← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 12888

ذخيرة العقبى في شرح المجتبى

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (19 271 стр.). Показаны 14946–14985 · переход к 14951.

стр. 14946

يقول: "مثل الذي يُعتق عند الموت، كمثل الذي يُهدي إذا شبع". قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح. (فَحَدَّثَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ) ﷺ (مَثَلُ الَّذِي يُعْتِقُ) بضمّ أوله، من الإعتاق، أي يحرّر عبده (أَوْ يَتَصَدَّقُ) بماله على الفقراء والمساكين (عِنْدَ مَوْتِهِ، مَثَلُ الَّذِي يُهْدِي) بضمّ أوله، من الإهداء، لا من الهدي (بَعْدَمَا يَشْبَعُ) يعني أنه مثل الذي يُعطي بعد ما قضى حاجته، وهو قليل الجدوى، ولا يعتاده إلا دنيء الهمّة. وإنما مثّل بذلك؛ لأن الثاني أشهر، وإلا فالعكس أولى؛ فإن الذي شبع ربّما يتوقّع حاجته إلى ذلك الشيء، بخلاف الذي يُعتق، أو يتصدّق عند موته، إلا أن يقال: قد لا يصير عند موته، فيحتاج إلى ذلك الشيء، فلذلك يُعدّ إعتاقه، وتصدّقه فضيلة ما، لكن هذا إذا لم يكن بطريق الوصيّة. قاله السنديّ. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث. (المسألة الأولى): في درجته: حديث أبي الدرداء - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا حسنٌ (١). [تنبيه]: هذا الحديث اختلف العلماء في درجته، فقال الترمذيّ: حديث حسنٌ صحيح، وصححه ابن حبّان، وقال الحافظ في "الفتح": إسناده حسنٌ، وضعفه الشيخ الألبانيّ؛ لجهالة أبي حبيبة الطائيّ. والذي عندي أن الحديث حسنٌ، وأما تصحيحه, أو تحسين إسناده ففيه بعد؛ لأن أبا حبيبة الطائيّ مجهول، لم يرو عنه غير أبي إسحاق السبيعيّ، وقال عنه في التقريب: مقبول، يعني أنه يحتاج إلى متابع. وأما تضعيف الحديث مطلقًا فبعيد أيضًا؛ لأنه تشهد له أحاديث الباب، كحديث أبي هريرة - رضي اللَّه تعالى عنه - المتقدّم، وفيه: "لا تمهل حتى إذا بلغت الحلقوم، قلت: لفلان كذا، وقد كان لفلان". والحاصل أن الحديث حسنٌ بما ذُكر. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب.

стр. 14947

(المسألة الثانية): في مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا- ١/ ٣٦٤١ - وفي "الكبرى" ١/ ٦٤٤١. وأخرجه (د) في "العتق" ٣٩٦٨ (ت) في "الوصايا" ٢١٢٣ (أحمد) في "مسند الأنصار" ٢١٢١١ و ٢١٢١٢ و ٢٦٩٨٥ (الدارمي) في "الوصايا" ٣٢٢٦. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو كراهية تأخير الوصيّة. (ومنها): الحثّ على الصدقة وأفعال البرّ في حال حاجة الإنسان إلى ماله، وهو حال الصحّة، وذمّ تأخيرها إلى حالي استغنائه عنها بالمرض والموت. (ومنها): ضرب المثل لأجل توضيح المسألة. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٦٤٢ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا الْفُضَيْلُ, عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ, عَنْ نَافِعٍ, عَنِ ابْنِ عُمَرَ, قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَا حَقُّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ, لَهُ شَيْءٌ يُوصَى فِيهِ, أَنْ يَبِيتَ لَيْلَتَيْنِ, إِلاَّ وَوَصِيَّتُهُ مَكْتُوبَةٌ عِنْدَهُ»). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (قتيبة بن سعيد) الثقفي البغلانيّ، ثقة ثبت [١٠] ١/ ١. ٢ - (الفضيل) بن عياض بن مسعود اليربوعيّ، أبو عليّ الزاهد الثقة العابد المشهور المكيّ، خراساني الأصل [٨] ٢١/ ٣٨٨. ٣ - (عبيد اللَّه) بن عمر العمريّ المدنيّ الفقيه الحجة الثبت [٥] ١٥/ ١٥. ٤ - (نافع) مولى ابن عمر المدنيّ الثقة الثبت الفقيه [٣] ١٢/ ١٢. ٥ - (ابن عمر) عبد اللَّه - رضي اللَّه تعالى عنهما - ١٢/ ١٢. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-- (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين من عبيد اللَّه، وشيخه بغلاني، والفضيل مكي. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ. (ومنها): أن فيه ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما - من المكثرين السبعة، والعبادلة الأربعة. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ) - رضي اللَّه تعالى عنهما -، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَا

стр. 14948

حَقُّ امْرِيء) أي ما اللائق به. قال الحافظ وليّ الدين: التعبير بامرىء خرج مخرج الغالب، فلا فرق في صحّة الوصيّة بين الرجل والمرأة، وسواء كانت متزوّجة، أو غير متزوّجة، أذن لها زوجها، أو لم يأذن لها، ولو كانت بكرًا، ولم يأذن أبوها لا يختلف الحكم بذلك، فإنه تحصيل قربة أخرويّة عند انقضاء العمر في قدر مأذون فيه شرعًا. واللَّه أعلم انتهى (١). (مُسْلِمٍ) قال في "الفتح": كذا في أكثر الروايات، وسقط لفظ "مسلم" من رواية أحمد، عن إسحاق بن عيسى، عن مالك. والوصف بالمسلم خرج مخرج الغالب، فلا مفهوم له، أو ذُكر للتهييج؛ لتقع المبادرة لامتثاله؛ لما يشعر به من نفي الإسلام عن تارك ذلك، ووصية الكافر جائزة في الجملة. وحكى ابن المنذر فيه الإجماع، وقد بحث فيه السبكيّ من جهة أن الوصيّة شُرعت زيادةً في العمل الصالح، والكافر لا عمل له بعد الموت. وأجاب بأنهم نظروا إلى أن الوصيّة كالإعتاق، وهو يصحّ من الذّمّيّ، والحربّي. انتهى (٢). (لَهُ شَئٌ يُوصَى فِيهِ) صفة "شيء": أي يصلح أن يوصي فيه، ويلزمه أن يوصي فيه. قال ابن عبد البرّ: لم يختلف الرواة عن مالك (٣) في هذا اللفظ، ورواه أيوب، عن نافع بلفظ: "له شيء يريد أن يوصي فيه". ورواه عبيد اللَّه بن عمر، عن نافع مثل أيوب (٤)، أخرجهما مسلم. ورواه أحمد، عن سفيان، عن أيوب، بلفظ: "حقٌّ على كلّ مسلم أن لا يبيت ليلتين، وله ما يوصي فيه … " الحديث. ورواه الشافعيّ، عن سفيان بلفظ. "ما حقّ امرئ، يؤمن بالوصيّة … " الحديث. قال ابن عبد البرّ: فسّره ابن عُيينة: أي يؤمن بأنها حقّ انتهى. وأخرجه أبو عوانة من طريق هشام بن الغاز، عن نافع، بلفظ: "لا ينبغي لمسلم أن يبيت ليلتين … " الحديث. وذكره ابن عبد البرّ، عن سليمان بن موسى، عن نافع مثله. وأخرجه الطبرانيّ من طريق الحسن، عن ابن عمر مثله. وأخرجه الإسماعيليّ من طريق رَوْح بن عُبادة، عن مالك، وابن عون جميعًا عن نافع، بلفظ: "ما حقّ امرئ مسلم له مالٌ، يريد أن يوصي فيه". وذكره ابن عبد البرّ من طريق ابن عون بلفظ: "لا يحلّ لامرىء مسلم، له مالٌ"، وأخرجه الطحاويّ أيضًا، وقد

стр. 14949

أخرجه النسائيّ من هذا الوجه، ولم يَسُق لفظه (١). قال أبو عمر: لم يُتابع ابن عون على هذه اللفظة. قال الحافظ: إن عني عن نافع بلفظها، فمسلّمٌ، ولكن المعنى يمكن أن يكون متّحدًا، كما سيأتي. وإن عني عن ابن عمر، فمردود؛ لما سيأتي قريبًا ذكر من رواه عن ابن عمر أيضًا بهذا اللفظ. قال ابن عبد البرّ: قوله: "له مالٌ" أولى عندي من قول من روى "له شيء"؛ لأن الشيء يُطلق على القليل والكثير، بخلاف المال. قال الحافظ: كذا قال، وهي دعوى لا دليل عليها، وعلى تسليمها، فرواية "شيء" أشمل؛ لأنها تعمّ ما يُتموّل، وما لا يُتموّل، كالمختصّات. واللَّه أعلم. وقال أبو العبّاس القرطبيّ: قوله: "له شيء يوصي فيه" عامّ في الأموال، والبنين الصغار، والحقوق التي له، وعليه كلها، من ديون، وكفّارات، وزكوات فرّط فيها، فإذا وصّى بذلك أخرجت الديون من رأس المال، والكفّارات، والزكوات من ثلثه، على تفصيل يُعرف في الفقه. انتهى (٢). (أَنْ يَبِيتَ) في تأويل المصدر خبر "ما حقُّ". ومتعلّق "يبيت" محذوف، تقديره: آمنًا، أو ذاكرًا. وقدّره ابن التين: موعوكًا، والأول أولى؛ لأن استحباب الوصيّة لا يختصّ بالمريض، نعم قال العلماء: لا يُندب أن يكتب جميع الأشياء المحقّرة، ولا ما جرت العادة بالخروج منه، والوفاء له عن قرب. واللَّه تعالى أعلم. ((لَيْلَتَيْنِ) كذا لأكثر الرواة، ولأبي عوانة، والبيهقيّ من طريق حمّاد بن زيد، عن أيوب: "يبيت ليلةً أو ليلتين"، ولمسلم، والنسائيّ (٣) من طريق الزهريّ، عن سالم، عن أبيه: "يبيت ثلاث ليال". وكأنّ ذكر الليلتين، والثلاث لرفع الحرج لتزاحم أشغال المرء التي يحتاج إلى ذكرها، ففسح له هذا القدر؛ ليتذكّر ما يحتاج إليه، واختلاف الروايات فيه دالّ على أنه للتقريب، لا للتحدي، والمعنى: لا يمضي عليه زمان، وإن كان قليلاً، إلا ووصيّته مكتوبة. وفيه إشارة إلى اغتفار الزمن اليسير، وكأن الثلاث غاية للتأخير، ولذلك قال ابن عمر في رواية سالم عند مسلم: "لم أَبِتْ ليلةً منذ سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول ذلك، إلا ووصيتي عندي". وسيأتي بنحوه للمصنّف برقم ٣٦٤٥. قال الطيبيّ: في تخصيص الليلتين والثلاث بالذكر تسامح في إرادة المبالغة، أي لا ينبغي

стр. 14950

أن يبيت زمانًا ما، وقد سامحناه في الليلتين والثلاث، فلا ينبغي له أن يتجاوز ذلك. وقال القرطبيّ: المقصود بذكر الليلتين، أو الثلاث التقريب، وتقليل مدّة ترك كَتْب الوصيّة، ولذلك لما سمعه ابن عمر لم يبت ليلة إلا بعد أن كتب وصيّة، والحزم المبادرة إلى كتبها أوّلَ أوقات الإمكان؛ لإمكان بغتة الموت التي لا يأمنها العاقل ساعة. ويحتمل أن يكون إنما خصّ الليلتين بالذكر فسحة لمن يحتاج إلى أن ينظر فيما له، وما عليه، فيتحقّق بذلك، وُيرَوَّى فيها ما يوصى به، ولمن يوصي إلى غير ذلك. انتهى (١). (إِلاَّ وَوَصِيَّتُهُ مَكْتُوبَةٌ عِنْدَهُ) جملة حالية مستثناة من أعمّ الأحوال، أي ليس حقّه البيتوتة في حال من الأحوال، إلا في حال كون الوصيّة مكتوبة عنده. والكتابة أعمّ من أن تكون بخطّه، أو بخطّ غيره. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا- ١/ ٣٦٤٢ و ٣٦٤٣ و ٣٦٤٤ و ٣٦٤٥ و ٣٦٤٦ - وفي "الكبرى" ١/ ٦٤٤٢ و ٦٤٤٣ و ٦٤٤٤ و ٦٤٤٥ و ٦٤٤٦. وأخرجه (خ) في "الوصايا" ٢٧٣٨ (م) في "الوصية" ١٦٢٧ (د) في "الوصايا" ٢٨٦٢ (ت) في "الجنائز" ٩٧٤ و"الوصايا" ٢١٢٨ (ق) في "الوصايا" ٢٦٩٩ (أحمد) في "مسند المكثرين" ٤٤٥٥ و ٤٥٦٤ و ٤٨٨٤ و ٥٠٩٧ و ٥١٧٥ (الموطأ) في "الأقضية" ١٤٩٢ و"الوصايا" ٣١٧٥ (الدارمي) في "الوصايا" ٣٠٤٦. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان كراهة تأخير الوصيّة. (ومنها): الحضّ على الوصيّة، ومطلقها يتناول الصحيح، لكن السلف خصّوها بالمريض، وإنما لم يقيّد به في الخبر؛ لاطراد العادة به. (ومنها): أنه يُستفاد منه أن الأشياء المهمّة ينبغي أن تضبط بالكتابة؛ لأنها أثبت من الضبط بالحفظ؛ لأنه يخون غالبًا. (ومنها): أنه استُدلّ بقوله: "مكتوبةٌ عنده" على جواز الاعتماد على الكتابة

стр. 14951

والخطّ، ولو لم يقترن ذلك بالشهادة. وخصّ أحمد، ومحمد بن نصر من الشافعيّة ذلك بالوصيّة؛ لثبوت الخبر فيها دون غيرها من الأحكام. وأجاب الجمهور بأن الكتابة ذُكرت لما فيها من ضبط المشهود به، قالوا: ومعنى "وصيّته مكتوبة عنده" أي بشرطها. وقال المحبّ الطبريّ: إضمار الإشهاد فيه بُعْدٌ. وأجيب بأنهم استدلّوا على اشتراط الإشهاد بأمر خارج، كقوله تعالى: ﴿شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ﴾ الآية [المائدة: ١٠٦]، فإنه يدلّ على اعتبار الإشهاد في الوصيّة. وقال القرطبّي: ذكر الكتابة مبالغةٌ في زيادة التوثّق، وإلا فالوصيّة المشهود بها متّفقٌ عليها، ولو لم تكن مكتوبة. واللَّه تعالى أعلم. (ومنها): أنه استُدلّ بقوله أيضًا: "وصيته مكتوبة عنده" على أن الوصية تنفذ، وإن كانت عند صاحبها، ولم يجعلها عند غيره، وكذلك إن جعلها عند غيره، وارتجعها. (ومنها): أن فيه منقبةً لابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما -؛ لمبادرته لامتثال قول الشارع، ومواظبته عليه. (ومنها): أن فيه الندبَ إلى التأهّب للموت، والاحتراز قبل الفوت؛ لأن الإنسان لا يدري متى يفجؤه الموت؛ لأنه ما من سنّ يفرض إلا وقد مات فيه جمعٌ جمّ، وكلّ واحد بعينه جائزٌ أن يموت في الحال، فينبغي أن يكون متأهّبًا لذلك، فيكتب وصيّته، ويجمع فيها ما يحصل له به الأجر، ويُحبط عنه الوزر، من حقوق اللَّه تعالى، وحقوق عباده. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم الوصيّة: قال العلامة ابن قُدامة -رحمه اللَّه تعالى-: لا تجب الوصيّة إلا على من عليه دينٌ، أو عنده وديعةٌ، أو عليه واجبٌ يوصي بالخروج منه؛ فإن اللَّه تعالى فرض أداء الأمانات، وطريقه في هذا الباب الوصيّة، فتكون مفروضة عليه، فأما الوصيّة بجزء من ماله، فليست بواجبة على أحد، في قول الجمهور، وبذلك قال الشعبيّ، والنخعيّ، والثوريّ، ومالك، والشافعيّ، وأصحاب الرأي، وغيرهم. وقال ابن عبد البرّ: أجمعوا على أن الوصيّة غير واجبة، إلا على من عليه حقوق بغير بيّنة، وأمانة بغير إشهاد، إلا طائفة شذّت، فأوجبتها. روي عن الزهريّ أنه قال: جعل اللَّه الوصيّة حقًّا مما قلّ، أو كثُر. وقيل لأبي مِجْلَز: على كلّ ميت وصيّةٌ؟ قال: إن ترك خيرًا. وقال أبو بكر عبد العزيز: هي واجبةٌ للأقربين الذين لا يرثون. وهو قول داود. وحُكي ذلك عن مسروق، وطاوس، وإياس، وقتادة، وابن جرير. واحتجّوا بالآية، وخبر ابن عمر، وقالوا: نُسخت الوصيّة للوالدين والأقربين الوارثين، وبقيت فيمن لا يرث من الأقربين. واحتجّ الأولون بأن أكثر أصحاب رسول اللَّه ﷺ لم يُنقل عنهم وصيّةٌ، ولم يُنقل لذلك

стр. 14952

نكير، ولو كانت واجبةً لم يُخلّوا بذلك، ولنُقِل عنهم نقلاً ظاهرًا. انتهى المقصود من كلام ابن قدامة -رحمه اللَّه تعالى- (١). وقال في "الفتح": واستدلّ بحديث ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما - المذكور في الباب مع ظاهر آية: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ﴾ الآية [البقرة: ١٨] على وجوب الوصيّة، وبه قال الزهريّ، وأبو مِجْلّز، وعطاء، وطلحة بن مصرّف في آخرين، وحكاه البيهقيّ عن الشافعيّ في القديم، وبه قال إسحاق، وداود، واختاره أبو عوانة الإسفراينيّ، وابن جرير، وآخرون. ونسب ابن عبد البرّ القول بعدم الوجوب إلى الإجماع، سوى من شذّ. كذا قال. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قوله: "كذا قال" إشارة من صاحب "الفتح" إلى الاعتراض على ابن عبد البرّ في دعواه الإجماع، وهو حقيقٌ بالاعتراض عليه، كيف يدّعي الإجماع، وقد سبق قول كثير من أهل العلم به، إن هذا لهو العجب. واللَّه تعالى أعلم. قال: واستُدلّ لعدم الوجوب من حيث المعنى؛ لأنه لو لم يوص لقُسم جميع ماله بين ورثته بالإجماع، فلو كانت الوصيّة واجبة لأخرج من ماله سهم ينوب عن الوصيّة. وأجابوا عن الآية بأنها منسوخة، كما قال ابن عبّاس - رضي اللَّه تعالى عنهما -: "كان المال للولد، وكانت الوصيّة للوالدين، فنسخ اللَّه من ذلك ما أحبّ، فجعل لكلّ واحد من الأبوين السدس، وجعل للمرأة الثمن والربع، وللزوج الشطر والربع" رواه البخاريّ. وأجاب من قال بالوجوب بأن الذي نسخ الوصيّة للوالدين والأقارب الذين يرثون، وأما الذي لا يرث، فليس في الآية، ولا في تفسير ابن عبّاس ما يقتضي النسخ في حقّه. وأجاب من قال بعدم الوجوب عن قوله في الحديث: "ما حقّ امرئ" بأن المراد الحزم والاحتياط؛ لأنه قد يفجؤه الموت، وهو على غير وصيّة، ولا ينبغي للمؤمن أن يغفل عن ذكر الموت والاستعداد له، وهذا عن الشافعيّ. وتال غيره: الحقّ لغةً الشيء الثابت، وُيطلق شرعًا على ما ثبت به الحكم، والحكم الثابت أعمّ من أن يكون واجبًا، أو مندوبًا، وقد يُطلق على المباح أيضًا، لكن بقلّة. قاله القرطبيّ. قال: فإن اقترن به "على"، أو نحوها، كان ظاهرًا في الوجوب، وإلا فهو على الاحتمال. وعلى هذا التقدير فلا حجة في هذا الحديث لمن قال بالوجوب، بل اقترن هذا الحقّ بما يدلّ على

стр. 14953

الندب، وهو تفويض الوصيّة إلى إرادة الموصي، حيث قال: "له شيء يريد أن يوصي فيه"، فلو كانت الوصيّة واجبة، لما علّقها بإرادته. وأما الجواب عن الرواية التي بلفظ "لا يحلّ" فلاحتمال أن يكون راويها ذكرها، وأراد بنفي الحلّ ثبوت الجواز بالمعنى الأعمّ الذي يدخل تحته الواجب، والمندوب، والمباح. واختلف القائلون بوجوب الوصيّة، فأكثرهم ذهب إلى وجوبها في الجملة، وعن طاوس، وقتادة، والحسن، وجابر بن زيد في آخرين: تجب للقرابة الذين لا يرثون خاصة. أخرجه ابن جرير وغيره عنهم، قالوا: فإن أوصى لغير قرابته لم تنفذ، ويردّ الثلث كلّه إلى قرابته، وهذا قول طاوس، وقال الحسن، وجابر بن زيد: ثلثا الثلث. وقال قتادة: ثلث الثلث. وأقوى ما يردّ على هؤلاء ما احتجّ به الشافعيّ من حديث عمران بن حُصين - رضي اللَّه تعالى عنهما - في قصّة الذي أعتق عند موته ستّة أعبد له، لم يكن له مالٌ غيرهم، فدعاهم النبيّ ﷺ ، فجزّأهم ستة أجزاء، فأعتق اثنين، وأرقّ أربعة. قال: فجعل عتقه في المرض وصيّةً، ولا يقال: لعلّهم كانوا أقارب المعتق؛ لأنا نقول: لم تكن عادة العرب أن تملك من بينها وبينه قرابة، وإنما تملك من لا قرابة له، أو كان من العجم، فلو كانت الوصية تبطل لغير القرابة لبطلت في هؤلاء. وهذا استدلالٌ قويّ. واللَّه أعلم. ونقل ابن المنذر عن أبي ثور أن المراد بوجوب الوصية في الآية والحديث، يختصّ بمن عليه حقّ شرعيّ، يَخشَى أن يضيع على صاحبه إن لم يوص به، كوديعة، ودين للَّه، أو لآدميّ، قال: ويدلّ على ذلك تقييده بقوله: "له شيء يريد أن يوصي فيه"؛ لأنه فيه إشارة إلى قدرته على تنجيزه، ولو كان مؤجّلاً، فإن أراد ذلك ساغ له، وإن أراد أن يوصي به ساغ له. وحاصله يرجع إلى قول الجمهور: إن الوصيّة غير واجبة لعينها، وإن الواجب لعينه الخروج من الحقوق الواجبة للغير، سواء كانت بتنجيز، أو وصيّة، ومحلّ وجوب الوصيّة إنما هو فيما إذا كان عاجزًا عن تنجيز ما عليه، وكان لم يعلم بذلك غيره، ممن يثبت الحقّ بشهادته، فأما إذا كان قادرًا، أو علم بها غيره، فلا وجوب. وعُرف من مجموع ما ذكرنا أن الوصيّة قد تكون واجبةً، وقد تكون مندوبةً فيمن رجا منها كثرة الأجر، ومكروهةً في عكسه، ومباحة فيمن استوى الأمران فيه، ومحرّمة فيما إذا كان فيها إضرارٌ، كما ثبت عن ابن عبّاس - رضي اللَّه تعالى عنهما -: "الأضرار في الوصيّة من الكبائر". رواه سعيد بن منصور موقوفًا بإسناد صحيح. ورواه النسائيّ،

стр. 14954

ورجاله ثقات. واحتجّ ابن بطّال تبعا لغيره بأن ابن عمر لم يوص، فلو كانت الوصيّة واجبةً لما تركها، وهو راوي الحديث. وتُعُقّب بأن ذلك إن ثبت عن ابن عمر، فالعبرة بما روى، لا بما رأى، على أن الثابت عنه في "صحيح مسلم"، كما تقدّم أنه قال: "لم أبت ليلةً إلا ووصيّتي مكتوبةٌ عندي". والذي احتجّ بأنه لم يوص اعتمد على ما رواه حماد بن زيد، عن أيوب، عن نافع، قال: "قيل لابن عمر في مرض موته: ألا توصي؟ قال: أما مالي، فاللَّه يعلم ما كنت أصنع فيه، وأما رِبَاعي، فلا أحبّ أن يُشارك ولدي فيها أحد". أخرجه ابن المنذر وغيره بإسناد صحيح. ويُجمع بينه وبين ما رواه مسلم بالحمل على أنه كان يكتب وصيّته، ويتعاهدها، ثم صار يُنجز ما كان يوصي به معلّقًا، وإليه الإشارة بقوله: فاللَّه يعلم ما كنت أصنع في مالي. ولعلّ الحامل له على ذلك حديثه الذي أخرجه البخاريّ من طريق الأعمش، قال: حدثني مجاهد، عن عبد اللَّه بن عمر ﵁، قال: أخذ رسول اللَّه ﷺ بمنكبي، فقال: "كن في الدنيا كأنك غريب، أو عابر سبيل"، وكان ابن عمر يقول: إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وإذا أصبحت، فلا تنتظر المساء، وخذ من صحتك لمرضك، ومن حياتك لموتك. فصار يُنجز ما يريد التصدّق به، فلم يَحتج إلى تعليق. وقد علّق البخاريّ في "الوصايا"، قال: "وجعل ابن عمر نصبيه من دار عمر سُكنى لذوي الحاجات من آل عبد اللَّه". وقد وصله ابن سعد بمعناه، وفيه. "أنه تصدّق بداره محبوسة، لا تباع، ولا توهب". فبهذا يحصل التوفيق. أفاده في "الفتح" (١). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قد تبيّن بما ذكر أن الأرجح هو ما ذهب إليه الجمهور من أن الوصيّة قد تكون واجبة، كالوصيّة بحقوق اللَّه تعالى الواجبة، وحقوق الآدميين، وقد تكون غير واجبة، فالأدلة التي تقتضي الوجوب تحمل على ما إذا كان عليه حقّ واجب، وبهذا تجتمع الأدلّة الواردة في هذا الباب. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، لراليه المرجع، والمآب. (المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في قدر المال الذي تشرع فيه الوصيّة: قال الحافظ وليّ الدين -رحمه اللَّه تعالى-: اختلف السلف في مقدار المال الذي تستحب فيه الوصيّة، أو تجب عند من أوجبها، فروي عن عليّ - رضي اللَّه تعالى عنه - أنه

стр. 14955

قال: ستمائة درهم، أو سبعمائة درهم ليس بمال، فيه وصيّة، وروي عنه أنه قال: ألف درهم مالٌ، فيه وصيّة. وقال ابن عبّاس: لا وصيّة في ثمانمائة درهم. وقالت عائشة في امرأة لها أربعة من الولد، ولها ثلاثة آلاف درهم: لا وصية في مالها. وقال إبراهيم النخعيّ: ألف درهم إلى خمسمائة درهم. وقال قتادة في قوله تعالى: ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْرًا﴾ الخير ألف، فما فوقها. وعن عليّ: من ترك مالاً يسيرًا، فليدعه لورثته، فهو أفضل. وعن عائشة فيمن ترك ثمانمائة لم يترك خيرًا، فلا يوصي، أو نحو هذا من القول. وحكى ابن حزم عن عائشة أنها قالت فيمن ترك أربعمائة دينار: ما في هذا فضل عن ولده. وقال أبو الفرج السرخسيّ من الشافعيّة: إن من قلّ ماله، وكثر عياله يستحبّ أن لا يفوّته عليهم بالوصيّة. والصحيح المعروف عند الشافعيّة استحباب الوصيّة لمن له مالّ مطلقًا انتهى كلام وليّ الدين -رحمه اللَّه تعالى- (١). وقال العلامة ابن قدامة بعد أن حكى نحو الخلاف المذكور: ما نصّه: والذي يَقْوَى عندي أنه متى كان المتروك لا يفضل عن غنى الورثة، فلا تستحبّ الوصيّة؛ لأن النبيّ ﷺ علّل المنع من الوصيّة بقوله: "أن تترك ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة"؟ ولأن إعطاء القريب المحتاج خير من إعطاء الأجنبيّ، فمتى لم يبلغ الميراث غناهم، كان تركه لهم كعطيّتهم إياه، فيكون ذلك أفضل من الوصيّة لغيرهم، فعند هذا يختلف الحال باختلاف الورثة في كثرتهم وقلّتهم، وغناهم، وحاجتهم، فلا يتقيّد بقدر من المال. واللَّه أعلم انتهى كلام ابن قُدامة -رحمه اللَّه تعالى- (٢). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الذي قاله ابن قُدامة -رحمه اللَّه تعالى- تفصيلٌ حسن جدًّا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٦٤٣ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ, قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ الْقَاسِمِ, عَنْ مَالِكٍ, عَنْ نَافِعٍ, عَنِ ابْنِ عُمَرَ, أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «مَا حَقُّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ, لَهُ شَيْءٌ يُوصَى فِيهِ, يَبِيتُ لَيْلَتَيْنِ, إِلاَّ وَوَصِيَّتُهُ مَكْتُوبَةٌ عِنْدَهُ»). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح،- وتقدّموا غير مرّة. و"محمد بن سلمة": هو المراديّ الجمليّ، أبو الحارث المصريّ الثقة، و"ابن القاسم": هو عبد الرحمن الْعُتقيّ المصريّ. وقوله: "يبيت ليلتين": أصله أن يبيت فيؤوّل بالمصدر، أي ما حقّه بيتوتة ليلتين، إلا

стр. 14956

بهذه الصفة، ويدلّ لك تصريحه بذلك في الرواية السابقة، وحذف "أن" ورفع الفعل قياس على الصحيح؛ لوقوعه في القرآن، كقوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ﴾ الآية [الروم: ٢٤]. والحديث متّفقٌ عليه، وقد سبق تمام البحث فيه في الذي قبله. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٦٤٤ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ بْنِ نُعَيْمٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا حِبَّانُ, قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ اللَّهِ, عَنِ ابْنِ عَوْنٍ, عَنْ نَافِعٍ, عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَوْلَهُ). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "محمد بن حاتم بن نُعيم": هو المروزيّ الثقة. و"حِبّان" -بكسر المهملة- ابن موسى، أبو محمد المروزيّ الثقة. و "عبد اللَّه". هو ابن المبارك. و"ابن عون": هو عبد اللَّه بن عون بن أرطبان. وقوله. "قوله" أي موقوفًا عليه، ولا يضرّ وقفه؛ لأن الأكثرين على رفعه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٦٤٥ - (أَخْبَرَنَا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى, قَالَ: أَنْبَأَنَا ابْنُ وَهْبٍ, قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ, عَنِ ابْنِ شِهَابٍ, قَالَ: فَإِنَّ سَالِمًا أَخْبَرَنِي, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ, أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مَا حَقُّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ, تَمُرُّ عَلَيْهِ ثَلَاثُ لَيَالٍ, إِلاَّ وَعِنْدَهُ وَصِيَّتُهُ» , قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: مَا مَرَّتْ عَلَيَّ مُنْذُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ , قَالَ ذَلِكَ: إِلاَّ وَعِنْدِي وَصِيَّتِي). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وقد تقدّموا غير مرّة. "يونس بن عبد الأعلى": هو الصدَفيّ المصريّ. و"يونس" الثاني: هو ابن يزيد الأيليّ. وقوله: "ما مرّت عليّ الخ" هكذا نسخ "المجتبى"، فيوهم أن فاعل "مرّت" ضمير "ثلاث ليال"، وليس كذلك؛ بل الصواب أنه سقط من النسخ لفظة "ليلةٌ"، وهو الفاعل، وقد وقع في "الكبرى" على الصواب، ولفظه: "ما مرّت عليّ ليلة الخ"، وهو الذي في "صحيح مسلم". فتنبّه. والحديث متّفقٌ عليه، وقد سبق تمام البحث فيه قريبًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٦٤٦ - (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ الْوَزِيرِ بْنِ سُلَيْمَانَ, قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ وَهْبٍ, قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ, وَعَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ, عَنِ ابْنِ شِهَابٍ, عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ, عَنْ أَبِيهِ, عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ: «مَا حَقُّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ, لَهُ شَيْءٌ, يُوصَى فِيهِ, فَيَبِيتُ ثَلَاثَ لَيَالٍ, إِلاَّ وَوَصِيَّتُهُ عِنْدَهُ مَكْتُوبَةٌ»).

стр. 14957

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "أحمد بن يحيى بن الوزير بن سليمان": هو التُّجِيبيّ، أبو عبد اللَّه المصريّ الثقة [١١] ٤٢/ ٢٦٩٠. وقوله: "فيبيت الخ" الظاهر أن الفاء زائدة، كما تقدّم تقريره. والحديث متّفقٌ عليه، كما سبق تمام البحث فيه قريبًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعتُ، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكّلتُ، وإليه أنيب". … ٢ - (هَلْ أَوْصَى النَّبِيُّ ﷺ -؟) ٣٦٤٧ - (أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مَسْعُودٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ, قَالَ: حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ مِغْوَلٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا طَلْحَةُ, قَالَ: سَأَلْتُ ابْنَ أَبِي أَوْفَى, أَوْصَى رَسُولُ اللهِ ﷺ ؟ , قَالَ: لَا, قُلْتُ: كَيْفَ كَتَبَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ الْوَصِيَّةَ؟ , قَالَ: أَوْصَى بِكِتَابِ اللَّهِ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (إسماعبل بن مسعود) الْجَحْدريّ، أبو مسعود البصريّ، ثقة [١٠] ٤٢/ ٤٧. ٢ - (خالد بن الحارث) الْهُجَيميّ، أبو عثمان البصريّ، ثقة ثبت [٨] ٤٢/ ٤٧. ٣ - (مالك بن مِغْول) -بكسر، فسكون- أبو عبد اللَّه الكوفيّ، ثقة ثبت، من كبار [٧] ٩٨/ ١٢٧. ٤ - (طلحة) بن مصرّف بن عمرو بن كعب اليماميّ الكوفيّ الثقة القارئ الفاضل [٥] ١٩١/ ٣٠٦. ٥ - (ابن أي أوفى) هو عبد اللَّه بن أبي أوفى علقمة بن خالد بن الحارث الأسلميّ الصحابيّ، شهد الحديبية، وعُمّر بعد النبيّ ﷺ دهرًا، ومات سنة (٨٧)، وهو آخر من مات من الصحابة - رضي اللَّه تعالى عنهم - بالكوفة. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه من أفراده. (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين، غير شيخه، وخالد، فبصريان. واللَّه تعالى أعلم.

стр. 14958

شرح الحديث عن طلحة بن مصرّف -رحمه اللَّه تعالى-، أنه (قال: سَأَلْتُ) عبد اللَّه (ابْنَ أَبِي أَوْفَى) - رضي اللَّه تعالى عنه - (أَوْصَى رَسُولُ اللهِ ﷺ ؟) بتقدير همزة الاستفهام، أي أأوصى رسول اللَّه ﷺ بشيء؟ (قَالَ) ابن أبي أوفى - رضي اللَّه تعالى عنه - (لَا) هكذا أطلق الجواب، وكأنه فهم أن السؤال وقع عن وصيّة خاصّة، فلذلك ساغ نفيها، لا أنه أراد نفي الوصية مطلقًا؛ لأنه أثبت بعد ذلك أنه أوصى بكتاب اللَّه. قاله في "الفتح" (١). (قُلْتُ: كَيْفَ كُتِبَ) بالبناء للمفعول، أي كيف أوجب اللَّه تعالى (عَلَى الْمُسْلِمِينَ الْوَصِيَّةُ؟) بالرفع على أنه نائب فاعل "كُتِبَ" ولفظ البخاريّ: "كيف كُتب على الناس الوصيّة؟، أو أمروا بالوصيّة؟ ". وهو شكّ من الراوي، هل قال: "كيف كُتب على الناس الوصيّة؟!، أو قال: كيف أُمروا بها؟. زاد البخاري في "فضائل القرآن" من "صحيحه": "ولم يوص". قال في "الفتح": وبذلك يتمّ الاعتراض، أي كيف يؤمر المسلمون بشيء، ولا يفعله النبيّ ﷺ ؟. قال النوويّ: لعلّ ابن أبي أوفى أراد لم يوص بثلث ماله؛ لأنه لم يترك بعده مالاً، وأما الأرض، فقد سبّلها في حياته، وأما السلاح، والبغلة، ونحو ذلك، فقد أخبر بأنها لا تورث عنه، بل جميع ما يخلفه صدقة، فلم يبق بعد ذلك ما يوصي به من الجهة المالية. وأما الوصايا بغير ذلك، فلم يرد ابن أبي أوفى - رضي اللَّه تعالى عنه - نفيها. ويحتمل أن يكون المنفيّ وصيّته إلى عليّ بالخلافة، كما وقع التصريح به في حديث عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - الآتي، ويؤيّده ما وقع في رواية الدارميّ، وابن ماجه، وأبي عوانة في آخر هذا الحديث: قال طلحة: فقال هُزَيل بن شُرَحْبيل: أبو بكر كان يتأمّر على وصيّ رسول اللَّه ﷺ ، ودّ أبو بكر أنه كان وجد عهدًا من رسول اللَّه ﷺ ، فخزم أنفه بخزام. وهُزيل هذا بالزاي مصغّرًا أحد كبار التابعين، ومن ثقات أهل الكوفة. فدلّ هذا على أنه كان في الحديث قرينة تُشعر بتخصيص السؤال بالوصيّه بالخلافة، ونحو ذلك، لا مطلق الوصيّة. وأخرج ابن حبّان الحديث من طريق ابن عُيينة، عن مالك بن مغول، بلفظ يزيل الإشكال، فقال: "سُئل ابن أبي أوفى، هل أوصى رسول اللَّه ﷺ ؟ قال: ما ترك شيئًا يوصي فيه، قيل: فكيف أُمر الناس بالوصية، ولم يوص؟ قال: أوصى بكتاب اللَّه". وقال القرطبيّ: استبعاد طلحة واضحٌ؛ لأنه أطلق، فلو أراد شيئًا بعينه لخصّه به،

стр. 14959

فاعترضه بأن اللَّه كتب على المسلمين الوصيّة، وأُمروا بها، فكيف لم يفعلها النبيّ ﷺ ؟ فأجابه بما يدلّ على أنه أطلق في موضع التقييد، قال: وهذا يُشعر بأن ابن أبي أوفى، وطلحة بن مصرّف كانا يعتقدان أن الوصيّة واجبة. كذا قال. قاله في "الفتح". (قَالَ: أَوْصَى بِكِتَابِ اللَّهِ) أي بالتمسّك به، والعمل بمقتضاه، ولعلّه أشار لقوله ﷺ : "تركتُ فيكم ما إن تمسّكتم به لم تضلّوا، كتاب اللَّه". وأما ما صحّ في مسلم وغيره أنه ﷺ "أوصى عند موته بثلاث: لا يَبقينّ بجزيرة العرب دينان"، وفي لفظ: "أخرجوا اليهود من جزيرة العرب"، وقوله: "أجيزوا الوفد بنحو ما كنت أُجيزهم به"، ولم يذكر الراوي الثالثة، وكذا ما ثبت في النسائيّ أنه ﷺ : "كان آخر ما تكلّم به الصلاة، وما ملكت أيمانكم"، وغير ذلك من الأحاديث التي يمكن حصرها بالتتبّع، فالظاهر أن ابن أبي أوفى لم يُرد نفيه، ولعلّه اقتصر على الوصيّة بكتاب اللَّه لكونه أعظم، وأهمّ، ولأن فيه تبيان كلّ شيء، إما بطريق النصّ، وإما بطريق الاستنباط، فإذا اتّبع الناس ما في كتاب اللَّه، عملوا بكلّ ما أمرهم النبيّ ﷺ به؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ الآية [الحشر: ٧]، أو يكون لم يَحْضُر شيئًا من الوصايا المذكورة، أو لم يستحضرها حال قوله. والأولى أنه إنما أراد بالنفي الوصيّة بالخلافة، أو بالمال، وساغ إطلاق النفي، أما في الأول، فبقرينة الحال، وأما في الثاني، فلأنه المتبادر عرفًا. وقد صحّ عن ابن عبّاس - رضي اللَّه تعالى عنهما - "أنه ﷺ لم يوص". أخرجه ابن أبي شيبة من طريق أرقم بن شُرَحبيل عنه، مع أن ابن عبّاس هو الذي روى حديث أنه ﷺ أوصى بثلاث، والجمع بينهما على ما تقدّم. وقال الكرمانيّ: قوله: "أوصى بكتاب اللَّه" الباء زائدة، أي أمر بذلك، وأطلق الوصيّة على سبيل المشاكلة، فلا منافاة بين النفي والإثبات. قال الحافظ: ولا يخفى بُعدُ ما قال، وتكلّفه، ثم قال الكرمانيّ: أو المنفيّة الوصيّة بالمال، أو الإمامة، والمثبت الوصيّة بكتاب اللَّه، أي بما في كتاب اللَّه أن يعمل به انتهى. قال الحافظ: وهذا الأخير هو المعتمد. انتهى (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته:

стр. 14960

حديث عبد اللَّه بن أبي أوفى - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا- ٢/ ٣٦٤٧ - وفي "الكبرى" ٢/ ٦٤٤٧. وأخرجه (خ) في "الوصايا" ٢٧٤٠ و "المغازي" ٤٤٦٠ و"فضائل القرآن" ٥٠٢٢ (م) في "الوصايا" ١٦٣٤ (ت) في "الوصايا" ٢١١٩ (ق) في "الوصايا" ٢٦٩٦ (أحمد) في "مسند الكوفيين" ١٨٦٤٤ و ١٨٦٥٦ و ١٨٩١٨ (الدارمي) في "الوصايا" ٣١٨٠. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان جواب من سأل بـ "هل أوصى النبيّ ﷺ ؟ ". (ومنها): بيان ما كان عليه النبيّ ﷺ من الإعراض عن الدنيا، بحيث إنه لم يترك شيئًا يوصي به، بل خرج فارغ القلب واليد منها. (ومنها): شدّة عنايته ﷺ بالتمسّك بكتاب اللَّه تعالى، بحيث إنه كان من أواخر ما أوصى به أمته. (ومنها): ما كان عليه السلف - رضي اللَّه تعالى عنهم - من البحث عن سنته ﷺ ، ولو في حال موته، حتى يستنّوا بها، ويحكّموها في جميع أحوالهم، محياهم، ومماتهم. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٦٤٨ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ, قَالَ: حَدَّثَنَا مُفَضَّلٌ, عَنِ الأَعْمَشِ, وَأَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ, وَأَحْمَدُ بْنُ حَرْبٍ, قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ, عَنِ الأَعْمَشِ, عَنْ شَقِيقٍ, عَنْ مَسْرُوقٍ, عَنْ عَائِشَةَ, قَالَتْ: "مَا تَرَكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ , دِينَارًا, وَلَا دِرْهَمًا, وَلَا شَاةً, وَلَا بَعِيرًا, وَلَا أَوْصَى بِشَيْءٍ"). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه أحمد ابن حرب، فإنه من أفراده، وهو ثقة. و"مفضّل": هو ابن مهَلْهَل السعديّ الكوفيّ الثقة الثبت النبيل العابد. و"أبو معاوية": هو محمد بن خازم الضرير. و"شقيق": هو ابن سلمة، أبو وائل. وقولها: "ولا أوصى بشيء" أي مما يتعلّق بالمال، أو بأمر الخلافة. وشرح الحديث تقدّم مستوفًى في شرح حديث عمرو بن الحارث - رضي اللَّه تعالى - عنه - في أول "كتاب الإحباس" ١/ ٣٦٢١. فِراجعه تستفد. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - هذا أخرجه مسلم.

стр. 14961

(المسألة الثانية): في مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه. أخرجه هنا-٢/-٣٦٤٨ و ٣٦٤٩ و٣٦٥٠ - وفي "الكبرى" ٢/ ٦٤٤٨ و٦٤٤٩ و٦٤٥٠. وأخرجه (م) في "الوصايا" ١٦٣٥ (د) في "الوصايا" ٢٨٦٣ (ق) في "الوصايا" ٢٦٩٥ (أحمد) في "باقي مسند الأنصار" ٢٣٦٥٦ و٢٤٥٣٢ و٢٤٩٩٢ و٢٥٠١١. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٦٤٩ - (أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ, حَدَّثَنَا مُصْعَبٌ, حَدَّثَنَا دَاوُدُ, عَنِ الأَعْمَشِ, عَنْ شَقِيقٍ, عَنْ مَسْرُوقٍ, عَنْ عَائِشَةَ, قَالَتْ: مَا تَرَكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ دِرْهَمًا, وَلَا دِينَارًا, وَلَا شَاةً, وَلَا بَعِيرًا, وَمَا أَوْصَى). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "مصعب": هو ابن الْمِقَدام الخَثعَمِيّ مولاهم، أبو عبد اللَّه الكوفيّ، صدوقٌ، له أوهام [٩] ٤٩/ ٢٧٢٠. و"داود": هو ابن نُصَير، أبو سليمان الطائيّ الكوفيّ الثقة الفقيه الزاهد [٨] ٧٤/ ١٠٠٣. والحديث أخرجه مسلم، كما سبق بيانه في الذي قبله. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٦٥٠ - (أَخْبَرَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْهُذَيْلِ, وَأَحْمَدُ بْنُ يُوسُفَ, قَالَا: حَدَّثَنَا عَاصِمُ بْنُ يُوسُفَ, قَالَ: حَدَّثَنَا حَسَنُ بْنُ عَيَّاشٍ, عَنِ الأَعْمَشِ, عَنْ إِبْرَاهِيمَ, عَنِ الأَسْوَدِ, عَنْ عَائِشَةَ, قَالَتْ: مَا تَرَكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ دِرْهَمًا, وَلَا دِينَارًا, وَلَا شَاةً, وَلَا بَعِيرًا, وَلَا أَوْصَى, لَمْ يَذْكُرْ جَعْفَرٌ دِينَارًا, وَلَا دِرْهَمًا). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: " جعفر بن محمد بن الْهُذَيل" الكوفيّ، أبو عبد اللَّه الْقَنّاد، ابن بنت أبي أُسامة، ثقة، صاحب حديث [١١]. قال النسائيّ: ثقة. وقال مسلمة بن قاسم: كوفيّ، صاحب حديث، كيّس. قال مطيق: مات سنة (٢٦٠)، تفرّد به المصنّف بحديثين: هذا الحديث، و-٢٢/ ٤١١٤ - حديث "من قُتل دون ماله فهو شهيد". و"أحمد بن يوسف" بن خالد الْمُهلّبيّ الأزديّ، أبو الحسن السُّلّميّ النيسابوريّ، المعروف بحمدان، حافظ ثقة [١١]. قال النسائيّ: ليس به بأس. وقال مرّة: صالح. وقال الدارقطنيّ: ثقة نَبيل. وقال الخليلي: ثقة مأمون. وقال مسلمة: لا بأس به. وذكره ابن حبّان في "الثقات"، وقال: كان راويًا لعبد الرزّاق، ثبتًا فيه. مات سنة (٢٦٤) وقيل: سنة (٢٦٣) وله إحدى

стр. 14962

وثمانون سنة. روى عنه الجماعة، سوى البخاريّ، والترمذىّ، وله عند المصنّف في هذا الكتاب حديث الباب فقط. و"عاصم بن يوسف": هو اليربوعيّ، أبو عمرو الخيّاط الكوفيّ، ثقة، من كبار [١٠] ٦٧/ ٢٣٢٢. و"حسن بن عيّاش": هو الأسديّ، أبو محمد الكوفيّ، أخو أبي بكر بن عيّاش المقرىءِ، صدوقٌ [٨] ١٤/ ١٣٩٠. وقوله: "لم يذكر جعفر الخ" يعني أن شيخه جعفرًا لم يذكر في روايته قولها: "دينارًا، ولا درهما"، وإنما ذكره شيخه أحمد بن يوسف. [تنبيه]: ذكر المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- في "الكبرى": ما نصّه: قال أبو عبد الرحمن: الصواب حديث أبي معاوية، ومفضل، وداود، وحديث ابن عيّاش لا نعلم أحدًا تابعه على قوله: "عن إبراهيم، عن الأسود". انتهى. يعني أن أصحاب الأعمش اختلفوا عليه في هذا الحديث، فرواه أبو معاوية، ومفضّل ابن مهلهل، وداود بن نُصير، ثلاثتهم عن الأعمش، عن مسروق، عن عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها -. وخالفهم حسن بن عيّاش، فرواه عن الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود، عنها. والمحفوظ رواية الجماعة، وأما رواية حسن بن عياش، فتعتبر شاذّة، وهذا بالنسبة لإسناده، وأما متن الحديث فإنه صحيح، كما سبق بيانه قريبًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٦٥١ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ, قَالَ: حَدَّثَنَا أَزْهَرُ, قَالَ: أَنْبَأَنَا ابْنُ عَوْنٍ, عَنْ إِبْرَاهِيمَ, عَنِ الأَسْوَدِ, عَنْ عَائِشَةَ, قَالَتْ: يَقُولُونَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ , أَوْصَى إِلَى عَلِيٍّ ﵁, لَقَدْ دَعَا بِالطَّسْتِ لِيَبُولَ فِيهَا, فَانْخَنَثَتْ نَفْسُهُ ﷺ , وَمَا أَشْعُرُ, فَإِلَى مَنْ أَوْصَى). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الحديث أخرجه البخاريّ، وقد تقدّم في "الطهارة" -٢٩/ ٣٣ - "البول في الطّست" سندًا ومتنًا، وقد استوفيت شرحه، وبيان مسائله هناك، وللَّه الحمد، وله المنّة والفضل. و"عمرو بن عليّ": هو الفلاّس. و"أزهر": هو ابن سعد السمان البصري ثقة [٩]. و"بن عون": هو عبد اللَّه. وقولها: "بالطست": إناء من صفر، ويقال فيها: الطسّ بتشديد السين المهملة. وقولها: "فانخنثت نفسه" أي مالت ذاته الشريفة ﷺ ، قال في "النهاية": أي فانثنى، وانكسر؛ لاسترخاء أعضائه ﷺ عند الموت. انتهى.

стр. 14963

وقولها: "وما أشعُر" بضمّ العين المهملة، من باب قعد: أي ما أعلم. وقولها: "فإلى من أوصى" أي إلى أيّ شخص أوصى ﷺ ، تريد بذلك الإنكار على من يزعم بهتانًا، وزورًا أنه ﷺ أوصى بالخلافة إلى عليّ - رضي اللَّه تعالى عنه -. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٦٥٢ - (أَخْبَرَنِي أَحْمَدُ بْنُ سُلَيْمَانَ, قَالَ: حَدَّثَنَا عَارِمٌ, قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ, عَنِ ابْنِ عَوْنٍ, عَنْ إِبْرَاهِيمَ, عَنِ الأَسْوَدِ, عَنْ عَائِشَةَ, قَالَتْ: تُوُفِّيَ رَسُولُ اللهِ ﷺ , وَلَيْسَ عِنْدَهُ أَحَدٌ غَيْرِي, قَالَتْ: وَدَعَا بِالطَّسْتِ). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "أحمد بن سليمان": هو أبو الحسين الرُّهاويّ الثقة الحافظ [١١] من أفراد المصنّف. [تنبيه]: هكذا في نسحْ "المجتبى" "أحمد بن سليمان"، ووقع في "الكبرى" بدله "أحمد بن سفيان النسائيّ، وأصله مروزيّ". قال الحافظ أبو الحجّاج المزيّ -رحمه اللَّه تعالى- في "تحفة الأشراف": كذا في رواية ابن السّنّيّ: "أحمد بن سليمان"، وفي رواية حمزة بن محمد الكناني "أحمد بن سفيان"، وفي رواية أبي الحسن بن حيويه "أحمد بن نصر". انتهى. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: لعلّ المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- روى هذا الحديث عن الثلاثة كلّهم، فكان يحدّث عنهم، فإن الثلاثة من مشايخه الذين يروي عنهم بلا واسطة. واللَّه تعالى أعلم بالصواب. و"عارم": هو محمد بن الفضل السدوسيّ، أبو النعمان البصريّ الثقة الثبت [٩] و"ابن عون": هو عبد اللَّه بن عون بن أرطبان. والحديث أخرجه البخاري، كما سبق بيانه في الذي قبله. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعتُ، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكّلتُ، وإليه أنيب". … ٣ - (بَابُ الْوَصِيَّةِ بِالثُّلُثِ) أي هذا باب في ذكر الأحاديث الدّالّة على مشروعيّة الوصية بالثلث. قال في "الفتح": واستقرّ الإجماع على منع الوصيّة بازيد من الثلث، لكن اختُلف فيمن كان له وارث، وسيأتي تحريره في "باب إبطال الوصيّة لوارث"، وفيمن لم يكن له

стр. 14964

وارث خاصّ، فمنعه الجمهور، وجوّزه الحنفيّة، وإسحاق، وشَريك، وأحمد في رواية" وهو قول عليّ، وابن مسعود، واحتجّوا بأن الوصيّة مطلقةٌ بالآية، فقيّدتها السنّة بمن له وارثٌ، فيبقى من لا وارث له على الإطلاق. واختلفوا أيضًا هل يُعتبر ثلث المال حال الوصيّة، أو حال الموت؟ على قولين، وهما وجهان للشافعيّة، أصخهما الثاني، فقال بالأول مالكٌ، وأكثر العراقيين، وهو قول النخعيّ، وعمر بن عبد العزيز. وقال بالثاني أبو حنيفة، وأحمد، والباقون، وهو قول عليّ بن أبي طالب - رضي اللَّه تعالى عنه -، وجماعة من التابعين. وتمسّك الأولون بأن الوصيّة عقد، والعقود تُعتبر بأولها، وبأنه لو نذر أن يتصدّق بثلث ماله اعتُبر ذلك حالة النذر اتفاقًا. وأجيب بأن الوصيّة ليست عقدًا من كلّ جهة، ولذلك لا تُعتبر بها الفوريّة، ولا القبول، وبالفرق بين النذر والوصيّة بأنها يصحّ الرجوع عنها، والنذر يلزم. وثمرة هذا الخلاف تظهر فيما لو حدث له مالٌ بعد الوصيّة. واختلفوا أيضًا هل يُحسب الثلث من جميع المال، أو ينفّذ بما علمه الموصي، دون ما خفي عليه، أو تجدّد له، ولم يعلم به؟، وبالأول قال الجمهور، وبالثاني قال مالك. وحجة الجمهور أنه لا يشترط أن يستحضر تعداد مقدار المال حالة الوصيّة اتفاقّا، ولو كان عالماً بجنسه، فلو كان العلم به شرطًا لما جاز ذلك. انتهى "فتح" (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب. ٣٦٥٣ - (أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ بْنِ سَعِيدٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ, عَنِ الزُّهْرِيِّ, عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ, عَنْ أَبِيهِ, قَالَ: مَرِضْتُ مَرَضًا, أَشْفَيْتُ مِنْهُ, فَأَتَانِي رَسُولُ اللهِ ﷺ يَعُودُنِي, فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللهِ, إِنَّ لِي مَالاً كَثِيرًا, وَلَيْسَ يَرِثُنِي, إِلاَّ ابْنَتِي, أَفَأَتَصَدَّقُ بِثُلُثَيْ مَالِي؟ , قَالَ: «لَا» , قُلْتُ: فَالشَّطْرَ؟ , قَالَ: «لَا» , قُلْتُ: فَالثُّلُثَ؟ , قَالَ: «الثُّلُثَ, وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ, إِنَّكَ أَنْ تَتْرُكَ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ, خَيْرٌ لَهُمْ, مِنْ أَنْ تَتْرُكَهُمْ عَالَةً, يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ»). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (عمرو بن عثمان بن سعيد) بن كثير بن دينار القرشي مولاهم، أبو حفص الحمصيّ صدوق [١٠] ٢١/ ٥٣٥. ٢ - (سفيان) بن عيينة، أبو محمد المكي الإمام الثبت الحجة [٨] ١/ ١.

стр. 14965

٣ - (الزهريّ) محمد بن مسلم أبو بكر المدني الإمام الحجة الفقيه الثبت [٤] ١/ ١. ٤ - (عامر بن سعد) بن أبي وقاص الزهريّ المدنيّ الثقة [٣] ٣٨/ ٦٧٩ مات سنة (١٠٤). ٥ - (أبوه) سعد بن أبي وقّاص مالك بن وُهيب بن عبد مناف بن زُهرة بن كلاب الزهريّ، أبو إسحاق، مات سنة بالعَقيق سنة (٥٥) على المشهور. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فقد تفرد به هو وأبو داود، وابن ماجه. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخه، فحمصي، وسفيان، فمكيّ. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ، والابن عن أبيه. (ومنها): أن صحابيه أحد العشرة المبشّرين بالجنة، وأول من رمى بسهم في سبيل اللَّه، وآخر من مات من العشرة، مات سنة (٥٥) على الأصحّ. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدِ، عَنْ أَبِيهِ) سعد بن أبي وقاص - رضي اللَّه تعالى عنه -، أنه (قَالَ: مَرِضْتُ مَرَضًا) من باب تَعِبَ (أَشْفَيْتُ مِنْهُ) وفي رواية للبخاريّ: "من وجع أشفيت منه على الموت". أي قاربت الموت من أجل شدّته. يقال: أشفى، وأشاف بمعنى واحد، قاله الهرويّ. وقال القُتَبيّ: لا يقال: أشفى إلا على شرّ. قاله القرطبيّ (١). (فَأَتَانِي رَسُولُ اللهِ ﷺ يَعُودُنِي) أي يزورني، يقال: عُدتّ المريض عِيَادةً: زُرتُهُ، فالرجل عائد، وجمعه عُوّادٌ، والمرأة عائدةٌ، وجمعها عُوّدٌ بغير ألف. قاله الفيّوميّ. وقال القرطبيّ: ولا يقال ذلك إلا لزيارة المريض، فأما الزيارة، فأكثرها للصحيح، وقد تقال للمريض. وأما قوله تعالى: ﴿حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾ [التكاثر: ٢] فكناية عن الموت. انتهى (٢). وفي الرواية التالية: "جاءني النبيّ ﷺ يعودني، وأنا بمكّة". زاد في رواية للبخاريّ: "في حجة الوداع من وجع اشتدّ بي". قال في "الفتح": واتفق أصحاب الزهريّ على أن ذلك كان في حجة الوداع، إلا ابن عيينة، فقال: "في فتح مكّة"، أخرجه الترمذيّ وغيره من طريقه، واتّفق الحفّاظ على أنه وَهِمَ فيه. وقد أخرجه البخاريّ في "الفرائض" من

стр. 14966

طريقه، فقال: "بمكّة"، ولم يذكر الفتح، قال الحافظ: وقد وجدت لابن عيينة مستندًا فيه، وذلك فيما أخرجه أحمد (١)، والبزّار، والطبرانيّ، والبخاريّ في "التاريخ"، وابن سعد من حديث عمرو بن القاري "أن رسول اللَّه ﷺ قَدِمَ، فخلّف سعدًا مريضًا، حيث خرج إلى حُنين، فلما قدِم من الجعرانة، معتمرًا، دخل عليه، وهو مغلوبٌ، فقال: يا رسول اللَّه إن لي مالاً، وإني أورث كلالةً، أفأوصي بمالي … " الحديث، وفيه: قلت: يا رسول اللَّه، أموت أنا بالدار التي خرجت منها مهاجرًا؟، قال: لا، إني لأرجو أن يرفعك اللَّه حتى ينتفع بك أقوام … " الحديث، فلعلّ ابن عيينة انتقل ذهنه من حديث إلى حديث، ويمكن الجمع بين الروايتين بأن يكون ذلك وقع له مرّتين: مرّة عام الفتح، ومرّةً عام حجة الوداع، ففي الأولى لم يكن له وارثٌ من الأولاد أصلاً، وفي الثانية كانت له ابنةٌ فقط، فاللَّه أعلم قاله في "الفتح" (٢). وفي رواية سعد بن إبراهيم الآتية بعد حديث: كان النبيّ ﷺ يعوده، وهو بمكة، وهو يكره أن يموت بالأرض الذي هاجر منها، قال النبيّ ﷺ : "رحم اللَّه سعد بن عفراء، أو يرحم اللَّه سعد بن عفراء". (فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ لِي مَالاً كثِيرًا، وَلَيْسَ يَرِثُنِي، إِلاَّ ابْنَتِي) قال النوويّ وغيره: معناه لا يرثني من الولد، أو من خواصّ الورثة، أو من النساء، وإلا فقد كان لسعد عصبات؛ لأنه من بني زُهرة، وكانوا كثيرًا. وقيل: معناه لا يرثني من أصحاب الفروض، أو خصّها بالذكر على تقدير: لا يرثني ممن أخاف عليه الضَّيَاع والعجز إلا هي، أو ظنّ أنها ترث جميع المال، أو استكثر لها نصف التركة، قال الحافظ: وهذه البنت زعم بعض من أدركناه أن اسمها عائشة، فإن كان محفوظًا، فهي غير عائشة بنت سعد التي روت هذا الحديث عنه عند البخاريّ، وهي

стр. 14967

تابعيّةٌ عُمّرت حتى أدركها مالكٌ، وروى عنها، وماتت سنة سبع عشرة ومائة، لكن لم يذكر أحدٌ من النسّابين لسعد بنتًا تُسمّى عائشة غير هذه، وذكروا أن أكبر بناته أم الحكم الكبرى، وأمها بنت شهاب بن عبد اللَّه بن الحارث بن زُهرة، وذكروا له بنات أخرى أمهاتهنّ متأخّرات الإسلام بعد الوفاة النبويّة، فالظاهر أن البنت المشار إليها هي أم الحكم المذكورة؛ لتقدّم تزويج سعد بأمّها، ولم أر من حرّر ذلك. انتهى (١) كلام الحافظ. (أَفَأَتَصَدَّقُ بثُلُثَي مَالِي؟) وفي الرواية التالية: "أوصي بمالي كلّه". قال الحافظ: فأما التعبير بقوله: "أفاتصدّق"، فيحتمل التنجيز والتعليق، بخلاف "أفاوصي"، لكن المخرج متّحد، فيحمل على التعليق للجمع بين الروايتين، وقد تمسّك بقوله: "أتصدّق" من جعل تبرّعات المريض من الثلث، وحملوه على المنجّزة، وفيه نظرٌ؛ لما بيّنته. وأما الاختلاف في السؤال، فكأنه سأل أوّلَا عن الكلّ، ثم سأل عن الثلثين، ثم سأل عن النصف، ثم سأل عن الثلث، وقد وقع مجموع ذلك في رواية جرير بن يزيد عند أحمد، وفي رواية بُكير بن مِسمار عن النسائيّ، كلاهما عن عامر بن سعد،، وكذا أوّلهما من طريق محمد بن سعد، عن أبيه، ومن طريق هشام بن عروة، عن أبيه، عن سعد انتهى. (قَالَ) ﷺ (لَا) أي لا ينبغي لك أن تتصدّق بثلثي مالك (قُلْتُ: فَالشَّطْرِ؟) بالجرّ عطفًا على قوله: "بثلثي مالي"، أي فأتصدّق بالنصف، وهذا رجّحه السهيليّ، وقال الزمخشريّ: هو بالنصب على تقدير فعل، أي أُسمّي الشطر، أو أُعيّن الشطر. ويجوز الرفع على تقدير: أيجوز الشطرُ. (قَالَ) ﷺ (لَا، قُلْتُ: فَالثُّلُثَ؟) إعرابه كإعراب "الشطر" (قَالَ) ﷺ (الثُّلُثَ، وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ) قال في "الفتح": كذا في أكثر الروايات، وفي رواية الزهريّ عند البخاريّ في "الهجرة": "قال: الثلث يا سعد، والثلث كثير"، ولْي رواية مصعب بن سعد، عن أبيه، عند مسلم: "قلت: فالثلث؟ قال: نعم، والثلث كثير"، وفي رواية عائشة بنت سعد، عن أبيها عند البخاريّ: "قال: الثلث، والثلث كبير، أو كثير"، وكذا للنسائيّ-٣٦٥٨ - من طريق أبي عبد الرحمن السُّلَمِيّ، عن سعد، وفيه: "فقال: أوصيتَ؟، فقلت: نعم، قال: بكم؟ قلت: بمالي كلّه، قال: فما تركت لولدك؟ "، وفيه: "أوص بالعشر، قال: فما زال يقول، وأقول، حتى قال: أَوْصِ بالثلث، والثلث كثير، أو كبير". يعني

стр. 14968

بالمثلّثة، أو بالموحّدة، وهو شكّ من الراوي، والمحفوظ في أكثر الروايات بالمثلّثة، ومعناه: كثيرٌ بالنسبة إلى ما دونه. فقوله (الثلثَ) بالنصب على أنه مفعولٌ لفعل مضمر، تقديره: أعط الثلثَ، أو أمض، أو نفّذ، أو نحوها، منصوب على الإغراء: أي الزم الثلثَ، واستبعده القرطبيّ، ويجوز الرفع على أنه فاعل لفعل محذوف، أي يكفي الثلث، وضعّفه القرطبيّ، وفي تضعيفه نظر، أوخبر لمبتدإ محذوف، أي الكافي الثلث، أو مبتدأٌ خبره محذوفٌ، أي الثلث كافٍ. وقوله (والثلث كثير) مبتدأ وخبر، وهو يحتمل أن يكون مسوقًا لبيان الجواز بالثلث، وأن الأولى أن ينقص عنه، ولا يزيد عليه، وهو ما يتبادره الفهم. ويحتمل أن يكون لبيان أن التصدّق بالثلث هو الأكمل، أي كثيرٌ أجره. ويحتمل أن يكون معناه كثيرٌ غير قليل. قال الشافعيّ -رحمه اللَّه تعالى-. وهذا أولى معانيه. يعني أن الكثرة أمرٌ نسبيّ، وعلى الأول عول ابن عبّاس - رضي اللَّه تعالى عنهما -، كما سيأتي -٣٦٦١ - قوله. لو غضّ الناس إلى الربع؛ لأن رسول اللَّه ﷺ ، قال: "الثلث والثلث كثير". أفاده في "الفتح" (١). (إِنَّكَ أَنْ تَترُكَ) بفتح "أَنْ" على التعليل، وبكسرها على الشرطيّة. قال النوويّ: كلاهما صحيح. وقال القرطبيّ: لا معنى للشرط هنا؛ لأنه يصير لا جواب له، ويبقى "خير" لا رافع له. وقال ابن الجوزيّ: سمعناه من رواة الحديث بالكسر، وأنكره شيخنا عبد اللَّه بن أحمد -يعني ابن الخشّاب- وقال: لا يجوز الكسر؛ لأنه لا جواب له؛ لخلوّ لفظ "خير" من الفاء، وغيرها مما اشتُرط في الجواب. وتُعُقّب بأنه لا مانع من تقديره. وقال ابن مالك: جزاء الشرط قوله: "خير"، أي فهو خيرٌ، وحذفُ الفاءِ جائزٌ، وهو كقراءة طاوس: "ويسألونك عن اليتامى، قل: أَصْلِحْ لهم، خير"، قال: ومن خصّ ذلك بالشعر بَعُدَ عن التحقيق، وضيّق حيث لا تضييق؛ لأنه كثير في الشعر، قليل في غيره. وأشار بذلك إلى ما وقع في الشعر فيما أنشده سيبويه: مَن يَفْعَلِ الْحَسَنَاتِ اللَّه يَشْكُرُهَا … وَالشَّرُّ بِالشَّرُّ عِنْدَ اللَّهِ مِثْلَانِ أي فاللَّه يشكرها، وإلى الرّدّ على من زعم أن ذلك خاصّ بالشعر، قال: ونظيره قوله في حديث اللقطة: "فإن جاء صاحبها، وإلا استمتع بها" بحذف الفاء، وقوله في حديث اللعان: "البيّنة، وإلا حدٌّ في ظهرك" انتهى.

стр. 14969

(وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ لَهُمْ) قال الزين ابن الْمُنَيِّر: إنما عبّر ﷺ له بلفظ الورثة، ولم يقل: أن تدع بنتك، مع أنه لم يكن له يومئذ إلا ابنة واحدة؛ لكون الوارث حينئذ لم يتحقّق؛ لأن سعدًا إنما قال ذلك بناء على موته في ذلك المرض، وبقائها بعده حتى ترثه، وكان من الجائز أن تموت هي قبله، فأجاب ﷺ بكلام كليّ، مطابق لكلّ حالة، وهي قوله: "ورثتك" ولم يخصّ بنتًا من غيرها. وقال الفاكهيّ، شارح "العمدة": إنما عبّر ﷺ بالورثة؛ لأنه اطّلع على أن سعدًا سيعيش، ويأتيه أولادٌ غير البنت المذكورة، فكان كذلك، ووُلد له بعد ذلك أربعة بنين، ولا أعرف أسماءهم، ولعلّ اللَّه أن يفتح عليّ بذلك. انتهى. قال الحافظ: وليس قوله: "أن تدع بنتك" متعيّنًا؛ لأن ميراثه لم يكن منحصرًا فيها، فقد كان لأخيه عتبة بن أبي وقّاص أولاد إذ ذاك، منهم: هاشم بن عُتبة الصحابيّ الذي قُتل بصفّين، قال: فجاز التعبير بالورثة لتدخل البنت، وغيرها، ممن يرث لو وقع موته إذ ذاك، أو بعد ذلك. أما قول الفاكهيّ: إنه وُلد له بعد ذلك أربعة بنين، وأنه لا يعرف أسماءهم، ففيه قصور شديد، فإن أسماءهم في رواية هذا الحديث بعينه عند مسلم من طريق عامر، ومصعب، ومحمد، ثلاثتهم عن سعد. ووقع ذكر عمر بن سعد فيه في موضع آخر. ولَمّا وقع ذكر هؤلاء في هذا الحديث عند مسلم اقتصر القرطبيّ على ذكر الثلاثة. ووقع في كلام بعض شيوخنا تعقّبٌ عليه بأن له أربعة من الذكور غير الثلاثة، وهم: عمر، وإبراهيم، ويحيى، وإسحاق، وعزا ذكرهم لابن المدينيّ وغيره، وفاته أن ابن سعد ذكر له من المذكور غير السبعة أكثر من عشرة، وهم: عبد اللَّه، وعبد الرحمن، وعمرو، وعمران، وصالح، وعثمان، وإسحاق الأصغر، وعمر الأصغر، وعمير مصغّرًا، وغيرهم، وذكر له من البنات ثنتي عشرة بنتًا، وكان ابن المدينيّ اقتصر على ذكر من روى الحديث منهم. واللَّه تعالى أعلم. (مِنْ أَنْ تَترُكَهُمْ عَالَةً) أي فقراء، وهو جمع عالٍ، وهو الفقير، والفعل منه عَالَ يَعِيلُ: إذا افتقر (يتَكَفَّفُونَ النَّاسَ) أي يسألون الناس بأكفّهم، يقال: تَكَفَّفَ الناسَ، واستكفّ: إذا بسط كفه للسؤال، أو سأل ما يكفّ عنه الجوع، أو سأل كفًّا كفًّا من طعام. وقال القرطبيّ: "يتكفّفون الناس" يسألون الصدقة من أكُفّ الناس، أو يسألونهم بأكفّهم. انتهى (١).

стр. 14970

زاد في الرواية التالية: "في أيديهم" أي بأيديهم، أو سألوا بأكفّهم وضع المسؤول في أيديهم. ووقع في رواية الزهريّ عند البخاريّ: أن سعدًا قال: "وأنا ذو مال"، ونحوه في رواية عائشة بنت سعد عند البخاريّ أيضًا في "الطبّ"، وهذا اللفظ يؤذن بمال كثير، وذو المال إذا تصدّق بثلثه، أو بشطره، وأبقى ثلثه بين ابنته وغيرها، لا يصيرون عالة، لكن الجواب أن ذلك خرج على التقدير؛ لأن بقاء المال الكثير إنما هو على سبيل التقدير، وإلا فلو تصدّق المريض بثلثيه مثلاً، ثم طالت حياته، ونقص، وفنِيَ المال، فقد تُجحف الوصيّة بالورثة، فردّ الشارع الأمر إلى شيء معتدل، وهو الثلث. قاله في "الفتح" (١). وزاد في رواية سعد بن إبراهيم، عن عامر: "وإنك مهما أنفقتَ من نفقةٍ، فإنها صدقة، حتى اللقمة ترفعها إلى في امرأتك، وعسى اللَّه أن يرفعك، فينتفع بك ناسٌ، ويضرّ بك آخرون، ولم يكن له يومئذ إلا ابنة". وقوله: "وإنك مهما أنفقت الخ" معطوف على قوله: "إنك أن تدع"، وهو علّة للنهي عن الوصيّة بأكثر من الثلث، كأنه قيل: لا تفعل؛ لأنك إن متّ، تركتَ ورثتك أغنياء، وإن عِشْتَ تصدّقت، وأنفقت، فالأجر حاصلٌ لك في الحالين. وقوله: "فإنه صدقة" كذا أطلق في هذه الرواية، وفي رواية الزهريّ: "وإنك لن تنفق نفقةً تبتغي بها وجه اللَّه، إلا أُجرت بها"، مقيّدة بابتغاء وجه اللَّه، وعلّق حصول الأجر بذلك، وهو المعتبر، ويُستفاد منه أن أجر الواجب يزداد بالنيّة؛ لأن الإنفاق على الزوجة واجبٌ، وفي فعله الأجر، فإذا نوى به ابتغاء وجه اللَّه ازداد أجره بذلك. قاله ابن أبي جمرة، قال: ونّبَّهَ بالنفقة على غيرها، من وجوه البرّ والإحسان. وقوله: "حتى اللقمةَ" بالنصب عطف على "نفقةً"، ويجوز الرفع، على أنه مبتدأ، و"تجعلها" الخبر. وقال القرطبيّ: يجوز في "اللقمة" النصب على عطفها على "نفقةً"، وأظهر من ذلك أن تنصبها بإضمار فعل؛ لأن الفعل قد اشتغل عنها بضمير، وهذا كقول العرب: "أكلت السمكة حتى رأسها أكلته"، وقد أجازوا في "رأسها" الرفع، والنصب، والجرّ، وأوضح هذه الأوجه النصب، وأبعدها الخفض، وكلّ ذلك جائز في "حتى اللقمة" ها هنا، فنزِّلْه عليه، والذي قرأت به هذا الحرف النصب، لا غير انتهى (٢).

стр. 14971

ووجه تعلّق قوله: "وإنك لن تنفق نفقة الخ" بقصّة الوصيّة أن سؤال سعد يُشعر بأنه رغب في تكثير الأجر، فلما منعه الشارع من الزيادة على الثلث، قال له على سبيل التسلية: إن جميع ما تفعله في مالك من صدقة، ناجزة، ومن نفقةٍ، ولو كانت واجبةً تؤجر بها، إذا ابتغيت بذلك وجه اللَّه تعالى، ولعلّه خصّ المرأة بالذكر لأن نفقتها مستمرّةٌ، بخلاف غيرها. قال ابن دقيق العيد: فيه أن الثواب في الإنفاق مشروطٌ بصحّة النيّة، وابتغاء وجه اللَّه، وهذا عَسِرٌ إذا عارضه مقتضى الشهوة، فإن ذلك لا يُحَصِّل الغرض من الثواب حتى يبتغي به وجه اللَّه، وسبق تخليص هذا المقصود مما يشوبه، قال: وقد يكون فيه دليلٌ على أن الواجبات إذا أُدّيت على قصد أداء الواجب ابتغاء وجه اللَّه أُثيب عليها، فإن قوله: "حتى ما تجعل في في امرأتك" لا تخصيص له بغير الواجب، ولفظة "حتّى" هنا تقتضي المبالغة في تحصيل هذا الأجر بالنسبة إلى المعنى، كما يقال: جاء الحُجّاج حتى المشاة. وقوله: "وعسى اللَّه أن يرفعك" أي يُطيل عمرك، وكذلك اتّفق، فإنه عاش بعد ذلك أزيد من أربعين سنةً، بل قريبًا من خمسين؛ لأنه مات سنة (٥٥) من الهجرة، وقيل: سنة (٥٨)، وهو المشهور، فيكون عاش بعد حجة الوداع (٤٥) سنة، أو (٤٨) سنة. وقوله: "فينتفع بك ناسٌ، وُيضرّ بك آخرون" أي ينتفع بك المسلمون بالغنائم، مما سيفتح اللَّه على يديك من بلاد الشرك، وُيضرّ بك المشركون الذين يهلكون على يديك. وزعم ابن التين أن المراد بالنفع به ما وقع من الفتوح على يديه، كالقادسيّة، وغيرها، وبالضرر ما وقع من تأمير ولده عمر بن سعد على الجيش الذين قتلوا الحسين بن عليّ، ومن معه. وهو كلامٌ مردود؛ لتكلّفه لغير ضرورة تحمل على إرادة الضرر الصادر من ولده، وقد وقع منه هو الضرر المذكور بالنسبة إلى الكفّار. وأقوى من ذلك ما رواه الطحاويّ من طريق بكير بن عبد اللَّه بن الأشجّ عن أبيه، أنه سأل عامر بن سعد، عن معنى قول النبيّ ﷺ هذا، فقال: لَمّا أُمّر سعد على العراق، أُتي بقوم ارتدّوا، فاستتابهم، فتاب بعضهم، وامتنع بعضهم، فقتلهم، فانتفع به من تاب، وحصل الضرر للآخرين. قال بعض العلماء: "لعلّ"، وإن كانت للترجّي، لكنّها من اللَّه للأمر الواقع، وكذلك إذا وردت على لسان رسوله ﷺ غالبًا. قاله في "الفتح" (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.

стр. 14972

مسائل تتعلق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث سعد بن أبي وقّاص - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٣/ ٣٦٥٣ و ٣٦٥٤ و ٣٦٥٤ و٣٦٥٥ و ٣٦٥٧ و ٣٦٥٨ و ٣٦٥٩ و ٣٦٦٢ - وفي "الكبرى" ٣/ ٦٤٥٣ و ٦٤٥٤ و ٦٤٥٥ و ٦٤٥٧ و ٦٤٥٨ و ٦٤٥٩ و ٦٤٦٢. وأخرجه (خ) في "الجنائز" ١٢٩٦ و"الوصايا" ٢٧٤٢ و ٢٧٤٤ و"المناقب" ٣٩٣٦ و"المغازي" ٤٤٠٩ و"النفقات" ٥٣٥٤ و"المرضى" ٥٦٥٩ و"الدعوات" ٦٣٧٣ و"الفرائض" ٦٧٣٣ (م) في "الوصايا" ١٦٢٨ (د) في "الوصايا" ٢٨٦٤ (ت) في "الوصايا" ٢١١٦ (ق) في "الوصايا" ٢٧٠٨ (أحمد) في "مسند العشرة" ١٤٤٣ و ١٤٧٧ و ١٤٨٢ و ١٤٩١ و ١٥٠٤ و ١٥٤٩ و ١٥٧١ و ١٦٠٢ و ١٤٩٥ و ٣١٩٥ و ٣١٩٦. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده (١): (منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان مشروعيّة الوصيّة بالثلث. (ومنها): مشروعيّة عيادة المريض للإمام، فمن دونه، وتتأكّد باشتداد المرض. (ومنها): أن فيه وضع اليد على جبهة المريض، ومسح وجهه، ومسح العضو الذي يؤلمه، والفسح له في طول العمر؛ لما في رواية عائشة بنت سعد عند البخاريّ: "ثم وضع يده على جبهتي، ثم مسح وجهي، وبطني، ثم قال: اللهم اشف سعدًا، وأتمم له هجرته". (ومنها): جواز إخبار المريض بشدّة مرضه، وقوّة ألمه، إذا لم يقترن بذلك شيء مما يُمنَع، أو يُكرَه، من التبرّم، وعدم الرضا، بل حيث يكون ذلك لطلب دعاء، أو دواء، وربّما استُحبّ، وأن ذلك لا ينافي الاتصاف بالصبر المحمود، وإذا جاز ذلك في أثناء المرض، كان الإخبار به بعد البرء أجوز. (ومنها): أن أعمال البرّ والطاعة، إذا كان منها ما لا يمكن استدراكه، قام غيره في الثواب والأجر مقامه، وربّما زاد عليه، وذلك أن سعدا - رضي اللَّه تعالى عنه - خاف أن يموت بالدار التي هاجر منها، فيفوت عليه بعض أجر هجرته، فأخبره النبيّ ﷺ بأنه إن تخلّف عن دار هجرته، فعمل عملاً صالحًا، من حجّ، أو جهاد، أو غير ذلك، كان له به أجر بعوض ما فاته من الجهة الأخرى. (ومنها): إباحة جمع المال بشرطه؛ لأن التنوين في قوله: "وأنا ذو مال" للكثرة، وقد

стр. 14973

وقع في بعض طرقه صريحًا: "وأنا ذو مال كثير". (ومنها): الحثّ على صلة الرحم، والإحسان إلى الأقارب، وأن صلة الأقرب أفضل من صلة الأبعد، والإنفاقِ في وجوه الخير. (ومنها): أن المباح إذا قُصد به وجه اللَّه تعالى صار طاعة، وقد نبّه على ذلك بأقلّ الحظوظ الدنيويّة العاديّة، وهو وضع اللقمة في في الزوجة، إذ لا يكون ذلك غالبًا إلا عند الملاعبة، والممازحة، ومع ذلك فيؤجر فاعله، إذا قصد به قصدًا صحيحًا، فكيف بما فوق ذلك. (ومنها): أن فيه منعَ نقل الميت من بلد إلى بلد، إذ لو كان ذلك مشروعًا لأمر النبيّ ﷺ بنقل سعد بن خوْلة - رضي اللَّه تعالى عنه -. قاله الخطابيّ. (ومنها): أن من لا وارث له تجوز له الوصيّة بما زاد على الثلث؛ لقوله ﷺ : "أن تدع ورثتك أغنياء"، فمهومه أن من لا وارث له لا يبالي بالوصيّة بما زاد؛ لأنه لا يترك ورثته يخشى عليهم الفقر. وتُعُقّب بأنه ليس تعليلاً محضًا، وإنما فيه تنبيه على الأحظّ الأنفع، ولو كان تعليلاً محضا لاقتضى جواز الوصيّة بأكثر من الثلث لمن كانت ورثته أغنياء، ولنفذ ذلك عليهم بغير إجازتهم، ولا قائل بذلك. وعلى تقدير أن يكون تعليلاً محضًا، فهو للنقص عن الثلث، لا للزيادة عليه، فكأنه لما شرع الإيصاء بالثلث، وأنه لا يُعترض به على الموصي إلا أن الانحطاط عنه أولى، ولا سيّما لمن ترك ورثة غير أغنياء، فنبّه سعدًا على ذلك. (ومنها): أن فيه سدّ الذريعة؛ لقوله ﷺ : "اللَّهم أمض لأصحابي هجرتهم، ولا تردّهم على أعقابهم"، لئلاً يتذرّع بالمرض أحدٌ لأجل حبّ الوطن. قاله ابن المنيّر. (ومنها): أن فيه تقييد مطلق القرآن بالسنّة؛ لأنه قال : ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: ١١]، فأطلق، وقيّدت السنّة الوصيّة بالثلث. (ومنها): أن من ترك شيئًا للَّه لا ينبغي له الرجوع فيه، ولا في شيء منه مختارًا. (ومنها): التأسّف على فوت ما يُحَصِّل الثواب، وأن من فاته ذلك بادر إلى جبره بغير ذلك. (ومنها): تسلية من فاته أمرٌ من الأمور لتحصيل ما هو أعلى منه؛ لما أشار ﷺ لسعد من عمله الصالح بعد ذلك. (ومنها): الاستفسار عن المحتمل إذا احتمل وجوهًا؛ لأن سعداً لما مُنع من الوصيّة بجميع المال احتمل عنده المنع فيما دونه، والجواز، فاستفسر عما دون ذلك. (ومنها): النظر في مصالح الورثة، وأن خطاب الشرع للواحد يعمّ من كان بصفته من المكلّفين؛ لإطباق العلماء على الاحتجاج بحديث سعد هذا، وإن كان الخطاب إنما وقع له بصيغة الإفراد، ولقد أبعد من قال: إن ذلك يختصّ بسعد، ومن كان في مثل حاله ممن يخلف وارثّا ضعيفًا، أو كان ما يخلُفه قليلاً؛ لأن البنت من شأنها أن يطمع

стр. 14974

فيها، وإن كانت بغير مال لم يرغب فيها. (ومنها): أن من ترك مالاً قليلاً، فالاختيار له ترك الوصيّة، وإبقاء المال للورثة، وقد اختلف السلف في ذلك القليل، وقد تقدّم البحث فيه، مستوفًى. (ومنها): أن بعضهم استدلّ به لفضل الغنيّ على الفقير. وفيه نظر. (ومنها): أن فيه مراعاة العدل بين الورثة، ومراعاة العدل في الوصيّة. (ومنها): أن الثلث في حدّ الكثرة، وقد اعتبره بعض الفقهاء في غير الوصيّة، ويحتاج الاحتجاج به إلى ثبوت طلب الكثرة في الحكم المعيّن. (ومنها): أنه استَدَلَّ بقوله: "ولا يرثني إلا ابنة" من قال بالردّ على ذوي الأرحام؛ للحصر في قوله: "ولا يرثني إلا ابنة". وتُعُقّب بأن المراد من ذوي الفروض، وما تقدّم، ومن قال بالردّ لا يقول بظاهره؛ لأنهم يعطونها فرضها، ثم يردّون عليها الباقي، وظاهر الحديث أنها ترث الجميع ابتداء. قاله في "الفتح" (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٦٥٤ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ مَنْصُورٍ, وَأَحْمَدُ بْنُ سُلَيْمَانَ -وَاللَّفْظُ لأَحْمَدَ- قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ, عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ, عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ, عَنْ سَعْدٍ, قَالَ: جَاءَنِي النَّبِيُّ ﷺ يَعُودُنِي, وَأَنَا بِمَكَّةَ, قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ, أُوصِي بِمَالِي كُلِّهِ؟ , قَالَ: «لَا» , قُلْتُ: فَالشَّطْرَ؟ , قَالَ: «لَا» , قُلْتُ: فَالثُّلُثَ؟ , قَالَ: «الثُّلُثَ, وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ, إِنَّكَ أَنْ تَدَعَ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ, خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَدَعَهُمْ عَالَةً, يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ, يَتَكَفَّفُونَ فِي أَيْدِيهِمْ»). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخيه، فإنهما من أفراده، وكلاهما ثقتان. و"أبو نعيم": هو الفضل بن دُكين. و"سفيان": هو الثوريّ. وقوله: "يتكفّفون في أيديكم" بدل مما قبله، أو تأكيد له. أي يَمُدُّونَ أيديهَمُ إليهم يسألونهم. والحديث متفق عليه، وقد سبق البحث عنه مستوفًى في الذي قبله. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٦٥٥ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ, قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ, قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ, عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ, عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ, عَنْ أَبِيهِ, قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَعُودُهُ, وَهُوَ بِمَكَّةَ, وَهُوَ يَكْرَهُ أَنْ يَمُوتَ بِالأَرْضِ الَّتِي (٢) هَاجَرَ مِنْهَا, قَالَ: النَّبِيُّ ﷺ «رَحِمَ اللَّهُ سَعْدَ ابْنَ

стр. 14975

عَفْرَاءَ", أَوْ "يَرْحَمُ اللَّهُ سَعْدَ ابْنَ عَفْرَاءَ", وَلَمْ يَكُنْ لَهُ إِلاَّ ابْنَةٌ وَاحِدَةٌ, قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ, أُوصِي بِمَالِي كُلِّهِ؟ , قَالَ: «لَا» , قُلْتُ: النِّصْفَ؟ , قَالَ: «لَا» , قُلْتُ: فَالثُّلُثَ؟ , قَالَ: «الثُّلُثَ, وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ, إِنَّكَ أَنْ تَدَعَ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ, خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَدَعَهُمْ عَالَةً, يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ, مَا فِي أَيْدِيهِمْ»). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، و"عمرو بن عليّ،: هو الفلاّس. و"عبد الرحمن": هو ابن مهديّ. و"سفيان": هو الثوريّ. والحديث متّفقٌ عليه. وقوله: "وهو يكره الموت بالأرض التي هاجر منها" يحتمل أن تكون الجملة حالاً من الفاعل، أو من المفعول، وكلّ منهما محتملٌ؛ لأن كلاَّ من النبيّ ﷺ ، ومن سعد - رضي اللَّه تعالى عنه - كان يكره ذلك، لكن إن كان حالاً من المفعول، وهو سعدٌ، ففيه التفات؛ لأن السياق يقتضي أن يقول. "وأنا أكره". وقد أخرجه مسلم من طريق حميد ابن عبد الرحمن، عن ثلاثة من ولد سعد، عن سعد، بلفظ: "فقال: يا رسول اللَّه، خشيتُ أن أموت بالأرض التي هاجرت منها، كما مات سعد بن خولة"، وللنسائيّ (١) من طريق جرير بن يزيد، عن عامر بن سعد: "لكن البائس سعد بن خولة، مات في الأرض التي هاجر منها"، وله من طريق بُكير بن مسمار، عن عامر بن سعد في هذا الحديث بلفظ: "فقال سعد: يا رسول اللَّه، أموت بالأرض التي هاجرت منها؟، قال: لا، إن شاء اللَّه تعالى". وقوله: "رحم اللَّه سعد بن عفراء". قال الداوديّ: "ابن عفراء" غير محفوظ، وقال الدمياطيّ: هو وَهَمٌ، والمعروف "ابن خولة"، قال: ولعلّ الوهم من سعد بن إبراهيم، فإن الزهريَ أحفظ منه، وقال فيه: "سعد بن خولة". يشير إلى ما وقع في روايته بلفظ "لكن البائس سعد بن خولة، يرثي له رسول اللَّه ﷺ أن مات بمكّة". وقد تقدّم ذكر من وافق الزهريّ، وهو الذي ذكره أصحاب المغازي، وذكروا أنه شهد بدرًا، ومات في حجة الوداع. وقال بعضهم في اسمه"خَوْلِىّ" بكسر اللام، وتشديد التحتانيّة، واتفقوا على سكون الواو. وأغرب ابن التين، فحكى عن القابسيّ فتحها. ووقع في رواية ابن عُيينة عند البخاريّ في "الفرائض": "قال سفيان: وسعد بن خولة رجلٌ من بني عامر بن لؤيّ" انتهى. وذكر ابن إسحاق أنه كان حليفًا لهم، ثمّ لأبي رُهْم بن عبد العزّى منهم. وقيل: كان من الفرس الذين نزلوا اليمن. وتقدّم شيء من خبره في حديث سُبيعة الأسلميّة في أبواب العدّة. وجزم الليث بن سعد في "تاريخه" عن يزيد بن أبي حبيب

стр. 14976

بأن سعد بن خولة مات في حجة الوداع، وهو الثابت في الصحيح، خلافًا لمن قال: إنه مات في مدّة الْهُدْنة مع قريش سنة سبع. وجوّز أبو عبد اللَّه بن أبي الخصاب الكاتب المشهور في "حواشيه على البخاريّ" أن المراد بابن عفراء عوف بن الحارث أخو معاذ، ومعوّذ، أولاد عفراء، وهي أمهم، والحكمة في ذكره ما ذكره ابن إسحاق أنه قال يوم بدر: "ما يُضحك الربّ من عبده؟ قال: أن يغمس يده في العدوّ حاسرًا، فألقى الدرع التي هي عليه، فقاتل حتى قتل"، قال: فيحتمل أن يكون لما رأى اشتياق سعد بن أبي وقّاص للموت، وعلم أنه يبقى حتى يلي الولايات، ذكر ابن عفراء، وحبّه للموت، ورغبته في الشهادة كما يذكر الشيء بالشيء، فذكر سعد بن خولة لكونه مات بمكّة، وهي دار هجرته، وذكر ابن عفراء، مستحسنًا لميتته اهـ ملخّصًا. وهو مردود بالتنصيص على قوله: "سعد ابن عفراء"، فانتفى أن يكون المراد عوف، وأيضًا، فليس في شيء من طرق حديث سعد بن أبي وقّاص أنه كان راغبًا في الموت، بل في بعضها عكس ذلك، وهو أنه "بكى، فقال له رسول اللَّه ﷺ ما يُبكيك؟ فقال: خشيت أن أموت بالأرض التي هاجرت منها، كما مات سعد بن خولة"، وهو عند النسائيّ، وأيضًافمخرج الحديث متّحد، والأصل عدم التعدّد، فالاحتمال بعيد أَبُو صرّح بأنه عوف ابن عفراء. واللَّه أعلم. وقال التيميّ: يحتمل أن يكون لأمه اسمان خولة، وعفراء اهـ، ويحتمل أن يكون أحدهما اسمًا، والآخر لقبًا، أو أحدهما اسم أمّه أبيه، أو الآخر اسم جدّة له، والأقرب أن عفراء اسم أمه، والآخر اسم أبيه؛ لاختلافهم في أنه خولة، أو خولي، وقول الزهريّ في روايته "يرثي له الخ"، قال ابن عبد البرّ: زعم أهل الحديث أن قوله: "يرثي الخ" من كلام الزهريّ. وقال ابن الجوزيّ وغيره: هو مدرج من قول الزهريّ. قال الحافظ: وكأنهم استندوا إلى ما وقع في رواية أبي داود الطيالسيّ عن إبراهيم بن سعد، عن الزهريّ، فإنه فصل ذلك، لكن وقع عند البخاريّ في "الدعوات" عن موسى بن إسماعيل، عن إبراهيم بن سعد في آخره "لكن البائس سعد بن خولة، قال سعد: رثى له رسول اللَّه ﷺ الخ"، فهذا صريح في وصله، فلا ينبغي الجزم بإدراجه. ووقع في رواية عائشة بنت سعد، عن أبيها في "الطبّ" من الزيادة "ثم وضع يده على جبهتي، ثم مسح وجهي وبطني، ثم قال: اللَّهمّ اشف سعدًا، وأتمم له هجرته، قال: فما زدت أجد بردها"، ولمسلم من طريق حميد بن عبد الرحمن المذكورة "قلت: فادع اللَّه أن يشفيني، فقال: اللَّهمّ اشف سعدًا ثلاث مرّات". قاله في "الفتح" (١).

стр. 14977

[تنبيه]: قال النوويّ -رحمه اللَّه تعالى- في "شرح مسلم" عند قوله: "لكن البائس سعد ابن خولة" نقلاً عن القاضي عياض: اختلفوا في قصّة سعد بن خولة، فقيل: لم يهاجر من مكة، حتى مات بها، قاله عيسى بن دينار، وغيره. وذكر البخاريّ أنه هاجر، وشهد بدرًا وغيرها، ثم انصرف إلى مكة، ومات بها. وقال ابن هشام: إنه هاجر إلى الحبشة الهجرة الثانية، وشهد بدرًا، وغيرها، وتوفّى بمكة في حجة الوداع سنة عشر. وقيل: توفّي بها سنة سبع في الهدنة، خرج مجتازًا من المدينة. فعلى هذا، وعلى قول عيسى ابن دينار سبب بؤسه سقوط هجرته؟ لرجوعه مختارًا، وموته بها. وعلى قول الآخرين سبب بؤسه موته بمكة على أيّ حال كان، وإن لم يكن باختياره؛ لما فاته من الأجر والثواب الكامل بالموت في دار هجرته، والغربة عن وطنه إلى هجرة اللَّه تعالى. انتهى. وقوله: "ما في أيدهم" بدل من "الناس": أي يطلبون بأكفّهم ما في أيديهم من الأموال. والحديث متَّفَقٌ عليه، كما سبق بيانه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٦٥٦ - (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ سُلَيْمَانَ, قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا مِسْعَرٌ, عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ, قَالَ: حَدَّثَنِي بَعْضُ آلِ سَعْدٍ, قَالَ: مَرِضَ سَعْدٌ, فَدَخَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ , فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ, أُوصِي بِمَالِي كُلِّهِ؟ , قَالَ: «لَا» … وَسَاقَ الْحَدِيثَ). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه، وهو ثقة. وقوله: "حدّثني بعض آل سعد" هكذا أبهمه مِسعر في روايته، وقد تقدّم في الروايتين السابقتين، أن سفيان سمّاه عامر بن سعد، وناهيك به حفظًا، فلا يضرّ إبهام مِسعر له. وقوله: "وساق الحديث" الفاعل ضمير مسعر، أي ساق مسعر الحديث كما ساقه سفيان، في الرواية السابقة. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٦٥٧ - (أَخْبَرَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْعَظِيمِ الْعَنْبَرِيُّ, قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْكَبِيرِ بْنُ عَبْدِ الْمَجِيدِ, قَالَ: حَدَّثَنَا بُكَيْرُ بْنُ مِسْمَارٍ, قَالَ: سَمِعْتُ عَامِرَ بْنَ سَعْدٍ, عَنْ أَبِيهِ, أَنَّهُ اشْتَكَى بِمَكَّةَ, فَجَاءَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ , فَلَمَّا رَآهُ سَعْدٌ بَكَى, وَقَالَ يَا رَسُولَ اللهِ, أَمُوتُ بِالأَرْضِ الَّتِي هَاجَرْتَ مِنْهَا؟ , قَالَ: «لَا, إِنْ شَاءَ اللَّهُ» , وَقَالَ يَا رَسُولَ اللهِ, أُوصِي بِمَالِي كُلِّهِ فِي سَبِيلِ اللهِ؟ , قَالَ: «لَا» , قَالَ: -يَعْنِي- بِثُلُثَيْهِ؟ , قَالَ: «لَا» , قَالَ: فَنِصْفَهُ؟ , قَالَ: «لَا» , قَالَ: فَثُلُثَهُ؟ , قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «الثُّلُثَ, وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ, إِنَّكَ أَنْ

стр. 14978

تَتْرُكَ بَنِيكَ أَغْنِيَاءَ, خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَتْرُكَهُمْ عَالَةً, يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ»). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلّهم رجال الصحيح، وتقدّموا غير: ١ - (بُكير بن مسمار) الزهريّ، أبي محمد المدنيّ، أخي مهاجر، صدوق [٤]. قال العجليّ: ثقة. وقال النسائيّ: ليس به بأس. وقال ابن عديّ: مستقيم الحديث. وذكره ابن حبّان في "الثقات". وقال البخاريّ: فيه نظرء وقال الحاكم: استشهد به مسلم في موضعين. مات سنة (١٥٣). روى له مسلم، والمصتف، والترمذيّ، وله عند المصنّف في هذا الكتاب حديث الباب فقط. وقوله: "أن تترك بنيك الخ" أكثر الروايات بلفظ: "ورثتك". والحديث صحيح، وقد سبق الكلام عليه قريبًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٦٥٨ - (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ, قَالَ: أَنْبَأَنَا جَرِيرٌ, عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ, عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ, عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ, قَالَ: عَادَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي مَرَضِي, فَقَالَ: «أَوْصَيْتَ؟» , قُلْتُ: نَعَمْ, قَالَ: «بِكَمْ؟» , قُلْتُ: بِمَالِي كُلِّهِ فِي سَبِيلِ اللهِ, قَالَ: «فَمَا تَرَكْتَ لِوَلدِكَ؟» , قُلْتُ: هُمْ أَغْنِيَاءُ, قَالَ: «أَوْصِ بِالْعُشْرِ» , فَمَا زَالَ يَقُولُ, وَأَقُولُ, حَتَّى قَالَ: «أَوْصِ بِالثُّلُثِ, وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ, أَوْ كَبِيرٌ»). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: " جرير": هو ابن عبد الحميد بن قُرط الضبيّ، وهو ممن سمع من عطاء بن السائب بعد الاختلاط، كما هو معروف في ترجمته، من "تهذيب التهذيب" -٣/ ١٠٣ - ١٠٥ - وغيره، ولعلّ هذا منه، فإن قوله: "فما تركت لولدك؟ قال: هم أغنياء الخ" مخالف لروايات الثقات الضابطين، فإن وارثه بنت واحدة، كما قال هو: "ولا يرثني إلا ابنة"، فيتأمّل. و"أبو عبد الرحمن": هو عبد اللَّه بن حبيب السُّلَميّ الثقة العابد المقرئ، تقدّم قبل بابين. والحديث ضعيف؛ لأن سماع جرير من عطاء بن السائب بعد اختلاطه، كما مرّ آنفْا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٦٥٩ - (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ, قَالَ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ, قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ, عَنْ أَبِيهِ, عَنْ سَعْدٍ, أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ , عَادَهُ فِي مَرَضِهِ, فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ, أُوصِي بِمَالِي كُلِّهِ؟ قَالَ: «لَا» , قَالَ: فَالشَّطْرَ؟ , قَالَ: «لَا» , قَالَ: فَالثُّلُثَ؟ , قَالَ: "الثُّلُثَ, وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ", أَوْ "كَبِيرٌ"). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا.

стр. 14979

والحديث صحيح، وسبق البحث عنه قريبًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٦٦٠ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْوَلِيدِ الْفَحَّامُ, قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَبِيعَةَ, قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ, عَنْ أَبِيهِ, عَنْ عَائِشَةَ, أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ , أَتَى سَعْدًا يَعُودُهُ, فَقَالَ لَهُ سَعْدٌ: يَا رَسُولَ اللهِ, أُوصِي بِثُلُثَيْ مَالِي؟ , قَالَ: «لَا» , قَالَ: فَأُوصِى بِالنِّصْفِ؟ , قَالَ: «لَا» , قَالَ: فَأُوصِي بِالثُّلُثِ؟ , قَالَ: "نَعَمِ, الثُّلُثَ, وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ" أَوْ "كَبِيرٌ, إِنَّكَ أَنْ تَدَعَ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ, خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَدَعَهُمْ فُقَرَاءَ, يَتَكَفَّفُونَ"). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "محمد بن الوليد بن أبي الوليد الفَحّام" البغداديّ، صدوق [١٠]. قال النسائيّ، ومسلمة بن قاسم: لا بأس به. وذكره ابن حبّان في "الثقات". وقال البغويّ، وغيره: مات ببغداد سنة (٢٥٢). تفرّد به المصنّف بهذا الحديث فقط. و"محمد بن ربيعة": هو الكلابيّ الكوفيّ، ابن عمّ وكيع، صدوق [٩] ٤/ ١٤٥٣. والحديث صحيح، وقد سبق تمام البحث فيه قريبًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٦٦١ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ, عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ, عَنْ أَبِيهِ, عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ, قَالَ: لَوْ غَضَّ النَّاسُ إِلَى الرُّبُعِ, لأَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "الثُّلُثَ, وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ" أَوْ "كَبِيرٌ"). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (قتيبة بن سعيد) الثقفي، أبورجاء البغلانيّ، ثقة ثبت [١٠] ١/ ١. ٢ - (سفيان) بن عيينة، أبو محمد المكي، ثم المكيّ، ثقة ثبت إمام حجة [٨] ١/ ١. [تنبيه]: قال في "الفتح": سفيان هنا: هو ابن عيينة؛ لأن قتيبة لم يلق الثوريّ. انتهى (١). ٣ - (هشام بن عروة) بن الزبير بن العوّام، أبو المنذر المدنيّ، ثقة فقيه ربما دلس [٥] ٤٩/ ٦١. ٤ - (أبوه) عروة بن الزبير بن العوّام الأسدي، أبو عبد اللَّه المدني الفقيه، ثقة ثبت [٣] ٤٠/ ٤٤. ٥ - (ابن عبّاس) البحر الحبر، ترجمان القرآن - رضي اللَّه تعالى عنهما - ٢٧/ ٣١. واللَّه تعالى أعلم.

стр. 14980

لطاثف هذا الإسناد: (منها): أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخه، فبغلانيّ، وسفيان، فمكيّ. (ومها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ والابن عن أبيه. (ومنها): أن فيه ابن عبّاس - رضي اللَّه تعالى عنهما - من المكثرين السبعة، والعبادلة الأربعة. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) - رضي اللَّه تعالى عنهما -، أنه (قَالَ: لَوْ غَضَّ النَّاسُ) بمعجمتين، الثانية مشدّدة: أي نقصوا في الوصيّة من الثلث إلى الربع، و"لو" للتمنّي، فلا تحتاج إلى جواب. ويحتمل أن تكون شرطيّة، والجواب محذوف، وقد وقع في رواية ابن أبي عمر في "مسنده"، عن سفيان بلفظ: "كان أحبّ إليّ"، أخرجه الإسماعيليّ من طريقه، ومن طريق أحمد بن عبدة أيضًا، وأخرجه من طريق العبّاس بن الوليد، عن سفيان بلفظ: "كان أحبّ إلى رسول اللَّه ﷺ " (إِلَى الرُّبُع) زاد الحميديّ "في الوصيّة"، وكذا رواه أحمد، عن وكيع، عن هشام، بلفظ: "وددتُّ أن الناس غضّوا من الثلث إلى الربع في الوصيّة … " الحديث. وفي رواية ابن نمير، عن هشام عند مسلم: "لو أنّ الناس غضّوا من الثلث إلى الربع". (لِأَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ) تعليلٌ لما اختاره من النقصان عن الثلث، وكأن ابن عبّاس - رضي اللَّه تعالى عنهما - أخذ ذلك من وصفه ﷺ الثلث بالكثرة، وقد تقدّم بيان الاختلاف في توجيه ذلك في شرح الحديث الأول من هذا الباب. ومن أخذ بقول ابن عبّاس في ذلك، كإسحاق بن راهويه، والمعروف في مذهب الشافعيّ استحباب النقص عن الثلث. وفي شرح مسلم للنوويّ: إن كان الورثة فقراء استُحبّ أن ينقص منه، وإن كانوا أغنياء فلا. أفاده في "الفتح" (١). وعبارة النوويّ في شرحه: وفيه استحباب النقص عن الثلث. وبه قال جمهور العلماء مطلقًا، ومذهبنا أنه إن كان ورثته أغنياء استُحبّ الإيصاء بالثلث، وإلا فيستحبّ النقص منه. وعن أبي بكر الصدّيق ﵁ أنه أوصى بالخمس. وعن عليّ ﵁ نحوه. وعن ابن عمر، وإسحاق بالربع. وقال آخرون: بالسدس. وآخرون بدونه. وقال آخرون: بالعشر. وقال إبراهيم النخعي -رحمه اللَّه تعالى-: كانوا يكرهون الوصيّة بمثل نصيب أحد الورثة. وروي عن عليّ، وابن عبّاس، وعائشة، وغيرهم ﵃ أنه يستحبّ لمن له

стр. 14981

ورثةٌ، وماله قليل ترك الوصيّة. انتهى كلام النوويّ -رحمه اللَّه تعالى- (١). (الثُّلُثَ) تقدّم أنه تجوز فيه أوجه الإعراب الثلاثة، وأولاها النصب: أي أعط الثلث (وَالثُّلُثُ كَثيرٌ) بالثاء المثلّثة، وهو مبتدأ وخبر (أَوْ كَبِيرٌ) بالباء الموحّدة، و"أو" فيه للشكّ من الراوي. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث ابن عبّاس - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٣/ ٣٦٦١ - وفي "الكبرى" ٣/ ٦٤٦١. وأخرجه (خ) في "الوصايا" ٢٧٤٣ (م) في "الوصايا" ١٦٢٩ (ق) في "الوصايا" ٢٧١١ (أحمد) في "مسند بني هاشم" ٢٠٣٥ و ٢٠٧٧. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٦٦٢ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى, قَالَ: حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ الْمِنْهَالِ, قَالَ: حَدَّثَنَا هَمَّامٌ, عَنْ قَتَادَةَ, عَنْ يُونُسَ بْنِ جُبَيْرٍ, عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سَعْدٍ, عَنْ أَبِيهِ, سَعْدِ بْنِ مَالِكٍ, أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ , جَاءَهُ وَهُوَ مَرِيضٌ, فَقَالَ: إِنَّهُ لَيْسَ لِي وَلَدٌ, إِلاَّ ابْنَةٌ وَاحِدَةٌ, فَأُوصِي بِمَالِي كُلِّهِ؟ , قَالَ: النَّبِيُّ ﷺ «لَا» , قَالَ: فَأُوصِي بِنِصْفِهِ؟ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ «لَا» , قَالَ: فَأُوصِي بِثُلُثِهِ؟ , قَالَ: «الثُّلُثَ, وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ»). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد عندهم رجال الصحيح، وتقدّموا. و"همام": هو ابن يحيى العوذيّ. و"يونس بن جُبير": هو أبو غلاّب الباهليّ البصريّ. "ومحمد بن سعد": هو أبو القاسم المدنيّ، نزيل الكوفة، كان يُلقّب ظلّ الشيطان؛ لقصره. والسند مسلسل بالبصريين، إلى محمد بن سعد، وفيه ثلاثة من التابعين يروي بعضهم عن بعض، وفيه رواية الابن، عن أبيه. والحديث صحيح، وقد سبق تمام البحث فيه قريبًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٦٦٣ - (أَخْبَرَنَا الْقَاسِمُ بْنُ زَكَرِيَّا بْنِ دِينَارٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ, عَنْ شَيْبَانَ, عَنْ فِرَاسٍ, عَنِ الشَّعْبِيِّ, قَالَ: حَدَّثَنِي جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ, أَنَّ أَبَاهُ اسْتُشْهِدَ يَوْمَ أُحُدٍ, وَتَرَكَ

стр. 14982

سِتَّ بَنَاتٍ, وَتَرَكَ عَلَيْهِ دَيْنًا, فَلَمَّا حَضَرَ جُدَادُ النَّخْلِ, أَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ , فَقُلْتُ: قَدْ عَلِمْتَ أَنَّ وَالِدِي اسْتُشْهِدَ يَوْمَ أُحُدٍ, وَتَرَكَ دَيْنًا كَثِيرًا, وَإِنِيِّ أُحِبُّ أَنْ يَرَاكَ الْغُرَمَاءُ, قَالَ: «اذْهَبْ, فَبَيْدِرْ كُلَّ تَمْرٍ عَلَى نَاحِيَةٍ» , فَفَعَلْتُ, ثُمَّ دَعَوْتُهُ, فَلَمَّا نَظَرُوا إِلَيْهِ, كَأَنَّمَا أُغْرُوا بِي تِلْكَ السَّاعَةَ, فَلَمَّا رَأَى مَا يَصْنَعُونَ, أَطَافَ حَوْلَ أَعْظَمِهَا بَيْدَرًا, ثَلَاثَ مَرَّاتٍ, ثُمَّ جَلَسَ عَلَيْهِ, ثُمَّ قَالَ: «ادْعُ أَصْحَابَكَ» , فَمَا زَالَ يَكِيلُ لَهُمْ, حَتَّى أَدَّى اللَّهُ أَمَانَةَ وَالِدِي, وَأَنَا رَاضٍ, أَنْ يُؤَدِّيَ اللَّهُ أَمَانَةَ وَالِدِي, لَمْ تَنْقُصْ تَمْرَةً وَاحِدَةً). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هكذا أورد المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- هذا الحديث في هذا الباب، في "المجتبى"، و"الكبرى"، ولم يظهر لي وجه مناسبته للباب، إذ هو من أحاديث الباب التالى، فكان الأولى أن يذكره هناك، فليُتأمّل. واللَّه تعالى أعلم. ورجال إسناده: ستة: ٤ - (الْقَاسِمُ بْنُ زَكَرِيَّا بْنِ دِينَارٍ) القرشيّ، أبو محمد الكوفي الطحان، ثقة [١١] ٨/ ٤١٠. ٢ - (عييد اللَّه) بن موسى بن أبي المختار باذام العبسيّ، أبو محمد الكوفيّ، ثقة يتشيّع، من أثبت الناس في إسرائيل، واستُصغر في الثوري [٩] ٧٢/ ١٣٢٦. ٣ - (شيبان) بن عبد الرحمن التميمي مولاهم النحويّ -منسوب إلى نحوة، بطن من الأزد، لا إلى علم النحو- أبو معاوية البصريّ، نزيل الكوفة، ثقة، صاحب كتاب [٧] ١٣/ ٣٤٧. ٤ - (فِرَاس) -بكسر أوله، وبمهملة- ابن يحيى الهمْدَانيّ الخارفيّ -بمعجمة، وفاء- أبو يحيى الكوفيّ المكتب، صدوق، ربما وهِمَ [٦] ٥٩/ ٢٥٤١. ٥ - (الشعبيّ) عامر بن شَرَاحيل الهمداني، أبو عمرو الكوفي، ثقة فقيه فاضل مشهور [٣] ٦٦/ ٨٢. ٦ - (جابر بن عبد اللَّه) بن عمرو بن حرام الأنصاريّ السَّلَميّ الصحابيّ ابن الصحابيّ - رضي اللَّه تعالى عنهما -، غزا تسع عشرة غزوة، ومات بالمدينة بعد السبعين، وهو ابن (٩٤) سنة ٣١/ ٣٥. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين، غير الصحابيّ، فمدنيّ. (ومنها): أن فيه جابر بن عبد اللَّه ﵄ أحد المكثرين السبعة، من الصحابة - رضي اللَّه تعالى عنهم -، روى (١٥٤٠) حديثًا. واللَّه تعالى أعلم.

стр. 14983

شرح الحديث (عَنِ الشَّعْبِيِّ) عامر بن شَرَاحيل الهمدانيّ الكوفيّ، أنه (قَالَ: حَدَّثَنِي جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) بن عمرو بن حرام -بمهملتين - رضي اللَّه تعالى عنهما - (أَنَّ أَبَاهُ) عبد اللَّه بن عمرو ﵁ (اسْتُشْهِدَ يَومَ أُحُدٍ) ببناء الفعل للمفعول: أي قُتل شهيدًا. وفي رواية مغيرة، عن الشعبيّ الآتي في الباب التالي: "توفّي عبد اللَّه بن عمرو بن حرام، قال: وترك دينًا"، وفي رواية وهب بن كيسان، عن جاب ﵁ "أن أباه توفّي، وترك عليه ثلاثين وسقًا لرجل من اليهود، فاستنظره جابر، فابا أن يُنظره، فكلّم جابر رسول ﷺ ليشفع له، فكلّم اليهوديّ ليأخذ ثمر نخله بالذي له، فأبى". وفي رواية للبخاريّ من طريق ابن كعب بن مالك، عن جابر ﵁ "أن أباه قُتل يوم أحد شهيدًا، وعليه دينٌ، فاشتدّ الغرماء في حقوقهم، فأتيت النبيّ ﷺ ، فكلّمته، فسألهم أن يقبلوا تمر حائطي، ويُحلّلوا أبي، فأبوا". ووقع عند أحمد من طريق نُبيح الْعَنَزيّ، عن جابر ﷺ قال: قال لي أبي: يا جابر، لا عليك أن يكون في قطاري أهل المدينة حتى تعلم إلى ما يصير أمرنا - فذكر قصّة قتل أبيه، ودفنه، قال: وترك أبي عليه دينًا من التمر، فاشتدّ عليّ بعض غرمائه في التقاضي، فأتيت النبيّ ﷺ ، فذكرت له، وقلت: فأُحبّ أن تعينني عليه، لعله أن يُنظرني طائفة من تمره إلى هذا الصِّرَام المقبل، قال: نعم آتيك إن شاء اللَّه قريبًا من نصف النهار"، فذكر الحديث في الضيافة، وفيه: "ثم قال: ادع فلانًا -لغريمي الذي اشتدّ في الطلب- فجاء، فقال: انظر جابرًا طائفةً من دينك الذي على أبيه إلى الصرام المقبل، فقال: ما أنا بفاعل، واعتلّ، وقال. إنما هو مال يتامى". (وَتَرَكَ سِتَّ بَنَاتٍ) وفي رواية أخرى: "تسع بنات"، ولعل ثلاثًا منهنّ كنّ متزوّجات، أو بالعكس. أفاده في "الفتح" (١) (وَتَرَكَ عَلَيْهِ دَيْنًا) التنوين للتكثير، كما يأتي قوله: "وترك دينًا كثيرًا (فَلَمَّا حَضَرَ جِدَادُ النَّخْلِ) بفتح الجيم، وكسرها (٢): أي صِرَامها، وهو قطع ثمرتها، يقال: جدّ الثمرةَ يجُدّها جدًّا، من باب نصر (أَتّيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، فَقُلتُ: قَدْ عَلِمْتَ) بضمير المخاطب (أَنَّ وَالِدِي اسْتُشْهِدَ) بالبناء للمفعول (يَومَ أُحُدِ، وَتَرَكَ دَيْنًا كَثِيرًا، وَإِنِّي أُحِبُّ أَنْ يَرَاكَ الْغُرَمَاءُ) وفي رواية زكريا بن أبي زائدة، عن الشعبيّ الآتي. "فانطلق معي يا رسول اللَّه؛ لكي لا يفحش عليّ الغُرَّام"، وفي رواية

стр. 14984

مغيرة، عن الشعبيّ الآتي: فاستشفعتُ برسول اللَّه ﷺ على غرمائه أن يضعوا من دينه شيئًا" (قَالَ) ﷺ (اذْهَبْ، فَبَيْدِرْ) -بفتح الموحّدة، وكسر الدال المهملة: فعل أمر من بيدر الطعام يُبيدِره بيدرةً: إذ كَوّمه. أي اجعل التمر في البيادر، كلَّ صِنْفٍ في بيدر. والْبَيْدَر -بفتح الموحّدة، وسكون التحتيّة، وفتح الدال المهملة-: موضعه الذي يُداس فيه، وهو للتمر، كالْجَرِين للْحَبّ. أفاده في "القاموس"، و"الفتح". (كُلَّ تَمْرٍ عَلَى نَاحِيَةٍ") وفي رواية مغيرة الآتية: "اذهب فصنّف تمرك أصنافًا، العجوة على حدة، وعِذْق ابن زيد على على حدة، وأصنافه". (فَفَعَلْتُ، ثُمَّ دَعَوْتُهُ، فَلَمَّا نَظَرُوا إِلَيْهِ، كَأَنَّمَا أُغْرُوا بِي) ببناء الفعل للمفعول، من أُغري به: إذا لزمه. قال الفيّوميّ: غَرِيَ بالشيء غَرًى، من باب تَعِبَ: أولِعَ به من حيث لا يحمله عليه حامل، وأغريته به إغراءً، فأغري به بالبناء للمفعول، والاسم الغَرَاء بالفتح والمدّ (تِلْكَ السَّاعةَ) يعني أنهم طالبوه بقضاء ديونهم في تلك الساعة التي جاء النبيّ ﷺ ليشفع له عندهم في أن يؤخّروه (فَلَمَّا رَأَى) ﷺ (مَا يَصْنَعُونَ) من شدّة المطالبة له (أطَاف) بالهمزة لغة في طاف: أي دار (حَوْلَ أَعْظَمِهَا بَيْدَرًا، ثَلَاثَ مَرَّاتٍ) وفي رواية ابن كعب بن مالك: "فغدا علينا، فطاف في النخل، ودعا في تمره بالبركة"، وفي رواية الذَّيَّال (١) بن حرملة، عن جابر: "فجاء هو، وأبو بكر، وعمر، فاستقرأ النخل، يقوم تحت كلْ نخلة، لا أدري ما يقول، حتى مرّ على آخرها … " الحديث أخرجه أحمد (ثُمَّ جَلَسَ عَلَيْهِ، ثُمْ قَالَ: "ادْعُ أَصْحَابَكَ) يعني أصحاب الديون الذين يطالبونه بقضائها، سمّاهمِ أصحابًا؛ لملازمتهم له، كملازمة الصاحب، فهو من التسمية بالضدّ (فَمَا زَالَ يَكِيلُ لَهُمْ، حَتَّى أَدَّى اللَّهُ أَمَانَةَ وَالِدِي) أي دينه الذي جعله أمانة عنده، وأوصاه بقضائه (وَأَنا رَاضٍ، أن يُؤَدِّيَ اللَّه أَمَانَةَ وَالِدِي) يعني أنه كان راغبًا في قضاء ديون أبيه، فقط، بحيث لأ يريد أن يفضل له شيء؛ لاهتمامه بديونه، لكن اللَّه جعل البركة في دعاء النبيّ ﷺ ، ففضل له من ديونه شيء كثير، كما يشير إليه قوله (لَمْ تَنْقُصْ تَمْرَةٌ وَاحِدَةٌ) برفع "تمرة" على الفاعلية، و"واحدة" صفته، أي كأن الذي بقي بعد قضاء الديون من كثرته كأنه لم يؤخذ منه شيء. وفي رواية زكريا بن أبي زائدة، عن الشعبيّ الآتية: "فأوفاهم الذي لهم، وبقي مثل ما أخذوا"، وفي رواية مغيرة، عن الشعبيّ الآتية: "ثم بقي تمري كان لم ينقص منه شيء". وفي رواية وهب بن كيسان، عن جابر الآتية: "قال: فما تركت أحدًا له على أبي دينٌ إلا قضيته، وفضل لي ثلاثة عشر وسقًا … " الحديث. وفي رواية: "فأوفاه ثلاثين وسقًا، وفضلت سبعة عشر وسقًا". قال في "الفتح": وُيجمع بين هذه الروايات بالحمل على تعدّد الغرماء،، فكأن أصل

стр. 14985

الدين كان منه ليهوديّ ثلاثون وسقًا، من صنف واحد، فأوفاه، وفضل من ذلك البيدر سبعة عشر وسقًا، وكان منه لغير ذلك اليهوديّ أشياء أُخر من أصناف أخرى، فأوفاهم، وفضل من المجموع قدر الذي أوفاه. ويؤيّده قوله في رواية نُبيح الْعَنَزيّ، عن جابر ﷺ : "فكلتُ له من العجوة، فأوفاه اللَّه، وفضل لنا من التمر كذا وكذا، وكلت له من أصناف التمر، فأوفاه اللَّه، وفضل لنا من التمر كذا وكذا". ووقع في رواية فِراس، عن الشعبيّ ما قد يخالف ذلك، فعنه: "ثم دعوت رسول اللَّه ﷺ ، فلما نظروا إليه كأنما أُغروا بي تلك الساعة"، أي أنهم شدّدوا عليه في المطالبة؛ لعداوتهم للنبيّ ﷺ ، قال: فلما رأى ما يصنعون طاف حول أعظمها بيدرًا ثلاث مرّات، ثم جلس عليه، ثم قال: ادعهم، فما زال يكيل لهم حتى أدّى اللَّه أمانة والدي، وأنا راض أن يؤديها اللَّه، ولا أرجع إلى أخواتي بتمرة، فسلّم اللَّه البيادر كلّها، حتى إني انظر إلى البيدر الذي عليه رسول اللَّه ﷺ كأنه لم ينقص منه تمرة واحدة". ووجه المخالفة فيه أن ظاهره أن الكيل جميعه كان بحضرة رسول اللَّه ﷺ ، وأن التمر لم ينقص منه شيء البتّة، والذي مضى ظاهره أن ذلك بعد رجوعه، وأن بعض التمر نقص. ويُجمع بأن ابتداء الكيل كان بحضرته ﷺ ، وبقيّته كان بعد انصرافه، وكان بعض البيادر التي أوفى منها بعض أصحاب الدين حيث كان بحضرة رسول اللَّه ﷺ ، لم ينقص منه شيء البتّة، ولما انصرف بقيت آثار بركته، فلذلك أوفى من أحد البيادر ثلاثين وسقًا، وفضل سبعة عشر. وفي رواية نُبيح ما يؤيّد ذلك، ففي روايته، قال: "كِلْ له، فإن اللَّه سوف يوفيه"، وفي حديثه: "فإذا الشمس قد دلكت، فقال: الصلاة يا أبا بكر، فاندفعوا إلى المسجد، فقلت له -أي للغريم-: قرّب أوعيتك"، وفيه: "فجئت أسعى إلى رسول اللَّه ﷺ كأني شرارة، فوجدته قد صلّى، فأخبرته، فقال: أين عمر؟، فجاء يُهرول، فقال: سل جابرًا عن تمره وغريمه، فقال: ما أنا بسائده، قد علمت أن اللَّه سيوفيه … " الحديث. وقصة عمر قد وقعت في رواية ابن كعب، ففيها: "ثم جئت رسول اللَّه ﷺ ، فقال لعمر: اسمع يا عمر، قال: أَلاَّ نكون قد علمنا أنك رسول اللَّه، واللَّه إنك لرسول اللَّه". وفي رواية ابن وهب: "فقال عمر: لقد علمت حين مشى فيها رسول اللَّه ﷺ ليباركنّ اللَّه فيها". وقوله في رواية ابن كعب: "إلاَّ نكون" بفتح الهمزة، وتشديد اللام في الروايات كلّها، وأصلها "أَن" الخفيفة، ضُمّت إليها "لا" النافية، أي هذا السؤال إنما يَحتاج إليه من لا يعلم أنك رسول اللَّه، فدذلك يشكّ في الخبر، فيحتاج إلى الاستدلال، وأما من
следующие страницы →