن قال اللَّه تعالى فيهم: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ إن كان مستحلاًّ لذلك، وإلا فيكون احتجابًا مأقّتًا، والحاصل أنه يأتي فيه التأويلان المذكوران آنفًا (وَفَضَحَهُ) - بفتح الضاد المعجمة، والحاء المهملة- يقال: فضَحَه، كمنعه: كَشَفَ مَساويه، فافْتَضَحَ، والاسم الفضيحة، والفُضُوح، والفُضُوحة، بضمهما، والفَضَاحة، بالفتح، والفِضَاح بالكسر. قاله في "القاموس" (عَلَى رُءُوسِ الْأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ، يَوْمَ الْقِيَامَةِ) واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث أبي هريرة - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا صححه الحاكم في "المستدرك" جـ٢/ ص ٢٠٢ - ٢٠٣ - وقال: على شرط مسلم، قال في "التلخيص الحبير": وصححه
стр. 14638
الدارقطنيّ في "العلل"، مع اعترافه بتفرّد عبد اللَّه بن يونس به، عن سعيد المقبريّ، وأنه لا يعرف إلا بهذا الحديث انتهى.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: أما تصحيح الحاكم، وقوله على شرط مسلم، فتساهل ظاهر؛ فإن عبد اللَّه بن يونس ليس من رجال مسلم، وأما تصحيح الدارقطنيّ، ففيه نظر لا يخفى؛ لأن عبد اللَّه بن يونس مجهول، كما تقدّم في ترجمته، وقد تفرّد بروايته عن سعيد المقبريّ.
وقال في "التلخيص": وفي الباب عن ابن عمر، في "مسند البزّار"، وفيه إبراهيم بن سعيد (١) الْخُوزيّ، وهو ضعيف. انتهى.
والحاصل أن الظاهر ضعفُ حديثِ الباب. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٤٧/ ٣٥٠٨ - وفي "الكبرى" ٤٦/ ٥٦٧٤. وأخرجه (د) في "الطلاق" ٣٢٦٣ (الدارمي) في "النكاح" ٢٢٣٨. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه
أنيب".
…
٤٨ - (بَابُ إِلْحَاقِ الْوَلَدِ بِالْفِرَاشِ، إِذَا لَمْ يَنْفِهِ صَاحِبُ الْفِرَاشِ)
٣٥٠٩ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ, قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ, عَنِ الزُّهْرِيِّ, عَنْ سَعِيدٍ, وَأَبِي سَلَمَةَ, عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ, وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ»).
رجال هذا الإسناد: ستة، وقد ترجموا قبل باب، وكلهم رجال الصحيح.
و"سفيان": هو ابن عيينة. و"سعيد": هو ابن المسيّب، و"أبو سلمة": هو ابن عبد الرحمن بن عوف. واللَّه تعالى أعلم.
стр. 14639
شرح الحديث
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) - رضي اللَّه تعالى عنه - (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ، قَالَ: "الْوَلَدُ لِلفِرَاشِ") قال في "النهاية": أي لمالك الفراش، وهو الزوج، والمولى، والمرأة تسمّى فراشًا؛ لأن الرجل يفترشها انتهى (وَللْعَاهِرِ) أي الزاني (الْحَجَرُ) أي الحرمان. وقيل: كنى به عن الرجم، وفيه أنه ليس كلُّ زان يُرجم، وقد يقال في صدق هذا الكلام ثبوت الرجم له أحيانًا. وتمام شرح الحديث يأتي في الحديث الثالث من أحاديث الباب، إن شاء اللَّه تعالى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث أبي هريرة - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٤٨/ ٣٥٠٩/ و٣٥١٠ - وفي "الكبرى" ٤٨/ ٥٦٧٦ و ٥٦٧٧. وأخرجه (خ) في "الفرائض". ٦٧٥٠ و"الحدود" ٦٨١٨ (م) في "الرضاع" ١٤٥٨ (ت) في "الرضاع" ١١٥٧ (ق) في "النكاح" ٢٠٠٦ (أحمد) في "مسند المكثرين" ٧٢٢١ و٧٧٠٥ و٨٧٧٧ و ٩٠٤٧ و ٩٦٩٢ و ٩٧٩٧ و ١٠٠١٣ (الدارمي) في "النكاح" ٢٢٣٥. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٥١٠ - (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ, عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ, قَالَ: حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ, عَنِ الزُّهْرِيِّ, عَنْ سَعِيدٍ, وَأَبِي سَلَمَةَ, عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ , قَالَ: «الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ, وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، و"إسحاق بن إبرهيم": هو ابن راهويه. و"عبد الرزاق": هو ابن همّام الصنعانيّ. و"معمر": هو ابن راشد الصنعاني. والحديث متّفقٌ عليه، وقد سبق البحث فيه في الحديث الماضي. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٥١١ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ, قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ, عَنِ ابْنِ شِهَابٍ, عَنْ عُرْوَةَ, عَنْ عَائِشَةَ, قَالَتِ: اخْتَصَمَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ, وَعَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ, فِي غُلَامٍ, فَقَالَ: سَعْدٌ: هَذَا يَا رَسُولَ اللهِ, ابْنُ أَخِي, عُتْبَةَ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ, عَهِدَ إِلَيَّ, أَنَّهُ ابْنُهُ, انْظُرْ إِلَى شَبَهِهِ, وَقَالَ عَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ: أَخِي, وُلِدَ عَلَى فِرَاشِ أَبِي, مِنْ وَلِيدَتِهِ, فَنَظَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِلَى شَبَهِهِ,
стр. 14640
فَرَأَى شَبَهًا بَيِّنًا بِعُتْبَةَ, فَقَالَ: «هُوَ لَكَ, يَا عَبْدُ, الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ, وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ, وَاحْتَجِبِى مِنْهُ, يَا سَوْدَةُ بِنْتَ زَمْعَةَ» , فَلَمْ يَرَ سَوْدَةَ قَطُّ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (قتيبة) بن سعيد الثقفيّ البغلانيّ، ثقة ثبت [١٠] ١/ ١.
٢ - (الليث) بن سعد الإمام المصريّ الثقة الثبت الحجة [٧] ٣١/ ٣٥.
٣ - (ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهريّ المدنيّ الإمام الحجة الحافظ [٤] ١/ ١.
٤ - (عروة) بن الزبير بن العوّام الأسديّ المدنيّ الفقيه، ثقة ثبت [٣] ٤٠/ ٤٤.
٥ - (عائشة) أم المؤمنين - رضي اللَّه تعالى عنها - ٥/ ٥. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخه، والليث، فمصريان. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ، وفيه عروة من الفقهاء السبعة، وعائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - من المكثرين السبعة. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ عُرْوَةَ) وفي رواية شعيب، عن الزهريّ عند البخاريّ في "العتق": "حدّثني عروة"، وكذا وقع في رواية عبد اللَّه بن مسلمة، عن مالك، في "المغازي"، لكن أخرجه في "الوصايا" بلفظ: "عن عروة". قاله في "الفتح" (عَنْ عَائِشَةَ) - رضي اللَّه تعالى عنها -، أنها (قَالَتِ: اخْتَصَمَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ) مالك بن وُهيب بن عبد مناف بن زُهرة بن كلاب الزهريّ، أبو إسحاق، أحد العشرة، وأول من رمى بسهم في سبيل اللَّه ، مناقبه كثيرة، مات ﵁ بالعقيق، سنة (٥٥هـ) على المشهور، وهو آخر من مات من العشرة المبشرين بالجنّة ﵃، تقدّمت ترجمته في ٩٦/ ١٠٢١ (وَعَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ) بغير إضافة "عبد". ووقع في "مختصر ابن الحاجب" "عبد اللَّه"، وهو غلطٌ، نعم عبد اللَّه بن زمعة آخر. وفي بعض الطرق من غير رواية عائشة عند الطحاويّ في هذا الحديث عبد اللَّه بن زمعة. ونبّه على أنه غلطٌ، وأن عبد اللَّه بن زمعة هو ابن الأسود بن عبد المطّلب بن أسد بن عبد العزّى.
و"زمعة": -بفتح الزاي، وسكون الميم، وقد تحُرّك- قال النوويّ: التسكين أشهر.
وقال أبو الوليد الوقشيّ: التحريك هو الصواب. قال الحافظ: والجاري على ألسنة المحدّثين التسكين في الاسم، والتحريك في النسبة. وهو ابن قيس بن عبد شمس
стр. 14641
القرشيّ العامريّ، والد سودة، زوج النبيّ ﷺ ﵂.
وعبد بن زمعة قال ابن عبد البرّ: كان من سادات الصحابة، وأخوه لأمه قَرَظَة بن عبد عمرو بن نوفل بن عبد مناف، أمهما عاتكة بنت الأخيف -بخاء معجمة، بعدها مثنّاة تحتانيّة- من بني هُصيص بن عامر بن لؤيّ. وأخرج ابن أبي عاصم بسند حسن إلى يحيى ابن عبد الرحمن بن حاطب، عن عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها -، قالت: تزوّج رسول اللَّه ﷺ سودة بنت زمعة، فجاء أخوها عبد بن زمعة من الحجّ، فجعل يحثو من التراب على رأسه، فقال بعد أن أسلم: إنّي لسفيهٌ يوم أحثو التراب على رأسي أن تزوّج رسول اللَّه ﷺ لي سودة. قاله في "الإصابة" (١).
(فِي غُلَامٍ) هو الابن الصغير، وجمع القلّة منه غِلْمة بالكسر، وجمع الكثرة غِلمانٌ، ويُطلق الغلام على الرجل، مجازًا باسم ما كان عليه، كما يقال للصغير شيخٌ، مجازًا باسم ما يئول إليه، وجاء في الشعر غلامةٌ، بالهاء، للجارية، قال أوس بن غلفاء الْهُجَيميّ، يصف فرسًا [من الكامل]:
وَمُرْكِضَةٌ صَرِيحِيٌّ أَبُوهَا … يُهَانُ لَهَا الْغُلَامَةُ وَالْغُلَامُ
قال الأزهريّ: وسمعت العرب تقول للمولود حين يولد ذكرًا: غُلامٌ، وسمعتهم يقولون للكهل: غُلام، وهو فاشٍ في كلامهم (٢).
واسم الغلام المذكور: عبد الرحمن، وذكره ابن عبد البرّ في الصحابة وغيره، وقد أعقب بالمدينة. قاله في "الفتح".
وقال في "الإصابة": وقال ابن عبد البرّ: لم يختلف النسّابون أن اسم ابن الوليدة، صاحب القصّة عبد الرحمن. قال الحافظ: خبط ابن منده، وتبعه أبو نُعيم في نسبه، فجعله من بني أسد بن عبد العزّى، وليس كذلك، ووهم ابن قانع، فجعله هو الذي خاصم سعدَ بنَ أبي وقّاص، وكأنه انقلب عليه، فإنه المخاصَمُ فيه، لا المخاصِمُ، والمخاصِمُ عبدٌ بغير إضافة، بلا نزاع انتهى (٣).
وقال في "الفتح": وقد وقع لابن منده خبطٌ في ترجمة عبد الرحمن بن زمعة، فإنه زعم أن عبد الرحمن، وعبد اللَّه، وعبدًا إخوة ثلاة، أولاد زمعة بن الأسود، وليس كذلك، بل عبدٌ بغير إضافة، وعبد الرحمن أخوان، عامريان، من قريش، وعبد اللَّه بن
стр. 14642
زمعة قرشي أسديّ، من قريش أيضًا انتهى (١).
(فَقَالَ: سَعْدٌ) ابن أبي وقّاص - رضي اللَّه تعالى عنه - (هَذَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، ابْنُ أَخِي، عُتْبَةَ ابْنِ أَبِي وَقَّاصٍ) "عتبة" بدل من "أخي"، وهو أخو سعد المذكور، مختلفٌ في صحبته، فذكره في الصحابة العسكريّ، وذكر ما نقله الزبير بن بكّار في النسب أنه كان أصاب دمًا بمكّة في قريش، فانتقل إلى المدينة، ولَمّا مات أوصى إلى سعد. وذكره ابن منده في الصحابة، ولم يذكر مستندًا إلا قول سعد: "عهد إليّ أخي أنه ولده"، واستنكر أبو نعيم ذلك. وذكر أنه الذي شجّ وجه رسول اللَّه ﷺ بأحد، قال: وما علمت له إسلامًا، بل قد روى عبد الرزاق من طريق عثمان الجزريّ، عن مقسم: "أن النبيّ ﷺ دعا بأن لا يحول على عتبة الحول حتى يموت كافرًا، فمات قبل الحول". وهذا مرسل. وأخرجه من وجه آخر عن سعيد بن المسيّب بنحوه. وأخرج الحاكم في "المستدرك" من طريق صفوان بن سُليم، عن أنس أنه سمع حاطب بن أبي بلتعة، يقول: "إن عتبة لَمّا فعل بالنبيّ ﷺ ما فعل، تبعته، فقتلته". كذا قال. وجزم ابن التين، والدمياطيّ بأنه مات كافرًا.
وأم عتبة هند بنت وهب بن الحارث بن زُهرة، وأم أخيه سعد حمنة بنت سفيان بن أميّة. قاله في "الفتح" (٢)
(عَهِدَ إِلَيَّ) أي أوصى إلَيَّ. يقال: عَهِدَ إليه يَعْهَدُ، من باب تَعِبَ: إذا أوصاه. قاله الفيّوميّ (أنَّهُ ابْنُهُ، انْظُرْ إِلَى شَبَهِهِ) أي إلى مماثلته لعتبة. قال في "القاموس": الشِّبْهُ بالكسر، والتحريك، وكأمير: المثل، , جمعه أشباه انتهى.
وفي رواية البخاريّ في "الفرائض": "فلما كان عام الفتح أخذه سعد، فقال: ابن أخي. وفي رواية له في "المغازي": "فلما قدم رسول اللَّه ﷺ مكّة في الفتح". وفي رواية لأحمد، وهي لمسلم، ولم يسق لفظها: "فلما كان يوم الفتح رأى سعدٌ الغلامَ، فعرفه بالشبه، فاحتضنه، وقال ابن أخي، وربّ الكعبة" (وَقَالَ عَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ: أَخِي، وُلِدَ) بالبناء للمفعول (عَلَى فِرَاشِ أَبِي) زاد في رواية: "من جاريته" (مِنْ وَلِيدَتِهِ) الوليدة في الأصل المولودة، وتُطلق على الأمة، قال الحافظ: وهذه الوليدة لم أقف على اسمها لكن ذكر مصعب الزبيريّ، وابن أخيه الزبير في "نسب قريش" أنها كانت أمة يمانية. والوليدة فَعِيلة من الولادة، بمعنى مفعولة. قال الجوهريّ: هي الصبيّة،
стр. 14643
والأمة، والجمع ولائد. وقيل: إنها اسم لغير أم الولد.
(فَنَظَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِلَى شَبَهِهِ، فَرَأَى شَبَهًا بَيِّنًا بِعُتْبَةَ) وفي رواية: "فإذا هو أشبه الناس بعتبة بن أبي وقّاص".
قال الخطّابيّ، وتبعه عياضٌ، والقرطبي، وغيرهما: كان أهل الجاهليّة يقتنون الو لائد، ويقرّرون عليهنّ الضرائب، فيكتسبن بالفجور، وكانوا يُلحقون النسب بالزناة، إذا ادّعوا الولد، كما في النكاح، وكانت لزمعة أمةٌ، وكان يُلمّ بها، فظهر بها حملٌ، زعم عتبة بن أبي وقّاص أنه منه، وعهد إلى أخيه سعد أن يستلحقه، فخاصم فيه عبد بن زمعة، فقال له سعد: هو ابن أخي، على ما كان عليه الأمر في الجاهليّة، وقال عبد الرحمن: هو أخي، على ما استقرّ عليه الأمر في الإسلام، فأبطل النبيّ ﷺ حكم الجاهليّة، وألحقه بزمعة. وأبدل عياضٌ قوله: إذا ادّعوا الولد بقوله: إذا اعترفت به الأمّ وبنى عليهما القرطبيّ، فقال: ولم يكن حصل إلحاقه بعتبة في الجاهليّة، إما لعدم الدعوى، وإما لكون الأمّ لم تعترف به لعتبة.
قال الحافظ: وقد مضى في "النكاح" (١) من حديث عائشة ما يؤيّد أنهم كانوا يعتبرون استلحاق الأمّ في صورة، وإلحاق القائف في صورة، ولفظها: "إن النكاح في الجاهليّة كان على أربعة أنحاء … " الحديث، وفيه: "يجتمع الرهط ما دون العشرة، فيدخلون على المرأة كلهم يُصيبها، فإذا حملت، ووضعت، ومضت ليالٍ، أرسلت إليهم،
стр. 14644
فاجتمعوا عندها، فقالت: قد ولدت فهو ابنك يا فلان، فيُلحق به ولدها، ولا يستطيع أن يمتنع … "، إلى أن قالت: "ونكاح البغايا، كنّ يَنصبن عليّ أبوابهنّ رايات، فمن أرادهنّ، دخل عليهنّ، فإذا حملت إحداهنّ، فوضعت، جُمِعوا لها، ودعوا القافة، ثم ألحقوا ولدها بالذي يرى القائف، لا يمتنع من ذلك انتهى.
واللائق بقصّة أمة زمعة الأخير، فلعلّ جمع القافة لهذا الولد تعذر بوجه من الوجوه، أو أنها لم تكن بصفة البغايا، بل أصابها عتبة سرًّا من زنا، وهما كافران، فحملت، وولدت ولدًا يُشبهه، فغلب على ظنّه أنه منه، فبغته الموت قبل استلحاقه، فأوصى أخاه أن يسلتحقه، فعمد سعد بعد ذلك، تمسّكا بالبراءة الأصليّة.
قال القرطبيّ: وكان عبد بن زمعة سمع أن الشرع ورد بأن الولد للفراش، وإلا فلم يكن عادتهم الإلحاق به. كذا قال، قال الحافظ: ولا أدري من أين له هذا الجزم بالنفي، وكأنه بناه على ما قاله الخطّابيّ: من أن أمة زمعة كانت من البغايا اللاتي عليهن من الضرائب، فكان الإلحاق مختصًّا باستلحاقها على ما ذكر، أو بإلحاق القائف على ما في حديث عائشة، لكن لم يذكر الخطّابيّ مستندًا لذلك، والذي يظهر من سياق القصّة ما قدّمته أنها كانت أمةً، مستفرشةً لزمعة، فاتّفق أن عتبة زنى بها، كما تقدّم، وكانت طريقة الجاهليّة في مثل ذلك أن السيّد إن استلحقه لحقه، وإن نفاه انتفى عنه، وإذا ادّعاه غيره كان مردّ ذلك إلى السيّد، أو القافة. وقد وقع في حديث ابن الزبير الذي أسوقه بعد هذا ما يؤيّد ما قلته.
وأما قوله: إن عبد بن زمعة سمع أن الشرع الخ، ففيه نظر؛ لأنه يبعد أن يسمع ذلك عبد بن زمعة، وهو بمكة لم يُسلم بعدُ، ولا يسمعه سعد بن أبي وقّاص، وهو من السابقين الأوّلين الملازمين لرسول اللَّه ﷺ من حين إسلامه إلى حين فتح مكة نحو العشرين سنة، حتى ولو قلنا: إن الشرع لم يرد بذلك، إلا في زمن الفتح، فبلوغه لعبد قبل سعد بعيدٌ أيضًا. والذي يظهر لي أن شرعيّة ذلك إنما عُرفت من قوله ﷺ في هذه القصّة: "الولد للفراش"، وإلا فما كان سعد لو سبق علمه بذلك ليَدَعَه، بل الذي يظهر أن كُلاًّ من سعد، وعتبة بنى على البراءة الأصليّة، وأن مثل هذا الولد يقبل النزاع.
وقد أخرج أبو داود تلو حديث الباب بسند حسن إلى عمرو بن شُعيب، عن أبيه، عن جدّه، قال: قام رجلٌ، فقال: يا رسول اللَّه، إن فلانًا عاهرت بأمه في الجاهليّة، فقال رسول اللَّه ﷺ : "لا دعوة في الإسلام، ذهب أمر الجاهليّة، الولد للفراش، وللعاهر الحجر". وقد وقع في بعض طرقه أن ذلك وقع زمن الفتح، وهو يؤيّد ما قلته.
стр. 14645
انتهى كلام الحافظ (١).
(فَقَالَ) ﷺ (هُوَ لَكَ، يَا عَبْدُ) وفي لفظ للبخاريّ: "هو لك يا عبد بن زمعة" يجوز في "عبد" الضمّ، على أنه منادى مفرد علم، والفتح؛ اتباعًا لما بعده، وأما "ابن" فهو واجب النصب على الحالين؛ لكونه مضافًا، وقد أشار ابن مالك -رحمه اللَّه تعالى- إلى هذا في "خلاصته"، حيث قال:
وَنَحْوَ زَيْدٍ ضُمَّ وَافْتَحَنَّ مِنْ … نَحْوِ أَزَيْدُ ابْنَ سَعِيدٍ لَا تَهِنْ
وَالضَّمُّ إِنْ لَمْ يَلِ الابْنُ عَلَمَا … أَوْ يَلِ الابْنَ عَلَمٌ قَدْ حُتِمَا
قال في "الفتح": ووقع في رواية للنسائيّ (٢): "وهو لك عبد بن زمعة" بحذف حرف النداء، وقرأه بعض المخالفين بالتنوين، وهو مردود، فقد وقع في رواية يونس المعلّقة في "المغازي": "هو لك، هو أخوك يا عبد"، ووقع لمسدّد، عن ابن عيينة، عند أبي داود: "هو أخوك يا عبد".
(الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ) أي لصاحب الفراش، وهو الزوج، أو السيّد (وَلِلعَاهِرِ الْحَجَرُ) أي للزاني الخيبة، والحرمان، والعهر -بفتحتين-: الزنا. وقيل: يختصّ بالليل. ومعنى الخيبة هنا حرمان الولد الذي يدّعيه، وجرت عادة العرب أن تقول لمن خاب: له الحجر، وبفيه الحجر والتراب، ونحو ذلك. وقيل: المراد بالحجر هنا أنه يُرجم. قال النوويّ: وهو ضعيف؛ لأن الرجم مختصّ بالمحصن، ولأنه لا يلزم من رجمه نفي الولد، والخبر إنما سيق لنفي الولد. وقال السبكيّ: والأول أشبه بمساق الحديث؛ لتعمّ الخيبة كلّ زان، ودليل الرجم مأخوذ من موضع آخر، فلا حاجة للتخصيص من غير دليل.
قال الحافظ: ويؤيّد الأول أيضًا ما أخرجه أبو أحمد الحاكم من حديث زيد بن أرقم ﵁، رفعه: "الولد للفراش، وفي فم العاهر الحجر". وفي حديث ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما - عند ابن حبّان: "الولد للفراش، وبفي العاهر الأثلب" -بفتح الهمزة، وكسرها، وإسكان المثلّثة، بعدها باءٌ موحّدة، بينهما لام، ويُفتح أوله، وثالثه، ويُكسران- قيل: هو الحجر. وقيل: دقاقه. وقيل: التراب.
(وَاحْتَجِبِي مِنْهُ، يَا سَوْدَةُ بِنْتُ زَمْعَةَ) زاد في حديث ابن الزبير الآتي: "فليس لك بأخٍ"، وسيأتي الكلام عليها قريبًا (فَلَمْ يَرَ سَوْدَةَ قَطُّ) وفي لفظ: "فلم تره سودة قط".
стр. 14646
يعني في المدّة التي بين هذا القول، وبين موت أحدهما. وفي رواية معمر: قالت عائشة: "فواللَّه ما رآها حتى ماتت". وللبخاريّ في رواية الكشميهني: "فلم تره سودة بعدُ". قال الحافظ -رحمه اللَّه تعالى-: وهذه إذا ضُمّت إلى رواية مالك ومعمر استُفيد منها أنها امتثلت الأمر، وبالغت في الاحتجاب منه". حتى إنها لم تره فضلاً عن أن يراها؛ لأنه ليس في الأمر المذكور دلالة على منعها من رؤيته. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنفه له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٤٨/ ٣٥١١ و ٤٩/ ٣٥١٤ - وفي "الكبرى" ٤٨/ ٦٥٧٨ و ٤٩/ ٥٦٨١. وأخرجه (خ) في "البيوع" ٢٠٥٣ و ٢٢١٨ و"الخصومات" ٢٤٢١) و"العتق" ٢٥٣٣ و"الوصايا" ٢٧٤٥ و"المغازي" ٤٣٠٣ و"الفرائض" ٦٧٤٩ و"الحدود" ٦٨١٧ و"الأحكام" ٧١٨٢ (م) في "الرضاع" ١٤٥٧ (د) في "الطلاق" ٢٢٧٣ (ق) في "النكاح " ٢٠٠٤ (أحمد) في "باقي مسند الأنصار" ٢٣٥٦ و٢٤٤٥ و ٢٥٣٦٦ و٢٥٤٧٠ و ٢٥٥٦٢ (الموطأ) في "الأقضية" ١٤٤٩ (الدارمي) في "النكاح" ٢٢٣٦ و٢٢٣٧. واللَّه تعالى أعلم.
[تنبيه]: حديث: "الولد للفراش" قال ابن عبد البرّ هو من أصحّ ما يروى عن النبيّ ﷺ جاء عن بضعة وعشرين نفسًا من الصحابة، فذكره البخاريّ في هذا الباب عن أبي هريرة، وعائشة. وأخرجه النسائيّ من حديث أبي هريرة، وعائشة، وعبد اللَّه بن الزبير، وعبد اللَّه بن مسعود. وقال الترمذيّ -عقب حديث أبي هريرة-: وفي الباب عن عمر، وعثمان، وعبد اللَّه بن مسعود، وعبد اللَّه بن الزبير، وعبد اللَّه عمرو، وأبي أُمامة، وعمرو بن خارجة، والبراء، وزيد بن أرقم.
وزاد الحافظ العراقيّ عليه: معاوية، وابن عمر. وزاد أبو القاسم بن منده في "تذكرته" معاذ بن جبل، وعبادة بن الصامت، وأنس بن مالك، وعليّ بن أبي طالب، والحسين ابن عدي، وعبد اللَّه بن حُذافة، وسعد بن أبي وقّاص، وسودة بنت زمعة.
قال الحافظ: ووقع لي من حديث ابن عبّاس، وأبي مسعود البدريّ، وواثلة بن الأسقع، وزينب بنت جحش. وقد رقّمت عليها علامات من أخرجها من الأئمّة، فـ "طب" علامة الطبرانيّ في "الكبير"، و"طس" علامته في "الأوسط"، و"بز" علامة
стр. 14647
البزار، و"ص" علامة أبي يعلى الموصليّ، و"تم" علامة تمام في "فوائده" (١).
وجميع هؤلاء وقع عندهم: "الولد للفراش، وللعاهر الحجر"، ومنهم من اقتصر على الجملة الأولى. وفي حديث عثمان قصّة، وكذا عليّ. وفي حديث معاوية قصّة أخرى له مع نصر بن حجّاج، وعبد الرحمن بن خالد بن الوليد، فقال له نصر: فأين قضاؤك في زياد؟، فقال: قضاء رسول اللَّه ﷺ خير من قضاء معاوية. وفي حديث أبي أمامة، وابن مسعود، وعبادة أحكام أخرى. وفي حديث عبد اللَّه بن حُذافة قصّة له في سؤاله عن اسم أبيه. وفي حديث ابن الزبير قصْة نحو قصّة عائشة باختصار، وقد أشرت إليه. وفي حديث سودة نحوه، ولم تُسَمَّ في رواية أحمد، بل قال: "عن بنت زمعة". وفي حديث زينب قصّة، ولم يُسَمَّ أبوها، بل فيه: "عن زينب الأسديّة".
وجاء من مرسل عُبيد بن عمير، وهو أحد كبار التابعين، أخرجه ابن عبد البرّ بسند صحيح إليه (٢). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان أن الولد يُلحق بالفراش، إذا لم ينفه صاحب الفراش. (ومنها): أن الوصيّ يجوز له أن يستلحق ولد موصيه، إذا أوصى إليه بأن يستلحقه، ويكون كالوكيل عنه في ذلك. (ومنها): أن الأمة تصير فراشًا بالوطء، إذا اعترف السيّد بذلك، أو ثبت ذلك بأي طريق كان. (ومنها): أنه استُدلّ به على أن القائف إنما يُعتمَد في الشبه إذا لم يُعارضه ما هو أقوى منه؛ لأن الشارع لم يدتفت هنا إلى الشبه، والتفت إليه في قصّة زيد بن حارثة - رضي اللَّه تعالى عنهما -، وكذا لم يحكم بالشبه في قصّة الملاعنة؛ لأنه عارضه حكم أقوى منه، وهو مشروعيّة اللعان. (ومنها): أن عموم قوله ﷺ : "الولد للفراش" مخصوص بمشروعية اللعان، وخالف فيه الشعبيّ، وبعض المالكيّة، وهو شاذٌّ. ونقل عن الشافعيّ -رحمه اللَّه تعالى- أنه قال: لقوله: "الولد للفراش" معنيان: أحدهما: هو له ما لم ينفه، فإذا نفاه بما شُرع له، كاللعان انتفى عنه. والثاني: إذا تنازع ربّ الفراش، والعاهر، فالولد لربّ الفراش. قال الحافظ: والثاني منطبقٌ على خصوص الواقعة، والأول أعمّ. انتهى (٣). (ومنها): أنه يدلّ على أن حكم الحاكم لا يُحلّ الأمر في الباطن، كما لو حكم بشهادة، فظهر أنها
стр. 14648
زورٌ؛ لأنه ﷺ حكم بأنه أخو عبد، وأمر سودة بالاحتجاب عنه بسبب الشبه بعتبة، فلو كان الحكم يُحلّ الأمر في الباطن، لما أمرها بالاحتجاب. (ومنها): أنه يدلّ على صحّة ملك الكافر الوثنيّ الأمة الكافرة، وأن حكمها بعد أن تلد من سيّدها حكم القنّ؛ لأن عَبْدًا، وسعدًا أطلقا عليها أمةً، ووليدةً، ولم يُنكر ذلك النبيّ ﷺ . وأجيب بأن عتق أم الولد بموت السيّد ثبت بأدلّة أخرى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في استلحاق غير الأب:
ذهب الشافعيّ وجماعة -رحمه اللَّه تعالى- إلى أن الاستلحاق لا يختصّ بالأب، بل للأخ أن يستلحق، لكن بشرط أن يكون حائزَا للإرث، أو يوافقه باقي الورثة، وإمكان كونه من المذكور، وأن يوافق على ذلك، إن كان بالغًا عاقلاً، وأن لا يكون معروف الأب.
وتُعُقّب بأن زمعة كان له ورثة غير عبد. وأجيب بأنه لم يخلُف وارثاً غيره، إلا سودة، فإن كان زمعة مات كافرًا، فلم يرثه إلا عبدٌ وحده. وعلى تقدير أن يكون أسلم، وورثته سودة، فيحتمل أن تكون وكّلت أخاها في ذلك، أو ادّعت أيضًا.
وذهب مالك، وطائفة -رحمه اللَّه تعالى- إلى أن الاستلحاق خاصّ بالأب. وأجابوا عن هذا الحديث بأن الإلحاق لم ينحصر في استلحاق عبد؛ لاحتمال أن يكون النبيّ ﷺ اطّلع على ذلك بوجه من الوجوه، كاعتراف زمعة بالوطء، ولأنه إنما حكم بالفراش؛ لأنه قال -بعد قوله: "هو لك" -: "الولد للفراش"؛ لأنه لما أبطل الشرع إلحاق هذا الولد بالزاني لم يبق صاحبَ الفراش.
وجرى المزنيّ على القول بأن الإلحاق يختصّ بالأب، فقال: أجمعوا على أنه لا يُقبل إقرار أحد على غيره، والذي عندي في قصّة عبد بن زمعة أنه ﷺ أجاب عن المسألة، فأعلمهم أن الحكم كذا بشرط أن يدّعي صاحب الفراش، لا أنه قَبِلَ دعوى سعد عن أخيه عتبة، ولا دعوى عبد بن زمعة عن زمعة، بل عرّفهم أن الحكم في مثلها يكون كذلك، قال: ولذلك قال: "احتجبي منه يا سودة".
وتُعُقّب بأن قوله لعبد بن زمعة: "هو أخوك" يدفع هذا التأويل (١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الذي يظهر لي أن ما ذهب إليه الشافعيّة وجماعة، من أن الاستلحاق يجوز للأخ هو الراجح؛ عملاً بظاهر حديث الباب. واللَّه تعالى أعلم
стр. 14649
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): استُدلّ بهذا الحديث على أن الأمة تفسير فراشًا بالوطء، فإذا اعترف السيّد بوطء أمته، أو ثبت ذلك بأيّ طريق كان، ثم أتت بولد لمدّة الإمكان بعد الوطء لحقه من غير استلحاق، كما في الزوجة، لكن الزوجة تصير فراشًا بمجرّد العقد، فلا يُشترط في الاستلحاق إلا الإمكان؛ لأنها تراد للوطء، فجعل العقد عليها كالوطء، بخلاف الأمة، فإنها تراد لمنافع أخرى، فاشتُرط في حقّها الوطء، ومن ثَمّ يجوز الجمع بين الأختين بالملك، دون الوطء، وهذا قول الجمهور. وعن الحنفيّة لا تفسير الأمة فراشًا إلا إذا ولدت من السيّد ولدًا، ولحق به، فمهما ولدت بعد ذلك لحقه إلا أن ينفيه. وعن الحنابلة: من اعترف بالوطء، فأتت منه لمدّة الإمكان لحقه، وإن ولدت منه أوّلاً، فاستلحقه لم يلحقه ما بعده إلا بإقرار مستأنف على الراجح عندهم.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: ترجيح المذهب الأول -كما قال الحافظ- ظاهرٌ؛ لأنه لم يُنقل أنه كان لزمعة من هذه الأمة ولد آخر، والكلّ متّفقون على أنها لا تصير فراشًا إلا بالوطء. قال النوويّ: وطء زمعة أمته المذكورة عُلم، إما ببيّنة، وإما باطلاع النبيّ ﷺ على ذلك.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: وحديث ابن الزبير الآتي للمصنف بعد هذا، بلفظ "كانت لزمعة جارية يطؤها" يشعر بأن ذلك كان مشهورًا عندهم. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة السادسة): استُدلّ بالحديث على أن السبب لا يخرج، ولو قلنا: إن العبرة بعموم اللفظ. ونقل الغزاليّ تبعًا لشيخه، والآمديّ، ومن تبعه عن الشافعيّ قولاً بخصوص السبب؛ تمسّكًا بما نُقل عن الشافعيّ أنه ناظر بعض الحنفيّة، لما قال: إن أبا حنيفة خصّ الفراش بالزوجة، وأخرج الأمة من عموم "الولد للفراش"، فردّ عليه الشافعيّ بأن هذا ورد على سبب خاصّ. ورد الفخر الرازيّ على من قال بأن مراد الشافعيّ أن خصوص السبب لا يخرج، والخبر إنما ورد في حقّ الأمة، فلا يجوز إخراجه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة السابعة): اتفق أهل العلم على أن قوله ﷺ : "الولد للفراش" يعمّ الزوجة أيضًا؛ أخذّا بعموم اللفظ، كما تقدّم، لكن بشرط الإمكان، فلو نكح مشرقيّ مغربيّةً، ولم يُفارق واحد منهما وطنه، ثم أتت بولد لستة أشهر، أو أكثر، لم يلحقه؛ لعدم إمكان كونه منه، وكذا لو اجتمعا، لكن اْتت به لأقلّ من ستة أشهر من حين إمكان اجتماعهما لم يلحقه أيضًا. هذا مذهب مالك، والشافعيّ، وأحمد، والعلماء كافّة، إلا
стр. 14650
أبا حنيفة، فلم يشترط الإمكان، بل اكتفى بمجرّد العقد، حتى لو طلّق عقب العقد من غير إمكان وطء، فولدت لستة أشهر من العقد لحقه الولد. قال النوويّ: وهذا ضعيفٌ، ظاهر الفساد، ولا حجة له في إطلاق الحديث؛ لأنه خرج على الغالب، وهو حصول الإمكان عند العقد (١).
وقال أبو العبّاس القرطبيّ: الفراش هنا كناية عن الموطوءة؛ لأن الواطىء يستفرشها، أي يُصيّرها كالفراش، ويعني به أن الولد لاحقٌ بالواطىء. قال الإمام: وأصحاب أبي حنيفة يحملونه على أن المراد به صاحب الفراش، ولذلك لم يشترطوا إمكان الوطء في الحرّة، واحتجّوا بقول جرير [من الكامل]:
بَاتَتْ تُعَانِقُهُ وَبَاتَ فِرَاشُهَا … خَلَقَ الْعَبَاءَةِ فِي الدِّمَاءِ قَتِيلَا
يعني زوجها، والأول أولى؛ لما ذكرناه من الاشتقاق، ولأن ما قدّره من حذف المضاف ليس في الكلام ما يدلّ عليه، ولا ما يُحوج إليه انتهى (٢).
قال الحافظ: وفهم بعض الشرّاح -يريد به ولي الدين العراقيّ- عن القرطبيّ خلاف مراده، فقال: كلامه يقتضي حصول مقصود الجمهور بمجرّد كون الفراش هو الموطوءة، وليس هو المراد، فعُلم أنه لا بدّ من تقدير محذوف؛ لأنه قال: إن الفراش هو المطوءة، والمراد به أن الولد لا يلحق بالواطىء، قال المعترض: وهذا لا يستقيم إلا مع تقدير المحذوف. قلت: وقد بيّنت وجه استقامته بحمد اللَّه. ويؤيد ذلك أيضًا أن ابن الأعرابيّ اللغويّ نقل أن الفراش عند العرب يعبّر به عن الزوج، وعن المرأة، والأكثر إطلاقه على المرأة، ومما ورد في التعبير عن الرجل قول جرير، فيمن تزوّجت بعد قتل زوجها، أو سيّدها [من الكامل]:
بَاتَتْ تُعَانِقُهُ وَبَاتَ فِرَاشُهَا … خَلَقَ الْعَبَاءَةِ بِالْبَلَاءِ ثَقِيلَا
وقد يُعبّر به عن حالة الافتراش، ويمكن حمل الخبر عليها، فلا يتعيّن الحذف. نعم لا يمكن حمل الخبر على كلّ واطىء، بل المراد من له الاختصاص بالوطء، كالزوج، والسيّد، ومن ثمّ قال ابن دقيق العيد: معنى "الولد للفراش" تابع للفراش، أو محكوم به للفراش، أو ما يقارب هذا.
وقد شنّع بعضهم على الحنفيّة بأن من لازم مذهبهم إخراج السبب مع المبالغة في العمل بالعموم في الأحوال. وأجاب بعضهم بأنه خصّص الظاهر القويّ بالقياس، وقد
стр. 14651
عُرف من قاعدته تقديم القياس في مواضع على خبر الواحد، وهذا منها انتهى.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: ما ذهب إليه الجمهور من أنه لا بدّ لثبوت النسب من الإمكان زمانًا ومكانًا هو الصواب عندي؛ لوضوح متمسّكه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الثامنة): قال المازريّ -رحمه اللَّه تعالى-: يتعلّق بهذا الحديث استلحاق الأخ لأخيه، وهو صحيح عند الشافعيّ، إذا لم يكن له وارث سواه، وقد تعلّق أصحابه بهذا الحديث لأنه لم يرد أن زمعة ادّعاه ولدًا، ولا اعترف بوطء أمه، فكان المعوّل في هذه القصّة على استلحاق عبد بن زمعة، قال: وعندنا -يعني المالكيّة- لا يصحّ استلحاق الأخ، ولا حجة في هذا الحديث؛ لأنه يمكن أن يكون ثبت عند النبيّ ﷺ أن زمعة كان يطأ أمته، فألحق الولد به؛ لأن من ثبت وطؤه لا يحتاج إلى الاعتراف بالوطء، وإنما يصعب هذا على العراقيين، ويعسر عليهم الانفصال عفا قاله الشافعيّ؛ لما قرّرناه أنه لم يكن لزمعة ولدٌ من الأمة المذكورة سابقٌ، ومجرّد الوطء لا عبرة به عندهم، فيلزمهم تسليم ما قال الشافعيّ، قال: ولَمّا ضاق عليهم الأمر، قالوا: الرواية في هذا الحديث: "هو لك عبد بن زمعة"، وحُذف حرف النداء بين عبد وابن زمعة، والأصل يا ابن زمعة، قالوا: والمراد أن الولد لا يلحق بزمعة، بل هو عبد لولده؛ لأنه وارثه، وأمر سودة بالاحتجاب منه؛ لأنها لم ترث زمعة؛ لأنه مات كافرًا، وهي مسلمةٌ، قال: وهذه الرواية التي ذكروها غير صحيحة، ولو وردت لرددناها إلى الرواية المشهورة، وقلنا: بل المحذوف حرف النداء بين "لك"، و"عبد"، كقوله تعالى، حكايته عن صاحب يوسف ﵇، حيث قال: ﴿يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا﴾ انتهى.
وسلك الطحاويّ فيه مسلكًا آخر، فقال: معنى قوله: "هو لك" أي يدك عليه، لا أنك تملكه، ولكن تمنع غيرك منه إلى أن يتبيّن أمره، كما قال لصاحب اللقطة: "هي لك"، وقال له: "إذا جاء صاحبها فأدّها إليه"، قال: ولما كانت سودة شريكة لعبد في ذلك، لكن لم يعلم منها تصديق ذلك، ولا الدعوى به، ألزم عبدًا بما أقرّ به على نفسه، ولم يجعل ذلك عليها، فأمرها بالاحتجاب.
وكلامه هذا كله متعقّبٌ بالرواية الثانية المصرّح فيها بقوله ﷺ : "اخوك"، فإنها رفعت الإشكال، وكأنه لم يقف عليها، ولا على حديث ابن الزبير وسودة الدّالّ على أن سودة وافقت أخاها عبدًا في الدعوى بذلك. قاله في "الفتح". واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة التاسعة): أنه قد استدلّت الحنفيّة بهذا الحديث على أنه ﷺ لم يلحقه
стр. 14652
بزمعة؛ لأنه لو ألحقه به لكان أخا سودة، والأخ لا يؤمر بالاحتجاب منه.
وأجاب الجهمور بأن الأمر بذلك كان للاحتياط؛ لأنه وإن حكم بأنه أخوها؛ لقوله في الطرق الصحيحة: "هو أخوك يا عبد"، وإذا ثبت أنه أخو عبد لأبيه، فهو أخو سودة لأبيها، لكن لما رأى الشبه بيّنًا بعتبة أمرها بالاحتجاب منه احتياطًا. وأشار الخطّابيّ إلى أن في ذلك مزيّة لأمهات المؤمنين؛ لأن لهنّ في ذلك ما ليس لغيرهنّ، قال: والشبه يُعتبر في بعض المواطن، لكن لا يُقضى به، إذا وُجد ما هو أقوى منه، وهو كما يُحكم في الحادثة بالقياس، ثم يوجد فيها نصّ، فيُترك القياس. قال: وقد جاء في بعض طرق هذا الحديث، وليس بثابت: "احتجبي منه، يا سودة، فإنه ليس لك بأخ"، وتبعه النوويّ، فقال: هذه الزيادة باطلة مردودة. وتُعُقّب بأنها وقعت في حديث عبد اللَّه بن الزبير، عند النسائيّ (١)، بسند حسن، ولفظه: "كانت لزمعة جارية يطؤها … " الحديث، ورجال سنده رجال الصحيح، إلا شيخ مجاهد، وهو يوسف مولى آل الزبير.
وقد طعن البيهقيّ في سنده، فقال: فيه جرير، وقد نسب في آخر عمره إلى سوء الحفظ، وفيه يوسف، وهو غير معروف، وعلى تقدير ثبوته، فلا يعارض حديث عائشة المتّفق على صحّته.
وتُعُقّب بأن جريرًا هذا لم يُنسب إلى سوء حفظ، وكأنه اشتبه عليه بجرير بن حازم، وبأن يوسف معروف في موالي آل الزبير، وبأن الجمع بينهما ممكن، فلا ترجيح. وعلى هذا فيتعيّن تأويله، وإذا ثبتت هذه الزيادة تعليق تأويل نفي الأخوة عن سودة على نحو ما تقدّم من أمرها بالاحتجاب منه.
ونقل ابن العربيّ في "القوانين" عن الشافعيّ نحو ما تقدّم، وزاد: ولو كان أخاها بنسب محقّق لما منعها، كما أمر عائشة أن لا تحتجب من عمها من الرضاعة.
وقال البيهقيّ: معنى قوله: "ليس لك بأخ" بالنسبة للميراث من زمعة؛ لأن زمعة مات كافرًا، وخلف عبد بن زمعة، والولد المذكور، وسودة، فلا حقّ لسودة في إرثه، بل حازه عبد قبل الاستلحاق، فإذا استلحق الابن المذكور شاركه في الإرث، دون سودة، فلهذا قال لعبد: "هو أخوك"، وقال لسودة: "ليس لك بأخ".
وقال القرطبيّ -بعد أن قرّر أن أمر سودة بالاحتجاب للاحتياط، وتوقّي الشبهات-: ويحتمل أن يكون ذلك لتغليظ أمر الحجاب في حقّ أمهات المؤمنين، كما قال:
стр. 14653
"أفعمياوان أنتما"، فنهاهما عن رؤية الأعمى، مع قوله لفاطمة بنت قيس: "اعتدّي عند ابن أم مكتوم، فإنه أعمى"، فغلّظ الحجاب في حقّهنّ، دون غيرهنّ. وقد قال بعض أهل العلم إنه كان يحرم عليهنّ بعد الحجاب إبراز أشخاصهنّ، ولو كنّ مستترات، إلا لضرورة، بخلاف غيرهنّ، فلا يُشترط. وأيضًا فإن للزوج أن يمنع زوجته من الاجتماع بمحارمها، فلعلّ المراد بالاحتجاب عدم الاجتماع في الخلوة.
وقال ابن حزم: لا يجب على المرأة أن يراها أخوها، بل الواجب عليها صلة رحمها، ورَدّ على من زعم أن معنى قوله: "هو لك" أي عبدٌ بأنه لو قضى بأنه عبد لما أمر سودة بالاحتجاب منه؛ إما لأن لها فيه حصّةً، وإما لأن من في الرقّ لا يُحتجب منه على القول بذلك. أفاده في "الفتح" (١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: عندي الراجح أن نهيه ﷺ سودة - رضي اللَّه تعالى - عنها، وقوله: "فإنه ليس لك بأخ" إن صح محمول على الاحتياط، فإنه وإن ثبت نسبه لأجل الفراش، إلا أن شبهه بعتبة يورث الشبهة، فيُحتاط من أجله. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة العاشرة): استدلّ بالحديث بعض المالكيّة على مشروعيّة الحكم بين حكمين، وهو أن يأخذ الفرع شبهًا من أكثر من أصل، فيُعطَى أحكامًا بعدد ذلك، وذلك أن الفراش يقتضي إلحاقه بزمعة في النسب، والشبه يقتضي إلحاقه بعتبة، فأعطي الفرع حكمًا بين حكمين، فروعي الفراش في النسب، والشبه البيّن في الاحتجاب، قال: وإلحاقه بهما، ولو كان من وجه أولى من إلغاء أحدهما من كلّ وجه.
قال ابن دقيق العيد: وُيعتَرض على هذا بأن صورة المسألة ما إذا دار الفرع بين أصلين شرعيين، وهنا الإلحاق شرعيّ للتصريح بقوله: "الولد للفراش"، فبقي الأمر بالاحتجاب مشكلاً؛ لأنه يناقض الإلحاق، فتعيّن أنه للاحتياط، لا لوجوب حكم شرعيّ، وليس فيه إلا ترك مباح، مع ثبوت المحرميّة انتهى. وهو اعتراض وجيه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الحادية عشرة): أنه استُدلّ بهذا الحديث على أن لوطء الزنا حكم وطء الحلال في حرمة المصاهرة، وهو قول الجمهور، ووجه الدّلالة أمر سودة بالاحتجاب بعد الحكم بأنه أخوها لأجل الشبه بالزاني.
وقال مالك في المشهور عنه، والشافعيّ: لا أثر لوطء الزنا، بل للزاني أن يتزوّج أم
стр. 14654
التي زنى بها، وبنتها، وزاد الشافعيّ، ووافقه ابن الماجشون: والبنت التي تلدها المزنيّ بها، ولو عرفت أنها منه. قال النوويّ: وهذا احتجاج باطلٌ؛ لأنه على تقدير أن يكون من الزنا، فهو أجنبيّ من سودة لا يحلّ لها أن تظهر له سواء ألحق بالزاني، أم لا، فلا تعلّق له بمساْلة البنت المخلوقة من الزنا. كذا قال، وهو ردّ للفرع بردّ الأصل، وإلا فالبناء الذي بنوه صحيحٌ. وقد أجاب الشافعيّة عنه بما تقدّم أن الأمر بالاحتجاب للاحتياط، ويحمل الأمر في ذلك إما على الندب، وإما على تخصيص أمهات المؤمنين بذلك، فعلى تقدير الندب، فالشافعيّ قائل به في المخلوقة من ماء الزنا، فيُجيز عند فقد الشبه، ويمنع عند وجوده. قاله في "الفتح".
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: ما ذهب إليه مالك والشافعيّ من أنه لا أثر لوطء الزنا هو الراجح عندي، وقد صح عن عليّ وابن عبّاس وغيرهما أنهم قالوا: إن الحرام لا يُحَرِّمُ الحلال (١)، وأما أمره ﷺ سودة ﵁ بالاحتجاب فمن باب الاحتياط، ولأن أمهات المؤمنين ﵅ لسن كغيرهن، فيشدد عليهن ما لا يشدد على غيرهنّ. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٥١٢ - (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ, قَالَ: أَنْبَأَنَا جَرِيرٌ, عَنْ مَنْصُورٍ, عَنْ مُجَاهِدٍ, عَنْ يُوسُفَ بْنِ الزُّبَيْرِ, مَوْلًى لَهُمْ, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ, قَالَ: كَانَتْ لِزَمْعَةَ جَارِيَةٌ, يَطَؤُهَا هُوَ, وَكَانَ يَظُنُّ بِآخَرَ, يَقَعُ عَلَيْهَا, فَجَاءَتْ بِوَلَدٍ شِبْهِ الَّذِي كَانَ يَظُنُّ بِهِ, فَمَاتَ زَمْعَةُ, وَهِيَ حُبْلَى, فَذَكَرَتْ ذَلِكَ سَوْدَةُ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ , فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ, وَاحْتَجِبِي مِنْهُ يَا سَوْدَةُ, فَلَيْسَ لَكِ بِأَخٍ»)
قال الجامع عَفا اللَّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح غير يوسف بن الزبير كما سيأتي، و"إسحاق بن إبراهيم": هو ابن راهويه. و" جرير": هو ابن عبد الحميد. و"منصور": هو ابن المعتمر. و"مجاهد": هو ابن جبر.
و"يوسف بن الزبير" المكيّ، مولى آل الزبير، وقلبه بعضهم، مقبول [٣] ١٠/ ٢٦٣٨، من أفراد المصنّف.
وقوله: "مولى لهم" هكذا نسخ "المجتبى"، و"الكبرى" "لهم" بالضمير، وكان الأولى أن يقول: "مولى آل الزبير"، كما في كتب الرجال؛ إذ لم يسبق مرجع للضمير، فتنبّه. واللَّه تعالى أعلم.
وقوله: "يطؤها" وفي نسخة: "يتّطئها"، وهو افتعال، من الوطء، وأصله: يوتطئها،
стр. 14655
أبدلت الواو تاء، وأدغمت في تاء الافتعال، كما في "يتّعد"، ويتّقي"، من الوعد، والوقاية. قال ابن مالك -رحمه اللَّه تعالى- في "خلاصته":
ذُو اللِّينِ فَا تَا فِي افْتِعَالِ أُبْدِلَا … وَشَذَّ فِي ذِي الْهَمْزِ نَحْوُ ائْتَكَلَا
وقوله: "فليس لك بأخ" أي في استحسان الدخول، وإلا فهو أخٌ في ظاهر الشرع؛ للإحاق بأبيها. وقيل: هذه الزيادة غير معروفة في هذا الحديث، بل هي زيادة باطلة، مردودة. لكن تقدّم أن الحافظ حسّنها، وأنها لا تنافي الرواية الصحيحة, ويكون معناه أنه ليس بأخ لك شبهًا، فاحتاطي بالاحتجاب منه.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: لكن الذي يظهر أن الصواب مع من ردّها؛ لأنها زيادة شاذة، تفرّد بها يوسف بن الزبير، وهو وإن وثّقه ابن حبّان، فقد قال فيه ابن جرير: إنه مجهولٌ لا يُحتجّ به، فزيادته المخالفة، للحديث الصحيح، حيث قال ﷺ لعبد بن زمعة: "هو أخوك" تكون مردودة.
ومنهم من تمسّك بها لكن قال بعدم الإلحاق، وإنما أُعطي عبدُ بن زمعة الولدَ على أنه عبد له. وهذا تأويل باطل، كما تقدّم. وتمام شرح الحديث تقدّم في الذي قبله. واللَّه تعالى أعلم.
والحديث ضعيف؛ لجهالة يوسف بن الزبير، كما تقدّم آنفًا.
وهو من أفراد المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، لم يروه من أصحاب الأصول غيره، أخرجه هنا-٤٨/ ٣٥١٢ - وفي "الكبرى" ٤٨/ ٥٦٧٩. وأخرجه (أحمد) في "مسند المدنيين" ٢٧٧١٣. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٥١٣ - (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ, قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ, عَنْ مُغِيرَةَ, عَنْ أَبِي وَائِلٍ, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ, عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ , قَالَ: «الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ, وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ». قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ: وَلَا أَحْسُبُ هَذَا, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ, وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، و"مغيرة": هو ابن مقسم الضبّيّ، أبو هشام الكوفيّ الأعمى، ثقة متقنٌ، إلا أنه يدلّس [٦] ١٥٥/ ٣٠١. و"أبو وائل": هو شقيق بن سلمة الكوفيّ المخضرم الثقة.
وقوله: "لا أحسب هذا عن عبد اللَّه بن مسعود" يعني أن كون هذا الحديث من مسند عبد اللَّه بن مسعود ﵁ غريب، بل المشهور أنه من حديث غيره.
قال الحافظ في "النكت الظراف": ما حاصله: أخرجه إسحاق بن إبراهيم في مسند عبد اللَّه بن مسعود من "مسنده"، ثم أخرجه من طريق شعبة، عن مغيرة، عن أبي وائل
стр. 14656
به، مرسلاً انتهى (١).
والحديث بهذا السند ضعيف؛ كما أشار إليه المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-؛ لأن فيه عنعنة المغيرة، وهو مدلّس، فلعله أخذه من ضعيف، أخطأ فيه على أبي وائل، فجعله من مسند ابن مسعود ﵁، وهو من أفراد المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، أخرجه هنا- ٤٨/ ٣٥١٣ - وفي "الكبرى" ٤٨/ ٥٦٨٠. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه
أنيب".
…
٤٩ - (بَابُ فِرَاشِ الأَمَةِ)
٣٥١٤ - (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ, قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ, عَنِ الزُّهْرِيِّ, عَنْ عُرْوَةَ, عَنْ عَائِشَةَ, قَالَتِ: اخْتَصَمَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ, وَعَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ, فِي ابْنِ زَمْعَةَ, قَالَ سَعْدٌ: أَوْصَانِي أَخِي عُتْبَةُ, إِذَا قَدِمْتَ مَكَّةَ, فَانْظُرِ ابْنَ وَلِيدَةِ زَمْعَةَ, فَهُوَ ابْنِي, فَقَالَ عَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ: هُوَ ابْنُ أَمَةِ أَبِي, وُلِدَ عَلَى فِرَاشِ أَبِي, فَرَأَى رَسُولُ اللهِ ﷺ , شَبَهًا بَيِّنًا بِعُتْبَةَ, فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ, وَاحْتَجِبِي مِنْهُ يَا سَوْدَةُ»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، و"سفيان": هو ابن عيينة. والحديث متّفق عليه، وقد سبق شرحه، وبيان مسائله في الباب الماضي. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه
أنيب".
…
стр. 14657
٥٠ - (بَابُ الْقُرْعَةِ فِي الْوَلَدِ إِذَا تَنَازَعُوا فِيهِ، وَذِكْرِ الاخْتِلَافِ عَلَى الشَّعْبِيِّ فِيهِ فِي حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ﵁ -)
٣٥١٥ - (أَخْبَرَنَا أَبُو عَاصِمٍ, خُشَيْشُ بْنُ أَصْرَمَ, قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ, قَالَ: أَنْبَأَنَا الثَّوْرِيُّ, عَنْ صَالِحٍ الْهَمْدَانِيِّ, عَنِ الشَّعْبِيِّ, عَنْ عَبْدِ خَيْرٍ, عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ, قَالَ: أُتِيَ عَلِيٌّ ﵁, بِثَلَاثَةٍ -وَهُوَ بِالْيَمَنِ- وَقَعُوا عَلَى امْرَأَةٍ, فِي طُهْرٍ وَاحِدٍ, فَسَأَلَ اثْنَيْنِ, أَتُقِرَّانِ لِهَذَا بِالْوَلَدِ؟ , قَالَا: لَا, ثُمَّ سَأَلَ اثْنَيْنِ, أَتُقِرَّانِ لِهَذَا بِالْوَلَدِ؟ , قَالَا: لَا, فَأَقْرَعَ بَيْنَهُمْ, فَأَلْحَقَ الْوَلَدَ بِالَّذِي صَارَتْ عَلَيْهِ الْقُرْعَةُ, وَجَعَلَ عَلَيْهِ ثُلُثَيِ الدِّيَةِ, فَذُكِرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ , فَضَحِكَ, حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (أبو عاصم خُشيش بن أصرم) بن الأسود النسائيّ، ثقة حافظ [١١] ٤٤/ ٥٩٠.
٢ - (عبد الرزّاق) بن همّام بن نافع الصنعانيّ، ثقة حافظ مصنّف مشهور، تغيّر في الآخر بعد أن عمي، وكان يتشيّع [٩] ٦١/ ٧٧.
٣ - (الثوريّ) سفيان بن سعيد الإمام الحجة الثبت الكوفيّ [٧] ٣٣/ ٣٧.
٤ - (صالح) بن صالح بن مسلم بن حيّ، ويقال: حيان، الهمدانيّ الكوفيّ، ثقة [٦] ٦٥/ ٣٣٤٥.
٥ - (الشعبيّ) عامر بن شَرَاحيل، أبو عمرو الهمدانيّ الكوفيّ الثقة الفقيه الفاضل [٣] ٦٦/ ٨٢.
٦ - (عبد خير) الهمدانيّ المخضرم الثقة الكوفيّ [٢] ٧٤/ ٩١.
٧ - (زيد بن أرقم) بن زيد بن قيس الأنصاريّ الخزرجيّ الصحابيّ المشهور، أول مشاهده الخندق، وأنزل اللَّه تصديقه في "سورة المنافقون"، مات - رضي اللَّه تعالى عنه - سنة (٦٦) أو (٦٨ هـ)، تقدّمت ترجمته ١٣/ ١٣. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سباعيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه من أفراده. (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين من الثوريّ.
стр. 14658
(ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ مُخَضْرَم. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ) - رضي اللَّه تعالى عنه -، أنه (قَالَ: أُتِيَ) بالبناء للمفعول (عَليٌّ) بن أبي طالب (رَضِي اللَّه تعالى عَنْه) وفي الرواية التالية: "بينا نحن عند رسول اللَّه ﷺ ، إذ جاء رجلٌ من اليمن، فجعل يُخبره، ويحدّثه، وعليّ بها، فقال: يا رسول اللَّه أَتى عليًّا ثلاثة نفر … (بثَلَاَثةِ) أي بثلاثة نفر (وَهُوَ بِالْيَمَنِ-) جملة في محلّ نصب على الحال، أي والحال أن عَليًّا ﵁ كائن باليمن، حيث ولاّه رسول اللَّه ﷺ عليها (وَقَعُوا عَلَى امْرَأَةٍ) أي جامعوا امرأةً، وهي أمة مشتركة بينهم (فِي طُهْرٍ وَاحِدٍ، فَسَأَلَ اثْنَيْنِ، أَتُقِرَّانِ لِهَذَا بِالْوَلَدِ؟) أي أترضيان يكون الولد لهذا الثالث، وتتركان دعواه مسامحة.
وفي رواية أبي داود: "فقال لاثنين: طِيبا بالولد لهذا" (قَالَا: لَا) وفي رواية أبي داود: "فغليا"، أي من الغليان، يعني أنهما صاحا (ثُمَّ سأَلَ اثْنَيْنِ، أَتُقِرَّانِ لِهَذَا بِالْوَلَدِ؟، قَالَا: لَا، فَأَقْرَعَ بَيْنَهُمْ، فَأَلْحَقَ) وفي نسخة: "وألحق" بالواو (الْوَلَدَ بِالَّذِي صَارَتْ عَلَيْهِ الْقُرْعَةُ) أي خرجت القرعة باسمه (وَجَعَلَ عَلَيْهِ ثُلُثَيِ الدِّيَةِ) أي غرّم من خرجت له القرعة ثلثي دية الولد.
وقال الإمام ابن القيّم -رحمه اللَّه تعالى- في "تهذيب السنن": وهذا مما أشكل على الناس، ولم يعرف له وجه، وسألت شيخنا -يعني ابن تيميّة-؟ فقال: له وجه، ولم يزد. ولكن قد روى الحميديّ في "مسنده" بلفظ آخر، يدفع الإشكال جملة، قال: "وأغرمه ثلثي قيمة الجارية لصاحبيه"، وهذا؛ لأن الولد لما لحق به صارت أم ولد، وله فيها ثلثها، فغرّمه قيمة ثلثيها اللذين أفسدهما على الشريكين بالاستيلاد، فلعلّ هذا هو المحفوظ، وذكر ثلثي دية الولد وهم، أو يكون عبّر عن قيمة الجارية بالدية؛ لأنها هي التي يُودَى بها، فلا يكون بينهما تناقض انتهى (١).
وتعقّبه العلامة أحمد محمد شاكر -رحمه اللَّه تعالى-، فقال: هذا تكلّفٌ، ورواية الحميدي التي أشار ابن القيّم لم نر إسنادها، ولا معنى لردّ الحديث الصحيح بتكلّف معنى من رواية تنافيه، والظاهر أن الوجه فيه أن إلزام من خرجت له قرعة الولد بثلثي الدية؛ لأن الولد لم يثبت نسبه من واحد منهم بدليل صحيح، أو راجح، والقرعة في ذاتها ليست دليلاً على صحّة النسب، وإنما هي لقطع النزاع في خصومة، لا يملك أحد الخصمين فيها دليلاً، فعلى من استفاد بالقرعة لحوق الولد به أن يُعوّض الآخرين ما
стр. 14659
خسرا، وأقرب تعويض أن يقدّر بالدية الكاملة، فعليه ثلثاها لزميليه، وأظنّ أن هذا تعليلٌ جيّد، أو قريبٌ من الجيّد، وأما ما كان فعلينا أن نقبل الحكم الثابت بالسنة "الصحيحة" وإن عجزنا عن فهم الوجه الذي يوجّه به انتهى كلام أحمد شاكر -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- (١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الذي قاله العلامة أحمد محمد شاكر -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- حسنٌ جدًّا، غير قوله: "بدليل صحيح، أو راجح"، كيف يقول: هذا، والحديث الذي معنا صحيح، وقد أثبت نسب هذا الولد بالقرعة، فأيّ دليل صحيح، يريد غير هذا؟.
ثم هذا الذي قاله سيأتي أن ابن القيّم -رحمه اللَّه تعالى- هو الذي مشى عليه في "زاد المعاد"، ولم يذكر ما ذكره في "تهذيب السنن" أصلاً.
والحاصل أن المعنى الصحيح للحديث أن عليًّا ﵁ أغرم من خرجت له القرعة بالولد ثلثي قيمته لصاحبيه، ولا إشكال على هذا المعنى، على ما سبق توجيهه آنفًا. واللَّه تعالى أعلم.
(فَذُكِرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ) وفي نسخة: "لرسول اللَّه" ( ﷺ ، فَضَحِكَ) أي فرحًا، وسرورًا بتوفيق اللَّه تعالى عليًّا ﵁ للصواب في هذه القضية، ولهذا قرّره على ذلك، أو تعجّبًا مما كان عليه الحال، والأول أظهر (حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ) بالذال المعجمة جمع ناجذ. قال الفيّوميّ: الناجذ: السنّ بين الضِّرْس والناب، و"ضَحِكَ حتى بدت نواجده"، قال ثعلبٌ: المراد الأنياب. وقيل: الناجذ: آخر الأضراس، وهو ضِرْسُ الْحُلُم؛ لأنه ينبت بعد البلوغ، وكمال العقل. وقيل: الأضراس كلها نواجذ، قال في البارع: وتكون النواجذ للإنسان، والحافر، وهي من ذوات الخفّ الأنياب انتهى (٢).
وقال في "النهاية": النواجذ من الأسنان: الضواحك، وهي التي تبدو عند الضحك.
والأكثر الأشهر أنها أقصى الأسنان. والمراد الأول؛ لأنه ما كان يبلغ به الضحك إلى أن تبدو أواخر أضراسه، كيف؟ وقد جاء في صفة ضحكه: "جلّ ضحكه التبسّم"، وإن أريد به الأواخر فالوجه فيه أن يراد به مبالغة مثلِهِ في ضَحِكِه، من غير أن يراد ظهور نواجده في الضحك، وهو أقيس القولين؛ لاشتهار النواجذ بأواخر الأسنان انتهى (٣). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
стр. 14660
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث زيد بن أرقم - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا صحيح. قال أبو محمد ابن حزم -كما نقله عنه ابن القيّم -رحمهما اللَّه تعالى-: هذا الحديث إسناده صحيح، كلهم ثقات، قال: [فإن قيل]: إنه خبر قد اضطُرب فيه، فأرسله شعبة، عن سلمة بن كُهيل، عن الشعبيّ، عن مجهول. ورواه أبو إسحاق، عن رجل من حضر موت، عن زيد بن أرقم؟.
[قلنا]: قد وصله سفيان، وليس هو بدون شعبة، عن صالح بن حيّ، وهو ثقة، عن عبد خير، وهو ثقة، عن زيد بن أرقم ﵁. انتهى (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٥٠/ ٣٥١٥ و ٣٥١٦ و ٣٥١٧ و ٣٥١٨ و ٣٥١٩ - وفي "الكبرى" ٥٠/ ٥٦٨٢ و ٥٦٨٣ و ٥٦٨٤ و٥٦٨٥ و ٥٦٨٦. وأخرجه (د) في "الطلاق" ٢٢٦٩ و٢٢٧٠ (ق) في "الأحكام" ٢٣٤٨. واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان مشروعيّة القرعة فيما إذا تنازع جماعة في ولد أمة لهم، جامعوها كلهم، وفيه اختلاف بين العلماء، سيأتي بيانه في المسألة التالية، إن شاء اللَّه تعالى.
(ومنها): أن الولد لا يُلحق بأكثر من أب واحد. (ومنها): إثبات القرعة في الأمور التي تقع فيها الشركة، ويتنازع أهلها، وليس لأحدهم ما يقدّمه على الآخرين. قال الخطّابيّ -رحمه اللَّه تعالى-: وللقرعة مواضع غير هذا، في العتق، وتساوي البيّنتين في الشيء، يتداعاه اثنان، فصاعدًا، وفي الخروج بالنساء في الأسفار، وفي قسم المواريث، وإفراز الحصص بها، وقد قال بجميع وجوهها نفر من العلماء، ومنهم من قال بها في بعض هذه المواضع، ولم يقل بها في بعض انتهى (٢).
(ومنها): ما كان عليه عليّ ﵁ من العلم والفهم لدقائق الشريعة، حيث اهتدى إلى معرفة فصل مثل هذه الخصومات لا يدرك وجهها كثير من الناس؛ لالتباسها، حيث استوت حقوق المستحقّين، وتشاحّوا فيما بينهم، وعُدِم تسامحهم، ففصل بينهم بما
стр. 14661
أوتيه من العلم، حتى زالت الشحناء، والبغضاء من بينهم. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم القرعة:
قال العلاّمة ابن القيّم -رحمه اللَّه تعالى- في "زاد المعاد": اختلف الفقهاء في هذا الحكم، فذهب إليه إسحاق بن راهويه، وقال: هو السنّة في دعوى الولد، وكان الشافعيّ يقول به في القديم، وأما الإمام أحمد، فسئل عن هذا الحديث؟ فرجّح عليه حديث القافة، وقال: حديث القافة أحبّ إليّ.
وههنا أمران: أحدهما: دخول القرعة في النسب. والثاني: تغريم من خرجت له القرعة ثلثي دية ولده لصاحبيه. وأما القرعة، فقد تُستعمل عند فقدان مرجّح، سواها، من بيّنة، أو إقرار، أو قافة، وليس ببعيد تعيين المستحقّ بالقرعة في هذه الحال، إذ هي غاية المقدور عليه من أسباب ترجيح الدعوى، ولها دخول في دعوى الأملاك المرسلة التي لا تثبت بقرينة، ولا أمارة، فدخولها في النسب الذي يثبت بمجرّد الشبه الخفيّ المستند إلى قول القائف أولى وأحرى.
وأما أمر الدية، فمشكلٌ جدًّا، فإن هذا ليس بموجب للدية، وإنما هو تفويت نسبه بخروج القرعة، فيقال: وطء كلّ واحد صالحٌ لجعل الولد له، فقد فوّته كلُّ واحد منهم على صاحبيه بوطئه، ولكن لم يتحقّق من كان له الولد منهم، فلما أخرجته القرعة لأحدهم، صار مفوِّتًا لنسبه عن صاحبيه، فأُجري ذلك مجرى إتلاف الولد، ونزل الثلاثة منزلة أبٍ واحدٍ، فحصّة المتلف منه ثلث الدية، إذ قد عاد الولد له، فيغرَمُ لكلْ من صاحبيه ما يخُصّه، وهو ثلث الدية.
ووجه آخر أحسن من هذا، أنه لما أتلف عليهما بوطئه، ولحوق الولد به، وجب عليه ضمان قيمته، وقيمة الولد شرعًا هي ديته، فلزمه لهما ثلثا قيمته، وهي ثلثا الدية، وصار هذا كمن أتلف عبدًا بينه وبين شريكين له، فإنه يجب عليه ثلثا القيمة لشريكيه، فإتلاف الولد الحرّ عليهما بحكم القرعة، كإتلاف الرقيق الذي بينهم.
ونظير هذا تضمين الصحابة المغرور بحريّة الأمة قيمة أولاده لسيّد الأمة؛ لما فات رقّهم على السيّد لحرّيتهم، وكانوا بصدد أن يكونوا أرقّاء، وهذا ألطف ما يكون من القياس، وأدقّه، وأنت إذا تأمّلت كثيرًا من أقيسة الفقهاء، وتشبيهاتهم وجدت هذا أقوى منها، وألطف مسلكًا، وأدقّ مأخذًا، ولم يضحك منه النبيّ ﷺ سُدىً.
وقد يقال: لا تعارض بين هذا وبين حديث القافة، بل إن وجدت القافة، تعيّن العمل بها، وإن لم توجد قافة، أو أشكل عليهم، تعيّن العمل بهذا الطريق، واللَّه أعلم انتهى
стр. 14662
كلام ابن القيّم -رحمه اللَّه تعالى- (١).
وقال الشوكانيّ -رحمه اللَّه تعالى- في "نيل الأوطار": وقد أخذ بالقرعة مطلقًا مالك، والشافعيّ، وأحمد، والجمهور. حكى ذلك عنهم ابن رسلان في "كتاب العتق" من شرح "سنن أبي داود". قال: وقد قال بعضهم: إن حديث القرعة منسوخ. وقال المقبليّ في "الأبحاث": إن حديث الإلحاق بالقرعة إنما يكون بعد انسداد الطرق الشرعيّة. انتهى. قال: ومن المخالفين في اعتبار القرعة الحنفيّة، وكذلك الهادويّة، وقالوا: إذا وطئ الشركاء الأمة المشتركة في طهر واحد، وجاءت بولد، وادّعوه جميعًا، ولا مرجّح للإلحاق بأحدهم، كان الولد ابنًا لهم جميعًا، يرث كلَّ واحد منهم ميراث ابن كامل، ومجموعهم أبٌ يرثونه ميراث أب واحد. انتهى (٢).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: عندي أن قول الجمهور بمشروعيّة القرعة في إلحاق الولد المتنازع فيه هو الحقّ؛ لصحّة حديث الباب، والقائلون بعدم مشرعيّته لم يأتوا بحجة مقنعة. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٥١٦ - (أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا (٣) عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ, عَنِ الأَجْلَحِ, عَنِ الشَّعْبِيِّ, قَالَ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي الْخَلِيلِ الْحَضْرَمِيُّ, عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ, قَالَ: بَيْنَا نَحْنُ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ , إِذْ جَاءَهُ رَجُلٌ مِنَ الْيَمَنِ, فَجَعَلَ يُخْبِرُهُ, وَيُحَدِّثُهُ وَعَلِيٌّ بِهَا, فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ, أَتَى عَلِيًّا ثَلَاثَةُ نَفَرٍ, يَخْتَصِمُونَ فِي وَلَدٍ, وَقَعُوا عَلَى امْرَأَةٍ فِي طُهْرٍ … وَسَاقَ الْحَدِيثَ).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "الأجلح" هو: ابن عبد اللَّه بن حُجَيّة -بالمهملة، والجيبم، مصغّرًا- يكنى أبا حُجَية الكنديّ، يقال: اسمه يحيى، والأجلح لقبه، صدوقٌ، شيعيّ [٧].
قال القطّان: في نفسي منه شيء. وقال أيضًا: ما كان يَفصِل بين الحسين بن عليّ، وعليّ بن الحسين. يعني أنه ما كان بالحافظ. وقال أحمد: أجلح، ومجالد متقاربان في الحديث، وقد روى الأجلح غير حديث منكر. وقال عبد اللَّه بن أحمد، عن أبيه: ما أقرب الأجلح من فِطْر بن خليفة. وقال ابن معين: صالح. وقال مرّةً: ثقة. وقال مرّةَ: ليس به بأس. وقال العجليّ: كوفيّ ثقة. وقال أبو حاتم: ليس بالقويّ، يُكتب حديثه، ولا يُحتجّ به. وقال النسائيّ: ضعيف، ليس بذاك، وكان له رأيٌ سوءٌ. وقال
стр. 14663
الجوزجانيّ: مُفْتَرٍ. وقال ابن عديّ: له أحاديث صالحةٌ، ويروي عنه الكوفيّون، وغيرهم، ولم أر له حديثًا منكرًا، مُجاوزًا للحدّ، لا إسنادًا, ولا متنًا، إلا أنه يُعدّ في شيعة الكوفة، وهو عندي مستقيم الحديث، صدوقٌ. وقال شريكٌ عن الأجلح: سمعنا أنه ما يسبّ أبا بكر وعمر أحدٌ إلا مات قتلاً، أو فقيرًا. وقال أبو داود: ضعيف. وقال مرّةً: زكريا أرفع منه بمائة درجة. وقال ابن سعد: كان ضعيفًا جدًّا. وقال العقيليّ: روى عن الشعبيّ أحاديث مضطربة، لا يُتابع عليها. وقال يعقوب بن سفيان: ثقة، في حديثه لين. وقال ابن حبّان: كان لا يدري ما يقول، جعل أبا سفيان أبا الزبير. وقال عمرو بن عليّ: مات سنة (١٤٥هـ) في أول السنة، وهو رجل من بَجِيلة (١)، مستقيم الحديث، صدوق. روى له البخاريّ في "الأدب المفرد"، والأربعة، وله عند المصنّف ستة مواضع برقم ٥٠/ ٣٥٨٨ و ٣٥٨٩ و ١٦/ ٥١٠١ و ٥١٠٦ و ٥١٠٧ و ٢٤/ ٥٦٣٠.
و"عبد اللَّه بن أبي الخليل، أو ابن الخليل الحضرميّ"، أبو الخليل الكوفيّ، وفرق البخاريّ، وابن حبّان بين الراوي عن عليّ، فقال فيه: ابن أبي الخليل، والراوي عن زيد بن أرقم، فقال فيه: ابن الخليل، مقبول [٢] ١٠٢/ ٢٠٣٦.
وقوله: "وساق الحديث" الضمير للأجلح، أي ساق بهذا السند متن هذا الحديث، كما ساقه صالح الهمدانيّ بالسند السابق، والمراد أنهما ما اختلفا في المتن، وإنما اختلفا في السند فقط.
والحديث صحيح، وقد سبق تمام البحث فيه في الذي قبله. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٥١٧ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ, قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى, عَنِ الأَجْلَحِ, عَنِ الشَّعْبِيِّ, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي الْخَلِيلِ, عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ, قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ , وَعَلِيٌّ ﵁, يَوْمَئِذٍ بِالْيَمَنِ, فَأَتَاهُ رَجُلٌ, فَقَالَ: شَهِدْتُ عَلِيًّا, أُتِيَ فِي ثَلَاثَةِ نَفَرٍ, ادَّعَوْا وَلَدَ امْرَأَةٍ, فَقَالَ عَلِيٌّ لأَحَدِهِمْ: تَدَعُهُ لِهَذَا؟ , فَأَبَى, وَقَالَ لِهَذَا: تَدَعُهُ لِهَذَا؟ , فَأَبَى, وَقَالَ لِهَذَا تَدَعُهُ لِهَذَا؟ , فَأَبَى, قَالَ عَلِيٌّ ﵁: أَنْتُمْ شُرَكَاءُ, مُتَشَاكِسُونَ, وَسَأُقْرِعُ بَيْنَكُمْ, فَأَيُّكُمْ أَصَابَتْهُ الْقُرْعَةُ, فَهُوَ لَهُ, وَعَلَيْهِ ثُلُثَا الدِّيَةِ, فَضَحِكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ , حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "عمرو بن عليّ": هو الفلاّس. و"يحيى": هو ابن سعيد القطّان.
стр. 14664
وقوله: "تدعه لهذا": أي تتركه لصاحبك، وتسامحه فيه. وقوله: "متشاكسون": أي مختلفون، ومتنازعون.
والحديث صحيحٌ، وقد سبق القول فيه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٥١٨ - (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ شَاهِينَ, قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ, عَنِ الشَّيْبَانِيِّ, عَنِ الشَّعْبِيِّ, عَنْ رَجُلٍ مِنْ حَضْرَمَوْتَ, عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ, قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ , عَلِيًّا عَلَى الْيَمَنِ, فَأُتِيَ بِغُلَامٍ, تَنَازَعَ فِيهِ ثَلَاثَةٌ … وَسَاقَ الْحَدِيثَ. خَالَفَهُمْ سَلَمَةُ بْنُ كُهَيْلٍ).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "إسحاق بن شاهين" بن الحارث الواسطيّ، أبو بشر ابن أبي عمران، صدوقٌ [١٠].
قال النسائيّ: لا بأس به. وقال في "أسامي شيوخه": كتبنا عنه بواسط، صدوقٌ. وقال أنس بن محمد الطحان: كان من الدهاقين. وقال أسلم بن سهل: جاز المائة.
وقال ابن حبّان في "الثقات": مستقيم الحديث، مات به (٢٥٠) وقال مسلمة الأندلسيّ: واسطيّ، صدوقٌ، أخبرنا عنه ابن مبشّر. روى عنه البخاريّ، والمصنّف، وله عنده في هذا الكتاب حديث الباب، وآخر في "كتاب الزينة" ٣٩/ ٥١٦٩. و"خالد" هو: ابن عبد اللَّه الطحّان الحافظ الثبت الواسطيّ. و"الشيبانيّ": هو أبو إسحاق سليمان أبي سليمان فيروز الكوفيّ الثقة الثبت.
وقوله: "عن رجل من حضر موت" يحتمل أن يكون عبد اللَّه بن الخليل المذكور. وقوله (خَالَفَهُم سَلَمَةُ بْنُ كُهَيْلٍ) يعني أن سلمة بن كُهيل خالف كلاًّ، من صالح الهمدانيّ، والأجلح وأبي إسحاق الشيباني، في جعله متصلاً، مرفوعًا، فجعله منقطعًا، موقوفًا على عليّ ﵁، كما أوضحه بقوله:
٣٥١٩ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ, قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ, عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ, قَالَ: سَمِعْتُ الشَّعْبِيَّ, يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي الْخَلِيلِ, أَوِ ابْنِ أَبِي الْخَلِيلِ: أَنَّ ثَلَاثَةَ نَفَرٍ, اشْتَرَكُوا فِي طُهْرٍ … فَذَكَرَ نَحْوَهُ, وَلَمْ يَذْكُرْ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ, وَلَمْ يَرْفَعْهُ.
قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ: هَذَا صَوَابٌ, وَاللَّهُ أَعْلَمُ).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "محمد": هو ابن جعفر المعروف بـ "غندر". و"سلمة ابن كُهيل": هو الحضرميّ، أبو يحيى الكوفيّ، ثقة [٤] ١٩٥/ ٣١٢.
وقوله: "فذكر نحوه" الضيمر لسلمة بن كُهيل، أي ذكر سلمة الحديث نحو ما تقدّم من الرواية.
وقوله: "قال أبو عبد الرحمن: هذا صواب الخ" ولفظ "الكبرى": "قال أبو
стр. 14665
عبد الرحمن: وسلمة بن كُهيل أثبتهم، وحديثه أولى بالصواب".
يعني أن رواية سلمة بإسقاط زيد بن أرقم ﵁، ووقفه على عليّ ﵁ هو الصواب، وأن الروايات السابقة خطأ، وذلك لأن سلمة أوثق ممن خالفهم، فتكون روايته المنقطعة، الموقوفة أولى من روايتهم. لكن سبق في كلام ابن حزم وغيره أن طريق صالح بن حيّ صحيحة، لأنه ثقة، فزيادته مقبولة. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
٥١ - (بَابُ الْقَافَةَ)
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: القائف: هو الذي يتتبّعُ الآثار, ويعرفها، وَيعرف شَبَهَ الرجلِ بأخيه، وأبيه. ويقال: فلانٌ يقُوفُ الأثر، وَيقْتَافه قِيَافَةً، مثلُ قفا الأثرَ، واقتفاه. قال ابن سِيدَهْ: قاف الأثر قِيَافَةً، واقْتَافه اقتيافًا، وقافه يقُوفه قَوْفًا، وتقَوَّفَه: تَتَبَّعه، أنشد ثعلب [من الطويل]:
مُحَلَّى بِأَطْوَاقِ عِتَاقٍ يَبِينُهَا … عَلَى الضَّزْنِ أَغْبَى الضَّأْنِ لَوْ يَتَقَوَّفُ
و"الضَّزْنُ" هنا: سوء الحال من الجهل، يقول: كرمه وجُودهُ يَبِين لمن لا يفهم الخبرَ، فكيف من يفهم؟. ومنه قيل للذي ينظر إلى شبه الوالد بأبيه: قائفٌ، والقِيَافة المصدر. أفاده في "لسان العرب" (١).
وقال في "الفتح": القائف: هو الذي يَعرِف الشبه، وُيميّز الأثر، سمي بذلك؛ لأنه يقفو الأشياء، أي يتبعها، فكأنه مقلوب من القافي. قال الأصمعيّ: هو الذي يقفو الأثر، ويقتافه قَفْوًا، وقِيَافةً، والجمع القافةُ. كذا وقع في "الغربين"، و"النهاية". انتهى (٢). واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
٣٥٢٠ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ, قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ, عَنِ ابْنِ شِهَابٍ, عَنْ عُرْوَةَ, عَنْ عَائِشَةَ, قَالَتْ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ , دَخَلَ عَلَيَّ, مَسْرُورًا, تَبْرُقُ أَسَارِيرُ وَجْهِهِ, فَقَالَ: «أَلَمْ تَرَيْ,
стр. 14666
أَنَّ مُجَزِّزًا, نَظَرَ إِلَى زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ وَأُسَامَةَ, فَقَالَ: إِنَّ بَعْضَ هَذِهِ الأَقْدَامِ لَمِنْ بَعْضٍ»).
رجال هذا الإسناد: ستة
وقد مرّت تراجمهم قبل بابين، وكلهم رجال الصحيح، وأخرجه البخاريّ في "الصحيح" بنفس هذا السند. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ عَائِشَةَ) - رضي اللَّه تعالى عنها -، أنها (قَالَتْ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، دَخَلَ عَلَيَّ، مَسْرُورًا، تَبْرُقُ) -بفتح التاء المثنّاة، وضم الراء، من باب قتل-: أي تُضيء، وتستنير من السرور والفرح (أسَارِيرُ وَجْهِهِ) هي الخطوط التي تجتمع في الجبهة، وتتكسّر، واحدها سِرٌّ -بالكسر- أو سَرَرٌ -بفتحتين-، وجمعها أَسْرارٌ، وأسِرَّةٌ، وجمع الجمع أَسَارير. أفاده ابن الأثير (١).
وقال القرطبيّ: أسارير وجهه: هي الطرائق الدقيقة، والتكسّر اليسير الذي يكون في الجبهة، والوجهِ، والغضون أكثر من ذلك، وواحد الأسارير: أسرار، وواحدها سِرٌّ، وسَرَرٌ، فأسارير جمع الجمع، ويُجمع في القلّة أيضًا أَسِرَّة. وهذا عبارة عن انطلاق وجهه، وظهور السرور عليه، وُيعبّر عن خلاف ذلك بالمقَطِّب، أي "المجمع" فكأن الحزن والغضب جمعه وقبضه انتهى (٢).
(فَقَالَ: "أَلَمْ تَرَيْ) فعل مضارع مسند لضمير المؤنّثة المخاطبة، مجزوم بحذف النون؛ لأنه من الأمثلة الخمسة التي ترفع بثبوت النون، وتجزم، وتنصب بحذفها. قال في "الفتح": والمراد من الرؤية هنا الإخبار، أو العلم. وفي "صحيح البخاريّ" في مناقب زيد ﵁ من طريق ابن عيينة، عن الزهريّ بلفظ: "ألم تسمعي ما قال المدلجيّ" (أَنَّ مُجَزِّزًا) -بضمّ الميم، وكسر الزاي المشدّدة، وحكي فتحها، وبعدها زاي أخرى- هذا هو المشهور. ومنهم من قال: -بسكون الحاء المهملة، وكسر الراء، ثم زاي-.
قال القرطبيّ: مجرز -بفتح الجيم، وكسر الزاي الأولى- هو المعروف عند الحفّاظ، وكان ابن جريج يقول: مُجزَّز -بفتح الزاي- وقيل عنه أيضًا: مُحْرِز -بحاء مهملة ساكنة، وراء مكسورة- والصواب الأول، فإنه روي أنه إنما سُمي مجزّزًا؛ لأنه كان إذا أخذ أسيرًا جزّ ناصيته. وقيل: لحيته. قاله الزبيريّ انتهى (٣).
وهو مجزّز بن الأعور بن جعدة بن معاذ بن عُتْوَارة بن عمرو بن مُدْلِج الكنانيّ
стр. 14667
المدلجيّ، نسبة إلى مُدلج بن مرّة بن عبد مناف بن كنانة، وكانت القيافة فيهم، وفي بني أسد، والعرب تعترف لهم بذلك، وليس ذلك خاصًّا بهم على الصحيح. وقد أخرج يزيد بن هارون في "الفرائض" بسند صحيح إلى سعيد بن المسيّب أن عمر ﵁ كان قائفًا، أورده في قصّته. وعمر قرشيّ، ليس مُدْلجيًّا، ولا أسديًّا، لا أسد قريش، ولا أسد خزيمة، ومُجزّز المذكور هو والد علقمة بن مجزّز. وذكر مصعب الزبيريّ، والواقديّ أنه سمي مُجزّزًا؛ لأنه كان إذا أخذ أَسيرًا في الجاهليّة جَزَّ ناصيته، وأطلقه. قال الحافظ: وهذا يدفع فتح الزاي الأولى من اسمه، وعلى هذا فكان له اسمٌ غير مجزز، لكنّي لم أر من ذكره. وكان مجزّزٌ عارفًا بالقيافة. وذكره ابن يونس فيمن شهد فتح مصر، وقال: وذكروه في كتبهم. يعني كتب من شهد فتح مصر، قال: ولا أعلم له رواية.
قال الحافظ في "الإصابة": وأغفل ذكره جمهور من صنّف في الصحابة، لكن ذكره أبو عمر في "الاستيعاب". قال: ولولا ذكر ابن يونس أنه شهد الفتوح بعد النبيّ ﷺ لما كان مع من ذكره في الصحابة حجة صريحةٌ على إسلامه، واحتمال أن يكون قال ما قال في حقّ زيد وأسامة قبل أن يُسلم، واعتُبر قوله لعدم معرفته بالقيافة (١) لكن قرينة رضا النبيّ ﷺ ، وقربه يدلّ على أنه اعتمد خبره، ولو كان كافرًا لما اعتمده في حكم شرعيّ انتهى (٢).
(نَظَرَ) زاد في رواية البخاريّ: "آنفًا" وهو بالمدّ على المشهور، ويجوز قصرها، وبهما قرئ في السبع: ومعناه: قريبًا، أو أقرب وقت (إِلَى زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ وَأُسَامَةَ) - رضي اللَّه تعالى عنهم -. وفي الرواية التي بعدها: "دخل عليّ، فرأى أسامة بن زيد، وزيدًا، وعليهما قطيفة، قد غطّيا رؤوسهما، وبدت أقدامهما". وفي رواية للبخاريّ: "وأسامة وزيدٌ مضطجعان". قال الحافظ: وفي هذه الزيادة دفع توهّم من يقول: لعلّه حاباهما بذلك لما عرف من كونهم كانوا يطعنون في أسامة انتهى.
(فَقَالَ: إِنَّ بَعْضَ هَذِهِ الأقْدَامِ لَمِنْ بَعْضٍ) قال أبو داود: نقل أحمد بن صالح عن أهل النسب أنهم كانوا في الجاهليّة يقدحون في نسب أسامة؛ لأنه كان أسود شديد السواد، وكان أبوه زيدٌ أبيض من القطن، فلما قال القائف ما قال، مع اختلاف اللون، سرّ النبيّ ﷺ بذلك؛ لكونه كافًّا لهم عن الطعن فيه؛ لاعتقادهم ذلك. وقد أخرجه
стр. 14668
عبد الرزاق من طريق ابن سيرين أن أمّ أيمن مولاة النبيّ ﷺ ، كانت سوداء، فلهذا جاء أسامة أسود. وقد وقع في "الصحيح" عن ابن شهاب: أن أمّ أيمن كانت حبشيّةً وَصِيفة لعبد اللَّه والد النبيّ ﷺ . ويقال: كانت من سبي الحبشة الذين قدِموا زمن الفيل، فصارت لعبد المطّلب، فوهبها لعبد اللَّه، وتزوّجت قبل زيد عُبيدًا الحبشيّ، فولدت له أيمن، فكُنيت به، واشتهرت بذلك، وكان يقال لها: أمّ الظباء. قاله في "الفتح".
وقال أبو العبّاس القرطبيّ: قال القاضي: وقال غير أحمد -يعني ابن صالح-: كان زيد أزهر اللون، وكان أسامة شديد الأُدْمة. وزيد بن حارثة عربيّ صريحٌ، من كلب، أصابه سباءٌ، فاشتراه حكيم بن حِزَام لعمّته خديجة بنت خُوَيلد - رضي اللَّه تعالى عنها -، فوهبته للنبيّ ﷺ ، فتبنّاه، فكان يُدعى زيدَ بن محمد، حتى نزل قوله تعالى: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٥]، فقيل: زيد بن حارثة. وابن زيد أسامة، وأمه أم أيمن بركة، وكانت تُدعى أمّ الظِّبَاء، مولاة عبد اللَّه بن عبد المطّلب، ودَايةُ (١) رسول اللَّه ﷺ ، ولم أر لأحد أنها كانت سوداء إلا ما رُوي عن ابن سيرين في "تاريخ أحمد بن سعيد"، فإن كان هذا، فلهذا خرج أسامة أسود، لكن لو كان هذا صحيحًا لم ينكر الناس لونه؛ إذ لا يُنكر أن يلد الإنسان أسود من سوداء (٢). وقد نسبها الناس، فقالوا: أم أيمن بركة بنت محصن بن ثعلبة بن عمرو بن حصين بن مالك بن سلمة بن عمرو بن النعمان. وقد ذكر مسلم في "الجهاد" عن ابن شهاب: أن أم أيمن كانت من الحبش، وَصِيفة لعبد اللَّه بن عبد المطّلب، أبي النبيّ ﷺ . وقد ذكره الواقديّ. وكانت للنبيّ ﷺ بركة أخرى حبشيّة، كانت تخدم أم حبيبة، فلعلّه اختلط اسمها على ابن شهاب، على أن أبا عمر قد قال في هذه: أظنّها أم أيمن. أو لعلّ ابن شهاب نسبها إلى الحبشة؛ لأنها من مهاجرة الحبشة. واللَّه تعالى أعلم.
قال القرطبيّ: هذا أظهر. وتزوّجها عُبيد بن زيد، من بني الحارث، فولدت له أيمن، وتزوّجها بعده زيد بن حارثة بعد النبوّة، فولدت له أسامة، شهدت أحدًا، وكانت تُداوي الجرحى، وشهدت خيبر، وتوفّيت في أول خلافة عثمان ﵁ بعشرين يومًا، روى عنها ابنها أنس، وأنس بن مالك، وطارق بن شهاب.
قالت أم أيمن: بات رسول اللَّه ﷺ في البيت، فقام من الليل، فبال في فَخّارة، فقمت، وأنا عطشى، لم أشعر ما في الفخّارة، فشربت ما فيها، فلما أصبحنا، قال: "يا
стр. 14669
أم أيمن أهريقي ما في الفخارة"، قلت: والذي بعثك بالحقّ لقد شربت ما فيها، فضحك حتى بدت نواجذه، قال: "إنه لا تتجعنّ (١) بطنك بعدها أبدًا". انتهى كلام القرطبيّ (٢). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٥١/ ٣٥٢٠ و ٣٥٢١ وفي "الكبرى" ٥١/ ٥٦٨٧ و ٥٦٨٨. وأخرجه (خ) في "المناقب" ٣٥٥٥ و"الفرائض" ٦٧٧٠ و ٦٧٧١ (م) في "الرضاع" ١٤٥٩ (د) في "الطلاق" ٢٢٦٧ (ت) في "الولاء والهبة" ٢١٢٩ (ق) في "الأحكام" ٢٣٤٩ (أحمد) في "باقي مسند الأنصار" ٢٤٠٠٥. واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان مشروعيّة العمل بالقافة، وفيه اختلافٌ بين العلماء، سيأتي تحقيقه في المسألة التالية، إن شاء اللَّه تعالى. (ومنها): جواز اضطجاع الرجل مع ولده في شعار واحد. (ومنها): جواز الشهادة على المنتقبة، والاكتفاء بمعرفتها، من غير رؤية الوجه. (ومنها): قبول شهادة من يشهد قبل أن يُستشهد عند عدم التهمة. (ومنها): سرور الحاكم لظهور الحقّ لأحد الخصمين، عند السلامة من الهوى. (ومنها) أن البخاريّ -رحمه اللَّه تعالى- أدخل هذا الحديث في "كتاب الفرائض" إشارة إلى الردّ على من زعم أن القائف لا يُعتبر قوله، فإن من اعتبر قوله، فعمل به، لزم منه حصول التوارث بين الملحق والملحق به. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم العمل بالقائف:
قال أبو العبّاس القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى-: قد استدلّ جمهور العلماء على الرجوع إلى قول القافة عند التنازع في الولد بسرور النبيّ ﷺ بقول هذا القائف، وما كان النبيّ ﷺ بالذي يُسرّ بالباطل، ولا يُعجبه، ولم يأخذ بذلك أبو حنيفة، والثوريّ، وإسحاق، وأصحابهم؛ متمسّكين بإلغاء النبيّ ﷺ الشبه في حديث اللعان على ما سبق، وفي
стр. 14670
حديث سودة، كما تقدّم. وقد انفَصل من أخذ به عن هذا بأن إلغاء الشبه في تلك المواضع التي ذكروها إنما كان لمعارض أقوى منه، وهو معدوم هنا، فانفصلا.
ثم اختلف الآخذون بأقوال القافة، هل يؤخذ بذلك في أولاد الحرائر والإماء، أو يختصّ بأولاد الإماء؟ على قولين:
فالأول قول الشافعيّ، ومالك في رواية ابن وهب عنه، ومشهور مذهبه قصره على ولد الأمة، وفرّق بينهما بأن الواطىء في الاستبراء يستند وطؤه لعقد صحيح، فله شبهة الملك، فيصحّ إلحاق الولد به، إذا أتت به لأكثر من ستّة أشهر من وطئه، وليس كذلك الوطء في العدّة؛ إذ لا عقد، إذ لا يصحّ، وعلى هذا فيلزم من نكح في العدّة أن يُحدّ، ولا يُلحق به الولد؛ إذ لا شبهة له. وليس مشهور مذهبه، وعلى هذا فالأولى ما رواه ابن وهب عنه، وقاله الشافعيّ.
ثم العجب أن هذا الحديث الذي هو الأصل في هذا الباب إنما وقع في الحرائر؛ فإن أسامة وأباه ابنا حرّتين، فكيف يلغى السبب الذي خرج عليه دليل الحكم، وهو الباعث عليه، هذا ما لا يجوز عند الأصوليين.
وكذلك اختلف هؤلاء، هل يُكتَفَى بقول واحد؛ لأنه خبر من القافة، أو لا بدّ من اثنين؛ لأنها شهادةٌ؟ وبالأول قال ابن القاسم، وهو ظاهر الخبر، بل نصّه. وبالثاني قال مالكٌ، والشافعيّ، ويلزم عليه أن يُراعَى فيها شروط الشهادة، من العدالة، وغيرها.
واختلفوا أيضَا فيما إذا ألحقته القافة بمدّعيين، هل يكون ابنًا لهما؟، وهو قول سحنون، وأبي ثور. وقيل: يُترك حتى يَكْبَر، فيوالي من شاء منهما، وهو قول عمر بن الخطاب ﵁، وقاله مالكٌ، والشافعيّ. وقال عبد الملك، ومحمد بن مسلمة: يُلحق بأكثرهما شَبَهًا.
واختَلَفَ نفاة القول بالقافة في حكم ما أشكل، وتنوزع فيه: فقال أبو حنيفة: يُلحق الولد بهما، وكذلك بامرأتين. وقال محمد بن الحسن: يُلحق بالآباء، وإن كثروا، ولا يُلحق إلا بأم واحدة، ونحوه قال أبو يوسف. وقال إسحاق: يقرع بينهم، وقاله الشافعيّ في القديم، ويُستدلّ له بحديث عليّ ﵁ المذكور في الباب الماضي. انتهى كلام القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى- باختصار (١).
وقال الإمام ابن القيّم -رحمه اللَّه تعالى-- بعد ذكر أدلة القائلين بالعمل بالقافة-: قالت الحنفيّة: قد أجلبتم علينا في القافة بالخيل والرَّجِلِ، والحكم بالقيافة تعويلٌ على مجرّد