← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 12888

ذخيرة العقبى في شرح المجتبى

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (19 271 стр.). Показаны 14666–14705 · переход к 14671.

стр. 14666

أَنَّ مُجَزِّزًا, نَظَرَ إِلَى زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ وَأُسَامَةَ, فَقَالَ: إِنَّ بَعْضَ هَذِهِ الأَقْدَامِ لَمِنْ بَعْضٍ»). رجال هذا الإسناد: ستة وقد مرّت تراجمهم قبل بابين، وكلهم رجال الصحيح، وأخرجه البخاريّ في "الصحيح" بنفس هذا السند. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ عَائِشَةَ) - رضي اللَّه تعالى عنها -، أنها (قَالَتْ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، دَخَلَ عَلَيَّ، مَسْرُورًا، تَبْرُقُ) -بفتح التاء المثنّاة، وضم الراء، من باب قتل-: أي تُضيء، وتستنير من السرور والفرح (أسَارِيرُ وَجْهِهِ) هي الخطوط التي تجتمع في الجبهة، وتتكسّر، واحدها سِرٌّ -بالكسر- أو سَرَرٌ -بفتحتين-، وجمعها أَسْرارٌ، وأسِرَّةٌ، وجمع الجمع أَسَارير. أفاده ابن الأثير (١). وقال القرطبيّ: أسارير وجهه: هي الطرائق الدقيقة، والتكسّر اليسير الذي يكون في الجبهة، والوجهِ، والغضون أكثر من ذلك، وواحد الأسارير: أسرار، وواحدها سِرٌّ، وسَرَرٌ، فأسارير جمع الجمع، ويُجمع في القلّة أيضًا أَسِرَّة. وهذا عبارة عن انطلاق وجهه، وظهور السرور عليه، وُيعبّر عن خلاف ذلك بالمقَطِّب، أي "المجمع" فكأن الحزن والغضب جمعه وقبضه انتهى (٢). (فَقَالَ: "أَلَمْ تَرَيْ) فعل مضارع مسند لضمير المؤنّثة المخاطبة، مجزوم بحذف النون؛ لأنه من الأمثلة الخمسة التي ترفع بثبوت النون، وتجزم، وتنصب بحذفها. قال في "الفتح": والمراد من الرؤية هنا الإخبار، أو العلم. وفي "صحيح البخاريّ" في مناقب زيد ﵁ من طريق ابن عيينة، عن الزهريّ بلفظ: "ألم تسمعي ما قال المدلجيّ" (أَنَّ مُجَزِّزًا) -بضمّ الميم، وكسر الزاي المشدّدة، وحكي فتحها، وبعدها زاي أخرى- هذا هو المشهور. ومنهم من قال: -بسكون الحاء المهملة، وكسر الراء، ثم زاي-. قال القرطبيّ: مجرز -بفتح الجيم، وكسر الزاي الأولى- هو المعروف عند الحفّاظ، وكان ابن جريج يقول: مُجزَّز -بفتح الزاي- وقيل عنه أيضًا: مُحْرِز -بحاء مهملة ساكنة، وراء مكسورة- والصواب الأول، فإنه روي أنه إنما سُمي مجزّزًا؛ لأنه كان إذا أخذ أسيرًا جزّ ناصيته. وقيل: لحيته. قاله الزبيريّ انتهى (٣). وهو مجزّز بن الأعور بن جعدة بن معاذ بن عُتْوَارة بن عمرو بن مُدْلِج الكنانيّ

стр. 14667

المدلجيّ، نسبة إلى مُدلج بن مرّة بن عبد مناف بن كنانة، وكانت القيافة فيهم، وفي بني أسد، والعرب تعترف لهم بذلك، وليس ذلك خاصًّا بهم على الصحيح. وقد أخرج يزيد بن هارون في "الفرائض" بسند صحيح إلى سعيد بن المسيّب أن عمر ﵁ كان قائفًا، أورده في قصّته. وعمر قرشيّ، ليس مُدْلجيًّا، ولا أسديًّا، لا أسد قريش، ولا أسد خزيمة، ومُجزّز المذكور هو والد علقمة بن مجزّز. وذكر مصعب الزبيريّ، والواقديّ أنه سمي مُجزّزًا؛ لأنه كان إذا أخذ أَسيرًا في الجاهليّة جَزَّ ناصيته، وأطلقه. قال الحافظ: وهذا يدفع فتح الزاي الأولى من اسمه، وعلى هذا فكان له اسمٌ غير مجزز، لكنّي لم أر من ذكره. وكان مجزّزٌ عارفًا بالقيافة. وذكره ابن يونس فيمن شهد فتح مصر، وقال: وذكروه في كتبهم. يعني كتب من شهد فتح مصر، قال: ولا أعلم له رواية. قال الحافظ في "الإصابة": وأغفل ذكره جمهور من صنّف في الصحابة، لكن ذكره أبو عمر في "الاستيعاب". قال: ولولا ذكر ابن يونس أنه شهد الفتوح بعد النبيّ ﷺ لما كان مع من ذكره في الصحابة حجة صريحةٌ على إسلامه، واحتمال أن يكون قال ما قال في حقّ زيد وأسامة قبل أن يُسلم، واعتُبر قوله لعدم معرفته بالقيافة (١) لكن قرينة رضا النبيّ ﷺ ، وقربه يدلّ على أنه اعتمد خبره، ولو كان كافرًا لما اعتمده في حكم شرعيّ انتهى (٢). (نَظَرَ) زاد في رواية البخاريّ: "آنفًا" وهو بالمدّ على المشهور، ويجوز قصرها، وبهما قرئ في السبع: ومعناه: قريبًا، أو أقرب وقت (إِلَى زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ وَأُسَامَةَ) - رضي اللَّه تعالى عنهم -. وفي الرواية التي بعدها: "دخل عليّ، فرأى أسامة بن زيد، وزيدًا، وعليهما قطيفة، قد غطّيا رؤوسهما، وبدت أقدامهما". وفي رواية للبخاريّ: "وأسامة وزيدٌ مضطجعان". قال الحافظ: وفي هذه الزيادة دفع توهّم من يقول: لعلّه حاباهما بذلك لما عرف من كونهم كانوا يطعنون في أسامة انتهى. (فَقَالَ: إِنَّ بَعْضَ هَذِهِ الأقْدَامِ لَمِنْ بَعْضٍ) قال أبو داود: نقل أحمد بن صالح عن أهل النسب أنهم كانوا في الجاهليّة يقدحون في نسب أسامة؛ لأنه كان أسود شديد السواد، وكان أبوه زيدٌ أبيض من القطن، فلما قال القائف ما قال، مع اختلاف اللون، سرّ النبيّ ﷺ بذلك؛ لكونه كافًّا لهم عن الطعن فيه؛ لاعتقادهم ذلك. وقد أخرجه

стр. 14668

عبد الرزاق من طريق ابن سيرين أن أمّ أيمن مولاة النبيّ ﷺ ، كانت سوداء، فلهذا جاء أسامة أسود. وقد وقع في "الصحيح" عن ابن شهاب: أن أمّ أيمن كانت حبشيّةً وَصِيفة لعبد اللَّه والد النبيّ ﷺ . ويقال: كانت من سبي الحبشة الذين قدِموا زمن الفيل، فصارت لعبد المطّلب، فوهبها لعبد اللَّه، وتزوّجت قبل زيد عُبيدًا الحبشيّ، فولدت له أيمن، فكُنيت به، واشتهرت بذلك، وكان يقال لها: أمّ الظباء. قاله في "الفتح". وقال أبو العبّاس القرطبيّ: قال القاضي: وقال غير أحمد -يعني ابن صالح-: كان زيد أزهر اللون، وكان أسامة شديد الأُدْمة. وزيد بن حارثة عربيّ صريحٌ، من كلب، أصابه سباءٌ، فاشتراه حكيم بن حِزَام لعمّته خديجة بنت خُوَيلد - رضي اللَّه تعالى عنها -، فوهبته للنبيّ ﷺ ، فتبنّاه، فكان يُدعى زيدَ بن محمد، حتى نزل قوله تعالى: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٥]، فقيل: زيد بن حارثة. وابن زيد أسامة، وأمه أم أيمن بركة، وكانت تُدعى أمّ الظِّبَاء، مولاة عبد اللَّه بن عبد المطّلب، ودَايةُ (١) رسول اللَّه ﷺ ، ولم أر لأحد أنها كانت سوداء إلا ما رُوي عن ابن سيرين في "تاريخ أحمد بن سعيد"، فإن كان هذا، فلهذا خرج أسامة أسود، لكن لو كان هذا صحيحًا لم ينكر الناس لونه؛ إذ لا يُنكر أن يلد الإنسان أسود من سوداء (٢). وقد نسبها الناس، فقالوا: أم أيمن بركة بنت محصن بن ثعلبة بن عمرو بن حصين بن مالك بن سلمة بن عمرو بن النعمان. وقد ذكر مسلم في "الجهاد" عن ابن شهاب: أن أم أيمن كانت من الحبش، وَصِيفة لعبد اللَّه بن عبد المطّلب، أبي النبيّ ﷺ . وقد ذكره الواقديّ. وكانت للنبيّ ﷺ بركة أخرى حبشيّة، كانت تخدم أم حبيبة، فلعلّه اختلط اسمها على ابن شهاب، على أن أبا عمر قد قال في هذه: أظنّها أم أيمن. أو لعلّ ابن شهاب نسبها إلى الحبشة؛ لأنها من مهاجرة الحبشة. واللَّه تعالى أعلم. قال القرطبيّ: هذا أظهر. وتزوّجها عُبيد بن زيد، من بني الحارث، فولدت له أيمن، وتزوّجها بعده زيد بن حارثة بعد النبوّة، فولدت له أسامة، شهدت أحدًا، وكانت تُداوي الجرحى، وشهدت خيبر، وتوفّيت في أول خلافة عثمان ﵁ بعشرين يومًا، روى عنها ابنها أنس، وأنس بن مالك، وطارق بن شهاب. قالت أم أيمن: بات رسول اللَّه ﷺ في البيت، فقام من الليل، فبال في فَخّارة، فقمت، وأنا عطشى، لم أشعر ما في الفخّارة، فشربت ما فيها، فلما أصبحنا، قال: "يا

стр. 14669

أم أيمن أهريقي ما في الفخارة"، قلت: والذي بعثك بالحقّ لقد شربت ما فيها، فضحك حتى بدت نواجذه، قال: "إنه لا تتجعنّ (١) بطنك بعدها أبدًا". انتهى كلام القرطبيّ (٢). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٥١/ ٣٥٢٠ و ٣٥٢١ وفي "الكبرى" ٥١/ ٥٦٨٧ و ٥٦٨٨. وأخرجه (خ) في "المناقب" ٣٥٥٥ و"الفرائض" ٦٧٧٠ و ٦٧٧١ (م) في "الرضاع" ١٤٥٩ (د) في "الطلاق" ٢٢٦٧ (ت) في "الولاء والهبة" ٢١٢٩ (ق) في "الأحكام" ٢٣٤٩ (أحمد) في "باقي مسند الأنصار" ٢٤٠٠٥. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان مشروعيّة العمل بالقافة، وفيه اختلافٌ بين العلماء، سيأتي تحقيقه في المسألة التالية، إن شاء اللَّه تعالى. (ومنها): جواز اضطجاع الرجل مع ولده في شعار واحد. (ومنها): جواز الشهادة على المنتقبة، والاكتفاء بمعرفتها، من غير رؤية الوجه. (ومنها): قبول شهادة من يشهد قبل أن يُستشهد عند عدم التهمة. (ومنها): سرور الحاكم لظهور الحقّ لأحد الخصمين، عند السلامة من الهوى. (ومنها) أن البخاريّ -رحمه اللَّه تعالى- أدخل هذا الحديث في "كتاب الفرائض" إشارة إلى الردّ على من زعم أن القائف لا يُعتبر قوله، فإن من اعتبر قوله، فعمل به، لزم منه حصول التوارث بين الملحق والملحق به. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم العمل بالقائف: قال أبو العبّاس القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى-: قد استدلّ جمهور العلماء على الرجوع إلى قول القافة عند التنازع في الولد بسرور النبيّ ﷺ بقول هذا القائف، وما كان النبيّ ﷺ بالذي يُسرّ بالباطل، ولا يُعجبه، ولم يأخذ بذلك أبو حنيفة، والثوريّ، وإسحاق، وأصحابهم؛ متمسّكين بإلغاء النبيّ ﷺ الشبه في حديث اللعان على ما سبق، وفي

стр. 14670

حديث سودة، كما تقدّم. وقد انفَصل من أخذ به عن هذا بأن إلغاء الشبه في تلك المواضع التي ذكروها إنما كان لمعارض أقوى منه، وهو معدوم هنا، فانفصلا. ثم اختلف الآخذون بأقوال القافة، هل يؤخذ بذلك في أولاد الحرائر والإماء، أو يختصّ بأولاد الإماء؟ على قولين: فالأول قول الشافعيّ، ومالك في رواية ابن وهب عنه، ومشهور مذهبه قصره على ولد الأمة، وفرّق بينهما بأن الواطىء في الاستبراء يستند وطؤه لعقد صحيح، فله شبهة الملك، فيصحّ إلحاق الولد به، إذا أتت به لأكثر من ستّة أشهر من وطئه، وليس كذلك الوطء في العدّة؛ إذ لا عقد، إذ لا يصحّ، وعلى هذا فيلزم من نكح في العدّة أن يُحدّ، ولا يُلحق به الولد؛ إذ لا شبهة له. وليس مشهور مذهبه، وعلى هذا فالأولى ما رواه ابن وهب عنه، وقاله الشافعيّ. ثم العجب أن هذا الحديث الذي هو الأصل في هذا الباب إنما وقع في الحرائر؛ فإن أسامة وأباه ابنا حرّتين، فكيف يلغى السبب الذي خرج عليه دليل الحكم، وهو الباعث عليه، هذا ما لا يجوز عند الأصوليين. وكذلك اختلف هؤلاء، هل يُكتَفَى بقول واحد؛ لأنه خبر من القافة، أو لا بدّ من اثنين؛ لأنها شهادةٌ؟ وبالأول قال ابن القاسم، وهو ظاهر الخبر، بل نصّه. وبالثاني قال مالكٌ، والشافعيّ، ويلزم عليه أن يُراعَى فيها شروط الشهادة، من العدالة، وغيرها. واختلفوا أيضَا فيما إذا ألحقته القافة بمدّعيين، هل يكون ابنًا لهما؟، وهو قول سحنون، وأبي ثور. وقيل: يُترك حتى يَكْبَر، فيوالي من شاء منهما، وهو قول عمر بن الخطاب ﵁، وقاله مالكٌ، والشافعيّ. وقال عبد الملك، ومحمد بن مسلمة: يُلحق بأكثرهما شَبَهًا. واختَلَفَ نفاة القول بالقافة في حكم ما أشكل، وتنوزع فيه: فقال أبو حنيفة: يُلحق الولد بهما، وكذلك بامرأتين. وقال محمد بن الحسن: يُلحق بالآباء، وإن كثروا، ولا يُلحق إلا بأم واحدة، ونحوه قال أبو يوسف. وقال إسحاق: يقرع بينهم، وقاله الشافعيّ في القديم، ويُستدلّ له بحديث عليّ ﵁ المذكور في الباب الماضي. انتهى كلام القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى- باختصار (١). وقال الإمام ابن القيّم -رحمه اللَّه تعالى-- بعد ذكر أدلة القائلين بالعمل بالقافة-: قالت الحنفيّة: قد أجلبتم علينا في القافة بالخيل والرَّجِلِ، والحكم بالقيافة تعويلٌ على مجرّد

стр. 14671

الشبه، والظنّ، والتخمين، ومعلومٌ أن الشبه قد يوجد من الأجانب، وينتفي عن الأقارب، وذكرتم قصّة أسامة وزيد، ونسيتم قصّة الذي ولدت امرأته غلامًا أسود، يخالف لونهما، فلم يمكنه النبيّ ﷺ من نفيه، ولا جعل للشبه، ولا لعدمه أثَرًا، ولو كان للشبه أثرٌ لاكتفى به في ولد الملاعنة، ولم يحتج إلى اللعان، ولكان ينتظر ولادته، ثم يلحق بصاحب الشبه، ويستغني بذلك عن اللعان، بل كان لا يصحّ نفيه مع وجود الشبه بالزوج، وقد دلّت السنّة الصحيحة الصريحة على نفيه عن الملاعن، ولو كان الشبه له، فإن النبيّ ﷺ قال: "أبصروها، فإن جاءت به كذا وكذا، فهو لهلال بن أميّة"، وهذا قاله بعد اللعان، ونفي النسب عنه، فعلم أنه لو جاء على الشبه المذكور، لم يثبت نسبه منه، وإنما كان مجيئه على شبهه دليلاً على كذبه، لا على لحوق الولد به. قالوا: وأما قصّة أسامة وزيد، فالمنافقون كانوا يطعنون في نسبه من زيد؛ لمخالفة لونه لون أبيه، ولم يكونوا يكتفون بالفراش، وحكم اللَّه تعالى، ورسوله ﷺ في أنه ابنه، فلما شهد به القائف، وافقت شهادته حكم اللَّه تعالى، ورسوله ﷺ ، فسُرّ به النبيّ ﷺ ؛ لموافقتها حكمه، ولتكذبيها قول المنافقين، لا أنه أثبت نسبه بها، فأين في هذا إثبات النسب بقول القائف؟. قالوا: وهذا معنى الأحاديث التي ذُكر فيها اعتبار الشبه، فإنها إنما اعْتَبَرَت فيه الشبه بنسب ثابت بغير القافة، ونحن لا ننكر ذلك. قالوا: وأما حكم عمر، وعليّ، فقد اختُلف على عمر، فروي عنه ما ذكرتم، وروي عنه أن القائف لما قال له: قد اشتركا فيه، قال: والِ أيّهما شئت، فلم يعتبر قول القائف. قالوا: وكيف تقولون بالشبه، ولو أقرّ أحد الورثة بأخ، وأنكره الباقون، والشبه موجود، لم تثبتوا النسب به، وقلتم: إن لم تتّفق الورثة على الإقرار به لم يثبت النسب؟. قال أهل الحديث: من العجب أن يُنكر علينا القول بالقافة، ويجعلها من باب الحدس والتخمين من يُلحِق ولد المشرقيّ بمن في أقصى الغرب، مع القطع بأنهما لم يتلاقيا طرفة عين، ويُلحق الولد باثنين مع القطع بأنه ليس ابنًا لأحدهما، ونحن إنما ألحقنا الولد بالقائف المستند إلى الشبه المعتبر شرعًا وقدرًا، فهو استناد إلى ظنّ غالب، ورأي راجح، وأمارة ظاهرة بقول من هو من أهل الخبرة، فهو أولى بالقبول من قول المقومين، وهل ينكر مجيء كثير من الأحكام مستندًا إلى الإمارات الظاهرة، والظنون الغالبة؟. وأما وجود الشبه بين الأجانب، وانتفاؤه بين الأقارب، وإن كان واقعًا، فهو من أندر

стр. 14672

شيء وأقلّه، والأحكام إنما هي للغالب الكثير، والنادر في حكم المعدوم. وأما قصّة من ولدت امرأته غلاما أسود، فهو حجة عليكم؛ لأنها دليلٌ على أن العادة التي فطر اللَّه عليها الناس اعتبار الشبه، وأن خلافه يوجب ريبة، وأن في طباع الخلق إنكار ذلك، ولكن لما عارض ذلك دليلٌ أقوى منه، وهو الفراش، كان الحكم للدليل القويّ، وكذلك نقول نحن وسائر الناس: إن الفراش الصحيح إذا كان قائمًا، فلا يعارض بقافة، ولا شبه، فمخالفة ظاهر الشبه لدليل أقوى منه -وهو الفراش- غير مستنكر، وإنما المستنكر مخالفة هذا الدليل الظاهر بغير شيء. وأما تقديم اللعان على الشبه، وإلغاء الشبه مع وجوده، فكذلك أيضًا هو من تقديم أقوى الدليلين على أضعفهما، وذلك لا يمنع العمل بالشبه مع عدم ما يعارضه، كالبيّنة تُقدّم على اليد، والبراءة الأصلية، ويُعمل بهما عند عدمهما. وأما ثبوت نسب أسامة من زيد بدون القيافة، فنحن لم نُثبت نسبه بالقيافة، والقيافةُ دليل آخر موافقٌ لدليل الفراش، فسرور النبيّ ﷺ ، وفرحه بها، واستبشاره لتعاضد أدلّة النسب، وتضافرها، لا لإثبات النسب بقول القائف وحدَه، بل هو من باب الفرح بظهور أعلام الحقّ، وأدلّته، وتكاثرها، ولو لم تصلح القيافة دليلاً لم يَفرَح بها، ولم يُسَرّ، وقد كان النبيّ ﷺ يفرح ويُسرّ، إذا تعاضدت عنده أدلّة الحقّ، ويُخبر بها الصحابة، ويُحبّ أن يسمعوها من المخبر بها؛ لأن النفوس تزداد تصديقًا بالحقّ، إذا تعاضدت أدلّته، وتُسرّ به، وتفرح، وعلى هذا فطر اللَّه تعالى عباده، فهذا حكم اتفقت عليه الفطرة والشِّرْعَة، وباللَّه تعالى التوفيق. انتهى كلام ابن القيّم -رحمه اللَّه تعالى- باختصار، وإن أردت الزيادة من احتجاجاته الكثيرة المفيدة، فارجع إلى كتابه "زاد المعاد" (١). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قد تبيّن بما تقدّم من الأدلة أن المذهب الصحيح في مسألة العمل بالقائف، هو مذهب الجمهور المثبتين له؛ لوضوح حجته، وقوّتها. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٥٢١ - (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ, قَالَ: أَنْبَأَنَا سُفْيَانُ, عَنِ الزُّهْرِيِّ, عَنْ عُرْوَةَ, عَنْ عَائِشَةَ, ﵂ قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ , ذَاتَ يَوْمٍ, مَسْرُورًا, فَقَالَ: «يَا عَائِشَةُ, أَلَمْ تَرَيْ, أَنَّ مُجَزِّزًا الْمُدْلِجِيِّ, دَخَلَ عَلَيَّ, وَعِنْدِي أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ, فَرَأَى أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ وَزَيْدًا, وَعَلَيْهِمَا قَطِيفَةٌ, وَقَدْ غَطَّيَا رُءُوسَهُمَا, وَبَدَتْ أَقْدَامُهُمَا,

стр. 14673

فَقَالَ: هَذِهِ أَقْدَامٌ بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ»). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، و "إسحاق بن إبراهيم": هو ابن راهويه. و"سفيان": هو ابن عيينة. وقوله: "قطيفة" بفتح، فكسر-: دِثارٌ له خَمْلٌ، والجمع قطائفُ، وقُطُفٌ - بضمّتين-. قاله الفيّوميّ. وقال القرطبيّ: "القطيفة": كساء غليظ. والحديث متّفقٌ عليه، وقد تقدّم تمام البحث فيه في الذي قبله. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ٥٢ - (بَابُ إسْلَامِ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ، وَتَخَيِيرِ الْوَلَدِ) قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذه الترجمة اشتملت على مسألتين: [إحداهما]: مسألة إسلام أحد الزوجين. و [الثانية]: تخيير الولد بين الأبوين. فأما المسألة الأولى، فليس في حديثي الباب ما يبيّن حكمها، ولكن سأتكلم عليها في المسألة الرابعة من الحديث الأول، إن شاء اللَّه تعالى. وأما المسألة الثانية، فالحديث الأول بين حكمها فيما إذا أسلم أحد الأبوين، وبينهما ولد، والحديث الثاني بين حكم ما إذا كان الولد بين مسلمين، وسأتكلّم عليها في المسألة الثالثة من الحديث الثاني، إن شاء اللَّه تعالى. ٣٥٢٢ - (أَخْبَرَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ, قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ, قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ, عَنْ عُثْمَانَ الْبَتِّيٍّ, عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ سَلَمَةَ الأَنْصَارِيِّ, عَنْ أَبِيهِ, عَنْ جَدِّهِ, أَنَّهُ أَسْلَمَ, وَأَبَتِ امْرَأَتُهُ أَنْ تُسْلِمَ, فَجَاءَ ابْنٌ لَهُمَا صَغِيرٌ, لَمْ يَبْلُغِ الْحُلُمَ, فَأَجْلَسَ النَّبِيُّ ﷺ الأَبَ هَا هُنَا, وَالأُمَّ هَا هُنَا, ثُمَّ خَيَّرَهُ, فَقَالَ: «اللَّهُمَّ اهْدِهِ» , فَذَهَبَ إِلَى أَبِيهِ). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (محمود بن غيلان) العدويّ مولاهم، أبو أحمد المروزيّ، نزيل بغداد، ثقة [١٠] ٣٣/ ٣٧.

стр. 14674

٢ - (عبد الرزاق) بن همام المترجم قبل باب. ٣ - (سفيان) الثوريّ المترجم قبل باب أيضًا. ٤ - (عثمان) بن مسلم، ويقال: اسم أبيه سليمان، ويقال: اسم جدّه جرموز "البتّيّ" -بفتح الموحّدة، وتشديد المثنّاة- أبو عمرو البصريّ، صدوق، عابوا عليه الإفتاء بالرأي [٥]. قال الجوزجانيّ، عن أحمد: صدوقٌ ثقة. وقال الدوريّ، عن ابن معين: ثقة. وقال معاوية بن صالح، عن ابن معين: ضعيف. قال النسائيّ في "الكنى": عثمان الْبَتّيّ، أخبرنا معاوية بن صالح، عن ابن معين، قال: عثمان البتّيّ ضعيف. قال النسائيّ: هذا عندي خطأ، ولعله أراد عثمان بن مقسم البُرّيّ. وقال ابن سعد: كان ثقة، له أحاديث، وكان صاحب رأي وفقه، أخبرنا الأنصاريّ، قال: كان عثمان الْبَتّيّ من أهل الكوفة، فانتقل إلى البصرة، فنزلها، وكان مولى لبنى زُهرة، ويُكنى أبا عمرو، وكان يبيع الْبُتُوت (١)، فقيل: البتّيّ. وقال أبو حاتم: شيخٌ يُكتب حديثه. وقال الدارقطنيّ: ثقة. وذكره ابن حبّان في "الثقات". وقال ابن أبي خيثمة: سمعت يحيى بن معين يقول: مات سنة (١٤٣هـ) وفيها أرخه ابن جرير، والقرّاب. روى له الأربعة، وله عند المصنّف في هذا الكتاب هذا الحديث فقط. ٥ - (عبد الحميد بن سلمة الأنصاريّ) يقال: هو ابن يزيد بن سلمة، مجهولٌ [٦]. روى عن أبيه، عن جدّه، أن أبوية اختصما فيه … الحديث. وعنه عثمان البتّيّ. قاله ابن عليّة عنه. وقال الثوريّ: عن عثمان، عن عبد الحميد الأنصاريّ، عن أبيه، عن جدّه به. وقال حماد بن سلمة وغيره: عن عثمان، عن عبد الحميد بن سلمة، عن أبيه، أن رجلاً أسلم، فذكره مرسلاً. ورواه المعافى بن عمران، وعيسى بن يونس، عن عبد الحميد بن جعفر، عن أبيه، عن جدّه أبي الحكم، رافع بن سنان به. وروى الدارقطنيّ حديثًا من طريقه، وقال: عبد الحميد بن سلمة، وأبوه، وجدّه لا يُعرفون، قال: ويقال: عبد الحميد بن يزيد بن سلمة. وكذا قال في "كتاب السنّة" له في أحاديث النزول، ذكر الرواية عن سلمة جد عبد الحميد بن يزيد بن سلمة. ورجّح ابن القطّان أن حديث عبد الحميد بن جعفر، عن أبيه، عن جدّه، غير حديث عبد الحميد بن سلمة، عن أبيه، عن جدّه؛ لاختلاف السياق فيهما، وأنكر على من خلطهما، ومن أعلّ حديث أبي جعفر بابن سلمة. انتهى. روى له المصنّف، وابن ماجه حديث الباب فقط. وأبوه، وجدّه سيأتي الكلام عليهما. واللَّه تعالى أعلم.

стр. 14675

شرح الحديث (عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ سَلَمَةَ الأَنْصَارِيِّ) ويقال: ابن يزيد بن سلمة (عَنْ أَبيهِ، عَنْ جَدِّهِ) تقدّم عن الدارقطنيّ أن عبد الحميد، وأباه، وجدّه لا يعرفون (أَنَّهُ أَسْلَمَ، وَأَبَتِ امْرَأَتُهُ أَنْ تُسْلِمَ، فَجَاءَ ابْنْ لَهُمَا صَغِيرٌ، لَمْ يَبْلُغِ الْحُلُمَ) -بضم، فسكون- والاحتلام: الجماع في النوم، والاسم الْحُلُمُ -بضمتين- كعُنُق. أفاده في "القاموس". والمعنى أنه لم يبلغ مبلغ الرجال (فَأَجْلَسَ النَّبِيُّ ﷺ الْأَبَ هَا هُنَا) أي في جهة (وَالْأُمَّ هَا هُنَا) أي في جهة أخرى (ثَمَّ خَيَّرَهُ) أي خيّر الغلام بين أبويه، حتى يتبع من يريده (فَقَالَ) ﷺ (اللَّهُمَّ اهْدِهِ) أي وفّق هذا الغلام ليختار الإسلام باتباع أبيه المسلم (فَذَهَبَ إِلَى أَبِيهِ) أي فأخذه. وفي رواية للمصنّف في "الفرائض" من "الكبرى" من طريق ابن عليّة، عن عثمان البتّيّ، عن عبد الحميد بن سلمة، عن أبيه، عن جدّه: أن أبويه اختصما فيه إلى النبيّ ﷺ ، أحدهما مسلمٌ، والآخر كافرٌ، فتوجّه إلى الكافر، فقال النبيّ ﷺ : "اللَّهم اهده، فتوجّه إلى المسلم، فقضى له به". وفيه أن الولد الصغير إذا كان بين مسلم وكافر يخيّر، فأيهما تبع يكون له، وفيه اختلاف بين أهل العلم، سيأتي بيانه في المسألة الرابعة، إن شاء اللَّه تعالى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث عبد الحميد بن سلمة الاْنصارقي، عن أبيه، عن جدّه ﵁ هذا ضعيفٌ لجهالة عبد الحميد، وأبيه، وجدّه، وللاضطراب في إسناده، فقد أخرجه المصنّف في "الفرائض" من "الكبرى" -٢٦/ ٦٣٨٨ - من طريق حمّاد بن سلمة، عن عثمان البتّيّ، عن عبد الحميد بن سلمة، عن أبيه: أن رجلاً أسلم، ولم تسلم امرأته. مرسلٌ. وقد أخرجه فيه ٢٦/ ٦٣٨٥ - من حديث رافع بن سنان ﵁، بإسناد صحيح، وأخرج هذا أيضًا أبو داود في "سننه"، فقال: حدثنا إبراهيم بن موسى الرازي، أخبرنا عيسى، حدثنا عبد الحميد بن جعفر، أخبرني أبي، عن جدي، رافع بن سنان، أنه أسلم، وأبت امرأته، أن تسلم، فأتت النبيّ ﷺ ، فقالت: ابنتي، وهي فَطِيم، أو شبهه، وقال رافع: ابنتي، قال له النبي ﷺ : "اقعد ناحية"، وقال لها: "اقعدي ناحية"، قال: وأقعد الصبية بينهما، ثم قال: "ادعواها"، فمالت الصبية إلى أمها، فقال النبي ﷺ : "اللَّهم اهدها"، فمالت الصبية إلى أبيها،

стр. 14676

فأخذها. وهذا حديث صحيح، يعني عن حديث جدّ عبد الحميد. قال الحافظ أبو الحسن ابن القطّان الفاسيّ -رحمه اللَّه تعالى- في كتابه، بيان الوهم والإيهام" - بعد أن ذكر أن عبد الحقّ قال: اختُلف في إسناد هذا الحديث-: ما نصّه: وهذا الاختلاف أن هذا السياق، وما في معناه هو من رواية عيسى بن يونس، وأبي عاصم، وعليّ بن غُراب، كلهم عن عبد الحميد بن جعفر، عن أبيه، عن جدّه رافع بن سنان، فإنه عبد الحميد بن جعفر بن عبد اللَّه بن الحكم بن رافع بن سنان. وعبد الحميد ثقة، وأبوه جعفر كذلك، قاله الكوفيّ. ذكر رواية عيسى بن يونس هذه أبو داود، وهو راوي السياق المذكور. وذكر رواية أبي عاصم، وعليّ بن غُراب أبو الحسن الدارقطنيّ في "كتاب السنن"، وسُمّيت البنت المذكورة في رواية أبي عاصم عميرة. ورُويت القصّة كما هي من طريق عثمان الْبتّيّ، عن عبد الحميد بن سلمة، عن أبيه، عن جدّه، أن أبويه اختصما فيه إلى النبيّ ﷺ ، أحدهما مسلم، والآخر كافر، فخيّره، فتوجّه إلى الكافر، فقال: "اللَّهم اهده"، فتوجّه إلى المسلم، فقضى به له. هكذا ذكره أبو بكر بن أبي شيبة، عن إسماعيل بن إبراهيم -هو ابن عليّة- عن عثمان البتّيّ. وكذا رواه يعقوب الدورقيّ، عن إسماعيل أيضًا. ورواه يزيد بن زُريع، عن عثمان البتّيّ، فقال فيه: عن عبد الحميد بن يزيد بن سلمة، أن جدّه أسلم، وأبت امرأته أن تُسلم، وبينهما ولدٌ صغير، فذكر مثله. ورواه عن يزيد بن زريع، يحيى بن عبد الحميد الحِمّانيّ، من رواية ابن أبي خيثمة عنه. نقلت جميعها من "كتاب قاسم بن أصبغ"، إلا أن هذه القصّة هكذا بجعل المخيّر غلامًا، وجدا لعبد الحميد بن يزيد بن سلمة لا يصحّ؛ لأن عبد الحميد، وأباه، وجدّه لا يُعرفون، ولو صحّت لم ينبغ أن تُجعل خلافًا لرواية أصحاب عبد الحميد بن جعفر، عن عبد الحميد بن جعفر، فإنهم ثقات، وهو وأبوه ثقتان، وجدّه رافع بن سنان معروف، بل كان يجب أن يقال: لعلهما قصّتان، خُير في إحداهما غلام، وفي الأخرى جارية واللَّه أعلم انتهى كلام ابن القطّان -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- (١). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الحاصل أن الحديث برواية المصنّف هنا ضعيف، وإنما الصحيح أنه من حديث عبد الحميد بن جعفر، عن أبيه، عن جدّه، كما أخرجه أبو داود في "سننه" كما سقته آنفًا، وأخرجه هو في "الفرائض" من "الكبرى". واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

стр. 14677

(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٥٢/ ٣٥٢٢ - وفي "الكبرى" ٥٢/ ٥٦٨٩ وفي "الفرائض" ٢٦/ ٦٣٨٦ و ٦٣٨٧. وأخرجه (ق) في "الأحكام" ٢٣٥٢ (أحمد) في "باقي مسند الأنصار" ٢٣٥٢ و ٢٣٢٤٣ و ٢٣٢٤٧. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان حكم إسلام أحد الزوجين، وإباء الآخر، وبينهما ولدٌ، وذلك أن يخيّر الولد، وفيه اختلاف بين العلماء سيأتي تحقيقه في المسألة التالية، إن شاء اللَّه تعالى. (ومنها): أن إسلام أحد الزوجين، وإباء الآخر يبطل النكاح، وفيه اختلاف بين العلماء أيضًا، سيأتي تحقيقه في المسألة الثالثة من الحديث الثاني، إن شاء اللَّه تعالى. (ومنها): اهتمام النبيّ ﷺ بهداية أمته، حيث لم يترك هذا الولد يختار الكافر من أبويه، بل دعا اللَّه تعالى أن يهديه للحقّ. (ومنها): أن فيه علمًا من أعلام النبوّة، وهو استجابة دعاء النبيّ ﷺ لهذا الولد بالهداية. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم النكاح إذا أسلم أحد الزوجين: (اعلم): أنه إذا أسلم الزوجان معًا، فهما على نكاحهما، سواء كان قبل الدخول، أو بعده، وليس بين أهل العلم في هذا اختلاف، كما ذكر ابن عبد البرّ أنه إجماع أهل العلم على ذلك، وذلك لأنه لم يوجد منهم اختلاف دين. وأما إذا أسلم أحد الزوجين الوثنيين، أو المجوسيين، أو كتابيّ متزوّج بوثنيّة، أو مجوسيّة قبل الدخول، فذهب الإمامان: أحمد، والشافعيّ -رحمهما اللَّه تعالى- إلى وقوع الفرقة بينهما من حين إسلامه، ويكون ذلك فسخًا، لا طلاقًا. وذهب الإمام أبو حنيفة -رحمه اللَّه تعالى- إلى أن الفرقة لا تقع، بل إن كانا في دار الإسلام، عُرض الإسلام على الآخر، فإن أبى وقعت الفرقة حينئذ، وإن كانا في دار الحرب، وقّف ذلك على انقضاء عدّتها، فإن لم يسلم الآخر، وقعت الفرقة، فإن كان الإباء من الزوج، كان طلاقًا؛ لأن الفرقة حصلت من قبله، فكان طلاقًا، كما لو لفظ به، وإن كان من المرأة، كان فسخًا؛ لأن المرأة لا تملك الطلاق. وذهب الإمام مالك -رحمه اللَّه تعالى- إلى أنه إن كانت هي المسلمة، عُرض عليه الإسلام، فإن أسلم، وإلا وقعت الفرقة، وإن كان هو المسلم تعجلت الفرقة؛ لقول ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ الآية. وأما إذا أسلم أحدهما بعد الدخول، فذهبت طائفة إلى أنه يوقف على انقضاء العدّة،

стр. 14678

فإن أسلم الآخر قبل انقضائها، فهما على النكاح، وإن لم يسلم حتى انقضت العدّة وقعت الفرقة منذ اختلف الدينان، فلا يحتاج إلى استئناف العدّة. وهذا قول الزهريّ، والليث، والحسن بن صالح، والأوزاعيّ، والشافعيّ، وإسحاق، ورواية عن أحمد، ونحوه عن مجاهد، وعبد اللَّه بن عمر، ومحمد بن الحسن. وذهبت طائفة إلى وقوع الفرقة، وبه قال الحسن، وطاوس، وعكرمة، وقتادة، والحكم، وهي الرواية الثانية عن أحمد، واختارها الخلّال. وروي ذلك عن عمر بن عبد العزيز، ونصره ابن المنذر. واحتجوا بقوله : ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾. وبأن ما يوجب فسخ النكاح لا يختلف بما قبل الدخول وبعده، كالرضاع. واحتجّ الأولون بما روى مالك في "موطّئه" عن ابن شهاب، قال: كان بين إسلام صفوان بن أمية، وامرأته بنت الوليد بن المغيرة نحوٌ من شهر، أسلمت يوم الفتح، وبقي صفوان حتى شهد حُنينًا، والطائف، وهو كافرٌ، ثم أسلم، فلم يفرّق النبيّ ﷺ بينهما، واستقرّت عنده امرأته بذلك النكاح. قال ابن عبد البرّ: وشُهرة هذا الحديث أقوى من إسناده. وقال ابن شهاب: أسلمت أم حكيم يوم الفتح، وهرب زوجها عكرمة حتى أتى اليمن، فارتحلت حتى قدِمت عليه اليمن، فدعته إلى الإسلام، فأسلم، وقدِم، فبايع النبيّ ﷺ ، فثبتا على نكاحهما. وقال ابن شُبْرُمة: كان الناس على عهد رسول اللَّه ﷺ يُسلم الرجل قبل المرأة، والمرأة قبل الرجل، فأيهما أسلم قبل انقضاء عدّة المرأة فهي امرأته، وإن أسلم بعد العدّة، فلا نكاح بينهما. ولأن أبا سفيان خرج، فأسلم عام الفتح قبل دخول النبيّ ﷺ مكة، ولم تُسلم هند امرأته حتى فتح النبيّ ﷺ مكّة، فثبتا على نكاحهما. وأسلم حكيم بن حزام قبل امرأته. وخرج أبو سفيان بن الحارث، وعبد اللَّه ابن أبي أُميّة، فلقيا النبيّ ﷺ عام الفتح بالأبواء، فأسلما قبل نسائهما، ولم يُعلم أن النبيّ ﷺ فرّق بين أحد ممن أسلم وبين امرأته، ويبعد أن يتّفق إسلامهما دفعةً واحدةً. وأما إذا أسلم أحدهما بعد إنقضاء عدّتها، انفسخ النكاح في قول عامّة العلماء، قال ابن عبد البرّ: لم يختلف العلماء في هذا، إلا شيئًا روي عن النخعيّ، شذّ فيه عن جماعة العلماء، فلم يتبعه أحد، زعم أنها تردّ إلى زوجها، وإن طالت المدّة. انتهى ملخّصًا من "المغني" لابن قُدامة -رحمه اللَّه تعالى- (١). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الذي يظهر لي أن الأرجح القول ببقاء النكاح بعد إسلام أحد الزوجين، مطلقًا، سواء كان قبل الدخول، أو بعده، وسواء انقضت العدّة،

стр. 14679

أم لا، إلا إن صحّ الإجماع على أنها إن انقضت انفسخ النكاح، وإلا فليس هناك دليلٌ يفرّق بين الدخول، وعدم الدخول، وبين انقضاء العدّة، وعدمه، فقد كان الرجال يأتون إلى المدينة، فيسلمون، ثم يرجعون إلى أهليهم، فيدعونهم إلى الإسلام، فيسلمون، ولم يثبت عنه ﷺ أنه تكلّم في شأن أنكحتهم بشيء من التفصيل المذكور، بل كان يأمرهم أن يرجعوا إلى أهليهم، ويدعوهم رجالاً ونساء إلى الإسلام فقط. قال العلاّمة ابن القيّم -رحمه اللَّه تعالى-: ما ملخّصه: إن اعتبار العدّة لم يُعرف في شيء من الأحاديث، ولا كان النبيّ ﷺ يسأل المرأة، هل انقضت عدّتها، أم لا؟، ولو كان الإسلام بمجرّده فرقة لكانت طلقة بائنة، ولا رجعة فيها، فلا يكون الزوج أحقّ بها إذا أسلم، وقد دلّ حكمه في أن النكاح موقوف، فإن أسلم الزوج قبل انقضاء العدّة فهي زوجته، وإن انقضت عدّتها، فلها أن تنكح من شاءت، وإن أحبّت انتظرته، وإذا أسلم كانت زوجته من غير حاجة إلى تجديد نكاح. قال: ولا نعلم أحدًا جدّد بعد الإسلام نكاحه البتّة، بل الواقع أحد الأمرين: إما افتراقهما، ونكاحها غيره، وإما بقاؤهما على النكاح الأول، وإن تأخر إسلامها، أو إسلامه، وأما تنجيز الفرقة، أو مراعاة العدّة، فلا نعدم أن رسول اللَّه ﷺ قضى بواحدة منهما، مع كثرة من أسلم في عهده من الرجال وأزواجهنّ، وقرب إسلام أحد الزوجين من الآخر، وبعده منه، ولولا إقراره ﷺ الزوجين على نكاحهما، وإن تأخّر إسلام أحدهما عن الآخر بعد صلح الحديبية، وزمن الفتح، لقلنا بتعجيل الفرقة بالإسلام من غير اعتبار عدّة؛ لقوله تعالى: ﴿لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾، وقوله: ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ [الممتحنة: ١٠]، وأن الإسلام سبب الفرقة، وكلّ ما كان سببًا للفرقة تعقبه الفرقة، كالرضاع، والخلع، والطلاق. وهذا اختيار الخلّال، وأبي بكر صاحبه، وابن المنذر، وابن حزم. قال: وجواب من أجاب بتجديد نكاح من أسلم في غاية البطلان، ومن القول على رسول اللَّه ﷺ بلا علم، واتفاق الزوجين في التلفّظ بكلمة الإسلام معًا في لحظة واحدة معلوم الانتفاء. انتهى (١). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الذي حققه العلاّمة ابن القيّم -رحمه اللَّه تعالى- تحقيق حسنٌ جدًّا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٥٢٣ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى, قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ, قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ,

стр. 14680

قَالَ أَخْبَرَنِي زِيَادٌ, عَنْ هِلَالِ بْنِ أُسَامَةَ, عَنْ أَبِي مَيْمُونَةَ, قَالَ: بَيْنَا أَنَا عِنْدَ أَبِي هُرَيْرَةَ, فَقَالَ: إِنَّ امْرَأَةً جَاءَتْ رَسُولَ اللهِ ﷺ , فَقَالَتْ: فَدَاكَ أَبِي وَأُمِّي, إِنَّ زَوْجِي يُرِيدُ أَنْ يَذْهَبَ بِابْنِي, وَقَدْ نَفَعَنِي, وَسَقَانِي مِنْ بِئْرِ أَبِي عِنَبَةَ, فَجَاءَ زَوْجُهَا, وَقَالَ مَنْ يُخَاصِمُنِي فِي ابْنِي, فَقَالَ: «يَا غُلَامُ, هَذَا أَبُوكَ, وَهَذِهِ أُمُّكَ, فَخُذْ بِيَدِ أَيِّهِمَا شِئْتَ؟» , فَأَخَذَ بِيَدِ أُمِّهِ, فَانْطَلَقَتْ بِهِ). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (محمد بن عبد الأعلى) الصنعانيّ، ثم البصريّ، ثقة [١٠] ٥/ ٥. ٢ - (خالد) بن الحارث الْهُجَيميّ، أبو عثمان البصريّ، ثقة ثبت [٨] ٤٢/ ٤٧. ٣ - (ابن جريج) عبد الملك بن عبد العزيز بن جُريج الأمويّ مولاهم المكيّ، ثقة فقيه فاضل، يرسل كثيرًا ويُدلّس [٦] ٢٨/ ٣٢. ٤ - (زياد) بن سعد بن عبد الرحمن الخراسانيّ، ثم المكيّ، ثم اليمنيّ، ثقة ثبت، قال ابن عيينة: كان أثبت أصحاب الزهريّ [٦] ٥١/ ٦٤. ٥ - (/هلال بن أسامة) هو هلال بن عليّ بن أسامة العامريّ المدنيّ، نُسب لجده، ثقة ٥١/ ٦٥. ٦ - (أبو ميمونة) الفارسيّ المدنيّ الأبّار، قيل: اسمه سُليم. وقيل: سلمان. وقيل: سليمان. وقيل: سلمى. وقيل: أسامة. وقيل: إنه والد هلال بن أبي ميمونة. ثقة [٣]. قال ابن معين: أبو ميمونة الآبّار صالح. وقال العجليّ: سُليم بن أبي ميمونة مدنيّ تابعيّ، ثقة. وقال النسائيّ: أبو ميمونة ثقة. وقال ابن جريج، عن زياد بن سعد، عن هلال بن أبي ميمونة، أن أبا ميمونة سُليمًا، مولى من أهل المدينة، رجل صدق حديثه عن أبي هريرة. وقال ابن عيينة، عن زياد بن سعد، عن هلال بن أبي ميمونة، عن أبي ميمونة -وليس بأبيه- عن أبي هريرة. وقال أبو حكيم: أبو ميمونة الفارسيّ، اسمه سليمان، ويقال: أسامة بن زيد، روى عنه ابنه هلال بن أبي ميمونة. وفرق البخاريّ، وأبو حاتم، ومسلم، والحاكم أبو أحمد بين أبي ميمونة الأبار الذي روى عن أبي هريرة، وعنه قتادة، وبين أبي ميمونة الفارسيّ الذي اسمه سُليم، روى عنه أبو النضر وغيره. ووقع عند أبي داود أن اسمه سلمى. وقال الدارقطنيّ: أبو ميمونة عن أبي هريرة، وعنه قتادة مجهول يُترك. وهذا مما يؤيّد أنه غير الفارسيّ؛ لأنه وثّق الفارسيّ في كناه. روى له الأربعة، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط. ٧ - (أبو هريرة) - رضي اللَّه تعالى عنه - ١/ ١. واللَّه تعالى أعلم.

стр. 14681

لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سباعيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير أبي ميمونة، فمن رجال الأربعة. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ، وفيه أبو هريرة ﵁ أحفظ من روى الحديث في دهره. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ أَبِي مَيْمُونَةَ) وفي رواية أبي داود من طريق أبي عاصم، عن ابن جريج: عن هلال بن أسامة، أن أبا ميمونة سَلْمى، مولًى من أهل المدينة، رجل صدق (قَالَ: بَيْنَا أَنَا عِندَ أَبِي هُرَيْرَةَ) - رضي اللَّه تعالى عنه -، وفي رواية أبي داود المذكورة: "بينما أنا جالسٌ مع أبي هريرة، جاءته امرأةٌ فارسية، معها ابن لها، فادعياه، وقد طلّقها زوجها، فقالت: يا أبا هريرة -رطنت (١) له بالفارسيّة- زوجي يُريد أن يذهب بابني، فقال أبو هريرة: استهما عليه، ورَطَنَ لها بذلك، فجاء زوجها، فقال: من يُحاقُّني في ولدي؟، فقال أبو هريرة: اللَّهمّ إني لا أقول هذا، إلا أني سمعت امرأةً جاءت إلى رسول اللَّه ﷺ ، وأنا قاعدٌ عنده، فقالت: يا رسول اللَّه، إن زوجي يريد أن يذهب بابني، وقد سقاني … " الحديث (فَقَالَ: إِنَّ امْرَأَةَ جَاءَت رَسُولَ اللهِ- ﷺ ، فَقَالَتْ: فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي) جملة اسميّة، من مبتدأ وخبر. قال ابن منظور: "الفداء" بالكسر، والمدّ، والفتح مع القصر: فكاك الأسير. يقال: فداه يَفدِيه فِداءَ، وفَدًى، وفاداه يُفاديه مُفاداةً: إذا أعطى فِداءه، وأنقذه. وفداه بنفسه، وفدّاه بالتشديد: إذا قال له: جُعِلتُ فَدَاك. قال: وروى الأزهريّ عن نُصير: قال: تقول العرب: فَدَيته بأبي وأمي، وفَدَيته بمالي، كأنه اشتريته، وخلّصته به، إذا لم يكن أسيرًا، وإذا كان أسيرًا مملوكًا قلت: فاديته، ويجوز أيضًا فَدَيت الأسير، بمعنى خلّصته مما كان فيه، وفاديت أحسن في هذا، وقوله : ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ أي جعلنا الذبح فداء له، وخلّصناه به من الذبح. وقال الجوهريّ: "الفداء" إذا كُسر أوله يُمدّ، ويُقصر، وإذا فُتح فهو مقصور. انتهى باختصار وتصرّف (٢). (إِنَّ زَوْجِي يُرِيدُ أَنْ يَذهَبَ بِابْنِي، وَقَدْ نَفَعَنِي، وَسَقَانِي مِنْ بئْرِ أَبِي عِنَبَةَ) -بكسر العين المهملة، وفتح النون، وفتح الموحّدة-: بئر على بَرِيد من المَدينة. أظهرت حاجتها إلى الولد، ولعلّ محمل الحديث بعد الحضانة، مع ظهور حاجة الأم إلى الولد، واستغناء الأب عنه، مع عدم إرادته إصلاح الولد. قاله السنديّ. زاد في رواية أبي داود

стр. 14682

المذكورة: "فقال رسول اللَّه ﷺ : استَهِما عليه". أي اقترعا على الابن. قال الشوكانيّ: فيه دليل على أن القرعة طريق شرعية عند تساوي الأمرين، وأنه يجوز الرجوع إليها، كما يجوز الرجوع إلى التخيير، وقد قيل: إنه يقدّم التخيير عليها، وليس في حديث أبي هريرة ﵁ هذا ما يدلّ على ذلك، بل ربّما دلّ على عكسه؛ لأن النبيّ ﷺ أمرهما أوّلاً بالاستهام، ثم لما لم يفعلا خيّر الولد، وقد قيل: إن التخيير أولى؛ لاتفاق ألفاظ الأحاديث عليه، وعمل الخلفاء الراشدين به انتهى (١) (فَجَاءَ زَوْجُهَا، وَقَالَ: مَنْ يُخَاصِمُنِي فِي ابْنِي) وفي رواية أبي داود: "من يُحاقّني". والْحِقَاق، والاحتقاق: الخِصَام، والاختصام، كما في "القاموس"، أي من يخاصمني في أخذ ولدي (فَقَالَ) ﷺ (يَا غُلَامُ، هَذَا أَبُوكَ، وَهَذِهِ أُمُّكَ، فَخُذْ بِيَدِ أَيِّهِمَا شِئْتَ؟ "، فَأَخَذَ بِيَدِ أُمِّهِ، فَانْطَلَقَتْ بِهِ) قال الخطّابيّ -رحمه اللَّه تعالى-: هذا في الغلام الذي قد عقل، واستغنى عن الحضانة، وإذا كان كذلك خُيّر بين والديه انتهى (٢) واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث أبي هريرة - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا صحيح. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٥٢/ ٣٥٢٣ - وفي "الكبرى" ٥٢/ ٥٦٩٠. وأخرجه (د) في "الطلاق" ٢٢٧٧ (ت) في "الأحكام" ١٣٥٧ (أحمد) في "مسند المكثرين" ٩٤٧٩ (الدارمي) في "الطلاق" ٢٢٩٣. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الئالة): في اختلاف أهل العلم في الصبيّ، إذا أسلم أحد أبويه: قال العلاّمة ابن قدامة -رحمه اللَّه تعالى-: لا تثبت الحضانة لكافر على مسلم، وبهذا قال مالك، والشافعيّ، وسوّارٌ، والعنبريّ. وقال ابن القاسم، وأبو ثور، وأصحاب الرأي: تثبت له؛ لما روي عن عبد الحميد بن جعفر، عن أبيه، عن جدّه، رافع بن سنان ﵁ أنه أسلم، وأبت امرأته أن تُسلم، فأتت النبيّ ﷺ ، فقالت: ابنتي … الحديث. رواه أبو داود. قال: ولنا أنها ولايةٌ، فلا تثبت لكافر على مسلم، كولاية النكاح والمال، ولأنها إذا

стр. 14683

لم تثبت للفاسق، فالكافر أولى، فإن ضرره أكثر، فإنه يفتنه عن دينه، ويُخرجه عن الإسلام بتعليمه الكفر، وتزيينه له، وتربيته عليه، وهذا أعظم الضرر، والحضانة إنما تثبت لحظّ الولد، فلا تُشرع على وجه يكون فيه هلاكه، وهلاك دينه. فأما الحديث، فقد روي على غير هذا الوجه، ولا يُثبته أهل النقل، وفي إسناده مقال. قاله ابن المنذر. ويحتمل أن النبيّ ﷺ علم أنها تختار أباها بدعوته، فكان ذلك خاصًّا في حقّه انتهى (١). وقال العلاّمة ابن القيّم -رحمه اللَّه تعالى -عند تعداد شروط الحضانة-: فلا حضانة لكافر على مسلم؛ لوجهين: [أحدهما]: أن الحاضن حريصٌ على تربية الطفل على دينه، وأن ينشأ عليه، ويتربّى عليه، فيصعب بعد كبره، وعقله انتقاله عنه، وقد يغيّره عن فطرة اللَّه التي فطر عليها عباده، فلا يراجعها أبدًا، كما قال النبيّ ﷺ : "كلُّ مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهوّدانه، أو ينصّرانه، أو يمجّسانه". متّفق عليه. فلا يؤمن تهويد الحاضن، وتنصيره للطفل المسلم. قال: [الوجه الثاني]: أن اللَّه قطع الموالاة بين المسلمين والكفار، وجعل المسلمين بعضهم أولياء بعض، والكفار بعضهم أولياء من بعض، والحضانة من أقوى أسباب الموالاة التي قطعها. قال -رحمه اللَّه تعالى-: ثم إن الحديث قد يُحتجّ به على صحّة مذهب من اشترط الإسلام، فإن الصبيّة لما مالت إلى أمها دعا النبيّ ﷺ لها بالهداية، فمالت إلى أبيها، وهذا يدلّ على أن كونها مع الكافر خلاف هُدَى اللَّه الذي أراده من عباده، ولو استقرّ جعلها مع أمها، لكان فيه حجةٌ، بل أبطله اللَّه تعالى بدعوة رسوله ﷺ . ومن العجب أنهم يقولون: لا حضانة للفاسق، فأي فسق أكبر من الكفر؟، وأين الضرر المتوقّع من الفاسق بنشوء الطفل على طريقته إلى الضرر المتوقّع من الكافر. انتهى (٢). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: أما الحديث فقد تقدّم أن حديث رافع بن سنان ﵁ المذكور حديث صحيح، وإنما الضعيف حديث عبد الحميد بن سلمة، عن أبيه، عن جدّه؛ للجهالة، والاضطراب، فتنبّه. وأما حكم المسألة، فالذي يظهر لي أن ما ذهب إليه الأولون من عدم ثبوت الحضانة للكافر هو الحقّ؛ لقوله : ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾، وأما

стр. 14684

الحديث، فإن الاحتجاج به على اشتراط الإسلام عندي أظهر من الاحتجاج به على خلافه، كما حقّقه ابن القيّم -رحمه اللَّه تعالى- في كلامه السابق. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في تخيير الولد بين الأبوين المسلمين: ذهب إسحاق بن راهويه إلى أن الصبيّ والصبيّة مع الأم إذا طُلّقت. وقال أحمد إن كان ذكرًا، وكان دون سبع سنين، فأمه أحقّ به بلا تخيير، وإن كان له سبع، فالمشهور المختار عنه أنه يخيّر، فما دونها، أنه يُخيّر، فان لم يختر أقرع بينهما، وإن كانت أنثى، دون سبع فأمها أحقّ بها، وإن بلغت سبعًا فالمشهور عنه أنها أحقّ بها إلى تسع، وبعدها فالأب أحقّ. وذهب الشافعيّ إلى أن الأم أحقّ بالطفل ذكرًا أو أنثى إلى سبع سنين، فإذا بلغا سبعا، وهما يعقلان خيّرا. وذهب مالك، وأبو حنيفة إلى أنه لا تخيير بحال، ثم قال أبو حنيفة الأم أحقّ بالجارية حتى تبلغ، وبالغلام حتى يأكل، ويشرب، ويلبس وحده، ثم يكونان عند الأب. وقال مالك: الأم أحقّ بالولد ذكرًا أو أنثى حتى يبلغ، ولا يخيّر بحال. وقال الليث: الأم أحقّ بالابن إلى ثمان سنين، وبالبنت حتى تبلغ، ثم الأب بعد ذلك. وقال الحسن بن حيّ: الأم أحقّ بالبنت حتى يَكعُب ثدياها، وبالغلام حتى ييفَعَ، فيخيّران. انتهى من "زاد المعاد" بالاختصار، فمن أراد التوسّع في أدلة هذه الأقوال، وترجيح بعضها على بعض، فليرجع إليه (١)، فإن مؤلّفه قد أطال النفس في هذا الموضوع، وأتى بالعجب العجاب. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الذي يترجّح عندي أن الأمّ أحقّ بالولد قبل سنّ التمييز؛ لما أخرجه أحمد، وأبو داود، واللفظ له، بإسناد صحيح، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه، عبد اللَّه بن عمرو: أن امرأة، قالت: يا رسول اللَّه، إن ابني هذا كان بطني له وعاء، وثدي له سقاء، وحجري له حِوَاء، وإن أباه طلقني، وأراد أن ينتزعه مني، فقال لها رسول اللَّه ﷺ : أنت أحق به، ما لم تنكحي". فهذا حديث صحيح، صريح في وجوب حقّ الحضانة للأمّ، ما لم تتزوّج. وأما إذا ميّز الولد، فإنه يُخيّر، فيكون مع من يختاره؛ لحديث أبي هريرة - رضي اللَّه تعالى عنه - المذكور في الباب، وهذا هو الأحسن في الجمع بين أدلّة المسألة بدون ردّ

стр. 14685

لبعض ما صحّ منها؛ فإن الذي يرجّح غير هذا، فإنه سيردّ الحديث الصحيح، فتبصّر بالإنصاف، ولا تتحيّر بالاعتساف. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ٥٣ - (عِدَّةُ الْمُخْتَلِعَةِ) قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: لفظ "الكبرى": "أبواب العدّ" -"عدّة المختلعة". و"العدّة": اسم لمدّة تتربصها المرأة عن التزويج بعد وفاة زوجها، أو فراقه لها، إما بالولادة، أو بالأقراء، أو الأشهر. قاله في "الفتح". وقال ابن الأثير: وعدّة المرأة المطلّقة، والمتوفَّى عنها زوجها: هي ما تعُدّه من أيام أقرائها، أو أيام حملها، أو أربعة أشهر وعشر ليال انتهى. وجمع العدّة عِدَدٌ، بكسر، ففتح، مثلُ عِبرةٍ وعِبَر. واللَّه تعالى أعلم بالصواب. ٣٥٢٤ - (أَخْبَرَنَا أَبُو عَلِيٍّ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى الْمَرْوَزِيُّ, قَالَ: أَخْبَرَنِي شَاذَانُ بْنُ عُثْمَانَ, أَخُو عَبْدَانَ, قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي, قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْمُبَارَكِ, عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ, قَالَ: أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ, أَنَّ الرُّبَيِّعَ بِنْتَ مُعَوِّذِ ابْنِ عَفْرَاءَ أَخْبَرَتْهُ, أَنَّ ثَابِتَ بْنَ قَيْسِ بْنِ شَمَّاسٍ, ضَرَبَ امْرَأَتَهُ, فَكَسَرَ يَدَهَا, وَهِيَ جَمِيلَةُ بِنْتُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ, فَأَتَى أَخُوهَا, يَشْتَكِيهِ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ , فَأَرْسَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِلَى ثَابِتٍ, فَقَالَ لَهُ: «خُذِ الَّذِي لَهَا عَلَيْكَ, وَخَلِّ سَبِيلَهَا» , قَالَ: نَعَمْ, فَأَمَرَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ , أَنْ تَتَرَبَّصَ حَيْضَةً وَاحِدَةً, فَتَلْحَقَ بِأَهْلِهَا). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (أبو عليّ محمد بن يحيى) بن عبد العزيز اليشكريّ -بفتح التحتانيّة، وسكون المعجمة، وضمّ الكاف- الصائغ المروزيّ، ثقة [١١]. قال النسائيّ: ثقة. وقال مسلمة بن قاسم: روى عنه بعض أصحابنا، ووثّقه. مات سنة (٢٥٢هـ) روى عنه البخاريّ، ومسلم، والمصنّف، وله عنه ستة مواضع هنا -٥٣/ ٣٥٢٤ و ٦/ ٤٠٤٨ "قتل من فارق الجماعة"، و١/ ٤٨٩٩ "باب تعظيم السرقة" و ٢٦/ ٥١٣٤ "المتفلجات" و ٤٠/ ٥٦٨٢ "الإذن في شيء منها".

стр. 14686

٢ - (شاذان) هو عبد العزيز بن عثمان بن جَبَلَة -بفتح الجيم، والموحّدة- ابن أبي روّاد الأزديّ مولاهم، أبو الفضل المروزيّ، وشاذان لقبه، وهو أخو عَبْدان، مقبول [١٠]. ذكره ابن حبّان في "الثقات"، وقال: مولده سنة (١٤٥) ومات سنة (٢٢١) وقيل: سنة (٢٥). وقال الكلاباذيّ: وُلد في المحرم سنة (٤٨) ومات في المحرّم سنة (٢٢٩). روى له البخاريّ، والمصنّف، وله عنده في هذا الكتاب حديث الباب فقط. ٣ - (أبوه) عثمان بن جَبَلَة بن أبي روّاد -بفتح الراء، وتشديد الواو- الْعَتَكيّ -بفتح المهملة، والمثنّاة- مولاهم المروزيّ، ثقة، من كبار [١٠]. قال أبو حاتم: كان شريكًا لشعبة، وهو ثقة صدوق. وقال ابن عديّ: قيل لعثمان بن جبلة: من أين لك هذه الغرائب؟ قال: كنت شريكًا لشعبة، فكان يخصّني بها. وقال ابن حبّان في "الثقات": كان عثمان مع أبي تُمَيلة بالكوفة في طلب الحديث، فهاج غمّ وكرب، فوضع رأسه في حجر أبي تميلة، فمات. وقال أبو حاتم، عن النُّفيليّ: رأيت عثمان، والد عبدان بالكوفة، فبينا هو يمشي معنا في بعض أزقّة الكوفة، إذ دخل دارًا ليبول، فنظرنا، فإذا هو ميت. روى له البخاريّ، ومسلم، وله عنده حديث واحد، والمصنف، وله عنده حديث الباب فقط. ٤ - (عليّ بن المبارك) الْهُنَائيّ البصريّ، ثقة، كان له عن يحيى بن أبي كثير كتابان: أحدهما سماع، والآخر إرسال، فحديث الكوفيين عنه فيه شيء، من كبار [٧] ٢٨/ ١٤١١. ٥ - (يحيى بن أبي كثير) الطائيّ مولاهم، أبو نصر اليماميّ، ثقة ثبتٌ، لكنه يدلّس، ويرسل [٥] ٢٣/ ٢٤. ٦ - (محمد بن عبد الرحمن) بن ثوبان: هو العامريّ عامر قريش، ثقة [٣] ٤٧/ ٢٢٥٨. ٧ - (الرُّبَيّع بنت مُعّوِّذ بن عَفْراء) بن حزام بن جندب الأنصاريّة النجارية، من بني عديّ بن النجار، من صغار الصحابيات - رضي اللَّه تعالى عنهن -، تزوّجها إياس بن البكير الليثيّ، فولدت له محمدًا، روت عن النبيّ ﷺ ، وعنها ابنتها عائشة بنت أنس بن مالك، وخالد بن ذكوان، وسليمان بن يسار، ومحمد بن عبد الرحمن بن ثوبان، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، ونافع مولى ابن عمر، وأبو عبيدة بن محمد بن عمّار بن ياسر، وعُبادة بن الوليد بن عبادة، وعبد اللَّه بن محمد بن عَقِيل. قال ابن أبي خيثمة، عن أبيه: كانت من المبايعات تحت الشجرة. روى لها الجماعة، ولها في هذا الكتاب حديث الباب فقط، كرّره مرّتين، برقم ٣٥٢٤ و٣٥٢٥. واللَّه تعالى أعلم.

стр. 14687

لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سباعيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ) اليماميّ، أنه (قَالَ: أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ الرُّبَيِّعَ) -بضمّ الراء، وفتح الموحّدة، وتشديد الياء التحتانيّة، آخره عين مهملة، بصيغة التصغير (بِنْتَ مُعَوِّذِ) بضمّ الميم، وكسر الواو المشدّدة، بصيغة اسم الفاعل المضعَّف (ابْنِ عَفْرَاءَ) بفتح، فسكون - رضي اللَّه تعالى عنها - (أَخْبَرَتْهُ، أَنَّ ثَابِتَ بْنَ قَيْسِ بْنِ شَمَّاسِ) -بفتح المعجمة، وتشديد الميم- الأنصاريّ الخزرجيّ، خطيب الأنصار ﵁ (ضَرَبَ امْرَأَتَهُ، فَكَسَرَ يَدَهَا، وَهِيَ جَميلَةُ بِنْتُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيِّ) تقدّم تحقيق الخلاف في اسمها في شرح حديث -٣٤/ ٣٤٨٨ - فراجعه تستفد (فَأَتَى أَخُوهَا، يَشْتَكِيهِ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَأَرْسَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِلَى ثَابِتٍ، فَقَالَ لَهُ: (خُذِ الَّذِي لَهَا عَلَيْكَ) أي خذ ما دفعته لها من المهر، وتقدّم الخلاف في جواز الزيادة على ما دفعه في الباب المذكور (وَخَلِّ سَبِيلَهَا) أي فارقها، واتركها تذهب حيث شاءت (قَالَ: نَعَمْ) هو وعدٌ منه بأن يفعل ما أمره به ﷺ ؛ لأن "نعم" للوعد إذا وقعت بعد المستقل، كهذا المثال، وللتصديق إذا وقعت بعد الماضي، نحو هل قام زيد، فتقول: نعم. قاله الفيّوميّ (فَأَمَرَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ ، أن تَتَرَبَّصَ) أي تنتظر (حَيْضَةً وَاحِدَةً) قال السنديّ -رحمه اللَّه تعالى-: من لا يقول بهذا الحديث يقول: إن الواجب في العدّة ثلاثة قروء بالنصّ، فلا يُترك النصّ بخبر الآحاد، وقد يقال: هذا مبنيّ على أن الخلع طلاقٌ، وهو ممنوع، والحديث دليلٌ لمن يقول: إنه ليس بطلاق، على أنه لو سُلّم أنه طلاق، فالنصّ مخصوص، فيجوز تخصيصه ثانيًا بالاتفاق، أما عند من يقول بالتخصيص بخبر الآحاد مطلقًا، فظاهر، وأما عند غيره، فلمكان التخصيص أوّلاً، والمخصوص أوّلاً، يجوز تخصيصه بخبر الآحاد. واللَّه تعالى أعلم انتهى (١). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: القول بجواز تخصيص عموم القرآن بخبر الآحاد هو الحقّ، وهو الراجح عند الأصوليّين، كما قال في "الكوكب الساطع": وَجَازَ أَنْ يُخَصَّ الصَّوَابِ … سُنَّتُهُ بِهَا وَبِالْكِتَابِ

стр. 14688

وَهْوَ بِهِ وَخَبَرِ التَّوَاتُرِ … وخَبَرِ الْوَاحِدِ عِنْدَ الأَكْثَرِ وَقِيلَ إِنْ خُصَّ بِقَاطِعِ جَلِي … وَعَكْسُهَ وَقِيلَ بِالْمنُفَصِلِ (١) (فَتَلْحَقَ بِأَهْلِهَا) -بفتح أوله، وثالثه، مضارع لَحِقَ، يقال: لحقته، ولحقت به ألحَق، من باب تَعِبَ لَحَاقًا بالفتح: أدركته. قاله الفيّوميّ. والمراد به هنا أنها بعد تربّصها بحيضة تذهب إلى أهلها؛ لانقضاء عدّتها التي وجبت عليها. وهذا الحديث نصٌّ في أن المختلعة تعتدّ بحيضة واحدة فقط، وبهذا قال عثمان بن عفّان، وابن عبّاس، وإسحاق بن راهويه، وأحمد بن حنبل في إحدى الروايتين عنه، اختارها شيخ الإسلام ابن تيميّة، قال ابن القيّم -بعد أن ذكر أحاديث الباب-: وهذا كما أنه مُوجَب السنّة، وقضاء رسول اللَّه ﷺ ، وموافقٌ لأقوال الصحابة ﵃، فهو مقتضى القياس، فإنه استبراء لمجرّد العلم ببراءة الرحم، فكفت فيه حيضةٌ، كالمسبيّة، والأمة المستبرأة، والحرّة، والمهاجرة، والزانية إذا أرادت أن تنكح. انتهى (٢). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا المذهب، وهو أن عدّة المختلعة حيضة واحدة، هو الحقّ؛ لصحة أحاديث الباب. وهذا الحديث صحيح، تفرّد به المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، أخرجه هنا-٥٣/ ٣٥٢٤ - وفي "الكبرى" ٥٣/ ٥٦٩١. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٥٢٥ - (أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا عَمِّي, قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي, عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ, قَالَ: حَدَّثَنِي عُبَادَةُ بْنُ الْوَلِيدِ بْنِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ, عَنْ رُبَيِّعٍ بِنْتِ مُعَوِّذٍ, قَالَ: قُلْتُ: لَهَا حَدِّثِينِي حَدِيثَكِ, قَالَتِ: اخْتَلَعْتُ مِنْ زَوْجِي, ثُمَّ جِئْتُ عُثْمَانَ, فَسَأَلْتُهُ مَاذَا عَلَيَّ مِنَ الْعِدَّةِ؟ , فَقَالَ: لَا عِدَّةَ عَلَيْكِ, إِلاَّ أَنْ تَكُونِي حَدِيثَةَ عَهْدٍ بِهِ, فَتَمْكُثِي, حَتَّى تَحِيضِي حَيْضَةً, قَالَ: وَأَنَا مُتَّبِعٌ فِي ذَلِكَ قَضَاءَ رَسُولِ اللهِ ﷺ , فِي مَرْيَمَ الْمَغَالِيَّةِ, كَانَتْ تَحْتَ ثَابِتِ بْنِ قَيْسِ بْنِ شَمَّاسٍ, فَاخْتَلَعَتْ مِنْهُ). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (عبيد اللَّه بن سعد بن إبراهيم بن سعد) أبو الفضل البغداديّ، قاضي أصبهان، ثقة [١١] ١٧/ ٤٨٠. ٢ - (عمه) يعقوب بن إبراهيم بن سعد الزهريّ، أبو يوسف المدنيّ، نزيل بغداد،

стр. 14689

ثقة فاضل، من صغار [٩] ١٩٦/ ٣١٤. ٣ - (أبوه) إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، أبو إسحاق المدنيّ، نزيل بغداد، ثقة حجة [٨] ١٩٦/ ٣١٤. ٤ - (ابن إسحاق) محمد بن إسحاق بن يسار، أبو بكر المطّلبيّ مولاهم المدنيّ، نزيل العراق، صدوق، يدلّس، ورُمي بالقدر والتشيّع، إمام في المغازي [٥] ٥/ ٤٨٠. ٥ - (عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت) الأنصاريّ، ويقال له: عبد اللَّه، ثقة [٤] ٥٣/ ٣٤٩٨. ٦ - (ربيّع بنت مُعَوِّذ) - رضي اللَّه تعالى عنها - المذكورة في السند السابق. ٧ - (عثمان) بن عفان الخليفة الراشد ﵁ ٦٨/ ٨٤. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سباعيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين. (ومنها): أن فيه رواية الراوي عن أبيه، وتابعي عن تابعيّ. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ رُبَيِّعَ بِنْتِ مُعَوِّذٍ) - رضي اللَّه تعالى عنها - (قَالَ) عبادة بن الصامت (قُلْتُ لَهَا: حَدِّثِينِي حَدِيثَكِ) أي حديث اختلاعك من زوجك، وماذا قيل لك؟ في ذلك (قالَتِ: اخْتَلَعْتُ مِنْ زَوْجِي، ثُمَّ جِئْتُ عُثْمَانَ) بن عفّان - رضي اللَّه تعالى عنه - (فَسَأَلْتُهُ مَاذَا عَلَيَّ مِنَ الْعِدَّةِ؟) أي هو ثلاثة قروء، أم حيضة واحدة؟ (فَقَالَ) عثمان ﵁ (لَا عِدَّةَ عَلَيْكِ إِلاَّ أَنْ تَكُونِي حَدِيثَةَ عَهْدٍ بِهِ) أي بالزوج، أي بدخوله عليك، أو الجماع. وهذا يقتضي أن الحيضة الواحدة أيضًا غير لازمة، وإنما اللازم الاستبراء، إن علمت بالجماع. قاله السنديّ. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا يحتمل أن عثمان ﵁ يرى هذا التفصيل، لكن ظاهر ما صحّ عن النبيّ ﷺ أنه أمرها أن تتربّص حيضةً واحدةً، من غير استفصال، فيقدّم على الاحتمال الذي ذكره عثمان ﵁ (فَتَمْكُثِي، حَتَّى تحَيضِي حَيضَةَ، قَالَ) عثمان ﵁ (وَأَنا مُتَّبعْ فِي ذَلِكَ قَضَاءَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فِي مَرْيَمَ الْمَغَالِيَّةِ) -بفتح الميم، وتخفيف الغين المعجمة- نسبة إلى مغالة، وهي امرأة من الخزرج، وَلَدت لعمرو بن مالك بن النّجّار ولده عَدِيًّا، فبنو عديّ بن النجّار يُعرفون ببني مغالة، ومنهم عبد اللَّه بن أبيّ، وحسّان بن ثابت، وجماعة من الخزرج. ثم إن تسميتها بمريم وَهَمٌ من بعض

стр. 14690

الرواة، والصواب أن اسمها جميلة بنت عبد اللَّه بن أُبيّ، كما في رواية الربيّع التي قبل هذه الرواية. ويحتمل أن يكون لها اسمان، أو هو اسمها، وجميلة لقبها. وقد تقدّم تحقيق ذلك كله في شرح حديث ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما -، في "باب ما جاء في الخلع" -٣٤/ ٣٤٩٠ - فراجعه تزدد علمًا (كَانَتْ تَحْتَ ثَابِتِ بْنِ قَيْسِ بْنِ شَمَّاسٍ، فَاخْتَلَعَتْ مِنْهُ)، أي فأمرها رسول اللَّه ﷺ بأن تتربّص حيضةً واحدةً. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث الربيّع بنت مُعوِّذ - رضي اللَّه تعالى عنها - هذا صحيح. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٥٣/ ٣٥٢٥ - وفي "الكبرى" ٥٣/ ٥٦٩٢. وأخرجه (ق) في "الطلاق" ٢٠٥٨. وبقية المسائل المتعلّقة به قد تقدّمت مستوفاة -بحمد اللَّه تعالى- في "باب ما جاء في الخلع"، فراجعها تستفد. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ٥٤ - (مَا اسْتُثْنِيَ مِنْ عِدَّةِ الْمُطَلَّقَاتِ) قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: أراد -رحمه اللَّه تعالى- بالاستثناء هنا المعنى اللغويّ، وهو الإخراج مطلقًا، فمعنى الترجمة: هذا الباب معقود لبيان ما أخرج من عدّة المطقلّات، وهي ثلاثة قروء، فكان غير ذلك. وحاصل ما أشار إليه -رحمه اللَّه تعالى- أن ما دلّت عليه آية ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، من تناول جمغ النساء المطلّقات، أخرج منه بعض المطلقات بدليل آخر. وبيان ذلك أن هذه الآية عامة في جميع المطلّقات، سواء كنّ يحضن، أو يئسن من المحيض، وسواء كنّ مدخولاً بهنّ، أم لا، فخرج من هذا العموم الآيسات، فعدّتهن ثلاثة أشهر,؛ لقوله تعالى: ﴿وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ الآية [الطلاق: ٤]، وخرجت المطلّقات قبل الدخول، فليس عليهنّ عدّة؛ لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ

стр. 14691

ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ﴾ الآية [الأحزاب: ٤٩]. واللَّه تعالى أعلم بالصواب. ٣٥٢٦ - (أَخْبَرَنَا زَكَرِيَّا بْنُ يَحْيَى, قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ, قَالَ: أَنْبَأَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ وَاقِدٍ, قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي, قَالَ: أَنْبَأَنَا يَزِيدُ النَّحْوِيُّ, عَنْ عِكْرِمَةَ, عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ, فِي قَوْلِهِ ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ وَقَالَ: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ﴾ الآيَةَ وَقَالَ: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ , فَأَوَّلُ مَا نُسِخَ مِنَ الْقُرْآنِ الْقِبْلَةُ, وَقَالَ: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ , وَقَالَ: ﴿وَاللاَّئِى يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ﴾ , فَنُسِخَ مِنْ ذَلِكَ, قَالَ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾. رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (زكريا بن يحيى) السِّجْزيّ، أبو عبد الرحمن، نزيل دمشق، المعروف بـ "خيّاط السنّة"، ثقة حافظ [١٢]، من أفراد المصنّف. ٢ - (إسحاق بن إبراهيم) الحنظليّ المروزيّ المعروف بابن رهويه، ثقة ثبت إمام [١٠] ٢/ ٢. ٣ - (عليّ بن الحسين) بن واقد المروزيّ، كان جدّه واقد مولى عبد اللَّه بن كريز، صدوقٌ يَهِمُ [١٠]. قال النسائيّ: ليس به بأس. وقال أبو حاتم: ضعيف الحديث. وأسند العقيليّ من طريق البخاريّ: قال: رأينا عليّ بن الحسين سنة (١٠) وكان أبو يعقوب -يعني إسحاق ابن راهويه- سيّىء الرأي فيه لعلّة الإرجاء، فتركناه، ثم كتبنا عن إسحاق. ونقل ابن حبّان عن البخاريّ، قال: كنت أمرّ عليه طرفىِ النهار، ولم أكتب عنه. وقال البخاريّ: مات سنة (٢١١). وذكره ابن حبّان في "الثقات"، وقال: كان مولده سنة (١٣٥) ومات سنة (١١) وقيل: سنة (٢١٢). روى له البخاريّ في "الأدب المفرد"، ومسلم في "المقدمة"، والمصنّف، وله عنده في هذا الكتاب خمسة مواضع، وكلها بهذا السند - ٥٤/ ٣٥٢٦، وفي ٦٩/ ٣٥٧٠ - " باب نسخ متاع المتوفّى عنها … "و٧٥/ ٣٥٨١ "باب نسخ المراجعة بعد التطليقات الثلاث"، و ٩/ ٤٠٧٣ "ذكر اختلاف طلحة بن مصرّف الخ"، و١٥/ ٤٠٩٦ - "توبة المرتدّ". ٤ - (أبوه) الحسين بن واقد المروزيّ، أبو عبد اللَّه القاضي، ثقة، له أوهام [٧] ٥/ ٤٦٣.

стр. 14692

٥ - (يزيد) بن أبي سعيد النحويّ، أبو الحسن القرشيّ مولاهم المروزيّ، ثقة عابد [٦]. قال أبو زرعة، وأبو داود، وابن معين، والنسائيّ: يزيد النحويّ ثقة. وقال أبو حاتم: صالح الحديث. وقال حسين بن واقد: ما رأيت مثله، ما أدري ما أيّوب؟. وقال الدارقطنيّ: حسبك به ثقةَ ونُبْلاً. وقال أبو داود، وأحمد بن سيّار: قتله أبو مسلم، زاد أحمد سنة إحدى وثلاثين. وذكره ابن حبّان في "الثقات"، وقال: كان متقنًا، من العبّاد، تقيًّا، من الرفعاء، تاليًا لكتاب اللَّه تعالى، عالمًا بما فيه جهده، قتله أبو مسلم لأمره إياه بالمعروف سنة (١٣١). روى له البخاريّ في "الأدب المفرد"، والأربعة، وله عند المصنّف في هذا الكتاب المواضع الخمسة المذكورة في ترجمة عليّ بن الحسين قبل ترجمة. ٦ - (عكرمة) مولى ابن عباس، أبو عبد اللَّه المدنيّ بربريّ الأصل، ثقة ثبت عالم بالتفسير [٣] ٢/ ٣٢٥. ٧ - (ابن عبّاس) عبد اللَّه البحر - رضي اللَّه تعالى عنهما - ٢٧/ ٣١. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سباعيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم ثقات. (ومنها): أنه مسلسل بالمراوزة إلى عكرمة، وشيخه دمشقيّ. (ومنها): أن فيه ابن عبّاس من العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) - رضي اللَّه تعالى عنهما - (فِي قَوْلِهِ: (مَا) شرطيّة، ولذا جُزم فعل شرطها، وهو "ننسخ"، وجوابها، وهو "نأت" (نَنْسَخْ) النسخ: لغة يطلق على الإزالة والنقل. وشرعًا: رفع حكم شرعيّ، بخطاب شرعيّ، متراخ عنه، كرفع الحكم بالاعتداد بحول بالاعتداد بأربعة أشهر وعشر. قال في "الكوكب الساطع": النَّسْخُ رَفْعٌ أَوْ بَيَانٌ وَالصَّوَابْ … فِي الْحَدِّ رَفعُ حُكْمِ شَرْعٍ بِخِطَابْ فخرج بقوله: "رفع حكم شرعيّ"، رفع البراءة الأصليّة، وبقوله: "بخطاب شرعيّ" رفع الحكم بارتفاع محلّه، أو بانتهاء أمده، إذا كان مغيًّا، ونحو ذلك، وخرج بقوله: "متراخ عنه" ما يرفعه المخصّص المتّصل، كالاستثناء. (مِنْ آيَةٍ) بيان و"ما" (أَوْ نُنْسِهَا) بضمّ النون، من النسيان، وهو أن يذهب بحفظها من القلب. وقرأ مكيّ، أبو عمرو: ﴿أو ننسأها﴾ بفتح النون، من نسأت، بمعنى أخّرت (نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا) أي بآية خير منها للعباد، حيث يكون العمل بها أكثر ثوابًا (﴿أَوْ مِثْلِهَا﴾)

стр. 14693

أي مثل تلك الآية (وَقَالَ: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ﴾) قال النسفيّ: تبديل الآية مكان الآية هو النسخ، واللَّه تعالى ينسخ الشرائع بالشرائع؟ لحكمة رآها، وهو معنى قوله (﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بمَا يُنَزلُ﴾) قرئ في السبع بالتشديد والتخفيف (١). الآيًةَ، وَقَالَ: (﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾) أي بنسخ ما يشاء نسخه (وَيُثْبِتُ) من الإثبات، وقرأ نافع، وابن عامر، وحمزة يثبّت، بالتشديد، من التثبيت. أي يثبت بدله ما يشاء، أو يتركه غير منسوخ، أو يمحو من ديوان الحفظة ما يشاء، ويُثبت غيره. أو يمحو كفر التائبين، ويُثبت إيمانهم. أو يميت من حان أجله، وعكسه (﴿وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾) أي أصل كلّ كتاب، وهو اللوح المحفوظ؛ لأن كلّ كائن مكتوب فيه (٢). والغرض من سوق ابن عبّاس - رضي اللَّه تعالى عنهما - من سوق هذه الآيات الثلاث إثبات النسخ في كتاب اللَّه تعالى، وهو مجمع عليه عند المسلمين، وإنما خالف فيه اليهود، بعضهم في الجواز، وبعضهم في الوقوع، وسماه أبو مسلم الأصفهانيّ من المعتزلة تخصيصًا، وهذا خلاف في التسمية، لا في المعنى، وإلى هذا أشار في "الكوكب الساطع" بقوله: النَّسْخُ عِنْدَ الْمُسْلِمينَ وَاقِعُ … وَقَائِلُ التَّخْصِيصِ لَا يُنَازعُ (فَأَوَّلُ مَا نُسِخَ مِنَ القُرآنِ الْقِبلَةُ) أي التوجّه في الصلاة إلى بيت المقدس بافتراض التوجّه إلى الكعبة، على الصحيح، أو بالعكس، إن قلنا: إن النسخ في القبلة كان مرَّتين، كما قيل. وعلى الوجهين كون هذا منسوخًا من القرآن، يقتضي أن له ذكرًا في القرآن، وهو غير ظاهر، إلا أن يقال: كان في القرآن إلا أنه نُسخ حكمًا، وتلاوةً، أو نقول: المراد بالقرآن الوحي والحكم مطلقًا. ويحتمل أن يقرأ قوله: فأول ما نسخ على بناء الفاعل، وُيراد بالقبلة افتراض التوجّه إلى الكعبة، فيصحّ بلا تأويل. واللَّه تعالى أعلم. قاله السنديّ. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: عندي أنه لا داعي إلى هذه التأويلات الباردة، ولا سيما الأخير، فإنه تعسّف بعيد، بل المعنى واضحٌ، وذلك أن اللَّه تعالى قال في كتابه: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ الآية، وغيرها من الآيات التي توجب اتباعه ﷺ فيما أتى به، ومن جملة ما دخل فيها استقبال القبلة، ثم لما نُسخ، نسخ الأمر بالاتباع المذكور في الآية. فتأمل، واللَّه تعالى أعلم. (وَقَالَ: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ﴾ التربّص: الانتظار، أي لينتظرن. قال

стр. 14694

النسفيّ -رحمه اللَّه تعالى-: خبر في معنى الأمر، وأصل الكلام: ولتتربّص المطلّقات، وإخراج الأمر في صورة الخبر تأكيد للأمر، وإشعار بأنه مما يجب أن يُتلقّى بالمسارعة إلى امتثاله، فكأنهنّ امتثلن الأمر بالتربّص، فهو يخبر عنه موجودًا، ونحوه قولهم في الدعاء: رحمك اللَّه، أخرج في صورة الخبر ثقة بالاستجابة، كأنما وُجدت الرحمة، فهو يُخبر عنها. وبناؤه على المبتدأ مما زاده أيضًا فضل تأكيد؛ لأن الجملة الاسميّة تدلّ على الدوام والثبات، بخلاف الفعليّة. وفي ذكر الأنفس تهييج لهنّ على التربّص، وزيادة بعث؛ لأن أنفس النساء طوامح إلى الرجال، فأمرن أن يقمعن أنفسهنّ، ويغلبنها على الطموح، ويُجبِرنها على التربّص. ﴿ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ جمع قرء بالفتح، كفلس وفُلوس، وبالضمّ، ويجمع على أقراء، كقفل وأقفال. وقد اختلف فيه، هل هو الحيض، أم الطهر على قولين، سيأتي تمام البحث فيه في -٧٤/ ٣٥٦٥ - "الأقراء"، إن شاء اللَّه تعالى. (وَقَالَ: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ﴾) أي أشكل عليكم حكمهنّ، وجهلتم كيف يعتددن (﴿فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ﴾) أي فهذا حكمهنّ (فَنُسِخَ مِنْ ذَلِكَ) بالبناء للمفعول، والضمير النائب يعود إلى ما دلّت عليه هذه الآية، واسم الإشارة يعود إلى ما دلت عليه الآية الأولى، يعني أنه نُسخ ما دلّت عليه هذه الآية، وهو كون العدّة بالأشهر من عموم ما دلّت عليه الآية الأولى، وهو كون المطلّقة تعتدّ بثلاثة قروء. وقال السنديّ: أي الكلام الثاني نَسَخَ من الكلام الأول بعضَ صور المطلّقات، وهي صور الإياس، وأوجب فيها ثلاثة أشهر مكان ثلاثة قروء (قَالَ تَعَالَى) ناسخًا من الأول بعض الصور أيضًا، وهي ما إذا كان الطلاق قبل الدخول، فلا عدّة عليها هناك أصلاً (﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾) أي تجامعوهنّ (﴿فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ﴾) قال النسفيّ: فيه دليلٌ على أن العدّة تجب على النساء للرجال (١) (﴿تَعْتَدُّونَهَا﴾) افتعال، من العدّ، أي تستوفون عددها. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث ابن عبّاس - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا صحيح. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:

стр. 14695

أخرجه هنا-٥٤/ ٣٥٢٦ و٧٥/ ٣٥٨١ - وفي "الكبرى" ٥٦/ ٥٧٠٤ وأخرجه (د) في "الطلاق" ٢١٩٥ و ٢٢٨٢. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان ما نسخ من عدّة بعض النساء، من آية المطلّقات. (ومنها): بيان مشروعيّة النسخ، وأن للَّه تعالى فيه حكمة عظيمةً، كما أوضح ذلك بقوله: ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾. (ومنها): أن فيه نسخ الكتاب بالكتاب، وهو نوع من أنواع النسخ الأربعة: نسخ الكتاب بالكتاب، ونسخ السنة بالسنة، ونسخ الكتاب بالسنة، ونسخ السنة بالكتاب. ثم المختار جواز نسخ بعض القرآن تلاوة وحكمًا، أو تلاوة فقط، أو حكمًا فقط. (ومنها): أن عدّة المطلّقات ذوات الحيض ثلاثة قروء، ولا خلاف بين أهل العلم في ذلك؟ لقوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ الآية، وإنما الخلاف بينهم في معنى القرء، إذ يطلق في كلام العرب على الحيض والطهر جميعًا، وسيأتي تحقيق القول في ذلك في موضعه، إن شاء اللَّه تعالى. (ومنها): أن عدّة الآيسة تكون بالأشهر لقوله تعالى: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ﴾ الآية [الطلاق: ٤]، وهذا أيضًا لا خلاف فيه بين أهل العلم. (ومنها): أنه لا عدّة على المطِلّقات قبل المسيس؛ لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ [الأحزاب: ٤٩]، ولا خلاف بين أهل العلم في ذلك أيضًا، وإنما اختلفوا فيمن خلا بها، ثم طلقها قبل المسيس، فذهب أكثرهم إلى أنه تجب العدّة، وروي ذلك عن الخلفاء الراشدين، وزيد، وابن عمر. وبه قال عروة، وعلي بن الحسين، وعطاء، والزهري، والثوريّ، وأحمد، والأوزاعيّ، وإسحاق، وأصحاب الرأي، والشافعيّ في القديم، وقال الشافعيّ في الجديد: لا عدّة عليها؛ لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ الآية. وهذا نصّ؛ ولأنها مطلّقة لم تُمسّ، فأشبهت من لم يخلُ بها (١). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: عندي أن ما ذهب إليه الشافعيّ -رحمه اللَّه تعالى- في الجديد من أنه لا عِدَّة على المطلّقة قبل الدخول، وإن خلا بها هو الظاهر؛ لقوة حجته. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". …

стр. 14696

٥٥ - (بَابُ عِدَّةِ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا) قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "المتوفّى" بفتح الفاء المشدّدة: اسم مفعول، من توفّاه اللَّه تعالى: إذا أماته. قال ابن منظور: الوفاة: المنيّة. والوفاة: الموت، وتُوفي فلان، وتوقاه اللَّه: إذا قبض نفسه. وفي "الصحاح": إذا قبض روحه. وقال غيره: تَوَفِّي الميتِ استيفاء مدّته التي وُفيت له، وعدد أيامه وشهوره، وأعوامه في الدنيا. انتهى. وقرىء في الشواذّ: "والذين يَتَوَقّون منكم" الآية -بفتح الياء بالبناء للفاعل-: ومعناه: يستوفون آجالهم. قاله الزمخشريّ. وعلى هذه القراءة، يجوز "المتوفّي عنها زوجها" بصيغة اسم الفاعل، بمعنى المستوفي أجله. قال السمين الحلبيّ: والذي يُحكى أن أبا الأسود كان خلف جنازة، فقال له رجل: مَن المتوفِّي؟ بكسر الفاء، فقال: اللَّه، وكان أحد الأسباب الباعثة لعليّ ﵁ على أن أمر بوضع كتاب في النحو، تناقضه هذه القراءة. انتهى (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب. ٣٥٢٧ - (أَخْبَرَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ, عَنْ وَكِيعٍ, عَنْ شُعْبَةَ, قَالَ: حَدَّثَنِي حُمَيْدُ بْنُ نَافِعٍ, عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أُمِّ سَلَمَةَ, قَالَتْ: أُمُّ حَبِيبَةَ, سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ , يَقُولُ: «لَا يَحِلُّ لاِمْرَأَةٍ, تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ, تَحِدُّ عَلَى مَيِّتٍ, فَوْقَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ, إِلاَّ عَلَى زَوْجٍ, أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (هنّاد بن السّريّ) بن مصعب التميميّ، أبو السّريّ الكوفيّ، ثقة [١٠] ٢٣/ ٢٥. ٢ - (وكيع) بن الجرّاح بن مَلِيح الرؤاسيّ، أبو سفيان الكوفيّ، ثقة ثبت عابد [٩] ٢٣/ ٢٥. ٣ - (شعبة) بن الحجاج الإمام الحافظ الحجة الثبت [٧] ٢٤/ ٢٧. ٤ - (حميد بن نافع) الأنصاريّ، أبو أفلح المدنيّ، ثقة [٣] ٥٣/ ٣٣٢٠. ٥ - (زينب بنت أم سلمة) هند بنت أبي أمية، وأبوها أبو سلمة عبد اللَّه بن عبد الأسد المخزوميّة، ربيبة النبيّ ﷺ ، ماتت سنة (٧٣) وتقدّمت في -١٢٣/ ١٨٢. ٦ - (أم حبيبة) رملة بنت أبي سفيان صخر بن حرب الأمويّة، أم المؤمنين، مشهورة

стр. 14697

بكنيتها، ماتت - رضي اللَّه تعالى عنها - سنة (٢) أو (٤) أو (٤٩) وقيل: (٥٠)، تقدّمت في ١٣/ ٧٠٤. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رُوَاتَهُ عندهم رُوَاة الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، من حميد. (ومنها): أن فيه رواية صحابيّة، عن صحابيّة. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ زيْنَبَ بِنْتِ أُمِّ سَلَمَةَ) - رضي اللَّه تعالى عنها -، أنها قالت (قَالَتْ: أُمُّ حَبِيبَةَ) رضي اللَّه تعالى عنها، أنها (سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، يَقُولُ: "لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ، تُؤْمِنُ بَاللَّهِ وَالْيَوْم الآخِرِ، تَحِدُّ) -بضمّ أوله، وكسر ثانيه- من الإحداد، وهو المشهور، أو بفتح أوله، وكسر ثانيه، وضمه. قال الفيّوميّ: حَدَّت المرأة على زوجها تِحدّ -بالكسر- وتَحُدّ - بالضمّ- حِدَادًا -بالكسر-، فهي حادٌّ بغير هاء، وأحدّت إحدادًا، فهي مُحِدٌّ، ومُحدّةٌ: إذا تركت الزينة لموته، وأنكر الأصمعيّ الثلاثي، واقتصر على الرباعيّ انتهى. والمضارع هنا بمعنى المصدر، بتقدير "أن" المصدرية، أو بدونها، فاعل "لا يحلّ"، فكأنه قال: لا يحلّ الإحداد. ووصف المرأة بالإيمان يدلّ على صحّة مذهب القائلين بعدم الإحداد على الكتابيّة إذا مات زوجها المسلم، وهو القول الراجح، وسيأتي تحقيق الخلاف في ذلك في بابه، إن شاء اللَّه تعالى. (عَلَى مَيِّتٍ، فَوْقَ ثَلَاَثةِ أَيَّامٍ) فيه دلالة على أن المرأة إذا مات قريبها، فلها أن تمتنع من الزينة ثلاثة أيام متتابعة (إِلاَّ عَلَى زَوْجٍ، أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا) منصوب على الظرفيّة، متعلّق بفعل محذوف، كما تفسّره الرواية الآتية بعد حديثين -٣٥٣٠ - أي فإنها تُحدّ عليه أربعة أشهر وعشرًا. وسيأتي شرح الحديث مستوفًى في -٦٣/ ٣٥٦٠ - " ترك الزينة للحادّة المسلمة"، إن شاء اللَّه تعالى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث أم حبيبة - رضي اللَّه تعالى عنها - هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:

стр. 14698

أخرجه هنا-٣٥٢٧ و ٣٥٢٨ و ٣٥٢٩ و ٥٩/ ٣٥٥٤ و ٦٣/ ٣٥٦٠ - وفي "الكبرى" ٥٤/ ٥٦٩٣ و ٥٦٩٤ و٥٦٩٥ و ٥٩/ ٥٧٢١ و ٦٣/ ٥٧٢٧. وأخرجه (خ) في "الجنائز" ١٢٨٠ و ١٢٨٢ و"الطلاق" ٥٣٣٤ و ٥٣٣٧ و ٥٣٣٩ و٥٣٤٥ و"الطمث" ٥٧٥٧ (م) في "الطلاق" ١٤٨٦ و ١٤٨٩ (د) في "الطلاق" ٢٢٩٩ و ٢٣٥٤ (ت) في "الطلاق واللعان" ١١٩٥ و ١١٩٧ (ق) في "الطلاق" ٣٠٨٤ (أحمد) في "مسند الأنصار" ٢٥٩٦٢ و ٢٦١٢ و ٢٦٢١٤ و٢٦٢٢٥ و ٢٦٢٢٦ و"مسند القبائل" ٢٦٨٥٢ (الموطأ) في "الطلاق" ١٢٦٨ و١٢٦٩ و١٢٧٠. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان وجوب عدّة المتوفّى عنها زوجها، ومدّته، وهو أربعة أشهر وعشرة أيام. [فإن قيل]: حديث الباب لا يدلّ على وجوب العدّة، فمن أين يؤخذ الوجوب؟. [قلت]: يؤخذ من الأدلة الأخرى، كقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ الآية، وكنهيه ﷺ عن كحل عين تلك المرأة مع وجود المرض، فإنه دليل وجود الإحداد، فيكون تقدير قوله ﷺ : "أربعة أشهر وعشرًا" أي يجب عليها أن تُحدّ هذه المدّة. (ومنها): أنه يستفاد من قوله: ﴿أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ أنها لو كانت حاملاً، فزاد حملها على هذه المدّة لم يلزمها الإحداد، وبهذا قال الجمهور. وقالت المالكيّة عليها الإحداد إلى أن تضع؛ نظرًا إلى المعنى؛ إذ كلّ ذلك عدة من وفاة، وإنما خصّ ذلك العدد بالذكر؛ لأن الْحُيَّلَ من النساء أغلب، وهنّ الأصل، والحمل طارئ. قاله القرطبيّ (١). (ومنها): جواز الإحداد للمرأة على أقاربها لمدة ثلاثة أيام، فما دونها. (ومنها): أن الإحداد لا يجب إلا على المرأة المسلمة، لقوله ﷺ : "تؤمن باللَّه واليوم الآخر"، وسيأتي هذا في بابه، إن شاء اللَّه تعالى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في عدّة المتوفّى عنها زوجها: قال العلاّمة ابن قُدامة -رحمه اللَّه تعالى-: أجمع أهل العلم على أن عدّة الحرّة المسلمة، غير ذات الحمل من وفاة زوجها أربعة أشهر وعشرٌ، مدخولاً بها، أو غير

стр. 14699

مدخول بها، وسواء كانت كبيرة، أو صغيرةً، لم تبلغ، وذلك لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤] وقوله ﷺ : "لا يحل لامرأة … " الحديث المذكور في الباب. [فإن قيل]: ألاّ حملتم الآية على المدخول بها، كما قلتم في قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ الآية [البقرة: ٢٢٨]. [قلنا]: إنما خصّصنا هذه بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ [الأحزاب: ٤٩]، ولم يرد تخصيص عدّة الوفاة، ولا أمكن قياسها على المطلقة في التخصيص لوجهين: [أحدهما]: أن النكاح عقد عمر، فإذا مات انتهى، والشيء إذا انتهى تقرّرت أحكامه، كتقرّر أحكام الصيام بدخول الليل، وأحكام الإجارة بانقضائها، والعدّة من أحكامه. [الثاني]: أن المطلّقة إذا أتت بولد يُمكن الزوج تكذيبها، ونفيه باللعان، وهذا ممتنعٌ في حقّ الميت، فلا يؤمن أن تأتي بولد، فليحق الميت نسبه، وما له من ينفيه، فاحتطنا بإيجاب العدّة عليها لحفظها عن التصرّف، والمبيت في غير منزلها؛ حفظًا لها. إذا ثبت هذا، فإنه لا يُعتبر وجود الحيض في عدّة الوفاة في قول عامة أهل العلم. وحكي عن مالك أنها إذا كانت حاملًا، مدخولاً بها وجبت أربعة أشهر وعشرٌ فيها حيضة. واتباع الكتاب والسنّة أولى؛ ولأنه لو اعتبر الحيض في حقّها لاعتُبر ثلاثة قروء، كالمطلّقة. وهذا الخلاف يختصّ بذوات القرء، وأما الآيسة، والصغيرة، فلا خلاف فيهما. وأما الأمة المتوفّى عنها زوجها، فعدّتها شهران وخمسة أيام، في قول عامّة أهل العلم، منهم سعيد بن المسيّب، وعطاء، وسليمان بن يسار، والزهريّ، وقتادة، ومالكٌ، والثوريّ، والشافعيّ، وإسحاق، وأبو ثور، وأصحاب الرأي، وغيرهم، إلا ابن سيرين، فإنه قال: ما أرى عدّة الأمة إلا كعدّة الحرّة؛ إلا أن تكون قد مضت في ذلك سنة، فإن السنّة أحقّ أن تُتّبع، وأخذ بظاهر النصّ وعمومه. واحتجّ الأولون باتفاق الصحابة ﵁ على أن عدّة الأمة المطلّقة على النصف من عدّة الحرّة، فكذلك عدّة الوفاة انتهى كلام ابن قُدامة -رحمه اللَّه تعالى- (١). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: عندي أن ما قاله ابن سيرين -رحمه اللَّه تعالى- في مسألة عدة الأمة هو الحقّ؛ لظاهر الآية، وعدم دليل يخصّصها. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

стр. 14700

(المسألة الخامسة): في بيان الحكمة في كون عدّة الوفاة أربعة أشهر وعشرًا: قال أبو العبّاس القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى-: إنما خصّ اللَّه تعالى عدّة الوفاة بأربعة أشهر وعشر؛ لأن غالب الحمل يَبِين تحرّكه في تلك المدّة؛ لأن النطفة تبقى في الرحم أربعين، ثم تصير علقةً أربعين، ثم مضغة أربعين، فتلك أربعة أشهر، ثم يُنفخ فيه الروح بعد ذلك، فتظهر حركته في العشر الزائد على الأربعة الأشهر، وهذا ما جاء من حديث عبد اللَّه بن مسعود ﵁. وأنّث عشرًا؛ لأنه أراد به مدّة العشر. قاله المبرد. وقيل: لأنه أراد الأيام بلياليها، وإلى هذا ذهب كافّة العلماء، فقالوا عشرة أيام بعد الأربعة الأشهر. وقال الأوزاعيّ: إنما أنّث العشر؛ لأنه أراد الليالي، فعلى قول الجمهور: تحلّ باليوم العاشر بآخره، وعلى قول الأوزاعيّ تحلّ بانقضاء الليلة العاشرة. انتهى كلام القرطبيّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- (١). وقال ابن قدامة -رحمه اللَّه تعالى-: والعشر المعتبرة في العدّة هي عشر ليال بأيامها، فتجب عشرة أيام مع الليالي، وبهذا قال مالكٌ، والشافعيّ، وأبو عبيد، وابن المنذر، وأصحاب الرأي. وقال الأوزاعيّ: يجب عشر ليال وتسعة أيام؛ لأن العشر تستعمل في الليالي، دون الأيام، وإنما دخلت الأيام اللاتي في أثناء الليالي تبعًا. وأجيب بأن العرب تغلّب اسم التأنيث في العدد خاصّة على المذكر، فتُطلق لفظ الليالي، وتريد الليالي بأيامها، كما قاد اللَّه تعالى: ﴿آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا﴾ [مريم: ١٠]، يريد بأيامها، بدليل أنه قال في موضع آخر: ﴿آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا﴾ [آل عمران: ٤١]، يريد بليالها انتهى بتصرّف يسير (٢). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: عندي ما قاله الأودون هو الصحيح؛ لقوّة دليله. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٥٢٨ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى, قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ, قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ, عَنْ حُمَيْدِ بْنِ نَافِعٍ, عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أُمِّ سَلَمَةَ, قُلْتُ: عَنْ أُمِّهَا؟ , قَالَ: نَعَمْ, إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ , سُئِلَ عَنِ امْرَأَةٍ, تُوُفِّيَ عَنْهَا زَوْجُهَا, فَخَافُوا عَلَى عَيْنِهَا, أَتَكْتَحِلُ؟ , فَقَالَ: «قَدْ كَانَتْ إِحْدَاكُنَّ, تَمْكُثُ فِي بَيْتِهَا, فِي شَرِّ أَحْلَاسِهَا حَوْلاً, ثُمَّ خَرَجَتْ, فَلَا أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا»). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا

стр. 14701

غير مرّة. و"خالد": هو ابن الحارث الهجيميّ. وقوله: "في شر أحلاسها" -بفتح الهمزة، جمع حِلِس -بكسر الحاء المهملة، وسكون اللام-: هي كساء تُجعل على ظهر البعير. أي شرّ ثيابها، مأخوذ من حِلْسِ البعير. وقوله: "فلا أربعة أشهر وعشرًا" بتقدير همزة الاستفهام، وقد صُرّح بها في رواية مسلم، أي أفلا تصبر في الإسلام أربعة أشهر وعشرًا، قاله؛ إنكارًا لطلب التخفيف الزائد، فقد خفّف اللَّه تعالى برحمته عما كان عليه الجاهليّة، بحول، ثم خفّف بعد ذلك إلى أربعة أشعر وعشر، فهل بعد هذا التخفيف يُطلب تخفيف؟. والحديث متّفقٌ عليه، وسيأتي شرحه مستوفًى في ٦٣/ ٣٥٦٠ - "ترك الزينة للحادّة المسلمة الخ"، إن شاء اللَّه تعالى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٥٢٩ - (أَخْبَرَنِي إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ, قَالَ: أَنْبَأَنَا جَرِيرٌ, عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدِ بْنِ قَيْسِ بْنِ قَهْدٍ الأَنْصَارِيِّ, وَجَدُّهُ قَدْ أَدْرَكَ النَّبِيَّ ﷺ , عَنْ حُمَيْدِ بْنِ نَافِعٍ, عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أُمِّ سَلَمَةَ, عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ, وَأُمِّ حَبِيبَةَ, قَالَتَا: جَاءَتِ امْرَأَةٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ , فَقَالَتْ: إِنَّ ابْنَتِي تُوُفِّيَ عَنْهَا زَوْجُهَا, وَإِنِّي أَخَافُ عَلَى عَيْنِهَا, أَفَأَكْحُلُهَا, فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «قَدْ كَانَتْ إِحْدَاكُنَّ, تَجْلِسُ حَوْلاً, وَإِنَّمَا هِيَ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا, فَإِذَا كَانَ الْحَوْلُ, خَرَجَتْ وَرَمَتْ وَرَاءَهَا بِبَعْرَةٍ»). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وكلهم تقدّموا غير مرّة. و"إسحاق بن إبراهيم": هو ابن راهويه. و"جريرٌ": هو ابن عبد الحميد. وقوله: "وجدّه قد أدرك النبيّ ﷺ " يعني أن جدّ يحيى بن سعيد صحابيّ، وهو قيس ابن قهد -بقاف مفتوحة، فهاء ساكنة، آخره دال مهملة- وهذا الذي قاله المصنّف - رحمه اللَّه تعالى -، قاله أيضًا مصعب الزبيريّ، لكن غلّطه ابن خيثمة في ذلك، وقال: هما اثنان. وقال ابن حبّان: قيس بن عمرو هو قيس بن قهد، وقهد لقب عمرو. قال الحافظ: وكأنه أخذه من قول البخاريّ: قيس بن عمرو جدّ يحيى بن سعيد، له صحبة، قال: وقال بعضهم: قيس بن قَهْد. وقال أبو نُعيم في "الصحابة": قيس بن عمرو بن قهد بن ثعلبة، ثم قال: وقيل: قيس بن سهل. ذكره في "تهذيب التهذيب" ٣/ ٤٥١. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الذي يظهر لي أن ما قاله ابن حبّان يجمع بين الاختلاف، ويؤيّده كلام البخاريّ. وأما ابن خيثمة فلا أرى لتغليطه مصعبًا الزبيريّ

стр. 14702

وجهًا، حيث لم يذكر مستنده في ذلك. واللَّه تعالى أعلم. وقوله: "أفكحلها" -بضمّ الحاء المهملة، وفتحها- قال الفيّوميّ: كَحَلتُ الرجلَ كَحْلاً، من باب قتل -وزاد في "القاموس" من باب مَنَعَ-: جعلتُ الكُحلَ في عينه، فالفاعل كاحل، وكَحّالٌ، والمفعول مكحولٌ، وبه سمّي الرجل، والأصل كحَلتُ عين الرجل، فحُذف المضاف، وأُقيم المضاف إليه مقامه لفهم المعنى، ولهذا يقال: عينٌ كحيلٌ، فعيلٌ بمعنى مفعولِ، واكتحلتُ فعلت ذلك بنفسي، وتكحّلتُ كذلك انتهى. وقوله: "أربعة أشهر وعشرًا" منصوب على الظرفية، كما تقدّم قريبًا. والحديث متّفقٌ عليه، وقد سبق الكلام عليه في الذي قبله. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٥٣٠ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ,, قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ, قَالَ: سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ, يَقُولُ: سَمِعْتُ نَافِعًا, يَقُولُ عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ أَبِي عُبَيْدٍ, أَنَّهَا سَمِعَتْ حَفْصَةَ بِنْتَ عُمَرَ, زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ , عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا يَحِلُّ لاِمْرَأَةٍ, تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ, تَحِدُّ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلَاثٍ, إِلاَّ عَلَى زَوْجٍ, فَإِنَّهَا تَحِدُّ عَلَيْهِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا»). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا غير مرّة. و"عبد الوهاب": هو ابن عبد المجيد الثقفيّ البصريّ. و"يحيى بن سعيد": هو الأنصاريّ المذكور في السند الماضي. [تنبيه]: سقط سهوًا من نسخ "المجتبى" التي بين يديّ ذكر "يحيى بن سعيد" بين عبد الوهّاب، ونافع، وقد ثبت في "الكبرى" ٣/ ٣٨٤ رقم (٥٦٩٦) وهو الصواب، وهو الذي في "تحفة الأشراف" ١١/ ٢٩٢. فليُتنبّه. واللَّه تعالى أعلم. و"نافع": هو مولى ابن عمر المدنيّ الفقيه. و"صفيّة بنت أبي عبيد": هي زوج ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما -، تابعيّة مدنيّة ثقة [٢] ٦٠/ ١٧٦٥. و"حفصة بنت عمر": هي أم المؤمنين - رضي اللَّه تعالى عنهما -، تقدّمت في ٣٩/ ٥٨٣. والحديث أخرجه مسلم، وتقدّم الكلام عليه قريبًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٥٣١ - (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الصَّبَّاحِ, قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَوَاءٍ, قَالَ: أَنْبَأَنَا سَعِيدٌ, عَنْ أَيُّوبَ, عَنْ نَافِعٍ, عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ أَبِي عُبَيْدٍ, عَنْ بَعْضِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ , وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ, أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «لَا يَحِلُّ لاِمْرَأَةٍ, تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ, تَحِدُّ عَلَى مَيِّتٍ, أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ, إِلاَّ عَلَى زَوْجٍ, فَإِنَّهَا تَحِدُّ عَلَيْهِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا»). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا غير

стр. 14703

مرّة، وهو مسلسلٌ بالبصريين إلى أيوب. و"سعيد": هو ابن أبي عَرُوبة. و"أيوب": هو السختيانيّ. وقوله: "وعن أم سلمة" هكذا بالعطف في رواية محمد بن سواء، وفي رواية السهميّ التالية "وهي أم سلمة"، وهكذا قال الحافظ المزّيّ -رحمه اللَّه تعالى- في "تحفة الأشراف" -١٣/ ٦٠ - . وفي رواية مسلم من طريق الليث، عن نافع: عن صفيّة بنت أبي عبيد، عن حفصة، أو عن عائشة، أو كلتيهما. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا يدلّ على أن صفيّة بنت أبي عبيد تروي هذا الحديث عن حفصة، كما في الرواية الماضية، وعن أم سلمة، كما في هذه الرواية، وعلى هذا فبعض أزواج النبيّ ﷺ في هذه الرواية هي حفصة، ويحتمل أن تكون عائشة - رضي اللَّه تعالى - عنهنّ -. والحديث صحيح، وهو من أفراد المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، أخرجه هنا- ٥٥/ ٣٥٣١ و ٣٥٣٢ - وفي "الكبرى" ٥٤/ ٥٦٩٧ و ٥٦٩٨. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٥٣٢ - (أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ, قَالَ: حَدَّثَنَا السَّهْمِيُّ -يَعْنِي عَبْدَ اللَّهِ بْنَ بَكْرٍ- قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدٌ, عَنْ أَيُّوبَ, عَنْ نَافِعٍ, عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ أَبِي عُبَيْدٍ, عَنْ بَعْضِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ , وَهِيَ أُمُّ سَلَمَةَ, عَنِ النَّبِيِّ ﷺ , نَحْوَهُ). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "محمد بن إبراهيم بن إسماعيل": هو المعروف أبوه بابن عليّة. و"عبد اللَّه بن بكر بن حبيب السهميّ" الباهليّ، أبو وهب البصريّ، نزيل بغداد، ثقة حافظٌ [٩]. قال أحمد، وابن معين، والعجليّ: ثقة. وقال ابن معين أيضًا، وأبو حاتم: صالح. وقال ابن سعد: السهميّ بطن من باهلة، وكان ثقة صدوقًا، نزل بغداد على سعيد بن سَلْم، ولم يزل بها حتى مات في المحرّم سنة (٢٠٨) (١). وذكره ابن حبّان في "الثقات". وقال الدارقطنيّ: ثقة مأمون. وقال ابن قانع: ثقة. وقال أبو عمرو الطائي: عَرَضَ سوّار على عبد اللَّه بن بكر قضاء الأُبُلّة، فأبى. روى له الجماعة، وله عند المصنّف حديثان فقط: حديث الباب، وحديث - ١/ ٤٠١٠ - "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا … ".

стр. 14704

والحديث صحيح، كما سبق بيانه في الذي قبله. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ٥٦ - (بَابُ عِدَّةِ الْحَامِلِ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا) ٣٥٣٣ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ, وَالْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ, قِرَاءَةً عَلَيْهِ, وَأَنَا أَسْمَعُ, وَاللَّفْظُ لِمُحَمَّدٍ, قَالَا: أَنْبَأَنَا ابْنُ الْقَاسِمِ, عَنْ مَالِكٍ, عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ, عَنْ أَبِيهِ, عَنِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ, أَنَّ سُبَيْعَةَ الأَسْلَمِيَّةَ, نُفِسَتْ بَعْدَ وَفَاةِ زَوْجِهَا بِلَيَالٍ, فَجَاءَتْ رَسُولَ اللهِ ﷺ , فَاسْتَأْذَنَتْ أَنْ تَنْكِحَ, فَأَذِنَ لَهَا, فَنَكَحَتْ). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (محمد بن سلمة) بن أبي فاطمة المراديّ الْجَمَليّ، أبو الحارث المصريّ، ثقة ثبت [١١] ١٩/ ٢٠. ٢ - (الحارث بن مسكين) بن محمد الأمويّ مولاهم، أبو عمرو المصريّ القاضي، ثقة فقيه [١٠] ٩/ ٩. ٣ - (ابن القاسم) هو عبد الرحمن الْعُتَقيّ، أبو عبد اللَّه المصريّ، صاحب مالك، ثقة فقيه، من كبار [١٠] ١٩/ ٢٠. ٤ - (مالك) بن أنس الأصبحيّ، أبو عبد اللَّه المدنيّ الإمام الحجة الفقيه [٧] ٧/ ٧. ٥ - (هشام بن عروة) بن الزبير الأسديّ، أبو المنذر المدنيّ، ثقة فقيه، ربما دلس [٥] ٤٩/ ٦١. ٦ - (أبوه) عروة بن الزبير بن العوّام الأسديّ، أبو عبد اللَّه المدنيّ، ثقة ثبت فقيه [٣] ٤٠/ ٤٤. ٧ - (المسور بن مخرمة) بن نوفل بن أُهيب بن عبدمناف بن زُهرة الزهريّ، أبو عبد الرحمن الصحابيّ ابن الصحابيّ - رضي اللَّه تعالى عنهما -، مات سنة (٦٤)، وتقدّم في ٣٧/ ٩٣٦. واللَّه تعالى أعلم.

стр. 14705

لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه الحارث، فقد تفرّد به هو وأبو داود. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين من مالك، ومن قبله مصريون. (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه، عن خالته، وتابعي عن تابعيّ. (ومنها): أن فيه عروة من الفقهاء السبعة، وعائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - من المكثرين السبعة، وقد تقدّم كلّ هذا غير مرّة وإنما أعتدته تذكيرًا لطول العهد به. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ) - رضي اللَّه تعالى عنهما - (أَنَّ سُبَيْعَةَ) -بمهملة، وموحّدة، ثم مهملة، تصغير سبع- بنت الحارث (الْأَسْلَمِيَّةَ) نسبة إلى بني أسلم، ذكرها ابن سعد في المهاجرات. ووقع في رواية لابن إسحاق عند أحمد "سبيعة بنت أبي برزة الأسلميّ"، فإن كان محفوظًا، فهو أبو برزة اخر غير الصحابيّ المشهور، وهو إما كنية للحارث، والد سبيعة، أو نُسبت في الرواية المذكورة إلى جدّ لها. قاله في "الفتح" (نُفِسَتْ) بالبناء للمفعول، أو للفاعل. قال الفيّوميّ: نُفست المرأة بالبناء للمفعول، فهي نُفساء، والجمع نِفَاس بالكسر، ومثله عُشَراء وعِشَار، وبعض العرب يقول: نَفِسَت تَنْفَسُ، من باب تَعِبَ، فهي نافسٌ، مثلُ حائض، والولد منفوسٌ، والنفاس بالكسر أيضًا اسمٌ من ذلك. ونَفِست تَنْفَسُ، من باب تعِبَ: حاضت. ونُقل عن الأصمعيّ: نُفست بالبناء للمفعول أيضًا، وليس بمشهور في الكتب في الحيض، ولا يقال في الحيض: نُفِست بالبناء للمفعول. من النفس، وهو الدم انتهى (بَعْدَ وَفَاةِ زَوْجِهَا) سيأتي في الرواية الآتية -٣٣٥٤٥ - أنه سعد بن خولة، وهو من بني عامر بن لؤيّ، وكان ممن شهد بدرًا، فتوفّي في حجة الوداع. وفي "الإصابة": سعد بن خولة القرشيّ العامريّ، من بني مالك بن حِسْل بن عامر بن لُؤيّ. وقيل: من حلفائهم. وقيل: من مواليهم. قال ابن هشام: هو فارسيّ من اليمن، حالف بني عامر، ذكره موسى بن عُقبة، وابن إسحاق، وغيرهما في البدريين، وله ذكر في "الصحيحين" من حديث سعد بن أبي وقّاص ﵁، حيث مرض بمكة، فقال النبيّ ﷺ : "لكن البائس سعد بن خولة، يرثي له رسول اللَّه ﷺ أن مات بمكة انتهى (١) (بِلَيَالٍ) كذا أَبَهم المدةَ في هذه الرواية" وفي رواية "بأيام"، وفي رواية: "بيسير"، وفي رواية: "بثلاثة وعشرين، أو خمسة وعشرين ليلة"، وفي
следующие страницы →