← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 12888

ذخيرة العقبى في شرح المجتبى

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (19 271 стр.). Показаны 14806–14845 · переход к 14811.

стр. 14806

الناس الصعب والذَّلُول في الرواية عن رسول اللَّه ﷺ ، وإلا فقد قَبِلَ خبر الضحّاك بن سفيان الكلابيّ وحده، وهو أعرابيّ، وقبل لعائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - عدّة أخبار تفرّدت بها. وبالجملة، فلا يقول أحد: إنه لا يُقبل قولُ الراوي الثقة العدل حتى يشهد له شاهدان، لا سيما إن كان من الصحابة. فصل: وأما المطعن الثاني، وهو أن روايتها مخالفة للقرآن، فنجيب بجوابين: مجمل، ومفصّل، أما المجمل، فنقول: لو كانت مخالفةً كما ذكرتم، لكانت مخالفةً لعمومه، فتكون تخصيصًا للعامّ، فحكمها حكم تخصيص قوله: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ [النساء: ١١] بالكافر، والرقيق، والقاتل، وتخصيص قوله: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] بتحريم الجمع بين المرأة وعمتها، وبينها وبين خالتها، ونظائره، فإن القرآن لم يُخصّ البائن بأنها لا تُخرَج، ولا تَخرُج، وبأنها تسكن من حيث يسكن زوجها، بل إما أن يعمّها، ويعُمّ الرجعيّة، وإما أن يخصّ الرجعيّة. فإن عمّ النوعين، فالحديث مخصّص لعمومه، وإن خصّ الرجعيات، وهو الصواب للسياق الذي من تدبّره، وتأمله قطع بأنه في الرجعيّات من عدّة أوجه قد أشرنا إليها، فالحديث ليس مخالفًا لكتاب اللَّه، بل موافقٌ له، ولو ذُكر أمير المؤمنين ﵁ بذلك، لكان أوّل راجع إليه، فإن الرجل كما يذهَلُ عن النصّ يذهل عن دلالته وسياقه، وما يقترن به مما يتبيّن المراد منه، وكثيرًا ما يذهلُ عن دخول الواقعة المعيّنة تحت النصّ العامّ، واندراجه تحتها، فهذا كثيرٌ جدًّا، والتفطّن له من الفهم الذي يؤتيه اللَّه من يشاء من عباده، ولقد كان أمير المؤمنين عمر ﵁ من ذلك بالمنزلة التي لا تُجهل، ولا تستغرقها عبارة، غير أن النسيان والذهول عُرْضةٌ للإنسان، وإنما الفاضل العالم من إذا ذُكّر ذَكَرَ، ورجع. فحديث فاطمة - رضي اللَّه تعالى عنها - مع كتاب اللَّه على ثلاث أطباق، لا يخرج عن واحد منها، إما أن يكون تخصيصًا لعامّه. الثاني: أن يكون بيانًا لما لم يتناوله، بل سكت عنه. الثالث: أن يكون بيانًا لما أريد به، وموافقًا لما أرشد إليه سياقُه، وتعليلُه، وتنبيهه، وهذا هو الصواب، فهو إذن موافقٌ له، لا مخالف، وهكذا ينبغي قطعًا، ومعاذَ اللَّه أن يحكم رسول اللَّه ﷺ بما يُخالف كتاب اللَّه تعالى، أو يعارضه. وقد أنكر الإمام أحمد -رحمه اللَّه تعالى- هذا من قول عمر ﵁، وجعل يتبسّم ويقول: اين في كتاب اللَّه إيجاب السكنى، والنفقة للمطلّقة ثلاثًا، وأنكرته قبله الفقيهة الفاضلة فاطمة،

стр. 14807

وقالت: بيني وبينكم كتاب اللَّه، قال اللَّه تعالى: ﴿لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ [الطلاق: ١]، وأيّ أمر يحدث بعد الثلاث، وقد تقدّم أن قوله: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ﴾ [الطلاق: ٢]، يشهد بأن الآيات كلها في الرجعيّات. فصل: وأما المطعن الثالث، وهو أن خروجها لم يكن إلا لفحش من لسانها، فما أبرده من تأويل، وأسمجه، فإن المرأة من خيار الصحابة ﵃، وفضلائهم، ومن المهاجرات الأُول، وممن لا يحملها رقّة الدين، وقلّة التقوى على فُحش، يوجب إخراجها من دارها، وأن يمنع حقّها الذي جعله اللَّه لها، ونهى عن إضاعته، فيا عجبا: كيف لم ينكر عليها النبيّ ﷺ هذا الفُحْش؟ ويقول لها: اتق اللَّه، وكُفّي لسانك عن أذى أهل زوجك، واستقرّي في مسكنك؟ وكيف يعدِل عن هذا إلى قوله: "لا نفقة لك، ولا سكنى"، وإلى قوله: "إنما السكنى والنفقة للمرأة التي إذا كان لزوجها عليها رجعة؟ " (١)، فيا عجبا كيف يُترك هذا المانع الصريح الذي خرج من بين شفتي النبيّ ﷺ ، ويُعلّل بأمر موهوم لم يعلّل به رسول اللَّه ﷺ البتّة، ولا أشار إليه، ولا نبّه عليه؟ هذا من المحال البيّن. ثم لو كانت فاحشة اللسان، وقد أعاذها اللَّه من ذلك، لقال لها النبيّ ﷺ ، وسمعت، وأطاعت: كُفّي لسانك حتى تنقضي عدّتك، وكان من دونها يسمع، ويُطيع؛ لئلا يخرج من سكنه. فصل: وأما المطعن الرابع: وهو معارضة روايتها برواية عمر ﵁، فهذه المعارضة تُورد من وجهين: أحدهما: قوله: "لا ناع كتاب ربّنا، وسنّة نبيّنا"، وأن هذا من حكم المرفوع. الثاني: قوله: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "لها السكنى والنفقة". ونحن نقول: قد أعاذ اللَّه أمير المؤمنين من هذا الكلام الباطل الذي لا يصحّ عنه أبدًا. قال الإمام أحمد: لا يصحّ ذلك عن عمر. وقال أبو الحسن الدارقطنيّ: بل السنّة بيد فاطمة بنت قيس قطعًا، ومن له إلمامٌ بسنّة رسول اللَّه ﷺ يشهد شهادة اللَّه أنه لم يكن عند عمر ﵁ سنة عن رسول اللَّه ﷺ أن للمطلّقة ثلاثًا السكنى والنفقة، وعمر كان أتقى للَّه، وأحرص على تبليغ سنن رسول اللَّه ﷺ أن تكون هذه السنّة عنده، ثم لا يرويها أصلًا، ولا يبيّنها، ولا يبلّغها عن رسول اللَّه ﷺ . وأما حديث حمّاد بن سلمة، عن حمّاد بن أبي سليمان، عن إبراهيم، عن عمر

стр. 14808

- ﵁، سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "لها السكنى والنفقة"، فنحن نشهد باللَّه شهادة نُسأل عنها إذا لقيناه أن هذا كذبٌ على عمر ﵁، وكذب على رسول اللَّه ﷺ ، وينبغي أن لا يَحمِل الإنسان فرط الانتصار للمذاهب، والتعصّب لها على معارضة سنن رسول اللَّه ﷺ الصحيحة الصريحة بالكذب البحت، فلو يكون عند عمر ﵁ عن النبيّ ﷺ -لخرِسَت فاطمة، وذووها، ولم ينسبوا بكلمة، ولا دعت فاطمة إلى المناظرة، ولا احتيج إلى ذكر إخراجها لبذاء لسانها، ولما فات هذا الحديث أئمة الحديث، والمصنّفين في السنن، والأحكام، المنتصرين للسُّنَنَ فقط، لا لمذهب، ولا لرجل، هذا قبل أن نصل به إلى إبراهيم، ولو قُدّر وصولنا بالحديث إلى إبراهيم لانقطع نُخاعُهُ، فإن إبراهيم لم يولد إلا بعد موت عمر ﵁ بسنين، فإن كان مخبر أخبر به إبراهيم، عن عمر ﵁، وحَسّنَا به الظنّ، وكان قد روي له قول عمر ﵁ بالمعنى، وظنّ أن رسول اللَّه ﷺ هو الذي حكم بثبوت النفقة والسكنى للمطلّقة، حتى قال عمر ﵁: لا ندع كتاب ربّنا لقول امرأة، فقد يكون الرجل صالحًا، ويكون مُغفّلاً، ليس تحمّل الحديث، وحفظه، وروايته من شأنه. وباللَّه التوفيق. وقد تناظر في هذه المسألة ميمون بن مهران، وسعيد بن المسيّب، فذكر له ميمون خبر فاطمة، فقال سعيد: تلك امرأة فتنت الناس، فقال له ميمون: لئن كانت إنما أخذت بما أفتاها به رسول اللَّه ﷺ ما فتنت الناس، وإن لنا في رسول اللَّه أسوة حسنة، مع أنها أحرم الناس عليه، ليس لها عليه رجعةٌ، ولا بينهما ميراث. انتهى. ولا يُعلم أحد من الفقهاء -رحمهم اللَّه تعالى- إلا وقد احتجّ بحديث فاطمة بنت قيس هذا، وأخذ به في بعض الأحكام كمالك، والشافعيّ، وجمهور الأمة يحتجّون به في سقوط نفقة المبتوتة، إذا كانت حائلًا، والشافعيّ نفسه احتجّ به على جواز جمع الثلاث؛ لأن في بعض الفاظه، فطلّقني ثلاثًا، وقد بيّنّا أنه إنما طلّقها آخر ثلاث، كما أخبرت به عن نفسها. واحتجّ به من يرى جواز نظر المرأة إلى الرجال. واحتجّ به الأئمة كلّهم على جواز خطبة الرجل على خطبة أخيه إذا لم تكن المرأة قد سكنت إلى الخاطب الأول. واحتجّوا به على جواز بيان ما في الرجل إذا كان على وجه النصيحة لمن استشاره أن يزوّجه، أو يُعامله، أو يسافر معه، وأن ذلك ليس بغيبة. واحتجّوا به على وقوع الطلاق في حال غيبة أحد الزوجين عن الآخر، وأنه لا يشترط حضوره، ومواجهته به. واحتجّوا به على جواز التعريض بخطبة المعتدّة البائن، وكانت هذه الأحكام كلها حاصلة ببركة روايتها، وصدق حديثها، فاستنبطتها الأمة منها، وعمِلت بها، فما بال

стр. 14809

روايتها تُردّ في حكم واحد من أحكام هذا الحديث، وتُقبل فيما عداه؟، فإن كانت حفظته، قبلت في جميعه، وإن لم تكن حفظته وجب أن لا يُقبل في شيء من أحكامه. وباللَّه التوفيق. [فإن قيل]: بقي عليكم شيء واحدٌ، وهو أن قوله : ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ﴾ إنما هو في البوائن، لا في الرجعيّات، بدليل قوله عقبه: ﴿وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦] فهذا في البائن، إذ لو كانت رجعيّة، لما قيّد النفقة عليها بالحمل، ولكان عدم التأثير، فانها تستحقّها حائلًا كانت، أو حاملًا، والظاهر أن الضمير في ﴿أَسْكِنُوهُنَّ﴾ هو والضمير في قوله: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ﴾ واحد. [فالجواب]: أن مورد هذا السؤال إما أن يكون من الموجبين النفقة والسكنى، أو ممن يوجب السكنى دون النفقة، فإن كان الأول، فالآية على زعمه حجة عليه؛ لأنه شرط في إيجاب النفقة عليهنّ كونهنّ حوامل، والحكم المعلّق على الشرط ينتفي عند انتفائه، فدلّ على أن البائن الحائل لا نفقة لها. [فإن قيل]: فهذه دلالة على المفهوم، ولا يقول بها. [قيل]: ليس ذلك من دلالة المفهوم، بل من انتفاء الحكم عند انتفاء شرطه، فلو بقي الحكم بعد انتفائه لم يكن شرطًا. وإن كان ممن يوجب السكنى وحدها، فيقال له: ليس في الآية ضمير واحد يخصّ البائن، بل ضمائرها نوعان: نوع يخصّ الرجعيّة قطعًا، كقوله: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [الطلاق: ٢]. ونوع يحتمل أن يكون للبائن، وأن يكون للرجعيّة، وأن يكون لهما، وهو قوله: ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ﴾، وقوله: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ﴾، فحمله على الرجعيّة هو المتعيّن؛ لتتّحد الضمائر ومفسّرها، فلو حُمل على غيرها لزم اختلاف الضمائر، ومفسّرها، وهو خلاف الأصل، والحمل على الأصل أولى. [فإن قيل]: فما الفائدة في تخصيص نفقة الرجعيّة بكونها حاملًا؟. [قيل]: ليس في الآية ما يقتضي أنه لا نفقة للرجعيّة الحائل، بل الرجعيّة نوعان، قد بيّن اللَّه حكمهما في كتابه: حائل، فلها النفقة بعقد الزوجيّة، إذ حكمها حكم الأزواج. أو حامل، فلها النفقة بهذه الآية إلى أن تضع حملها، فتصير النفقة بعد الوضع نفقة قريب، لا نفقة زوج، فيخالف حالها قبل الوضع حالها بعده، فإن الزوج يُنفق عليها

стр. 14810

وحده، إذا كانت حاملًا، فإذا وضعت صارت نفقتها على من تجب عليه نفقة الطفل، ولا يكون حالها في حال حملها كذلك، بحيث تجب نفقتها على من تجب عليه نفقة الطفل، فإنه في حال حملها جزء من أجزائها، فإذا انفصل كان له حكم آخر، وانتقلت النفقة من حكم إلى حكم، فظهرت فائدة التقييد، وسرّ الاشتراط. واللَّه أعلم بما أراد من كلامه. انتهى كلام ابن القيّم -رحمه اللَّه تعالى- (١). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الذي حققه العلاّمة ابن القيّم -رحمه اللَّه تعالى- تحقيق نفيس جدًّا. وحاصله أن حديث فاطمة بنت قيس - رضي اللَّه تعالى عنها - حديث صحيح يجب العمل به؛ فإن المطاعن التي وُجّهت إليه غير مقبولة. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الثانية): في اختلاف أهل العلم في حكم نفقة المبتوتة: قال الحافظ أبو عمر ابن عبد البرّ -رحمه اللَّه تعالى-: اختلف الناس في النفقة للمبتوتة إذا لم تكن حاملًا: فأباها قومٌ، وهم أهل الحجاز، منهم مالك، والشافعيّ، وتابعهم على ذلك أحمد، وإسحاق، وأبو ثور، وأبو عبيد. وحجتهم هذا الحديث، قوله ﷺ لفاطمة: "ليس لك عليه نفقة"، وهو مرويّ من وجوه صحاح، متواترة عن فاطمة - رضي اللَّه تعالى عنها -. وممن قال: إن المبتوتة لا نفقة لها، إن لم تكن حاملًا: عطاء بن أبي رباح، وابن شهاب، وسعيد بن المسيّب، وسليمان بن يسار، والحسن البصريّ. وبه قال الليث بن سعد، والأوزاعيّ، وابن أبي ليلى. وقال أبو حنيفة، وأصحابه، والثوريّ، والحسن بن حيّ: لكلّ مطلّقة السكنى، والنفقة، ما دامت في العدّة، حاملًا كانت، أو غير حامل، مبتوتة، أو رجعيّة. وهو قول عثمان البَتِّيِّ، وابن شُبْرُمة. وحجتهم في ذلك أن عمر بن الخطاب، وعبد اللَّه بن مسعود - رضي اللَّه تعالى عنهما -، قالا في المطلّقة ثلاثًا: لها السكنى والنفقة ما كانت في العدّة. وقالت طائفة: المطلّقة المبتوتة إن لم تكن حاملًا لا سكنى لها، ولا نفقة، منهم: الشعبيّ، وميمون بن مهران، وعكرمة، ورواية عن الحسن. وروي ذلك عن عليّ، وابن عبّاس، وجابر بن عبد اللَّه. وبه قال أحمد بن حنبل، وإسحاق، وأبو ثور،

стр. 14811

وداود. ثم قال أبو عمر -رحمه اللَّه تعالى-بعد أن ذكر أقوال من ردّ حديث فاطمة، أو تأوله-: ما نصّه: لكن من طرق الحجة، وما يلزم منها قول أحمد بن حنبل، ومن تابعه أصحّ، وأحجّ؛ لأنه لو وجب السكنى عليها، وكانت عبادة تعبّدها اللَّه بها، لزمها ذلك رسول اللَّه ﷺ ، ولم يُخرجها عن بيت زوجها إلى بيت أم شريك، ولا إلى بيت أم مكتوم؛ ولأنه أجمعوا أن المرأة التي تبذو على أحمائها بلسانها، تؤدّب، وتقصر على السكنى في المنزل الذي طُلّقت فيه، وتُمنع من أذى الناس، فدلّ ذلك على أن من اعتلّ بمثل هذه العلّة في الانتقال، اعتلّ بغير صحيح من النظر، ولا متّفقٌ عليه من الخبر، هذا ما يوجبه عندي التأمّل لهذا الحديث مع صحّته. وباللَّه تعالى التوفيق. وإذا ثبت أن النبيّ ﷺ قال لفاطمة بنت قيس -وقد طُلّقت طلاقًا باتا -: لا سكنى لك، ولا نفقة، وإنما السكنى والنفقة لمن عليها رجعة؛ فأيّ شيء يعارض به هذا؟ هل يُعارض إلا بمثله عن النبيّ ﷺ الذي هو المبيّن عن اللَّه مراده من كتابه، ولا شيء عنه ﵇ يدفع ذلك، ومعلوم أنه أعلم بتأويل قول اللَّه : ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ﴾ من غيره ﷺ ، وأما الصحابة، فقد اختلفوا كما رأيت، منهم من يقول: لها السكنى والنفقة، منهم: عمر، وابن مسعود، ومنهم من يقول: لها السكنى، ولا نفقة، منهم ابن عمر، وعائشة، ومنهم من يقول: لا سكنى لها، ولا نفقة، وممن قال ذلك: عليّ، وابن عباس، وجابر، وكذلك اختلاف فقهاء الأمصار على هذه الثلاثة الأقوال، على ما ذكرنا، وبيّنّا -والحمد للَّه-. انتهى المقصود من كلام ابن عبد البرّ -رحمه اللَّه تعالى- (١). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الذي حقّقه الحافظ أبو عمر -رحمه اللَّه تعالى- من ترجيح القول بما دلّ عليه حديث فاطمة بنت قيس - رضي اللَّه تعالى عنها - هو الحقّ الذي لا مرية فيه. والحاصل أن الصحيح أنه لا سكنى، ولا نفقة للمبتوتة، إلا أن تكون حاملًا؛ لحديث فاطمة - رضي اللَّه تعالى عنها -. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". …

стр. 14812

٧٤ - (الأَقْرَاءُ) ٣٥٨٠ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ مَنْصُورٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ, قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ, قَالَ: حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ, عَنْ بُكَيْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الأَشَجِّ, عَنِ الْمُنْذِرِ بْنِ الْمُغِيرَةِ, عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ, أَنَّ فَاطِمَةَ ابْنَةَ أَبِي حُبَيْشٍ حَدَّثَتْهُ, أَنَّهَا أَتَتْ رَسُولَ اللهِ ﷺ , فَشَكَتْ إِلَيْهِ الدَّمَ, فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِنَّمَا ذَلِكِ عِرْقٌ, فَانْظُرِي إِذَا أَتَاكِ قُرْؤُكِ فَلَا تُصَلِّي, فَإِذَا مَرَّ قُرْؤُكِ, فَلْتَطْهُرِي" قَالَ: "ثُمَّ صَلِّي مَا بَيْنَ الْقُرْءِ إِلَى الْقُرْءِ"). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه من أفراده، وهو ثقة، وغير "المنذر بن المغير"، فإنه تفرد به هو، وأبو داود، ووثّقه ابن حبّان. وقوله: "أن فاطمة بنت أبي حبيش" واسم أبيها قيس بن المطلب بن أسد بن عبد العزى بن قصي الأسدية، مهاجرة جليلة، وهي غير فاطمة بنت قيس التي تقدمت قصتها في الأبواب الماضية، وقد سبق ترجمة فاطمة هذه في "الطهارة" برقم ١٣٤/ ٢٠١. وقوله: "إنما ذلك عرق" بكسر الكاف على خطاب المرأة، إنما ذلكِ الدم الزائد على العادة السابقة، وذلك لأنه الدم الذي اشتكته، عرق -بكسر، فسكون-: زاد الدارقطنيّ، والبيهقيّ: "انقطع": أي دم عرق انقطع، فسال، لا دم حيض، فإنه من الرحم، والمراد أنه لا يمنع صلاة، ولا صومًا، ولا قربان زوج؛ لأنه ليس بالحيض الذي يمنع من هذه الأشياء. وقوله: "إذا أتاك قرؤك": القرء فيه لغتان: الفتح، وجمعه قُرُوء، وأقْرُؤ، مثل فلس وفُلُوس، وأفلُس، والضمّ، ويُجمع على أقراء، مثل قفل وأقفال. قال أئمة اللغة: ويطلق على الطهر والحيض، وحكاه ابن فارس أيضًا، ثم قال: ويقال: إنه للطهر، وذلك أن المرأة الطاهر كأنّ الدم اجتمع في بدنها، وامتسك، ويقال: إنه للحيض، ويقال: اقرات: إذا حاضت، وأقرأت: إذا طهرت، فهي مقرىء. قاله الفيّوميّ. وقد تقدّم بأتمّ من هذا في "الطهارة" -١٣٥/ ٢٠٩ - "ذكر الأقراء"، فراجعه، تستفد. وباللَّه تعالى التوفيق. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الحديث صحيح، وقد أورده المصنّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- في ثلاثة عشر موضعًا من هذا الكتاب، أولها في "أبواب الطهارة" -١٣٤/ ٢٠١ - "ذكر الاغتسال من الحيض"، وآخرها هذا الباب، وتقدم شرحه، وبيان مسائله غير

стр. 14813

مرّة، وبقي هنا الكلام على ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان معنى القرء الذي أمر اللَّه المطلّقات أن يتربّصنه، بقوله : ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ الآية. (اعلم): أنّ المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- رجّح كون القرء بمعنى الحيض، حيث استدلّ بهذا الحديث، فإنه صريح فيه، حيث قال ﷺ : "إذا أتاك قرؤك فلا تصلي، فإذا مرّ قرؤك فلتطهري، قال: ثم صلي ما بين القرء إلى القرء". فقد صرّح أن القرء هنا هو الحيض، لكن الأصرح في معنى الآية حديث ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما - المتقدِّم في "كتاب الطلاق" -١/ ٣٤١٧ - "باب وقت الطلاق للعدّة التي أمر اللَّه أن تُطلّق لها النساء"، حيث قال رسول اللَّه ﷺ لعمر بن الخطاب حين طلّق عبد اللَّه بن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما - طلق امرأته، وهي حائض، فقال: "مر عبد اللَّه، فليراجعها، ثم يَدَعُها حتى تطهر من حيضتها هذه، ثم تحيض حيضة أخرى، فإذا طهرت فإن شاء فليفارقها، قبل أن يجامعها، وإن شاء فليمسكها، فإنها العدّة التي أمر اللَّه ، أن تطلق لها النساء". فإنه أصرح في المعنى المراد من الآية المذكورة، ونحن نذكر -بعون اللَّه أقوال العلماء، من اللغويين، والمحدثين، والفقهاء، في هذا المعنى؛ ليتبيّن الأرجح من ذلك، فنقول: قال أبو العبّاس القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى-: اختلف العلماء في الأقراء، فقال أهل الكوفة: هي الحيض، وهو قول عمر، وعليّ، وابن مسعود، وأبي موسى، ومجاهد، وقتادة، والضحّاك، وعكرمة، والسّدّيّ. وقال أهل الحجاز: هي الأطهار، وهو قول عائشة، وابن عمر، وزيد بن ثابت، والزهريّ، وأبان بن عثمان، والشافعيّ. فمن جعل القرء اسمًا للحيض سماه بذلك؛ لاجتماع الدم في الرحم، ومن جعله اسمًا للطهر؛ فلاجتماعه في البدن، والذي يُحقّق لك هذا الأصل في القرء الوقت، يقال: هبّت الريح لقرئها، وقارئها: أي لوقتها، قال الشاعر [من الوافر]: كَرِهْتُ الْعَقْرَ عَقْرَ بَنِي شَلِيلِ … إِذَا هَبَّتْ لِقارِئِهَا الرِّيَاحُ فقيل: للحيض وقت، وللطهر وقتٌ؛ لأنهما يرجعان لوقت معلوم. وقال الأعشى في الأطهار [من الطويل]: أَفِي كُلِّ عَامٍ أَنْتَ جَاشِمُ غَزْوَةٍ … تَشُدُّ لأَقْصَاهَا عَزِيمَ عَزَائِكَا مُوَرِّثَةِ عِزًّا وَفِي الْحَيِّ رِفْعَةً … لِمَا ضَاعَ فِيهَا مِنْ قُرُوءِ نِسَائِكَا

стр. 14814

وقال آخر في الحيض [من الرجز]: يارُبَّ ذِي ضِغنٍ عليَّ فارِضِ … لَهُ قُرُوءٌ كَقُرُوءِ الْحَائِضِ يعني أنه طعنه، فكان له دم كدم الحائض. وقال قوم: هو مأخوذ من قرء الماء في الحوض، وهو جمعه، ومنه القرآن؛ لاجتماع المعاني، ويقال لاجتماع حروفه. ويقال: ما قرأت الناقة سَلًى قطّ، أي لم تجمع في جوفها؛ وقال عمرو بن كُلثوم: ذِراعي عَيْطَلٍ أدْمَاءَ بِكْرِ … هِجَانِ اللَّوْنِ لَمْ تَقْرَأْ جَنِينَا فكأنّ الرحم يَجمَع الدم وقت الحيض، والجسم يجمعه وقت الطهر. قال أبو عمر ابن عبد البرّ: قول من قال: إن القرء مأخوذ من قولهم: قريت الماء في الحوض ليس بشيء؛ لأن القرء مهموز، وهذا غير مهموز. قال القرطبيّ: هذا صحيح بنقل أهل اللغة: الجوهريّ وغيره، واسم ذلك الماء قِرًى -بكسر القاف، مقصور-. وقيل: القرء الخروج، إما من طهر إلى حيض، أو من حيض إلى طهر، وعلى هذا قال الشافعيّ في قول: القرء الانتقال من الطهر إلى الحيض، ولا يرى الخروج من الحيض إلى الطهر قرءًا، وكان يلزم بحكم الاشتقاق أن يكون قرءًا، ويكون معنى قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾: أي ثلاثة أدوار، أو ثلاثة انتقالات، والمطلّقة متّصفة بحالتين فقط، فتارة تنتقل من طهر إلى حيض، وتارة من حيض إلى طهر، فيستقيم معنى الكلام، ودلالته على الطهر والحيض جميعًا، فيصير المعنى مشتركًا. ويقال: إذا ثبت أن القرء الانتقال، فخروجها من طهر إلى حيض غير مراد بالآية أصلًا، ولذلك لم يكن الطلاق في الحيض طلاقًا سُنّيًّا، مأمورًا به، وهو الطلاق للعدّة، فإن الطلاق للعدّة ما كان في الطهر، وذلك يدلّ على كون القرء مأخوذًا من الانتقال، فإذا كان الطلاق في الطهر سنيًّا، فتقدير الكلام: فعدّتهنّ ثلاثة انتقالات، فأولها الانتقال من الطهر الذي وقع فيه الطلاق، والذي هو الانتقال من حيض إلى طهر، لم يُجعل قُرءًا؛ لأن اللغة لا تدلّ عليه، ولكن عَرَفْنَا، بدليل آخر، أن اللَّه تعالى لم يُرد الانتقال من حيض إلى طهر، فإذا خرج أحدهما عن أن يكون مرادًا بقي الآخر، وهو الانتقال من الطهر إلى الحيض مرادًا، فعلى هذا عدّتها ثلاثة انتقالات، أولها الطهر، وعلى هذا يمكن استيفاء ثلاثة أقراء كاملة إذا كان الطلاق في حالة الطهر، ولا يكون ذلك حملاً على المجاز بوجه ما. قال إلكيا الطبريّ: وهذا نظر دقيق في غاية الاتجاه لمذهب الشافعيّ، وُيمكن أن نذكر في ذلك سرًّا فهمه من دقائق حِكَمِ الشريعة، وهو أن الانتقال من الطهر إلى الحيض إنما جُعل قرءًا لدلالته على براءة الرحم، فإن

стр. 14815

الحامل لا تحيض في الغالب، فبحيضها عُلم براءة رحمها، والانتقال من حيض إلى طهر بخلافه، فإن الحائض يجوز أن تحبل في أعقاب حيضها، وإذا تمادى أمد الحمل، وقَوِي الولد انقطع دمها، ولذلك تمتدح العرب يحمل نسائهم في حالة الطهر، وقد مدحت عائشة رسول اللَّه ﷺ بقول الشاعر [من الكامل]: ومُبرَّإٍ مِنْ كُلِّ غُبَّرِ حَيْضَةٍ … وَفَسَادِ مُرْضِعَةِ وَدَاءِ مُغْيَلِ يعني أن أمه لم تحمل به في بقيّة حيضها. فهذا ما للعلماء، وأهل اللسان في تأويل القرء. وقالوا: قرأت المرأة قرءًا: إذا حاضت، أو طهرت، وقرأت أيضًا: إذا حملت. واتفقوا على أن القرء الوقت، فإذا قلت: والمطلّقات يتربّصن بأنفسهنّ ثلاثة أوقات، صارت الآية مفسَّرَةٌ في العدد، محتمِلَةٌ في المعدود، فوجب طلب البيان للمعدود من غيرها، فدليلنا قول اللَّه تعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾، ولا خلاف أنه يؤمر بالطلاق وقت الطهر، فيجب أن يكون هو المعتبر في العدّة، فإنه قال: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ يعني وقتًا تعتدّ به، ثم قال تعالى: ﴿وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ﴾ يريد ما تعتدّ به المطلّقة، وهو الطهر الذي تطلّق فيه. وقال ﷺ لعمر ﵁: "مره، فليراجعها، ثم ليمسكها حتى تطهر، ثم تحيض، ثم تطهر، فتلك العدّة التي أمر اللَّه أن تُطلّق لها النساء". أخرجه مسلم وغيره. وهو نصّ في أن زمن الطهر هو الذي يسمّى عدّة، وهو الذي تُطلّق فيه النساء، ولا خلاف أن من طلّق في حال الحيض لم تعتدّ بذلك الحيض، ومن طلّق في حال الطهر، فإنها تعتدّ عند الجمهور بذلك الطهر، فكان ذلك أولى. انتهى كلام القرطبيّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- (١). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قد تبيّن بما ذكر أن أرجح الأقوال في المعنى المراد من القرء في قول : ﴿ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ قول من قال: إنها الطهر، لا الحيضُ، وإن كان اللفظ يُطلق عليهما جميعًا، كما تقدّم بيانه عن أهل اللغة، إلا أن المراد في هذه الآية هو الطهر؛ بدليل توضيح النبيّ ﷺ ذلك في حديث ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما - المذكور، فبيانه أوضح بيان، وأتمّه، حيث إن اللَّه وكل بيان معنى كتابه إليه، بقوله : ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ الآية. ولقد أجاد العلامة ابن القيّم -رحمه اللَّه تعالى- في بيان الأقوال المذكورة في معنى القرء، وأدلتها، وترجيح أنه الطهر بأدلة كثيرة في كتابه الممتع "زاد المعاد" بما لا تجده مجموعًا عند

стр. 14816

غيره، ولولا خوف التطويل لنقلته بحروفه، فإن شئت فارجع إليه -٥/ ٥٩٤ - ٦٥٠. تزدد علمًا جمًّا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ٧٥ - (بَابُ نَسْخِ الْمُرَاجَعَةِ بَعْدَ التَّطْلِيقَات الثَّلَاثِ) قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: كان الأولى للمصنّف -رحمه اللَّه تعالى- تأخير هذا الباب عن الباب التالي؛ لأنه كالفرع له؛ إذ أن فيه بيان ثبوت أصل المراجعة، وهذا فيه بيان مانع المراجعة، وتقديم الأول على الثاني هو الأنسب كما لا يخفى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب. ٣٥٨١ - (حَدَّثَنَا (١) زَكَرِيَّا بْنُ يَحْيَى, قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ, قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ وَاقِدٍ, قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي, قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ النَّحْوِيُّ, عَنْ عِكْرِمَةَ, عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ, فِي قَوْلِهِ: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ , وَقَالَ: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ﴾ الآيَةَ, وَقَالَ ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ , فَأَوَّلُ مَا نُسِخَ مِنَ الْقُرْآنِ الْقِبْلَةُ, وَقَالَ: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا﴾ , وَذَلِكَ بِأَنَّ الرَّجُلَ كَانَ إِذَا طَلَّقَ امْرَأَتَهُ (٢) , فَهُوَ أَحَقُّ بِرَجْعَتِهَا, وَإِنْ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا, فَنَسَخَ ذَلِكَ, وَقَالَ: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الحديث صحيح، وقد تقدّم سندًا، ومتنًا في - ٥٤/ ٣٥٢٦ - باب "ما استثني من عدّة المطلّقات"، وفي -٦٩/ ٣٥٧٠ - "باب نسخ متاع المتوفّى عنها بما فرض لها من الميراث"، وتقدم هناك شرحه، وبيان مسائله بما فيه الكفاية، إن شاء اللَّه تعالى، فإن أردت الاستفادة، فراجعه، واللَّه تعالى وليّ التوفيق. واستدلال المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- به على ما ترجم له واضحٌ، حيث إن فيه بيان

стр. 14817

نسخ المراجعة بعد الطلاق الثلاث، وهذا مما خلاف فيه إِذا كان الطلاق مرتّبًا، وإنما الخلاف فيما إذا أوقعه بكلمة واحدة، فقد تقدّم أن الأرجح، أن له المراجعة؛ والجمهور على خلافه، فراجع المسألة في -٧/ ٣٤٣٠ - تجد جوابًا شافيًا، واللَّه تعالى وليّ التوفيق. ثم إن قوله: "وذلك بأن الرجل كان إذا طلّق امرأته إلى قوله: "فنسخ ذلك" يدلّ على أن هذا كان في أول الإسلام؛ لأن النسخ لا يكون إلا فيما شُرع في الإسلام، ثم أزيل؛ إذ النسخ رفع حكم شرعيّ بخطاب شرعيّ متراخ عنه. قال الحافظ ابن كثير -رحمه اللَّه تعالى- في "تفسيره" عند قوله تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ الآية: هذه الآية الكريمة رافعة لما كان عليه الأمر في ابتداء الإسلام من أن الرجل كان أحقّ برجعة امرأته، وإن طلّقها مائة مرّة، ما دامت في العدّة، فلما كان هذا فيه ضرر على الزوجات، قصرهم اللَّه إلى ثلاث طلقات، وأباح الرجعة في المرة، والثنتين، وأبانها بالكليّة في الثالثة. وأخرج ابن مردويه، وغيره من طريق هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها -، قالت: لم يكن للطلاق وقتٌ، يطلّق الرجل امرأته، ثم يراجعها، ما لم تنقض العدّة، وكان بين رجل من الأنصار، وبين أهله ما يكون بين الناس، فقال: واللَّه لأتركنّك لا أيّمًا، ولا ذات زوج، فجعل يُطلّقها حتى إذا كادت العدة أن تنقضي راجعها، ففعل ذلك مرارًا، فأنزل اللَّه فيه: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾، فوقت الطّلاق ثلاثًا، لا رجعة فيه بعد الثالثة، حتى تنكح زوجًا غيره. روي هذا الحديث مرسلًا وموصولًا، وصححه الحاكم، وقال الترمذي: المرسل أصح (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ٧٦ - (بَابُ الرَّجْعَةِ) قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هي -بفتح الراء، وهو الأفصح، وكسرها، وسكون

стр. 14818

الجيم- قال الفيّوميّ: الرَّجعة بالفتح بمعنى الرجوع، وفلانٌ يؤمن بالرجعة: أي بالعَوْد إلى الدنيا. وأما الرجعة بعد الطلاق، ورجعة الكتاب، فبالفتح، والكسر، وبعضهم يقتصر في رَجْعة الطلاق على الفتح، وهو أفصح. قال ابن فارس: والرجعة: مراجعة الرجل أهله، وقد تكسر، وهو يملك الرجعة على زوجته. وطلاقٌ رِجْعَى بالوجهين أيضًا انتهى. ثم إن استدلال المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- على ما ترجم له بأحاديث الباب واضح، إذ هي صريحة في مشروعيّة الرجعة بعد الطلاق. قال ابن قُدامة -رحمه اللَّه تعالى-: الرجعة ثابتة بالكتاب والستة، والإجماع، أما الكتاب فقدل اللَّه : ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ إلى قوله: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا﴾ الآية, [البقرة: ٢٢٨]. والمراد به الرجعة عند جماعة العلماء، وأهل التفسير. وقال تعالى: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ الآية، [البقرة: ٢٣١] أي بالرجعة، ومعناه: إذا قاربن بلوغ أجلهنّ، أي انقضاء عدّتهنّ. وأما السنّة، فما روى ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما -، قال: طلّقت امرأتي، وهي حائض … الحديث. متفق عليه. ثم ذكر حديث طلاق النبيّ ﷺ حفصة - رضي اللَّه تعالى عنها - الآتي آخر الباب، إن شاء اللَّه تعالى. قال: وأجمع أهل العلم أن الحرّ إذا طلّق امرأته دون الثلاث، أو العبد إذا طلّق دون الاثنتين، أن لهما الرجعة في العدّة. ذكره ابن المنذر. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا كله فيما إذا كانت المرأة مدخولًا بها، وأما إذا لم تكن مدخولًا بها، فلا رجعة لزوجها إليها. قال ابن قدامة: أجمع أهل العلم على أن غير المدخول بها تَبِين بطلقة واحدة، ولا يستحقّ مطلّقها رجعتها، وذلك لأن الرجعة إنما تكون في العدّة، ولا عدّة قبل الدخول؛ لقول اللَّه : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ [الأحزاب: ٤٩]. فبيّن اللَّه أنه لا عدّة عليها، فتبِين بمجرّد طلاقها، وتصير كالمدخول بها بعد انقضاء عدتها، لا رجعة عليها، ولا نفقة لها، وإن رغب مطلّقها فيها، فهو خاطبٌ من الخطاب، يتزوّجها برضاها بنكاح جديد، وترجع إليه بطلقتين، وإن طلّقها، ثم تزوّجها، رجعت إليه بطلقة واحدة، بغير خلاف بين أهل العلم. انتهى المقصود من

стр. 14819

كلام ابن قدامة (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب. ٣٥٧٠ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى,, قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ, قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ,, عَنْ قَتَادَةَ,, قَالَ: سَمِعْتُ يُونُسَ بْنَ جُبَيْرٍ, قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ, قَالَ: طَلَّقْتُ امْرَأَتِي, وَهِيَ حَائِضٌ, فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ عُمَرُ, فَذَكَرَ لَهُ ذَلِكَ, فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ :: «مُرْهُ أَنْ يُرَاجِعَهَا (٢) , فَإِذَا طَهُرَتْ -يَعْنِي فَإِنْ شَاءَ- فَلْيُطَلِّقْهَا» , قُلْتُ: لاِبْنِ عُمَرَ: فَاحْتَسَبْتَ مِنْهَا؟ فَقَالَ: مَا يَمْنَعُهَا, أَرَأَيْتَ إِنْ عَجَزَ, وَاسْتَحْمَقَ). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا غير مرّة. و"محمد" شيخ ابن المثنّى، هو ابن جعفر المعروف بغندر. والحديث متّفقٌ عليه، وقد سبق في أوائل "كتاب الطلاق"، وقد استوفيت هناك - بحمد اللَّه تعالى- شرحه، وبيان مسائله، فراجعه، تستفد. وقوله: "فاحتسبت منها" بضمير المتكلّم، وهو بتقدير استفهام، أي هل اعتددت بتلك التطليقة، أم لا. والظاهر أن "مِنْ" بمعنى الباء. وقوله: "ما يمنعها" "ما" استفهاميّة، استفهامًا إنكاريًّا، أي أيّ شيء يمنع من وقوع تلك التطليقة. وقوله: "إن عجز، واستحمق" أي فعل فعل الجاهل الأحمق بأن أبى عن الرجعة بلا عجز، فالواو بمعنى " أو". واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٥٨٣ - حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ خَالِدٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ, عَنِ ابْنِ إِدْرِيسَ, عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ, وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ, وَعُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ, عَنْ نَافِعٍ, عَنِ ابْنِ عُمَرَ ح وَأَخْبَرَنَا زُهَيْرٌ, عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ, عَنْ نَافِعٍ, عَنِ ابْنِ عُمَرَ, قَالُوا: إِنَّ ابْنَ عُمَرَ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ, وَهِيَ حَائِضٌ, فَذَكَرَ عُمَرُ ﵁ لِلنَّبِيِّ ﷺ , فَقَالَ: «مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا, حَتَّى تَحِيضَ حَيْضَةً أُخْرَى, فَإِذَا طَهُرَتْ, فَإِنْ شَاءَ طَلَّقَهَا, وَإِنْ شَاءَ أَمْسَكَهَا, فَإِنَّهُ الطَّلَاقُ الَّذِي أَمَرَ اللَّهُ بِهِ, قَالَ تَعَالَى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد عندهم رجال الصحيح، وتقدموا غير مرّة. و"ابن إدريس": هو عبد اللَّه الأوديّ. و"يحيى بن سعيد": هو الأنصاريّ. وقوله: "وأخبرنا زُهير" معطوفٌ على "ابن إدريس"، فهو موصول بالسند السابق، فالقائل: و"أخبرنا زهيرٌ" هو يحيى بن آدم، فهو يروي هذا الحديث عن زهير بن معاوية

стр. 14820

ابن حُديج، عن موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما -. كما رواه عن عبد اللَّه بن إدريس الأديّ، عن شيوخه الثلاثة: محمد بن إسحاق، ويحيى بن سعيد، وعبيد اللَّه بن عمر، عندهم عن نافع، عن ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما -. [تنبيه]: هذا الذي ذكرته هنا بلفظ: "وأخبرنا زهير، عن موسى بن عقبة" بـ "عن" هو الذي في "الكبرى"، وهو الصواب، كما في "تحفة الأشراف" ٦/ ٢٤٧ - ووقع في نسخ "المجتبى" بلفظ: "وأخبرنا زهير وموسى بن عقبة" بالعطف، وهو غلط فاحش، فتنبّه. والحديث متّفقٌ عليه، وقد سبق القول فيه في الحديث الماضي. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٥٨٤ - (أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ, قَالَ: أَنْبَأَنَا إِسْمَاعِيلُ, عَنْ أَيُّوبَ, عَنْ نَافِعٍ,, قَالَ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ, إِذَا سُئِلَ عَنِ الرَّجُلِ طَلَّقَ (١) امْرَأَتَهُ, وَهِيَ حَائِضٌ, فَيَقُولُ: أَمَّا إِنْ طَلَّقَهَا وَاحِدَةً أَوِ اثْنَتَيْنِ, فَإِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ , أَمَرَهُ أَنْ يُرَاجِعَهَا, ثُمَّ يُمْسِكَهَا, حَتَّى تَحِيضَ حَيْضَةً أُخْرَى, ثُمَّ تَطْهُرَ, ثُمَّ يُطَلِّقَهَا قَبْلَ أَنْ يَمَسَّهَا, وَأَمَّا إِنْ طَلَّقَهَا (٢) ثَلَاثًا, فَقَدْ عَصَيْتَ اللَّهَ, فِيمَا أَمَرَكَ بِهِ, مِنْ طَلَاقِ امْرَأَتِكَ, وَبَانَتْ مِنْكَ امْرَأَتُكَ). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا غير مرّة. و"إسماعيل": هو ابن عليّة. و"أيوب": هو السختيانيّ. وقوله: "أما إن طلّقها واحدة الخ" جوابه محذوف، أي فله المراجعة، وأما قوله: "فإن رسول اللَّه ﷺ الخ" علة للجواب. والحديث متّفقٌ عليه، وقد سبق الكلام عليه قريبًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٥٨٥ - (أَخْبَرَنَا يُوسُفُ بْنُ عِيسَى, مَرْوَزِيٌّ, قَالَ: حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ مُوسَى, قَالَ: حَدَّثَنَا حَنْظَلَةُ, عَنْ سَالِمٍ, عَنِ ابْنِ عُمَرَ, أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ, وَهِيَ حَائِضٌ, فَأَمَرَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ , فَرَاجَعَهَا). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا. و"حنظلة": هو ابن أبي سفيان الْجُمَحيّ المكيّ. والحديث أخرجه مسلم. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٥٨٦ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ, قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ: ابْنُ جُرَيْجٍ أَخْبَرَنِيهِ

стр. 14821

ابْنُ طَاوُسٍ, عَنْ أَبِيهِ,, أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ, يُسْأَلُ عَنْ رَجُلٍ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ حَائِضًا, فَقَالَ: أَتَعْرِفُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ, قَالَ: نَعَمْ, قَالَ: فَإِنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ حَائِضًا, فَأَتَى عُمَرُ النَّبِيَّ ﷺ , فَأَخْبَرَهُ الْخَبَرَ, فَأَمَرَهُ أَنْ يُرَاجِعَهَا حَتَّى تَطْهُرَ, وَلَمْ أَسْمَعْهُ يَزِيدُ عَلَى هَذَا). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا غير مرّة. و"أبو عاصم": هو الضحاك بن مخلد النبيل. و"ابن طاوس": هو عبد اللَّه. وقوله: "ولم أسمعه يزيد على هذا"، القائل: ولم أسمعه، هو ابن طاوس، يعني أنه لم يسمع أباه يحدّث بتمام الحديث، وإنما سمعه يرويه مقتصرًا على هذا القدر. ولفظ مسلم في "صحيحه": "قال: لم أسمعه يزيد على ذلك لأبيه". قال النوويّ -رحمه اللَّه تعالى- في "شرحه": قوله في آخره: "لم أسمعه يزيد على ذلك لأبيه": بالباء الموحّدة، ثم الياء المثناة من تحت. ومعناه أن ابن طاوس قال: لم أسمعه، أي لم أسمع أبي طاوسًا يزيد على هذا القدر من الحديث، والقائل: "لأبيه" هو ابن جريج، وأراد تصير الضمير في قول طاوس: لم أسمع، والسلام زائدة، فمعناه: يعني أباه، ولو قال: يعني أباه لكان أوضح انتهى (١). والحديث أخرجه مسلم. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٥٨٧ - (أَخْبَرَنَا عَبْدَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ, قَالَ: أَنْبَأَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ ح وَأَنْبَأَنَا عَمْرُو بْنُ مَنْصُورٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا سَهْلُ بْنُ مُحَمَّدٍ, أَبُو سَعِيدٍ, قَالَ: نُبِّئْتُ عَنْ يَحْيَى بْنِ زَكَرِيَّا, عَنْ صَالِحِ بْنِ صَالِحٍ, عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ, عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ, عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ, عَنْ عُمَرَ, أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ , وَقَالَ عَمْرٌو: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ , كَانَ طَلَّقَ حَفْصَةَ, ثُمَّ رَاجَعَهَا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ) (٢). رجال هذا الإسناد: عشرة: ١ - (عبدة بن عبد اللَّه) الصفّار الخزاعيّ، أبو سهل البصريّ، كوفيّ الأصل، ثقة [١١] ١٨/ ٨٠٠. ٢ - (عمرو بن منصور) أبو سعيد النسائيّ الثقة [١١] ١٠٨/ ١٤٧ من أفراد المصنّف. ٣ - (يحيى بن آدم) بن سليمان الأمويّ مولاهم، أبو زكريا الكوفيّ، ثقة حافظ فاضل، من كبار [٩] ٩٢/ ١١٤.

стр. 14822

٤ - (سهل بن محمد) بن الزبير، أبو سعيد، وقيل: أبو داود العسكريّ، نزيل البصرة، ثقة [١٠]. قال أبو حاتم: صدوق ثقة. وقال النسائيّ: ثبت. وقال مسلمة بن قاسم: ثقة. وقال أبو زرعة: كان أكيس من سهل بن عثمان. وقال أبو عوانة في "صحيحه": كان أنبل من سهل بن عثمان. وذكره ابن حبّان في "الثقات". قال ابن قانع، وأبو القاسم: مات سنة (٢٢٧). تفرد به المصنّف، وأبو داود، وله عند المصنّف في هذا الكتاب هذا الحديث فقط، وله عند أبي داود آخر أيضًا. ٥ - (يحيى بن زكريا) بن أبي زائدة الهَمْدانيّ، أبو سعيد الكوفيّ، ثقة متقن، من كبار [٩] ١٤٤/ ٢٢٦. ٦ - (صالح بن صالح) بن حيّ، ويقال: ابن صالح بن مسلم بن حيّ، ويقال: حيّان، وحيّ لقب حيّان، ثقة [٦] ٦٥/ ٣٣٤٥. [تنبيه]: وقع في في هذا السند: ما نصّه: "عن صالح بن صالح -هو ابن أخي والد الحسن وعلي بن صالح الكوفي" وهذا فيه تصحيف في موضعين، والصواب: عن صالح بن صالح -وهو ابن حيّ، والد الحسن، وعليّ ابني صالح، فلفظ "أخي" مصحّفٌ من "حي" بالحاء المهملة، وتشديد الياء، بلفظ "حيّ" ضدّ الميت، ولفظ "ابن" مصحّفٌ من لفظ "ابني" بالتثنية. والحاصل أن "حيّ" اسم جدّ صالح بن صالح، وتارة يُنسب هو إليه، فيقال: صالح ابن حي، كما مرّ في ترجمته السابق، وقوله: والد الحسن الخ بالرفع بدل من "ابن حي" أي صالح والد الحسن وعليّ ابني صالح. فتنبّه. واللَّه تعالى أعلم. ٧ - (سلمة بن كهيل) الحضرميّ، أبو يحيى الكوفيّ، ثقة [٤] ١٩٥/ ٣١٢. ٨ - (سعيد بن جبير) بن هشام الأسديّ الوالبيّ مولاهم، أبو عبد اللَّه، أو أبو محمد الكوفيّ، ثقة ثبت فقيه [٣] ٢٨/ ٤٣٦. ٩ - (ابن عباس) عبد اللَّه - رضي اللَّه تعالى عنهما - ٢٧/ ٣١. ١٠ - (عمر) بن الخطاب بن نُفيل العدويّ الخليفة الراشد - رضي اللَّه تعالى عنه - ٦٠/ ٧٥. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من ثمانيات المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم ثقات. (ومنها): أن معظمهم كوفيون. (ومنها): أن فيه كتابة (ح) إشارة إلى تحويل الإسناد، واختُلف في اختصارها، وقد أشار إلى ذلك السيوطيّ -رحمه اللَّه تعالى- في "ألفية

стр. 14823

الحديث" حيث قال: وَكَتَبُوا (ح) عِنْدَ تَكْرِيرِ سَنَدْ … فَقِيلَ مِنْ صَحَّ وقِيلَ ذَا انْفَرَدْ مِنَ الْحَدِيثِ أَوْ لِتَحْوِيلٍ وَرَدْ … أَوْ حَائِلٍ وَقَوْلُهَا لَفْظًا أَسَدٌّ (ومنها): أن فيه رواية صحابيّ، عن صحابيّ، وتابعي عن تابعيّ. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عنِ عُمَرَ) هكذا أشار في النسخة الهنديّة إلى أن في بعض النسخ بلفظ "عن عمر"، وعندي أن هذا هو الصواب، وأما الذي في معظم نسخ "المجتبى" بلفظ: "عن ابن عمر"، بزيادة لفظة "ابن"، فغلط؛ لأن هذا الحديث من رواية ابن عبّاس، عن عمر بن الخطاب ﵃، فقد أخرج الحديث أبو داود برقم -٢٢٨٣ - ، وابن ماجه برقم ٢٠١٦ - والدارميّ برقم ٢٢١٦٤ - ، كلهم من رواية ابن عباس، عن عمر ﵁، وكذا أورده الحافظ المزّيّ في "تحفة الأشراف" ٨/ ٤٢ - ٤٣ - في مسند عمر بن الخطّّاب، لا في مسند ولده عبد اللَّه بن عمر، بل لا يوجد لابن عبّاس رواية عن ابن عمر ﵃ في الكتب الستة أصلًا، كما يظهر من مراجعة "تحفة الأشراف" في مسند ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما -. وهذا أيضًا هو الذي يظهر من نسخة "السنن الكبرى" للمصنّف حيث إن لفظ "ابن" وقعت فيه بين قوسين ملحقة هكذا عن [ابن] عمر، وهذا يدل على أن لفظ "ابن" ملحقة من الكاتب لما رآها في بعض النسخ، أو في نسخ "المجتبى"؛ ظنًّا منه أن الصواب إلحاقها، مع أن الصواب هو العكس. والحاصل أن لفظ "ابن" الواقع في معظم النسخ غلط، فليُتنبه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب. (أنَّ النَّبِيَّ ﷺ ، وقال عمْرٌو) يعني منصور شيخه الثاني (إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ) يعني شيخيه اختلفا في لفظ "النبي"، و"رسول اللَّه" (كَانَ طَلَّقَ حَفْصَةَ) بنت عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما - (ثُمَّ رَاجَعَهَا) أي بأمر اللَّه تعالى له بذلك. فقد أخرج ابن سعد مرسلًا من طريق أبي عمران الْجَوْنيّ، عن قيس بن زيد: "أن رسول اللَّه ﷺ طلّق حفصة تطليقة، ثم ارتجعها، وذلك أن جبريل قال له: ارجع حفصةَ، فإنها صوّامة، قوّامة، وإنها زوجتك في الجنّة". وأخرج عن (١) عثمان بن أبي شيبة، عن حميد، عن أنس ﵁ أن النبيّ ﷺ

стр. 14824

طلّق حفصة، ثم أُمِر أن يراجعها، فراجعها. وروى موسى بن عُلي، عن أبيه، عن عقبة ابن عامر ﵁، قال: "لما طلّق رسول اللَّه ﷺ حفصة بنت عمر - رضي اللَّه تعالى - عنهما، فبلغ ذلك عمر، فحثا التراب على رأسه، وقال: ما يعبأ اللَّه بعمر، وابنته بعدها، فنزل جبريل من الغد على النبيّ ﷺ ، فقال: إن اللَّه يأمرك أن تراجع حفصة؛ رحمة لعمر". وفي رواية أبي صالح، عن أبي عمر (١) دخل عمر على حفصة، وهي تبكي، فقال: لعل رسول اللَّه ﷺ قد طلّقك، إنه كان قد طلّقك مرّة، ثم راجعك من أجلي، فإن كان طلّقك مرّة أخرى، لا أكلّمك أبدًا". أخرجه أبو يعلى (٢). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث عمر - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا صحيح. [فإن قلت]: في سنده انقطاع، حيث وقع بلفظ "نُبّئتُ" بالبناء للمجهول، ولم يُعرف المنبّىء، فكيف يصح؟. [قلت]: هذا بالنسبة لسهل بن محمد، في رواية المصنّف، أما سند عبدة بن عبد اللَّه فليس فيه ذلك. بل وقع في رواية أبي داود التصريح من سهل بن محمد نفسه بأن يحيى بن زكريا أخبره، ولفظه: "حدثنا سهل بن محمد بن الزبير العسكريّ، أخبرنا يحيى بن زكريا بن أبي زائدة … ". وفي رواية ابن ماجه -١/ ٢٠١٦ - : حدثنا سُويد بن سعيد، وعبد اللَّه بن عامر بن زُرارة، ومسروق بن الْمَرْزُبان، قالوا: حدّثنا يحيى بن زكريا بن أبي زائدة، عن صالح بن صالح بن حيّ … ". وفي رواية الدارميّ -٢٢٦٤ - : حدثنا إسماعيل بن خليل، وإسماعيل بن أبان، قالا: ثنا يحيى بن أبي زائدة، عن صالح بن صالح … والحاصل أن السند متّصلٌ صحيح، والحمد للَّه. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٧٦/ ٣٥٨٧ - وفي "الكبرى" ٧٦/ ٥٧٥٥. وأخرجه (د) في "الطلاق" ٢٢٨٣ (ق) في "الطلاق" ٢٠١٦ (الدارمي) في "الطلاق" ٢٢١٦٤. واللَّه تعالى أعلم.

стр. 14825

(المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان مشروعيّة الرجعة. (ومنها): بيان ما كان يحصل للنبيّ ﷺ من المشكلة الزوجيّة، حتى يؤدّي ذلك إلى أن يفارق أهله، وذلك تشريعًا لأمته، كيف يطلّقون، وكيف يراجعون، ورفعًا لدرجاته ﷺ ؛ لأن ذلك من المصائب الدنيويّة التي يؤجر عليها العبد، حيث يلحقه بسببه الغمّ والهمّ. (ومنها): بيان فضيلة عمر بن الخطّاب - رضي اللَّه تعالى عنه -، حيث إن اللَّه تعالى أمر نبيّه ﷺ بمراجعة ابنته بعد طلاقها، رحمة به ﵁. (ومنها): بيان منقبة أم المؤمنين حفصة - رضي اللَّه تعالى عنها -، حيث أمر اللَّه تعالى نبيّه ﷺ بمراجعتها بعد الطلاق، وأخبره بأنها زوجته في الجنّة. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ٢٧ - (كِتَابُ الْخَيْلِ) قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: كان الأولى للمصنّف -رحمه اللَّه تعالى- تقديم هذا الكتاب إلى "كتاب الجهاد"، كما فعل في "الكبرى"، حيث ذكره عقب "كتاب الجهاد". و"الخيل": الفُرسان. وفي "المحكم": جماعة الأفراس، لا واحد له من لفظه. قال أبو عبيدة: واحدها خائل؛ لأنه يختال في مشيته. قال ابن سيده: وليس هذا بمعروف. وفي "التنزيل العزيز": ﴿وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ﴾، أي بفرسانك، ورَجّالتك. قاله في "اللسان". وفي "المصباح": الخيل: معروف، وهي مؤنّثة، ولا واحد لها من لفظها، والجمع خُيُول، قال بعضهم: وتُطلَق الخيل على العراب، وعلى الْبَرَاذين، وعلى الفُرْسان، وسُمّيت خيلًا؛ لاختيالها، وهو إعجابها بنفسها مَرَحًا، ومنه خُيَلاءُ وهو الكبر، والإعجاب انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب. ٣٥٨٨ - (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ, قَالَ: حَدَّثَنَا مَرْوَانُ -وَهُوَ ابْنُ مُحَمَّدٍ- قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ صَالِحِ بْنِ صَبِيحٍ الْمُرِّيُّ, قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي عَبْلَةَ, عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْجُرَشِيِّ, عَنْ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ, عَنْ سَلَمَةَ بْنِ نُفَيْلٍ الْكِنْدِيِّ, قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ , فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ, أَذَالَ النَّاسُ الْخَيْلَ, وَوَضَعُوا السِّلَاحَ,

стр. 14826

وَقَالُوا: لَا جِهَادَ, قَدْ وَضَعَتِ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا, فَأَقْبَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِوَجْهِهِ, وَقَالَ: «كَذَبُوا الآنَ, الآنَ جَاءَ الْقِتَالُ, وَلَا يَزَالُ مِنْ أُمَّتِي, أُمَّةٌ يُقَاتِلُونَ عَلَى الْحَقِّ, وَيُزِيغُ اللَّهُ لَهُمْ قُلُوبَ أَقْوَامٍ, وَيَرْزُقُهُمْ مِنْهُمْ, حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ, وَحَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ, وَالْخَيْلُ مَعْقُودٌ فِي نَوَاصِيهَا الْخَيْرُ, إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ, وَهُوَ يُوحَى إِلَيَّ أَنِّي مَقْبُوضٌ, غَيْرَ مُلَبَّثٍ, وَأَنْتُمْ تَتَّبِعُونِي أَفْنَادًا, يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ, وَعُقْرُ دَارِ الْمُؤْمِنِينَ الشَّامُ»). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (أحمد بن عبد الواحد) بن واقد التميميّ المعروف بابن عَبُّود الدمشقيّ، صدوق [١١]. قال ابن عساكر: ذكره محمد بن يحيى بن أحمد الفقيه، فقال: ثقة. وقال النسائيّ: صالحٌ، لا بأس به. وقال العقيليّ، وابن أبي عاصم، وغيرهما: ثقة. وقال أبو الدَّحْدَاح: توفي سنة (٢٥٤) زاد إبرهيم بن عبد الرحمن القرشيّ: في ليلة الجمعة، لليلتين خلتا من شوّال. تفرد به المصنّف، وأبو داود، وله عند المصنّف في هذا الكتاب حديثان فقط: هذا الحديث، و ٤٦، ٤٧/ ٤٨٨٣ - حديث أبي بكر بن عمرو بن حزم: "هذا بيان من اللَّه ورسوله، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ … وله عند أبي داود حديث واحد ٣٥٩٤ - "الصلح جائز بين المسلمين … ". ٢ - (مروان بن محمد) الأسديّ الدمشقيّ الطاطَرِيّ، ثقة [٩] ١٢٨/ ١٠٩١. ٣ - (خالد بن يزيد بن صالح بن صُبَيح) بن الْخَشْخَاش بن معاوية بن سُفيان المُزِّيّ- بضمّ الميم، وبالراء- أبو هاشم الدمشقيّ، قاضي البلقاء، قرأ القرآن على عبد اللَّه بن عامر، ثقة [٧]. قال العجليّ، ودُحيم، وأبو حاتم: ثقة. زاد ابن أبي حاتم: وصدوق، وهو أمتن من خالد بن يزيد بن أبي مالك، وأوثق من ابنه عِرَاك. وقال أحمد بن رِشدين: قيل لأحمد ابن صالح: فخالد بن يزيد بن صُبيح، كأنه أرفع من هؤلاء، وأنبل، فشدّ يده، وقال: نعم. وقال النسائيّ: ليس به بأس. وقال الدارقطنيّ: يُعتبر به. وذكره ابن حبّان في "الثقات". قال أبو زرعة الدمشقيّ: حدثني ابن عِراك بن خالد، عن أبيه، أن جدّه خالد ابن يزيد المزّيّ تُوفي قبل سعيد بن عبد العزيز بنحوِ من سنة، ابن تسع وثمانين، وتوفّي سعيد سنة (١٦٧). روى له المصنّف، وأبو داود في "المراسيل"، وابن ماجه، وله عند المصنّف في هذا الكتاب هذا الحديث فقط. [تنبيه]: "صُبيح" الجد الأعلى لخالد هذا بضمّ الصاد المهملة، وفتح الموحّدة بصيغة التصغير، كما نصّ عليه الحافظ ابن ماكولا في "الإكمال" ٥/ ١٧٠. فما وقع في النسخ

стр. 14827

المطبوعة من "المجتبى" من ضبطه بالقلم بفتح أوله، وكسر ثانيه، مكبّرا، فغلط، فليُتنبّه. واللَّه تعالى أعلم. ٤ - (إبراهيم بن أبي عَبْلَة) -بفتح العين المهملة، وسكون الموحّدة- واسمه شِمْر- بكسر المعجمة- ابن يقظان، أبو إسماعيل الشامّي، ثقة [٥] / ٢١/ ٥٣٥ (١). ٥ - (الوليد بن عبد الرحمن الْجُرَشيّ) -بضمّ الجيم، وفتح الراء-: الحمصيّ الزَّجَّاج، ثقة [٤] ١٠٣/ ١٣٦٤. ٦ - (جُبير بن نُفير) الحضرميّ الحمصيّ، ثقة جليل مخضرم [٢] ٥٠/ ٦٢. ٧ - (سلمة بن نُفيل) -بنون، وفاء، مصغّرًا- السكونيّ، ثم التَّرّاغِميّ الحضرميّ، له صحبة، قاله أبو حاتم، والبخاريّ، سكن حمص، وأصله من اليمن. روى عن النبيّ ﷺ . وعنه جُبير بن نُفير، وضمرة بن حبيب، والوليد بن عبد الرحمن الجرَشيّ، والصحيح أن بينهما جُبير بن نُفير. تفرّد به المصنّف بحديث الباب فقط. يقال: ما له غيره، لكن قال في "الإصابة": وجدت له حديثًا آخر، أخرجه الطحاويّ، وهو في زيادات أبي عوانة من "صحيحه" انتهى (٢). واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سباعيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم ثقات. (ومنها): أنه مسلسلٌ بالشاميين. (ومنها): أن فيه ثلاثة من التابعين يروي بعضهم عن بعض: إبراهيم، عن الوليد، عن جبير بن نُفير. (ومنها): أن صحابيّه من المقلين من الرواية، فليس له إلا حديثان فقط، كما مرّ آنفًا. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ سَلَمَةَ بْنِ نُفَيْلٍ الْكِنْدِيِّ) - رضي اللَّه تعالى عنه -، أنه (قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رسُول اللَّهِ، أَذَالَ النَّاسُ الْخَيْلَ) -بالذال المعجمة- أي أهانوها، يقال: ذال الشيءُ يَذِيل، من باب باع: هان، وأذلته أنا: أهنته، ولم أُحسن القيام به. وإذالة الخيل: امتهانها بالعمل، والحمل عليها. أفاده في "اللسان". والمراد هنا أنهم أهانوها، واستخفّوا بها بقلّة الرغبة فيها. وقيل: أراد أنهم وضعوا أداة الحرب عنها، وأرسلوها (وَوَضَعُوا السَّلَاحَ) أي تركوه، ولم يستعملوه في قتال

стр. 14828

العدوّ (وَقَالُوا: لَا جِهَادَ، قدْ وَضَعَتِ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا) -بفتح الهمزة- جمع وِزر -بكسر الواو، وسكون الزاي-: الثِّقْلُ، ومنه وزير الملك؛ لأنه يتحمّل عنه الأثقال: أي انقضى أمر الحرب، وخفّت أثقالها، فلم يبقَ قتال. وقيل في معنى قوله تعالى: ﴿حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا﴾ أي إلى أن يضع الأعداء المحاربون أوزارهم، وهو سلاحهم بالهزيمة، أو الموادعة، ويقال: للكُرَاع أوزار، قال الأعشى [من المتقارب]: وَأَعْدَدتَ لِلْحَرْبِ أَوْزَارَهَا … رِمَاحًا طِوَالاً وَخَيْلًا ذُكُورَا وَمِنْ نَسْجِ دَاوُدَ يَحْدِي بِهَا … عَلَى أَثَرِ الْحَيّ عَيْرًا فَعَيْرَا أفاده القرطبيّ (١). (فَأَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِوَجْهِهِ) حتى يكون خطابه مواجهة؛ لأنه المؤثّر في نفوس المخاطبين (وَقَالَ: "كَذَبُوا) بتخفيف الذال المعجمة (الآنَ الآنَ) منصوب على الظرفيّة، ثم يحتمل أن يكون الأول متعلّقًا بما قبله، أي كذبوا الآن، أي في الوقت الذي تحدّثوا فيه بأنه لا جهاد. ويحتمل أن يكون الثاني تأكيدًا للأول، والعامل فيهما قوله (جَاءَ الْقِتَالُ) أي شرع اللَّه تعالى القتال الآن، فكيف يُرفع عنهم سريعًا. أو المعنى: بل الآن اشتدّ القتال، فإنهم قبل ذلك كانوا في أرضهم، واليوم جاء وقت الخروج إلى الأراضي البعيدة. (وَلَا يَزَالُ) بالتحتانيّة، وفي نسخة: "تزال" بالفوقانيّة (مِنْ أُمَّتِي، أُمَّةٌ يُقَاتِلُونَ عَلَى الْحَقِّ) أي لأجل إظهار الحقّ (ويُزِيغُ اللَّهُ) بضمّ أوّله، من الإزاغة، وهو الإمالة، والغالب استعماله في الميل عن الحقّ إلى الباطل (لَهُم قُلُوبَ أَقْوَامٍ، وَيَرْزُقُهُمْ مِنْهُمْ) قال السنديّ: والمراد يميل اللَّه تعالى لهم، أي لأجل قتالهم، وسعادتهم قلوبَ أقوام عن الإيمان إلى الكفر؛ ليقاتلوهم، ويأخذوا مالهم. ويحتمل على بعد أن المراد يميل اللَّه تعالى قلوب أقوام إليهم؛ ليعينوهم على القتال، ويرزق اللَّه تعالى أولئك الأقوام المُعِينين من هؤلاء الأمة بسبب إحسان هؤلاء إلى أولئك. فالمراد بالأمة الرؤساء، وبالأقوام الأتباع، وعلى الأول المراد بالأمة المجاهدون من المؤمنين، وبالأقوام الكفرة. واللَّه تعالى أعلم. (حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ) المراد أن تاتي علاماتها "الكبرى" وذلك طلوع الشمس من مغربها، وذلك حين لا ينفع نفسًا إيمانها، لم تكن آمنت من قبل، أو كسبت في إيمانها خيرًا، والريح الطيّبة التي يبعثها اللَّه تعالى في آخر الزمان، تقبض رُوح كلّ مؤمن،

стр. 14829

ويبقى شرار الناس، فيتهارجون تهارج الحُمُر (١)، فعليهم تقوم الساعة، كما في الحديث الطويل في "صحيح مسلم" في خبر الدجّال، من "كتاب الفتن". (وَحَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ) أي ما وعده من قيام الساعة، فيكون العطف على سابقه، من عطف المؤكِّد على المؤكَّد. (وَالْخَيْلُ مَعْقُودٌ فِي نَوَاصِيهَا الْخَيْرُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ) جاء تفسير الخير في حديث آخر عند البخاريّ، وغيره من حديث عروة البارقيّ ﵁: "أن النبيّ ﷺ قال: "الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة: الأجر والمغنم". وقوله: "الأجر والمغنم" بدل من "الخير"، أو خبر مبتدإ محذوف، أي هو الأجر والمغنم. ووقع عند مسلم من رواية جرير، عن حُصين، قالوا: بم يا رسول اللَّه؟ قال: "الأجر والمغنم". والمراد بالخيل هنا ما يُتّخذ للغزو، بأن يُقاتل عليه، أو يُرتبط لأجل ذلك؛ لقوله في الحديث الآتي: "الخيل ثلاثة … " الحديث، فقد روى أحمد من حديث أسماء بنت يزيد - رضي اللَّه تعالى عنها -، مرفوعًا: "الخيل في نواصيها الخير معقود إلى يوم القيامة، فمن ربطها عُدّةً في سبيل اللَّه، وأنفق عليها احتسابًا، كان شبعها، وجوعها، وريّها، وظمؤها، وأرواثها، وأبوالها فلاحًا في موازينه يوم القيامة … " الحديث. قال الطيبيّ: يحتمل أن يكون الخير الذي فُسّر بالأجر والمغنم استعارة لظهوره، وملازمته. وخصّ الناصية لرفعة قدرها، وكأنه شبّهه لظهوره بشيء محسوس معقود على مكان مرتفع، فنسب الخير إلى لازم المشبّه به، وذكر الناصية تجريدًا للاستعارة. والمراد بالناصية هنا الشعر المسترسل على الجبهة. قاله الخطّابيّ وغيره. قالوا: ويحتمل أن يكون كَنَى بالناصية عن جميع ذات الفرس، كما يقال: فلانٌ مبارك الناصية. ويبعده لفظ الحديث، فقد روى مسلم من حديث جرير ﵁، قال: رأيت رسول اللَّه ﷺ يَلْوِي ناصية فرسه بأصبعه، ويقول … " فذكر الحديث. فيحتمل أن تكون الناصية خُصّت بذلك؛ لكونها المقدم منها، إشارة إلى أن الفضل في الإقدام بها على العدو، دون المؤخّر؛ لما فيه من الإشارة إلى الإدبار. ذكره في "الفتح" (٢). (وَهُوَ يُوحَى إِلَيّ أنِّي مَقْبُوضٌ) يحتمل أن يكون "هو" ضمير راجعًا إلى اللَّه تعالى، و"يوحي" -بكسر الحاء المهملة مبنيًّا للفاعل-: أي يوحي اللَّه إليَّ بأني سأموت قريبًا. ويحتمل أن يكون ضمير الشأن، و"يوحَى" مبنييًّا للمفعول: أي الشأن أنه يوحى إلّي كوني ميتًا عن قريب. واللَّه تعالى أعلم (غَيْرُ مُلَبَّثِ) برفع "غير" صفة

стр. 14830

لـ "مقبوض"، و"ملبث" اسم مفعول من لبّثه غيره، أو من لبّثه بالتشديد، أي غير مؤخّر في الدنيا، بل أنتقل للدار الآخرة (وَأَنْتُمْ تَتَّبِعُونِي) أي تكونون بعدي، فإن التابع يكون بعد المتبوع، أو تلحقون بي بالموت (أَفْنَادًا) -بفتح الهمزة- جمع فِنْد -بكسر الفاء، وسكون النون، بعدها دال مهملة- كحِمْل وأحمال. قال ابن الأثير: أي جماعات متفرقين، قومًا بعد قوم، واحدهم فِنْدٌ. والفِنْد: الطائفة من الليل. ويقال: هو فِنْدٌ على حدة: أي فِئَةٌ. انتهى (١). (يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ) جملة في محلّ نصب لـ "أفنادًا" (وعُقْرُ دَارِ الْمُؤْمِنِينَ الشَّامُ) قال ابن الأثير: بضم العين، وفتحها: أي أصلها، وموضعها، كأنه أشار إلى وقت الفتن، أي تكون الشام يومئذ أمنًا منها، وأهل الإسلام بها أسلم انتهى (٢). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث سلمة بن نُفيل - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا صحيح. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-١/ ٣٥٨٨ - وفي "الكبرى" ١/ ٤٤٠١. وأخرجه (الدارمي) في "المقدّمة" ٥٥. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان فضل الخيل. (ومنها): أن الجهاد قائم إلى قيام الساعة، والمراد قربها، وهو وقت مجيئ العلامات "الكبرى" كما مرّ بيانه آنفًا، ففيه بشرى ببقاء الإسلام، وأهله إلى يوم القيامة؛ لأن من لازم بقاء الجهاد بقاء المجاهدين، وهم المسلمون. وقد وردت أحاديث كثيرة بمعناه: [فمنها]: حديث المغيرة ﵁، مرفوعًا: "لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين، حتى يأتيهم أمر اللَّه، وهم ظاهرون". متّفق عليه. [ومنها]: "حديث معاوية ﵁، مرفوعًا: "لا تزال طائفة من أمتي قائمة بأمر اللَّه، لا يضرّهم من خذلهم، ولا من خالفهم، حتى يأتي أمر اللَّه، وهم ظاهرون على الناس". [ومنها]: حديث ثوبان ﵁، مرفوعًا: "لا تزال طائفة من أمتي، ظاهرين على

стр. 14831

الحقّ، لا يضرّهم من خذلهم، حتى يأتي أمر اللَّه، وهم كذلك". أخرجه مسلم. [ومنها]: حديث جابر ﵁، مرفوعًا: "لا تزال طائفة من أمتي، يقاتلون على الحقّ، ظاهرين إلى يوم القيامة، فينزلُ عيسى بن مريم ﵇، فيقول أميرهم: تعال صلّ لنا، فيقول: لا، إن بعضكم على بعض أميرٌ، تكرمةَ اللَّه لهذه الأمّة". أخرجه مسلم. [ومنها]: حديث عمران بن حصين - رضي اللَّه تعالى عنهما -، مرفوعًا: "لا تزال طائفة من أمتي، يقاتلون على الحقّ، ظاهرين على من ناوأهم، حتى يقاتل آخرهم المسيح الدجّال". أخرجه أحمد، وأبو داود، وصححه الحاكم. [ومنها]: حديث عقبة بن عامر ﵁، مرفوعًا: "لا تزال عصابة من أمتي يقاتلون على الحقّ، لا يضرّهم من خالفهم حتى تأتيهم الساعة، وهم على ذلك". أخرجه مسلم. [ومنها]: حديثه أيضًا مرفوعًا: "لا تزال عصابة من أمتي يقاتلون على أمر اللَّه، قاهرين لعدوّهم، لا يضرهم من خالفهم، حتى تاتيهم الساعة، هم على ذلك". أخرجه مسلم. وغير ذلك من الأحاديث الكثيرة في هذا المعنى. واللَّه تعالى أعلم. (ومن فوائد الحديث أيضًا): أن فيه علمًا من أعلام النبوّة، حيث إنه ﷺ حدّث بما سيكون بعده في أمته، من قتال بعضهم بعضًا. (ومنها): ما قال عياض: في قوله ﷺ : "الخيل معقود في نواصيها الخير" مع وجيز لفظه من البلاغة، والعذوبة ما لا مزيد عليه في الحسن، مع الجناس السهل الذي بين الخيل والخير. (ومنها): أن فيه تفضيل الخيل على غيرها من الدوابّ؛ لأنه لم يأت عنه ﷺ في شيء غيرها مثل هذا القول. قاله ابن عبد البرّ. وسيأتي للمصنّف -٢/ ٣٥٩١ - حديث أنس ﵁: "لم يكن شيء أحبّ إلى رسول اللَّه ﷺ بعد النساء من الخيل". (ومنها): أن فيه إشارة إلى أن المال الذي يُكتسب باتخاذ الخيل من خير وجوه الأموال، وأطيبها، والعرب تسمّي المال خيرًا. كما قيل في قوله تعالى: ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ﴾. قاله الخطّابيّ. (ومنها): أن الإمام البخاريّ -رحمه اللَّه تعالى- استدلّ في "صحيحه" بقوله ﷺ : "الخيل مقعود بنواصيها الخير إلى يوم القيامة" أن الجهاد ماضٍ مع البرّ والفاجر. وقد سبقه إلى هذا الاستدلال الإمام أحمد -رحمه اللَّه تعالى-، ووجه ذلك أنه ﷺ ذكر بقاء الخير في نواصي الخيل إلى يوم القيامة، وفسّره بالأجر والمغنم، والمغنمُ المقترنُ بالأجر إنما يكون من الخيل بالجهاد، ولم يقيّد ذلك بما إذا كان الإمام عادلًا، فدلّ على أن لا فرق في حصول هذا الفضل بين أن يكون الغزو مع الإمام العادل، أو الجائر. أفاده في "الفتح" (١).

стр. 14832

(ومنها): أن الخطّابيّ -رحمه اللَّه تعالى- استنبط منه إثبات سهم للفرس، يستحقّه الفارس من أجله. قال الحافظ -رحمه اللَّه تعالى-: فإن أراد السهم الزائد للفارس على الراجل، فلا نزاع فيه، وإن أراد أن للفرس سهمين، غير سهم راكبه، فهو محلّ النزاع، ولا دلالة من الحديث عليه انتهى (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٥٨٩ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ يَحْيَى بْنِ الْحَارِثِ, قَالَ: حَدَّثَنَا مَحْبُوبُ بْنُ مُوسَى, قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ -يَعْنِي الْفَزَارِيَّ- عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ, عَنْ أَبِيهِ, عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «الْخَيْلُ مَعْقُودٌ فِي نَوَاصِيهَا الْخَيْرُ, إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ, الْخَيْلُ ثَلَاثَةٌ: فَهِيَ لِرَجُلٍ أَجْرٌ, وَهِيَ لِرَجُلٍ سَتْرٌ, وَهِيَ عَلَى رَجُلٍ وِزْرٌ, فَأَمَّا الَّذِي هِيَ لَهُ أَجْرٌ, فَالَّذِي يَحْتَبِسُهَا, فِي سَبِيلِ اللهِ, فَيَتَّخِذُهَا لَهُ, وَلَا تُغَيِّبُ فِي بُطُونِهَا شَيْئًا, إِلاَّ كُتِبَ لَهُ بِكُلِّ شَيْءٍ, غَيَّبَتْ فِي بُطُونِهَا أَجْرٌ, وَلَوْ عَرَضَتْ لَهُ مَرْجٌ …». وَسَاقَ الْحَدِيثَ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (عمرو بن يحيى بن الحارث) الحمصيّ الثقة [٢١] ٦٧/ ٢٣٢٩، من أفراد المصنف. ٢ - (محبوب بن موسى) أبو صالح الأنطاكيّ الفراء، صدوق [١٠]. قال أبو حاتم: هو أحبّ إليّ من المسيَّب بن واضح. وقال العجليّ: ثقة، صاحب سنة. وقال الآجريّ، عن أبي داود: ثقة لا يُلتفتُ إلى حكايته إلا من كتاب. وذكره ابن حبّان في "الثقات"، وقال: متقنٌ فاضل. وقال الدارقطنيّ: صويلحٌ، وليس بالقويّ. مات سنة (٢٣٠) وقيل: (٢٣١) وهو ابن (٧٩) سنة. تفرد به المصنّف، وأبو داود، وله عند المصنّف في هذا الكتاب أحد عشر حديثًا: هذا وفي "كتاب قسم الفيء" ١/ ٤١٦٢ و٤١٦٥ و ٤١٦٨ و ٤١٦٩ و ٤١٧٧٠ و ٤١٧٧١ و ٤١٧٧٢ و ٤١٧٧٣ و ٤١٧٧٤ وفي "كتاب الزينة" - "وصل الشعر بالخرق" ٦٨/ ٥٢٧٤. ٣ - (أبو إسحاق الفزاريّ) إبراهيم بن محمد بن الحارث بن أسماء بن خارجة الكوفيّ الإمام الحافظ الثقة، ذو التصانيف [٨] ٥٨/ ٨٦٣. ٤ - (سُهيل بن أبي صالح) ذكوان، أبو يزيد المدنيّ، صدوق تغيّر حفظه بآخره، روى له البخاريّ مقرونًا وتعليقًا [٦] ٣٢/ ٨٢٠. ٥ - (أبوه) أبو صالح ذكران السمّان الزيّات المدنيّ، ثقة ثبت [٣] ٣٦/ ٤٠. ٦ - (أبو هريرة) - رضي اللَّه تعالى عنه - ١/ ١. واللَّه تعالى أعلم.

стр. 14833

لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح غير شيخه، وشيخ شيخه كما مرّ آنفًا. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين من سهيل. (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه؛ ومنها: أن فيه أبا هريرة ﵁ أحفظ من روى الحديث في دهره، روى (٥٣٧٤) حديثًا. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) - رضي اللَّه تعالى عنه -، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "الْخَيْلُ مَعْقُودٌ فِي نَوَاصِيهَا" جمع ناصية، وهي الشعر المنسدل على الجبهة (الْخَيْرُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ) متعلّقٌ بـ "معقود". وفهم منه دوام حكم الجهاد إلى يوم المعاد. وهذا الكلام جَمَعَ من أصناف البديع ما يعجز منه كلُّ بليغ، ومن سُهولة الألفاظ ما يعجب، ويُستطاب. قاله أبو العبّاس القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى- (١) (الْخَيْلُ ثَلَاثَةٌ) وفي رواية: "الخيل لثلاثة". ووجه الحصر في الثلاثة أن الذي يقتني الخيل، إما أن يقتنيها للركوب، أو للتجارة، وكلّ منهما، إما أن يقترن به فعل طاعة اللَّه، وهو الأول، أو معصيته، وهو الأخير، أو يتجرّد عن ذلك، وهو الثاني. قاله في "الفتح" (٢) (فَهِيَ لِرَجُلٍ أَجْرٌ) هذا هو أحد الثلاثة، أي هي سبب الأجر له عند اللَّه تعالى (وَهِيَ لِرَجُلٍ سَتْرٌ) هذا الثاني، وهو بكسر، فسكون: أي ساتر له تستره عن مذلّة سؤال الناس، أو هو بفتح، فسكون: مصدر ستر يستر، من باب قتل، وصفت بالمصدر للمبالغة، كقولهم زيد عَدْلٌ (وَهِيَ عَلَى رَجُلٍ وِزْرٌ) هذا الثالث، وهو بكسر، فسكون -أي سبب اكتساب الإثم له (فَأَمَّا الَّذِي هِيَ لَهُ أَجْرٌ, فَالَّذِى يَحْتَبِسُهَا) أي يرتبطها، ويقتنيها، وفي نسخة: "يحبسها"، وهو بكسر الموحّدة، من باب ضرب (فِي سَبِيلِ اللهِ) أي لأجل إعلاء كلمة اللَّه تعالى، والمراد به الجهاد (فَيَتَّخِذُهَا لَهُ) الضمير لـ"سبيل اللَّه" يعني أن الذي دفعه لاتخاذها هو قصد الجهاد عليها (وَلَا تُغَيِّبُ) بضمّ أوله، وتشديد الياء، من التغييب، والضمير للخيل (فِي بُطُونِهَا شَيْئًا) أي لا يستقرّ في بطنها شيء من المأكولات (إِلاَّ كُتِبَ) بالبناء للمفعول (لَهُ بِكُلِّ شَيْءٍ غَيَّبَتْ فِي بُطُونِهَا أَجْرٌ وَلَوْ عَرَضَتْ لَهُ مَرْجٌ) هكذا نسخ "المجتب" "عرضت" بتاء التأنيث؛ وذلك نظرًا لمعنى المرج، بفتح الميم، وسكون الراء، بعدها جيم: وهي -كما في "النهاية" -: الأرض الواسعة، ذات نبات كثير، تَمْرُجُ فيه الدوابُّ، أي تُخَلَّى،

стр. 14834

تَسْرَح مختلطةً، كيف شاءت (١). ولفظ "الكبرى": "ولو عرض" بدون التاء؛ نظرًا للفظ "مرج"، حيث إنه مذكّر. وقوله (وَسَاق الْحَدِيثَ) أي ساق الحديث بتمامه، والضير يحتمل أن يكون لأبي هريرة ﵁، أو أبي صالح، فعلى هذا يكون الحديث الآتي هو تمام الحديث، ويحتمل أن يكون لسهيل، أو من دونه، فلا يكون الحديث الآتي تمامه، وقد ساقه مسلم -رحمه اللَّه تعالى- في "صحيحه" مطوّلًا، من طريق سهيل، فقال: وحدثني محمد بن عبد الملك الأموي، حدثنا عبد العزيز بن المختار، حدثنا سهيل ابن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "ما من صاحب كنز، لا يؤدي زكاته، إلا أُحْمِيَ عليه في نار جهنم، فيُجعَل صفائح، فيُكوَى بها جنباه وجبينه، حتى يَحكُم اللَّه بين عباده، في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، ثم يُرَى سبيله، إما إلى الجنة، وإما إلى النار، وما من صاحب إبل، لا يؤدي زكاتها، إلا بُطِحَ لها بِقَاعٍ قَرْقَرِ (٢)، كأوفر ما كانت، تَستَنُّ عليه (٣)، كلما مضى عليه أُخراها، رُدّت عليه أولاها، حتى يحكم اللَّه بين عباده، في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، ثم يرى سبيله، إما إلى الجنّة، وإما إلى النار، وما من صاحب غنم، لا يؤدي زكاتها، إلا بُطِح (٤) لها بقاع قرقر، كأوفر ما كانت، فتطؤه بأظلافها، وتَنطِحه بقرونها، ليس فيها عقصاء، ولا جلحاء (٥)، كلما مضى عليه أخراها، ردت عليه أولاها، حتى يحكم اللَّه بين عباده، في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة مما تعدون، ثم يرى سبيله إما إلى الجنّة، وإما إلى النار"، قال سهيل: فلا أدري اذكر البقر، أم لا؟، قالوا: فالخيل يا رسول اللَّه ﷺ ، قال: "الخيل في نواصيها"، أو قال: "الخيل معقود في نواصيها" -قال سهيل: أنا اشك- "الخير إلى يوم القيامة، الخيل ثلاثة، فهي لرجل أجر، ولرجل ستر، ولرجل وزر، فأما التي هي له أجر، فالرجل يتخذها في سبيل اللَّه، ويُعِدّها له، فلا تُغيِّب شيئًا في بطونها، إلا كتب اللَّه له أجرا، ولو رعاها في مَرْج، ما أكلت من شيء، إلا كتب اللَّه له بها أجرا، ولو سقاها من نهر، كان له بكل قطرة، تُغَيِّبها في بطونها أجر، حتى ذَكَرَ الأجر في أبوالها، وأرواثها، ولو استنت شَرَفًا (٦)، أو شرفين، كتب له بكل

стр. 14835

خُطوة تخطوها أجر، وأما الذي هي له ستر، فالرجل يتخذها تكرما، وتجملا، ولا ينسى حقّ ظهورها وبطونها، في عسرها ويسرها، وأما الذي عليه وِزْرٌ، فالذي يتخذها أَشَرًا، وبطرا، وبَذَخًا (١)، ورياء الناس، فذاك الذي هي عليه وزر"، قالوا: فالحمر يا رسول اللَّه؟، قال: "ما أنزل اللَّه عليّ فيها شيئًا، إلا هذه الآية الجامعة، الفاذة: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ ". انتهى. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الحديث أخرجه مسلم، كما مرّ آنفًا، وبقيّة المسائل ستأتي في الحديث التالي، إن شاء اللَّه تعالى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٥٩٠ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ, وَالْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ, قِرَاءَةً عَلَيْهِ, وَأَنَا أَسْمَعُ, وَاللَّفْظُ لَهُ, عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ, قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ, عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ, عَنْ أَبِي صَالِحٍ السَّمَّانِ, عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ , قَالَ: «الْخَيْلُ لِرَجُلٍ أَجْرٌ, وَلِرَجُلٍ سَتْرٌ, وَعَلَى رَجُلٍ وِزْرٌ, فَأَمَّا الَّذِي هِيَ لَهُ أَجْرٌ, فَرَجُلٌ رَبَطَهَا فِي سَبِيلِ اللهِ, فَأَطَالَ لَهَا فِي مَرْجٍ, أَوْ رَوْضَةٍ, فَمَا أَصَابَتْ فِي طِيَلِهَا ذَلِكَ, فِي الْمَرْجِ, أَوِ الرَّوْضَةِ, كَانَ لَهُ حَسَنَاتٌ, وَلَوْ أَنَّهَا قَطَعَتْ طِيَلَهَا ذَلِكَ, فَاسْتَنَّتْ شَرَفًا, أَوْ شَرَفَيْنِ, كَانَتْ آثَارُهَا» , -وَفِي حَدِيثِ الْحَارِثِ- «وَأَرْوَاثُهَا حَسَنَاتٍ لَهُ, وَلَوْ أَنَّهَا مَرَّتْ بِنَهَرٍ, فَشَرِبَتْ مِنْهُ, وَلَمْ يُرِدْ أَنْ تُسْقَى, كَانَ ذَلِكَ حَسَنَاتٍ, فَهِيَ لَهُ أَجْرٌ. وَرَجُلٌ رَبَطَهَا تَغَنِّيًا, وَتَعَفُّفًا, وَلَمْ يَنْسَ حَقَّ اللَّهِ فِي رِقَابِهَا, وَلَا ظُهُورِهَا, فَهِيَ لِذَلِكَ سَتْرٌ, وَرَجُلٌ رَبَطَهَا فَخْرًا, وَرِيَاءً, وَنِوَاءً لأَهْلِ الإِسْلَامِ, فَهِيَ عَلَى ذَلِكَ وِزْرٌ». وَسُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ , عَنِ الْحَمِيرِ فَقَالَ: «لَمْ يَنْزِلْ عَلَيَّ فِيهَا شَيْءٌ, إِلاَّ هَذِهِ الآيَةُ الْجَامِعَةُ, الْفَاذَّةُ: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (محمد بن سلمة) المراديّ الْجَمَليّ المصريّ، ثقة ثبت [١١] ١٩/ ٢٠. ٢ - (الحارث بن مسكين) القاضي المصريّ الفقيه، ثقة [١٠] ٩/ ٩. ٣ - (ابن القاسم) هو عبد الرحمن الْعُتقيّ المصريّ الفقيه، ثقة، من كبار [١٠] ١٩/ ٢٠. ٤ - (مالك) بن أنس إمام دار الهجرة الحجة الثبت الفقيه [٧] ٧/ ٧.

стр. 14836

٥ - (زيد بن أسلم) العدويّ مولاهم المدنيّ، ثقة فقيه يرسل [٣] ٦٤/ ٨. والباقيان ترجما في السند الماضي. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه الحارث، فقد تفرد به هو وأبو داود. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين من مالك، والباقون مصريون. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ، وفيه أبو هريرة ﵁ أحفظ من روى الحديث في دهره. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) - رضي اللَّه تعالى عنه - (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ , قَالَ: «الْخَيْلُ لِرَجُلٍ أَجْرٌ, وَلِرَجُلٍ سَتْرٌ, وَعَلَى رَجُلٍ وِزْرٌ, فَأَمَّا الَّذِي هِيَ لَهُ أَجْرٌ, فَرَجُلٌ رَبَطَهَا فِي سَبِيلِ اللهِ, فَأَطَالَ لَهَا) أي في حبلها (فِي مَرْجٍ, أَوْ رَوْضَةٍ) شكّ من الراوي، والمرج موضع الكلإ، وأكثر ما يُطلق على الموضع المطئنّ، والروضة أكثر ما يُطلق في الموضه المرتفع (فَمَا أَصَابَتْ فِي طِيَلِهَا ذَلِكَ) -بكسر الطاء المهملة، وفيح التحتانيّة، بعدها لام-: هو الحبل الذي تُربط به، ويُطوّل لها؛ لترعى، ويقال له طِوَلٌ- بالواو المفتوحة- أيضًا. وقال ابن الأثير: الطِّوَلُ، والطِّيَل -بالكسر-: الحبلُ الطويلُ يُشدُّ أحدُ طرفيه في وَتِدٍ، أو غيره، والطرف الآخر في يد الفرس؛ ليدُور فيه، ويَرْعَى، ولا يذهب لوجهه. وطَوَّلَ، وأطال بمعنى: أي شدّها في الحبل انتهى (١) (فِي الْمَرْجِ أَوِ الرَّوْضَةِ كَانَ لَهُ حَسَنَاتٌ) بالنصب خبرًا لكان، واسمها ضمير يعود إلى قوله: "ما أصابت" (وَلَوْ أَنَّهَا قَطَعَتْ طِيَلَهَا ذَلِكَ فَاسْتَنَّتْ) من الاستنان: أي جرت. قال ابن الأثير: استنّ الفرسُ يَستنُّ استنانًا: أي عدا لمَرَحِهِ، ونشاطه شوطا، أو شوطين، ولا راكب عليه انتهى (٢) قال أبو عُبيد: الاستنان أن يحضر الفرس، وليس عليه فارس. وقال غيره: استنّ في طيله: أي (شَرَفًا أَوْ شَرَفَيْنِ) بفتح الشين المعجمة، والراء: وهو العالي من الأرض. وقيل: المراد هنا طلَقًا، أو طلقين (كَانَتْ آثَارُهَا». وَفِي حَدِيثِ الْحَارِثِ «وَأَرْوَاثُهَا) جمع روث -بفتح، فسكون- قال الفيّوميّ: راث الفرس، ونحوه رَوْثًا، من باب قال، والخارج رَوْثٌ، تسمية بالمصدر، والروثة الواحدة منه انتهى (حَسَنَاتٍ لَهُ وَلَوْ أَنَّهَا مَرَّتْ بِنَهَرٍ) -بسكون الهاء، وفتحها- قال الفيّومي: النَّهْرُ: الماء الجاري الْمُتَّسِعُ، والجمع نُهُرٌ -بضمّتين-، وأنُهرٌ.

стр. 14837

والنَّهَر -بفتحتين لغة، والجمع أنهارٌ، مثلُ سبب وأسباب، ثم أُطلق النهر على الأخدود، مجازًا؛ للمجاورة، فيقال: جرى النهر، وجفّ النهر، كما يقال: جرى الميزاب، والأصل جرى ماء النهر. انتهى (فَشَرِبَتْ مِنهُ، وَلَمْ يُرِدْ أَنْ تُسْقَى) بالبناء للمفعول: أي لم يرد صاحب الفرس أن يسقي فرسه الماء (كَانَ ذَلِكَ حَسَنَاتٍ) أي فإذا كان هذا حالَهُ مع عدم الإرادة، فاستحقاقه كتابة الحسنات مع الإرادة يكون من بابٍ أولى. قال النوويّ: هذا من باب التنبيه؛ لأنه إذا كان تحصل له هذه الحسنات من غير قصد، فمع القصد أولى بإضعاف الحسنات انتهى (١). وقال السنديّ. وهذا لا يخالف حديث "إنما الاعمال بالنيّات"؛ لأن المفروض وجود النيّة في أصل ربط هذه الفرس، وتلك كافية. انتهى (٢). (فَهِيَ لَهُ أجْرٌ) أي سبب لحصول الأجر العظيم، فالتنوين للتعظيم (ورجُلٌ رَبَطَهَا تَغَنِّيًا) -بفتح المثنّاة، والمعجمة، ثم نون ثقيلة مكسورة، وتحتانيّة-: أي استغناء عن الناس، تقول: تغنّيت بما رزقني اللَّه تغَنّيًا، وتغانيت تغانِيًا، واستغنيت استغناءً: كلها بمعنى (وَتَعَفُّفًا) أي عن السؤال، والمعنى أنه يطلب بنتاجها، أو بما يحصل من أُجرتها ممن يركبها، أو نحو ذلك الغنى عن الناس، والتعفّف عن مسألتهم. وفي رواية سهيل، عن أبيه عند مسلم المتقدّمة: "وأما الذي هي له ستر، فالرجل يتّخذها تعفّفّا، وتكرّمًا، وتجمّلًا". (وَلَمْ يَنْسَ حَقَّ اللَّهِ فِي رِقَابِهَا, وَلَا ظُهُورِهَا) قيل: المراد حسن ملكها، وتعقد شبعها، وريهّا، والشفقة عليها في الركوب، وإنما خصّ رقابها بالذكر؛ لأنها تستعار كثيرًا في الحقوق اللازمة، ومنه قوله : ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾، وهذا جواب من لم يوجب الزكاة في الخيل، وهو قول الجمهور. وقيل: المراد بالحقّ إطراق فحدها، والحمل عليها في سبيل اللَّه، وهو قول الحسن، والشعبيّ، ومجاهد. وقيل: المراد بالحقّ الزكاة، وهو قول حمّاد، وأبي حنيفة، وخالفه صاحباه، وفقهاء الأمصار. قال أبو عمر: لا أعلم أحدًا سبقه إلى ذلك. ذكره في "الفتح" (٣). وقال النوويّ في "شرحه": استدلّ به أبو حنيفة على وجوب الزكاة في الخيل، ومذهبه أنه إن كانت كلها ذكورًا، فلا زكاة فيها، وإن كانت إناثًا، أو ذكورًا وإناثًا وجبت الزكاة، وهو بالخيار، إن شاء أخرج عن كلّ فرس دينارًا، وإن شاء قوّمها، وأخرج ربع

стр. 14838

عشر القيمة. وقال مالك، والشافعيّ، وجماهير العلماء: لا زكاة في الخيل بحال؛ للحديث السابق: "ليس على المسلم في فرسه صدقة" (١). وتأولوا الحديث على أن المراد أنه يجاهد بها، وقد يجب الجهاد بها إذا تعيّن. وقيل: يحتمل أن المراد بالحقّ في رقابها الإحسان إليها، والقيام بعلفها، وسائر مُؤَنها. والمراد بظهورها: إطرق فحلها إذا طُلبت عاريته، وهذا على الندب. وقيل: المراد حقّ اللَّه مما يُكسب من مال العدوّ على ظهورها، وهو خمس الغنيمة انتهى (٢). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: تقدّم في "كتاب الزكاة" أن الحقّ هو ما عليه الجمهور من عدم وجوب الزكاة في الخيل؛ للحديث المذكور. واللَّه تعالى أعلم. (فَهِيَ لِذلِكَ سِترٌ) بفتح السين، وكسرها، كما تقدّم (وَرَجُلٌ رَبَطَهَا فَخْرًا) أي تعاظمًا (وَرِيَاءً) أي إظهارًا للطاعة، والباطن بخلاف ذلك. وفي رواية سهيل المتقدّمة: "وأما الذي هي عليه وزرٌ، فالذي يتّخذها أَشَرًا، وبَطَرًا، وبَذَخًا، ورِيَاءً للناس"، والبذخ بفتحتين: بمعنى الأشر، والبطر (وَنِوَاءً لأَهْلِ الإِسْلَامِ) بكسر النون، والمدّ، وهو مصدرٌ، تقول: ناوات العدوّ مناوأةً، ونِوَاءً، وأصله من ناء: إذا نهض، ويُستعمل في المعاداة، قال الخليل: ناوأت الرجلَ: ناهضته بالعداوة. وحكى عياض عن الداوديّ شارح البخاريّ أنه وقع عنده: "ونَوًى" بفتح النون، والقصر، قال: ولا يصحّ ذلك. قال الحافظ: حكاه الإسماعيليّ عن رواية إسماعيل بن أبي أويس، فإن ثبت، فمعناه: وبُعْدًا لأهل الإسلام، أي منهم. والظاهر أن الواو في قوله: "ورياءً، ونواءً" بمعنى: "أو"؛ لأن هذه الأشياء قد تفترق في الأشخاص، وكلّ واحد منها مذموم على حدته انتهى كلام الحافظ. (فَهِيَ عَلَى ذَلِكَ وِزْرٌ) أي سبب تحمل وزر (وَسُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ ) قال الحافظ: لم أقف على تسمية السائل صريحًا (عَنِ الْحَمِيرِ فَقَالَ: «لَمْ يَنْزِلْ عَلَيَّ فِيهَا شَيْءٌ إِلاَّ هَذِهِ الآيَةُ الْجَامِعَةُ) أي العامّة المتناولة لكلّ خير وشرّ (الْفَاذَّةُ) -بالفاء، وتشديد الذال المعجمة-: أي المنفردة في معنها القليلة النظير. قال في "الفتح": سمّاها جامعةً لشمولها لجميع الأنواع من طاعة ومعصية، وسمّاها فاذّة؛ لانفرادها في معناها. قال ابن التين: والمراد أن الآية دلّت على أن من عمل في اقتناء الحمير طاعة رأى ثواب ذلك، وإن عمل معصيةً، رأى عقاب ذلك.

стр. 14839

(﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ أي مقدار أصغر نملة (خَيْرًا) منصوب على التمييز لـ"ذرّة" (يَرَهُ) أي في الآخر؛ ليجازى عليه خَيْرًا (﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾) أي ليجازى عليه شرًا؛ إذ الجزاء من جنس العمل. وأنشدوا في معنى الآية [من الخفيف]: إِنَّ مَنْ يَعْتَدِي وَيَكْسِبُ إِثْمًا … وَزْنَ مِثْقَالِ ذَرَّةِ سَيَرَاهُ وَيُجَازَى بِفِعْلِهِ الشَّرِّ شَرًّا … وَبِفِعْلِ الْجَمِيلِ أَيْضًا جَزَاهُ هَكَذَا قَوْلُهُ تَبَارَكَ رَبِّي … فِي ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ﴾ وَجَلَّ ثَنَاهُ (١) واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهوالمستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث أبي هريرة ﵁ رضي اللَّه تعالى عنه - هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-١/ ٣٥٨٩ و٣٥٩٠ و١١/ ٣٦٠٩ - وفي "الكبرى" ١/ ٤٤٠٢ و ٤٤٠٣ و ١١/ ٤٤٢٣. أخرجه (خ) في "المساقاة" ٢٣٧١ و"الجهاد والسير" ٢٨٥٣ (م) في "الزكاة" ٩٨٧ (ت) في "فضائل الجهاد" ١٦٣٦ (ق) في "الجهاد" ٢٧٨٨ (أحمد) في "باقي مسند المكثرين" ٧٥٠٩ و ٨٦٤٩ و ٨٧٥٤ (الموطأ) في "الجهاد" ٩٧٥. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان فضل الخيل. (ومنها): بيان أن الخيل إنما يكون في نواصيها الخير والبركة، إذا كان اتخاذها في الطاعة، أو في الأمور المباحة، وإلا فهي مذمومة. (ومنها): أن فيه تحقيق إثبات العمل بظواهر العموم، وأنها ملزمة، حتى يدلّ دليل التخصيص. (ومنها): أن فيه إشارة إلى الفرق بين الحكم الخاصّ المنصوص، والعامّ الظاهر، وأن الظاهر دون المنصوص في الدلالة، ومحلّ بحث هذه المسألة فنّ أصول الفقه. (ومنها): أن ابن بطال قال: فيه تعليم الاستنباط والقياس؛ لأنه شبّه ما لم يذكر اللَّه حكمه في كتابه، وهو الحمر، بما ذكره من عمل مثقال ذرّة من خير أو شرّ، إذ كان معناهما واحدًا، قال: وهذا نفس القياس الذي ينكره من لا فهم عنه.

стр. 14840

وتعقبه ابن الْمُنَيِّر بأن هذا ليس من القياس في شيء، وإنما هو استدلال بالعموم، وإثبات لصيغته، خلافًا لمن أنكر، أو وقف. انتهى (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ٢ - (بَابُ حُبِّ الْخَيْلِ) ٣٥٩٢ - (أَخْبَرَنِي أَحْمَدُ بْنُ حَفْصٍ, قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي, قَالَ: حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ طَهْمَانَ, عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ, عَنْ قَتَادَةَ, عَنْ أَنَسٍ, قَالَ: "لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ أَحَبَّ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ , بَعْدَ النِّسَاءِ مِنَ الْخَيْلِ"). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الحديث تقدّم للمصنّف سندًا، ومتنًا في "كتاب عشرة النساء" ١/ ٣٩٤١ - وتقدّم شرحه، وأنه حديث ضعيف؛ لعنعنة قتادة، وهو مدلّسٌ، ولاختلاط سعيد بن أبي عروبة. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ٣ - (ما يُسْتَحَبُّ مِنْ شِيَةِ الْخَيْلِ) قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: المراد بيان ما يُستحسن من ألوان الخيل. و"الشِّيَةُ" - بكسر الشين المعجمة، وفتح المثناة التحتانيّة- قال الفيّوميّ: العلامة، وأصلها وِشْيَةٌ، والجمع شِيَات، مثل عِدَات، وهي في ألوان البهائم سواد في بياض، أو بالعكس انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.

стр. 14841

٣٥٩٣ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ الْبَزَّازُ, هِشَامُ بْنُ سَعِيدٍ, الطَّالْقَانِيُّ, قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُهَاجِرٍ الأَنْصَارِيُّ, عَنْ عَقِيلِ بْنِ شَبِيبٍ, عَنْ أَبِي وَهْبٍ, وَكَانَتْ لَهُ صُحْبَةٌ, قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ , «تَسَمَّوْا بِأَسْمَاءِ الأَنْبِيَاءِ, وَأَحَبُّ الأَسْمَاءِ إِلَى اللَّهِ , عَبْدُ اللَّهِ, وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ, وَارْتَبِطُوا الْخَيْلَ, وَامْسَحُوا بِنَوَاصِيهَا, وَأَكْفَالِهَا, وَقَلِّدُوهَا, وَلَا تُقَلِّدُوهَا الأَوْتَارَ, وَعَلَيْكُمْ بِكُلِّ كُمَيْتٍ, أَغَرَّ مُحَجَّلٍ, أَوْ أَشْقَرَ, أَغَرَّ مُحَجَّلٍ, أَوْ أَدْهَمَ, أَغَرَّ مُحَجَّلٍ»). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (محمد بن رافع) القشيريّ، أبو عبد اللَّه النيسابوري، ثقة عابد [١١] ٩٢/ ١١٤. ٢ - (أبو أحمد البزّاز- بزازيين- هشام بن سعيد الطالقانيّ) نزيل بغداد، صدوق، من صغار [٩]. قال الجوزجانيّ، عن أحمد: ثقة، صاحب خير وصلاح في بدنه. وقال عبد اللَّه بن أحمد: كان يحيى بن معين لا يروي عنه شيئًا. وقال ابن سعد: كان ثقة، مات قبل أن يسمع منه الناس. وقال النسائيّ: ليس به بأس. وذكره ابن حبّان في الثقات. روى له البخاريّ في "الأدب المفرد"، وأبو داود، والمصنّف، وله عنده في هذا الكتاب حديث الباب فقط. ٣ - (محمد بن مهاجر) بن أبي مسلم دينار الأنصاريّ الشاميّ، أخو عمرو، مولى أسماء بنت يزيد الأشهليّة، ثقة [٧]. قال أحمد، وابن معين، ودُحيمٌ، وأبو زرعة الدمشقيّ، وأبو داود، والعجليّ: ثقة. وقال يعقوب بن سفيان: ثقة، وأخوه عمرو ثقة، ولهما أحاديث كِثَارٌ حِسَان. وقال النسائيّ: ليس به بأس. وذكره ابن حبّان في "الثقات"، وقال: كان متقنًا. قال الهيثم بن خارجة وغيره: مات سنة (١٧٠) روى له البخاريّ في "الأدب المفرد"، والباقون، وله عند المصنّف في هذا الكتاب حديث الباب فقط. ٤ - (عَقِيل -بفتح العين المهملة، وكسر القاف- ابن شَبيب) - بمعجمة مفتوحة، وموحّدتين، بينهما مثناة تحتانيّة- وقيل: سعيد، مجهول [٤]. روى عن أبي وهب الْجُشَميّ، وعنه محمد بن مهاجر، ذكره ابن حبّان في "الثقات". وقال ابن القطّان: مجهول الحال. وكذا قال أبو حاتم في "كتاب العلل"، واختُلف عنده في اسم أبيه، فقيل: شبيب، وقيل: سعيد. روى له البخاريّ في "الأدب المفرد"، وأبو داود، والمصنّف، وله عنده في هذا الكتاب حديث الباب فقط. ٥ - (أبو وهب) الْجُشَميّ، روى عن النبيّ ﷺ ، وعنه عَقِيل بن شبِيب. قال البغويّ:

стр. 14842

سكن الشام، وله حديثان (١). روى له البخاريّ في "الأدب المفرد"، وأبو داود، والمصنّف، وله عنده في هذا الكتاب حديث الباب فقط. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ أَبِي وَهْبٍ) الْجُشميّ، لا يُعرف اسمه (وَكَانَتْ لَهُ صُحْبَةٌ) ذكره ابن السكن وغير واحد في الصحابة، وقال أبو أحمد في "الكنى": له صحبة، وحديثه في أهل اليمامة (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، تَسَمَّوْا) بفتح الميم المشدّدة، صيغة أمر من التّسمّي، وأصله "تَسَمَّيُوا" بوزن تكلّموا، فقلبت الياء ألفًا؛ لتحرّكها، وانفتاح ما قبلها، ثم حذفت الألف لالتقاء الساكنين، فصار تَسَمَّوا، فليست الفتحة ما قبل الواو، بل ما قبلها محذوف؛ لما ذُكر، فلا يقال: كان الحقّ أن يُضم ما قبل الواو، فتنبّه، وإلى هذه القاعدة أشار ابن مالك في "خلاصته" حيث قال: مِنْ وَاوِ أَوْ ياء بِتَحْرِيكٍ أُصِلْ … أَلِفًا ابْدِلْ بَعْدَ فَتْحِ مُتَّصِلْ إِنَّ حُرِّكَ التَّالِي وَإِنْ سُكِّنَ كَفٌّ … إِعْلاُلَ غَيْرِ اللَّامِ وَهْيَ لَا يُكَفُّ إِعْلالُهَا بِسَاكِنٍ غَيرِ أَلِفْ … أَوْ يَاءٍ التَّشْدِيدُ فِيهَا قَدْ أُلِفْ (بِأِسْمِاءِ الأِنْبيَاءِ) - عليهم الصلاة والسلام -، وقد ثبت أن النبيّ ﷺ سمّى ولده بإبراهيم، فيستفاد منه استحباب التسمّي بأسماء الأنبياء، وأما الأمر به فما جاء إلا في هذا الحديث، وهو ضعيف، كما سيأتي، وأما قوله (وَأَحَبُّ الأَسْمَاءِ إِلَى اللَّهِ , عَبْدُ اللَّهِ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ) فصحيح، أخرجه مسلم بلفظ: "إن أحبّ أسمائكم إلى اللَّه عبد اللَّه، وعبد الرحمن". وإنما كان التسمّي بعبد اللَّه، وعبد الرحمن أحبّ إلى اللَّه ؛ لما فيه من الاعتراف بالعبوديّة للَّه تعالى، والمراد هما، وأمثالهما، كعبد الرحيم، وعبد العزيز، وعبد الحميد، وغير ذلك (وَارْتَبِطُوا الْخَيْلَ) أمر بالارتباط، وهو مبالغة في الربط، وهو كناية عن اعتلافها، وإعدادها للغزو عليها (وَامْسَحُوا بِنَوَاصِيهَا) جمع ناصية، وهو شعرها المنسدل على جبهتها (وَأَكْفَالِهَا) بفتح الهمزة، جمع كَفَل بفتحتين، وهو عجزها. والمقصود من المسح تنظيفها من الغبار، وتَعرّف حال سِمَنها، وقد يحصل به الأُنس للفرس بصاحبه (وَقَلِّدُوهَا) بكسر اللام المشدّدة، أمر من التقليد، أي اجعلوا القلادة في عنقها. قال القاري: أي اجعلوا ذلك ملازمًا لها في أعناقها لزوم القلائد للأعناق.

стр. 14843

وقيل: معناه اجعلوا في أعناق الخيل ما شئتم (وَلَا تُقَلِّدُوهَا الأَوْتَارَ) قال ابن الأثير: أي قلّدوها طلب أعداء الدين، والدفاع عن المسلمين، ولا تقلّدوها طلب أوتار الجاهليّة، وذُحُولها (١) التي كانت بينكم، والأوتار جمع وِتْر بالكسر، وهو الدم، وطلب الثأر، يريد اجعلوا ذلك لازمًا لها في أعناقها لُزُوم القلائد للأعناق. وقيل: أراد بالأوتار جمع وَتَر القوس: أي لا تجعلوا في أعناقها الأوتار، فتَختَنقَ؛ لأن الخيل ربّما رَعَت الأشجار، فنشِب الأوتارُ ببعض شُعَبها، فَخَنَقَها. وقيل: إنما نهاهم عنها؛ لأنهم كانوا يعتقدون أن تقليد الخيل بالأوتار يدفع عنها العين والأذى، فتكون كالعُذوة لها، فنهاهم، وأعلمهم أنها لا تدفع ضررًا، ولا تَصرِفُ حَذَرًا انتهى (٢). (وَعَلَيْكُمْ بِكُلِّ كُمَيْتٍ) بضمّ الكاف، بصيغة التصغير: هو الذي لونه بين السواد والحمرة، يستوي فيهى المذكّر والمؤتث (أَغَرَّ) هو الذي في وجهه غرّة، أي بياضٌ (مُحَجَّلٍ) بصيغة اسم المفعول، من التحجيل -بتقديم المهملة على الجيم- وهو الذي في قوائمه بياض. وقال في "النهاية": هو الذي يرتفع البياض في قوائمه إلى موضع القيد، ويُجاوز الأرسغ، ولا يُجاوز الركبتين؛ لأنها مو اضع الأَحْجَالِ، وهي الخلاخيل والقيود، ولا يكون التحجيل باليد واليدين، ما لم يكن معها رجلٌ، أو رجلان. انتهى (٣). (أَوْ أَشْقَرَ) أي أحمر خالصًا. قال الفيّوميّ: الشُّقْرة من الألوان حُمْرة تعلو بياضًا في الإنسان، وحمرة صافية في الخيل. قاله ابن فارس (أَغَرَّ مُحَجَّلٍ، أَوْ أَدْهَمَ) أي أسود قال الفيّوميّ: الدُّهْمة السواد، يقال: فرسٌ أدهم، وبعيرٌ أدهم، وناقَةٌ دهماء: إذا اشتدّت وُرْقته حتى ذهب بياضه، وشاةٌ دهماء: خالصة الْحُمْرة انتهى (أَغَرَّ مُحَجَّلٍ) واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث أبي وهب هذا ضعيفٌ؛ لجهالة عَقِيل بن شبيب، كما تقدّم في ترجمته. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٣/ ٣٥٩٢ - وفي "الكبرى" ٤/ ٤٤٠٦. وأخرجه (د) في "الجهاد" ٢٥٤٣ و"الأدب" ٤٩٥٠ (أحمد) في "مسند الكوفيين" ١٨٥٥٣. واللَّه تعالى أعلم

стр. 14844

بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ٤ - (الشِّكَالُ فِي الْخَيْلِ) قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هو بكسر الشين المعجمة، وتخفيف الكاف، اختُلف في تفسيره على أقوال، سيأتي بيانها قريبًا، إن شاء اللَّه تعالى أعلم. واللَّه تعالى أعلم بالصواب. ٣٥٩٤ - (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ, قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ, ح وَأَنْبَأَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مَسْعُودٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا بِشْرٌ, قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ, عَنْ أَبِي زُرْعَةَ, عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ , يَكْرَهُ الشِّكَالَ مِنَ الْخَيْلِ, وَاللَّفْظُ لإِسْمَاعِيلَ). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (إسحاق بن إبراهيم) الحنظليّ ابن راهويه المروزيّ، ثقة ثبت [١٠] ٢/ ٢. ٢ - (إسماعيل بن مسعود) الْجَحْدريّ، أبو مسعود البصريّ، ثقة [١٠] ٤٢/ ٤٧. ٣ - (محمد بن جعفر) الْهُذليّ، أبو عبد اللَّه البصريّ المعروف بغندر، ثقة، صحيح الكتاب [٩] ٢١/ ٢٢. ٤ - (بشر) بن المفضّل بن لاحق، أبو إسماعيل البصريّ، ثقة ثبت عابد [٨] ٦٦/ ٨٢. ٥ - (شعبة) بن الحجّاج الإمام البصريّ الحجة الثبت [٧] ٢٤/ ٢٧. ٦ - (عبد اللَّه بن يزيد) النخعيّ الكوفيّ، هذا خطأ، والصواب أنه سلم بن عبد الرحمن الآتي في السند التالي، كما قاله الإمام أحمد -رحمه اللَّه تعالى-، قال: أخطأ شعبة في اسمه، وستأتي ترجمته هناك. ٧ - (أبو زرعة) بن عمرو بن جرير بن عبد اللَّه البجليّ الكوفيّ، قيل: اسمه هَرِم، وقيل: غير ذلك، ثقة [٣] ٤٣/ ٥٠. ٨ - (أبو هريرة) - رضي اللَّه تعالى عنه - ١/ ١. واللَّه تعالى أعلم.

стр. 14845

لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه الثاني، فإنه من أفراده. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين، إلى عبد اللَّه بن يزيد. (ومنها): أن فيه أبا هريرة ﵁ رأس المكثرين من الرواية. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) - رضي اللَّه تعالى عنه -، أنه (قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَكْرَهُ الشِّكَالَ مِنَ الْخَيْلِ) "الشِّكال" -بكسر الشين المعجمة-: فسره المصنّف في الرواية التالية بأن تكون ثلاثُ قوائم محجّلةً، وواحدةٌ مطلقة، أو تكون الثلاثة مطلقة، ورجلٌ محجّلة، وليس يكون الشكال إلا في رجل، ولا يكون في اليد. وفسره في رواية مسلم، فقال: والشكال أن يكون الفرس في رجله اليمنى بياضٌ، وفي يده اليسرى، أو في يده اليمنى، ورجله اليسرى انتهى. والتفسير الذي فسّر به المصنّف هو تفسير الجمهور، قال النوويّ في "شرحه" بعد أن ذكر التفسير المذكور في مسلم: وهذا التفسير أحد الأقوال في الشِّكال. وقال أبو عبيد، وجمهور أهل اللغة والغريب: هو أن يكون منه ثلاث قوائم محجّلة، وواحدة مطلقة، تشبيها بالشِّكال الذي تشكل به الخيل؛ فإنه يكون في ثلاث قوائم غالبًا. قال أبو عُبيد: وقد يكون الشِّكال ثلاث قوائم مطلقة، وواحدة محجّلة، قال: ولا تكون المطلقة من الأرجل، أو المحجّلة إلا الرجل. وقال ابن دريد: الشِّكال أن يكون مُحجّلًا من شقّ واحد في يده ورجله، فإن كان مخالفًا قيل: شِكَالٌ مخالفٌ (١). وقال في "النهاية": الشِّكال: هو أن تكون ثلاث قوائم منه محجّلةً، وواحدة مطلقة؛ تشبيهًا بالشكال الذي تُشكل به الخيل؛ لأنه يكون في ثلاث قوائم غالبًا. وقيل: هو أن تكون الواحدة محجّلةً، والثلاث مُطلقة. وقيل: هو أن تكون إحدى يديه، وإحدى رجليه من خلاف محجّلتين. وإنما كرهه لأنه كالمشكول صورةً تفاؤلًا، ويمكن أن يكون جرّب ذلك الجنس، فلم يكن فيه نجابةٌ. وقيل: إذا كان مع ذلك أغرّ زالت الكراهة؛ لزوال شبه الشِّكَال انتهى (٢). وقال الحافظ وليّ الدين: اختُلف في تفسير الشّكال المنهيّ عنه على عشرة أقوال،
следующие страницы →