ورثةٌ، وماله قليل ترك الوصيّة. انتهى كلام النوويّ -رحمه اللَّه تعالى- (١).
(الثُّلُثَ) تقدّم أنه تجوز فيه أوجه الإعراب الثلاثة، وأولاها النصب: أي أعط الثلث (وَالثُّلُثُ كَثيرٌ) بالثاء المثلّثة، وهو مبتدأ وخبر (أَوْ كَبِيرٌ) بالباء الموحّدة، و"أو" فيه للشكّ من الراوي. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث ابن عبّاس - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٣/ ٣٦٦١ - وفي "الكبرى" ٣/ ٦٤٦١. وأخرجه (خ) في "الوصايا" ٢٧٤٣ (م) في "الوصايا" ١٦٢٩ (ق) في "الوصايا" ٢٧١١ (أحمد) في "مسند بني هاشم" ٢٠٣٥ و ٢٠٧٧. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٦٦٢ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى, قَالَ: حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ الْمِنْهَالِ, قَالَ: حَدَّثَنَا هَمَّامٌ, عَنْ قَتَادَةَ, عَنْ يُونُسَ بْنِ جُبَيْرٍ, عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سَعْدٍ, عَنْ أَبِيهِ, سَعْدِ بْنِ مَالِكٍ, أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ , جَاءَهُ وَهُوَ مَرِيضٌ, فَقَالَ: إِنَّهُ لَيْسَ لِي وَلَدٌ, إِلاَّ ابْنَةٌ وَاحِدَةٌ, فَأُوصِي بِمَالِي كُلِّهِ؟ , قَالَ: النَّبِيُّ ﷺ «لَا» , قَالَ: فَأُوصِي بِنِصْفِهِ؟ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ «لَا» , قَالَ: فَأُوصِي بِثُلُثِهِ؟ , قَالَ: «الثُّلُثَ, وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد عندهم رجال الصحيح، وتقدّموا. و"همام": هو ابن يحيى العوذيّ. و"يونس بن جُبير": هو أبو غلاّب الباهليّ البصريّ. "ومحمد بن سعد": هو أبو القاسم المدنيّ، نزيل الكوفة، كان يُلقّب ظلّ الشيطان؛ لقصره. والسند مسلسل بالبصريين، إلى محمد بن سعد، وفيه ثلاثة من التابعين يروي بعضهم عن بعض، وفيه رواية الابن، عن أبيه.
والحديث صحيح، وقد سبق تمام البحث فيه قريبًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٦٦٣ - (أَخْبَرَنَا الْقَاسِمُ بْنُ زَكَرِيَّا بْنِ دِينَارٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ, عَنْ شَيْبَانَ, عَنْ فِرَاسٍ, عَنِ الشَّعْبِيِّ, قَالَ: حَدَّثَنِي جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ, أَنَّ أَبَاهُ اسْتُشْهِدَ يَوْمَ أُحُدٍ, وَتَرَكَ
стр. 14982
سِتَّ بَنَاتٍ, وَتَرَكَ عَلَيْهِ دَيْنًا, فَلَمَّا حَضَرَ جُدَادُ النَّخْلِ, أَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ , فَقُلْتُ: قَدْ عَلِمْتَ أَنَّ وَالِدِي اسْتُشْهِدَ يَوْمَ أُحُدٍ, وَتَرَكَ دَيْنًا كَثِيرًا, وَإِنِيِّ أُحِبُّ أَنْ يَرَاكَ الْغُرَمَاءُ, قَالَ: «اذْهَبْ, فَبَيْدِرْ كُلَّ تَمْرٍ عَلَى نَاحِيَةٍ» , فَفَعَلْتُ, ثُمَّ دَعَوْتُهُ, فَلَمَّا نَظَرُوا إِلَيْهِ, كَأَنَّمَا أُغْرُوا بِي تِلْكَ السَّاعَةَ, فَلَمَّا رَأَى مَا يَصْنَعُونَ, أَطَافَ حَوْلَ أَعْظَمِهَا بَيْدَرًا, ثَلَاثَ مَرَّاتٍ, ثُمَّ جَلَسَ عَلَيْهِ, ثُمَّ قَالَ: «ادْعُ أَصْحَابَكَ» , فَمَا زَالَ يَكِيلُ لَهُمْ, حَتَّى أَدَّى اللَّهُ أَمَانَةَ وَالِدِي, وَأَنَا رَاضٍ, أَنْ يُؤَدِّيَ اللَّهُ أَمَانَةَ وَالِدِي, لَمْ تَنْقُصْ تَمْرَةً وَاحِدَةً).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هكذا أورد المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- هذا الحديث في هذا الباب، في "المجتبى"، و"الكبرى"، ولم يظهر لي وجه مناسبته للباب، إذ هو من أحاديث الباب التالى، فكان الأولى أن يذكره هناك، فليُتأمّل. واللَّه تعالى أعلم.
ورجال إسناده: ستة:
٤ - (الْقَاسِمُ بْنُ زَكَرِيَّا بْنِ دِينَارٍ) القرشيّ، أبو محمد الكوفي الطحان، ثقة [١١] ٨/ ٤١٠.
٢ - (عييد اللَّه) بن موسى بن أبي المختار باذام العبسيّ، أبو محمد الكوفيّ، ثقة يتشيّع، من أثبت الناس في إسرائيل، واستُصغر في الثوري [٩] ٧٢/ ١٣٢٦.
٣ - (شيبان) بن عبد الرحمن التميمي مولاهم النحويّ -منسوب إلى نحوة، بطن من الأزد، لا إلى علم النحو- أبو معاوية البصريّ، نزيل الكوفة، ثقة، صاحب كتاب [٧] ١٣/ ٣٤٧.
٤ - (فِرَاس) -بكسر أوله، وبمهملة- ابن يحيى الهمْدَانيّ الخارفيّ -بمعجمة، وفاء- أبو يحيى الكوفيّ المكتب، صدوق، ربما وهِمَ [٦] ٥٩/ ٢٥٤١.
٥ - (الشعبيّ) عامر بن شَرَاحيل الهمداني، أبو عمرو الكوفي، ثقة فقيه فاضل مشهور [٣] ٦٦/ ٨٢.
٦ - (جابر بن عبد اللَّه) بن عمرو بن حرام الأنصاريّ السَّلَميّ الصحابيّ ابن الصحابيّ - رضي اللَّه تعالى عنهما -، غزا تسع عشرة غزوة، ومات بالمدينة بعد السبعين، وهو ابن (٩٤) سنة ٣١/ ٣٥. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين، غير الصحابيّ، فمدنيّ. (ومنها): أن فيه جابر بن عبد اللَّه ﵄ أحد المكثرين السبعة، من الصحابة - رضي اللَّه تعالى عنهم -، روى (١٥٤٠) حديثًا. واللَّه تعالى أعلم.
стр. 14983
شرح الحديث
(عَنِ الشَّعْبِيِّ) عامر بن شَرَاحيل الهمدانيّ الكوفيّ، أنه (قَالَ: حَدَّثَنِي جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) بن عمرو بن حرام -بمهملتين - رضي اللَّه تعالى عنهما - (أَنَّ أَبَاهُ) عبد اللَّه بن عمرو ﵁ (اسْتُشْهِدَ يَومَ أُحُدٍ) ببناء الفعل للمفعول: أي قُتل شهيدًا. وفي رواية مغيرة، عن الشعبيّ الآتي في الباب التالي: "توفّي عبد اللَّه بن عمرو بن حرام، قال: وترك دينًا"، وفي رواية وهب بن كيسان، عن جاب ﵁ "أن أباه توفّي، وترك عليه ثلاثين وسقًا لرجل من اليهود، فاستنظره جابر، فابا أن يُنظره، فكلّم جابر رسول ﷺ ليشفع له، فكلّم اليهوديّ ليأخذ ثمر نخله بالذي له، فأبى". وفي رواية للبخاريّ من طريق ابن كعب بن مالك، عن جابر ﵁ "أن أباه قُتل يوم أحد شهيدًا، وعليه دينٌ، فاشتدّ الغرماء في حقوقهم، فأتيت النبيّ ﷺ ، فكلّمته، فسألهم أن يقبلوا تمر حائطي، ويُحلّلوا أبي، فأبوا". ووقع عند أحمد من طريق نُبيح الْعَنَزيّ، عن جابر ﷺ قال: قال لي أبي: يا جابر، لا عليك أن يكون في قطاري أهل المدينة حتى تعلم إلى ما يصير أمرنا - فذكر قصّة قتل أبيه، ودفنه، قال: وترك أبي عليه دينًا من التمر، فاشتدّ عليّ بعض غرمائه في التقاضي، فأتيت النبيّ ﷺ ، فذكرت له، وقلت: فأُحبّ أن تعينني عليه، لعله أن يُنظرني طائفة من تمره إلى هذا الصِّرَام المقبل، قال: نعم آتيك إن شاء اللَّه قريبًا من نصف النهار"، فذكر الحديث في الضيافة، وفيه: "ثم قال: ادع فلانًا -لغريمي الذي اشتدّ في الطلب- فجاء، فقال: انظر جابرًا طائفةً من دينك الذي على أبيه إلى الصرام المقبل، فقال: ما أنا بفاعل، واعتلّ، وقال. إنما هو مال يتامى".
(وَتَرَكَ سِتَّ بَنَاتٍ) وفي رواية أخرى: "تسع بنات"، ولعل ثلاثًا منهنّ كنّ متزوّجات، أو بالعكس. أفاده في "الفتح" (١) (وَتَرَكَ عَلَيْهِ دَيْنًا) التنوين للتكثير، كما يأتي قوله: "وترك دينًا كثيرًا (فَلَمَّا حَضَرَ جِدَادُ النَّخْلِ) بفتح الجيم، وكسرها (٢): أي صِرَامها، وهو قطع ثمرتها، يقال: جدّ الثمرةَ يجُدّها جدًّا، من باب نصر (أَتّيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، فَقُلتُ: قَدْ عَلِمْتَ) بضمير المخاطب (أَنَّ وَالِدِي اسْتُشْهِدَ) بالبناء للمفعول (يَومَ أُحُدِ، وَتَرَكَ دَيْنًا كَثِيرًا، وَإِنِّي أُحِبُّ أَنْ يَرَاكَ الْغُرَمَاءُ) وفي رواية زكريا بن أبي زائدة، عن الشعبيّ الآتي. "فانطلق معي يا رسول اللَّه؛ لكي لا يفحش عليّ الغُرَّام"، وفي رواية
стр. 14984
مغيرة، عن الشعبيّ الآتي: فاستشفعتُ برسول اللَّه ﷺ على غرمائه أن يضعوا من دينه شيئًا" (قَالَ) ﷺ (اذْهَبْ، فَبَيْدِرْ) -بفتح الموحّدة، وكسر الدال المهملة: فعل أمر من بيدر الطعام يُبيدِره بيدرةً: إذ كَوّمه. أي اجعل التمر في البيادر، كلَّ صِنْفٍ في بيدر. والْبَيْدَر -بفتح الموحّدة، وسكون التحتيّة، وفتح الدال المهملة-: موضعه الذي يُداس فيه، وهو للتمر، كالْجَرِين للْحَبّ. أفاده في "القاموس"، و"الفتح".
(كُلَّ تَمْرٍ عَلَى نَاحِيَةٍ") وفي رواية مغيرة الآتية: "اذهب فصنّف تمرك أصنافًا، العجوة على حدة، وعِذْق ابن زيد على على حدة، وأصنافه".
(فَفَعَلْتُ، ثُمَّ دَعَوْتُهُ، فَلَمَّا نَظَرُوا إِلَيْهِ، كَأَنَّمَا أُغْرُوا بِي) ببناء الفعل للمفعول، من أُغري به: إذا لزمه. قال الفيّوميّ: غَرِيَ بالشيء غَرًى، من باب تَعِبَ: أولِعَ به من حيث لا يحمله عليه حامل، وأغريته به إغراءً، فأغري به بالبناء للمفعول، والاسم الغَرَاء بالفتح والمدّ (تِلْكَ السَّاعةَ) يعني أنهم طالبوه بقضاء ديونهم في تلك الساعة التي جاء النبيّ ﷺ ليشفع له عندهم في أن يؤخّروه (فَلَمَّا رَأَى) ﷺ (مَا يَصْنَعُونَ) من شدّة المطالبة له (أطَاف) بالهمزة لغة في طاف: أي دار (حَوْلَ أَعْظَمِهَا بَيْدَرًا، ثَلَاثَ مَرَّاتٍ) وفي رواية ابن كعب بن مالك: "فغدا علينا، فطاف في النخل، ودعا في تمره بالبركة"، وفي رواية الذَّيَّال (١) بن حرملة، عن جابر: "فجاء هو، وأبو بكر، وعمر، فاستقرأ النخل، يقوم تحت كلْ نخلة، لا أدري ما يقول، حتى مرّ على آخرها … " الحديث أخرجه أحمد (ثُمَّ جَلَسَ عَلَيْهِ، ثُمْ قَالَ: "ادْعُ أَصْحَابَكَ) يعني أصحاب الديون الذين يطالبونه بقضائها، سمّاهمِ أصحابًا؛ لملازمتهم له، كملازمة الصاحب، فهو من التسمية بالضدّ (فَمَا زَالَ يَكِيلُ لَهُمْ، حَتَّى أَدَّى اللَّهُ أَمَانَةَ وَالِدِي) أي دينه الذي جعله أمانة عنده، وأوصاه بقضائه (وَأَنا رَاضٍ، أن يُؤَدِّيَ اللَّه أَمَانَةَ وَالِدِي) يعني أنه كان راغبًا في قضاء ديون أبيه، فقط، بحيث لأ يريد أن يفضل له شيء؛ لاهتمامه بديونه، لكن اللَّه جعل البركة في دعاء النبيّ ﷺ ، ففضل له من ديونه شيء كثير، كما يشير إليه قوله (لَمْ تَنْقُصْ تَمْرَةٌ وَاحِدَةٌ) برفع "تمرة" على الفاعلية، و"واحدة" صفته، أي كأن الذي بقي بعد قضاء الديون من كثرته كأنه لم يؤخذ منه شيء. وفي رواية زكريا بن أبي زائدة، عن الشعبيّ الآتية: "فأوفاهم الذي لهم، وبقي مثل ما أخذوا"، وفي رواية مغيرة، عن الشعبيّ الآتية: "ثم بقي تمري كان لم ينقص منه شيء". وفي رواية وهب بن كيسان، عن جابر الآتية: "قال: فما تركت أحدًا له على أبي دينٌ إلا قضيته، وفضل لي ثلاثة عشر وسقًا … " الحديث. وفي رواية: "فأوفاه ثلاثين وسقًا، وفضلت سبعة عشر وسقًا".
قال في "الفتح": وُيجمع بين هذه الروايات بالحمل على تعدّد الغرماء،، فكأن أصل
стр. 14985
الدين كان منه ليهوديّ ثلاثون وسقًا، من صنف واحد، فأوفاه، وفضل من ذلك البيدر سبعة عشر وسقًا، وكان منه لغير ذلك اليهوديّ أشياء أُخر من أصناف أخرى، فأوفاهم، وفضل من المجموع قدر الذي أوفاه. ويؤيّده قوله في رواية نُبيح الْعَنَزيّ، عن جابر ﷺ : "فكلتُ له من العجوة، فأوفاه اللَّه، وفضل لنا من التمر كذا وكذا، وكلت له من أصناف التمر، فأوفاه اللَّه، وفضل لنا من التمر كذا وكذا".
ووقع في رواية فِراس، عن الشعبيّ ما قد يخالف ذلك، فعنه: "ثم دعوت رسول اللَّه ﷺ ، فلما نظروا إليه كأنما أُغروا بي تلك الساعة"، أي أنهم شدّدوا عليه في المطالبة؛ لعداوتهم للنبيّ ﷺ ، قال: فلما رأى ما يصنعون طاف حول أعظمها بيدرًا ثلاث مرّات، ثم جلس عليه، ثم قال: ادعهم، فما زال يكيل لهم حتى أدّى اللَّه أمانة والدي، وأنا راض أن يؤديها اللَّه، ولا أرجع إلى أخواتي بتمرة، فسلّم اللَّه البيادر كلّها، حتى إني انظر إلى البيدر الذي عليه رسول اللَّه ﷺ كأنه لم ينقص منه تمرة واحدة".
ووجه المخالفة فيه أن ظاهره أن الكيل جميعه كان بحضرة رسول اللَّه ﷺ ، وأن التمر لم ينقص منه شيء البتّة، والذي مضى ظاهره أن ذلك بعد رجوعه، وأن بعض التمر نقص.
ويُجمع بأن ابتداء الكيل كان بحضرته ﷺ ، وبقيّته كان بعد انصرافه، وكان بعض البيادر التي أوفى منها بعض أصحاب الدين حيث كان بحضرة رسول اللَّه ﷺ ، لم ينقص منه شيء البتّة، ولما انصرف بقيت آثار بركته، فلذلك أوفى من أحد البيادر ثلاثين وسقًا، وفضل سبعة عشر. وفي رواية نُبيح ما يؤيّد ذلك، ففي روايته، قال: "كِلْ له، فإن اللَّه سوف يوفيه"، وفي حديثه: "فإذا الشمس قد دلكت، فقال: الصلاة يا أبا بكر، فاندفعوا إلى المسجد، فقلت له -أي للغريم-: قرّب أوعيتك"، وفيه: "فجئت أسعى إلى رسول اللَّه ﷺ كأني شرارة، فوجدته قد صلّى، فأخبرته، فقال: أين عمر؟، فجاء يُهرول، فقال: سل جابرًا عن تمره وغريمه، فقال: ما أنا بسائده، قد علمت أن اللَّه سيوفيه … " الحديث. وقصة عمر قد وقعت في رواية ابن كعب، ففيها: "ثم جئت رسول اللَّه ﷺ ، فقال لعمر: اسمع يا عمر، قال: أَلاَّ نكون قد علمنا أنك رسول اللَّه، واللَّه إنك لرسول اللَّه". وفي رواية ابن وهب: "فقال عمر: لقد علمت حين مشى فيها رسول اللَّه ﷺ ليباركنّ اللَّه فيها".
وقوله في رواية ابن كعب: "إلاَّ نكون" بفتح الهمزة، وتشديد اللام في الروايات كلّها، وأصلها "أَن" الخفيفة، ضُمّت إليها "لا" النافية، أي هذا السؤال إنما يَحتاج إليه من لا يعلم أنك رسول اللَّه، فدذلك يشكّ في الخبر، فيحتاج إلى الاستدلال، وأما من
стр. 14986
علم أنك رسول اللَّه، فلا يحتاج إلى ذلك.
وزعم بعض المتأخّرين أن الرواية بتخفيف اللام، وأن الهمزة فيه للاستفهام التقريريّ، فأنكر عمر عدم علمه بالرسالة، فأنتج إنكاره ثبوت علمه بها، وهو كلام موجّةٌ، إلا أن الرواية إنما هي بالتشديد، وكذلك ضبطها عياضٌ وغيره.
وقيل: النكتة في اختصاص عمر بإعلامه بذلك أنه كان معتنيًا بقصّة جابر مهتمًّا بشأنه، مساعدًا له على وفاء دين أبيه. وقيل: لأنه كان حاضرًا مع النبيّ ﷺ لما مشى في النخل، وتحقّق أن التمر الذي فيه لا يفي ببعض الدين، فأراد إعلامه بذلك؛ لكونه شاهد أول الأمر، بخلاف من لم يشاهد.
قال الحافظ: ثم وجدت ذلك صريحًا في بعض طرقه، ففي رواية أبي المتوكّل، عن جابر، عند أبي نُعيم، فذكر الحديث، وفيه: "فإذا رسول اللَّه ﷺ وعمر، فقال: انطلق بنا حتى نطوف بنخلك هذا"، فذكر الحديث. وفي رواية أبي نضرة، عن جابر عنده في هذه القصّة، قال: "فأتاه هو وعمر، فقال: يا فلان خذ من جابر، وأخّر عنه، فأبى، فكاد عمر يبطش به، فقال النبيّ ﷺ : مه يا عمر، هو حقّه، ثم قال: اذهب بنا إلى نخلك " الحديث، وفيه "فأتيت النبيّ ﷺ ، فأخبرته، فقال: ائتني بعمر، فأتيته، فقال: يا عمر سل جابرًا عن نخله"، فذكر القصّة.
ووقع في رواية الذَّيّال (١) بن حرملة أن أبا بكر وعمر جميعًا كانا مع النبيّ ﷺ ، وقال في آخره: "قال: فانطلق، فأخبر أبا بكر وعمر،، قال: فانطلقت، فأخبرتهما" الحديث. ونحوه في رواية وهب بن كيسان، عن جابر.
وجمع البيهقيّ بين مُختَلِفِ الروايات في ذلك بأن اليهوديّ المذكور كان له دين من تمر، ولغيره من الغرماء ديون أخرى، فلما حضر الغرماء، وطالبوا بحقوقهم، وكال لهم جابر التمر، ففضل تمر الحائط كأنه لم ينقص شيء، فجاء اليهوديّ بعدهم، فطالب بدينه، فجدّ له جابر ما بقي على النخلات، فأوفاه حقّه منه، وهو ثلاثون وسقًا، وفضلت منه سبعة عشر. انتهى.
قال الحافظ: وهذا الجمع يقتضي أنه لم يفضل من الذي في البيادر شيء، وقد صرّح في الرواية المتقدّمة أنها فضلت كلّها كأنه لم ينقص منها شيء، فما تقدّم من الطريق التي جمعت به أولى. انتهى (٢). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
стр. 14987
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث جابر بن عبد اللَّه - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا أخرجه البخاريّ.
(المسألة الثانية): في مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٣/ ٣٦٦٣ و ٤/ ٣٦٦٤ و ٣٦٦٥ و ٣٦٦٦ و ٣٦٦٧ - وفي "الكبرى" ٣/ ٦٤٦٣ و ٤/ ٦٤٦٤ و ٦٤٦٥ و ٦٤٦٦ و ٦٤٦٧. وأخرجه (خ) في "البيوع" ٢١٢٧ وفي "المناقب" ٣٥٨٠ (د) في "الوصايا" ٢٨٨٤ و "البيوع" ٣٣٤٧. واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): جواز الاستنظار في الدين الحالّ. (ومنها): جواز تأخير الغريم لمصلحة المال الذي يوفي منه. (ومنها): أن فيه مشي الإمام بنفسه في حوائج رعيّته، وشفاعته عند بعضهم في بعض. (ومنها): أن فيه علمًا من أعلام النبوّة، حيث حصل تكثير القليل إلى أن حصل به وفاء الدين الكثير، وفضل منه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
٤ - (بَابُ قَضَاءِ الدَّينِ قَبْلَ الْمِيرَاثِ، وَذِكْرِ اخْتِلَافِ أَلْفَاظِ النَّاقِلِينَ لِخَبَرِ جَابِرٍ فِيهِ)
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: أما اختلاف الألفاظ، فقد تقدّم البحث فيه مستوفًى في الحديث الذي قبله.
وأما كون قضاء الدين قبل الميراث، فمحلّ إجماع، ووجه الاستدلال عليه بحديث جابر ﵁ واضحٌ حيث إنه ﷺ قدّم قضاء ديون والده على قسمة تركته على ورثته، فدلّ على أن الدين مقدّم على الميراث، وهو نعق كتاب اللَّه ، حيث قال: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ الآية [النساء: ١١].
فالآية الكريمة نصّ في كون قسمة المواريث بعد تنفيذ الوصيّة، وقضاء الديون. وقد
стр. 14988
تكلّم أهل العلم في حكمة تقديم الوصيّة على الدين في هذه الآية الكريمة، وقد ترجم الإمام البخاريّ -رحمه اللَّه تعالى- في "صحيحه" بقوله: "باب تأويل قوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: ١١]. وُيذكر أنّ النبيّ ﷺ قضى بالدين قبل الوصيّة.
قال في "الفتح": هذا طرف من حديث أخرجه أحمد، والترمذيّ، وغيرهما، من طريق الحارث، وهو الأعور، عن عليّ بن أبي طالب، قال: "قضى محمد ﷺ أن الدين قبل الوصيّة، وأنتم تقرؤون الوصيّة قبل الدين"، لفظ أحمد، وهو إسناد ضعيف، لكن قال الترمذيّ: إن العمل عليه عند أهل العلم.
قال: ولم يختلف العلماء في أن الدين يقدّم على الوصيّة، إلا في صورة واحدة، وهي ما أَبُو أوصى الشخص بألف مثلاً، وصدّقه الوارث، وحكم، ثم ادّعى آخر أن له في ذمّة الميت دينًا يستغرق موجوده، وصدّقه الوارث، ففي وجه للشافعيّة تقدّم الوصيّة على الدين في هذه الصورة الخاصّة.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الوجه مخالف للنصّ، فالحق أن لا يُلتفت إلى هذا الوجه. واللَّه تعالى أعلم.
قال: ثم قد نازع بعضهم في إطلاق كون الوصيّة مقدّمة على الدين في الآية؛ لأنه ليس فيها صيغة ترتيب، بل المراد أن المواريث إنما تقع بعد قضاء الدين، ونفاذ الوصيّة، وأتى بـ "أو" للإباحة، وهي كقولك: جالس زيدًا أو عمرًا، أي لك مجالسة كلّ منهما، اجتمعا، أو افترقا، وإنما قُدّمت لمعنى اقتضى الاهتمام لتقديمها، واختُلف في تعيين ذلك المعنى، وحاصل ما ذكره أهل العلم من مقتضيات التقديم ستة أمور:
[أحدها]: الخفّة والثقل، كربيعة ومضر، فمضر أشرف من ربيعة، لكن لفظ ربيعة لما كان أخفّ قُدّم في الذكر، وهذا يرجع إلى اللفظ.
[ثانيها]: بحسب الزمان، كعاد وثمود.
[ثالثها]: بحسب الطبع، كثُلاث ورُباع.
[رابعها]: بحسب الرتبة، كالصلاة والزكاة؛ لأن الصلاة حقّ البدن، والزكاة حقّ المال، والبدن مقدّم على المال.
[خامسها]: تقديم السبب على المسبّب، كقوله تعالى: ﴿عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ قال بعض السلف: عزّ، فلما عزّ حَكَم.
[سادسها]: بالشرف والفضل، كقوله تعالى: ﴿مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ﴾.
وإذا تقرّر ذلك، فقد ذكر السهيليّ أن تقديم الوصيّة في الذكر على الدين؛ لأن
стр. 14989
الوصيّة إنما تقع على سبيل البرّ والصلة، بخلاف الدين، فإنه إنما يقع غالبًا بعد الميت بنوع تفريط، فوقعت البداءة بالوصيّة؛ لكونها أفضل. وقال غيره: قُدّمت الوصيّة لأنها شيء يؤخذ بغير عوض، والدين يؤخذ بعوض، فكان إخراج الوصيّة أشقّ على الوارث من إخراج الدين، وكان أداؤها مظنّة التفريط، بخلاف الدين، فإن الوارث مطمئنّ بإخراجه، فقدّمت الوصيّة لذلك. وأيضًا فهي حظّ فقير ومسكين غالبًا، والدين حظّ غريم يطلبه بقوّة، وله مقال، كما صحّ "إن لصاحب الدين مقالاً". وأيضًا فالوصيّة يُنشثها الموصي من قبل نفسه، فقدّمت تحريضًا على العمل بها، بخلاف الدين، فإنه ثابت بنفسه، مطلوب أداؤه، سواء ذُكر، أو لم يُذكر. وأيضًا فالوصيّة ممكنة من كلّ أحد، ولا سيّما عند من يقول بوجوبها، فإنه يقول بلزومها لكلّ أحد، فيشترك فيها جميع المخاطبين؛ لأنها تقع بالمال، وتقع بالعهد، كما تقدّم، وقلّ من يخلو عن شيء من ذلك، بخلاف الدين، فإنه يمكن أن يوجد، وأن لا يوجد، وما يكثر وقوعه مقدّمٌ على
ما يقلّ وقوعه.
وقال الزين ابن الْمُنَيِّرِ: تقديم الوصيّة على الدين في اللفظ لا يقتضي تقديمها في المعنى؛ لأنهما معاً قد ذُكرا في سياق البعدية، لكن الميراث يلي الوصيّة في البعديّة، ولا يلي الدين، بل هو بعد بعده، فيلزم أن الدين يُقدّم في الأداء، ثم الوصيّة، ثم الميراث، فيتحقّق حينئذ أن الوصيّة تقع بعد الدين حال الأداء باعتبار القبليّة، فتقديم الدين على الوصيّة في اللفظ، وباعتبار البعدية، فتقدّم الوصيّة على الدين في المعنى. واللَّه أعلم. انتهى ما في "الفتح" (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
٣٦٦٤ - (أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَلاَّمٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ -وَهُوَ الأَزْرَقُ- قَالَ: حَدَّثَنَا زَكَرِيَّا, عَنِ الشَّعْبِيِّ, عَنْ جَابِرٍ, أَنَّ أَبَاهُ تُوُفِّيَ, وَعَلَيْهِ دَيْنٌ, فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ , فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ, إِنَّ أَبِي تُوُفِّيَ, وَعَلَيْهِ دَيْنٌ, وَلَمْ يَتْرُكْ إِلاَّ مَا يُخْرِجُ نَخْلُهُ, وَلَا يَبْلُغُ مَا يُخْرِجُ نَخْلُهُ, مَا عَلَيْهِ مِنَ الدَّيْنِ, دُونَ سِنِينَ, فَانْطَلِقْ مَعِي, يَا رَسُولَ اللهِ, لِكَيْ لَا يَفْحُشَ عَلَيَّ الْغُرَّامُ, فَأَتَى رَسُولُ اللهِ ﷺ يَدُورُ بَيْدَرًا بَيْدَرًا, فَسَلَّمَ حَوْلَهُ, وَدَعَا لَهُ, ثُمَّ جَلَسَ عَلَيْهِ, وَدَعَا الْغُرَّامَ, فَأَوْفَاهُمْ, وَبَقِيَ مِثْلُ مَا أَخَذُوا).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، إلا شيخ المصنّف، وهو بغداديّ وثّقه هو، والدارقطنيّ [١١]. و"إسحاق الأزرق": هو ابن يوسف بن مِرْداس الواسطيّ ثقة [٩]. و"زكرياهو ": ابن أبي زائدة الهمدانيّ الوادعيّ
стр. 14990
الكوفيّ ثقة [٦].
وقوله: "دون سنين" أي من غير ضَمِّ سنين إلى هذه السنة، يعني أن ديونه لكثرتها لا يفي بها ما يخرُج من نخله في هذه السنة، بل لا بدّ من سنين كثيرة، تزاد على هذه السنة. وفي "الكبرى": "دون سنتين" بصيغة التثنية.
وقوله: "يُفحِش" بضمّ أوله، من الإفحاش، أي يسيئوا إليّ القول، يقال: أفحش الرجل: أتى بالفُحْش، وهو القول السيّء. قاله في "المصباح".
وقوله: "الغُرّام" -بضمّ الغين المعجمة، وتشديد الراء- جمع غَرِيم، قال ابن الأثير -رحمه اللَّه تعالى-: الْغُرّام جمع غَريم، كالْغُرَمَاء، وهو أصحاب الدين، وهو جمع غريب. انتهى (١).
وقال في "اللسان": وأما ما حكاه ثعلبٌ في خبرٍ من أنه لما قعد بعض قريش لقضاء دينه أتاه الْغُرَّامُ، فقضاهم دينه. قال ابن سيده: فالظاهر أنه جمع غَرِيم، وهذا عزيزٌ؛ لأن فَعِيلاً لا يُجمع على فُعّال، إنما فُعّال جمع فاعل، قال: وعندي أن غُرّامًا جمع مُغْرَمٍ على طرح الزوائد، كأنه جمع فاعل من قولك: غَرَمَهُ، أي غَرَّمَهُ، وإن لم يكن ذلك مقولاً. قال: وقد يجوز أن يكون غارم على النسب، أي ذو إغرام، أو تغريمٍ، فيكون غُرّامٌ جمعًا له. قال: ولم يقل ثعلب في ذلك شيئًا. انتهى (٢)).
وقوله: "فسلّم حوله"، ولفظ "الكبرى": "فمشى حوله، وهو واضح، ولعل معنى: "فسلّم" هنا: دعا له بأن يسلم من النقص عن وفاء ديون والد جابر، أو المعنى. سلّم أمره إلى اللَّه تعالى، وفوّضه إلي؛ ليجعل بركته عليه، فيوفّي ديونه. واللَّه تعالى أعلم.
والحديث أخرجه البخاريّ، وقد سبق تمام شرحه، وبيان مسائله في حديث الباب الذي قبله. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه الموضع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٦٦٥ - (أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ, عَنْ مُغِيرَةَ, عَنِ الشَّعْبِيِّ, عَنْ جَابِرٍ, قَالَ: تُوُفِّيَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ حَرَامٍ, قَالَ: وَتَرَكَ دَيْنًا, فَاسْتَشْفَعْتُ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ , عَلَى غُرَمَائِهِ أَنْ يَضَعُوا مِنْ دَيْنِهِ شَيْئًا, فَطَلَبَ إِلَيْهِمْ, فَأَبَوْا فَقَالَ لِيَ النَّبِيُّ ﷺ : «اذْهَبْ, فَصَنِّفْ تَمْرَكَ أَصْنَافًا, الْعَجْوَةَ عَلَى حِدَةٍ, وَعَذْقَ ابْنِ زَيْدٍ عَلَى حِدَةٍ, وَأَصْنَافَهُ, ثُمَّ ابْعَثْ إِلَيَّ» , قَالَ: فَفَعَلْتُ, فَجَاءَ رَسُولُ اللهِ ﷺ , فَجَلَسَ فِي أَعْلَاهُ, أَوْ فِي أَوْسَطِهِ, ثُمَّ قَالَ: «كِلْ لِلْقَوْمِ» , قَالَ: فَكِلْتُ لَهُمْ, حَتَّى أَوْفَيْتُهُمْ, ثُمَّ بَقِيَ تَمْرِي, كَأَنْ لَمْ يَنْقُصْ مِنْهُ شَيْءٌ).
стр. 14991
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا. و"جرير": هو ابن عبد الحميد الضبّيّ الكوفيّ، نزيل الريّ، وقاضيها، ثقة ثبت [٨]. و"مغيرة": هو ابن مقسم الضبيّ الكوفيّ، ثقة مُتْقِنٌ، لكنه يدلس [٦].
وقوله: "أن يضعوا" بفتح أوله، وثانيه: أي يُسقطوا بعض دينه. وقوله: "فصنّف تمرك أصنافّا" أي ميّز بين أنواعها. قال الفيّوميّ: التصنيف تمييز الأشياء بعضِها من بعض. وقال في "الفتح": أي اعزل كلّ صنف منه وحده. انتهى (١).
وقوله: "الْعَجْوَة": -بفتح العين المهملة، وسكون الجيم-: من أجود تمر المدينة. وقوله: "وعذق ابن زيد" -بفتح العين المهملة، وسكون الذال المعجمة-: نوع من التمر. قال الفيّوميّ: الْعِذْقُ: أي بالكسر: الكِبَاسةُ، وهو جامع الشَّمَاريخ، والجمع أَغذاق، مثلُ حِمْل وأحمال، والْعَذْق، مثالُ فَلْسٍ: النخلة نفسها، ويُطلق الْعَذْقُ على أنواع من التمر، ومنه عَذْقُ ابن الْحُبَيق، وعَذقُ ابن طاب، وعَذْقُ ابن زيد. قاله أبو حاتم. انتهى.
ولفظ "الكبرى": "عَذْقُ زيد" بدون لفظة "ابن"، والأول هو الذي في "صحيح البخاريّ" في "كتاب البيوع"، قال في "الفتح": وقوله: "وعذق ابن زيد" العذق بفتح العين: النحْلة، وبكسرها العرجون، والذال فيهما معجمة. و"ابن زيد" شخص نُسب إليه النوع المذكور من التمر (٢). وأصناف تمر المدينة كثيرة جدًّا، فقد ذكر الشيخ أبو محمد الجوينيّ في "الفروق" أنه كان بالمدينة، فبلغه أنهم عدّوا عند أميرها صنوف التمر الأسود خاصّة، فزادت على الستّين. قال: والتمر الأحمر أكثر من الأسود عندهم. انتهى (٣).
وقوله: "وأصنافه" أي وصنّف بقيّة أصناف التمر كلاَّ على حِدَةٍ، فيكون عطفه على ما قبله من عطف العامّ على الخاصّ.
وقوله. "كأن لم ينقص منه شيء" أي بقي منه بعد أداء الديون شيء كثير، بحيث يظنّ الظانّ أنه لم يؤخذ، ولم يُنتقص منه شيء.
والحديث أخرجه البخاريّ، وقد سبق تمام البحث فيه في الباب الماضي. واللَّه
стр. 14992
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٦٦٦ - (أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ يُونُسَ بْنِ مُحَمَّدٍ حَرَمِيٌّ, قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي, قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ, عَنْ عَمَّارِ بْنِ أَبِي عَمَّارٍ, عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ, قَالَ: كَانَ لِيَهُودِيٍّ عَلَى أَبِي تَمْرٌ, فَقُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ, وَتَرَكَ حَدِيقَتَيْنِ, وَتَمْرُ الْيَهُودِيِّ, يَسْتَوْعِبُ مَا فِي الْحَدِيقَتَيْنِ, فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «هَلْ لَكَ أَنْ تَأْخُذَ الْعَامَ نِصْفَهُ, وَتُؤَخِّرَ نِصْفَهُ؟» , فَأَبَى الْيَهُودِيُّ, فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «هَلْ لَكَ أَنْ تَأْخُذَ الْجُدَادَ؟» , فَآذِنِّي, فَآذَنْتُهُ, فَجَاءَ هُوَ وَأَبُو بَكْرٍ, فَجَعَلَ يُجَدُّ, وَيُكَالُ مِنْ أَسْفَلِ النَّخْلِ, وَرَسُولُ اللهِ ﷺ , يَدْعُو بِالْبَرَكَةِ, حَتَّى وَفَيْنَاهُ جَمِيعَ حَقِّهِ, مِنْ أَصْغَرِ الْحَدِيقَتَيْنِ -فِيمَا يَحْسِبُ عَمَّارٌ- ثُمَّ أَتَيْتُهُمْ بِرُطَبٍ وَمَاءٍ, فَأَكَلُوا وَشَرِبُوا, ثُمَّ قَالَ: «هَذَا مِنَ النَّعِيمِ الَّذِي تُسْأَلُونَ عَنْهُ»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "إبراهيم بن يونس بن محمد" البغداديّ، نزيل طَرَسوس، لقبه حَرَميٌّ- بمهملتين، بلفظ النسبة، كما قال المصنّف، صدوق [١١] ٥٤/ ١٧٥٣ من أفراد المصنّف.
و"يونس بن محمد" البغداديّ، أو محمد المؤدّب الثقة الثبت، من صغار [٩] ١٥/ ١٦٣٢.
و"حمادٌ": هو ابن سلمة البصريّ، ثقة عابد [٨]. و"عمّار بن أبي عمّار": هو مولى
بني هاشم، أبو عمرو، أو أبو عبد اللَّه المكيّ، صدوق، ربما أخطأ [٣] ٧٤/ ١٩٧٧.
وقوله: فقال النبيّ ﷺ : "هل لك أن تأخذ الخ؟ " هذا الخطاب لليهوديّ الذي يطالب جابرًا بدين أبيه.
وقوله: "فأبى اليهوديّ" بالباء الموحّدة، من الإباء، أي لم يقبل شفاعة النبيّ ﷺ بأخذ بعضه الآن، وتأخير بعضه إلى وقت آخر، بل طالب بقضاء دينه في الحال. ووقع في نسخة شرح السنديّ "فأتى اليهوديّ" بالتاء المثناة الفوقيّة، وهو تصحيف.
وقوله: "فقال النبيّ ﷺ : "هل لك أن تأخذ في الجداد؟ " هذا الخطاب لجابر ﵁، يقول له عند ما عاين شدّة مطالبة اليهوديّ هل لك أن تبداً بجداد ثمار نخلك؟. ولفظ "الكبرى": فقال النبيّ ﷺ : فأحضر الجداد، فآذنّي، فآذنته، فجاء الخ".
و"الجداد" -بالكسر، والفتح-: القطع، قال الفيّوميّ: وجَدّه جَدًّا، من باب قتل: قطعه، فهو جَدِيدٌ، فَعِيلٌ بمعنى مفعول، وهذا زمن الْجِدَاد، والْجَدَاد، وأجدّ النخلُ بالألف: حان جِداده، وهو قطعه. انتهى. و"الْجذُّ" بالذال المعجمة: القطع أيضًا.
وقوله: "فآذنّي" -بمدّ الهمزة، وتشديد النون- وهو معطوف على محذوف، يدلّ عليه ما في الرواية التالية، أي فإذا جددته، ووضعته في الْمرْبد، فآذنّي بذلك، أي
стр. 14993
أعلمني به.
وقوله: "فجُعل يُجدّ، وُيكال من أسفل النخل" ببناء الأفعال الثلاثة للمفعول، أي فشرع الناس في جدّه، وكيله للغرماء. وهذه الرواية مخالفة لما مضى، من أن الكيل كان بعد أن جُدّ، وصُنِّف في البيادر، إلا أنه يمكن أن يؤوّل، ويكال من أسفل النخل، أي يكال بعد أن يؤخذ من أسفل النخل، ويجعل في البيدر.
وقوله: "فيما يحسب عمار" بفتح السين المهملة، وكسرها، من باب ضرب، وعلم: أي في ظنّ عمار بن أبي عمار الراوي عن جابر ﵁.
وقوله: "ثم قال: هذا من النعيم" أي قال النبيّ ﷺ هذا الذي أكلتم، من الرُّطَبِ، وشربتم، من الماء من جملة النعيم التي ستسألون عنها يوم القيامة، وهو إشارة إلى قوله : ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ [التكاثر: ٨].
والحديث صحيح، وقد سبق تمام البحث فيه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٦٦٧ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى, عَنْ حَدِيثِ عَبْدِ الْوَهَّابِ, قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ, عَنْ وَهْبِ بْنِ كَيْسَانَ, عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ, قَالَ: تُوُفِّيَ أَبِي, وَعَلَيْهِ دَيْنٌ, فَعَرَضْتُ عَلَى غُرَمَائِهِ أَنْ يَأْخُذُوا الثَّمَرَةَ بِمَا عَلَيْهِ, فَأَبَوْا, وَلَمْ يَرَوْا فِيهِ وَفَاءً, فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ , فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ, قَالَ: «إِذَا جَدَدْتَهُ, فَوَضَعْتَهُ فِي الْمِرْبَدِ, فَآذِنِّي» , فَلَمَّا جَدَدْتُهُ, وَوَضَعْتُهُ فِي الْمِرْبَدِ, أَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ , فَجَاءَ وَمَعَهُ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ, فَجَلَسَ عَلَيْهِ, وَدَعَا بِالْبَرَكَةِ, ثُمَّ قَالَ: «ادْعُ غُرَمَاءَكَ, فَأَوْفِهِمْ» , قَالَ: فَمَا تَرَكْتُ أَحَدًا, لَهُ عَلَى أَبِي دَيْنٌ, إِلاَّ قَضَيْتُهُ, وَفَضَلَ لِي ثَلَاثَةَ عَشَرَ وَسْقًا, فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ, فَضَحِكَ, وَقَالَ «ائْتِ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ, فَأَخْبِرْهُمَا ذَلِكَ» , فَأَتَيْتُ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ, فَأَخْبَرْتُهُمَا, فَقَالَا: قَدْ عَلِمْنَا, إِذْ صَنَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مَا صَنَعَ, أَنَّهُ سَيَكُونُ ذَلِكَ).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الحديث رجال الصحيح، وقد تقدّموا غير مرّة. و"عبد الوهاب": هو ابن عبد المجيد الثقفيّ البصريّ، ثقة [٨]. و"عبيد اللَّه": هو ابن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطّاب العمريّ الثقه الثبت المدنيّ [٥]. و"وهب بن كيسان": هو القرشيّ مولاهم أبو نُعيم المعلّم المدنيّ، ثقة، من كبار [٤].
وقوله: "عن حديث عبد الوهّاب" أي من جملة الأحاديث التي حدّثه عبد الوهّاب الثقفيّ.
وقوله: "ولم يروا فيه وفاء" أي لم ير الغرماء ثمار نخله يفي بحقّهم، لقلّتها، وكثر ديونهم.
стр. 14994
وقوله: "في المربد" -بكسر الميم، وسكون الراء، وفتح الباء الموحّدة، آخره دال مهملة-: موضع التمر، ويقال له أيضًا: مِسْطَحٌ. ويطلق أيضًا على موقف الإبل، ومِرْبد النَّعَم. موضع بالمدينة، يقال: على نحو من ميل. أفاده في "المصباح".
والحديث أخرجه البخاريّ، وقد سبق الكلام عليه، مستوفًى قريبًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعتُ، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكّلتُ، وإليه أنيب".
…
٥ - (بَابُ إِبْطَالِ الْوَصِيَّةِ لِلْوَارِثِ)
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: إطلاق المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- الترجمة يدلّ على أنه لا يرى الوصيّة لوارث أصلاً، ولو أجازها الورثة؛ لإطلاق النصّ، وسيأتي تحقيق الخلاف في ذلك في المسألة الثالثة، إن شاء اللَّه تعالى.
٣٦٦٨ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ, عَنْ قَتَادَةَ, عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ, عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ غَنْمٍ, عَنْ عَمْرِو بْنِ خَارِجَةَ, قَالَ: خَطَبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ , فَقَالَ: «إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَعْطَى كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ, وَلَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ»).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (قتيبة بن سعيد) الثقفي، ثقة ثبت [١٠] ١/ ١.
٢ - (أبو عوانة) الوضّاح بن عبد اللَّه اليشكريّ الواسطيّ البزّاز، ثقة ثبت [٧] ٤١/ ٤٦.
٣ - (قتادة) بن دعامة السدوسيّ البصريّ، ثقة ثبت، يدلس [٤] ٣٠/ ٣٤.
٤ - (شهر بن حوشب) الأشعريّ الشاميّ، أثنى عليه، أحمد، ووثقه، وقال: ما أحسن حديثه. ووثقه ابن معين، وعنه قال: ثبتٌ. وقال البخاريّ: حسن الحديث، وقوّى أمره. ووثقه العجليّ، وغيره، وتكلّم فيه شعبة، وأحسن الكلام الحافظ أبو الحسن ابن القطّان الفاسيّ -رحمه اللَّه تعالى-، حيث قال: لم أسمع لمضعّفه حجة. انتهى. وله عند مسلم حديث واحد متابعة. وقال في "التقريب": صدوق، كثير الإرسال، والأوهام [٣] ٦٦/ ١٨٠٠.
стр. 14995
٥ - (عبد الرحمن بن غَنْم) -بفتح، فسكون- الأشعريّ الشاميّ، مختلف في صحبته، وذكره العجليّ في كبار ثقات التابعين- ١/ ٢٤٣٧. واللَّه تعالى أعلم،
٦ - (عَمْرُو بْنُ خَارِجَةَ) بن المنتفق الأشعريّ، ويقال: الأنصاريّ، ويقال: الأسديّ، حليف أبي سفيان بن حرب. وقيل: خارجة بن عمرو، والأول أصحّ. روى عن النبيّ ﷺ هذا الحديث، روى شهر بن حوشب، عن عبد الرحمن بن غَنْم الأشعريّ، عنه. وقيل: عن شهر، عن عمرو. ورواه ليث بن أبي سُليم، عن مجاهد، عن عمرو بن خارجة، مختصرًا: "لا وصيّة لوارث". وذكر له العسكريّ، والطبرانيّ حديثًا آخر من رواية الشعبيّ، عنه. ثم أورد المذكور هنا، وقال: ولا يصحّ شهر منه. وفي "معجم الطبرانيّ" التصريح بسماع شهر منه لحديث آخر (١)، وله في هذا الكتاب حديث الباب، كرره ثلاث مرّات. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير الصحابيّ، فإنه من رجال المصنف، والترمذي، وابن ماجه، وعبد الرحمن علّق له البخاريّ، وشهر أخرج له مسلم متابعة. (ومنها): أن فيه ثلاثة من التابعين يروي بعضهم عن بعض: قتادة، عن شهر، عن عبد الرحمن. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ عَمْرِو بْنِ خَارِجَةَ) - رضي اللَّه تعالى عنه -، أنه (قَالَ: خَطَبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ) وفي الرواية التالية: "أنه شهد رسول اللَّه ﷺ يخطب الناس على راحلته، وإنها لتقصع بجِرّتها، وإن لُعابها لَيسيل" (فَقَالَ: "إِنَّ اللَّه قَدْ أَعْطَى كُلَّ ذِي حَقِّ حَقَّهُ) يعني أنه قسم المواريث بين أصاحبها المستحقّين، كما بيّنه في كتابه الكريم، حيث قال: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ﴾ الآية [النساء: ١٢] (وَلَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ) أي لكونه أخذ حقّه المستَحَقّ له، فلا يجوز أن يوصَى له، حتى لا يأخذ الزيادة على بقيّة الورثة، فتحصل الشحناء، والبغضاء بذلك؛ فإن الشارع الحكيم قد منع من عطية بعض الأولاد شيئًا من المال، دون بعض، واعتبره جورًا -كما سيأتي في حديث النعمان بن بشير - رضي اللَّه تعالى عنهما - في "كتاب النحل" قريبًا، إن شاء اللَّه تعالى- مع أن ذلك يقع في
стр. 14996
يقع في حال الصحّة، وقوّة الملك، وإمكان تلافي العدل بينهم بإعطاء الذي لم يُعطه فيما بعد ذلك؛ لما فيه من إيقاع العداوة، والحسد بينهم، فكون ذلك أشدّ في حال الموت، أو المرض، وضعف الملك، وتعلّق حقوق الغير به، وتعذّر تلافي العدل بينهم أحرى، وأولى.
وهذا مجمعٌ عليه فيما إذا لم يجزه الورثة، فإن أجازوا، ففيه اختلاف بين العلماء، سيأتي تحقيقه في المسألة الثالثة، إن شاء اللَّه تعالى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث عمرو بن خارجة ﵁ هذا صحيح.
[تنبيه]: حديث: "لا وصيّة لوارث"، روي عن جماعة من الصحابة ﵃، منهم: عمرو بن خارجة، وأبو أمامة الباهليّ، وعبد اللَّه بن عبّاس، وأنس بن مالك، وعبد اللَّه ابن عمرو، وجابر بن عبد اللَّه، وعليّ بن أبي طالب، وعبد اللَّه بن عمر، والبراء بن عازب، وزيد بن أرقم، ﵃.
قال في "الفتح": عند قول البخاريّ: "باب لا وصيّة لوارث": هذه الترجمة لفظ حديث مرفوع، كأنه لم يثبت على شرط البخاريّ، فترجم به كعادته، واستغنى بما يُعطي حكمه. وقد أخرجه أبو داود، والترمذيّ، وغيرهما من حديث أبي أمامة ﷺ : سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول في خطبته في حجة الوداع: "إن اللَّه قد أعطى كلَّ ذي حقّ حقّه، فلا وصيّة لوارث". وفي إسناده إسماعيل بن عياش، وقد قوّى حديثه عن الشاميين جماعة من الأئمة، منهم أحمد، والبخارقي. وهذا من روايته عن شُرحبيل بن مسلم، وهو شاميّ ثقة، وصرّح في روايته بالتحديث عند الترمذيّ، وقال الترمذيّ: حديث حسن. وفي الباب عن عمرو بن خارجة، عند الترمذيّ، والنسائيّ، وعن أنس عند ابن ماجه، وعن عمرو بن شُعيب، عن أبيه، عن جدّه، عند الدارقطنيّ، وعن جابر عند الدارقطنيّ أيضًا، وقال: الصواب إرساله، وعن عليّ عند ابن أبي شيبة، ولا يخلو إسناد كلّ منها عن مقال، لكن مجموعها يقتضي أن للحديث أصلاً، بل جنح الشافعيّ في "الأمّ" إلى أن هذا المتن متواتر، فقال: وجدنا أهل الفتيا، ومن حفظنا عنهم من أهل العلم بالمغازي من قريش، وغيرهم، لا يختلفون في أن النبيّ ﷺ قال عام الفتح: "لا وصيّة لوارث"، ويؤثرون عمن حفظوه عنه ممن لَقُوه من أهل العلم، فكان نقل كافّة، عن كافّة، فهو أقوى من نقل واحد. وقد نازع الفخر الرازيّ في كون هذا الحديث
стр. 14997
متواترّا، وعلى تقدير تسليم ذلك، فالمشهور من مذهب الشافعيّ أن القرآن لا ينسخ بالسنّة، لكن الحجة في هذا الإجماع على مقتضاه، كما صرّح به الشافعيّ وغيره. انتهى (١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الحاصل أن حديث الباب صحيح؛ بمجموع طرقه، فقد مرّ آنفّا أنه مرويّ عن هؤلاء الصحابة ﵃، بطرق كثيرة، وقد قام بتخريجها، والكلام عليها الشيخ الألبانيّ في كتابه الممتع "إرواء الغليل"، فأجاد، وأفاد، فراجعه ٦/ ٨٧ - ٩٩ - تستفد. واللَّه تعالى أعلم.
[تنبيه آخر]: حديث عمرو بن خارجة ﵁ هذا وقع فيه اضطراب، فقد رواه أبو عوانة، وشعبة، أو سعيد، كلاهما عن قتادة، عن شهر عن عبد الرحمن بن غنم، عن عمرو، كما في هذه الرواية، والتي بعدها، ورواه إسماعيل بن أبي خالد، عن قتادة، عن عمرو بن خارجة، ولم يذكر بينهما أحدًا، كما في الرواية الثالثة.
قال الحافظ أبو الحجّاج المزيّ -رحمه اللَّه تعالى- بعد ذكر نحو ما تقدّم آنفًا: ما نصّه: رواه هشام الدستوائيّ، وحماد بن سلمة، وعبد الغفّار بن القاسم، وطلحة بن عبد الرحمن، ومُجَّاعَةُ بن الزبير، عن قتادة، نحو الأول. ورواه سعيد بن أبي عروبة أيضًا، عن مطر الورّاق، عن شهر، عن عبد الرحمن، عن عمرو.
ورواه همام بن يحيى، والحجاج بن أرطاة، وعبد الرحمن بن عبد اللَّه بن مسعود، والحسن بن دينار، وبُكير بن أبي السميط، عن قتادة، فلم يذكروا ابن غنم. وكذلك رواه ليث بن أبي سُليم، وأبو بكر الهذليّ، عن شهر. ورواه مسلم بن إبراهيم، عن أبي بكر الهذليّ، عن شهر، عن عبد الرحمن بن غنم. انتهى (٢). واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثانية): في مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٥/ ٣٦٦٨ و ٣٦٦٩ و٣٦٧٠ - وفي "الكبرى" ٥/ ٦٤٦٨ و٦٤٦٩ و٦٤٧٠. وأخرجه (ت) في "الوصايا" ٢١٢١ (ق) في "الوصايا" ٢٧١٢ (أحمد) في "مسند الشاميين" ١٧٢١٠ و١٧٢١٣ و١٧٦٢١ و١٧٦٢١ (الدارمي) في "الوصايا" ٣٢٦٠. واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في اختلاف العلماء في حكم الوصية للوارث:
قال العلامة ابن قُدامة -رحمه اللَّه تعالى-: إذا أوصى لوارثه بوصيّة، فلم يُجزها سائر الورثة، لم تصحّ، بغير خلاف بين العلماء. قال ابن المنذر، وابن عبد البرّ: أجمع أهل
стр. 14998
العلم على هذا، وجاءت الأخبار عن رسول اللَّه ﷺ بذلك.
وإن أجازها الورثة جازت في قول الجمهور من العلماء. وقال بعضهم: الوصيّة باطلة، وإن أجازوها، وهو قول المزنيّ، وأهل الظاهر، وهو قول للشافعيّ، واحتجّوا بظاهر قوله ﷺ : "لا وصيّة لوارث". وظاهر مذهب أحمد، والشافعيّ أن الوصيّة صحيحة في نفسها، وهو قول جمهور العلماء؛ لأنه تصرّف صدر من أهله في محلّه، فصحّ، كما أَبُو أوصى لأجنبيّ، والخبر قد روي فيه: "إلا أن يُجيز الورثة" (١)، والاستثناء من النفي إثبات، فيكون دليلاً على صحّة الوصيّة عند الإجازة. ولو خلا من الاستثناء كان معناه لا وصيّة نافذة، أو لازمة، أو ما أشبه ذلك، أو يقدّر فيه: لا وصيّة لوارث عند عدم الإجازة من غيره من الورثة.
وفائدة الخلاف أن الوصيّة إذا كانت صحيحة، فإجازة الورثة تنفيذٌ، وإجازة محضةٌ، يكفي فيها قول الوارث: أجزت، أو أمضيتُ، أو نقّذت، فإذا قال ذلك لزمت الوصيّة، وإن كانت باطلة، كانت الإجازة هبة مبتداةً، تفتقر إلى شروط الهبة من اللفظ، والقبول، والقبض، كالهبة المبتدأة، ولو رجع المجيز قبل القبض فيما يُعتبر فيه القبض صحّ رجوعه. انتهى كلام ابن قدامة بتصرف يسير (٢).
وقال في "الفتح": واستُدلّ بحديث "لا وصيّة لوارث" على أنه لا تصحّ الوصيّة للوارث أصلاً، وعلى تقدير نفاذها من الثلث، لا تصحّ الوصيّة له، ولا لغيره بما زاد على الثلث، ولو أجازت الورثة، وبه قال المزنيّ، وداود، وقوّاه السبكيّ، واحتجّ له بحديث عمران بن حصين ﵁ في الذي أعتق ستة أعبد، فان فيه عند مسلم، فقال له النبيّ ﷺ قولاً شديدًا، وفُسّر القول الشديد في رواية أخرى بأنه قال: "لو علمت ذلك ما صلّيتُ عليه"، ولم يُنقل أنه راجع الورثة، فدلّ على منعه مطلقًا، وبقوله في حديث سعد بن أبي وقّاص ﵁: "وكان بعد ذلك الثلث جائزًا"، فإن مفهومه أن الزائد على الثلث ليس بجائز، وبأنه ﷺ منع سعدًا من الوصيّة بالشطر، ولم يسثن صورة الإجازة. انتهى (٣).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قد أجاد السبكيّ -رحمه اللَّه تعالى- في هذه الاحتجاجات الواضحة التي تقوّي إطلاق حديث الباب، لا وصيّة لوارث.
стр. 14999
والحاصل أن القول بعدم جواز الوصيّة للوارث مطلقًا، أجازها الورثة، أم لا، هو الحقّ؛ لهذه الأدلة الواضحة، وأما الاستثناء المذكور، فإنه ضعيف، لا تقوم به الحجّة، بل قال بعضهم: إنه مثكر، وأما ما ذكره ابن قدامة من التعليل بأنه تصرّف صدر من أهله في محلّه، فصحّ، فإنه تعليل عقليٌّ في مقابلة النصّ، فلا يُلتفت إليه، ولقد سبق غير مرّة أن ذكرنا قول من قال، وأجاد في المقال:
إِذَا جَالَتْ خُيُولُ النَّصَّ يَوْمًا … تجُارِي فِي مَيَادِينِ الْكِفَاحِ
غَدّتْ شُبَهُ الْقِيَاسِيِّينَ صَرْعَى … تَطِيرُ رُؤُوسُهُنَّ مَعَ الرِّيَاحِ
واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٦٦٩ - (أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مَسْعُودٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ, قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ, قَالَ: حَدَّثَنَا قَتَادَةُ, عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ, أَنَّ ابْنَ غَنْمٍ ذَكَرَ, أَنَّ ابْنَ خَارِجَةَ, ذَكَرَ لَهُ, أَنَّهُ شَهِدَ رَسُولَ اللهِ ﷺ , يَخْطُبُ النَّاسَ, عَلَى رَاحِلَتِهِ, وَإِنَّهَا لَتَقْصَعُ بِجِرَّتِهَا, وَإِنَّ لُعَابَهَا لَيَسِيلُ, فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ , فِي خُطْبَتِهِ: «إِنَّ اللَّهَ قَدْ قَسَّمَ لِكُلِّ إِنْسَانٍ, قِسْمَهُ مِنَ الْمِيرَاثِ, فَلَا تَجُوزُ لِوَارِثٍ وَصِيَّةٌ»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "خالد": هو ابن الحارث الْهُجَيميّ البصريّ. وقوله: "حدثنا شعبة" هكذا نسخ "المجتبى"، والذي في "الكبرى": "حدّثنا سعيد" يعني ابن أبي عروبة. وكذلك ذكر في "تحفة الأشراف" ٨/ ١٥٠ - ١٥١ اختلاف النسخ، فقال: "عن شعبة"، وفي نسخة "عن سعيد".
والظاهر أن سعيدًا أصحّ، لأن ابن ماجه أخرجه في "سننه" عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن يزيد بن هارون، عن سعيد، عن قتادة الخ.
وأيضًا فإن المعروف أن شعبة لا يروي لشهر بن حوشب. واللَّه تعالى أعلم.
وقوله: "وإنها لتقصع بجرتها": قال في "القاموس": قَصَعَتِ الناقةُ بِجِرَتها، كمنعت: ردّتها إلى جوفها، أو مَضغتها، أو هو بعدَ الدَّسْعِ، وقبل المَضْغِ، أو هو أن تملأ بها فاها، أو شِدّة المضْغ انتهى.
وقال الأزهريّ: الجِرَة بالكسر ما تخُرجه الإبل من كُرُوشها، فتَجترّه، فالجِرَّةُ في الأصل للمعدة، ثم تَوَسّعوا فيها حتى أطلقوها على ما في المعدة، وجمع الجِرَة جِرَرٌ، مثلُ سِدْرَة، وسِدَر. انتهى. قاله في "المصباح".
وقال في "النهاية": القَصْعُ: شدّة المضغ، والْجِرَّةُ: ما يُخرجه البعير من بطنه ليَمْضَغَه، ثم يَبلَعَه، يقال: اجترّ البعير يَجترّ. قال: أراد شدّة المضغ، وضمّ بعض الأسنان على بعض. وقيل: قَصْع الجزة خروجها من الجوف إلى الشِّدق، ومتابعة
стр. 15000
بعضها بعضًا، وإنما تفعل ذلك الناقة إذا كانت مطمئتّةً، وإذا خافت شيئًا لم تخرجها.
وأصله من تقصيع اليربوع، وهو إخراجه تُراب قاصعائه، وهو جُحْرُهُ. انتهى (١).
والحديث صحيح، وقد سبق تمام البحث فيه في الذي قبله. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٦٧٠ - (أَخْبَرَنَا عُتْبَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْمَرْوَزِيُّ, قَالَ: أَنْبَأَنَا (٢) عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ, قَالَ: أَنْبَأَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ, عَنْ قَتَادَةَ, عَنْ عَمْرِو بْنِ خَارِجَةَ, قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إِنَّ اللَّهَ عَزَّ اسْمُهُ, قَدْ أَعْطَى كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ, وَلَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه، وهو ثقة. والحديث في إسناد اضطراب كما سبق بيانه، إلا أنه صحيح بما تقدم، كما سبق بيانه قريبًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعتُ، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكّلتُ، وإليه أنيب".
…
٦ - (بَابٌ إِذَا أَوْصَى لِعَشِيرَتِهِ الأَقْرَبِينَ)
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: إنما حذف المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- جواب "إذا" إشارةٌ إلى أن المسألة فيها خلاف بين العلماء، هل يصحّ، أم لا؟، ومن هم الأقارب؟، لكن استدلاله بحديث الباب يدلّ على أنه يرجّح القول بالجواز، وأن المراد بالأقارب هم تمام قبيلته، ولا يختصّ بها بعض دون بعض؛ لأن النبيّ ﷺ حين أُمر بإنذار عشيرته الأقربين عمّم بالإنذار تمام قريش، وهم قبيلته، وما خَصّ به أحدًا منهم، دون غيرهم.
وقد ترجم الإمام البخاريّ -رحمه اللَّه تعالى- بترجمة تعمّ الوقف والوصيّة؛ لاتّحادهما في الحكم، فقال: "باب إذا وقف، أو أوصى لأقاربه، ومن الأقارب؟ ".
قال في "الفتح": وحذف المصنّف جواب قوله: "إذا" إشارة إلى الخلاف في ذلك، أي هل يصحّ، أم لا؟، وأورد المسألة الأخرى مورد الاستفهام لذلك أيضًا، وتضمّنت
стр. 15001
الترجمة التسوية بين الوقف، والوصية فيما يتعلّق بالأقارب. وقد استطرد المصنّف من هنا إلى مسائل الوقف، فترجم لما ظهر له منها، ثم رجع أخيرًا إلى تكملة "كتاب الوصايا". وقد قال الماورديّ: تجوز الوصيّة لكلّ من جاز الوقف عليه، من صغير، وكبير، وعاقل، ومجنون، وموجود، ومعدوم، إذا لم يكن وارثًا، ولا قاتلاً. والوقف منع بيع الرقبة، والتصدّق بالمنفعة على وجه مخصوص. انتهى (١).
وسيأتي بيان اختلاف العلماء في الأقارب، في المسألة الرابعة، إن شاء اللَّه تعالى.
٣٦٧١ - (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ, قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ, عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ, عَنْ مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ, عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤] دَعَا رَسُولُ اللهِ ﷺ قُرَيْشًا, فَاجْتَمَعُوا, فَعَمَّ, وَخَصَّ, فَقَالَ: «يَا بَنِي كَعْبِ بْنِ لُؤَيٍّ, يَا بَنِي مُرَّةَ بْنِ كَعْبٍ, يَا بَنِي عَبْدِ شَمْسٍ, وَيَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ, وَيَا بَنِي هَاشِمٍ, وَيَا بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ, أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ النَّارِ, وَيَا فَاطِمَةُ أَنْقِذِي نَفْسَكِ مِنَ النَّارِ, إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا, غَيْرَ أَنَّ لَكُمْ رَحِمًا, سَأَبُلُّهَا بِبِلَالِهَا»).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (إسحاق) بن إبراهيم الحنظليّ المروزيّ، ثم النيسابوريّ، المعروف بابن راهويه، ثقة ثبت مجتهد [١٠] ٢/ ٢.
٢ - (جرير) بن عبد الحميد بن قُرط الضبّي، أبو عبد اللَّه الكوفيّ، نزيل الريّ وقاضيها، ثقة صحيح الكتاب [٨] ٢/ ٢.
٣ - (عبد الملك بن عُمير) بن سُويد اللِّخمِيّ الفَرَسيّ الكوفيّ، ثقة فقيه، تغيّر حفظه، وربّما دلّس [٣] ٤١/ ٩٤٧.
٤ - (موسى بن طلحة) بن عبيد اللَّه: هو التيميّ، أبو عيسى، أو أبو محمد المدنيّ، نزيل الكوفة، ثقة جليل [٢] ١٠/ ٤٦٨.
٥ - (أبو هريرة) - رضي اللَّه تعالى عنه - ١/ ١. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ. (ومنها): أن فيه أبا هريرة - رضي اللَّه تعالى عنه - رأس المكثرين من الرواية، روى (٥٣٧٤) حديثًا. واللَّه تعالى أعلم.
стр. 15002
شرح الحديث
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁، وأخرجه الشيخان أيضًا من حديث ابن عباس ﷺ ، قال في "الفتح": هذا يعتبر من مراسيل الصحابة، وبذلك جزم الإسماعيليّ؛ لأن أبا هريرة ﵁ إنما أسلم بالمدينة، وهذه القصّة وقعت بمكّة، وابن عبّاس كان حينئذ إما لم يولد، وإما طفلاً، ويؤيّد الثاني نداء فاطمة، فإنه يُشعر بأنها كانت حينئذ بحيث تخاطب بالأحكام. قال: ويحتمل أن تكون هذه القصّة وقعت مرّتين، لكن الأصل عدم تكرار النزول، وقد صرّح في هذه الرواية بأن ذلك وقع حين نزلت. نعم وقع عند الطبرانيّ من حديث أبي أُمامة، قال: لما نزلت: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ﴾ [الشعراء: ٢١٤] جمع رسول اللَّه ﷺ بني هاشم، ونساءه، وأهله، فقال: يا بني هاشم، اشتروا أنفسكم من النار، واسعَوا في فكاك رقابكم، يا عائشة بنت أبي بكر، يا حفصة بنت عمر، يا أم سلمة"، فذكر حديثًا طويلَا، فهذا إن ثبت دلّ على تعدّد القصّة؛ لأن القصّة الأولى وقعت بمكة؛ لتصريحه في حديث ابن عبّاس ﵄ أنه صَعِد الصفا، ولم تكن عائشة، وحفصة، وأم سلمة عنده، ومن أزواجه إلا بالمدينة، فيجوز أن تكون متأخرة عن الأولى، فيمكن أن يحضرها أبو هريرة، وابن عبّاس ﵄ أيضًا، ويُحمل قوله: "لما نزلت … جمع" أي بعد ذلك، لا أن الجمع وقع على الفور، ولعلّه كان نزل أوّلاً: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾، فجمع قريشًا، فعمّ، وخصّ، كما سيأتي، ثم نزل ثانيًا: "ورهطك منهم المخلصين"، فخصّ بذلك بني هاشم، ونساءه. واللَّه أعلم (١).
(قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾) زاد في حديث ابن عبّاس ﵄ عند الشيخين من طريق عمرو بن مرّة، عن سعيد بن جبير، عنه: "ورهطك منهم المخلصين". وهذه الزيادة وصلها الطبريّ من وجه آخر عن عمرو بن مرّة أنه كان يقرؤها كذلك. قال القرطبيّ: لعل هذه الزيادة كانت قرآنًا، فنُسخت تلاوتها. ثم استشكل ذلك بأن المراد إنذار الكفّار، والمخلص صفة المؤمن. والجواب عن ذلك أنه لا يمتنع عطف الخاص على العامّ، فقوله: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ﴾ عامّ فيمن آمن منهم، ومن لم يؤمن، ثم عطف عليه الرهط المخلصين، تنويهًا بهم، وتأكيدًا.
(دَعَا رَسُولُ اللهِ ﷺ قُرَيْشًا) بصيغة التصغير، هو النضر بن كنانة، ومن لم يلده فليس بقرشيّ. وقيل: قريش، هو فِهْر بن مالك، ومن لم يلده فليس من قريش. نقله السُّهَيليّ وغيره.
стр. 15003
وإلى هذا أشار الحافظ العراقيّ -رحمه اللَّه تعالى- في "ألفية السيرة"، حيث قال:
أَمَّا قُرَيشٌ فَالأَصَحُّ فِهْرُ … جَمَّاعُهَا وَالأَكَثَرُونَ النَّضْرُ
وأصل القَرْش: الجمع، وتقرّشوا: إذا تجمّعوا، وبذلك سمّيت قريشٌ. وقيل: قُريش دابّةٌ تسكن البحر، وبه سُمّي الرجل، قال الشاعر [من الخفيف]:
وَقُرَيْشٌ هِيَ الَّتِي تَسْكُنُ الْبَحْـ … ـرَ بهَا سُمَّيَتْ قُرَيْشٌ قُرَيْشَا
وُينسب إلى قُريش بحذف الياء، فيقال. قرشيّ، وربّما نُسب إليه في الشعر من غير تغيير، فيقال: قُريشيّ. أفاده الفيّوميّ.
(فَاجْتَمَعُوا، فَعَمَّ) أي عمهم بالإنذار (وَخَصَّ) أي خصّ من كان أهلاً لذلك بالخطاب والنداء (فَقَالَ: "يَا بَنِي كَعْبِ بْنِ لُؤَيِّ، يَا بَنِي مُرَّةَ بْنِ كَعْبٍ، يَا بَنِي عَبْدِ شَمْسٍ، وَيَا بَني عَبْدِ مَنَافٍ، وَيَا بَنِي هَاشِمٍ، وَيَا بَنِي عَبدِ الْمُطَّلِبِ) وفي حديث ابن عبّاس ﵄: "فجعل ينادي: يا بني فهر، يا بني عديّ، لبطون قريش". ووقع عند البلاذريّ من وجه آخر عن ابن عباس أبين من هذا، ولفظه: "فقال: يا بني فهر، فاجتمعوا، ثم قال: يا بني غالب، فرجع بنو محارب، والحارث ابنا فهر، فقال: يا بني لؤيّ، فرجع بنو الأدرم بن غالب، فقال: يا آل كعب، فرجع بنو عديّ، وسهم، وجمح، فقال: يا آل كلاب، فرجع بنو مخزوم، وتيم، فقال: يا آل قُصيّ، فرجع بنو زهرة، فقال: يا آل عبد مناف، فرجع بنو عبد الدار، وعبد العزّى، فقال له أبو لهب: هؤلاء بنو عبدمناف عندك". وعند الواقديّ أنه قصر الدعوة على بني هاشم والمطّلب، وهم يومئذ خمسة وأربعون رجلاً. وفي حديث عليّ ﵁ عند ابن إسحاق، والطبريّ، والبيهقيّ في "الدلائل" أنهم كانوا حينئذ أربعين، يزيدون رجلاً، أو ينقصون، وفيه عمومته: أبو طالب، وحمزة، والعبّاس، وأبو لهب. ولابن أبي حاتم من وجه آخر عنه أنهم يومئذ أربعون غير رجل، أو أربعون ورجل. وفي حديث عليّ من الزيادة: صنع لهم شاةً على ثريد، وقعب لبن، وأن الجميع أكلوا من ذلك، وشربوا، وفضلت فضلة، وقد كان الواحد منهم يأتي على جميع ذلك. قاله في "الفتح".
(أَنْقِذُوا) من الإنقاذ: أي خلّصوها من النار بترك أسبابها، والاشتغال بأسباب الجنّة (أَنْفُسَكُمْ مِنَ النَّارِ) وفي الرواية الآتية: "اشتروا أنفسكم من ربّكم"، وفي لفظ: "من اللَّه". أي باعتبار تخليصها من النار، كأنه قال: أسلموا تَسلَموا من العذاب، فكان ذلك كالشراء، كأنهم جعلوا الطاعة ثمن النجاة. وأما قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ﴾ الآية [التوبة: ١١١] فهناك المؤمن بائع، باعتبار تحصيل الثواب، والثمن الجنّة، وفيه إشارة إلى أن النفوس كلها ملك للَّه تعالى، وأن من أطاعه حقّ
стр. 15004
طاعته في امتثال أوامره، واجتناب نواهيه، وفي ما عليه من الثمن. وباللَّه تعالى التوفيق.
(وَيَا فَاطِمَةُ أَنْقِذِي نَقسَكِ مِنَ النَّارِ، إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا) أي من رحمته، أو دفع عذابه، أو بدله. وثبوتُ الشفاعة لا يوجب أنه يملك شيئًا، سيّما إذا كان محتاجًا فيها إلى الإذن من اللَّه تعالى، فقد قال اللَّه تعالى: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾ الآية [الزمر: ٤٤]. وقال النووي: معناه: لا تتكلوا على قرابتي، فإني لا أقدر على دفع مكروه يرده اللَّه تعالى بكم انتهى (١).
(غَيْرَ أَنَّ لَكُمْ رَحِمًا) اسثناء منقطع (سَأَبُلُّهَا) بضمّ الباء الموحّدة، من بلّ الرحم، من باب نصر: إذا وصدها، أي سأصلها في الدنيا، ولا أغني من اللَّه شيئًا. كذا في "النهاية". وقال السنديّ: أو بالشفاعة في الآخرة، أي إن آمنتم، لكن الوصل المشهور هو وصل الدنيا، لا وصل الآخرة. واستُعير الْبّلُّ لوصل الرحم؛ لأن بعض الأشياء تتصل بالنداوة، وتتفرّق باليبس، فاستُعير البلّ للوصل، واليبس للقطيعة (بِبِلَالِهَا) قال في "القاموس": بِلالٌ ككتاب: الماء، ويُثلّث، وكلّ ما يُبلّ به الحلقُ. وفي "المجمع": البِلالُ بكسر الباء، وئروى بفتحها، قيل: شَثهَ القطيعةَ بالحرارة، تطفا بالما. وفي "النهاية": البِلال جمع بَلَلٍ. وقيل: هو كلّ ما بلّ الحلق من ماء، أو لبن، أو غيره (٢). انتهى.
وقال النوويّ: ضبطناه بفتح الباء الثانية، وكسرها، وهما وجهان مشهوران، ذكرهما جماعات من العلماء. قال القاضي عياض: رويناه بالكسر، قال: ورأيت للخطّابيّ أنه بالفتح. وقال صاحب "المطالع": رويناه بكسر الباء، وفتحها، من بلّه يبُلّه، والبلال: الماء. ومعنى الحديث: سأصلها، شُبّهت قطيعة الرحم بالحرارة، ووصلها بإطفاء الحرارة ببرودة، ومنه "بُلُّوا أرحامكم" أي صلوها. انتهى (٣). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث أبي هريرة ﵁ هذا متّفقٌ عليه.
стр. 15005
(المسألة الثانية): في مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٦/ ٣٦٧١ و٣٦٧٢ و٣٦٧٣ و٣٦٧٤ - وفي "الكبرى" ٦/ ٦٤٧١ و٦٤٧٢ و٦٤٧٣ و٦٤٧٤. وأخرجه (خ) في "الوصايا" ٢٧٥٣ و"المناقب" ٣٥٢٧ و"التفسير" ٤٧٧١ (م) في "الإيمان" ٢٠٤ (ت) في "التفسير" ٣١٨٥ (أحمد) في "باقي مسند المكثرين" ٨١٩٧ و٨٥٠٩٥ و ٨٥٠٩ و٢٦٨٥٠ و ١٠٣٤٧ (الدارمي) في "الرقاق" ٢٧٣٢. واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان أنه إذا أوصى لأقارب فلان، يعمّ القبيلة كلها؛ لأنه ﷺ لما قيل له: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ عمّم قبيلته كلّها. (ومنها): أن الأقرب للرجل من كان يجمعه وهو جدٌّ أعلى، وكلّ من اجتمع معه في جدّ دون ذلك كان أقرب إليه. (ومنها): أن السرّ في الأمر بإنذار الأقربين أوّلاً أن الحجة إذا قامت عليهم تعدّت إلى غيرهم، وإلا فكانوا علّة للأبعدين في الامتناع، وأن لا يأخذه ما يأخذ القريب للقريب، من العطف، والرأفة، فيحابيهم في الدعوة والتخويف، فلذلك نصّ له على إنذارهم. (ومنها): أنه استدلّ بعض المالكيّة بقوله: "يا فاطمة بنت محمد، سليني من مالي ما شئت، لا أُغني عنكِ من اللَّه شيئًا" أن النيابة لا تدخل في أعمال البرّ، إذ لو جاز ذلك لكان يتحمّل عنها ﷺ بما يخلّصها، فإذا كان عمله لا يَقَعُ نيابةً عن ابنته، فغيره أولى بالمنع.
وتُعُقّب بأن هذا كان قبل أن يُعلمه اللَّه بأنه يشفع فيمن أراد، وتُقبل شفاعته، حتى يدخل قومّا بغير حساب، ويَرقع درجات قوم، ويُخرِج من النار من دخلها بذنوبه، أو كان المقام مقام التخويف والتحذير. أو أنه أراد المبالغة في الحضّ على العمل، ويكون في قوله: "لا أغني شيئًا" إضمار إلا إن أذن اللَّه لي بالشفاعة. قاله في "الفتح" (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في المراد بالأقارب، إذا أوصى لأقارب فلان:
قال أبو حنيفة: أن القرابة كلّ ذي رحم محرم من قبل الأب أوالأمّ، ولكن يبدأ بقرابة الأب قبل قرابة الأم. وقال أبو يوسف ومحمد: من جمعهم أب منذ الهجرة، من قبل أب، أو أم، من غير تفصيل، زاد زفر: ويُقدّم من قرب منهم، وهي رواية عن أبي حنيفة
стр. 15006
أيضًا. وأقلّ من يُدفع إليه ثلاثة. وعن محمد اثنان. وعند أبي يوسف واحد. ولا يُصرف للأغنياء عندهم، إلا أن يشترط ذلك.
وقالت الشافعيّة: القريب من اجتمع في النسب، سواء قرب، أم بعُدَ، مسلمًا كان، أو كافرًا، غنيًّا كان، أو فقيرًا، ذكراً كان، أو أُنثى، وارثًا أو غير وارث، محرمًا، أو غير محرم.
واختلفوا في الأصول والفروع على وجهين، وقالوا: إن وجد جمعٌ محصورون أكثر من ثلاثة استوعبوا. وقيل: يُقتصر على ثلاثة، وإن كانوا غير محصووين، فنقل الطحاويّ الاتفاق على البطلان. وفيه نظر؛ لأن عند الشافعيّة وجهًا بالجواز، ويُصرف منهم لثلاثة، ولا تجب التسوية.
وقال أحمد في القرابة كالشافعيّ، إلا أنه أخرج الكافر، وفي رواية عنه القرابة من جمعه، والموصي الأب الرابع إلى ما هو أسفل منه.
وقال مالك: يختصّ بالعصبة، سواء كان يرثه أو لا، ويُبدأ بفقرائهم حتى يغنوا، ثم يُعطى الأغنياء. قاله في "الفتح" (١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: عندي أن ما ذهب إليه من قال بتعميم القرابة مطلقًا (٢)، أرجح؛ لأن أبا طلحة ﵁ لما قال له النبيّ ﷺ في وقفه بيرحاء: "اجعلها لفقراء قرابتك" جعلها لحسّان بن ثابت، وأبيّ بن كعب، وكان حسّان يجتمع معه في حرام بن عمرو، فأبو طلحة هو زيد بن سهل بن الأسود بن حرام بن عمرو بن زيد مناة ابن عديّ بن عمرو بن مالك بن النجّار. وحسّان هو ابن ثابت بن المنذر بن حرام، فاجتمعا في حرام، وهو الأب الثالث. وأما أُبيّ، فهو ابن كعب بن قيس بن عُبيد بن بن زيد بن معاوية بن عمرو بن مالك بن النجّار، فاجتمعا في عمرو بن مالك، وهو الأب السادس.
ووجه الاستدلال أنه لما أمره ﷺ أن يجعل وقفه لفقراء قرابته جعلها لهما، ولم يقدّم حسّانًا على أبي، فدلّ على أن كلّ من اجتمع مع الموصي في جدّ، فهو أحقّ بالوصيّة، ومثله الوقف.
وهذا هو الذي دلّ عليه ظاهر ترجمة المصنّف، والبخاريّ -رحمهما اللَّه تعالى-، حيث استدلاّ على ذلك بتعميم النبيّ ﷺ المذكور في حديث الباب. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
стр. 15007
٣٦٧٢ - (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ سُلَيْمَانَ, قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى, قَالَ: أَنْبَأَنَا (١) إِسْرَائِيلُ, عَنْ مُعَاوِيَةَ -وَهُوَ ابْنُ إِسْحَاقَ- عَنْ مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ, قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ, اشْتَرُوا أَنْفُسَكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ, إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا, يَا بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ, اشْتَرُوا أَنْفُسَكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ, إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا, وَلَكِنْ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ رَحِمٌ, أَنَا بَالُّهَا (٢) بِبِلَالِهَا»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه، "أحمد بن سليمان" أبي الحسين الرُّهاويّ، فإنه من أفراد المصنّف، وهو ثقة حافظ. وكلهم تقدّموا، غير:
١ - (معاوية بن إسحاق) بن طلحة بن عُبيد اللَّه التيميّ، أبي الأزهر الكوفيّ، صدوق، ربّما وهم [٦].
قال أحمد، والنسائيّ، وابن سعد، والعجليّ: ثقة. وقال أبو حاتم، ويعقوب بن سفيان: لا بأس به. وذكره ابن حبّان في "الثقات". وقال أبو زرعة: شيخٌ واه. روى له البخاريّ، والمصنّف، وأبو داود في "القدر"، وابن ماجه. وله عند المصنّف في هذا الكتاب حديث الباب فقط.
و"عبيد اللَّه بن موسى": هو ابن أبي المختار باذام العبسيّ الكوفيّ. و"إسرائيل": هو ابن يونس.
والحديث صحيحٌ، وقد سبق تمام البحث فيه في الذي قبله. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٦٧٣ - (أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ, عَنِ ابْنِ وَهْبٍ, قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ, عَنِ ابْنِ شِهَابٍ, قَالَ: أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ, وَأَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ, عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ , حِينَ أُنْزِلَ عَلَيْهِ: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ﴾ , قَالَ: «يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ, اشْتَرُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ اللَّهِ, لَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا, يَا بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ, لَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا, يَا عَبَّاسُ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ, لَا أُغْنِي عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا, يَا صَفِيَّةُ عَمَّةَ رَسُولِ اللهِ ﷺ , لَا أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا, يَا فَاطِمَةُ بِنْتَ مُحَمَّدٍ, سَلِينِي مَا شِئْتِ, لَا أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه، وهو أبو الربيع المصريّ، فإنه ممن تفرّد به هو، وأبو داود، وهو ثقة.
стр. 15008
وقوله: "يا صفيّة عمّة رسول اللَّه ﷺ " "صفيّة" مبنيّ على الضمّ؛ لكونه نكرة مقصودة، وأما "عمّة" فمنصوب لا غير، وقد أشار إلى ذلك ابن مالك بقوله:
تَابعَ ذِي الضَّّمِّ الْمُضَافَ دُونَ "أَلْ" … أَلْزِمْهُ نَصْبًا كـ "أَزَيْدُ ذَا الْحِيَلْ"
فما وقع في "الفتح" -٩/ ٤٥٢ - من قوله: "ويجوز في "صفيّة" الرفع والنصب" (١).
ففيه أنه اشتبه عليه هذا بقوله:، يا فاطمة بنت محمد ﷺ "، فإنه هو الذي يجوز فيه ما ذُكر، فيجوز ضمّ فاطمة، ونصبه، وأما "بنت" فمنصوب لا غير، وإلى هذا أشار ابن مالك بقوله:
وَنَحْوَ "زَيْدٍ" ضُمَّ وَافْتَحَنَّ مِنْ … نَحْوِ "أَزَيْدُ بْنَ سعِيدِ لَا تَهِنْ"
فقد قال العلماء: إن "ابنة" مثل "ابن" في ذلك، راجع شروح "الخلاصة" وحواشيها في "باب النداء"، تستفد، وباللَّه تعالى التوفيق.
وقوله: "سليني ما شئت" أي مما أقدر عليه، من أمور الدنيا، فأعطيك.
والحديث متّفقٌ عليه. وقد سبق تمام البحث فيه قريبًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٦٧٤ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خَالِدٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ شُعَيْبٍ, عَنْ أَبِيهِ, عَنِ الزُّهْرِيِّ, قَالَ: أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ, وَأَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ, أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ, قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ , حِينَ أُنْزِلَ عَلَيْهِ ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤] , فَقَالَ: «يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ, اشْتَرُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ اللَّهِ, لَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا, يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ, لَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا, يَا عَبَّاسُ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ, لَا أُغْنِي عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا, يَا صَفِيَّةُ عَمَّةَ رَسُولِ اللهِ ﷺ , لَا أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا, يَا فَاطِمَةُ, سَلِينِي مَا شِئْتِ, لَا أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير: "محمد بن خالد": وهو الكلاعيّ، أبو الحسين الحمصيّ، فإنه من أفراده، وقد وثّقه هو. و"شعيب": هو ابن أبي دينار حمزة الحمصيّ.
والحديث متّفق عليه، وقد سبق البحث عنه قريبًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٦٧٥ - (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ, قَالَ: أَنْبَأَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ, قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ -وَهُوَ ابْنُ عُرْوَةَ- عَنْ أَبِيهِ, عَنْ عَائِشَةَ, قَالَتْ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ
стр. 15009
الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤] , قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «يَا فَاطِمَةُ ابْنَةَ مُحَمَّدٍ, يَا صَفِيَّةُ بِنْتَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ, يَا بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ, لَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا, سَلُونِي مِنْ مَالِي مَا شِئْتُمْ»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا غير مرّة. و"إسحاق بن إبراهيم": هو ابن راهويه. و"أبو معاوية": هو محمد بن خازم الضرير الكوفيّ.
وقولها: "لَمّا نزلت هذه الآية الخ" ولفظ مسلم من طريق وكيع، ويونس بن بكير، كلاهما عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، ﵄، قالت: لما نزلت: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾، قام رسول اللَّه ﷺ ، على الصفا، فقال: "يا فاطمة بنت محمد، يا صفية بنت عبد المطلب، يا بني عبد المطلب، لا أملك لكم من اللَّه شيئا، سلوني من مالي ما شئتم".
وقوله: "يا فاطمة بنت محمد" يجوز نصب "فاطمة"، و"صفيًة"، و"عباس"، وضمها، والنصب أفصح، وأشهر، وأما "بنت" فمنصوب لا غير. وهذا وإن كان ظاهرًا، معروفًا، فلا بأس بالتنبيه عليه لمن لا يحفظه. وأفرد ﷺ هؤلاء لشدّة قرابتهم. قاله النوويّ (١).
وشرح الحديث سبق مستوفًى في شرح حديث أبي هريرة ﵁. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - هذا أخرجه مسلم.
(المسألة الثانية): في مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٦/ ٣٦٧٥ - وفي "الكبرى" ٦/ ٦٤٧٥. وأخرجه (م) في "الإيمان" ٢٠٥ (ت) في "الزهد" ٢٣١٠ و"التفسير" ٣١٨٤ (أحمد) في "باقي مسند الأنصار" ٢٤٥٢٣ و ٢٥٠٠٨. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعتُ، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكّلتُ، وإليه أنيب".
…
стр. 15010
٧ - (إِذَا مَاتَ الْفَجْأَةَ، هَلْ يُسْتَحَبُّ لأَهْلِهِ أَنْ يَتَصَدَّقُوا عَنْهُ)
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: ووقع في نسخة: "فَجْأَة" بالتنكير، وهو بفتح الفاء، وسكون الجيم، وفي "الهنديّة": "الفُجَآءة" بالمدّ، وفي نسخة "فُجَآءةَ" بالتنكير، وعليهما فالفاء مضمومة، والجيم مفتوحة.
قال ابن الأثير: يقال: فَجِئه الأمر، وفَجَأه فُجاءةً بالضمّ والمدّ، وفاجأه مُفاجأَةَ: إذا بغته من غير تقدّم سبب، وقيّده بعضهم بفتح الفاء، وسكون الجيم، من غير مدّ، على المرّة. انتهى (١).
وقال الفيّوميّ: فَجِئتُ الرجلّ أَفْجَأُهُ مهموزٌ، من باب تَعِبَ، وفي لغة بفتحتين: جئتُهُ بغتةً، والاسمُ الْفُجَاءةُ بالضمّ، والمدّ، وفي لغة وِزانُ تمرة، وفَجِأَهُ الأمرُ، من باب تَعِبَ، ونَفَعَ أيضًا: وفاجأه مُفاجأةً: أي عاجله. انتهى.
و"الفَجْأةُ" -بفتح الفاء، وسكون الجيم، بغير مدّ، ويقال: "الْفُجَاءَةُ -بضمّ الفاء، والمدّ-: هي الهُجُوم على من لم يَشعُر به، وموت الفَجْأة وقوعه: بغير سبب، من مرض وغيره. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
٣٦٧٦ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ, قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ الْقَاسِمِ, عَنْ مَالِكٍ, عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ, عَنْ أَبِيهِ, عَنْ عَائِشَةَ, أَنَّ رَجُلاً, قَالَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ : إِنَّ أُمِّي افْتُلِتَتْ نَفْسُهَا, وَإِنَّهَا لَوْ تَكَلَّمَتْ تَصَدَّقَتْ, أَفَأَتَصَدَّقُ عَنْهَا؟ , فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «نَعَمْ» , فَتَصَدَّقَ عَنْهَا).
وجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (محمد بن سلمة) أبوالحارث المراديّ الجمليّ المصريّ ثقة ثبت [١١] ١٩/ ٢٠.
٢ - (ابن القاسم) عبد الرحمن الْعُتَقيّ المصريّ الفقيه، صاحب الإمام مالك، ثقة، من كبار [١٠] ١٩/ ٢٠.
٣ - (مالك) بن أنس إمام دار الهجرة الثقة الثبت الحجة [٧] ٧/ ٧.
٤ - (هشام بن عروة) أبو المنذر المدني، ثقة فقيه، ربما دلس [٥] ٤٠/ ٤٤.
стр. 15011
٥ - (أبوه) عروة بن الزبير بن العوّام المدنيّ، ثقة ثبت فقيه [٣] ٤٠/ ٤٤.
٦ - (عائشة) أم المؤمنين - رضي اللَّه تعالى عنها -٥/ ٥. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخه، وشيخ شيخه، فمصريّان. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ، والابن عن أبيه، وفيه عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - من المكثرين السبعة. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ عَائِشَةَ) - رضي اللَّه تعالى عنها - (أَنَّ رَجُلاً) هو سعد بن عبادة ﵁ الآتي قريبًا (قَالَ: لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ : إِنَّ أُمِّي) هي: عمرة بنت سعد بن عمرو بن زيد مناة، وقيل: بنت سعد بن قيس، وقيل: بنت مسعود بن قيس بن عمرو بن زيد مناة بن عديّ بن عمرو بن مالك بن النجّار. ماتت في حياة النبيّ ﷺ سنة خمس. قال ابن سعد: ماتت والنبيّ ﷺ في غزوة دُومة الجندل، في شهر ربيع الأول، فلما جاء النبيّ ﷺ المدينة أتى قبرها، فصلّى عليها (١).
(افْتُلِتَتْ نَفْسُهَا) -بضمّ المثنّاة، وكسر اللام-: أي سُلبت، على ما لم يُسمّ فاعله، و"نفسها" بالرفع نائب الفاعل. يقال: اقتُلت فلانٌ: أي مات فجأةٌ، وافتُلتت نفسه كذلك. وضبطه بعضهم بفتح السين، إما على التمييز، وإما على أنه مفعول ثان. والفَلْتَةُ، والإفلات: ما وقع بغتة، من غير رويّة. وذكر ابن قُتية بالقاف، وتقديم المثنّاة، وقال: هي كلمة تفال لمن قتله الحبّ، ولمن مات فَجْأةً، والمشهور في الروية بالفاء (٢).
وقال في "النهاية": "افتُلتت نفسها": أي ماتت فَجأةً، وأُخذت نفسُها فَلْتَةً، يقال: افتلته: إذا استلبه، وافتُلت فلان بكذا: إذا فُوجيء قبل أن يستعدّ له. ويُروى بنصب "النفس"، ورفعها، فمعنى النصب: افتلتها اللَّه نفسها، مُعدّى إلى مفعولين، كما تقول: اختلسه الشيءَ، واستلبه إياه، ثم بُني الفعل لما لم يُسمّ فاعلُهُ، فتحوّل المفعول الأول مُضمرّا، وبقي الثاني منصوبًا، وتكون التاء الأخيرة ضمير الأمّ: أي افتُلِتت هي نفسَهَا انتهى (٣).
стр. 15012
(وَإِنَّهَا لَوْ تَكَلَّمَتْ تَصَدَّقَتْ) وفي رواية البخاريّ في "الوصايا" عن عبد اللَّه بن يوسف، عن مالك: "وأُراها لو تكلّمت تصدّقت"، وهو بضمّ همزة "أُراها"، وفي رواية له في "الجنائز" من وجه آخر، عن هشام بلفظ: "وأظنّها". قال في "الفتح": وهو يُشعر بأن رواية ابن القاسم عن مالك، عند النسائيّ، بلفظ: "وإنها لو تكلّمت" تصحيفٌ، وظاهره أنها لم تتكلّم، فلم تتصدّق، لكن في "الموطّإ" عن سعيد بن عمرو بن شُرَحبيل ابن سعيد بن سعد بن عبادة، عن أبيه، عن جدّه، قال: "خرج سعد بن عبادة مع النبيّ ﷺ في بعض مغازيه، وحضرت أمه الوفاة بالمدينة، قيل لها أوصي، فقالت: فيم أوصي؟ المال مال سعد، فتُوفّيت قبل أن يقدم سعد"، فذكر الحديث، فإن أمكن تأويل رواية الباب بأن المراد أنها لم تتكلّم، أي بالصدقة، "ولو تكلّمت لتصدّقت"، أي فكيف أمضي ذلك؟، أو يُحمل على أن سعداً ما عَرَف بما وقع منها، فإن الذي روى هذا الكلام في "الموطإ" هو سعيد بن سعد بن عبادة، أو ولده شُرَحبيل مرسلاً، فعلى التقديرين لم يتّحد راوي الإثبات، وراوي النفي، فيمكن الجمع بينهما بذلك. واللَّه أعلم. انتهى.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رواية "الموطّإ" التي ذكرها هي الرواية التالية للمصنّف هنا. وحاصل الجواب أن المراد أنها لم تتكلّم بصدقة شيء معيّن، وإنها لما قيل لها: أوصي، قالت: الوصيّة تعتمد على المال الموصى به، وليس لي ذلك، وإنما هو لسعد، فلما جاء سعد ﵁ بعد موتها، وأخبر بما قالت: أراد أن يتصدّق عنها، فسأل رسول اللَّه ﷺ عن ذلك، فأمره به.
والحاصل أن دعوى التصحيف في رواية المصنّف غير صحيحة؛ للجمع بين الروايتين بما ذكر. واللَّه تعالى أعلم.
(أَفَأَتَصَدَّقُ عَنْهَا؟) وفي الرواية التالية: "هل ينفعها أن أتصدّق عنها؟ "، وفي رواية للبخاريّ: "فهل لها أجرٌ إن تصدّقت عنها؟ "، قال: نعم"، ولبعضهم: "أتصدّق عليها، أو أصرفه على مصلحتها" (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "نَعَمْ"، فَتَصَدَّقَ عَنْهَا) وفي الرواية التالية: "فقال سعد: حائط كذا وكذا صدقة عنها، لحائط سمّاه". وفي رواية ابن عبّاس ﵄ الآتي في -٣٦٨٢ - "قال: فإن لي مَخْرَفًا، فأُشهدك أني قد تصدّقت به عنها". واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسانل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - هذا متّفقٌ عليه.
стр. 15013
(المسألة الثانية): في مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٧/ ٣٦٧٦ - وفي "الكبرى" ٧/ ٦٤٧٦. وأخرجه (خ) في "الجنائز" ١٣٨٨ و"الوصايا" ٢٧٦٠ (م) في "الوصايا" ١٠٠٤٠ (د) في "الوصايا" ٢٨٨١ (ق) في "الوصايا" ٢٧١٧ (أحمد) في "باقي مسند الأنصار" ٢٣٧٣٠ (الموطأ) في "الأقضية" ١٤٩٠. واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان استحباب الصدقة لمن مات فَجأة. (ومنها): جواز الصدقة عن الميت، وأن ذلك ينفعه بوصول ثواب الصدقة إليه، ولا سيّما إن كان من الولد، وهو مخصّص لعموم قوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم: ٣٩]، ويلتحق بالصدقة العتق عنه، عند الجمهور؛ خلافًا للمشهور عند المالكيّة. وقد اختُلف في غير الصدقة من أعمال البرّ، هل تصل إلى الميت، كالحجّ، والصوم؟. (ومنها): أن ترك الوصيّة جائزٌ؛ لأنه ﷺ لم يذُمّ أم سعد على ترك الوصيّة. قاله ابن المنذر. وتُعُقّب بأن الإنكار عليها قد تعذّر لموتها، وسقط عنها التكليف. وأجيب بأن فائدة إنكار ذلك لو كان منكرًا ليتّعظ غيرها ممن سمعه، فلما أقرّ على ذلك دك على الجواز. (ومنها): ما كان عليه الصحابة ﵁ من استشارة النبيّ ﷺ في أمور الدين. (ومنها): العمل بالظنّ الغالب. (ومنها): مشروعيّة الجهاد في حياة الأمّ، وهو محمول على أنه استأذنها. (ومنها): السؤال عن التحمّل، والمسارعة إلى عمل البرّ، والمبادرة إلى برّ الوالدين. (ومنها): أن إظهار الصدقة قد يكون خيرًا من إخفائها، وهو عند اغتنام صدق النيّة فيه. (ومنها): أن للحاكم تحمّل الشهادة في غير مجلس الحكم، نبّه على ذلك أبو محمد بن أبي جمرة -رحمه اللَّه تعالى-، ونقله الحافظ في "الفتح"، وقال: وفي بعضه نظرٌ لا يخفى، وكلامه على أصل الحديث، وهو في حديث ابن عبّاس أبسط من حديث عائشة ﵂ (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٦٧٧ - أَنْبَأَنَا الْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ, قِرَاءَةً عَلَيْهِ, وَأَنَا أَسْمَعُ, عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ, عَنْ مَالِكٍ, عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ شُرَحْبِيلَ بْنِ سَعِيدِ بْنِ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ, عَنْ أَبِيهِ, عَنْ جَدِّهِ, قَالَ: خَرَجَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ, مَعَ النَّبِيِّ ﷺ , فِي بَعْضِ مَغَازِيهِ, وَحَضَرَتْ أُمَّهُ الْوَفَاةُ بِالْمَدِينَةِ, فَقِيلَ لَهَا: أَوْصِي, فَقَالَتْ: فِيمَ أُوصِي؟ , الْمَالُ مَالُ سَعْدٍ, فَتُوُفِّيَتْ قَبْلَ أَنْ
стр. 15014
يَقْدَمَ سَعْدٌ, فَلَمَّا قَدِمَ سَعْدٌ, ذُكِرَ ذَلِكَ لَهُ, فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ, هَلْ يَنْفَعُهَا أَنْ أَتَصَدَّقَ عَنْهَا؟ , فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «نَعَمْ» , فَقَالَ سَعْدٌ: حَائِطُ كَذَا وَكَذَا, صَدَقَةٌ عَنْهَا -لِحَائِطٍ سَمَّاهُ-).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (الحارث بن مسكين) أبو عمرو القاضي المصريّ، ثقة فقيه [١٠] ٩/ ٩.
٢ - (سعيد بن عمرو بن شُرَحبيل بن سعيد بن سعد بن عُبادة) الأنصاريّ الخزرجيّ المدنيّ، ثقة [٦].
قال النسائيّ: ثقة. وذكره ابن حبّان في "الثقات" في الطبقة الرابعة، وقال: يروي الوجدات. تفرّد به المصنّف بهذا الحديث فقط.
٣ - (أبوه) عمرو بن شُرَحبيل بن سعيد بن سعد بن عُبادة الأنصاريّ الخزرجيّ المدنيّ، مقبول [٦].
روى عن أبيه. وعنه ابناه: سعيد، وعبد الرحمن، وعبد اللَّه بن محمد بن عَقِيل، ومحمد بن عبد الرحمن بن سعد بن زُرارة. ذكره ابن حبّان في "الثقات". تفرّد به المصنّف بهذا الحديث فقط.
٤ - (جده) شُرحبيل بن سعيد بن سعد بن عبادة الأنصاريّ النجاريّ المدنيّ، مقبول [٥].
روى عن أبيه، وجدّه. وعنه ابنه عمرو، وعبد اللَّه بن محمد بن عَقِيل. وذكره ابن حبّان في "الثقات". تفرّد به المصنّف بهذا الحديث فقط.
٥ - (سعد بن عبادة) بن دُليم بن حارثة الأنصاريّ الخزرجيّ، أحد النقباء، وأحد الأجواد، مات ﵁ بأرض الشام سنة (١٥) وقيل: غير ذلك، تقدّمت ترجمته في ٤٩/ ١٢٨٥. والباقيان تقدما في السند الماضي. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سباعيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين من مالك، والباقيان مصريان. (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه، عن جدّه. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
عن شُرَحبيل بن سعيد، أنه (قال: خَرَجَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ) - رضي اللَّه تعالى عنه - (مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ، فِي بَعْضِ مَغَازِيهِ) تقدّم أنها غزوة دُومة الجندل، وذلك سنة خمس من الهجرة
стр. 15015
في ربيع الأول (وَحَضَرَتْ أُمَّهُ) عمرة بنت سعد، وقيل: مسعود بن قيس - رضي اللَّه تعالى عنها - (الْوَفَاةُ بِالْمَدِينَةِ، فَقِيلَ لَهَا: أَوْصِي) فعل أمر من الإيصاء، مسند إلى ضمير المخاطبة (فَقَالَتْ: فِيمَ أُوصِي؟) أي في أيّ شيء أوصي؟، فإن الوصية تعتمد على المال، ولا مال لي (الْمَالُ مَالُ سَعْدٍ، فَتُوُفَّيَتْ) بالبناء للمفعول (قَبْلَ أَنْ يَقْدَمَ) بفتح الدال المهملة، من باب تَعِبَ (سَعْدٌ، فَلَمَّا قَدِمَ سَعْدٌ، ذُكِرَ ذَلِكَ لَهُ) أي ما اعتذرت به أمه في تركها الوصيّة (فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، هَلْ يَتفَعُهَا أَنْ أَتَصَدَّقَ عَنْهَا؟) بفتح همزة "أن" على أنها مع ما بعدها في تأويل المصدر فاعل "ينفع". وضبط بعضهم بكسر "إن" على أنها شرطيّة، والفاعل ضمير يعود إلى التصدّق المفهوم من "أتصدّق" (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ :: "نَعَمْ") فيه أن التصدّق عن الميت يصل إليه ثوابه (فَقَالَ: سَعْدْ) ﵁ (حَائِطُ كَذَا وَكَذَا، صَدَقَة عَنْهَا) الحائط: البستان، وجمعه الحوائط (لِحَائِطٍ سَمَّاهُ) هذا من كلام الراوي، يعني أن سعدًا ﵁ ذكر حائطا معيّنًا صدقة لأمه. وفي حديث ابن عباس ﵄ الآتي: "فإن لي مخْرفًا، فاشهدك أني تصدّقت به عنها"، و"المخرف" بفتح، فسكون: البستان. وفي رواية الحسن الآتية: "قال: فأيّ الصدقة أفضل؟، قال: سقي الماء،، فتلك سِقَاية سعد بالمدينة". ولا تنافي بين الروايتين، لاحتمال أن يكون في داخل الحائط بئر يُستقى منها الماء، فتصدّق بالاثنين. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث سعد بن عبادة ﵁ هذا صحيح.
(المسألة الثانية): في مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٧/ ٣٦٧٧ و٩/ ٦٩١ و ٣٦٩٢ و ٣٦٩٣ - وفي "الكبرى" ٧/ ٦٤٧٧ و ٩/ ٦٤٩١ و ٦٤٩٢ و ٦٤٩٣. وأخرجه (أحمد) في "باقي مسند الأنصار" ٢١٩٥ و ٢٣٣٣٣ (الموطأ) في "الأقضية" ١٤٨٩. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعتُ، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكّلتُ، وإليه أنيب".
стр. 15016
٨ - (فَضلُ الصَّدَقَةِ عَنِ (١) الْمَيّتِ)
٣٦٧٨ - (أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ, قَالَ: حَدَّثَنَا الْعَلَاءُ, عَنْ أَبِيهِ, عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ , قَالَ: «إِذَا مَاتَ الإِنْسَانُ, انْقَطَعَ عَمَلُهُ, إِلاَّ مِنْ ثَلَاثَةٍ, مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ, وَعِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ, وَوَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ»).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (عليّ بن حجر) السعديّ المروزي، ثقة حافظ، من صغار [٩] ١٣/ ١٣.
٢ - (إسماعيل) بن جعفر بن أبي كثير الأنصاري الزرقي، أبو إسحاق المدنيّ (٢) ثقة
ثبت [٨] ١٦/ ١٧.
٣ - (العلاء) بن عبد الرحمن بن يعقوب الجهنيّ الحرقيّ المدنيّ، صدوقٌ ربّما وهم [٥] ١٩٧/ ١٤٣.
٤ - (أبوه) عبد الرحمن بن يعقوب الحُرَقيّ المدنيّ، ثقة [٣] ١٠٧/ ١٤٣.
٥ - (أبو هريرة) - رضي اللَّه تعالى عنه - ١/ ١. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخه، فمروزي. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ، والابن عن أبيه، وفيه أبو هريرة ﵁ من المكثرين السبعة. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، قَالَ: "إِذَا مَاتَ الإِنْسَانُ) وفي نسخة: "ابن آدم" (انْقَطَعَ عَمَلُهُ) أي ثواب عمله، ولما كان بمنزلة انقطع الثواب من كلّ أعماله، تعلّق به قوله (إِلاَّ مِنْ ثَلَاثَةٍ) أي ثلاثة أعمال. وقيل: بل الاستثناء متعلّقٌ بالمفهوم: أي ينقطع ابن آدم من كلّ عمل إلا من ثلاثة أعمال. والحاصل أن الاستثاء في الظاهر مشكلٌ، وبأحد الوجهين المذكورين يندفع الإشكال. قاله السنديّ -رحمه اللَّه تعالى-.
стр. 15017
وقال القاضي عياضٌ -رحمه اللَّه تعالى-: معناه أن عمل الميت منقطع بموته، لكن هذه الأشياء لما كان هو سببها، من اكتساب الولد، وبثّه للعلم عند من حمله عنه، أو إيداعه تأليفًا بقي بعده، وإيقافه هذه الصدقة، بقيت له أجورها ما بقيت، ووجدت. انتهى (١).
وقال النوويّ -رحمه اللَّه تعالى-: قال العلماء: معنى الحديث أن عمل الميت ينقطع بموته، وتجدّد الثواب له إلا في هذه الأشياء الثلاثة؛ لكونه كان سببها، فإن الولد من كسبه، وكذلك العلم الذي خلّفه، من تعليم، أو تصنيف، وكذلك الصدقة الجارية، وهي الوقف. انتهى (٢).
وقال أبو العبّاس القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى-: هذه الثلاث الخصال إنما جرى عملها بعد الموت على من نُسبت إليه؛ لأنه تسبب في ذلك، وحرص عليه، ونواه، ثم إن فوائدها متجدّدة بعده دائمة، فصار كأنه باشرها بالفعل، وكذلك حكم كلّ ما سنّه الإنسان من الخير، فتكرّر بعده، بدليل قوله ﷺ : "من سنّ سنّةً في الإسلام حسنة، كان له أجرها، وأجر من عمل بها إلى يوم القيامه". رواه مسلم. وإنما خصّ هذه الثلاثة بالذكر في هذا الحديث؛ لأنها أصول الخير، وأغلب ما يَقصد أهل الفضل بقاءه بعدهم، والصدقة الجارية بعد الموت هي: الْحُبُسُ، فكان حجةً على من يُنكر الْحُبُس. وفيه ما يدلّ على الحضّ على تخليد العلوم الدينيّة بالتعليم، والتصنيف، وعلى الاجتهاد في حمل الأولاد على طريق الخير والصلاح، ووصيّتهم بالدعاء عند موته، وبعد الموت. انتهى كلام القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى- (٣).
(مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ) بدل تفصيل من مجمل "ثلاثة"، ومعنى "جارية": أي غير منقطعة، كالوقف، أو ما يُديم الوليّ إجراءها عنه، وإليه يميل ترجمة المصنّف، كأبي داود -رحمهما اللَّه تعالى-. وقيل: لبقاء ثمرات الأعمال بقي ثوابها (وعِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ) أي كأن يعلّم شخصَا، فيقوم ذلك الشخص بنشر ذلك العلم بعدموته، أو يصنّف كتابًا، فينتفع به الناس بعد موته.
وذكر القاضي تاج الدين السبكيّ: أن حمل العلم المذكور على التأليف أقوى؛ لأنه أطول مدّة، وأبقى على ممرّ الزمان، ورأيت من تكلّم على هذا الحديث في كرّاسة، قال الأخنائيّ في "كتاب البُشْرَى بما يلحّق الميت من الثواب في الدار الأخرى": قوله: "وعلم يُنتفع به" هو ما خلّفه من تعليم، أو تصنيف، ورواية، وربّما دخل في ذلك نَسْخُ
стр. 15018
الكتاب، وتسطرها، وضبطها، ومقابلتها، وتحريرها، والإتقان لها بالسماع، وكتابة الطبقات, وشراء الكتب المشتملة على ذلك، ولكن شرطه أن يكون منتفعًا به. انتهى (١)
(وولد صالح يدعو له) قال السنديّ: وفي عدّ الولد من الأعمال تجوّزٌ، لا يخفى. انتهى.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: جعل الشارع الودد من جمدة كسب الإنسان، فقد أخرج ابن ماجه بإسناد صحيح، من حديث عائشة ﵂، مرفوعًا: "إن أطيب ما أكل الإنسان من كسب يده، وإن ولده من كسبه"، فسمّاه كسبًا، كما عدّه في هذا الحديث من أعماله. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، لوإليه المرجع، والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث أبي هريرة ﵁ هذا أخرجه مسلم.
(المسألة الثانية): في مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٨/ ٣٦٧٨ - وفي "الكبرى" ٨/ ٦٤٧٨. وأخرجه (م) في "الوصايا" ١٦٣١ (د) في "الوصايا" ٢٨٨٠ (ت) في "الأحكام" ١٣٧٢ (ق) في "المقدّمة" ٢٤٢ (أحمد) في "باقي مسند المكثرين" ٨٦٢٧. (الدارمي) في "المقدّمة" ٥٥٩. واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان فضل الصدقة عن الميت، ووجه ذلك أنه حمل معنى الصدقة الجارية على الصدقة التي يُجريها وليّ الميت بعد موته، فيلحقه ثوابها، مع أن أعماله انقطعت، وهذا فيه الفضل العظيم للصدقة، لكن تقدّم أن الأولى حمل الحديث على أعمّ من ذلك، فيدخل فيه أيضًا ما فعله الميت قبل موته من وقف، ونحوه، مما له البقاء بعد موته. واللَّه تعالى أعلم.
(ومنها): أن فيه دليلاً على صحّة الوقف، وعظيم ثوابه، والردّ على من أنكر ذلك.
(ومنها): أن فيه فضيلة العلم، والحث على الاستكثار منه، والترغيب في توريثه بالتعليم، والتصنيف، والإيضاح، وأنه يختار من العلوم الأنفع، فالأنفع. (ومنها): أن فيه فضيلة الزواج؛ لرجاء ولد صالح، وقد تقدّم ما يتعلّق بفضل النكاح في "كتاب
стр. 15019
النكاح". (ومنها): أن الدعاء يصل ثوابه إلى الميت، وكذلك الصدقة، وهما مجمعٌ عليهما، وكذلك قضاء الديون، وأما الحجّ فيجزي عن الميت عند الشافعيّ، وموافقيه، وهو الحقّ، كما تقدّمت أدلّته في "كتاب الحجّ". قال النوويّ: وهذا داخل في قضاء الدين إن كان حجَّا واجبّا، وإن كان تطوّعًا وأصى به، فهو من باب الوصايا، وأما إذا مات، وعليه صيامٌ، فالصحيح أن الوليّ يصوم عنه؛ لصحّة أمر النبيّ ﷺ بذلك. وأما قراءة القرآن، وجعل ثوابها للميت، والصلاة عنه، ونحوهما، فمذهب الشافعيّ، والجمهور أنها لا تلحق الميت، وفيها خلاف. انتهى كلام النوويّ (١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: ما قاله الجمهور عندي هو الأرجح؛ لعدم دليل صحيح على وصول ثواب القرآن، ونحوه إلى الأموات، فمن جاءنا بنصّ صحيح صريح لذلك، فعلى الرأس والعين، واللَّه تعالى الهادي إلى سواء السبيل. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٦٧٩ - (أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ, قَالَ: أَنْبَأَنَا إِسْمَاعِيلُ, عَنِ الْعَلَاءِ, عَنْ أَبِيهِ, عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, أَنَّ رَجُلاً, قَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ : "إِنَّ أَبِي مَاتَ, وَتَرَكَ مَالاً, وَلَمْ يُوصِ, فَهَلْ يُكَفِّرُ عَنْهُ, أَنْ أَتَصَدَّقَ عَنْهُ؟ , قَالَ: «نَعَمْ»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد هم المذكورون في السند الماضي. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (أَنَّ رَجُلاً) لم أعرف اسمه (قَالَ: لِلنَّبِيِّ ﷺ : "إِنَّ أَبِي مَاتَ، وَتَرَكَ مَالاً، وَلَمْ يُوصِ، فَهَلْ يُكَفِّرُ عَنْهُ) من التكفير، أي جميع سيّئاته، أو هذه السيّئة، وهو ترك الوصيّة، مع كثرة ماله، وعدّه سيّئة؛ لما فيه من النقصان والحرمان عن الثواب العظيم، مع وجود الإمكان. قاله سنديّ (أَنْ أَتَصَدَّقَ عَنْهُ؟) بفتح همزة "أن"، فهي مصدريّة، والمصدر المؤوّل فاعل "يُكفّر، وقد تقدّم أن بعضهم ضبط نظيره بالكسر على الشرطيّة، وتقدّم توجيهه (قَالَ) ﷺ (نَعَمْ) أي يكفّر ذلك عنه سيآته.
قال أبو العبّاس القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى-: ظاهر قوله: "فهل يكفر عنه أن أتصدّق عنه! أنه علم أن أباه كان فرّط في صدقات واجبة، فسأل هل يجزئ عنه أن يقوم بها عنه" فأجابه النبيّ بـ "نعم"، وعلى هذا فيكون فيه دليلٌ على أن من قام عن آخر بواجب ماليّ في الحياة، أو بعد الموت أجزأ عنه، وهذا مما تجوز النيابة فيه بالإجماع، وإنه مما
стр. 15020
يستحبّ، وخصوصًا في الآباء، فإنها مبالغة في برّهم، والقيام بحقوقهم. وقد قال ﷺ : "من مات وعليه صيامٌ صام عنه وليّه" (١). متْفقٌ عليه. وإذا كان هذا في الصيام، كان الحقّ الماليّ بذلك أولى. وقيل: إنما سأل، هل تُكفّر بذلك خطاياه؟ ولا ينبغي أن يُظَنّ بصحابيّ تفريط في زكاة واجبة إلى أن مات، فإن هذا بعيدٌ في حقوقهم، فالأولى به أن يحمل على أنه سأل، هل لأبيه أجرٌ بذلك، فيكفّر عنه به، كما قال السائل الآخر في حقّ أمه: "أفلها أجرٌ؟ ". ويحتمل أن يكون ذلك في الوقت الذي كانت فيه الوصيّة واجبة. قال القرطبيّ: وهذا محتملٌ لا سبيل إلى دفعه.
وعلى القول الأول، فإذا علم الوارث أن مورّثه فرّط في زكاة، أو واجبات ماليّة، فقال الشافعيّ: واجب على الوارث إخراج ذلك من رأس المال، كالدين. وقال مالكٌ: إن أوصى بذلك أخرج عنه من الثلث، وإلا فلا. وقال بعض أصحابه: إذا علم أنه لم يُخرج الزكاة، أخرجت من رأس المال، أوصى بها، أو لم يوص. قاله أشهب، وهو الصحيح؛ لأن ذلك دينٌ للَّه تعالى، وقد قال ﷺ : "دينُ اللَّه أحقّ بالقضاء". أخرجه البخاريّ. أو نقول: هو من جملة ديون الآدميين؛ لأنه حقّ الفقراء، وهم موجودون، وليس للوارث حقٌّ إلا بعد إخراج الديون، والوصايا. انتهى كلام القرطبيّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- (٢).
وقال النوويّ -رحمه اللَّه تعالى- عند شرح حديث عائشة ﵂ الماضي-: ما نصّه: وفي هذا الحديث جواز الصدقة عن الميت، واستحبابها، وأن ثوابها يصله، وينفعه، وينفع المتصدّق أيضّا، وهذا كله أجمع عليه المسلمون. قال: وهذه الأحاديث مخصّصة لعموم قوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم: ٣٩]. وأجمع المسلمون على أنه لا يجب على الوارث التصدّق عن ميته صدقة تطوّع، بل هي مستحبّةٌ. وأما الحقوق الماليّة الثابتة على الميت، فإن كان له تركة وجب قضاؤها منها، سواء أوصى بها الميت، أم لا، ويكون ذلك من رأس المال، سواء ديون اللَّه تعالى، كالزكاة، والحجّ، والنذر، والكفّارة، وبدل الصوم، ونحو ذلك، ودين الآدميّ، فإن لم يكن للميت تركةٌ، لم يلزم الوارث قضاء دينه، لكن يستحبّ له ولغيره قضاؤه. انتهى كلام النوويّ -رحمه اللَّه تعالى- (٣). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.