← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 12888

ذخيرة العقبى في شرح المجتبى

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (19 271 стр.). Показаны 14876–14915 · переход к 14881.

стр. 14876

ثقة، رمي بالتشيّع [٢]. قال العجليّ: تابعيّ ثقة. وقال ابن سعد: كان ثقة، وله أحاديث. وذكره ابن حبّان في "الثقات". مات في خلافة عبد الملك بن مروان سنة (٨١) وقيل: سنة (٨٠). وقيل: سنة (٨٣). روى له المصنّف، وأبو داود، وابن ماجه، وله عند المصنّف في هذا الكتاب هذا الحديث، وحديثا إن هذين حرام على ذكور أمتي … ". في "كتاب الزينة" برقم ٥١٧١ و ٥١٧٢ و ٥١٧٣ و ٥١٧٤. ٦ - (عليّ بن أبي طالب) الهاشميّ الخليفة الراشد، أبو الحسن - رضي اللَّه تعالى عنه - ٧٤/ ٩١. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير ابن زُرير، كما تقدّم آنفًا. (ومنها): أنه مسلسل بالمصريين، غير الصحابيّ ﵁، فمدنيّ، ثم كوفيّ. (ومنها): أن فيه ثلاثة من التابعين يروي بعضهم عن بعض، وكلهم مصريون ثقات: يزيد، عن أبي الخير، عن ابن زُرير. (ومنها): أن صحابيّه ﵁ أحد الخلفاء الراشدين الأربعة، وأحد العشرة المبشّرين بالجنة - رضي اللَّه تعالى - عنهم، وابن عمّ النبيّ ﷺ ، وزوج ابنته - رضي اللَّه تعالى عنهما -. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁) أنه (قَالَ: أُهْدِيَتْ) بالبناء للمفعول (إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ بَغْلَةٌ فَرَكِبَهَا، فَقَالَ عَلِيٌّ) - رضي اللَّه تعالى عنه - فيه التفات؛ إذ الظاهر أن يقول: فقلت (لَوْ حَمَلْنَا الْحَمِيرَ عَلَى الْخَيْلِ) من الحمل: أي أنزيناها عليها، وكلمة "لو" شرطيّةٌ، وجوابها قوله (لَكَانَتْ لَنَا مِثْلَ هَذِهِ) برفع "مثلُ" على أنه اسم "كان"، وخبرها الجارّ والمجرور قبله، ويحتمل نصبه، كما هو المضبوط بالقلم في النسخ المطبوعة، على أنه خبر "كان"، واسمها ضمير يعود إلى البغلة النتيجة. واللَّه تعالى أعلم. واسم الإشارة عائد إلى بغلة رسول اللَّه ﷺ (قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : إِنَّمَا يَفْعَلُ ذَلِكَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ) أي إنما يُنزي الحمير على الخيل هم الذين لا يعلمون أحكام الشريعة، أو ما هو الأولى والأنسب بالحكمة، أو الذين لا يعلمون الثواب المرتّب على ذلك، أو منزّل منزلة اللازم: أي من ليسوا من أهل المعرفة أصلًا. قيل: سبب الكراهة هو استبدال الأدنى بالذي هو خير، فإن الخيل فيها العزّ والمنَعَة بقهر الأعداء، والاستيلاء

стр. 14877

على بلدانهم، واموالهم، بخلاف البغل، فليس لها ذلك. واستَدلّ على جواز اتخاذ البغال بركوب رسول اللَّه ﷺ عليها، وبامتنان اللَّه على الناس بقوله : ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا﴾ الآية. وقال الطيبيّ: لعلّ الإنزاء غير جائز، والركوب جائز، كالصور، فإن عملها حرام، واستعمالها في الفرش، والبسط مباح انتهى. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: فيما قاله الطبيّ نظر، وقد تقدّم تحقيق القول في ذلك في " الطهارة" -١٠٦/ ١٤١ - فراجعه تستفد. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث عليّ - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا صحيح. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-١٠/ ٣٦٠٧ - وفي "الكبرى" ١٠/ ٤٤٢١. وأخرجه (د) في "الجهاد" ٢٥٦٥ (أحمد) "مسند العشرة" ١٣٦٢. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة) في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان التشديد في إنزاء الحمير على الخيل، لكن هذا المنع محمول على التنزيه، أو على ما يؤدي إلى قطع نسلها بالكلّية، بدليل ركوبه ﷺ للبغال، وتقريره الناس على اقتنائها. (ومنها): جواز ركوب البغال, لأنه ﷺ ركبها، ولامتنان اللَّه بذلك علينا، حيث قال : ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً﴾ الآية [النحل: ٨]. (ومنها): شدّة عناية الشارع بتكثير الخيل، ونهيه عما يؤديّ إلى قطع نسلها. (ومنها): الحثّ على الجهاد في سبيل اللَّه ، وإعداد أسبابه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٦٠٨ - (أَخْبَرَنَا حُمَيْدُ بْنُ مَسْعَدَةَ, قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ, عَنْ أَبِي جَهْضَمٍ, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ, قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ ابْنِ عَبَّاسٍ, فَسَأَلَهُ رَجُلٌ, أَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ , يَقْرَأُ فِي الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ؟ , قَالَ: لَا, قَالَ: فَلَعَلَّهُ كَانَ يَقْرَأُ فِي نَفْسِهِ, قَالَ: خَمْشًا, هَذِهِ شَرٌّ مِنَ الأُولَى, إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَبْدٌ, أَمَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِأَمْرِهِ فَبَلَّغَهُ, وَاللَّهِ مَا اخْتَصَّنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ بِشَيْءٍ دُونَ النَّاسِ, إِلاَّ بِثَلَاثَةٍ: أَمَرَنَا أَنْ نُسْبِغَ الْوُضُوءَ, وَأَنْ لَا نَأْكُلَ الصَّدَقَةَ, وَلَا نُنْزِىَ الْحُمُرَ عَلَى الْخَيْلِ).

стр. 14878

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "حمّاد": هو ابن زيد. و"أبو جهضم": هو موسى بن سالم، مولى آل العبّاس، بصريّ، صدوق [٦] ١٠٦/ ١٤١. و"عبد اللَّه بن عبيد اللَّه بن عبّاس": هو الهاشميّ المدنيّ، ثقة [٤] ١٠٦/ ١٤١. وقوله: "قال: لا" هذا الجواب على حسب ظن ابن عبّاس - رضي اللَّه تعالى عنهما -، وإلا فقد ثبت في الأحاديث الصحاح عن الصحابة الآخرين أنه ﷺ كان يقرأ فيهما سرًّا، كما تقدّم البحث عن ذلك مستوفًى في محلّه، فراجع الأبواب -٥٥ و ٥٦ و ٥٧ و ٥٨ و ٥٩ و٦٠ - من "كتاب الصلاة". وقوله: "فلعلّه كان يقرأ الخ" من كلام الرجل السائل، أي لعلّ النبيّ ﷺ كان يقرأ سرًّا، فلذلك نفيت عنه القراءة. وقوله: "خَمْشًا" -بفتح الخاء المعجمة، وسكون الميم- منصوب بفعل مقدّر، يقال: خمشت المرأة وجهها بظفرها خمشًا، من باب ضرب: جرحت ظاهر البشرة. ثم يحتمل أن يكون دعا ابن عبّاس - رضي اللَّه تعالى عنهما - على الرجل بأن يُخمش وجهه؛ حيث لم يقبل جوابه، بل ردّ عليه بـ "لعله كان يقرء في نفسه". ويحتمل أن يكون غير مراد حقيقته، بل من باب "تربت يداك"، و"عقرَى، حلقَى"، و"ما له قاتله اللَّه"، مما لا يراد حقيقة الدعاء، بل مما جرت العادة بجريانه على اللسان. واللَّه تعالى أعلم. وقوله: "هذه شرّ الخ" أي هذه المسألة شرّ من مسألتك الأولى. وقوله: "فبلّغه" أي فكيف يُخفي بحيث لا يظهر أصلاً، ويلزم منه أنه ما بلّغ. لكن قد ثبتت القراء عنه ﷺ بأدلة أخرى قوليّة، وفعلية، نحو "لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب"، وحديث "كان ﷺ يقرأ في الظهر والعصر، ويسمعنا الآية أحيانًا"، إلى غير ذلك، كما أشرت قريبًا إلى ما سبق في أبواب القراءةً، والظاهر أن ابن عبّاس - رضي اللَّه تعالى - عنهما نسي ذلك، أو كان يبعد عن الصف الأول، فلم يسمعه يقرأ، فلذا أنكر ذلك. وقوله: "ما اختصّنا الخ" يعني أهل البيت. وقوله: "أمرنا أن نُسبغ الوضوء" -بضمّ النون، من الإسباغ- قال السنديّ: أي أمر إيجاب، أو ندب مؤكّد، وإلا فمطلق الندب عامّ، والوجه الحمل على الندب المؤكّد، إذ لم يقل أحد بوجوب الإسباغ في حقّ الموجودين من أهل البيت، إلا أن يقال: كان الأمر مخصوصًا في حقّ الموجودين في وقته ﷺ انتهى. وقوله: "ولا نُنزي" بضمّ النون الأولى، من الإنزاء: أي لا نحمله عليها للنسل. وهو أيضًا يحمل على تأكّد الكراهة، وإلا فأصل الكراهة عامّ. قاله السنديّ.

стр. 14879

والحديث صحيح، وتقدّم في "الطهارة" ١٠٦/ ١٤١ واستوفيتُ شرحه، وبيان مسائله هناك، فراجعه تستفد، وباللَّه تعالى التوفيق. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أُنيب". … ١١ - (عَلَفُ الْخَيْلِ) قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "العلَفُ" -بفتحتين": ما تأكله الماشية. يقال: عَلَفتُ الدّابّة عَلْفًا، من باب ضرب: إذا أطعمتها العلف، واسم الْمعلوف عَلَفٌ -بفتحتين- والجمع عِلافٌ، مثلُ جَبَل وجبال، وأعلفته بالألف لغةٌ، والمِعلف -بكسر الميم-: موضع العلف. أفاده الفيّوميّ. واللَّه تعالى أعلم بالصواب. ٣٦٠٩ - قَالَ: الْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ, قِرَاءَةً عَلَيْهِ, وَأَنَا أَسْمَعُ, عَنِ ابْنِ وَهْبٍ, حَدَّثَنِي طَلْحَةُ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ, أَنَّ سَعِيدًا الْمَقْبُرِيَّ حَدَّثَهُ, عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ: «مَنِ احْتَبَسَ فَرَسًا, فِي سَبِيلِ اللهِ, إِيمَانًا بِاللَّهِ, وَتَصْدِيقًا لِوَعْدِ اللَّهِ, كَانَ شِبَعُهُ, وَرِيُّهُ, وَبَوْلُهُ, وَرَوْثُهُ, حَسَنَاتٍ فِي مِيزَانِهِ»). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (الحارث بن مسكين) القاضي المصريّ، ثقة فقيه [١٠] ٩/ ٩. [تنبيه]: قوله: "قال الحارث" هذا ليس فيه انقطاع، بل هو متّصل، بدليل قوله: "وأنا أسمع"، وإنما ترك لفظ الإخبار، أو التحديث، إشارة إلى أنه ليس مقصودًا بالإخبار، وإنما سمع قراءة القارئ دون علم الحارث -رحمه اللَّه تعالى-؛ لما سبق في مقدّمة هذا الشرح من المنافرة بينهما، فكان يستمع القراءة وراء الحجاب، وهذا يدلّ على شدة حرص المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- على تلقي الحديث بأي وجه أمكنه، ولا يمنعه من ذلك جفاء الشيخ، فللَّه درّه ما أحرصه على الحديث رحمه اللَّه تعالى رحمة واسعة. واللَّه تعالى أعلم. ٢ - (ابن وهب) هو عبد اللَّه القرشيّ مولاهم، أبو محمد المصريّ، ثقة ثبت [٩] ٩/ ٩.

стр. 14880

٣ - (طلحة بن أبي سعيد) أبو عبد الملك القرشيّ، المصريّ، نزيل الإسكندرانية، مدنيّ الأصل، ثقة مُقلّ [٧]. قال أحمد: ما أرى به بأسًا. وقال ابن المدينيّ: معروف. وقال أبو زرعة: ثقة. وقال أبو حاتم: صالح. وقال أبو داود: روى عنه الليث، وقال فيه خيرًا. وذكره ابن حبّان في "الثقات". وقال. ابن يونس: روى عن المقبريّ، عن أبي هريرة ﵁ حديث: "من احتبس فرسًا في سبيل اللَّه … " الحديث، لم يُسنده غيره. توفي سنة (١٥٧). روى له البخاريّ، والمصنّف، وله عندهما حديث الباب فقط. ٤ - (سعيد المقبريّ) ابن أبي سعيد كيسان، أبو سَعْد المدنيّ، ثقة، تغيّر قبل موته بأربع سنين [٣] ٩٥/ ١١٧. ٥ - (أبو هريرة) - رضي اللَّه تعالى عنه - ١/ ١. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فقد تفرّد به هو وأبو داود. (ومنها): أنه مسلسل بالمصريين إلى طلحة، والباقيان مدنيان. (ومنها): أن فيه أبا هريرة ﵁ أحفظ من روى الحديث في دهره. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) - رضي اللَّه تعالى عنه - (عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ: «مَنِ احْتَبَسَ فَرَسًا) أي وقفه (فِي سَبِيلِ اللهِ) أي لأجل إعلاء كلمة اللَّه تعالى، لا للرياء، والسمعة، ففي حديث أسماء بنت يزيد - رضي اللَّه تعالى عنها - الآتي: "ومن ربطها رياء وسمعة … " الحديث، وفيه: "فإن شبعها، وجوعها الخ خسران في موازينه" (إِيمَانًا بِاللَّهِ وَتَصْدِيقًا لِوَعْدِ اللَّهِ) أي الذي وعد به من الثواب على ذلك، وفيه إشارة إلى المعاد، كما أن في لفظ الإيمان إشارة إلى المبد! (كَانَ شِبَعُهُ) بكسر أوله: أي ما يشبع به (وَرِيُّهُ) بكسر الراء، وتشديد التحتانيّة (وَبَوْلُهُ, وَرَوْثُهُ, حَسَنَاتٍ فِي مِيزَانِهِ") قال في "الفتح": يريد ثواب ذلك، لا أن الأرواث بعينها توزن انتهى (١). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قوله: "لا أن الأرواث إلخ" فيه نظر، ما المانع من إلمجراء الحديث على ظاهره؟، وقد ثبت في النصوص الأخرى وزن الأعمال، ووزن الثواب أيضًا، فالظاهر إجراء النصّ على ظاهره. ولقد أجاد السنديّ -رحمه اللَّه تعالى-،

стр. 14881

حيث قال: يدلّ على أنه كما توزن الأعمال كذلك توزن الأجرام المتعلّقة بها انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث أبي هريرة - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-١١/ ٣٦٠٩ - و"الكبرى" ١١/ ٤٤٢٣. وأخرجه (خ) "المساقاة" ٢٣٧١ و"الجهاد" ٢٨٥٣ (م) "الزكاة" ٩٨٧ (ت) "الجهاد" ١٦٣٦ (ق) ف ٢٧٨٨ (أحمد) "باقي مسند المكثرين" ٧٥٠٩ و ٨٦٤٩ و ٨٧٥٤ (الموطأ) "الجهاد" ٩٧٥. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان فضل عَلَفَ الخيل. (ومنها): أن هذا الفضل لمن عمل هذا احتسابًا عند اللَّه ، وأما من عمل ذلك رياء، وسمعة، فإنه يكون آثمًا، فقد أخرج أحمد في "مسنده" من طريق شهر بن حَوْشب، قال: حدثتني أسماء بنت يزيد، أن رسول اللَّه ﷺ قال: "الخيل في نواصيها الخير معقود أبدا، إلى يوم القيامة، فمن ربطها عُدّة في سبيل اللَّه، وأنفق عليها احتسابا في سبيل اللَّه، فإن شبعها، وجوعها، ورِيَّها، وظمأها، وأرواثها، وأبوالها فلاح في موازينه يوم القيامة، ومن ربطها رياء وسمعة، وفَرَحًا، ومَرَحًا، فإن شبعها، وجوعها، وريها، وظماها، وأرواثها، وأبوالها، خسران في موازينه يوم القيامة". حديث حسن. (ومنها): استحباب وقف الخيل للمدافعة عن المسلمين. (ومنها): أنه يُستنبط منه جواز وقف غير الخيل من المنقولات، ومن غير المنقولات من باب أولى. (ومنها): أن المرء يؤجر بنيّته، كما يؤجر العامل. (ومنها): جواز ذكر الشيء المستقذر بلفظه للحاجة. (ومنها): ما قال ابن أبي جمرة: يستفاد من هذا الحديث أن هذه الحسنات تقبل من صاحبها؛ لتنصيص الشارع على أنها في ميزانه، بخلاف غيرها، فقد لا تقبل، فلا تدخل في الميزان. وفي "سنن ابن ماجه" من حديث تميم الداريّ ﵁، مرفوعًا: "من ارتبط فرسًا في سبيل اللَّه، ثم عالج علفه بيده، كان له بكلّ حبّة حسنة" (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

стр. 14882

"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ١٢ - (غَايَةُ السَّبْقِ لِلَّتِي لَمْ تُضَمَّرْ قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: أخّر المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- في "الكبرى" هذا الباب على الباب التالى، وهو الأنسب. و"السبْقُ" -بفتح المهملة، وسكون الموحّدة-: مصدر، وهو المراد هنا، بخلاف الآتي في الترجمة الثالثة، فإنه -بفتحتين- لأن المراد الرهن يوضع لذلك، ويحتمل أن يكون بسكون السين أيضًا، كما سنوضّحه هناك، إن شاء اللَّه تعالى. وقوله: "لم تضمر" بالبناء للمفعول، من الإضمار، أو من التضمير. يقال: ضَمَرَ الفرسُ ضُمُورًا، من باب قعد، وضَمُرَ ضُمْرًا، مثلُ قَرُب قُربًا: دقّ، وقلّ لحمه، وضَمَّرته، وأضمرته: أعددته للسِّباق، وهو أن تعلفه قُوتًا بعد السمن، فهو ضامرٌ، وخيلٌ ضامرةٌ، وضَوامرُ، والمِضْمار: الموضع الذي تُضمر فيه الخيل. قاله الفيّوميّ. وسيأتي مزيد بسط لذلك قريبًا، إن شاء اللَّه تعالى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب. ٣٦١٠ - (أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مَسْعُودٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ, عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ, عَنْ نَافِعِ, عَنِ ابْنِ عُمَرَ, أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ : "سَابَقَ بَيْنَ الْخَيْلِ, يُرْسِلُهَا مِنَ الْحَفْيَاءِ, وَكَانَ أَمَدُهَا ثَنِيَّةَ الْوَدَاعِ, وَسَابَقَ بَيْنَ الْخَيْلِ الَّتِي لَمْ تُضْمَرْ, وَكَانَ أَمَدُهَا مِنَ الثَّنِيَّةِ, إِلَى مَسْجِدِ بَنِي زُرَيْقٍ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (إسماعيل بن مسعود) الْجَحْدريّ البصريّ، ثقة [١٠] ٥/ ٥. ٢ - (خالد) بن الحارث الهُجَيميّ، أبو عثمان البصريّ، ثقة ثبت [٨] ٤٢/ ٤٧. ٣ - (ابن أبي ذئب) هو محمد بن عبد الرحمن بن المغيرة بن الحارث بن أبي ذئب القرشيّ العامريّ، أبو الحارث المدنيّ، ثقة فقيه فاضل [٧] ٤١/ ٦٨٥. ٤ - (نافع) العدويّ مولى ابن عمر المدنيّ، ثقة ثبت فقيه [٣] ١٢/ ١٢. ٥ - (ابن عمر) عبد اللَّه - رضي اللَّه تعالى عنهما - ١٢/ ١٢. واللَّه تعالى أعلم.

стр. 14883

لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه من أفراده. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخه، وخالد، فبصريّان. (ومنها): أن فيه ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما - من العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنِ ابْنِ عُمَرَ) - رضي اللَّه تعالى عنهما - (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ : "سَابَقَ" أي أمر بالسباق، أو أباحه. وقال القرطبيّ: المسابقة مفاعلة، ولا تكون إلا من اثنين، وذلك أن المتسابقين إذا جعلا غايةً، وقصدا نحوها، فإن كلّ واحد منهما يُسابق صاحبه إليها انتهى (١) (بَيْنَ الْخَيْلِ) زاد في الرواية الآتية في الباب التالي: "التي قد أضمرت" (يُرْسِلُهَا) جملة جاليّة من "الخيل" (مِنَ الْحَفْياءِ) -بفتح المهملة، وسكون الفاء، ممدودًا، وزان حمراء، ويقصر-: موضع بظاهر المدينة. أفاده في "المصباح"، و"القاموس"، وقدم بعضهم الياء على الفاء. وقال القرطبيّ: موضع بينه وبين ثنية الوداع خمسة أميال، أو ستّة، على ما قاله سفيان، وقال ابن عقبة: ستة أميال، أو سبعة (٢) (وَكَانَ أَمَدُهَا) بفتحتين: أي غايتها (ثَنِيَّةَ الْوَدَاعِ) الثنيّة لغةً: الطريقة إلى العقبة، وثنية الوداع: موضع بالمدينة، سمّي بذلك؛ لأن الخارج من المدينة يمشي معه المودّعون إليها (٣) وهي التي قالت فيها نساء الأنصار، فيما يُحكى: طَلَعَ الْبدْرُ عَلَيْنَا … مِنْ ثَنِيَّاتِ الْوَدَاعِ يعنون النبيّ ﷺ ، وبينه وبين مسجد بني زريق ميلٌ واحد. قاله القرطبيّ. (وَسَابَقَ بَيْنَ الْخَيْلِ الَّتِي لَمْ تُضْمَرْ) تقدّم أنه إما من الإضمار، أو من التضمير، والمراد به أن تُعلف الخيل حتى تسمَنَ، وتقوَى، ثم يُقلَّل عَلَفها بقدر القوت، وتُدخَل بيتا، وتُغشى بالجِلال، حتى تَحمَى، فتعرق، فإذا جفّ عرقها، خَفَّ لحمها، وقويت على الجري (وَكَانَ أَمَدُها مِنَ الثَّنِيَّةِ) اللام فيه للعهد، أي ثنية الوداع (إِلَى مَسْجِدِ بَنِي زُرَيْقٍ) -بضمّ الزاي، وفتح الراء، آخره، بصغية التصغير، وبنو زُريق بطن من الأنصار،

стр. 14884

من الخزرج، وهو زُريق بن عامر بن زريق بن عبد حارثة بن مالك بن غضب بن جُشم بن الخزرج (١). وزاد في الرواية الآتية في الباب التالي: "أن عبد اللَّه كان ممن سابق بها". وفي رواية الإسماعيليّ: "قال ابن عمر: وكنت فيمن أجرى، فوثب بي فرسي جدارًا"، ولمسلم: "فسبقت الناس، فطفّف بي الفرس مسجد بني زريق". أي جاوز بي المسجد الذي كان هو الغاية، وأصل التطفيف مجاوزة الحدّ. قاله في "الفتح" (٢). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-١٢/ ٣٦١٠ و ٣٦١١ - وفي "الكبرى" ١٣/ ٤٤٢٥. وأخرجه (خ) في "الصلاة" ٤٢١ و"الجهاد" ٢٨٦٨ و ٢٨٦٩ و ٢٨٧٠ و"الاعتصام بالكتاب والسنة" ٧٣٣٦ (م) في "الإمارة" (١٨٧٠ (د) "الجهاد" ٢٥٧٥ و ٢٥٧٦ (ت) "الجهاد" ١٦٩٩ (ق) "الجهاد" ٢٨٧٧ (أحمد) "مسند المكثرين" ٤٤٧٣ و ٤٥٨٠ (الموطأ) "الجهاد" ١٠١٧ (الدارمي) "الجهاد" ٢٤٢٩. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو استحباب جعل غاية للسبق بين الخيل التي لم تضمر. (ومنها): مشروعيّة المسابقة، وأنه ليس من العبث، بل من الرياضة المحمودة الموصلة إلى تحصيل المفاسد في الغزو، والانتفاع بها عند الحاجة، وهي دائرة بين الاستحباب، والإباحة، بحسب الباعث على ذلك. قال القرطبيّ: لا خلاف في تضمير الخيل، والمسابقة بها على الجملة، وكذلك الإبل، وعلى الأقدام، كما جرى في حديث سلمة بن الأكوع ﵁، وكذلك المراماة بالسهام، واستعمال الأسلحة، ولا شكّ في جواز شيء من ذلك، إذا لم يكن هنالك مراهنة؛ لأن ذلك كلّه مما يُنتفع به في الحروب، ويُحتاج إليه، وإنما اختلفوا، هل ذلك من باب الندب، أو من باب الإباحة، إذا لم يُحتج إلى ذلك؟ فإن احتيج إلى شيء من

стр. 14885

ذلك، كان حكمه بحسب الحاجة انتهى (١). (ومنها): جواز إضمار الخيل، قال في "الفتح": ولا يخفى اختصاص استحبابها بالخيل المعدة للغزو. (ومنها): مشروعيّة الإعلام بالابتداء والانتهاء عند المسابقة. (ومنها): جواز نسبة الفعل إلى الآمر به؛ لأن قوله: "سابق" أي أمر، أو أباح. (ومنها): جواز معاملة البهائم عند الحاجة بما يكون تعذيئا لها في غير الحاجة كالإجاعة والإجراء. (ومنها): تنزيل الخلق منازلهم؛ لأنه ﷺ غاير بين منزلة المضمر، وغير المضمر، ولو خلطهما لأتعب غير المضمر. (ومنها): جواز إضافة المسجد إلى بانيها، أو المصلّي فيها، وقد ترجم الإمام البخاريّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تعالى- في "صحيحه" على هذا، فقال: "بابٌ هل يقال: مسجد بني فلان"، ثم أورد حديث الباب. قال في "الفتح": ويلتحق به جواز إضافة أعمال البرّ إلى أربابها. قال: والجمهور على الجواز، والمخالف في ذلك إبراهيم النخعيّ، فيما رواه ابن أبي شيبة عنه، أنه كان يكره أن يقول: مسجد بني فلان، ويقول: مصلّى بني فلان؛ لقول تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ﴾ وجوابه أن الاضافة في مثل هذا إضافة تمييز، لا ملك انتهى (٢). (ومنها): أن بعضهم استدلّ بقول ابن عمر: "وإن عبد اللَّه كان فيمن سابق بها" أن المراد بالمسابقة بالخيل كونها مركوبة، لا مجرّد إرسال الفرسين بغير راكب. قال الحافظ: وفيه نظر؛ لأن الذي لا يشترط الركوب لا يمنع صورة الركوب، وإنما احتجّ الجمهور بأن الخيل لا تهتدي بانفسها لقصد الغاية بغير راكب، وربما نفرت. وفيه نظر؛ لأن الاهتداء لا يختصّ بالركوب، فلو أن السائس كان ماهرًا في الجري بحيث لو كان مع كلّ فارس ساع يهديها إلى الغاية لأمكن. انتهى (٣). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". …

стр. 14886

١٣ - (بَابُ إِضْمَارِ الْخَيْلِ لِلسَّبْقِ) قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "الإضمار": هو إعداد الخيل للسباق، وهو أن تُعلف حتى تَسمَن، ثم يقفل علفها بقدر القوت إلى آخر ما سبق في الباب الماضي. وأما "السَّبْق"، فهو هنا بفتح السين المهملة، وسكون الموحّدة، قال في "اللسان": السَّبْقُ -أي بمتح، فسكون: الْقُدْمَة في الْجَرْيِ، وفي كلّ شيء، تقول: له في كلّ أمر سُبْقةٌ، وسابقةٌ، وسَبْقٌ، والجمع الأسباق، والسوابق انتهى. وقال الفيّوميّ: سَبَقَ سَبْقًا، من باب ضرب (١)، وقد يكون للسابق لاحقٌ، كالسابق من الخيل، وقد لا يكون، كمن أحرز قصبة السَّبْقِ، فإنه سابقٌ إليها، ومنفرد بها، ولا يكون له لاحقٌ. قال الأزهريّ: وتقول العرب للذي يَسْبِقُ من الخيل: سابق، وسَبُوقٌ، مثلُ رسُولٍ، وإذا كان غيره يسبِقه كثيرًا، فهو مُسَبَّقٌ، مثقّلٌ اسم مفعول. انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب. ٣٦١١ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ, وَالْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ, قِرَاءَةً عَلَيْهِ, وَأَنَا أَسْمَعُ, عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ, قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ, عَنْ نَافِعٍ, عَنِ ابْنِ عُمَرَ, أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ , سَابَقَ بَيْنَ الْخَيْلِ الَّتِي قَدْ أُضْمِرَتْ مِنَ الْحَفْيَاءِ, وَكَانَ أَمَدُهَا ثَنِيَّةَ الْوَدَاعِ, وَسَابَقَ بَيْنَ الْخَيْلِ الَّتِي لَمْ تُضْمَرْ مِنَ الثَّنِيَّةِ, إِلَى مَسْجِدِ بَنِي زُرَيْقٍ, وَأَنَّ عَبْدَ اللَّهِ كَانَ مِمَّنْ سَابَقَ بِهَا). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه الحارث، وهو ثقة. و"ابن القاسم": هو عبد الرحمن الْعُتقيّ المصريّ الفقيه. والحديث متّفقٌ عليه، ودلالته على الترجمة واضحة، وقد سبق شرحه، وبيان مسائله في الباب الذي قبله. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أُنيب". … ١٤ - (بَابُ السَّبَقِ) قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "السبَقُ" هنا -بفتحتين- لأن المراد به الرهن الذي يُجعل للمتسابقين. قال في "القاموس": السَّبَقُ محرّكةً، والسُّبْقَةُ بالضمّ: الْخَطَرُ يوضع

стр. 14887

بين أهل السباق، جمعه أسباق. والفعل من بابي ضرب، ونصر. انتهى. وفي "اللسان": السَّبَقُ -بفتحتين- الخَطَرُ، وهو ما يتراهن عليه المتسابقان، وسبَقته بالتشديد: أخذت منه السَّبقَ، وسبّقته: أعطيته إياه، قال الأزهريّ: وهذا من الأضداد انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب. ٣٦١٣ - (أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مَسْعُودٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ, عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ, عَنْ نَافِعِ بْنِ أَبِي نَافِعٍ, عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ , قَالَ: «لَا سَبَقَ إِلاَّ فِي نَصْلٍ, أَوْ حَافِرٍ, أَوْ خُفٍّ»). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الإسناد تقدّم قبل باب، سوى: ١ - (نافع بن أبي نافع) البَزّاز (١)، أبي عبد اللَّه المدنيّ، مولى أبي أحمد، ثقة [٣]. قال الدُّوريّ، عن ابن معين: ثقة. روى له المصنّف، وأبو داود، وابن ماجه، وله عندهم حديث الباب فقط. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) - رضي اللَّه تعالى عنه - (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ , قَالَ: «لَا سَبَقَ) قال الخطّابيّ: "السبق": بفتح الباء: هو ما يُجعل للسابق على سَبْقه من جُعْل، ونوال، فأما السبْقُ بسكون الباء، فهو مصدر سبقت الرجل أسبُقه سَبْقًا، والرواية الصحيحة في هذا الحديث السّبَقُ مفتوحة الباء، يريد أن الجعل والعطاء لا يُستحقّ إلا في سباق الخيل، والإبل، وما في معناهما، وفي النصل، وهو الرمي، وذلك لأن هذه الامور عُدّة في قتال العدوّ، وفي بذل الْجُعْل عليها ترغيبٌ في الجهاد، وتحريض عليه، ويدخل في معنى الخيل البغال، والحمير؛ لأنها كلها ذوات حوافر، وقد يُحتاج إلى سُرعة سيرها ونجائها؛ لأنها تحمل أثقال العساكر، وتكون معها في المغازي. وأما السباق بالطير، والزَّجل (٢) بالحمام، وما يدخل في معناه، مما ليس من عُدّة الحرب، ولا من باب القوّة على الجهاد، فأخذ السبق عليه قمارٌ محظور لا يجوز انتهى (٣). (إِلاَّ فِي نَصْلٍ) بفتح النون، وسكون الصاد المهملة: حديدة السهم، والرمح، والسيف، ما لم يكن له مقبض.

стр. 14888

وقال الفيّوميّ: هو السيف، والسكّين، جمعه نُصُول، ونصال -بالكسر- ونَصَلتُ السهم نصلًا، من باب قتل: جعلت له نصلًا، وأنصلته بالألف: نزعت نصله، وكانوا يقولون لرجب: مُنْصِلُ الأسِنّة؛ لأنهم كانوا ينزِعونها فيه، ولا يُقاتلون، كأنه هو الذي أنصلها، ونصل الشيء من موضعه، من باب قتل أيضًا: خرج منه، ومنه يقال: تنصّل فلانٌ من ذنبه، والْمُتّصُل السيف -بضمّ الميم، وأما الصاد، فتُضمّ، ويجوز الفتح تخفيفًا. قاله الفيّوميّ. (أَوْ حَافِرٍ) المراد به الخيل، وأصل الحافر اسم فاعل من حَفَرْتُ الأرض حَفْرًا، من باب ضرب، سمّي منه حافر الفرس والحمار، كأنه يحفِر الأرض بشدّة وطئه عليها. قاله الفيّوميّ. (أَوْ خُفٍّ) قال في "اللسان": الخفّ واحد أخفاف البعير، وهو للبعير كالحافر للفرس. قال: وخفّ البعير هو مجمع فِرْسِنِ البعير والناقة، تقول العرب: هذا خفّ البعير، وهذه فِرْسِنه، وفي الحديث: "لا سَبَقَ إلا في خفّ، أو نصل، أو حافر"، فالخفّ الإبل ههنا، والحافر الخيل، والنصل السهم الذي يُرمى به، ولا بدّ من حذف مضاف: أي لا سبق إلا في ذي خفّ، أو ذي حافر، أو ذي نصل. انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث أبي هريرة ﵁ رضي اللَّه تعالى عنه - هذا صحيح. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-١٤/ ٣٦٠٢ و ٣٦٠٣ و ٣٦٠٤ و ٣٦١٦ - وفي "الكبرى" ١٤/ ٤٤٢٦ و ٤٤٢٧ و ٤٤٢٨ و ٤٤٣٠. وأخرجه (ت) "الجهاد" ١٧٠٠ (ق) "الجهاد" ٢٨٧٨ (أحمد) "باقي مسند المكثرين" ٨٤٧٨ و ٩٧٨٨. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في اختلاف أهل العلم في حكم أخذ المال على المسابقة: قال العلامة ابن قُدامة -رحمه اللَّه تعالى-: المسابقة جائزة بالسنة، والإجماع، أما السنة، فحديث ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما -. "أن النبيّ ﷺ سابق بين الخيل … " الحديث متّفق عليه. قال: وأجمع المسلمون على جواز المسابقة في الجملة، والمسابقة على ضربين: مسابقة بغير عوض، ومسابقة بعوض، فأما المسابقة بغير عوض، فتجوز مطلقًا من غير تقييد بشيء معيّن، كالمسابقة على الأقدام، والسفن، والطيور، والبغال، والحمر،

стр. 14889

والفِيَلَة، والمزاريق (١)، والمصارعة، ورفع الحجر؛ ليُعرف الأشدّ، وغير هذا؛ لأن النبيّ ﷺ كان في سفر مع عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها -، فسابقته على رجلها، فسبقته، قالت: فلما حملت اللحم، سابقته، فسبقني، فقال: "هذه بتلك". رواه أبو داود بإسناد صحيح. وسابق سلمة بن الأكوع ﵁ رجلًا من الأنصار بين يدي النبيّ ﷺ في يوم ذي قَرَد. أخرجه مسلم. وصارع النبيّ ﷺ رُكانة، فصرعه. رواه الترمذيّ (٢). ومرّ بقوم يربَعُون حجرًا -يعني يرفعونه ليعرفوا الأشدّ منهم- فلم يُنكر عليهم (٣). وسائر المسابقة يقاس على هذا. وأما المسابقة بعوض، فلا تجوز إلا بين الخيل، والإبل، والرمي، قال: وبهذا قال الزهريّ، ومالك، وقال أهل العراق: يجوز ذلك في المسابقة على الأقدام، والمصارعة. قال: ولنا حديث "لا سبق إلا في نصل، أو خف، أو حافر"، فنفى السبق في غير هذه الثلاثة، ويحتمل أن يراد به نفي الْجُعل، أي لا يجوز الجعل إلا في هذه الثلاثة، ويحتمل أن يراد نفي المسابقة بعوض، فإنه يتعيّن حمل الخبر على أحد الأمرين؛ للإجماع على جواز المسابقة بغير عوض في غير هذه الثلاثة، وعلى كلّ تقدير فالحديث حجة لنا؛ ولأن غير هذه الثلاثة لا يحتاج إليها في الجهاد كالحاجة إليها، فلم تجز المسابقة عليها بعوض. انتهى المقصود من كلام ابن قدامة ملخّصًا (٤). وقال أبو العبّاس القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى-: وأما المراهنة، فأجازها على الجملة مالكٌ، والشافعيّ في الخفّ، والحافر، والنصل، وذلك على ما يُروى عن النبيّ ﷺ : "لا سَبَقَ إلا في خفّ، أو حافر، أو نصل"، على أنه لا يروى هذا الحديث بإسناد صحيح، وهو مع ذلك مشهور عند العلماء، متداولٌ بينهم. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قوله لا يُروى بإسناد صحيح غير صحيح؛ إذ هو مرويّ متّصل ورجاله ثقات، وقد صححه الأئمة الحفاظ: ابن حبّان، وابن القطّان، وابن دقيق العيد، وابن حجر، وغيرهم، فتنبّه. واللَّه تعالى أعلم. قال: وقد منع بعض العلماء الرِّهان في كلّ شيء إلا في الخيل؛ لأنها التي كانت عادة العرب المراهنة عليها. وروي عن عطاء السبق في كلّ شيء جائز، وقد يُؤَؤَّلُ عليه؛ لأن حمله على العموم في كلّ شيء يؤدّي إلى إجازة القمار، وهو محرّم باتفاق.

стр. 14890

ثم إن الذين أجازوا الرهبان شرطوا فيها شروطًا، وذكروا لها صورًا، منها متّفقٌ على جوازها، ومنها متّفقٌ على منعها، ومنها مختلف فيها. فأما المتّفق عليها، فأن يُخرج الإمام، أو غيره متطوّعًا سَبَقًا، ولا فرس له في الحلبة، فمن سَبَقَ فله ذلك السبَقُ. وأما المتّفق على منعه، فهو أن يُخرج كلّ واحد من المتسابقين سَبَقًا، ويشترط أنه إن سبَقَ أمسك سَبَقَهُ، وأخذ سبق صاحبه، فهذا قمارٌ، فلا يجوز باتفاق، إذا لم يكن بينهما محلِّلٌ، فإن أدخلا بينهما محلِّلًا يكون له السبق، ولا يكون عليه شيءٌ، إن سُبق، فهذه مما اختُلف فيها، فأجازها ابن المسيّب، والشافعيّ، ومالكٌ مرّةً، والمشهور عنه أنه لا يجوز. والصحيح جوازه إن كان المحلّل لا يأمن أن يَسبق؛ لما خرّجه أبو داود، عن سفيان بن حسين، عن الزهريّ، عن سعيد بن المسيّب، عن أبي هريرة ﵁، عن النبيّ ﷺ ، قال: "من أدخل فرسًا بين فرسين، وهو لا يأمن أن يسبق، فليس بقمار، ومن أدخله، وقد أمن أن يسبق، فهو قمار" (١). وأما إذا لم يكن بينهما محلّلٌ لم يجز؛ لأن مقصودهما المخاطرة، والمقامرة، وهو مذهب الزهريّ، والأوزاعيّ، وأحمد، وإسحاق، وقد حُكي فيها الاتفاق. فلو كان للوالي أو غيره فرسٌ في الحلبة، فيُخرج سَبَقًا على أنه إن سبق هو حبَسَ سبقه، وإن سُبق أخذ السبق السابق، فاجازها الليث، والشافعيّ، والثوريّ، وأبو حنيفة، وهو أحد أقوال مالك؛ لأن الأَسباق على ملك أربابها، وهم فيها على ما شرطوه. ومنع من ذلك مالكٌ في قول آخر، وبعض أصحابه، وربيعة، والأوزاعيّ، وقالوا: لا يرجع إليه سبقه، وإنما يأكله من حضر إن سبق مخرجه، إن لم يكن مع المتسابقين ثالث. والمسابقة عقدٌ لازم كالإجارة، فيُشترط في السبق ما يشترط في الأجرة من انتفاء الغرر، والجهالة، ومن شرط جوازها أن تكون الخيل متقاربة في النوع والحال، فمتى جُهل حال أحدها، أو كان مع غير نوعه، كان السبق قمارًا باتفاق انتهى كلام القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى- (٢). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الذي يظهر لي أن المسابقة بلا عوض جائزةٌ، بل مما لا خلاف فيه، كما سبق في كلام ابن قُدامة، وأما بالعوض، فيقتصر على ما في حديث الباب؛ لأنه ذكرها بأداة الحصر؛ فلا ينبغي الزيادة عليها. واللَّه تعالى أعلم بالصواب،

стр. 14891

وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. ٣٦١٣ - (أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ, أَبُو عُبَيْدِ اللَّهِ الْمَخْزُومِيُّ, قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ, عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ, عَنْ نَافِعِ بْنِ أَبِي نَافِعٍ, عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «لَا سَبَقَ إِلاَّ فِي نَصْلٍ, أَوْ خُفٍّ, أَوْ حَافِرٍ»). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "سعيد بن عبد الرحمن": هو المكيّ الثقة، من صغار [١٠] ٤١/ ١٢٧٧ و"سفيان": هو ابن عيينة. والحديث صحيحٌ، وقد سبق البحث فيه مستوفًى في الحديث الذي قبله. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٦١٤ - (أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ يَعْقُوبَ, قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ, قَالَ: أَنْبَأَنَا اللَّيْثُ, عَنِ ابْنِ أَبِي جَعْفَرٍ, عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ, عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ, عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ, مَوْلَى الْجُنْدَعِيِّينَ (١) , عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, ﵁, قَالَ: "لَا يَحِلُّ سَبَقٌ, إِلاَّ عَلَى خُفٍّ, أَوْ حَافِرٍ"). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "إبراهيم بن يعقوب": هو الْجُوزَجانيّ الحافظ. و"ابن أبي مريم": هو سعيد بن الحكم بن محمد بن سالم بن أبي مريم الثقة الثبت الفقيه المصريّ. و"الليث": هو ابن سعد الإمام الحجة المصريّ. و "ابن أبي جعفر" يسار: هو عبيد اللَّه المصريّ الفقيه الثقة العابد. و"محمد بن عبد الرحمن": هو الأسديّ القرشيّ المدنيّ، يتيم عروة. و"سليمان بن يسار": هو مولى ميمونة، أخو عطاء بن يسار، الثقة الثبت أحد الفقهاء السبعة المشهورين بالمدينة، وقد سبق بيانهم غير مرّة. و"أبو عبد اللَّه مولى الجُندَعيين" المدنيّ، ثقة [٣]. قال الذهليّ: أبو عبد اللَّه هذا هو نافع بن أبي نافع الذي روى عنه نُعيم المجمر، وابن أبي ذئب، وقد سمع من أبي هريرة ﵁. وقال العجليّ: مدنيّ تابعيّ ثقة. وذكره ابن حبّان في "الثقات". وقال الحاكم: قال بعضهم: عن أبي صالح مولى الجندعيين. روى له المصنّف حديث الباب فقط، وليس له غيره. [تنبيه]: وقع في النسح المطبوعة: "أبو عبيد اللَّه" مصغرًا، وهو غلطٌ، فليُتنبّه. واللَّه تعالى أعلم. والحديث صحيح، مضى قريبًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع

стр. 14892

والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٦١٥ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى, عَنْ خَالِدٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ, عَنْ أَنَسٍ, قَالَ: كَانَتْ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ , نَاقَةٌ تُسَمَّى الْعَضْبَاءَ, لَا تُسْبَقُ, فَجَاءَ أَعْرَابِيٌّ عَلَى قَعُودٍ, فَسَبَقَهَا, فَشَقَّ عَلَى الْمُسْلِمِينَ, فَلَمَّا رَأَى مَا فِي وُجُوهِهِمْ, قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ, سُبِقَتِ الْعَضْبَاءُ, قَالَ: «إِنَّ حَقًّا عَلَى اللَّهِ, أَنْ لَا يَرْتَفِعَ مِنَ الدُّنْيَا شَيْءٌ, إِلاَّ وَضَعَهُ»). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (محمد بن المثنى) العنَزيّ، أبو موسى البصريّ الزَّمِن، ثقة ثبت [١٠] ٦٤/ ٨٠. ٢ - (خالد) بن الحارث الهجيميّ، تقدم قريبًا. ٣ - (حميد) بن أبي حميد الطويل، أبو عبيدة البصريّ، ثقة يدلّس [٥] ٨٧/ ١٠٨. ٤ - (أنس) بن مالك - رضي اللَّه تعالى عنه - ٦/ ٦. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من رباعيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو (١٨١) من رباعيات الكتاب. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أن شيخه أحد التسعة الذين روى عنهم الجماعة بلا واسطة. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين. (ومنها): أن فيه أنسًا ﵁ من المكثرين السبعة، روى (٢٢٨٦) حديثًا، وهو آخر من مات من الصحابة - رضي اللَّه تعالى عنهم - بالبصرة، مات سنة (٩٢) أو (٩٣) وقد تجاوز عمره مائة. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ أَنَسٍ) بن مالك - رضي اللَّه تعالى عنه -، أنه (قَالَ: كَانَتْ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ , نَاقَةٌ تُسَمَّى الْعَضْبَاءَ) -بفتح العين المهملة، وسكون الضاد المعجمة، بعدها موحّدة، ومدّ- كانت تلقّب به ناقة النبيّ ﷺ ؛ لنجابتها، لِشَقّ أذنها. قاله الفيّوميّ. وقال ابن منظور: العَضْباء: اسم ناقة النبيّ ﷺ ، اسم لها علم، وليس من العضب الذي هو الشق في الأذن. وقال الجوهريّ: هو لقبها، وقال ابن الأثير: هو علمٌ منقولٌ من قولهم: ناقةٌ عضباء: أي مشقوقة الأدن، ولم تكن مشقوقة الأذن. وقال بعضهم: إنها كانت مشقوقة الأذن، والأول أكثر. وقال الزمخشريّ: هو منقول من قولهم: ناقةٌ عَضْباءٌ وهي القصيرة اليد انتهى (١).

стр. 14893

وقال في "الفتح": العضباء: هي المقطوعة الأذن، أو المشقوقة. وقال ابن فارس: كان ذلك لقبًا لها؛ لقوله -أي الرواية-: تُسمّى العضباء، ولقوله: "يقال لها: العضباء"، ولو كانت تلك صفتها لم يُحتَج لذلك. قال: واختُلف هل العضباء هي القصواء، أو غيرها، فجزم الحربيّ بالأول، وقال: تُسمى العضباء، والقصواء، والجدعاء. وروى ذلك ابن سعد عن الواقديّ. وقال غيره بالثاني، وقال: الجدعاء كانت شهباء، وكان لا يحمله عند نزول الوحي غيرها، وذكروا له عدّة نُوق غير هذه، تتبّعها من اعتنى بجمع السيرة انتهى (١). وقد عقد الحافظ أبو الفضل العراقيّ -رحمه اللَّه تعالى- في "ألفية السيرة" لذلك بابًا، فقال: [باب ذكر لقاحه، وجماله ﷺ ]: كَانَتَ لَهُ لِقَاحٌ الْحِنَّاءُ … عُرَيِّسٌ بَغُومٌ السَّمْرَاءُ بَرَكَةٌ والْمَرْوَةُ السَّعْدِيَّةُ … حَفِدَةٌ مُهْرةُ واليُسَيرَةُ رَيَّاءُ والشَّقْرَاءُ والصَّهْباءُ … عَضْبَاءُ جَدْعَاءُ هُمَا الْقَصْوَاءُ وَغَيْرُهُنَّ وَالْجِمَالُ الثَّعْلَبُ … وَجَمَلٌ أَحْمَرُ والْمُكْتَسَبُ غَنِيمَةً فِي يَوْمِ بَدْرٍ مِنْ أَبِي … جَهْلٍ فَأَهْدَاهُ إِلَى الْبَيْتِ النَّبِي فِي أَنْفِهِ بُرَةٌ ايْ مِنْ فِضَّةِ .... غَاظَ بِهِ كُفَّارَ أَهْلِ مَكَّةِ (لَا تُسْبَقُ) وفي رواية البخاريّ: قال حمد: "أو لا تكاد تُسبَق" (فَجَاءَ أَعْرَابِيٌّ) قال الحافظ: لم أقف على اسم هذا الأعرابيّ بعد التتبّع الشديد (عَلَى قَعُودٍ) -بفتح القاف-: ما استحقّ الركوب من الإبل. قال الجوهريّ: هو الْبَكْرُ حتى يُركب، وأقلّ ذلك أن يكون ابن سنتين إلى أن يدخل السادسة، فيُسمّى جملًا. وقال الأزهريّ: لا يقال: إلا للذكر، ولا يقال للأنثى قَعُودة، وإنما يقال لها: قَلُوص. قال: وقد حكى الكسائي في "النوادر" قَعُودةٌ للقَلُوص، وكلام الأكثر على خلافه. وقال الخليل: القَعُودة من الإبل ما يقعده الراعي لحمل متاعه، والهاء فيه للمبالغة. انتهى (٢). (فَسَبَقَهَا) بالبناء للفاعل، أي سبق ذلك الأعرابيّ بقَعُوده العضباء. وفي رواية ابن المبارك، وغيره، عن حميد، عند أبي نُعيم: "فسابقها، فسبقها"، وفي رواية شعبة:

стр. 14894

"سابق رسول اللَّه ﷺ أعرابيّ". وهذا هو محلّ الترجمة، لكن هذا، وإن كان فيه جواز المسابقة، فليس فيه جواز السبَق، أي الْجُعْلِ، إذ غاية ما دلّ عليه أن النبيّ ﷺ أقرّ الأعرابيّ في مسابقته له، وليس بينهما عقد دفع السبَق، ففي إدخال المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- لهذا الحديث لي هذا الباب نظرٌ لا يخفى، إذ هو دليلٌ على جواز المسابقة، لا على جواز السَّبَق، فتأمّل. (فَشَقَّ عَلَى الْمُسْلِمِينَ) وفي رواية البخاريّ: "فشقّ ذلك على المسلمين، حتى عرفه". أي حتى عرف النبيّ ﷺ أثر المشقّة ظهر على وجوههم (فلمَّا رَأَى مَا فِي وُجُوهِهِمْ) أي من أثر مشقّة سبقه لها (قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ) هكذا في رواية المصنّف "قالوا" بدون عاطف، وعليه فيكون جواب "لما" مرتّبًا على محذوف، تقديره، "وسألهم عن سببه"، أي فلما رأى النبيّ ﷺ ما في وجوههم، وسألهم عن سببه قالوا: يا رسول اللَّه الخ. وفي رواية للبخاري في "الرقاق": "وقالوا" بواو العطف، وعليه فيكون معطوفا على جملة "فلما رأى الخ"، ويكون جوب "لما" قوله: "إن حقًّا الخ". وفي رواية شعبة الآتية بعد باب: "فكأن أصحاب رسول اللَّه ﷺ وجدوا في أنفسهم من ذلك، فقيل له في ذلك، فقال: حقّ … " (سُبِقتِ الْعَضْبَاءُ) ببناء الفعل للمفعول (قَالَ) (إِنَّ حَقًّا عَلَى اللَّهِ) قال السنديّ: في إعرابه إشكالٌ عند الناس من حيث إنه يلزم أن يكون اسم "إنّ" نكرةً، وخبرها "أَنْ" مع الفعل، وهو في حكم المعرفة، بل من أتمّ العارف، حتى يُجعَلُ مسندًا إليه، مع كون الخبر معرفة، نحو قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا﴾ الآية بنصب ﴿قَوْلَهُمْ﴾ على الخبريّة، ورفعِ ﴿أَنْ قَالُوا﴾ محلًّا، على أنه اسم "كان". وقد أجيب بالقلب، ولا يخفى بعده، ولعلّ الأقرب من ذلك أن يُجعل "على اللَّه خبرًا، و"حقًّا" حالًا من ضميره، فليُتأمّل انتهى (١) قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الكلام ناقصٌ، والظاهر أن فيه سقطًا، والأصل ولعل الأقرب أن يُجعَلَ "أن لا يترفع" اسم "إن" و"على اللَّه" خبرًا، و"حقًّا" حال من ضميره. ويحتمل أن يكون من باب الابتداء بالنكرة الموصوفة، على حدّ قول ابن مالك -رحمه اللَّه تعالى- في "الخلاصة": وَرَجُلٌ مِن الْكِرَامِ عِنْدَنَا فقوله: "حقّا" اسم "إنّ" و"على اللَّه" جار ومجرور متعلّق بصفة لـ"حقًا"، وقوله:

стр. 14895

"أن لا يرتفع" هو الخبر. واللَّه تعالى أعلم. (أَنْ لَا يَرْتَفِعَ) قال السنديّ: أي برفع الناس إياه، وفي نسخة: "أن لا يُرفع" على بناء المفعول، والمراد رفع الناس، وأما ما رفعه اللَّه، فلا واضع له انتهى. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الذي قاله السنديّ يردّه ما في رواية موسى بن إسماعيل عند البخاريّ بلفظ: "أن لا يرفع شيئًا"، فالصواب أن ما رفعه اللَّه من أمور الدنيا لا بدّ له أن يَتَّضع، ويدلّ لذلك قوله (مِنَ الدُّنْيَا شَيْءٌ، إِلاَّ وَضَعَهُ) فالذي يتضع بعد رفعه إنما هو ما كان من أمور الدنيا، وأما ما كان من أمور الآخرة، فلا يزداد إلا رفعة. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث أنس - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا أخرجه البخاريّ. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-١٤/ ٣٦١٥ و ١٦/ ٣٦١٩ - وفي "الكبرى" ١٤/ ٤٤٢٩ و ١٦/ ٤٤٣٣. وأخرجه (خ) " الجهاد والسير" ٢٨٧١ و ٢٨٧٢ و"الرقاق" ٦٥٠١ (د) "الأدب" ٤٨٠٢ (أحمد) "باقي مسند المكثرين" ١١٥٩٩ و١٣٢٤٧. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): جواز المسابقة. (ومنها): جواز اتخاذ الإبل للركوب، والمسابقة عليها. (ومنها): ما كان عليه الصحابة ﵃ من محبّة النبيّ ﷺ ، وعظمته في صدورهم، بحيث إنهم لا يحبّون أن تُسبق ناقته، ويشُقّ ذلك عليهم؛ لأن ذلك يجعل نفس السابق متعاليًا عليه، ولا سيّما وهو أعرابيٌّ. (ومنها): ما كان عليه الأعراب من الجفاء، والبعد عن التأدب في حضرته ﷺ ، إذ الصحابة ﵃ كانوا لا يتجاسرون في التقدّم بين يدي رسول اللَّه ﷺ ، لا بدّوابّهم، ولا بأرجلهم، ولا بأقوالهم، إلا بإذن منه ﷺ ، عملًا بقول : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ الآية. (ومنها): ما كان عليه النبيّ ﷺ من حسن الخلق، والتواضع. (ومنها): الحثّ على التواضع. (ومنها): التزهيد في الدنيا؛ الإشارة إلى أن كلّ شيء منها لا يرتفع، إلا اتّضع. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٦١٦ - (أَخْبَرَنَا عِمْرَانُ بْنُ مُوسَى, قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ, عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو, عَنْ أَبِي الْحَكَمِ, مَوْلًى لِبَنِى لَيْثٍ, عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, عَنِ النَّبِيِّ ﷺ , قَالَ: «لَا سَبَقَ إِلاَّ فِي خُفٍّ, أَوْ حَافِرٍ»).

стр. 14896

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: كان الأولى للمصنّف -رحمه اللَّه تعالى- تقديم هذا الحديث على الذي قبله؛ لأنه ثالث أحاديث أبي هريرة ﵁ التي أخرجها في هذا الباب. و"عمران بن موسى": هو القزاز الليثيّ، أبو عمرو البصريّ. و "عبد الوارث": هو ابن سعيد ابن ذكران البصريّ. و"محمد بن عمرو": هو ابن علقمة الليثيّ المدنيّ. و"أبو الحكم مولى بني ليث"، مقبولٌ [٣]. له عند المصنّف، وابن ماجه حديث الباب فقط. والحديث صحيحٌ، كما تقدّم قريبًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ١٥ - (الْجَلَبُ) قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "الْجَلَبُ -بفتحتين-: يطلق على شيئين: أحدهما في الزكاة، وهو أن يَقْدَم الْمُصَدِّقُ على أهل الزكاة، فينزل موضعًا، ثم يرسل مَنْ يجلُب إليه الأموال من أماكنها؛ ليأخذ صدقتها، فنهي عن ذلك، وأُمر أن تؤخذ صدقاتهم على مياههم، وأماكنها. والثاني: في السِّباَق، وهو الذي أراده المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- في هذه الترجمة، وهو أن يَتبَعَ الرجلُ فرسَهُ، فيزجره، ويَجلُب عليه، ويصِيح، حثًّا له على الجري، فنهي عن ذلك (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب. ٣٦١٧ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَزِيعٍ (٢) , قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ -وَهُوَ ابْنُ زُرَيْعٍ - قَالَ: حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ, قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ, عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ, عَنِ النَّبِيِّ ﷺ , قَالَ: «لَا جَلَبَ, وَلَا جَنَبَ, وَلَا شِغَارَ فِي الإِسْلَامِ, وَمَنِ انْتَهَبَ نُهْبَةً, فَلَيْسَ مِنَّا»).

стр. 14897

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الحديث صحيحٌ، وقد تقدّم للمصنّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- في "كتاب النكاح" برقم -٦٠/ ٣٣٣٦ - وقد استوفيت شرحه، وبيان مسائله هناك- وللَّه الحمد والمنّة- فراجعه تستفد. و"حميد": هو الطويل. و"الحسن": هو البصريّ. وقوله: "ولا شغار" تقدّم أن عقد المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- لتفسيره بابًا -٦١/ "تفسير الشغار"، وقد فُسّر في الرواية بأنه أن يزوّج الرجل الرجل ابنته على أن يزوّجه ابنته، وليس بينهما صداق. وقد سبق البحث عنه مستوفًى في الباب المذكور، فراجعه تستفد. وقوله: "ومن انتهب نُهبة" أي سلب، واختلس، وأخذ قهرًا، و"النهبة" -بضمّ، فسكون-: المال المنهوب، و-بالفتح- مصدر. وقوله: "ليس منا" أي من أهل طريقتنا، وسنّتنا، والظاهر أنه ليس من المؤمنين أصلًا، لكن إجماع أهل السنة على خلافه، فلا بدّ من تأويله، وقد تقدّم تمام البحث فيه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أُنيب". … ١٦ - (الْجَنَبُ) قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "الجنب" -بالتحريك- في السباق أن يَجْنُبَ فرسًا إلى فرسه الذي يسابق عليه، فإذا فَتَرَ المركوبُ تحوّل إلى المجنوب. وهو في الزكاة أن ينزل العامل بأقصى مواضع أصحاب الصدقة، ثم يأمر بالأموال أن تُجنَب إليه، أي تُحضَرَ، فنُهُوا عن ذلك. وقيل: أن يَجْنُبَ ربّ المال بماله، أي يُبعِده عن موضعه، حتى يحتاج العامل إلى الإبعاد في اتباعه، وطلبه. قاله ابن الأثير -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب. ٣٦١٨ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ, قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ, عَنْ أَبِي قَزَعَةَ, عَنِ الْحَسَنِ, عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ, أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ , قَالَ: «لَا جَلَبَ, وَلَا

стр. 14898

جَنَبَ, وَلَا شِغَارَ فِي الإِسْلَامِ». قال الجامع - عفا اللَّه تعالىَ عنه: "محمد": هو ابن جعفر، غُنْدَر. و"أبو قَزَعَة" بفتحات: سُويد بن حُجَير الباهليّ البصريّ. والحديث صحيحٌ، كما سبق بيانه في الحديث الماضي. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٦١٩ - (أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ بْنِ سَعِيدِ بْنِ كَثِيرٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا بَقِيَّةُ بْنُ الْوَلِيدِ, قَالَ: حَدَّثَنَى شُعْبَةُ, قَالَ: حَدَّثَنِي حُمَيْدٌ الطَّوِيلُ, عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ, قَالَ: سَابَقَ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَعْرَابِيٌّ, فَسَبَقَهُ, فَكَأَنَّ أَصْحَابَ رَسُولِ اللهِ ﷺ , وَجَدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ مِنْ ذَلِكَ, فَقِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ, فَقَالَ: «حَقٌّ عَلَى اللَّهِ, أَنْ لَا يَرْفَعَ شَيْءٌ نَفْسَهُ فِي الدُّنْيَا, إِلاَّ وَضَعَهُ اللَّهُ»). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الحديث أخرجه البخاريّ، وقد سبق تمام البحث فيه قبل باب، فليُراجع هناك. وقوله: "أن لا يرفع شيء نفسه" قال السنديّ -رحمه اللَّه تعالى-: الأقرب بناء الفعل للفاعل، ونصب "نفسَهُ"، وأما جعله مبنيًّا للمفعول، ورفع "نفسه" على أنه بدل من "شيءٌ"، فبعيدٌ. بقى أن الناقة ما رفعت نفسها، والظاهر أن المدار على أن يرفع شيء بلا استحقاق، سواء هو رفع نفسه، أم لا. انتهى. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قوله: "بلا استحقاق" فيه نظرٌ، إذ لا دليل على خصوص ذلك، بل الحديث عاّم. والحاصل أنه لا يرتفع شيء من أمور الدنيا، مطلقًا، إلا وضعه اللَّه ، فتأمّل. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أُنيب".

стр. 14899

١٧ - (بَابُ سُهْمَانِ الْخَيْلِ) قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "السُّهْمَانُ" -بضمّ، فسكون-: جمع سهم -بفتح، فسكون -وهو النصيب، ويُجمع أيضًا على أسهُم، وسِهام. ولفظ "الكبرى" "سَهْمَا الخيل" بالتثنية، والإضافة إلى "الخيل". واللَّه تعالى أعلم بالصواب. ٣٦٢٠ - قَالَ: الْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ, قِرَاءَةً عَلَيْهِ, وَأَنَا أَسْمَعُ, عَنِ ابْنِ وَهْبٍ, قَالَ: أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ, عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ, عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبَّادِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ, عَنْ جَدِّهِ, أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: ضَرَبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ , عَامَ خَيْبَرَ, لِلزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ, أَرْبَعَةَ أَسْهُمٍ, سَهْمًا لِلزُّبَيْرِ, وَسَهْمًا لِذِى الْقُرْبَى, لِصَفِيَّةَ بِنْتِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ, أُمِّ الزُّبَيْرِ, وَسَهْمَيْنِ لِلْفَرَسِ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (الحارث بن مسكين) القاضي المصريّ، ثقة فقيه [١٠] ٩/ ٩. ٢ - (ابن وهب) هو عبد اللَّه المصريّ، ثقة ثبت عابد [٩] ٩/ ٩. ٣ - (سعيد بن عبد الرحمن) الْجُمَحيّ، أبو عبد اللَّه المدنيّ، قاضي بغداد، صدوق، له أوهام، أفرط ابن حبّان في تضعيفه [٨] ٤٣/ ٢٢٣٦. ٤ - (هشام بن عروة) بن الزبير، أبو المنذر المدنيّ، ثقة فقيه، ربما دلّس [٥] ٤٩/ ٦١. ٥ - (يحيى بن عبّاد بن عبد اللَّه بن الزبير) بن العوّام القرشيّ الأسديّ المدنيّ، ثقة [٥]. قال ابن معين، والنسائيّ، والدارقطنيّ: ثقة. وذكره ابن حبّان في "الثقات". وقال ابن سعد: أخبرنا ابن عمر، حدثنا ابن أبي الزناد، قال: كانت ليحيى مرؤة، وما رأيت شابَّا في النعمة أحسن منه، مات قديمًا، وهو ابن ستّ وثلاثين، وكان ثقة كثير الحديث. وقال الدارقطنيّ: يحيى بن عبّاد، وأبوه عبّاد ثقتان. وقال أبو حاتم: مات قديمّا، وهو ابن ستّ وثلاثين سنة، وكانت له مرؤة. وقال الزبير بن بكّار نحوه، وزاد: أمه عائشة بنت عبد الرحمن بن الحارث بن هشام. روى له البخاريّ في " جزء القراءة"، والأربعة، وله عند المصنّف في هذا الكتاب حديث الباب فقط. ٦ - (جدّه) عبد اللَّه بن الزبير بن العوّام القرشيّ الأسديّ، أبو بكر، وأبو خُبيب، الصحابيّ ابن الصحابيّ - رضي اللَّه تعالى عنهما -، ولي الخلافة تسع سنين، وقُتل في ذي

стр. 14900

الحجة سنة (٧٣)، تقدّم في ١٨٩/ ١١٦١. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فتفرّد به هو وأبو داود، ويحيى بن عباد، فمن رجال الأربعة. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخه، وابن وهب، فمصريّان. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ: هشام، عن يحيى، وهو من رواية الأقران. (ومنها): أن صحابيّه - رضي اللَّه تعالى عنه - هو أول مودود وُلد في الإسلام بالمدينة من المهاجرين، ففرح به المسلمون؛ حيث بطل به زعم المنافقين بأنهم لا يولد لهم؛ لأن اليهود سحرتهم. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبَّادِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْر، عَنْ جدِّهِ) عبد اللَّه بن الزبير - رضي اللَّه تعالى عنهما - (أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: ضَرَبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، عَامَ خَيْبَرَ، لِلزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ، أَرْبَعَةَ أَسْهُمٍ، سَهْمًا لِلزُّبَيْرِ) قيل: اللام فيه للتمليك، وفي قوله: "للفرس" للسببيّة (وَسَهْمًا لِذِي الْقُرْبَى، لِصَفِيَّةَ) بدل من الجارّ والمجرور قبله (بِنْتِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، أُمِّ الزُّبَيْرِ) بالجرّ بدل من "صفيّة" (وَسَهْمَيْنِ لِلْفَرَسِ) فيه أن الفرس يسهم له بسهمين، وبه قال الجمهور، وخالف فيه الحنفيّة، فقالوا: لا يفضّل الفرس على صاحبه، بل يعطى سهمًا فقط، وسيأتي تحقيق الخلاف في ذلك في المسألة الثانية، إن شاء اللَّه تعالى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والماَب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث عبد اللَّه بن الزبير - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا حسنٌ من أجل الاختلاف في سعيد بن عبد الرحمن، فقد وثّقه ابن معين وغيره، وتكلم فيه بعضهم، فلا ينقص حديثه عن درجة الحسن. وهو من أفراد المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، أخرجه هنا-١٧/ ٣٦٢٠ - وفي "الكبرى" ١٧/ ٤٤٣٤. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الثانية): في اختلاف أهل العلم في سهمان الخيل: قال العلاّمة ابن قُدامة -رحمه اللَّه تعالى-: أكثر أهل العلم على أن الغنيمة للفارس منها

стр. 14901

ثلاثة أسهم، سهمٌ له، وسهمان لفرسه، وللراجل سهم. قال ابن المنذر: هذا مذهب عمر بن عبد العزيز، والحسن، وابن سيرين، وحبيب بن أبي ثابت، وعوامّ علماء الإسلام في القديم والحديث، منهم: مالك، ومن تبعه من أهل المدينة، والثوريّ، ومن وافقه من أهل العراق، والليث بن سعد، ومن تبعه من أهل مصر، والشافعيّ، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، وأبو يوسف، ومحمد. وقال أبو حنيفة: للفرس سهم واحد؛ لما روى مُجمّع بن جارية أن رسول اللَّه ﷺ قسم خيبر على أهل الحديبية، فأعطى الفارس سهمين، وأعطى الراجل سهمّا. رواه أبو داود؛ ولأنه حيوانٌ ذو سهم، فلم يزد على سهم، كالآدميّ. واحتجّ الأولون بما روى ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما - أن رسول اللَّه ﷺ أسهم يوم خيبر، للفارس ثلاثة أسهم، سهمان لفرسه، وسهم له. متّفقٌ عليه. انتهى (١). وقال أبو العبّاس القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى-: حديث ابن عمر المذكور حجة لمالك، والجمهور على أنه يُقسم للفرس وراكبه ثلاثة أسهم، وللراجل سهم، لا سيّما على رواية "وللرجل"، فإنه يريد به راكب الفرس، وأن الألف واللام فيه للعهد. وقد روي من طريق صحيح عن ابن عمر أن رسول اللَّه ﷺ أسهم لرجل، وفرسه ثلاثة أسهم، سهمّا له، ولفرسه سهمين. ذكره أبو داود. وفي البخاريّ عن ابن عمر: " جعل للفرس سهمين، ولصاحبه سهمًا". ومن جهة المعنى أن مؤن الفارس أكثر، وغَناؤه أعظم، فمن المناسب أن يكون سهمه أكثر من سهم الراجل. وشذّ أبو حنيفة، فقال: يقسم للفرس كما يقسم للرجل. ولا أثر يعضده، ولا قياس يعتمده، ولذلك خالفه في ذلك كبراء أصحابه، كأبي يوسف، ومحمد بن الحسن، وغيرهما. وقد ذكر أبو بكر بن أبي شيبة من حديث ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما -: "أن رسول اللَّه ﷺ قسم للفارس سهمين، وللراجل همًا". والصحيح من حديث ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما - ما خرّجه البخاريّ ومسلم، كما ذكرناه انتهى (٢). وقال في "الفتح": قال محمد بن سحنون: انفرد أبو حنيفة بذلك (٣)، دون فقهاء الأمصار، ونقل عنه أنه قال: أكره أن أفضّل بهيمة على مسلم، وهي شبهة ضعيفة؛ لأن

стр. 14902

السهام كلها في الحقيقة للرجل. قال الحافظ: قلت: لو لم يثبت الخبر لكانت الشبهة قويّة؛ لأن المراد المفاضلة بين الرجل والفارس، فلولا الفرس ما ازداد الفارس سهمين عن الرجل، فمن جعل للفارس سهمين، فقد سوّى بين الفرس وبين الرجل. وقد تُعُقّب هذا أيضًا لأن الأصل عدم المساواة بين البهيمة والإنسان، فلما خرج هذا عن الأصل بالمساواة، فلتكن المفاضلة كذلك. وقد فضّل الحنفيّة الدابّة على الإنسان في بعض الأحكام، فقالوا: لو قتل كلبَ صيد قيمته أكثر من عشرة آلاف، أذاها، فإن قتل عبدًا مسلمًا، لم يؤد فيه إلا دون عشرة آلاف درهم. والحقّ أن الاعتماد في ذلك على الخبر انتهى (١). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الذي نقل عن أبي حنيفة أنه قال في تفضيل الفرس على الراجل: أكره أن أفضّل بهيمة على مسلم، بينما يفضّل الكلب على مسلم، فيتناقض في ذلك، إنما هو قياس في مقابلة النصّ، وذلك باطلٌ بإجماع أهل الحقّ، ولقد أحسن من قال، وأجاد في المقال [من الوافر] إِذَا جَالَتْ خُيُولُ النَّصً يَوْمًا … تُجارِي فِي مَيَادِينِ الْكِفَاحِ غَدَتْ شُبَهُ الْقِيَاسِيِّينَ صَرْعَى … تَطِيرُ رُؤُوسُهُنَّ مَعَ الرِّيَاحِ والحاصل أن الحقّ مع الجمهور من أن الفارس له ثلاثة أسهم، سهمان لفرسه، وسهم له. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أُنيب". …

стр. 14903

٢٨ - (كِتَابُ الإِحْبَاسِ) قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "الإحْبَاسُ" -بكسر الهمزة- مصدر أحبسه: إذا وقفه، ويحتمل أن يكون بفتح الهمزة جمع حُبْس -بضمّ، فسكون- اسم من الإحباس، كما سيأتي في عبارة "اللسان". قال الفيّوميّ: حَبَستُهُ، من باب ضرب بمعنى وَقَفْتُهُ، فهو حبيسٌ، والجمع حُبُسٌ، مثلُ بريدٍ وبُرُدٍ، وإسكان الثاني للتخفيف لغةٌ، ويُستعمل الحبيس في كلّ موقوف، واحدًا كان، أو جماعة، وحَبّسته بالتثقيل مبالغة، وأحبسته بالألف مثله، فهو محبوسٌ، ومُحَبَّسٌ، ومُحْبَسٌ. انتهى بزيادة يسيرة. وقال في "اللسان": حَبَسْتُ أحْبسُ حَبْسًا - من باب ضرب- وأَحبستُ أُحبِسُ إِحْباسّا: أي وقفتُ، والاسم الْحُبْسُ بالضمّ. قال الأزهريّ: الْحُبُسُ -بضمتين- جمع الحَبِيسِ، يقع على كلّ شيء وقفه صاحبه وقفَا مُحرَّمًا، لا يورث، ولا يُباع، من أرض، ونخل، وكَرْم، ومُسْتَغَلّ، يُحبَس أصله وقفًا مؤبّدًا، وتُسْبَلُ ثمرته تقرّبًا إلى اللَّه ، كما قال النبيّ ﷺ لعمر ﵁ في نخل له، أراد أن يتقرّب بصدقته إلى اللَّه -عَزَّ وَجَلَّ-، فقال له: "حَبِّسِ الأصلَ، وسَبِّلِ الثمرة": أي اجعله وقفَاحُبُسَا. ومعنى تحبيسه أن لا يورث، ولا يُباع، ولا يوهب، ولكن يُترك أصله، وُيجعل ثمره في سُبُل الخير. وأما ما رُوي عن شُرَيح أنه قال: جاء محمد ﷺ بإطلاق الحُبُس، فإنما أراد بها الحُبُس جمع حَبِيسٍ، وهو بضّم الباء، وأراد بها ما كان أهل الجاهليّة يَحبِسونه من السوائب، والبحائر، والحوامي، وما أشبهها، فنزل القرآن بإحلال ما كانوا يُحرّمون منها، وإطلاق ما حبّسوا بغير أمر اللَّه تعالى منها. انتهى (١). [تنبيه]: ذكر في "الكبرى" هنا ترجمة، ونصها: "حَبْسُ ما ترك رسول اللَّه ﷺ عند وفاته". واللَّه تعالى أعلم بالصواب. ٣٦٢١ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الأَحْوَصِ, عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ, عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ, قَالَ: "مَا تَرَكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ دِينَارًا, وَلَا دِرْهَمًا, وَلَا عَبْدًا, وَلَا أَمَةً, إِلاَّ بَغْلَتَهُ الشَّهْبَاءَ, الَّتِي كَانَ يَرْكَبُهَا, وَسِلَاحَهُ, وَأَرْضًا جَعَلَهَا فِي سَبِيلِ اللهِ". وَقَالَ قُتَيْبَةُ مَرَّةً أُخْرَى: "صَدَقَةً").

стр. 14904

رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (قتيبة بن سعيد) البغلانيّ، ثقة ثبت [١٠] ١/ ١. ٢ - (أبو الأحوص) سلام بن سُليم الحنفي الكوفيّ، ثقة متقن [٧] ٧٩/ ٩٦. ٣ - (أبو إسحاق) عمرو بن عبد اللَّه الهمدانيّ السبيعيّ الكوفيّ ثقة عابد اختلط بآخره [٣] ٣٨/ ٤٢. ٤ - (عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ) بن أبي ضِرَار الخزاعيّ الْمّصطلِقيّ، أخي جويرية، أم المؤمنين - رضي اللَّه تعالى عنهما -، صحابيّ قليل الحديث، بقي إلى ما بعد الخمسين ٨٣/ ٢٥٨٣. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من رباعيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو (١٨٢) من رباعيات الكتاب. (ومنها): أن رجاله كلهم رجالا لصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين، غير شيخه، فبغلاني. (ومنها): أن صحابيه قليل الرواية، حيث لم يكن له في الكتب الستة إلا حديثان فقط: حديث الباب عند المصنف، والبخاري، والترمذي في "الشمائل"، وحديث: "كان يقال: أشد الناس عذابًا اثنان: امرأة عصت زوجها، وإمام قوم، وهم له كارهون" عند الترمذيّ. انظر "تحفة الأشراف" جـ ٨ ص ١٤١ - ١٤٢. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ) ﵁، وقد صرّح أبو إسحاق بالتحديث في الرواية التالية، فزلت تهمة التدليس. (قَالَ: "مَا تَرَكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ دِينَارًا، وَلَا دِرْهَمًا، وَلَا عَبْدًا، وَلَا أَمَةً) أي في الرقّ، وفيه دلالةٌ على أن من ذُكر من رقيق النبيّ ﷺ في جميع الأخبار كان إما مات، وإما أعتقه. واستُدلّ به على عتق أم الولد، بناء على أن مارية والدة إبراهيم ابن النبيّ ﷺ عاشت بعد النبيّ ﷺ ، وأما على قول من قال: إنها ماتت في حياته ﷺ ، فلا حجة فيه. (إِلاَّ بَغلَتَهُ الشهْبَاءَ) يحتمل الاتصال بتاويل ما قبله بنحو ما ترك شيئًا، إلا بغلته، أو بتقدير: ولا ترك شيئًا إلا بغلته، والانقطاع على ظاهره. و"الشهباء" هي البيضاء، كما هو في الرواية التالية (الَّتِي كَانَ يَزكَبُهَا، وَسِلاحَهُ، وَأَرْضَا جَعَلَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ) ظاهره أنه صفة "أرضًا"، وترك حكم غيرها مقايسة، ويحتمل أن يكون مستأنفًا لَبيان حكم حال الجميع ما ترك، أي جعل جميع المذكورات صدقة في سبيل اللَّه تعالى. (وَقَالَ قُتَيْبَةُ) بن سعيد شيخه (مَرَّةً أُخرَى) أي في وقت آخر بعد ما حدثهم بهذا اللفظ

стр. 14905

(صَدَقَةً) يعني أن قتيبة -رحمه اللَّه تعالى- حدثهم مرّةً بلفظ: " جعلها في سبيل اللَّه"، ومرّة أخرى بلفظ: " جعلها صدقة". واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث عمرو بن الحارث - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-١/ ٣٦٢١ و ٣٦٢٢ و ٣٦٢٣ - وفي "الكبرى" ١/ ٦٤٢١ و ٦٤٢٢ و ٦٤٢٣. وأخرجه (خ) "الوصايا" ٢٧٣٩ و "الجهاد" ٢٨٧٣ و ٢٩١٢ و"فرض الخمس" ٣٠٩٨ و"المغازي" ٤٤٦١ (أحمد) "مسند الكوفيين" ١٧٩٩٠ (الدارمي) "النكاح" ٢١٩١. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو مشروعيّة الوقف، سواء الموقوف منقولاً، أو غير منقول، وفي غير المنقول خلاف بين العلماء، سيأتي بيانه قريبًا، إن شاء اللَّه تعالى. (ومنها): جواز اتخاذ البغال، وركوب البغل. (ومنها): جواز إنزاء الحمير على الخيل، وأما الحديث الذي تقدّم "إنما يفعل ذلك الذين لا يعلمون"، قال الطحاويّ -رحمه اللَّه تعالى-: أخذ به قومٌ، فحرّموا ذلك، ولا حجة فيه؛ لأن معناه الحضّ على تكثير الخيل؛ لما فيها من الثواب، وكأن المراد الذين لا يعلمون الثواب المرتّب على ذلك. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٦٢٢ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ, قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ, قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو إِسْحَاقَ, قَالَ: سَمِعْتُ عَمْرَو بْنَ الْحَارِثِ, يَقُولُ: مَا تَرَكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ , إِلاَّ بَغْلَتَهُ الْبَيْضَاءَ, وَسِلَاحَهُ, وَأَرْضًا تَرَكَهَا صَدَقَةً). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد عندهم رجال الصحيح، وتقدّموا غير مرّة. و"عمرو بن عليّ": هو الفلاّس. و"يحيى بن سعيد": هو القطّان. و"سفيان": هو الثوريّ. والحديث أخرجه البخاريّ، وسبق البحث عنه في الذي قبله. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٦٢٣ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ, قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ الْحَنَفِيُّ, قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ, عَنْ أَبِيهِ, قَالَ: سَمِعْتُ عَمْرَو بْنَ الْحَارِثِ, يَقُولُ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ , مَا تَرَكَ إِلاَّ بَغْلَتَهُ الشَّهْبَاءَ, وَسِلَاحَهُ, وَأَرْضًا تَرَكَهَا صَدَقَةً).

стр. 14906

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، و"أبو بكر الحنفي": هو عبد الكبير بن عبد المجيد البصريّ الثقة [٩]. و"يونس بن أبي إسحاق": هو أبو إسرائيل السبيعي الكوفيّ، وثقه ابن معين وغيره [٥]. والحديث أخرجه البخاريّ، وقد سبق البحث عنه قريبًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ٢ - (١) كَيْفَ يُكْتَبُ الْحَبْسُ، وَذِكْرُ الاخْتِلَافِ عَلَى ابْنِ عَوْنِ فِي خَبَرِ ابْنِ عُمَرَ - رضي اللَّه تعالى عنهما - فِيهِ) قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: وجه الاختلاف على عبد اللَّه بن عون -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- أن سفيان الثوريّ، وأبا إسحاق الفزاريّ، روياه عنه، عن نافع، عن ابن عمر، عن عمر، فجعلاه من مسند عمر ﵁، وتابعهما على ذلك سعيد بن سالم المكيّ، عن عبيد اللَّه بن عمر، عن نافع، كما في الرواية الآتية في الباب التالي-٣/ ٣٦٣٢ - إن شاء اللَّه تعالى. وخالفهم في ذلك يزيد بن زريع، وبشر بن المفضّل، وأزهر السمّان، فرووه عنه، عن نافع، عن ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما -، قال: أصاب عمر، فجعلوه من مسند ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما -، وتابعهم على ذلك سفيان بن عيينة، عن عبيد اللَّه بن عمر، عن نافع، كما في الرواية الآتية في الباب التالي-٣/ ٣٦٣٠ و ٣٦٣١ - إن شاء اللَّه تعالى. والحاصل أن أكثر الرواة على أنه من مسند ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما -. قال الحافظ -رحمه اللَّه تعالى-: قوله: "عن ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما -، قال:

стр. 14907

أصاب عمر ﵁" كذا لأكثر الرواة عن نافع، ثم عن ابن عون جعلوه من مسند ابن عمر، لكن أخرجه مسلم، والنسائيّ من رواية سفيان الثوريّ، والنسائيُّ من رواية أبي إسحاق الفزاريّ، كلاهما عن عبد اللَّه بن عون- والنسائيّ من رواية سعيد بن سالم، عن عبيد اللَّه بن عمر- عن نافع، عن ابن عمر، عن عمر، جعله من مسند عمر ﵁، والمشهور الأول. انتهى (١). [تنبيه]: زعم أبو عمر ابن عبد البرّ أن ابن عون تفرّد برواية هذا الحديث، عن نافع، وليس كما قال، فقد أخرجه النسائيّ في الباب التالي من رواية عبيد اللَّه بن عمر الأكبر المصغّر، عن نافع، وأخرجه البخاريّ في "صحيحه" من رواية صخر بن جويرية، عن نافع، وأخرجه البخاريّ مختصرًا، وأحمد، والطحاويّ مطوّلاً من رواية أيوب، عن نافع، وأخرجه الطحاويّ أيضًا من رواية يحيى بن سعيد الأنصاريّ، عن نافع، وأخرجه أحمد، والدارقطنيّ من رواية عبد اللَّه بن عمر الأصغر المكبّر، عن نافع. أفاده في "الفتح" (٢). واللَّه تعالى أعلم بالصواب. ٣٦٢٤ - (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ, قَالَ: أَنْبَأَنَا أَبُو دَاوُدَ الْحَفَرِيُّ (٣) عُمَرُ بْنُ سَعْدٍ, عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ, عَنِ ابْنِ عَوْنٍ, عَنْ نَافِعٍ, عَنِ ابْنِ عُمَرَ, عَنْ عُمَرَ, قَالَ: أَصَبْتُ أَرْضًا, مِنْ أَرْضِ خَيْبَرَ, فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ , فَقُلْتُ: أَصَبْتُ أَرْضًا, لَمْ أُصِبْ مَالاً أَحَبَّ إِلَيَّ, وَلَا أَنْفَسَ عِنْدِي مِنْهَا,. قَالَ: «إِنْ شِئْتَ تَصَدَّقْتَ بِهَا» , فَتَصَدَّقَ بِهَا, عَلَى أَنْ لَا تُبَاعَ, وَلَا تُوهَبَ, فِي الْفُقَرَاءِ, وَذِى الْقُرْبَى, وَالرِّقَابِ, وَالضَّيْفِ, وَابْنِ السَّبِيلِ, لَا جُنَاحَ عَلَى مَنْ وَلِيَهَا, أَنْ يَأْكُلَ بِالْمَعْرُوفِ, غَيْرَ مُتَمَوِّلٍ مَالاً, وَيُطْعِمَ). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (إسحاق بن إبراهيم) ابن راهويه الحنظلي المروزيّ، ثقة ثبت [١٠] ٢/ ٢. ٢ - (أبو داود الْحَفَريّ عمر بن سعد) الكوفيّ، ثقة عابد [٩] ١٥/ ٥٢٣. ٣ - (سفيان الثوريّ) ابن سعيد الكوفيّ ثقة ثبت حجة [٧] ٣٣/ ٣٧. ٤ - (ابن عون) عبد اللَّه بن عون بن أرطبان، أبو عون البصريّ، ثقة ثبت فاضل، من أقران أيوب في العلم والعمل، والسنّ [٥ (٤)] ٢٩/ ٣٣.

стр. 14908

٥ - (نافع) مولى ابن عمر المدنيّ، ثقة ثبت فقيه [٣] ١٢/ ١٢. ٦ - (ابن عمر) عبد اللَّه - رضي اللَّه تعالى عنهما - ١٢/ ١٢. ٧ - (عمر) بن الخطّاب - رضي اللَّه تعالى عنه - ٦٠/ ٧٥. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سباعيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ، وصحابي، عن صحابيّ، والابن عن أبيه. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ عُمَرَ) - رضي اللَّه تعالى عنه -، أنه (قَالَ: أَصَبْتُ أَرْضًا مِنْ أَرْضِ خَيْبَرَ) واسمها ثَمْغ (١)، كما في رواية سعيد بن سالم الآتية في الباب التالي، وفي رواية أيوب عن نافع، عند أحمد: "أن عمر أصاب أرضًا من يهود بني حارثة، يقال لها: ثمغ". وروى عمر بن شبّة بإسناد صحيح، عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم: "أن عمر رأى في المنام ثلاث ليال أن يتصدّق بثمغ". وفي الرواية الآتية في الباب التالي، من طريق سفيان، عن عبيد اللَّه بن عمر: "جاء عمر، فقال: يا رسول اللَّه، إني أصبت مالاً، لم أُصب مالاً مثله قط، كان لي مائة رأس، فاشتريت بها مائة سهم من خيبر من أهلها"، فيحتمل أن تكون ثمغ من جملة أراضي خيبر، وأن مقدارها كان مقدار مائة سهم من السهام التي قسمها النبيّ ﷺ بين من شهد خيبر، وهذه المائة السهم غير المائة السهم التي كانت لعمر بن الخطّاب ﵁ بخيبر التي حصّلها من جزئه من الغنيمة وغيره، وسيأتي بيان ذلك في صفة كتاب عمر ﵁، قريبًا إن شاء اللَّه تعالى. وذكر عمر بن شبّة بإسناد ضعيف عن محمد بن كعب أن قصّة عمر هذه كانت في سنة سبع من الهجرة. قاله في "الفتح". (فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، فَقُلْتُ: أَصَبْتُ أَرْضّا، لَمْ أُصِبْ مَالاً أَحَبَّ إِلَيَّ، وَلَا أَنْفَسَ عِنْدِي مِنْهَا) أي أجود، وأكرم، والنفيس الجيّد، والكريم، يقال: نفُس الشيء -بفتح النون، وضمّ الفاء- نفاسةٌ: كَرُم، فهو نفيس، وأنفس إنفاسّا مثله، فهو مُنفِسٌ، نَفِستُ به، مثلُ ضَنِنْتُ به؛ لنفاسته وزنًا ومعنًى. قاله الفيّوميّ. وقال الداوديّ: سمّي نفيسًا لأنه يأخذ بالنفس. وفي رواية صخر بن جورية، عند البخاريّ: "إني استفدت مالاً، وهو

стр. 14909

عندي نفيسٌ، فأردت أن أتصدّق به". وفي رواية سفيان الآتية: "وإني أردت أن أتقرّب بها إلى اللَّه "، وقد تقدّم قريبًا في مسند أبى بكر بن حزم أنه رأى في المنام الأمر بذلك. ووقع في رواية للدارقطنيّ، إسنادها ضعيفٌ: "أن عمر قال: يا رسول اللَّه، إني نذرت أن أتصدّق بمالي". وهذا -كما قال الحافظ- لم يثبت، وإنما كان صدقة تطوّع، كما سيأتي توضيحه من حكايته كتابة الوقف قريبًا، إن شاء اللَّه تعالى. زاد في الرواية التالية: "فكيف تأمرني به؟ ". وفي رواية: "فما تأمرني فيها؟ ". وفي رواية: "فأتى النبيّ ﷺ يستأمره في ذلك". (قَالَ) ﷺ (إنْ شِئْتَ) الأجر، والمثوبة عند اللَّه (تَصَدَّقْتَ بِهَا) وفي رواية الآتية: "إن شئت حبست أصلها، وتصدّقت بها"، وفي رواية: "احبس أصلها، وسبّل ثمرتها" (فَتَصَدَّقَ بِهَا، عَلَى أَنَّ لَا تُبَاعَ، وَلَا تُوهَبَ) زاد في الرواية الآتية: "ولا تورث"، وزاد في رواية مسلم: "ولا تُبتاع"، وزاد الدارقطنيّ من طريق عبيد اللَّه بن عمر، عن نافع،: "حَبِيسٌ ما دامت السماوات والأرض". قال في "الفتح": كذا لأكثر الرواة عن نافع، ولم يختلفوا فيه عن ابن عون، إلا ما وقع عند الطحاويّ، من طريق سعيد بن سفيان الجحدريّ، عن ابن عون، فذكره بلفظ صخر بن جويرية الآتي، والجحدريّ إنما رواه عن صخر، لا عن ابن عون. قال السبكيّ: اغتبطتُ بما وقع في رواية يحيى بن سعيد، عن نافع، عند البيهقيّ: "تصدّقْ بثمره، وحبسن أصله، لا يباع، ولا يورث". وهذا ظاهره أن الشرط من كلام النبيّ ﷺ ، بخلاف بقية الروايات، فإن الشرط فيها ظاهره أنه من كلام عمر ﵁. ووقع في رواية صخر بن جويرية المذكررة، بلفظ: "فقال النبيّ ﷺ : تصدّق بأصله، لا يُباع، ولا يوهب، ولا يورث، ولكن يُنفق بثمره"، وهي أتمّ الروايات، وأصرحها في المقصود، فعزوجها إلى البخاريّ أولى. وقد علقه البخاريّ في المزارعة بلفظ: "قال النبيّ ﷺ لعمر: تَصَدَّق بأصله، لا يباع، ولا يوهب، ولكن ليُنفق ثمره، فتَصَدَّق به"، فهذا صريح في كونه مرفوعًا، وعلى تقدير كون الشرط من قول عمر، لكنه ما فعله إلا لما فهمه من النبيّ ﷺ ، حيث قال له: "احبس أصلها، وسَبَّّّّّّلْ ثمرتها". وقوله: تصدّقْ" بصيغة أمر، وقوله: "فتصدّق" بصيغة الفعل الماضي انتهى. (فِي الْفُقَرَاءِ، وَذِي الْقُرْبىَ، وَالرِّقَابِ، وَالضَّيْفِ، وَابْنِ السَّبِيلِ) زاد في رواية يزيد بن زريع الآتية: "وفي سبيل اللَّه"، وفي رواية أزهر السمان: "وفي المساكين". وجميع هؤلاء الأصناف إلا الضيف، هم المذكورون في آية الزكاة، وقد تقدّم بيانهم في "كتاب الزكاة". وأما "القربى" فقال القرطبيّ: فظاهره أنه أراد به قرابته. ويحتمل أن يريد به

стр. 14910

قرابة النبيّ ﷺ ، المذكورين في الخمس والفيء، وفيه بُعد؛ لأنه أطلق على ذلك الحبس صدقة، وهم قد حُرموا الصدقة، إلا إن تنزّلنا على أن الذي حُرموه هي الصدقة الواجبة فقط، والرافع لهذا الاحتمال الوقوف على ما صنع في صدقة عمر ﵁، فينبغي أن يُبحث عن ذلك، والأولى حمله على قرابة عمر ﵁ الخاضة به. واللَّه أعلم انتهى (١). وأما "الضيف" فمعروف، وهو من يَنزل بقوم يُريد القِرَى منهم (لَا جُنَاحَ عَلَى مَنْ وَلِيَهَا، أَنْ يَأْكُلَ بِالْمَعْرُوفِ) قال القرطبيّ: هذا رفعٌ للحرج عن الوالي عليها، والعامل في تلك الصدقة في الأكل منها، على ما جرت به عادة العمال في الحيطان من أكلهم من ثمرها حالة عملهم فيها، فإن المنع من ذلك نادرٌ، وامتناع العامل من ذلك أندر، حتى لو اشترط ربّ الحائط على العامل فيه أن لا يأكل لا استُقبح ذلك عادة وشرعًا، وعلى ذلك فيكون المراد بالمعروف القدر الذي يدفع الحاجة، ويردّ الشهوة، غير أكل بسرف، ولا نهمة، ولا متّخذًا خيانةً، ولا خُبْنة (٢). وقيل: مراد عمر ﵁ بذلك أن يأكل العامل منها بقدر عمله، وفيه بُعْدْ؛ لأنه لا يصحّ ذلك حتى يُتأول "يأكل" بمعنى "يأخذ"؛ لأن العامل إنما يأخذ أجرته، فيتصرّف فيها بما شاء من بيع، أو أكل، أو غير ذلك، و"أكل" بمعنى "أخذ" على خلاف الأصل؛ ولأن مساق اللفظ لا يُشعر بقصدٍ إلى أن تلك الإباحة إنما هي بحسب العمل، وبقدره، فتأمله، لا سيّما وقد أردف عليه "ويطعم صديقًا، غير متأثّل مالاً". يعني صديقًا للوالي عليها, وللعامل فيها. ويحتمل صديقًا للمحبّس، وفيه بُعْدٌ انتهى (٣). (غَيْرَ مُتَمَوِّلٍ مَالاً) أي غير متخذ إياه مالاً لنفسه، بل يأكله، ويُطعمه بالمعروف. وفي الرواية: "غير متموّل فيه"، أي غير متّجر فيه. قال في "الفتح": والمعنى غير متّخذ منها مالاً، أي ملكّا، والمراد أنه لا يتملّك شيئًا من رقابها. قال: وزاد الأنصاريّ، وسليم قال: فحدّثت به ابن سيرين، فقال: "غير متأثّل مالاً"، والقائل "فحدّثت به" هو ابن عون راويه عن نافع، بين ذلك الدارقطنيّ من طريق أبي أسامة، عن ابن عون، قال: ذكرت حديث نافع لابن سيرين، فذكره. زاد سليم: قال ابن عون: وأنبأني من قرأ هذا الكتاب أن فيه "غير متأثّل مالاً". وفي رواية الترمذيّ من طريق ابن عليّة، عن ابن عون: "حدّثني رجلٌ أنه قرأها في قطعة أديم أحمر"، قال ابن عليّة: وأنا قرأتها عند ابن عُبيد اللَّه بن عمر كذلك. وقد أخرج أبو داود صفة كتاب

стр. 14911

وقف عمر ﷺ من طريق يحيى بن سعيد الأنصاريّ، قال: "نسخها لي عبد اللَّه بن عبد الحميد بن عبد اللَّه بن عمر"، فذكره، وفيه: "غير متأثّل". والمتأثّل -بمثنّاة، ثم مثلّثة مشدّدة، بينهما همزة: هو المتّخذ، والتأثّل اتخاذ أصل المال حتى كأنه عنده قديم، وأثلة كلّ شيء أصله، قال امرؤس القيس [من الطويل]: وَلَكِنَّمَا أَسْعَى لِمَجْدٍ مُؤَثَّلِ … وَقَدْ يُدْرِكُ الْمَجدَ الْمُؤَثَّلَ أَمْثَالِي واشتراط نفي التأثّل يُقوّي ما ذهب إليه من قال: المراد من قوله: "يأكل بالمعروف" حقيقة الأكل، لا الأخذ من مال الوقف بقدر العمالة. قاله القرطبيّ. وزاد أحمد من طريق حمّاد بن زيد، عن أيوب، فذكر الحديث، قال حماد: وزعم عمرو بن دينار أن عبد اللَّه بن عمر، كان يُهدي إلى عبد اللَّه بن صفوان من صدقة عمر ﵁. وكذا رواه عمر بن شبّة من طريق حماد بن زيد، عن عمر (١). وزاد عمر بن شبّة، عن يزيد بن هارون، عن ابن عون في آخر هذا الحديث: "وأوصى بها عمر إلى حفصة، أم المؤمنين، ثم إلى الأكابر من آل عمر"، ونحوه في رواية عبيد اللَّه بن عمر عند الدارقطنيّ. وفي رواية أيوب، عن نافع عند أحمد: "يليه ذوو الرأي من آل عمر"، فكأنه كان أوّلاً شرط أن النظر فيه لذوي الرأي من أهله، ثم عيّن عند وصيّته لحفصة، وقد بيّن ذلك عمر بن شبّة، عن أبي غسّان المدنيّ، قال: هذه نسخة صدقة عمر، اْخذتها من كتابه الذي عند آل عمر، فنسختها حرفًا حرفًا: "هذا ما كتب عبد اللَّه عمر أمير المؤمنين في ثمغ، أنه إلى حفصة، ما عاشت، تُنفق ثمره حيث أراها اللَّه، فإن تُوفّيت، فإلى ذوي الرأي من أهلها". فذكر الشرط كله نحو الذي تقدّم في الحديث المرفوع، ثم قال: "والمائة وسق الذي أطعمني النبيّ ﷺ ، فإنها مع ثَمْغ على سَنَنه الذي أمرت به، وإن شاء وليّ ثمغ أن يشتري من ثمره رقيقًا يعملون فيه فعل، وكتب مُعيقيب، وشهد عبد اللَّه بن الأرقم". وكذا أخرج أبو داود في روايته نحو هذا، وذكرا جميعًا كتابًا آخر نحو هذا الكتاب، وفيه من الزيادة: "وصرمة بن الأكوع، والعبد الذي فيه صدقة كذلك". وهذا يقتضي أن عمر إنما كتب كتاب وقفه في خلافته؛ لأن مُعيقيبًا كان كاتبه في زمن خلافته، وقد وصفه فيه بأنه أمير المؤمنين، فيحتمل أن يكون وقفه في زمن النبيّ ﷺ باللفظ، وتولّى هو النظر عليه إلى أن حضرته الوصيّة، فكتب حينئذ الكتاب. ويحتمل أن يكون أخر وقفيّته، ولم يقع منه قبل ذلك إلا استشارته في كيفيته.

стр. 14912

وقد روى الطحاويّ، وابن عبد البرّ من طريق مالك، عن ابن شهاب، قال: "وقال عمر: لولا أني ذكرت صدقتي لرسول اللَّه ﷺ لرددتها"، فهذا يُشعر بالاحتمال الثاني، وأنه لم يُنجز الوقف إلا عند وصيّته. واستدلّ الطحاويّ بقول عمر ﵁ هذا لأبي حنيفة، وزفر في أن إيقاف الأرض لا يمنع من الرجوع فيها، وأن الذي منع عمر ﷺ من الرجوع كونه ذكره للنبيّ ﷺ ، فكره أن يفارقه على أمر، ثم يُخالفه إلى غيره. ولا حجة فيما ذُكر لوجهين: [أحدهما]: أنه منقطع؛ لأن ابن شهاب لم يدرك عمر ﷺ . [ثانيهما]: أنه يحتمل ما تقدّم، ويحتمل أن يكون عمر كان يرى بصحة الوقف ولزومه، إلا إن شرط الواقف الرجوع، فله أن يرجع. وقد روى الطحاويّ عن عليّ ﵁ مثل ذلك، فلا حجة فيه لمن قال بأن الوقف غير لازم، مع إمكان هذا الاحتمال، وإن ثبت هذا الاحتمال كان حجة لمن قال بصحّة تعليق الوقف، وهو عند المالكيّة، وبه قال ابن سُريج، وقال: تعود منافعه بعد المدّة المعيّنة إليه، ثم إلى ورثته، فلو كان التعليق مآلاً صحّ اتفاقًا، كما لو قال: وقفته على زيد سنة، ثم على الفقراء. قاله في "الفتح" (١). (وَيُطْعِمَ) وفي الرواية التالية: "ويُطعم صديقًا"، وفي رواية: "أو يطعم صديقه". يعني أنه يجوز لوالي الوقف أن يُطعم صديقه، كما يأكل هو بنفسه بالمعروف. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث عمر - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٣٦٢٤ و ٣٦٢٥ و ٣٦٢٦ و ٣٦٢٧ و ٣٦٢٨ و ٣/ ٣٦٣٠ و ٣٦٣١ و ٣٦٣٢ - وفي "الكبرى" ٢/ ٦٤٢٤ و ٦٤٢٥ و ٦٤٢٦ و ٦٤٢٧ و ٦٤٢٨ و ٣/ ٦٤٣٠ و ٦٤٣١ و ٦٤٣٢. وأخرجه (خ) في "الشروط" ٢٧٣٧ و"الوصايا" ٢٧٦٤ و ٢٧٧٢ و ٢٧٧٣ و ٢٧٧٨ (م) في "الوصية" ١٦٣٣ (د) في "الوصايا"٢٨٧٨ (ت) "الأحكام" ١٣٧٥ (ق) "الأحكام" ٢٣٩٦ و ٢٣٩٧ (أحمد) "مسند المكثرين" ٤٥٩٤ و ٥١٥٧. واللَّه تعالى أعلم.

стр. 14913

(المسألة الثالثة): في فوائده (١): (منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان كيفية كتابة الوقف، وقد ساق أبو داود -رحمه اللَّه تعالى- نصّ كتابة وقف عمر ﵁ في "سننه"، فقال: حدثنا سليمان بن داود المهري، حدثنا ابن وهب، أخبرني الليث، عن يحيى بن سعيد، عن صدقة عمر بن الخطاب ﵁، قال: نسخها لي عبد الحميد بن عبد اللَّه بن عبد اللَّه بن عمر بن الخطاب: "بسم اللَّه الرحمن الرحيم، هذا ما كتب عبد اللَّه، عمر، في ثَمْغ، فقصّ من خبره نحو حديث نافع، قال: "غير متأثل مالا، فما عما عنه من ثمره، فهو للسائل والمحروم"، قال: وساق القصة، قال: وإن شاء ولي ثمغ، اشترى من ثمره رقيقا لعمده، وكتب معيقيب، وشهد عبد اللَّه بن الأرقم، بسم اللَّه الرحمن الرحيم، هذا ما أوصى به عبد اللَّه عمر، أمير المؤمنين، إن حَدَثَ به حدث، أن ثمغا، وصِرْمَة ابن الأكوع، والعبد الذي فيه، والمائة سهم التي بخيبر، ورقيقه الذي فيه، والمائة التي أطعمه محمد ﷺ بالوادي، تليه حفصة، ما عاشت، ثم يليه ذو الرأي من أهلها، أن لا يباع، ولا يشترى، ينفقه حيث رأى، من السائل، والمحروم، وذوي القربى، ولا حرج على من وليه إن أكل، أو آكل، أو اشترى رقيقا منه". (ومنها): جواز ذكر الولد أباه باسمه المجرّد من غير كنية، ولا لقب. (ومنها): استحباب استثارة أهل العلم والدين والفضل في طرق الخير، سواء كانت دينيّةً، أو دنيوية، وأن المشير يُشير بأحسن ما يظهر له في جميع الأمور. (ومنها): أن فيه فضيلة ظاهبرة لعمر ﵁، حيث رغب في العمل بقوله تعالى: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢]. (ومنها): أن فيه فضل الصدقة الجارية. (ومنها): صحة شروط الواقف، واتباعه فيها، وأنه لا يشترط تعيين المصرف لفظًا. (ومنها): أن الوقف لا يكون إلا فيما له أصل يدوم الانتفاع به، فلا يصحّ وقف ما لا يدوم الانتفاع به، كالطعام. هكذا قيل، وهو محلّ نظر. (ومنها): أنه لا يكفي في الوقف لفظ الصدقة، سواء قال: تصدّقت به بكذا، أو جعلته صدقة حتى يُضيف إليها شيئًا آخر؛ لتردد الصدقة بين أن تكون تمليك الرقبة، أو وقف المنفعة، فإذا أضاف إليها ما يميّز أحد المحتملين صحّ، بخلاف ما لو قال: وقفتُ، أو حبستُ، فإنه صريحٌ في ذلك، على الراجح، وقيل: الصريح الوقف خاصّة. وفيه نظرٌ؛ لثبوت التحبيس في قصّة عمر ﵁ هذه،

стр. 14914

نعم لو قال: تصدّقتُ بكذا على كذا، وذكر جهة عامّة صحّ. وتمسّك من أجاز الاكتفاء بقوله: تصدّقتُ بكذا بما وقع في حديث الباب من قوله: "فتصدّق بها عمر". ولا حجة في ذلك؛ لما تقدّم من أنه أضاف إليها: "لا تباع، ولا توهب". ويحتمل أيضًا أن يكون قوله: "فتصدّق بها عمر" راجعًا إلى الثمرة على حذف مضاف، أي فتصدّق بثمرتها، فليس فيه متعلَّقٌ دمن أثبت الوقف بلفظ الصدقة، مجرّدًا، وبهذا الاحتمال الثاني جزم القرطبيّ. (ومنها): جواز الوقف على الأغنياء؛ لأن ذوي القربى، والضيف، لم يُقيّدا بالحاجة، وهو الأصحّ عند الشافعيّة. (ومنها): أن للواقف أن يشترط لنفسه جزءًا من ريع الموقوف؛ لأن عمر ﵁ شرط لمن ولي وقفه أن يأكل منه بالمعروف، ولم يستثن إن كان هو الناظر، أو غيره، فدلّ على صحّة الشرط، وإذا جاز في المبهم الذي تعيّنه العادة، كان فيما يعيّنه هو أجوز. (ومنها): جواز إسناد الوصيّة، والنظر على الوقف للمرأة، وتقديمها على من هو من أقرانها من الرجال. (ومنها): جواز إسناد النظر إلى من لم يُسمّ، إذا وُصف بصفة معيّنة تُميّزه. (ومنها): أن الواقف يلي النظر على وقفه إذا لم يُسنده لغيره، قال الشافعيّ -رحمه اللَّه تعالى-: لم يزل العدد الكثير من الصحابة، فمن بعدهم يَلُون أوقافهم، نقل ذلك الألوف عن الألوف، لا يختلفون فيه. (ومنها): أنه استُدلّ به على جواز الوقف على الوارث في مرض الموت، فإن زاد على الثلث رُدّ، وإن خرج منه لزم، وهو إحدى الروايتين عن أحمد؛ لأن عمر ﵁ جعل النظر بعده لحمْصة، وهي ممن يرثه، وجعل لمن ولي وقفه أن يأكل منه. وتُعُقّب بأن وقف عمر ﵁ صدر منه في حياة النبيّ ﷺ ، والذي أوصى به إنما هو شرط النظر. (ومنها): أنه استُدلّ به على أن الواقف إذا شرط للناظر شيئًا أخذه، وإن لم يشترطه له لم يجز، إلا إن دخل في صفة أهل الوقف، كالفقراء والمساكين، فإن كان على معيّنين، ورضوا بذلك جاز. (ومنها): أنه استدلّ به على أن تعليق الوقف لا يصحّ؛ لأن قوله: "حبّس الأصل" يناقض تأقيته. وعن مالك، وابن سُريج يصحّ. (ومنها): أنه استُدلّ بقوله: "لا تباع" على أن الوقف لا يُناقل به. وعن أبي يوسف إن شرط الواقف أنه إذا تعطّلت منافعه بيع، وصُرف ثمنه في غيره، ويوقف فيما سمي في الأول، وكذا إن شرط البيع إذا رأى الحظّ في نقله إلى موضع آخر. (ومنها): أنه استدلّ به على جواز وقف المشاع؛ لأن المائة سهم التي كانت لعمر بخيبر لم تكن منقسمة. وفيه أنه لا سراية في الأرض الموقوفة، بخلاف العتق، ولم يُنقل أن الوقف سرى من حصّة عمر إلى غيرها

стр. 14915

من باقي الأرض. وحكى بعض المتأخّرين، عن بعض الشافعيّة أنه حكم فيه بالسراية، وهو شاذّ منكر. (ومنها): أنه استدلّ به على أن خيبر فُتحت عنوة (١). وقد أشبعنا الكلام على هذا البحث في غير هذا الموضع. (ومنها): أنه يستنبط منه صحّة الوقف على النفس، وهو قول ابن أبي ليلى، وأبي يوسف، وأحمد في الأرجح عنه. وقال به من المالكيّة ابن شعبان، وجمهورهم على المنع، إلا إذا استثنى لنفسه شيئًا يسيرًا، بحيث لا يتّهم أنه قصد حرمان ورثته. ومن الشافعيّة ابن سُريج، وطائفةٌ، وصنّف فيه محمد بن عبد اللَّه الأنصاريّ، شيخ البخاريّ جزءًا ضخمّا، واستدلّ له بقصّة عمر هذه، وبقصّة راكب البدنة، وبحديث أنسّ ﵁ في أنه ﷺ أعتق صفيّة، وجعل عتقها صداقها، ووجه الاستدلال به أنه أخرجها عن ملكه بالعتق، وردّها إليه بالشرط، وقد تقدّم البحث فيه في "كتاب النكاح" مستوفًى. وبقصّة عثمان ﷺ الآتية بعد باب، إن شاء اللَّه تعالى. واحتجّ المانعون بقوله في حديث عمر هذا: "سبّل الثمرة"، وتسبيل الثمرة تمليكه للغير، والإنسان لا يتمكّن من تمليك نفسه لنفسه. وتُعُقّب بأن امتناع ذلك غير مستحيل، ومنعه تمليكه لنفسه إنما هو لعدم الفائدة، والفائدة في الوقف حاصلة؛ لأن استحقاقه إياه ملكاً غير استحقاقه إياه وقفًا، ولا سيّما إذا ذكر له مالاً آخر، فإنه حكم آخر، يستفاد من ذلك الوقف. واحتجّوا أيضًا بأن الذي يدلّ عليه حديث الباب أن عمر اشترط لناظر وقفه أن يأكل منه بقدر عُمالته، ولذلك منعه أن يتّخذ لنفسه منه مالاً، فلو كان يؤخذ منه صحّة الوقف على النفس لم يمنعه من الاتخاذ، وكأنه اشترط لنفسه أمرًا لو سكت عنه لكان يستحقّه لقيامه، وهذا على أرجح قولي العلماء أن الواقف إذا لم يشترط للناظر قدر عمله جاز له بقدر عمله، ولو اشترط الواقف لنفسه النظر، واشترط أجرة، ففي صحّة هذا الشرط عند الشافعيّة خلاف، كالهاشميّ إذا عمل في الزكاة، هل يأخذ من سهم العاملين؟ والراجح الجواز، ويؤيّده حديث عثمان ﵁ الآتي بعد باب، إن شاء اللَّه تعالى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم الوقف: قال في "الفتح": حديث عمر ﵁ هذا أصل في مشروعيّة الوقف، قال أحمد: حدّثنا حماد -وهو ابن خالد- حدّثنا عبد اللَّه -وهو العمريّ-، عن نافع، عن ابن عمر،
следующие страницы →