← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 12888

ذخيرة العقبى في شرح المجتبى

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (19 271 стр.). Показаны 14701–14740 · переход к 14706.

стр. 14701

غير مرّة. و"خالد": هو ابن الحارث الهجيميّ. وقوله: "في شر أحلاسها" -بفتح الهمزة، جمع حِلِس -بكسر الحاء المهملة، وسكون اللام-: هي كساء تُجعل على ظهر البعير. أي شرّ ثيابها، مأخوذ من حِلْسِ البعير. وقوله: "فلا أربعة أشهر وعشرًا" بتقدير همزة الاستفهام، وقد صُرّح بها في رواية مسلم، أي أفلا تصبر في الإسلام أربعة أشهر وعشرًا، قاله؛ إنكارًا لطلب التخفيف الزائد، فقد خفّف اللَّه تعالى برحمته عما كان عليه الجاهليّة، بحول، ثم خفّف بعد ذلك إلى أربعة أشعر وعشر، فهل بعد هذا التخفيف يُطلب تخفيف؟. والحديث متّفقٌ عليه، وسيأتي شرحه مستوفًى في ٦٣/ ٣٥٦٠ - "ترك الزينة للحادّة المسلمة الخ"، إن شاء اللَّه تعالى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٥٢٩ - (أَخْبَرَنِي إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ, قَالَ: أَنْبَأَنَا جَرِيرٌ, عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدِ بْنِ قَيْسِ بْنِ قَهْدٍ الأَنْصَارِيِّ, وَجَدُّهُ قَدْ أَدْرَكَ النَّبِيَّ ﷺ , عَنْ حُمَيْدِ بْنِ نَافِعٍ, عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أُمِّ سَلَمَةَ, عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ, وَأُمِّ حَبِيبَةَ, قَالَتَا: جَاءَتِ امْرَأَةٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ , فَقَالَتْ: إِنَّ ابْنَتِي تُوُفِّيَ عَنْهَا زَوْجُهَا, وَإِنِّي أَخَافُ عَلَى عَيْنِهَا, أَفَأَكْحُلُهَا, فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «قَدْ كَانَتْ إِحْدَاكُنَّ, تَجْلِسُ حَوْلاً, وَإِنَّمَا هِيَ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا, فَإِذَا كَانَ الْحَوْلُ, خَرَجَتْ وَرَمَتْ وَرَاءَهَا بِبَعْرَةٍ»). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وكلهم تقدّموا غير مرّة. و"إسحاق بن إبراهيم": هو ابن راهويه. و"جريرٌ": هو ابن عبد الحميد. وقوله: "وجدّه قد أدرك النبيّ ﷺ " يعني أن جدّ يحيى بن سعيد صحابيّ، وهو قيس ابن قهد -بقاف مفتوحة، فهاء ساكنة، آخره دال مهملة- وهذا الذي قاله المصنّف - رحمه اللَّه تعالى -، قاله أيضًا مصعب الزبيريّ، لكن غلّطه ابن خيثمة في ذلك، وقال: هما اثنان. وقال ابن حبّان: قيس بن عمرو هو قيس بن قهد، وقهد لقب عمرو. قال الحافظ: وكأنه أخذه من قول البخاريّ: قيس بن عمرو جدّ يحيى بن سعيد، له صحبة، قال: وقال بعضهم: قيس بن قَهْد. وقال أبو نُعيم في "الصحابة": قيس بن عمرو بن قهد بن ثعلبة، ثم قال: وقيل: قيس بن سهل. ذكره في "تهذيب التهذيب" ٣/ ٤٥١. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الذي يظهر لي أن ما قاله ابن حبّان يجمع بين الاختلاف، ويؤيّده كلام البخاريّ. وأما ابن خيثمة فلا أرى لتغليطه مصعبًا الزبيريّ

стр. 14702

وجهًا، حيث لم يذكر مستنده في ذلك. واللَّه تعالى أعلم. وقوله: "أفكحلها" -بضمّ الحاء المهملة، وفتحها- قال الفيّوميّ: كَحَلتُ الرجلَ كَحْلاً، من باب قتل -وزاد في "القاموس" من باب مَنَعَ-: جعلتُ الكُحلَ في عينه، فالفاعل كاحل، وكَحّالٌ، والمفعول مكحولٌ، وبه سمّي الرجل، والأصل كحَلتُ عين الرجل، فحُذف المضاف، وأُقيم المضاف إليه مقامه لفهم المعنى، ولهذا يقال: عينٌ كحيلٌ، فعيلٌ بمعنى مفعولِ، واكتحلتُ فعلت ذلك بنفسي، وتكحّلتُ كذلك انتهى. وقوله: "أربعة أشهر وعشرًا" منصوب على الظرفية، كما تقدّم قريبًا. والحديث متّفقٌ عليه، وقد سبق الكلام عليه في الذي قبله. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٥٣٠ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ,, قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ, قَالَ: سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ, يَقُولُ: سَمِعْتُ نَافِعًا, يَقُولُ عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ أَبِي عُبَيْدٍ, أَنَّهَا سَمِعَتْ حَفْصَةَ بِنْتَ عُمَرَ, زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ , عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا يَحِلُّ لاِمْرَأَةٍ, تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ, تَحِدُّ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلَاثٍ, إِلاَّ عَلَى زَوْجٍ, فَإِنَّهَا تَحِدُّ عَلَيْهِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا»). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا غير مرّة. و"عبد الوهاب": هو ابن عبد المجيد الثقفيّ البصريّ. و"يحيى بن سعيد": هو الأنصاريّ المذكور في السند الماضي. [تنبيه]: سقط سهوًا من نسخ "المجتبى" التي بين يديّ ذكر "يحيى بن سعيد" بين عبد الوهّاب، ونافع، وقد ثبت في "الكبرى" ٣/ ٣٨٤ رقم (٥٦٩٦) وهو الصواب، وهو الذي في "تحفة الأشراف" ١١/ ٢٩٢. فليُتنبّه. واللَّه تعالى أعلم. و"نافع": هو مولى ابن عمر المدنيّ الفقيه. و"صفيّة بنت أبي عبيد": هي زوج ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما -، تابعيّة مدنيّة ثقة [٢] ٦٠/ ١٧٦٥. و"حفصة بنت عمر": هي أم المؤمنين - رضي اللَّه تعالى عنهما -، تقدّمت في ٣٩/ ٥٨٣. والحديث أخرجه مسلم، وتقدّم الكلام عليه قريبًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٥٣١ - (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الصَّبَّاحِ, قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَوَاءٍ, قَالَ: أَنْبَأَنَا سَعِيدٌ, عَنْ أَيُّوبَ, عَنْ نَافِعٍ, عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ أَبِي عُبَيْدٍ, عَنْ بَعْضِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ , وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ, أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «لَا يَحِلُّ لاِمْرَأَةٍ, تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ, تَحِدُّ عَلَى مَيِّتٍ, أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ, إِلاَّ عَلَى زَوْجٍ, فَإِنَّهَا تَحِدُّ عَلَيْهِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا»). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا غير

стр. 14703

مرّة، وهو مسلسلٌ بالبصريين إلى أيوب. و"سعيد": هو ابن أبي عَرُوبة. و"أيوب": هو السختيانيّ. وقوله: "وعن أم سلمة" هكذا بالعطف في رواية محمد بن سواء، وفي رواية السهميّ التالية "وهي أم سلمة"، وهكذا قال الحافظ المزّيّ -رحمه اللَّه تعالى- في "تحفة الأشراف" -١٣/ ٦٠ - . وفي رواية مسلم من طريق الليث، عن نافع: عن صفيّة بنت أبي عبيد، عن حفصة، أو عن عائشة، أو كلتيهما. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا يدلّ على أن صفيّة بنت أبي عبيد تروي هذا الحديث عن حفصة، كما في الرواية الماضية، وعن أم سلمة، كما في هذه الرواية، وعلى هذا فبعض أزواج النبيّ ﷺ في هذه الرواية هي حفصة، ويحتمل أن تكون عائشة - رضي اللَّه تعالى - عنهنّ -. والحديث صحيح، وهو من أفراد المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، أخرجه هنا- ٥٥/ ٣٥٣١ و ٣٥٣٢ - وفي "الكبرى" ٥٤/ ٥٦٩٧ و ٥٦٩٨. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٥٣٢ - (أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ, قَالَ: حَدَّثَنَا السَّهْمِيُّ -يَعْنِي عَبْدَ اللَّهِ بْنَ بَكْرٍ- قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدٌ, عَنْ أَيُّوبَ, عَنْ نَافِعٍ, عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ أَبِي عُبَيْدٍ, عَنْ بَعْضِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ , وَهِيَ أُمُّ سَلَمَةَ, عَنِ النَّبِيِّ ﷺ , نَحْوَهُ). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "محمد بن إبراهيم بن إسماعيل": هو المعروف أبوه بابن عليّة. و"عبد اللَّه بن بكر بن حبيب السهميّ" الباهليّ، أبو وهب البصريّ، نزيل بغداد، ثقة حافظٌ [٩]. قال أحمد، وابن معين، والعجليّ: ثقة. وقال ابن معين أيضًا، وأبو حاتم: صالح. وقال ابن سعد: السهميّ بطن من باهلة، وكان ثقة صدوقًا، نزل بغداد على سعيد بن سَلْم، ولم يزل بها حتى مات في المحرّم سنة (٢٠٨) (١). وذكره ابن حبّان في "الثقات". وقال الدارقطنيّ: ثقة مأمون. وقال ابن قانع: ثقة. وقال أبو عمرو الطائي: عَرَضَ سوّار على عبد اللَّه بن بكر قضاء الأُبُلّة، فأبى. روى له الجماعة، وله عند المصنّف حديثان فقط: حديث الباب، وحديث - ١/ ٤٠١٠ - "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا … ".

стр. 14704

والحديث صحيح، كما سبق بيانه في الذي قبله. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ٥٦ - (بَابُ عِدَّةِ الْحَامِلِ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا) ٣٥٣٣ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ, وَالْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ, قِرَاءَةً عَلَيْهِ, وَأَنَا أَسْمَعُ, وَاللَّفْظُ لِمُحَمَّدٍ, قَالَا: أَنْبَأَنَا ابْنُ الْقَاسِمِ, عَنْ مَالِكٍ, عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ, عَنْ أَبِيهِ, عَنِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ, أَنَّ سُبَيْعَةَ الأَسْلَمِيَّةَ, نُفِسَتْ بَعْدَ وَفَاةِ زَوْجِهَا بِلَيَالٍ, فَجَاءَتْ رَسُولَ اللهِ ﷺ , فَاسْتَأْذَنَتْ أَنْ تَنْكِحَ, فَأَذِنَ لَهَا, فَنَكَحَتْ). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (محمد بن سلمة) بن أبي فاطمة المراديّ الْجَمَليّ، أبو الحارث المصريّ، ثقة ثبت [١١] ١٩/ ٢٠. ٢ - (الحارث بن مسكين) بن محمد الأمويّ مولاهم، أبو عمرو المصريّ القاضي، ثقة فقيه [١٠] ٩/ ٩. ٣ - (ابن القاسم) هو عبد الرحمن الْعُتَقيّ، أبو عبد اللَّه المصريّ، صاحب مالك، ثقة فقيه، من كبار [١٠] ١٩/ ٢٠. ٤ - (مالك) بن أنس الأصبحيّ، أبو عبد اللَّه المدنيّ الإمام الحجة الفقيه [٧] ٧/ ٧. ٥ - (هشام بن عروة) بن الزبير الأسديّ، أبو المنذر المدنيّ، ثقة فقيه، ربما دلس [٥] ٤٩/ ٦١. ٦ - (أبوه) عروة بن الزبير بن العوّام الأسديّ، أبو عبد اللَّه المدنيّ، ثقة ثبت فقيه [٣] ٤٠/ ٤٤. ٧ - (المسور بن مخرمة) بن نوفل بن أُهيب بن عبدمناف بن زُهرة الزهريّ، أبو عبد الرحمن الصحابيّ ابن الصحابيّ - رضي اللَّه تعالى عنهما -، مات سنة (٦٤)، وتقدّم في ٣٧/ ٩٣٦. واللَّه تعالى أعلم.

стр. 14705

لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه الحارث، فقد تفرّد به هو وأبو داود. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين من مالك، ومن قبله مصريون. (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه، عن خالته، وتابعي عن تابعيّ. (ومنها): أن فيه عروة من الفقهاء السبعة، وعائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - من المكثرين السبعة، وقد تقدّم كلّ هذا غير مرّة وإنما أعتدته تذكيرًا لطول العهد به. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ) - رضي اللَّه تعالى عنهما - (أَنَّ سُبَيْعَةَ) -بمهملة، وموحّدة، ثم مهملة، تصغير سبع- بنت الحارث (الْأَسْلَمِيَّةَ) نسبة إلى بني أسلم، ذكرها ابن سعد في المهاجرات. ووقع في رواية لابن إسحاق عند أحمد "سبيعة بنت أبي برزة الأسلميّ"، فإن كان محفوظًا، فهو أبو برزة اخر غير الصحابيّ المشهور، وهو إما كنية للحارث، والد سبيعة، أو نُسبت في الرواية المذكورة إلى جدّ لها. قاله في "الفتح" (نُفِسَتْ) بالبناء للمفعول، أو للفاعل. قال الفيّوميّ: نُفست المرأة بالبناء للمفعول، فهي نُفساء، والجمع نِفَاس بالكسر، ومثله عُشَراء وعِشَار، وبعض العرب يقول: نَفِسَت تَنْفَسُ، من باب تَعِبَ، فهي نافسٌ، مثلُ حائض، والولد منفوسٌ، والنفاس بالكسر أيضًا اسمٌ من ذلك. ونَفِست تَنْفَسُ، من باب تعِبَ: حاضت. ونُقل عن الأصمعيّ: نُفست بالبناء للمفعول أيضًا، وليس بمشهور في الكتب في الحيض، ولا يقال في الحيض: نُفِست بالبناء للمفعول. من النفس، وهو الدم انتهى (بَعْدَ وَفَاةِ زَوْجِهَا) سيأتي في الرواية الآتية -٣٣٥٤٥ - أنه سعد بن خولة، وهو من بني عامر بن لؤيّ، وكان ممن شهد بدرًا، فتوفّي في حجة الوداع. وفي "الإصابة": سعد بن خولة القرشيّ العامريّ، من بني مالك بن حِسْل بن عامر بن لُؤيّ. وقيل: من حلفائهم. وقيل: من مواليهم. قال ابن هشام: هو فارسيّ من اليمن، حالف بني عامر، ذكره موسى بن عُقبة، وابن إسحاق، وغيرهما في البدريين، وله ذكر في "الصحيحين" من حديث سعد بن أبي وقّاص ﵁، حيث مرض بمكة، فقال النبيّ ﷺ : "لكن البائس سعد بن خولة، يرثي له رسول اللَّه ﷺ أن مات بمكة انتهى (١) (بِلَيَالٍ) كذا أَبَهم المدةَ في هذه الرواية" وفي رواية "بأيام"، وفي رواية: "بيسير"، وفي رواية: "بثلاثة وعشرين، أو خمسة وعشرين ليلة"، وفي

стр. 14706

رواية: "بخمسة عشر، نصف شهر"، وفي رواية: "بعشرين ليلة"، وفي رواية: "لأدنى من أربعة أشهر"، وكلها في روايات المصنّف في هذا الباب. وفي رواية عند البخاريّ في "التفسير": "فوضعت بعد موته بأربعين ليلة". قال الحافظ -رحمه اللَّه تعالى-: والجمع بين هذه الروايات متعذّرٌ؛ لاتحاد القصّة، ولعلّ هذا هو السرّ في إبهام من أبهم المدّة، إذ محلّ الخلاف أن تضع لدون أربعة أشهر وعشر، وهو هنا كذلك، فأقلّ ما قيل في هذه الروايات نصف شهر. وأما ما وقع في بعض الشروح أن في البخاريّ رواية "عشر ليال"، وفي رواية للطبرانيّ "ثمان"، أو "سبع"، فهو في مدّة إقامتها بعد الوضع إلى أن استفتت النبيّ ﷺ ، لا في مدّة بقيّة الحمل، وأكثر ما قيل فيه بالتصريح "شهرين"، وبغيره دون أربعة أشهر. انتهى (١). (فَجَاءَتْ رَسُولَ اللهِ ﷺ ) لما تعلّت من نفاسها، وتشوّفت للأزواج، فعيب ذلك عليها، ففي الرواية الآتية من طريق الزهريّ -٣٥٤٥ - : "فلما تعلّت من نفاسها، تجمّلت للخُطاب، فدخل عليها أبو السنابل بن بَعْكَك، رجل من بني عبد الدار، فقال لها: ما لي أراك متجمّلة، لعلك تُريدين النكاح، إنك واللَّه ما أنت بناكح حتى تمرّ عليه أربعة اْشهر وعشر" (فَاسْتَأْذَنَتْ أَنْ تَنْكِحَ) أي طلبت منه ﷺ أن يأذن لها في النكاح (فَأَذِنَ لَهَا، فَنَكَحَتْ) وفي الرواية المذكورة: قالت سبيعة: فلما قال لي ذلك جمعت عليّ ثيابي، حين أمسيت، فأتيت رسول اللَّه ﷺ ، فسألته عن ذلك، فأفتاني بأني قد حَلَلتُ حين وضعت حملي، وأمرني بالتزويج، إن بدالي". واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث المسور بن مخرمة - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا أخرجه البخاريّ. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٥٦/ ٣٥٣٣ و ٣٥٣٤ - وفي "الكبرى" ٥٥/ ٥٦٩٩ و٥٧٠٠. وأخرجه (خ) في "الطلاق" ٥٣٢٠ (ق) في "الطلاق" ٢٠٢٩ (أحمد) في "مسند الكوفيين" ١٨٤٣٨ (الموطأ) في "الطلاق" ١٢٥٢. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده (٢): (منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان عدّة الحامل المتوفّى عنها

стр. 14707

زوجها، وذلك بوضع حملها، وفيه اختلاف بين العلماء سيأتي تحقيقه في المسألة التالية، إن شاء اللَّه تعالى. (ومنها): جواز الإفتاء بحضرة من هو أعلم منه؛ لأن الصحابة ﵁ كانوا يُفتون في حياة النبيّ ﷺ ، ومنهم أبو السنابل بن بعكك ﵁، حيث أفتى سبيعة بأنها لا تحلّ بوضع حملها، بل بأربعة أشهر وعشر. (ومنها): أن المفتي إذا كان له ميلٌ إلى شيء، لا ينبغي له أن يُفتي فيه؛ لئلا يحمله الميل إليه على ترجيح ما هو المرجوح، كما وقع لأبي السنابل، حيث أفتى سُبيعة أنها لا تحلّ بالوضع؛ لكونه خطبها، فمنعته، ورجا أنها إذا قبلت ذلك منه، وانتظرت مضيّ المدّة حضر أهلها، فرغّبوها في زواجه، دون غيره، كما سيأتي في رواية أبي سلمة أنه خطبها رجلان: أحدهما شابّ، والآخر كهل، فحطّت إلى الشابّ، فقال الكهل -هو أبو السنابل-: لم تحلل، وكان أهلها غَيَبًا، فرجا إذا جاء أهلها أن يؤثروه بها". (ومنها): ما كان في سُبيعة - رضي اللَّه تعالى عنها - من الشهامة والفطنة، حيث تردّدت فيما أفتاها به حتى حملها ذلك على استيضاح الحكم من الشارع، وهكذا ينبغي لمن ارتاب في فتوى المفتي، أو حكم الحاكم في مواضع الاجتهاد أن يبحث عن النصّ في تلك المسألة. قال الحافظ -رحمه اللَّه تعالى-: ولعلّ ما وقع من أبي السنابل من ذلك هو السرّ في إطلاق النبيّ ﷺ أنه كَذَبَ في الفتوى المذكورة، كما أخرجه أحمد من حديث ابن مسعود ﵁، على أن الخطأ قد يُطلق عليه الكذب، وهو في كلام أهل الحجاز كثير. وحمله بعض العلماء على ظاهره، فقال: إنما كذّبه؛ لأنه كان عالمًا بالقصّة، وأفتى بخلافه، حكاه ابن داود عن الشافعيّ في "شرح المختصر"، وهو بعيد. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الذي قاله هذا البعض من زلّة الأقلام، بل من الخطأ الفادح، فلا ينبغي أن نقول: إن هذا الصحابيّ مع علمه بحكم اللَّه تعالى أفتى بخلافه؛ لأجل أن ينال شهوته، حاشا للَّه، ثم حاشا للَّه، فالواجب علينا أن نؤول مثل هذا بما لا يتعارض مع منصب الصحبة، فنقول: إن الكذب معناه هنا الخطأ، أي أخطأ في هذه الفتوى، لظنه الحكم كذلك، فليُتنبّه. واللَّه الهادي إلى سواء السبيل. (ومنها): أن فيه الرجوع في الوقائع إلى الأعلم. (ومنها): مباشرة المرأة بنفسها السؤال عفا ينزل بها، ولو كان مما تَستحي النساء من مثله، لكن خروجها من منزلها ليلاً يكون أستر لها، كما فعلت سُبيعة. (ومنها): أن الحامل تنقضي عدّتها بالوضع على أيّ صفة كان، من مضغة، أو علقة، سواء استبان خلق الآدميّ، أم لا؛ لأنه ﷺ رتّب الحلّ على الوضع من غير تفصيل. وتوقّف ابن دقيق العيد فيه من جهة أن الغالب في إطلاق

стр. 14708

وضع الحامل هو الحمل التامّ المتخلّق، وأما خروج المضغة، أو العلقة، فهو نادرٌ، والحمل على الغالب أقوى، ولهذا نُقل عن الشافعيّ قولٌ بأن العدّة لا تنقضي بوضع قطعة لحم، ليس فيها صورةٌ بيّنة، ولا خفيّة. وأجيب عن الجمهور بأن المقصود في انقضاء العدّة براءة الرحم، وهو حاصلٌ بخروج المضغة، أو العلّقَة، بخلاف أم الولد، فإن المقصود منها الولادة، وما لا يصدق عليه أنه أصل آدميّ، لا يُقال فيه: ولدت. وسيأتي مزيد بسط في هذا في المسألة الخامسة، إن شاء اللَّه تعالى. (ومنها): جواز تجمّل المرأة بعد انقضاء عدّتها لمن يخطبها؛ لأن في رواية الزهريّ الآتية: "فقال: ما لي أراك متجمّلةً"، وفي رواية ابن إسحاق: "فتهيّأت للنكاح، واختضبت"، وفي رواية معمر، عن الزهريّ، عند أحمد: "فلقيها أبو السنابل، وقد اكتحلت"، وفي رواية الأسود: "فتطيّبت، وتصنّعت". (ومنها): أنه استُدلّ به على أن المرأة لا يجب عليها التزويج؛ لقولها في الخبر من طريق الزهريّ: "وأمرني بالتزويج إن بدالي". (ومنها): أن الثيّب لا تزوّج إلا برضاها من ترضاه، ولا إجبار لأحد عليها، وقد تقدّم بيانه في بابه. (ومنها): أنه استُدلّ بقولها في رواية ابن شهاب الآتية: "فأفتاني بأني حللت حين وضعت حملي" على أنه يجوز العقد عليها إذا وضعت، ولو لم تطهر من دم النفاس. وبه قال الجمهور، وإلى ذلك أشار ابن شهاب في آخر حديثه عند مسلم بقوله: "ولا أرى بأسًا أن تتزوّج حين وضعت، وإن كانت في دمها، غير أنه لا يقربها زوجها حتى تطهر". وقال الشعبيّ، والحسن، والنخعيّ، وحماد بن سلمة: لا تنكح حتى تطهر. قال القرطبيّ: وحديث سبيعة حجة عليهم، ولا حجة لهم في قوله في بعض طرقه: "فلما تعلّت من نفاسها"؛ لأن "تعلّت" وإن كان أصله طهرت من دم نفاسها، على ما حكاه الخليل، فيحتمل أن يكون المراد به هنا تعلّت من آلام نفاسها، أي استقلّت من أوجاعها، وتغييراته. ولو سُلّم أن معناه ما قاله الخليل، فلا حجة فيه أيضًا؛ لأنها حكاية واقعة سُبيعة، وإنما الحجة في قوله ﷺ : "إنها حلّتْ حين وضعتْ"، كما في حديث ابن شهاب المشار إليه سابقًا. وفي رواية معمر، عن الزهريّ: "حللتِ حين وضعتِ حملك"، وكذا أخرجه أحمد من حديث أُبيّ بن كعب ﵁: "أن امرأته أم الطفيل قالت لعمر ﵁ قد أمر رسول اللَّه ﷺ سبيعة أن تنكح إذا وضعت". وهو ظاهر القرآن في قوله تعالى: ﴿أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾، فعلّق الحلّ بحين الوضع، وقصره

стр. 14709

عليه، ولم يقل: إذا طهرت، ولا إذا انقطع دمك، فصحّ ما قاله الجمهور. انتهى كلام القرطبيّ، وهو تحقيق حسن جدًّا (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في عدّة الحامل المتوفّى عنها زوجها: ذهب جمهور العلماء من السلف، وأئمة الفتوى في الأمصار إلى أن الحامل إذا مات عنها زوجها تحلّ بوضع الحمل، وتنقضي عدّة الوفاة. وخالف في ذلك عليّ ﵁، فقال: تعتدّ آخر الأجلين. ومعناه أنها إن وضعت قبل مضيّ أربعة أشهر وعشر، تربّصت إلى انقضائها, ولا تحلّ بمجرّد الوضع، وإن انقضت المدّة قبل الوضع، تربّصت إلى الوضع. أخرجه سعيد بن منصور، وعبد بن حُميد، عن عليّ ﵁ بسند صحيح. وبه قال ابن عبّاس - رضي اللَّه تعالى عنهما -، كما في قصّته مع أبي هريرة ﵁ الآتية في هذا الباب، ويقال: إنه رجع عنه، ويقوّيه أن المنقول عن أتباعه وفاق الجماعة في ذلك. وسيأتي في الرواية الآتية -٣٥٤٤ - أن عبد الرحمن بن أبي ليلى أنكر على ابن سيرين القول بانقضاء عدّتها بالوضع، وأنكر أن يكون ابن مسعود قال بذلك، وقد ثبت عن ابن مسعود ﵁ من عدّة طرق أنه كان يوافق الجماعة، حتى كان يقول: "من شاء لاعنته على ذلك". ويظهر من مجموع الروايات في قصّة سبيعة أن أبا السنابل رجع عن فتواه أوّلاً أنها لا تحلّ حتى تمضي مدّة عدّة الوفاة؛ لأنه قد روى قصّة سبيعة ورد النبيّ ﷺ ما أفتاها أبو السنابل به من أنها لا تحلّ حتى يمضي أربعة أشهر وعشر، ولم يَرِد عن أبي السنابل تصريح في حكمها لو انقضت المدّة قبل الوضع، هل كان يقول بظاهر إطلاقه من انقضاء العدّة، أو لا؟، لكن نقل غير واحد الإجماع على أنها لا تنقضي في هذه الحالة الثانية حتى تضع. وقد وافق سحنون من المالكيّة عليًّا ﵁، نقله المازريّ وغيره. وهو شذوذ مردود؛ لأنه إحداث خلاف بعد استقرار الإجماع. والسبب الحامل له الحرص على العمل بالآيتين اللتين تعارض عمومهما، فقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ عامّ في كلّ من مات عنها زوجها، يشمل الحامل وغيرها، وقوله تعالى: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ عامّ أيضًا، يشمل المطلّقة، والمتوفّى عنها، فجمع أؤلئك بين العمومين بقصر الثانية على المطلّقة، بقرينة ذكر عدد المطلّقات، كالآيسة، والصغيرة

стр. 14710

قبلهما، ثم لم يمهلوا ما تناولته الآية الثانية من العموم، لكن قصروه على من مضت عليها المدّة، ولم تضع، فكان تخصيص بعض العموم أولى، وأقرب إلى العمل بمقتضى الآيتين من إلغاء أحدهما في حقّ بعض من شمله العموم. قال القرطبيّ: هذا حسنٌ، فإن الجمع أولى من الترجيح باتفاق أهل الأصول. لكن حديث سبيعة نصٌّ بأنها تحلّ بوضع الحمل، فكان فيه بيان للمراد بقوله تعالى: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ أنه في حقّ من لم تضع، وإلى ذلك أشار ابن مسعود ﵁ بقوله: "إن آية الطلاق نزلت بعد آية البقرة". وفهم بعضهم منه أنه يرى نسخ الأولى بالأخيرة، وليس ذلك مراده، وإنما يعني أنها مخصّصة لها، فإنها أخرجت منها بعض متناولاتها. وقال ابن عبد البرّ -رحمه اللَّه تعالى-: لولا حديث سُبيعة لكان القول ما قال عليّ، وابن عبّاس ﵃؛ لأنهما عدّتان مجتمعتان بصفتين، وقد اجتمعتا في الحامل المتوفّى عنها زوجها، فلا تخرج من عدّتها إلا بيقين، واليقين آخر الأجلين انتهى. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قد تبيّن بما ذُكر أن الأرجح هو ما ذهب إليه الجمهور، من العمل بحديث سُبيعة - رضي اللَّه تعالى عنها -، فإذا وضعت الحامل حملها بعد وفاة زوجها، فقد انقضت عدّتها، سواء كان قريبًا من وفاته، ولو لحظة، أو بعيدًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم فيما تنقضي بوضعه العدّة، من الحمل: قال العلامة ابن قدامة -رحمه اللَّه تعالى-: ما ملخّصه: إذا ألقت المرأة بعد فرقة زوجها، أو موته شيئًا لم يخلُ من خمسة أحوال: [أحدها]: أن تضع ما بان فيه خلق الآدميّ، من الرأس، واليد، والرجل، فهذا تنقضي به العدّة بلا خلاف بين العلماء. قال ابن المنذر: أجمع كلّ من نحفظ عنه من أهل العلم على أن عدّة المرأة تنقضي بالسقط، إذا عُلم أنه ولد، وممن نحفظ عنه ذلك: الحسن، وابن سيرين، وشُريح، والشعبيّ، والنخعيّ، والزهريّ، والثوريّ، وأبو حنيفة، ومالكٌ، والشافعيّ، وأحمد، وإسحاق. قال: وذلك لأنه إذا بان فيه شيء من خلق الآدميّ عُلم أنه حملٌ، فيدخل تحت قوله تعالى: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾. [الحال الثاني]: أن تلقي نطفة، أو دمًا، لا تدري، هل هو ما يُخلق منه الآدميّ، أو لا؟، فهذا لا يتعلّق به شيء من الأحكام؛ لأنه لم يثبت أنه ولدٌ، لا بالمشاهدة، ولا بالبيّنة. [الحال الثالث]: أن تلقي مضغة، لم تَبِن فيها الخلقة، فشهدت ثقاتٌ من القوابل أن

стр. 14711

فيه صورة خفيّةً، بأن بها خلقة آدميّ، فهذا في حكم الحال الأول؛ لأنه قد تبيّن بشهادة أهل المعرفة أنه ولد. [الحال الرابع]: أن تُلقي مضغة، لا صورة فيها، فشهد ثقات من القوابل أنه مبتدأ خلق آدميّ، فاختلف عن أحمد، فنقل أبو طالب أنه عدّتها لا تنقضي، ولا تصير به أم ولد؛ لأنه لم يبن فيه خلق آدميّ، فأشبه الدم. وقد ذُكر هذا قولاً للشافعيّ. ونقل الأثرم عنه أن عدتها لا تنقضي به، ولكن تصير أم ولد؛ لأنه مشكوك في كونه ولدًا، فلا تنقضي عدتها، ويثبت كونها أم ولد؛ احتياطًا في كلّ منهما. [الحال الخامس]: أن تضع مضغة لا صورة فيها، ولم تشهد القوابل بأنها مبتدأ خلق آدميّ، فهذا لا تنقضي به عدّة، ولا تصير به أم ولد؛ لأنه لم يثبت كونه ولدًا ببيّنة، ولا مشاهدة، فأشبه العلقة. ولا تنقضي العدّة بوضع ما قبل المضغة بحال، سواء كان نطفة، أو علقة، وسواء قيل: مبتدأ خلق آدميّ، أو لم يُقل. ولا نعلم في هذا مخالفًا إلا الحسن، فإنه قال: إذا علم أنه حمل انقضت به العدّة، وفيه الغُرّة. والأول الأصحّ، وعليه الجمهور. وأقلّ ما تنقضي به العدّة من الحمل أن تضعه بعد ثمانين يومًا منذ أمكنه وطؤها؛ لأن النبيّ ﷺ قال: "إن خلق أحدكم ليُجمَع في بطن أمه، فيكون نطفة أربعين يومًا، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك … " الحديث متّفقٌ عليه. ولا تنقضي العدّة بما دون المضغة، فوجب أن تكون بعد الثمانين، فأما ما بعد الأربعة أشهر، فليس فيه إشكال؛ لأنه يُنكّس في الخلق الرابع. انتهى كلام ابن قدامة بتصرّف واختصار وهو تفصيل حسن جدًّا (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٥٣٤ - (أَخْبَرَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ نَصْرٍ, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دَاوُدَ, عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ, عَنْ أَبِيهِ, عَنِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ, أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ , أَمَرَ سُبَيْعَةَ, أَنْ تَنْكِحَ, إِذَا تَعَلَّتْ مِنْ نِفَاسِهَا). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، وتقدّموا غير مرّة. و"نصر بن عليّ": هو الجهضمي البصريّ الثقة الثبت، أحد مشايخ الأئمة الستة الذين اتفقوا على الرواية عنهم بدون واسطة، وهم تسعة، وقد تقدّموا غير مرّة. و"عبد اللَّه بن داود": هو أبو عبد الرحمن الْخُرَيبيّ، كوفيّ الأصل الثقة العابد. وقوله: "إذا تعلّت" -بتشديد اللام- من تَعلّى: إذا ارتفع، أو برأ، أي إذا ارتفعت، وطهرت، أو خرجت من نفاسها، وسلمت. والظرف متعلّقٌ بـ "أمر"، لا لاستمرار العدّة

стр. 14712

إلى وقت الخروج من النفاس، بل بناء على أنها استفتت في هذا الوقت، أو متعلّق بـ "تنكح"، والتقييد به، لا لاستمرار العدّة إلى وقت الخروج من النفاس، بل لأن العادة أن النكاح يؤخّر إلى وقت الخروج من النفاس. قاله السنديّ. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قد تقدّم لك قريبًا أن عدم جواز النكاح ما دامت في نفاسها قال به جماعة، ولكن الجمهور على الجواز، وهو الحقّ. والحديث أخرجه البخاريّ، كما سبق بيانه في الذي قبله. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٥٣٥ - (أَخْبَرَنِي (١) مُحَمَّدُ بْنُ قُدَامَةَ, قَالَ: أَخْبَرَنِي جَرِيرٌ, عَنْ مَنْصُورٍ, عَنْ إِبْرَاهِيمَ, عَنِ الأَسْوَدِ, عَنْ أَبِي السَّنَابِلِ, قَالَ: وَضَعَتْ سُبَيْعَةُ حَمْلَهَا, بَعْدَ وَفَاةِ زَوْجِهَا بِثَلَاثَةٍ وَعِشْرِينَ, أَوْ خَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ لَيْلَةً, فَلَمَّا تَعَلَّتْ, تَشَوَّفَتْ لِلأَزْوَاجِ, فَعِيبَ ذَلِكَ عَلَيْهَا, فَذُكِرَ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ , فَقَالَ: «مَا يَمْنَعُهَا, قَدِ انْقَضَى أَجَلُهَا»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (محمد بن قُدَامة) بن أعين الهاشميّ مولاهم، المصّيصيّ، ثقة [١٠] ١٣٧/ ٢١٤. ٢ - (جرير) بن عبد الحميد بن قُرط الضبيّ الكوفيّ، نزيل الريّ، وقاضيها، ثقة صحيح الكتاب، قيل: كان يَهِم من حفظه في آخره [٨] ٢/ ٢. ٣ - (منصور) بن المعتمر السلميّ، أبو عتّاب الكوفيّ، ثقة ثبت [٦] ٢/ ٢. ٤ - (إبراهيم) بن يزيد بن قيس بن الأسود النخعيّ، أبو عمران الكوفيّ، ثقة فقيه، يرسل كثيرًا [٥] ٢٩/ ٣٣. ٥ - (الأسود) بن يزيد النخعيّ، أبو عمرو الكوفيّ، مخضرم ثقة فقيه مكثر [٢] ٢٩/ ٣٣. ٦ - (أبو السنابل) -بمهملة، ونون، ثم موحّدة- جمع سنبلة. اختُلف في اسمه، فقيل: عمرو. قاله ابن البرقيّ، عن ابن هشام، عمن يثق به، عن الزهريّ. وقيل: عامر. روي عن ابن إسحاق. وقيل: حبّة -بموحّدة، بعد المهملة. وقيل: بنون. وقيل: لَبِيدُرَيِّه -بالإضافة-. وقيل: أصرم. وقيل: عبد اللَّه. ووقع في بعض الشروح: وقيل: بغيض. قال الحافظ: وهو غلط، والسبب فيه أن بعض الأئمة سئل عن اسمه، فقال: بغيض يسأل عن بغيض، فظنّ الشارح أنه اسمه، وليس كذلك لأن في بقيّة الخبر اسمه لَبِيدريه. وجزم العسكريّ بأن اسمه كنيته.

стр. 14713

وهو ابن بَعْكَك -بموحّدة، ثم مهملة، ثم كافين، بوزن جعفر- ابن الحارث بن عَمِيلة -بفتح أوله- ابن السبّاق بن عبد الدار القرشيّ العبدريّ. وكذا نسبه ابن إسحاق. وقيل: هو ابن بعكك بن الحجاج بن الحارث بن السبّاق. نقل ذلك عن ابن الكلبيّ ابنُ عبد البرّ، قال: وكان من المؤلّفة، وسكن الكوفة، وكان شاعرًا. ونقل الترمذيّ، عن البخاريّ أنه قال: لا أعلم أن أبا السنابل عاش بعد النبيّ ﷺ . كذا قال، لكن جزم ابن سعد أنه بقي بعد النبيّ ﷺ زمنًا. وقال ابن منده في "الصحابة" عداده في أهل الكوفة، وكذا قال أبو نعيم: إنه سكن الكوفة. وفيه نظر لأن خليفة قال: أقام بمكّة حتى مات، وتبعه ابن عبد البرّ. وقال ابن سعد: هو من مسلمة الفتح. ويؤيّد كونه عاش بعد النبيّ ﷺ قول ابن البرقيّ: إن أبا السنابل تزوّج سبيعة بعد ذلك، وأولدها سنابل بن أبي السنابل، ومقتضى ذلك أن يكون أبو السنابل عاش بعد النبيّ ﷺ ؛ لأنه وقع في رواية عبد ربّه بن سعيد، عن أبي سلمة أنها تزوّجت الشابّ وكذا في رواية داود بن أبي عاصم أنها تزوّجت فتى من قومها، وتقدّم أن قصّتها كانت بعد حجة الوداع، فيحتاج -إن كان الشابّ دخل عليها، ثم طلّقها- إلى زمان الحمل، حتى تضع، وتلد سنابل حتى صار أبوه يكنى به أبا السنابل. وقد أفاد محمد بن وضّاح فيما حكاه ابن بشكوال وغيره عنه أن اسم الشابّ -الذي خطب سُبيعة هو وأبو السنابل، فآثرته على أبي السنابل- أبو البشر بن الحارث، وضبطه بكسر الموحّدة، وسكون المعجمة. وقد أخرج الترمذيّ، والنسائيّ (١) قصّة سُبيعة من رواية الأسود، عن أبي السنابل، بسند على شرط الشيخين إلى الأسود، وهو من كبار التابعين، من أصحاب ابن مسعود، ولم يوسف بالتدليس، فالحديث صحيح على شرط مسلم، لكن البخاريّ على قاعدته في اشتراط ثبوت اللقاء، ولو مرّةً، فلهذا قال ما نقله الترمذيّ. قاله في "الفتح" بزيادة من "الإصابة" (٢). واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله عندهم رجال الصحيح، غير شيخه فقد تفرّد به هو، وأبو داود. (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين، غير شيخه، فإنه مصّيصيّ. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ. واللَّه تعالى أعلم.

стр. 14714

شرح الحديث (عَنْ أَبِي السَّنَابِلِ) بن بَعْكَك - رضي اللَّه تعالى عنه -، أنه (قَالَ: وَضَعَتْ) أي ولدت (سُبَيْعَةُ حَمْلَهَا بَعْدَ وَفَاةِ زَوْجِهَا) سعد بن خولة ﵁ (بثَلَاَثةٍ وَعِشْرِينَ، أَوْ خَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ لَيْلَةً) تقدّم في شرح الحديث الماضي بيان اختلاف الروايات في المدة التي بين وفاته وولادتها (فَلَمَّا تَعَلَّتْ) تقدّم ضبطه ومعناه قريبًا (تَشَوَّفَتْ) بتشديد الواو، بعدها فاء: أي طَمَحَت، واستشرفت. قال الفيّوميّ: تَشَوَّفَت الأوعالُ: إذا علت رءوس الجبال، تنظر السهل، وخلُوّه مما تخافه لتَرِدَ الماء والمرعَى. ومنه قيل: تشوّفَ فلانٌ لكذا: إذا طَمَحَ بصره إليه، ثم استُعمل في تعلّق الآمال، والتطلّب انتهى. ووقع في "الكبرى": "توّقت" بالقاف. (لِلْأَزْوَاجِ) أي للخُطّاب (فَعِيبَ ذَلِكَ عَلَيْهَا) ببناء الفعل للمفعول، والعائب هو أبو السنابل ﵁ (فَذُكِرَ) بالبناء للمفعول، والذاكر هي سبيعة نفسها - رضي اللَّه تعالى عنها -. وفي نسخة: "فذَكَرَت" بالبناء للفاعل، وتاء التأنيث (ذَلِكَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَقَالَ) ﷺ (مَا يَمْنَعُهَا) يحتمل أن تكون "ما" نافية، أي لا يمنعها من التشوّف للأزواج كونها في أيام نفاسها. ويحتمل أن تكون استفهاميّةً، استفهامًا إنكاريًّا، أي أيّ شيء يمنعها من ذلك، أي لا شيء يمنعها (قَدِ اتقَضَى أَجَلُهَا) أي انتهى الوقت الذي تعتدّ فيه عن زوجها. والجملة مستأنفة، استئنافًا بيانيًّا، وهو ما وقع جوابًا عن سؤال مقدّر، فكأن قائلاً قال: لِمَ لا تُمنع من ذلك؟ فأجيب بأنها قد انقضت عدّتها. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث أبي السنابل - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا صحيح. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٥٦/ ٣٥٣٥ - وفي "الكبرى" ٥٥/ ٥٧٠١. وأخرجه (ت) في "الطلاق" ١١٩٣ (ق) في "الطلاق" ٢٠٢٧. (أحمد) في "مسند الكوفيين" ١٨٢٣٨. وبقية مسائل الحديث تقدّمت في الحديث الماضي. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٥٣٦ - (أَخْبَرَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ, قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ, قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ, قَالَ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ رَبِّهِ بْنُ سَعِيدٍ, قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا سَلَمَةَ, يَقُولُ: اخْتَلَفَ أَبُو هُرَيْرَةَ وَابْنُ عَبَّاسٍ, فِي الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا, إِذَا وَضَعَتْ حَمْلَهَا, قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: تُزَوَّجُ, وَقَالَ ابْنُ

стр. 14715

عَبَّاسٍ: أَبْعَدَ الأَجَلَيْنِ, فَبَعَثُوا إِلَى أُمِّ سَلَمَةَ, فَقَالَتْ: تُوُفِّيَ زَوْجُ سُبَيْعَةَ, فَوَلَدَتْ بَعْدَ وَفَاةِ زَوْجِهَا, بِخَمْسَةَ عَشَرَ, نِصْفِ شَهْرٍ, قَالَتْ: فَخَطَبَهَا رَجُلَانِ, فَحَطَّتْ بِنَفْسِهَا إِلَى أَحَدِهِمَا, فَلَمَّا خَشُوا, أَنْ تَفْتَاتَ بِنَفْسِهَا, قَالُوا: إِنَّكِ لَا تَحِلِّينَ, قَالَتْ: فَانْطَلَقْتُ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ , فَقَالَ: «قَدْ حَلَلْتِ, فَانْكِحِي مَنْ شِئْتِ»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (محمود بن غيلان) العدويّ مولاهم، أبو أحمد المروزيّ، نزيل بغداد، ثقة [١٠] ٣٣/ ٣٧. ٢ - (أبو داود) سليمان بن داود بن الجارود الطيالسيّ البصريّ، ثقة حافظ [٩] ١٣/ ٣٤٣. ٣ - (شعبة) بن الحجاج الإمام الحجة الثبت المشهور [٧] ٢٤/ ٢٧. ٤ - (عبد ربه بن سعيد) بن قيس الأنصاريّ، أخو يحيى المدنيّ، ثقة [٥] ٢/ ٤٥٢. ٥ - (أبو سلمة) بن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ المدنيّ الفقيه، ثقة ثبت [٣] ١/ ١. ٦ - (أم سلمة) هند بنت أبي أمية بن المغيرة بن عبد اللَّه بن عمر بن المغيرة بن مخزوم المخزوميّة، أم المؤمنين - رضي اللَّه تعالى عنها -، تزوّجها النبيّ ﷺ بعد أبي سلمة عبد اللَّه بن عبد الأسد المخزوميّ ﵁، سنة أربع، وقيل: ثلاث، وماتت سنة (٦٢) على الأصحّ، وقيل: سنة (٦١)، وقيل: قبل ذلك، تقدّمت في ١٢٣/ ١٨٣. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه بعد شعبة مسلسل بالمدنيين. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث عن عبدربّه بن سعيد، أنه (قال: سَمِعْتُ أَبَا سَلَمَةَ) بن عبد الرحمن بن عوف (يَقُولُ: اخْتَلَفَ أَبُو هُرَيْرَةَ وَابْنُ عَبَّاسِ) - رضي اللَّه تعالى عنهم -، لا تعارض بين هذا وبين ما يأتي أن الخلاف جرى بين ابن عباس، وبين أبي سلمة؛ لإمكان حمله على أن الأصل بين الأخيرين، فلما وافق أبو هريرة لأبي سلمة صحّ أن يطلق عليه أنه اختلف مع ابن عبّاس - رضي اللَّه تعالى عنهم - (فِي الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا، إِذَا وَضَعَتْ حَمْلَهَا) هل تنقضي عدّتها، أم لا (قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ) ﵁ (تُزَوَّجُ) بالبناء للمفعول، أي يزوّجها أولياؤها، أو بالبناء

стр. 14716

للفاعل، وأصله تتزوّج، فحذف إحدى التاءين. يعني أنه يجوز لها أن تتزوّج؛ لانقضاء عدّتها (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسِ) - رضي اللَّه تعالى عنهما - (أَبْعَدَ الْأَجَلَيْنِ) بالنصب، أي تتربّص الأبعد من الأجلين: أجلِ أربعة أشهر وعشر، وأجلِ وضع الحمل، وذلك لأنه جاءت آيتان متعارضتان: [إحداهما]: تقتضي أن العدّة في حقّها أربعة أشهر وعشر، وهي قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ الآية. [والثانية]: تقتضي أن العدّة في حقّها وضع الحمل، وهي قوله تعالى: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ الآية، ولم ندر بأيهما العمل؟، فالوجه العمل بالأحوط، وهو الأخذ بالأجل المتأخّر، فإن تأخّر وضع الحمل عن أربعة أشهر وعشر أخذت به، وإن تقدّم أخذت بالأربعة أشهر وعشر. نعم قد يتساويان، فلا يبقى أبعد الأجلين، بل هما يجتمعان، لكن هذا القسم لقلته لم يُذكر. أفاده السنديّ. (فَبَعَثُوا إِلَى أُمَّ سَلَمَةَ) - رضي اللَّه تعالى عنهما -، وفي الرواية الآتية أن المبعوث كريب مولى ابن عبّاس - رضي اللَّه تعالى عنهما - (فَقَالَتْ: تُوُفِّيَ زَوْجُ سُبَيْعَةَ) - رضي اللَّه تعالى - عنها، وهو سعد بن خولة ﵂ توفّي بمكة عام حجة الوداع. وإنما لم تجب أم سلمة - رضي اللَّه تعالى عنها - عن السؤال بـ "لا"، أو "نعم"، بل ذكرت قصّة سُبيعة؛ لأن فيها الجواب، مع دليله، ولم تذكر الجواب والدليل معًا؛ طلبًا للاختصار (فَوَلَدَتْ بَعْدَ وَفَاةِ زَوْجِهَا، بِخَمْسَةَ عَشَرَ، نِصْفِ شَهْرٍ) بجر "نصفِ" بدلاً من "خمسة عشر"، ويجوز قطعه إلى الرفع والنصب، وقد تقدّم اختلاف الروايات في مقدار المدة التي بين وفاة زوجها وولادتها قريبًا (قَالَتْ) أم سلمة - رضي اللَّه تعالى عنهما - (فَخَطَبَهَا رَجُلَانِ) وفي الرواية التالية: "أحدهما شابّ، والآخر كَهْلٌ". والشابّ هو أبو البِشر بن الحارث العبدريّ، من بني عبد الدار، والكهل أبو السنابل بن بَعْكَك القرشيّ العبدريّ (فَحَطَّتْ بِنَفْسِهَا) بحاء مهملة، وطاء مهملة مشدّدة: أي مالت، ونزلت بقلبها (إِلَى أَحَدِهِمَا) وهو الشابّ (فَلَمَّا خَشُوا) بضمّ الشين المعجمة، أصله خَشِيُوا بكسرها، نُقلت ضمته إلى الشين بعد سلب حركتها، وحذفت الياء لالتقاء الساكنين، أي خشي الكهل ومن معه (أَنَّ تَفْتَاتَ بِنَفْسِهَا) أي تنفرد برأيها، فتتزوّج الشابّ. قال الفيّوميّ: يقال: فاته فلانٌ بذراع: سبقه بها، ومنه قيل: افتات فلانٌ افتياتًا: إذا سَبَق بفعل شيء، واستبدّ برأيه، ولم يؤامر فيه من هو أحقّ منه بالأمر فيه، وفلان لا يُفتات عليه -أي بالبناء للمفعول-: أي لا يُفعَل شيء دون أمره انتهى. وقال السنديّ: افتعال من الفوت، يقال: فاته، وافتاته الأمر: أي ذهب عنه، وأفاته إياه غيره، والباء ههنا للعتدية إلى المفعول الثاني، والأول محذوف، والمعنى أن تُفيتهم

стр. 14717

نفسَها، ويمن أن يكون الباء في "بنفسها" بمعنى "في"، أو للآلة بتقدير المضاف، ويكون المفعول المقدّر جارًا ومجرورًا، من افتات عليه إذا تفرّد برأيه، دونه في التصرّف فيه، والتقدير أن تفتات على أهلها في أمر نفسها، ويدلّ عليه روايات الحديث انتهى (قَالُوا: إِنَّكِ لَا تَحِلِّينَ، قَالَتْ: فَانْطَلَقَتْ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ )، يحتمل أن يكون فاعل "قالت" ضمير أم سلمة، والتاء في "انطلَقَتْ" تاء التأنيث، والفاعل ضمير سبيعة، وهذا هو الموافق للسياق السابق، ويحتمل أن يكون فاعل "قالت" ضمير سبيعة، والتاء في "انطلقتُ" مضموم على أنه ضمير سبيعة أيضًا، وهذا هو الموافق للسياق اللاحق. واللَّه تعالى أعلم. (فَقَالَ: قَدْ حَلَلْتِ، فَانْكِحِي مَنْ شِئْتِ") لانقضاء عدّتكِ بوضع الحمل، فبيّن مراد اللَّه، فلا معنى لمن خالفه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث أم سلمة - رضي اللَّه تعالى عنها - هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٥٦/ ٣٥٣٦ و ٣٥٣٧ و ٣٥٣٨ و ٣٥٣٩ و٣٥٤٠ و٣٥٤١ و ٣٥٤٢ و ٣٥٤٣ و ٣٥٤٤ - وفي "الكبرى" ٥٥/ ٥٧٠٢ و ٥٧٠٣ و٥٧٠٥ و ٥٧٠٦ و ٥٧٠٧ و ٥٧٠٨ و ٥٧٠٩ و٥٧١٠ و٥٧١١. وأخرجه (خ) في "التفسير" ٤٩١٠ و "الطلاق" ٥٣١٨ (م) في "الطلاق" ١٤٨٥ (ت) في "الطلاق واللعان" ١١٩٤ (أحمد) في "مسند الأنصار" ٢٦١١٨ و٢٦١٧٥ (الموطأ) في "الطلاق"١٢٥٠ و ١٢٥٣ (الدارمي) في "الطلاق" ٢٢٧٩ و٢٢٨٠. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده (١): (منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان عدّة الحامل المتوفّى عنها زوجها، وهو وضع حملها. (ومنها): أن الحجة عند التنازع السنّة فيما لا نصّ فيه من الكتاب، وفيما فيه نصّ إذا احتمل للختصيص؛ لأن السنّة تبين مراد الكتاب، قال الإمام الشافعيّ -رحمه اللَّه تعالى-: من عرف الحديث قويت حجته، ومن نظر في النحو رقّ طبعه، ومن حفظ القرآن نَبُل قدره، ومن لم يصن نفسه، لم يصنه العلم. (ومنها): أن المناظرة، وطلب الدليل، وموقع الحجة كان قديمًا من زمن الصحابة، ولا ينكره إلا جاهلٌ. (ومنها): أن الكبير لا يتعاظم، ولا يتكبّر على الصغير، إذا ردّ عليه فتواه، بل

стр. 14718

يتوقّف، ويبحث حتى يتوصّل إلى الدليل الصحيح، فإن ابن عبّاس - رضي اللَّه تعالى - عنهما - الصحابيّ مع جلالته في العلم لما ردّ عليه أبو سلمة التابعيّ، أرسل إلى أم سلمة - رضي اللَّه تعالى عنهما -، يبحث عنده سنة تحكم بينه وبين مخالفه. (ومنها): أنه لا ينبغي لصغير أن يسكت على علم من الكتاب والسنة أمام العالم الكبير إذا أخطأ، بل يردّ عليه، ويُحاجّه بالأدلة الصحيحة. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٥٣٧ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ, وَالْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ, قِرَاءَةً عَلَيْهِ, وَأَنَا أَسْمَعُ, وَاللَّفْظُ لِمُحَمَّدٍ, قَالَ: أَنْبَأَنَا ابْنُ الْقَاسِمِ, عَنْ مَالِكٍ, عَنْ عَبْدِ رَبِّهِ بْنِ سَعِيدٍ, عَنْ أَبِي سَلَمَةَ, قَالَ: سُئِلَ ابْنُ عَبَّاسٍ, وَأَبُو هُرَيْرَةَ, عَنِ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا, وَهِيَ حَامِلٌ, قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: آخِرُ الأَجَلَيْنِ, وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: إِذَا وَلَدَتْ فَقَدْ حَلَّتْ, فَدَخَلَ أَبُو سَلَمَةَ, إِلَى أُمِّ سَلَمَةَ, فَسَأَلَهَا عَنْ ذَلِكَ؟ , فَقَالَتْ: وَلَدَتْ سُبَيْعَةُ الأَسْلَمِيَّةُ, بَعْدَ وَفَاةِ زَوْجِهَا بِنِصْفِ شَهْرٍ, فَخَطَبَهَا رَجُلَانِ: أَحَدُهُمَا شَابٌّ, وَالآخَرُ كَهْلٌ, فَحَطَّتْ إِلَى الشَّابِّ, فَقَالَ الْكَهْلُ: لَمْ تَحْلِلْ, وَكَانَ أَهْلُهَا غُيَّبًا, فَرَجَا إِذَا جَاءَ أَهْلُهَا أَنْ يُؤْثِرُوهُ بِهَا, فَجَاءَتْ رَسُولَ اللهِ ﷺ , فَقَالَ: «قَدْ حَلَلْتِ, فَانْكِحِى مَنْ شِئْتِ»). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه الحارث، وهو ثقة حافظ. وقوله: "فدخل أبو سلمة الخ" لا ينافي هذا ما تقدّم من أن الذي دخل على أم سلمة هو كريب مولى ابن عباس؛ لاحتمال أن يذهب أبو سلمة معه؛ للتأكّد بنفسه. وقوله: "كهلٌ" -بفتح الكاف، وسكون الهاء-: من جاوز الثلاثين، ووخطه الشيب. وقيل: من بلغ الأربعين، والجمع كُهُول، والأنثى كهلة، والجمع كَهْلات بسكون الهاء، في قول الأصمعيّ، وأبي زيد، لَمْحًا للصفة، مثل صعْب وصَعْبَات، وبفتحها في قول أبي حاتم؛ تغليبًا لجانب الاسميّة، مثل سجدَة وسَجَدَات انتهى. وقوله: "وكان أهلها غيبًا" بفتح، فسكون، أو بفتحتين، أو بضمّ، فتشديد الياء التحتيّة. قال الفيّوميّ: غاب الشيءُ يَغِيب غَيْبًا وغَيْبَةً -بفتح، فسكون فيهما-، وغِيَابًا - بالكسر- وغُيُوبًا -بضمّتين-، ومَغِيبًا -بفتح، فكسر-: بَعُدَ، فهو غائبٌ، والجمع غُيّبٌ، وغُيّابٌ، وغَيْبٌ، مثلُ رُكّع، وكُفّار، وصَحْبٍ انتهى. وقال المجد في "القاموس": وقوم غُيبٌ، وغُيابٌ، وغَيَبٌ محرّكةً: غائبون انتهى. والمعنى: أن الكهل إنما قال: لم تحلل؛ لخوفه من مسارعتها إلى نكاح الشابّ، حيث كان أهلها غائبين، فطمع في حضورهم، حتى يأمروها بأن تتزوّجه دون الشابّ.

стр. 14719

والحديث متّفقٌ عليه، وقد سبق تمام شرحه، وبيان مسائله في الذي قبله. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٥٣٨ - (أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَزِيعٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ -وَهُوَ ابْنُ زُرَيْعٍ - قَالَ: حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ, قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ, قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ, قَالَ: قِيلَ لاِبْنِ عَبَّاسٍ, فِي امْرَأَةٍ وَضَعَتْ بَعْدَ وَفَاةِ زَوْجِهَا بِعِشْرِينَ لَيْلَةً: أَيَصْلُحُ لَهَا أَنْ تَزَوَّجَ؟ قَالَ: لَا, إِلاَّ آخِرَ الأَجَلَيْنِ, قَالَ: قُلْتُ: قَالَ: اللَّهُ ﵎: ﴿روَأُولَاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ , فَقَالَ: إِنَّمَا ذَلِكَ فِي الطَّلَاقِ, فَقَالَ: أَبُو هُرَيْرَةَ: أَنَا مَعَ ابْنِ أَخِي -يَعْنِي أَبَا سَلَمَةَ- فَأَرْسَلَ غُلَامَهُ كُرَيْبًا, فَقَالَ: ائْتِ أُمَّ سَلَمَةَ, فَسَلْهَا, هَلْ كَانَ هَذَا سُنَّةً مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ , فَجَاءَ, فَقَالَ: قَالَتْ: نَعَمْ, سُبَيْعَةُ الأَسْلَمِيَّةُ, وَضَعَتْ بَعْدَ وَفَاةِ زَوْجِهَا بِعِشْرِينَ لَيْلَةً, فَأَمَرَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ , أَنْ تَزَوَّجَ, فَكَانَ أَبُو السَّنَابِلِ فِيمَنْ يَخْطُبُهَا). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد عندهم رجال الصحيح، وتقدّموا غير مرّة. و"بزيع" -بفتح الموحّدة، وكسر الزاي، آخره عين مهملة-. و"زُريع" -بضمّ الزاي، وفتح الراء، مصغّرًا، آخره عين مهملة-. و"حجّاج": هو ابن أبي عثمان ميسرة، أو سالم الصوّاف الكنديّ مولاهم، أبو الصلت البصريّ، ثقة حافظ [٦] ١٢/ ٧٩٠. وقوله: "أن تزوّج" -بفتح التاء- أصله تتزوّج، فحذفت إحدى التاءين، كما مرّ قريبًا. ويحتمل أن يكون بالبناء للمفعول، أي يزوّجها أهلها. وقوله: "إلا آخر الأجلين" أي إلا تتربّص أبعد الأجلين، وهو هنا أربعة أشهر وعشر. وقوله: "قال: قلت" القائل هو أبو سلمة. وقوله: "فقال: إنما ذلك في الطلاق" القائل هو ابن عبّاس - رضي اللَّه تعالى عنهما -. وقوله: "أنا مع ابن أخي" قاله ملاطفةً، على عادة العرب، وإلا فليس ابن أخيه حقيقة. وقوله: "فأرسل غلامه كريبًا" المرسل هو ابن عبّاس - رضي اللَّه تعالى عنهما -. وقوله: "هل كان هذا سنّةً" بالنصب خبرًا لـ "كان". أي هل كان هذا الذي قاله أبو سلمة، ووافقه عليه أبو هريرة سنّةً منقولةً عن النبيّ ﷺ . ولفظ "الكبرى": "هل كان في هذا سنّةٌ"، وعليه "فسنّةٌ" بالرفع اسم "كان" مؤخّرًا. أي هل ثبت في هذا الأمر سنةٌ منقولة عنه ﷺ . والحديث متّفقٌ عليه، وقد سبق تمام شرحه، وبيان مسائله قريبًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٥٣٩ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ, قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ, عَنْ يَحْيَى, عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ, أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ, وَابْنَ عَبَّاسٍ, وَأَبَا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ, تَذَاكَرُوا عِدَّةَ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا,

стр. 14720

تَضَعُ عِنْدَ وَفَاةِ زَوْجِهَا, فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: تَعْتَدُّ آخِرَ الأَجَلَيْنِ, وَقَالَ أَبُو سَلَمَةَ: بَلْ تَحِلُّ حِينَ تَضَعُ, فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: أَنَا مَعَ ابْنِ أَخِي, فَأَرْسَلُوا إِلَى أُمِّ سَلَمَةَ, زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ , فَقَالَتْ: وَضَعَتْ سُبَيْعَةُ الأَسْلَمِيَّةُ, بَعْدَ وَفَاةِ زَوْجِهَا بِيَسِيرٍ, فَاسْتَفْتَتْ رَسُولَ اللهِ ﷺ , فَأَمَرَهَا أَنْ تَتَزَوَّجَ). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد عندهم رجال الصحيح، وتقدّموا غير مرّة. و"الليث": هو ابن سعد. و"يحيى": هو ابن سعيد الأنصاريّ. والحديث متّفقٌ عليه، وقد سبق شرحه، وبيان مسائله قريبًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٥٤٠ - (أَخْبَرَنَا عَبْدُ الأَعْلَى بْنُ وَاصِلِ بْنِ عَبْدِ الأَعْلَى, قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ, عَنْ سُفْيَانَ, عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ, عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ, عَنْ كُرَيْبٍ, عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ, وَمُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو, عَنْ أَبِي سَلَمَةَ, عَنْ كُرَيْبٍ, عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ, قَالَتْ: وَضَعَتْ سُبَيْعَةُ بَعْدَ وَفَاةِ زَوْجِهَا بِأَيَّامٍ, فَأَمَرَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ تَزَوَّجَ). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه، وهو كوفيّ ثقة. و"يحيى بن آدم": هو أبو زكريا الأمويّ مولاهم الكوفيّ الثقة الحافظ الفاضل. [تنبيه]: يحيى بن آدم هكذا وقع عند المصنّف هنا، وفي "الكبرى"، ووقع عند الحافظ المزّيّ في "تحفة الأشراف" ١٣/ ٢٩ يحيى بن يمان، وأظنّه غلطًا. واللَّه تعالى أعلم. و"سفيان": هو الثوريّ الإمام الحجة. وقوله: "ومحمد بن عمرو" بالجرّ عطفًا على يحيى بن سعيد، فسفيان يروي هذا الحديث بطريقين: طريق يحيى بن سعيد، عن سليمان بن يسار، عن كريب. وطريق محمد بن عمرو بن علقمة، عن أبي سلمة، عن كريب. راجع "تحفة الأشراف" ١٣/ ٢٨ - ٢٩. والحديث متّفقٌ عليه، كما سبق بيانه قريبًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٥٤١ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ, عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ, عَنْ مَالِكٍ, عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ, عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ, أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ, وَأَبَا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ, اخْتَلَفَا فِي الْمَرْأَةِ, تُنْفَسُ بَعْدَ وَفَاةِ زَوْجِهَا بِلَيَالٍ, فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ: آخِرُ الأَجَلَيْنِ, وَقَالَ أَبُو سَلَمَةَ: إِذَا نُفِسَتْ فَقَدْ حَلَّتْ, فَجَاءَ أَبُو هُرَيْرَةَ, فَقَالَ: أَنَا مَعَ ابْنِ أَخِي -يَعْنِي أَبَا سَلَمَةَ بْنَ

стр. 14721

عَبْدِ الرَّحْمَنِ- فَبَعَثُوا كُرَيْبًا, مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ, إِلَى أُمِّ سَلَمَةَ, يَسْأَلُهَا عَنْ ذَلِكَ؟ , فَجَاءَهُمْ, فَأَخْبَرَهُمْ أَنَّهَا قَالَتْ: وَلَدَتْ سُبَيْعَةُ, بَعْدَ وَفَاةِ زَوْجِهَا بِلَيَالٍ, فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ , فَقَالَ: «قَدْ حَلَلْتِ»). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا غير مرّة. وقوله: "تُنفَس" -بضمَ أوله، وفتح ثالثه- مضارع نُفست المرأة بالبناء للمفعول: إذا ولدت، وتقدّم الكلام عليه في شرح أول حديث في الباب. وقوله: "فجاء أبو هريرة" لعله كان قام لحاجة، وإلا فقد كان جالسًا عند ابن عبّاس لَمّا استُفتي، ففي رواية البخاريّ في "التفسير": "جاء رجل إلى ابن عباس، وأبو هريرة جالسٌ عنده، فقال: أفتني في امرأة ولدت بعد زوجها بأربعين ليلةً، فقال ابن عباس: آخر الأجلين … الحديث. والحديث متّفقٌ عليه، وقد سبق بيانه قريبًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٥٤٢ - (أَخْبَرَنَا حُسَيْنُ بْنُ مَنْصُورٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ عَوْنٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ, قَالَ: أَخْبَرَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ, قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ, قَالَ: كُنْتُ أَنَا, وَابْنُ عَبَّاسٍ, وَأَبُو هُرَيْرَةَ, فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِذَا وَضَعَتِ الْمَرْأَةُ, بَعْدَ وَفَاةِ زَوْجِهَا, فَإِنَّ عِدَّتَهَا آخِرُ الأَجَلَيْنِ, فَقَالَ أَبُو سَلَمَةَ: فَبَعَثْنَا كُرَيْبًا إِلَى أُمِّ سَلَمَةَ, يَسْأَلُهَا عَنْ ذَلِكَ, فَجَاءَنَا مِنْ عِنْدِهَا, أَنَّ سُبَيْعَةَ, تُوُفِّيَ عَنْهَا زَوْجُهَا, فَوَضَعَتْ بَعْدَ وَفَاةِ زَوْجِهَا بِأَيَّامٍ, فَأَمَرَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ تَتَزَوَّجَ). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا. و"حسين بن منصور": هو أبو عليّ السلميّ النيسابوريّ، ثقة فقيه [١٠] ٢٥/ ١٦٦٤ من أفراد البخاريّ، والمصنّف. و"جعفر بن عون": هو المخزوميّ، أبو عون الكوفيّ، صدوقٌ [٩] ٤٠/ ٦٨٤. وقوله: "كنت أنا الخ" خبره محذوف: أي جالسين، نتذاكر عدّة المرأة التي وضعت حملها بعد وفاة زوجها بأيام. وقوله: "فبعثنا كريبًا الخ" هذا لا ينافي ما تقدّم من قوله: "فدخل أبو سلمة إلى أم سلمة، فسألها عن ذلك"؛ لأنه يمكن أن يدخل بعد ذلك، للتأكّد، أو لما بُعث كريب شاركه، فدخل معه. واللَّه تعالى أعلم. وقوله: "فأمرها رسول اللَّه ﷺ أن تتزوّج" أي أمر استحباب وإرشاد؛ لما في الرواية

стр. 14722

الآتية: "فأمرني بالتزويج إن بدا لي". والحديث متّفقٌ عليه، وقد سبق بيانه قريبًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٥٤٣ - (أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ, قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي, عَنْ جَدِّي, قَالَ: حَدَّثَنِي جَعْفَرُ بْنُ رَبِيعَةَ, عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هُرْمُزَ, عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ, أَنَّ زَيْنَبَ بِنْتَ أَبِي سَلَمَةَ, أَخْبَرَتْهُ عَنْ أُمِّهَا, أُمِّ سَلَمَةَ, زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ , أَنَّ امْرَأَةً مِنْ أَسْلَمَ, يُقَالُ لَهَا: سُبَيْعَةُ, كَانَتْ تَحْتَ زَوْجِهَا, فَتُوُفِّيَ عَنْهَا, وَهِيَ حُبْلَى, فَخَطَبَهَا أَبُو السَّنَابِلِ بْنُ بَعْكَكٍ, فَأَبَتْ أَنْ تَنْكِحَهُ, فَقَالَ: مَا يَصْلُحُ لَكِ أَنْ تَنْكِحِي, حَتَّى تَعْتَدِّي آخِرَ الأَجَلَيْنِ, فَمَكَثَتْ قَرِيبًا مِنْ عِشْرِينَ لَيْلَةً, ثُمَّ نُفِسَتْ, فَجَاءَتْ رَسُولَ اللهِ ﷺ , فَقَالَ: «انْكِحِي»). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا غير مرّة. و"جعفر بن ربيعة": هو أبو شُرحبيل الكنديّ المصريّ الثقة. و"عبد الرحمن ابن هرمز": هو المدنيّ الفقيه المعروف بالأعرج. وقوله: "عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، أن زينب بنت أبي سلمة أخبرته" أبوها: هو عبد اللَّه بن عبد الأسد بن هلال بن عبد اللَّه بن عمر بن مخزوم المخزوميّ، أخو النبيّ ﷺ ، من الرضاعة، وابن عمّته برّة بنت عبد المطّلب، كان من السابقين الأولين، شهد بدرًا، ومات بعد أحد في جمادى الآخرة سنة أربع من الهجرة، فتزوّج النبيّ ﷺ بعده زوجته أم سلمة - رضي اللَّه تعالى عنهما -. وإنما نبّهت على هذا؛ لأنه ربما يلتبس على من لا يعلم الأسانيد أبو سلمة الرواي عن زينب بأبي سلمة والدها. واللَّه تعالى أعلم. وقوله: "أن زينب أخبرته". تقدّم أنه سمعه من كريب، عن أم سلمة، وتقدّم أيضًا أنه دخل على أم سلمة، فسألها عن ذلك، وسيأتي في الحديث التالي قوله: "فأخبرني رجل من أصحاب النبيّ ﷺ أن سُبيعة … " الحديث. وعند أحمد من طريق ابن إسحاق، حدثني محمد بن إبراهيم التيميّ، عن أبي سلمة، قال: دخلتُ على سبيعة … ". وهذا الاختلاف على أبي سلمة لا يقدح في صحّة الخبر؛ فإن لأبي سلمة اعتناء بالقصّة من حين تنازع هو وابن عبّاس فيها، فكأنه لَمّا بلغه الخبر من كريب، عن أم سلمة لم يقتنع بذلك، حتى دخل عليها، ثم دخل على سُبيعة، صاحبة القصّة نفسِها، ثم تحمّلها عن رجل من أصحاب النبيّ ﷺ ، وهذا الرجل يحتمل أن يكون هو المسور بن مخرمة ﵁، كما تقدم أول الباب، ويحتمل أن يكون أبا هريرة ﵁، كما يشهد له ما في آخر الحديث من قوله: (فقال أبو هريرة ﵁: أشهد على ذلك"، فيحتمل أن

стр. 14723

يكون أبو سلمة أبهمه أوّلًا لَمّا قال: أخبرني رجلٌ من أصحاب النبيّ ﷺ " (١). وأما ما أخرجه عبد بن حميد من رواية صالح بن أبي حسّان، عن أبي سلمة، فذكر قصّته مع ابن عبّاس، وأبي هريرة ﵃، قال: "فأرسلوا إلى عائشة، فذكرت حديث سبيعة". فهو شاذّ، وصالح بن أبي حسّان مختلفٌ فيه. ووقع في رواية أبان العطار، عن يحيى بن أبي كثير في هذا الحديث: "أن ابن عبّاس احتجّ بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا﴾ وأن أبا سلمة قال له: يا ابن عبّاس، أقال اللَّه: آخر الأجلين؟ أرأيت لو مضت أربعة أشهر وعشر، ولم تضع، أتتزوّج؟ فقال لغلامه: اذهب إلى أم سلمة. قاله في "الفتح" (٢). والحديث متّفقٌ عليه، كما سبق بيانه قريبًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٥٤٤ - (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ, قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ, قَالَ: أَنْبَأَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ, قَالَ: أَخْبَرَنِي دَاوُدُ بْنُ أَبِي عَاصِمٍ, أَنَّ أَبَا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَخْبَرَهُ, قَالَ: بَيْنَمَا أَنَا وَأَبُو هُرَيْرَةَ, عِنْدَ ابْنِ عَبَّاسٍ, إِذْ جَاءَتْهُ امْرَأَةٌ, فَقَالَتْ: تُوُفِّيَ عَنْهَا زَوْجُهَا, وَهِى حَامِلٌ, فَوَلَدَتْ لأَدْنَى مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ, مِنْ يَوْمِ مَاتَ, فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: آخِرُ الأَجَلَيْنِ, فَقَالَ أَبُو سَلَمَةَ: أَخْبَرَنِي رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ , أَنَّ سُبَيْعَةَ الأَسْلَمِيَّةَ, جَاءَتْ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ , فَقَالَتْ: تُوُفِّيَ عَنْهَا زَوْجُهَا, وَهِيَ حَامِلٌ, فَوَلَدَتْ لأَدْنَى مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ: فَأَمَرَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ , أَنْ تَتَزَوَّجَ, قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: وَأَنَا أَشْهَدُ عَلَى ذَلِكَ). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا غير: ١ - (داود بن أبي عاصم) بن أبي عروة بن مسعود الثقفيّ الطائفيّ، ثم المكيّ، ثقة [٣]. قال أبو زرعة، وأبو داود، والنسائيّ: ثقة. وذكره ابن حبّان في "الثقات". وقال الدارقطنيّ: طائفيّ يُحتجّ به. وقال أبو بكر بن أبي عاصم: داود بن أبي عاصم ثقة. أخرج له البخاريّ (٣)، وأبو داود، والمصنّف، وله عنده في هذا الكتاب حديثان: هذا، وحديث "أن امرأة مخزومتة استعارت حليًّا … " في "كتاب قطع السارق" -٥/ ٤٩٢٠. وقوله: "جاءته امرأة الخ" وفي رواية البخاريّ: "جاء رجل إلى ابن عباس، وأبو هريرة جالس عنده، فقال: أفتني في امرأة ولدت بعد زوجها بأربعين ليلة … ".

стр. 14724

ولا تعارض بين الروايتين؛ لاحتمال أن يكون الرجل قريبًا لتلك المرأة، فسأل لها، فصحّ نسبة السؤال إليها لكونها آمرة له، أو سألت هي بعد سؤاله للتثبّت، أو بالعكس. والحديث متّفقٌ عليه، كما سبق بيانه قريبًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٥٤٥ - (أَخْبَرَنَا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى, قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ, قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ, عَنِ ابْنِ شِهَابٍ, أَنَّ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ, حَدَّثَهُ أَنَّ أَبَاهُ, كَتَبَ إِلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَرْقَمَ الزُّهْرِيِّ, يَأْمُرُهُ أَنْ يَدْخُلَ عَلَى سُبَيْعَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ الأَسْلَمِيَّةِ, فَيَسْأَلَهَا حَدِيثَهَا, وَعَمَّا قَالَ لَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ , حِينَ اسْتَفْتَتْهُ, فَكَتَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ, إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ, يُخْبِرُهُ أَنَّ سُبَيْعَةَ أَخْبَرَتْهُ, أَنَّهَا كَانَتْ تَحْتَ سَعْدِ ابْنِ خَوْلَةَ, وَهُوَ مِنْ بَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ, وَكَانَ مِمَّنْ شَهِدَ بَدْرًا, فَتُوُفِّيَ عَنْهَا زَوْجُهَا, فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ, وَهِيَ حَامِلٌ, فَلَمْ تَنْشَبْ أَنْ وَضَعَتْ حَمْلَهَا بَعْدَ وَفَاتِهِ, فَلَمَّا تَعَلَّتْ مِنْ نِفَاسِهَا, تَجَمَّلَتْ لِلْخُطَّابِ فَدَخَلَ عَلَيْهَا أَبُو السَّنَابِلِ بْنُ بَعْكَكٍ, رَجُلٌ مِنْ بَنِي عَبْدِ الدَّارِ, فَقَالَ لَهَا: مَا لِي أَرَاكِ, مُتَجَمِّلَةً, لَعَلَّكِ تُرِيدِينَ النِّكَاحَ, إِنَّكِ وَاللَّهِ مَا أَنْتِ بِنَاكِحٍ, حَتَّى تَمُرَّ عَلَيْكِ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا, قَالَتْ سُبَيْعَةُ: فَلَمَّا قَالَ لِي ذَلِكَ, جَمَعْتُ عَلَيَّ ثِيَابِي, حِينَ أَمْسَيْتُ, فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ , فَسَأَلْتُهُ عَنْ ذَلِكَ, فَأَفْتَانِي بِأَنِّي قَدْ حَلَلْتُ, حِينَ وَضَعْتُ حَمْلِي, وَأَمَرَنِي بِالتَّزْوِيجِ إِنْ بَدَا لِي). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (يونس بن عبد الأعلى) بن ميسرة الصدفيّ، أبو موسى المصريّ، ثقة، من صغار [١٠] ١/ ٤٤٩. ٢ - (ابن وهب) هو عبد اللَّه القرشيّ مولاهم، أبو محمد المصريّ، ثقة حافظ عابد [٩] ٩/ ٩. ٣ - (يونس) بن يزيد الأمويّ مولاهم، أبو يزيد الأيليّ، ثقة [٧] ٩/ ٩. ٤ - (ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهريّ المدنيّ، ثقة ثبت حافظ [٤] ١/ ١. ٥ - (عبيد بن عبد اللَّه) بن عُتبة الهذليّ، أبو عبد اللَّه المدنيّ، ثقة ثبت فقيه [٣] ٤٥/ ٥٦. ٦ - (عمر بن عبد اللَّه بن الأرقم) بن عبد يغوث بن وهب بن عبد مناف بن زهرة الزهرِيّ المدنيّ، مقبول [٣]. روَى عن سُبيعة الأسلميّة. وعنه عبد اللَّه بن عتبة بن مسعود، وابنه عبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن عُتبة، فيما كتب إليهما. ذكره ابن حبّان في "الثقات". روى له البخاريّ، ومسلم، وأبو داود، والمصنّف، وده عندهم حديث سبيعة - رضي اللَّه تعالى عنها - هذا فقط.

стр. 14725

٧ - (سُبيعة) بنت الحارث الأسلميّة زوجة سعد بن خَوْلة، روت عن النبيّ ﷺ عدّتها، وروى عنها عمر بن عبد اللَّه بن الأرقم، ومسروق بن الأجدع، وزُفر بن أوس بن الْحَدَثَان، وعبيد أبو سَوِيَّةَ، وعمرو بن عُتبة بن فَرْقَد. قال ابن عبد البرّ: روى عنها فُقهاء المدينة والكوفة حديثها هذا، وروى ابن عمر عنها حديث: "من استطاع منكم أن يموت بالمدينة فليمت … " الحديث، قال: وزعم العقيليّ أن سُبيعة التي روى عنها ابن عمر غير الأولى، ولا يصحّ عندي. روى لها الجماعة، سوى الترمذيّ، ولها عندهم هذا الحديث فقط، راجع "تحفة الأشراف" ١١/ ٣٣٠ - ٣٣١. وقد كرّره المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- في هذا الباب ثلاث مرّات برقم ٣٥٤٥ و ٣٥٤٦ و ٣٥٤٧. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سباعيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-، فهو سند وسط، وقد تقدّم أن أعلى الأسانيد له الرباعيات، وأنزلها العشاريّات. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمصريين إلى يونس بن يزيد، وبعده مسلسل بالمدنيين. (ومنها): أن فيه ثلاثةً من التابعين يروي بعضهم عن بعض: ابن شهاب، عن عبيد اللَّه بن عتبة، عن عمر بن عبد اللَّه. (ومنها): أن صحابيته من المقلّين من الرواية، فليس لها إلا هذا الحديث عند الجماعة، إلا الترمذيّ، كما سبق آنفًا. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنِ ابْنِ شِهَابِ) الزهريّ (أَنَّ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ عَبدِ اللَّهِ) بن عتبة (حَدَّثَهُ أَنَّ أَبَاهُ) هو عبد اللَّهَ بن عتبة بن مسعود الهذليّ، ابن أخي عبد اللَّه بن مسعود، وُلد في عهد النبيّ ﷺ ، ثقة، من كبار [٢] وقد تقدّم في ١٩٧/ ٣١٥. (كَتَبَ) فيه العمل بالمكاتبة، وهو مذهب الجمهور، وقد عقد الإمام البخاريّ -رحمه اللَّه تعالى- للمكاتبة، والمناولة بابًا في "كتاب العلم" من "صحيحه"، فقالت: "باب ما يُذكر في المناولة، وكتاب أهل العلم بالعلم إلى البلدان"، وقال أنس: نسخ عثمان المصاحف، فبعث بها إلى الآفاق. ورأى عبد اللَّه بن عمر، ويحيى بن سعيد، ومالكٌ ذلك جائزًا. واحتجّ بعض أهل الحجاز في المناولة بحديث النبيّ ﷺ حيث كتب لأمير السريّة كتابًا، وقال: لا تقرأه حتى تبلغ مكان كذا وكذا، فلما بلغ ذلك المكان قرأه على الناس، وأخبرهم بأمر النبيّ ﷺ . ثم أخرج بسنده عن عبيد اللَّه بن عبد اللَّه عتبة بن مسعود، أن عبد اللَّه بن عباس، أخبره، أن رسول اللَّه ﷺ ، بعث بكتابه رجلا، وأمره أن يدفعه إلى عظيم البحرين، فدفعه عظيم

стр. 14726

البحرين إلى كسرى، فلما قرأه مَزّقه … قال الحافظ -رحمه اللَّه تعالى-: والمكاتبة من أقسام التحمّل، وهو أن يكتب الشيخ حديثه بخطه، أو يأذن لمن يَثِق به بكتبه، ويُرسله بعد تحريره إلى الطالب، ويأذن له في روايته عنه. وقد سوّى البخاريّ بينها وبين المناولة. ورجّح قوم المناولة عليها؛ لحصول المشافهة فيها بالإذن، دون المكاتبة. وقد جوّز جماعة من القدماء إطلاق الإخبار فيهما، والأولى ما عليه المحقّقون من اشتراط بيان ذلك انتهى (١). (إِلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ اللَّه بْنِ أَرْقَمَ الزُّهْرِيِّ) ولفظ البخاريّ: "أنه كتب إلى ابن الأرقم"، فظنّ جمع من الشرّاح أنه عبد اللَّه بن الأرقم والد عمر هذا، وهو وهم منهم، كما بيّنه في "الفتح". (يَأْمُرُهُ أَنْ يَدْخُلَ عَلَى سُبَيعَةَ بنْتِ الْحَارِثِ الأَسْلَمِيّةِ) - رضي اللَّه تعالى عنها - (فَيَسْأَلَهَا حَدِيثَهَا، وَعَمَّا قَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، حِينَ اسْتَفْتَتْهُ، فَكَتَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ اللَّه، إِلَى عَبدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ، يُخْبِرُهُ أَنَّ سُبَيعَةَ أَخْبَرَتْهُ، أَنَّهَا كَانَتْ تَحْتَ سَعْدِ بْنِ خَوْلَةَ) بفتح الخاء المعجمة، وسكون الواو، أي كانت زوجًا له (وَهُوَ مِنْ بَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيِّ، وَكَانَ مِمَّنْ شَهِدَ بَدْرًا، فَتُوُفِّيَ عَنْهَا زَوْجُهَا) فيه الإظهار في مقام الإضمار للإيضاح (فِي حِجَّةِ الْوَدَاعِ) بكسر الحاء: المرة من الحجّ، وهو غير قياس، والجمع حِججٌ، مثلُ سدرة وسِدَر. قال ثعلبٌ: قياسه الفتح، ولم يُسمع من العرب. قاله الفيّوميّ. و"الوداع" بفتح الواو اسم من التوديع، يقال: ودّعته توديعًا: إذا شيّعته عند سفره، وإنما سُمي بذلك لأن النبيّ ﷺ ودّع الناس فيه (وَهِيَ حَامِلٌ) جملة حاليّة، أي والحال أنها حامل من زوجها المتوفّى. قال الفيّوميّ: حَمَلَت المرأةُ ولدَهَا، وُيجعلُ حَمَلت بمعنى عَلِقَتْ، فيتعدّى بالباء، فيقال: حَمَلت به في ليلة كذا، وفي موضع كذا: أي حَبِلَت، فهي حاملٌ، بغير هاء؛ لأنها صفة مختصّةٌ، وربّما قيل: حاملةٌ بالهاء، قيل: أرادوا المطابقة بينها وبين حَمَلَت. وقيل: أرادوا مجاز الحمل، إما لأنها كانت كذلك، أو ستكون، فإذا أريد الوصف الحقيقيّ قيل: حاملٌ بغير هاء انتهى (فَلَمْ تَنْشَبْ) أي لم تلبث، ولم تتأخّر. قال ابن الأثير: يقال: لم ينشب أن فَعَلَ كذا: أي لم يلبث، وحقيقته لم يتعلّق بشيء غيره، ولا اشتغل بسواه. انتهى (٢) (أَنْ وَضَعِتْ حَمْلَهَا بَعْدَ وَفَاتِهِ، فَلَمَّا تَعَلَّتْ مِنْ نِفَاسِهَا) بتشديد اللام: أي ارتفعت، أو برأت (تَجَمَّلَت لِلخُطَّابِ) بضمّ الخاء المعجمة، جمع خاطب، ككاتب وكُتّاب (فَدَخَلَ عَلَيْهَا أَبُو السَّنَابِلِ بْنُ بَعْكَكٍ) - رضي اللَّه تعالى عنه -، تقدم الخلاف

стр. 14727

في اسمه في ثاني حديث الباب (رَجُلٌ) بالرفع بدل من "أبو السنابل" (مِنْ بَنِي عَبْدِ الدَّارِ، فَقَالَ: لَهَا: مَا لِي أَرَاكِ، مُتَجَمَّلَةَ، لَعَلَّكِ تُرِيدِينَ النِّكَاحَ، إنَّكِ وَاللَّهِ مَا أَنْتِ بِنَاكِحٍ، حَتَّى تَمُرَّ عَلَيْكِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا) هكذا نسخ "المجتبى" بالنصب. ووقع في "الكبرى" بالرفع، وهو ظاهر؛ لأنه فاعل "تمرّ"، ويمكن أن يوجّه ما في "المجتبى" بأن يكون النصب على الظرفية، والعامل فاعل "تمرّ" مقدّرًا: أي تمرّ عليك العدّة أربعة أشهر وعشرًا، ويحتمل أن يكون على حكايته لفظ القرآن. وأما ما وقع في النسخ المطبوعة من ضبطه بالقلم برفع "أربعةُ"، ونصب "عشرًا"، فالظاهر أنه غلط. واللَّه تعالى أعلم. (قَالَتْ: سُبَيْعَةُ) - رضي اللَّه تعالى عنها - (فَلَمَّا قَالَ لِي ذَلِكَ، جَمعْتُ عَلَيَّ ثِيَابِي) كناية عن استتارها بثيابها، وتحفّظها عن أن يظهر شيء من جسدها (حِينَ أَمْسَيْتُ) أي دخلت في وقت المساء، وإنما اختارت المساء؛ لكونه أستر (فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، فَسَأَلْتُهُ عَنْ ذَلِكَ، فَأَفْتَانِي بأنِّي قَدْ حَلَلْتُ، حِينَ وَضَعْتُ حَمْلي، وَأَمَرَنِي بِالتَّزْوِيجِ إِنْ بَدَا لِي) أي ظهر لي التزويج، أي إن أرادت ذلك، ففيه أن النكاح ليس بواجب على المرأة، وتقدّم اختلاف أهل العلم في حكم النكاح مفصّلًا في بابه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث سُبيعة الأسلمية بنت الحارث الأسلميّة - رضي اللَّه تعالى عنها - هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٥٦/ ٣٥٤٥ و ٣٥٤٦ و ٣٥٤٧ - وفي "الكبرى" ٥٦/ ٥٧١٢ و ٥٧١٣ و ٥٧١٤. وأخرجه (خ) في "الطلاق" ٥٣١٩ (م) في "الطلاق" ١٤٨٤ (د) في "الطلاق" ٢٣٠٦ (ق) في "الطلاق" ٢٠٢٧ و ٢٠٢٨ (أحمد) في "مسند القبائل" ٢٦٨٨. وفوائد الحديث تقدّمت. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٥٤٦ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ وَهْبٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ, قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو عَبْدِ الرَّحِيمِ, قَالَ: حَدَّثَنِي زَيْدُ بْنُ أَبِي أُنَيْسَةَ, عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ, عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ الزُّهْرِيِّ, قَالَ: كَتَبَ إِلَيْهِ, يَذْكُرُ أَنَّ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَهُ, أَنَّ زُفَرَ بْنَ أَوْسِ بْنِ الْحَدَثَانِ النَّصْرِيَّ حَدَّثَهُ, أَنَّ أَبَا السَّنَابِلِ بْنَ بَعْكَكِ بْنِ السَّبَّاقِ, قَالَ لِسُبَيْعَةَ الأَسْلَمِيَّةِ: لَا تَحِلِّينَ, حَتَّى يَمُرَّ عَلَيْكِ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا, أَقْصَى الأَجَلَيْنِ, فَأَتَتْ رَسُولَ اللهِ ﷺ ,

стр. 14728

فَسَأَلَتْهُ عَنْ ذَلِكَ؟ , فَزَعَمَتْ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَفْتَاهَا, أَنْ تَنْكِحَ, إِذَا وَضَعَتْ حَمْلَهَا, وَكَانَتْ حُبْلَى, فِي تِسْعَةِ أَشْهُرٍ, حِينَ تُوُفِّيَ زَوْجُهَا, وَكَانَتْ تَحْتَ سَعْدِ ابْنِ خَوْلَةَ, فَتُوُفِّيَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ, مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ , فَنَكَحَتْ فَتًى مِنْ قَوْمِهَا, حِينَ وَضَعَتْ مَا فِي بَطْنِهَا). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه محمد ابن وهب بن عمر بن أبي كريمة، أبي المعافى الْحَرّانيّ، صدوق [١٠] ١٩١/ ٣٠٦ فإنه من أفراده. و"محمد بن سلمة": هو الحرّانيّ. و"أبو عبد الرحيم": هو خالد بن أبي يزيد الأمويّ الحرّانيّ. [تنبيه]: وقع في "الكبرى" ج ٣/ ص٣٩٠ "أبو عبد الرحمن" وهو تصحيف، والصواب ما هنا. و"زيد بن أبي أنيسة": هو أبو أسامة الجزريّ الرُّهَاوِيّ. واسم أبيه زيد. و"يزيد بن أبي حبيب": هو أبو رجاء الأزديّ المصريّ. و"زُفر -بضمّ الزاي، وفتح الفاء- ابن أوس بن الحَدَثَان -بفتح المهملتين، ثم مثلّثة- النّصريّ" -بالنون، والصاد المهملة- المدنيّ، أخو مالك، يقال: له رؤية، وأما أبوه فصحابيّ معروف. روى عن أبي السنابل بن بعكك قصّة سبيعة. وعنه عُبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن عُتبة. ذكره ابن منده، وأبو نعيم في "الصحابة"، وقال: يُقال: أدرك النبيّ ﷺ ، ولا يُعرف له رواية" ولا صحبة. ولم يذكره البخاريّ، ولا ابن أبي حاتم. تفرّد به المصنّف بحديث الباب فقط. وقوله: "قال: كتب إليه الخ" فاعل "قال" ضمير يزيد، أي قال: يزيد بن أبي حبيب: كتب إليه يذكر الخ، يعني أن الزهريّ كتب إلى يزيد بهذا الحديث. وقوله: "أربعةَ أشهر وعشرًا" هكذا نسخ "المجتبى" بالنصب. ووقع في "الكبرى" بالرفع. والظاهر أنهما جائزان، وقد تقدّم توجيههما. والحديث في سنده زُفَر بن أوس، وهو مجهول عين، لكنه صحيح بما قبله، وهو من أفراد المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، أخرجه هنا-٥٦/ ٣٥٤٧ - وفي "الكبرى" ٥٦/ ٥٧١٣. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٥٤٧ - (أَخْبَرَنَا كَثِيرُ بْنُ عُبَيْدٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ, عَنِ الزُّبَيْدِيِّ, عَنِ

стр. 14729

الزُّهْرِيِّ, عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ, أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُتْبَةَ, كَتَبَ إِلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الأَرْقَمِ الزُّهْرِيِّ, أَنِ ادْخُلْ عَلَى سُبَيْعَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ الأَسْلَمِيَّةِ, فَاسْأَلْهَا عَمَّا أَفْتَاهَا بِهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي حَمْلِهَا, قَالَ: فَدَخَلَ عَلَيْهَا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ, فَسَأَلَهَا, فَأَخْبَرَتْهُ أَنَّهَا كَانَتْ تَحْتَ سَعْدِ ابْنِ خَوْلَةَ, وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ , مِمَّنْ شَهِدَ بَدْرًا, فَتُوُفِّيَ عَنْهَا, فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ, فَوَلَدَتْ قَبْلَ أَنْ تَمْضِيَ لَهَا أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا, مِنْ وَفَاةِ زَوْجِهَا, فَلَمَّا تَعَلَّتْ مِنْ نِفَاسِهَا, دَخَلَ عَلَيْهَا أَبُو السَّنَابِلِ, رَجُلٌ مِنْ بَنِي عَبْدِ الدَّارِ, فَرَآهَا مُتَجَمِّلَةً, فَقَالَ: لَعَلَّكِ تُرِيدِينَ النِّكَاحَ, قَبْلَ أَنْ تَمُرَّ عَلَيْكِ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا, قَالَتْ: فَلَمَّا سَمِعْتُ ذَلِكَ مِنْ أَبِي السَّنَابِلِ, جِئْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ , فَحَدَّثْتُهُ حَدِيثِي, فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «قَدْ حَلَلْتِ حِينَ وَضَعْتِ حَمْلَكِ»). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير كثير بن عُبيد الْمَذْحِجِيّ، أبي الحسن الحمصيّ، وهو ثقة [١٠] فقد تفرد به هو، وأبو داود، وابن ماجه. و"محمد بن حرب": هو الخولانيّ الحمصيّ الأبرش الثقة. و"الزبيديّ": هو محمد بن الوليد الحمصيّ الحافظ الثبت. وقوله: "أربعة أشهر وعشرًا" أيضًا بالنصب، وفي "الكبرى" بالرفع، وتقدّم توجيهه قريبًا، فلا تنسَ. والحديث متّفقٌ عليه، وقد سبق تمام البحث فيه قريبًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٥٤٨ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى, قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ, قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عَوْنٍ, عَنْ مُحَمَّدٍ, قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا فِي نَاسٍ بِالْكُوفَةِ, فِي مَجْلِسٍ لِلأَنْصَارِ, عَظِيمٍ, فِيهِمْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي لَيْلَى, فَذَكَرُوا شَأْنَ سُبَيْعَةَ, فَذَكَرْتُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ, فِي مَعْنَى قَوْلِ ابْنِ عَوْنٍ: "حَتَّى تَضَعَ", قَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى: لَكِنَّ عَمَّهُ, لَا يَقُولُ ذَلِكَ, فَرَفَعْتُ صَوْتِي, وَقُلْتُ: إِنِّي لَجَرِيءٌ, أَنْ أَكْذِبَ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ, وَهُوَ فِي نَاحِيَةِ الْكُوفَةِ, قَالَ: فَلَقِيتُ مَالِكًا, قُلْتُ: كَيْفَ كَانَ ابْنُ مَسْعُودٍ, يَقُولُ فِي شَأْنِ سُبَيْعَةَ؟ , قَالَ: قَالَ: أَتَجْعَلُونَ عَلَيْهَا التَّغْلِيظَ, وَلَا تَجْعَلُونَ لَهَا الرُّخْصَةَ, لأُنْزِلَتْ سُورَةُ النِّسَاءِ الْقُصْرَى, بَعْدَ الطُّولَى). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (محمد بن عبد الأعلى) القيسيّ، أبو عبد اللَّه الصنعانيّ، ثم البصريّ، ثقة [١٠] ٢ - (خالد) بن الحارث الْهُجَيميّ، أبو عثمان البصريّ، ثقة ثبت [٨] ٤٢/ ٤٧.

стр. 14730

٣ - (ابن عون) هو عبد اللَّه، أبو عون البصريّ، ثقة ثبت فاضل [٥] ٢٩/ ٣٣. ٤ - (محمد) بن سيرين الأنصاريّ مولاهم، أبو بكر بن أبي عمرة البصريّ، ثقة ثبت فقيه عابد [٣] ٤٦/ ٥٧. ٥ - (مالك) بن عامر، أو ابن أبي عامر، أو ابن عوف، أو ابن حمزة، أو ابن أبي حمزة، أبو عطية الوادعيّ الهمدانيّ الكوفيّ، ثقة [٣] ١٠/ ١١٩٨ مات في حدود السبعين. ٦ - (ابن مسعود) عبد اللَّه الصحابيّ المشهور - رضي اللَّه تعالى عنه - ٣٥/ ٣٩. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله عندهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين. (ومنها): أن فيه ثلاثة من التابعين يروي بعضهم، عن بعض: ابن عون (١)، عن ابن سيرين، عن مالك بن عامر. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ مُحَمَّدٍ) بن سيرين، أنه (قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا، فِي نَاسٍ بِالْكُوفَةِ، فِي مَجْلِسٍ لِلْأَنْصَارِ، عَظِيمٍ) بالجرّ صفة لـ "مجلس". ولفظ البخاريّ في "تفسير سورة البقرة": جلست إلى مجلس فيه عُظْمٌ من الأنصار" (فِيهِمْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي لَيْلَى) التابعيّ المعروف (فَذَكَرُوا شَأْنَ سُبَيْعَةَ) أي في وضع حملها بعد وفاة زوجها (فَذَكَرْتُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسعُودٍ، فِي مَعْنَى قَوْلِ ابْنِ عَوْنِ: (حَتَّى تَضَعَ") يعني أن لفظ "حتى تضع" ليس لفظ عبد اللَّه بن عون، بل معناه. وحاصله أن خالدًا نسي لفظ ابن عون، وحفظ معناه، وهو "حتى تضع". فقوله: "في معنى قول ابن عون" متعلّق بحال مقدّر، و"حتى تضع" مفعول "ذكرتُ". (قَالَ: ابْنُ أَبِي لَيْلَى: لَكِنَّ عَمَّهُ) يعني ابن مسعود ﵁ (لَا يَقُولُ ذَلِكَ) أي بل يقول بأبعد الأجلين، فالظاهر أن ابن العمّ يتبعه، وهذا الذي نَقَلْتَ منه غير ثابت، ولهذا أنكر عليه محمد بن سيرين، فقال: "إني لجريء الخ" (فَرَفَعْتُ صَوْتِي، وَقُلْتُ: إِنِّي لَجَرِيءٌ)

стр. 14731

قال السنديّ: بحذف همزة الاستفهام. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: لم يظهر لي وجه الاستفهام هنا، بل كونه خبرًا هو الوجه، والمراد أنه جريء إن فعل ذلك، والغرض منه أنه لا يحصل منه الاجتراء. وفي رواية هشام، عن ابن سيرين، عند عبد بن حميد: "إني لحريص على الكذب". (أَنْ أَكذِبَ عَلَى عَبْدِ اللْهِ بْنِ عُتْبَةَ، وَهُوَ فِي نَاحِيَةِ الْكُوفَةِ) هذا يُشعر بأن هذه القصّة وقعت له، وعبد اللَّه بن عتبة حيّ. وزاد في رواية البخاريّ: "فاستحيى، وقال: لكنّ عمّه لم يقل ذلك". يعني أن ابن أبي ليلى استحيى مما وقع منه، وقال: لكن عمه عبد اللَّه بن مسعود لم يقل: إنها تنقضي عدّتها بوضع حملها. قال في "الفتح": كذا نقل عبد الرحمن بن أبي ليلى عنه، والمشهور عن ابن مسعود ﵁ أنه كان يقول خلاف ما نقله ابن أبي ليلى، فلعلّه كان يقول ذلك، ثم رجع، أو وهم الناقل عنه انتهى (قَالَ) ابن سيرين (فَلَقِيتُ مَالِكًا) وفي رواية البخاريّ: فلقيت أبا عطية مالك بن عامر". قال في "الفتح": في رواية ابن عوف: "مالك بن عامر، أو مالك بن عوف" بالشك، والمحفوظ مالك بن عامر، وهو مشهور بكنيته أكثر من اسمه، والقائل هو ابن سيرين، كأنه استغرب ما نقله ابن أبي ليلى، عن ابن مسعود، فاستثبت فيه من غيره. ووقع في رواية هشام، عن ابن سيرين "فلم أدر ما قول ابن مسعود في ذلك، فسكتُّ، فلما قمتُ لقيت أبا عطيّة" (قُلْتُ: كَيْفَ كَانَ ابْنُ مَسعُودٍ، يَقُولُ فِي شَأْنِ سُبَيْعَةَ؟، قَالَ) أي مالك ابن عامر أبو عطيّة. وفي رواية البخاريّ: "فلقيت أبا عطيّة مالك بن عامر، فسألته، فذهب يُحدّثني حديث سُبيعة، فقلت: هل سمعت عن عبد اللَّه فيها شيئًا؟، فقال: كنا عند عبد اللَّه، فقال: أتجعلون عليها التغليظ … (قَالَ) أي ابن مسعود ﵁ (أَتَجْعَلُونَ عَلَيْهَا التغْلِيظَ) أي وهو أبعد الأجلين، وهذا إنكار من ابن مسعود ﵁ لما نقل عنه ابن أبي ليلى، فعُلم أن ما نَقَل عنه ابن أبي ليلى غير ثابت. وفي رواية أبي نعيم، من طريق الحارث بن عُمير، عن أيوب: "فقال أبو عطيّة: ذُكر ذلك عند ابن مسعود، فقال: أرأيتم لو مضت أربعة أشهر وعشر، ولم تضع جملها، كانت قد حلّت؟ قالوا: لا، قال: فتجعلون عليها التغليظ … " الحديث (وَلَا تَجْعَلُونَ لَهَا الرُّخْصَةَ) وفي رواية البخاريّ: "ولا تجعلون عليها الرخصة" بـ "على"، والأولى أوجه. ويمكن أن تُحمل هذه على المشاكلة، أي من الأخذ بما دلّت عليه آية سورة الطلاق. أفاده في "الفتح" (١) (لَأُنْزِلَتْ) جواب قسم محذوف، وقع بيانه في رواية

стр. 14732

الحارث بن عمير، بلفظ: "فواللَّه لقد نزلت" (سُورَةُ النِّسَاءِ الْقُصْرَى، بَعْدَ الطُّولَى) أي سورة الطلاق بعد سورة البقرة. والمراد بعضه، فمن البقرة قوله : ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾، ومن الطلاق قوله : ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾. ومراد ابن مسعود ﵁ إن كان هناك نسخٌ، فالمتأخّر هو الناسخ، وإلا فالتحقيق أن لا نسخ هناك، بل عموم آية البقرة مخصوص بآية الطلاق. وقد أخرج أبو داود، وابن أبي حاتم من طريق مسروق، قال: بلغ ابن مسعود أن عليًّا يقول: تعتدّ آخر الأجلين، فقال: "من شاء لاعنته أن التي في النساء القصرى أُنزلت بعد سورة البقرة، ثم قرأ: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ ". وعرف بهذا مراده بسورة النساء القصرى. وفيه جواز وصف السورة بذلك. وحكى ابن التين عن الداوديّ قال: لا أدري قوله: "القصرى" محفوظًا، ولا يقال في سور القرآن قُصرى، ولا صُغْرى انتهى. وهو ردّ للأخبار الثابتة بلا مستند، والقصر والطول أمر نسبيّ. وقد تقدّم في صفة الصلاة قول زيد بن ثابت: "طولى الطوليين"، وأنه أراد بذلك سورة الأعراف. قاله في "الفتح" (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث ابن مسعود - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا أخرجه البخاريّ. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٥٦/ ٣٥٤٨ و ٣٥٤٩ و٣٥٥٠ - وفي "الكبرى" ٥٦/ ٥٧١٥ و ٥٧١٦ و ١٧١٧ وفي "التفسير" ١١٦٠٤ و١١٦٠٥. وأخرجه (خ) في "التفسير" ٤٥٣٢ و٤٩١ (د) ٢٣٠٧. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان عدّة الحامل المتوفّى عنها زوجها، وهو وضع حملها. (ومنها): ما كان عليه السلف من المناقشة العلمية؛ للتوصّل إلى الحقّ. (ومنها): تثبّت ابن سيرين في نقله، حيث إنه مع تأكده النقل عن عبد اللَّه بن عتبة، إلا أنه أراد التثبّت، فسأل مالك بن عامر عن مذهب ابن مسعود ﵁

стр. 14733

في هذه المسألة. (ومنها): تغليظ العالم في إثبات ما ادعاه بدليله، إذا رأى من الخصم عدم التراجع، فقد قال ابن مسعود ﵁: "من شاء لاعنته". (ومنها): جواز وصف السورة بالقصرى، خلافًا لمن أنكر ذلك. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٥٤٩ - (أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ مِسْكِينِ بْنِ نُمَيْلَةَ, يَمَامِيٌّ, قَالَ: أَنْبَأَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ, قَالَ: أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ ح وَأَخْبَرَنِي مَيْمُونُ بْنُ الْعَبَّاسِ, قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ الْحَكَمِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ, قَالَ: أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ, قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ شُبْرُمَةَ الْكُوفِيُّ, عَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ, عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ قَيْسٍ, أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ, قَالَ: مَنْ شَاءَ لَاعَنْتُهُ, مَا أُنْزِلَتْ: ﴿وَأُولَاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ , إِلاَّ بَعْدَ آيَةِ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا, إِذَا وَضَعَتِ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا, فَقَدْ حَلَّتْ. وَاللَّفْظُ لِمَيْمُونٍ). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "محمد بن مسكين بن نُميلة" -بالنون مصغّرًا- أبو الحسن اليماميّ، نزيل بغداد، ثقة [١١]. قال البخاريّ: ثقة مأمون. وقال أبو داود: كان ثقة -رحمه اللَّه تعالى-. وقال النسائيّ: كتبنا عنه بالبصرة. وذكره ابن حبّان في "الثقات". وقال مسلمة: لا بأس به. وقال الخطيب: كان ثقة. وقال مسلمة: لا بأس به. وذكر ابن منده أنه مات ببغداد. مات سنة (٢٨٩). روى عنه البخاريّ، ومسلم، وأبو داود، والمصنّف، وله عنده في هذا الكتاب حديث الباب فقط. "وميمون بن العبّاس" بن أيوب بن عطاء بن عبد اللَّه، أبو منصور، وأبو ميمون الجزريّ الرافقيّ -بفاء، ثم قاف- ثقة [١١]. قال النسائيّ: ثقة. وقال ابن أبي حاتم: أدركته، ولم أكتب عنه، وكان صدوقًا، وسئل أبي عنه؟، فقال: صدوق. قال أبو عليّ الحرّانيّ: مات سنة (٢٥٤). تفرّد به المصنّف بحديث الباب فقط. و"سعيد بن أبي مريم": هو سعيد بن الحكم بن محمد بن سالم بن أبي مريم الجمحيّ مولاهم، أبو محمد المصريّ، ثقة ثبت فقيه، من كبار [١٠] ٣/ ٢٠٩٨. و"محمد بن جعفر" بن أبي كثير: هو الأنصاريّ الزرقيّ مولاهم، أخو إسماعيل، وهو الأكبر، المدنيّ، ثقة [٦]. قال الدوريّ، عن ابن معين: ثقة. وقال ابن المدينيّ: معروف. وقال النسائيّ: صالح. وقال أيضًا: مستقيم الحديث. وقال العجليّ: مدنيّ ثقة. وذكره ابن حبّان في "الثقات". روى له الجماعة، وله عند المصنّف في هذا الكتاب هذا الحديث فقط.

стр. 14734

و"ابن شُبرمة": هو عبد اللَّه بن شُبْرُمة -بضمّ المعجمة، وسكون الموحّدة، وضمّ الراء- ابن الطفيل بن حسّان بن المنذر بن ضِرَار بن عمرو بن مالك بن زيد بن كعب بن بَجَالة الضبّيّ، أبو شُبْرُمة الكوفيّ القاضي، وقيل في نسبه غير ذلك، ثقة فقيه [٥]. قال أحمد، وأبو حاتم، والنسائيّ: ثقة. وقال عليّ بن المدينيّ: قلت لسفيان: كان ابن شُبرُمة جالس الحسن؟ قال: لا، ودكن رأى ابن سيرين بواسط. وقال عبد اللَّه بن داود، عن الثوريّ: فقهاؤنا ابن شبرمة، وابن أبي ليلى. وقال العجليّ: كان قاضيًا على السواد لأبي جعفر، وكان الثوريّ إذا قيل له: من مُفتيكم؟ يقول: ابن أبي ليلى، وابن شُبرمة، وكان ابن شبرمة عفيفًا، حازمًا، عاقلاً، فقيهًا، يُشبه النسّاك، ثقةً في الحديث، شاعرًا، حَسَنَ الْخُلُق، جوادًا. وقال محمد بن فُضيل، عن أبيه: كان ابن شُبرمة، ومغيرة، والحارث الْعُكْليّ، والقعقاع بن يزيد، وغيرهم، يسمُرُون في الفقه، فربّما لم يقوموا إلى الفجر. وقال عبد الوارث: ما رأيت أسرع جوابًا منه. وقال ابن سعد: كان شاعرًا، فقيها، ثقة، قليل الحديث. وذكره ابن حبّان في "الثقات"، وقال: كان من فقهاء أهل العراق. وقال أبو جعفر الطبريّ: كان شاعرًا، فقيهًا، وَرِعًا. وقال ابن المبارك: جالسته حينًا، ولا أروي عنه. وقال ابن أبي حاتم، عن عبد اللَّه بن أحمد: لم يسمع ابن شُبرُمة من عبد اللَّه بن شدّاد. قال يحيى بن بُكير: مات سنة (١٤٤) وقال بعض المؤرّخين: وُلد سنة (٧٢). علّق عنه البخاريّ، وأخرج له الباقون، الترمذيّ، وله عند المصنّف في هذا الكتاب هذا الحديث برقم ٥٦/ ٣٥٤٩ و ٤٨/ ٥٧١٠ و٥٧١١ و ٥٧/ ٥٧٧٧ و ٥٧٨٤ و٥٧٨٥. وقوله: "من شاء لاعنته" أي من خالفني في نزول هاتين الآيتين، وفي كون عدّة الحامل المتوفّى عنها زوجها بالوضع، فإن شاء، فليجتمع معي، حتى نلعن المخالف، وهذا كناية عن قطعه وجزمه بما يقول من وهم بخلافه. وقوله: "ما أنزلت: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ﴾ الخ" جملة مستأنفة، بين بها الملاعَن عليه، ويحتمل أن يكون التقدير "من شاء لاعنته على أنه ما أنزلت ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ﴾ الخ. وقوله: "واللفظ لميمون" يعني أن لفظ الحديث الذي ساقه هنا هو لشيخه ميمون بن العبّاس، وأما محمد بن مسكين، فرواه بمعناه. والحديث صحيح. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٥٥٠ - (أَخْبَرَنَا أَبُو دَاوُدَ سُلَيْمَانُ بْنُ سَيْفٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ -وَهُوَ ابْنُ أَعْيَنَ- قَالَ: حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ ح وَأَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ, قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى, قَالَ:

стр. 14735

حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ مُعَاوِيَةَ, قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ, عَنِ الأَسْوَدِ, وَمَسْرُوقٍ, وَعَبِيدَةَ, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ, أَنَّ سُورَةَ النِّسَاءِ الْقُصْرَى, نَزَلَتْ بَعْدَ الْبَقَرَةِ). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "أبو داود" شيخه: هو الحرّانيّ الثقة الحافظ [١١] ١٠٣/ ١٣٦. من أفراده. و"الحسن بن أعين": هو الحسن بن محمد بن أعين -نُسب لجده- أبو عليّ الحرّانيّ، صدوق [٩] ١٦/ ٦٤٩. و"محمد بن إسماعيل بن إبراهيم": هو المعروف اْبوه بابن عُليّة. و"يحيى": هو ابن كثير بن درهم العنبريّ مولاهم، أبو غسّان البصريّ، ثقة [٩] ٤٣/ ٢٢٣. [تنبيه]: هذا الذي ذكرته من أن "يحيى" هنا هو ابن كثير هو الذي صرّح به المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- في "الكبرى" -٣/ ٣٩١ رقم ٥٧١٧، ولفظه: "قال: حدثنا يحيى- وهو ابن كثير-" قال: حدّثنا زهير بن معاوية الخ. فما وقع للحافظ أبي الحجّاج المزنيّ -رحمه اللَّه تعالى- (١) في "تحفة الأشراف" ٧/ ١٣ من أنه يحيى بن آدم، وهو يحيى بن آدم بن سليمان الكوفيّ، ولم يذكر لذلك مستنده، فالظاهر أنه غلطٌ، فتنبّه. واللَّه تعالى أعلم. و"زهير بن معاوية" بن حُديج: هو الجعفيّ الكوفيّ الثقة الثبت، إلا أن سماعه من أبي إسحاق بأخَرَة. و"أبو إسحاق": هو عمرو بن عبد اللَّه السبيعي الكوفيّ. و"الأسود": هو ابن يزيد النخعيّ. و"عَبيدة" -بفتح العين المهمله، وكسر الموحّدة، مصغّرًا-: هو ابن عمرو السلمانيّ الكوفيّ التابعيّ المخضرم الثقة العابد. [تنبيه]: وقع في بعض نسخ "المجتبى" "بضبط القلم "عُبيدة" بضمّ العين المهملة، مصغّرًا، وهو غلط، فليُتنبّه. واللَّه تعالى أعلم. والحديث، وإن كان في سنده أبو إسحاق السبيعيّ، وهو مدلّسٌ، وقد عنعنه، ومختلطٌ، وسماع زهير منه بآخره، إلا أنه يشهد له ما قبله، فهو صحيح. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". …

стр. 14736

٥٧ - (عِدَّةُ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ بِهَا) ٣٥٥١ - (أَخْبَرَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ, قَالَ: حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الْحُبَابِ, قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ, عَنْ مَنْصُورٍ, عَنْ إِبْرَاهِيمَ, عَنْ عَلْقَمَةَ, عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ, أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ رَجُلٍ, تَزَوَّجَ امْرَأَةً, وَلَمْ يَفْرِضْ لَهَا صَدَاقًا, وَلَمْ يَدْخُلْ بِهَا حَتَّى مَاتَ؟ , قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: لَهَا مِثْلُ صَدَاقِ نِسَائِهَا, لَا وَكْسَ, وَلَا شَطَطَ, وَعَلَيْهَا الْعِدَّةُ, وَلَهَا الْمِيرَاثُ, فَقَامَ مَعْقِلُ بْنُ سِنَانٍ الأَشْجَعِيُّ, فَقَالَ: قَضَى فِينَا رَسُولُ اللهِ ﷺ , فِي بِرْوَعَ بِنْتِ وَاشِقٍ, امْرَأَةٍ مِنَّا, مِثْلَ مَا قَضَيْتَ, فَفَرِحَ ابْنُ مَسْعُودٍ ﵁). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الحديث صحيحٌ، وقد تقدم للمصنّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- في -٦٨/ ٣٣٥٥ - باب "إباحة التزوّيج بغير صداق"، وتقدّم هناك شرحه ومسائله مستوفاة، فراجعه تستفد، وباللَّه تعالى التوفيق. و"سفيان": هو الثوريّ. وقوله: "لا وكس" -بفتح، فسكون-: أي لا نقصان منه. وقوله: "لا شطط" -بفتحتين-: أي لا زيادة عليه. وقوله: "معقِل بن سنان" -بفتح الميم، وكسر القاف. وقوله: "بَرْوَع بنت واشق" -بفتح الموحّدة، وكسرها، وقد تقدم في الباب المذكور الاختلاف في ضبطها، فراجعه تستفد. [تنبيه]: أورده المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- هذا الحديث هنا استدلالاً على وجوب العدّة على المتوفّى عنها زوجها قبل أن يدخل بها، وهذا مما لا خلاف فيه. قال العلاّمة ابن قدامة -رحمه اللَّه تعالى-: أجمع أهل العلم على أن عدّة الحرّة المسلمة، غير ذات الحمل من وفاة زوجها أربعة أشهر وعشر، مدخولاً بها، أو غير مدخول بها، سواء كانت كبيرة بالغة، أو صغيرةً لم تبلغ؛ لعموم آية: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ الآية. وإنما لم تحمل هذه الآية على المدخول بها، كما حُملت آية: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ الآية, على المدخول بها؛ لأن اية الطلاق خصّصتها اية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ الآية، وأما آية الوفاة، فلم يرد لها مخصّصٌ. ولم يمكن قياسها على المطلّقة؛ لأن المطلّقة إذا أتت بولد يمكن الزوج تكذيبها، ونفيه باللعان، وهذا ممتنع في حقّ الميت، فلا يؤمن أن تأتي بولد، فيلحق الميت نسبه، وما له من ينفيه، فاحتيط

стр. 14737

بإيجاب العدّة عليها؛ لحفظها عن التصرّف، والمبيت في غير منزلها؛ حفظًا لها. انتهى باختصار، وقد تقدّم بأتمّ من هذا (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ٥٨ - (بَابُ الإِحْدَادِ) قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "الإحداد" -بكسر الهمزة-: مصدر أحدّت المرأة رُباعيًّا، ويقال: حدّت ثلاثيًّا. قال الفيّوميّ: حدّت المرأة على زوجها تَحِدُّ -بالكسر- وتَحُدّ- بالضمّ حِدَادًا بالكسر، فهي حادّ، بغير هاء، وأحدّت إحدادًا، فهي مُحِدٌّ، ومُحِدَّة: إذا تركت الزينة لموته. وأنكر الأصمعيّ الثلاثيّ، واقتصر على الرباعيّ. انتهى (٢). وقال ابن منظور -بعد ذكر نحو ما تقدّم-: قال أبو عبيد: وإحداد المرأة على زوجها ترك الزينة. وقيل: هو إذا حَزِنت عليه، ولبست ثياب الحزن، وتركت الزينة والخضاب. قال أبو عبيد: ونرى أنه مأخوذ من المنع؛ لأنها قد مُنِعَت من ذلك، ومنه قيل للبوّاب حدّاد؛ لأنه يمنع الناس من الدخول انتهى (٣). وقال في "الفتح": قوله: "تحد" بضمّ أوله، وكسر ثانيه، من الرباعيّ، ويجوز بفتحة، ثم ضمة، من الثلاثيّ. قال أهل اللغة: أصل الإحداد المنع، ومنه سمّي البوّاب حدّادًا؛ لمنعه الداخل، وسمّيت العقوبة حدًّا؛ لأنها تردع عن المعصية. وقال ابن درستويه: معنى الإحداد منع المعتدّة نفسَهَا الزينةَ، وبَدَنهَا الطيبَ، ومنع الْخُطّاب خِطبتها، والطمعَ فيها، كما منع الحدّ المعصية. وقال الفراء: سمّي الحديد حديدًا؛ للامتناع به، أو لامتناعه على محاوله، ومنه تحديد النظر بمعنى امتناع تقلّبه في الجهات. ويُروى بالجيم، حكاه الخطّابيّ، قال: يُروى بالحاء والجيم، وبالحاء أشهر، والجيم

стр. 14738

مأخوذ من جددت الشيء إذا قطعته، فكان المرأة انقطعت عن الزينة. وقال أبو حاتم: أنكر الأصمعيّ حَدّت، ولم يَعرِف إلا أحدّت. وقال الفرّاء: كان القدماء يؤثرون أحدّت، والأخرى أكثر في كلام العرب (١). وقال في موضع آخر: قال ابن بطّال: الإحداد -بالمهملة-: امتناع المرأة المتوفّى عنها زوجها من الزينة، كلها من لباس، وطيب، وغيرهما، وكلّ ما كان من دواعي الجماع. وأباح الشارع للمرأة أن تحد على غير زوجها ثلاثة أيام لما يغلب من لَوْعة الحزن، ويهجم من ألم الوجد، وليس ذلك واجبًا؛ لاتفاقهم على أن الزوج لو طالبها بالجماع لم يحل لها منعه في تلك الحال. انتهى (٢). واللَّه تعالى أعلم بالصواب. ٣٥٥٢ - (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ, قَالَ: أَنْبَأَنَا سُفْيَانُ, عَنِ الزُّهْرِيِّ, عَنْ عُرْوَةَ, عَنْ عَائِشَةَ, أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ , قَالَ: «لَا يَحِلُّ لاِمْرَأَةٍ, تَحِدُّ عَلَى مَيِّتٍ, أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثٍ, إِلاَّ عَلَى زَوْجِهَا»). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا غير مرّة. و"سفيان": هو ابن عُيينة. وقوله: "تحُدّ" -بضمّ أوله، أو بفتحه، من الإحداد، أو الحدّ- وهو فاعلُ "لا يَحلّ" بتقدير "أن المصدريّة"، وهو قياس على الأصح، لوقوعه في القرآن، كما قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ﴾ الآية، فـ "يريكم" بتقدير "أن" مبتدأ مؤخّر. والحديث أخرجه المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- هنا -٥٨/ ٣٥٥٢ و ٣٥٥٣ - وفي "الكبرى" ٥٨/ ٥٧١٩ و٥٧٢٠. وأخرجه (م) في "الطلاق" ١٤٩٠ و١٤٩١ (ق) في "الطلاق" ٢٠٨٥ (أحمد) في "باقي مسند الأنصار" ٢٣٥٧٢ و ٢٤٩٨٦ و٢٥٥٩٠ و ٢٥٨٧٢ (الموطأ) في "الطلاق" ١٢٧١ (الدارمي) في "الطلاق" ٢٢٨٣، وقد تقدّم شرحه في شرح حديث أم حبيبة - رضي اللَّه تعالى عنها - قبل بابين، وسيأتي أيضًا بعد أربعة أبواب مشروحًا بشرح مطول، إن شاء اللَّه تعالى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٥٥٣ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَعْمَرٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا حَبَّانُ, قَالَ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ كَثِيرٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ, عَنْ عُرْوَةَ, عَنْ عَائِشَةَ, أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ , قَالَ: «لَا يَحِلُّ لاِمْرَأَةٍ, تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ, أَنْ تَحِدَّ فَوْقَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ, إِلاَّ عَلَى زَوْجٍ»). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "محمد بن معمر": البحرانيّ -بالموحّدة،

стр. 14739

والمهملة- البصريّ، صدوق، من كبار [١١] ٥/ ١٨٢٩ (١). و"حَبان" -بفتح المهملة، وتشديد الموحّدة-: هو ابن هلال، أبو حبيب البصريّ، ثقة ثبت [٩] ٤٤/ ٥٩٠. و"سليمان بن كثير" العبديّ البصريّ، أبو داود، ويقال: أبو محمد، لا بأس به في غير الزهريّ [٧]. قال النسائيّ: ليس به بأس، إلا في الزهريّ، فإنه يُخطىء عليه. وقال أبو حاتم: يُكتب حديثه. وقال العجليّ: جائز الحديث، لا بأس به. وقال ابن معين: ضعيف. وقال الآجرّيّ، عن أبي داود: سليمان بن كثير أخو محمد بن كثير، أصله من واسط، يقال له: أبو داود الواسطيّ، كان يصحب سفيان بن حُسين. وقال العقيليّ: واسطيّ، سكن البصرة، مضطرب الحديث عن ابن شهاب، وهو في غيره أثبت. وقال الذهليّ: نحو ذلك. وقال ابن حبّان: كان يُخطىء كثيرًا، فأما روايته عن الزهريّ، فقد اختلطت عليه صحيفته، فلا يُحتجّ بشيء ينفرد به عن الثقات. وقال ابن عديّ: لم أسمع أحدًا في روايته عن غير الزهريّ شيئًا (٢)، قال: وله عن الزهريّ، وعن غيره أحاديث صالحة، ولا بأس به. مات سنة (١٣٣). روى له الجماعة، وله عند المصنّف في هذا الكتاب أربعة أحاديث، حديث الباب -٥٨/ ٣٥٥٣ وحديث "باب فضل الصدقة عن الميت" ٨/ ٣٦٨٣ وحديث "باب من قتل بحجر أو سوط" ٣١، ٣٢/ ٤٩١٦ و ٤٨١٧. والحديث صحيح، ولا يضرّ كونه من رواية سليمان بن كثير، وهو متكلّم فيه في حديث الزهريّ؛ لأنه لم ينفرد به، بل تابعه ابن عيينة، كما في الرواية السابقة، وتقدم شرحه، وبيان مسائله في شرح حديث أم حبيبة - رضي اللَّه تعالى عنها - قبل بابين، وسيأتي شرحه أيضًا مطوّلًا بعد أربعة أبواب، ولنتكلّم هنا على مسألتين تتعلّقان بما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-: (المسألة الأولى): في أقوال أهل العلم في حكم إحداد المرأة: قال العلامة ابن قُدامة -رحمه اللَّه تعالى-: ما ملخّصه: لا نعلم بين أهل العلم خلافًا في وجوب الإحداد على المتوفّى عنها زوجها، إلا الحسن، فإنه قال: لا يجب الإحداد، وهو قول شذّ به عن أهل العلم، وخالف به السنة، فلا يعرّج عليه، ويستوي

стр. 14740

في وجوبه الحرّة، والأمة، والمسلمة، والذمّيّة، والكبيرة، والصغيرة. وقال أصحاب الرأي: لا إحداد على ذمّيّة، ولا صغيرة؛ لأنهما غير مكلّفين. والصحيح قول الجمهور؛ لعموم الأحاديث. ولا إحداد على غير الزوجات، كأم الولد، إذا مات سيدها، قال ابن المنذر: لا أعلمهم يختلفون في ذلك. وكذلك الأمة التي يطؤها سيدها، إذا مات عنها، ولا الموطوءة بشبهة، ولا المزنيّ بها؛ لحديث الباب، فإنه قال: "إلا على زوج"، فشرط كونه زوجًا. ولا إحداد أيضًا على الرجعية، ولا نعلم فيه خلافًا بين العلماء؛ لأنها في حكم الزوجات، لها أن تتزين لزوجها، وتستشرف له، ليرغب فيها، كما تفعل في حال النكاح. ولا إحداد أيضًا على المنكوحة نكاحَا فاسدًا؛ لأنها ليست زوجة على الحقيقة. واختُلف في المطلّقة البائن، فذهب إلى وجوب الإحداد عليها ابن المسيّب، وأبو عبيد، وأبو ثور، وأصحاب الرأي، وهي رواية عن أحمد؛ لأنها معتدّة من بائن من نكاح، فلزمها الإحداد، كالمتوفّى عنها زوجها، وذلك لأن العدّة تحرم النكاح، فحرمت دواعيه. وذهب عطاء، وربيعة، ومالك، وابن المنذر، والشافعيّ إلى أنه لا يجب عليها الإحداد؛ لأن النبيّ ﷺ قال: "لا يحلّ لامرأة تؤمن باللَّه واليوم الآخر أن تُحدّ على ميت فوق ثلاث، إلا على زوج أربعة أشهر وعشرًا"، وهذه عدّة الوفاة، فيدلّ على أن الإحداد إنما يجب في عدة الوفاة (١). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: المذهب الثاني، وهو عدم وجوب الاحداد على المطلّقة البائن هو الأرجح عندي؛ لقوة دليله، فإن الموجبين لم يأتوا بنصّ، ولا إجماع، فليس لنا دليلٌ نتمسّك به حتى نخرج من البراءة الأصلية. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الثانية): فيما تجتنبه المحدّة في زمن إحدادها: قال أهل العلم يجب عليها أن تجتنب ما يدعو إلى جماعها، ويرغّب في النظر إليها، ويُحسّنها، وذكر من ذلك أشياء: (فمنها): الطيب، ولا خلاف في تحريمه عند من أوجب الإحداد؛ لقوله ﷺ : "لا تمسّ طيبًا إلا عند طهرها، إذا طهرت من حيضتها بنبذة من قسط، أو أظفار". متّفقٌ
следующие страницы →