← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 12888

ذخيرة العقبى في شرح المجتبى

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (19 271 стр.). Показаны 14911–14950 · переход к 14916.

стр. 14911

وقف عمر ﷺ من طريق يحيى بن سعيد الأنصاريّ، قال: "نسخها لي عبد اللَّه بن عبد الحميد بن عبد اللَّه بن عمر"، فذكره، وفيه: "غير متأثّل". والمتأثّل -بمثنّاة، ثم مثلّثة مشدّدة، بينهما همزة: هو المتّخذ، والتأثّل اتخاذ أصل المال حتى كأنه عنده قديم، وأثلة كلّ شيء أصله، قال امرؤس القيس [من الطويل]: وَلَكِنَّمَا أَسْعَى لِمَجْدٍ مُؤَثَّلِ … وَقَدْ يُدْرِكُ الْمَجدَ الْمُؤَثَّلَ أَمْثَالِي واشتراط نفي التأثّل يُقوّي ما ذهب إليه من قال: المراد من قوله: "يأكل بالمعروف" حقيقة الأكل، لا الأخذ من مال الوقف بقدر العمالة. قاله القرطبيّ. وزاد أحمد من طريق حمّاد بن زيد، عن أيوب، فذكر الحديث، قال حماد: وزعم عمرو بن دينار أن عبد اللَّه بن عمر، كان يُهدي إلى عبد اللَّه بن صفوان من صدقة عمر ﵁. وكذا رواه عمر بن شبّة من طريق حماد بن زيد، عن عمر (١). وزاد عمر بن شبّة، عن يزيد بن هارون، عن ابن عون في آخر هذا الحديث: "وأوصى بها عمر إلى حفصة، أم المؤمنين، ثم إلى الأكابر من آل عمر"، ونحوه في رواية عبيد اللَّه بن عمر عند الدارقطنيّ. وفي رواية أيوب، عن نافع عند أحمد: "يليه ذوو الرأي من آل عمر"، فكأنه كان أوّلاً شرط أن النظر فيه لذوي الرأي من أهله، ثم عيّن عند وصيّته لحفصة، وقد بيّن ذلك عمر بن شبّة، عن أبي غسّان المدنيّ، قال: هذه نسخة صدقة عمر، اْخذتها من كتابه الذي عند آل عمر، فنسختها حرفًا حرفًا: "هذا ما كتب عبد اللَّه عمر أمير المؤمنين في ثمغ، أنه إلى حفصة، ما عاشت، تُنفق ثمره حيث أراها اللَّه، فإن تُوفّيت، فإلى ذوي الرأي من أهلها". فذكر الشرط كله نحو الذي تقدّم في الحديث المرفوع، ثم قال: "والمائة وسق الذي أطعمني النبيّ ﷺ ، فإنها مع ثَمْغ على سَنَنه الذي أمرت به، وإن شاء وليّ ثمغ أن يشتري من ثمره رقيقًا يعملون فيه فعل، وكتب مُعيقيب، وشهد عبد اللَّه بن الأرقم". وكذا أخرج أبو داود في روايته نحو هذا، وذكرا جميعًا كتابًا آخر نحو هذا الكتاب، وفيه من الزيادة: "وصرمة بن الأكوع، والعبد الذي فيه صدقة كذلك". وهذا يقتضي أن عمر إنما كتب كتاب وقفه في خلافته؛ لأن مُعيقيبًا كان كاتبه في زمن خلافته، وقد وصفه فيه بأنه أمير المؤمنين، فيحتمل أن يكون وقفه في زمن النبيّ ﷺ باللفظ، وتولّى هو النظر عليه إلى أن حضرته الوصيّة، فكتب حينئذ الكتاب. ويحتمل أن يكون أخر وقفيّته، ولم يقع منه قبل ذلك إلا استشارته في كيفيته.

стр. 14912

وقد روى الطحاويّ، وابن عبد البرّ من طريق مالك، عن ابن شهاب، قال: "وقال عمر: لولا أني ذكرت صدقتي لرسول اللَّه ﷺ لرددتها"، فهذا يُشعر بالاحتمال الثاني، وأنه لم يُنجز الوقف إلا عند وصيّته. واستدلّ الطحاويّ بقول عمر ﵁ هذا لأبي حنيفة، وزفر في أن إيقاف الأرض لا يمنع من الرجوع فيها، وأن الذي منع عمر ﷺ من الرجوع كونه ذكره للنبيّ ﷺ ، فكره أن يفارقه على أمر، ثم يُخالفه إلى غيره. ولا حجة فيما ذُكر لوجهين: [أحدهما]: أنه منقطع؛ لأن ابن شهاب لم يدرك عمر ﷺ . [ثانيهما]: أنه يحتمل ما تقدّم، ويحتمل أن يكون عمر كان يرى بصحة الوقف ولزومه، إلا إن شرط الواقف الرجوع، فله أن يرجع. وقد روى الطحاويّ عن عليّ ﵁ مثل ذلك، فلا حجة فيه لمن قال بأن الوقف غير لازم، مع إمكان هذا الاحتمال، وإن ثبت هذا الاحتمال كان حجة لمن قال بصحّة تعليق الوقف، وهو عند المالكيّة، وبه قال ابن سُريج، وقال: تعود منافعه بعد المدّة المعيّنة إليه، ثم إلى ورثته، فلو كان التعليق مآلاً صحّ اتفاقًا، كما لو قال: وقفته على زيد سنة، ثم على الفقراء. قاله في "الفتح" (١). (وَيُطْعِمَ) وفي الرواية التالية: "ويُطعم صديقًا"، وفي رواية: "أو يطعم صديقه". يعني أنه يجوز لوالي الوقف أن يُطعم صديقه، كما يأكل هو بنفسه بالمعروف. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث عمر - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٣٦٢٤ و ٣٦٢٥ و ٣٦٢٦ و ٣٦٢٧ و ٣٦٢٨ و ٣/ ٣٦٣٠ و ٣٦٣١ و ٣٦٣٢ - وفي "الكبرى" ٢/ ٦٤٢٤ و ٦٤٢٥ و ٦٤٢٦ و ٦٤٢٧ و ٦٤٢٨ و ٣/ ٦٤٣٠ و ٦٤٣١ و ٦٤٣٢. وأخرجه (خ) في "الشروط" ٢٧٣٧ و"الوصايا" ٢٧٦٤ و ٢٧٧٢ و ٢٧٧٣ و ٢٧٧٨ (م) في "الوصية" ١٦٣٣ (د) في "الوصايا"٢٨٧٨ (ت) "الأحكام" ١٣٧٥ (ق) "الأحكام" ٢٣٩٦ و ٢٣٩٧ (أحمد) "مسند المكثرين" ٤٥٩٤ و ٥١٥٧. واللَّه تعالى أعلم.

стр. 14913

(المسألة الثالثة): في فوائده (١): (منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان كيفية كتابة الوقف، وقد ساق أبو داود -رحمه اللَّه تعالى- نصّ كتابة وقف عمر ﵁ في "سننه"، فقال: حدثنا سليمان بن داود المهري، حدثنا ابن وهب، أخبرني الليث، عن يحيى بن سعيد، عن صدقة عمر بن الخطاب ﵁، قال: نسخها لي عبد الحميد بن عبد اللَّه بن عبد اللَّه بن عمر بن الخطاب: "بسم اللَّه الرحمن الرحيم، هذا ما كتب عبد اللَّه، عمر، في ثَمْغ، فقصّ من خبره نحو حديث نافع، قال: "غير متأثل مالا، فما عما عنه من ثمره، فهو للسائل والمحروم"، قال: وساق القصة، قال: وإن شاء ولي ثمغ، اشترى من ثمره رقيقا لعمده، وكتب معيقيب، وشهد عبد اللَّه بن الأرقم، بسم اللَّه الرحمن الرحيم، هذا ما أوصى به عبد اللَّه عمر، أمير المؤمنين، إن حَدَثَ به حدث، أن ثمغا، وصِرْمَة ابن الأكوع، والعبد الذي فيه، والمائة سهم التي بخيبر، ورقيقه الذي فيه، والمائة التي أطعمه محمد ﷺ بالوادي، تليه حفصة، ما عاشت، ثم يليه ذو الرأي من أهلها، أن لا يباع، ولا يشترى، ينفقه حيث رأى، من السائل، والمحروم، وذوي القربى، ولا حرج على من وليه إن أكل، أو آكل، أو اشترى رقيقا منه". (ومنها): جواز ذكر الولد أباه باسمه المجرّد من غير كنية، ولا لقب. (ومنها): استحباب استثارة أهل العلم والدين والفضل في طرق الخير، سواء كانت دينيّةً، أو دنيوية، وأن المشير يُشير بأحسن ما يظهر له في جميع الأمور. (ومنها): أن فيه فضيلة ظاهبرة لعمر ﵁، حيث رغب في العمل بقوله تعالى: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢]. (ومنها): أن فيه فضل الصدقة الجارية. (ومنها): صحة شروط الواقف، واتباعه فيها، وأنه لا يشترط تعيين المصرف لفظًا. (ومنها): أن الوقف لا يكون إلا فيما له أصل يدوم الانتفاع به، فلا يصحّ وقف ما لا يدوم الانتفاع به، كالطعام. هكذا قيل، وهو محلّ نظر. (ومنها): أنه لا يكفي في الوقف لفظ الصدقة، سواء قال: تصدّقت به بكذا، أو جعلته صدقة حتى يُضيف إليها شيئًا آخر؛ لتردد الصدقة بين أن تكون تمليك الرقبة، أو وقف المنفعة، فإذا أضاف إليها ما يميّز أحد المحتملين صحّ، بخلاف ما لو قال: وقفتُ، أو حبستُ، فإنه صريحٌ في ذلك، على الراجح، وقيل: الصريح الوقف خاصّة. وفيه نظرٌ؛ لثبوت التحبيس في قصّة عمر ﵁ هذه،

стр. 14914

نعم لو قال: تصدّقتُ بكذا على كذا، وذكر جهة عامّة صحّ. وتمسّك من أجاز الاكتفاء بقوله: تصدّقتُ بكذا بما وقع في حديث الباب من قوله: "فتصدّق بها عمر". ولا حجة في ذلك؛ لما تقدّم من أنه أضاف إليها: "لا تباع، ولا توهب". ويحتمل أيضًا أن يكون قوله: "فتصدّق بها عمر" راجعًا إلى الثمرة على حذف مضاف، أي فتصدّق بثمرتها، فليس فيه متعلَّقٌ دمن أثبت الوقف بلفظ الصدقة، مجرّدًا، وبهذا الاحتمال الثاني جزم القرطبيّ. (ومنها): جواز الوقف على الأغنياء؛ لأن ذوي القربى، والضيف، لم يُقيّدا بالحاجة، وهو الأصحّ عند الشافعيّة. (ومنها): أن للواقف أن يشترط لنفسه جزءًا من ريع الموقوف؛ لأن عمر ﵁ شرط لمن ولي وقفه أن يأكل منه بالمعروف، ولم يستثن إن كان هو الناظر، أو غيره، فدلّ على صحّة الشرط، وإذا جاز في المبهم الذي تعيّنه العادة، كان فيما يعيّنه هو أجوز. (ومنها): جواز إسناد الوصيّة، والنظر على الوقف للمرأة، وتقديمها على من هو من أقرانها من الرجال. (ومنها): جواز إسناد النظر إلى من لم يُسمّ، إذا وُصف بصفة معيّنة تُميّزه. (ومنها): أن الواقف يلي النظر على وقفه إذا لم يُسنده لغيره، قال الشافعيّ -رحمه اللَّه تعالى-: لم يزل العدد الكثير من الصحابة، فمن بعدهم يَلُون أوقافهم، نقل ذلك الألوف عن الألوف، لا يختلفون فيه. (ومنها): أنه استُدلّ به على جواز الوقف على الوارث في مرض الموت، فإن زاد على الثلث رُدّ، وإن خرج منه لزم، وهو إحدى الروايتين عن أحمد؛ لأن عمر ﵁ جعل النظر بعده لحمْصة، وهي ممن يرثه، وجعل لمن ولي وقفه أن يأكل منه. وتُعُقّب بأن وقف عمر ﵁ صدر منه في حياة النبيّ ﷺ ، والذي أوصى به إنما هو شرط النظر. (ومنها): أنه استُدلّ به على أن الواقف إذا شرط للناظر شيئًا أخذه، وإن لم يشترطه له لم يجز، إلا إن دخل في صفة أهل الوقف، كالفقراء والمساكين، فإن كان على معيّنين، ورضوا بذلك جاز. (ومنها): أنه استدلّ به على أن تعليق الوقف لا يصحّ؛ لأن قوله: "حبّس الأصل" يناقض تأقيته. وعن مالك، وابن سُريج يصحّ. (ومنها): أنه استُدلّ بقوله: "لا تباع" على أن الوقف لا يُناقل به. وعن أبي يوسف إن شرط الواقف أنه إذا تعطّلت منافعه بيع، وصُرف ثمنه في غيره، ويوقف فيما سمي في الأول، وكذا إن شرط البيع إذا رأى الحظّ في نقله إلى موضع آخر. (ومنها): أنه استدلّ به على جواز وقف المشاع؛ لأن المائة سهم التي كانت لعمر بخيبر لم تكن منقسمة. وفيه أنه لا سراية في الأرض الموقوفة، بخلاف العتق، ولم يُنقل أن الوقف سرى من حصّة عمر إلى غيرها

стр. 14915

من باقي الأرض. وحكى بعض المتأخّرين، عن بعض الشافعيّة أنه حكم فيه بالسراية، وهو شاذّ منكر. (ومنها): أنه استدلّ به على أن خيبر فُتحت عنوة (١). وقد أشبعنا الكلام على هذا البحث في غير هذا الموضع. (ومنها): أنه يستنبط منه صحّة الوقف على النفس، وهو قول ابن أبي ليلى، وأبي يوسف، وأحمد في الأرجح عنه. وقال به من المالكيّة ابن شعبان، وجمهورهم على المنع، إلا إذا استثنى لنفسه شيئًا يسيرًا، بحيث لا يتّهم أنه قصد حرمان ورثته. ومن الشافعيّة ابن سُريج، وطائفةٌ، وصنّف فيه محمد بن عبد اللَّه الأنصاريّ، شيخ البخاريّ جزءًا ضخمّا، واستدلّ له بقصّة عمر هذه، وبقصّة راكب البدنة، وبحديث أنسّ ﵁ في أنه ﷺ أعتق صفيّة، وجعل عتقها صداقها، ووجه الاستدلال به أنه أخرجها عن ملكه بالعتق، وردّها إليه بالشرط، وقد تقدّم البحث فيه في "كتاب النكاح" مستوفًى. وبقصّة عثمان ﷺ الآتية بعد باب، إن شاء اللَّه تعالى. واحتجّ المانعون بقوله في حديث عمر هذا: "سبّل الثمرة"، وتسبيل الثمرة تمليكه للغير، والإنسان لا يتمكّن من تمليك نفسه لنفسه. وتُعُقّب بأن امتناع ذلك غير مستحيل، ومنعه تمليكه لنفسه إنما هو لعدم الفائدة، والفائدة في الوقف حاصلة؛ لأن استحقاقه إياه ملكاً غير استحقاقه إياه وقفًا، ولا سيّما إذا ذكر له مالاً آخر، فإنه حكم آخر، يستفاد من ذلك الوقف. واحتجّوا أيضًا بأن الذي يدلّ عليه حديث الباب أن عمر اشترط لناظر وقفه أن يأكل منه بقدر عُمالته، ولذلك منعه أن يتّخذ لنفسه منه مالاً، فلو كان يؤخذ منه صحّة الوقف على النفس لم يمنعه من الاتخاذ، وكأنه اشترط لنفسه أمرًا لو سكت عنه لكان يستحقّه لقيامه، وهذا على أرجح قولي العلماء أن الواقف إذا لم يشترط للناظر قدر عمله جاز له بقدر عمله، ولو اشترط الواقف لنفسه النظر، واشترط أجرة، ففي صحّة هذا الشرط عند الشافعيّة خلاف، كالهاشميّ إذا عمل في الزكاة، هل يأخذ من سهم العاملين؟ والراجح الجواز، ويؤيّده حديث عثمان ﵁ الآتي بعد باب، إن شاء اللَّه تعالى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم الوقف: قال في "الفتح": حديث عمر ﵁ هذا أصل في مشروعيّة الوقف، قال أحمد: حدّثنا حماد -وهو ابن خالد- حدّثنا عبد اللَّه -وهو العمريّ-، عن نافع، عن ابن عمر،

стр. 14916

قال: "أول صدقة -أي موقوفة- كانت في الإسلام صدقة عمر". وروى عمر بن شبّة، عن عمرو بن سعد بن معاذ، قال: "سألنا عن أول حبس في الإسلام، فقال المهاجرون: صدقة عمر، وقال الأنصار: صدقة رسول اللَّه ﷺ "، وفي إسناده الواقديّ. وفي "مغازي الواقديّ" أن أول صدقة موقوفة، كانت في الإسلام أراضي مُخيريق -بالمعجمة، مصغّرًا - التي أوصى بها للنبيّ ﷺ ، فوقفها النبيّ ﷺ . قال الترمذيّ: لا نعلم بين الصحابة، والمتقدّمين، من أهل العلم، خلافًا في جواز وقف الأرضين. وجاء عن شُريح أنه أنكر الحبس، ومنهم من تأوّله. وقال أبو حنيفة: لا يلزم، وخالفه جميع أصحابه، إلا زفر بن الهذيل، فحكى الطحاويّ، عن عيسى بن أبان، قال: كان أبو يوسف يُجيز بيع الوقف، فبلغه حديث عمر هذا، فقال: من سمع هذا من ابن عون؟، فحدّثه به ابن عُليّة، فقال: هذا لا يسع أحدًا خلافه، ولو بلغ أبا حنيفة لقال به، فرجع عن بيع الوقف حتى صار كأنه لا خلاف فيه بين أحد انتهى. ومع حكايته الطحاويّ هذا، فقد انتصر كعادته، فقال: قوله في قصّة عمر: "حبّس الأصل، وسبّل الثمرة" لا يستلزم التأبيد، بل يحتمل أن يكون أراد مدّة اختياره لذلك انتهى. ولا يخفى ضعف هذا التأويل، ولا يُفهم من قوله: "وقفت، وحبست" إلا التأبيد، حتى يصرح بالشرط عند من يذهب إليه، وكأنه لم يقف على الرواية التي فيها: "حبيسٌ ما دامت السماوات والأرض". قال القرطبيّ: ردّ الوقف مخالف للإجماع، فلا يُلتفت إليه، وأحسن ما يُعتذر به عمن ردّه ما قاله أبو يوسف، فإنه أعلم بأبي حنيفة من غيره. وأشار الشافعيّ إلى أن الوقف من خصائص أهل الإسلام، أي وقف الأراضي والعقار، قال: ولا نعرف أن ذلك وقع في الجاهليّة، وحقيقة الوقف شرعًا ورود صيغة تقطع تصرّف الواقف في رقبة الموقوف الذي يدوم الانتفاع به، وتثبت صرف منفعته في جهة خير. قاله في "الفتح" (١). وقال أبو العباس القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى- في "المفهم": ما حاصله: حديث عمر ﵁ دليلٌ للجمهور على جواز الحُبْس، وصحّته، وردٌّ على من شَذَّ، وَمَنَعَهُ، وهذا خلافٌ لا يُلتفت إليه، فإن قائله خَرَقَ إجماع المسلمين في المساجد، والسقايات، إذ لا خلاف في ذلك. وهو أيضًا حجة للجمهور على قولهم: إن الْحُبْس لازم، وإن لم يقترن به حكم حاكم، وخالف في ذلك أبو حنيفة، وزُفر، فقالا: لا يلزم، وهو عطيّةٌ

стр. 14917

يرجع فيها صاحبها، وتورث عنه، إلا أن يحكم به حاكم، أو يكون مسجدًا، أو سقاية، أو يوصي به، فيكون من ثلثه، ووجه الحجة عليه من هذا الحديث أن عمر ﵁ لَمّا فَهِم عن النبيّ ﷺ إشارته بالتحبيس بادر إلى ذلك بحضرة النبيّ ﷺ ، وقال: إنه لا يباع، ولا يوهب، ولا يورث، ثم إنه أمضى ذلك من غير أن يحكم به النبيّ ﷺ ، إذ لم يصدر من النبيّ ﷺ أكثر من الإشارة. وأيضًا فإن الصحابة ﵁ قد أجمعت على ذلك من غير خلاف بينهم فيه، فقد حبس الأئمة الأربعة، وطلحة، وزيد بن ثابت، والزبير، وابن عمر، وخالد بن الوليد، وأبو رافع، وعائشة، وغيرهم ﵁، واستمرّت أحباسهم معمولاً بها على وجه الدهر، من غير أن يقف شيء من ذلك على حكم حاكم، ولم يُحك أن شيئًا من تلك الأحباس رجعت إلى المحبِّسِ، ولا إلى ورثته. ومن جهة المعنى، فإنها عطيّةٌ على وجه القربة، فتلزم، كالهبة للمساكين، ولذي الرحم، وكالصدقة، ولأنه قد أُجمع على تحبيس المساجد من غير حكم، ولا فرق بين تحبيسها، وتحبيس العقار، لا سيّما على الفقراء والمساكين. وإذا ثبت هذا، فالْحُبْس لازم في كلّ شيء، تمكن العطيّة فيه. واختُلف عن مالك في تحبيس الحيوان، كالإبل، والخيل، على قولين: المنع، وبه قال أبو حنيفة، وأبو يوسف. والصحّة، وبه قال الشافعيّ، وهو الصحيح؛ لأنه عطيّةٌ على وجه القربة، يتكرّر أجرها، كالعقار وغيره؛ ولأن المسلمين على شروطهم، وقد شرط صاحب الفرس في صدقته أنها لا تباع، ولا توهب، ولا تورث، فينفذ شرطه. قال: فإذا فهمت هذا، فاعلم أن الألفاظ الواقعة في هذا الباب إما أن يقترن معها ما يدلّ على التأبيد، أو لا. فالأول: نحو قوله: لا يباع، ولا يوهب، ولا يورث، أو أبدًا، أو دائمًا، أو على مجهولين، أو على العقب، فهذا النوع لا يبالى بأي لفظ نُسق معه؛ لأنه يفيد ذلك المعنى، كقوله: وقفٌ، أو حبسٌ، أو صدقةٌ، أو عطيّةٌ. والثاني: وهو إذا تجرّد عما يدلّ على ذلك، فلفظ الوقف صريح الباب، فيقتضي التأبيد، والتحريم، ولم يختلف المذهب في ذلك. وفي الحبس روايتان: إحداهما أنه كالوقف. والثانية: أنه يرجع إلى المحبّس بعد موت المحبَّس عليه، والظاهر الأول؛ لأنه يُستعمل في ذلك شرعًا، وعرفًا. وأما الصدقة، فالظاهر منها أنها تمليك الرقبة. وفي رواية أنها كالوقف، وفيها بعد، إلا عند القرينة. واختُلف فيما لو جمع بينهما، فقال: حُبْسٌ صدقةٌ، والظاهر أن حكمه حكم الْحُبُس، وصدقة تأكيدٌ. انتهى كلام

стр. 14918

القرطبيّ (١) -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بحث نفيس. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٦٢٥ - (أَخْبَرَنِي هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ, قَالَ: حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ عَمْرٍو, عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ الْفَزَارِيِّ, عَنِ ابْنِ عَوْنٍ, عَنْ نَافِعٍ, عَنِ ابْنِ عُمَرَ, عَنْ عُمَرَ, ﵁, عَنِ النَّبِيِّ ﷺ , نَحْوَهُ). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا. و"هارون بن عبد اللَّه": هو أبو موسى الحمّال البغداديّ البزّاز الثقة [١٠] ٥٠،/ ٦٢. و"معاوية بن عمرو": هو أبو عمرو الأزديّ الْمَغنيّ البغداديّ الثقة، من صغار [٩] ٥٨/ ٨٦٣. و"أبو إسحاق الفزاريّ": هو إبرهيم بن محمد بن الحارث الكوفيّ الحافظ الثقة الثبت [٨] ٥٨/ ٨٦٣. [تنبيه]: وقع في النسخ المطبوعة من "المجتبى" غلط، ونصه: "عن أبي إسحاق الفزاري، عن أيوب بن عون"، والصواب ما في النسخة الهندية، وهو إسقاط "عن أيوب"، فأبو إسحاق الفزاريّ يرويه عن ابن عون، وهذا هو الذي في "تحفة الأشراف" ٨/ ٦٩. ووقع في "الكبرى" أيضًا غلط آخر، ونصه: "عن أبي إسحاق الفزاري، عن أبي عون"، والصواب "عن ابن عون"، ومن الغريب أن المحقّق ألحق به آخذا من "المجتبى" لفظ "أيوب"، فصار هكذا "عن أيوب بن أبي عون"، وهو غلط على غبط. فتنبّه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٦٢٦ - (أَخْبَرَنَا حُمَيْدُ بْنُ مَسْعَدَةَ, قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ -وَهُوَ ابْنُ زُرَيْعٍ- قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عَوْنٍ, عَنْ نَافِعٍ, عَنِ ابْنِ عُمَرَ, أَنَّ عُمَرَ قَالَ: أَصَابَ عُمَرُ أَرْضًا بِخَيْبَرَ, فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ , فَقَالَ: أَصَبْتُ أَرْضًا, لَمْ أُصِبْ مَالاً قَطُّ أَنْفَسَ عِنْدِي, فَكَيْفَ تَأْمُرُ بِهِ, قَالَ: إِنْ شِئْتَ حَبَّسْتَ أَصْلَهَا, وَتَصَدَّقْتَ بِهَا, فَتَصَدَّقَ بِهَا, عَلَى أَنْ لَا تُبَاعَ, وَلَا تُوهَبَ, وَلَا تُورَثَ, فِي الْفُقَرَاءِ, وَالْقُرْبَى, وَالرِّقَابِ, وَفِي سَبِيلِ اللهِ, وَالضَّيْفِ, وَابْنِ السَّبِيلِ, لَا جُنَاحَ عَلَى مَنْ وَلِيَهَا, أَنْ يَأْكُلَ مِنْهَا بِالْمَعْرُوفِ, وَيُطْعِمَ صَدِيقًا (٢) , غَيْرَ مُتَمَوِّلٍ فِيهِ). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا غير مرّة.

стр. 14919

[تنبيه]: وقع في نسخ "المجتبى" غلطٌ في هذا السند، حيث زاد "عن عمر"، فجعله من مسند عمر ﵁، كسابقه، والصواب أنه من مسند ابن عمر، كما هو في "الكبرى"، ومن الغريب أن المحقّق زاد فيه آخذًا من "المجتبى" لفظ "عن عمر"، فغيّر الصواب إلى الخطإ، إن هذا لهو العجب العجاب من بعض محققي عصرنا. وهذا الذي ذكرت أنه الصواب هو الذي في "تحفة الأشراف"، حيث أورد هذا الحديث في مسند ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما -، فراجعه -٦/ ١٠٩ - ١١٠. وقوله: "أصبت أرضًا الخ" قال القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى-: يعني أنه صارت له هذه الأرض بالقسمة، فإن النبيّ ﷺ قسم أرض خيبر التي افتُتحت عنوةً، كما قرّرنا في "الجهاد". والمال النفيس: المغتَبَطُ به لجودته، ويُسمّى هذا المال ثَمْغ. ولما كان هذا المال أطيب أموال عمر ﵁، وأحبّها إليه أراد أن يتصدّق به؛ لينال البرّ الذي ذكره اللَّه تعالى في قوله: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢]. وهذا كما قال الأنصاريّ (١) صاحب بيرحاء، فأرشده النبيّ ﷺ إلى الأصلح في الصدقة، وهو التحبيس، من حيث إن صدقته جاريةٌ، وأجره دائمٌ في الحياة، وبعد الموت، كما قال ﷺ : "إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم يُنتفع به، أو ولد صالح يدعو له". رواه مسلم. انتهى (٢). وقوله: "فكيف تأمر به؟ " قال القرطبيّ: استشارةٌ من عمر ﵁، مع حسن أدب، ولذلك أجابه ﷺ بقوله: "إن شئت حبّست أصلها، وتصدّقت بها"، أي بثمرها، كما قال في الرواية الأخرى. وليس هذا أمرًا من النبيّ ﷺ له، ولا حكما عليه بالتحبيس، وإنما هي إشارة إلى الأصلح والأولى. انتهى (٣). والحديث متّفقٌ عليه، وقد سبق تمام البحث فيه قريبًا، وللَّه الحمد والمنّة. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٦٢٧ - (أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مَسْعُودٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا بِشْرٌ, عَنِ ابْنِ عَوْنٍ, قَالَ: وَأَنْبَأَنَا حُمَيْدُ بْنُ مَسْعَدَةَ, قَالَ: حَدَّثَنَا بِشْرٌ, قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عَوْنٍ, عَنْ نَافِعٍ, عَنِ ابْنِ عُمَرَ, قَالَ: أَصَابَ عُمَرُ أَرْضًا بِخَيْبَرَ, فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ , فَاسْتَأْمَرَهُ (٤) فِيهَا, فَقَالَ: إِنِّي أَصَبْتُ أَرْضًا كَثِيرًا, لَمْ أُصِبْ مَالاً قَطُّ أَنْفَسَ عِنْدِي مِنْهُ, فَمَا تَأْمُرُ فِيهَا؟ , قَالَ: «إِنْ شِئْتَ

стр. 14920

حَبَّسْتَ أَصْلَهَا, وَتَصَدَّقْتَ بِهَا» , فَتَصَدَّقَ بِهَا, عَلَى أَنَّهُ لَا تُبَاعُ, وَلَا تُوهَبُ, فَتَصَدَّقَ بِهَا, فِي الْفُقَرَاءِ, وَالْقُرْبَى, وَفِي الرِّقَابِ, وَفِي سَبِيلِ اللهِ, وَابْنِ السَّبِيلِ, وَالضَّيْفِ, لَا جُنَاحَ -يَعْنِي عَلَى مَنْ وَلِيَهَا- أَنْ يَأْكُلَ, أَوْ يُطْعِمَ صَدِيقًا, غَيْرَ مُتَمَوِّلٍ, اللَّفْظُ لإِسْمَاعِيلَ). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه إسماعيل، وهو ثقة. و"بشر": هو ابن المفضّل. وقوله: "أرضًا كثيرًا" هكذا في "المجتبى"، وليس في "الكبرى" لفظ "كثيرًا"، وإنما لم يقل "كثيرة" مع أن الأرض مؤنّثة؛ لكون تأنيثها مجازيًّا، ومجازيّ التأنيث، وإن كان الأولى إلحاق التاء بفعله، ووصفه، إلا أنه يجوز تجريده عنها قليلاً عند بعض النحاة، والجمهور خصّوه بالشعر، كما أشار إليه ابن مالك في "خلاصته": وَالْحَذْفُ قَدْ يَأْتِي بِلَا فَصْلِ وَمَعْ … ضَمِيرِ ذِي الْمَجَازِ فِي شِعْرٍ وَقَعْ وقوله: "على أنه لا تباع الخ" ذكّر اسم "إن" على أنه ضمير الشأن. وفي نسخة "أن لا تباعَ" وعليه فـ"أن" مصدريّة. والحديث متّفقٌ عليه، وقد سبق تمام البحث فيه قريبًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٦٢٨ - (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ, قَالَ: حَدَّثَنَا أَزْهَرُ السَّمَّانُ, عَنِ ابْنِ عَوْنٍ, عَنْ نَافِعٍ, عَنِ ابْنِ عُمَرَ, أَنَّ عُمَرَ, أَصَابَ أَرْضًا بِخَيْبَرَ, فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ , يَسْتَأْمِرُهُ فِي ذَلِكَ, فَقَالَ: «إِنْ شِئْتَ حَبَّسْتَ أَصْلَهَا, وَتَصَدَّقْتَ بِهَا» , فَحَبَّسَ أَصْلَهَا, أَنْ لَا تُبَاعَ, وَلَا تُوهَبَ, وَلَا تُورَثَ, فَتَصَدَّقَ بِهَا عَلَى الْفُقَرَاءِ, وَالْقُرْبَى, وَالرِّقَابِ, وَفِي الْمَسَاكِينِ, وَابْنِ السَّبِيلِ, وَالضَّيْفِ, لَا جُنَاحَ عَلَى مَنْ وَلِيَهَا, أَنْ يَأْكُلَ مِنْهَا بِالْمَعْرُوفِ, أَوْ يُطْعِمَ صَدِيقَهُ, غَيْرَ مُتَمَوِّلٍ فِيهِ). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "إسحاق بن إبراهيم": هو ابن راهويه. و"أزهر السّمّان": هو ابن سعد، أبو بكر الباهليّ البصريّ، ثقة [٩] ٢٩/ ٣٣. والحديث متّفقٌ عليه، وقد سبق البحث عنه مستوفًى قريبًا، والحمد للَّه، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٦٢٩ - (أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ نَافِعٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا بَهْزٌ, قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ, قَالَ: حَدَّثَنَا ثَابِتٌ, عَنْ أَنَسٍ, قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢] قَالَ أَبُو طَلْحَةَ: إِنَّ رَبَّنَا لَيَسْأَلُنَا عَنْ أَمْوَالِنَا, فَأُشْهِدُكَ يَا رَسُولَ اللهِ, أَنِّي قَدْ جَعَلْتُ أَرْضِي لِلَّهِ, فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «اجْعَلْهَا فِي قَرَابَتِكَ, فِي حَسَّانَ بْنِ ثَابِتٍ, وَأُبَىِّ بْنِ كَعْبٍ»). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: كان الأولى للمصنّف -رحمه اللَّه تعالى- أن يذكر هذا

стр. 14921

الحديث تحت الترجمة التالية؛ لأنه المناسب لها، حيث إن فيه حبس المشاع، وأما مناسبته لهذا الباب، فليست واضحة، إذ لم يُصرّح فيه بذكر الكتابة، فضلاً عن كيفيّتها. واللَّه تعالى أعلم. رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (أبو بكر بن نافع) هو محمد بن أحمد بن نافع العبديّ القيسيّ البصريّ، صدوق من صغار [١٠] ٢٧/ ٨١٣. ٢ - (بهز) بن أسد العميّ، أبو الأسود البصريّ، ثقة ثبت [٩] ٢٤/ ٢٤٣٦. ٣ - (حماد) بن سلمة بن دينار، أبو سلمة البصريّ، ثقة عابد أثبت الناس في ثابت [٨] ١٨١/ ٢٨٨. ٤ - (ثابت) بن أسلم البنانيّ، أبو محمد البصريّ، ثقة عابد [٤] ٤٥/ ٥٣. ٥ - (أنس) بن مالك - رضي اللَّه تعالى عنه - ٦/ ٦. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين. (ومنها): أن فيه أنسًا - رضي اللَّه تعالى - عنه من المكثرين السبعة، ومن المعمّرين، وهو آخر من مات من الصحابة بالبصرة. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ أَنَس) بن مالك - رضي اللَّه تعالى عنه -، أنه (قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ) هذه الرواية مختصرة من حديث أنس ﵁ الطويل، وقد ساقه المصنّف في "الكبرى" مطوّلا في "التفسير" رقم (١١٠٦٦)، حديث، وأخرجه البخاريّ أيضًا في "صحيحه"، ولفظ البخاريّ: من طريق مالك، عن إسحاق بن عبد اللَّه بن أبي طلبة، أنه سمع أنس بن مالك ﵁، يقول: كان أبو طلحة أكثر الأنصار بالمدينة مالا، من نخل، وكان أحبّ أمواله إليه بيرحاء، وكانت مستقبلةَ المسجد، وكان رسول اللَّه ﷺ يدخلها، ويشرب من ماء فيها، طيب، قال أنس: فلما أنزلت هذه الآية: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢]، قام أبو طلحة إلى رسول اللَّه ﷺ ، فقال: يا رسول اللَّه، إن اللَّه ﵎ يقول: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢]، وإن أحبّ أموالي إليّ بيرحاء، دمانها صدقة دله، أرجو برَّها وذُخرَها عند اللَّه، فضعها يا رسول اللَّه، حيث أراك اللَّه، قال، فقال رسول اللَّهَ ﷺ : "بخ، ذلك مال رابح، ذلك

стр. 14922

مال رابح، وقد سمعتُ ما قلتَ، وإني أرى أن تجعلها في الأقربين"، فقال أبو طلحة: أفعل يا رسول اللَّه، فقسمها أبو طلحة في أقاربه، وبني عمه. (﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ﴾ أي لن تبلغوا حقيقة البرّ، أو لن تكونوا أبرارًا، أو لن تنالوا برّ اللَّه تعالى، وهو ثوابه ﴿حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾) أي حتى تكون نفقتكم من أموالكم التي تحبّونها، وتؤثرونها (١) (قَالَ: أَبُو طَلْحَةَ) زيد بن سهل بن الأسود بن حرام الأنصاريّ النجّاريّ، مشهور بكنيته، من كبار الصحابة، شهد بدرًا، وما بعدها، ومات سنة (٣٤)، وقيل: غير ذلك، تقدّم في ١٢٢/ ١٧٧ (إنَّ رَبَّنا لَيَسْاَلُنَا عَنْ أَمْوَالِنَا) وفي نسخة "من أموالنا"، ولفظ "الكبرى": "أرى ربّنا يسألنا أموالنا" (فَأُشْهِدُكَ يَا رَسُولَ اللهِ، أَنِّي قَدْ جَعَلْتُ أَرْضِي لِلَّهِ) وفي رواية إسحاق بن عبد اللَّه بن أبي طلحة المتقدّمة قام أبو طلحة، فقال: "يا رسول اللَّه، إن اللَّه يقول: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢]، وإن أحبّ أموالي إليّ بيرحاء، وإنها صدقة للَّه أرجو برَّها وذُخرها". وقد اختُلف في ضبط "بيرحاء"، ومعناها، على أقوال، قال في "الفتح": بفتح الموحّدة، وسكون التحتانيّة، وفتح الراء، وبالمهملة، والمدّ، وجاء في ضبطها أوجه كثيرةٌ، جمعها ابن الأثير في "النهاية"، فقال: يُروى بفتح الباء، وبكسرها، وبفتح الراء، وضمّها، وبالمدّ، والقصر، فهذه ثمان لغات. وفي رواية حماد بن سلمة "بريحاء بفتح أوله، وكسر الراء، وتقديمها على التحتانيّة. وفي "سنن أبي داود" "باريحا" مثله، لكن بزيادة ألف. وقال الباجيّ: أفصحها بفتح الباء، وسكون الياء، وفتح الراء، مقصور. وكذا جزم به الصغانيّ، وقال: إنه فيعلى، من البراح، قال: ومن ذكره بكسر الموحّدة، وظنّ أنها بئر من آبار المدينة، فقد صحّف (٢) وقال في "كتاب الوصايا": ونقل أبو عليّ الصدفيّ عن أبي ذرّ الهرويّ أنه جزم أنها مركّبةٌ من كلمتين "بير" كلمة، و"حاء" كلمة، ثم صارت كلمة واحدة، واختُلف في حاء، هل هي اسم رجل، أو امرأة، أو مكان، أُضيفت إليه البئر، أو هي كلمة زجر للأبل، وكأن الإبل كانت ترعى هناك، وتزجر بهذه اللفظة، فأضيفت البئر إلى اللفظة المذكورة. انتهى (٣). (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "اجْعَلْهَا فِي قَرَابَتِكَ) وفي رواية إسحاق المذكورة: "فقال: بخ، ذلك مال رابحٌ"، أو "رايح". وقوله: "بخ" بفتح الموحّدة، وسكون المعجمة، وقد تنوّن مع التثقيل، والتخفيف بالكسرة، والرفع، والسكون، ويجوز التنوين، لغات، ولو

стр. 14923

كرّرت، فالاختيار أن تنوّن الأولى، وتسكّن الثانية، وقد يسكّنان جميعًا، كما قال الشاعر: بَخْبِخْ … لِوَالِدِهِ … وَلِلْمَوْلُودِ ومعناها تفخيم الأمر، والإعجاب به. وقوله: "رابح"، أو "رايح" شك من الراوي، فالأول من الربح، أي ذو ربح. وقيل: هو فاعلٌ بمعنى مفعول، أي هو مالٌ مربوحٌ فيه. وأما الثانية: فمعناها: رائح عليه أجره. قال ابن بطال: والمعنى أن مسافته قريبةٌ، وذلك أنفس الأموال. وقيل: معناه: يروح بالأجر، ويغدو به، واكتُفي بالرواح عن الغدؤ. وادّعى الإسماعيليّ أن من رواها بالتحتانيّة، فقد صحّف (١). وقوله: (فِي حَسَّانَ بْنِ ثَابِتٍ) بدل من الجارّ والمجرور قبله، وهو حسان بن ثابت بن المنذر بن حَرَام الأنصاريّ الخَزرجيّ، أبي عبد الرحمن، أو أبي الوليد، شاعر رسول اللَّه، صحابي مشهور مات سنة (٥٤)، وله مائة وعشرون سنة - رضي اللَّه تعالى عنه - (أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ") بن قيس بن عبيد بن زيد بن معاوية بن عمرو بن مالك بن النجّار الأنصاريّ الخررجيّ، أبي المنذر، سيّد القرّاء، كان من فضلاء الصحابة - رضي اللَّه تعالى عنهم -، مات سنة (١٩) وقيل: (٣٢) وقيل: غير ذلك. قال في "الفتح": وقد تمسّك به من قال: أقلّ من يُعطى من الأقارب إذا لم يكونوا منحصرين اثنان. وفيه نظر؛ لأنه وقع في رواية الماجشون، عن إسحاق بن عبد اللَّه: "فجعلها أبو طلحة في ذوي رحمه، وكان منهم حسّان، وأبيّ بن كعب"، فدلّ على أنه أعطى غيرهما معهما. وفي مرسل أبي بكر بن حزم: "فردّه على أقاربه: أبيّ بن كعب، وحسّان بن ثابت، وأخيه -أو ابن أخيه- شدّاد بن أوس، وبيط بن جابر، فتقاوموه، فباع حسّان حصّته من معاوية بمائة ألف درهم". واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث أنس - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٢/ ٣٦٢٩ - وفي "الكبرى" ٦٤٢٩ و"التفسير" ١١٠٦٦ و ١١٠٦٧. (المسألة الثالثة): في فوائده (٢):

стр. 14924

(منها): مشروعيّة الوقف، والحبس؛ خلافًا لمن منع ذلك، وأبطله. قال في "الفتح": ولا حجة؛ لاحتمال أن تكون صدقة أبي طلحة تمليكًا، وهو ظاهر سياق الماجشون، عن إسحاق، كما تقدّم انتهى (١). (ومنها): أن فيه فضيلة لأبي طلحة رضي اللَّه تعالى عنه؛ لأن الآية تضمّنت الحثّ على الإنفاق من المحبوب، فترقّى هو إلى إنفاق أحبّ المحبوب إليه، فصوّب النبيّ ﷺ رأيه، وشكر عن ربّه فعله، ثم أمره أن يخصّ بها أهله، وكنى عن رضاه بذلك بقوله: "بخ". (ومنها): جواز التصدّق من الحيّ في غير مرض الموت بأكثر من ثلث ماله؛ لأنه ﷺ لم يستفصل أبا طلحة عن قدر ما تصدق به، وقال لسعد بن أبي وقّاص: "الثلث كثيرٌ". (ومنها): تقديم الأقرب من الأقارب على غيرهم. (ومنها): أن منقطع الآخر في الوقف يُصرف لأقرب الناس إلى الواقف. (ومنها): أن الوقف يتمّ بقول الواقف: جعلت هذا وقفًا. (ومنها): أن الوقف لا يحتاج في انعقاده إلى قبول الموقوف عليه. (ومنها): أن الصدقة على الجهة العامّة لا تحتاج إلى قبول معيّن، بل للإمام قبولها منه، ووضعها فيما يراه، كما في قصّة أبي طلحة - رضي اللَّه تعالى عنه -. (ومنها): جواز إضافة حبّ المال إلى الرجل الفاضل العالم، ولا نقص عليه في ذلك، وقد أخبر تعالى عن الإنسان: ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ [العاديات: ٨]، والخير هنا المال اتفاقًا. (ومنها): اتخاذ الحوائط والبساتين، ودخول أهل الفضل والعلم فيها، والاستظلال بظلّها، والأكل من ثمرها، والراحة، والتنزّه فيها، وقد يكون ذلك مستحبَّا يترتّب عليه الأجر، إذا قصد به إجمام النفس (٢) من تعب العبادة، وتنشيطها للطاعة. (ومنها): أن فيه كسب العقار. (ومنها): إباحة الشرب من دار الصديق، ولو لم يكن حاضزا إذا علم طيب نفسه. (ومنها): إباحة استعذاب الماء، وتفضيل بعضه على بعض. (ومنها): أن بعض المالكيّه استدلّ به على صحّة الصدقة المطلقة، ثم يعينها المتصدّق لمن يريد. (ومنها): أنه استُدلّ به للجمهور في أن من أوصى أن يفرّق ثلث ماله حيث أرى اللَّه الوصيّ صحّت وصيّته، ويفرّقه الوصيّ في سبيل الخير، ولا يأكل منه شيئًا، ولا يُعطي منه وارثًا للميت، وخالف في ذلك أبو ثور، وفاقًا للحنفيّة في الأول، دون الثاني. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هكذا قال الجمهور، والذي يظهر لي أن ما قاله أبو ثور أقرب؛ لعموم قول الموصي، فرّقه حيث أراك اللَّه. واللَّه تعالى أعلم. (ومنها): التمسّك بالعموم؛ لأن أبا طلحة - رضي اللَّه تعالى عنه - فهم من قوله تعالى:

стр. 14925

﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢] تناول ذلك جميع أفراده، فلم يقف حتى يرد عليه البيان عن شيء بعينه، بل بادر إلى إنفاق ما يحبّه، وأقرّه النبيّ ﷺ على ذلك. (ومنها): أنه استُدلّ به لما ذهب إليه مالكٌ -رحمه اللَّه تعالى- من أن الصدقة تصحّ بالقول من قبل القبض، فإن كانت لمعيّن استحقّ المطالبة بقبضها، وإن كانت لجهة عامّة خرجت عن ملك القائل، وكان للإمام صرفها في سبيل الصدقة، وكلّ هذا ما إذا لم يظهر مراد المتصدّق، فإن ظهر اتُّبعَ. (ومنها): جواز تولّي المتصدّق قسم صدقته. (ومنها): جواز أخذ الغنيّ من صدقة التطوّع، إذا حصل له بغير مسألة. (ومنها): جواز زيادة الصدقة في التطوّع على قدر نصاب الزكاة؛ خلافًا لمن قيّدها به. (ومنها): أنه لا يعتبر في القرابة من يجمعه والواقفّ أبٌ معيّنٌ، لا رابعٌ، ولا غيره؛ لأن أبيَّا - رضي اللَّه تعالى عنه - إنما يجتمع مع أبي طلحة - رضي اللَّه تعالى عنه - في الأب السادس. (ومنها): أنه لا يجب تقديم القريب على القريب الأبعد؛ لأن حسّانًا وأخاه، كانا أقرب إلى أبي طلحة من أبيّ، ونبيط - رضي اللَّه تعالى عنهم -، ومع ذلك فقد أشرك معهما أبيًّا، ونبيط بن جابر. (ومنها): أنه لا يجب الاستيعاب؛ لأن بني حرام الذي اجتمع فيه أبو طلحة، وحسّان كانوا بالمدينة كثيرًا، فضلاً عن عمرو بن مالك الذي يجمع أبا طلحة وأبيًّا رضي اللَّه تعالى عنهما. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعتُ، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكّلتُ، وإليه أنيب". … ٣ - (بَابُ حَبْسِ الْمُشَاعِ) قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "المشاع" -بضمّ الميم- يقال: سهمٌ شائعٌ، وشاعٌ، ومُشاع: غير مقسوم. قاله في "القاموس". وقال الفيّوميّ: وشاع اللبن في الماء -أي من باب باع-: إذا تفرّق، وامتزج به، ومنه قيل: سهمٌ شائعٌ، كأنه ممتزجٌ؛ لعدم تميّزه. قاله الفيّوميّ. واستدلال المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- بأحاديث الباب على الترجمة واضحة، حيث إن عمر - رضي اللَّه تعالى عنه - وقف الأسهم التي له بخبر، وهي مشاع، فدلّ على جواز وقف المشاع الذي لم يقسم. وبهذا قال مالكٌ، والشافعيّ، وأبو يوسف. وقال محمد بن الحسن: لا يصحّ، وبناه

стр. 14926

على أصله في أن القبض شرطٌ، وأن القبض لا يصحّ في المشاع. واحتجّ الأولون بحديث الباب، فإن عمر - رضي اللَّه تعالى عنه - استأذن النبيّ في أمر مائة سهم من خيبر، فأمره بوقفها، قال ابن قُدامة: وهذا صفة المشاع، ولأنه عقدٌ يجوز على بعض الجملة مُفرزّا، فجاز عليه مشاعًا، كالبيع، أو عَرْصَة يجوز بيعها، فجاز وقفها، كالمفرزة؛ ولأن الوقف تحبيس الأصل، وتسبيل المنفعة، وهذا يحصل في المشاع، كحصوله في الْمُفْرَز، ولا نُسلّم اعتبار القبض، وإن سلّمنا، فإذا صحّ في البيع صحّ في الوقف. انتهى كلام ابن قدامة -رحمه اللَّه تعالى- (١). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: القول بصحة وقف المشاع هو الحقّ؛ لصحّة حديث الباب. واللَّه تعالى أعلم بالصواب. ٣٦٣٠ - (أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ, قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ, عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ, عَنْ نَافِعٍ, عَنِ ابْنِ عُمَرَ, قَالَ: قَالَ عُمَرُ لِلنَّبِيِّ ﷺ : إِنَّ الْمِائَةَ سَهْمٍ, الَّتِي لِي بِخَيْبَرَ, لَمْ أُصِبْ مَالاً قَطُّ, أَعْجَبَ إِلَيَّ مِنْهَا, قَدْ أَرَدْتُ أَنْ أَتَصَدَّقَ بِهَا, فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «احْبِسْ أَصْلَهَا, وَسَبِّلْ ثَمَرَتَهَا»). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الحديث صحيح، وقد تقدّم البحث عنه مستوفًى في الباب الماضي، ورجال الإسناد رجال الصحيح، سوى شيخه سعيد بن الرحمن المخزوميّ، أبي عبيد اللَّه المكيّ، فإنه تفرّد به هو، والترمذيّ، وهو ثقة، من صغار [١٠] ٤١/ ١٢٧٧. [تنبيه]: قوله: "إن المائة سهم" فيه إشكالٌ، حيث إن القاعدة النحويّة تقضي بأن العدد المضاف إذا أريد تعريفه يُعرّف المضاف إليه، دون المضاف، فيقال: ثلاثة الأثواب، ومائة الدرهم، وألف الدينار، هذا عند البصريين، وأجاز الكوفيّون تعريفهما، فيقال: الثلاثة الأثواب؛ تشبيهًا له بالحسن الوجه، وما هنا وقع على العكس، فعرّف المضاف، ونكّر المضاف إليه، وهذا لم يقل بجوازه أحدٌ من النحاة، فيما علمت، ووقع نحو هذا في "صحيح البخاريّ" في لاباب الكفالة بالقرض والديون"، وفيه: ثم قَدِمَ الذي كان أسلفه، وأتى بالألف دينار"، وقد أوله الدمامينيّ -رحمه اللَّه تعالى- بتقدير مضاف، مبدَلٍ من المعرّف، أي بالألف، ألف دينار، قال: ولا يقال: إن "ال" زائدة؛ لأن ذلك لا ينقاس. نقله الصبّان في حاشية الأشمونيّ على ألفية ابن مالك، في باب "المعرَّفُ بأداة التعريف" (٢).

стр. 14927

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: وعلى هذا هذا يكون التقدير هنا "إن المائة السهم سهمِ". وإلى القاعدة المتقدّمة أشار الأجهور -رحمه اللَّه تعالى-، حيث قال: وَعَدَدًا تُرِيدُ أن تُعَرِّفَا … فَـ"أَلْ" بِجُزْئَيْهِ صِلَنْ إِنْ عُطِفَا وَإِنْ يَكُنْ مُرَكَّبًا فَالأَوَّلُ … وَفِي الْمُضَافِ عَكْسُ هَذَا يُفْعَلُ وَخَالَفَ الْكُوفِيُّ فِي الأَخِيرِ … فَعَرَّفَ الْجُزْءَيْنِ يَا سَمِيرِي قال الصبّان: والمراد بالأخير غير الأول، فيشمل الثاني، وهو المركّب؛ لأن الكوفيّ فيه أيضًا، وكان الأحسن أن يقول بدل الأخير: وَخَالَفَ الْكُوفِيُّ فِي هَذَيْنِ … فِفِيهِمَا قَدْ عَرَّفَ الْجُزْءَيْنِ (١) واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٦٣١ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْخَلَنْجِيُّ, بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ, قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ, عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ, عَنْ نَافِعٍ, عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄, قَالَ: جَاءَ عُمَرُ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ , فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ, إِنِّي أَصَبْتُ مَالاً, لَمْ أُصِبْ مِثْلَهُ قَطُّ, كَانَ لِي مِائَةُ رَأْسٍ, فَاشْتَرَيْتُ بِهَا مِائَةَ سَهْمٍ مِنْ خَيْبَرَ, مِنْ أَهْلِهَا, وَإِنِّي قَدْ أَرَدْتُ أَنْ أَتَقَرَّبَ بِهَا إِلَى اللَّهِ , قَالَ: «فَاحْبِسْ أَصْلَهَا, وَسَبِّلِ الثَّمَرَةَ»). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه من أفراده، وهو صدوق [١٠] ٤٣/ ١٧٢٤. وقوله: "الخَلَنْجِيُّ" -بفتح الخاء المعجمة، والسلام، وسكون النون، بعدها جيم-: نسبة إلى الخَلَنْج نوع من الشجر، كما أفاده في "القاموس". و"سفيان": هو ابن عيينة. [تنبيه]: وقع في هذا الإسناد غلط، وهو زيادة لفظ "عن عمر" في السند، كما هو الواقع في نسخ "المجتبى"، والصواب خلافه، وأنه من مسند ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما -، لا من مسند عمر - رضي اللَّه تعالى عنه -، كما تقدّم التنبيه عليه في الباب الماضي. ومن الغريب أنه وقع في "الكبرى" على الصواب، ثم ألحق به المحقّق لفظ: "عن عمر" أخذًا من "المجتبى"، فليُتنبّه، فإنه هذا من مزالّ الأقدام، واللَّه الهادي إلى سواء السبيل. والحديث صحيح سبق الكلام عليه في الذي قبله. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه

стр. 14928

المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٦٣٢ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُصَفَّى بْنِ بُهْلُولٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا بَقِيَّةُ, عَنْ سَعِيدِ بْنِ سَالِمٍ الْمَكِّيِّ, عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ, عَنْ نَافِعٍ, عَنِ ابْنِ عُمَرَ, عَنْ عُمَرَ, قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ , عَنْ أَرْضٍ لِي بِثَمْغٍ, قَالَ: «احْبِسْ أَصْلَهَا, وَسَبِّلْ ثَمَرَتَهَا»). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "محمد بن مُصفّى بن بهَلُول" -بفتح الموحّدة- الحمصيّ القرشيّ، صدوق، له أوهام، وكان يُدلّس [١٠]. قال أبو حاتم: صدوق. وقال النسائيّ: صالح. وقال صالح بن محمد: كان مخلّطًا، وأرجو أن يكون صدوقًا، وقد حدّث بأحاديث مناكير. وقال مسلمة بن قاسم: ثقة مشهور، حدّث عنه ابن وضّاح. وقال أبو زرعة الدمشقيّ: كان ممن يُدلّس تدليس التسوية. وذكره ابن حبّان في "الثقات"، وقال: كان يُخطىء، قال: وسمعت مكحولاً يقول: سمعت محمد بن عوف يقول: رأيت ابن مُصفّى في النوم، فقلت: يا أبا عبد اللَّه، أليس قد متّ، إلى ما صوت؟ قال: إلى خير، ومع ذلك، فنحن نرى ربّنا كلّ يوم مرّتين، فقلت: يا أبا عبد اللَّه صاحب سنّة في الدنيا وفي الآخرة، قال: فتبسّم. قال: وسمعت محمد بن عُبيد اللَّه بن الفضيل الكلاعيّ يقول: عادلته من حمص إلى مكة سنة (٢٤٦)، فاعتلّ بالجحفة، ومات بمنى. روى عنه المصنّف، وأبو داود، وابن ماجه، وله عند المصنّف في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث: هنا -٣٦٣٢ و ٢٦/ ٤٥٤٠ "تفسير بيع المنابذة" و٤٠، ٤١/ ٤٨٥٧ "صفة شبه العمد". و"بقيّة": هو ابن الوليد الحمصيّ، كثير التدليس عن الضعفاء [٨] ٤٥/ ٥٥٧. و"سعيد بن سالم" القدّاح، أبو عثمان المكيّ، خراسانيّ الأصل، أو الكوفة، صدوقٌ يَهِمُ، ورُمي بالإرجاء، وكان فقيهًا، من كبار [٩]. قال الدوريّ وغيره، عن ابن معين: ليس به بأس. وقال عثمان الدارميّ، عن ابن معين: ثقة. قال عثمان: ليس بذاك في الحديث. وقال أبو زرعة: هو عندي إلى الصدق ما هو؟. وقال أبو حاتم: محلّه الصدق. وقال أبو داود: صدوق يذهب إلى الإرجاء. وقال النسائيّ: ليس به بأس. وقال ابن عديّ: حسن الحديث، وأحاديثه مستقيمة، وهو عندي صدوقٌ، لا بأس به، مقبول الحديث. وقال يعقوب الفسويّ. كان له رأي سوء، وكان داعيةً، يُرغَب عن حديثه. وقال العجليّ: كان يَرَى الإرجاء، وليس بحجة. وقال البخاريّ: يرى الإرجاء. وكذا قال ابن حبّان، وزاد: ويَهِمُ في الأخبار، حتى يجيء بها مقلوبة، حتى خرج عن حدّ الاحتجاج به. وقال ابن البرقيّ،

стр. 14929

عن ابن معين: كانوا يكرهونه. قال الساجيّ: حدّثنا الربيع، سمعت الشافعيّ يقول: كان سعيد القدّاح يفتي بمكة، ويذهب إلى رأي أهل العراق. قال الساجيّ: ضعيف. وقال العقيليّ: كان يغلو في الإرجاء. وقال الصريفينيّ: مات قبل المائتين. تفرّد به المصنّف، وأبو داود، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط، وعند أبي داود حديث واحد. وقوله: "ثَمْغ" بفتح المثلّثة، وسكون الميم، آخره غين معجمة: أرض بالمدينة. وقوله: "سَبِّلْ ثمرتها" أمر من التسبيل، يقال: سَبّلتُ الثمرة -بالتشديد-: جعلتُها في سُبُل الخير، وأنواع البرّ. قاله الفيّوميّ. والحديث صحيح بشواهده، فقد تقدّم له في الباب الماضي شواهد، وبيّنّاها هناك. وأستدلال المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- به على ما ترجم له واضح، حيث إن تلك الأرض كانت مشاعة، كما تقدّم تحقيقه قريبًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعتُ، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكّلتُ، وإليه أنيب". … ٤ - (بَابُ وَقْفِ الْمَسَاجِدِ) قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: يعني وقف الأرض لأجل بناء المساجد فيها، وبهذا المعنى ترجم الإمام البخاريّ -رحمه اللَّه تعالى-، في "صحيحه"، حيث قال: "باب وقف الأرض للمسجد"، ثم أورد حديث أنس - رضي اللَّه تعالى عنه -، من طريق عبد الوارث بن سعيد، عن أبي التَّيَّاح، قال: حدثني أنس بن مالك ﵁، لَمّا قَدِم رسول اللَّه ﷺ المدينة، أمر ببناء المسجد، وقال: يا بني النجار، ثامنوني بحائطكم هذا"، قالوا: لا واللَّه لا نطلب ثمنه إلا إلى اللَّه. قال في "الفتح": لم يختلف العلماء في مشروعيّة ذلك، لا من أنكر الوقف، ولا من نفاه، إلا أن في الجزء المشاع احتمالاً لبعض الشافعيّة، قال ابن الرفعة: يظهر أن وقف المشاع فيما لا يمكن الانتفاع به لا يصحّ، وجزم ابن الصلاح بالصحّة حتى يحرُمُ على الجنب المكث فيه، ونوزع في ذلك. قال الزين ابن الْمُنَيِّر: لعلّ البخاريّ أراد الردّ على من خصّ جواز الوقف بالمسجد، وكأنه قال: قد نفذ وقف الأرض المذكورة أن تكون

стр. 14930

مسجدًا، فدلّ على أن صحّة الوقف لا تختصّ بالمسجد، ووجه أخذه من حديث الباب أن الذين قالوا: "لا نطلب ثمنه إلا إلى اللَّه"، كأنهم تصدّقوا بالأرض المذكورة، فتمّ انعقاد الوقف قبل البناء، فيؤخذ منه أن من وقف أرضًا على أن يبنيها مسجدًا انعقد الوقف قبل البناء. قال الحافظ: ولا يخفى تكلّفه. انتهى (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب. ٣٦٣٣ - (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ, قَالَ: أَنْبَأَنَا الْمُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ, قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي يُحَدِّثُ, عَنْ حُصَيْنِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ, عَنْ عَمْرِو بْنِ جَاوَانَ, رَجُلٌ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ, وَذَاكَ أَنِّي قُلْتُ لَهُ: أَرَأَيْتَ اعْتِزَالَ الأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ مَا كَانَ؟ , قَالَ: سَمِعْتُ الأَحْنَفَ يَقُولُ: أَتَيْتُ الْمَدِينَةَ, وَأَنَا حَاجٌّ, فَبَيْنَا نَحْنُ فِي مَنَازِلِنَا, نَضَعُ رِحَالَنَا, إِذْ أَتَى آتٍ, فَقَالَ: قَدِ اجْتَمَعَ النَّاسُ فِي الْمَسْجِدِ, فَاطَّلَعْتُ فَإِذَا -يَعْنِي النَّاسَ- مُجْتَمِعُونَ, وَإِذَا بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ نَفَرٌ قُعُودٌ, فَإِذَا هُوَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ, وَالزُّبَيْرُ, وَطَلْحَةُ, وَسَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ, رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ (٢) , فَلَمَّا قُمْتُ عَلَيْهِمْ, قِيلَ: هَذَا عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ, قَدْ جَاءَ, قَالَ: فَجَاءَ وَعَلَيْهِ مُلَيَّةٌ صَفْرَاءُ, فَقُلْتُ لِصَاحِبِي: كَمَا أَنْتَ, حَتَّى أَنْظُرَ مَا جَاءَ بِهِ؟ , فَقَالَ عُثْمَانُ: أَهَا هُنَا عَلِيٌّ؟ , أَهَاهُنَا الزُّبَيْرُ؟ , أَهَاهُنَا طَلْحَةُ؟ , أَهَاهُنَا سَعْدٌ؟ , قَالُوا: نَعَمْ, قَالَ: فَأَنْشُدُكُمْ بِاللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ, أَتَعْلَمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ يَبْتَاعُ مِرْبَدَ بَنِي فُلَانٍ, غَفَرَ اللَّهُ لَهُ» , فَابْتَعْتُهُ, فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ , فَقُلْتُ: إِنِّي ابْتَعْتُ مِرْبَدَ بَنِي فُلَانٍ, قَالَ: «فَاجْعَلْهُ فِي مَسْجِدِنَا, وَأَجْرُهُ لَكَ» , قَالُوا: نَعَمْ, قَالَ: فَأَنْشُدُكُمْ بِاللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ, هَلْ تَعْلَمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ يَبْتَاعُ بِئْرَ رُومَةَ, غَفَرَ اللَّهُ لَهُ» , فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ , فَقُلْتُ: قَدِ ابْتَعْتُ بِئْرَ رُومَةَ, قَالَ: «فَاجْعَلْهَا سِقَايَةً لِلْمُسْلِمِينَ, وَأَجْرُهَا لَكَ»؟ , قَالُوا: نَعَمْ, قَالَ: فَأَنْشُدُكُمْ بِاللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ, هَلْ تَعْلَمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ يُجَهِّزْ (٣) جَيْشَ الْعُسْرَةِ, غَفَرَ اللَّهُ لَهُ» , فَجَهَّزْتُهُمْ, حَتَّى مَا يَفْقِدُونَ عِقَالاً, وَلَا خِطَامًا؟ , قَالُوا: نَعَمْ, قَالَ: اللَّهُمَّ اشْهَدِ, اللَّهُمَّ اشْهَدِ, اللَّهُمَّ اشْهَدْ). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الحديث تقدّم للمصنّف -رحمه اللَّه تعالى- في "الجهاد" -٤٤/ ٣١٨٣ - "فضل من جهّز غازيًا" ومضى شرحه، وبيان مسائله هناك. و"عمر بن جاوان" ويقال: عمرو، كما هو في نسخة، مقبول [٦] ٤٤/ ٣١٨٣.

стр. 14931

وقوله: "اعتزال الأحنف بن قيس ما كان؟ " أي بأي سبب اعتزل عن عليّ ومعاوية جميعًا. ولعل حاصل الجواب أنه ترك الناس تعظيمًا لقتل عثمان، وخوفًا على نفسه الوقوع في مثله، ورأى أن الناس قد يجتمعون على باطل، كقتلة عثمان - رضي اللَّه تعالى - عنه. واللَّه تعالى أعلم. قاله السنديّ -رحمه اللَّه تعالى-. وقوله: "مُليّة" بمضم الميم تصغير ملاءة: وهي الإزار، أو الريطة. وقوله: "كما أنت" أي كن على الحال التي أنت عليها، حتى أستخبر الخبر، فآتيك به. وقوله: "من يبتاع" أي من يشتري. وقوله: "مِربد"بكسر الميم، وفتح الباء الموحّدة: موضع تجفيف التمر. وقوله: "بئر رومة" بضمّ الراء: اسم بئر بالمدينة. والحديث صحيحٌ، ومحلّ استدلال المصنّف على الترجمة منه قوله: "فاجعله في مسجدنا" فإن المراد به جعله وقفًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٦٣٤ - (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ, قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِدْرِيسَ, قَالَ: سَمِعْتُ حُصَيْنَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ, يُحَدِّثُ عَنْ عَمْرِو بْنِ جَاوَانَ (١) , عَنِ الأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ, قَالَ: خَرَجْنَا حُجَّاجًا, فَقَدِمْنَا الْمَدِينَةَ, وَنَحْنُ نُرِيدُ الْحَجَّ, فَبَيْنَا نَحْنُ فِي مَنَازِلِنَا, نَضَعُ رِحَالَنَا, إِذْ أَتَانَا آتٍ, فَقَالَ: إِنَّ النَّاسَ قَدِ اجْتَمَعُوا فِي الْمَسْجِدِ, وَفَزِعُوا, فَانْطَلَقْنَا, فَإِذَا النَّاسُ مُجْتَمِعُونَ عَلَى نَفَرٍ, فِي وَسَطِ الْمَسْجِدِ, وَإِذَا عَلِيٌّ, وَالزُّبَيْرُ, وَطَلْحَةُ, وَسَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ, فَإِنَّا لَكَذَلِكَ, إِذْ جَاءَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ, عَلَيْهِ مُلَاءَةٌ صَفْرَاءُ, قَدْ قَنَّعَ بِهَا رَأْسَهُ, فَقَالَ: أَهَاهُنَا عَلِيٌّ؟ أَهَا هُنَا طَلْحَةُ؟ أَهَاهُنَا الزُّبَيْرُ؟ , أَهَاهُنَا سَعْدٌ؟ , قَالُوا: نَعَمْ, قَالَ: فَإِنِّي أَنْشُدُكُمْ (٢) بِاللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ, أَتَعْلَمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ يَبْتَاعُ مِرْبَدَ بَنِي فُلَانٍ, غَفَرَ اللَّهُ لَهُ» , فَابْتَعْتُهُ بِعِشْرِينَ أَلْفًا, أَوْ بِخَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ أَلْفًا, فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ , فَأَخْبَرْتُهُ, فَقَالَ: «اجْعَلْهَا فِي مَسْجِدِنَا, وَأَجْرُهُ لَكَ» , قَالُوا: اللَّهُمَّ نَعَمْ, قَالَ: فَأَنْشُدُكُمْ بِاللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ, أَتَعْلَمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ يَبْتَاعُ بِئْرَ رُومَةَ, غَفَرَ اللَّهُ لَهُ» , فَابْتَعْتُهُ بِكَذَا وَكَذَا, فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ , فَقُلْتُ: قَدِ ابْتَعْتُهَا بِكَذَا وَكَذَا, قَالَ: «اجْعَلْهَا سِقَايَةً لِلْمُسْلِمِينَ, وَأَجْرُهَا لَكَ» , قَالُوا: اللَّهُمَّ نَعَمْ, قَالَ: فَأَنْشُدُكُمْ بِاللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ, أَتَعْلَمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ , نَظَرَ فِي وُجُوهِ الْقَوْمِ, فَقَالَ: «مَنْ جَهَّزَ

стр. 14932

هَؤُلَاءِ, اللَّهُ غَفَرَ لَهُ» , يَعْنِي جَيْشَ الْعُسْرَةِ, فَجَهَّزْتُهُمْ, حَتَّى مَا يَفْقِدُونَ عِقَالاً, وَلَا خِطَامًا, قَالُوا: اللَّهُمَّ نَعَمْ, قَالَ: اللَّهُمَّ اشْهَدِ, اللَّهُمَّ اشْهَدْ). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الحديث صحيح، وقد سبق الكلام عليه في الذي قبله. وقوله: "قد قنّع" بتشديد النون: أي ألقى الْمُلاءة على رأسه، إما لدفع الحرّ، أو لغير ذلك. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٦٣٥ - (أَخْبَرَنِي (١) زِيَادُ بْنُ أَيُّوبَ, قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَامِرٍ, عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي الْحَجَّاجِ, عَنْ سَعِيدٍ الْجُرَيْرِيِّ, عَنْ ثُمَامَةَ بْنِ حَزْنٍ الْقُشَيْرِيِّ, قَالَ: شَهِدْتُ الدَّارَ, حِينَ أَشْرَفَ عَلَيْهِمْ عُثْمَانُ, فَقَالَ: أَنْشُدُكُمْ بِاللَّهِ وَبِالإِسْلَامِ, هَلْ تَعْلَمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ , قَدِمَ الْمَدِينَةَ وَلَيْسَ بِهَا مَاءٌ يُسْتَعْذَبُ, غَيْرَ بِئْرِ رُومَةَ, فَقَالَ: «مَنْ يَشْتَرِى بِئْرَ رُومَةَ, فَيَجْعَلُ فِيهَا دَلْوَهُ مَعَ دِلَاءِ الْمُسْلِمِينَ, بِخَيْرٍ لَهُ مِنْهَا فِي الْجَنَّةِ» , فَاشْتَرَيْتُهَا مِنْ صُلْبِ مَالِي, فَجَعَلْتُ دَلْوِى فِيهَا مَعَ دِلَاءِ الْمُسْلِمِينَ, وَأَنْتُمُ الْيَوْمَ تَمْنَعُونِي مِنَ الشُّرْبِ مِنْهَا, حَتَّى أَشْرَبَ مِنْ مَاءِ الْبَحْرِ, قَالُوا: اللَّهُمَّ نَعَمْ, قَالَ: فَأَنْشُدُكُمْ بِاللَّهِ وَالإِسْلَامِ (٢) , هَلْ تَعْلَمُونَ أَنِّي جَهَّزْتُ جَيْشَ الْعُسْرَةِ مِنْ مَالِي, قَالُوا: اللَّهُمَّ نَعَمْ, قَالَ: فَأَنْشُدُكُمْ بِاللَّهِ وَالإِسْلَامِ (٣) , هَلْ تَعْلَمُونَ أَنَّ الْمَسْجِدَ ضَاقَ بِأَهْلِهِ, فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : مَنْ يَشْتَرِى بُقْعَةَ آلِ فُلَانٍ, فَيَزِيدُهَا فِي الْمَسْجِدِ, بِخَيْرٍ لَهُ مِنْهَا فِي الْجَنَّةِ, فَاشْتَرَيْتُهَا مِنْ صُلْبِ مَالِي, فَزِدْتُهَا فِي الْمَسْجِدِ, وَأَنْتُمْ تَمْنَعُونِي, أَنْ أُصَلِّيَ فِيهِ رَكْعَتَيْنِ, قَالُوا: اللَّهُمَّ نَعَمْ, قَالَ: أَنْشُدُكُمْ (٤) بِاللَّهِ وَالإِسْلَامِ (٥) , هَلْ تَعْلَمُونَ, أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ , كَانَ عَلَى ثَبِيرٍ, ثَبِيرِ مَكَّةَ, وَمَعَهُ أَبُو بَكْرٍ, وَعُمَرُ, وَأَنَا, فَتَحَرَّكَ الْجَبَلُ, فَرَكَضَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِرِجْلِهِ, وَقَالَ: «اسْكُنْ ثَبِيرُ, فَإِنَّمَا عَلَيْكَ نَبِيٌّ, وَصِدِّيقٌ, وَشَهِيدَانِ» , قَالُوا: اللَّهُمَّ نَعَمْ, قَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ, شَهِدُوا لِي, وَرَبِّ الْكَعْبَةِ -يَعْنِي أَنِّي شَهِيدٌ-). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "زياد بن أيوب": هو المعروف بدَلّويه. و"سعيد بن عامر": هو الضُّبَعيّ، أبو محمد البصريّ، ثقة [٩] ١١/ ٥١٨. و"يحيى بن أبي الحجّاج" الأهتميّ المِنْقريّ الخاقانيّ، واسم أبيه عبد اللَّه بن الأهتم،

стр. 14933

أبو أيوب البصريّ، ليّن الحديث [٩]. قال ابن معين: ليس بشيء. وقال أبو حاتم: ليس بالقويّ. وذكره ابن حبّان في "الثقات"، وقال: ربّما أخطأ. وقال ابن عديّ: لا أرى بأحاديثه بأسًا. تفرّد به المصنّف، والترمذيّ، وله في هذا الكتاب حديث الباب فقط. و"سعيد الْجُرَيريّ": هو سعيد بن إياس، أبو مسعود البصريّ، ثقة [٥] ٣٢/ ٦٧٢. و"ثمامة بن حَزْن" -بفتح المهملة، وسكون الزاي، ثم نون- ابن عبد اللَّه بن قَشير الْقُشيريّ البصريّ، والد أبي الورد بن ثُمامة، ثقة مخضرم [٢]. أدرك النبيّ ﷺ ، ولم يره. قال الآجريّ، عن أبي داود: ثقة، قيل: لم يسمع من عائشة؟ قال: نعم. وذكره ابن حبّان في "الثقات". وذكر البخاريّ في "تاريخه" أنه قَدِم على عمر بن الخطّاب، وهو ابن (٣٥) سنة. وقال ابن البرقيّ: ذكر بعض أهل النسب من بني عامر أن لثمامة صحبة. روى له البخاريّ في "الأدب المفرد"، ومسلم، والترمذيّ، والمصنّف، وله عنده في هذا الكتاب حديثان فقط: هذا، وحديث عائشة - رضي اللَّه تعالى عنه - ٥٦٦٥ - "نهى النبيّ ﷺ أن ينبذوا في الدبّاء والنقير". وقوله: "شهدت الدار" "ال" للعهد، أي دار عثمان المعروفة بحصار المصريين الذين أنكروا عليه تولية عبد اللَّه بن سعد بن أبي سَرْح، والقصة مشهورة. وفي رواية زيد بن أبي أُنيسة الآتية: "قال: لما حُصر عثمان في داره اجتمع الناس حول داره … ". وقوله: "أنشدكم باللَّه، وبالإِسلام" أي أسألكم رافعًا نشيدتي، أي صوتي، مذكّرًا إياكم باللَّه، ومطالبًا لكم العمل بمقتضى الإسلام، فإنه يوجب على المسلمين، أن يناصحوا وليّ أمرهم، ويدافعوا عنه، ويَصْدُقُونه في أخبارهم، وشهاداتهم. وقوله: "ليس في المدينة ماء يُستعذب فيه الماء" أي يَطلبه الناس؛ ليشربوه عذبًا، أي حُلوًا. وفيه استحباب استعذاب الماء، وقد عقد الإمام البخاريّ -رحمه اللَّه تعالى- في "صحيحه" بابًا، فقال: "باب استعذاب الماء"، ثم أورد حديث أنس في قصّة أبي طلحة - رضي اللَّه تعالى عنهما - الماضي، وفيه: "وكان رسول اللَّه ﷺ يدخلها -يعني بيرحاء- ويشرب من ماء فيها طيّب". وقد ورد في استعذاب الماء حديث عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها -: "كان رسول اللَّه ﷺ يُستعذَب له الماء من بيوت السُّقيا". و"السُّقْيا" -بضمّ المهملة، وبالقاف، بعدها تحتانيّة- قال قتيبة: هي عين بينها وبين المدينة يومان. هكذا أخرجه أبو داود عنه بعد سياق الحديث بسند جيّد، وصححه الحاكم. وفي قصّة أبي الهيثم بن

стр. 14934

التّيِّهان أن امرأته قالت للنبيّ ﷺ لَمَّا جاءهم يَسأل عن أبي الهيثم: "ذهب يستعذب لنا من الماء". رواه مسلم. وذكر الواقديّ من حديث سلمى امرأة أبي رافع: كان أبو أيوب حين نزل عنده النبيّ ﷺ يستعذب له الماء من بئر مالك بن النضر، والد أنس، ثم كان أنس، وهند، وحارثة أبناء أسماء يحملون الماء إلى بيوت نسائه من بيوت السقيا، وكان رباح الأسود عبده يستقي له من بئر عرس مرّة، ومن بيوت السقيا مرّة. قال ابن بطّال -رحمه اللَّه تعالى-: استعذاب الماء لا ينافي الزهد، ولا يدخل في الترفّه المذموم، بخلاف تطييب الماء بالمسك ونحوه، فقد كرهه مالكٌ؛ لما فيه من السرف، وأما شرب الماء الحلو، وطلبه فمباحٌ، فقد فعله الصالحون، وليس في شرب الماء الملح فضيلة. قال: وفيه دلالة على أن استطابة الاطعمة جائزة، وأن ذلك من دعل أهل الخير، وقد ثبت أن قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّه لَكُمْ﴾ الآية [المائدة: ٨٧] نزل في الذين أرادوا الامتناع من لذائذ المطاعم. قال: ولو كانت مما لا يريد اللَّه تناوله ما امتنّ بها على عباده، بل نهيه عن تحريمها يدلّ على أنه أراد منهم تناولها ليقابلوا نعمته بها عليهم بالشكر لها، وإن كانت نعمه لا يكافئها شكرهم. ذكره في "الفتح" (١). وقوله: "من صُلب مالي" أي من أصل مالي، ورأسه، لا مما أثمره المال من الربح والزيادة، وأصل المال عند التجّار أعزّ شيء عليهم، ومع ذلك آثر عثمان رضي اللَّه تعالى عنه الآخرة على الدنيا، فاشترى البئر من رأس ماله. وقوله: "من ماء البحر"، أي ماء البئر الذي في البيت، وهي مالحة، كماء البحر المالح. وقوله: "على ثبير الخ" -بفتح المثلّثة، وكسر الموحّدة-: جبل بين مكة، ومنّى، ويُرى من منى، وهو على يمين الداخل منها إلى مكة. قاله الفيّوميّ. هذا في هذه الرواية أن الجبل هو ثبير، والمشهور في الرويات أن الجبل هو "أحد"، و"أحد" هو الجبل المعروف بالمدينة، فقد أخرج البخاريّ من طريق سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، أن أنس بن مالك ﵁، حدثهم أن النبي ﷺ ، صَعِدَ أحدا، وأبو بكر، وعمر، وعثمان، فرَجَفَ بهم، فقال: "اثبُت أحدُ، فإنما عليك نبي، وصديق، وشهيدان".

стр. 14935

وفي رواية لمسلم: "حراء"، قال في "الفتح": والأول أصحّ، ولولا اتحاد المخرج لجوّزت تعدّد القصّة، ثم ظهر لي أن الاختلاف فيه من سعيد -يعني ابن أبي عروبة- فإني وجدته في "مسند الحارث بن أبي أسامة" عن رَوْح بن عُبادة، عن سعيد، فقال فيه: "أحدًا، أو حراء" بالشكّ. وقد أخرجه أحمد من حديث بُريدة بلفظ "حراء"، وإسناده صحيح. وأخرجه أبو يعلى من حديث سهل بن سعد بلفظ "أحد"، وإسناده صحيح، فقوي احتمال تعدّد القصّة. انتهى (١). والحاصل أن أكثر الرواة رووه بلفظ "أحد"، وبعضهم رواه بلفظ "حراء"، وأما بلفظ "ثَبِير" ففي هذه الرواية فقط، وفي إسنادها يحيى بن أبي الحجّاج، وقد تقدّم أنه ليّن الحديث، فلا يقبل ما خالف فيه الحفّاظ، بل هي شاذّة منكرة. واللَّه تعالى أعلم. والحديث صحيح (٢)، وسبق الكلام عليه قريبًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٦٣٦ - (أَخْبَرَنَا عِمْرَانُ بْنُ بَكَّارِ بْنِ رَاشِدٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا خَطَّابُ بْنُ عُثْمَانَ, قَالَ: حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ, حَدَّثَنِي أَبِي, عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ, عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ, أَنَّ عُثْمَانَ أَشْرَفَ عَلَيْهِمْ, حِينَ حَصَرُوهُ, فَقَالَ: أَنْشُدُ بِاللَّهِ, رَجُلاً سَمِعَ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ , يَقُولُ يَوْمَ الْجَبَلِ, حِينَ اهْتَزَّ, فَرَكَلَهُ بِرِجْلِهِ, وَقَالَ «اسْكُنْ, فَإِنَّهُ لَيْسَ عَلَيْكَ إِلاَّ نَبِيٌّ, أَوْ صِدِّيقٌ, أَوْ شَهِيدَانِ» , وَأَنَا مَعَهُ, فَانْتَشَدَ لَهُ رِجَالٌ, ثُمَّ قَالَ: أَنْشُدُ بِاللَّهِ, رَجُلاً شَهِدَ رَسُولَ اللهِ ﷺ , يَوْمَ بَيْعَةِ الرِّضْوَانِ, يَقُولُ: «هَذِهِ يَدُ اللَّهِ, وَهَذِهِ يَدُ عُثْمَانَ» , فَانْتَشَدَ لَهُ رِجَالٌ, ثُمَّ قَالَ: أَنْشُدُ بِاللَّهِ, رَجُلاً سَمِعَ رَسُولَ اللهِ ﷺ , يَوْمَ جَيْشِ الْعُسْرَةِ, يَقُولُ: «مَنْ يُنْفِقُ نَفَقَةً مُتَقَبَّلَةً؟» , فَجَهَّزْتُ نِصْفَ الْجَيْشِ مِنْ مَالِي, فَانْتَشَدَ لَهُ رِجَالٌ, ثُمَّ قَالَ: أَنْشُدُ بِاللَّهِ, رَجُلاً سَمِعَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ يَزِيدُ فِي هَذَا الْمَسْجِدِ, بِبَيْتٍ فِي الْجَنَّةِ» , فَاشْتَرَيْتُهُ مِنْ مَالِي, فَانْتَشَدَ لَهُ رِجَالٌ, ثُمَّ قَالَ: أَنْشُدُ بِاللَّهِ, رَجُلاً شَهِدَ رُومَةَ تُبَاعُ, فَاشْتَرَيْتُهَا مِنْ مَالِي, فَأَبَحْتُهَا لاِبْنِ السَّبِيلِ, فَانْتَشَدَ لَهُ رِجَالٌ). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير "عمران بن بكّار بن راشد": هو الْكَلَاعيّ البرّاد الحمصيّ المؤذّن، فإنه من أفراد المصنّف، وهو ثقة [١١] ١٧/ ١٥٤١. و"خطّاب بن عثمان" الطائيّ الْفَوْزيّ، أبو عمر، ويقال: أبو عَمْرو الحمصيّ، ثقة عابد [١٠].

стр. 14936

ذكره ابن حبّان في "الثقات"، وقال: ربما أخطأ. وقال ابن أبي الدنيا، عن القاسم بن هاشم: حدّثني الخطّاب بن عثمان الفَوْزيّ، وكان يُعدّ من الأبدال. ووثّقه الدارقطنيّ. روى عنه البخاريّ، وروى له المصنّف بواسطة حديثين، حديث الباب، وحديث ابن عبّاس - رضي اللَّه تعالى عنهما -١٠/ ٤٢٨٨ - "باب الفأرة تقع في السمن". و"عيسى بن يونس": هو السبيعيّ، أخو إسرائيل الكوفيّ، نزل الشام مرابطًا، ثقة مأمون [٨] ٨/ ٨. و"أبوه": هو يونس بن أبي إسحاق السبيعيّ، أبو إسرائيل الكوفيّ، صدوق يهم قليلاً [٥] ١٦/ ٦٥٢. و"أبو إسحاق": هو عمرو بن عبد اللَّه الهمدنيّ السَّبِيعيّ الكوفيّ، ثقة عابد اختلط بآخره [٣] ٣٨/ ٤٣. و"أبو سلمة بن عبد الرحمن" بن عوف الزهريّ المدنيّ الثقة الفقيه، أحد الفقهاء السبعة على بعض الأقوال [٣] ١/ ١. وقوله: "يوم الجبل" تقدّم قريبًا أنه أحد. وقوله: "فَرَكَله": أي ضربه برجله، قال في "القاموس": الرَّكْلُ: ضربُك الفرَسَ برجلك ليَعدُوَ، والضرب برجل واحدة. انتهى. وقوله: "فانتشد له رجال" أي أجابوه. والحديث صحيح بما قبله (١)، وبعضه عند البخاريّ معلّقًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٦٣٧ - (أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ وَهْبٍ, قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ, قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو عَبْدِ الرَّحِيمِ, قَالَ: حَدَّثَنِي زَيْدُ بْنُ أَبِي أُنَيْسَةَ, عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ, عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ (٢) , قَالَ: لَمَّا حُصِرَ عُثْمَانُ فِي دَارِهِ, اجْتَمَعَ النَّاسُ, حَوْلَ دَارِهِ, قَالَ: فَأَشْرَفَ عَلَيْهِمْ … وَسَاقَ الْحَدِيثَ). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "محمد بن وهب": هو أبو المعافى الحرّانيّ، صدوق [١٠] ١٩١/ ٣٠٦. [تنبيه]: وقع في معظم نسخ "المجتبى" "محمد بن موهب" بزيادى ميم، وهو غلطٌ، والصواب "ابن وهب"، كما في بعض النسخ، وهو الذي في "الكبرى". فتنبّه. واللَّه تعالى أعلم. و"محمد بن سلمة": هو الباهليّ مولاهم الحرّانيّ، ثقة [٩] ١٩١/ ٣٠٦. و"أبو عبد الرحيم": هو خالد بن أبي يزيد سماك الحرّانيّ، ثقة [٦] ١٩١/ ٣٠٦.

стр. 14937

و"زيد بن أبي أُنيسة زيد الحرّانيّ، أبو أسامة كوفيّ الأصل، ثم سكن الرُّها، ثقة، له أفراد [٦] ١٩١/ ٣٠٦. و"أبو عبد الرحمن السُّلَميّ": هو عبد اللَّه بن حبيب رُبَيِّعَة (١) الكوفيّ المقرئ، ولأبيه صحبة، ثقة ثبتٌ [٢] ١١٢/ ١٥٢. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعتُ، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكّلتُ، وإليه أنيب". … ٢٩ - (كِتَابُ الْوَصَايَا) قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "الوصايا" -بفتح الواو-: جمع وَصِيّة، كهديّة وهدايا، قال الفيّوميّ -رحمه اللَّه تعالى-: وَصَيتُ الشيءَ بالشيءِ أَصِيهِ، من باب وَعَدَ: وَصَلْتُهُ، ووَصَّيتُ إلى فلان تَوْصِيةً، وأوصيتُ إليه إيصاءً، وفي السبعة: ﴿فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ﴾ الآية [البقرة: ١٨٢]- بالتخفيف، والتثقيل- والاسم الوِصَاية بالكسر، والفتحُ لغةٌ، وهو وَصِيٌّ فَعِيلٌ بمعنى مفعول، والجمع الأوصياء، وأوصيتُ إليه بمال: جعلته له، وأوصيته بولده: استعطفته عليه، وهذا المعنى لا يقتضي الإيجاب، وأوصيتُهُ بالصلاة: أمرته بها، وعليه قوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٣]، وقوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ الآية [النساء: ١١]. أي يأمر. وفي حديثٍ "خَطَبَ النبيّ ﷺ ، فأوصى بتقوى اللَّه"، معناه أمر، فيعمّ الأمر بأيّ لفظ كان، نحوُ اتّقوا اللَّه، وأطيعوا اللَّه، وكذلك الخبرُ إذا كان فيه معنى الطلب، نحولقد فاز من اتّقى، وطُوبى لمن وَسِعَته السنّةُ، ولم تستهوه البدعةُ، ورحم اللَّه من شغله عيبه عن عيوب الناس. ولا يتعيّن في الخطبة أوصيكم، كيف ولفظ الوصيّة مشترك بين التذكير والاستعطاف، وبين الأمر، فيتعيّن حمله على الأمر، ويقوم مقامه كلّ لفظ، فيه معنى الأمر، وتواصى القوم: أوصى بعضهم بعضًا، واستوصيتُ به خيرًا. انتهى (٢). وقال في "الفتح": الوصايا: جمع وصية، كالهدايا، وتُطلق على فعل الموصِي، وعلى ما يوصي به، من مال، أو غيره، من عهد، ونحوه، فتكون بمعنى المصدر، وهو

стр. 14938

الإيصاء، وتكودْ بمعنى المفعول، وهو الاسم. وهي الشرع: عهد خاصّ، مضافٌ إلى ما بعد الموتِ، وقد يصحبه التبرّع. قال الأزهريّ: الوصيّة من وَصَيتُ الشيءَ - بالتخفيف- أَصِيهِ: إذا وصلته، وسمّيت وصيّةً؛ لأن الميت يَصِل بها ما كان في حياته بعد مماته. ويقال: وَصِيَّة -بالتشديد-، ووَصَاةٌ بالتخفيف، بغير همز. وتُطلق شرعًا أيضًا على ما يقع به الزجر عن المنهيّات، والحثّ على المأمورت. قاله في "الفتح" (١). وقال ابن قُدامة -رحمه اللَّه تعالى-: والوصية بالمال هي التبرّع به بعد الموت، والأصل فيها الكتاب، والسنّة، والإجماع، أما الكتاب، فقول اللَّه : ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ﴾ الآية [البقرة: ١٨٠]. وقال اللَّه تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ الآية [النساء: ١١]. وأما السنّة، فحديث سعد بن أبي وقّاص - رضي اللَّه تعالى عنه - الآتى في الباب الثالث. قال: وأجمع العلماء في جميع الأمصار والأعصار على جواز الوصيّة. انتهى (٢). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب. … ١ - (الْكَرَاهِيَةُ فِي تَأْخِيرِ الْوَصِيَّةِ) (٣) قال السنديّ -رحمه اللَّه تعالى-: أي لا ينبغي له أن يؤخّر الوصيّة، إما بإخراج ما يُحوجه إليها، أو بتقديمها على المرض، مع وجود ما يُحوجه إليها، فلذلك ذكر في الباب من الأحاديث ما يقتضي التصدّق بالمال قبل حلول الآجال؛ لما فيه من الخروج عن كراهية تأخير الوصيّة؛ لانتفاء الحاجة إليها أصلاً، فليُتأمّل انتهى (٤). واللَّه تعالى أعلم بالصواب. ٣٦٣٨ - (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَرْبٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ, عَنْ عُمَارَةَ, عَنْ أَبِي زُرْعَةَ, عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ , فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ, أَيُّ الصَّدَقَةِ أَعْظَمُ أَجْرًا؟ , قَالَ: «أَنْ تَصَدَّقَ, وَأَنْتَ صَحِيحٌ, شَحِيحٌ, تَخْشَى الْفَقْرَ, وَتَأْمُلُ الْبَقَاءَ, وَلَا تُمْهِلْ, حَتَّى إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ, قُلْتَ لِفُلَانٍ كَذَا, وَقَدْ كَانَ لِفُلَانٍ»).

стр. 14939

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الحديث متّفقٌ عليه، وقد تقدّم في "كتاب الزكاة" -٦٠/ ٢٥٤٢ - "باب أيّ الصدقة أفضل؟ ". رواه هناك عن محمود بن غيلان، عن وكيع، عن سفيان الثوريّ، عن عمارة، وقد استوفيت شرحه، وبيان مسائله هناك، وللَّه الحمد والمنّة. ومحلّ استدلال المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- منه على ما ترجم له هنا قوله ﷺ : "ولا تُمهل الخ". ورجال إسناده رجال الصحيح، غير شيخه: "أحمد بن حرب" الطائيّ الموصليّ، فإنه من أفراده، وهو صدوق [١٠] ١٠٢/ ١٣٥. و"عمارة": هو ابن القعقاع. و"أبو زرعة": هو البجليّ. وقوله: "أن تصدّق" -بفتح التاء المثنّاة، وأصله "تتصدّق"، فحذفت منه إحدى التاءين، تخفيفًا، ثم هو في تأويل المصدر خبر لمبتدإٍ مقدّر، هي تصدّقك الخ. وقوله: "شحيح" أي من شأنه الشحّ؛ للحاجة إلى المال. وقوله: "تخشى الفقر": أي بسبب إنفاق المال. وقوله: "وتأمُل البقاء" بضمّ الميم، أي ترجوه. وقوله: "ولا تمهل" نهي من الإمهال، وهو التأخير. وقوله. "حتى إذا بلغت الحلقوم" أي إذا بلغت الروح الحلق، وهو كناية عن الاحتضار. وقوله. "وقد كان لفلان" أي وقد صار المال للوارث، أي قارب أن يصير له، إن لم توص به، فليس بالتصدّق به كثير فضل. وقد تقدّم شرح الحديث مستوفًى في الباب المذكور، فراجعه، تستفد. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٦٣٩ - (أَخْبَرَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ, عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ, عَنِ الأَعْمَشِ, عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ, عَنِ الْحَارِثِ بْنِ سُوَيْدٍ, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ, قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «أَيُّكُمْ مَالُ وَارِثِهِ أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنْ مَالِهِ؟» , قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ, مَا مِنَّا مِنْ أَحَدٍ, إِلاَّ مَالُهُ أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنْ مَالِ وَارِثِهِ, قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «اعْلَمُوا أَنَّهُ لَيْسَ مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ, إِلاَّ مَالُ وَارِثِهِ أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنْ مَالِهِ, مَالُكَ مَا قَدَّمْتَ, وَمَالُ وَارِثِكَ مَا أَخَّرْتَ»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (هنّاد بن السريّ) بن مصعب التميمي، أبو السريّ الكوفي، ثقة [١٠] ٢٣/ ٢٥. ٢ - (أبو معاوية) محمد بن خازم الضرير الكوفيّ، ثقة، أحفظ الناس لحديث الأعمش، وقد يهم في حديث غيره، من كبار [٩] ٢٦/ ٣٠. ٣ - (الأعمش) سليمان بن مهران لأسدي الكاهلي مولاهم، أبو محمد الكوفي، ثقة حافظ عارف بالقراءة، ورع، لكنه يدلس [٥] ١٧/ ١٨.

стр. 14940

٤ - (إبراهيم التيمي) هو: ابن يزيد بن شريك، أبو أسماء الكوفيّ، ثقة عابد، يرسل ويدلس [٥] ١٢١/ ١٧٠. ٥ - (الحارث بن سُويد) التيميّ، أبي عائشة الكوفيّ، ثقة ثبت [٢] قال عبد اللَّه بن أحمد: ذكره أبي، فعظّم شأنه. وقال ابن أبي خيثمة، عن ابن معين: ثقة. وقال ابن معين أيضًا: إبراهيم التيميّ، عن الحارث بن سُويد، عن عليّ، ما بالكوفة أجود إسنادًا منه. وذكره ابن حبّان في "الثقات"، وقال: صلى عليه عبد اللَّه بن يزيد. وقال ابن عيينة: كان الحارث من عِلّيّة أصحاب ابن مسعود. وقال العجليّ: ثقة. قال ابن سعد: تُوفّي في آخر خلافة عبد اللَّه بن الزبير. وأرّخه ابن أبي خيثمة سنة إحدى، أو اثنتين وسبعين. روى له الجماعة، وله عند المصنّف في هذا الكتاب حديثان فقط: حديث الباب، و-٣١/ ٥٦٥٤ - حديث عليّ - رضي اللَّه تعالى عنه -، عن النبيّ صلى اللَّه وسلّم أنه نهى عن الدبّاء والمزفّت. ٦ - (عبد اللَّه) بن مسعود - رضي اللَّه تعالى عنه - ٣٥/ ٣٩. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين. (ومنها): أن فيه ثلاثة من التابعين، يروي بعضهم عن بعض: الأعمش، عن إبراهيم التيميّ، عن الحارث بن سُويد. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ عَبدِ اللَّهِ) بن مسعود - رضي اللَّه تعالى عنه -، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أَيُّكُمْ مَالُ وَارِثهِ أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنْ مَالِهِ؟) أي أنَّ الذي يُخَلِّفُهُ الإنسان من المال، وإن كان هو في الحال منسوبًا إليه، فإنه باعتبار انتقاله إلى وارثه يكون منسوبًا للوارث، فنسبته للمالك في حياته حقيقيّة، ونسبته للوارث في حياة المُوَرِّثِ مجازيّة، ومن بعد موته حقيقيّة (١) (قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا مِنَّا مِنْ أَحَدٍ) "من" زائدة (إِلاَّ مَالُهُ أَحَبُّ إلَيْهِ منْ مَالِ وَارِثِهِ، قَالَ: رَسُولُ اللهِ ﷺ : "اعْلَمُوا أنَّهُ لَيْسَ مِتكُمْ مِنْ أَحَدٍ) قال السنديّ: خطاب للموجودين في ذلك الوقت عنده ﷺ ، لا لتمام الأمّة، فلا يرد أن في الأمّة من كان على خلاف ذلك، كنحو أبي بكر - رضي اللَّه تعالى عنه -. انتهى (إِلاَّ مَالُ وَارِثِهِ أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنْ مَالِهِ، مَالُكَ مَا قَدَّمْتَ) أي المال الذي يضاف إليك في الحياة، وبعد الموت هو الذي قدّمته، وأنت

стр. 14941

حيّ بالصدقة للفقراء، وصلة الرحم، وأنواع البرّ (وَمَالُ وَارِثِكَ مَا أَخَّرْتَ) أي المال الذي يضاف إلى وارثك هو الذي تركته له بعد مماتك. قال ابن بطّال وغيره: فيه التحريض على تقديم ما يُمكن تقديمه من المال في وجوه القربة والبرّ؛ لينتفع به في الآخرة، فإن كلّ شيء يخلفه المورّث يصير ملكّا للوارث، فإن عمل فيه بطاعة اللَّه اختصّ بثواب ذلك، وكان ذلك الذي تعب في جمعه ومنعه (١)، وإن عمل فيه بمعصية اللَّه، فذاك أبعد لمالكه الأول من الانتفاع به، إن سلم من تبعته. ولا يعارضه قوله ﷺ : لسعد بن أبي وقّاص - رضي اللَّه تعالى عنه -: "إنك أن تذر ورثتك أغنياء خيرٌ من أن تذرهم عالةً"؛ لأن حديث سعد - رضي اللَّه تعالى عنه - محمول على من تصدق بماله كلّه، أو معظمه في مرضه، وحديث ابن مسعود - رضي اللَّه تعالى عنه - في حقّ من يتصدّق في صحّته، وشُحّه. قاله في "الفتح" (٢). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث عبد اللَّه بن مسعود - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا أخرجه البخاريّ. (المسألة الثانية): في مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا- ١/ ٣٦٣٩ - وفي "الكبرى"١/ ٦٤٣٩. وأخرجه (خ) في "الرقاق" ٦٤٤٢ (أحمد) في "مسند المكثرين" ٣٦١٩. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان كراهة تأخير الوصيّة. (ومنها): الحثّ على المبادرة في فعل الخير قبل ذوات أوانه. (ومنها): أن ما يفعله الإنسان في حياته من الإنفاق في وجوه الخير هو الذي يناله في الآخرة؛ لأنه من خالص ملكه. (ومنها): أن ما يجمعه الإنسان من المال، ويتركه للورثة، ليس له به أجرٌ، وإن أنفقه وارثه في وجوه الخير؛ لأنه ملكه، وليس ملكًا لمكتسبه، ولا ينافي هذا ما في حديث سعد بن أبي وقّاص - رضي اللَّه تعالى عنه - الآتي، حيث قاله النبيّ ﷺ : "إنك أن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تتركهم عالةً، يتكفّفون الناس … "؛ لأن سعدًا أراد أن يتصدّق بماله كلّه في مرضه، وكان وارثه بنتًا، ولا طاقة لها على

стр. 14942

الكسب، فأمره أن يتصدّق بثلثه، ويكون باقيه لابنته، وحديث الباب إنما خاطب به أصحابه الذين هم في صحّتهم، فحرّضهم على تقديم مالهم لينفعهم يوم القيامة؛ لأنهم إن تركوا ذلك، فسوف ينتقل إلى غيرهم، ويُحرمون الأجر الكثير. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٦٤٠ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ, قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى, قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ, عَنْ قَتَادَةَ, عَنْ مُطَرِّفٍ, عَنْ أَبِيهِ, عَنِ النَّبِيِّ ﷺ , قَالَ: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (١) حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾ [التكاثر: ١ - ٢] , قَالَ: يَقُولُ ابْنُ آدَمَ: مَالِي, مَالِي, وَإِنَّمَا مَالُكَ مَا أَكَلْتَ فَأَفْنَيْتَ, أَوْ لَبِسْتَ فَأَبْلَيْتَ, أَوْ تَصَدَّقْتَ فَأَمْضَيْتَ»). رجال هذا الإسناد: سنّة: ١ - (عمرو بن علي) الفلاّس الصيرفي، أبو حفص البصريّ، ثقة حافظ [١٠] ٤/ ٤. ٢ - (يحيى) بن سعيد بن فرّوخ القطّان البصريّ الإمام الحجة الثبت [٩] ٤/ ٤. ٣ - (شعبة) بن الحجاج الإمام الحجة المشهور [٧] ٢٤/ ٢٧. ٤ - (قتادة) بن دعامة السدوسي البصريّ، ثقة ثبت، يدلس [٤] ٣٠/ ٣٤. ٥ - ((مُطَرِّفُ) بن عبد اللَّه العامريّ الْحَرَشيّ -بفتحتين- أبي عبد اللَّه البصريّ، ثقة عابد فاضل، مات سنة (٩٥ هـ) [٢] ٥٣/ ٦٧. ٦ - (أبوه) هو عبد اللَّه بن الشَّخِّير -بكسر الشين، وتشديد الخاء المعجمتين- ابن عوف صحابي، من مسلمة الفتح - رضي اللَّه تعالى عنه - ٣٤/ ٧٢٧. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ، والابن عن أبيه (ومنها): أن صحابيه من المقلّين من الرواية، إذ ليس له في الكتب الستة إلا نحو تسعة أحاديث. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ مُطَرَّفِ) بن عبد اللَّه (عَنْ أَبِيهِ) عبد اللَّه بن الشِّخِّير - رضي اللَّه تعالى عنه - (عَنِ النَّبِيّ ﷺ ، قَالَ: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (١) حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾ [التكاثر: ١ - ٢] وفي رواية المصنّف في "التفسير" من "الكبرى" من طريق غيلان بن جرير، عن مطرّف، عن أبيه، قال: " جئت النبيّ ﷺ ، وهو يقول: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾ حتّى ختمها". فقوله: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾ يعني شغلكم الإكثار من الدنيا، ومن الالتفات إليها عما

стр. 14943

هو الأولى بكم، من الاستعداد للآخرة، وهذا الخطاب للجمهور، إذ جنس الإنسان على ذلك مفطور، كما قال تعالى: ﴿كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ (٢٠) وَتَذَرُونَ الْآخِرَةَ﴾ [القيامة: ٢٠، ٢١] وكما قال: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ﴾ الآية [آل عمران: ١٤] (١). وقوله: ﴿حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾ أي حتّى أتاكم الموت، فصرتم في المقابر زُوّارًا، ترجعون منها كرجوع الزائر إلى منزله من جنّة، أو نار. يقال لمن مات: قد زار قبره. وقيل: أي ألهاكم التكاثر حتى عددتم الأموات. وقيل: هذا وعيد، أي اشتغلتم بمفاخرة الدنيا، حتى تزوروا القبور، فتروا ما يحلّ بكم من عذاب اللَّه (٢). (قَالَ: يَقُولُ ابْنُ آدَمَ) أراد النبيّ ﷺ بهذا تفسير هذه الآية الكريمة، فبيّن أن المراد بالتكاثر هو التكاثر في الأموال، وللمفسّرين أقوال في معناها، ولكن هذا التفسير هو الصواب المقدّم على غيره؛ لأن اللَّه تعالى جعل بيان كتابه إليه ﷺ ، حيث قال: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ الآية [النحل: ٤٤]. وفي "صحيح البخاريّ" من طريق ابن شهاب، قال: أخبرني أنس بن مالك، أن رسول اللَّه ﷺ قال: "لو أن لابن آدم واديا من ذهب، أحب أن يكون له واديان، ولن يملأ فاه إلا التراب، ويتوب اللَّه على من تاب". قال: وقال لنا أبو الوليد، حدثنا حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس، عن أُبَيّ، قال: كنا نَرَى هذا من القرآن، حتى نزلت. ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾. قال ابن العربيّ: وهذا نصّ صحيح مَلِيحٌ، غاب عن أهل التفسير، فجهِلُوا، وجَهُّلُوا، والحمد للَّه على المعرفة. (مَالي، مَالِي) أي يغترّ بنسبة المال إليه، وكونه في يديه، حتّى ربّما يعجب به، ويفخر به، ولعلّه ممن تعب هو في جمعه، ويصل غيرُه إلى نفعه، ثم أخبر ﷺ بالأوجه التي ينتفع فيها صاحب المال بماله، وافتتح الكلام بـ "إنما" التي هي للتحقيق، والحصر، فقال (وَإِنَّمَا مَالُكَ) هذا خطاب لكلّ يصلح له الخطاب (مَا أَكَلْتَ فَأَفْنَيْتَ، أَوْ لَبِسْتَ فَأَبْلَيْتَ) إنكار منه ﷺ على ابن آدم بأن ماله هو ما انتفع به في الدنيا بالأكل، أو اللبس، أو في الآخرة بالتصدّق، وأشار بقوله: "فأفنيت"، "فأبليت" إلى أن ما أكل، أو لبس، فهو قليل الجدوى، لا يرجع إلى عاقبة. قاله السنديّ (أَوْ تَصَدَّقْتَ فَأَمْضَيْتَ) أي أردت التصدّق، فأمضيتَ ذلك، أو تصدّقت، فقدّمت لآخرتك. وفي حديث أبي هريرة - رضي

стр. 14944

اللَّه تعالى عنه عند مسلم: أن رسول اللَّه ﷺ قال: "يقول العبد: مالي، مالي، إنما ماله ثلاث: ما أكل فأفنى، أو لبس فابلى، أو أعطى فاقتنى (١)، وما سوى ذلك، فهو ذاهب، وتاركه للناس". واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث عبد اللَّه بن الشِّخِّير - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا أخرجه مسلم. (المسألة الثانية): في مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا- أخرجه هنا- ١/ ٣٦٤٠ - وفي "الكبرى" ١/ ٦٤٤٠ و"التفسير" ١١٦٩٦. وأخرجه (م) في "الزهد والرقائق" ٢٩٥٨ (ت) في "الزهد" ٢٣٤٢ و"التفسير" ٢٣٥٤ (أحمد) في "مسند المدنيين" ١٥٨٧٠ و ١٥٨٨٧. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان كراهة تأخير الوصيّة، ووجه الاستدلال به، أنه لما ذمّ اللَّه تعالى في هذه الآية التفاخر بالأموال حتى يأتيه الموت، عرفنا أنه لا يجوز تأخير ما يتعلّق بالمال من الحقوق، الواجبة، أو المستحبّة، بل ينبغي المبادرة إلى إيصالها إلى مستحقها، قبل ذوات الأوان. (ومنها): أن السنّة هي المبيّنة للمراد من مجمل الكتاب، فإذا كان هناك آراء لأهل العلم في معنى آية، ننظر فيما وردت به السنة القوليّة، أو الفعليّة، فنقدّمه على سائر محتمل الكلام؛ لأن اللَّه تعالى جعل بيان كتابه إلى رسوله صلّى اللَّه وسلم. (ومنها): أن مال الإنسان الحقيقيّ هو الذي انتفع به في حياته، إما بما يعود نفعه إليه حالاً، كالأكل، والشرب، واللباس، أو مآلاً، كالتصدّق به، وصلة الرحم، وسائر وجوه البرّ، وأما ما عدا ذلك، فهو لورثته، لا يناله منه شيء، بل إنما يلحقه تبعاته، فيحاسب إن كان حلالاً، من أين اكتسبه، وفيمن أنفقه، ويعاقب إن كان حرامًا، فالواجب على العاقل أن يتنبّه لهذه الدقائق، فإن الندم بعد ذوات الأوان هو عين الخسران. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٦٤١ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ, قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ, قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا إِسْحَاقَ, سَمِعَ أَبَا حَبِيبَةَ الطَّائِي, قَالَ: أَوْصَى رَجُلٌ بِدَنَانِيرَ, فِي سَبِيلِ اللهِ,

стр. 14945

فَسُئِلَ أَبُو الدَّرْدَاءِ؟ , فَحَدَّثَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ , قَالَ: «مَثَلُ الَّذِي يَعْتِقُ, أَوْ يَتَصَدَّقُ عِنْدَ مَوْتِهِ, مَثَلُ الَّذِي يُهْدِى بَعْدَ مَا يَشْبَعُ»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (محمد بن بشّار) أبو بكر بندار البصريّ، ثقة حافظ [١٠] ٢٤/ ٢٧. ٢ - (محمد) بن جعفر غندر، أبو عبد اللَّه البصري، ثقة، صحيح الكتاب [٩] ٢١/ ٢٢. ٣ - (شعبة) الإمام المذكور في السند السابق. ٤ - (أبو إسحاق) عمرو بن عبد اللَّه السبيعي الكوفي، ثقة عابد اختلط بآخره [٣] ٣٨/ ٤٢. ٥ - (أبو حبيبة الطائيّ) مقبول [٣]. روى عن أبي الدرداء - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا الحديث، وعنه أبو إسحاق السبيعيّ، ولا يعرف له غير هذا الحديث. وذكره ابن حبّان في "الثقات". روى له المصنّف، وأبو داود، والترمذيّ هذا الحديث فقط. ٦ - (أبو الدرداء) عويمر بن زيد بن قيس الأنصاريّ الصحابيّ الشهير، وقيل في اسمه واسم أبيه غير ذلك، شهد أحدًا، وما بعدها، مات في آخر خلافة عثمان - رضي اللَّه تعالى عنهما -، وقيل: عاش بعد ذلك، تقدّمت ترجمته في ٤٨/ ٨٤٧. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث عن شعبة بن الحجّاج، أنه قال (سَمِعْتُ أَبَا إِسْحَاقَ) عمرو بن عبد اللَّه الهمدانيّ السَّبِيعيّ الكوفيّ، وقوله (سَمِعَ) جملة في محلّ نصب على الحال من المفعول، أي والحال أن أبا إسحاق سمع (أَبَا حَبِيبَةَ الطَّائِيَّ) لا يعرف اسمه، ولا عينه، إذ لم يرو عنه غير أبي إسحاق (قَالَ: أَوْصَى رَجُلٌ بِدَنَانِيرَ، فِي سَبِيلِ اللهِ) يعني أنه أوصى بها في حال موته، كما يرشد إلى ذلك قوله (فَسُئِلَ أَبُو الدَّرْدَاءِ) - رضي اللَّه تعالى عنه -. ولفظ الترمذيّ، من طريق سفيان الثوريّ، عن أبي إسحاق، عن أبي حبيبة الطائي، قال: أوصى إلى أخي بطائفة من ماله، فلقيت أبا الدرداء، فقلت: إن أخي أوصى إلى بطائفة من ماله، فأين ترى لي وضعه، في الفقراء، أو المساكين، أو المجاهدين في سبيل اللَّه، فقال: أما أنا فلو كنت، لم أعدل بالمجاهدين، سمعت رسول اللَّه ﷺ -

стр. 14946

يقول: "مثل الذي يُعتق عند الموت، كمثل الذي يُهدي إذا شبع". قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح. (فَحَدَّثَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ) ﷺ (مَثَلُ الَّذِي يُعْتِقُ) بضمّ أوله، من الإعتاق، أي يحرّر عبده (أَوْ يَتَصَدَّقُ) بماله على الفقراء والمساكين (عِنْدَ مَوْتِهِ، مَثَلُ الَّذِي يُهْدِي) بضمّ أوله، من الإهداء، لا من الهدي (بَعْدَمَا يَشْبَعُ) يعني أنه مثل الذي يُعطي بعد ما قضى حاجته، وهو قليل الجدوى، ولا يعتاده إلا دنيء الهمّة. وإنما مثّل بذلك؛ لأن الثاني أشهر، وإلا فالعكس أولى؛ فإن الذي شبع ربّما يتوقّع حاجته إلى ذلك الشيء، بخلاف الذي يُعتق، أو يتصدّق عند موته، إلا أن يقال: قد لا يصير عند موته، فيحتاج إلى ذلك الشيء، فلذلك يُعدّ إعتاقه، وتصدّقه فضيلة ما، لكن هذا إذا لم يكن بطريق الوصيّة. قاله السنديّ. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث. (المسألة الأولى): في درجته: حديث أبي الدرداء - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا حسنٌ (١). [تنبيه]: هذا الحديث اختلف العلماء في درجته، فقال الترمذيّ: حديث حسنٌ صحيح، وصححه ابن حبّان، وقال الحافظ في "الفتح": إسناده حسنٌ، وضعفه الشيخ الألبانيّ؛ لجهالة أبي حبيبة الطائيّ. والذي عندي أن الحديث حسنٌ، وأما تصحيحه, أو تحسين إسناده ففيه بعد؛ لأن أبا حبيبة الطائيّ مجهول، لم يرو عنه غير أبي إسحاق السبيعيّ، وقال عنه في التقريب: مقبول، يعني أنه يحتاج إلى متابع. وأما تضعيف الحديث مطلقًا فبعيد أيضًا؛ لأنه تشهد له أحاديث الباب، كحديث أبي هريرة - رضي اللَّه تعالى عنه - المتقدّم، وفيه: "لا تمهل حتى إذا بلغت الحلقوم، قلت: لفلان كذا، وقد كان لفلان". والحاصل أن الحديث حسنٌ بما ذُكر. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب.

стр. 14947

(المسألة الثانية): في مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا- ١/ ٣٦٤١ - وفي "الكبرى" ١/ ٦٤٤١. وأخرجه (د) في "العتق" ٣٩٦٨ (ت) في "الوصايا" ٢١٢٣ (أحمد) في "مسند الأنصار" ٢١٢١١ و ٢١٢١٢ و ٢٦٩٨٥ (الدارمي) في "الوصايا" ٣٢٢٦. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو كراهية تأخير الوصيّة. (ومنها): الحثّ على الصدقة وأفعال البرّ في حال حاجة الإنسان إلى ماله، وهو حال الصحّة، وذمّ تأخيرها إلى حالي استغنائه عنها بالمرض والموت. (ومنها): ضرب المثل لأجل توضيح المسألة. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٦٤٢ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا الْفُضَيْلُ, عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ, عَنْ نَافِعٍ, عَنِ ابْنِ عُمَرَ, قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَا حَقُّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ, لَهُ شَيْءٌ يُوصَى فِيهِ, أَنْ يَبِيتَ لَيْلَتَيْنِ, إِلاَّ وَوَصِيَّتُهُ مَكْتُوبَةٌ عِنْدَهُ»). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (قتيبة بن سعيد) الثقفي البغلانيّ، ثقة ثبت [١٠] ١/ ١. ٢ - (الفضيل) بن عياض بن مسعود اليربوعيّ، أبو عليّ الزاهد الثقة العابد المشهور المكيّ، خراساني الأصل [٨] ٢١/ ٣٨٨. ٣ - (عبيد اللَّه) بن عمر العمريّ المدنيّ الفقيه الحجة الثبت [٥] ١٥/ ١٥. ٤ - (نافع) مولى ابن عمر المدنيّ الثقة الثبت الفقيه [٣] ١٢/ ١٢. ٥ - (ابن عمر) عبد اللَّه - رضي اللَّه تعالى عنهما - ١٢/ ١٢. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-- (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين من عبيد اللَّه، وشيخه بغلاني، والفضيل مكي. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ. (ومنها): أن فيه ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما - من المكثرين السبعة، والعبادلة الأربعة. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ) - رضي اللَّه تعالى عنهما -، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَا

стр. 14948

حَقُّ امْرِيء) أي ما اللائق به. قال الحافظ وليّ الدين: التعبير بامرىء خرج مخرج الغالب، فلا فرق في صحّة الوصيّة بين الرجل والمرأة، وسواء كانت متزوّجة، أو غير متزوّجة، أذن لها زوجها، أو لم يأذن لها، ولو كانت بكرًا، ولم يأذن أبوها لا يختلف الحكم بذلك، فإنه تحصيل قربة أخرويّة عند انقضاء العمر في قدر مأذون فيه شرعًا. واللَّه أعلم انتهى (١). (مُسْلِمٍ) قال في "الفتح": كذا في أكثر الروايات، وسقط لفظ "مسلم" من رواية أحمد، عن إسحاق بن عيسى، عن مالك. والوصف بالمسلم خرج مخرج الغالب، فلا مفهوم له، أو ذُكر للتهييج؛ لتقع المبادرة لامتثاله؛ لما يشعر به من نفي الإسلام عن تارك ذلك، ووصية الكافر جائزة في الجملة. وحكى ابن المنذر فيه الإجماع، وقد بحث فيه السبكيّ من جهة أن الوصيّة شُرعت زيادةً في العمل الصالح، والكافر لا عمل له بعد الموت. وأجاب بأنهم نظروا إلى أن الوصيّة كالإعتاق، وهو يصحّ من الذّمّيّ، والحربّي. انتهى (٢). (لَهُ شَئٌ يُوصَى فِيهِ) صفة "شيء": أي يصلح أن يوصي فيه، ويلزمه أن يوصي فيه. قال ابن عبد البرّ: لم يختلف الرواة عن مالك (٣) في هذا اللفظ، ورواه أيوب، عن نافع بلفظ: "له شيء يريد أن يوصي فيه". ورواه عبيد اللَّه بن عمر، عن نافع مثل أيوب (٤)، أخرجهما مسلم. ورواه أحمد، عن سفيان، عن أيوب، بلفظ: "حقٌّ على كلّ مسلم أن لا يبيت ليلتين، وله ما يوصي فيه … " الحديث. ورواه الشافعيّ، عن سفيان بلفظ. "ما حقّ امرئ، يؤمن بالوصيّة … " الحديث. قال ابن عبد البرّ: فسّره ابن عُيينة: أي يؤمن بأنها حقّ انتهى. وأخرجه أبو عوانة من طريق هشام بن الغاز، عن نافع، بلفظ: "لا ينبغي لمسلم أن يبيت ليلتين … " الحديث. وذكره ابن عبد البرّ، عن سليمان بن موسى، عن نافع مثله. وأخرجه الطبرانيّ من طريق الحسن، عن ابن عمر مثله. وأخرجه الإسماعيليّ من طريق رَوْح بن عُبادة، عن مالك، وابن عون جميعًا عن نافع، بلفظ: "ما حقّ امرئ مسلم له مالٌ، يريد أن يوصي فيه". وذكره ابن عبد البرّ من طريق ابن عون بلفظ: "لا يحلّ لامرىء مسلم، له مالٌ"، وأخرجه الطحاويّ أيضًا، وقد

стр. 14949

أخرجه النسائيّ من هذا الوجه، ولم يَسُق لفظه (١). قال أبو عمر: لم يُتابع ابن عون على هذه اللفظة. قال الحافظ: إن عني عن نافع بلفظها، فمسلّمٌ، ولكن المعنى يمكن أن يكون متّحدًا، كما سيأتي. وإن عني عن ابن عمر، فمردود؛ لما سيأتي قريبًا ذكر من رواه عن ابن عمر أيضًا بهذا اللفظ. قال ابن عبد البرّ: قوله: "له مالٌ" أولى عندي من قول من روى "له شيء"؛ لأن الشيء يُطلق على القليل والكثير، بخلاف المال. قال الحافظ: كذا قال، وهي دعوى لا دليل عليها، وعلى تسليمها، فرواية "شيء" أشمل؛ لأنها تعمّ ما يُتموّل، وما لا يُتموّل، كالمختصّات. واللَّه أعلم. وقال أبو العبّاس القرطبيّ: قوله: "له شيء يوصي فيه" عامّ في الأموال، والبنين الصغار، والحقوق التي له، وعليه كلها، من ديون، وكفّارات، وزكوات فرّط فيها، فإذا وصّى بذلك أخرجت الديون من رأس المال، والكفّارات، والزكوات من ثلثه، على تفصيل يُعرف في الفقه. انتهى (٢). (أَنْ يَبِيتَ) في تأويل المصدر خبر "ما حقُّ". ومتعلّق "يبيت" محذوف، تقديره: آمنًا، أو ذاكرًا. وقدّره ابن التين: موعوكًا، والأول أولى؛ لأن استحباب الوصيّة لا يختصّ بالمريض، نعم قال العلماء: لا يُندب أن يكتب جميع الأشياء المحقّرة، ولا ما جرت العادة بالخروج منه، والوفاء له عن قرب. واللَّه تعالى أعلم. ((لَيْلَتَيْنِ) كذا لأكثر الرواة، ولأبي عوانة، والبيهقيّ من طريق حمّاد بن زيد، عن أيوب: "يبيت ليلةً أو ليلتين"، ولمسلم، والنسائيّ (٣) من طريق الزهريّ، عن سالم، عن أبيه: "يبيت ثلاث ليال". وكأنّ ذكر الليلتين، والثلاث لرفع الحرج لتزاحم أشغال المرء التي يحتاج إلى ذكرها، ففسح له هذا القدر؛ ليتذكّر ما يحتاج إليه، واختلاف الروايات فيه دالّ على أنه للتقريب، لا للتحدي، والمعنى: لا يمضي عليه زمان، وإن كان قليلاً، إلا ووصيّته مكتوبة. وفيه إشارة إلى اغتفار الزمن اليسير، وكأن الثلاث غاية للتأخير، ولذلك قال ابن عمر في رواية سالم عند مسلم: "لم أَبِتْ ليلةً منذ سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول ذلك، إلا ووصيتي عندي". وسيأتي بنحوه للمصنّف برقم ٣٦٤٥. قال الطيبيّ: في تخصيص الليلتين والثلاث بالذكر تسامح في إرادة المبالغة، أي لا ينبغي

стр. 14950

أن يبيت زمانًا ما، وقد سامحناه في الليلتين والثلاث، فلا ينبغي له أن يتجاوز ذلك. وقال القرطبيّ: المقصود بذكر الليلتين، أو الثلاث التقريب، وتقليل مدّة ترك كَتْب الوصيّة، ولذلك لما سمعه ابن عمر لم يبت ليلة إلا بعد أن كتب وصيّة، والحزم المبادرة إلى كتبها أوّلَ أوقات الإمكان؛ لإمكان بغتة الموت التي لا يأمنها العاقل ساعة. ويحتمل أن يكون إنما خصّ الليلتين بالذكر فسحة لمن يحتاج إلى أن ينظر فيما له، وما عليه، فيتحقّق بذلك، وُيرَوَّى فيها ما يوصى به، ولمن يوصي إلى غير ذلك. انتهى (١). (إِلاَّ وَوَصِيَّتُهُ مَكْتُوبَةٌ عِنْدَهُ) جملة حالية مستثناة من أعمّ الأحوال، أي ليس حقّه البيتوتة في حال من الأحوال، إلا في حال كون الوصيّة مكتوبة عنده. والكتابة أعمّ من أن تكون بخطّه، أو بخطّ غيره. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا- ١/ ٣٦٤٢ و ٣٦٤٣ و ٣٦٤٤ و ٣٦٤٥ و ٣٦٤٦ - وفي "الكبرى" ١/ ٦٤٤٢ و ٦٤٤٣ و ٦٤٤٤ و ٦٤٤٥ و ٦٤٤٦. وأخرجه (خ) في "الوصايا" ٢٧٣٨ (م) في "الوصية" ١٦٢٧ (د) في "الوصايا" ٢٨٦٢ (ت) في "الجنائز" ٩٧٤ و"الوصايا" ٢١٢٨ (ق) في "الوصايا" ٢٦٩٩ (أحمد) في "مسند المكثرين" ٤٤٥٥ و ٤٥٦٤ و ٤٨٨٤ و ٥٠٩٧ و ٥١٧٥ (الموطأ) في "الأقضية" ١٤٩٢ و"الوصايا" ٣١٧٥ (الدارمي) في "الوصايا" ٣٠٤٦. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان كراهة تأخير الوصيّة. (ومنها): الحضّ على الوصيّة، ومطلقها يتناول الصحيح، لكن السلف خصّوها بالمريض، وإنما لم يقيّد به في الخبر؛ لاطراد العادة به. (ومنها): أنه يُستفاد منه أن الأشياء المهمّة ينبغي أن تضبط بالكتابة؛ لأنها أثبت من الضبط بالحفظ؛ لأنه يخون غالبًا. (ومنها): أنه استُدلّ بقوله: "مكتوبةٌ عنده" على جواز الاعتماد على الكتابة
следующие страницы →