← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 12888

ذخيرة العقبى في شرح المجتبى

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (19 271 стр.). Показаны 14841–14880 · переход к 14846.

стр. 14841

٣٥٩٣ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ الْبَزَّازُ, هِشَامُ بْنُ سَعِيدٍ, الطَّالْقَانِيُّ, قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُهَاجِرٍ الأَنْصَارِيُّ, عَنْ عَقِيلِ بْنِ شَبِيبٍ, عَنْ أَبِي وَهْبٍ, وَكَانَتْ لَهُ صُحْبَةٌ, قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ , «تَسَمَّوْا بِأَسْمَاءِ الأَنْبِيَاءِ, وَأَحَبُّ الأَسْمَاءِ إِلَى اللَّهِ , عَبْدُ اللَّهِ, وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ, وَارْتَبِطُوا الْخَيْلَ, وَامْسَحُوا بِنَوَاصِيهَا, وَأَكْفَالِهَا, وَقَلِّدُوهَا, وَلَا تُقَلِّدُوهَا الأَوْتَارَ, وَعَلَيْكُمْ بِكُلِّ كُمَيْتٍ, أَغَرَّ مُحَجَّلٍ, أَوْ أَشْقَرَ, أَغَرَّ مُحَجَّلٍ, أَوْ أَدْهَمَ, أَغَرَّ مُحَجَّلٍ»). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (محمد بن رافع) القشيريّ، أبو عبد اللَّه النيسابوري، ثقة عابد [١١] ٩٢/ ١١٤. ٢ - (أبو أحمد البزّاز- بزازيين- هشام بن سعيد الطالقانيّ) نزيل بغداد، صدوق، من صغار [٩]. قال الجوزجانيّ، عن أحمد: ثقة، صاحب خير وصلاح في بدنه. وقال عبد اللَّه بن أحمد: كان يحيى بن معين لا يروي عنه شيئًا. وقال ابن سعد: كان ثقة، مات قبل أن يسمع منه الناس. وقال النسائيّ: ليس به بأس. وذكره ابن حبّان في الثقات. روى له البخاريّ في "الأدب المفرد"، وأبو داود، والمصنّف، وله عنده في هذا الكتاب حديث الباب فقط. ٣ - (محمد بن مهاجر) بن أبي مسلم دينار الأنصاريّ الشاميّ، أخو عمرو، مولى أسماء بنت يزيد الأشهليّة، ثقة [٧]. قال أحمد، وابن معين، ودُحيمٌ، وأبو زرعة الدمشقيّ، وأبو داود، والعجليّ: ثقة. وقال يعقوب بن سفيان: ثقة، وأخوه عمرو ثقة، ولهما أحاديث كِثَارٌ حِسَان. وقال النسائيّ: ليس به بأس. وذكره ابن حبّان في "الثقات"، وقال: كان متقنًا. قال الهيثم بن خارجة وغيره: مات سنة (١٧٠) روى له البخاريّ في "الأدب المفرد"، والباقون، وله عند المصنّف في هذا الكتاب حديث الباب فقط. ٤ - (عَقِيل -بفتح العين المهملة، وكسر القاف- ابن شَبيب) - بمعجمة مفتوحة، وموحّدتين، بينهما مثناة تحتانيّة- وقيل: سعيد، مجهول [٤]. روى عن أبي وهب الْجُشَميّ، وعنه محمد بن مهاجر، ذكره ابن حبّان في "الثقات". وقال ابن القطّان: مجهول الحال. وكذا قال أبو حاتم في "كتاب العلل"، واختُلف عنده في اسم أبيه، فقيل: شبيب، وقيل: سعيد. روى له البخاريّ في "الأدب المفرد"، وأبو داود، والمصنّف، وله عنده في هذا الكتاب حديث الباب فقط. ٥ - (أبو وهب) الْجُشَميّ، روى عن النبيّ ﷺ ، وعنه عَقِيل بن شبِيب. قال البغويّ:

стр. 14842

سكن الشام، وله حديثان (١). روى له البخاريّ في "الأدب المفرد"، وأبو داود، والمصنّف، وله عنده في هذا الكتاب حديث الباب فقط. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ أَبِي وَهْبٍ) الْجُشميّ، لا يُعرف اسمه (وَكَانَتْ لَهُ صُحْبَةٌ) ذكره ابن السكن وغير واحد في الصحابة، وقال أبو أحمد في "الكنى": له صحبة، وحديثه في أهل اليمامة (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، تَسَمَّوْا) بفتح الميم المشدّدة، صيغة أمر من التّسمّي، وأصله "تَسَمَّيُوا" بوزن تكلّموا، فقلبت الياء ألفًا؛ لتحرّكها، وانفتاح ما قبلها، ثم حذفت الألف لالتقاء الساكنين، فصار تَسَمَّوا، فليست الفتحة ما قبل الواو، بل ما قبلها محذوف؛ لما ذُكر، فلا يقال: كان الحقّ أن يُضم ما قبل الواو، فتنبّه، وإلى هذه القاعدة أشار ابن مالك في "خلاصته" حيث قال: مِنْ وَاوِ أَوْ ياء بِتَحْرِيكٍ أُصِلْ … أَلِفًا ابْدِلْ بَعْدَ فَتْحِ مُتَّصِلْ إِنَّ حُرِّكَ التَّالِي وَإِنْ سُكِّنَ كَفٌّ … إِعْلاُلَ غَيْرِ اللَّامِ وَهْيَ لَا يُكَفُّ إِعْلالُهَا بِسَاكِنٍ غَيرِ أَلِفْ … أَوْ يَاءٍ التَّشْدِيدُ فِيهَا قَدْ أُلِفْ (بِأِسْمِاءِ الأِنْبيَاءِ) - عليهم الصلاة والسلام -، وقد ثبت أن النبيّ ﷺ سمّى ولده بإبراهيم، فيستفاد منه استحباب التسمّي بأسماء الأنبياء، وأما الأمر به فما جاء إلا في هذا الحديث، وهو ضعيف، كما سيأتي، وأما قوله (وَأَحَبُّ الأَسْمَاءِ إِلَى اللَّهِ , عَبْدُ اللَّهِ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ) فصحيح، أخرجه مسلم بلفظ: "إن أحبّ أسمائكم إلى اللَّه عبد اللَّه، وعبد الرحمن". وإنما كان التسمّي بعبد اللَّه، وعبد الرحمن أحبّ إلى اللَّه ؛ لما فيه من الاعتراف بالعبوديّة للَّه تعالى، والمراد هما، وأمثالهما، كعبد الرحيم، وعبد العزيز، وعبد الحميد، وغير ذلك (وَارْتَبِطُوا الْخَيْلَ) أمر بالارتباط، وهو مبالغة في الربط، وهو كناية عن اعتلافها، وإعدادها للغزو عليها (وَامْسَحُوا بِنَوَاصِيهَا) جمع ناصية، وهو شعرها المنسدل على جبهتها (وَأَكْفَالِهَا) بفتح الهمزة، جمع كَفَل بفتحتين، وهو عجزها. والمقصود من المسح تنظيفها من الغبار، وتَعرّف حال سِمَنها، وقد يحصل به الأُنس للفرس بصاحبه (وَقَلِّدُوهَا) بكسر اللام المشدّدة، أمر من التقليد، أي اجعلوا القلادة في عنقها. قال القاري: أي اجعلوا ذلك ملازمًا لها في أعناقها لزوم القلائد للأعناق.

стр. 14843

وقيل: معناه اجعلوا في أعناق الخيل ما شئتم (وَلَا تُقَلِّدُوهَا الأَوْتَارَ) قال ابن الأثير: أي قلّدوها طلب أعداء الدين، والدفاع عن المسلمين، ولا تقلّدوها طلب أوتار الجاهليّة، وذُحُولها (١) التي كانت بينكم، والأوتار جمع وِتْر بالكسر، وهو الدم، وطلب الثأر، يريد اجعلوا ذلك لازمًا لها في أعناقها لُزُوم القلائد للأعناق. وقيل: أراد بالأوتار جمع وَتَر القوس: أي لا تجعلوا في أعناقها الأوتار، فتَختَنقَ؛ لأن الخيل ربّما رَعَت الأشجار، فنشِب الأوتارُ ببعض شُعَبها، فَخَنَقَها. وقيل: إنما نهاهم عنها؛ لأنهم كانوا يعتقدون أن تقليد الخيل بالأوتار يدفع عنها العين والأذى، فتكون كالعُذوة لها، فنهاهم، وأعلمهم أنها لا تدفع ضررًا، ولا تَصرِفُ حَذَرًا انتهى (٢). (وَعَلَيْكُمْ بِكُلِّ كُمَيْتٍ) بضمّ الكاف، بصيغة التصغير: هو الذي لونه بين السواد والحمرة، يستوي فيهى المذكّر والمؤتث (أَغَرَّ) هو الذي في وجهه غرّة، أي بياضٌ (مُحَجَّلٍ) بصيغة اسم المفعول، من التحجيل -بتقديم المهملة على الجيم- وهو الذي في قوائمه بياض. وقال في "النهاية": هو الذي يرتفع البياض في قوائمه إلى موضع القيد، ويُجاوز الأرسغ، ولا يُجاوز الركبتين؛ لأنها مو اضع الأَحْجَالِ، وهي الخلاخيل والقيود، ولا يكون التحجيل باليد واليدين، ما لم يكن معها رجلٌ، أو رجلان. انتهى (٣). (أَوْ أَشْقَرَ) أي أحمر خالصًا. قال الفيّوميّ: الشُّقْرة من الألوان حُمْرة تعلو بياضًا في الإنسان، وحمرة صافية في الخيل. قاله ابن فارس (أَغَرَّ مُحَجَّلٍ، أَوْ أَدْهَمَ) أي أسود قال الفيّوميّ: الدُّهْمة السواد، يقال: فرسٌ أدهم، وبعيرٌ أدهم، وناقَةٌ دهماء: إذا اشتدّت وُرْقته حتى ذهب بياضه، وشاةٌ دهماء: خالصة الْحُمْرة انتهى (أَغَرَّ مُحَجَّلٍ) واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث أبي وهب هذا ضعيفٌ؛ لجهالة عَقِيل بن شبيب، كما تقدّم في ترجمته. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٣/ ٣٥٩٢ - وفي "الكبرى" ٤/ ٤٤٠٦. وأخرجه (د) في "الجهاد" ٢٥٤٣ و"الأدب" ٤٩٥٠ (أحمد) في "مسند الكوفيين" ١٨٥٥٣. واللَّه تعالى أعلم

стр. 14844

بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ٤ - (الشِّكَالُ فِي الْخَيْلِ) قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هو بكسر الشين المعجمة، وتخفيف الكاف، اختُلف في تفسيره على أقوال، سيأتي بيانها قريبًا، إن شاء اللَّه تعالى أعلم. واللَّه تعالى أعلم بالصواب. ٣٥٩٤ - (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ, قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ, ح وَأَنْبَأَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مَسْعُودٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا بِشْرٌ, قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ, عَنْ أَبِي زُرْعَةَ, عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ , يَكْرَهُ الشِّكَالَ مِنَ الْخَيْلِ, وَاللَّفْظُ لإِسْمَاعِيلَ). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (إسحاق بن إبراهيم) الحنظليّ ابن راهويه المروزيّ، ثقة ثبت [١٠] ٢/ ٢. ٢ - (إسماعيل بن مسعود) الْجَحْدريّ، أبو مسعود البصريّ، ثقة [١٠] ٤٢/ ٤٧. ٣ - (محمد بن جعفر) الْهُذليّ، أبو عبد اللَّه البصريّ المعروف بغندر، ثقة، صحيح الكتاب [٩] ٢١/ ٢٢. ٤ - (بشر) بن المفضّل بن لاحق، أبو إسماعيل البصريّ، ثقة ثبت عابد [٨] ٦٦/ ٨٢. ٥ - (شعبة) بن الحجّاج الإمام البصريّ الحجة الثبت [٧] ٢٤/ ٢٧. ٦ - (عبد اللَّه بن يزيد) النخعيّ الكوفيّ، هذا خطأ، والصواب أنه سلم بن عبد الرحمن الآتي في السند التالي، كما قاله الإمام أحمد -رحمه اللَّه تعالى-، قال: أخطأ شعبة في اسمه، وستأتي ترجمته هناك. ٧ - (أبو زرعة) بن عمرو بن جرير بن عبد اللَّه البجليّ الكوفيّ، قيل: اسمه هَرِم، وقيل: غير ذلك، ثقة [٣] ٤٣/ ٥٠. ٨ - (أبو هريرة) - رضي اللَّه تعالى عنه - ١/ ١. واللَّه تعالى أعلم.

стр. 14845

لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه الثاني، فإنه من أفراده. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين، إلى عبد اللَّه بن يزيد. (ومنها): أن فيه أبا هريرة ﵁ رأس المكثرين من الرواية. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) - رضي اللَّه تعالى عنه -، أنه (قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَكْرَهُ الشِّكَالَ مِنَ الْخَيْلِ) "الشِّكال" -بكسر الشين المعجمة-: فسره المصنّف في الرواية التالية بأن تكون ثلاثُ قوائم محجّلةً، وواحدةٌ مطلقة، أو تكون الثلاثة مطلقة، ورجلٌ محجّلة، وليس يكون الشكال إلا في رجل، ولا يكون في اليد. وفسره في رواية مسلم، فقال: والشكال أن يكون الفرس في رجله اليمنى بياضٌ، وفي يده اليسرى، أو في يده اليمنى، ورجله اليسرى انتهى. والتفسير الذي فسّر به المصنّف هو تفسير الجمهور، قال النوويّ في "شرحه" بعد أن ذكر التفسير المذكور في مسلم: وهذا التفسير أحد الأقوال في الشِّكال. وقال أبو عبيد، وجمهور أهل اللغة والغريب: هو أن يكون منه ثلاث قوائم محجّلة، وواحدة مطلقة، تشبيها بالشِّكال الذي تشكل به الخيل؛ فإنه يكون في ثلاث قوائم غالبًا. قال أبو عُبيد: وقد يكون الشِّكال ثلاث قوائم مطلقة، وواحدة محجّلة، قال: ولا تكون المطلقة من الأرجل، أو المحجّلة إلا الرجل. وقال ابن دريد: الشِّكال أن يكون مُحجّلًا من شقّ واحد في يده ورجله، فإن كان مخالفًا قيل: شِكَالٌ مخالفٌ (١). وقال في "النهاية": الشِّكال: هو أن تكون ثلاث قوائم منه محجّلةً، وواحدة مطلقة؛ تشبيهًا بالشكال الذي تُشكل به الخيل؛ لأنه يكون في ثلاث قوائم غالبًا. وقيل: هو أن تكون الواحدة محجّلةً، والثلاث مُطلقة. وقيل: هو أن تكون إحدى يديه، وإحدى رجليه من خلاف محجّلتين. وإنما كرهه لأنه كالمشكول صورةً تفاؤلًا، ويمكن أن يكون جرّب ذلك الجنس، فلم يكن فيه نجابةٌ. وقيل: إذا كان مع ذلك أغرّ زالت الكراهة؛ لزوال شبه الشِّكَال انتهى (٢). وقال الحافظ وليّ الدين: اختُلف في تفسير الشّكال المنهيّ عنه على عشرة أقوال،

стр. 14846

فذكر الثلاثة المتقدّمة، قال: [والرابع]: أن يكون التحجيل في يد ورجل، من شِقّ واحد، فإن كان مخالفًا قيل: شِكالٌ مخالف. [والخامس]: أن الشكال بياض الرجل اليمنى. [والسادس]: أنه بياض اليسرى. [والسابع]: أنه بياض الرجلين. [والثامن]: أنه بياض اليدين. [والتاسع]: أنه بياض اليدين، ورجل واحدة [والعاشر]: بياض الرجلين، ويد واحدة. حكى هذه الأقوال السبعة المنذريّ في "حواشيه"، والثلاثة الأُوَلُ مشهورة، والثالث منها هو الذي فُسّر به الشكال في حديث أبي داود -يعني التفسير الذي تقدّم في رواية مسلم- فالأخذ به أولى؛ لأنه إما من كلام النبيّ ﷺ ، أو من كلام الراوي، وهو أعرف بتفسير الحديث. انتهى (١). وقال أبو العبّاس القرطبيّ -بعد ذكر الأقوال-: وليس فيها ما يوافق ذلك التفسير إلا ما حكاه ابن دريد من الشكال المخالف، فإن صحّ أن ذلك من قول النبيّ ﷺ فهو حقّ - واللَّه تعالى أعلم- وإن كان ذلك من قول بعض الرواة، فالمعروف عند اللغويين ما قدّمته من قول أبي عبيد. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الذي قاله أبو عبيد هو الذي فسّر به المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- في الرواية التالية. قال: ويحتمل أن يكون كره اسم الشِّكال من جهة اللفظ؛ لأنه يُشعر بنقيض ما تراد الخيل له، وهذا كما قال: "لا أُحب العقوق" (٢) ويحتمل أن يكرهه لما يقال: إن حوافر المشكل، وأعضاءه ليس فيها من القوّة ما فيما ليس كذلك انتهى (٣). وقوله (واللَّفْظُ لإسْمَاعِيلَ) يعني أن لفظ المتن الذي ساقه هنا لشيخه إسماعيل بن مسعود، وأما شيخه إبراهيم بن راهويه، فرواه بالمعنى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث أبي هريرة ﵁ هذا أخرجه مسلم. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا- ٤/ ٣٥٩٣ و ٣٥٩٤ - وفي "الكبرى" ٥/ ٤٤٠٧ و ٤٤٠٨. وأخرجه (م) في "الإمارة" ١٨٧٥ (د) في "الجهاد" ٢٥٤٧ (ت) في "الجهاد" ١٦٩٨ (ق) في "الجهاد"

стр. 14847

٢٧٩٠ (أحمد) في "باقي مسند المكثرين" ٦٣٦٠ و ٩٣٤٣ و ٢٧٧٩٥ و ٩٨٠٤. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٥٩٥ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى, قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ, قَالَ: حَدَّثَنِي سَلْمُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ, عَنْ أَبِي زُرْعَةَ, عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, عَنِ النَّبِيِّ ﷺ , أَنَّهُ كَرِهَ الشِّكَالَ مِنَ الْخَيْلِ. قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ: الشِّكَالُ مِنَ الْخَيْلِ, أَنْ تَكُونَ ثَلَاثُ قَوَائِمَ مُحَجَّلَةً, وَوَاحِدَةٌ مُطْلَقَةً, أَوْ تَكُونَ الثَّلَاثَةُ مُطْلَقَةً, وَرِجْلٌ مُحَجَّلَةً, وَلَيْسَ يَكُونُ الشِّكَالُ إِلاَّ فِي رِجْلٍ, وَلَا يَكُونُ فِي الْيَدِ). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح. و"يحيى": هو ابن سعيد القطّان. و"سفيان": هو الثوريّ. و"سلم بن عبد الرحمن" النخعيّ الكوفيّ، أخو حُصين، قيل: يكنى أبا عبد الرحيم، صدوق [٦]. قال عبد اللَّه بن أحمد، عن ابن معين: ثقة. وقال أبو حاتم: صالح. وقال النسائيّ: ليس به بأس. ونقل ابن شاهين في "الثقات" عن أحمد بن حنبل أنه قال: ثقة. وقال العجليّ، والدارقطنيّ: ثقة. وذكره ابن حبّان في "الثقات". روى له الجماعة، سوى البخاريّ، وله عندهم حديث الباب فقط. [تنبيه]: كون اسم هذا المترجم سلم بن عبد الرحمن، هو الذي في النسخة الهنديّة من "المجتبى"، وهو الذي في "صحيح مسلم" ١٣/ ٢٢ - بنسخة "شرح النوويّ"، و"سنن أبي داود" ٧/ ٢١٩ - بنسخة "عون المعبود"، و"تحفة الأشراف" ١٠/ ٤٣٨ - ٤٣٩ - وهو الصواب، ووقع في النسخ المطبوعة من "المجتبى" "سالم بن عبد الرحمن" بألف بعد السين، وفي "الكبرى" "مسلم بن عبد الرحمن" بزيادة ميم في أوله، وكلاهما تصحيف، فتنبّه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ٥ - (بَابُ شُؤْمِ الْخَيْلِ) أي هل هو على عمومه، أو مخصوص ببعض الخيل؟ وهل هو على ظاهره، أو مؤوّل؟، وسيأتي تفصيل ذلك.

стр. 14848

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: أشار المصنف -رحمه اللَّه تعالى- بالترجمة التي بعد هذه، حيث قال: "باب بركة الخيل" إلى أن الشؤم المذكور في حديث الباب، إنما هو في بعض الخيل، دون بعض، وهذا من دقيق فهمه، ونظره -رحمه اللَّه تعالى-، وسيأتي قريبًا بيان اختلاف أهل العلم في معنى الشؤم في الأشياء الثلاثة المذكورة في الحديث، ولكن أذكر هنا ما أراه راجحًا عندي تقريبًا للاستفادة، وهو ما قاله أبو العبّاس القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى- في "المفهم"، مرجحًا حمل الإمام مالك -رحمه اللَّه تعالى- الحديث على ظاهره، حيث قال: وقال أبو عبد اللَّه: إن مالكًا أخذ بحديث الشؤم في الدار، والمرأة، والفرس، وحمله على ظاهره، ولم يتأوله، فذكر في "كتاب الجامع" من "العتبيّة" أنه قال: ربّ دار سكنها قومٌ، فهلكوا، وآخرون بعدهم، فهلكوا، وأشار إلى حمل الحديث على ظاهره، ويعضد هذا حديث يحيى بن سعيد، قال: جاءت امرأةٌ إلى النبيّ ﷺ ، فقالت: يا رسول اللَّه، دار سكنّاها، والعدد كثير، والمال وافر، فذهب العدد، وقلّ المال، فقال رسول اللَّه ﷺ : "دعوها ذَمِيمة" (١). قال القرطبيّ: ولا يُظنّ بمن قال هذا القول: أن الذي رُخّص فيه من الطيرة بهذه الأشياء الثلاثة هو على نحو ما كانت الجاهليّة تعتقد فيها، وتفعل عندها، فإنها كانت لا تُقدِم على ما تطيّرت به، ولا تفعله بوجهِ، بناءً على أن الطيرة تضرّ قطعًا، فإن هذا ظنّ خطأ، وإنما يعني بذلك أن هذه الأشياء أكثر ما يتشاءم الناس بها؛ لملازمتهم إياها، فمن وقع في نفسه شيء من ذلك، فقد أباح الشرع له أن يتركه، ويستبدل به غيره، مما تطيب به نفسه، ويسكن له خاطره، ولم يُلزمه الشرع أن يُقيم في موضع يكرهه، أو مع امرأة يكرهها، بل قد فسح له في ترك ذلك كلّه، لكن مع اعتقاد أن اللَّه تعالى هو الفغال لما يُريد، وليس لشيء من هذه الأشياء أثرٌ في الوجود، وهذا على نحو ما ذكرناه في المجذوم.

стр. 14849

[فإن قيل]: فهذا يجري في كلّ مُتطيَّر به، فما وجه خصوصيّة هذه الثلاثة بالذكر؟. [فالجواب]: ما نبّهنا عليه من أن هذه ضروريّةٌ في الوجود، ولا بدّ للإنسان منها، ومن ملازمتها غالبًا، فأكثر ما يقع التشاؤم بها، فخصّها بالذكر لذلك. [فإن قيل]: فما الفرق بين الدار، وبين موضع الوباء، فإن الدار إذا تُطُيِّر بها، فقد وُسِّع له في الارتحال عنها، وموضع الوباء قد مُنع من الخروج منه؟. [فالجواب]: ما قاله بعض أهل العلم: إن الأمور بالنسبة إلى هذا المعنى ثلاثة أقسام: [أحدها]: ما لم يقع التأذّي به، ولا اطّردت عادة به خاصّةٌ، ولا عامّةٌ، لا نادرة، ولا متكرّرةٌ، فهذا لا يُصغَى إليه، وقد أنكر الشرع الالتفات إليه، كلُقِيّ غراب في بعض الأسفار، أو صُراخ بُومة في دار، ففي مثل هذا قال ﷺ : "لا طِيَرَة"، و"لا تطيَّرُوا"، وهذا القسم هو الذي كانت العرب تعتبره، وتعمل عليه، مع أنه ليس في لقاء الغراب، ولا دخول البومة دارًا ما يُشعر بأذًى، ولا مكروه، لا على جهة الندور، ولا التكرار. [وثانيها]: ما يقع به الضرر، ولكنه يعمّ، ولا يخصّ، ويندر، ولا يتكرّر، كالوباء، فهذا لا يُقْدَمُ عليه؛ عملًا بالحزم والاحتياط، ولا يفرّ منه لإمكان أن يكون قد وصل الضرر إلى الفارّ، فيكون سفره سببًا في محنته، وتعجيلّا لهلكته، كما قدّمناه. [وثالثها]: سببٌ يخصّ، ولا يعم، ويلحق منه الضرر بطول الملازمة، كالدار، والفرس، والمرأة، فيباح له الاستبدال، والتوكّل على اللَّه تعالى، والإعراض عما يقع في النفوس منها من أفضل الأعمال، وقد وضح الجواب. انتهى كلام القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى- (١)., قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الذي بينه القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى-، وفصّله بيان، وتفصيلٌ حسنُ جدًّا، يجمع بين أحاديث الباب المختلفة. واللَّه تعالى أعلم بالصواب. ٣٥٩٦ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ, وَمُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ -وَاللَّفْظُ لَهُ- قَالَا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ, عَنِ الزُّهْرِيِّ, عَنْ سَالِمٍ, عَنْ أَبِيهِ, عَنِ النَّبِيَّ ﷺ , قَالَ: «الشُّؤْمُ فِي ثَلَاثَةٍ: الْمَرْأَةِ, وَالْفَرَسِ, وَالدَّارِ»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (قتيبة بن سعيد) الثقفيّ، أبو رجاء البغلانيّ، ثقة ثبت [١٠] ١/ ١. ٢ - (محمد بن منصور) بن ثابت بن خالد الْخُزَاعيّ الْجَوّاز المكيّ، ثقة [١٠] ٢٠/ ٢١. ٣ - (سفيان) بن عيينة بن أبي عمران الهلاليّ مولاهم، أبو محمد الكوفيّ، ثم

стр. 14850

المكيّ، ثقة ثبت حجة [٨] ١/ ١. ٤ - (الزهريّ) محمد بن مسلم، أبو بكر المدنيّ الإمام الحجة الثبت [٤] ١/ ١. ٥ - (سالم) بن عبد اللَّه العدويّ المدنيّ، ثقة ثبت فقيه [٣] ٢٣/ ٤٩٠. ٦ - (أبوه) عبد اللَّه بن عمر بن الخطاب - رضي اللَّه تعالى عنهما - ١٢/ ١٢. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه الثاني، فمن أفراده. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، من الزهريّ. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ، والابن عن أبيه، وفيه سالم أحد الفقهاء السبعة على بعض الأقوال، وفيه ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما - من العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، ومن المشهورين بالفتوى. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ سَالِمٍ) بن عبد اللَّه. وفي رواية البخاريّ، من طريق شعيب بن أبي حمزة، عن الزهريّ: "أخبرني سالم". قال في "الفتح": كذا صرّح شعيب عن الزهريّ بإخبار سالم له، وشذّ ابن أبي ذئب، فأدخل بين الزهريّ، وسالم محمد بن زُبيد بن قنفذ، واقتصر شعيب على سالم، وتابعه ابن جريج، عن ابن شهاب عند أبي عوانة، وكذا عثمان بن عمر، عن يونس، عن الزهريّ، عند البخاريّ في "الطبّ"، وكذا أكثر أصحاب سفيان، عنه، عن الزهريّ، ونقل الترمذيّ عن ابن المدينيّ، والحميديّ أن سفيان كان يقول: لم يرو الزهريّ هذا الحديث إلا عن سالم انتهى. وكذا قال أحمد عن سفيان: إنما نحفظه عن سالم. لكن هذا الحصر مردود، فقد حدّث به مالك عن الزهريّ، عن سالم، وحمزة ابني عبد اللَّه بن عمر، عن أبيهما، ومالك من كبار الحفّاظ، ولا سيّما في حديث الزهريّ. وكذا رواه ابن أبي عمر، عن سفيان نفسه، أخرجه مسلم، والترمذيّ عنه، وهو يقتضي رجوع سفيان عما سبق من الحصر، وأما الترمذيّ، فجعل رواية ابن أبي عمر هذه مرجوحة. وقد تابع مالكًا أيضًا يونس من رواية ابن وهب عنه، كما عند البخاريّ في "الطبّ"، وصالح بن كيسان عند مسلم، وأبو أويس عند أحمد، ويحيى بن سعيد، وابن أبي عَتِيق، وموسى ابن عقبة، ثلاثتهم عند النسائيّ (١)، كلهم عن الزهريّ، عنهما.

стр. 14851

ورواه إسحاق بن راشد عن الزهريّ، فاقتصر على حمزة. أخرجه النسائيّ (١)، وكذا أخرجه ابن خزيمة، وأبو عوانة من طريق عُقيل، وأبو عوانة من طريق شبيب بن سعيد، كلاهما عن الزهريّ. ورواه القاسم بن مبرور، عن يونس، فاقتصر على حمزة، أخرجه النسائيّ أيضًا (٢). وكذلك أخرجه أحمد من طريق رباح بن زيد، عن معمر، مقتصرًا على حمزة. وأخرجه النسائيّ (٣) من طريق عبد الواحد، عن معمر، فاقتصر على سالم. فالظاهر أن الزهريّ يجمعهما تارةً، ويُفرد أحدهما أخرى. وقد رواه إسحاق في "مسنده" عن عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهريّ، فقال: عن سالم، أو حمزة، أو كلاهما، وله أصل عن حمزة من غير رواية الزهريّ، أخرجه مسلم، من طريق عتبة بن مسلم، عنه. واللَّه أعلم انتهى ما في "الفتح" (٤). (عَنْ أَبِيهِ) عبد اللَّه بن عمر بن الخطاب - رضي اللَّه تعالى عنهما - (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ) أنه (قَالَ: "الشُّؤْمُ) وفي رواية في "عشرة النساء": "إنما الشؤم". وهو -بضمّ المعجمة، وسكون الهمزة، وقد تُسهّل، فتصير واوًا (فِي ثَلَاثَةٍ: الْمَرْأَةِ, وَالْفَرَسِ, وَالدَّارِ) وفي رواية: "في ثلاث"، و"الشؤم" مبتدأ، خبره الجار والمجرور. و"الشؤم": نقيض اليمن، وهو من باب الطيرة. قال ابن العربيّ: والحصر فيها بالنسبة إلى العادة، لا بالنسبة إلى الخلقة انتهى. وقال غيره: إنما خُصّت بالذكر لطول ملازمتها. وقد رواه مالك، وسفيان، وسائر الرواة بحذف "إنما"، لكن رواية عثمان بن عمر: "لا عدوى، ولا طيرة، وإنما الشؤم في الثلاثة". قال مسلم: لم يذكر أحدٌ في حديث ابن عمر: "لا عدوى" إلا عثمان بن عمر. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: في هذا النفي نظرٌ لا يخفى؛ لأنه لم ينفرد به عثمان، بل تابعه ابن وهب عند المصنّف في "عشرة النساء"، ولفظه: "أخبرنا يونس بن عبد الأعلى، قال: أنا ابن وهب، قال: أخبرني يونس، ومالك، عن ابن شهاب، عن حمزة، وسالم، عن ابن عمر: أن رسول اللَّه ﷺ قال: "لا عدوى، ولا طيرة"، إنما الشؤم في ثلاثة: المرأة، والفرس، والدار". انتهى. واللَّه تعالى أعلم. قال في "الفتح": ومثله في حديث سعد بن أبي وقّاص الذي أخرجه أبو داود، لكن

стр. 14852

فيه: "إن تكن الطيرة في شيء … " الحديث. و"الطيرة" و"الشؤم" بمعنى واحد. وظاهر الحديث أن الشؤم والطيرة في هذه الثلاثة، قال ابن قتيبة: ووجهه أن أهل الجاهليّة كانوا يتطيّرون، فنهاهم النبيّ ﷺ ، وأعلمهم أن لا طِيَرَة، فلما أبوا أن ينتهوا بقيت الطيرة في هذه الأشياء الثلاثة. قال الحافظ: فمشى ابن قتيبة على ظاهره، ويلزم على قوله أن من تشاءم بشيء منها نزل به ما يكره. قال القرطبيّ: ولا يُظنّ به أنه يحمله على ما كانت الجاهلية تعتقده بناء على أن ذلك يضرّ وينفع بذاته، فإن ذلك خطأ، وإنما عَنَى أن هذه الأشياء هي أكثر ما يتطيّر به الناس، فمن وقع في نفسه شيء أُبيح له أن يتركه، ويستبدل به غيره. وقد وقع عند البخاريّ في "النكاح" في رواية عمر العسقلانيّ -وهو ابن محمد بن زيد بن عبد اللَّه بن عمر- عن أبيه، عن ابن عمر، بلفظ: "ذكروا الشؤم، فقال: إن كان في شيء ففي" ولمسلم: "إن يك من الشؤم شيء حقّ"، وفي رواية عتبة بن مسلم "إن كان الشؤم في شيء"، وكذا في حديث جابر عند مسلم، -وهي الحديث التالي للنسائيّ هنا -وهو موافق لحديث سهل بن سعد ﵁ عند البخاريّ بلفظ: "إن كان في شيء". وهو يقتضي عدم الجزم بذلك، بخلاف رواية الزهريّ. قال ابن العربيّ: معناه: إن كان خلق اللَّه الشؤم في شيء مما جرى من بعض العادة، فإنما يخلقه في هذه الأشياء. قال المازريّ: مجمل هذه الرواية: إن يكن الشؤم حقًّا، فهذه الثلاث أحقّ به، بمعنى أن النفوس يقع فيها التشاؤم بهذا أكثر مما يقع بغيرها. وجاء عن عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - أنها أنكرت هذا الحديث، فروى أبو داود الطيالسيّ في "مسنده" عن محمد بن راشد، عن مكحول، قال: قيل لعائشة: إن أبا هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "الشؤم في ثلاثة"، فقالت: لم يحفظ، إنه دخل، وهو يقول: "قاتل اللَّه اليهود، يقولون: الشؤم في ثلاثة"، فسمع آخر الحديث، ولم يسمع أوله. قال الحافظ: ومكحول لم يسمع من عائشة، فهو منقطع. لكن روى أحمد، وابن خزيمة، والحاكم، من طريق قتادة، عن أبي حسّان: "أن رجلين من بني عامر دخلا على عائشة، فقالا: إن أبا هريرة قال: إن رسول اللَّه ﷺ قال: "الطيرة في الفرس، والمرأة، والدار"، فغضبت غضبًا شديدًا، وقالت: ما قاله، وإنما قال: "إن أهل الجاهليّة كانوا يتطيّرون من ذلك" انتهى. ولا معنى لإنكار ذلك على أبي هريرة ﵁، مع موافقة من ذكرنا من الصحابة له في ذلك.

стр. 14853

وقد تأوله غيرها على أن ذلك سيق لبيان اعتقاد الناس في ذلك، لا أنه إخبار من النبيّ ﷺ بثبوت ذلك. وسياق الأحاديث الصحيحة المتقدّم ذكرها يُبعد هذا التأويل. قال ابن العربيّ: هذا جواب ساقطٌ؛ لأنه ﷺ لم يُبعث ليخبر الناس عن معتقداتهم الماضية والحاصلة، وإنما بُعث ليعلّمهم ما يلزمهم أن يعتقدوه انتهى. وأما ما أخرجه الترمذيّ من حديث حكيم بن معاوية، قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "لا شؤم، وقد يكون الْيُمْنُ في المرأة، والدار، والفرس" ففي إسناده ضعف، مع مخالفته للأحاديث الصحيحة. وقال عبد الرزاق في "مصنّفه" عن معمر: سمعت من يفسّر هذا الحديث، يقول: شؤم المرأة إذا كانت غير وَلُود، وشؤم الفرس إذا لم يُغزَ عليه، وشؤم الدار جار السوء. وروى أبو داود في "الطبّ" عن ابن القاسم، عن مالك، أنه سئل عنه؟ فقال: كم من دار سكنها ناسٌ، فهلكوا. قال المازريّ: فيحمله مالك على ظاهره، والمعنى أن قَدَرَ اللَّهِ ربّما اتفق ما يكره عند سكنى الدار، فتصير في ذلك كالسبب، فتسامح في إضافة الشيء إليه اتساعًا. وقال ابن العربيّ: لم يُرد مالك إضافة الشؤم إلى الدار، وإنما هو عبارة عن جري العادة فيها، فأشار إلى أنه ينبغي للمرء الخروج عنها، صيانة لاعتقاده عن التعلّق بالباطل. وقيل: معنى الحديث: أن هذه الأشياء يطول تعذيب القلب بها، مع كراهة أمرها؛ لملازمتها بالسكنى، والصحبة، ولو لم يعتقد الإنسان الشؤم فيها، فأشار الحديث إلى الأمر بفراقها؛ ليزول التعذيب. قال الحافظ: وما أشار إليه ابن العربيّ في تأويل كلام مالك أولى، وهو نظير الأمر بالفرار من المجذوم، مع صحّة نفي العدوى، والمراد بذلك حسم المادّة، وسدّ الذريعة؛ لئلا يوافق شيء من ذلك القدر، فيعتقد من وقع له أن ذلك من العدوى، أو من الطيرة في اعتقاد من نُهي عن اعتقاده، فأُشير إلى اجتناب مثل ذلك. والطريق فيمن وقع له ذلك في الدار مثلاً أن يبادر إلى التحوّل منها؛ لأنه متى استمرّ فيها ربما حمله ذلك على اعتقاد صحّة الطيرة والتشاؤم. وأما ما رواه أبو داود، وصححه الحاكم، من طريق إسحاق بن عبد اللَّه بن أبي طلحة، عن أنس ﵁ قال رجلٌ: يا رسول اللَّه ﷺ ، إنا كنّا في دار، كثير فيها عددنا، وأموالنا، فتحوّلنا إلى أخرى، فقلّ فيها ذلك؟ فقال: "ذروها ذميمة"، وأخرج من حديث فروة بن مُسَيك -بالمهملة، مصغّرًا- ما يدلّ على أنه هو السائل، وله شاهد من

стр. 14854

حديث عبد اللَّه بن شداد بن الهاد، أحد كبار التابعين، وله رؤية بإسناد صحيح إليه، عند عبد الرزّاق، قال ابن العربيّ: ورواه مالك، عن يحيى بن سعيد منقطعًا، قال: والدار المذكورة في حديثه كانت دار مكمل -بضم الميم، وسكون الكاف، وكسر الميم، بعدها لام- وهو ابن عوف، أخو عبد الرحمن بن عوف، قال: وإنما أمرهم بالخروج منها لاعتقادهم أن ذلك منها، وليس كما ظنّوا، لكن الخالق جلّ وعلا جعل ذلك وفقًا لظهور قضائه، وأمرهم بالخروج منها؛ لئلا يقع لهم بعد ذلك شيء، فيستمرّ اعتقادهم. قال ابن العربيّ: وأفاد وصفها بأنها ذميمة جواز ذلك، وأن ذكرها بقبيح ما وقع فيها سائغٌ، من غير أن يعتقدأن ذلك كان منها, ولا يمتنع ذمّ محل المكروه، وإن كان ليس منه شرعًا، كما يُذمّ العاصي على معصيته، وإن كان ذلك بقضاء اللَّه تعالى. وقال الخطّابيّ: هو استثناء من غير الجنس، ومعناه إبطال مذهب الجاهليّة في التطير، فكأنه قال: إن كان لأحدكم دارٌ يكره سُكناها، أو امرأة يكره صحبتها، أو فرسٌ يكره سيره، فليفارقه، قال: وقيل: إن شؤم الدار ضيقها، وسوء جوارها، وشؤم المرأة أن لا تلد، وشؤم الفرس أن لا يُغزى عليه. وقيل: المعنى ما جاء بإسناد ضعيف، رواه الدمياطيّ في "الخيل" إذا كان الفرس ضَرُوبًا، فهو مشئوم، وإذا حنّت المرأة إلى بعلها الأول، فهي مشئومة، وإذا كانت الدار بعيدة من المسجد، لا يُسمع منها الأذان فهي مشئومة". وقيل: كان قوله ذلك في أول الأمر، ثم نُسخ ذلك بقوله تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ﴾ الآية، حكاه ابن عبد البرّ، والنسخ لا يثبت بالاحتمال، لا سيّما مع إمكان الجمع، ولا سيّما وقد ورد في نفس هذا الخبر نفي التطير، ثم إثباته في الأشياء المذكورة. وقيل: يحمل الشؤم على قلّة الموافقة، وسوء الطباع، وهو كحديث سعد بن أبي وقّاص رفعه: "من سعادة المرء المرأة الصالحة، والمسكن الصالح، والمركب الهنيء، ومن شقاوة المرء المرأة السوء، والمسكن السوء، والمركب السوء"، أخرجه أحمد. وهذا يختصّ ببعض أنواع الأجناس المذكورة، دون بعض، وبه صرّح ابن عبد البرّ، فقال: يكون لقوم دون قوم، وذلك كلّه بقدر اللَّه. وقال المهلّب ما حاصله: إن المخاطب بقوله: "الشؤم في ثلاثة" من التزم التطيّر، ولم يستطع صرفه عن نفسه، فقال لهم: إنما يقع ذلك في هذه الأشياء التي تلازم في غالب الأحوال، فإذا كان كذلك، فاتركوها عنكم، ولا تُعذّبوا أنفسكم بها، ويدلّ على ذلك تصديره الحديث بنفي الطيرة، واستدلّ لذلك بما أخرجه ابن حبّان عن أنس ﵁، رفعه: "لا طيرة، والطيرة على من تطيّر، وإن تكن في شيء، ففي المرأة … " الحديث. وفي صحّته نظر؛ لأنه من رواية عتبة بن حميد، عن عبيد اللَّه بن

стр. 14855

أبي بكر، عن أنس، وعتبة مختلف فيه. [تنبيه]: اتفقت الطرق كلها على الاقتصار على الثلاثة المذكورة، ووقع عند ابن إسحاق في رواية عبد الرزّاق المذكورة: قال معمر: قالت أم سلمة: "والسيف"، قال أبو عمر: رواه جويرية عن مالك، عن الزهريّ، جمن بعض أهل أم سلمة، عن أم سلمة - رضي اللَّه تعالى عنها -. أخرجه الدارقطنيّ في "غرائب مالك"، وإسناده صحيح إلى الزهريّ، ولم ينفرد به جويرية، بل تابعه سعيد بن داود، عن مالك، أخرجه الدارقطنيّ أيضًا، قال: والمبهم المذكور هو أبو عبيدة بن عبد اللَّه بن زمعة، سمّاه عبد الرحمن بن إسحاق، عن الزهريّ في روايته. أخرجه ابن ماجه من هذا الوجه موصولاً، فقال: عن الزهريّ، عن أبي عبيدة بن عبد اللَّه بن زمعة، عن زينب بنت أم سلمة، عن أم سلمة، أنها حدّثت بهذه الثلاثة، وزادت فيهنّ "والسيف". وأبو عبيدة المذكور هو ابن بنت أم سلمة، أمه زينب بنت أم سلمة. وقد روى النسائيّ حديث الباب من طريق ابن أبي ذئب، عن الزهريّ، فأدرج فيه "السيف"، وخالف فيه في الإسناد أيضًا (١). قاله في "الفتح" (٢). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا متّفقٌ عليه. [تنبيه]: من الغريب أن الشيخ الألباني ضعف حديث ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما - بهذا اللفظ: "الشؤم في ثلاثة"، ولفظ: "إنما الشؤم في ثلاثة"، وادّعى أنه شاذّ، وإنما المحفوظ لفظ: "إن كان الشؤم في شيء ففي … " انظر كتابه "ضعيف سنن النسائي" ص١٣٠، و"السلسلة الصحيحة" ٢/ ٧٢٤ - ٧٢٨ رقم ٩٩٣. واستدلّ على ذلك بإنكار عائشة المتقدّم، مع أنه لا يصحّ لانقطاعه. وبالجملة فالحديث أخرجه الشيخان باللفظ المذكور، ولا سبيل إلى تضعيفه، وقد تقدّم تأويله بما لا يتعارض مع حديث لا عدوى، فتبصّر بالإنصاف، ولا تتحيّر بالاعتساف، واللَّه الهادي إلى سواء السبيل.

стр. 14856

(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٥/ ٣٥٩٥ - و ٣٥٩٦ - وفي "الكبرى" ٦/ ٤٤٠٩ و ٤٤١٠ و"عشرة النساء" ٣٩٣ و ٣٩٤ و٣٩٥ و ٣٩٦ و ٣٩٧ و ٣٩٨ و ٣٩٩ و ٤٠٠ و ٤٠١ و ٤٠٢ و ٤٠٣. وأخرجه (خ) في "الجهاد" ٢٩٥٨ و"النكاح" ٥٠٩٣ و ٥٠٩٤ و"الطبّ" ٥٧٥٣ و ٥٧٧٢ (م) في "الطبّ" ٢٢٢٥ (د) في "الطبّ" ٣٩٢٢ (ت) في "الأدب" ٢٨٢٤ (ق) في "النكاح" ١٩٩٥ (أحمد) في "مسند المكثرين" ٦٣٦٩ (الموطأ) في "الجامع" ١٨١٧. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو إثبات الشؤم في هذه الأشياء الثلاثة، وتقدّم تفسير ذلك بما فيه الكفاية، وللَّه الحمد والمنّة. (ومنها): عناية الشارع بقطع عروق الشرك التي تسبب لإفساد عقيدة المؤمن، فلا يجوز له أن ينسب النفع والضرّ إلى غير اللَّه ، على ما كان عليه الجاهليّة، من التشاؤم ببعض الأشياء، فينسبون الضرّ إليها، دون خالقها، وهو ظلم عظيم. (ومنها): عنايته أيضًا بتخفيف ما عساه يأتي إلى نفس المؤمن أن هذا الشيء يأتيه منه الضرر، بناء على ما جرت به سنة اللَّه تعالى في خلقه، من التسبب لإيصال الضرّ إلى الناس بتقدير منه ، فأباح له إذا اتفق له ذلك، كما في هذه الأشياء الثلاثة المذكورة في الحديث أن يبعد عنه، ويتركه؛ سدًّا للذريعة، وقطعًا لطمع الشيطان في إيصال الوسوسة بسببه إليه، فإذا اتفق للشخص ضيق من امرأة، أو فرس، أو دار، بسبب عدم الملايمة، فله أن يتخلّص منها بإبعادها عنه، وقطع الصلة بينها وبينه، حتى لا يقع في الحرج، لكن بشرط أن يعلم أن الضرّ والنفع من اللَّه وحده لا شريك له، وإنما هذه الأشياء مما جرت به العادة في التسبب لحصول الضرر. وهذا فضل من اللَّه على عباده حيث ييسّر لهم التخلّص فيما يتضايقون منه، وله الحمد في الأولى والآخرة. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٥٩٧ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى, قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ, قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ, عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ, عَنْ جَابِرٍ, أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «إِنْ يَكُ فِي شَيْءٍ, فَفِي الرَّبْعَةِ, وَالْمَرْأَةِ, وَالْفَرَسِ»). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (محمد بن عبد الأعلى) الصنعانيّ، ثم البصريّ، ثقة [١٠] ٥/ ٥.

стр. 14857

٢ - (خالد) بن الحارث الْهُجيميّ البصريّ، ثقة ثبت [٨] ٤٢/ ٤٧. ٣ - (ابن جريج) هو عبد المك بن عبد العزيز بن جريج الأمويّ مولاهم المكيّ، ثقة فقيه فاضل، يدلّس ويرسل [٦] ٢٨/ ٣٢. ٤ - (أبو الزبير) محمد بن مسلم بن تدْرُس المكيّ، صدوق يدلّس [٤] ٣١/ ٣٥. ٥ - (جابر) بن عبد اللَّه بن عمرو بن حرام الأنصاريّ السَّلَميّ الصحابيّ ابن الصحابيّ - رضي اللَّه تعالى عنهما - ٣١/ ٣٥. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمكيين، غير شيخه، وخالد، فبصريان. (ومنها): أن فيه جابرًا - رضي اللَّه تعالى عنه - من المكثرين السبعة، روى (١٥٤٠) حديثًا. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ جَابِرٍ) بن عبد اللَّه - رضي اللَّه تعالى عنهما -، وقد صرح كلّ من ابن جريج، وأبي الزبير بالإخبار في "صحيح مسلم"، ولفظه: "أخبرني أبو الزبير، أنه سمع جابر بن عبد اللَّه يخبر عن رسول اللَّه ﷺ … " الحديث (أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، قال: "إِنْ يَكُ فِي شَيْءٍ) هكذا نسخ "المجتبى" بدون ذكر اسم "يك"، فيكون ضميرًا عائدًا إلى الشؤم، وقد صُرّح به في "الكبرى"، ولفظه: "إن يك الشؤم في شيء". و"يك" أصلها "يكون"، حذف نونها تخفيفًا، وهذا إذا جزمت، كما قال ابن مالك في "خلاصته": وَمِنْ مُضَارعٍ لِكَانَ مُنْجزِمْ … تُحْذَفُ نُونٌ وَهْوَ حَذْفٌ مَا الْتُزِمْ ومذهب سيبويه أنها لا تحذف عند ملاقاة ساكن، فلا يقال: لم يك الرجل، وأجازه يونس، وعليه تحمل الرواية المذكورة في "الكبرى"، وقرىء شاذًّا: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الآية (فَفِي الرَّبْعَةِ) -بفتح الراء، وسكون الموحّدة-: المنزل. وفي "اللسان": الربع: المنزل، ودار الإقامة، وربع القوم محلّتهم، يقال: ما أوسع رَبْعَ بني فلان. والرَّبْعَةُ أخصّ من الرَّبْع انتهى (وَالْمَرْأَةِ، وَالْفَرَسِ) تقدّم شرح الحديث مستوفًى في الذي قبله. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته

стр. 14858

حديث جابر - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا أخرجه مسلم. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٥/ ٣٥٩٧ - وفي "الكبرى" ٦/ ٤٤١٢. وأخرجه (م) في "الطبّ" ٢٢٢٧ (أحمد) في "باقي مسند المكثرين" ١٤١٦٤. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ٦ - (بَابُ بَرَكَةِ الْخَيْلِ) ٣٥٩٨ - (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ, قَالَ: أَنْبَأَنَا النَّضْرُ, قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ, عَنْ أَبِي التَّيَّاحِ, قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا ح وَأَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى, قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ, قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو التَّيَّاحِ, عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ, قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «الْبَرَكَةُ فِي نَوَاصِى الْخَيْلِ»). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (إسحاق بن إبراهيم) ابن راهويه المروزيّ، ثقة ثبت [١٠] ٢/ ٢. ٢ - (محمد بن بشار) العبديّ، أبو بكر بندار البصريّ، ثقة حافظ [١٠] ٢٤/ ٢٧. ٣ - (النضر) بن شُميل المازنيّ، أبو الحسن النحويّ البصريّ، نزيل مرو، ثقة ثبت، من كبار [٩] ٤١/ ٤٥. ٤ - (يحيى) بن سعيد القطّان البصريّ، ثقة ثبت إمام [٩] ٤/ ٤. ٥ - (شعبة) بن الحجاج المذكور قبل باب. ٦ - (أبو التياح) يزيد بن حميد الضُّبَعيّ البصريّ، ثقة ثبت [٥] ٥٣/ ٦٧. ٧ - (أنس) بن مالك - رضي اللَّه تعالى عنه - ٦/ ٦. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أن شيخه الثاني أحد التسعة الذين يروي عنهم الجماعة بلا واسطة. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين، غير إسحاق، فمروزيّ، ثم نزيل نيسابوريّ.

стр. 14859

(ومنها): أن فيه أنسًا ﵁ من المكثرين السبعة. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) - رضي اللَّه تعالى عنه -، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : الْبَرَكَةُ فِي نَوَاصِى الْخَيْلِ). جملة ممن مبتدإٍ وخبر، مستأنفة بَيَّنَ بها أن الخير ملازم لنواصي الخيل. قال في "الفتح": قوله: "البركة في نواصي الخيل" كذا وقع، ولا بُدّ فيه من شيء محذوف يتعلّق به الجار والمجرور، وأولى ما يقدّر ما ثبت في رواية أخرى، فقد أخرجه الإسماعيليّ، من طريق عاصم بن عليّ، عن شعبة، بلفظ: "البركة تنزل في نواصي الخيل". وأخرجه من طريق ابن مهديّ، عن شعبة، بلفظ: "الخير معقود في نواصي الخيل". وعند البخاريّ في "علامات النبوّة" من طريق خالد بن الحارث، عن شعبة، بلفظ حديث عروة البارقيّ (١)، إلا أنه ليس فيه: "إلى يوم القيامة". قال عياضٌ: إذا كان في نواصيها البركة، فيبعد أن يكون فيها شؤم، فيحتمل أن يكون الشؤم المتقدّم ذكره في غير الخيل التي رُبطت للجهاد، وأن الخيل التي أُعدّت له هي المخصوصة بالخير والبركة، أو يقال: الخير والشرّ يمكن اجتماعهما في ذات واحدة، فإنه فُسّر الخير بالأجر والمغنم، ولا يمنع ذلك أن يكون ذلك الفرس مما يُتشاءم به انتهى (٢). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث أنس - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٦/ ٣٥٩٨ - وفي "الكبرى" ٧/ ٤٤١٤. وأخرجه (خ) في "الجهاد والسير" ٢٨٥١ و "المناقب" ٣٦٤٥ (م) في "الإمارة" ١٨٧٤ (أحمد) في "باقي مسند المكثرين" ١١٧١٥ و١١٨٨١ و١٢٣٤٠. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أُنيب". …

стр. 14860

قال الجامع الفقير إلى مولاه الغنيّ القدير، محمد ابن الشيخ عليّ بن آدم بن موسى الإتْيُوبيّ الولّويّ، نزيل مكة المكرّمة، - عفا اللَّه تعالى عنه - وعن والديه ومشايخه آمين: قد انتهيت من كتابة الجزء التاسع والعشرين من شرح سنن الإمام الحافظ الحجة أبي عبد الرحمن النسائيّ -رحمه اللَّه تعالى-، المسقى "ذخيرةَ العُقْبَى في شرح المجتبى"، أو "غاية المنى في شرح المجتنى". وذلك بحيّ الزهراء، مخطّط الأمير طلال، في مكة المكرمة زادها اللَّه تعالى تشريفًا وتعظيمًا، وجعلني من خيار أهلها حيًّا وميتًا، وأَعْظِمْ به تكريمًا. وأخر دعوانا ﴿أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾. ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠) وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (١٨١) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. "اللهم صلّ على محمد، وعلى آل محمد، كما صلّيت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد. اللهم بارك على محمد، وعلى آل محمد، كما باركت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد". "السلام عليك أيها النبيّ، ورحمة اللَّه، وبركاته". ويليه -إن شاء اللَّه تعالى- الجزء الثلاثون مفتتحًا بالباب ٧ "باب فَتْل ناصية الفرس" الحديث رقم ٣٥٩٩. "سبحانك اللهمّ، وبحمدك، اشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك، وأتوب إليك".

стр. 14861

شرح سنن النسائي المسمَّى ذخيرة العقبى في شرح المجتبى لجامعه الفقير إلى مولاه الغني القدير محمد ابن الشيخ العلامة علي بن آدم بن موسى الأيتوبي الوَلَّوي المدرس بدار الحديث الخيرية بمكة المكرمة عفا اللَّه عنه وعن والديه آمين الجزء التاسع والعشرون دار آل بروم للنشر والتوزيع

стр. 14862

جميع الحقوق محفوظة الطبعة الأولى ١٤٢٤هـ - ٢٠٠٣م دار آل بروم للنشر والتوزيع المملكة العربية السعودية - مكة المكرمة - المكتب الرئيسي التنعيم ص ب: ٤١٤٥ - (تلفاكس ٥٢١١٥٧٦ - جوّال ٠٥٥٥٤١٠٢٦)

стр. 14863

شرح سنن النسائيّ

стр. 14864

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 14865

٧ - (بَابُ فَتْلِ نَاصِيَةِ الْفَرَسِ) قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "الفَتْل" -بفتح الفاء، وسكون التاء المثناة الفوقية-: لَيُّ الشيءِ، يقال: فَتَل الحبل وغيره يَفْتِله فَتْلًا، من باب ضرب: إذا لَوَاه. و"الناصية": قُصاص الشعر، وجمعها النواصي. قاله في "المصباح"، وفي "القاموس": الناصية، والنّاصَاة: قُصاص الشعر. انتهى. وقُصَاص الشعر مثلّث القاف، والضمُّ أعلى: نهايةُ منبته، ومُنقَطعه على الرأس في وسطه، وقيل: قصاص الشعر حَدّ القَفَا، وقيل: هو حيث تنتهي نبته من مُقدّمه ومؤخّره، وقيل: قصاص الشعر نهاية منبته من مقدّم الرأس، ويقال: هو ما استدار به كلّه من خلف وأمام وما حواليه. أفاده في "اللسان". واللَّه تعالى أعلم بالصواب. ٣٥٩٩ - (أَخْبَرَنَا عِمْرَانُ بْنُ مُوسَى, قَالَ: حَدَّثَنَا (١) عَبْدُ الْوَارِثِ, قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ, عَنْ عَمْرِو بْنِ سَعِيدٍ, عَنْ أَبِي زُرْعَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ جَرِيرٍ, عَنْ جَرِيرٍ, قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ , يَفْتِلُ نَاصِيَةَ فَرَسٍ, بَيْنَ أُصْبُعَيْهِ, وَيَقُولُ: «الْخَيْلُ مَعْقُودٌ فِي نَوَاصِيهَا الْخَيْرُ, إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ: الأَجْرُ, وَالْغَنِيمَةُ»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (عمران بن موسى) القزّاز الليثيّ، أبو عمرو البصريّ، صدوق [١٠] ٦/ ٦. ٢ - (عبد الوارث) بن سعيد بن ذكران العنبريّ مولاهم، أبو عُبيدة التَّنُّوريّ البصريّ، ثقة ثبت [٨] ٦/ ٦. ٣ - (يونس) بن عُبيد بن دينار العبديّ، أبو عُبيد البصريّ، ثقة ثبت فاضلٌ ورعٌ [٥] ٨٨/ ١٠٩. ٤ - (عمرو بن سعيد) القرشيّ، أو الثقفيّ مولاهم، أبو سعيد البصريّ، ثقة [٥] ٣٩/ ٣٢٧٩. ٥ - (أَبُو زُرْعَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ جَرِيرِ) بن عبد اللَّه البجليّ الكوفيّ، قيل: اسمه هَرِم، وقيل: عمرو، وقيل: عبد اللَّه، وقيل: عبد الرحمن، وقيل: جرير ثقة [٣] ٤٣/ ٥٠. ٦ - (جرير) بن عبد اللَّه بن جابر البجليّ الصحابيّ المشهور ﵁، مات سنة (٥١) وقيل: بعدها ٤٣/ ٥١. واللَّه تعالى أعلم.

стр. 14866

لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله عندهم رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه من رجال الأربعة إلا أبا داود. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين إلى أبي زرعة، فإنه، والصحابيّ كوفيان. (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: يونس، عن عمرو، وهو من رواية الأقران؛ لأن كلا من يونس وعمرو بن سعيد من الطبقة الخامسة، ورواية الراوي، عن جدّه: أبي زرعة، عن جرير ﵁. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ جَرِيرٍ) بن عبد اللَّه - رضي اللَّه تعالى عنه -، أنه (قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَفْتِلُ) -بفتح أوله، وكسر ثالثه- يقال: فتله يفتِله، من باب ضرب: إذا لواه، كفَتَّله- بالتشديد- فهو فَتِيلٌ، ومَفْتُولٌ. أفاده في "القاموس" (نَاصِيَةَ فَرَسٍ) أي شعره المسترسل على جبهتها (بَيْنَ أُصْبُعَيْهِ) ولفظ مسلم: "قال: رأيت رسول اللَّه ﷺ يَلْوِي ناصية فرسه بإصبعه" (وَيَقُولُ: الْخَيْلُ مَعْقُودٌ) أي مَلْويٌّ، مضفورٌ (فِي نَوَاصِيهَا الْخَيْرُ) قال الخطّابيّ وغيره: قالوا: كنى بالناصية عن جميع ذات الفرس، يقال: فلانٌ مبارك الناصية، ومبارك الغرّة: أي الذات. انتهى. وقال السنديّ: "معقود": أي ملازم لها، كأنه معقود فيها، كذا في "المجمع"، والمراد أنها أسباب لحصول الخير لصاحبها، فاعتبر ذاك كأنه عَقْدٌ للخير فيها، ثم لما كان الوجه هو الأشرف، ولا يُتصوّر العقد في الوجه إلا في الناصية اعتبر ذاك عقدًا له في الناصية انتهى. وتقدّم بأتمّ من هذا في الباب الأول من "كتاب الخيل". وقوله (إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ) متعلّق بـ "معقود". وقوله (الأَجْرُ وَالْغَنِيمَةُ) بالرفع بدلٌ من "الخير"، أو عطف بيان له، أو خبر لمحذوف، أي هو الأجر والغنيمة. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث. (المسألة الأولى): في درجته: حديث جرير بن عبد اللَّه - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا أخرجه مسلم. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٧/ ٣٥٩٩ - وفي "الكبرى" ٨/ ٤٤١٤. وأخرجه (م) في "الامارة" ١٨٧٢ (أحمد) في "مسند الكوفيين" ١٨٧١٤. واللَّه تعالى أعلم.

стр. 14867

(المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان مشروعيّة فتل ناصية الفرس. (ومنها): ما كان عليه النبيّ ﷺ من الاعتناء بوسائل الجهاد. (ومنها): أنه يستحبّ للإمام وكبير القوم أن يقوم بخدمة فرسه المعدة للجهاد. (ومنها): البشرى ببقاء الإسلام وأهله إلى قيام الساعة؛ لأن بقاء الجهاد ببقاء المجاهدين، وهم المسلمون، والحمد للَّه أولا وآخرًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): (اعلم): أنه قد روى حديث "الخيلُ معقودٌ في نواصيها الخير" جمع من الصحابة: سلمة بن نُفيل تقدّم في -١/ ٣٥٨٨ - ، وأبو هريرة تقدّم في ١/ ٣٥٨٩ - وأنس بن مالك تقدّم في الباب الماضي، لكن بلفظ: "البركةُ في نواصي الخيل"، وعروة بن أبي الجعد البارقيّ، وعبد اللَّه بن عمر، وجرير بن عبد اللَّه البجليّ، هؤلاء الثلاثة في هذا الباب، وعتبة بن عبد عند أبي داود، وجابر، وأسماء بنت يزيد، وأبو ذرّ عند أحمد، والمغيرة، وابن مسعود عند أبي يعلى، وأبو كبشة عند أبي عوانة، وابن حبّان في "صحيحيهما"، وحذيفة عند البزّار، وسوادة بن الربيع، وأبو أُمامة، وعَرِيب -بفتح المهملة، وكسر الراء، بعدها تحتانيّة ساكنة، ثم موحّدة- المليكيّ، والنعمان بن بشير، وسهل ابن الحنظليّة عند الطبرانيّ، وعن عليّ عند ابن أبي عاصم في "الجهاد". وفي حديث جابر من الزيادة "في نواصيها الخير والنَّيْلُ" وهو بفتح النون، وسكون التحتانيّة، بعدها لام. وزاد أيضًا: "وأهلها معانون عليها، فخذوا بنواصيها، وادعوا بالبركة". وقوله: "وأهلها معانون عليها" في رواية سلمة بن نُفيل أيضًا (١). أفاده في "الفتح" (٢). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٦٠٠ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ, بْنُ سَعِيدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ, عَنْ نَافِعٍ, عَنِ ابْنِ عُمَرَ, عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ , قَالَ: «الْخَيْلُ فِي نَوَاصِيهَا الْخَيْرُ, إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ»). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا غير مرّة. وهو من رباعيات المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو أعلى الأسانيد له، كما تقدّم غير مرّة، وهو (١٨٠) من رباعيات الكتاب. وشرح الحديث قد تقدّم قريبًا، مستوفًى، وفيه مسألتان: (المسألة الأولى): في درجته:

стр. 14868

حديث ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٧/ ٣٦٠٠ - وفي "الكبرى" ٨/ ٤٤١٥. وأخرجه (خ) في "الجهاد والسير" ٢٨٤٩ و "المناقب" ٣٦٤٤ (م) في "الإمارة" ١٨٧١ (ق) في "الجهاد" ٢٧٨٧ (أحمد) "مسند المكثرين" ٤٦٠٢ و٤٨٠١ و ٥٠٨٣ و ٥١٧٨ و ٥٧٣٤ و ٥٧٤٩ (الموطأ) "الجهاد" ١٠١٦. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٦٠١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ, أَبُو كُرَيْبٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ إِدْرِيسَ, عَنْ حُصَيْنٍ, عَنْ عَامِرٍ, عَنْ عُرْوَةَ الْبَارِقِيِّ, قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «الْخَيْلُ مَعْقُودٌ فِي نَوَاصِيهَا الْخَيْرُ, إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ»). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا غير مرّة. و"ابن إدريس": هو عبد اللَّه الأوديّ الكوفيّ. و"حُصين": هو ابن عبد الرحمن، أبو الهذيل الكوفيّ. و"عامر": هو الشعبيّ. و"عروة البارقيّ" وفي الرواية التالية: "عروة بن أبي الجعد"، وفي رواية "عروة بن الجعد"، ويقال: عروة بن عياض بن أبي الجعد الأزديّ البارقيّ، صحابيّ، سكن الكوفة. روى عن النبيّ ﷺ ، وعن عمر، وسعد بن أبي وقّاص. وعنه شبيب بن غَرْقَد، والشعبيّ، والعَيْزَار بن حُريث، وغيرهبم. قال ابن البرقيّ: جاء عنه ثلاثة أحاديث. وقال غيره: استعمله عمر على قضاء الكوفة (١)، وضمّ إليه سليمان بن ربيعة قبل شُريح. وقال الشعبيّ: أوّل من قضى على الكوفة عروة بن الجعد البارقيّ. وصوّب ابن المدينيّ أنه عروة بن أبي الجعد. وذكر أنّ اسم ابن أبي الجعد سعد. وأما الرشاطيّ، فقال: هو عروة بن عياض بن أبي الجعد، نُسب في الرواية إلى جدّه، قال: وكان ممن شهد فتح الشام، ونزلها، ثم نقله عثمان إلى الكوفة. وكان يرتبط الخيل الكثيرة حتى قال الراوي: رأيت في داره سبعين فرسًا (٢). وفي "الإصابة": وهو الذي أرسله النبيّ ﷺ -ليشتري الشاة بدينار، فاشترى به شاتين … " والحديث مشهور في البخاريّ وغيره (٣). روى له الجماعة، وله عند

стр. 14869

المصنّف في هذا الكتاب حديث الباب فقط. [تنبيه]: "البارقي" - بالموحّدة، وكسر الراء، بعدها قاف-: نسبة إلى بارق، جبل باليمن. وقيل: ماء بالسراة، نزله بنو عديّ بن حارثة بن عمر، وقبيلة من الأزد، ولُقّب به منهم سعد بن عديّ، وكان يقال له: بارق، وزعم الرشاطيّ أنه منسوب إلى ذي بارق قبيلة من ذي رعين (١). واللَّه تعالى أعلم. والسند مسلسل بالكوفيين، وفيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، وشيخه هو أحد التسعة الذين روى عنهم أصحاب الأصول الستة بلا واسطة، وقد تقدّم هذا عير مرّة. وشرح الحديث سبق مستوفًى قريبًا، وفيه مسألتان: (المسألة الأولى): في درجته: حديث عروة البارقيّ - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٧/ ٣٦٠١ و ٣٦٠٢ و ٣٦٠٣ و ٣٦٠٤ و٣٦٠٥ - وفي "الكبرى" ٨/ ٤٤١٦ و ٤٤١٧ و ٤٤١٨ و ٤٤١٩. وأخرجه (خ) "الجهاد والسير" ٣٨٥٠ و ٢٨٥٢ و "فرض الخمس" ٣١١٩ و"المناقب" ٣٦٤٣ (م) "الإمارة" ١٨٧٣ (ت) "الجهاد" ١٦٩٤ (ق) "التجارات" ٢٣٠٥ و"الجهاد" ٢٧٨٦ (أحمد) "مسند الكوفيين" ١٨٨٦٥ و١٨٨٦٩ (الدارمي) "الجهاد" ٢٤٢٦ و ٢٤٢٧. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٦٠٢ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى, وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ, قَالَا: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ, عَنْ شُعْبَةَ, عَنْ حُصَيْنٍ, عَنِ الشَّعْبِيِّ, عَنْ عُرْوَةَ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ, أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ , يَقُولُ: «الْخَيْلُ مَعْقُودٌ فِي نَوَاصِيهَا الْخَيْرُ, إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ: "الأَجْرُ وَالْمَغْنَمُ"). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "ابن أبي عديّ": هو محمد بن إبراهيم البصريّ. وشيخا المصنّف من مشياخ الأئمة الستة بلا واسطة، كما ذكرناه في محمد بن العلاء في السند الماضي. والحديث متّفقٌ عليه، وقد سبق القول فيه لي الحديث الذي قبله. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٦٠٣ - (أَخْبَرَنَا (٢) عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ, قَالَ: أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ, قَالَ: أَنْبَأَنَا شُعْبَةُ, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي السَّفَرِ, عَنِ الشَّعْبِيِّ, عَنْ عُرْوَةَ, قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ ,

стр. 14870

يَقُولُ: «الْخَيْلُ مَعْقُودٌ فِي نَوَاصِيهَا الْخَيْرُ, إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ: الأَجْرُ وَالْمَغْنَمُ»). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "عمرو بن عليّ": هو الفلّاس. و"محمد بن جعفر": هو غندر. و"عبد اللَّه بن أبي السفر" -بفتح الفاء- اسم أبيه سعيد بن يُحمِد، وقيل: ابن أحمد. الهمدانيّ الثوريّ الكوفيّ. والحديث متّفقٌ عليه، وسبق البحث فيه قريبًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٦٠٤ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ, قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ, قَالَ: أَنْبَأَنَا شُعْبَةُ, قَالَ: أَخْبَرَنِي حُصَيْنٌ, وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي السَّفَرِ, أَنَّهُمَا سَمِعَا الشَّعْبِيَّ, يُحَدِّثُ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ, عَنِ النَّبِيِّ ﷺ , قَالَ: «الْخَيْلُ مَعْقُودٌ فِي نَوَاصِيهَا الْخَيْرُ, إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ: الأَجْرُ وَالْمَغْنَمُ»). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "عبد الرحمن": ابن مهديّ. والحديث متّفقٌ عليه، كما سبق البحث فيه قريبًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أُنيب". … ٨ - (تَأْدِيبُ الرَّجُلِ فَرَسَهُ) قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "التأديب": تعليم الرياضة (١)، وهو مصدر أدّب مشدّدًا، مبالغة في أَدَب مخفّفًا، يقال: أَدَبته أدْبًا، من باب ضرب: إذا علّمته رياضة النفس، ومحاسن الأخلاق، قال أبو زيد الأنصاريّ: الأدب يقع على كلّ رياضة محمودة، يتخرّج بها الإنسان في فضيلة من الفضائل. وقال الأزهريّ نحوه. فالأدب اسم لذلك، والجمع آداب، مثلُ سَببٍ وأسباب، وأدّبته تأديبًا مبالغة وتكثيرٌ. أفاده الفيّوميّ. واللَّه تعالى أعلم بالصواب. ٣٦٠٥ - (أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مُجَالِدٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ, عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ, قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو سَلاَّمٍ الدِّمَشْقِيُّ, عَنْ خَالِدِ بْنِ يَزِيدَ الْجُهَنِيِّ, قَالَ: كَانَ عُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ, يَمُرُّ بِي, فَيَقُولُ: يَا خَالِدُ, اخْرُجْ بِنَا نَرْمِي, فَلَمَّا كَانَ

стр. 14871

ذَاتَ يَوْمٍ, أَبْطَأْتُ عَنْهُ, فَقَالَ: يَا خَالِدُ, تَعَالَ أُخْبِرْكَ بِمَا قَالَ: رَسُولُ اللهِ ﷺ , فَأَتَيْتُهُ, فَقَالَ: قَالَ: رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ بِالسَّهْمِ الْوَاحِدِ, ثَلَاثَةَ نَفَرٍ الْجَنَّةَ: صَانِعَهُ يَحْتَسِبُ فِي صُنْعِهِ الْخَيْرَ, وَالرَّامِيَ بِهِ, وَمُنَبِّلَهُ, وَارْمُوا, وَارْكَبُوا, وَأَنْ تَرْمُوا أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ تَرْكَبُوا, وَلَيْسَ اللَّهْوُ إِلاَّ فِي ثَلَاثَةٍ: تَأْدِيبِ الرَّجُلِ فَرَسَهُ, وَمُلَاعَبَتِهِ امْرَأَتَهُ, وَرَمْيِهِ بِقَوْسِهِ وَنَبْلِهِ, وَمَنْ تَرَكَ الرَّمْيَ بَعْدَ مَا عَلِمَهُ, رَغْبَةً عَنْهُ, فَإِنَّهَا نِعْمَةٌ, كَفَرَهَا». أَوْ قَالَ: «كَفَرَ بِهَا»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (الحسن بن إسماعيل بن مجالد) أبو سعيد المجالديّ المصّيصيّ، ثقة [١٠] ٢٦/ ٤٣٢. من أفراد المصنّف. [تنبيه]: وقع في نسخ "المجتبى" "الحسين بن إسماعيل" بصيغة المصغّر بدل الحسن، وهو تصحيفٌ فاحش، والصواب الحسن بصيغة المكبّر، وهو الذي في "الكبرى"، ومن العجيب الغريب أنه ليس في الكتب الستة من يسمّى الحسين بن إسماعيل أصلًا، وأما الحسن بن إسماعيل، فهو هذا عند المصنّف، ولا يوجد فيها بهذا الاسم غيره، فتنبّه. واللَّه تعالى أعلم. ٢ - (عيسى بن يونس) بن أبي إسحاق السبيعي، ثقة مأمون [٨] ٨/ ٨. ٣ - (عبد الرحمن بن بزبد بن جابر) أبو عُتْبَة الأزديّ الشاميّ الدارانيّ، ثقة [٧] ٤٥/ ٥٩٥. ٤ - (أبو سَلاّم الدمشقيّ) ممطور الأسود الحبشيّ، ثقة يرسل [٣] ٢/ ١٣٧٠. ٥ - (خالد بن يزيد الْجُهَنيّ) ويقال له: خالد بن زيد، مقبول [٣] ٢٦/ ٣١٤٧. ٦ - (عقبة بن عامر) الجهني، أبو حماد الصحابيّ المشهور، نزل مصر، وولي إمرتها ثلاث سنين، وكان فقيهًا فاضلًا، مات ﵁ قُرْبَ الستين من الهجرة. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ خَالِدِ بْنِ يَزِيدَ الْجُهَنِيِّ) أنه (قَالَ: كَانَ عُقْبةُ بْنُ عَامِرٍ) - رضي اللَّه تعالى عنه - (يَمُرُّ بِي، فَيقُولُ: يَا خَالِدُ، اخْرُج بِنَا نَرْمِي) هكذا النسخ بإثبات الياء، وهو صحيح، ووجهه أنه ليس جوابًا للأمر حتى يُجزمَ، وقد جاء مثل هذا في القرآن الكريم كثيرًا، كما في قوله تعالى: ﴿فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا (٥) يَرِثُنِي﴾ [مريم: ٦] برفع ﴿يَرِثُنِي﴾، وقوله تعالى: ﴿وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ﴾ الآية [طه: ٦٩] في قراء من رفع ﴿تلقفُ﴾، وقوله تعالى:

стр. 14872

﴿فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لَا تَخَافُ﴾ الآية [طه: ٧٧]، وقوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ﴾ الآية [التوبة: ١٠٣]. وجملة "نرمي" في محل نصب على الحال، أو مستأنفة. واللَّه تعالى أعلم. (فَلَمَّا كَانَ ذَاتَ يَوْمٍ, أَبْطَأْتُ عَنْهُ) أي تأخّرت عن الخروج معه (فَقَالَ: يَا خَالِدُ تَعَالَ أُخْبِرْكَ بِمَا قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ , فَأَتَيْتُهُ فَقَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ بِالسَّهْمِ الْوَاحِدِ) أي بسبب رميه على الكفار (ثَلَاثَةَ نَفَرٍ الْجَنَّةَ صَانِعَهُ يَحْتَسِبُ) أي ينوي (فِي صُنْعِهِ) بضمّ، فسكون، وفي نسخة: "في صَنْعته" بفتح، فسكون (الْخَيْرَ) أي يطلب أجره من عنده تعالى، لا من غيره (وَالرَّامِيَ بِهِ, وَمُنَبِّلَهُ) بتشديد الموحّدة، وتخفيفها، من التنبيل، أو الإنبال: أي الذي يناوله النبل ليرمي به (وَارْمُوا وَارْكَبُوا) أي لا تقتصروا على الرمي ماشيًا، واجمعوا بين الرمي، والركوب. أو المعنى اعلموا هذه الفضيلة، وتعلّموا الرمي والركوب بتأديب الفرس، والتمرين عليه، كما يُشير إليه آخر الحديث. وقال الطيبيّ: عطف "واركبوا" يدلّ على المغايرة، وأن الرامي يكون راجلًا، والراكب رامحًا، فيكون معنى قوله: "وأن ترموا أحبّ إليّ من أن تركبوا" أن الرمي بالسهم أحبّ إليّ من الطعن بالرمح انتهى. قال القاريّ: والأظهر أن معناه أن معالجة الرمي، وتعلّمه أفضل من تأديب الفرس، وتمرين ركوبه؛ لما فيه من الخيلاء والكبرياء، ولما في الرمي من النفع الأعمّ، ولذا قدّمه تعالى في قوله: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ﴾ الآية [الأنفال: ٦٠]. مع أنه لا دلالة في الحديث على الرمح أصلًا انتهى (١) (وَأَنْ تَرْمُوا أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ تَرْكَبُوا) فإن الرمي من الأسباب القريبة، وأيضًا يعمّ الراكب والماشي، ومعرفة الركوب لا يحتاج إليها إلا الراكب (وَلَيْسَ اللَّهْوُ) قال السنديّ: أي المشروع، أو المباح، أو المندوب، أو نحو ذلك، فهو على حذف الصفة، مثل: ﴿وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾ [الكهف: ٧٩] أي صالحة، أو التعريف للعهد. وقال السيوطيّ في "حاشية سنن أبي داود": إن لفظ الحديث، كما في رواية الترمذيّ، وهو: "كلُّ شيء يلهو به الرجل باطلٌ، إلا رميه بقوسه، وتأديبه فرسه، وملاعبته امرأته، فإنهنّ من الحقّ"، ورواية الكتاب من تصرّفات الرواة، ثم نقل السيوطيّ عن بعضهم مثل ما ذكرنا من التقدير. واللَّه تعالى أعلم. انتهى كلام السنديّ (٢) (إِلاَّ فِي ثَلَاثَةِ: تَأْدِيبِ الرَّجُلِ) بالجرّ بدلًا من "ثلاثة"، ويجوز قطعه إلى الرفع، والنصب (فَرَسَهُ) بالنصب مفعول

стр. 14873

"تأديب": أي تعليمه إياه بالركض، والجوَلان على نيّة الغزو (ومُلَاعَبتِهِ امْرَأَتَهُ، وَرَمْيِهِ بِقَوْسِهِ وَنَبْلِهِ) بفتح، فسكون: السهام العربيّة، وهي مؤنّثة، ولا واحد لها من لفظها، بل الواحد سَهْمٌ، فهي مفردة اللفظ، مجموعة المعنى. قاله الفيّوميّ (وَمَنْ تَرَكَ الرَّمْىَ بَعْدَ مَا عَلِمَهُ رَغْبَةً عَنْهُ) أي إعراضا عن الرمي (فَإِنَّهَا نِعْمَةٌ, كَفَرَهَا) قال القاري: هذا علّة لجواب الشرط المقدّر: أي فليس منّا، أو قد عصى. انتهى (١) وإنما أنّث الضمير في قوله: "فإنها نعمة" نظرًا للخبر، أو بتأويل الرمي بالحرفة. واللَّه تعالى أعلم. (أَوْ قَالَ: كَفَرَ بِهَا) شكّ من بعض الرواة، والمراد بالكفر هنا ستر تلك النعمة، وعدم القيام بشكرها، فهو من الكفران، ضدّ الشكر. والحديث ضعيف؛ لجهالة خالد بن يزيد الجهني، لكن فقرة اللَّهو قد ثبتت في حديث آخر بنحوه. وقد تقدّم تخريج هذا الحديث في "كتاب الجهاد" ٢٦/ ٣١٤٧ - "ثواب من رمى في سبيل اللَّه ". واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أُنيب". … ٩ - (بَابُ دَعْوَةِ الْخَيْلِ) قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "الدعوة" بفتح، فسكون: المرّة من الدعاء، والإضافة هنا من إضافة المصدر إلى فاعله: أي دعاء الخيل اللَّه لصاحبها. واللَّه تعالى أعلم بالصواب. ٣٦٠٦ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ, قَالَ: أَنْبَأَنَا (٢) يَحْيَى, قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ جَعْفَرٍ, قَالَ: حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ, عَنْ سُوَيْدِ بْنِ قَيْسٍ, عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ حُدَيْجٍ, عَنْ أَبِي ذَرٍّ, قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَا مِنْ فَرَسٍ عَرَبِيٍّ, إِلاَّ يُؤْذَنُ لَهُ, عِنْدَ كُلِّ سَحَرٍ بِدَعْوَتَيْنِ: اللَّهُمَّ خَوَّلْتَنِي مَنْ خَوَّلْتَنِي مِنْ بَنِي آدَمَ, وَجَعَلْتَنِي لَهُ, فَاجْعَلْنِى أَحَبَّ أَهْلِهِ وَمَالِهِ إِلَيْهِ", أَوْ "مِنْ أَحَبِّ مَالِهِ وَأَهْلِهِ إِلَيْهِ"). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (عمرو بن عليّ) الفلاّس، أبو حفص البصريّ، ثقة ثبت [١٠] ٤/ ٤.

стр. 14874

٢ - (يحيى) بن سعيد القطّان البصريّ الإمام الحجة الثبت [٩] ٤/ ٤. ٣ - (عبد الحميد بن جعفر) بن عبد اللَّه بن الحكم بن رافع الأنصاريّ المدنيّ، صدوقٌ رمي بالقدر، وربما وَهِمَ [٦] ٢٦/ ٩١٤. ٤ - (يزيد بن أي حبيب) سُويد، أبو رجاء المصريّ، ثقة فقيه، كان يرسل [٥] ١٣٤/ ٢٠٧. ٥ - (سويد بن قيس) التُّجيبيّ المصريّ، هو ثقة [٣] ١٨٦/ ٢٩٤. ٦ - (معاوية بن حُديج) -بضم الحاء، وفتح الدال المهملتين، آخره جيم، مصغّرًا - الكنديّ، أبو عبد الرحمن، أو أبو نعيم صحابيّ صغير. وقد ذكره بعضهم في التابعين، تقدّم في ١٨٦/ ١٩٤. ٧ - (أبو ذرّ) الغفاريّ الصحابيّ المشهور ﵁ جندب بن جُنادة على الصحيح الصحابيّ المشهور، تقدّم إسلامه، وتأخّرت هجرته، فلم يشهد بدرًا، مات سنة (٣٢) في خلافة عثمان - رضي اللَّه تعالى عنهما -، تقدم في ٢٠٣/ ٣٢٢. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سباعيّات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير سُويد بن قيس، فإنه من رجال المصنّف، وأبي داود، وابن ماجه. (ومنها): أن فيه رواية صحابيّ، عن صحابيّ، وتابعي عن تابعيّ. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عن أبِي ذرّ) الغفاريّ - رضي اللَّه تعالى عنه -. [تنبيه]: وقع في النسخة الهنديّة "عن أبي زرعة" بدل "عن أبي ذرّ"، وهو تصحيفٌ فاحش، وما هنا هو الذي في النسخ المطبوعة، و"الكبرى" -٣/ ٣٦ رقم ٤٤٠٥ - و"تحفة الأشراف" -٩/ ١٨٣ - ١٨٤. فتنبّه. واللَّه تعالى أعلم. أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَا مِنْ فَرَسِ" يقع على الذكر والأنثى، فيقال: هو الفرس، وهي الفرس، وتصغير الذكر فُرَيسٌ، والأنثى فُريسةٌ على القياس، وجمعت الفرس على غير لفظها، فقيل: خَيْلٌ، وعلى لفظها، فقيل: ثلاثة افراس بالهاء للذكور، وثلاث أفراس، بحذفها للإناث، ويقع على التركيّ والعربيّ. قاله الفيّوميّ (عَرَبِيٍّ) هذا يدلّ على أن هذا الدعاء خاصّ بالفرس العربيّ، وهذا سرّ لا يعلمه إلا اللَّه تعالى، ويحتمل أن يكون المراد اختصاص هذا الدعاء باللفظ العربيّ، فلا ينافي أن يدعو العجميّ باللغة العجمية، واللَّه تعالى أعلم.

стр. 14875

(إِلاَّ يُؤْذنُ لَهُ، عِنْدَ كُلِّ سَحَرٍ) بفتحتين: الوقت الذي قُبيل الصبح، وبضمّتين لغة، والجمع أسحارٌ. ولفظ "الكبرى": "عند كلّ فجر" (بِدَعْوَتينِ) أي بمرّتين من الدعاء (اللَّهُمَّ خَوَّلْتَنِي) بتشديد الواو، من التخويل، وهو التمليك (مَنْ خَوَّلْتَنِي) "من" اسم موصول مفعول "خوّتني" (مِنْ بَنِي آدَمَ) بيان و"من": أي ملّكتني من شئت أن تملّكه إياي من الناس، وقوله (وَجَعَلْتَنِى لَهُ) عطف تفسير لـ "خولتني" (فَاجْعَلْنِي أَحَبَّ أَهْلِهِ) هذه هي الدعوة الأولى، وأما جملة "اللَّهمّ خولتني الخ" فهي تمهيد للدعوتين (وَمَالِهِ إِلَيْهِ) وهذه هي الدعوة الثانية (أَو) للشكّ من بعض الرواة (مِنْ أَحَبِّ مَالِهِ وَأَهْلِهِ إِلَيْهِ). واللَّه تعالى أعلم بالصواب. والحديث صحيح، تفرّد به المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، أخرجه هنا ٩/ ٣٦٠٦ - وفي "الكبرى" ٣/ ٤٤٠٥. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أُنيب". … ١٠ - التَّشْدِيدُ فِي حَمْلِ الْحَمِيرِ عَلَى الْخَيْلِ ٣٦٠٧ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ, بْنُ سَعِيدٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ, عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ, عَنْ أَبِي الْخَيْرِ, عَنِ ابْنِ زُرَيْرٍ, عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ, ﵁, قَالَ: أُهْدِيَتْ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ بَغْلَةٌ, فَرَكِبَهَا, فَقَالَ عَلِيٌّ: لَوْ حَمَلْنَا الْحَمِيرَ عَلَى الْخَيْلِ, لَكَانَتْ لَنَا مِثْلَ هَذِهِ, قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إِنَّمَا يَفْعَلُ ذَلِكَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (قتيبة) بن سعيد البغلانيّ، ثقة ثبت [١٠] ١/ ١. ٢ - (الليث) بن سعد الفهميّ مولاهم، أبو الحارث المصريّ، ثقة ثبت إمام [٧] ٣١/ ٣٥. ٣ - (يزيد بن أبي حبيب) المصريّ المذكور في الباب الماضي. ٤ - (أبو الخير) مَرْثَد بن عبد اللَّه الْيَزَنيّ المصريّ، ثقة فقيه [٣] ٣٨/ ٥٨٢. ٥ - (ابن زُرَير) هو عبد اللَّه بن زُرير -بتقديم الزاي، مصغّرًا- الغافقيّ المصريّ،

стр. 14876

ثقة، رمي بالتشيّع [٢]. قال العجليّ: تابعيّ ثقة. وقال ابن سعد: كان ثقة، وله أحاديث. وذكره ابن حبّان في "الثقات". مات في خلافة عبد الملك بن مروان سنة (٨١) وقيل: سنة (٨٠). وقيل: سنة (٨٣). روى له المصنّف، وأبو داود، وابن ماجه، وله عند المصنّف في هذا الكتاب هذا الحديث، وحديثا إن هذين حرام على ذكور أمتي … ". في "كتاب الزينة" برقم ٥١٧١ و ٥١٧٢ و ٥١٧٣ و ٥١٧٤. ٦ - (عليّ بن أبي طالب) الهاشميّ الخليفة الراشد، أبو الحسن - رضي اللَّه تعالى عنه - ٧٤/ ٩١. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير ابن زُرير، كما تقدّم آنفًا. (ومنها): أنه مسلسل بالمصريين، غير الصحابيّ ﵁، فمدنيّ، ثم كوفيّ. (ومنها): أن فيه ثلاثة من التابعين يروي بعضهم عن بعض، وكلهم مصريون ثقات: يزيد، عن أبي الخير، عن ابن زُرير. (ومنها): أن صحابيّه ﵁ أحد الخلفاء الراشدين الأربعة، وأحد العشرة المبشّرين بالجنة - رضي اللَّه تعالى - عنهم، وابن عمّ النبيّ ﷺ ، وزوج ابنته - رضي اللَّه تعالى عنهما -. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁) أنه (قَالَ: أُهْدِيَتْ) بالبناء للمفعول (إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ بَغْلَةٌ فَرَكِبَهَا، فَقَالَ عَلِيٌّ) - رضي اللَّه تعالى عنه - فيه التفات؛ إذ الظاهر أن يقول: فقلت (لَوْ حَمَلْنَا الْحَمِيرَ عَلَى الْخَيْلِ) من الحمل: أي أنزيناها عليها، وكلمة "لو" شرطيّةٌ، وجوابها قوله (لَكَانَتْ لَنَا مِثْلَ هَذِهِ) برفع "مثلُ" على أنه اسم "كان"، وخبرها الجارّ والمجرور قبله، ويحتمل نصبه، كما هو المضبوط بالقلم في النسخ المطبوعة، على أنه خبر "كان"، واسمها ضمير يعود إلى البغلة النتيجة. واللَّه تعالى أعلم. واسم الإشارة عائد إلى بغلة رسول اللَّه ﷺ (قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : إِنَّمَا يَفْعَلُ ذَلِكَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ) أي إنما يُنزي الحمير على الخيل هم الذين لا يعلمون أحكام الشريعة، أو ما هو الأولى والأنسب بالحكمة، أو الذين لا يعلمون الثواب المرتّب على ذلك، أو منزّل منزلة اللازم: أي من ليسوا من أهل المعرفة أصلًا. قيل: سبب الكراهة هو استبدال الأدنى بالذي هو خير، فإن الخيل فيها العزّ والمنَعَة بقهر الأعداء، والاستيلاء

стр. 14877

على بلدانهم، واموالهم، بخلاف البغل، فليس لها ذلك. واستَدلّ على جواز اتخاذ البغال بركوب رسول اللَّه ﷺ عليها، وبامتنان اللَّه على الناس بقوله : ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا﴾ الآية. وقال الطيبيّ: لعلّ الإنزاء غير جائز، والركوب جائز، كالصور، فإن عملها حرام، واستعمالها في الفرش، والبسط مباح انتهى. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: فيما قاله الطبيّ نظر، وقد تقدّم تحقيق القول في ذلك في " الطهارة" -١٠٦/ ١٤١ - فراجعه تستفد. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث عليّ - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا صحيح. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-١٠/ ٣٦٠٧ - وفي "الكبرى" ١٠/ ٤٤٢١. وأخرجه (د) في "الجهاد" ٢٥٦٥ (أحمد) "مسند العشرة" ١٣٦٢. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة) في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان التشديد في إنزاء الحمير على الخيل، لكن هذا المنع محمول على التنزيه، أو على ما يؤدي إلى قطع نسلها بالكلّية، بدليل ركوبه ﷺ للبغال، وتقريره الناس على اقتنائها. (ومنها): جواز ركوب البغال, لأنه ﷺ ركبها، ولامتنان اللَّه بذلك علينا، حيث قال : ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً﴾ الآية [النحل: ٨]. (ومنها): شدّة عناية الشارع بتكثير الخيل، ونهيه عما يؤديّ إلى قطع نسلها. (ومنها): الحثّ على الجهاد في سبيل اللَّه ، وإعداد أسبابه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٦٠٨ - (أَخْبَرَنَا حُمَيْدُ بْنُ مَسْعَدَةَ, قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ, عَنْ أَبِي جَهْضَمٍ, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ, قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ ابْنِ عَبَّاسٍ, فَسَأَلَهُ رَجُلٌ, أَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ , يَقْرَأُ فِي الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ؟ , قَالَ: لَا, قَالَ: فَلَعَلَّهُ كَانَ يَقْرَأُ فِي نَفْسِهِ, قَالَ: خَمْشًا, هَذِهِ شَرٌّ مِنَ الأُولَى, إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَبْدٌ, أَمَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِأَمْرِهِ فَبَلَّغَهُ, وَاللَّهِ مَا اخْتَصَّنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ بِشَيْءٍ دُونَ النَّاسِ, إِلاَّ بِثَلَاثَةٍ: أَمَرَنَا أَنْ نُسْبِغَ الْوُضُوءَ, وَأَنْ لَا نَأْكُلَ الصَّدَقَةَ, وَلَا نُنْزِىَ الْحُمُرَ عَلَى الْخَيْلِ).

стр. 14878

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "حمّاد": هو ابن زيد. و"أبو جهضم": هو موسى بن سالم، مولى آل العبّاس، بصريّ، صدوق [٦] ١٠٦/ ١٤١. و"عبد اللَّه بن عبيد اللَّه بن عبّاس": هو الهاشميّ المدنيّ، ثقة [٤] ١٠٦/ ١٤١. وقوله: "قال: لا" هذا الجواب على حسب ظن ابن عبّاس - رضي اللَّه تعالى عنهما -، وإلا فقد ثبت في الأحاديث الصحاح عن الصحابة الآخرين أنه ﷺ كان يقرأ فيهما سرًّا، كما تقدّم البحث عن ذلك مستوفًى في محلّه، فراجع الأبواب -٥٥ و ٥٦ و ٥٧ و ٥٨ و ٥٩ و٦٠ - من "كتاب الصلاة". وقوله: "فلعلّه كان يقرأ الخ" من كلام الرجل السائل، أي لعلّ النبيّ ﷺ كان يقرأ سرًّا، فلذلك نفيت عنه القراءة. وقوله: "خَمْشًا" -بفتح الخاء المعجمة، وسكون الميم- منصوب بفعل مقدّر، يقال: خمشت المرأة وجهها بظفرها خمشًا، من باب ضرب: جرحت ظاهر البشرة. ثم يحتمل أن يكون دعا ابن عبّاس - رضي اللَّه تعالى عنهما - على الرجل بأن يُخمش وجهه؛ حيث لم يقبل جوابه، بل ردّ عليه بـ "لعله كان يقرء في نفسه". ويحتمل أن يكون غير مراد حقيقته، بل من باب "تربت يداك"، و"عقرَى، حلقَى"، و"ما له قاتله اللَّه"، مما لا يراد حقيقة الدعاء، بل مما جرت العادة بجريانه على اللسان. واللَّه تعالى أعلم. وقوله: "هذه شرّ الخ" أي هذه المسألة شرّ من مسألتك الأولى. وقوله: "فبلّغه" أي فكيف يُخفي بحيث لا يظهر أصلاً، ويلزم منه أنه ما بلّغ. لكن قد ثبتت القراء عنه ﷺ بأدلة أخرى قوليّة، وفعلية، نحو "لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب"، وحديث "كان ﷺ يقرأ في الظهر والعصر، ويسمعنا الآية أحيانًا"، إلى غير ذلك، كما أشرت قريبًا إلى ما سبق في أبواب القراءةً، والظاهر أن ابن عبّاس - رضي اللَّه تعالى - عنهما نسي ذلك، أو كان يبعد عن الصف الأول، فلم يسمعه يقرأ، فلذا أنكر ذلك. وقوله: "ما اختصّنا الخ" يعني أهل البيت. وقوله: "أمرنا أن نُسبغ الوضوء" -بضمّ النون، من الإسباغ- قال السنديّ: أي أمر إيجاب، أو ندب مؤكّد، وإلا فمطلق الندب عامّ، والوجه الحمل على الندب المؤكّد، إذ لم يقل أحد بوجوب الإسباغ في حقّ الموجودين من أهل البيت، إلا أن يقال: كان الأمر مخصوصًا في حقّ الموجودين في وقته ﷺ انتهى. وقوله: "ولا نُنزي" بضمّ النون الأولى، من الإنزاء: أي لا نحمله عليها للنسل. وهو أيضًا يحمل على تأكّد الكراهة، وإلا فأصل الكراهة عامّ. قاله السنديّ.

стр. 14879

والحديث صحيح، وتقدّم في "الطهارة" ١٠٦/ ١٤١ واستوفيتُ شرحه، وبيان مسائله هناك، فراجعه تستفد، وباللَّه تعالى التوفيق. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أُنيب". … ١١ - (عَلَفُ الْخَيْلِ) قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "العلَفُ" -بفتحتين": ما تأكله الماشية. يقال: عَلَفتُ الدّابّة عَلْفًا، من باب ضرب: إذا أطعمتها العلف، واسم الْمعلوف عَلَفٌ -بفتحتين- والجمع عِلافٌ، مثلُ جَبَل وجبال، وأعلفته بالألف لغةٌ، والمِعلف -بكسر الميم-: موضع العلف. أفاده الفيّوميّ. واللَّه تعالى أعلم بالصواب. ٣٦٠٩ - قَالَ: الْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ, قِرَاءَةً عَلَيْهِ, وَأَنَا أَسْمَعُ, عَنِ ابْنِ وَهْبٍ, حَدَّثَنِي طَلْحَةُ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ, أَنَّ سَعِيدًا الْمَقْبُرِيَّ حَدَّثَهُ, عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ: «مَنِ احْتَبَسَ فَرَسًا, فِي سَبِيلِ اللهِ, إِيمَانًا بِاللَّهِ, وَتَصْدِيقًا لِوَعْدِ اللَّهِ, كَانَ شِبَعُهُ, وَرِيُّهُ, وَبَوْلُهُ, وَرَوْثُهُ, حَسَنَاتٍ فِي مِيزَانِهِ»). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (الحارث بن مسكين) القاضي المصريّ، ثقة فقيه [١٠] ٩/ ٩. [تنبيه]: قوله: "قال الحارث" هذا ليس فيه انقطاع، بل هو متّصل، بدليل قوله: "وأنا أسمع"، وإنما ترك لفظ الإخبار، أو التحديث، إشارة إلى أنه ليس مقصودًا بالإخبار، وإنما سمع قراءة القارئ دون علم الحارث -رحمه اللَّه تعالى-؛ لما سبق في مقدّمة هذا الشرح من المنافرة بينهما، فكان يستمع القراءة وراء الحجاب، وهذا يدلّ على شدة حرص المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- على تلقي الحديث بأي وجه أمكنه، ولا يمنعه من ذلك جفاء الشيخ، فللَّه درّه ما أحرصه على الحديث رحمه اللَّه تعالى رحمة واسعة. واللَّه تعالى أعلم. ٢ - (ابن وهب) هو عبد اللَّه القرشيّ مولاهم، أبو محمد المصريّ، ثقة ثبت [٩] ٩/ ٩.

стр. 14880

٣ - (طلحة بن أبي سعيد) أبو عبد الملك القرشيّ، المصريّ، نزيل الإسكندرانية، مدنيّ الأصل، ثقة مُقلّ [٧]. قال أحمد: ما أرى به بأسًا. وقال ابن المدينيّ: معروف. وقال أبو زرعة: ثقة. وقال أبو حاتم: صالح. وقال أبو داود: روى عنه الليث، وقال فيه خيرًا. وذكره ابن حبّان في "الثقات". وقال. ابن يونس: روى عن المقبريّ، عن أبي هريرة ﵁ حديث: "من احتبس فرسًا في سبيل اللَّه … " الحديث، لم يُسنده غيره. توفي سنة (١٥٧). روى له البخاريّ، والمصنّف، وله عندهما حديث الباب فقط. ٤ - (سعيد المقبريّ) ابن أبي سعيد كيسان، أبو سَعْد المدنيّ، ثقة، تغيّر قبل موته بأربع سنين [٣] ٩٥/ ١١٧. ٥ - (أبو هريرة) - رضي اللَّه تعالى عنه - ١/ ١. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فقد تفرّد به هو وأبو داود. (ومنها): أنه مسلسل بالمصريين إلى طلحة، والباقيان مدنيان. (ومنها): أن فيه أبا هريرة ﵁ أحفظ من روى الحديث في دهره. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) - رضي اللَّه تعالى عنه - (عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ: «مَنِ احْتَبَسَ فَرَسًا) أي وقفه (فِي سَبِيلِ اللهِ) أي لأجل إعلاء كلمة اللَّه تعالى، لا للرياء، والسمعة، ففي حديث أسماء بنت يزيد - رضي اللَّه تعالى عنها - الآتي: "ومن ربطها رياء وسمعة … " الحديث، وفيه: "فإن شبعها، وجوعها الخ خسران في موازينه" (إِيمَانًا بِاللَّهِ وَتَصْدِيقًا لِوَعْدِ اللَّهِ) أي الذي وعد به من الثواب على ذلك، وفيه إشارة إلى المعاد، كما أن في لفظ الإيمان إشارة إلى المبد! (كَانَ شِبَعُهُ) بكسر أوله: أي ما يشبع به (وَرِيُّهُ) بكسر الراء، وتشديد التحتانيّة (وَبَوْلُهُ, وَرَوْثُهُ, حَسَنَاتٍ فِي مِيزَانِهِ") قال في "الفتح": يريد ثواب ذلك، لا أن الأرواث بعينها توزن انتهى (١). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قوله: "لا أن الأرواث إلخ" فيه نظر، ما المانع من إلمجراء الحديث على ظاهره؟، وقد ثبت في النصوص الأخرى وزن الأعمال، ووزن الثواب أيضًا، فالظاهر إجراء النصّ على ظاهره. ولقد أجاد السنديّ -رحمه اللَّه تعالى-،
следующие страницы →