٥ - (أمّ عطيّة) نُسيبة -بالتصغير، ويقال: بفتح النون- بنت كعب، ويقال: بنت الحارث الأنصاريّة صحابيّة، مشهورة، ثم سكنت البصرة، تقدّمت في -٧/ ٣٦٨. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بثقات البصريين. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ) الأنصاريّة - رضي اللَّه تعالى عنها -، أنها (قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَا تَحِدُّ) تقدّم أنه بضم أوله، أو فتحها، من الإحداد، أو الحدّ (امْرَأَةٌ عَلَى مَيْتٍ، فَوْقَ ثَلَاثٍ، إِلاَّ عَلَى زَوْجٍ، فَإِنَّهَا تَحِدُّ عَلَيْهِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرِ وَعَشْرًا، وَلَا تَلبَسُ ثَوْبًا مَصْبُوغًا، وَلَا ثَؤبَ عَصْبٍ) هكذا نَسخ "المجتبى" التي بين يدي كلها بلفظ: "ولا ثوب عصب" بواو العطف، "لا" النافية، فيكون عطفًا على الممنوع، وهذا غلطٌ فاحشٌ، والصواب، كما في "الكبرى": "إلا ثوب عصب"، باداة الاستثناء، فهو مستثنىً من الممنوع، فيكون لبسها له جائزًا. فتنبّه.
و"العَصَب" -بفتح العين، وسكون الصاد المهملتين- قال في "المحكم": هو
ضرب من برود اليمن، يُعصب غَزله، أي يُجمَع، ثم يُصبغ، ثم يُنسج. وقال ابن الأثير: العَصب برودٌ يمنيّةٌ، يُعصب غزلها: أي يُجمع، ويُشدّ، ثم يُصبغ، ويُنسج، فيأتي مَوْشِيًّا؛ لبقاء ما عُصب منه أبيض لم يأخذه صِبْغ، يقال: بُرْدٌ عَصْبٌ، وبُرُودُ عَصب، بالتنوين والإضافة. وقيل: هي برودٌ مخطّطةٌ. والعصب: الفَتْلُ، والعَصّاب الْغَزَّالَ، فيكون النهي للمعتدّة عما صُبغ بعد النسج. انتهى (١).
وقال في "الفتح": قوله: "إلا ثوب عَصْبٍ -بمهملتين، مفتوحة، ثم ساكنة، ثم موحّدة- وهو بالإضافة، وهي برود اليمن، يُعصب غزلها، أي يُربط، ثم يُصبغ، ثم ينسج معصوبًا، فيخرج موشى؛ لبقاء ما عُصِب به أبيض لم ينصبغ، وإنما يُعصب السُّدَى، دون اللُّحْمَة. وقال صاحب "المنتهى": العصب هو المفتول من برود اليمن.
وذكر أبو موسى المدينيّ في "ذيل الغريب" عن بعض أهل اليمن أنه من دابّة بحريّة، تُسمى فرس فرعون، يُتّخذ منها الخرز وغيره، ويكون أبيض. وهذا غريب. وأغرب منه قول السهيليّ: إنه نبات لا ينبت إلا باليمن، وعزاه لأبي حنيفة الدِّينَوَريّ. وأغرب منه
стр. 14772
قول الداوديّ: المراد بالثوب العصب الخضرة، وهي الْحِبَرَة، وليس له سلف في أن العصب الأخضر. انتهى (١).
(وَلَا تَكْتَحِلُ) أي لا تستعمل الكحل (وَلَا تَمْتَشِطُ) أي لا تسرّح شعرها بالْمُشط. يقال: مَشَطتُ الشعر مَشْطًا، من بابي قتل، وضرب: سَرَّحْتُهُ، والتثقيل مبالغة. وامتشطت المرأةُ: مشَطتْ شعرها، والْمُشط الذي يُمْشَط به بضمّ الميم، وتميم تكسرها، وهو القياس؛ لأنه آلة، والجمع أمشاط. قاله الفيّوميّ (وَلَا تَمَسُّ) بفتح الميم، وضمها، يقال: مَسِسْتُهُ مَسًّا، من باب تَعِبَ، وفي لغة من باب قتل: أفضيتُ إليه بيدي من غير حائل. قاله الفيّوميّ (طِيبًا، إِلاَّ عِنْدَ طُهْرِهَا، حِينَ تَطْهُرُ، نُبَذًا) وفي نسخة: "نُبْذة". و"النُّبَذُ" -بضمّ أوله، وفتح ثالثه-: جمع نُبْذة -بضم، فسكون-: ومعناها القطعة. قال القرطبيّ: قال القاضي أبو الفضل: النبذة: الشيء اليسير، وأدخل فيه الهاء؛ لأنه بمعنى القطعة.
(مِنْ قُسْطٍ، وَأَظْفَارٍ") قال ابن الأثير: الْقُسط: ضرب من الطيب. وقيل: هو العود.
والقسط عقارٌ معروفٌ في الأدوية طيّب الريح، تبخّر به النساء والأطفال، وهو أشبه بالحديث؛ لإضافته إلى الأظفار (٢). قال: و"الأظفار": جنس من الطيب، لا واحد له من لفظه. وقيل: واحده ظفر. وقيل: هو شيء من العطر أسود. والقطعة منه شَبيهةٌ بالظفر انتهى (٣).
وقال النوويّ: القُسط والأظفار: نوعان معروفان من الْبَخُور، وليسا من مقصود الطيب، رُخّص فيه للمغتسلة من الحيض لإزالة الرائحة الكريهة، تتبع به أثر الدم، لا للتطيّب. وقال الحافظ: المقصود من التطيّب بهما أن يُخلطا في أجزاء أُخر من غيرهما، ثم تُسحَق، فتصير طيبًا، والمقصود بهما هنا -كما قال الشيخ- أن تتبع بهما أثر الدم؛ لإزالة الرائحة، لا للتطيّب. وزعم الداودي أن المراد أنها تسحق القسط، وتُلقيه في الماء آخر غسلها؛ لتذهب رائحة الحيض. وردّه عياضٌ بأن ظاهر الحديث يأباه، وأنه لا يحصل منه رائحة طيّبة، إلا من التبخّر به. كذا قال. وفيه نظر انتهى (٤).
وقال أبو العبّاس القرطبيّ: وإنما رُخّص لها في هذا؛ لقطع الروائح الكريهة، والتنظيف، لا على معنى التطيّب، مع أن القسط والأظفار ليس من مؤنّث الطيب
стр. 14773
المستعمل نفسه في ذلك. وظاهره أنها تتبخرت بذلك. وقال الداوديّ: تَسْحَقُ القُسْطَ والأَظفارَ، وتُلقيه في الماء آخر غسلها، والأول أظهر؛ لأن القسط والأظفار لا يحصل منهما شيء إلا من بَخُورهما، ويقال: قُسط -بالقاف، والكاف- وأكثر ما يُستعمل القُسط، والأظفار مع غيرهما فيما يُتبخّر به، لا بمجرّدهما انتهى. ووقع في كتاب البخاريّ: "قسط أظفار"، وهو خطأ، إذ لا يضاف أحدهما للآخر؛ لأنهما لا نسبة بينهما. وعند بعضهم: "قسط ظفار" وهذا له وجهٌ، فإن ظَفَارِ مدينة باليمن، نُسب إليها الْقُسْط، وما في مسلم أحسن. قال: وعلى هذا فينبغي ألا يُصرف للتعريف والتأنيث، ويكون كـ "حَذَامِ"، و"قَطَامِ"، أو يكون مبنيًّا على الكسر، على القول الثاني في "حذام"، و"قطام". انتهى (١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث أم عطيّة - رضي اللَّه تعالى عنها - متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٦٤/ ٣٥٦١ و ٦٥/ ٣٥٦٣ و ٦٨/ ٣٥٦٩ - وفي "الكبرى" ٦٤/ ٥٧٢٨ و ٦٥/ ٥٧٣٠ و ٦٨/ ٥٧٣٦. وأخرجه (خ) في "الحيض" ٣١٣ و"الجنائز" ١٢٧٩ و٥٣٤٠ و٥٣٤١ و ٥٣٤٣ (م) في "الطلاق" ٩٣٨ (د) في "الطلاق" ٢٣٥٢ (ق) في "الطلاق" ٢٠٨٧ "أحمد" في "مسند البصريين" ٢٠٢٧٠ و"مسند القبائل" ٢٦٧٥٩ (الدارمي) في "الطلاق" ٢٢٨٦. واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان ما تجتنبه الحادّة من الثياب الْمُصَبّغَة. (ومنها): جواز لبس الثوب المعصوب، أي الذي ربط غزله، ثم صُبغ، ونُسج. (ومنها): وجوب الإحداد على الزوج المتوفّى. (ومنها): أن مدة الإحداد أربعة أشهر وعشر. (ومنها): عدم جواز الاكتحال والامتشاط للحادّة. (ومنها): عدم استعمال الطيب، إلا شيئًا يسيرًا من القسط عند طهارتها من المحيض. (ومنها): أنه يؤخذ من مفهومه جواز لبس ما ليس بمصبوغ، من الثياب البيض، ونحوها. (ومنها): أنه يدلّ على جواز استعمال ما فيه منفعة لها، من جنس ما مُنِعت منه، إذا لم يكن
стр. 14774
للتزيّن،، أو التطيّب، كالتدهّن بالزيت في شعر الرأس، أو غيره (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم فيما تجتنبه الحادّة من اللباس:
قال الإمام ابن المنذر -رحمه اللَّه تعالى-: أجمع العلماء على أنه لا يجوز للحادّة لبس الثياب المعصفرة، ولا المصبّغة، إلا ما صُبغ بسواد، فرخّص في المصبوغ بالسواد عروة بن الزبير، ومالكٌ، والشافعيّ، وكرهه الزهريّ، وكره عروة العصب، وأجازه الزهريّ،. وأجاز مالك غليظه. قال النوويّ: والأصحّ عند أصحابنا تحريمه مطلقًا، وهذا الحديث حجة لمن أجازه.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: معلوم لدى كلّ منصف أن من كان الحديث حجته، حجّ خصمه، فمن أيّده الحديث من الرجال، لا يستطيع أن يقاومه ألف أبطال.
قال ابن المنذر: رخّص العلماء في الثياب البيض، ومنع بعض متأخري المالكيّة البيض الذي يتزيّن به، وكذلك جيّد السواد. وجوّز الشافعيّة كلّ ما صبغ، ولا تقصد منه الزينة، ويجوز لها لبس الحرير في الأصحّ، ويحرم حليّ الذهب والفضّة، وكذلك اللؤلؤ، وفي اللؤلؤ وجه أنه يجوز. قاله النوويّ (٢).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: تحريم أنواع الحليّ عليها هو الصواب، لما أخرجه أحمد في "مسنده"، وأبو داود في "سننه"، بإسناد صحيح: من طريق الحسن بن مسلم، عن صفيّة بنت شيبة، عن أم سلمة، زوج النبيّ ﷺ ، عن النبيّ ﷺ ، أنه قال: "المتوفى عنها زوجها، تلبس المعصفر من الثياب، ولا الْمُمَشَّقَة، ولا الْحُلِيّ، ولا تختضب، ولا تكتحل". وهو الحديث الآتي للمصنّف بعد هذا، لكن ليس فيه "ولا الحليّ".
والحاصل أنها تمتنع من أنواع الطيب، إلا قطعة من القسط عند اغتسالها من محيضها، ولا تلبس الثياب المصبوغة، إلا المعصوب، فيجوز لها لبسه، ولا المعصفر، ولا تلبس الممشَّقة، أي المصبوغة بالمشق، وهو المغرة (٣)، ولا تستعمل الخضاب بالحناء وغيره، ولا الاكتحال، ولا تلبس أنواع الحليّ. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٥٦٢ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ, قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي بُكَيْرٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ طَهْمَانَ, قَالَ: حَدَّثَنِي بُدَيْلٌ, عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مُسْلِمٍ, عَنْ صَفِيَّةَ
стр. 14775
بِنْتِ شَيْبَةَ, عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ, زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ , عَنِ النَّبِيِّ ﷺ , قَالَ: «الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا, لَا تَلْبَسُ الْمُعَصْفَرَ مِنَ الثِّيَابِ, وَلَا الْمُمَشَّقَةَ, وَلَا تَخْتَضِبُ, وَلَا تَكْتَحِلُ»).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ) المعروف أبوه بابن عُليّة البصريّ، نزيل دمشق، وقاضيها، ثقة [١٠] ٢٢/ ٤٧٩.
٢ - (يحيى بن أبي بُكير) واسم أبيه نَسْر: هو الكرمانيّ، كوفيّ الأصل، نزيل بغداد، ثقة [٩] ١١٥/ ١٠٦٦.
٣ - (إبراهيم بن طهمان) أبو سعيد الخراسانيّ، سكن نيسابور، ثم مكة، ثقة يُغرب، وتكلّم فيه بالإرجاء، ويقال: إنه رجع عنه [٧] ٧/ ٤٠٩.
٤ - (بُديل) -مصغّرًا -: هو ابن ميسرة العُقَيليّ البصريّ، ثقة [٥] ٥٥/ ٨٥٩.
٥ - (الحسن بن مسلم) بن يَنّاق -بفتح التحتانيّة، وتشديد النون-: هو المكيّ الثقة [٥] ٦١/ ٢٥٧٤.
٦ - (صفيّة بنت شيبة) بن عثمان بن أبي طلحة العبدريّة، لها سماع من النبيّ ﷺ ، على ما أثبته البخاريّ في "صحيحه" ١٥٩/ ٢٥١.
٧ - (أم سلمة) هند بنت أبي أميّة المخزوميّة، أم المؤمنين - رضي اللَّه تعالى - عنها ١٢٣/ ١٨٣. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سباعيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه من أفراده. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ، وصحابيّة، عن صحابيّة؛ لأن الأصحّ أن صفيّة لها صحبة، وإلا ففيه ثلاثة من التابعين يروي بعضهم عن بعض. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ) هند بنت أبي أمية المخزوميّة، أم المؤمنين - رضي اللَّه تعالى عنها - (زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ) أنه (قَالَ: "الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا، لَا تَلْبَسُ الْمُعَصْفَرَ مِنَ الثِّيَاب) "المعصفَر": اسم مفعول من عَصْفَرتُ الثوبَ: إذا صبغتَه بالعُصْفُر، وهو بضم العينَ المهملة، والفاء، بينهما صاد مهملة ساكنة: نبتٌ معروف يصبغ به (وَلَا الْمُمَشَّقَةَ) بفتح الشين المعجمة المشدّدة، على صيغة اسم المفعول، من التفعيل: المصبوغ بطين أحمر، يسقى المِشْقَ، والتأنيث باعتبار موصوفها الثياب. قاله السنديّ. وقال الفيّوميّ:
стр. 14776
الْمِشْقُ وزان حِمْلٍ: الْمَغرَةُ، وأمشقتُ الثوبَ إمشاقًا: صبغتُه بالمِشْقِ، وقالوا: ثوبٌ ممشَقٌ بالتثقيل، والفتح، ولم يذكروا فعله. وقال أيضًا: الْمَغَرَةُ: الطين الأحمر، بفتح الميم، والغين، والتسكين تخفيفٌ، والأمغر في الخيل: الأشقر انتهى.
زاد في رواية أبي داود: "ولا الحليّ". وهو بضم أوله، وكسر اللام، وتشديد الياء، جمع حَلْي، كفلس وفُلُوس، أو الحَلْي جمع، واحده حَلْيَةٌ، كظَبْيَةٍ: ما يُتَزَيَّن به من مصوغ المعدنيّات، أو الحجارة. أفاده في "القاموس".
(وَلَا تَخْتَضِبُ) أي لا تلوّن يدها، وغيرها بالحنّاء ونحوه (وَلَا تَكْتَحِلُ) أي لا تستعمل الكحل، وذكر في "القاموس" "الكحل" بالضمّ: الإثمِد، كالكحال، ككتاب، وكلُّ ما وُضِع في العين يُستشفَى به، وكحلُ السودان الْبَشْمَةُ، وكحلُ فارس: الأَنْزروتُ، وكحل خَوْلانَ الخُضُضُ انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث أم سلمة - رضي اللَّه تعالى عنها - هذا صحيح.
[تنبيه]: ضعّف ابن حزم هذا الحديث، وقال: لا يصحّ لأجل إبراهيم بن طهمان، فإنه ضعيف انتهى. وقد أخطأ في هذا، فإن إبراهيم من رجال "الصحيحين"، ومن تكلّم فيه إنما تكلّم لأجل الإرجاء، ويقال: إنه رجع عنه، فالحديث صحيح. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٦٤/ ٣٥٦٢ - وفي "الكبرى" ٦٤/ ٥٧٢٩. وأخرجه (د) في "الطلاق" ٢٣٠٤ (أحمد) ٦/ ٣٠٢. (البيهقيّ) ٧/ ٤٤٠. (ابن حبّان) في "صحيحه" ١٣٢٨.
وقد سبق بيان فوائد الحديث ومذاهب العلماء في الحديث الذي قبله. وللَّه الحمد. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
стр. 14777
٦٥ - (بَابُ الْخِضَابِ لِلْحَادَّةِ)
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قال في "القاموس": خَضَبَهُ يَخضِبه -بكسر الضاد-: لوّنه، كخَضَّبَه -بالتشديد- انتهى. وقال في "اللسان": الخِضابُ -بالكسر-: ما يُختضَب به من حِنّاء، وكَتَم، ونحوه. واختضب بالحنّاء، ونحوه، وخضَبَ الشيءَ يَخضبه خَضْبًا -من باب ضرب- وخضّبه -بالتشديد: غير لونه بحمرة، أو صفرة، أو غيرهما. قال الأعشى: [من الطويل]:
أَرَى رَجُلًا مِنْكُمْ أَسِيفًا كَأَنَّمَا … يَضُمُّ إِلَى كَشْحَيْهِ كَفًّا مُخَضَّبَا
واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
٣٥٦٣ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ, قَالَ: حَدَّثَنَا عَاصِمٌ, عَنْ حَفْصَةَ, عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ, عَنِ النَّبِيِّ ﷺ , قَالَ: «لَا يَحِلُّ لاِمْرَأَةٍ, تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ, أَنْ تَحِدَّ عَلَى مَيِّتٍ, فَوْقَ ثَلَاثٍ, إِلاَّ عَلَى زَوْجٍ, وَلَا تَكْتَحِلُ, وَلَا تَخْتَضِبُ, وَلَا تَلْبَسُ ثَوْبًا مَصْبُوغًا»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "محمد بن منصور": هو الجوّاز المكيّ الثقة، من أفراد المصنّف. و"سفيان": هو ابن عيينة. و"عاصم": هو ابن سليمان الأحول، أبو عبد الرحمن البصريّ الثقة [٤].
والحديث متّفقٌ عليه، وقد سبق البحث فيه مستوفًى في الباب الماضي، واستدلال المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- به على ما ترجم له واضحٌ. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
٦٦ - (بَابُ الرُّخْصَةِ لِلْحَادَّةِ أَنْ تَمْتَشِطَ بِالسِّدْرِ)
٣٥٦٤ - (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ السَّرْحِ, قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ, قَالَ: أَخْبَرَنِي مَخْرَمَةُ, عَنْ أَبِيهِ, قَالَ: سَمِعْتُ الْمُغِيرَةَ بْنَ الضَّحَّاكِ, يَقُولُ: حَدَّثَتْنِي أُمُّ حَكِيمٍ بِنْتُ
стр. 14778
أَسِيدٍ, عَنْ أُمِّهَا أَنَّ زَوْجَهَا تُوُفِّيَ, وَكَانَتْ تَشْتَكِي عَيْنَهَا, فَتَكْتَحِلُ الْجِلَاءَ, فَأَرْسَلَتْ مَوْلَاةً لَهَا, إِلَى أُمِّ سَلَمَةَ, فَسَأَلَتْهَا عَنْ كُحْلِ الْجِلَاءِ, فَقَالَتْ: لَا تَكْتَحِلُ, إِلاَّ مِنْ أَمْرٍ لَا بُدَّ مِنْهُ, دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ , حِينَ تُوُفِّيَ أَبُو سَلَمَةَ, وَقَدْ جَعَلْتُ عَلَى عَيْنِي صَبِرًا, فَقَالَ: «مَا هَذَا, يَا أُمَّ سَلَمَةَ؟» , قُلْتُ: إِنَّمَا هُوَ صَبِرٌ, يَا رَسُولَ اللهِ, لَيْسَ فِيهِ طِيبٌ, قَالَ: «إِنَّهُ يَشُبُّ الْوَجْهَ, فَلَا تَجْعَلِيهِ إِلاَّ بِاللَّيْلِ, وَلَا تَمْتَشِطِي بِالطِّيبِ, وَلَا بِالْحِنَّاءِ, فَإِنَّهُ خِضَابٌ» , قُلْتُ: بِأَيِّ شَيْءٍ, أَمْتَشِطُ, يَا رَسُولَ اللهِ؟ , قَالَ: «بِالسِّدْرِ, تُغَلِّفِينَ بِهِ رَأْسَكِ»).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (أحمد بن عمرو بن السرح) أبو الطاهر المصريّ، ثقة [١٠] ٣٥/ ٣٩.
٢ - (ابن وهب) هو عبد اللَّه القرشيّ مولاهم، أبو محمد المصريّ، ثقة ثبت عابد [٩] ٩/ ٩.
٣ - (مخرمة) بن بُكير بن عبد اللَّه بن الأشجّ، أبو الْمِسْوَر المدنيّ، صدوق، وروايته عن أبيه وجادة من كتابه، قاله أحمد، وابن معين، وغيرهما. وقال ابن المدينيّ: سمع من أبيه قليلًا [٧] ٢٨/ ٤٣٨.
٤ - (أبوه) بُكير بن عبد اللَّه بن الأشجّ، المدنيّ، نزيل مصر، ثقة [٥] ١٣٥/ ٢١١.
٥ - (المغيرة بن الضحّاك) بن عبد اللَّه بن خالد بن حِزَام القرشيّ الأسديّ الحزاميّ المدنيّ، مقبول [٦] , لم يرو عنه غير بُكير بن عبد اللَّه بن الأشجّ، وذكره ابن حبّان في "الثقات". تفرد به المصنّف، وأبو داود، وله عندهمما حديث الباب فقط.
٦ - (أمّ حكيم بنت أَسِيد) لا يعرف حالها [٦]. تفرد بها المصنّف، وأبو داود بحديث الباب فقط.
٧ - (أمها) مجهولة.
٨ - (أم سلمة) - رضي اللَّه تعالى عنها - المذكورة قبل باب. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن أُم حَكِيم بنت أسيد) بفتح الهمزة، وكسر السين (عَنْ أُمِّهَا) لا يُعرف اسمها، ولا حالها (أَنَّ زَوْجَهَا تُوُفِّيَ، وَكَانَتْ تَشْتَكِي عَيْنَهَا) وفي رواية أبي داود: "عينيها" بالتثنية (فَتَكْتَحِلُ الْجِلَاءَ) بكسر الجيم، والمدّ. قال الخطّابيّ: كُحل الجِلاء: هو الإثمد، وسُمّي جِلاءَ؛ لأنه يجلو البصر انتهى. وقال ابن الأثير: هو بالكسر والمدّ: الإثمد. وقيل: هو بالفتح، والمدّ، والقصر: ضرب من الكُحل، فأما الْحُلاءُ -بضمّ الحاء المهملة، والمدّ: فَحُكاكة حَجَر على حجر، يُكتَحَل بها، فيتأذّى البصر، والمراد في
стр. 14779
الحديث الأول انتهى (١) (فَأَرْسَلَتْ مَوْلَاةً لَهَا، إِلَى أُمِّ سَلَمَةَ) - رضي اللَّه تعالى عنها - (فَسَأَلَتْهَا عَنْ كُحْلِ الْجِلَاءِ) أي عن حكم استعماله (فَقَالَتْ: لَا تَكْتَحِلُ، إِلاَّ مِنْ أَمْرٍ لَا بُدَّ مِنهُ) فيه دليلٌ على أنَّ الاكتحال يجوز للضرورة، وهو مخالف للأحاديث الصحيحة المتقدّمة، من أنه ﷺ نهى تلك المرأة عن أن تكحل بنتها للضرر، لكن الحديث ضعيف، كما سيأتي (دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، حِينَ تُوُفِّيَ أَبُو سَلَمَةَ) عبد اللَّه بن عبد الأسد المخزوميّ - رضي اللَّه تعالى عنه -، توفّي في جمادى الآخرة بعد أحد (وَقَد جَعَلْتُ عَلَى عَيْنِي صَبْرًا) قال الفيّوميّ: الصَّبِر: الدواء الْمُرُّ بكسر الباء في الأشهر، وسكونها للتخفيف لغة قليلة. ومنهم من قال: لم يُسمع تخفيفه في السَّعَة. وحكى ابن سِيدَه في "كتاب مُثلّث اللغة" جواز التخفيف، كما في نظائره بسكون الباء مع فتح الصاد، وكسرها، فيكون فيه ثلاث لغات. انتهى (فَقَالَ: "مَا هَذَا، يَا أُمِّ سَلَمَةَ؟ ") أي ما هذا التلطّخ، وأنت في العدّة؟، قاله إنكارًا عليها (قُلْتُ: إِنَّمَا هُوَ صَبْرٌ، يَا رَسُولَ اللهِ، لَيْسَ فِيهِ طِيبٌ) أي إنه دواء محضٌ، ولم أستعمله للتطيّب (قَالَ: "إِنَّهُ يَشُبُّ الْوَجْهَ) - بفتح أوله، وضمّ ثانيه، وتشديد الموحّدة- من شبّ النار: إذا أوقدها، فتلألأت ضياء ونورًا: أي يضيء الوجه، ويزيد في لونه (فَلَا تَجْعَلِيهِ، إِلاَّ بِاللَّيلِ) زاد في رواية أبي داود: "وتنزعيه بالنهار" (وَلَا تَمْتَشِطِي بِالطيبِ) قال الطيبيّ: حال من "المشط"؛ لأن التقدير: لا تستعملي المشط مطيّبًا، وكذا قوله: "بالسدر" انتهى (وَلَا بِالْحِنَّاءِ، فَإِنَّهُ خِضَابٌ، قُلتُ: بِأَيِّ شَيْءٍ، أَمتَشِطُ، يَا رَسُولَ اللهِ؟، قَالَ: "بِالسِّدْرِ) أي امتشطي به.
قال الشوكانيّ: فيه دليلٌ على أنه لا يجوز للمرأة أن تمتشط بشيء من الطيب، أو بما فيه زينة، كالحنّاء، ولكنّها تمتشط بالسدر انتهى (٢). (تُغَلِّفِينَ بِهِ رَأْسَكِ) -بضمّ التاء، وكسر اللام المشدّدة، من التغليف: أي تكثرين منه على شعرك، حتى يصير غلافًا له، كتغطية الغلاف المغلوف. وقال الشوكانيّ: الغلاف في الأصل: الغشاوة، وتغليف الرأس أن يجعل عليه من الطيب، أو السدر ما يشبه الغلاف، قال في "القاموس": تغلّف الرجلُ، واغتلف حصل له غلاف انتهى (٣). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
стр. 14780
حديث أم سلمة - رضي اللَّه تعالى عنها - هذا ضعيف؛ لجهالة أم حكيم، وأمها.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٦٦/ ٣٥٦٤ - وفي "الكبرى" ٦٦/ ٥٧٣١ وأخرجه (د) في "الطلاق" ٢٣٠٥. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
٦٧ - (النَّهْيُ عَنِ الْكُحْلِ لِلْحَادَّةِ)
٣٥٦٥ - (أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ, قَالَ: حَدَّثَنَا شُعَيْبُ بْنُ اللَّيْثِ, عَنْ أَبِيهِ, قَالَ: حَدَّثَنَا أَيُّوبُ -وَهُوَ ابْنُ مُوسَى- قَالَ حُمَيْدٌ: وَحَدَّثَتْنِي زَيْنَبُ بِنْتُ أَبِي سَلَمَةَ, عَنْ أُمِّهَا أُمِّ سَلَمَةَ, قَالَتْ: جَاءَتِ امْرَأَةٌ مِنْ قُرَيْشٍ, فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ, إِنَّ ابْنَتِي رَمِدَتْ, أَفَأَكْحُلُهَا؟ , وَكَانَتْ مُتَوَفًّى عَنْهَا, فَقَالَ: «أَلَا أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا» , ثُمَّ قَالَتْ: إِنِّي أَخَافُ عَلَى بَصَرِهَا, فَقَالَ: «لَا, إِلاَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا, قَدْ كَانَتْ إِحْدَاكُنَّ فِي الْجَاهِلِيَّةِ, تَحِدُّ عَلَى زَوْجِهَا سَنَةً, ثُمَّ تَرْمِي عَلَى رَأْسِ السَّنَةِ بِالْبَعْرَةِ»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، "الربيع بن سليمان" المراديّ المؤذّن المصريّ، فإنه من رجال الأربعة، وهو ثقة. و"حميد": هو ابن نافع الآتي في السند التالي.
وقوله: "رَمِدت" -بفتح الراء، وكسر الميم- من باب تَعِبَ. والرمَدُ بالتحريك: هَيَجان العين. قاله في "القاموس".
وقوله: "أفأكحلها" بضم الحاء المهملة، من باب قتل.
وقوله: "ألا أربعة أشهر وعشرًا" -بفتح الهمزة، وتخفيف اللام- هي أداة تحضيض، و"أربعة الخ" منصوب بفعل مقدّر، أي ألا تصبر هذه المدة التي خُفّفت عن الحول، المخفّف عما عليه أهل الجاهليّة.
وقوله: "لا إلا أربعة أشهر وعشرًا" هي "لا" الناهية، و"إلاّ" الاستثنائيّة، أي لا تكحُليها إلا إذا أتقت هذه المدّة. والحديث متّفقٌ عليه، وقد سبق الكلام عليه قريبًا.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: ظاهر صنيع المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- يقتضي أنه لا يرى الكحل للحادّة، ولو اضطرّت إليه، حيث أطلق الترجمة، وهو مذهب طائفة من أهل
стр. 14781
العلم؛ لظاهر حديث الباب، فإنه ﷺ لم يأذن لتلك المرأة مع أنها مضطرّة إلى ذلك، وذهب الجمهور إلى خلافه، فجوّزه للضرورة.
قال العلامة ابن القيّم -رحمه اللَّه تعالى-: قال طائفة من أهل العلم من السلف والخلف، منهم: أبو محمد ابن حزم: لا تكتحل، ولو ذهبت عيناها، ليلاً، ولا نهارًا، ويساعد قولَهم حديث أم سلمة المتّفق عليه: أن امرأة توفّي عنها زوجها، فخافوا على عينها، فأتوا النبيّ ﷺ ، فاستأذنوه في الكحل، فما أذن فيه، بل قال: "لا" مرّتين، أو ثلاثًا، ثم ذكر لهم ما كانوا يفعلونه في الجاهليّة من الإحداد البليغ سنة، ويصبرون على ذلك، أفلا يصبرون أربعة أشهر وعشرًا. ولا ريب أن الكحل من أبلغ الزينة، فهو كالطيب، أو أشدّ منه. وقال بعض الشافعيّة: للسوداء أن تكتحل. وهذا تصرّف مخالفٌ للنصّ، والمعنى، وأحكام رسول اللَّه ﷺ لا تفرّق بين السُّود والبِيض، كما لا تفرّق بين الطوال والقصار، ومثل هذا القياس بالرأي الفاسد هو الذي اشتدّ نكير السلف له، وذمّهم إياه.
وأما جمهور العلماء، كمالك، وأحمد، وأبي حنيفة، والشافعيّ، وأصحابهم، فقالوا: إن اضطرّت إلى الكحل بالإثمد تداويًا، لا زينة، فلها أن تكتحل به ليلًا، وتمسحه نهارًا. وحجتهم حديث أم سلمة - رضي اللَّه تعالى عنها - المتقدّم في الباب الماضي، فإنها قالت في كحل الجلاء: لا تكتحل إلا لما لا بدّ منه، يشتدّ عليك، فتكتحلين بالليل، وتغسلينه بالنهار. قال: وذكر أبو عمر في "التمهيد" له طرقًا يشدّ بعضها بعضًا، ويكفي احتجاج مالك به، وأدخله أصحاب السنن في كتبهم، واحتجّ به الأئمة، وأقلّ درجاته أن يكون حسنًا.
ولكن حديثها هذا مخالفٌ في الظاهر لحديثها المسند المتّفق عليه، فإنه يدلّ على أن المتوفّى عنها لا تكتحل بحال، فإن النبيّ ﷺ لم يأذن للمشتكية عينها في الكحل، لا ليلًا، ولا نهارًا، ولا من ضرورة، ولا غيرها، وقال: "لا" مرّتين، أو ثلاثًا، ولم يقل: إلا أن تضطَرّ. وقد ذكر مالك، عن نافع، عن صفيّة ابنة عبيد، أنها اشتكت عينها، وهي حادّ على زوجها عبد اللَّه بن عمر، فلم تكتحل حتى كادت عيناها تَرْمَصَان.
قال أبو عمر: وهذا عندي، وإن كان ظاهره مخالفا لحديثها الآخر؛ لما فيه من إباحته بالليل، وقوله في الحديث الآخر: "لا" مرّتين، أو ثلاثًا على الإطلاق أن ترتيب الحديثين -واللَّه أعلم- على أن الشكاة التي قال فيها رسول اللَّه ﷺ : "لا" لم تبلغ - واللَّه أعلم- منها مبلغًا لا بدّ لها فيه من الكحل، فلذلك نهاها، ولو كانت محتاجةً مضطرّة، تخاف ذهاب بصرها، لأباح لها ذلك، كما فعل بالتي قال لها: "اجعليه بالليل،
стр. 14782
وامسحيه بالنهار"، والنظر يشهد لهذا التأويل؛ لأن الضرورات تنقل المحظورات إلى حال المباح في الأصول، ولهذا جعل مالك فتوى أم سلمة - رضي اللَّه تعالى عنها - تفسيرًا للحديث المسند في الكحل؛ لأن أم سلمة - رضي اللَّه تعالى عنها - روته، وما كانت لتخالله إذا صحّ عندها، وهي أعلم بتأويله ومخرجه، والنظر يشهد لذلك؛ لأن المضطرّ إلى شيء لا يُحكم له بحكم المرفّه المتزيّن بالزينة، وليس الدواء، والتداوي من الزينة في شيء، وإنما نهيت الحادّة عن الزينة، لا عن التداوي، وأم سلمة - رضي اللَّه تعالى عنها - أعلم بما روت مع صحّته في النظر، وعليه أهل الفقه، وبه قال مالكٌ، والشافعيّ، وأكثر الفقهاء انتهى (١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: إذا تأملت ما تقدّم لك بالإنصاف علمت أن ما قاله المانعون هو الحقّ؛ لأمرين:
[أحدهما]: ضعف حديث أم سلمة المذكور، وما تقدّم من تحسين ابن القيّم له فيه نظر لا يخفى.
[الثاني]: مخالفته لحديثها الصحيح المتفق عليه، مخالفة يكون الجمع بينهما تكلّفا باردا، وتعسفًا ماردًا.
فإن تلك المرأة ذكرت له ﷺ أنها تخاف على عين ابنتها، إن لم تكحلها، فقال: "لا"، وكرر ذلك، فدلّ على أن الضرورة في هذا لا تبيح هذا المحظور.
على أن هذا المرض ليس مما يتعين دفعه بهذا المحظور، بل الأدوية كثيرة، فلولا أنه ﷺ علم أنه لا يوجد له دواء إلا هذا لأباح لها.
والحاصل أن القول بعدم جواز الكحل مطلقًا هو الصواب. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٥٦٦ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ, قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ, عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ, عَنْ حُمَيْدِ بْنِ نَافِعٍ, عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ, عَنْ أُمِّهَا, أَنَّ امْرَأَةً أَتَتِ النَّبِيَّ ﷺ , فَسَأَلَتْهُ عَنِ ابْنَتِهَا, مَاتَ زَوْجُهَا, وَهِيَ تَشْتَكِي, قَالَ: «قَدْ كَانَتْ إِحْدَاكُنَّ تَحِدُّ السَّنَةَ, ثُمَّ تَرْمِي الْبَعْرَةَ, عَلَى رَأْسِ الْحَوْلِ, وَإِنَّمَا هِيَ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "محمد بن عبد اللَّه بن يزيد": هو أبو يحيى المقرئ المكيّ. و"سفيان": هو ابن عيينة. و"يحيى بن سعيد": هو الأنصاريّ.
والحديث متّفق عليه، وقد سبق البحث فيه مستوفًى قريبًا. واللَّه تعالى أعلم
стр. 14783
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٥٦٧ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَعْدَانَ بْنِ عِيسَى بْنِ مَعْدَانَ, قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَعْيَنَ, قَالَ: حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ مُعَاوِيَةَ, قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ, عَنْ حُمَيْدِ بْنِ نَافِعٍ, مَوْلَى الأَنْصَارِ, عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ, عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ, أَنَّ امْرَأَةً مِنْ قُرَيْشٍ, جَاءَتْ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ , فَقَالَتْ: إِنَّ ابْنَتِي تُوُفِّيَ عَنْهَا زَوْجُهَا, وَقَدْ خِفْتُ عَلَى عَيْنِهَا, وَهِيَ تُرِيدُ الْكُحْلَ, فَقَالَ: «قَدْ كَانَتْ إِحْدَاكُنَّ, تَرْمِي بِالْبَعْرَةِ عَلَى رَأْسِ الْحَوْلِ, وَإِنَّمَا هِيَ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا» , فَقُلْتُ لِزَيْنَبَ: مَا رَأْسُ الْحَوْلِ؟ قَالَتْ: كَانَتِ الْمَرْأَةُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ, إِذَا هَلَكَ زَوْجُهَا, عَمَدَتْ إِلَى شَرِّ بَيْتٍ لَهَا, فَجَلَسَتْ فِيهِ, حَتَّى إِذَا مَرَّتْ بِهَا سَنَةٌ, خَرَجَتْ, فَرَمَتْ وَرَاءَهَا بِبَعْرَةٍ).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "محمد بن معدان بن عيسى بن معدان": هو الحرّانيّ، ثقة [١٢] ١٦/ ٦٤٩، من أفراد المصنّف.
و"ابن أعين": هو الحسن بن محمد بن أعين، نسب لجدّه، أبو عليّ الحرّانيّ، صدوق [٩] ١٦/ ٦٤٩.
وقوله: "عَمَدَت" أي قصدت، يقال: عَمَدتُ للشيء عَمْدًا، وعَمَدتُ إليه، من باب ضرب: قصدتُ، وتعمّدتُهُ: قصدت إليه أيضًا. قاله الفيّوميّ.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد تقدّم القول فيه غير مرّة. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٥٦٨ - (أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ حَبِيبِ بْنِ عَرَبِيٍّ, قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ, عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ, عَنْ حُمَيْدِ بْنِ نَافِعٍ, عَنْ زَيْنَبَ, أَنَّ امْرَأَةً سَأَلَتْ أُمَّ سَلَمَةَ, وَأُمَّ حَبِيبَةَ, أَتَكْتَحِلُ فِي عِدَّتِهَا مِنْ وَفَاةِ زَوْجِهَا, فَقَالَتْ: أَتَتِ امْرَأَةٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ , فَسَأَلَتْهُ عَنْ ذَلِكَ؟ , فَقَالَ: «قَدْ كَانَتْ إِحْدَاكُنَّ فِي الْجَاهِلِيَّةِ, إِذَا تُوُفِّيَ عَنْهَا زَوْجُهَا, أَقَامَتْ سَنَةً, ثُمَّ قَذَفَتْ خَلْفَهَا بِبَعْرَةٍ, ثُمَّ خَرَجَتْ, وَإِنَّمَا هِيَ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا, حَتَّى يَنْقَضِيَ الأَجَلُ»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "حماد": هو ابن زيد. و"يحيى": هو الأنصاريّ.
وقوله: "فقالت" أي قالت كل واحدة منهما. وقوله: "حتى ينقضي الأجل" أي تصبر إلى انقضاء الأجل المضروب شرعًا على المتوفّى عنها زوجها.
والحديث متفق عليه، وقد سبق غير مرّة. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
стр. 14784
٦٨ - (الْقُسْطُ، والأَظْفَارُ لِلْحَادَّةِ)
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "القُسْط" -بالضمّ-: عُود يُتبخّر به، لغةٌ في الكُسْط. وقال الليث: القُسْطُ عُود يُجاءُ به من الهند، يُجعل في الْبَخُور والدواء، قال أبو عمرو يقال لهذا البخور قُسْطٌ، وكُسْطٌ، وكُشْطٌ، وأنشد ابن بَرِّيّ لبشر بن أبي خازم:
وَقَدْ أُوقِرْنَ مِنْ زَبَدِ وَقُسْطٍ … وَمِنْ مِسْكٍ أَحَمَّ وَمِن سَلَامِ
قاله في "لسان العرب" (١).
وقال ابن الأثير: "القُسْط": ضرب من الطيب. وقيل: هو العُود. و"القُسط": عَقَّار معروف في الأدوية، طيب الريح، تُبخّر به النفساء، والأطفال. وهو أشبه بالحديث؛ لإضافته إلى الأظفار. انتهى (٢).
و"الأظفار" -بفتح الهمزة-: جنس من الطيب، لا واحد له من لفظه. وقيل: واحده ظُفْر، وهو شيء من العطر، أسود، والقطعة منه شبيهة بالظفر. قاله الأزهريّ. وقال ابن سِيده: الظُّفْر ضَرب من العود أسود مُقْتَلَفٌ من أصله على شكل ظُفر الإنسان، يوضع في الدُّخْنَة (٣)، والجمع أظفار، وأظافير. وقال صاحب "العين": لا واحد له من لفظه. انتهى (٤). واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
٣٥٦٩ - (أَخْبَرَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ مُحَمَّدٍ -هُوَ الدُّورِيُّ- قَالَ: حَدَّثَنَا الأَسْوَدُ بْنُ عَامِرٍ, عَنْ زَائِدَةَ, عَنْ هِشَامٍ, عَنْ حَفْصَةَ, عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ, عَنِ النَّبِيِّ ﷺ , أَنَّهُ رَخَّصَ لِلْمُتَوَفَّى عَنْهَا, عِنْدَ طُهْرِهَا, فِي الْقُسْطِ, وَالأَظْفَارِ).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "العبّاس بن محمد الدُّوريُّ": هو أبو الفضل البغداديّ، خُوَارَزْميّ الأصل، ثقة حافظ [١١] ١٠٢/ ١٣٥. من رجال الأربعة.
و"الأسود بن عامر": هو أبو عبد الرحمن الشاميّ، نزيل بغداد، الملقّب بشاذان، ثقة [٩] ٧/ ٤٠٧.
و"زائدة": هو ابن قُدامة الثقفيّ، أبو الصلت الكوفيّ، ثقة ثبت [٧] ٧٤/ ٩١.
و"هشام": هو ابن حسان المتقدّم قبل ثلاثة أبواب. و"حفصة": هي بنت سيرين
стр. 14785
تقدمت قبل بابين.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد تقدّم قبل ثلاثة أبواب، ودلالته على الترجمة واضحة.
واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
٦٩ - (بَابُ نَسْخِ مَتَاعِ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا بِمَا فُرِضَ لَهَا مِنَ الْمِيرَاثِ)
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: أراد بمتاع المتوفّى عنها هنا ما دلّت عليه الآية من الوصيّة لها بالسكنى إلى تمام الحول. يعني أن تمتع الأزواج بالسكنى التي يوصي بها الزوج المتوفى منسوخ بما فرض اللَّه تعالى لها من نصيبها من الميراث، وهو الربع، أو الثمن، على ما يأتي. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
٣٥٧٠ - (أَخْبَرَنَا زَكَرِيَّا بْنُ يَحْيَى السِّجْزِيُّ, خَيَّاطُ السُّنَّةِ, قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ, قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ وَاقِدٍ, قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي, قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ النَّحْوِيُّ, عَنْ عِكْرِمَةَ, عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ, فِي قَوْلِهِ ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾ , نُسِخَ ذَلِكَ بِآيَةِ الْمِيرَاثِ, مِمَّا فُرِضَ لَهَا مِنَ الرُّبُعِ, وَالثُّمُنِ, وَنَسَخَ أَجَلَ الْحَوْلِ, أَنْ جُعِلَ أَجَلُهَا أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "خيّاط السنّة": لقب شيخ المصنّف -رحمهما اللَّه تعالى-، لُقب به؛ لأنه كان يَخِيط أكفان أهل السنّة. قاله الخزرجيّ في "الخلاصة" ص ١٢٢. وهو السِّجْزيّ -بكسر، فسكون- نزيل بغداد، ثقة حافظ [١٢] ١٨٩/ ١١٦١ من أفراد المصنّف. و"إسحاق": هو ابن راهويه.
وقوله: "نُسخ ذلك بآية الميراث" ببناء الفعل للمفعول، يعني أن الوصيّة بالمتاع للأزواج نُسخ بنصيبهنّ من الميراث، وذلك الربع عند عدم الفرع الوارث، والثمن عند وجوده.
وقوله: "ونُسخ أجل الحول الخ" ببناء الفعل للمفعول أيضًا. يعني أنه كما نسخ الوصيّة بآية الميراث، كذلك نُسخ الأجل المحدود بالحول في عدّة المتوفّى عنها زوجها
стр. 14786
بأربعة أشهر وعشر.
والحاصل أن ابن عبّاس - رضي اللَّه تعالى عنهما - بين في كلامه هذا أن ما دلّت عليه هذه الآية من الوصيّة للأزواج، ووجوب العدّة حولًا قد نسخ، فالأول نُسخ بآية الميراث، حيث قال اللَّه تعالى: ﴿وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ﴾ الآية [النساء: ١٢]. والثاني نسخ بأربعة أشهر وعشر، كما قال اللَّه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ الآية [البقرة: ٢٣٤]. واللَّه تعالى أعلم.
والحديث أخرجه البخاريّ، وتقدّم شرحه، وبيان مسائله في -٦١/ ٣٥٥٨ - واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: مما يناسب هذا الباب البحثُ عن متعة المطلقة، التي أمر اللَّه تعالى بها في قوله: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾ الآية [البقرة: ٢٣٦] وفيه مسائل:
(المسألة الأولى): في اختلاف أهل العلم في الأمر المذكور في هذه الآية الكريمة: قال أبو عبد اللَّه القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى- في "تفسيره": حمله ابن عمر، وعليّ بن أبي طالب، والحسن بن أبي الحسن، وسعيد بن جبير، وأبو قلابة، والزهريّ، وقتادة، والضحّاك بن مزاحم على الوجوب.
وحمله أبو عبيدة، ومالك بن أنس، وأصحابه، والقاضي شُريحٌ، وغيرهم على الندب.
تمسّك أهل القول الأول بمقتضى الأمر. وتمسّك أهل القول الثاني بقوله تعالى: ﴿حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾، و ﴿عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾، ولو كانت واجبة لأطلقها على الخلق أجمعين.
والقول الأول أولى؛ لأن عمومات الأمر بالإمتاع في قول: ﴿متّعوهنّ﴾، وإضافة الإمتاع إليهنّ بلام التمليك في قوله: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ﴾ أظهر في الوجوب منه في الندب، وقوله: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ تأكيد لإيجابها؛ لأن كلّ واحد يجب عليه أن يتّقي اللَّه في الإشراك به ومعاصيه؛ وقد قال تعالى في القرآن: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾. انتهى (١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الذي مال إليه القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى- من ترجيح القول بالوجوب هو الذي يظهر لي؛ لما ذكره. واللَّه تعالى أعلم بالصواب،
стр. 14787
وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الثانية): في اختلاف أهل العلم في المرأة التي تستحقّ المتعة:
قال القرطبي أيضًا: واختلفوا في الضمير المتصل بقوله: ﴿وَمَتِّعِوُهُنَّ﴾ مَن المراد به من المطلّقات؟:
فقال ابن عبّاس، وابن عمر، وجابر بن زيد، والحسن، والشافعيّ، وأحمد، وعطاء، وإسحاق، وأصحاب الرأي: المتعة واجبة للمطلّقة قبل البناء والفرض، ومندوبة في حقّ غيرها.
وقال مالك، وأصحابه: المتعة مندوب إليها في كلّ مطلّقة، وإن دُخل بها، إلا في التي لم يُدخل بها، وقد فُرض لها، فحسبُها ما فُرض لها، ولا متعة لها. وقال أبو ثور: لها المتعة، ولكلّ مطلّقة.
وأجمع أهل العلم على أن التي لم يُفرض لها، ولم يُدخل بها لا شيء لها غيرُ المتعة.
وهذا الإجماع إنما هو في الحرّة، فأما الأمة إذا طُلّقت قبل الفرض والمسيس فالجمهور على أن لها المتعة. وقال الأوزاعيّ، والثوريّ: لا متعة لها؛ لأنها تكون لسيّدها، وهو لا يستحقّ مالًا في مقابلة تأذي مملوكته بالطلاق انتهى كلام القرطبيّ باختصار (١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: ما ذهب إليه الجمهور من وجوب المتعة للأمة هو الأرجح؛ لعموم الآية. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الثالثة): في اختلاف أهل العلم في مقدار المتعة:
قال القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى-: قد اختلف الناس في هذا، فقال ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما -: أدنى ما يُجزىء في المتعة ثلاثون درهمًا. وقال ابن عبّاس - رضي اللَّه تعالى عنهما -: أرفع المتعة خادمٌ، ثم كسوة، ثم نفقة. وقال عطاء: أوسطها الدرع، والخمار، والمِلْحفة. وقال أبو حنيفة: ذلك أدناها. وقال ابن مُحيريز: على صاحب الديوان ثلاثة دنانير، وعلى العبد المتعة. وقال الحسن: يُمتِّع كلٌّ بقدره، هذا بخادم، وهذا بأثواب، وهذا بثوب، وهذا بنفقة، وكذلك يقول مالك بن أنس، وهو مقتضى القرآن، فإن اللَّه لم يقدّرها، ولا حدّدها، وإنما قال: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾.
ومتّع الحسن بن عليّ بعشرين ألفًا، وزِقاق من عسل. ومتّع شُريحٌ بخمسمائة درهم. وقد قيل: إن حالة المرأة معتبرة أيضًا، قاله بعض الشافعيّة، قالوا: لو اعتبرنا حال
стр. 14788
الرجل وحده لزم منه أنه لو تزوّج امرأتين: إحداهما شريفة، والأخرى دنيئة، ثم طلّقهما قبل المسيس، ولم يُسمّ لهما أن تكونا متساويتين في المتعة، فيجب للدنيّة ما يجب للشريفة، وهذا خلاف ما قال اللَّه تعالى: ﴿مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ﴾. ويلزم منه أن الموسر العظيم اليسار إذا تزوّج امرأة دنية أن يكون مثلها؛ لأنه إذا طلّقها قبل الدخول والفرض لزمته المتعة على قد حاله ومهرُ مثلها، فتكون المتعة على هذا أضعاف مهر مثلها، فتكون قد استحقّت قبل الدخول أضعاف ما تستحقّه بعد الدخول من مهر المثل الذي فيه غاية الابتذال، وهو الوطء.
وقال أصحاب الرأي وغيرهم: متعة التي تطلّق قبل الدخول والفرض نصف مهر مثلها، لا غير؛ لأن مهر المثل مستَحَقٌّ بالعقد، والمتعة هي بعض مهر المثل، فيجب لها كما يجب نصف المسمّى إذا طلّقت قبل الدخول. وهذا يردّه قوله تعالى: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾، وهذا دليلٌ على رفض التحديد، واللَّه تعالى بحقائق الأمور عليم انتهى كلام القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى- (١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الذي يترجّح عندي أن المتعة تعتبر بحال الزوج، كما هو نصّ القرآن الكريم، وأنها لا تُحدّد بشيء معين، لا قدرًا، ولا جنسًا، ولا نوعًا، بل يترك ذلك لاستطاعة الزوج، ومقدرته، كما هو مقتضى نصّ الآية أيضًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
٧٠ - (الرُّخْصَةُ فِي خُرُوجِ الْمَبْتُوتَةِ مِنْ بَيْتِهَا فِي عِدّتِهَا لِسُكْنَاهَا)
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: استدلال المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- بالحديث على الترجمة واضحٌ، فإنه يدلّ على جواز خروج المطلّقة طلاقًا بائنًا من بيتها، وسيأتي تمام البحث في هذه المسألة بعد بابين، إن شاء اللَّه تعالى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
٣٥٧٢ - (أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ مُحَمَّدٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا مَخْلَدٌ, قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ,
стр. 14789
عَنْ عَطَاءٍ, قَالَ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَاصِمٍ, أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ قَيْسٍ, أَخْبَرَتْهُ, وَكَانَتْ عِنْدَ رَجُلٍ مِنْ بَنِي مَخْزُومٍ, أَنَّهُ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا, وَخَرَجَ إِلَى بَعْضِ الْمَغَازِي, وَأَمَرَ وَكِيلَهُ أَنْ يُعْطِيَهَا بَعْضَ النَّفَقَةِ, فَتَقَالَّتْهَا, فَانْطَلَقَتْ إِلَى بَعْضِ نِسَاءِ النَّبِيِّ ﷺ , فَدَخَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ , وَهِيَ عِنْدَهَا, فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ, هَذِهِ فَاطِمَةُ بِنْتُ قَيْسٍ, طَلَّقَهَا فُلَانٌ, فَأَرْسَلَ إِلَيْهَا بِبَعْضِ النَّفَقَةِ, فَرَدَّتْهَا, وَزَعَمَ أَنَّهُ شَيْءٌ تَطَوَّلَ بِهِ, قَالَ: «صَدَقَ» , قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «فَانْتَقِلِي إِلَى أُمِّ كُلْثُومٍ, فَاعْتَدِّي عِنْدَهَا» , ثُمَّ قَالَ: «إِنَّ أُمَّ كُلْثُومٍ, امْرَأَةٌ يَكْثُرُ عُوَّادُهَا, فَانْتَقِلِي إِلَى عَبْدِ اللَّهِ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ, فَإِنَّهُ أَعْمَى» , فَانْتَقَلَتْ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ, فَاعْتَدَّتْ عِنْدَهُ, حَتَّى انْقَضَتْ عِدَّتُهَا, ثُمَّ خَطَبَهَا أَبُو الْجَهْمِ, وَمُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ, فَجَاءَتْ رَسُولَ اللهِ ﷺ , تَسْتَأْمِرُهُ فِيهِمَا, فَقَالَ: «أَمَّا أَبُو الْجَهْمِ, فَرَجُلٌ أَخَافُ عَلَيْكِ قَسْقَاسَتَهُ لِلْعَصَا, وَأَمَّا مُعَاوِيَةُ, فَرَجُلٌ أَمْلَقُ مِنَ الْمَالِ» , فَتَزَوَّجَتْ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ بَعْدَ ذَلِكَ).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "عبد الحميد بن محمد": هو أبو عمر الحرّانيّ، ثقة [١١] ٢٢/ ٩٣٢ من أفراد المصنّف.
و"مَخْلد": هو ابن يزيد القرشيّ الحرّانيّ، صدوقٌ، له أوهامٌ، من كبار [٩] ١٤١/ ٢٢٢.
و"عطاء": هو ابن أبي رباح.
و"عبد الرحمن بن عاصم" بن ثابت الحجازيّ، مقبول [٣].
روى عن فاطمة بنت قيس، وعنه عطاء بن أبي رباح، ذكره ابن حبّان في "الثقات".
تفرّد به المصنّف بحديث الباب فقط.
وقوله: "إلى بعض مغازيه" قد تبيّن في رواية أخرى أنه خرج مع عليّ ﵁ حيث بعثه النبيّ ﷺ إلى اليمن.
وقوله: "فتقالّتها" أي اعتبرتها قليلة، لا تتناسب مع شرفها، ولا تسدّ حاجتها.
وقوله: "وزعم أنه شيء تطوّل به" أي أن ذلك الذي أعطاها على يد وكيله من النفقة، ليس واجبًا عليه، وإنما هو إحسان منه، وتطوّع.
وقوله: "إلى أم كلثوم لا هكذا في هذه الرواية, والمشهور في سائر الروايات أنها أم شريك.
قال الحافظ في "الإصابة": أم كلثوم غير منسوبة، وقع في النسائيّ في قصّة فاطمة بنت قيس: "اعتدّي عند أم كلثوم"، بدل أم شريك، فليحرر. انتهى (١).
стр. 14790
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الظاهر أن ما في سائر الروايات هو المحفوظ؛ لأن هذه الرواية في سندها عبد الرحمن بن عاصم، وهو مجهول عين، لم يرو عنه غير عطاء بن أبي رباح، ولعله كان سيء الحفظ، فأخطأ في اسمها. واللَّه تعالى أعلم.
وقوله: "عُوّادها" -بضمّ المهملة، وتشديد الواو- جمع عائد، كالزوّار وزنًا ومعنًى. وقوله: قَسْقاسته للعصا" -بفتح القاف، فسكون، المهملة: أي تحريكه للعصا. قال في "القاموس": القَسْقَاسةُ: العصا، أو قَسْقَاسَةُ العصا، وقَسْقَسَتُهُ تحريكه. وتَقَسْقَسَ الصوتَ: تسقعه، وقَسْقَسَ: أسرع، وبالكلب: صاح به، وقال: قُوسْ قُوسْ، والشيءَ: حرّكه، وأَدْأَبَ السيرَ فيه. انتهى.
وهو هنا كناية عن كثرة ضربه للنساء، كما فُسّر في الروايات الأخرى.
وقوله: "أملق من المال": قال ابن الأثير: أي فقير منه، قد نَفِدَ ماله، يقال: أملَقَ الرجلُ، فهو مملِقٌ، وأصل الإملاق: الإنفاق، يقال: أملق ما معه إملاقًا، مَلَقَه مَلْقًا: إذا أخرجه من يده، ولم يحبسه، والفقر تابعٌ لذلك، فاستعملوا لفظ السبب في موضع المسبّب، حتى صار به أشهر. انتهى (١).
والحديث أخرجه مسلم، وقد سبق شرحه مستوفًى، وكذا بيان مسائله في ٨/ ٣٢٢٣ - باب "تزويج المولى العربيّة". واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٥٧٣ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا حُجَيْنُ بْنُ الْمُثَنَّى, قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ, عَنْ عُقَيْلٍ, عَنِ ابْنِ شِهَابٍ, عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ, عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ, أَنَّهَا أَخْبَرَتْهُ, أَنَّهَا كَانَتْ تَحْتَ أَبِي عَمْرِو بْنِ حَفْصِ بْنِ الْمُغِيرَةِ, فَطَلَّقَهَا آخِرَ ثَلَاثِ تَطْلِيقَاتٍ, فَزَعَمَتْ فَاطِمَةُ, أَنَّهَا جَاءَتْ رَسُولَ اللهِ ﷺ , فَاسْتَفْتَتْهُ فِي خُرُوجِهَا مِنْ بَيْتِهَا, فَأَمَرَهَا أَنْ تَنْتَقِلَ إِلَى ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ الأَعْمَى, فَأَبَى مَرْوَانُ أَنْ يُصَدِّقَ فَاطِمَةَ, فِي خُرُوجِ الْمُطَلَّقَةِ مِنْ بَيْتِهَا, قَالَ عُرْوَةُ: أَنْكَرَتْ عَائِشَةُ ذَلِكَ عَلَى فَاطِمَةَ).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا غير مرّة. و"حُجين بن المثنّى": هو أبو عمير اليماميّ، نزيل بغداد، وولي قضاء خراسان، ثقة [٩] ١٨٠/ ١١٥٠.
وقوله: "تحت أبي عمرو بن حفص" هذا الصحيح الذي قاله جمهور الرواة، وقلبه بعضهم، فقال: أبو حفص بن عمرو، واسمه عبد الحميد، وقيل: أحمد، وقيل: اسمه
стр. 14791
كنيته، وقد تقدّم البحث في ذلك مستوفًى في -٨/ ٣٢٢٣ - "تزويج المولى العربيّة. وللَّه الحمد والمنّة.
والحديث أخرجه مسلم، وسبق الكلام عليه في الذي قبله. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٥٧٤ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى, قَالَ: حَدَّثَنَا حَفْصٌ, قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ, عَنْ أَبِيهِ, عَنْ فَاطِمَةَ, قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ, زَوْجِي طَلَّقَنِي ثَلَاثًا, وَأَخَافُ أَنْ يُقْتَحَمَ عَلَيَّ, فَأَمَرَهَا فَتَحَوَّلَتْ).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا غير مرّة. وشيخ المصنّف أحد التسعة الذين روى أصحاب الكتب الستة عنهم بلا واسطة، وقد تقدّموا غير مرّة. و"حفص": هو ابن غياث بن طلق النخعيّ الكوفيّ القاضي الفقيه. و"هشام": هو ابن عروة.
وقولها: "طلّقني ثلاثًا" هو على حذف مضاف، أي آخر تطليقات ثلاث، كما تبينه الرواية التي قبل هذه، وكما يأتي بعد بابين، بلفظ: "فأرسل إليها بتطليقة، وهي بقية طلاقها"، فلا يصحّ استدلال من استدلّ بهذه الرواية على جواز جمع الطلاق الثلاث بلفظ واحد، وإنما لهم أدلّة أخرى سبق البحث عنه مستوفًى في -٧/ ٣٤٣٠ - من "كتاب الطلاق".
وقولها: "أن يُقتَحمَ عليّ" بالبناء للمفعول: أي أن يُدخل عليها بقوة، يقال: اقتَحَم عقبةً، أو وَهْدَةً: رمى بنفسه فيها، وكأنه مأخوذ من اقتَحَمَ الفرسُ النهرَ: إذا دخل فيه، وتقحّم مثله. قاله الفيّوميّ.
والمعنى أنها تخاف أن يدخل عليها قهرًا فاجر يفجُر بها، أو سارق يأخذ متاعها، أو نحو ذلك.
والحديث أخرجه مسلم، كما سبق بيانه قريبًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٥٧٥ - (أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بْنُ مَاهَانَ بَصْرِيٌّ, عَنْ هُشَيْمٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا سَيَّارٌ, وَحُصَيْنٌ, وَمُغِيرَةُ, وَدَاوُدُ بْنُ أَبِي هِنْدٍ, وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ, وَذَكَرَ آخَرِينَ, عَنِ الشَّعْبِيِّ, قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ, فَسَأَلْتُهَا عَنْ قَضَاءِ رَسُولِ اللهِ ﷺ عَلَيْهَا, فَقَالَتْ: طَلَّقَهَا زَوْجُهَا الْبَتَّةَ, فَخَاصَمَتْهُ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ , فِي السُّكْنَى وَالنَّفَقَةِ, قَالَتْ: فَلَمْ يَجْعَلْ لِي سُكْنَى, وَلَا نَفَقَةً, وَأَمَرَنِي أَنْ أَعْتَدَّ فِي بَيْتِ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه
стр. 14792
يعقوب بن ماهان، أبي يوسف البناء البغداديّ، صدوق [١٠] ١/ ١٤٤٢، فإنه من
أفراده.
[تنبيه]: قوله: "بصريّ" خبر لمحذوف: أي هو بصريّ، ولعله كان سكن البصرة، وإلا فهو بغداديّ، كما ذكرنا آنفًا. واللَّه تعالى أعلم.
و"هشيم": هو ابن بشير الواسطيّ. و"سيّارٌ": هو ابن أبي سيّار وردان، وقيل: ورد، وقيل: غير ذلك، أبو الحكم العنزيّ. و"حُصين": هو ابن عبد الرحمن السلميّ، أبو الهُذَيل الكوفيّ. و"مُغيرة": هو ابن مقسم الضبيّ الكوفيّ.
وقوله: "وذكر آخرين " بصيغة التثنية، هكذا نسخ "المجتبى"، وهو الذي في "تحفة الأشراف" ١٢/ ٤٦٤ - وهو الصواب. ووقع في "الكبرى" ٣/ ٣٩٩ - : "وذكر آخر" بلفظ الإفراد.
والظاهر أنه أراد بالآخرين أشعث بن سوّار، ومُجالد بن سعيد، فإن مسلمًا -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- أخرج الحديث في "صحيحه" من طريق هشيم، عن الخمسة المذكورين عند المصنّف، وزاد هذين، وكل هؤلاء السبعة عن الشعبيّ، عن فاطمة بنت قيس - رضي اللَّه تعالى عنها -.
وإنما أبهمهما المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- إشارة إلى ضعفهما، فإنه كثيرًا ما يفعل نحو هذا في الراوي الضعيف إذا أراد أن يذكره مع ثقة في السند يعطفه مبهمًا، كما يفعل ذلك في ابن لهيعة، وقد تقدّم هذا في مقدمة هذا الشرح، وفي مواضع أُخَرَ منه، فتنبّه لهذه القاعدة، فإنها مهمّة جدًّا. واللَّه تعالى أعلم.
وقولها: "البتّة" المراد به هنا أنه بت طلاقها بهذه الطلقة الثالثة، لا أنه طلّقها بلفظ البتّة. فتنبّه.
والحديث أخرجه مسلم، كما سبق بيانه قريبًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٥٧٦ - (أَخْبَرَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحَاقَ الصَّاغَانِيُّ, قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْجَوَّابِ, قَالَ: حَدَّثَنَا عَمَّارٌ -هُوَ ابْنُ رُزَيْقٍ- عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ, عَنِ الشَّعْبِيِّ, عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ, قَالَتْ: طَلَّقَنِي زَوْجِي, فَأَرَدْتُ النُّقْلَةَ, فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَقَالَ: «انْتَقِلِي إِلَى بَيْتِ ابْنِ عَمِّكِ, عَمْرِو ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ, فَاعْتَدِّي فِيهِ».
فَحَصَبَهُ الأَسْوَدُ, وَقَالَ وَيْلَكَ, لِمَ تُفْتِي بِمِثْلِ هَذَا؟ , قَالَ عُمَرُ: إِنْ جِئْتِ بِشَاهِدَيْنِ يَشْهَدَانِ, أَنَّهُمَا سَمِعَاهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ , وَإِلاَّ لَمْ نَتْرُكْ كِتَابَ اللَّهِ لِقَوْلِ امْرَأَةٍ, ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلاَّ أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾).
стр. 14793
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا. و"أبو بكر بن إسحاق": هو محمد بن إسحاق الصاغاني، نزيل بغداد الثقة الثبت. و"أبو الجوّاب": هو الأحوص بن جوّاب الضبيّ الكوفيّ. و"أبو إسحاق": هو عمرو ابن عبد اللَّه السبيعيّ الكوفيّ.
وقولها: "فأرادت النقلة" -بضمّ النون، وسكون القاف-: اسم بمعنى الانتقال.
وقوله: "فحصبه الأسود" أي رمى الأسود بن يزيد الشعبيَّ بالحصباء -وهي دُقَاقُ الحصى- حين حدّث بهذا الحديث، منكرًا عليه؛ لأن عمر بن الخطّاب - رضي اللَّه تعالى عنه - أنكره على فاطمة - رضي اللَّه تعالى عنها -، ورواية مسلم -رحمه اللَّه تعالى- في "صحيحه" أصرح في هذا، ولفظه من طريق أبي أحمد الزبيريّ، قال: حدثنا عمار بن رُزَيق، عن أبي إسحاق، قال: كنت مع الأسود بن يزيد، جالسا في المسجد الأعظم، ومعنا الشعبي، فحدث الشعبي، بحديث فاطمة بنت قيس، أن رسول اللَّه ﷺ ، لم يجعل لها سكنى، ولا نفقة، ثم أخذ الأسود كَفًّا من حصى، فحصبه به، فقال: ويلك تحدث بمثل هذا؟، قال عمر: لا نترك كتاب اللَّه، وسنة نبينا ﷺ ، لقول امرأة، لا ندري لعلها حفظت، أو نسيت، لها السكنى والنفقة، قال اللَّه : ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾.
وقوله: ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ﴾ الآية هو من كلام عمر - رضي اللَّه تعالى عنه -، ذكره استدلالًا على ما أنكره على فاطمة - رضي اللَّه تعالى عنها -، من نفيها النفقة والسكنى.
والحديث أخرجه مسلم، وقد سبق بيان ذلك، وسيأتي الجواب عن إنكار عمر ﵁، وكذا ما تقدّم عن عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها -، وغيرهما بعد بابين، إن شاء اللَّه تعالى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
٧١ - (بَابُ خُرُوجِ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا بِالنَّهَارِ)
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هكذا نسخ "المجتبى" بلفظ: "المتوفّى عنها"، ولفظ "الكبرى": "المبتوتة"، وهو واضح، حيث إن حديث الباب صريح فيه، ولما هنا أيضًا
стр. 14794
وجهٌ، وهو أن الحديث لما دلّ على جواز خروج المطلّقة، مع أن زوجها حيّ، وهو ينفق عليها، إن كانت رجعية، بلا خلاف، أو بائنة، على خلاف، فمن باب أولى خروج من مات عنها زوجها التي لا تجد من ينفق عليها، ولا من يتولّى شأنها.
قال السنديّ -رحمه اللَّه تعالى-: والحديث في المطلّقة، والمصنّف أخذ منه حكم المتوفّى عنها زوجهاد لأن المطلّقة مع أنها تُجرَى عليها النفقة من الزوج فيما دون الثلاث باتفاق، وفي الثلاث على الاختلاف، إذا جاز لها الخروج لهذه العلّة المذكورة في الحديث، فجواز الخروج للمتوفّى عنها زوجها بالأولى، ولا أقلّ من المساواة، لاشتراكه هذه العلّة بينهما بالسويّة، ولكون إثبات الحكم بالحديث في المتوفّى عنها زوجها أدقّ، دون المطلّقة عدل عن الترجمة في "المجتبى" إلى ما ترى؛ لكونه يُراعي الدقّة في الترجمة. وقد ترجم في "الكبرى": "باب خروج المبتوتة بالنهار". واللَّه تعالى أعلم انتهى كلام السنديّ -رحمه اللَّه تعالى- (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
٣٥٧٧ - (أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ مُحَمَّدٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا مَخْلَدٌ, قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ, عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ (٢) , عَنْ جَابِرٍ, قَالَ: طُلِّقَتْ خَالَتُهُ, فَأَرَادَتْ أَنْ تَخْرُجَ إِلَى نَخْلٍ لَهَا, فَلَقِيَتْ رَجُلاً, فَنَهَاهَا, فَجَاءَتْ رَسُولَ اللهِ ﷺ , فَقَالَ: «اخْرُجِي, فَجُدِّي نَخْلَكِ, لَعَلَّكِ أَنْ تَصَدَّقِي, وَتَفْعَلِي مَعْرُوفًا»).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (عبد الحميد بن محمد) بن الْمُسْتَامن أبو عمر الحرّانيّ، إمام مسجدها، ثقة [١١] ٢٢/ ٩٣٢.
٢ - (مَخْلَد) بن يزيد القرشيّ الحَرّانيّ، صدوق له أوهام، من كبار [٩] ١٤١/ ٢٢٢.
٣ - (ابن جريج) هو عبد الملك بن عبد العزيز بن جُريج الأمويّ مولاهم المكيّ، ثقة فقيه فاضل يدلّس ويرسل [٦] ٢٨/ ٣٢.
٤ - (أبو الزبير) محمد بن مسلم بن تَدْرُس المكيّ، صدوقٌ يدلّس [٤] ٣١/ ٣٥.
٥ - (جابر) بن عبد اللَّه بن عمرو بن حرام الأنصاريّ الصحابيّ ابن الصحابيّ - رضي اللَّه تعالى عنهما - ٣١/ ٣٥. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم
стр. 14795
رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه من أفراده. (ومنها): أنه مسلسل بالمكيين، غير شيخه، ومخلد، فحرّانيان. (ومنها): أن فيه جابرًا رضي الله تعالى عنه من المكثرين السبعة، روى (١٥٤٠) حديثًا. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ جَابِر) بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما. وفي رواية مسلم: "قال ابن جريج: أخبرني أبو الزبير، أنه سمع جابر بن عبد الله يقول … "، فانتفت تهمة التدليس في كلّ من ابن جريج، وأبي الزبير (قَالَ: طُلِّقَتْ خَالَتُهُ) فيه التفات، إذ الظاهر أن يقول: "خالتي"، كما في رواية أحمد. وفي رواية أبي داود: "طُلّقت خالتي ثلاثًا"، فدلّ على أن طلقتها كانت بائنة (فَأَرَادَتْ أَنْ تَخْرُجَ إِلَى نَخْلٍ لَهَا) وفي رواية أبي داود: "فخرجت تُجدّ نخلا لها"، وهو -بفتح التاء، وضم الجيم، بعدها دال مهملة: أي تقطف، وتقطع ثمر نخلها (فَلَقِيَتْ رَجُلًا، فَنَهَاهَا) ظنًّا منه أن خروج المعتدّة من بيتها غير جائز (فَجَاءَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ) زاد في رواية أبي داود: "فذكرت ذلك له"، أي ذكرت نهي الرجل لها عن الخروج (فَقَالَ) ﷺ (اخْرُجِي) أمر إباحة (فَجُدِّي نَخْلَكِ) بضم الجيم، أي اقطفي ثمر نخلك (لَعَلَّكِ أَنْ تَصَدَّقِي) أصله تتصدّقي بتاءين، فحذف منه إحداهما؛ تخفيفًا، كما في قوله : ﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ﴾، وقوله: ﴿فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى﴾، قال ابن مالك في "خلاصته":
وَمَا بِتَاءَيْنِ ابْتُدِي قَدْ يُقْتَصَرْ … فِيهِ عَلَى تَا كَـ "تَبَيَّنُ الْعِبَر"
(وَتَفْعَلِي مَعْرُوفًا) هو من عطف العامّ على الخاصّ؛ إذ المعروف يعمّ الصدقة، وغيرها، كقضاء الديون، ونحوه. ولفظ أبي داود: "أو تفعلي معروفًا"، بـ "أو" التي للتنويع.
ووجه استدلال المصنّف رحمه الله تعالى على جواز خروج المتوفّى عنها، أو المبتوتة نهارًا من هذا الحديث هو أن جداد النخل في غالب العرف لا يكون إلا نهارًا، وقد نُهي عن جداد الليل، ونخل الأنصار قريبٌ من دورهم، فهي إذا خرجت بُكرة للجداد أمكنها أن تُمسي في بيتها؛ لقرب المسافة. أفاده الخطّابيّ -رحمه الله تعالى- (١).
قال القرطبيّ: قوله: "فلعلّك أن تصدّقي الخ" ليس تعليلًا لإباحة الخروج لها بالاتفاق، وإنما خرج هذا مخرج التنبيه لها، والحض على فعل الخير انتهى (٢).
стр. 14796
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: عندي فيما قاله نظر، فما المانع أن يكون تعليلًا، مع أن سياق الحديث ظاهر فيه، فليُتأمّل. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث جابر - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا أخرجه مسلم.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٧١/ ٣٥٧٧ - وفي "الكبرى" ٧١/ ٥٧٤٤. وأخرجه (م) في "الطلاق" ١٤٨٣ (د) في "الطلاق" ٢٢٩٧ (ق) في "الطلاق" ٢٠٣٤ (أحمد) في "باقي مسند المكثرين" ١٤٠٣٥ (الدارمي) في "الطلاق" ٢٢٨٨. واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان مشروعيّة خروج المتوفّى عنها زوجها من بيتها أثناء العدّة نهارًا. (ومنها): جواز خروج المبتوتة من بيتها نهارًا. (ومنها): الحثّ على التصدّق، وفعل الخير. (ومنها): أن النساء كالرجال في فعل الخير؛ لأنهنّ شقائق الرجال، قال اللَّه : ﴿وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ﴾ الآية. (ومنها): مشروعيّة العناية بحفظ المال، واقتنائه لفعل الخير، والمواساة به. (ومنها): استحباب الصدقة من التمر عند جداده، والهدية منه. و (منها): استحباب التعريض لصاحب التمر بفعل ذلك، وتذكيره بالمعروف، والبرّ. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في خروج المعتدّة من بيتها:
قال أبو العبّاس القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى-: هذا الحديث دليل لمالك، والشافعيّ، وأحمد، والليث على قولهم: إن المعتدّة تخرج بالنهار في حوائجها، وإنما تلزم منزلها بالليل، وسواء عند مالك كانت رجعيّةً، أو بائنةً. وقال الشافعيّ في الرجعيّة: لا تخرج ليلًا، ولا نهارًا، وإنما تخرج نهارًا المبتوتة. وقال أبو حنيفة: ذلك في المتوفّى عنها زوجها. وأما المطلّقة، فلا تخرج ليلًا ولا نهارًا.
وقال الجمهور بهذا الحديث (١) إن الجداد بالنهار عرفًا، وشرعًا، أما العرف، فهو
стр. 14797
عادة الناس في مثل ذلك الشغل، وأما الشرع، فقد نهى ﷺ عن جداد الليل. ولا يقال: فيلزم من إطلاقه أن تخرج بالليل، إذ قد يكون نخلها بعيدًا، تحتاج إلى المبيت فيه، لأنا نقول: لا يلزم ذلك من هذا الحديث؛ لأن نخلهم لم يكن الغالب عليها البعد من المدينة، بحيث يُحتاج إلى المبيت، وإنما هي بحيث يُخرَج إليها، ويُرجَع منها في النهار. انتهى كلام القرطبيّ (١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الذي يظهر لي أن المتوفّى عنها زوجها، والمطلّقة طلاقًا بائنًا لهنّ الخروج لحوائجهنّ مطلقًا، ليلًا، أو نهارًا، ثم يعدن إلى بيوتهنّ؛ لإطلاق حديث جابر - رضي اللَّه تعالى عنه -، فإنه ﷺ لما قال لها: "اخرجي، فجدّي" ما قيّده، لا بليل، ولا بنهار، فيعمل بعمومه، وأما المطلّقة طلاقًا رجعيًّا، فلا تخرج مطلقًا، إلا لما استثناه اللَّه تعالى في كتابه حيث قال : ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ الآية (٢). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
٧٢ - (بَابُ نَفَقَةِ الْبَائِنَةِ)
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هكذا عبارة المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- هنا، وفي "الكبرى" "البائنة" بالهاء، وهو صفة للمرأة، والذي في كتب اللغة أن صفة المرأة بغير هاء، وأما بالهاء، فهو صفة للتطليقة. قال في "اللسان": وبانت المرأة عن الرجل، وهي بائنٌ: انفصلت عنه بطلاق، وتطليقة بائنة، بالهاء لا غير، وهي فاعلة بمعنى مفعولة، أي تطليقة ذات بينونة، ومثله عيشة راضية، أي ذات رضًا انتهى. ونحوه في "القاموس". وفي "المصباح": وبانت المرأة بالطلاق، فهي بائنٌ، بغير هاء، وأبانها زوجها بالألف، فهي مبانةٌ. قال ابن السكّيت في "كتاب التوسعة": وتطليقة بائنة،
стр. 14798
والمعنى مُبانةٌ، قال الصَّغَانيّ: فاعلةٌ بمعنى مفعولة انتهى.
فعلى هذا فكان حقّ العبارة: "نفقة البائن"، أي المرأة التي طلّقت طلاقًا بائنًا، ويحتمل أن يكون التقدير: "باب نفقة المرأة ذات التطليقة البائنة". واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
٣٥٧٨ - (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَكَمِ, قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ, عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي الْجَهْمِ, قَالَ: دَخَلْتُ أَنَا وَأَبُو سَلَمَةَ, عَلَى فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ, قَالَتْ: طَلَّقَنِي زَوْجِي, فَلَمْ يَجْعَلْ لِي سُكْنَى, وَلَا نَفَقَةً, قَالَتْ: فَوَضَعَ لِي عَشْرَةَ أَقْفِزَةٍ, عِنْدَ ابْنِ عَمٍّ لَهُ, خَمْسَةُ شَعِيرٍ, وَخَمْسَةُ تَمْرٍ, فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ , فَقُلْتُ لَهُ ذَلِكَ, فَقَالَ: «صَدَقَ» , وَأَمَرَنِي أَنْ أَعْتَدَّ فِي بَيْتِ فُلَانٍ, وَكَانَ زَوْجُهَا طَلَّقَهَا, طَلَاقًا بَائِنًا).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا. و"محمد بن جعفر": هو المعروف بغندر. و"أبو بكر بن أبي الجهم": هو أبو بكر بن عبد اللَّه بن أبي الجهم العدويّ، نُسب لجدّه، ثقة [٤] ١٧/ ١٥٣٣. ولا يُعرف اسمه.
[تنبيه]: هذا الذي ذكرته من أن هذا الراوي هو أبو بكر بن أبي الجهم هو الذي وقع في "الكبرى"، وهو الصواب، كما في "تحفة الأشراف" -١٢/ ٤٦٩ - فإنه أورد الحديث في ترجمة أبي بكر بن أبي الجهم، عن فاطمة بنت قيس.
ووقع في نسخ "المجتبى" هنا: بدله "أبو بكر بن حفص"، وهو تصحيف فاحش، وقد تقدّم على الصواب في -١٥/ ٣٢٢٢ - . واللَّه تعالى أعلم.
وقولها: "عشرة أقفزة": جمع قفيز -بفتح، فكسر-: مكيالٌ، وهو ثمانية مكاكيك، ويجمع على قُفْزان -بضمّ، فسكون- بوزن غُفْران. و"المكاكيك": جمع مَكُّوك -بفتح، فتشديد كاف-: مكيالٌ، وهو مذكر، وهو ثلاث كَيْلَجات، والكَيلَجة: مَنًا، وسبعة أثمان منًا، وربما جُمع مكاكيّ على البدل، ومنعه ابن الأنباريّ. أفاده في "المصباح".
وقولها: "فقلت له ذلك": تعني أنها ذكرت للنبيّ ﷺ ما جرى لها مع زوجها، من الطلاق، وما أعطاها من النفقة، وأنه ادّعى أنها لا تستحقّ عليه شيئًا، وإنما أعطاها ذلك تطوّعًا.
وقولها: "فقال: صدق" تعني أنه ﷺ صدّق زوجها فيما ادّعاه، من أنها لا تستحقّ عليه شيئًا، من النفقة، ولا غيرها.
وقوله: "وكان زوجها الخ" هذا من كلام الراوي، والظاهر أنه من أبي بكر بن أبي الجهم.
والحديث صحيح، وقد سبق تمام البحث فيه غير مرّة.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -؛ رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه، وأبيه، فقد تفرد بهما هو وأبو داود، وابن ماجه، وهو حمصيان ثقتان. و"شعيب": هنا هو بن أبي حمزة دينار الحمصيّ.
وقوله: "وسمع بذلك مروان": هو ابن الحكم الأمويّ.
وقوله: "عاتبه اللَّه الخ" الضمير للنبيّ ﷺ ، والمراد به قوله : ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى﴾ الآية.
وقوله: "حتى أنكحها" فيه التفات، إذ الظاهر أن تقول: حتى أنكحني، ويحتمل أن يكون حكايته لقول الراوي عنها.
وقوله: "زعمت" جملة معترضة بين الفعل، وهو "أنكحها"، والمفعول، وهو "أسامة"، أي زعمت فاطمة ذلك. والمراد بالزعم هنا القول المحقّق.
والحديث أخرجه مسلم، وقد تقدّم تمام شرحه، وبيان مسائله في -٨/ ٣٢٢٣ - "تزويج المولى العربيّة". وبقي البحث في اختلاف العلماء في هذا الحديث بين طاعن في ثبوته، ومجيب عن ذلك، وفي حكم النفقة، والسكنى للبائن، فنذكرهما في مسألتين:
(المسألة الأولى): في بيان ما وجّه إلى حديث فاطمة بنت قيس - رضي اللَّه تعالى عنها - هذا، من المطاعن، والجواب عنه:
وقد أشبع الكلام في هذه المسألة العلاّمة ابن القيّم -رحمه اللَّه تعالى- في كتابه الممتع "زاد المعاد"، وقد ذكر قبل ذكر المطاعن وأجوبتها كون حديثها مواففا لكتاب اللَّه ، فقال:
[موافقة هذا الحكم لكتاب اللَّه ]:
قال اللَّه تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ﴾ - إلى قوله: ﴿قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾ [الطلاق: ١ - ٣].
فأمر اللَّه الأزواج الذين لهم عند بلوغ الأجل الإمساكُ، والتسريح بأن لا يُخرجوا أزواجهم من بيوتهم، وأمر أزواجهنّ أن لا يخرجوهن، فدلّ على جواز إخراج من ليس لزوجها إمساكها بعد الطلاق، فإنه ذكر لهؤلاء المطلقات أحكامًا متلازمة، لا ينفك بعضها عن بعض:
[أحدها]: أن الأزواج لا يخرجوهن من بيوتههنّ.
[والثاني]: أنههنّ لا يخرجن من بيوت أزواجهنّ.
[والثالث]: أن لأزواجهن إمساكهنّ بالمعروف قبل انقضاء الأجل، وترك الإمساك، فيُسرّحوهنّ بإحسان.
стр. 14801
أوالرابع،: إشهاد ذوي عدل، وهو إشهادٌ على الرجعة إما وجوبًا، وإما استحبابًا، وأشار سبحانه إلى حكمة ذلك، وأنه في الرجعيّات خاصّةً بقوله: ﴿لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾، والأمر الذي يُرجى إحداثه ههنا هو المراجعة. هكذا قال السلف، ومن بعدهم. قال ابن أبي شيبة: حدثنا أبو معاوية، عن داود الأوديّ، عن الشعبيّ: ﴿لَاتَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾، قال: لعلّك تَنْدمُ، فيكون لك سبيل إلى المراجعة. وقال الضحّاك: ﴿لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾، قال: لعله أن يراجعها في العدّة. وقاله عطاء، وقتادة، والحسن، وقد تقدّم قول فاطمة بنت قيس: أيُّ أمر يحدث بعد الثلاث؟.
فهذا يدلّ على أن الطلاق المذكور هو الرجعيّ الذي ثبتت فيه هذه الأحكام، وأن حكمة أحكم الحاكمين، وأرحم الراحمين، اقتضته لعل الزوج أن يندم، ويزول الشرّ الذي نزغه الشيطان بينهما، فتتبعها نفسه، فيراجعها، كما قال عليّ بن أبي طالب ﵁: لو أن الناس أخذوا بأمر اللَّه في الطلاق، ما أتبع رجل نفسه امرأة يُطلّقها أبدًا. ثم ذكر الأمر بإسكان هؤلاء المطلّقات، فقال: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ﴾ [الطلاق: ٦]، فالضمائر كلّها يتّحد مفسّرها، وأحكامها كلها متلازمة، وكان قول النبيّ ﷺ : "إنما النفقة والسكنى للمرأة إذا كان لزوجها عليها رجعة" (١)، مشتقًّا من كتاب اللَّه ، ومفسّرًا له، وبيانًا لمراد المتكلّم به منه، فقد تبيّن اتحاد قضاء رسول اللَّه ﷺ ﷺ ، وكتاب اللَّه ، والميزان العادل معهما أيضًا، لا يُخالفهما، فإن النفقة إنما تكون للزوجة، فإذا بانت منه صارت أجنبيّة حكمها حكم سائر الأجنبيّات، ولم يبق إلا مجرّد اعتدادها منه، وذلك لا يوجب لها نفقة، كالموطوءة بشبهة، أو زنى، ولأن النفقة إنما تجب في مقابلة التمكن من الاستمتاع، وهذا لا يمكن استمتاعه بها بعد بينونتها، ولأن النفقة لو وجبت لها عليه لأجل عدّتها، لوجبت للمتوفّى عنها من ماله، ولا فرق بينهما البتّة، فإن كلّ واحدة منهما قد بانت عنه، وهي معتدّة منه، قد تعذّر منهما الاستمتاع، ولأنها لو وجبت لها السكنى، لوجبت لها النفقة، كما يقوله من يوجبها، فأما أن تجب لها السكنى دون النفقة، فالنصّ، والقياس يدفعه. ثم قال -رحمه اللَّه تعالى-:
[ذكر المطاعن التي طُعن بها على حديث فاطمة بنت قيس - رضي اللَّه تعالى عنها - قديمًا وحديثًا]:
(فأولها): طعن أمير المؤمنين عمر بن الخطّاب - رضي اللَّه تعالى عنه -، فروى مسلم
стр. 14802
في "صحيحه" عن أبي إسحاق، قال كنت مع الأسود بن يزيد، جالسًا، في المسجد الأعظم، ومعنا الشعبي، فحدّث الشعبي بحديث فاطمة بنت قيس، أن رسول اللَّه ﷺ ، لم يجعل لها سكنى ولا نفقة، ثم أخذ الأسود كَفًّا من حصى، فحصبه به، فقال: ويلك تُحدّث بمثل هذا؟، قال عمر: لا نترك كتاب اللَّه، وسنة نبينا ﷺ لقول امرأة، لا ندري لعلها حفظت، أو نسيت، لها السكنى والنفقة، قال اللَّه : ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾.
قالوا: فهذا خبر عمر يُخبر أن سنّة رسول اللَّه ﷺ أن لها النفقة والسكنى، ولا ريب أن هذا مرفوع، فإن الصحابيّ إذا قال: "من السنة كذا"، كان مرفوعًا، فكيف إذا قال: "من سنة رسول اللَّه ﷺ ؟ "، فكيف إذا كان القائل عمر بن الخطاب؟ وإذا تعارضت رواية عمر ﵁، ورواية فاطمة، فرواية عمر ﵁ أولى، ولا سيّما، ومعها (١) ظاهر القرآن، كما سنذكر. وقال سعيد بن منصور: حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن إبراهيم، قال: كان عمر بن الخطّاب إذ ذُكر عنده حديث فاطمة بنت قيس قال: ما كنّا نغيّر في ديننا بشهادة امرأة.
[ذكر طعن عائشة في خبر فاطمة بنت قيس - رضي اللَّه تعالى عنهما -]:
في "الصحيحين" من حديث هشام بن عروة، عن أبيه، قال: تزوّج يحيى بن سعيد بن العاص، بنت عبد الرحمن بن الحكم، فطلّقها، فأخرجها من عنده، فعاب ذلك عليهم عروة، فقالوا: إن فاطمة قد خَرَجت، قال عروة: فأتيت عائشة، فأخبرتها بذلك، فقالت: ما لفاطمة بنت قيس خير في أن تذكر هذا الحديث.
وقال البخاري: فانتقلها عبد الرحمن، فأرسلت عائشة أم المؤمنين، إلى مروان بن الحكم، وهو أمير المدينة، اتَّقِ اللَّهَ وارددها إلى بيتها، قال مروان: إن عبد الرحمن بن الحكم غلبني، وقال: أوما بلغك شأن فاطمة بنت قيس؟، قالت: لا يضرّك أن لا تذكر حديث فاطمة، فقال مروان بن الحكم: إن كان بكِ شرّ، فحسبك ما بين هذين من الشر.
ومعنى كلامه: إن كان خروج فاطمة لما يقال من شرّ كان في لسانها، فيكفيك ما بين يحيى بن سعيد بن العاص، وبين امرأته من الشرّ.
وفي "الصحيحين": عن عروة أنه قال لعائشة: ألم تري إلى فلانة بنت الحكم، طلّقها زوجها البتة، فخرجت، فقالت: بئس ما صنعت، قال: ألم تسمعي في قول
стр. 14803
فاطمة؟ قالت: أما إنه ليس لها خير في ذكر هذا الحديث.
وفي حديث القاسم، عن عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها -يعني في قولها: لا سكنى ولا نفقة. وفي "صحيح البخاريّ": عن عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - أنها قالت لفاطمة: ألا تتّقي اللَّه، تعني في قولها: لا سكنى ولا نفقة. وفي "صحيحه" أيضًا: عنها: إن فاطمة كانت في مكان وحش، فخيف على ناحيتها، فلذلك أرخص النبيّ ﷺ لها.
وقال عبد الرزاق، عن ابن جريج، أخبرني ابن شهاب، عن عروة، أن عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها -، أنكرت ذلك على فاطمة بنت قيس، تعني انتقال المطلّقة ثلاثًا.
وذكر القاضي إسماعيل، حدّثنا نصر بن عليّ، حدثني أبي، عن هارون، عن محمد ابن إسحاق، قال: أحسبه عن محمد بن إبراهيم، أن عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - قالت لفاطمة بنت قيس: إنما أخرجك هذا اللسان.
[ذكر طعن أسامة بن زيد - رضي اللَّه تعالى عنهما - على حديث فاطمة]:
روى عبد اللَّه بن صالح كاتب الليث، قال: حدثني الليث بن سعد، حدثني جعفر، عن ابن هرمز، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، قال: كان محمد بن أسامة بن زيد يقول: كان أسامة إذا ذكرت فاطمة شيئًا من ذلك، يعني انتقالها في عدّتها رماها بما في يده (١).
[ذكر طعن مروان على حديث فاطمة]:
روى مسلم في "صحيحه" من حديث الزهريّ، عن عبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن عتبة حديث فاطمة هذا أنه حدّث به مروان، فقال مروان: لم نسمع هذا إلا من امرأة، سنأخذ بالعصمة التي وجدنا الناس عليها.
[ذكر طعن سعيد بن المسيّب]:
روى أبو داود في "سننه" من حديث ميمون بن مهران، قال: قدمت المدينة، فدُفِعتُ إلى سعيد بن المسيّب، فقلت: فاطمة بنت قيس طُلِّقت، فخرجت من بيتها، فقال سعيد: تلك امراة فَتنت الناس، إنها كانت امرأة لَسِنَةً، فوُضعت على يدي ابن أم مكتوم الأعمى.
[ذكر طعن سليمان بن يسار]:
روى أبو داود في "سننه" أيضًا، قال في خروج فاطمة: إنما كان من سؤء الخلق.
[ذكر طعن الأسود بن يزيد]:
تقدّم حديث مسلم: أن الشعبيّ حدّث بحديث فاطمة، فأخذ الأسود كفّا من
стр. 14804
حصباء، فحصبه به، وقال: ويلك تُحدّث بمثل هذا؟ وقال النسائيّ: ويلك، لم تفتي بمثل هذا؟، قال عمر لها: إن جئت بشاهدين يشهدان أنهما سمعاه من رسول اللَّه ﷺ ، وإلا لم نترك كتاب ربّنا لقول امرأة.
[ذكر طعن أبي سلمة بن عبد الرحمن]:
قال الليث: حدّثني عُقيلٌ، عن ابن شهاب، قال: أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن، فذكر حديث فاطمة.
ثم قال: فأنكر الناس عليها ما كانت تُحدّث من خروجها قبل أن تَحِلّ، قالوا: وقد عارض رواية فاطمة صريح رواية عمر في إيجاب النفقة والسكنى، فروى حمّاد بن سلمة، عن حمّاد بن أبي سليمان، أنه اخبر إبراهيم النخعيّ بحديث الشعبيّ، عن فاطمة بنت قيس، فقال له إبراهيم: إن عمر أُخبر بقولها، فقال: لسنا بتاركي آية من كتاب اللَّه، وقول النبيّ ﷺ ، لقول امرأة لعلها أوهمت، سمعتُ النبيّ ﷺ -يقول: "لها السكنى والنفقة". ذكره أبو محمد في "المحلّى"، فهذا نصّ صريحٌ، يجب تقديمه على حديث فاطمة؛ لجلالة رواته، وترك الصحابة عليه، وموافقته لكتاب اللَّه.
[ذكر الأجوبة عن هذه المطاعن، وبيان بطلانها]:
وحاصلها أربعة:
[أحدها]: أن راويتها امرأة، لم تأت بشاهدين يُتابعانها على حديثها.
[الثاني]: أن روايتها تضمّنت مخالفة القرآن.
[الثالث]: أن خروجها من المنزل لم يكن لأنه لا حقّ لها في السكنى، بل لأذاها أهل زوجها بلسانها.
[الرابع]: معارضة روايتها برواية أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁.
ونحن نبين ما في كلّ واحد من هذه الأمور الأربعة -بحول اللَّه تعالى وقوّته- هذا مع أن في بعضها من الانقطاع، وفي بعضها من الضعف، وفي بعضها من البطلان ما سننبّه عليه، وبعضها صحيح عمن نُسب إليه بلا شكّ.
فأما الطعن الأول، وهو كون الراوي امرأة، فمَطْعَنٌ باطل بلا شكّ، والعلماء قاطبةً على خلافه، والمحتجّ بهذا من أتباع الأئمة أول مبطل له، ومخالف له، فإنهم لا يختلفون في أن السنن تؤخذ عن المرأة كما تؤخذ عن الرجل، هذا وكم من سنّة تلقاها الأئمة بالقبول عن امرأة واحدة من الصحابة، وهذه مسانيد نساء الصحابة بأيدي الناس، لا تشاء أن ترى فيها سنّة تفرّد بها امرأة منهنّ إلا رأيتها، فما ذنب فاطمة بنت قيس دون
стр. 14805
نساء العالمين، وقد أخذ الناس بحديث فُريعة بنت مالك بن سنان، أخت أبي سعيد الخدريّ في اعتداد المتوفّى عنها في بيت زوجها، وليست فاطمة بدونها علمًا، وجلالةً، وثقةً، وأمانةً، بل هي أفقه منها بلا شكّ، فإن فُريعة لا تعرف إلا في هذا الخبر، وأما شهرة فاطمة، ودعاؤها من نازعها من الصحابة إلى كتاب اللَّه، ومناظرتها على ذلك، فأمرٌ مشهور، وكانت أسعد بهذه المناظرة ممن خالفها، كما مضى تقريره.
وقد كان الصحابة ﵃ يختلفون في الشيء، فتروي لهم إحدى أمهات المؤمنين عن النبيّ ﷺ شيئًا، فيأخذون به، ويرجعون إليه، ويتركون ما عندهم له، وإنما فُضّلن على فاطمة بنت قيس بكونهنّ أزواج رسول اللَّه ﷺ ، وإلا فهي من المهاجرات الأُوَل، وقد رضيها رسول اللَّه ﷺ لِحِبّه، وابن حِبّه أُسامة بن زيد ﵃، وكان هو الذي خطبها له، وإذا شئت أن تعرف مقدار حفظها وعلمها، فاعرفه من حديث الدجّال الطويل الذي حدّث به رسول اللَّه ﷺ على المنبر، فوعته فاطمة، وحفظته، وأدّته كما سمعته، ولم يُنكره عليها أحدٌ مع طوله، وغرابته، فكيف بقصّة جرت لها، وهي سببها، وخاصمت فيها، وحُكم فيها بكلمتين، وهي "لا نفقة، ولا سكنى"، والعادة توجب حفظ مثل هذا، وذِكْرَه، واحتمالُ النسيان فيه أمر مشتركٌ بينها وبين من أنكر عليها، فهذا عمر قد نسي تيمّم الجنب، وذكّره عمار بن ياسر أمر رسول اللَّه ﷺ لهما بالتيمّم من الجنابة، فلم يَذكُره عمر ﵁، وأقام على أن الجنب لا يصلّي حتى يجد الماء.
ونسي قوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا﴾ [النساء: ٢٠]، حتى ذكرته به امرأة، فرجع إلى قولها (١).
ونسي قوله: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ [الزمر: ٣٠]، حتى ذُكّر به.
فإن كان جواز النسيان على الراوي يوجب سقوط روايته سقطت رواية عمر التي عارضتم بها خبر فاطمة، وإن كان لا يوجب سقوط روايته بطلت المعارضة بذلك، فهي باطلة على التقديرين، ولو رُدّت السننُ بمثل هذا، لم يبق بأيدي الأمة منها إلا اليسير، ثم كيف يُعارِض خبر فاطمة، ويطعن فيه بمثل هذا من يرى قبول خبر الواحد العدل، ولا يشترط للرواية نصابًا، وعمر ﵁ أصابه في مثل هذا ما أصابه في ردّ خبر أبي موسى في الاستئذان حتى شهد له أبو سعيد، ورده خبر المغيرة بن شعبة في إملاص المرأة حتى شهِد له محمد بن مسلمة، وهذا كان تثبيتًا منه ﵁ عنه حتى لا يركب
стр. 14806
الناس الصعب والذَّلُول في الرواية عن رسول اللَّه ﷺ ، وإلا فقد قَبِلَ خبر الضحّاك بن سفيان الكلابيّ وحده، وهو أعرابيّ، وقبل لعائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - عدّة أخبار تفرّدت بها.
وبالجملة، فلا يقول أحد: إنه لا يُقبل قولُ الراوي الثقة العدل حتى يشهد له شاهدان، لا سيما إن كان من الصحابة.
فصل:
وأما المطعن الثاني، وهو أن روايتها مخالفة للقرآن، فنجيب بجوابين: مجمل، ومفصّل، أما المجمل، فنقول: لو كانت مخالفةً كما ذكرتم، لكانت مخالفةً لعمومه، فتكون تخصيصًا للعامّ، فحكمها حكم تخصيص قوله: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ [النساء: ١١] بالكافر، والرقيق، والقاتل، وتخصيص قوله: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] بتحريم الجمع بين المرأة وعمتها، وبينها وبين خالتها، ونظائره، فإن القرآن لم يُخصّ البائن بأنها لا تُخرَج، ولا تَخرُج، وبأنها تسكن من حيث يسكن زوجها، بل إما أن يعمّها، ويعُمّ الرجعيّة، وإما أن يخصّ الرجعيّة.
فإن عمّ النوعين، فالحديث مخصّص لعمومه، وإن خصّ الرجعيات، وهو الصواب للسياق الذي من تدبّره، وتأمله قطع بأنه في الرجعيّات من عدّة أوجه قد أشرنا إليها، فالحديث ليس مخالفًا لكتاب اللَّه، بل موافقٌ له، ولو ذُكر أمير المؤمنين ﵁ بذلك، لكان أوّل راجع إليه، فإن الرجل كما يذهَلُ عن النصّ يذهل عن دلالته وسياقه، وما يقترن به مما يتبيّن المراد منه، وكثيرًا ما يذهلُ عن دخول الواقعة المعيّنة تحت النصّ العامّ، واندراجه تحتها، فهذا كثيرٌ جدًّا، والتفطّن له من الفهم الذي يؤتيه اللَّه من يشاء من عباده، ولقد كان أمير المؤمنين عمر ﵁ من ذلك بالمنزلة التي لا تُجهل، ولا تستغرقها عبارة، غير أن النسيان والذهول عُرْضةٌ للإنسان، وإنما الفاضل العالم من إذا ذُكّر ذَكَرَ، ورجع.
فحديث فاطمة - رضي اللَّه تعالى عنها - مع كتاب اللَّه على ثلاث أطباق، لا يخرج عن واحد منها، إما أن يكون تخصيصًا لعامّه. الثاني: أن يكون بيانًا لما لم يتناوله، بل سكت عنه. الثالث: أن يكون بيانًا لما أريد به، وموافقًا لما أرشد إليه سياقُه، وتعليلُه، وتنبيهه، وهذا هو الصواب، فهو إذن موافقٌ له، لا مخالف، وهكذا ينبغي قطعًا، ومعاذَ اللَّه أن يحكم رسول اللَّه ﷺ بما يُخالف كتاب اللَّه تعالى، أو يعارضه. وقد أنكر الإمام أحمد -رحمه اللَّه تعالى- هذا من قول عمر ﵁، وجعل يتبسّم ويقول: اين في كتاب اللَّه إيجاب السكنى، والنفقة للمطلّقة ثلاثًا، وأنكرته قبله الفقيهة الفاضلة فاطمة،
стр. 14807
وقالت: بيني وبينكم كتاب اللَّه، قال اللَّه تعالى: ﴿لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ [الطلاق: ١]، وأيّ أمر يحدث بعد الثلاث، وقد تقدّم أن قوله: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ﴾ [الطلاق: ٢]، يشهد بأن الآيات كلها في الرجعيّات.
فصل:
وأما المطعن الثالث، وهو أن خروجها لم يكن إلا لفحش من لسانها، فما أبرده من تأويل، وأسمجه، فإن المرأة من خيار الصحابة ﵃، وفضلائهم، ومن المهاجرات الأُول، وممن لا يحملها رقّة الدين، وقلّة التقوى على فُحش، يوجب إخراجها من دارها، وأن يمنع حقّها الذي جعله اللَّه لها، ونهى عن إضاعته، فيا عجبا: كيف لم ينكر عليها النبيّ ﷺ هذا الفُحْش؟ ويقول لها: اتق اللَّه، وكُفّي لسانك عن أذى أهل زوجك، واستقرّي في مسكنك؟ وكيف يعدِل عن هذا إلى قوله: "لا نفقة لك، ولا سكنى"، وإلى قوله: "إنما السكنى والنفقة للمرأة التي إذا كان لزوجها عليها رجعة؟ " (١)، فيا عجبا كيف يُترك هذا المانع الصريح الذي خرج من بين شفتي النبيّ ﷺ ، ويُعلّل بأمر موهوم لم يعلّل به رسول اللَّه ﷺ البتّة، ولا أشار إليه، ولا نبّه عليه؟ هذا من المحال البيّن. ثم لو كانت فاحشة اللسان، وقد أعاذها اللَّه من ذلك، لقال لها النبيّ ﷺ ، وسمعت، وأطاعت: كُفّي لسانك حتى تنقضي عدّتك، وكان من دونها يسمع، ويُطيع؛ لئلا يخرج من سكنه.
فصل:
وأما المطعن الرابع: وهو معارضة روايتها برواية عمر ﵁، فهذه المعارضة تُورد من وجهين: أحدهما: قوله: "لا ناع كتاب ربّنا، وسنّة نبيّنا"، وأن هذا من حكم المرفوع. الثاني: قوله: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "لها السكنى والنفقة".
ونحن نقول: قد أعاذ اللَّه أمير المؤمنين من هذا الكلام الباطل الذي لا يصحّ عنه أبدًا. قال الإمام أحمد: لا يصحّ ذلك عن عمر. وقال أبو الحسن الدارقطنيّ: بل السنّة بيد فاطمة بنت قيس قطعًا، ومن له إلمامٌ بسنّة رسول اللَّه ﷺ يشهد شهادة اللَّه أنه لم يكن عند عمر ﵁ سنة عن رسول اللَّه ﷺ أن للمطلّقة ثلاثًا السكنى والنفقة، وعمر كان أتقى للَّه، وأحرص على تبليغ سنن رسول اللَّه ﷺ أن تكون هذه السنّة عنده، ثم لا يرويها أصلًا، ولا يبيّنها، ولا يبلّغها عن رسول اللَّه ﷺ .
وأما حديث حمّاد بن سلمة، عن حمّاد بن أبي سليمان، عن إبراهيم، عن عمر
стр. 14808
- ﵁، سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "لها السكنى والنفقة"، فنحن نشهد باللَّه شهادة نُسأل عنها إذا لقيناه أن هذا كذبٌ على عمر ﵁، وكذب على رسول اللَّه ﷺ ، وينبغي أن لا يَحمِل الإنسان فرط الانتصار للمذاهب، والتعصّب لها على معارضة سنن رسول اللَّه ﷺ الصحيحة الصريحة بالكذب البحت، فلو يكون عند عمر ﵁ عن النبيّ ﷺ -لخرِسَت فاطمة، وذووها، ولم ينسبوا بكلمة، ولا دعت فاطمة إلى المناظرة، ولا احتيج إلى ذكر إخراجها لبذاء لسانها، ولما فات هذا الحديث أئمة الحديث، والمصنّفين في السنن، والأحكام، المنتصرين للسُّنَنَ فقط، لا لمذهب، ولا لرجل، هذا قبل أن نصل به إلى إبراهيم، ولو قُدّر وصولنا بالحديث إلى إبراهيم لانقطع نُخاعُهُ، فإن إبراهيم لم يولد إلا بعد موت عمر ﵁ بسنين، فإن كان مخبر أخبر به إبراهيم، عن عمر ﵁، وحَسّنَا به الظنّ، وكان قد روي له قول عمر ﵁ بالمعنى، وظنّ أن رسول اللَّه ﷺ هو الذي حكم بثبوت النفقة والسكنى للمطلّقة، حتى قال عمر ﵁: لا ندع كتاب ربّنا لقول امرأة، فقد يكون الرجل صالحًا، ويكون مُغفّلاً، ليس تحمّل الحديث، وحفظه، وروايته من شأنه. وباللَّه التوفيق.
وقد تناظر في هذه المسألة ميمون بن مهران، وسعيد بن المسيّب، فذكر له ميمون خبر فاطمة، فقال سعيد: تلك امرأة فتنت الناس، فقال له ميمون: لئن كانت إنما أخذت بما أفتاها به رسول اللَّه ﷺ ما فتنت الناس، وإن لنا في رسول اللَّه أسوة حسنة، مع أنها أحرم الناس عليه، ليس لها عليه رجعةٌ، ولا بينهما ميراث. انتهى.
ولا يُعلم أحد من الفقهاء -رحمهم اللَّه تعالى- إلا وقد احتجّ بحديث فاطمة بنت قيس هذا، وأخذ به في بعض الأحكام كمالك، والشافعيّ، وجمهور الأمة يحتجّون به في سقوط نفقة المبتوتة، إذا كانت حائلًا، والشافعيّ نفسه احتجّ به على جواز جمع الثلاث؛ لأن في بعض الفاظه، فطلّقني ثلاثًا، وقد بيّنّا أنه إنما طلّقها آخر ثلاث، كما أخبرت به عن نفسها. واحتجّ به من يرى جواز نظر المرأة إلى الرجال. واحتجّ به الأئمة كلّهم على جواز خطبة الرجل على خطبة أخيه إذا لم تكن المرأة قد سكنت إلى الخاطب الأول. واحتجّوا به على جواز بيان ما في الرجل إذا كان على وجه النصيحة لمن استشاره أن يزوّجه، أو يُعامله، أو يسافر معه، وأن ذلك ليس بغيبة. واحتجّوا به على وقوع الطلاق في حال غيبة أحد الزوجين عن الآخر، وأنه لا يشترط حضوره، ومواجهته به. واحتجّوا به على جواز التعريض بخطبة المعتدّة البائن، وكانت هذه الأحكام كلها حاصلة ببركة روايتها، وصدق حديثها، فاستنبطتها الأمة منها، وعمِلت بها، فما بال
стр. 14809
روايتها تُردّ في حكم واحد من أحكام هذا الحديث، وتُقبل فيما عداه؟، فإن كانت حفظته، قبلت في جميعه، وإن لم تكن حفظته وجب أن لا يُقبل في شيء من أحكامه. وباللَّه التوفيق.
[فإن قيل]: بقي عليكم شيء واحدٌ، وهو أن قوله : ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ﴾ إنما هو في البوائن، لا في الرجعيّات، بدليل قوله عقبه: ﴿وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦] فهذا في البائن، إذ لو كانت رجعيّة، لما قيّد النفقة عليها بالحمل، ولكان عدم التأثير، فانها تستحقّها حائلًا كانت، أو حاملًا، والظاهر أن الضمير في ﴿أَسْكِنُوهُنَّ﴾ هو والضمير في قوله: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ﴾ واحد.
[فالجواب]: أن مورد هذا السؤال إما أن يكون من الموجبين النفقة والسكنى، أو ممن يوجب السكنى دون النفقة، فإن كان الأول، فالآية على زعمه حجة عليه؛ لأنه شرط في إيجاب النفقة عليهنّ كونهنّ حوامل، والحكم المعلّق على الشرط ينتفي عند انتفائه، فدلّ على أن البائن الحائل لا نفقة لها.
[فإن قيل]: فهذه دلالة على المفهوم، ولا يقول بها.
[قيل]: ليس ذلك من دلالة المفهوم، بل من انتفاء الحكم عند انتفاء شرطه، فلو بقي الحكم بعد انتفائه لم يكن شرطًا.
وإن كان ممن يوجب السكنى وحدها، فيقال له: ليس في الآية ضمير واحد يخصّ البائن، بل ضمائرها نوعان: نوع يخصّ الرجعيّة قطعًا، كقوله: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [الطلاق: ٢]. ونوع يحتمل أن يكون للبائن، وأن يكون للرجعيّة، وأن يكون لهما، وهو قوله: ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ﴾، وقوله: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ﴾، فحمله على الرجعيّة هو المتعيّن؛ لتتّحد الضمائر ومفسّرها، فلو حُمل على غيرها لزم اختلاف الضمائر، ومفسّرها، وهو خلاف الأصل، والحمل على الأصل أولى.
[فإن قيل]: فما الفائدة في تخصيص نفقة الرجعيّة بكونها حاملًا؟.
[قيل]: ليس في الآية ما يقتضي أنه لا نفقة للرجعيّة الحائل، بل الرجعيّة نوعان، قد بيّن اللَّه حكمهما في كتابه: حائل، فلها النفقة بعقد الزوجيّة، إذ حكمها حكم الأزواج. أو حامل، فلها النفقة بهذه الآية إلى أن تضع حملها، فتصير النفقة بعد الوضع نفقة قريب، لا نفقة زوج، فيخالف حالها قبل الوضع حالها بعده، فإن الزوج يُنفق عليها
стр. 14810
وحده، إذا كانت حاملًا، فإذا وضعت صارت نفقتها على من تجب عليه نفقة الطفل، ولا يكون حالها في حال حملها كذلك، بحيث تجب نفقتها على من تجب عليه نفقة الطفل، فإنه في حال حملها جزء من أجزائها، فإذا انفصل كان له حكم آخر، وانتقلت النفقة من حكم إلى حكم، فظهرت فائدة التقييد، وسرّ الاشتراط. واللَّه أعلم بما أراد من كلامه. انتهى كلام ابن القيّم -رحمه اللَّه تعالى- (١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الذي حققه العلاّمة ابن القيّم -رحمه اللَّه تعالى- تحقيق نفيس جدًّا.
وحاصله أن حديث فاطمة بنت قيس - رضي اللَّه تعالى عنها - حديث صحيح يجب العمل به؛ فإن المطاعن التي وُجّهت إليه غير مقبولة. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الثانية): في اختلاف أهل العلم في حكم نفقة المبتوتة:
قال الحافظ أبو عمر ابن عبد البرّ -رحمه اللَّه تعالى-: اختلف الناس في النفقة للمبتوتة إذا لم تكن حاملًا:
فأباها قومٌ، وهم أهل الحجاز، منهم مالك، والشافعيّ، وتابعهم على ذلك أحمد، وإسحاق، وأبو ثور، وأبو عبيد. وحجتهم هذا الحديث، قوله ﷺ لفاطمة: "ليس لك عليه نفقة"، وهو مرويّ من وجوه صحاح، متواترة عن فاطمة - رضي اللَّه تعالى عنها -.
وممن قال: إن المبتوتة لا نفقة لها، إن لم تكن حاملًا: عطاء بن أبي رباح، وابن شهاب، وسعيد بن المسيّب، وسليمان بن يسار، والحسن البصريّ. وبه قال الليث بن سعد، والأوزاعيّ، وابن أبي ليلى.
وقال أبو حنيفة، وأصحابه، والثوريّ، والحسن بن حيّ: لكلّ مطلّقة السكنى، والنفقة، ما دامت في العدّة، حاملًا كانت، أو غير حامل، مبتوتة، أو رجعيّة. وهو قول عثمان البَتِّيِّ، وابن شُبْرُمة.
وحجتهم في ذلك أن عمر بن الخطاب، وعبد اللَّه بن مسعود - رضي اللَّه تعالى عنهما -، قالا في المطلّقة ثلاثًا: لها السكنى والنفقة ما كانت في العدّة.
وقالت طائفة: المطلّقة المبتوتة إن لم تكن حاملًا لا سكنى لها، ولا نفقة، منهم: الشعبيّ، وميمون بن مهران، وعكرمة، ورواية عن الحسن. وروي ذلك عن عليّ، وابن عبّاس، وجابر بن عبد اللَّه. وبه قال أحمد بن حنبل، وإسحاق، وأبو ثور،