← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 12888

ذخيرة العقبى في شرح المجتبى

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (19 271 стр.). Показаны 14736–14775 · переход к 14741.

стр. 14736

٥٧ - (عِدَّةُ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ بِهَا) ٣٥٥١ - (أَخْبَرَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ, قَالَ: حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الْحُبَابِ, قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ, عَنْ مَنْصُورٍ, عَنْ إِبْرَاهِيمَ, عَنْ عَلْقَمَةَ, عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ, أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ رَجُلٍ, تَزَوَّجَ امْرَأَةً, وَلَمْ يَفْرِضْ لَهَا صَدَاقًا, وَلَمْ يَدْخُلْ بِهَا حَتَّى مَاتَ؟ , قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: لَهَا مِثْلُ صَدَاقِ نِسَائِهَا, لَا وَكْسَ, وَلَا شَطَطَ, وَعَلَيْهَا الْعِدَّةُ, وَلَهَا الْمِيرَاثُ, فَقَامَ مَعْقِلُ بْنُ سِنَانٍ الأَشْجَعِيُّ, فَقَالَ: قَضَى فِينَا رَسُولُ اللهِ ﷺ , فِي بِرْوَعَ بِنْتِ وَاشِقٍ, امْرَأَةٍ مِنَّا, مِثْلَ مَا قَضَيْتَ, فَفَرِحَ ابْنُ مَسْعُودٍ ﵁). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الحديث صحيحٌ، وقد تقدم للمصنّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- في -٦٨/ ٣٣٥٥ - باب "إباحة التزوّيج بغير صداق"، وتقدّم هناك شرحه ومسائله مستوفاة، فراجعه تستفد، وباللَّه تعالى التوفيق. و"سفيان": هو الثوريّ. وقوله: "لا وكس" -بفتح، فسكون-: أي لا نقصان منه. وقوله: "لا شطط" -بفتحتين-: أي لا زيادة عليه. وقوله: "معقِل بن سنان" -بفتح الميم، وكسر القاف. وقوله: "بَرْوَع بنت واشق" -بفتح الموحّدة، وكسرها، وقد تقدم في الباب المذكور الاختلاف في ضبطها، فراجعه تستفد. [تنبيه]: أورده المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- هذا الحديث هنا استدلالاً على وجوب العدّة على المتوفّى عنها زوجها قبل أن يدخل بها، وهذا مما لا خلاف فيه. قال العلاّمة ابن قدامة -رحمه اللَّه تعالى-: أجمع أهل العلم على أن عدّة الحرّة المسلمة، غير ذات الحمل من وفاة زوجها أربعة أشهر وعشر، مدخولاً بها، أو غير مدخول بها، سواء كانت كبيرة بالغة، أو صغيرةً لم تبلغ؛ لعموم آية: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ الآية. وإنما لم تحمل هذه الآية على المدخول بها، كما حُملت آية: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ الآية, على المدخول بها؛ لأن اية الطلاق خصّصتها اية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ الآية، وأما آية الوفاة، فلم يرد لها مخصّصٌ. ولم يمكن قياسها على المطلّقة؛ لأن المطلّقة إذا أتت بولد يمكن الزوج تكذيبها، ونفيه باللعان، وهذا ممتنع في حقّ الميت، فلا يؤمن أن تأتي بولد، فيلحق الميت نسبه، وما له من ينفيه، فاحتيط

стр. 14737

بإيجاب العدّة عليها؛ لحفظها عن التصرّف، والمبيت في غير منزلها؛ حفظًا لها. انتهى باختصار، وقد تقدّم بأتمّ من هذا (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ٥٨ - (بَابُ الإِحْدَادِ) قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "الإحداد" -بكسر الهمزة-: مصدر أحدّت المرأة رُباعيًّا، ويقال: حدّت ثلاثيًّا. قال الفيّوميّ: حدّت المرأة على زوجها تَحِدُّ -بالكسر- وتَحُدّ- بالضمّ حِدَادًا بالكسر، فهي حادّ، بغير هاء، وأحدّت إحدادًا، فهي مُحِدٌّ، ومُحِدَّة: إذا تركت الزينة لموته. وأنكر الأصمعيّ الثلاثيّ، واقتصر على الرباعيّ. انتهى (٢). وقال ابن منظور -بعد ذكر نحو ما تقدّم-: قال أبو عبيد: وإحداد المرأة على زوجها ترك الزينة. وقيل: هو إذا حَزِنت عليه، ولبست ثياب الحزن، وتركت الزينة والخضاب. قال أبو عبيد: ونرى أنه مأخوذ من المنع؛ لأنها قد مُنِعَت من ذلك، ومنه قيل للبوّاب حدّاد؛ لأنه يمنع الناس من الدخول انتهى (٣). وقال في "الفتح": قوله: "تحد" بضمّ أوله، وكسر ثانيه، من الرباعيّ، ويجوز بفتحة، ثم ضمة، من الثلاثيّ. قال أهل اللغة: أصل الإحداد المنع، ومنه سمّي البوّاب حدّادًا؛ لمنعه الداخل، وسمّيت العقوبة حدًّا؛ لأنها تردع عن المعصية. وقال ابن درستويه: معنى الإحداد منع المعتدّة نفسَهَا الزينةَ، وبَدَنهَا الطيبَ، ومنع الْخُطّاب خِطبتها، والطمعَ فيها، كما منع الحدّ المعصية. وقال الفراء: سمّي الحديد حديدًا؛ للامتناع به، أو لامتناعه على محاوله، ومنه تحديد النظر بمعنى امتناع تقلّبه في الجهات. ويُروى بالجيم، حكاه الخطّابيّ، قال: يُروى بالحاء والجيم، وبالحاء أشهر، والجيم

стр. 14738

مأخوذ من جددت الشيء إذا قطعته، فكان المرأة انقطعت عن الزينة. وقال أبو حاتم: أنكر الأصمعيّ حَدّت، ولم يَعرِف إلا أحدّت. وقال الفرّاء: كان القدماء يؤثرون أحدّت، والأخرى أكثر في كلام العرب (١). وقال في موضع آخر: قال ابن بطّال: الإحداد -بالمهملة-: امتناع المرأة المتوفّى عنها زوجها من الزينة، كلها من لباس، وطيب، وغيرهما، وكلّ ما كان من دواعي الجماع. وأباح الشارع للمرأة أن تحد على غير زوجها ثلاثة أيام لما يغلب من لَوْعة الحزن، ويهجم من ألم الوجد، وليس ذلك واجبًا؛ لاتفاقهم على أن الزوج لو طالبها بالجماع لم يحل لها منعه في تلك الحال. انتهى (٢). واللَّه تعالى أعلم بالصواب. ٣٥٥٢ - (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ, قَالَ: أَنْبَأَنَا سُفْيَانُ, عَنِ الزُّهْرِيِّ, عَنْ عُرْوَةَ, عَنْ عَائِشَةَ, أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ , قَالَ: «لَا يَحِلُّ لاِمْرَأَةٍ, تَحِدُّ عَلَى مَيِّتٍ, أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثٍ, إِلاَّ عَلَى زَوْجِهَا»). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا غير مرّة. و"سفيان": هو ابن عُيينة. وقوله: "تحُدّ" -بضمّ أوله، أو بفتحه، من الإحداد، أو الحدّ- وهو فاعلُ "لا يَحلّ" بتقدير "أن المصدريّة"، وهو قياس على الأصح، لوقوعه في القرآن، كما قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ﴾ الآية، فـ "يريكم" بتقدير "أن" مبتدأ مؤخّر. والحديث أخرجه المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- هنا -٥٨/ ٣٥٥٢ و ٣٥٥٣ - وفي "الكبرى" ٥٨/ ٥٧١٩ و٥٧٢٠. وأخرجه (م) في "الطلاق" ١٤٩٠ و١٤٩١ (ق) في "الطلاق" ٢٠٨٥ (أحمد) في "باقي مسند الأنصار" ٢٣٥٧٢ و ٢٤٩٨٦ و٢٥٥٩٠ و ٢٥٨٧٢ (الموطأ) في "الطلاق" ١٢٧١ (الدارمي) في "الطلاق" ٢٢٨٣، وقد تقدّم شرحه في شرح حديث أم حبيبة - رضي اللَّه تعالى عنها - قبل بابين، وسيأتي أيضًا بعد أربعة أبواب مشروحًا بشرح مطول، إن شاء اللَّه تعالى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٥٥٣ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَعْمَرٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا حَبَّانُ, قَالَ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ كَثِيرٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ, عَنْ عُرْوَةَ, عَنْ عَائِشَةَ, أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ , قَالَ: «لَا يَحِلُّ لاِمْرَأَةٍ, تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ, أَنْ تَحِدَّ فَوْقَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ, إِلاَّ عَلَى زَوْجٍ»). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "محمد بن معمر": البحرانيّ -بالموحّدة،

стр. 14739

والمهملة- البصريّ، صدوق، من كبار [١١] ٥/ ١٨٢٩ (١). و"حَبان" -بفتح المهملة، وتشديد الموحّدة-: هو ابن هلال، أبو حبيب البصريّ، ثقة ثبت [٩] ٤٤/ ٥٩٠. و"سليمان بن كثير" العبديّ البصريّ، أبو داود، ويقال: أبو محمد، لا بأس به في غير الزهريّ [٧]. قال النسائيّ: ليس به بأس، إلا في الزهريّ، فإنه يُخطىء عليه. وقال أبو حاتم: يُكتب حديثه. وقال العجليّ: جائز الحديث، لا بأس به. وقال ابن معين: ضعيف. وقال الآجرّيّ، عن أبي داود: سليمان بن كثير أخو محمد بن كثير، أصله من واسط، يقال له: أبو داود الواسطيّ، كان يصحب سفيان بن حُسين. وقال العقيليّ: واسطيّ، سكن البصرة، مضطرب الحديث عن ابن شهاب، وهو في غيره أثبت. وقال الذهليّ: نحو ذلك. وقال ابن حبّان: كان يُخطىء كثيرًا، فأما روايته عن الزهريّ، فقد اختلطت عليه صحيفته، فلا يُحتجّ بشيء ينفرد به عن الثقات. وقال ابن عديّ: لم أسمع أحدًا في روايته عن غير الزهريّ شيئًا (٢)، قال: وله عن الزهريّ، وعن غيره أحاديث صالحة، ولا بأس به. مات سنة (١٣٣). روى له الجماعة، وله عند المصنّف في هذا الكتاب أربعة أحاديث، حديث الباب -٥٨/ ٣٥٥٣ وحديث "باب فضل الصدقة عن الميت" ٨/ ٣٦٨٣ وحديث "باب من قتل بحجر أو سوط" ٣١، ٣٢/ ٤٩١٦ و ٤٨١٧. والحديث صحيح، ولا يضرّ كونه من رواية سليمان بن كثير، وهو متكلّم فيه في حديث الزهريّ؛ لأنه لم ينفرد به، بل تابعه ابن عيينة، كما في الرواية السابقة، وتقدم شرحه، وبيان مسائله في شرح حديث أم حبيبة - رضي اللَّه تعالى عنها - قبل بابين، وسيأتي شرحه أيضًا مطوّلًا بعد أربعة أبواب، ولنتكلّم هنا على مسألتين تتعلّقان بما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-: (المسألة الأولى): في أقوال أهل العلم في حكم إحداد المرأة: قال العلامة ابن قُدامة -رحمه اللَّه تعالى-: ما ملخّصه: لا نعلم بين أهل العلم خلافًا في وجوب الإحداد على المتوفّى عنها زوجها، إلا الحسن، فإنه قال: لا يجب الإحداد، وهو قول شذّ به عن أهل العلم، وخالف به السنة، فلا يعرّج عليه، ويستوي

стр. 14740

في وجوبه الحرّة، والأمة، والمسلمة، والذمّيّة، والكبيرة، والصغيرة. وقال أصحاب الرأي: لا إحداد على ذمّيّة، ولا صغيرة؛ لأنهما غير مكلّفين. والصحيح قول الجمهور؛ لعموم الأحاديث. ولا إحداد على غير الزوجات، كأم الولد، إذا مات سيدها، قال ابن المنذر: لا أعلمهم يختلفون في ذلك. وكذلك الأمة التي يطؤها سيدها، إذا مات عنها، ولا الموطوءة بشبهة، ولا المزنيّ بها؛ لحديث الباب، فإنه قال: "إلا على زوج"، فشرط كونه زوجًا. ولا إحداد أيضًا على الرجعية، ولا نعلم فيه خلافًا بين العلماء؛ لأنها في حكم الزوجات، لها أن تتزين لزوجها، وتستشرف له، ليرغب فيها، كما تفعل في حال النكاح. ولا إحداد أيضًا على المنكوحة نكاحَا فاسدًا؛ لأنها ليست زوجة على الحقيقة. واختُلف في المطلّقة البائن، فذهب إلى وجوب الإحداد عليها ابن المسيّب، وأبو عبيد، وأبو ثور، وأصحاب الرأي، وهي رواية عن أحمد؛ لأنها معتدّة من بائن من نكاح، فلزمها الإحداد، كالمتوفّى عنها زوجها، وذلك لأن العدّة تحرم النكاح، فحرمت دواعيه. وذهب عطاء، وربيعة، ومالك، وابن المنذر، والشافعيّ إلى أنه لا يجب عليها الإحداد؛ لأن النبيّ ﷺ قال: "لا يحلّ لامرأة تؤمن باللَّه واليوم الآخر أن تُحدّ على ميت فوق ثلاث، إلا على زوج أربعة أشهر وعشرًا"، وهذه عدّة الوفاة، فيدلّ على أن الإحداد إنما يجب في عدة الوفاة (١). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: المذهب الثاني، وهو عدم وجوب الاحداد على المطلّقة البائن هو الأرجح عندي؛ لقوة دليله، فإن الموجبين لم يأتوا بنصّ، ولا إجماع، فليس لنا دليلٌ نتمسّك به حتى نخرج من البراءة الأصلية. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الثانية): فيما تجتنبه المحدّة في زمن إحدادها: قال أهل العلم يجب عليها أن تجتنب ما يدعو إلى جماعها، ويرغّب في النظر إليها، ويُحسّنها، وذكر من ذلك أشياء: (فمنها): الطيب، ولا خلاف في تحريمه عند من أوجب الإحداد؛ لقوله ﷺ : "لا تمسّ طيبًا إلا عند طهرها، إذا طهرت من حيضتها بنبذة من قسط، أو أظفار". متّفقٌ

стр. 14741

عليه. ولا يجوز لها استعمال الأدهان المطيّبة، كدهن البنفسج، والياسمين، والبان، وما أشبهه؛ لأنه استعمال للطيب، فأما الأدهان بغير الطيب، كالزيت، والشيرج، والسمن، فلا بأس به. (ومنها): الزينة، واجتنابها واجب في قول عامة أهل العلم، منهم: ابن عمر، وابن عبّاس، وعطاء. وجماعة أهل العلم يكرهون ذلك، وينهون عنه. وهي ثلاثة أقسام: [أحدها]: الزينة في نفسها، فيحرم عليها أن تختضب، وأن تحمّر وجهها، وتبيّضه، وأن تكتحل بالإثمد من غير ضرورة، ورخّص فيه عند الضرورة عطاء، والنخعيّ، ومالك، وأصحاب الرأي. والصحيح أنه لا يجوز؛ لما سبق من قصّة المرأة التي استأذنت في أن تكحل ابنتها للمرض، فنهاها النبيّ ﷺ . [الثاني]: زينة الثياب، فتحرم عليها الثياب المصبوغة للتحسين، كالمعصفر، والمزعفر، وسائر الملون للتحسين؛ لقوله ﷺ : "لا تلبس ثوبًا مصبوغًا". متّفقٌ عليه. وأما ما لا يقصد بصبغه حسنه، كالكحليّ، والأسود، والأخضر المشبع، فلا تُمنع منه؛ لأنه ليس بزينة. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: وقد ذكروا مما تجتنبه الحادّة أيضًا النقاب، وما في معناه، مثل البرقع؛ لأن المعتدّة كالمحرمة، لكن لم أجد لذلك دليلًا، فإن كان هناك دليل من نصّ أو إجماع، فذاك، وإلا فلا أرى لمنعه وجهًا، فليتنبّه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ٥٩ - (بَابُ سُقُوطِ الإِحْدَادِ عَنِ الْكِتَابِيةِ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا) ٣٥٥٤ - (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ, قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ, قَالَ: حَدَّثَنِي أَيُّوبُ بْنُ مُوسَى, عَنْ حُمَيْدِ بْنِ نَافِعٍ, عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ, أَنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ, قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ , يَقُولُ عَلَى هَذَا الْمِنْبَرِ: «لَا يَحِلُّ لاِمْرَأَةٍ, تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ, أَنْ تَحِدَّ عَلَى مَيِّتٍ, فَوْقَ ثَلَاثِ لَيَالٍ, إِلاَّ عَلَى زَوْجٍ, أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا»).

стр. 14742

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا. و"إسحاق بن منصور": هو الكَوْسَجُ. [تنبيه]: هذا الذي ذكرته من كون شيخ المصنّف هو إسحاق بن منصور الكوسج، هو الذي وقع في نسخ "المجتبى"، ووقع في "الكبرى" بدله عمرو بن منصور النسائيّ، وهو ثقة ثبت [١١] ١٠٨/ ١٤٧. والذي يظهر لي أن ما في "الكبرى" هو الصواب؛ لأمرين: (الأول): تنصيصه بنسبته إلى بلده، فهذا التنصيص يرجّح على أنه رواه عن عمرو، لا عن إسحاق، فإنه مروزيّ. (والثاني): أنه لم يذكر في "تهذيب الكمال"، ولا "في تهذيب التهذيب" إسحاق بن منصور ممن روى عن عبد اللَّه بن يوسف التِّنِّيسيّ، بل نصّ في الثاني على أن النسائيّ يروي عنه بواسطة عمرو بن منصور النسائيّ. واللَّه تعالى أعلم. و"عبد اللَّه بن يوسف": هو التِّنِّيسِيّ. و"الليث": هو ابن سعد المصريّ. و"أيوب بن موسى": هو أبو موسى الأمويّ المكيّ، ثقة [٦] ١٥٠/ ٢٤١. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الحديث متّفقٌ عليه، وتقدّم قبل ثلاثة أبواب، وقد استوفيت شرحه، وبيان مسائله هناك، فارجع إليه تستفد، وباللَّه تعالى التوفيق. [تنبيه]: استدلّ المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- بهذا الحديث على عدم وجوب الإحداد على الكتابية المتوفّى عنها زوجها، وهذا الذي ذهب إليه المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- قال به أبو حنيفة، وغيره من الكوفيين، وأبو ثور، وبعض المالكيّة؛ لقوله ﷺ : "لا يحلّ لامرأة تؤمن باللَّه … " الحديث.، فخصّه بالمؤمنة. وذهب الجمهور، ومنهم الشافعيّ إلى أنها يجب عليها الإحداد، وأولوا الحديث بأنه إنما خصّ المؤمنة؛ لأن الذي يستثمر خطاب الشارع، وينتفع به، وينقاد له هو المؤمن. وقال العلّامة ابن القيّم -رحمه اللَّه تعالى-: والتحقيق أن نفي حلّ الفعل عن المؤمنين لا يقتضي نفي حكمه عن الكفّار، ولا إثباته لهم أيضًا، وإنما يقتضي أن من التزم الإيمان وشرائعه، فهذا لا يحلّ له، ويجب على كلّ حال أن يلزم الإيمان وشرائعه، ولكن لا يُلزمه الشارع شرائع الإيمان إلا بعد دخوله فيه، وهذا كما لو قيل: لا يحلّ لمؤمن أن يترك الصلاة، والحجّ، والزكاة، فهذا لا يدلّ على أن ذلك حلّ للكافر، وهذا كما قال في لباس الحرير: "لا ينبغي هذا للمتقين". أخرجه مسلم. فلا يدلّ أنه ينبغي لغيرهم، وكذا قوله: "لا ينبغي لمؤمن أن يكون لعّانًا". أخرجه مسلم. وسرّ المسألة أن شرائع الحلال والحرام والإيجاب، إنما شُرعت لمن التزم أصل

стр. 14743

الإيمان, ومن لم يلتزمه، وخُلّي بينه وبين دينه، فإنه يُخلَّى بينه وبين شرائع الدين الذي التزمه، كما خُلي بينه وبين أصله ما لم يُحاكم إلينا، وهذه القاعدة متّفقٌ عليها بين العلماء، ولكن عُذرُ الذين أوجبوا الإحداد على الذميّة أنه يتعلّق به حقّ الزوج المسلم، وكان منه إلزامها به كأصل العدّة، ولهذا لا يُلزمونها به في عدّتها من الذميّ، ولا يُتعرّض لها فيها، فصار هذا كعقودهم مع المسلمين، فإنهم يُلزمُون فيها بأحكام الإسلام، وإن لم يُتعرّض لعقود بعضهم مع بعض. ومن ينازعهم في ذلك يقولون: الإحداد حقّ اللَّه تعالى، ولهذا لو اتّفق هي والأولياء، والمتوفّى على سقوطه بأن أوصاها بتركه، لم يسقط، ولزمها الإتيان به، فهو جار مجرى العبادات، وليست الذميّة من أهلها، فهذا سرّ المسألة. انتهى كلام ابن القيّم -رحمه اللَّه تعالى- (١). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الذي يظهر لي أن ما ذهب إليه المصنّف، وهو مذهب الحنفيّة، وبعض طائفة من أهل العلم، من عدم وجوب الإحداد على الكتابية هو الأرجح؛ عملا بظاهر التقييد بالإيمان، ولما ذُكر من أن الإحداد يُغَلَّب فيه جانب العبادة، وهي ليست من أهلها. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ٦٠ - (مُقَامُ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا فِي بَيْتِهَا حَتَّى تَحِلَّ) قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قوله: "مقام" -بضمّ الميم- مصدر أقام يُقيم، بمعنى الإقامة. وقوله: "حتى تحلّ" -بكسر الحاء المهملة، يقال: حلّت المرأة للأزواج تَحِلّ بالكسر: زال المانع الذي كانت متّصفة به، كانقضاء العدّة، فهي حلالٌ. أفاده الفيّوميّ. واللَّه تعالى أعلم بالصواب. ٣٥٥٥ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ, قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ إِدْرِيسَ, عَنْ شُعْبَةَ, وَابْنِ جُرَيْجٍ, وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ, وَمُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ, عَنْ سَعْدِ بْنِ إِسْحَاقَ, عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ كَعْبٍ,

стр. 14744

عَنِ الْفَارِعَةِ بِنْتِ مَالِكٍ, أَنَّ زَوْجَهَا, خَرَجَ فِي طَلَبِ أَعْلَاجٍ, فَقَتَلُوهُ, قَالَ: شُعْبَةُ, وَابْنُ جُرَيْجٍ: وَكَانَتْ فِي دَارٍ قَاصِيَةٍ, فَجَاءَتْ وَمَعَهَا أَخُوهَا, إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ , فَذَكَرُوا لَهُ, فَرَخَّصَ لَهَا, حَتَّى إِذَا رَجَعَتْ دَعَاهَا, فَقَالَ: «اجْلِسِي فِي بَيْتِكِ, حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ»). رجال هذا الإسناد: تسعة: ١ - (محمد بن العلاء) الهمدنيّ، أبو كُريب الكوفيّ، ثقة حافظ [١٠] ٩٥/ ١١٧. ٢ - (ابن إدريس) هو عبد اللَّه الأوديّ، أبو محمد الكوفيّ، ثقة فقيه عابد [٨] ٨٥/ ١٠٢. ٣ - (شعبة) بن الحجاج الإمام الحجة المشهور [٧] ٢٤/ ٢٧. ٤ - (ابن جريج) هو عبد الملك بن عبد العزيز بن جُريج الأمويّ مولاهم المكيّ، ثقة فقيه فاضل، يدلس ويرسل [٦] ٢٨/ ٣٢. [تنبيه]: قوله: "وابنِ جريج، ويحيى بنِ سعيد، ومحمد بنِ إسحاق" كلّه بالجرّ عطفًا على شعبة، فالأربعة، وهم: شعبة، وابن جريج، ويحيى بن سعيد الأنصاريّ، ومحمد بن إسحاق يروون عن سعد بن إسحاق (١)، فما وقع في النسخة المطبوعة من ضبط "ابن جريج، وما بعده ضبط قلم بالرفع غلط، فتنبّه. واللَّه تعالى أعلم. ٥ - (يحيى بن سعيد) بن قيس الأنصاريّ المدنيّ القاضي، ثقة ثبت [٥] ٢٢/ ٢٣. ٦ - (محمد بن إسحاق) بن يسار المطّلبيّ مولاهم، أبو بكر المدنيّ، نزيل بغداد، إمام المغازي، صدوقٌ يدلّس، ورُمي بالتشيّع والقدر، من صغار [٥] ٥/ ٤٨٠. ٧ - (سعد بن إسحاق) بن كعب بن عُجرة البلويّ المدنيّ، حليف الأنصار، ثقة [٥] ١/ ١٦٠٠. ٨ - (زينب بنت كعب) بن عُجرة، زوج أبي سعيد الخدريّ ﵁، مقبولة [٢]. روت عن زوجها أبي سعيد ﵁، وأخته الفُريعة بنت مالك. وعنها ابنا أخويها: سعد بن إسحاق، وسليمان بن محمد ابني كعب بن عُجرة. وقال ابن المدينيّ: لم يرو عنها غير سعد بن إسحاق. كذا قال: وحديث سليمان عنها في "مسند أحمد" بسند جيّد. وذكرها ابن حبّان في "الثقات". وذكرها ابن الأثير، وابن فتحون في "الصحابة". أخرج لها الأربعة، ولها عند المصنف في هذا الكتاب حديثها عن فريعة هذا، وحديثها عن زوجها في "الأضاحي" في النهي عن لحوم الأضاحي فوق ثلاثة أيام.

стр. 14745

٩ - (الفارعة بنت مالك) ويقال لها: الفُريعة -وهو المشهور- بنت مالك بن سنان الخدريّة الأنصاريّة، أخت أبي سعيد الخدريّ - رضي اللَّه تعالى عنهما -، وأمهما حبيبة بنت عبد اللَّه بن أبيّ، صحابيّة شهدت بيعة الرضوان. روى لها الأربعة حديث الباب فقط. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنِ الْفَارِعَةِ) وفي الرواية التالية: "عن الفريعة" بالتصغير، وهو المشهور. وفي رواية الطحاويّ: "الفرعة" (بِنْتِ مَالِكٍ) بن سنان الصحابيّ - رضي اللَّه تعالى عنهما - (أَنَّ زَوْجَهَا) لم يسمّ (خَرَجَ فِي طلَبِ أَعْلَاجٍ) -بفتح الهمزة- جمع عِلْج، -بكسر، فسكون- قال الفيّوميّ: العِلْج حمار الوحش الغليظ، ورجلٌ عِلْجٌ شديد، وعَلِجَ عَلَجًا، من باب تَعِبَ: اشتدّ. والعِلْجُ الرجل الضخم من كفّار العجم، وبعض العرب يُطلق العِلْج على الكافر مطلقًا، والجمع عُلُوجٌ، وأعلاجٌ، مثلُ حِمْلٍ وحُمُول وأحمال. قال أبو زيد: يقال: استعلج الرجل: إذا خرجت لحيته، وكلُّ ذي لحية عِلْجٌ، ولا يقال للأمرد: عِلْج انتهى. والمراد به هنا العبيد، ففي رواية الترمذيّ: "خرج في طلب أعبد له أَبَقُوا". (فَقَتَلُوهُ) وفي الرواية الآتية: "فقتل بطرف القدوم". وفي رواية الترمذيّ: "حتى إذا كان بطرف القدوم لَحِقهم، فقتلوه". والقَدّوم -بفتح القاف، وضم الدال مشدّدة، ومخفّفةً: موضع على ستّة أميال من المدينة (قَالَ: شُعْبَةُ، وَابْنُ جُرَيْجٍ: وَكانَتْ فِي دَارٍ قَاصِيَةٍ) أي بعيدة من أهلها، أو من الناس مطلقًا، والظاهر الأول، بدليل أنه ﷺ أمرها أخيرًا بأن لا تنتقل عنه، فلو كان بعيدًا من الناس لما أمرها بذلك (فَجَاءَتْ وَمَعَهَا أَخُوهَا) أبو سعيد الخدريّ ﵁ (إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَذَكَرُوا لَهُ) أي ما حصل من قتل زوجها، وكونها في دار قاصية، وتريد النقلة منها، وفي الرواية الثالثة: "فذكرتُ له النقلة إلى أهلي، وذكرتْ له حالًا من حالها"، وفي رواية "الموطّإ": " فسألت رسول اللَّه ﷺ أن أرجع إلى أهلي في بني خُدْرة، فإن زوجي لم يتركني في مسكن يملكه، ولا نفقة" (فَرَخَّصَ لَهَا) أي في الانتقال من تلك الدار إلى أهلها (حَتَّى إِذَا رَجَعَتْ) أي إلى بيتها بعد أن استفتت (دَعَاهَا) ﷺ . وفي رواية "الموطّإ": "قالت: فانصرفت حتى إذا كنت في الحجرة ناداني رسول اللَّه ﷺ ، أو أمر بي، فنوديتُ له، فقال: كيف قلت؟، فرددت عليه القصّة التي ذكرتُ له من شأن زوجي" (فَقَالَ: "اجلِسِي فِي بَيتِكِ) أي البيت الذي أسكنها زوجها، وأتاها قتله، وهي فيه (حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ) أي المكتوب من العدّة (أَجَلَهُ) أي وقته الذي حُدّد له، وهو أربعة أشهر وعشر.

стр. 14746

زاد في رواية "الموطّإ": "قالت: فلما كان عثمان بن عفّان ﵁ أرسل إليّ، فسألني عن ذلك؟، فأخبرته، فأتبعه، وقضى به". واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث الفارعة بنت مالك - رضي اللَّه تعالى عنها - هذا صحيح. [تنبيه]: ضعّف أبو محمد ابن حزم حديث الفريعة - رضي اللَّه تعالى عنها - هذا، وقال: هذا الحديث لا يثبت، فإن زينب هذه مجهولة، لم يرو حديثها غير سعد بن إسحاق بن كعب، وهو غير مشهور بالعدالة، ومالك -رحمه اللَّه تعالى- يقول فيه: سعد بن إسحاق، وسفيان يقول: سعيد. فتعقبه ابن القيّم -رحمه اللَّه تعالى-، وأجاد في ذلك، حيث قال: وما قاله أبو محمد غير صحيح، فالحديث حديث صحيح مشهور في الحجاز، والعراق، وأدخله مالك في "موطئه"، واحتجّ به، وبنى عليه مذهبه. وأما قوله: إن زينب بنت كعب مجهولة، فنعم مجهولة عنده، فكان ماذا؟، وزينب هذه من التابعيّات، وهي امرأة أبي سعيد، روى عنها سعد بن إسحاق بن كعب، وليس بسعيد، وقد ذكرها ابن حبّان في "كتاب الثقات"، والذي غرّ أبا محمد قولُ عليّ بن المدينيّ: لم يرو عنها غير سعد بن إسحاق. وقد روينا في "مسند الإمام أحمد": حدثنا يعقوب، حدثنا أبي، عن ابن إسحاق، حدثني عبد اللَّه بن عبد الرحمن بن معمر بن حزم، عن سليمان بن محمد بن كعب بن عُجرة، عن عمّته زينب بنت كعب بن عجرة، وكانت عند أبي سعيد الخدريّ، عن أبي سعيد ﵁، قال: اشتكى الناس عليًّا ﵁، فقام النبيّ ﷺ خطيبًا، فسمعته يقول: "يا أيها الناس لا تَشْكُوا عليًّا، فواللَّه إنه لأخشن في ذات اللَّه، أو في سبيل اللَّه" (١). فهذه امرأة تابعيّةٌ، كانت تحت صحابيّ، وروى عنها الثقات، ولم يُطعَن فيها بحرف، واحتجّ الأئمة بحديثها، وصححوه. وأما قوله: إن سعد بن إسحاق غير مشهور بالعدالة، فقد قال إسحاق بن منصور، عن يحيى بن معين: ثقة. وقال النسائيّ، والدراقطني: ثقة. وقال أبو حاتم: صالح. وذكره ابن حبان في "كتاب الثقات". وقد روى عنه الناس: حماد بن زيد، وسفيان

стр. 14747

الثوريّ، وعبد العزيز الدراورديّ، وابن جُريج، ومالك بن أنس، ويحيى بن سعيد الأنصاريّ، والزهريّ، وهو أكبر منه، وحاتم بن إسماعيل، وداود بن قيس، وخلقٌ سواهم من الأئمة، ولم يُعلم فيه قدح، ولا جرح البتّة، ومثل هذا يُحتجّ به اتفاقًا. انتهى (١). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الذي ردّ به ابن القيّم على ابن حزم -رحمهما اللَّه تعالى- حسنٌ جدًّا. والحاصل أن الحديث صحيح، صححه جماعة من الحفاظ: منهم الذهليّ، والترمذيّ -٢/ ١٢ - ، وابن حبّان رقم ١٣٣٢ - والحاكم ٢/ ٢٥٨ وأقرّه الذهبيّ، ونقل الحاكم عن محمد بن يحيى الذهليّ، أنه قال: هذا حديث صحيح محفوظ. وقال ابن عبد البرّ: هذا حديث مشهورٌ عند علماء الحجاز، والعراق. وصححه الحافظ في "بلوغ المرام". واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا- ٦٠/ ٣٥٥٥ و ٣٥٥٦ و ٣٥٥٧ و ٦٢/ ٣٥٥٩ - وفي "الكبرى" ٦٠/ ٥٧٢٢ و ٥٧٢٣ و ٥٧٢٤ و ٦٢/ ٥٧٢٦. وأخرجه (د) في "الطلاق" ٢٣٠٠ (ت) في "الطلاق واللعان" ١٢٠٤ (ق) في "الطلاق" ٢٠٣١ (أحمد) في "باقي مسند الأنصار" ٢٦٥٤٧ و"مسند القبائل" ٢٦٨١٧ (الموطأ) في "الطلاق" ١٢٥٤ (الدارمي) في "الطلاق" ٢٢٨٧. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو وجوب إقامة المتوفّى عنها زوجها في بيتها إلى انتهاء عدّتها. (ومنها): مشروعيّة استفتاء المرأة في أمر دينها. (ومنها): أنه دليلٌ على جواز نسخ الحكم قبل الفعل، فقد أذن النبي ﷺ للفريعة أولًا بالانتقال إلى أهلها، ثم نهاها قبل أن تفعل. (ومنها): ما كان عليه الخلفاء الراشدون ﵃ من البحث عن حكم رسول اللَّه ﷺ قبل الحكم باجتهادهم. (ومنها): قبول خبر المرأة الواحدة، والعمل به. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في أين تعتدّ المتوفّى عنها زوجها؟: قال الإمام الترمذيّ -رحمه اللَّه تعالى-بعد إخراج الحديث-: والعمل على هذا الحديث عند أكثر أهل العلم، من أصحاب النبيّ ﷺ ، وغيرهم، لم يروا للمعتدّة أن

стр. 14748

تنتقل من بيت زوجها حتى تنقضي عدّتها. وهو قول سفيان الثوريّ، والشافعيّ، وأحمد، وإسحاق. وقال بعض أهل العلم من أصحاب النبيّ ﷺ ، وغيرهم: للمرأة أن تعتدّ حيث شاءت، وإن لم تعتدّ في بيت زوجها. والقول الأول أصحّ. وقال ابن قُدامة -رحمه اللَّه تعالى-: وممن أوجب على المتوفّى عنها زوجها الاعتداد في منزلها: عمر، وعثمان، وروي ذلك عن ابن عمر، وابن مسعود، وأم سلمة ﵃ وبه يقول مالكٌ، والثوريّ، والأوزاعيّ، وأبو حنيفة، والشافعيّ، وإسحاق. قال ابن عبد البرّ: وبه يقول جماعة فقهاء الأمصار بالحجاز، والشام، والعراق، ومصر. وقال جابر بن زيد، والحسن، وعطاء: تعتدّ حيث شاءت. وروي ذلك عن عليّ، وابن عبّاس، وجابر، وعائشة ﵃. قال ابن عبّاس: نَسَخَت هذه الآية عدّتها عند أهله، وسكنت في وصيّتها، وإن شاءت خرجت؛ لقول اللَّه تعالى: ﴿فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ﴾. قال عطاء: ثم جاء الميراث، فنسخ السكنى، تعتدّ حيث شاءت. رواهما أبو داود. واحتجّ الأولون بحديث فريعة بنت مالك - رضي اللَّه تعالى عنها - المذكور في الباب، وهو حديث صحيحٌ، قضى به عثمان في جماعة الصحابة، فلم ينكروه إذا ثبت هذا، فإنه يجب الاعتداد في المنزل الذي مات زوجها، وهي ساكنة به، سواء كان مملوكًا لزوجها، أو بإجارة، أو عارية؛ لأن النبيّ ﷺ قال للفريعة: "امكثي في بيتك"، ولم تكن في بيت يملكه زوجها، وفي بعض ألفاظه: "اعتدّي في البيت الذي أتاك فيه نعي زوجك"، وفي لفظ: "اعتدّي حيث أتاك الخبر"، فإن أتاها الخبر في غير مسكنها، رجعت إلى مسكنها، فاعتدّت فيه. وقال سعيد بن المسيّب، والنخعيّ: لا تبرح من مكانها الذي أتاها فيه نعي زوجها؛ اتباعًا للفظ الخبر الذي رويناه. والأول أصحّ؛ لقوله ﷺ : "امكثي في بيتك"، واللفظ الآخر قضيّةٌ في عين، والمراد به هذا، فإن قضايا الأعيان لا عموم لها، ثم لا يمكن حمله على العموم؛ فإنه لا يلزمها الاعتداد في السوق، والطريق، والبرّيّة، إذا أتاها الخبر، وهي فيه. انتهى ملخصًا من كلام ابن قُدامة -رحمه اللَّه تعالى- (١). وقال العلامة ابن القيّم -رحمه اللَّه تعالى- بعد أن ذكر القائلين بوجوب العدة في

стр. 14749

منزلها-: وحجة هؤلاء حديث الفريعة بنت مالك، وقد تلقّاه عثمان بن عفّان ﵁ بالقبول، وقضى به بمحضر المهاجرين والأنصار، وتلقّاه أهل المدينة، والحجاز، والشام، والعراق، ومصر بالقبول، ولم يُعلَم أن أحدًا منهم طعن فيه، ولا في رواته، وهذا مالك مع تحرّيه، وتشدّده في الرواية، وقوله للسائل له عن رجل، أثقة هو؟ فقال: لو كان ثقة لرأيته في كتبي، قد أدخله في "موطّئه"، وبنى عليه مذهبه. قالوا: ولا ننكر النزاع بين السلف في المسألة، ولكن السنّة تفصل بين المتنازعين. قال أبو عمر ابن عبد البرّ: أما الستة، فثابتةٌ -بحمد اللَّه- وأما الإجماع، فمستغنى عنه مع السنّة، لأن الاختلاف إذا نزل في مسألة كانت الحجة في قول من وافقته السنّة انتهى (١). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الذي ذكره ابن عبد البرّ، وأيده ابن القيّم --رحمهما اللَّه تعالى-- حسنٌ جدًّا. والحاصل أن الحقّ قول من قال بأن المتوفى عنها زوجها تعتدّ في بيتها، ولا تخرج منه، إلا للضرورة. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): في حكم خروجها للضرورة: إذا تضررت المتوفّى عنها زوجها، فلم تستطع أن تعتدّ في بيتها، بأن خافت هَدْمًا، أو غَرَقًا، أو عَدُوًّا، أو نحو ذلك، أو حوّلها صاحب المنزل؛ لكونه عارية رجع فيها، أو بإجارة، وانقضت مدّتها، أو منعها السكنى تعدّيًا، أو امتنع من إجارته، أو طلب أكثر من أجرة المثل، أو لم تجد ما تكتري به، أولم تجد إلا من مالها، فلها أن تنتقل؛ لأنها حال عذر؛ ولا يلزمها بذل أجر المسكن، وإنما الواجب عليها فعل السكنى، لا تحصيل المسكن، وإذا تعذّرت السكنى سقطت، ولها أن تسكن حيث شاءت. وقال الشافعيّ -رحمه اللَّه تعالى-: تنتقل إلى أقرب ما يمكنها النقلة إليه (٢). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الحاصل أنه إن لحقها ضرر في سكنى بيتها الذي بلغها وفاة زوجها، وهي فيه، بشيء من الأشياء التي ذُكِرت، فلها أن تنتقل عنه إلى حيث يصلح لها السكنى؛ للضرورة؛ قال اللَّه تعالى: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ الآية. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٥٥٦ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ, قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ, عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ, عَنْ يَزِيدَ بْنِ

стр. 14750

مُحَمَّدٍ, عَنْ سَعْدِ بْنِ إِسْحَاقَ, عَنْ عَمَّتِهِ, زَيْنَبَ بِنْتِ كَعْبٍ, عَنِ الْفُرَيْعَةِ بِنْتِ مَالِكٍ, أَنَّ زَوْجَهَا تَكَارَى عُلُوجًا؛ لِيَعْمَلُوا لَهُ, فَقَتَلُوهُ, فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ , وَقَالَتْ: إِنِّي لَسْتُ فِي مَسْكَنٍ لَهُ, وَلَا يَجْرِي عَلَيَّ مِنْهُ رِزْقٌ, أَفَأَنْتَقِلُ إِلَى أَهْلِي وَيَتَامَايَ, وَأَقُومُ عَلَيْهِمْ, قَالَ: «افْعَلِي» , ثُمَّ قَالَ: «كَيْفَ قُلْتِ؟» , فَأَعَادَتْ عَلَيْهِ قَوْلَهَا, قَالَ: «اعْتَدِّي حَيْثُ بَلَغَكِ الْخَبَرُ»). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "يزيد بن محمد" بن قيس بن مخرمة بن المطّلب بن عبدمناف القرشيّ المطّلبيّ البصريّ مدنيّ الأصل، نزيل مصر، ثقة [٦]. قال الدارقطنيّ: ثقة. وذكره ابن حبّان في "الثقات". روى له البخاريّ، وأبو داود، والمصنّف، وله عنده في هذا الكتاب حديث الباب فقط. وقوله: "الفريعة" -بضمّ الفاء، وفتح الراء- بصيغة التصغير. وقوله: "تَكَارَى" تفاعل، من الكِرَاء. أي استأجر. قال الفيّوميّ: الكِرَاء بالمدّ: الأجرة، وهو مصدر في الأصل، من كاريته، من باب قاتل، والفاعل مُكارٍ على النقص، والجمع مُكارُون، ومُكارِين، مثل قاضون وقاضين، ومُكارِيُّون بالتشديد خطأٌ، وأكريته الدارَ وغيرَها إكراءً، فاكتراه بمعنى آجرته، فاستاجر، والفاعل مُكتَرٍ، ومُكْرٍ بالنقص أيضًا، وجمعهما كجمع المنقوص انتهى. وهذا لا يعارض ما تقدّم من أنهم عبيده؛ لامكان الجمع بأنهم عبيدٌ لغيره استأجرهم للعمل، فنسبوا إليه مجازًا. وقولها: "لست في مسكن له" أي ليس ملكًا له، وإنما استأجره، أو استعاره. وقولها: "ويتاماي" بالرفع عطف على الضمير المستتر في "أنتقل"؛ للفصل بينهما بالجارّ والمجرور، وهو جمع يتيم، ويُجمع أيضًا على أيتام، وهو مضافٌ إلى ياء المتكلّم. وقوله: "حيث بلغك الخبر" تقدّم أن المراد به بيتها، فلا يكون حجة لمن قال: إنها لا تبرح من مكانها الذي أتاها فيه نعي زوجها، وإن لم يكن بيتها كما تقدّم تحقيقه. والحديث صحيح، وقد سبق تمام البحث فيه في الحديث الماضي. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٥٥٧ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ, قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ, عَنْ سَعْدِ بْنِ إِسْحَاقَ, عَنْ زَيْنَبَ, عَنْ فُرَيْعَةَ, أَنَّ زَوْجَهَا خَرَجَ فِي طَلَبِ أَعْلَاجٍ لَهُ, فَقُتِلَ بِطَرَفِ الْقَدُّومِ, قَالَتْ: فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ , فَذَكَرْتُ لَهُ النُّقْلَةَ إِلَى أَهْلِي, وَذَكَرَتْ لَهُ حَالاً مِنْ حَالِهَا, قَالَتْ: فَرَخَّصَ لِي, فَلَمَّا أَقْبَلْتُ نَادَانِي, فَقَالَ: «امْكُثِي فِي أَهْلِكِ, حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ»).

стр. 14751

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "حماد": هو ابن زيد. وقوله: "النقلة" -بضمّ، فسكون-: الانتقال. قاله في "القاموس". وقوله: "وذكرت له حالًا من حالها" ببناء الفعل للفاعل، أي ذكر فريعة له ﷺ مما يسبب لها الانتقال من مكانها، وهو ما سبق من أنها كانت في دار قاصية، وأن المسكن ليس ملكًا لزوجها. وقوله: "امكثي في أهلك" المراد أهلها الذين تسكن معهم في بيتها، وليس المراد أقاربها الذين طلبت النقلة إليهم. والحديث صحيحٌ، كما سبق بيانه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ٦١ - (بَابُ الرُّخْصَةِ لِلْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا أَنْ تَعْتَدَّ حَيْثُ شَاءَتْ) قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الظاهر أن المصنّف يرى أن ما دلّ عليه حديث فُريعة المذكور في الباب الماضي، من وجوب العدّة على المتوفّى عنها في بيتها منسوخ، بالآية المذكورة في الباب، لكن الحقّ أن الآية ليست ناسخة للحديث. قال العلاّمة ابن القيّم -رحمه اللَّه تعالى- بعد ذكر الاختلاف في وجوب الاعتداد في منزلها: وحديث الفريعة حجة ظاهرة، لا معارض لها، وأما قوله تعالى: ﴿فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾، فإنها نسخت الاعتداد في منزل الزوج، فالمنسوخ حكم آخر، غير الاعتداد في المنزل، وهو استحقاقها للسكنى في بيت الزوج الذي صار للورثة سنّةً، وصية أوصى اللَّه بها الأزواج، تُقدّم به على الورثة، ثم نُسخ ذلك بالميراث، ولم يبق لها استحقاق في السكنى المذكورة، فإن كان المنزل الذي تُوفّي فيه الزوج لها، أو بذل الورثة لها السكنى، لزمها الاعتداد فيه، وهذا ليس بمنسوخ، فالواجب عليها فِعْلُ السكنى، لا تحصيل المسكن، فالذي نُسخ إنما هو اختصاصها بسكنى السنة، دون الورثة، والذي أُمرت به أن تمكث في بيتها حتى تنقضي عدّتها، ولا تنافي بين الحكمين

стр. 14752

انتهى كلام ابن القيّم -رحمه اللَّه تعالى- (١). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الذي جمع به ابن القيّم -رحمه اللَّه تعالى- بين حديث فريعة - رضي اللَّه تعالى عنها -، وبين ما دلّت عليه الآية من النسخ جمع حسنٌ جدًّا، لا ما دلّ عليه ظاهر كلام المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-. واللَّه تعالى أعلم بالصواب. ٣٥٥٨ - (أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ, قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ, قَالَ: حَدَّثَنَا وَرْقَاءُ, عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ, قَالَ عَطَاءٌ: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ, نَسَخَتْ هَذِهِ الآيَةُ, عِدَّتَهَا فِي أَهْلِهَا, فَتَعْتَدُّ حَيْثُ شَاءَتْ, وَهُوَ قَوْلُ اللَّهِ : ﴿غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (محمد بن إسماعيل بن إبراهيم) المعروف أبوه بابن عليّة، البصريّ، نزيل دمشق، وقاضيها، ثقة [١١] ٢٢/ ٤٨٩. ٢ - (يزيد) بن هارون السلميّ مولاهم، أبو خالد الواسطيّ، ثقة متقنٌ عابد [٩] ١٥٤/ ٢٤٤. ٣ - (ورقاء) بن عمر اليشكريّ، أبو بشر الكوفيّ، نزيل المدائن، صدوقٌ [٧] ٦٠/ ٨٦٦. ٤ - (ابن أبي نَجيح) عبد اللَّه بن يسار الثقفيّ مولاهم، أبو يسار المكيّ، ثقة، رُمي بالقدر، ربّما دلّس [٦] ١١٢/ ١٥٥. ٥ - (عطاء) بن أبي رَبَاح القرشيّ مولاهم، أبو محمد المكيّ، ثقة فقيه فاضل كثير الإرسال [٣] ١١٢/ ١٥٤. ٦ - (ابن عبّاس) عبد اللَّه البحر - رضي اللَّه تعالى عنهما - ٢٧/ ٣١ واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فمن أفراده. (ومنها): أن فيه ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما - من العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، روى (١٦٩٦) حديثًا. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) - رضي اللَّه تعالى عنهما -، أنه قال (نَسَخَتْ هَذِهِ الْآيَةُ) ببناء الفعل

стр. 14753

للفاعل، والفاعلُ اسمُ الإشارة، والإشارة إلى الأولى، وهي قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ الآية. (عدّتها في أهلها) بنصب "عدةَ" على أنه مفعول به لـ "نسخت"، يعني أن الآية المذكورة نَسَخَت وجوبَ اعتداد المتوفَّى عنها زوجها المذكورة في الآية الثانية، وهي قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ﴾ الآية، فإن هذه الآية توجب عليها أن تعتدّ عند أهل زوجها، فنُسِخَت بالآية الأولى. (فَتَعْتَدُّ حَيْثُ شَاءَتْ) أي في أيّ مكان شاءت، غير بيت زوجها؛ لأن السكنى تبع للعدّة، فلما نُسخ الحول بأربعة أشهر وعشر نُسخت السكنى أيضًا (وَهُوَ) أي المنسوخ حكمه (قَولُ اللَّهِ : ﴿غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾ أي فهذه الآية الثانية التي فيها ﴿غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾ منسوخة بالآية الأولى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث ابن عبّاس - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا أخرجه البخاريّ. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٦١/ ٣٥٥٨ و ٦٩/ ٣٥٧٠ و٣٥٧١ - وفي "الكبرى" ٦١/ ٥٧٢٥٦٩/ ٥٧٣٧ و ٥٧٣٨. وأخرجه (خ) في "التفسير" ٤٥٣١ و"الطلاق" ٥٣٤٤ (د) في "الطلاق" ٢٢٩٨ و٢٣٠١. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في أقوال أهل العلم في آية عدّة الوفاة: قال أبو عبد اللَّه القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى-: ذهب جماعة من المفسّرين في تأويل هذه الآية أن المتوفّى عنها زوجها، كانت تجلس في بيت المتوفِّي عنها حولًا، ويُنفَق عليها من ماله ما لم تخرُج من المنزل، فإن خرجت لم يكن على الورثة جُناح في قطع النفقة عنها، ثم نُسخ الحول بالأربعة الأشهر والعشر، ونُسخت النفقة بالربع والثمن في سورة النساء. قاله ابن عبّاس، وقتادة، والضحاك، وابن زيد، والربيع. وفي السكنى خلافٌ للعلماء، روى البخاريّ عن ابن الزبير، قال: قلت لعثمان: هذه الآية التي في البقرة: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا﴾ -إلى قوله-: ﴿غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾، قد نسختها الآية الأخرى، فلم تكتبها، أو تَدَعُها؟ قال: يا ابن أخي لا أُغيّر شيئًا منه من مكانه. وقال الطبريّ، عن مجاهد: إن هذه الآية محكمة، لا نسخ فيها، والعدّة كانت قد ثبتت أربعة أشهر وعشرًا، ثم جعل اللَّه لهنّ وصيّة منه سُكنى سبعة أشهر وعشرين ليلة، فإن شاءت المرأة سكنت في وصيّتها، وإن شاءت خرجت، وهو

стр. 14754

قول اللَّه : ﴿غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾. قال ابن عطيّة: وهذا كلّه قد زال حكمه بالنسخ المتّفق عليه، إلا ما قوّله الطبريّ مجاهدًا -رحمهما اللَّه تعالى-، وفي ذلك نظر على الطبريّ. وقال القاضي عياضٌ: والإجماع منعقدٌ على أن الحول منسوخٌ، وأن عدّتها أربعة أشهر وعشرٌ. وقال غيره: معنى قوله: ﴿وَصِيَّةً﴾ أي من اللَّه تعالى تجب على النساء بعد وفاة الزوج بلزوم البيت سنةً، ثم نُسخ. قال القرطبيّ: ما ذكره الطبريّ عن مجاهد صحيحٌ ثابتٌ، خرّج البخاريّ، قال: حدثنا إسحاق، قال: حدثنا رَوْحٌ، قال: حدثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نَجِيح، عن مجاهد: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا﴾، قال: كانت هذه العدةُ تَعتَدُّ عند أهل زوجها واجبةً، فأنزل اللَّه: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ﴾، قال: جعل اللَّه لها تمامَ السنة سبعة أشهر وعشرين ليلة وصية، إن شاءت سكنت في وصيتها، وإن شاءت خرجت، وهو قول اللَّه تعالى: ﴿غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾. إلا أن القول الأول أظهر؛ لقوله ﵇: "إنما هي أربعة أشهر وعشر، وقد كانت إحداكنّ في الجاهليّة ترمي بالبعرة عند رأس الحول … " الحديث. وهذا إخبار منه ﷺ عن حالة المتوفّى عنهن أزواجهنّ قبل ورود الشرع، فلما جاء الإسلام أمرهنّ اللَّه تعالى بملازمة البيوت حولًا، ثمّ نُسخ بالأربعة الأشهر والعشر. هذا -مع وضوحه في السنة الثابتة المنقولة بأخبار الآحاد- إجماعٌ من علماء المسلمين، لا خلاف فيه. قاله أبو عمر، قال: وكذلك سائر الآية، فقوله : ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾ منسوخٌ كلّه عند جمهور العلماء، ثم نُسخ الوصيّة بالسكنى للزوجات في الحول، إلا روايةً شاذّةً مهجورةً عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، لم يُتابَع عليها، ولا قال بها فيما زاد على الأربعة الأشهر والعشر أحدٌ من علماء المسلمين، من الصحابة، والتابعين، ومن بعدهم فيما علمت. وقد روى ابن جريج عن مجاهد مثل ما عليه الناس، فانعقد الإجماع، وارتفع الخلاف، وباللَّه تعالى التوفيق. انتهى كلام القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى- (١).

стр. 14755

وهو بحث نفيسٌ جدّا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ٦٢ - (عِدَّةُ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا مِنْ يَوْمِ يَأْتِيهَا الْخَبَرُ) قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الذي أشار إليه المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- من أن عدّة المتوفّى عنها زوجها من يوم يأتيها الخبر، لا من يوم الوفاة قول لبعض أهل العلم، والأكثرون على خلافه، وهو الصحيح، كما سنحققه في المسألة الآتية قريبًا، إن شاء اللَّه تعالى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب. ٣٥٥٩ - (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ, عَنْ سُفْيَانَ, عَنْ سَعْدِ بْنِ إِسْحَاقَ, قَالَ: حَدَّثَتْنِي زَيْنَبُ بِنْتُ كَعْبٍ, قَالَتْ: حَدَّثَتْنِي فُرَيْعَةُ بِنْتُ مَالِكٍ, أُخْتُ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ, قَالَتْ: تُوُفِّيَ زَوْجِي بِالْقَدُّومِ, فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ , فَذَكَرْتُ لَهُ أَنَّ دَارَنَا شَاسِعَةٌ, فَأَذِنَ لَهَا, ثُمَّ دَعَاهَا, فَقَالَ: «امْكُثِي فِي بَيْتِكِ, أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا, حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ»). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "إسحاق بن منصور": هو الكوسج الحافظ المروزيّ. و"عبد الرحمن": هو ابن مهديّ. و"سفيان": هو الثوريّ. وقوله: "بالقدوم" بتخفيف الدال، وتشديدها، تقدّم أنه اسم موضع. ووقوله: "توفي" لا تنافي بينه وبين ما تقدّم أنه قُتل، لأن من قُتل، فقد توفاه اللَّه تعالى بانقضاء أجله. وقوله: "أن دارنا شاسعة" بفتح همزة "أنّ"؛ لوقوعها مفعولا به لـ "ذكرتُ". و"الشاسعة": البعيدة. قال السنديّ -رحمه اللَّه تعالى-: لا دلالة دهذا الحديث على أن العدّة من وقت وصول الخبر، دون الموت، إلا أن يقال: الأمر يدلّ على أن المدّة تُعتبر من وقت الأمر، لا من وقت الموت، لكن يرد عليه أن الأمر كان بعد وقت الخبر، فإن اعتذر عنه باتحاد اليوم، يقال: يجوز أن يكون ذلك اليوم يوم الموت أيضًا، ولا مانع عقلًا من ذلك على أنه لا دلالة للفظ الحديث على اتحاد يوم الخبر، ويوم الأمر، فليُتأمّل. انتهى

стр. 14756

والحديث صحيحٌ، وقد سبق شرحه، وبيان مسائله قبل باب، وأتكلّم هنا على ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، فأقول: [مسالة]: في اختلاف أهل العلم في ابتداء عدّة المرأة، هل هو من يوم الوفاة والطلاق، أو من يوم علمها بذلك: قال أبو عبد اللَّه القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى-: واختلفوا في المرأة يبلغها وفاة زوجها، أو طلاقه، فقالت طائفة: العدّة في الطلاق والوفاة من يوم يموت، أو يطلّق. هذا قول ابن عمر، وابن مسعود، وابن عبّاس. وبه قال مسروق، وعطاء، وجماعة من التابعين. وإليه ذهب مالكٌ، والشافعيّ، وأحمد، وإسحاق، وأبو عبيد، والثوريّ، وأبو ثور، وأصحاب الرأي، وابن المنذر. وفيه قولٌ ثانٍ، وهو أن عدّتها من يوم يبلغها الخبر. روي هذا القول عن عليّ، وبه قال الحسن البصريّ، وقتادة، وعطاء الخراسانيّ، وجُلَاس بن عمرو. وقال سعيد بن المسيّب، وعمر بن عبد العزيز: إن قامت بيّنة، فعدّتها من يوم مات، أو طَلَّقَ، وإن لم تقم بيّنة، فمن يوم يأتيها الخبر. والصحيح الأول؛ لأنه تعالى علّق العدّة بالوفاة، أو الطلاق؛ ولأنها لو علمت بموته، فتركت الإحداد انقضت العدّة، فإذا تركته مع عدم العلم، فهو أهون، ألا ترى أن الصغيرة تنقضي عدّتها، ولا إحداد عليها. وأيضًا فقد أجمع العلماء على أنها لو كانت حاملًا، لا تعلم طلاق الزوج، أو وفاته، ثم وضعت حملها أن عدّتها منقضيةٌ، ولا فرق بين هذه المسألة وبين المسألة المختلف فيها. ووجه من قال بالعدة من يوم يبلغها الخبر أن العدّة عبادة بترك الزينة، وذلك لا يصحّ إلا بقصد ونيّة، والقصد لا يكون إلا بعد العلم. واللَّه أعلم. انتهى كلام القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى- (١). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: عندي أن ما ذهب إليه الأولون من أن العدّة من يوم الوفاة، والطلاق، لا من يوم بلوغ الخبر إليها هو الأرجح، كما صححه القرطبيّ، وبين وجهه في كلامه السابق. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". …

стр. 14757

٦٣ - (تَرْكُ الزِّينَةِ لِلْحَادَّةِ الْمُسْلِمَةِ، دُونَ الْيَهُودِيَّةِ، وَالنَّصْرَانِيَّةِ) ٣٥٦٠ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ, وَالْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ, قِرَاءَةً عَلَيْهِ -وَأَنَا أَسْمَعُ- وَاللَّفْظُ لَهُ, قَالَ: أَنْبَأَنَا ابْنُ الْقَاسِمِ, عَنْ مَالِكٍ, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ, عَنْ حُمَيْدِ بْنِ نَافِعٍ, عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ, أَنَّهَا أَخْبَرَتْهُ, بِهَذِهِ الأَحَادِيثِ الثَّلَاثَةِ: قَالَتْ: زَيْنَبُ: دَخَلْتُ عَلَى أُمِّ حَبِيبَةَ, زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ , حِينَ تُوُفِّيَ أَبُوهَا, أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ, فَدَعَتْ أُمُّ حَبِيبَةَ بِطِيبٍ, فَدَهَنَتْ مِنْهُ جَارِيَةً, ثُمَّ مَسَّتْ بِعَارِضَيْهَا, ثُمَّ قَالَتْ: وَاللَّهِ مَا لِي بِالطِّيبِ مِنْ حَاجَةٍ, غَيْرَ أَنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ , قَالَ: «لَا يَحِلُّ لاِمْرَأَةٍ, تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ, تَحِدُّ عَلَى مَيِّتٍ, فَوْقَ ثَلَاثِ لَيَالٍ, إِلاَّ عَلَى زَوْجٍ, أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا». قَالَتْ: زَيْنَبُ: ثُمَّ دَخَلْتُ عَلَى زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ, حِينَ تُوُفِّيَ أَخُوهَا, وَقَدْ دَعَتْ بِطِيبٍ, وَمَسَّتْ مِنْهُ, ثُمَّ قَالَتْ: وَاللَّهِ مَا لِي بِالطِّيبِ مِنْ حَاجَةٍ, غَيْرَ أَنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ , يَقُولُ عَلَى الْمِنْبَرِ: «لَا يَحِلُّ لاِمْرَأَةٍ, تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ, تَحِدُّ عَلَى مَيِّتٍ, فَوْقَ ثَلَاثِ لَيَالٍ, إِلاَّ عَلَى زَوْجٍ, أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا»). وَقَالَتْ زَيْنَبُ: سَمِعْتُ أُمَّ سَلَمَةَ, تَقُولُ: جَاءَتِ امْرَأَةٌ, إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ , فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ, إِنَّ ابْنَتِي تُوُفِّيَ عَنْهَا زَوْجُهَا, وَقَدِ اشْتَكَتْ عَيْنَهَا, أَفَأَكْحُلُهَا؟ , فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «لَا» , ثُمَّ قَالَ: «إِنَّمَا هِيَ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا, وَقَدْ كَانَتْ إِحْدَاكُنَّ فِي الْجَاهِلِيَّةِ, تَرْمِي بِالْبَعْرَةِ عِنْدَ رَأْسِ الْحَوْلِ» -قَالَ حُمَيْدٌ: فَقُلْتُ لِزَيْنَبَ: وَمَا تَرْمِي بِالْبَعْرَةِ عِنْدَ رَأْسِ الْحَوْلِ؟ , قَالَتْ زَيْنَبُ: كَانَتِ الْمَرْأَةُ إِذَا تُوُفِّيَ عَنْهَا زَوْجُهَا, دَخَلَتْ حِفْشًا, وَلَبِسَتْ شَرَّ ثِيَابِهَا, وَلَمْ تَمَسَّ طِيبًا, وَلَا شَيْئًا, حَتَّى تَمُرَّ بِهَا سَنَةٌ, ثُمَّ تُؤْتَى بِدَابَّةٍ, حِمَارٍ, أَوْ شَاةٍ, أَوْ طَيْرٍ, فَتَفْتَضُّ بِهِ, فَقَلَّمَا تَفْتَضُّ بِشَيْءٍ, إِلاَّ مَاتَ, ثُمَّ تَخْرُجُ, فَتُعْطَى بَعْرَةً, فَتَرْمِى بِهَا, وَتُرَاجِعُ بَعْدُ مَا شَاءَتْ, مِنْ طِيبٍ, أَوْ غَيْرِهِ. قَالَ مَالِكٌ: تَفْتَضُّ: تَمْسَحُ بِهِ, فِي حَدِيثِ مُحَمَّدٍ: قَالَ مَالِكٌ: الْحِفْشُ الْخُصُّ). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (محمد بن سلمة) المراديّ الجمليّ، أبو الحارث المصريّ، ثقة ثبت [١١] ١٩/ ٢٠. ٢ - (الحارث بن مسكين) الأمويّ مولاهم، أبو عمرو المصريّ القاضي، ثقة فقيه [١٠] ٩/ ٩.

стр. 14758

٣ - (ابن القاسم) هو عبد الرحمن العُتَقيّ المصريّ، ثقة فقيه، من كبار [١٠] ١٩/ ٢٠. ٤ - (مالك) بن أنس الإمام الحجة الثبت المدنيّ [٧] ٧/ ٧. ٥ - (عبد اللَّه بن أبي بكر) محمد بن عمرو بن حزم -بفتح المهملة، وسكون الزاي- الأنصاريّ المدنيّ القاضي، ثقة [٥] ١١٨/ ١٦٣. ٦ - (حُميد بن نافع) الأنصاريّ، أبو أفلح المدنيّ، ثقة [٣] ٥٣/ ٣٣٢. ٧ - (زينب بنت سلمة) - رضي اللَّه تعالى عنه - تقدّمت قريبًا. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: منها: أنه من سداسيات المصنف ﵁. ومنها: أن رجاله رجال الصحيح غير شيخه الحارث، فتفرد به هو وأبو داود. ومنها: أنه مسلسل بالمدنيين من مالك، ومن قبله مصريون. ومنها: أن فيه رواية تابعي عن تابعي: عبد اللَّه بن أبي بكر عن حُمَيد. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ زَيْنَبَ بنْتِ أَبِي سَلَمَةَ) عبد اللَّه بن عبد الأسد المخزوميّه الصحابيّة، وهي بنت أم سلمة زوج النبيّ ﷺ ، وهي ربيبة النبيّ ﷺ ، وزعم ابن التين أنها لا رواية لها عن رسول اللَّه ﷺ ، كذا قال. وقد أخرج لها مسلم حديثها: "كان اسمي برّة، فسمّاني رسول اللَّه ﷺ زينب … " الحديث. وأخرج لها البخاريّ حديثًا (١) (٢). (أَنَّهَا أَخْبَرَتْهُ، بَهذِهِ الأَحَادِيثِ الثَّلَاثَةِ) التي بيّنتها له حيث (قَالَتْ زَيْنَبُ) - رضي اللَّه تعالى عنها - (دَخَلْتُ عَلَى أمِّ حَبيبَةَ) رملة بنت أبي سفيان - رضي اللَّه تعالى عنهما - (زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ ، حِينَ تُوُفِّيَ أَبُوهَا، أبو سُفْيَانَ) صخر (بْنُ حَرْبٍ) ﵁، مات سنة (٣٢هـ) عند الجمهور. وقيل: سنة ثلاث. ووقع عند البخاريّ في "الجنائز" من رواية ابن عُيينة: "لَمّا جاء نعي أبي سفيان من الشام". قال الحافظ: وفيه نظر؛ لأنه مات بالمدينة، بلا خلاف بين أهل الأخبار، ولم أر في

стр. 14759

شيء من طرق هذا الحديث تقييده بذلك، إلا في رواية ابن عيينة هذه، وأظنّها وهَمًا. وكنت أظن أنه حذف منه لفظ "ابن"؛ لأن الذي جاء نعيه من الشام، وأمّ حبيبة في الحياة هو أخوها يزيد بن أبي سفيان الذي كان أميرًا على الشام، لكن رواه البخاريّ في "العِدَد" من طريق مالك، ومن طريق سفيان الثوريّ، كلاهما عن عبد اللَّه بن أبي بكر بن عمرو بن حزم، عن حُميد بن نافع بلفظ: "حين توفّي عنها أبوها، أبو سفيان بن حرب"، فظهر أنه لم يسقط منه شيء، ولم يقل واحد منهما "من الشام". وكذا أخرجه ابن سعد في ترجمة أم حبيبة، من طريق صفيّة بنت أبي عُبيد، عنها. ثم وجدت الحديث في "مسند ابن أبي شيبة"، قال: "حدثنا وكيع، حدثنا شعبة، عن حُميد بن نافع -ولفظه: جاء نعي أخي أم حبيبة، أو حميم لها، فدعت بصفرة، فلطخت به ذراعيها". وكذا رواه الدارميّ عن هاشم بن القاسم، عن شعبة، لكن بلفظ: "أن أخًا لأم حبيبة مات، أو حميمًا لها". ورواه أحمد عن حجاج، ومحمد بن جعفر جميعًا، عن شعبة، بلفظ: "أن حميمًا لها مات"، من غير تردد، وإطلاق الحميم على الأخ أقرب من إطلاقه على الأب، فقوي الظنّ عند هذا أن القصّة تعدّدت لزينب مع أمّ حبيبة عند وفاة أخيها يزيد، ثم عند وفاة أبيها أبي سفيان، ولا مانع من ذلك انتهى (فَدَعَتْ أُمّ حَبِيبَةَ بِطِيبِ) أي طلبت طيبًا. زاد في رواية "الموطّإ": "وفيه صُفْرة خلوق، أو غيره" (فَدَهَنَتْ مِنْهُ جَارِيَةً) بالنصب، قال الحافظ: لم أعرف اسمها (ثُمَّ مَسَّتْ بِعَارِضَيْهَا) أي جانبي وجهها، وجعل العارضين ما سحين تجوّزًا، والظاهر أنها جعلت الطيب في يديها، ومسحتها بعارضيها، والباء للإلصاق، أو الاستعانة، ومسح يتعدّى بنفسه، وبالباء، تقول: مسحت برأسي، ومسحت رأسي. وفي "الإكمال": قال ابن دريد: العارضان صفحتا العنق، وما بعده الأسنان. وفي "كتاب العين": عارضة الوجه: ما يبدو منه، ومبسما الوجه والثنايا. والمراد هنا الأول. وفي "المفهم": العوارض: ما بعد الأسنان، أطلقت على الخدّين هنا مجازًا؛ لأنهما عليها، فهو من مجاز المجاورة، أو تسمية للشيء بما كان من سببه. قاله الزرقانيّ (١). (ثُمَّ قَالَتْ) أمّ حبيبة - رضي اللَّه تعالى عنها - (وَاللَّهِ مَا لِي بِالطِّيبِ مِنْ حَاجَةٍ) "من" زائدة، وفي رواية: "حاجةٌ" (غيرَ أَنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ) وفي رواية: "يقول" (لَا يَحِلُّ) نفي بمعنى النهي، للتأكيد. واستُدلّ به على تحريم الإحداد على غير الزوج، وهو واضحٌ، وعلى وجوب الإحداد المدّة المذكورة على الزوج. واستُشكل بأن

стр. 14760

الاستثناء وقع بعد النفي، فيدلّ على الحلّ فوق الثلاث على الزوج، لا على الوجوب. وأجيب بأن الوجوب استُفيد من دليل آخر، كالإجماع. ورُدّ بأن المنقول عن الحسن البصريّ أن الإحداد لا يجب. أخرجه ابن أبي شيبة، ونقل الخلّال بسنده عن أحمد، عن هُشيم، عن داود، عن الشعبيّ، أنه كان لا يعرف الإحداد. قال أحمد: ما كان بالعراق أشدّ تبحّرًا من هذين -يعني الحسن والشعبيّ- قال: وخفي ذلك عليهما انتهى. ومخالفتهما لا تقدح في الاحتجاج، وإن كان فيها ردّ على من ادّعى الإجماع، وفي أثر الشعبيّ تعقّبٌ على ابن المنذر، حيث نفى الخلاف في المسألة، إلا عن الحسن. وأيضًا فحديث التي شكت عينها -وهي ثالث أحاديث الباب- دالّ على الوجوب، وإلا لم يمنع التداوي المباح. وأجيب أيضًا بأن السياق يدلّ على الوجوب، فإن كلّ ما منع منه إذا دلّ دليلٌ على جوازه كان ذلك الدليل دالًّا بعينه على الوجوب، كالختان، والزيادة على الركوع في الكسوف، ونحو ذلك. قاله في "الفتح" (١). (لِامْرَأَةٍ) تمسّك بمفهومه الحنفيّة، فقالوا: لا يجب الإحداد على الصغيرة، وذهب الجمهور إلى وجوب الإحداد عليها، كما تجب العدّة، وأجابوا عن التقييد بالمرأة أنه خرج مخرج الغالب، وعن كونها غير مكلّفة لأن الولي هو المخاطب بمنعها مما تمنع منه المعتدّة، ودخل في عموم قوله: "امرأة" المدخول بها، وغير المدخول بها حرّة كانت، أو أمة، ولو كانت مبعضة، أو مكاتبة، أو أم ولد إذا تُوُفّي عنها زوجها، سيّدها لتقييده في الخبر، خلافًا للحنفية (تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ) هذا محلّ الاستدلال للمصنّف ﵀ تعالى على ما ترجم له، وهو ترك الزينة للَحادّة المسلمة، دون اليهوديّة والنصرانيّة، وبه قال الحنفيّة، وبعض المالكيّة، وأبو ثور؛ وذلك لتقييده بالإيمان، وأجاب الجمهور بأنه ذكر تأكيدًا للمبالغة في الزجر، فلا مفهوم له، كما يقال: هذا طريق المسلمين، وقد يسلكه غيرهم. وأيضًا فالإحداد من حقّ الزوج، وهو ملتحق بالعدة في حفظ النسب، فتدخل الكافرة في ذلك بالمعنى كما دخل الكافر في النهي عن السوم على سوم أخيه، ولأنه حقّ للزوجية، فأشبه النفقة والسكنى، ونقل السبكي في فتاويه عن بعضهم أن الذميّة داخلة في قوله: "تؤمن باللَّه، واليوم الآخر"، وردّ على قائله، وبين فساد شبهته، فأجاد. وقال النوويّ: قيد بوصف الإيمان؛ لأن الْمتّصف به هو الذي ينقاد للشرع، قال ابن دقيق العيد: والأول أولى. وفي رواية عند المالكيّة أن الذّميّة المتوفّى عنها تعتدّ بالأقراء. قال ابن العربيّ: هو قول من قال: لا إحداد عليها (٢).

стр. 14761

(تَحِدُّ) بضمّ أوله، من الإحداد، وبفتحه، من الحدّ. وهو على حذف "أن" المصدريّة، ورفع الفعل، وهو مقيس، وهو في تأويل المصدر فاعل "يحلّ"، أي لا يحل لها الإحداد (عَلَى مَيّتٍ) استدلّ به لمن قال: لا إحداد على امرأة المفقود؛ لأنه لم تتحقّق وفاته، خلافًا للمالكية (فَوْقَ ثَلَاثِ لَيَالٍ) قال ابن بطّال: أباح الشارع للمرأة أن تحدّ على غير الزوج ثلاثة أيام؛ لما يغلب من لَوْعة الحزن، ويهجُمُ من أليم الوجد، وليس واجبًا؛ للاتفاق على أن الزوج لو طالبها بالجماع لم يحلّ لها منعه في تلك الحالة (إِلاَّ عَلَى زَوْجٍ) أُخِذَ من هذا الحصر أن لا يُزاد على الثلاث في غير الزوج أبًا كان أو غيره، وأما ما أخرجه أبو داود في "المراسيل" من رواية عمرو بن شعيب "أن النبيّ ﷺ رخّص للمرأة أن تحد على أبيها سبعة أيام، وعلى من سواه ثلاثة أيام"، فلو صحّ لكان خصوص الأب يخرج من هذا العموم، لكنه مرسلٌ، أو معضل؛ لأن جلّ رواية عمرو ابن شعيب عن التابعين، ولم يرو عن أحد من الصحابة، إلا الشيء اليسير عن بعض صغار الصحابة، ووهم بعض الشّرّاح، فتعقّب أبا داود تخريجه في "المراسيل"، فقال: عمرو بن شُعيب ليس تابعيًّا، فلا يخرّج حديثه في المراسيل. وهذا التعقّب مردود لما سبق؛ ولاحتمال أن يكون أبو داود كان لا يخصّ المراسيل برواية التابعيّ، كما هو منقول عن غيره أيضًا. واستُدلّ به للأصحّ عند الشافعيّة في أن لا إحداد على المطلّقة، فأما الرجعيّة، فلا إحداد عليها إجماعًا، وإنما الاختلاف في البائن، فقال الجمهور: لا إحداد عليها. وقالت الحنفيّة، وأبو عُبيد، وأبو ثور: عليها الإحداد؛ قياسًا على المتوفّى عنها، وبه قال بعض الشافعيّة، والمالكيّة. واحتجّ الأولون بأن الإحداد شُرع لأن تركه من التطيب، واللبس، والتزيّن، يدعو إلى الجماع، فمُنعت المرأة منه زجرًا لها عن ذلك، فكان ذلك ظاهرًا في حقّ الميت؛ لأنه يمنعه الموت عن منع المعتدّة منه عن التزويج، ولا تراعيه هي، ولا تخاف منه، بخلاف المطلّق الحيّ في كلّ ذلك، ومن ثَمّ وجبت العدّة على كلّ متوفّى عنها، وإن لم تكن مدخولًا بها، بخلاف المطلّقة قبل الدخول، فلا إحداد عليها اتفاقًا، وبأن المطلّقة البائن يمكنها العود إلى الزوج بعينه بعقد جديد. وتُعُقّب بأن الملاعنة لا إحداد عليها. وأجيب بأن تركه لفقدان الزوج بعينه، لا لفقدان الزوجيّة. واستُدلّ به على جواز الإحداد على غير الزوج من قريب ونحوه ثلاث ليال، فما دونها، وتحريمه فيما زاد عليها، وكأن هذا القدر أبيح لأجل حظّ النفس، ومراعاتها،

стр. 14762

وغلبة الطباع البشريّة، ولهذا تناولت أمّ حبيبة، وزينب بنت جحش - رضي اللَّه تعالى عنهما - الطيب؛ لتخرجا عن عُهدة الإحداد، وصرّحت كلّ منهما بأنها لم تتطيّب لحاجة، إشارةً إلى أن آثار الحزن باقيةٌ عندهما، لكنهما لم يسعهما إلا امتثال الأمر. (أَرْبَعَةَ أَشهُرٍ وَعَشْرًا) قال القرطبيّ: "أربعة" منصوب على الظرف، والعامل فيه "تحد"، و"عشرًا" معطوف عليه. انتهى (١). وقال الطيبيّ: الاستثناء في قوله: "إلا على زوج" متصل، إذا جعل قوله: "أربعة أشهر" منصوبَا بمقدّر، بيانًا لقوله: "فوق ثلاث"، أي أعني، أو أذكر، فهو من باب قوله: "ما اخترت إلا منكم رفيقًا؛ لكون ما بعد "إلا" شيئين، فيقدّم المفسّر، أعني "أربعة أشهر" على الاستثناء، تقديره: لا تحدّ المرأة على ميت فوق ثلاث، أعني أربعة أشهر، إلا على زوج. أو من قولك: ما ضرب أحدٌ أحدًا إلا زيدٌ عمرًا. وإذا جُعل معمولاً لـ "تحد" مضمرًا، كان منقطعًا، فالتقدير: لا تحدّ امرأة على ميت، فوق ثلاث، لكن تحدّ على زوج أربعة أشهر انتهى (٢). قيل: الحكمة في كونه أربعة أشهر وعشرًا أن الولد يتكامل تخليقه، وتنفخ فيه الروح بعد مضيّ مائة وعشرين يومًا، وهي زيادة على أربعة أشهر بنقصان الأهلّة، فجُبر الكسر إلى العقد على طريق الاحتياط. وذَكَرَ العشر مؤنّثًا؛ لإرادة الليالي، والمراد مع أيامها عند الجمهور، فلا تحلّ حتى تدخل الليلة الحادية عشرة. وعن الأوزاعيّ، وبعض السلف: تنقضي بمضيّ الليالي العشر بعد مضي الأشهر، وتحلّ في أول اليوم العاشر. واستُثنيت الحامل كما تقدّم شرح حالها في الكلام على حديث سُبيعة بنت الحارث الأسلميّة - رضي اللَّه تعالى عنها -. وقد ورد في حديث قويّ الإسناد، أخرجه أحمد، وصححه ابن حبّان، عن أسماء بنت عُميس - رضي اللَّه تعالى عنها -، قالت: "دخل عليّ رسول اللَّه ﷺ اليوم الثالث من قتل جعفر بن أبي طالب، فقال: لا تُحدّي بعد يومك هذا"، لفظ أحمد، وفي رواية له، ولابن حبّان، والطحاويّ: "لَمّا أُصيب جعفر أتانا رسول اللَّه ﷺ ، فقال: تَسَلّبي ثلاثًا، ثم اصنعي ما شئت". قال الحافظ العراقيّ في "شرح الترمذيّ": ظاهره أنه لا يجب الإحداد على المتوفّى عنها بعد اليوم الثالث؛ لأن أسماء بنت عُميس، كانت زوج جعفر بن أبي طالب بالاتفاق، وهي والدة أولاده: عبد اللَّه، ومحمد، وعون، وغيرهم، قال: بل ظاهر النهي أن الإحداد لا يجوز. وأجاب بأن هذا الحديث شاذّ مخالفٌ للأحاديث "الصحيحة" وقد أجمعوا على

стр. 14763

خلافه. قال: ويحتمل أن يقال: إن جعفرًا قُتل شهيدًا، والشهداء أحياء عند ربّهم، قال: وهذا ضعيف؛ لأنه لم يرد في حقّ غير جعفر، من الشهداء، ممن قُطع بأنهم شُهداء، كما قُطع لجعفر، كحمزة بن عبد المطّلب عمه، وكعبد اللَّه بن عمرو بن حرام والد جابر انتهى كلام العراقيّ، ملخّصًا. وأجاب الطحاويّ بأنه منسوخ، وأن الإحداد كان على المعتدة في بعض عدّتها في وقت، ثم أمرت بالإحداد أربعة أشهر وعشرًا، ثم ساق أحاديث الباب، وليس فيها ما يدلّ على ما ادعاه من النسخ، لكته يُكثر من ادعاء النسخ بالاحتمال، فجرى على عادته، ويحتمل وراء ذلك أجوبة أخرى: [أحدها]: أن يكون المراد بالإحداد المقيد بالثلاث قدرًا زائدًا على الإحداد المعروف فعلته أسماء مبالغة في حزنها على جعفر، فنهاها عن ذلك بعد الثلاث. [ثانيها]: أنها كانت حاملًا، فوضعت بعد ثلاث، فانقضت العدّة، فنهاها بعدها عن الإحداد، ولا يمنع ذلك قوله في الرواية الأخرى: "ثلاثا"؛ لأنه يُحمل على أنه ﷺ اطّلع على أن عدّتها تنقضي عند الثلاث. [ثالثها]: لعله كان أبانها بالطلاق قبل استشهاده، فلم يكن عليها إحداد. [رابعها]: أن البيهقيّ أَعَلّ الحديث بالانقطاع، فقال: لم يثبت سماع عبد اللَّه بن شدّاد من أسماء. وهذا تعليلٌ مدفوع، فقد صححه أحمد، لكنه قال: إنه مخالفٌ للأحاديث الصحيحة في الإحداد. وهو مصير منه إلى أنه يُعلّه بالشذوذ. وذكر الأثرم أن أحمد سُئل عن حديث حنظلة، عن سالم، عن ابن عمر، رفعه: "لا إحداد فوق ثلاث"؟، فقال: هذا منكر، والمعروف عن ابن عمر من رأيه انتهى. وهذا يحتمل أن يكون لغير المرأة المعتدّة، فلا نكارة فيه، بخلاف حديث أسماء. واللَّه أعلم. وأغرب ابن حبّان، فساق الحديث بلفظ: "تسلّمي" بالميم، بدل الموحّدة، وفسّره بأنه أمرها بالتسليم لأمر اللَّه، ولا مفهوم لتقييدها بالثلاث، بل الحكمة فيه كون القلق يكون في ابتداء الأمر أشدّ، فلذلك قيّدها بالثلاث. هذا معنى كلامه، فصحّف الكلمة، وتكلّف لتأويلها. وقد وقع في رواية البيهقيّ وغيره: "فأمرني رسول اللَّه ﷺ أن أتسلّب ثلاثًا"، فتبيّن خطؤه. قاله في "الفتح" (١).

стр. 14764

(قَالَتْ زَيْنَبُ) - رضي اللَّه تعالى عنها -، بالسند السابق، وهذا هو الحديث الثاني (ثُمَّ دَخَلْتُ عَلَى زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ) أم المؤمنين - رضي اللَّه تعالى عنها -. قال في "الفتح": وظاهره أن هذه القصّة وقعت بعد قصّة أم حبيبة - رضي اللَّه تعالى عنها -، ولا يصحّ ذلك إلا إن قلنا بالتعدّد، ويكون ذلك عقب وفاة يزيد بن أبي سفيان؛ لأن وفاته سنة ثمان عشرة، أو تسع عشرة، ولا يصحّ أن يكون ذلك عند وفاة أبيه؛ لأن زينب بنت جحش ماتت قبل أبي سفيان بأكثر من عشر سنين، على الصحيح المشهور عند أهل العلم بالأخبار، فيُحمل على أنها لم ترد ترتيب الوقائع، وإنما أرادت ترتيب الأخبار. وقد وقع في رواية أبى داود بلفظ: "ودخلت"، وذلك لا يقتضي الترتيب. واللَّه أعلم انتهى (١) (حِينَ تُوُفِّيَ أَخُوهَا) قال الحافظ -رحمه اللَّه تعالى-: لم أتحقّق من المراد به؟؛ لأن لزينب ثلاثة إخوة: عبد اللَّه، وعبد، بغير إضافة، وعبيد اللَّه بالتصغير، فأما الكبير، فاستُشهد بأحد، وكانت زينب إذ ذاك صغيرة جدًّا؛ لأن أباها أبا سلمة مات بعد بدر، وتزوّج النبيّ ﷺ أمها، أم سلمة، وهي صغيرة ترضع، فقد ثبت أن أمها حلّت من أبي سلمة بوضع زينب هذه، فانتفى أن يكون هو المراد هنا، وإن كان وقع في كثير من "الموطّآت" بلفظ: "حين توفّي أخوها عبد اللَّه"، كما أخرجه الدارقطنيّ من طريق ابن وهب وغيره عن مالك، وأما عبدٌ بغير إضافة، فيُعرف بأبي حميد، وكان شاعرًا أعمى، وعاش إلى خلافة عمر ﵁. وقد جزم ابن إسحاق وغيره من أهل العلم بالأخبار بأنه مات بعد أخته زينب بسنة. وروى ابن سعد في ترجمتها في "الطبقات" من وجهين أن أبا حميد المذكور حضر جنازة زينب مع عمر ﵁، وحكي عنه مراجعة له بسببها، وإن كان في إسنادهما الواقديّ، لكن يُستشهد به في مثل هذا، فانتفى أن يكون هذا الأخير المراد. وأما عُبيد اللَّه المصغّر، فأسلم قديمًا، وهاجر بزوجته أم حبيبة بنت أبي سفيان إلى الحبشة، ثم تنصّر هناك، ومات، فتزوّج النبيّ ﷺ بعده أم حبيبة، فهذا يحتمل أن يكون هو المراد؛ لأن زينب بنت أبي سلمة عند ما جاء الخبر بوفاة عبيد اللَّه، كانت في سنّ من يَضبط، ولا مانع أن يحزن المرء على قريبه الكافر، ولا سيّما إذا تذكّر سوء مصيره. ولعلّ الرواية التي في "الموطّإ" "حين توفّي أخوها عبد اللَّه" كانت بالتصغير، فلم يَضبطها الكاتب. واللَّه أعلم. ويعكُر على هذا قول من قال: إن عُبيد اللَّه مات بأرض الحبشة، فتزوّج النبيّ ﷺ أم حبيبة، فإن ظاهرها أن تزويجها كان بعد موت عُبيد اللَّه، وتزويجها وقع بأرض الحبشة،

стр. 14765

وقبل أن تسمع النهي. وأيضًا ففي السياق: "ثم دخلت على زينب" بعد قولها: "دخلت على أم حبيبة"، وهو ظاهر في أن ذلك كان بعد موت قريب زينب بنت جحش المذكور، وهو بعد مجيء أم حبيبة من الحبشة بمدّة طويلة، فإن لم يكن هذا الظنّ هو الواقع احتمل أن يكون أخا لزينب بنت جحش من أمها، أو من الرضاعة، أو يُرجّح ما حكاه ابن عبد البرّ وغيره من أنّ زينب بنت أبي سلمة وُلدت بأرض الحبشة، فإن مقتضى ذلك أن يكون لها عند وفاة عبد اللَّه جحش أربع سنين، ومثلها يَضبِط في مثلها. واللَّه أعلم. قاله في "الفتح" (١). (وَقَدْ دَعَتْ بِطِيبٍ، وَمَسَّتْ مِنْهُ) وفي رواية "به" أي شيئًا من جسدها (ثُمَّ قَالَتْ: وَاللَّهِ) وفي رواية: "أما واللَّه" (مَا لِي بِالطِّيبِ مِنْ حَاجَةٍ) وفي رواية بحذف "من" (غَيْرَ أَنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، يَقُولُ عَلَى الْمِنْبَرِ: "لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ، تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَاليَوْمِ الْآخِرِ) تقدّم أن هذا هو محلّ استدلال المصنّف على أنه لا إحداد على غير المسلمة، والجمهور على خلافه (تَحِدُّ) تقدّم على أنه على تقدير حرف مصدريّ، وهو في تأويل المصدر فاعل "يحلّ" (عَلَى مَيّتٍ، فَوْقَ ثَلَاثِ لَيَالٍ، إِلاَّ عَلَى زَوْجٍ) أي فتحد عليه (أَرْبَعَةَ أَشْهُرِ وَعَشْرًا) أي أيامها، عند الجمهور، وقيل عشر ليال، وقد تقدم تفصيل الخلاف في ذلك. (وَقَالَتْ زَيْنَبُ) بالسند السابق، وهذا هو الحديث الثالث (سَمِعْتُ أُمَّ سَلَمَةَ) أي أمها أم المؤمنين هند بنت أبي أميّة المخزوميّة - رضي اللَّه تعالى عنهما - (تَقُولُ: جَاءَتِ امْرَأَةٌ) زاد في رواية الليث، عن حميد بن نافع الآتية بعد ثلاثة أبواب: "جاءت امرأة من قريش"، وسمّاها ابن وهب في "موطّئه"، وأخرجه إسماعيل القاضي في "أحكامه" عاتكة بنت نعيم بن عبد اللَّه، أخرجه ابن وهب: "عن أبي الأسود النوفليّ، عن القاسم بن محمد، عن زينب، عن أمها، أم سلمة، أن عاتكة بنت نُعيم بن عبد اللَّه، أتت تستفتي رسول اللَّه ﷺ ، فقالت: إن ابنتي تُوفّي عنها زوجها، وكانت تحت المغيرة المخزوميّ، وهي تحدّ، وتشتكي عينها … " الحديث. وهكذا أخرجه الطبرانيّ من رواية عمران بن هارون الرمليّ، عن ابن لهيعة لكنه، قال: "بنت نُعيم"، ولم يسمّها. وأخرجه ابن منده في "المعرفة" من طريق عثمان بن صالح "عن عبد اللَّه بن عُقبة، عن محمد بن عبد الرحمن، عن حميد بن نافع، عن زينب، عن أمها، عن عاتكة بنت نُعيم، أخت عبد اللَّه بن نعيم، جاءت إلى رسول اللَّه ﷺ ، فقالت: إن ابنتها تُوفّي

стр. 14766

زوجها … " الحديث. وعبد اللَّه بن عقبة هو ابن لهيعة، نسبه لجدّه، ومحمد بن عبد الرحمن هو أبو الأسود، فإن كان محفوظًا فلابن لهيعة طريقان، ولم تسمّ البنت التي توفّي زوجها، قال الحافظ -رحمه اللَّه تعالى-: ولم تنسب فيما وقفت عليه. وأما المغيرة المخزوميّ، فلم أقف على اسم أبيه، وقد أغفله ابن منده في "الصحابة"، وكذا أبو موسى في "الذيل" عليه، وكذا ابن عبد البرّ، لكنه استدركه ابن فتحون عليه انتهى كلام الحافظ. (إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ ابْنَتي تُوُفِّيَ عَنْهَا زَوْجُهَا، وَقَدِ اشْتَكَتْ عَيْنَهَا) قال ابن دقيق العيد: يجوز فيه وجهان ضمّ النون على الفاعليّة على أن تكون العين هي المشتكية، وفتحها على أن يكون في اشتكت ضمير الفاعل، وهي المرأة، ورجّح هذا. ووقع في بعض الروايات "عيناها" يعني ويرجّح الضمّ، وهذه الرواية في مسلم، وعلى الضمّ اقتصر النوويّ، وهو الأرجح، والذي رجّح الأول هو المنذريّ (أَفَأَكْحُلُهَا؟) بضمّ الحاء المهملة، من باب قتل (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَا") وفي رواية: "لا، مرَّتين، أو ثلاثًا، كلّ ذلك يقول: لا". وفي رواية شعبة، عن حميد ابن نافع، فقال: "لا تكتحل". قال النوويّ: فيه دليلٌ على تحريم الاكتحال على الحادّة، سواء احتاجت إليه، أم لا. وجاء في حديث أم سلمة - رضي اللَّه تعالى عنها - في "الموطأ" وغيره: "اجعليه بالليل، وامسحيه بالنهار". ووجه الجمع أنها إذا لم تحتج إليه لا يحلّ، وإذا احتاجت لم يجز بالنهار، ويجوز بالليل، مع أن الأولى تركه، فإن فعلت مسحته بالنهار، قال: وتأول بعضهم حديث الباب على أنه لم يتحقّق الخوف على عينها. وتُعُقّب بأن في حديث شعبة المذكور "فخشُوا على عينها"، وفي رواية ابن منده المتقدِّم ذكرها "رمدت رمَدًا شديدًا، وقد خشيت على بصرها"، وفي رواية الطبرانيّ أنها قالت في المرة الثانية: "إنها تشتكي عينها فوق ما يظنّ، فقال: لا"، وفي رواية القاسم بن أصبغ، أخرجها ابن حزم "إني خشيت أن تنفقىء عينها، قال: لا، وإن انفقأت"، وسنده صحيح، وبمثل ذلك أفتت أسماء بنت عُميس، أخرجه ابن أبي شيبة، وبهذا قال مالك في رواية عنه بمنعه مطلقًا، وعنه يجوز إذا خافت على عينها بما لا طيب فيه، وبه قال الشافعيّة مقيّدًا بالليل. وأجابوا عن قصّة المرأة باحتمال أنه كان يحصل لها البرء بغير الكحل، كالتضميد بالصبر ونحوه. وقد أخرج ابن أبي شيبة عن صفيّة بنت أبي عبيد أنها أحدّت على ابن عمر، فلم تكتحل حتى كادت عيناها تزيغان، فكانت تقطر فيهما الصبر. ومنهم من تأول النهي على كحل مخصوص، وهو ما يقتضي التزيّن به؛ لأن محض التداوي قد يحصل بما لا زينة فيه، فلم ينحصر فيما فيه زينة.

стр. 14767

وقالت طائفة من العلماء: يجوز ذلك، ولو كان فيه طيب، وحملوا النهي على التنزيه؛ جمعًا بين الأدلّة (١). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: القول بالمنع مطلقًا هو الصواب؛ لقوة أدلته. واللَّه تعالى أعلم. (ثُمَّ قَالَ) ﷺ "إنَّمَا هِيَ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا) قال في "الفتح": كذا في الأصل بالنصب على حكايته لفظ القرآن (٢)، ولبعضهم بالرفع، وهو أوضح. وقال ابن دقيق العيد: فيه إشارة إلى تقليل المدّة بالنسبة لما كان قبل ذلك، وتهوين الصبر عليها، ولهذا قال بعده (وَقَد كَانَتْ إِحدَاكُنَّ فِي الجَاهِلِيةِ تَرْمِي بِالبَعرَةِ عِنْدَ رَأْسِ الْحَولِ) وفي التقييد بالجاهليّة إشارة إلى أن الحكم في الإسلام صار بخلافه، وهو كذلك بالنسبة لما وصف من الصنيع، لكن التقدير بالحول استمرّ في الإسلام بنصّ قوِله تعالى: ﴿وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ﴾، ثم نسخت بالآية التي قبلُ، وهي: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾. (قَالَ: حُمَيْدٌ) هو ابن نافع، راوي الحديث، وهو موصول بالإسناد المبدوء به (فَقُلْتُ لِزَيْنَبَ) هي بنت أبي سلمة - رضي اللَّه تعالى عنهما - (وَمَا تَرْمِي بِالْبَعْرَةِ عِنْدَ رَأْسِ الْحَوْلِ؟) أي بيّني لي المراد بهذا الكلام الذي خوطبت به هذه المرأة (قَالَتْ زَيْنَبُ) - رضي اللَّه تعالى عنها - (كَانَتِ الْمَرأَةُ، إِذَا تُوُفِّيَ عَنْهَا زَوْجُهَا) قال في "الفتح": هكذا في هذه الرواية لم تسنده زينب، ووقع في رواية شعبة، مرفوعًا كله، لكنه باختصار، ولفظه: "فقال: لا تكتحل، قد كانت إحداكن تمكث في شرّ أحلاسها، أو شرّ بيتها، فإذا كان حولٌ، فمرّ كلبٌ رمت ببعرة، فلا، حتى تمضي أربعة أشهر وعشرٌ". قال الحافظ: وهذا لا يقتضي إدراج رواية الباب؛ لأن شعبة من أحفظ الناس، فلا يقضى على روايته برواية غيره بالاحتمال، ولعل الموقوف ما في رواية الباب من الزيادة التي ليست في رواية شعبة. انتهى (٣). لكن تعقّب هذا الزرقاني في "شرح الموطّإ" حيث قال بعد نقل كلام الحافظ هذا: وقد يرد عليه أن ذلك ليس بالاحتمال، فقد صرّح هو في "شرح نخبته" تبعًا لغيره بأن مما يُعرف به الإدراج مجيء رواية مبيّنة للقدر المدرج، وما هنا من ذلك، فإن رواية مالك عن شيخه، عن حميد بيّنت أن التفسير من زينب، وكون شعبة من الحفّاظ لا يقتضي أنه لا يروي ما فيه المدرج، فلم يزل الحفّاظ يروونه كثيرًا، كابن شهاب وغيره انتهى (٤).

стр. 14768

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: عندي أن ما ادعوه من الإدراج في رواية شعبة لا يظهر لي وجهه، فإن أصل الحديث مرفوع، لا إدراج فيه، وإنما التفسير الواقع في رواية مالك بطوله من زينب - رضي اللَّه تعالى عنها -، فلا إدراج في رواية شعبة، وقد تقدّمت رواية شعبة، ونحوها رواية يحيى بن سعيد الأنصاريّ المذكورة، في -٥٥/ ٣٥٢٨ و ٣٥٢ - فتنبّه. واللَّه تعالى أعلم. (دَخَلَتْ حِفْشًا) بكسر الحاء المهملة، وسكون الفاء، بعدها شين معجمة-: سيأتي تفسيره (وَلَبِسَتْ شَرَّ ثِيَابِهَا، وَلَمْ تَمَسّ طِيبًا، وَلَا شَيْئًا، حَتَّى تَمُرَّ بِهَا) وفي رواية: "لها" (سَنَةٌ، ثُمَّ تُؤتَى بِدَابَّةٍ) بالتنوين (حِمَارٍ) بالجرّ على البدل (أَوْ شَاةٍ، أَو طَيْرٍ) "أو" فيهما للتنويع، لا للشكّ، وإطلاق الدابّة على ما ذُكر هو بطريق الحقيقة اللغويّة، لا العرفيّة (فَتَفْتَضُّ بِهِ) بفاء، ثم مثنّاة، ثم ضاد معجمة مشدّدة، سيأتي تفسير مالك له قريبًا. والباء في "به" سببيّة. وجوّز الكرمانيّ أن تكون للتعدية، أو تكون زائدة، أي تفتضّ الطائر بأن تكسر بعض أعضائه انتهى. لكن يردّه ما يأتي من تفسير الافتضاض صريحًا (فَقَلَّمَا تَفْتَضُّ بِشَيْءٍ، إِلاَّ مَاتَ، ثُمَّ تَخْرُجُ) بالبناء للفاعل، أي تخرج تلك المعتدّة من حفشها (فَتُعْطَى) بالبناء للمفعول (بَعْرَةً) بفتح الموحّدة، وسكون المهملة، ويجوز فتحها (فَتَرْمِي بِهَا) وفي رواية مطرّف، وابن الماجشون، عن مالك: "ترمي ببعرة من بعر الغنم، أو الإبل، فترمي بها أمامها، يكون ذلك إحلالاً لها"، وفي رواية ابن وهب: "فترمي ببعرة من بعر الغنم من وراء ظهرها"، ووقع في رواية شعبة المذكورة: "فإذا كان حول، فمرّ كلبٌ رمت ببعرة". وظاهره أن رميها البعرة يتوقّف على مرور الكلب، سواء طال زمن انتظار مروره، أم قصر، وبه جزم بعض الشرّاح. وقيل: ترمي بها من عرض، من كلب، أو غيره، ترمي من حضرها أن مقامها حولًا أهون عليها من بعرة ترمي بها كلبًا أو غيره. وقال عياضٌ: يمكن الجمع بأن الكلب إذا مرّ افتضّت به، ثم رمت البعرة. قال الحافظ: ولا يخفى بعده، والزيادة من الثقة مقبولة، ولا سيّما إذا كان حافظًا، فإنه لا منافاة بين الروايتين حتى يحتاج إلى الجمع. واختلف في المراد برمي البعرة، فقيل: هو إشارة إلى أنها رمت العدّة رمي البعرة. وقيل: إشارة إلى أن الفعل الذي فعلته من التربّص، والصبر على البلاء الذي كانت فيه لما انقضى، كان عندها بمنزلة البعرة التي رمتها؛ استحقارًا له، وتعظيمًا لحقّ زوجها. وقيل: بل ترميها على سبيل التفاؤل بعدم عودها إلى مثل ذلك. قاله في "الفتح". (وَتُرَاجِعُ) بضمّ المثناة الفوقيّة، من المراجعة (بَعْدُ) أي بعد ما ذُكر من الافتضاض،

стр. 14769

والرمي (مَا شَاءَتْ، مِنْ طِيبٍ، أَو غَيْرهِ) مما كانت ممنوعة منه في تلك المدّة. (قَالَ: مَالِكٌ) إمام دار الهجَرة رحمه الَله تعالى، مفسّرًا معنى قوله (تَفْتَضُّ: تَمْسَحُ بِهِ) وفي رواية "الموطّإ": "تمسح به جلدها". قال في "الفتح": وأصل الفضّ الكسر، أي تكسر ما كانت فيه، وتخرج منه بما تفعله بالدابّة. ووقع في رواية النسائيّ: "تقبص" بقاف، ثم موحّدة، ثم مهملة خفيفة، وهي رواية الشافعيّ، والقبص الأخذ بأطراف الأنامل. قال الأصبهانيّ، وابن الأثير: هو كناية عن الإسراع، أي تذهب بعَدْو، وسرعة إلى منزل أبويها؛ لكثرة حيائها؛ لقبح منظرها، أو لشدّة شوقها إلى التزويج؛ لبعد عهدها به. والباء في قوله: "به" سببيّة، والضبط الأول أشهر. قال ابن قتيبة: سألت الحجازيين عن الافتضاض، فذكروا أن المعتدّة، كانت لا تمسّ ماءً، ولا تقدّم ظفرًا، ولا تُزيل شعرًا، ثم تخرج بعد الحول بأقبح منظر، ثم تفتضّ، أي تكسر ما هي فيه من العدّة بطائر تمسح به قبلها، وتنبذه، فلا يكاد يَعيش بعد ما تفتضّ به. وهذا لا يخالف تفسير مالك، لكنه أخصّ منه؛ لأنه أطلق الجلد، وتبيّن أن المراد به جلد القبل. وقال ابن وهب: معناه أنها تمسح بيدها على الدابّة، وعلى ظهره. وقيل: المراد تمسح به، ثم تفتضّ، أي تغتسل، والافتضاض: الاغتسال بالماء العذب؛ لإزالة الوسخ، وإرادة النقاء، حتى تفسير بيضاء نقية كالفضّة، ومن ثمّ قال الأخفش: معناه تتنظّف، فتنتفي من الوسخ، فتشبه الفضّة في نقائها وبياضها. والغرض بذلك الإشارة إلى إهلاك ما هي فيه، ومن الرمي الانفصال منه بالكلّيّة. انتهى. (فِي حَدِيثِ مُحَمَّدٍ: قَالَ مَالِكٌ: الْحِفْشُ الْخُصُّ) يعني أن شيخه محمد بن سلمة زاد في روايته تفسير مالك للحفش. وفي رواية يحيى بن يحيى، عن مالك: "والحفش البيت الرديء"، وفي رواية القعنبيّ، عنه:، "الصغير جدًّا". وهما بمعنى، فرداءته لصغره. و"الحفش" -بكسر المهملة، وسكون الفاء، بعدها شين معجمة-: فسره مالك بالخصّ، وهو -بضمّ الخاء المعجمة، وتشديد الصاد المهملة-: البيت من القصب، والجمع أَخصاص، مثل قُفْل وأَقفال. وفسّره أبو داود في روايته من طريق مالك بالبيت الصغير، وهو أعم مما ذكره المصنّف. وقال الشافعيّ: الحِفش: البيت الذليل الشعث البناء. وقيل: هو شيء من خوص يُشبه القفّة، تجمع فيه المعتدّة متاعها من غزل، أو نحوه. وظاهر سياق القصّة يأبى هذا، ففي الرواية الآتية من طريق يحيى الأنصاريّ، عن حميد بن نافع: "عمدت إلى شرّ بيت لها، فجلست فيه". ولعلّ أصل الحفش ما ذُكر، ثم استعمل في البيت الصغير الحقير على طريق الاستعارة. قاله في "الفتح". واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.

стр. 14770

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الحديث متّفقٌ عليه، وقد تقدّم تخريجه، وبقيّة مسائله في -٥٥/ ٣٥٢٧ - "باب عدّة المتوفى عنها زوجها"، فراجعه تستفد. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ٦٤ - (مَا تَجْتَنِبُهُ الْحَادَّةُ مِنَ الثِّيَابِ الْمُصْبَغَةِ) قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "الحادّة": اسم فاعل، من حدّت المرأة، ثلاثيًّا، ويقال لها: الْمُحِدّة، من الإحداد رباعيًّا: إذا تركت الزينة لموت زوجها. و"المصبّغة": اسم مفعول من التصبيغ، قال في "اللسان": وثيابٌ مُصَبَّغَةٌ: إذا صُبِغت، شُدِّدّ للكثرة انتهى. وقال الفيّوميّ: صبَغتُ الثوب صَبْغًا، من بابي نفع، وقَتَل، وفي لغة من باب ضرب. قال: والصّبْغ، بكسر الصاد، والصَّبْغَةُ، والصّبَاغُ أيضًا، كله بمعنى، وهو ما يُصبغ به، ومنهم من يقول: الصِّبَاغ جمع صِبْغِ، مثلُ بِئْرٍ وبِئَارٍ. انتهى بتصرّف. واللَّه تعالى أعلم بالصواب. ٣٥٦١ - (أَخْبَرَنَا حُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ, قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ, عَنْ حَفْصَةَ, عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ, قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «لَا تَحِدُّ امْرَأَةٌ عَلَى مَيِّتٍ, فَوْقَ ثَلَاثٍ, إِلاَّ عَلَى زَوْجٍ, فَإِنَّهَا تَحِدُّ عَلَيْهِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا, وَلَا تَلْبَسُ ثَوْبًا مَصْبُوغًا, وَلَا ثَوْبَ عَصْبٍ, وَلَا تَكْتَحِلُ, وَلَا تَمْتَشِطُ, وَلَا تَمَسُّ طِيبًا, إِلاَّ عِنْدَ طُهْرِهَا, حِينَ تَطْهُرُ, نُبَذًا مِنْ قُسْطٍ, وَأَظْفَارٍ»). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (حُسين بن محمد) بن أيوب الذارع السعديّ، أبو عليّ البصريّ، صدوق [١٠] ٩٧/ ١٣٥٥. ٢ - (خالد) بن الحارث الْهُجَيميّ، أبو عثمان البصريّ، ثقة ثبت [٨] ٤٢/ ٤٧. ٣ - (هشام) بن حسّان القُردسيّ، أبو عبد اللَّه البصريّ، ثقة [٦] ١٨٨/ ٣٠٠. ٤ - (حفصة) بنت سيرين، أم الْهُذيل الأنصاريّة البصريّة، ثقة [٣] ٢٢/ ٣٩٠.

стр. 14771

٥ - (أمّ عطيّة) نُسيبة -بالتصغير، ويقال: بفتح النون- بنت كعب، ويقال: بنت الحارث الأنصاريّة صحابيّة، مشهورة، ثم سكنت البصرة، تقدّمت في -٧/ ٣٦٨. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بثقات البصريين. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ) الأنصاريّة - رضي اللَّه تعالى عنها -، أنها (قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَا تَحِدُّ) تقدّم أنه بضم أوله، أو فتحها، من الإحداد، أو الحدّ (امْرَأَةٌ عَلَى مَيْتٍ، فَوْقَ ثَلَاثٍ، إِلاَّ عَلَى زَوْجٍ، فَإِنَّهَا تَحِدُّ عَلَيْهِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرِ وَعَشْرًا، وَلَا تَلبَسُ ثَوْبًا مَصْبُوغًا، وَلَا ثَؤبَ عَصْبٍ) هكذا نَسخ "المجتبى" التي بين يدي كلها بلفظ: "ولا ثوب عصب" بواو العطف، "لا" النافية، فيكون عطفًا على الممنوع، وهذا غلطٌ فاحشٌ، والصواب، كما في "الكبرى": "إلا ثوب عصب"، باداة الاستثناء، فهو مستثنىً من الممنوع، فيكون لبسها له جائزًا. فتنبّه. و"العَصَب" -بفتح العين، وسكون الصاد المهملتين- قال في "المحكم": هو ضرب من برود اليمن، يُعصب غَزله، أي يُجمَع، ثم يُصبغ، ثم يُنسج. وقال ابن الأثير: العَصب برودٌ يمنيّةٌ، يُعصب غزلها: أي يُجمع، ويُشدّ، ثم يُصبغ، ويُنسج، فيأتي مَوْشِيًّا؛ لبقاء ما عُصب منه أبيض لم يأخذه صِبْغ، يقال: بُرْدٌ عَصْبٌ، وبُرُودُ عَصب، بالتنوين والإضافة. وقيل: هي برودٌ مخطّطةٌ. والعصب: الفَتْلُ، والعَصّاب الْغَزَّالَ، فيكون النهي للمعتدّة عما صُبغ بعد النسج. انتهى (١). وقال في "الفتح": قوله: "إلا ثوب عَصْبٍ -بمهملتين، مفتوحة، ثم ساكنة، ثم موحّدة- وهو بالإضافة، وهي برود اليمن، يُعصب غزلها، أي يُربط، ثم يُصبغ، ثم ينسج معصوبًا، فيخرج موشى؛ لبقاء ما عُصِب به أبيض لم ينصبغ، وإنما يُعصب السُّدَى، دون اللُّحْمَة. وقال صاحب "المنتهى": العصب هو المفتول من برود اليمن. وذكر أبو موسى المدينيّ في "ذيل الغريب" عن بعض أهل اليمن أنه من دابّة بحريّة، تُسمى فرس فرعون، يُتّخذ منها الخرز وغيره، ويكون أبيض. وهذا غريب. وأغرب منه قول السهيليّ: إنه نبات لا ينبت إلا باليمن، وعزاه لأبي حنيفة الدِّينَوَريّ. وأغرب منه

стр. 14772

قول الداوديّ: المراد بالثوب العصب الخضرة، وهي الْحِبَرَة، وليس له سلف في أن العصب الأخضر. انتهى (١). (وَلَا تَكْتَحِلُ) أي لا تستعمل الكحل (وَلَا تَمْتَشِطُ) أي لا تسرّح شعرها بالْمُشط. يقال: مَشَطتُ الشعر مَشْطًا، من بابي قتل، وضرب: سَرَّحْتُهُ، والتثقيل مبالغة. وامتشطت المرأةُ: مشَطتْ شعرها، والْمُشط الذي يُمْشَط به بضمّ الميم، وتميم تكسرها، وهو القياس؛ لأنه آلة، والجمع أمشاط. قاله الفيّوميّ (وَلَا تَمَسُّ) بفتح الميم، وضمها، يقال: مَسِسْتُهُ مَسًّا، من باب تَعِبَ، وفي لغة من باب قتل: أفضيتُ إليه بيدي من غير حائل. قاله الفيّوميّ (طِيبًا، إِلاَّ عِنْدَ طُهْرِهَا، حِينَ تَطْهُرُ، نُبَذًا) وفي نسخة: "نُبْذة". و"النُّبَذُ" -بضمّ أوله، وفتح ثالثه-: جمع نُبْذة -بضم، فسكون-: ومعناها القطعة. قال القرطبيّ: قال القاضي أبو الفضل: النبذة: الشيء اليسير، وأدخل فيه الهاء؛ لأنه بمعنى القطعة. (مِنْ قُسْطٍ، وَأَظْفَارٍ") قال ابن الأثير: الْقُسط: ضرب من الطيب. وقيل: هو العود. والقسط عقارٌ معروفٌ في الأدوية طيّب الريح، تبخّر به النساء والأطفال، وهو أشبه بالحديث؛ لإضافته إلى الأظفار (٢). قال: و"الأظفار": جنس من الطيب، لا واحد له من لفظه. وقيل: واحده ظفر. وقيل: هو شيء من العطر أسود. والقطعة منه شَبيهةٌ بالظفر انتهى (٣). وقال النوويّ: القُسط والأظفار: نوعان معروفان من الْبَخُور، وليسا من مقصود الطيب، رُخّص فيه للمغتسلة من الحيض لإزالة الرائحة الكريهة، تتبع به أثر الدم، لا للتطيّب. وقال الحافظ: المقصود من التطيّب بهما أن يُخلطا في أجزاء أُخر من غيرهما، ثم تُسحَق، فتصير طيبًا، والمقصود بهما هنا -كما قال الشيخ- أن تتبع بهما أثر الدم؛ لإزالة الرائحة، لا للتطيّب. وزعم الداودي أن المراد أنها تسحق القسط، وتُلقيه في الماء آخر غسلها؛ لتذهب رائحة الحيض. وردّه عياضٌ بأن ظاهر الحديث يأباه، وأنه لا يحصل منه رائحة طيّبة، إلا من التبخّر به. كذا قال. وفيه نظر انتهى (٤). وقال أبو العبّاس القرطبيّ: وإنما رُخّص لها في هذا؛ لقطع الروائح الكريهة، والتنظيف، لا على معنى التطيّب، مع أن القسط والأظفار ليس من مؤنّث الطيب

стр. 14773

المستعمل نفسه في ذلك. وظاهره أنها تتبخرت بذلك. وقال الداوديّ: تَسْحَقُ القُسْطَ والأَظفارَ، وتُلقيه في الماء آخر غسلها، والأول أظهر؛ لأن القسط والأظفار لا يحصل منهما شيء إلا من بَخُورهما، ويقال: قُسط -بالقاف، والكاف- وأكثر ما يُستعمل القُسط، والأظفار مع غيرهما فيما يُتبخّر به، لا بمجرّدهما انتهى. ووقع في كتاب البخاريّ: "قسط أظفار"، وهو خطأ، إذ لا يضاف أحدهما للآخر؛ لأنهما لا نسبة بينهما. وعند بعضهم: "قسط ظفار" وهذا له وجهٌ، فإن ظَفَارِ مدينة باليمن، نُسب إليها الْقُسْط، وما في مسلم أحسن. قال: وعلى هذا فينبغي ألا يُصرف للتعريف والتأنيث، ويكون كـ "حَذَامِ"، و"قَطَامِ"، أو يكون مبنيًّا على الكسر، على القول الثاني في "حذام"، و"قطام". انتهى (١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث أم عطيّة - رضي اللَّه تعالى عنها - متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٦٤/ ٣٥٦١ و ٦٥/ ٣٥٦٣ و ٦٨/ ٣٥٦٩ - وفي "الكبرى" ٦٤/ ٥٧٢٨ و ٦٥/ ٥٧٣٠ و ٦٨/ ٥٧٣٦. وأخرجه (خ) في "الحيض" ٣١٣ و"الجنائز" ١٢٧٩ و٥٣٤٠ و٥٣٤١ و ٥٣٤٣ (م) في "الطلاق" ٩٣٨ (د) في "الطلاق" ٢٣٥٢ (ق) في "الطلاق" ٢٠٨٧ "أحمد" في "مسند البصريين" ٢٠٢٧٠ و"مسند القبائل" ٢٦٧٥٩ (الدارمي) في "الطلاق" ٢٢٨٦. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان ما تجتنبه الحادّة من الثياب الْمُصَبّغَة. (ومنها): جواز لبس الثوب المعصوب، أي الذي ربط غزله، ثم صُبغ، ونُسج. (ومنها): وجوب الإحداد على الزوج المتوفّى. (ومنها): أن مدة الإحداد أربعة أشهر وعشر. (ومنها): عدم جواز الاكتحال والامتشاط للحادّة. (ومنها): عدم استعمال الطيب، إلا شيئًا يسيرًا من القسط عند طهارتها من المحيض. (ومنها): أنه يؤخذ من مفهومه جواز لبس ما ليس بمصبوغ، من الثياب البيض، ونحوها. (ومنها): أنه يدلّ على جواز استعمال ما فيه منفعة لها، من جنس ما مُنِعت منه، إذا لم يكن

стр. 14774

للتزيّن،، أو التطيّب، كالتدهّن بالزيت في شعر الرأس، أو غيره (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم فيما تجتنبه الحادّة من اللباس: قال الإمام ابن المنذر -رحمه اللَّه تعالى-: أجمع العلماء على أنه لا يجوز للحادّة لبس الثياب المعصفرة، ولا المصبّغة، إلا ما صُبغ بسواد، فرخّص في المصبوغ بالسواد عروة بن الزبير، ومالكٌ، والشافعيّ، وكرهه الزهريّ، وكره عروة العصب، وأجازه الزهريّ،. وأجاز مالك غليظه. قال النوويّ: والأصحّ عند أصحابنا تحريمه مطلقًا، وهذا الحديث حجة لمن أجازه. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: معلوم لدى كلّ منصف أن من كان الحديث حجته، حجّ خصمه، فمن أيّده الحديث من الرجال، لا يستطيع أن يقاومه ألف أبطال. قال ابن المنذر: رخّص العلماء في الثياب البيض، ومنع بعض متأخري المالكيّة البيض الذي يتزيّن به، وكذلك جيّد السواد. وجوّز الشافعيّة كلّ ما صبغ، ولا تقصد منه الزينة، ويجوز لها لبس الحرير في الأصحّ، ويحرم حليّ الذهب والفضّة، وكذلك اللؤلؤ، وفي اللؤلؤ وجه أنه يجوز. قاله النوويّ (٢). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: تحريم أنواع الحليّ عليها هو الصواب، لما أخرجه أحمد في "مسنده"، وأبو داود في "سننه"، بإسناد صحيح: من طريق الحسن بن مسلم، عن صفيّة بنت شيبة، عن أم سلمة، زوج النبيّ ﷺ ، عن النبيّ ﷺ ، أنه قال: "المتوفى عنها زوجها، تلبس المعصفر من الثياب، ولا الْمُمَشَّقَة، ولا الْحُلِيّ، ولا تختضب، ولا تكتحل". وهو الحديث الآتي للمصنّف بعد هذا، لكن ليس فيه "ولا الحليّ". والحاصل أنها تمتنع من أنواع الطيب، إلا قطعة من القسط عند اغتسالها من محيضها، ولا تلبس الثياب المصبوغة، إلا المعصوب، فيجوز لها لبسه، ولا المعصفر، ولا تلبس الممشَّقة، أي المصبوغة بالمشق، وهو المغرة (٣)، ولا تستعمل الخضاب بالحناء وغيره، ولا الاكتحال، ولا تلبس أنواع الحليّ. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٥٦٢ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ, قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي بُكَيْرٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ طَهْمَانَ, قَالَ: حَدَّثَنِي بُدَيْلٌ, عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مُسْلِمٍ, عَنْ صَفِيَّةَ

стр. 14775

بِنْتِ شَيْبَةَ, عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ, زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ , عَنِ النَّبِيِّ ﷺ , قَالَ: «الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا, لَا تَلْبَسُ الْمُعَصْفَرَ مِنَ الثِّيَابِ, وَلَا الْمُمَشَّقَةَ, وَلَا تَخْتَضِبُ, وَلَا تَكْتَحِلُ»). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ) المعروف أبوه بابن عُليّة البصريّ، نزيل دمشق، وقاضيها، ثقة [١٠] ٢٢/ ٤٧٩. ٢ - (يحيى بن أبي بُكير) واسم أبيه نَسْر: هو الكرمانيّ، كوفيّ الأصل، نزيل بغداد، ثقة [٩] ١١٥/ ١٠٦٦. ٣ - (إبراهيم بن طهمان) أبو سعيد الخراسانيّ، سكن نيسابور، ثم مكة، ثقة يُغرب، وتكلّم فيه بالإرجاء، ويقال: إنه رجع عنه [٧] ٧/ ٤٠٩. ٤ - (بُديل) -مصغّرًا -: هو ابن ميسرة العُقَيليّ البصريّ، ثقة [٥] ٥٥/ ٨٥٩. ٥ - (الحسن بن مسلم) بن يَنّاق -بفتح التحتانيّة، وتشديد النون-: هو المكيّ الثقة [٥] ٦١/ ٢٥٧٤. ٦ - (صفيّة بنت شيبة) بن عثمان بن أبي طلحة العبدريّة، لها سماع من النبيّ ﷺ ، على ما أثبته البخاريّ في "صحيحه" ١٥٩/ ٢٥١. ٧ - (أم سلمة) هند بنت أبي أميّة المخزوميّة، أم المؤمنين - رضي اللَّه تعالى - عنها ١٢٣/ ١٨٣. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سباعيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه من أفراده. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ، وصحابيّة، عن صحابيّة؛ لأن الأصحّ أن صفيّة لها صحبة، وإلا ففيه ثلاثة من التابعين يروي بعضهم عن بعض. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ) هند بنت أبي أمية المخزوميّة، أم المؤمنين - رضي اللَّه تعالى عنها - (زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ) أنه (قَالَ: "الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا، لَا تَلْبَسُ الْمُعَصْفَرَ مِنَ الثِّيَاب) "المعصفَر": اسم مفعول من عَصْفَرتُ الثوبَ: إذا صبغتَه بالعُصْفُر، وهو بضم العينَ المهملة، والفاء، بينهما صاد مهملة ساكنة: نبتٌ معروف يصبغ به (وَلَا الْمُمَشَّقَةَ) بفتح الشين المعجمة المشدّدة، على صيغة اسم المفعول، من التفعيل: المصبوغ بطين أحمر، يسقى المِشْقَ، والتأنيث باعتبار موصوفها الثياب. قاله السنديّ. وقال الفيّوميّ:
следующие страницы →