٨ - (فَضلُ الصَّدَقَةِ عَنِ (١) الْمَيّتِ)
٣٦٧٨ - (أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ, قَالَ: حَدَّثَنَا الْعَلَاءُ, عَنْ أَبِيهِ, عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ , قَالَ: «إِذَا مَاتَ الإِنْسَانُ, انْقَطَعَ عَمَلُهُ, إِلاَّ مِنْ ثَلَاثَةٍ, مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ, وَعِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ, وَوَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ»).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (عليّ بن حجر) السعديّ المروزي، ثقة حافظ، من صغار [٩] ١٣/ ١٣.
٢ - (إسماعيل) بن جعفر بن أبي كثير الأنصاري الزرقي، أبو إسحاق المدنيّ (٢) ثقة
ثبت [٨] ١٦/ ١٧.
٣ - (العلاء) بن عبد الرحمن بن يعقوب الجهنيّ الحرقيّ المدنيّ، صدوقٌ ربّما وهم [٥] ١٩٧/ ١٤٣.
٤ - (أبوه) عبد الرحمن بن يعقوب الحُرَقيّ المدنيّ، ثقة [٣] ١٠٧/ ١٤٣.
٥ - (أبو هريرة) - رضي اللَّه تعالى عنه - ١/ ١. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخه، فمروزي. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ، والابن عن أبيه، وفيه أبو هريرة ﵁ من المكثرين السبعة. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، قَالَ: "إِذَا مَاتَ الإِنْسَانُ) وفي نسخة: "ابن آدم" (انْقَطَعَ عَمَلُهُ) أي ثواب عمله، ولما كان بمنزلة انقطع الثواب من كلّ أعماله، تعلّق به قوله (إِلاَّ مِنْ ثَلَاثَةٍ) أي ثلاثة أعمال. وقيل: بل الاستثناء متعلّقٌ بالمفهوم: أي ينقطع ابن آدم من كلّ عمل إلا من ثلاثة أعمال. والحاصل أن الاستثاء في الظاهر مشكلٌ، وبأحد الوجهين المذكورين يندفع الإشكال. قاله السنديّ -رحمه اللَّه تعالى-.
стр. 15017
وقال القاضي عياضٌ -رحمه اللَّه تعالى-: معناه أن عمل الميت منقطع بموته، لكن هذه الأشياء لما كان هو سببها، من اكتساب الولد، وبثّه للعلم عند من حمله عنه، أو إيداعه تأليفًا بقي بعده، وإيقافه هذه الصدقة، بقيت له أجورها ما بقيت، ووجدت. انتهى (١).
وقال النوويّ -رحمه اللَّه تعالى-: قال العلماء: معنى الحديث أن عمل الميت ينقطع بموته، وتجدّد الثواب له إلا في هذه الأشياء الثلاثة؛ لكونه كان سببها، فإن الولد من كسبه، وكذلك العلم الذي خلّفه، من تعليم، أو تصنيف، وكذلك الصدقة الجارية، وهي الوقف. انتهى (٢).
وقال أبو العبّاس القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى-: هذه الثلاث الخصال إنما جرى عملها بعد الموت على من نُسبت إليه؛ لأنه تسبب في ذلك، وحرص عليه، ونواه، ثم إن فوائدها متجدّدة بعده دائمة، فصار كأنه باشرها بالفعل، وكذلك حكم كلّ ما سنّه الإنسان من الخير، فتكرّر بعده، بدليل قوله ﷺ : "من سنّ سنّةً في الإسلام حسنة، كان له أجرها، وأجر من عمل بها إلى يوم القيامه". رواه مسلم. وإنما خصّ هذه الثلاثة بالذكر في هذا الحديث؛ لأنها أصول الخير، وأغلب ما يَقصد أهل الفضل بقاءه بعدهم، والصدقة الجارية بعد الموت هي: الْحُبُسُ، فكان حجةً على من يُنكر الْحُبُس. وفيه ما يدلّ على الحضّ على تخليد العلوم الدينيّة بالتعليم، والتصنيف، وعلى الاجتهاد في حمل الأولاد على طريق الخير والصلاح، ووصيّتهم بالدعاء عند موته، وبعد الموت. انتهى كلام القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى- (٣).
(مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ) بدل تفصيل من مجمل "ثلاثة"، ومعنى "جارية": أي غير منقطعة، كالوقف، أو ما يُديم الوليّ إجراءها عنه، وإليه يميل ترجمة المصنّف، كأبي داود -رحمهما اللَّه تعالى-. وقيل: لبقاء ثمرات الأعمال بقي ثوابها (وعِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ) أي كأن يعلّم شخصَا، فيقوم ذلك الشخص بنشر ذلك العلم بعدموته، أو يصنّف كتابًا، فينتفع به الناس بعد موته.
وذكر القاضي تاج الدين السبكيّ: أن حمل العلم المذكور على التأليف أقوى؛ لأنه أطول مدّة، وأبقى على ممرّ الزمان، ورأيت من تكلّم على هذا الحديث في كرّاسة، قال الأخنائيّ في "كتاب البُشْرَى بما يلحّق الميت من الثواب في الدار الأخرى": قوله: "وعلم يُنتفع به" هو ما خلّفه من تعليم، أو تصنيف، ورواية، وربّما دخل في ذلك نَسْخُ
стр. 15018
الكتاب، وتسطرها، وضبطها، ومقابلتها، وتحريرها، والإتقان لها بالسماع، وكتابة الطبقات, وشراء الكتب المشتملة على ذلك، ولكن شرطه أن يكون منتفعًا به. انتهى (١)
(وولد صالح يدعو له) قال السنديّ: وفي عدّ الولد من الأعمال تجوّزٌ، لا يخفى. انتهى.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: جعل الشارع الودد من جمدة كسب الإنسان، فقد أخرج ابن ماجه بإسناد صحيح، من حديث عائشة ﵂، مرفوعًا: "إن أطيب ما أكل الإنسان من كسب يده، وإن ولده من كسبه"، فسمّاه كسبًا، كما عدّه في هذا الحديث من أعماله. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، لوإليه المرجع، والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث أبي هريرة ﵁ هذا أخرجه مسلم.
(المسألة الثانية): في مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٨/ ٣٦٧٨ - وفي "الكبرى" ٨/ ٦٤٧٨. وأخرجه (م) في "الوصايا" ١٦٣١ (د) في "الوصايا" ٢٨٨٠ (ت) في "الأحكام" ١٣٧٢ (ق) في "المقدّمة" ٢٤٢ (أحمد) في "باقي مسند المكثرين" ٨٦٢٧. (الدارمي) في "المقدّمة" ٥٥٩. واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان فضل الصدقة عن الميت، ووجه ذلك أنه حمل معنى الصدقة الجارية على الصدقة التي يُجريها وليّ الميت بعد موته، فيلحقه ثوابها، مع أن أعماله انقطعت، وهذا فيه الفضل العظيم للصدقة، لكن تقدّم أن الأولى حمل الحديث على أعمّ من ذلك، فيدخل فيه أيضًا ما فعله الميت قبل موته من وقف، ونحوه، مما له البقاء بعد موته. واللَّه تعالى أعلم.
(ومنها): أن فيه دليلاً على صحّة الوقف، وعظيم ثوابه، والردّ على من أنكر ذلك.
(ومنها): أن فيه فضيلة العلم، والحث على الاستكثار منه، والترغيب في توريثه بالتعليم، والتصنيف، والإيضاح، وأنه يختار من العلوم الأنفع، فالأنفع. (ومنها): أن فيه فضيلة الزواج؛ لرجاء ولد صالح، وقد تقدّم ما يتعلّق بفضل النكاح في "كتاب
стр. 15019
النكاح". (ومنها): أن الدعاء يصل ثوابه إلى الميت، وكذلك الصدقة، وهما مجمعٌ عليهما، وكذلك قضاء الديون، وأما الحجّ فيجزي عن الميت عند الشافعيّ، وموافقيه، وهو الحقّ، كما تقدّمت أدلّته في "كتاب الحجّ". قال النوويّ: وهذا داخل في قضاء الدين إن كان حجَّا واجبّا، وإن كان تطوّعًا وأصى به، فهو من باب الوصايا، وأما إذا مات، وعليه صيامٌ، فالصحيح أن الوليّ يصوم عنه؛ لصحّة أمر النبيّ ﷺ بذلك. وأما قراءة القرآن، وجعل ثوابها للميت، والصلاة عنه، ونحوهما، فمذهب الشافعيّ، والجمهور أنها لا تلحق الميت، وفيها خلاف. انتهى كلام النوويّ (١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: ما قاله الجمهور عندي هو الأرجح؛ لعدم دليل صحيح على وصول ثواب القرآن، ونحوه إلى الأموات، فمن جاءنا بنصّ صحيح صريح لذلك، فعلى الرأس والعين، واللَّه تعالى الهادي إلى سواء السبيل. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٦٧٩ - (أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ, قَالَ: أَنْبَأَنَا إِسْمَاعِيلُ, عَنِ الْعَلَاءِ, عَنْ أَبِيهِ, عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, أَنَّ رَجُلاً, قَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ : "إِنَّ أَبِي مَاتَ, وَتَرَكَ مَالاً, وَلَمْ يُوصِ, فَهَلْ يُكَفِّرُ عَنْهُ, أَنْ أَتَصَدَّقَ عَنْهُ؟ , قَالَ: «نَعَمْ»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد هم المذكورون في السند الماضي. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (أَنَّ رَجُلاً) لم أعرف اسمه (قَالَ: لِلنَّبِيِّ ﷺ : "إِنَّ أَبِي مَاتَ، وَتَرَكَ مَالاً، وَلَمْ يُوصِ، فَهَلْ يُكَفِّرُ عَنْهُ) من التكفير، أي جميع سيّئاته، أو هذه السيّئة، وهو ترك الوصيّة، مع كثرة ماله، وعدّه سيّئة؛ لما فيه من النقصان والحرمان عن الثواب العظيم، مع وجود الإمكان. قاله سنديّ (أَنْ أَتَصَدَّقَ عَنْهُ؟) بفتح همزة "أن"، فهي مصدريّة، والمصدر المؤوّل فاعل "يُكفّر، وقد تقدّم أن بعضهم ضبط نظيره بالكسر على الشرطيّة، وتقدّم توجيهه (قَالَ) ﷺ (نَعَمْ) أي يكفّر ذلك عنه سيآته.
قال أبو العبّاس القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى-: ظاهر قوله: "فهل يكفر عنه أن أتصدّق عنه! أنه علم أن أباه كان فرّط في صدقات واجبة، فسأل هل يجزئ عنه أن يقوم بها عنه" فأجابه النبيّ بـ "نعم"، وعلى هذا فيكون فيه دليلٌ على أن من قام عن آخر بواجب ماليّ في الحياة، أو بعد الموت أجزأ عنه، وهذا مما تجوز النيابة فيه بالإجماع، وإنه مما
стр. 15020
يستحبّ، وخصوصًا في الآباء، فإنها مبالغة في برّهم، والقيام بحقوقهم. وقد قال ﷺ : "من مات وعليه صيامٌ صام عنه وليّه" (١). متْفقٌ عليه. وإذا كان هذا في الصيام، كان الحقّ الماليّ بذلك أولى. وقيل: إنما سأل، هل تُكفّر بذلك خطاياه؟ ولا ينبغي أن يُظَنّ بصحابيّ تفريط في زكاة واجبة إلى أن مات، فإن هذا بعيدٌ في حقوقهم، فالأولى به أن يحمل على أنه سأل، هل لأبيه أجرٌ بذلك، فيكفّر عنه به، كما قال السائل الآخر في حقّ أمه: "أفلها أجرٌ؟ ". ويحتمل أن يكون ذلك في الوقت الذي كانت فيه الوصيّة واجبة. قال القرطبيّ: وهذا محتملٌ لا سبيل إلى دفعه.
وعلى القول الأول، فإذا علم الوارث أن مورّثه فرّط في زكاة، أو واجبات ماليّة، فقال الشافعيّ: واجب على الوارث إخراج ذلك من رأس المال، كالدين. وقال مالكٌ: إن أوصى بذلك أخرج عنه من الثلث، وإلا فلا. وقال بعض أصحابه: إذا علم أنه لم يُخرج الزكاة، أخرجت من رأس المال، أوصى بها، أو لم يوص. قاله أشهب، وهو الصحيح؛ لأن ذلك دينٌ للَّه تعالى، وقد قال ﷺ : "دينُ اللَّه أحقّ بالقضاء". أخرجه البخاريّ. أو نقول: هو من جملة ديون الآدميين؛ لأنه حقّ الفقراء، وهم موجودون، وليس للوارث حقٌّ إلا بعد إخراج الديون، والوصايا. انتهى كلام القرطبيّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- (٢).
وقال النوويّ -رحمه اللَّه تعالى- عند شرح حديث عائشة ﵂ الماضي-: ما نصّه: وفي هذا الحديث جواز الصدقة عن الميت، واستحبابها، وأن ثوابها يصله، وينفعه، وينفع المتصدّق أيضّا، وهذا كله أجمع عليه المسلمون. قال: وهذه الأحاديث مخصّصة لعموم قوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم: ٣٩]. وأجمع المسلمون على أنه لا يجب على الوارث التصدّق عن ميته صدقة تطوّع، بل هي مستحبّةٌ. وأما الحقوق الماليّة الثابتة على الميت، فإن كان له تركة وجب قضاؤها منها، سواء أوصى بها الميت، أم لا، ويكون ذلك من رأس المال، سواء ديون اللَّه تعالى، كالزكاة، والحجّ، والنذر، والكفّارة، وبدل الصوم، ونحو ذلك، ودين الآدميّ، فإن لم يكن للميت تركةٌ، لم يلزم الوارث قضاء دينه، لكن يستحبّ له ولغيره قضاؤه. انتهى كلام النوويّ -رحمه اللَّه تعالى- (٣). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
стр. 15021
مسأتان تتعلقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث أبي هريرة ﵁ هذا أخرجه مسلم.
(المسألة الثانية): في مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٨/ ٣٦٧٩ - وفي "الكبرى" ٨/ ٦٤٧٩. وأخرجه (م) في "الوصايا" ١٦٣٠ (أحمد) في باقي مسند المكثرين ٨٦٢٤. وفوائد الحديث تقدّمت قريبًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٦٨٠ - (أَخْبَرَنَا مُوسَى بْنُ سَعِيدٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ, قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ, عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو, عَنْ أَبِي سَلَمَةَ, عَنِ الشَّرِيدِ بْنِ سُوَيْدٍ الثَّقَفِيِّ, قَالَ: أَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ , فَقُلْتُ إِنَّ أُمِّى أَوْصَتْ أَنْ تُعْتَقَ عَنْهَا رَقَبَةٌ, وَإِنَّ عِنْدِي جَارِيَةً نُوبِيَّةً, أَفَيُجْزِئُ عَنِّي أَنْ أَعْتِقَهَا عَنْهَا؟ , قَالَ: "ائْتِنِي بِهَا", فَأَتَيْتُهُ بِهَا, فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ ﷺ : «مَنْ رَبُّكِ؟ , قَالَتِ: اللَّهُ, قَالَ: «مَنْ أَنَا؟» , قَالَتْ: أَنْتَ رَسُولُ اللهِ, قَالَ: «فَأَعْتِقْهَا, فَإِنَّهَا مُؤْمِنَةٌ»).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (موسى بن سعيد) بن النعمان بن بسّام الطَّرَسُوسيّ، أبي بكر الدَّنْدَانيّ (١)، صدوق [١١] ٢٦/ ١٦٧٠. من أفراد المصنف.
٢ - (هشام بن عبد الملك) الباهليّ مولاهم، أبو الوليد الطيالسيّ البصريّ الحافظ، ثقة ثبت [٩] ١٢٢/ ١٧٢.
٣ - (حماد بن سلمة) بن دينار، أبو سلمة البصريّ، ثقة عابد [٨] ١٨/ ٢٨٨.
٤ - (محمد بن عمرو) بن علقمة بن وقّاص الليثيّ المدنيّ، صدوق، له أوهام [٦] ١٦/ ١٧.
٥ - (أبو سلمة) بن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ المدنيّ الفقيه الثقة المشهور [٣]
١/ ١.
٦ - (الشريد بن سُويد) الثقفيّ، صحابيّ. قيل: إنه من حضرموت، وعِدَاده في ثقيف. روى عن النبيّ ﷺ . وعنه ابنه عمرو، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، وعمرو بن نافع الثقفيّ، ويعقوب بن عاصم الثقفيّ بالشكّ في بعض الروايات. قال أبو نعيم: أردفه النبيّ ﷺ وراءه. وقيل: اسمه مالك، ووفد على النبيّ ﷺ ، فسمّاه الشريد، وشهد بيعة الرضوان.
стр. 15022
وفي "الإصابة": قال ابن السكن: له صحبة، حديثه في أهل الحجاز، سكن الطائف، والأكثر أنه ثقفيّ، ويقال: إنه حضرميّ، حالف ثَقيفًا، وتزوّج آمنة بنت أبي العاص بن أُميّة. ويقال: كان اسمه مالكًا، فسمي الشريد؛ لأنه شرد من المغيرة بن شعبة لَما قَتَل رُفقته الثقفيين، فروى عبد الرزاق في "الجهاد" عن معمر، عن الزهريّ، قال: صحب المغيرةُ قومًا في الجاهليّة، فقتلهم … الحديث. قال معمرٌ: وسمعت أنهم كانوا تعاقدوا معه أن لا يغدر بهم حتّى يُعلمهم، فنزلوا منه منزلاً، فجعل يَحفِر بنصل سيفه، فقالوا: ما هذا؟ قال: أحفر قبوركم، فلم يفهموها، وأكلوا، وشربوا، وناموا فقتلهم، فلم ينج منهم إلا الشريد، فلذلك سمي الشريدَ. وذكر الواقديّ القصّة مطوّلةً، وفيها: أنهم كانوا دخلوا مصر جميعًا، فحباهم المقوقس، وأكرمهم، سوى المغيرة، فقصّر به، فحَقَدَ عليهم ذلك، ففعل بهم ما فعل. قال البغويّ: سكن الطائف، والمدينة، وله أحاديث. وروى مسلم وغيره من طريق عمرو بن الشريد، عن أبيه، قال: استنشدني النبيّ ﷺ شعر أميّة بن أبي الصلت. وفي بعض طرقه عند مسلم أن النبيّ ﷺ أردفه (١).
علّق له البخاريّ في "كتاب القرض" من "صحيحه" حديث: "لَيُّ الواجد يُحلّ عرضه، وعقوبته"، وأخرج له في "الأدب المفرد"، ومسلم، وأبو داود، والترمذيّ في "الشمائل"، والمصنّف، وابن ماجه، وله عند المصنّف في هذا الكتاب ستة مواضيع: هذا الحديث، وأحاديث رقم-١٩/ ٤٢٠٩ و ٤٢/ ٤٤٧٣ و ١٠٠/ ٤٧١٦ و ٤٧١٧ و ٤/ ٤٧٣٠. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فمن أفراده. (ومنها): أن صحابيه من المقلين من الرواية، فليس له في الكتاب الستة إلا نحو عشرة أحاديث. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنِ الشَّرِيدِ بْنِ سُوَيدِ الثَّقَفِيِّ) - رضي اللَّه تعالى عنه -، أنه (قَالَ: أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَقُلْتُ: إِنَّ أُمِّي أَوْصَتْ أَنَّ تُعْتَقَ عَنْهَا رَقَبَةٌ) وفي نسخة: "أن أُعتِقَ عنها رقبة" (وَإِنَّ عِنْدِي جَارِيَة نُوبِيَّةً) قال في "القاموس": بالضمّ جيل من السودان، وبلاد واسعة بجنوب
стр. 15023
الصعيد منها بلالٌ الحبشيّ (أَفَيُجزِئُ عَنِّي أن أُعْتِقَهَا عَنْهَا؟، قَالَ: "ائْتِنِي بِهَا") أي ليعرف أهي مؤمنة، أم لا؟، وكأنها كانت أوصت بمؤمنة، أو بسبب يقتضي الإيمان، أو أنه أحبّ أن يُعتق عنها مؤمنة، لا أن الوصيّة بمطلق الرقبة لا تتأدّى إلا بالمؤمنة. قاله السنديّ.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قد جاء التصريح بالمراد في رواية أبي داود، ولفظه: "أن أمه أوصته أن يُعتق عنها رقبة مؤمنة"، فدلّ على أن الوصيّة كانت مقيّدة بالمؤمنة. واللَّه تعالى أعلم.
(فَأَتَيْتُهُ بَها، فَقَالَ: لَهَا النَّبِيُّ ﷺ : "مَنْ رَبُّكِ؟، قَالَتِ: اللَّهُ) أي ربي اللَّه (قَالَ) ﷺ ("مَنْ أَنَا؟ "، قَالَتْ: أَنّتَ رَسُولُ اللهِ، قَالَ) ﷺ (فَأَعْتِقْهَا، فَإنَّهَا مُؤمِنَةٌ") قال السنديّ: يفيد أنه لا حاجة في الإيمان إلى البرهان، بل التقليد كاف، وإلا لسألها عن البرهان، وأنه لا يتوقّف على أن يقول: لا إله إلا اللَّه، بل يكفي فيه اعتقاد ربي اللَّه، ومحمد رسول اللَّه، نعم ينبغي أن يُعتبر ذاك إيمانًا، ما لم يظهر منه ما ينافيه، من اعتقاد الشرك. انتهى (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث الشريد بن سويد ﵁ هذا صحيح.
(المسألة الثانية): في مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٨/ ٣٦٨٠ - وفي "الكبرى" ٨/ ٦٤٨٠. وأخرجه (د) في "الأيمان والنذور" ٣٢٨٢ (أحمد) في "مسند الكوفيين" ١٨٦٩١. واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): مشروعيّة الوصيّة بعتق رقبة. (ومنها): استحباب استشارة أهل الفضل والعلم عند إرادة تنفيذ أمر، أو تركه. (ومنها): ما كان عليه الصحابة ﵁ من استفسار النبيّ ﷺ لما يواجههم من أمور دينهم، ودنياهم. (ومنها): أن فيه أن الإيمان لا يعتبر إلا إذا اكتمل بشطريه، وهما الإيمان باللَّه سبحانه تعالى، والإيمان برسالة النبيّ ﷺ ، فإذا آمن الشخص بأحد هذين الشطرين، ولم يؤمن بالآخر، فلا اعتداد بإيمانه. (ومنها): أنه لا يسأل الشخص عن البراهين على الإيمان، بل إذا آمن باللَّه تعالى،
стр. 15024
ورسالة النبيّ ﷺ كفاه ذلك. (ومنها): أن فيه الردّ على المتكلّمين الذين يقولون بوجوب النظر، وقد استوفيت الردّ عليهم بما نقل عن سلف هذه الأمة، في إبطالهم هذا الشرط الفاسد فيما كتبته على "الكوكب الساطع" في أصول الفقه، عند قوله:
أَوَّلُ وَاجبِ عَلَى الْمُكَلَّفِ … مَعْرِفَة اللَّهِ وَقِيلَ الْفِكْرُ فِي
دَلِيلِهِ وَقِيلَ أَوَّلُ النَّظَرْ … وَقِيلَ قَصْدُهُ إِلَيْهِ الْمُعْتَبَرْ
فهذه الأقوال غير الأول أقوال فاسدة، ليس عليها أثارة من علم، بل هي معارضة لما جاء به النبيّ ﷺ ، بل قال أبو جعفر السمنانيّ، وهو من رؤوس الأشاعرة: إن هذه المسألة -يعني وجوب النظر في الأدلة- بقيت في مقالة الأشعريّ من مسائل المعتزلة، وتفرّع عليها أن أول الواجب على كلّ مكلّف معرفة اللَّه بالأدلّة الدّالّة عليه، وأنه لا يكفي التقليد في ذلك انتهى.
والحاصل أن هذا المذهب مخالف لهدي النبيّ ﷺ ، حيث إنه كان يلقّن كلّ من جاءه الشهادتين، ولا يطالب أحدًا بإقامة البرهان على إيمانه، كما يزعمه المتكلمون، بل قال: "أمرت أن أقاتل الناس، حتى يشهدوا أن لا إله إلا اللَّه، وأن محمدا رسول اللَّه، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك، عصموا مني دماءهم وأموالهم، إلا بحقها، وحسابهم على اللَّه". متّفقٌ عليه، وسيأتي هذا البحث مستوفي في "كتاب الإيمان" إن شاء اللَّه تعالى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٦٨١ - (أَخْبَرَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ عِيسَى, قَالَ: أَنْبَأَنَا (١) سُفْيَانُ, عَنْ عَمْرٍو, عَنْ عِكْرِمَةَ, عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ, أَنَّ سَعْدًا (٢) , سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ , إِنَّ أُمِّي مَاتَتْ, وَلَمْ تُوصِ, أَفَأَتَصَدَّقُ عَنْهَا, قَالَ: «نَعَمْ»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا. و "الحسين بن عيسى": أبو عليّ البسطاميّ الْقُومسيّ، نزيل نيسابور، صدوق [١٠]. و"سفيان": هو ابن عيينة. "وعمرو": هو ابن دينار. و"عكرمة": هو مولى ابن عبّاس.
وحديث ابن عبّاس ﵄ هذا يُعلم شرحه من شرح حديث عائشة ﵂ السابق في الباب الماضي.
أخرجه المصنّف هنا -٨/ ٣٦٨١ و ٣٦٨٢ - وفي "الكبرى" ٨/ ٦٤٨١ و ٦٤٨٢ - وأخرجه (خ) في "الوصايا" ٢٧٥٦ و ٢٧٧٠ (د) في "الوصايا" ٢٨٨٢ (ت) في "الزكاة"
стр. 15025
٦٦٩ (أحمد) في "مسند بني هاشم" ٣٤٩٤. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٦٨٢ - (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ الأَزْهَرِ, قَالَ: حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ, قَالَ: حَدَّثَنَا زَكَرِيَّا بْنُ إِسْحَاقَ, قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ, عَنْ عِكْرِمَةَ, عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ, أَنَّ رَجُلاً, قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ, إِنَّ أُمَّهُ تُوُفِّيَتْ, أَفَيَنْفَعُهَا إِنْ تَصَدَّقْتُ عَنْهَا؟ , قَالَ: «نَعَمْ» , قَالَ: فَإِنَّ لِي مَخْرَفًا, فَأُشْهِدُكَ أَنِّي قَدْ تَصَدَّقْتُ بِهِ عَنْهَا).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير: "أحمد بن الأزهر"، وهو أبو الأزهر العبديّ النيسابوريّ، صدوق، كان يحفظ، ثم كبر، فصار كتابه أثبت من حفظه [١١] ٦٦/ ١٨٠٢ من أفراد المصنّف، والترمذيّ. و"روح بن عبادة": هو القيسيّ البصريّ، ثقة فاضل [٩]. و"زكريا بن إسحاق": هو المكيّ، ثقة رُمي بالقدر [٦].
وقوله: "أن رجلاً" هو سعد بن عبادة ﵁.
وقوله: "مَخْرفّا" بفتح الميم، وسكون المعجمة: الحائط من النخل، والحائط البستان. وفي "النهاية": المخرف بالفتح: يقع على النخل، وعلى الرُّطَب انتهى. وفي رواية البخاريّ: أشهدك أن حائطي المخراف صدقةٌ عليها". وهو بكسر أوله، وسكون المعجمة، وآخره فاء: أي المكان المثمر، سمّي بذلك لما يُخرَف منه، أي يُجنَى من الثمرة.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد سبق تخريجه في الذي قبله. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٦٨٣ - (أَخْبَرَنِي هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ, قَالَ: حَدَّثَنَا عَفَّانُ, قَالَ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ كَثِيرٍ, عَنِ الزُّهْرِيِّ, عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ, عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ, عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ, أَنَّهُ أَتَى النَّبِيَّ ﷺ , فَقَالَ: إِنَّ أُمِّى مَاتَتْ, وَعَلَيْهَا نَذْرٌ, أَفَيُجْزِئُ عَنْهَا, أَنْ أَعْتِقَ عَنْهَا؟ قَالَ: «أَعْتِقْ عَنْ أُمِّكَ»).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (هارون بن عبد اللَّه) أبو موسى الْحَمّال البغداديّ، ثقة [١٠] ٥٠/ ٦٢.
٢ - (عفان) بن مسلم بن عبد اللَّه الباهليّ، أبو عثمان الصفّار البصريّ، ثقة ثبت، قال ابن المدينيّ: كان إذا شَكَّ في حرف من الحديث تركه، وربّما وهِمَ، من كبار [١٠] ٢١/ ٤٢٧.
٣ - (سليمان بن كثير) العبديّ، أبو داود، أو أبو محمد البصريّ، أخو محمد بن
стр. 15026
كثير، لا بأس به في غير الزهريّ، لكن هنا لم ينفرد عن الزهريّ، بل تابعه غيره، كما سيتبيّن مما الروايات الآتية [٧] ٥٨/ ٣٥٥٣.
٤ - (الزهريّ) محمد بن مسلم الإمام الحجة الثبت [٤] ١/ ١.
٥ - (عبيد اللَّه بن عبد اللَّه) بن عتبة بن مسعود الهذليّ، أبو عبد اللَّه المدنيّ، ثقة ثبت فقيه [٣] ٤٥/ ٥٦.
٦ - (ابن عباس) عبد اللَّه البحر الحبر - رضي اللَّه تعالى عنهما - ٢٧/ ٣١.
٧ - (سعد بن عبادة) الأنصاريّ الخزرجيّ الصحابي الشهير - رضي اللَّه تعالى عنه - ٤٩/ ١٢٨٥. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سباعيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين من الزهريّ، وشيخه بغداديّ، والباقيان بصريان. (ومنها): أن فيه رواية صحابيّ، عن صحابيّ، وتابعي عن تابعيّ. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ) ﵁ هذا فيه أن ابن عباس ﵄ أخذه عن سعد ابن عبادة، فيكون من مسند سعد ﵁، وسيأتي في الرويات الآتية: "عن ابن عباس، أن سعد بن عبادة استفتى الخ"، فيكون من مسند ابن عباس ﵄، وقد أخرجه المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- بالوجهين، كما سيترجم في الترجمة التالية بقوله: "ذكر الاختلاف على سفيان"، قال الحافظ -رحمه اللَّه تعالى-: ما حاصله: إن ابن عبّاس ﵄ لم يشهد القصّة، لأنها وقعت سنة خمس، والنبيّ ﷺ في غزوة دومة الجندل، وابن عبّاس في ذلك الوقت كان مع أبويه بمكة، فالذي يظهر أنه سمعه من سعد بن عبادة ﵁، فيتعيّن ترجيح رواية من زاد في السند "عن سعد بن عبادة"، ويكون ابن عبّاس قد أخذه عنه.
ويحتمل أن يكون أخذه عن غيره، ويكون قول من قال: "عن سعد بن عبادة" لم يقصد به الرواية، وإنما أراد عن قصّة سعد بن عبادة، فتتّحد الرويتان. انتهى (١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الاحتمال الثاني يبعده ما سيأتي في رواية محمد بن
عبد اللَّه بن يزيد، عن سفيان، بلفظ: "عن ابن عبّاس، عن سعد أنه قال: ماتت أمي،
وعليها نذرٌ، فسألت النبيّ ﷺ ، فأمرني أن أقضيه عنها". فإنه صريح في كون ابن عبّاس
стр. 15027
- ﵄ أخذه عن سعد ﵁. واللَّه تعالى أعلم.
(أنَّهُ أَتَى النَّبِيَّ ﷺ ، فَقَالَ: إِنَّ أُمّي مَاتَتْ، وَعَلَيْهَا نَذْرٌ) زاد في رواية مالك: "لم تقضه) (أَفَيُجزِئُ عَنْهَا) يحتمل أن يكون بضمّ حرف المضارعة، من الإجزاء، رباعيًّا، ويحتمل أن يكون بفتحه، بدون همز، من جزى يَجزي، كما في قوله تعالى: ﴿لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾ الآية [البقرة: ٤٨] (أَنْ أُعْتِقَ عَنْهَا؟) بضمّ الهمزة، من الإعتاق رباعيَّا، ولا يجوز فتحها؛ لأنه لا يتعدّى، فتنبّه، فكثيرًا ما يغلط فيه عامّة الناس (قَالَ: "أَعْتِقْ عَنْ أُمِّكَ) بفتح الهمزة هنا، لا غير؛ لأنه أمر من الإعتاق، رباعيًّا.
وهذه الرواية تفيد بيان النذر الواقع في بقية الرويات، فإنها بلفظ: "ماتت أمي، وعليها نذر"، ونحو ذلك، مبهمًا، فتبيّن بهذه الرواية أن نذرها كان عتق رقبة، فماتت قبل أن تفعل.
قال الحافظ: ويحتمل أن تكون نذرت نذزا مطلقًا، غير معيّن، فيكون في الحديث حجة لمن أفتى في النذر المطلق بكفّارة يمين، والعتقُ أعلى كفّارات الأيمان، فلذلك أمره ﷺ أن يُعتق عنها.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الاحتمال بعيدٌ، تبعده هذه الرواية، المفسّرة، فتنبّه. واللَّه تعالى أعلم.
وحكى ابن عبد البرّ عن بعضهم أن النذر الذي كان على والدة سعد صيام، واستند إلى حديث ابن عبّاس ﵄: "أن رجلاً قال: يا رسول اللَّه، إن أمي ماتت، وعليّها صوم … " الحديث. ثم ردّه بأن في بعض الروايات عن ابن عبّاس: "وجاءت امرأة، فقالت: إن أختي ماتت". قال الحافظ: والحقّ أنها قصّة أخرى. انتهى (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث ابن عبّاس ﵄ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٨/ ٣٦٨٣ و ٣٦٨٤ و ٣٦٨٥ و ٣٦٨٦ و ٣٦٨٧ و ٣٦٨٨ و ٣٦٨٩ و ٣٦٩٠ - وفي "الكبرى" ٨/ ٦٤٨٣ و ٦٤٨٤ و ٦٤٨٥ و ٦٤٨٦ و ٩/ ٦٤٨٧ و ٦٤٨٨ و ٦٤٨٩٦٤٩٠. وأخرجه (خ) في "الوصايا" ٢٧٦١ و"الأيمان والنذور" ٦٦٩٨
стр. 15028
و"الحيل" ٦٩٥٩ (م) في "النذور والأيمان" ١٦٣٨ (د) في "الأيمان والنذور" ٣٣٠٧ (ت) في "النذور والأيمان" ١٥٤٦ (ق) في "الكفّارات" ٢١٣٢ (أحمد) في "مسند بني هاشم" ١٨٩٦ و ٣٠٤٠ "الموطّأ" في "النذور" ١٠٢٥. وفوائد الحديث تقدّم في الباب الماضي. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجِع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٦٨٤ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ, أَبُو يُوسُفَ الصَّيْدَلَانِيُّ, عَنْ عِيسَى (١) -وَهُوَ ابْنُ يُونُسَ- عَنِ الأَوْزَاعِيِّ, عَنِ الزُّهْرِيِّ,,, أَخْبَرَهُ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ, عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ, عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ, أَنَّهُ اسْتَفْتَى النَّبِيَّ ﷺ فِي نَذْرٍ, كَانَ عَلَى أُمِّهِ, فَتُوُفِّيَتْ (٢) قَبْلَ أَنْ تَقْضِيَهُ, فَقَالَ: رَسُولُ اللهِ ﷺ : «اقْضِهِ (٣) عَنْهَا»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه تفرد به هو وابن ماجه، وهو صدوق. والحديث متّفقٌ عليه، وقد سبق البحث فيه في الذي قبله. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٦٨٥ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ صَدَقَةَ الْحِمْصِيُّ, قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ شُعَيْبٍ, عَنِ الأَوْزَاعِيِّ, عَنِ الزُّهْرِيِّ, أَخْبَرَهُ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ, عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ, عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ, أَنَّهُ اسْتَفْتَى النَّبِيَّ ﷺ فِي نَذْرٍ, كَانَ عَلَى أُمِّهِ؟ , فَمَاتَتْ قَبْلَ أَنْ تَقْضِيَهُ, فَقَالَ: رَسُولُ اللهِ ﷺ : «اقْضِهِ عَنْهَا»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "محمد بن صدقة الحمصيّ": هو الْجُنْلانيّ -بضمّ، فسكون-، صدوق [١١] ٢٦/ ١٦٦٨ من أفراد المصنّف. و"محمد بن شُعيب": هو ابن شابور الأمويّ موهم الدمشقيّ، نزيل بيروت، صدوقٌ، صحيح الكتاب، من كبار [٩] ٦/ ١١٩٠ من رجال الأربعة. والباقون من رجال الجماعة. والحديث متّفقٌ عليه، وسبق الكلام فيه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٦٨٦ - (أَخْبَرَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ الْوَلِيدِ بْنِ مَزْيَدَ, قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي, قَالَ: حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِيُّ, قَالَ: أَخْبَرَنِي الزُّهْرِيُّ, أَنَّ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ, أَخْبَرَهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ, قَالَ: اسْتَفْتَى سَعْدٌ رَسُولَ اللهِ ﷺ , فِي نَذْرٍ كَانَ عَلَى أُمِّهِ, فَتُوُفِّيَتْ قَبْلَ أَنْ تَقْضِيَهُ, فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «اقْضِهِ عَنْهَا»).
стр. 15029
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "العبّاس بن الوليد": هو الْعُذريّ -بضمّ، فسكون- البيروتيّ صدوقٌ عابدٌ [١١] ٤٠/ ١٧١١ من أفراد المصنّف، وأبي داود. و"أبوه": هو الوليد بن مَريد -بفتح، فسكون- الْعُذريّ البيروتيّ، ثقة ثبت، قال النسائيّ: كان لا يُخطىء، ولا يدلّس [٨] ٤٠/ ١٧١١. من أفراد المصنّف، وأبي داود أيضًا، والباقون من رجال الجماعة، والحديث متّفقٌ عليه، وقد سبق تمام البحث فيه قريبًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعتُ، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكّلتُ، وإليه أنيب".
…
٩ - (ذِكْرُ الاخْتِلَافِ عَلَى سُفْيَانَ)
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "سفيان": هو ابن عيينة، ووجه الاختلاف عليه أن الحارث بن مسكين رواه عنه، فقال: "عن ابن عبّاس، أن سعد بن عُبادة استفتى النبيّ ﷺ الخ"، فجعله من مسند ابن عبّاس ﵄، وتابعه عليه الليث بن سعد، وخالفهما محمد بن عبد اللَّه بن يزيد، فرواه عنه، فقال: " عن ابن عبّاس، عن سعد الخ"، فجعله من مسند سعد ﵁، وقد تقدّم أن هذا هو الأرجح؛ لأن ابن عبّاس ﵄ لم يحضر القصّة، فكونه سمعها من سعد بن عبادة ﵁ هو الظاهر. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
٣٦٨٧ - قَالَ: (١) الْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ, قِرَاءَةً عَلَيْهِ, وَأَنَا أَسْمَعُ, عَنْ سُفْيَانَ, عَنِ الزُّهْرِيِّ, عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ, عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ, أَنَّ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ, اسْتَفْتَى النَّبِيَّ ﷺ , فِي نَذْرٍ كَانَ عَلَى أُمِّهِ, فَتُوُفِّيَتْ قَبْلَ أَنْ تَقْضِيَهُ؟ , فَقَالَ: «اقْضِهِ عَنْهَا»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه، فتفرّد به هو وأبو داود، وهو ثقة حافظ. والحديث متّفقٌ عليه، وقد سبق البحث عنه مستوفًى، في الباب الماضي. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٦٨٨ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ, قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ, عَنِ الزُّهْرِيِّ, عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ, عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ, عَنْ سَعْدٍ أَنَّهُ قَالَ: مَاتَتْ أُمِّي, وَعَلَيْهَا نَذْرٌ, فَسَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ , فَأَمَرَنِي أَنْ أَقْضِيَهُ عَنْهَا).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "محمد بن عبد اللَّه بن يزيد": هو أبو يحيى المكيّ
стр. 15030
الثقة [١٠] ١١/ ١١ من أفراد المصنّف، وابن ماجه، والباقون من رجال الجماعة، والحديث صحيحٌ، وقد سبق البحث فيه قريبًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٦٨٩ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ, عَنِ الزُّهْرِيِّ, عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ, عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ, قَالَ: اسْتَفْتَى سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ الأَنْصَارِيُّ, رَسُولَ اللهِ ﷺ , فِي نَذْرٍ كَانَ عَلَى أُمِّهِ, فَتُوُفِّيَتْ قَبْلَ أَنْ تَقْضِيَهُ, فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «اقْضِهِ عَنْهَا»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الحديث كلهم رجال الصحيح، وقد تقدّموا غير مرّة. و"الليث": هو ابن سعد الإمام الحجة المصريّ. والحديث متّفقٌ عليه، وقد سبق الكلام عنه قريبًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٦٩٠ - (أَخْبَرَنَا هَارُونُ بْنُ إِسْحَاقَ الْهَمْدَانِيُّ, عَنْ عَبْدَةَ, عَنْ هِشَامٍ -هُوَ ابْنُ عُرْوَةَ - عَنْ بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ, عَنِ الزُّهْرِيِّ, عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ, عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ, قَالَ: جَاءَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ, إِلَى النَّبِيِّ ﷺ , فَقَالَ: إِنَّ أُمِّي مَاتَتْ, وَعَلَيْهَا نَذْرٌ, وَلَمْ تَقْضِهِ, قَالَ: «اقْضِهِ عَنْهَا»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الحديث كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فمن رجال الأربعة، ووائل بن داود، فمن رجالهم أيضًا.
و"هارون بن إسحاق الْهَمدانيّ": هو أبو القاسم الكوفيّ، صدوق، من صغار [١٠] ١٣/ ٣٤٦.
و"عبدة": هو ابن سليمان الكلابيّ، أبو محمد الكوفيّ، يقال: اسمه عبد الرحمن، ثقة ثبت، من صغار [٨] ٧/ ٣٣٩. و"بكر بن وائل": هو التيميّ الكوفيّ، صدوقٌ [٨] ٥٦/ ١٩٤٥.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد سبق الكلام عليه قريبًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٦٩١ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ, قَالَ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ, عَنْ هِشَامٍ, عَنْ قَتَادَةَ, عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ, عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ, قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ, إِنَّ أُمِّي مَاتَتْ, أَفَأَتَصَدَّقُ عَنْهَا؟ , قَالَ: «نَعَمْ» , قُلْتُ: فَأَيُّ الصَّدَقَةِ أَفْضَلُ؟ , قَالَ: «سَقْيُ الْمَاءِ»).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ) الْمُخَرِّمي، أبو جعفر البغداديّ، ثقة حافظ [١١].
стр. 15031
٢ - (وكيع) بن الجرّاح بن مليح الرؤاسيّ، أبو سفيان الكوفيّ، ثقة حافظ عابد، من كبار [٩] ٢٣/ ٢٥.
٣ - (هشام) بن أبي عبد اللَّه سنبر الدستوائيّ، أبو بكر البصريّ، ثقة ثبت، وقد رُمي بالقدر [٨] ٣٠/ ٣٤.
٤ - (قتادة) بن دعامة السدوسي، أبو الخطاب البصريّ، ثقة ثبت، يدلس [٤] ٣٠/ ٣٥.
٥ - (سعيد بن المسيّب) بن حَزْن القرشيّ المخزومي، ثقة ثبت فقيه، من كبار [٣] ٩/ ٩.
٦ - (سعد بن عبادة) - رضي اللَّه تعالى عنه - المذكور قريبًا. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير أن فيه انقطاعًا، كما سيأتي بيانه قريبًا. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ، وفيه أحد الفقهاء السبعة، ابن المسيب. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ) ﵁، أنه (قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ أُمِّي مَاتَتْ) أي وهو غائب، وهي لم توص، جمع أنها تحبّ ذلك، كما تقدّم قوله: "ولو تكلّمت تصدّقت" (أَفَأَتَصَدَّقُ عَنْهَا؟) أي نيابة عنها، حتى يكون لها الأجر (قَالَ) ﷺ (نَعَمْ) أي تصدق، فإنها تنتفع بذلك (قُلْتُ: فَأَيُّ الصَّدقَةِ أَفْضلُ؟) وفي رواية أبي داود: "أيّ الصدقة أعجب إليك؟ قال: "الماء" (قَال) ﷺ (سَقْيُ الْمَاءِ) خبر لمحذوف، أي أفضل الصدقة سقي الماء، أو مبتدأ محذوف الخبر، أي سقي الماء أفضلها.
زاد في رواية الحسن الآتية: "فتلك سقاية سعد بالمدينة". وفي رواية أبي داود: "فحفر بئرًا، وقال: هذه لأمّ سعد".
وقال السنديّ -رحمه اللَّه تعالى-: قوله: "سقي الماء" أي في ذلك الوقت؛ لقلّته يومئذ، أو على الدوام انتهى.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الاحتمال الثاني هو الظاهر، لكن بقيد الحاجة إليه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
стр. 15032
حديث سعد بن عبادة ﵁ هذا حسّنه بعضهم (١)، والظاهر أنّه ضعيف؛ للانقطاع، إلاّ على قاعدة أن مراسيل سعيد بن المسيّب صحاح، فليُتأمل. قال الحافظ المنذريّ -رحمه اللَّه تعالى- في "مختصر سنن أبي داود": هو منقطع، فإن سعيد بن المسيّب، والحسن البصريّ -أي في الرواية التالية- لم يُدركا سعد بن عبادة، فإن مولد سعيد بن المسيّب سنة خمسة عشر، ومولد الحسن البصريّ سنة إحدى وعشرين، وتوفّي سعد بن عبادة بالشام سنة خمس عشرة. وقيل: سنة أربع عشرة. وقيل: سنة إحدى عشرة، فكيف يدركانه؟ انتهى. وأخرجه أبو داود أيضًا من طريق أبي إسحاق السبيعيّ، عن رجل، عن سعد بن عبادة. وفيه راو لم يسمّ. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب.
(المسألة الثانية): في مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٩/ ٣٦٩١ و ٣٦٩٢ و ٣٦٩٣ - وفي "الكبرى" ٩/ ٦٤٩١ و ٦٤٩٢ و ٦٤٩٣. وأخرجه (د) في "الزكاة" ٦٧٩ و ٦٨٠ أو ١٦٨١ (ق) في "الأدب" ٣٦٨٤ (أحمد) في "باقي مسند الأنصار" ٢٣٣٣٣ (الموطأ) في "الأقضية" ١٤٨٩. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٦٩٣ - (أَخْبَرَنَا أَبُو عَمَّارٍ الْحُسَيْنُ بْنُ حُرَيْثٍ, عَنْ وَكِيعٍ, عَنْ هِشَامٍ, عَنْ قَتَادَةَ, عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ, عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ, قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ, أَيُّ الصَّدَقَةِ أَفْضَلُ؟ , قَالَ: «سَقْيُ الْمَاءِ»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الحديث كلهم رجال الصحيح، و "هشام": هو الدستوائيّ. والحديث حسنه بعضهم، كما سبق بيانه وفيه ما تقدّم. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٦٩٣ - (أَخْبَرَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْحَسَنِ, عَنْ حَجَّاجٍ, قَالَ: سَمِعْتُ شُعْبَةَ, يُحَدِّثُ عَنْ قَتَادَةَ, قَالَ: سَمِعْتُ الْحَسَنَ, يُحَدِّثُ عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ, أَنَّ أُمَّهُ مَاتَتْ, فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّ أُمِّي مَاتَتْ, أَفَأَتَصَدَّقُ عَنْهَا؟ , قَالَ: «نَعَمْ» , قَالَ: فَأَيُّ الصَّدَقَةِ أَفْضَلُ؟ , قَالَ: «سَقْىُ الْمَاءِ» , فَتِلْكَ سِقَايَةُ سَعْدٍ بِالْمَدِينَةِ).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "حجّاج": هو ابن محمد الأعور المصّيصيّ.
والحديث سبق البحث فيه قريبًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعتُ، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكّلتُ، وإليه أنيب".
…
стр. 15033
١٠ - (النَّهْيُ عَنِ الْوِلَايَةِ عَلَى مَالِ الْيَتِيمِ)
٣٦٩٤ - (أَخْبَرَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ مُحَمَّدٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ, عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي أَيُّوبَ, عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي جَعْفَرٍ, عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي سَالِمٍ الْجَيْشَانِيِّ, عَنْ أَبِيهِ, عَنْ أَبِي ذَرٍّ, قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ ﷺ : «يَا أَبَا ذَرٍّ, إِنِّي أَرَاكَ ضَعِيفًا, وَإِنِّي أُحِبُّ لَكَ مَا أُحِبُّ لِنَفْسِي, لَا تَأَمَّرَنَّ عَلَى اثْنَيْنِ, وَلَا تَوَلَّيَنَّ عَلَى مَالِ يَتِيمٍ»).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (العبّاس بن محمد) بن حاتم الدُّوريّ، أبو الفضل البغداديّ، خُوارَزْمِيُّ الأصلِ، ثقة حافظ [١١١٠٢/ ١٣٥].
٢ - (عبد اللَّه بن يزيد) أبوعبد الرحمن المقرئ المكيّ، بصري الأصل، أو الأهواز، ثقة فاضل، أقرأ القرآن نيّفًا وسبعين سنةً [٩] ٤/ ٧٤٦.
٣ - (سعيد بن أبي أيوب) مِقْلاص الْخُزَاعيّ مولاهم، أبو يحيى المصريّ ثقة ثبت [٧] ٢٧/ ١٨٨٠.
٤ - (عبيد اللَّه بن أبي جعفر) يسار، أبو بكر الفقيه، مولى كنانة، أو أمية المصريّ، فقيه، ثقة، عابد [٥] ٨٣/ ٢٥٨٥
٥ - (سالم بن أبي سالم) سفيان بن هانئ الجيشانيّ -بجيم مفتوحة، ثم تحتانيّة ساكنة، ثمّ معجمة- المصريّ، مقبول [٤].
روى عن أبيه، وعبد اللَّه بن عمرو، ومعاوية بن مُعَتِّب. وعنه ابنه عبد اللَّه، وعبيد اللَّه بن أبي جعفر، ويزيد بن أبي حبيب، والحارث بن يعقوب. ذكره ابن حبّان في "الثقات". روى له مسلم، والمصنّف، وأبو داود، وله عندهم حديث الباب فقط.
٦ - (أبوه) سفيان بن هانئ بن جبر بن عمرو بن سعد بن ذاخر المصريّ، أبو سالم الجيشانيّ، حليفٌ لهم من المعافر، [٢].
شهد فتح مِصر، ووفد على عليّ ﵁. ذكره ابن حبّان في "الثقات". وقال العجليّ: مصريّ تابعيّ ثقة. وذكره ابن منده في "الصحابة"، وقال: اختُلف في صحبته، وكذا قال غيره. وقال ابن يونس: تُوفّي بالاسكندرية في إمرة عبد العزيز بن مروان، وكان عَلَويًّا. روى له مسلم، والمصنّف، وأبو داود، وله عند المصنّف في هذا الكتاب هذا الحديث فقط.
стр. 15034
٧ - (أبو ذرّ) جُندب بن جُنادة، وقيل: غير ذلك الصحابيّ المشهور ﵁ ٢٠٣/ ٣٢٢. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سباعيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه من رجال الأربعة. (ومنها): أنه مسلسل بالمصريين، غير شيخه، فبغداديّ، وعبد اللَّه بن يزيد، فمكيّ، وأبي ذرّ ﵁ فمدنيّ. (ومنها): أن فيه ثلاثة من التابعين يروي بعضهم عن بعض: عبيد اللَّه، وسالم، وأبوه. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ أَبِي ذَرِّ) - رضي اللَّه تعالى عنه -، أنه (قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ ﷺ : "يَا أَبَا ذَرّ، إِنِيِّ أَرَاكَ ضَعِيفًا) أي غير قادر على تحصيل مصالح الإمارة، ودرء مفسادها (وَإِنِّي أُحِبُّ لَكَ مَا أُحِبُّ لِنَفْسِي) أي من السلامة عن الوقوع في المحذور. وقيل: تقديره لو كان حالي كحالك في الضعف، وإلا فقد كان ﷺ متولّيًا على أمور المسلمين، حكما عليهم، فكيف يصِحّ قوله: "أُحبّ لك ما أُحبّ لنفسي". والتفسير الأول أقرب. واللَّه تعالى أعلم (لَا تَأَمَّرَنَّ) -بتشديد الميم، ونون التوكيد الثقلية- أي لا تسلّطّن، ولا تصيرينّ أميرًا (عَلَى اثْنَيْنِ) أراد به عدم التولّي مطلقًا، فعبّر بأقلّ ما يمكن الحكم فيه بين الخصوم (وَلَا تَوَلَّيَنَّ عَلَى مَالِ يَتِيمٍ).
وفي رواية مسلم من طريق عبد الرحمن بن حُجيرة الأكبر، عن أبي ذرّ ﵁ قال: قلت: يا رسول اللَّه، ألا تستعملني؟، قال: فضرب بيده على منكبي، ثم قال: "يا أبا ذرّ، إنك ضعيفٌ، وإنها أمانةٌ، وإنها يوم القيامة خزيٌ، وندامةٌ، إلا من أخذها بحقّها، وأدّى الذي عليه فيها".
قال أبو العبّاس القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى-: قوله ﷺ : "إنك ضعيفٌ": أي ضعيفٌ عن القيام بما يتعيّن على الأمير، من مراعاة مصالح رعيّته الدنيويّة والدينيّة. ووجه ضعف أبي ذرّ ﵁ عن ذلك أن الغالب عليه كان الزهد، واحتقار الدنيا، وترك الاحتفال بها، ومن كان هذا حالَهُ لم يَعتنِ بمصالح الدنيا، ولا بأموالها اللذين بمراعاتهما تنتظم مصالح الدين، ويتمّ أمره. وقد كان أبو ذرّ ﵁ أفرط في الزهد في الدنيا، حتى انتهى به الحالُ إلى أن يُفتي بتحريم الجمع للمال، وإن أُخرجت زكاته، وكان يرى أنه الكنز الذي توعّد اللَّه عليه بكَيّ الوجوه، والْجُنُوب، والظُّهُور، فلما علم النبيّ ﷺ منه
стр. 15035
هذه الحالة نصحه، ونهاه عن الإمارة، وعن ولاية مال الأيتام، وأكّد النصيحة بقوله: "وإني أحبّ لك ما أُحبّ لنفسي"، وغلّظ الوعيد بقوله: "وإنها" أي الإمارة "خزيٌ، وندامة"، أي فضيحةٌ قبيحة على من لم يؤدّ الأمانة حقّها، ولم يَقُم لرعيّته برعايتها، وندامةٌ على من تقلّدها، وعلى تفريطه فيها.
وأما من عدل فيها، وقام بالواجب منها، ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء: ٦٩]، وهو من: السبعة الذين يُظلّهم اللَّه في ظلّه يوم لا ظلّ إلا ظلّه، وقد شهد بصحّة ما قلناه قوله في
الحديث: "إلا من أخذها بحقّها، وأدّى الذي عليه فيها". انتهى كلام القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى- (١).
وقال النوويّ -رحمه اللَّه تعالى-: هذا الحديث أصلٌ عظيمٌ في اجتناب الولايات، لا سيّما لمن كان فيه ضعف عن القيام بوظائف تلك الولاية. وأما الخزي، والندامة، فهو في حقّ من لم يكن أهلاً لها، أو كان أهلاً، ولم يَعدِل فيها، فيُخزيه اللَّه تعالى يوم القيامة، ويَفضَحُهُ، ويَندَم على تفريطه. وأما من كان أهلاً للولاية فيها، فله فضلٌ عظيمٌ، تظاهرت به الأحاديث الصحيحة، كحديث أبى هريرة ﵁، عن النبي ﷺ ، قال. "سبعة يظلهم اللَّه تعالى في ظله، يوم لا ظل إلا ظله، إمام عَدْلٌ، وشاب نشأ في عبادة اللَّه، ورجل قلبه مُعَلَّقٌ في المساجد، ورجلان تحابا في اللَّه، اجتمعا عليه، وتفرقا عليه، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال، فقال: إني أخاف اللَّه، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها، حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه، ورجل ذكر اللَّه خاليا، ففاضت عيناه". متّفقٌ عليه (٢)، وحديث عبد اللَّه بن عمرو ﵄، مرفوعّا: "إن المقسطين على منابر من نور، عن يمين الرحمن ، وكلتا يديه يمين، الذين يَعدلون في حكمهم، وأهليهم، وما وَلُوا". رواه مسلم. وغير ذلك، وإجماع المسلمين منعقدٌ عليه، ومع هذا فلكثرة الخطر فيها حذّره ﷺ منها، وكذا حذّر العلماء، وامتنع منها خلائق من السلف، وصبَرُوا على الأذى حين امتنعوا. انتهى كلام النوويّ بزيادة (٣). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
стр. 15036
حديث أبي ذرّ - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا أخرجه مسلم.
(المسألة الثانية): في مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-١٠/ ٣٦٩٤ - وفي "الكبرى" ١٠/ ٦٤٩٤. وأخرجه (م) في "الإمارة" ١٨٢٦ (د) في "الوصايا" ٢٨٦٨. واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان النهي عن الولاية على مال اليتيم، وهذا محمولٌ على من لا يثق بنفسه، ويرى أنها ضعيفة، لا تستطيع القيام بذلك المال حقّ القيام، وإلا فلا يُمنع، كما أشار إليه النبيّ ﷺ بقوله: "إني أراك ضعيفًا الخ". (ومنها): الحثّ على الابتعاد عن الإمارة، ولو كانت على أناس محصورين؛ لعظم مسؤوليتها، وعظم الحسرة فيها، ففي حديث أبي هريرة ﵁، عن النبيّ ﷺ ، قال: "إنكم ستحرصون على الإمارة، وستكون ندامة يوم القيامة، فنعم المرضعة، وبئست الفاطمة". رواه البخاريّ، وسيأتي للمصنّف في "كتاب البيعة" رقم ٤٢١١.
(ومنها): شدّة رأفة النبيّ ﷺ بأمته، ولا سيّما أصحابه الذين كان يعيش بينهم، ويداخلهم، ويعرف أحوالهم الشخصيّة، فمن كان منهم لا يستطيع التعامل مع المجتمع، حذّره عن التعامل الذي يؤدّي إلى عدم القيام بما يجب عليه، وحثّه بالاشتغال بنفسه، وهذا مصداق قوله : ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨]. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعتُ، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكّلتُ، وإليه أنيب".
…
١١ - (مَا لِلْوَصِيِّ مِنْ مَالِ الْيَتِيمِ إِذَا قَامَ عَلَيْهِ)
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: ظاهر ترجمة المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- أنه يرجّح القول بأنه يجوز للوصيّ إذا قام على مال اليتيم بالإصلاح أن يأخذ بالمعروف، وهذا هو الحقّ، وسيأتي بيان اختلاف العلماء في ذلك في المسألة الرابعة، إن شاء اللَّه تعالى.
стр. 15037
٣٦٩٥ - (أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مَسْعُودٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ, عَنْ حُسَيْنٍ, عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ, عَنْ أَبِيهِ, عَنْ جَدِّهِ, أَنَّ رَجُلاً أَتَى النَّبِيَّ ﷺ , فَقَالَ: إِنِّي فَقِيرٌ, لَيْسَ لِي شَيْءٌ, وَلِي يَتِيمٌ, قَالَ: «كُلْ مِنْ مَالِ يَتِيمِكَ, غَيْرَ مُسْرِفٍ, وَلَا مُبَاذِرٍ, وَلَا مُتَأَثِّلٍ»).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (إسماعيل بن مسعود) الْجَحْدريّ، أبو مسعود البصريّ، ثقة [١٠] ٤٢/ ٤٧.
٢ - (خالد) بن الحارث الهُجَيميّ، أبو عثمان البصريّ، ثقة ثبت [٨] ٤٢/ ٤٧.
٣ - (حسين) بن ذكران المعلّم المكتب العوذي البصريّ، ثقة، ربما وهم [٦] ١٢٢/ ١٧٤.
[تنبيه]: وقع في النسخة الهنديّة هنا "حصين" بالصاد المهملة، بدل "حسين" بالسين، وهو غلطٌ فاحش، فتنبّه. واللَّه تعالى أعلم.
٤ - (عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ) المدنيّ، ويقال: الطائفيّ، صدوق [٥] ١٠٥/ ١٤٠.
٥ - (أبوه) شعيب بن محمد بن عبد اللَّه بن عمرو الحجازيّ الطائفيّ، صدوق ثبت سماعه من جدّه على الصحيح [٣] ١٠٥/ ١٤٠.
٦ - (جدُّهُ) عبد اللَّه بن عمرو بن العاص الصحابيّ ابن الصحابيّ ﵁ ٨٩/ ١١١. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم ثقات. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ، والابن عن أبيه، عن جدّه. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ) بن محمد (عَنْ أَبيهِ) شعيب بن محمد بن عبد اللَّه (عَنْ جَدِّهِ) عبد اللَّه بن عمرو بن العاص - رضي اللَّه تعالى عنهما - (أَنَّ رَجُلاً أَتَى النَّبِيَّ ﷺ ، فَقَالَ: إِنَّي فَقِيرٌ، لَيْسَ لِي شَيْءٌ) أي من المال الذي يكيفني من التعرّض للسؤال، أو غيره (وَلِي يَتِيمْ) زاد في رواية: "أفآكل من ماله؟ "، أي فهل يجوز لي أن آكل من ماله أجرةً لما أقوم به من إصلاحه؟ (قَالَ) ﷺ (كُلْ مِنْ مَالِ يَتِيمِكَ) وفي رواية: "بالمعروف" أي كلّ بالمعروف. قال السنديّ: حملوه على ما يستحقّه من الأجرة بسبب ما يعمل فيه، ويُصلِح له انتهى.
(غَيْرَ مُسْرِفٍ) بالراء، ووقع في "الكبرى": "مساوف" بالواو، والظاهر أنه تصحيف.
стр. 15038
وهو منصوب على الحال من الفاعل. وقوله (وَلَا مُبَاذِرٍ) هكذا نسخ "المجتبى" بالذال المعجمة. وفي "الكبرى": "غير مبادر" بالدال المهملة. قال في "النهاية": المباذِر، والمبذّر -أي بالمعجمة-: المسرف في النفقة. باذر، وبذّر مُباذرةً، وتبذيرًا. انتهى (١).
وقال السنديّ: "ولا مباذر" قيل: ولا مسرف، فهو تأكيدٌ، وعلى هذا فالذال معجمة، لكن تكرار "لا" يبعده. وقيل: ولا مبادر بلوغ اليتيم بإنفاق ماله، فالدال مهملة. انتهى (وَلَا مُتَأَثِّلِ) أي ولا متّخذ منه أصل مال. وفي "النهاية": أي غير جامع، يقال: مالٌ مؤثّلٌ، ومجدٌ مؤثّلٌ: أي مجموع ذو أصل، وأَثْلَةُ الشىء أصله. انتهى (٢). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث عبد اللَّه بن عمرو - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا صحيح.
(المسألة الثانية): في مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-١١/ ٣٦٩٥ - وفي "الكبرى" ١١/ ٦٤٩٥. وأخرجه (د) في "الوصايا" ٢٨٧٢ (ق) في "الوصايا" ٢٧١٨. واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان ما يجوز للوصيّ من الأجرة، إذا قام على أمواله، وذلك أن يأخذ بالمعروف. (ومنها): مشروعيّة القيام على مال اليتيم، وأن النهي الوارد في حديث أبي ذرّ ﷺ المتقدّم في الباب الماضي محمول على من لا يستطيع القيام عليه. (ومنها): تحريم أكل الوصيّ مال اليتيم بغير حاجة. (ومنها): أن جواز أكله مشروط بعدم الإسراف ولا التبذير. (ومنها): عدم جواز استثمار الوصيّ أموال اليتامى ليأخذ منه بعض أرباحه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في جواز أكل الوصيّ من مال اليتيم:
قيل: يجوز للوصي أن يأخذ من مال اليتيم قدر عُمالته، وهو قول عائشة ﵂، فقد أخرج الشيخان عنها في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ
стр. 15039
بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ٦]، "قالت: أُنزلت في والي اليتيم أن يُصيب من ماله إذا كان محتاجّا بقدر ماله، بالمعروف". وفي لفظ المسلم: "أنزلت في مال اليتيم الذي يقوم عليه، ويصلحه، إذا كان محتاجًا أن يأكل منه". وبه قال عكرمة، والحسن، وغيرهم.
وقيل: لا يأكل منه إلا عند الحاجة، ثم اختلفوا، فقال: عبيدة بن عمرو، وسعيد بن جبير، ومجاهد: إذا أكل، ثم أيسر قضى. وقيل: لا يجب القضاء. وقيل: إن كان ذهئا، أو فضّةٌ، لم يجز أن يأخذ منه شيئًا إلا على سبيل القرض، وإن كان غير ذلك جاز بقدر الحاجة. وهذا أصحّ الأقوال عن ابن عبّاس. وبه قال الشعبيّ، وأبو العالية، وغيرهما. أخرج جميع ذلك ابن جرير في "تفسيره"، وقال هو بوجوب القضاء مطلقًا، وانتصر له.
وذهب الشافعيّ إلى أنه يأخذ أقلّ الأمرين من أجرته، ونفقته، ولا يجب الردّ على الصحيح. أفاده في "الفتح" (١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: عندي أن المذهب الأول هو الأرجح؛ لما تقدّم من قول عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها -: إنها نزلت في ذلك، فإن تفسير الصحابيّ المتعلّق بسبب النزول في حكم المرفوع، ولأن حديث عبد اللَّه بن عمرو ﵄ المذكور في الباب نصّ في ذلك.
والحاصل أن من يقوم بمال اليتيم له أن يأخذ بالمعروف، وقد بينه في حديث الباب بأنه ما لا إسراف فيه، ولا تبذير، ولا أن يتّخذ منه رأس مال، بل يأخذ لحاجته فقط، وأنه لا يجب عليه الرّدّ إذا أيسر؛ لأن الشارع حين أذن له بالأكل أذن له مطلقًا، ولم يوجب عليه الردّ. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٦٩٦ - (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ حَكِيمٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّلْتِ, قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو كُدَيْنَةَ, عَنْ عَطَاءٍ, وَهُوَ ابْنُ السَّائِبِ, عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ, عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ, قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [الأنعام: ١٥٢] , وَ ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا﴾ [النساء: ١٠] , قَالَ: اجْتَنَبَ النَّاسُ مَالَ الْيَتِيمِ, وَطَعَامَهُ, فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ, فَشَكَوْا ذَلِكَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ , فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: (﴿لَأَعْنَتَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٠]).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (أحمد بن عثمان بن حكيم) الأوديّ الكوفيّ، ثقة [١١] ١٦٠/ ٢٥٢.
стр. 15040
٢ - (محمد بن الصّلت) بن الحجّاج الأسديّ، أبو جعفر الكوفيّ الأصمّ، ثقة، من كبار [١٠].
قال محمد بن عبد اللَّه بن نُمير: ثقة، وأبو غسّان النهديّ أحبّ إليّ منه. وقال أبو زرعة، وأبو حاتم: ثقة. وذكره ابن حبّان في "الثقات". مات سنة (٢١٨) وقيل: سنة (٢١٩) وقيل: سنة (٢٢٢). روى عنه البخاريّ، وروى له المصنّف، والترمذيّ، وابن ماجه بواسطة، وله في هذا الكتاب حديث الباب فقط.
٣ - (أبو كُدينة) -بنون، مصغّرًا- يحيى بن المهلّب البجليّ الكوفيّ، صدوق [٧].
قال ابن معين، وأبو داود، والنسائيّ، والعجليّ، ويعقوب بن سفيان: ثقة. وقال النسائيّ في موضع آخر: ليس به بأس. وذكره ابن حنان في "الثقات"، وقال: ربما أخطأ. وقال ابن سعد: ثقة، إن شاء اللَّه تعالى. وقال الدارقطنيّ: يُعتبر به. روى له البخاريّ، والمصنّف، والترمذيّ، وله في هذا الكتاب حديث الباب فقط.
٤ - (عطاء بن السائب) الثقفيّ، أبو محمد، أو أبو السائب الكوفيّ، صدوقٌ، اختلط [٥] ١٥٢/ ٢٤٣.
٥ - (سعيد بن جبير) الأسديّ مولاهم الكوفيّ، ثقة ثبت فقيه [٣] ٢٨/ ٤٣٦.
٦ - (ابن عباس) عبد اللَّه - رضي اللَّه تعالى عنهما - ٢٧/ ٣١. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، وعطاء بن السائب أخرج له البخاريّ حديثًا واحدًا في ذكر الحوض متابعة. (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ، وفيه ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما - أحد العباددة الأربعة، والمكثرين السبعة. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) - رضي اللَّه تعالى عنهما -، أنه (قّالّ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾، وَ ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا﴾، قال: اجْتَنَبَ النَّاسُ مَالَ الْيَتِيم، وَطَعَامَهُ) وفي الرواية التالية: "قال: كان يكون في حجر الرجل اليتيم، فيعزل له طعامه، وشرابه، وآنيته". ولفظ أبي داود: "لما أنزل اللَّه تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾، وَ ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا﴾، الآية، انطلق من كان عنده يتيمٌ، فعزل طعامه من طعامه، وشرابه من شرابه، فجعل يفضُلُ من
стр. 15041
طعامه، فيحبس له، حتى يأكله، أو يفسد، فاشتدّ ذلك عليهم، فذكروا ذلك لرسول اللَّه ﷺ … " الحديث (فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ) وفي نسخة: "على الناس"، أي شقّ عليهم هذا الاجتناب، حيث يلزمهم عزل طعامه عن طعامهم، وهو يتكرّر في اليوم عدّة مرّات، وأيضّا أنه يتسبّب في فساد طعام اليتيم، إذا لم يستعب كله بالأكل (فَشَكَوْا ذَلِكَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ﴾ إِلَى قوْلِهِ: ﴿لَأَعْنَتَكُمْ﴾) رُوي عن ابن عبّاس ﵄: قال: لو شاء لجعل ما أصبتم من أموال اليتامى مُوبقًا. وقيل: ﴿لَأَعْنَتَكُمْ﴾ لأهلككم. وقيل: لضيّق عليكم وشدّد، ولكنه لم يشأ إلا التسهيل عليكم. وقيل: لكلّفكم ما يشتدّ عليكم أدؤه، وأثّمكم في مخالطتهم، كما فعل بمن كان قبلكم، ولكنه خفّف عنكم. والعَنَتُ: المشقّة (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث ابن عبّاس - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا صحيح.
[فإن قلت]: كيف يصح، وفيه عطاء بن السائب، وقد اختلط، ولا يُقبل حديثه إلا
من رواية من روى عنه قبل الاختلاط وأبوكُدينة لم يُذكر في جملة من رووا عنه قبل
الاختلاط؟.
[قلت]: لم يتفرّد به أبو كدينة، بل تابعه عليه عمران بن عيينة، كما في الرواية التاليه، وإسرائيل بن يونس، وهو ممن روى عنه قبل اختلاطه، فقد أخرجه الحاكم في "المستدرك" ٢/ ٢٧٨ - ٢٧٩، فقال: حدّثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، ثنا الحسن بن عليّ بن عفّان، حدثنا يحيى بن آدم، ثنا إسرائيل، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما -، قال: لما نزلت: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [الأنعام: ١٥٢] عزلوا أموالهم عن أموال اليتامى، فجعل الطعام يفسُد واللحم يُنتِن، فشكوا ذلك إلى رسول اللَّه ﷺ ، فأنزل اللَّه : ﴿قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾، فخالطوهم. قال: هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يُخرجاه، ووافقه الذهبيّ، وهو كما قالا، فإن إسرائيل ممن رووا عن عطاء بن السائب قبل اختلاطه، وهم ثمانية، وقد ذكرتهم في غير هذا المحلّ من هذا الشرح.
والحاصل أن هذا الحديث صحيح؛ لما ذُكر، فتنبّه. واللَّه تعالى أعلم.
стр. 15042
(المسألة الثانية): في مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-١١/ ٣٦٩٦ و ٣٦٩٧ - وفي "الكبرى" ١١/ ٦٤٩٦ و ٦٤٩٧. وأخرجه (د) في "الوصايا" ٢٨٧١ (أحمد) في "مسند بني هاشم" ٢٩٩٣. واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو ما يجوز للوصيّ من مال اليتيم، ووجه الاستدلال بهذا الحديث أنه يدلّ على أن اللَّه تعالى يسرّ في خلط وليّ اليتيم ماله بماله، ومعلوم أنه إذا خُلِطَا لا يُغلمُ بالتحقيق ما يأكله اليتيم، فربما لم يأكل قدر ماله، فيأكله الوليّ، وأهله، فسومح ذلك، وهذا من الأكل الجائز من ماله؛ للضرورة. (ومنها): بيان سبب نزول الآية المذكورة. (ومنها): سماحة الشريعة، وسهولتها، حيث إنها تعتني في تسهيل الأمور عند الضيق. (ومنها): جواز مخالطة اليتيم في أمواله بالمعروف. (ومنها): ما كان عليه الصحابة ﵃ من الاهتمام بأمور اليتامى، فخافوا أن يصبيهم الوعيد الذي ذكره اللَّه بقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا﴾ الآية [النساء: ١٠]، فاستفتوا في أمورهم، فأنزل اللَّه : ﴿وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٠] الآية. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب.
(المسألة الرابعة): قال أبو عبد اللَّه القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى-: لما أذن اللَّه في مخالطة الأيتام مع قصد الإصلاح بالنظر إليهم، وفيهم كان ذلك دليلاً على جواز التصرّف في مال اليتيم تصرّف الوصيّ في البيع والقسمة، وغير ذلك على الإطلاق؛ لهذه الآية، فإذا كفل الرجل اليتيم، وحازه، وكان في نظره جاز عليه فعله، وإن لم يقدّمه والٍ عليه؛ لأن الآية مطلقة، والكفالة ولايةٌ عامّة، ولم يؤثر عن أحد من الخلفاء أنه قدّم أحدًا على يتيم مع وجودهم في أزمنتهم، وإنما كانوا يقتصرون على كونهم عندهم. انتهى (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب.
(المسألة الخامسة): قال أبو عبد اللَّه القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى- أيضًا: تواترت الآثار في دفع مال اليتيم مضاربة، والتجارة فيه، وير جواز خلط ماله بماله دلالةٌ على جوار التصرّف في ماله بالبيع والشراء، إذا وافق الصلاح، وجواز دفعه مضاربة إلى غير ذلك.
واختُلف في عمله هو قراضًا، فمنعه اشهب، وقاسه على منعه من أن يبيع لهم من نفسه، أو يشتري لها. وقال غيره: إذا أخذه على جزء من الربح بنسبة قراض مثله فيه
стр. 15043
أُمضي، كشرائه شيئًا لليتيم بتعقّب (١)، فيكون أحسن لليتيم. قال محمد بن عبد الحكم: وله أن يبيع له بالدين إن رأى ذلك نظرًا. قال ابن كنانة: وله أن يُنفق في عُرس اليتيم ما يصلح من صنيع، وطيب، ومصلحتُهُ بقدر حاله، وحال من يُزوَّج إليه، وبقدر كثرة ماله. قال: وكذلك في ختانه، فإن خشي أن يُتَّهم رفع ذلك إلى السلطان، فيأمره بالقصد، وكلّ ما فعله على وجه النظر فهو جائز، وما فعله على وجه المحاباة، وسوء النظر فلا يجوز، ودلّ الظاهر على أن وليّ اليتيم يُعلّمه أمر الدنيا والآخرة، ويستأجر له، ويؤاجره ممن يعلّمه الصناعات. وإذا وُهب لليتيم شيءٌ, فللوصي أن يقبضه؛ لما فيه من الإصلاح. انتهى كلام القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى- (٢). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهوحسبنا، ونعم الوكيل.
٣٦٩٧ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ, قَالَ: حَدَّثَنَا عِمْرَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ, قَالَ: حَدَّثَنَا عَطَاءُ بْنُ السَّائِبِ, عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ, عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ, فِي قَوْلِهِ ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا (١٠)﴾ [النساء: ١٠] ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا﴾ [النساء: ١٠] , قَالَ: كَانَ يَكُونُ فِي حِجْرِ الرَّجُلِ الْيَتِيمَ, فَيَعْزِلُ لَهُ طَعَامَهُ, وَشَرَابَهُ, وَآنِيَتَهُ, فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ, فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﴿وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ "فِي الدِّينْ (٣)﴾ [البقرة: ٢٢٠] , فَأَحَلَّ لَهُمْ خُلْطَتَهُمْ).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "عمرو بن عليّ": هو الفلاّس.
و"عمران بن عُيينة" بن أبي عمران الهلاليّ، أبو الحسن الكوفيّ، أخو سفيان، صدوقٌ له أوهام [٨].
قال ابن معين: صالح الحديث. وقال أبو زرعة: ضعيف الحديث. وقال أبو حاتم: لا يُحجّ بحديثه؛ لأنه يأتي بالمناكير. وقال الآجريّ: سُئل أبو داود، عن إبراهيم، وعمران، ومحمد بني عيينة؟، فقال: كلهم صالح، وحديثهم قريبٌ. وقال العقيليّ: في حديثه وهم وخطأ. وذكره ابن حبّان في "الثقات". وقال أبو بكر البزّار: ليس به بأس. وقال ابن خلفون: وقال أبو صالح: صدوق. روى له الأربعة، وله عند المصنّف في هذا الكتاب حديث الباب فقط.
وقوله: "كان يكون الخ" أحدهما زائد، ويحتمل أن تكون الكاف جارّةً، و"أن" مصدرية، ويجعل هذا بينًا لحالهم حين نزلت هذه الآية قبل أن يؤذن لهم في الخلط، أي حالهم مثل أن يكون الخ. قاله السنديّ -رحمه اللَّه تعالى-.
стр. 15044
وقوله: ﴿وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ﴾ الآية [البقرة: ٢٢٠]. قال القرطبيّ: هذه المخالطة، كخلط المثل بالمثل، كالتمر بالتمر. وقال أبو عبيد: مخالطة اليتامى أن يكون لأحدهم المال، ويشقّ على كافله أن يُفرد طعامه عنه، ولا يجد بُدًّا من خلطه بعياله، فيأخذ من مال اليتيم ما يرى أنه كافيه بالتحرّي، فيجعله مع نفقة أهله، وهذا قد يقع فيه الزيادة والنقصان، فجاءت الآية الناسخة بالرخصة فيه. قال أبو عبيد: وهذا عندي أصلٌ لما يفعله الرفقاء في الأسفار، فإنهم يتخارجون النفقات بينهم بالسويّة، وقد يتفاوتون في قلّة المطعم، وكثرته، وليس من قلّ مطعمه تطيب نفسه بالتفضّل على رفيقه، فلما كان هذا في اموال اليتامى واسعًا، كان في غيرهم أوسع، ولولا ذلك لَخِفتُ أن يضيّق فيه الأمر على الناس. انتهى (١).
والحديث صحيح، وقد سبق البحث فيه في الذي قبله. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعتُ، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكّلتُ، وإليه أنيب".
…
١٢ - (اجْتِنَابُ أَكْلِ مَالِ الْيَتِيمِ)
٣٦٩٨ - (أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ, قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ, عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ, عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ, عَنْ أَبِي الْغَيْثِ, عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ , قَالَ: «اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ» , قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ, مَا هِيَ؟ , قَالَ: «الشِّرْكُ بِاللَّهِ, وَالسِّحْرِ, وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ, إِلاَّ بِالْحَقِّ, وَأَكْلُ الرِّبَا, وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ, وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ, وَقَذْفُ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ» (٢).
رجال هذا الإسناد: ستة.
١ - (الربيع بن سليمان) أبو محمد المصريّ الجِيزيّ الأعرج، ثقة [١١] ١٢٢/ ١٧٣.
٢ - (ابن وهب) هو عبد اللَّه، أبو محمد المصريّ، ثقة حافظ عابد [٩] ٩/ ٩.
٣ - (سليمان بن بلال) التيمي مولاهم، أبو محمد، وأبو أيوب المدينيّ، ثقة [٨] ٣٠/ ٥٥٨.
стр. 15045
٤ - (ثور بن زيد) الدِّيليّ المدنيّ، ثقة [٦] ١١/ ١٢٠١.
[تنبيه]: وقع في كلّ نسخ "المجتبى"، و "الكبرى" التي بين يديّ: "ثور بن يزيد" بالياء التحتانيّة، وهو غلطٌ، والصواب "ثور بن زيد" بدونها، وهو الواقع في "الصحيحين"، وفي "تحفة الأشراف" ج ٩/ ص ٤٥٨، فتنبّه. واللَّه تعالى أعلم.
و"ثور بن يزيد" راو آخر، وهو أبو خالد الحمصيّ، ثقة ثبت، إلا أنه يرى القدر [٧] ٧/ ٥٠٤.
٥ - (أبو الغيث) سالم مولى ابن مُطيع المدنيّ، ثقة [٣] ٧٨/ ٢٥٧٧.
٦ - (أبو هريرة) - رضي اللَّه تعالى عنه - ١/ ١. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه فقد تفرد به هو، وأبو داود، وهو ثقة. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين من سليمان، وشيخُهُ، وابنُ وهب مصريان. (ومنها): أن فيه أبا هريرة - رضي اللَّه تعالى عنه - من المكثرين السبعة. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) - رضي اللَّه تعالى عنه - (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، قال: "اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ) بموحّدة، وقاف: أي المهلكات، جمع مُوبِقّة، من أوبقه: إذا أهلكه. قال في "القاموس": وَبَقَ، كوَعَدَ، وَوَجِلَ، وَوَرِثَ، وُبُوقًا، ومّوْبِقًا: هَلَك، كاستَوبَقَ، وكمجلِسِ: المَهْلِك، والْموْعِد، والْمَحِبِسُ، ووادٍ في جهنّم، وكلُّ شيء حال بين شيئين، وأوبقه: حَبَسَهُ، وأهلكه. انتهى.
قال أبو العبّاس القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى-: وسمّيت هذه الكبائر موبقات؛ لأنها تُهلك فاعلها في الدنيا بما يترتّب عليها من العقوبات، وفي الآخرة من العذاب.
ولا شكّ في أن الكبائر أكثر من هذه السبع بدليل الأحاديث المذكورة في هذا الباب (١) وفي غيره، ولذلك قال ابن عبّاس ﵄ حين سئل عن الكبائر، فقال: هي إلى السبعين أقرب منها إلى السبع. وفي رواية عنه: هي إلى سبعمائة أقرب منها إلى سبع. وعلى هذا فاقتصاره ﷺ على هذه السبع في هذا الحديث يحتمِل أن يكون لأنها هي التي أُعلم بها في ذلك الوقت بالوحي، ثم بعد ذلك أُعلم بغيرها. ويحتمل أن يكون ذلك
стр. 15046
لأن تلك السبع هي التي دعت الحاجة إليها في ذلك الوقت، أو التي سُئل عنها في ذلك الوقت، وكذلك القول في كلّ حديث خصّ عددًا من الكبائر. واللَّه تعالى أعلم. انتهى كلام القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى- (١).
(قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا هِيَ؟، قَالَ: "الشِّركُ بِاللَّهِ) يجوز في "الشرك" وما عطف عليه النصب، والرفع، فالنصب على البدلية من "السبع"، أو على أنه مفعول لفعل محذوف، أي "أعني"، ونحوه.
وكون الشرك من الكبائر، بل هو أكبرها على الإطلاق، صريح النصّ القرآنيّ، حيث قال : ﴿وَإِذْ قَالَ: لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣]. وأخرج الشيخان من حديث ابن مسعود ﵁، قال: قلت: يا رسول اللَّه، أيُّ الذنب أعظم؟، قال: "أن تجعل للَّه ندا، وهو خلقك"، قلت: ثم أيّ؟، قال: "أن تقتل ولدك، خشية أن يأكل معك"، قال: ثم أيّ؟ قال: "أن تزاني حليلة جارك"، وأنزل اللَّه تصديق قول النبيّ ﷺ : ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ الآية [الفرقان: ٦٨].
وقال النوويّ -رحمه اللَّه تعالى-: وأما قبح الكفر، وكونه من أكبر الكبائر، فكان معروفًا عندهم، ولا يتشكّك أحدٌ من أهل القبلة في ذلك. انتهى (٢).
(وَالسِّحْرُ) هكذا في النسخة الهنديّة، وهو الموافق لما في "الصحيحين"، ووقع في النسختين المطبوعتين: "والشحّ"، بدل "السحر"، وسقطت هذه الكلمة من "الكبرى" أصلًا (٣)، والظاهر أنها سقطت من النسّاخ، لا من أصل الرواية؛ لأن السبع تكون ناقصة بدونها، فتنبّه.
و"السحر" -بكسر، فسكون-: قال ابن فارس: هو إخراج الباطل في صورة الحقّ، ويقال: هو الخديعة، وسَحَره بكلامه: استماله برقّته، وحسن تركيبه. قال الإمام فخر الدين في "التفسير": ولفظ السحر في عرف الشرع مختصّ بكلّ أمر يخفَى سببه، ويُتخيّل على غير حقيقته، ويجري مجرى التمويه، والخِداع. قال اللَّه تعالى: ﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾ [طه: ٦٦]، وإذا أُطلق ذُمّ فاعله. وقد يستعمل مُقيّدًا فيما يُمدح، ويُحمد، نحو قوله ﷺ : "إن من البيان لسحرًا" أي إن بعض البيان سحرٌ؛ لأن صاحبه يوضّح المشكل، ويَكشِف عن حقيقته بحسن بيانه، فيستميل القلوب، كما تُستمالُ
стр. 15047
بالسحر. وقال بعضهم: لما كان في البيان من إبداع التركيب، وغرابة التأليف ما يَجذب السامع، ويُخرجه إلى حدّ يكاد يَشغَلُهُ عن غيره، شُبّه بالسحر الحقيقيّ. وقيل: هو السحر الحلال. ذكره الفيّوميّ. وسيأتي بسط فيما يتعلّق بالسحر في "كتاب المحاربة"، إن شاء اللَّه تعالى.
وقال النوويّ -رحمه اللَّه تعالى-: وأما عدّه ﷺ السحر من الكبائر، فهو دليلٌ لمذهبنا الصحيح المشهور، ومذهب الجماهير أن السحر حرام، من الكبائر فعله، وتعلّمه، وتعليمه. وقال بعض أصحابنا: إن تعلّمه ليس بحرام، بل يجوز؛ ليعرف، ويردّ على صاحبه، ويميّز عن الكرامة للأولياء، وهذا القائل يمكنه أن يحمل الحديث على فعل السحر. واللَّه أعلم. انتهى (١).
وأما "الشح"، إن صحّت به الرواية، فهو أشدّ البخل، وهو أبلغ في المنع من البخل. وقيل: هو البخل مع الحرص. وقيل: البخل في أفراد الأمور، وآحادها، والشّحّ عامّ. وقيل: البخل بالمال، والشحّ بالمال والمعروف. يقال: شحّ يشُحّ - بالضمّ- فهو شَحِيح، والاسم الشُّحّ. أفاده ابن الأثير (٢).
(وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمّ اللَّهُ، إِلاَّ بِالْحَقِّ) أي كأن تقتل بريئًا عمدًا، فيقتصّ منها، أو زنت محصنة، فترجم (وَأَكْلُ الرِّبَا) قال اللَّه : ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ الآية [البقرة: ٢٧٥] (وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيم) قال اللَّه تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ (وَالتَّوّلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ) أي الفرار من الجهاد، ولقاء العدوّ في الحرب. والزَّحفُ: الجيش يزحفون إلى العدوّ: أي يمشون، يقال: زَحف إليه زَحفًا، من باب منع: إذا مشى نحوه. أفاده في "النهاية" (٣).
وقال القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى-: والزحف: القتال، وأصله المشي المتثاقل، كالصبيّ يزحف قبل أن يمشي، والبعير إذا أعيى، فَجَرَّ فِرْسَنَه (٤). وقد سمّي الجيش بالزحف؛ لأنه يُزحَفُ فيه، والتوليّ عن القتال إنما يكون كبيرةً إذا فرّ إلى غير فئة، وإذا كان العدوّ ضعفي المسلمين. انتهى (٥).
стр. 15048
وقال النوويّ -رحمه اللَّه تعالى-: وأما عدّه ﷺ التولّي يَوْمَ الزحف من الكبائر، فدليلٌ صريحٌ لمذهب العلماء كافّةً في كونه كبيرةً، إلا ما حُكي عن الحسن البصريّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- أنه قال: ليس هو من الكبائر، قال: والآية الكريمة في ذلك إنما وردت في أهل بدر خاصّة. والصواب ما قاله الجماهير أنه عامّ باقٍ. واللَّه أعلم انتهى (١).
(وَقَذْفُ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ) أي رميهنّ بالزنى، والإحصانُ هنا: العفّة عن الفواحش. والغافلات يعني عما رُمين به من الفاحشة، أي هنّ بريئات من ذلك، لا خبر عندهنّ منه. قاله القرطبيّ.
وقال النوويّ -رحمه اللَّه تعالى-: وأما المحصنات الغافلات، فبكسر الصاد، وفتحها قراءتان في السبع قرأ الكسائيّ بالكسر، والباقون بالفتح، والمراد بالمحصنات هنا العفاف، وبالغافلات الغافلات عن الفواحش، وما قُذِفْنَ به، وقد ورد الإحصان في الشرع على خمسة أقسام: العفّة، والإسلام، والنكاح، والتزويج، والحرّيّة، وقد بيّنت مواطنه، وشرائطه، وشواهده في "كتاب تهذب الأسماء واللغات". واللَّه أعلم. انتهى (٢). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث أبي هريرة - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا- ١٢/ ٣٦٩٨ - وفي "الكبرى" ١٢/ ٦٤٩٨. وأخرجه (خ) في "الوصايا" ٢٧٦٦ و"الطبّ" ٥٧٦٤ و"الحدود" ٦٨٥٧ (م) في "الإيمان" ٨٩ (د) في "الوصايا" ٢٨٧٤. واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان وجوب اجتناب أكل مال اليتيم. (ومنها): تقسيم الذنوب إلى كبائر، وصغائر. (ومنها): وجوب الاجتناب عن هذه الذنوب الكبائر السبع. وسيأتي ذكر بيان الاختلاف بين العلماء في حد الكبيرة، وتقسيم الذنوب إلى صغيرة وكبيرة، وبعض أمثلة الكبائر في باب "ذكر الكبائر" من "كتاب المحاربة"، إن شاء اللَّه تعالى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب.
стр. 15049
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعتُ، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكّلتُ، وإليه أنيب".
…
٣٠ - (كِتَابُ النُّحْلِ)
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "النُّحْلُ":-بضمّ النون، وسكون الحاء المهملة-:
العطيّةُ والهبة ابتداء من غير عوض، ولا استحقاق، يقال: نحله يَنْحَلُهُ، من باب فتح نُحْلاً بالضمّ. والنَّحْلة بالكسر العطية. أفاده في "النهاية" (١).
وقال الفيّوميّ: نَحَلتُهُ أنحله -بفتحتين نُحلاّ، مثل قُفْل: أعطيته شيئًا من غير عِوَض بطيب نفس. ونَحَلتُ المرأة مهرها نِحْلَةً بالكسر: أعطيتها. والنَّحْلةُ: الدَّعْوَى. انتهى. وفي "اللسان": والنُّحْلُ بالضمّ: إعطاؤك الإنسان شيئًا بلا استعاضة، وعمّ بعضهم جميع أنواع العطاء. وقيل: هو الشيء المعطَى، وقد أنحله مالاّ ونحله إياه، وأبى بعضهم هذه الأخيرة. ونُحْلُ المرأة: مهرُها، والاسم النِّحْلة بالكسر: تقول أعطيتها مهرها نِحلةً: إذا لم تُرد منها عوضًا. انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
١ - (ذِكْرُ اخْتِلافِ أّلْفَاظِ النَّاقِلِينَ لِخَبَرِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرِ فِي النُّحْلِ)
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: وجه الاختلاف المذكور أن جمهور الرواة جعلوه من مسند النعمان بن بشير ﵄، وخالف في ذلك الأوزاعيّ عن ابن شهاب، أن محمد بن النعمان، وحميد بن عبد الرحمن حدثاه، عن بشير بن سعد، فجعله من مسند بشير، فشذّ بذلك، والمحفوظ رواية الجماعة، أنهما يرويانه عن النعمان ﵁، لا عن أبيه بشير ﵁. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
٣٦٩٩ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ, عَنِ الزُّهْرِيِّ, عَنْ حُمَيْدٍ ح وَأَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ, عَنْ سُفْيَانَ, قَالَ: سَمِعْنَاهُ مِنَ الزُّهْرِيِّ, أَخْبَرَنِي حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ, وَمُحَمَّدُ بْنُ النُّعْمَانِ, عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ, أَنَّ أَبَاهُ نَحَلَهُ غُلَامًا, فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ , يُشْهِدُهُ, فَقَالَ: «أَكُلَّ وَلَدِكَ نَحَلْتَ؟» , قَالَ: لَا, قَالَ: «فَارْدُدْهُ». وَاللَّفْظُ لِمُحَمَّدٍ).
стр. 15050
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (قتيية بن سعيد) الثقفي البغلاني، ثقة ثبت [١٠] ١/ ١.
٢ - (محمد بن منصور) الجوّاز المكيّ، ثقة [١٠] ١٩/ ٢٠ من أفراد المصنف.
٣ - (سفيان) بن عُيينة، أبو محمد المكي، ثقة ثبت حجة [٨] ١/ ١.
٤ - (الزهريّ) محمد بن مسلم الإمام الحجة الثبت [٤] ١/ ١.
٥ - (حُميد بن عبد الرحمن) بن عوف الزهريّ المدنيّ ثقة [٢] ٣٢/ ٧٢٥.
٦ - (محمد بن النعمان) بن بشير الأنصاريّ، أبو سعيد المدنيّ، ثقة [٣].
روى عن أبيه، وجدّه. وروى عنه الزهريّ، مقرونًا بحميد بن الرحمن. قال العجليّ: مدنيّ تابعي ثقة. وذكره ابن حبّان في "الثقات". وقد ذكره مسلم في الطبقة الأولى من أهل المدينة. روى له الجماعة، سوى أبي داود حديث النُّحْل مقرونًا، ورواه النسائيّ وحده من حديث الزهريّ، عن محمد وحده عن جدّه بشير. قال الحافظ: وهو خطأ من الراوي عن الزهريّ. قال: وقرأت بخط الذهبيّ: حديثه عن جدّه مرسل انتهى. وهذا بناء على روايته عنه انتهى (١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قوله: "من حديث الزهريّ، عن محمد وحده" هذا غير صحيح، فإن رواية النسائيّ مقرونة بحميد بن عبد الرحمن، كما سيأتي برقم (٣٧٠٢) فليُتنبّه.
٧ - (النُّعْمَانُ بْنُ بَشِيرٍ) بن سعد بن ثعلبة الأنصاريّ الخزرجيّ الصحابي ابن الصحابيّ ﵄، سكن الشام، ثم ولي إمرة الكوفة، ثم قُتل بحمص سنة (٦٥)، وله (٦٤) سنة، تقدمت ترجمته في -١٩/ ٥٢٨. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه الثاني، فإنه من أفراده. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين من الزهريّ، وقتيبة بغلاني، ومحمد بن منصور، وسفيان مكيّان. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّين، والابن عن أبيه. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ) بن سعد - رضي اللَّه تعالى عنهما -.
стр. 15051
[تنبيه]: قد روى هذا الحديث عن النعمان بن بشير ﵁ عدد كثير من التابعين، غير حميد بن عبد الرحمن، ومحمد بن بن النعمان، منهم: عروة بن الزبير، عند مسلم، والمصنّف، وأبي داود، وأبو الضُّحى عند المصنّف، وابنِ حبّان، وأحمد، والطحاويّ. والمفضل بن المهلَّب، عند المصنّف، وأحمد، وأبي داود. وعبدُ اللَّه ابن عُتبة بن مسعود، عند أحمد. وعون بن عبد اللَّه، عند أبي عوانة. والشعبيّ عند المصنّف، وفي "الصحيحين"، وأبي داود، وأحمد، وابن ماجه، وابن حبّان، وغيرهم. ورواه عن الشعبيّ عدد كثير أيضًا، وسنذكر ما في رواياتهم من الفوائد الزائدة على هذا الطريق، مفضلاّ، إن شاء اللَّه تعالى، كما اعتنى بذلك الحافظ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-، وغيره.
(أَنَّ أَبَاهُ) بشير بن سعد بن ثعلبة بن الْجُلَاس -بضمّ الجيم، وتخفيف اللام- الخزرجيّ، صحابيّ مشهور، شهد بدرّا، وغيرها، ومات في خلافة أبي بكر سنة ثلاث عشرة، ويقال: إنه أول من بايع أبا بكر من الأنصار. وقيل: عاش إلى خلافة عمر.
روى عن النبيّ ﷺ هذا الحديث فقط، على خلاف فيه. وروى عنه ابنه النعمان، وابن ابنه محمد، وعروة، وحُميد بن عبد الرحمن بن عوف. وروايتهم عنه مرسلة، سوى النعمان. وذكر ابن سعد في "الطبقات" أنه كان يكتب بالعربيّة في الجاهليّة، وأمّره النبيّ ﷺ على بعض السرايا، واستعمله على المدينة في عمرة القضاء.
وذكر ابن إسحاق، والواقديّ أنه قُتل يَوْمَ عين التمر مع خاقد بن الوليد مُنصرَفه من اليمامة سنة (١٢)، لكن روى البخاريّ في "تاريخه" من طريق الزهريّ، عن محمد بن النعمان بن بشير، عن أبيه، أن عمر بن الخطاب قال يومًا، وحوله المهاجرون والأنصار: أرأيتم لو ترخّصت في بعض الأمر، ماذا كنتم فاعلين؟ قال: فقال له بشير ابن سعد: لو فعلت قوّمناك تقويم الْقِدْح، فقال عمر: أنتم إذًا أنتم. وهذا يدلّ على أنه بقي إلى خلافة عمر ﵄ (١).
(نَحَلَهُ) من باب فتح: أي أعطاه. وفي الرواية التالية: "إن أباه أتى به إلى رسول اللَّه ﷺ "، وفي رواية الشعبيّ: "أعطاني أبي عطيّة، فقالت عمرة بنت رواحة: لا أرضى حتى تُشهد رسول اللَّه ﷺ ، فأتى رسول اللَّه ﷺ ، فقال: إني أعطيت ابني من عمرة بنت رواحة عطيّة"، وفي رواية أبي حيّان، عن الشعبيّ (٢) بيان سبب سؤالها شهادة رسول اللَّه ﷺ ، ولفظه: عن النعمان، قال: سَأَلَتْ أمي أبي بعضّ الموهبة لي من ماله، فالتوى بها
стр. 15052
سنة" أي مطلها. وفي رواية ابن حبّان من هذا الوجه: "بعد حولين"، ويُجمع بينهما بأن المدة كانت سنة وشيئًا، فجبر الكسر تارة، وألغاه أخرى، قال: "ثم بدا له، فوهبها لي، فقالت له: لا أرضى حتى تُشهد النبيّ ﷺ ، قال: فأخذ بيدي، وأنا غلام"، ولمسلم من طريق داود بن أبي هند، عن الشعبيّ، عن النعمان: "انطلق بي أبي، يحملني إلى رسول اللَّه ﷺ "، ويجميع بينهما بأنه أخذ بيده، فمشى معه بعض الطريق، وحمله في بعصها لصغر سنّة، أو عبّر عن استتباعه إياه بالحمل.
(غُلَامًا) الأصل فيه الابن الصغير، ويُطلق مجازًا على الرجل باعتبار ما كان عليه، ويُجمع على غِلْمة في القلّة، وعلى غِلمان في الكثرة، والمراد به هنا العبد.
ثمّ إن رواية هذا الباب صريحة في أن الذي أعطى بشير وقده النعمان هو غلام، ووقع في رواية ابن حنان، والطبرانيّ من طريق أبي حّرِيز -بمهملة، وراء، ثم زاي، بوزن عظيم- عن الشعبيّ: "أن النعمان بن بشير، خطب بالكوفة، فقال: إن والدي بشير بن سعد أتى النبيّ ﷺ ، فقال: إن عمرة بنت رواحة نُفست بغلام، وإني سمّيته النعمان، وإنها أبت أن تربّيه حتى جعلت له حديقة من أفضل مال، هو لي، وأنها قالت: أشهِد على ذلك رسول اللَّه ﷺ ، وفيه قوله ﷺ : "لا أشهد على جور".
وجمع ابن حبّان بين الروايتين بالحمل على واقعتين: إحداهما عند ولادة النعمان، وكانت العطيّة حديقةً، والأخرى بعد أن كبر النعمان، وكانبت العطيّة عبدًا. وهو جمع لا بأس به، إلا أنه يعكُر عليه أنه يبعد أن ينسى بشير بن سعد مع جلالته الحكم في المسألة حتى يعود إلى النبيّ ﷺ ، فيستشهده على العطيّة الثانية بعد أن قال له في الأولى: "لا أشهد على جَوْر".
وجوّز ابن حبّان أن يكون بشير ظنّ نسخ الحكم. وقال غيره: يحتمل أن يكون حمل الأول على كراهة التنزيه، أو ظنّ أنه لا يلزم من الامتناع في الحديقة الامتناع في العبد؛ لأن ثمن الحديقة في الأغلب أكثر من ثمن العبد.
قال الحافظ: ثم ظهر وجهٌ آخر من الجمع، يسلم من هذا الخدش، ولا يحتاج إلى جواب، وهو أن عمرة لمَاّ امتنعت من تربيته، إلا أن يهب له شيئًا، يخصّه به وهبه الحديقة المذكورة تطييبًا لخاطرها، ثم بدا له، فارتجعها؛ لأنه لم يقبضها منه أحدٌ غيره، فعاودته عمرة في ذلك، فمطلها سنة، أو سنتين، ثم طابت نفسه أن يهب له بدل الحديقة غلاما، ورضيت عمرة بذلك، إلا أنها خشيت أن يرتجعه أيضًا، فقالت له: أشهد على ذلك رسول اللَّه ﷺ ، تريد بذلك تثبيت العطيّة، وأن تأمن من رجوعه فيها، ويكون مجيئه إلى النبيّ ﷺ للإشهاد مرّة واحدةً، وهي الأخيرة، وغاية ما فيه أن بعض الرواة
стр. 15053
حفظ ما لم يحفظ بعض، أو كان النعمان يقصّ بعض القصّة تارة، ويقصّ بعضها أخرى، فسمع كلٌّ ما رواه، فاقتصر عليه. واللَّه تعالى أعلم. انتهى (١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: عندي أن هذه التأويلات كلّها يظهر ليها التعسّف، والتكلّف، فالأولى أن تُجعل رواية الجماعة في أن ما وهبه غلام هي المحفوظة، ورواية الحديقة شاذّة. واللَّه تعالى أعلم.
(فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ ، يُشهِدُهُ) بضم أوله، من الإشهاد (فَقَالَ) ﷺ (أَكُلَّ ولَدِكَ) زاد في رواية أبي حيّان: "فقال ألك ولد سواه؟ قال: نعم". وقال مسلم لَمّا رواه من طريق الزهريّ: أما يونس ومعمر، فقالا: "أكلّ بنيك"، وأما الليث وابن عيينة، فقالا: "أكلّ ولدك". ولا منافاة بينهما؛ لأن لفظ الولد يشمل ما لو كانوا ذكورًا، أو إناثًا وذكورًا، وأما لفظ البنين، فإن كان ذكورًا، فظاهر، وإن كانوا إناثًا وذكورًا، فعلى سبيل التغليب. ولم يذكر ابن سعد لبشير واقد النعمان ولدًا غير النعمان، وذكر له بنتًا اسمها أُبية - بالموحّدة، تصغير أبى. قاله في "الفتح" (نَحَلْتَ؟) وفي رواية مالك: "أكلّ ولدك نحلته"، وفي رواية عروة، عن بشير: "أكلّ ولدك نحلته مثل ذا"، وفي رواية داود، عن الشعبيّ: "كلّ ولدك نحلت مثل الذي نحلت نعمان"، وفي رواية له:، أفكلهم وهبت لهم مثل الذي وهبت لابنك هذا؟ "، وفي رواية له: "فأعطيتهم مثل ما أعطيت لهذا" (قَالَ) بشير (لَا) وفي رواية ابن القاسم، في "الموطّآت للدارقطنيّ عن مالك: "قال: لا واللَّه، يا رسول اللَّه" (قَالَ) ﷺ (فَارْدُدْهُ) وفي رواية مالك التالية: "فارجعه"، وفي رواية الشعبيّ: "فلا أشهد على شيء"، هذا لفظ "المجتبى"، ولفظ "الكبرى": "فأَشْهِدْ على هذا غيري، أليس يسرّك أن يكونوا إليك في البرّ سواءً؟، قال: بلى، قال: فلا إذًا"، وفي رواية له: "فلا تشهدني إذًا، فإني لا أشهد على جور"، وفي رواية عروة: "فكره النبيّ ﷺ أن يشهد له"، وفي رواية أبي الضحى، عن النعمان: "ألا سوّيت بينهم"، وفي رواية الشعبيّ عند البخاريّ: "قال: فرجع، فردّ عطيّته"، ولمسلم: "فردّ تلك الصدقة"، وفي رواية المغيرة، عن الشعبيّ، عند مسلم: "اعدلوا بين أولادكم في النُّحل، كما تحبّون أن يعدِلوا بينكم في البرّ"، وفي رواية مجالد، عن الشعبيّ، عند أحمد: "إن لبنيك عليك من الحقّ أن تعدل بينهم، فلا تشهدني على جور، أيسرّك أن يكونوا إليك في البرّ سواءً؟ قال: بلى، قال: فلا إذًا"، ولأبي داود من هذا الوجه: "إن لهم عليك من الحقّ أن تعدل بينهم، كما أن لك عليهم من الحقّ أن يبرّوك".
стр. 15054
وكلّ هذه الألفاظ المختلفة في هذه القصّة متقاربة في المعنى.
(واللَّفْظُ لِمُحَمَّدِ) يعني أن هذا السياق لشيخه محمد بن منصور، وأما شيخه قتيبة، فرواه بمعناه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث النعمان بن بشير ﵄ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا- من رقم-٣٦٩٩ - إلى ٣٧١٣ - وفي "الكبرى" ١/ ٦٤٩٩ - ٦٥١٤. وأخرجه (خ) في "الهبة" ٢٥٨٦ و ٢٥٨٧ و "الشهادات" ٢٦٥٠ (م) في "الهبات" ١٦٢٣ (د) في "البيوع" ٣٥٤٢ و ٣٥٤٤ (ت) في "الأحكام" ١٣٦٧ (ق) في "الأحكام" ٢٣٧٥ و٢٣٧٦ (أحمد) في "مسند الكوفيين" ١٧٨٩٠ و ١٧٩٠٢ و١٧٩١١ (الموطأ) في "الأقضية" ١٤٧٣. واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان مشروعيّة النُّحل إذا لم يكن هناك ما يمنعه، من تفضيل بعض الأولاد على بعض. (ومنها): الندب إلى التأليف بين الإخوة، وترك ما يوقع بينهم الشحناء، أو يورث العقوق للآباء. (ومنها): أن عطيّة الأب لابنه الصغير في حجره لا تحتاج إلى قبض، وأن الإشهاد فيها يُغني عن القبض. وقيل: إن كانت الهبة ذهبًا، أو فضّةً فلا بدّ من عزلها، وإفرازها. (ومنها): كراهة تحمّل الشهادة فيما ليس بمباح. (ومنها): مشروعيّة الإشهاد في الهبة، وليس بواجب. (ومنها): جواز الميل إلى بعض الأولاد، والزوجات، دون بعض، وإن وجبت التسوية بينهم في غير ذلك. (ومنها): أن للإمام الأعظم أن يتحمّل الشهادة، وتظهر فائدتها، إما ليحكم في ذلك بعلمه عند من يُجيزه، أو يؤدّيها عند بعض نُوّابه. (ومنها): مشروعيّة استفصال الحاكم، والمفتي عما يحتمل الاستفصال، لقوله ﷺ : "ألك ولدٌ غيره؟ "، فلما قال: نعم، قال: "أفكلهم أعطيت مثله"، فلما قال: لا، قال: "لا أشهد"، فيفهم منه أنه لو قال: نعم، لشهد. (ومنها): جواز تسمية الهبة صدقةً. (ومنها): أن للإمام كلامّا في مصلحة الولد. (ومنها): المبادرة إلى قبول الحقّ، وأمر الحاكم، والمفتي بتقوى اللَّه في كلّ حال. (ومنها): أن فيه إشارةً إلى سوء عاقبة الحرص، والتنطّع؛ لأن عمرة لو رضيت بما وهبه زوجها لولده لما رجع فيه، فلما اشتدّ حرصها في تثبيت ذلك
стр. 15055
أفضى إلى بطلانه. (ومنها): ما قال المهلّب: فيه أن للإمام أن يردّ الهبة، والوصيّة ممن يعرف منه هروبًا عن بعض الورثة.
(ومنها): أنه استُدلّ به على أن للأب أن يرجع فيما وهبه لابنه، وكذلك الأمّ، وهو قول أكثر الفقهاء، وسيأتي تحقيق المذاهب، وأدلّتها في محله، من "كتاب الهبة"، إن شاء اللَّه تعالى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم هل التسوية في العطيّة بين الأولاد واجبة، أم لا؟:
ذهب طائفة منهم إلى وجوبه، وبه صرّح البخاريّ، وهو قول طاوس، والثوريّ، وأحمد، وإسحاق، وقال به بعض المالكيّة، ثم المشهور عن هؤلاء أنها باطلة. وعن أحمد تصحّ، ويجب أن يرجع، وعنه يجوز التفاضل إن كان له سبب، كأن يحتاج الولد لزمانته ودَينه، أو نحو ذلك، دون الباقين. وقال أبو يوسف: تجب التسوية إن قصد بالتفضيل الإضرار.
وذهب الجمهور إلى أن التسوية مستحبّة، فإن فضّل بعضًا صحّ، وكُره، واستُحبّ المبادرة إلى التسوية، أو الرجوع، فحملوا الأمر على الندب، والنهي على التنزيه.
ومن حجة من أوجبه أنه مقدّمة الواجب؛ لأن قطع الرحم، والعقوق محرّمان، فما يؤدّي إليهما يكون محرّما، والتفضيل مما يؤدّي إليهما.
ثم اختلفوا في صفة التسوية، فقال محمد بن الحسن، وأحمد، وإسحاق، وبعض الشافعيّة، والمالكيّة: العدل أن يعطي الذكر حظّين كالميراث، واحتجّوا بأنه حظّها من ذلك المال لو أبقاه الواهب في يده حتى مات. وقال غيرهم: لا فرق بين الذكر والأنثى. وهذا هو الأرجح؛ لأن ظاهر الأمر بالتسوية يدلّ عليه، ويدلّ عليه أيضًا حديث ابن عبّاس ﵄، رفعه: "سوّوا بين أولادكم في العطيّة، فلو كنت مفضّلاً أحدًا لفضّلت النساء". أخرجه سعيد بن منصور، والبيهقيّ من طريقه. قال الحافظ: وإسناده حسن.
وأجاب من حمل الأمر بالتسوية على الندب عن حديث النعمان ﵁ بأجوبة:
[أحدها]: أن الموهوب للنعمان كان جميع مال والده، ولذلك منعه، فليس فيه حجة على منع التفضيل. حكاه ابن عبد البرّ عن مالك. وتعقّبه بأن كثيرًا من طرق حديث النعمان ﵁ صرّح بالبعضيّة. وقال القرطبيّ: ومن أبعد التأويلات أن النهي إنما يتناول من وهب جميع ماله لبعض ولده، كما ذهب إليه سحنون، وكأنه لم يسمع في نفس هذا الحديث أن الموهوب كان غلامًا، وأنه وهبه له لما سألته الأم الهبة من بعض ماله،