← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 12888

ذخيرة العقبى في شرح المجتبى

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (19 271 стр.). Показаны 15051–15090 · переход к 15056.

стр. 15051

[تنبيه]: قد روى هذا الحديث عن النعمان بن بشير ﵁ عدد كثير من التابعين، غير حميد بن عبد الرحمن، ومحمد بن بن النعمان، منهم: عروة بن الزبير، عند مسلم، والمصنّف، وأبي داود، وأبو الضُّحى عند المصنّف، وابنِ حبّان، وأحمد، والطحاويّ. والمفضل بن المهلَّب، عند المصنّف، وأحمد، وأبي داود. وعبدُ اللَّه ابن عُتبة بن مسعود، عند أحمد. وعون بن عبد اللَّه، عند أبي عوانة. والشعبيّ عند المصنّف، وفي "الصحيحين"، وأبي داود، وأحمد، وابن ماجه، وابن حبّان، وغيرهم. ورواه عن الشعبيّ عدد كثير أيضًا، وسنذكر ما في رواياتهم من الفوائد الزائدة على هذا الطريق، مفضلاّ، إن شاء اللَّه تعالى، كما اعتنى بذلك الحافظ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-، وغيره. (أَنَّ أَبَاهُ) بشير بن سعد بن ثعلبة بن الْجُلَاس -بضمّ الجيم، وتخفيف اللام- الخزرجيّ، صحابيّ مشهور، شهد بدرّا، وغيرها، ومات في خلافة أبي بكر سنة ثلاث عشرة، ويقال: إنه أول من بايع أبا بكر من الأنصار. وقيل: عاش إلى خلافة عمر. روى عن النبيّ ﷺ هذا الحديث فقط، على خلاف فيه. وروى عنه ابنه النعمان، وابن ابنه محمد، وعروة، وحُميد بن عبد الرحمن بن عوف. وروايتهم عنه مرسلة، سوى النعمان. وذكر ابن سعد في "الطبقات" أنه كان يكتب بالعربيّة في الجاهليّة، وأمّره النبيّ ﷺ على بعض السرايا، واستعمله على المدينة في عمرة القضاء. وذكر ابن إسحاق، والواقديّ أنه قُتل يَوْمَ عين التمر مع خاقد بن الوليد مُنصرَفه من اليمامة سنة (١٢)، لكن روى البخاريّ في "تاريخه" من طريق الزهريّ، عن محمد بن النعمان بن بشير، عن أبيه، أن عمر بن الخطاب قال يومًا، وحوله المهاجرون والأنصار: أرأيتم لو ترخّصت في بعض الأمر، ماذا كنتم فاعلين؟ قال: فقال له بشير ابن سعد: لو فعلت قوّمناك تقويم الْقِدْح، فقال عمر: أنتم إذًا أنتم. وهذا يدلّ على أنه بقي إلى خلافة عمر ﵄ (١). (نَحَلَهُ) من باب فتح: أي أعطاه. وفي الرواية التالية: "إن أباه أتى به إلى رسول اللَّه ﷺ "، وفي رواية الشعبيّ: "أعطاني أبي عطيّة، فقالت عمرة بنت رواحة: لا أرضى حتى تُشهد رسول اللَّه ﷺ ، فأتى رسول اللَّه ﷺ ، فقال: إني أعطيت ابني من عمرة بنت رواحة عطيّة"، وفي رواية أبي حيّان، عن الشعبيّ (٢) بيان سبب سؤالها شهادة رسول اللَّه ﷺ ، ولفظه: عن النعمان، قال: سَأَلَتْ أمي أبي بعضّ الموهبة لي من ماله، فالتوى بها

стр. 15052

سنة" أي مطلها. وفي رواية ابن حبّان من هذا الوجه: "بعد حولين"، ويُجمع بينهما بأن المدة كانت سنة وشيئًا، فجبر الكسر تارة، وألغاه أخرى، قال: "ثم بدا له، فوهبها لي، فقالت له: لا أرضى حتى تُشهد النبيّ ﷺ ، قال: فأخذ بيدي، وأنا غلام"، ولمسلم من طريق داود بن أبي هند، عن الشعبيّ، عن النعمان: "انطلق بي أبي، يحملني إلى رسول اللَّه ﷺ "، ويجميع بينهما بأنه أخذ بيده، فمشى معه بعض الطريق، وحمله في بعصها لصغر سنّة، أو عبّر عن استتباعه إياه بالحمل. (غُلَامًا) الأصل فيه الابن الصغير، ويُطلق مجازًا على الرجل باعتبار ما كان عليه، ويُجمع على غِلْمة في القلّة، وعلى غِلمان في الكثرة، والمراد به هنا العبد. ثمّ إن رواية هذا الباب صريحة في أن الذي أعطى بشير وقده النعمان هو غلام، ووقع في رواية ابن حنان، والطبرانيّ من طريق أبي حّرِيز -بمهملة، وراء، ثم زاي، بوزن عظيم- عن الشعبيّ: "أن النعمان بن بشير، خطب بالكوفة، فقال: إن والدي بشير بن سعد أتى النبيّ ﷺ ، فقال: إن عمرة بنت رواحة نُفست بغلام، وإني سمّيته النعمان، وإنها أبت أن تربّيه حتى جعلت له حديقة من أفضل مال، هو لي، وأنها قالت: أشهِد على ذلك رسول اللَّه ﷺ ، وفيه قوله ﷺ : "لا أشهد على جور". وجمع ابن حبّان بين الروايتين بالحمل على واقعتين: إحداهما عند ولادة النعمان، وكانت العطيّة حديقةً، والأخرى بعد أن كبر النعمان، وكانبت العطيّة عبدًا. وهو جمع لا بأس به، إلا أنه يعكُر عليه أنه يبعد أن ينسى بشير بن سعد مع جلالته الحكم في المسألة حتى يعود إلى النبيّ ﷺ ، فيستشهده على العطيّة الثانية بعد أن قال له في الأولى: "لا أشهد على جَوْر". وجوّز ابن حبّان أن يكون بشير ظنّ نسخ الحكم. وقال غيره: يحتمل أن يكون حمل الأول على كراهة التنزيه، أو ظنّ أنه لا يلزم من الامتناع في الحديقة الامتناع في العبد؛ لأن ثمن الحديقة في الأغلب أكثر من ثمن العبد. قال الحافظ: ثم ظهر وجهٌ آخر من الجمع، يسلم من هذا الخدش، ولا يحتاج إلى جواب، وهو أن عمرة لمَاّ امتنعت من تربيته، إلا أن يهب له شيئًا، يخصّه به وهبه الحديقة المذكورة تطييبًا لخاطرها، ثم بدا له، فارتجعها؛ لأنه لم يقبضها منه أحدٌ غيره، فعاودته عمرة في ذلك، فمطلها سنة، أو سنتين، ثم طابت نفسه أن يهب له بدل الحديقة غلاما، ورضيت عمرة بذلك، إلا أنها خشيت أن يرتجعه أيضًا، فقالت له: أشهد على ذلك رسول اللَّه ﷺ ، تريد بذلك تثبيت العطيّة، وأن تأمن من رجوعه فيها، ويكون مجيئه إلى النبيّ ﷺ للإشهاد مرّة واحدةً، وهي الأخيرة، وغاية ما فيه أن بعض الرواة

стр. 15053

حفظ ما لم يحفظ بعض، أو كان النعمان يقصّ بعض القصّة تارة، ويقصّ بعضها أخرى، فسمع كلٌّ ما رواه، فاقتصر عليه. واللَّه تعالى أعلم. انتهى (١). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: عندي أن هذه التأويلات كلّها يظهر ليها التعسّف، والتكلّف، فالأولى أن تُجعل رواية الجماعة في أن ما وهبه غلام هي المحفوظة، ورواية الحديقة شاذّة. واللَّه تعالى أعلم. (فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ ، يُشهِدُهُ) بضم أوله، من الإشهاد (فَقَالَ) ﷺ (أَكُلَّ ولَدِكَ) زاد في رواية أبي حيّان: "فقال ألك ولد سواه؟ قال: نعم". وقال مسلم لَمّا رواه من طريق الزهريّ: أما يونس ومعمر، فقالا: "أكلّ بنيك"، وأما الليث وابن عيينة، فقالا: "أكلّ ولدك". ولا منافاة بينهما؛ لأن لفظ الولد يشمل ما لو كانوا ذكورًا، أو إناثًا وذكورًا، وأما لفظ البنين، فإن كان ذكورًا، فظاهر، وإن كانوا إناثًا وذكورًا، فعلى سبيل التغليب. ولم يذكر ابن سعد لبشير واقد النعمان ولدًا غير النعمان، وذكر له بنتًا اسمها أُبية - بالموحّدة، تصغير أبى. قاله في "الفتح" (نَحَلْتَ؟) وفي رواية مالك: "أكلّ ولدك نحلته"، وفي رواية عروة، عن بشير: "أكلّ ولدك نحلته مثل ذا"، وفي رواية داود، عن الشعبيّ: "كلّ ولدك نحلت مثل الذي نحلت نعمان"، وفي رواية له:، أفكلهم وهبت لهم مثل الذي وهبت لابنك هذا؟ "، وفي رواية له: "فأعطيتهم مثل ما أعطيت لهذا" (قَالَ) بشير (لَا) وفي رواية ابن القاسم، في "الموطّآت للدارقطنيّ عن مالك: "قال: لا واللَّه، يا رسول اللَّه" (قَالَ) ﷺ (فَارْدُدْهُ) وفي رواية مالك التالية: "فارجعه"، وفي رواية الشعبيّ: "فلا أشهد على شيء"، هذا لفظ "المجتبى"، ولفظ "الكبرى": "فأَشْهِدْ على هذا غيري، أليس يسرّك أن يكونوا إليك في البرّ سواءً؟، قال: بلى، قال: فلا إذًا"، وفي رواية له: "فلا تشهدني إذًا، فإني لا أشهد على جور"، وفي رواية عروة: "فكره النبيّ ﷺ أن يشهد له"، وفي رواية أبي الضحى، عن النعمان: "ألا سوّيت بينهم"، وفي رواية الشعبيّ عند البخاريّ: "قال: فرجع، فردّ عطيّته"، ولمسلم: "فردّ تلك الصدقة"، وفي رواية المغيرة، عن الشعبيّ، عند مسلم: "اعدلوا بين أولادكم في النُّحل، كما تحبّون أن يعدِلوا بينكم في البرّ"، وفي رواية مجالد، عن الشعبيّ، عند أحمد: "إن لبنيك عليك من الحقّ أن تعدل بينهم، فلا تشهدني على جور، أيسرّك أن يكونوا إليك في البرّ سواءً؟ قال: بلى، قال: فلا إذًا"، ولأبي داود من هذا الوجه: "إن لهم عليك من الحقّ أن تعدل بينهم، كما أن لك عليهم من الحقّ أن يبرّوك".

стр. 15054

وكلّ هذه الألفاظ المختلفة في هذه القصّة متقاربة في المعنى. (واللَّفْظُ لِمُحَمَّدِ) يعني أن هذا السياق لشيخه محمد بن منصور، وأما شيخه قتيبة، فرواه بمعناه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث النعمان بن بشير ﵄ هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا- من رقم-٣٦٩٩ - إلى ٣٧١٣ - وفي "الكبرى" ١/ ٦٤٩٩ - ٦٥١٤. وأخرجه (خ) في "الهبة" ٢٥٨٦ و ٢٥٨٧ و "الشهادات" ٢٦٥٠ (م) في "الهبات" ١٦٢٣ (د) في "البيوع" ٣٥٤٢ و ٣٥٤٤ (ت) في "الأحكام" ١٣٦٧ (ق) في "الأحكام" ٢٣٧٥ و٢٣٧٦ (أحمد) في "مسند الكوفيين" ١٧٨٩٠ و ١٧٩٠٢ و١٧٩١١ (الموطأ) في "الأقضية" ١٤٧٣. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان مشروعيّة النُّحل إذا لم يكن هناك ما يمنعه، من تفضيل بعض الأولاد على بعض. (ومنها): الندب إلى التأليف بين الإخوة، وترك ما يوقع بينهم الشحناء، أو يورث العقوق للآباء. (ومنها): أن عطيّة الأب لابنه الصغير في حجره لا تحتاج إلى قبض، وأن الإشهاد فيها يُغني عن القبض. وقيل: إن كانت الهبة ذهبًا، أو فضّةً فلا بدّ من عزلها، وإفرازها. (ومنها): كراهة تحمّل الشهادة فيما ليس بمباح. (ومنها): مشروعيّة الإشهاد في الهبة، وليس بواجب. (ومنها): جواز الميل إلى بعض الأولاد، والزوجات، دون بعض، وإن وجبت التسوية بينهم في غير ذلك. (ومنها): أن للإمام الأعظم أن يتحمّل الشهادة، وتظهر فائدتها، إما ليحكم في ذلك بعلمه عند من يُجيزه، أو يؤدّيها عند بعض نُوّابه. (ومنها): مشروعيّة استفصال الحاكم، والمفتي عما يحتمل الاستفصال، لقوله ﷺ : "ألك ولدٌ غيره؟ "، فلما قال: نعم، قال: "أفكلهم أعطيت مثله"، فلما قال: لا، قال: "لا أشهد"، فيفهم منه أنه لو قال: نعم، لشهد. (ومنها): جواز تسمية الهبة صدقةً. (ومنها): أن للإمام كلامّا في مصلحة الولد. (ومنها): المبادرة إلى قبول الحقّ، وأمر الحاكم، والمفتي بتقوى اللَّه في كلّ حال. (ومنها): أن فيه إشارةً إلى سوء عاقبة الحرص، والتنطّع؛ لأن عمرة لو رضيت بما وهبه زوجها لولده لما رجع فيه، فلما اشتدّ حرصها في تثبيت ذلك

стр. 15055

أفضى إلى بطلانه. (ومنها): ما قال المهلّب: فيه أن للإمام أن يردّ الهبة، والوصيّة ممن يعرف منه هروبًا عن بعض الورثة. (ومنها): أنه استُدلّ به على أن للأب أن يرجع فيما وهبه لابنه، وكذلك الأمّ، وهو قول أكثر الفقهاء، وسيأتي تحقيق المذاهب، وأدلّتها في محله، من "كتاب الهبة"، إن شاء اللَّه تعالى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم هل التسوية في العطيّة بين الأولاد واجبة، أم لا؟: ذهب طائفة منهم إلى وجوبه، وبه صرّح البخاريّ، وهو قول طاوس، والثوريّ، وأحمد، وإسحاق، وقال به بعض المالكيّة، ثم المشهور عن هؤلاء أنها باطلة. وعن أحمد تصحّ، ويجب أن يرجع، وعنه يجوز التفاضل إن كان له سبب، كأن يحتاج الولد لزمانته ودَينه، أو نحو ذلك، دون الباقين. وقال أبو يوسف: تجب التسوية إن قصد بالتفضيل الإضرار. وذهب الجمهور إلى أن التسوية مستحبّة، فإن فضّل بعضًا صحّ، وكُره، واستُحبّ المبادرة إلى التسوية، أو الرجوع، فحملوا الأمر على الندب، والنهي على التنزيه. ومن حجة من أوجبه أنه مقدّمة الواجب؛ لأن قطع الرحم، والعقوق محرّمان، فما يؤدّي إليهما يكون محرّما، والتفضيل مما يؤدّي إليهما. ثم اختلفوا في صفة التسوية، فقال محمد بن الحسن، وأحمد، وإسحاق، وبعض الشافعيّة، والمالكيّة: العدل أن يعطي الذكر حظّين كالميراث، واحتجّوا بأنه حظّها من ذلك المال لو أبقاه الواهب في يده حتى مات. وقال غيرهم: لا فرق بين الذكر والأنثى. وهذا هو الأرجح؛ لأن ظاهر الأمر بالتسوية يدلّ عليه، ويدلّ عليه أيضًا حديث ابن عبّاس ﵄، رفعه: "سوّوا بين أولادكم في العطيّة، فلو كنت مفضّلاً أحدًا لفضّلت النساء". أخرجه سعيد بن منصور، والبيهقيّ من طريقه. قال الحافظ: وإسناده حسن. وأجاب من حمل الأمر بالتسوية على الندب عن حديث النعمان ﵁ بأجوبة: [أحدها]: أن الموهوب للنعمان كان جميع مال والده، ولذلك منعه، فليس فيه حجة على منع التفضيل. حكاه ابن عبد البرّ عن مالك. وتعقّبه بأن كثيرًا من طرق حديث النعمان ﵁ صرّح بالبعضيّة. وقال القرطبيّ: ومن أبعد التأويلات أن النهي إنما يتناول من وهب جميع ماله لبعض ولده، كما ذهب إليه سحنون، وكأنه لم يسمع في نفس هذا الحديث أن الموهوب كان غلامًا، وأنه وهبه له لما سألته الأم الهبة من بعض ماله،

стр. 15056

قال: وهذا يُعلَم منه على القطع أنه كان له مالٌ غيره. [ثانيها]: أن العطية المذكورة لم تُتنجّز، وإنما جاء بشيرٌ يستشير النبيّ ﷺ في ذلك، فأشار عليه بأن لا يفعل، فترك. حكاه الطحاويّ، وفي أكثر طرق حديث الباب ما يُنابذه. [ثالثها]: أن النعمان كان كبيرّا، ولم يكن قبض الموهوب، فجاز لأبيه الرجوع، ذكره الطحاويّ، وهو خلاف ما في أكثر طرق الحديث أيضًا خصوصًا قوله: "ارجعه"، فانه يدلّ على تقدّم وقوع القبض، والذي تضافرت عليه الروايات أنه كان صغيرًا، وكان أبوه قابضًا له لصغره، فأمر بردّ العطيّة المذكورة بعد ما كانت في حكم المقبوض. [رابعها]: أن قوله: "ارجعه" دليل على الصحّة، ولو لم تصحّ الهبة لم يصحّ الرجوع، وإنما أمره بالرجوع لأن للواقد أن يرجع فيما وهبه لولده، وإن كان الأفضل خلاف ذلك، لكن استحباب التسوية رجح على ذلك، فلذلك أمره به، وفي الاحتجاج بذلك نظر، والذي يظهر أن معنى قوله: "ارجعه"، أي لا تمض الهبة المذكورة، ولا يلزم من ذلك تقدّم صحّة الهبة. [خامسها]: أن قوله: "أشهد على هذا غيري" إذن بالإشهاد على ذلك، وإنما امتنع من ذلك لكونه الإمام، وكأنه قال: لا أشهد؛ لأن الإمام ليس من شأنه أن يشهد، وإنما من شأنه أن يحكم، حكاه الطحاويّ أيضًا، وارتضاه ابن القصّار. وتُعُقّب بأنه لا يلزم من كون الإمام ليس من شأنه أن يشهد أن يمتنع من تحمّل الشهادة، ولا من أدائها إذا تعيّنت عليه، وقد صرّح المحتجّ بهذا أن الإمام إذا شهد عند بعض نؤابه جاز، وأما قوله: إن قوله: "أشهِدْ" صيغة إذن، فليس كذلك، بل هو للتوبيخ لما يدلّ عليه بقيّة ألفاظ الحديث، وبذلك صرح الجمهور في هذا الموضع. وقال ابن حبّان: قوله: "أَشهِد" صيغة أمر، والمراد نفي الجواز، وهو كقوله لعائشة: "اشترطي لهم الولاء" انتهى. [سادسها]: التمسّك بقوله: "ألا سوّيت بينهم" على أن المراد بالأمر الاستحباب، وبالنهي التنزيه، وهذا جيّد لولا ورود تلك الألفاظ الزائدة على هذه اللفظة، ولا سيّما أن تلك الرواية بعينها وردت بصيغة الأمر أيضًا، حيث قال: "سوّ بينهم". [سابعها]: وقع عند مسلم عن ابن سيرين ما يدلّ على أن المحفوظ في حديث النعمان: "قاربوا بين أولادكم"، لا "سوّوا". وتعُقّب بأن المخالفين لا يوجبون المقاربة، كما لا يوجبون التسوية. [ثامنها]: في التشبيه الواقع في التسوية بينهم بالتسوية منهم في برّ الوالدين قرينة تدلّ

стр. 15057

على أن الأمر للندب. لكن إطلاق الجور على عدم التسوية، والمفهوم من قوله: "لا اشهد إلا على حقّ" (١). وقد قال في آخر الرواية التي وقع فيها التشبيه: "قال: فلا إذًا". [تاسعها]: عمل الخليفتين: أبي بكر، وعمر بعد النبيّ ﷺ على عدم التسوية قرينة ظاهرة في أن الأمر للندب، فأما أبو بكر، فرواه في "الموطّإ" بإسناد صحيح، عن عائشة أن أبا بكر قال لها في مرض موته: "إني كنت نحلتك نُحلاً، فلو كنت اخترتيه لكان لك، وإنما هو اليوم للوارث". وأما عمر، فذكره الطحاويّ وغيره أنه نحل ابنه عاصمًا دون سائر ولده. وأجاب عروة عن قصّة عائشة بأن إخوتها كانوا راضين بذلك. ويجاب بمثل ذلك عن قصّة عمر ﵁. [عاشر الأجوية]: أن الإجماع انعقد على جواز عطيّة الرجل ماله لغير ولده، فإذا جاز له أن يخرج جميع ولده من ماله، جاز له أن يُخرج عن ذلك بعضهم. ذكره ابن عبد البرّ. ولا يخفى ضعفه؛ لأنه قياس مع وجود النصّ. وزعم بعضهم أن معنى قوله: "لا أشهد على جور"، أي لا أشهد على ميل الأب لبعض الأولاد دون بعض. وفي هذا نظر لا يخفى، ويردّه قوله في الرواية: "لا أشهد إلا على الحقّ". وحكى ابن التين عن الداوديّ أن بعض المالكيّة احتجّ بالإجماع على خلاف ظاهر حديث النعمان ﵁، ثم ردّه. ذكره في "الفتح". قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قد تبيّن بما ذكر من تحرير الأدلة أن المذهب الأول هو الراجح، فالحقّ وجوب التسوية بين الأولاد في العطيّة. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٧٠٠ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ, وَالْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ, قِرَاءَةً عَلَيْهِ, وَأَنَا أَسْمَعُ, عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ, عَنْ مَالِكٍ, عَنِ ابْنِ شِهَابٍ, عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ, وَمُحَمَّدِ بْنِ النُّعْمَانِ, يُحَدِّثَانِهِ (٢) عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ’ أَنَّ أَبَاهُ أَتَى بِهِ رَسُولَ اللهِ ﷺ ’ فَقَالَ: إِنِّي نَحَلْتُ ابْنِى غُلَامًا, كَانَ لِي, فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «أَكُلَّ وَلَدِكَ نَحَلْتَهُ؟» , قَالَ: لَا, قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «فَارْجِعْهُ»). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه الحارث، فتفرد به هو وأبو داود وهو ثقة حافظ. والحديث متّفقٌ عليه، كما سبق بيانه في الذي قبله. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.

стр. 15058

٣٧٠١ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ هَاشِمٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِيُّ, عَنِ الزُّهْرِيِّ, عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ, وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ النُّعْمَانِ, عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ, أَنَّ أَبَاهُ بَشِيرَ بْنَ سَعْدٍ, جَاءَ بِابْنِهِ النُّعْمَانِ, فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ, إِنِّي نَحَلْتُ ابْنِي هَذَا غُلَامًا, كَانَ لِي, فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «أَكُلَّ بَنِيكَ نَحَلْتَ؟» , قَالَ: لَا, قَالَ: «فَارْجِعْهُ»). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "محمد بن هاشم": هو البعلبكيّ القرشيّ، صدوق، من صغار [١٠] ٣/ ٤٥٤ من أفراد المصنّف. و"الوليد بن مسلم": هو أبو العبّاس الدمشقيّ، ثقة، لكنه كثير التدليس، والتسوية [٨] ٥/ ٤٥٤. والحديث متّفقٌ عليه، كما سبق بيان ذلك قريبًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٧٠٢ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ بْنِ سَعِيدٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ, عَنِ الأَوْزَاعِيِّ, عَنِ الزُّهْرِيِّ, أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ النُّعْمَانِ, وَحُمَيْدَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ, حَدَّثَاهُ عَنْ بَشِيرِ بْنِ سَعْدٍ, أَنَّهُ جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ , بِالنُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ, فَقَالَ: إِنِّي نَحَلْتُ ابْنِي هَذَا غُلَامًا, فَإِنْ رَأَيْتَ أَنْ تُنْفِذَهُ أَنْفَذْتُهُ, فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «أَكُلَّ بَنِيكَ نَحَلْتَهُ؟» , قَالَ: لَا, قَالَ: «فَارْدُدْهُ»). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "عمرو بن عثمان بن سعيد": هو أبو حفص الحمصيّ، صدوق [١٠] ٢١/ ٥٣٥. و"الوليد": هو ابن مسلم الدمشقيّ. والحديث تقدّم أنه بهذا الطريق شاذّ، إذا المحفوظ الذي رواه الأثبات أنه من مسند النعمان ﵁، لا من مسند أبيه بشير بن سعد ﵁. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٧٠٣ - (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَرْبٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ, عَنْ هِشَامٍ, عَنْ أَبِيهِ, عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ, أَنَّ أَبَاهُ نَحَلَهُ نُحْلاً, فَقَالَتْ لَهُ أُمُّهُ: أَشْهِدِ النَّبِيَّ ﷺ عَلَى مَا نَحَلْتَ ابْنِي, فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ , فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ, فَكَرِهَ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَشْهَدَ لَهُ). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه أحمد بن حرب، فإنه من أفرده، وهو صدوق [١٠] ١٠٢/ ١٣٥. و"أبو معاوية": هو محمد بن خازم. و"هشام": هو ابن عروة. والحديث متّفق عليه، وقد سبق بيان ذلك قريبًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٧٠٤ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَعْمَرٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ, عَنْ سَعْدٍ -يَعْنِي ابْنَ إِبْرَاهِيمَ- عَنْ عُرْوَةَ, عَنْ بَشِيرٍ, أَنَّهُ نَحَلَ ابْنَهُ غُلَامًا, فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ ,

стр. 15059

فَأَرَادَ أَنْ يُشْهِدَ النَّبِيَّ ﷺ , فَقَالَ: «أَكُلَّ وَلَدِكَ نَحَلْتَهُ مِثْلَ ذَا؟» (١) , قَالَ: لَا, قَالَ: «فَارْدُدْهُ»). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد عندهم رجال الصحيح. و"محمد ابن معمر": هو القيسيّ البحرانيّ البصريّ، أحد مشايخ الستة الذين رووا عنهم بدون واسطة، وهم تسعة، وتقدّموا غير مرّة. [تنبيه]: وقع في نسخة: "محمد بن معدان" بدل "محمد بن معمر"، وهو غلطٌ، فإن ذلك شيخ للمصنّف آخر حرّانيّ، وهذا بصريّ، وقد صرّح في "الكبرى" بأنه البصريّ. فتنبّه. و"أبو عامر": هو عبد الملك بن عمرو العَقَديّ البصريّ. و"سعد بن إبراهيم": هو الزهريّ المدنيّ الثقة الفاضل العابد قاضي المدينة. والحديث وإن كان فيه انقطاع؛ لأن عروة لم يلق بشير بن سعد، إلا أنه رواه عن النعمان، عنه؛ كما في الرواية التالية، فهو متّصل، وأخرجه مسلم من طريق جرير، عن هشام، عن أبيه، قال: حدثنا النعمان بن بشير … " الحديث. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٧٠٥ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا حِبَّانُ, قَالَ: حَدَّثَنَا (٢) عَبْدُ اللَّهِ, عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ, عَنْ أَبِيهِ, أَنَّ بَشِيرًا أَتَى النَّبِيَّ ﷺ , فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ, نَحَلْتُ النُّعْمَانَ نِحْلَةً, قَالَ: «أَعْطَيْتَ لإِخْوَتِهِ؟» , قَالَ: لَا, قَالَ: «فَارْدُدْهُ»). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه من أفراده، وهو مروزيّ ثقة [١٢] ١/ ٣٩٧. و"حِبّان" -بكسر الباء الموحّدة-: هو ابن موسى المروزيّ. و"عبد اللَّه": هو ابن المبارك. والحديث ظاهره الإرسال، فإن عروة لم يحضر القصّة، لكنه سبق في الرواية التي قبله أنه أخذه عن النعمان بن بشير، فهو متّصل صحيح، فتنبّه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٧٠٦ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي الشَّوَارِبِ, قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ -وَهُوَ ابْنُ زُرَيْعٍ- قَالَ: حَدَّثَنَا دَاوُدُ, عَنِ الشَّعْبِيِّ, عَنِ النُّعْمَانِ, قَالَ: انْطَلَقَ بِهِ أَبُوهُ, يَحْمِلُهُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ , قَالَ: اشْهَدْ أَنِّي قَدْ نَحَلْتُ النُّعْمَانَ, مِنْ مَالِي كَذَا وَكَذَا, قَالَ: «كُلَّ بَنِيكَ نَحَلْتَ, مِثْلَ الَّذِي نَحَلْتَ النُّعْمَانَ؟»).

стр. 15060

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، وكلهم تقدّموا غير شيخه: "محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب" الأمويّ البصريّ، واسم أبي الشوارب محمد بن عبد اللَّه بن أبي عثمان بن عبد اللَّه بن خالد بن أسد بن أبي العِيص بن أميّة القرشيّ الأمويّ، أبو عبد اللَّه الأُبُلّيّ البصريّ، صدوق، من كبار [١٠]. قال أبو عليّ بن خاقان، عن أحمد: ما بلغني عنه إلا خير. وقال صالح بن محمد الأسديّ: شيخ جليلٌ صدوقٌ. وقال النسائيّ: لا بأس به. وقال في "مشيخته": ثقة. وقال مسلمة: بصريّ ثقة. وقال ابن شاهين في "الثقات": قال عثمان بن أبي شيبة: شيخ صدوقٌ لا بأس به. مات بالبصرة سنة (٢٤٤) لعشر بقين من جمادى الآخرة. روى عنه مسلم، والمصنّف، والترمذيّ، وابن ماجه، وله عند المصنّف حديثان فقط، هذا الحديث، و ١١١/ ٥٣٧٥ - حديث أبي طلحة ﵁ مرفوعًا: "لا تدخل الملائكة بيتًا فيه كلب، ولا صورة تماثيل". و"داود": هو ابن أبي هند. وقوله: "انطلق به أبوه" فيه التفات، إذ الظاهر أن يقول: انطلق بي أبي. وقوله: "كلّ بنيك نحلت الخ استفهام بتقدير أداته، أي أكلّ بنيك الخ، وحذف جوابه، وقد ذُكر في الروية التي بعده، وهو قوله: "لا، قال: فلا أشهد الخ. والحديث متّفقٌ عليه، وقد سبق تمام البحث فيه قريبًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٧٠٧ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى, عَنْ عَبْدِ الْوَهَّابِ, قَالَ: حَدَّثَنَا دَاوُدُ, عَنْ عَامِرٍ, عَنِ النُّعْمَانِ, أَنَّ أَبَاهُ أَتَى بِهِ النَّبِيَّ ﷺ , يُشْهِدُ عَلَى نُحْلٍ, نَحَلَهُ إِيَّاهُ, فَقَالَ: «أَكُلَّ وَلَدِكَ نَحَلْتَ مِثْلَ مَا نَحَلْتَهُ؟ (١)» , قَالَ: لَا, قَالَ: «فَلَا أَشْهَدُ عَلَى شَيْءٍ, أَلَيْسَ يَسُرُّكَ أَنْ يَكُونُوا إِلَيْكَ فِي الْبِرِّ سَوَاءً» , قَالَ: بَلَى, قَالَ: «فَلَا إِذًا»). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وكلهم تقدّموا. و"داود": هو ابن أبي هند. و"عامر": هو الشعبيّ. وقوله: "فلا إذًا" أي فلا تختر واحدًا إذًا بكثرة الإعطاء، فإنه يُخلّ في التسوية في البرّ. والحديث أخرجه مسلم، وقد سبق تمام البحث فيه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.

стр. 15061

٣٧٠٨ - (أَخْبَرَنَا مُوسَى بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ, قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ, قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو حَيَّانَ, عَنِ الشَّعْبِيِّ, قَالَ: حَدَّثَنِي النُّعْمَانُ بْنُ بَشِيرٍ الأَنْصَارِيُّ (١) , أَنَّ أُمَّهُ ابْنَةَ رَوَاحَةَ, سَأَلَتْ أَبَاهُ بَعْضَ الْمَوْهِبَةِ مِنْ مَالِهِ لاِبْنِهَا, فَالْتَوَى بِهَا سَنَةً, ثُمَّ بَدَا لَهُ, فَوَهَبَهَا لَهُ, فَقَالَتْ: لَا أَرْضَى حَتَّى تُشْهِدَ (٢) رَسُولَ اللهِ ﷺ , فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ, إِنَّ أُمَّ هَذَا, ابْنَةَ رَوَاحَةَ, قَاتَلَتْنِي عَلَى الَّذِي وَهَبْتُ لَهُ, فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «يَا بَشِيرُ, أَلَكَ وَلَدٌ سِوَى هَذَا؟» , قَالَ: نَعَمْ, فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «أَفَكُلُّهُمْ وَهَبْتَ لَهُمْ, مِثْلَ الَّذِي وَهَبْتَ لاِبْنِكَ هَذَا؟» , قَالَ: لَا, قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «فَلَا تُشْهِدْنِي إِذًا, فَإِنِّي لَا أَشْهَدُ عَلَى جَوْرٍ»). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه: موسى بن عبد الرحمن بن سعيد بن مسروق الكنديّ المسروقيّ، أبي عيسى الكوفيّ، فقد تفرّد به هو، والترمذيّ، وابن ماجه، وهو ثقة، من كبار [١١] ٧٤/ ٩١. و"أبو أسامة": هو حماد بن أسامة بن زيد القرشيّ مولاهم الكوفيّ. و"أبو حيّان": هو يحيى بن سعيد بن حيّان التيميّ الكوفيّ. وقوله: "ابنة رواحة": هي واقدة النعمان بن بشير، عمرة بن رواحة بن ثعلبة الخزرجية، أخت عبد اللَّه بن رواحة الصِحابيّ المشهور. ووقع عند أبي عوانة من طريق عون بن عبد اللَّه أنهما بنت عبد اللَّه بن رواحة، والصحيح الأول، وبذلك ذكرها ابن سعد وغيره، وقالوا: كانت ممن بايع النبيّ ﷺ من النساء، وفيها يقول قيس بن الخطيم- بفتح المعجمة-: وَعَمْرَةُ مِنْ سَرَوَاتِ النِّسَاءِ … تنْفَحُ بِالْمِسْكِ أَرْدَانُهَا (٣) وقوله: "فالتوى بها سنة" أي تثاقل، وأخّر بذلك سنة. وقد تقدّم رواية سنتين، عند ابن حبّان، ووجه الجمع بينهما بأنه كان زيادة على سنة، فتارة جبره، فقال: سنتين، وتارة ألغى الكسر، وقال: سنة. وقوله: "قاتلتني على الذي وهبت له الخ" أي نازعتني كثيرًا، وألحّت عليّ في المطالبة به. والحديث أخرجه مسلم، وسبق تمام البحث فيه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٧٠٩ - (أَخْبَرَنَا أَبُو دَاوُدَ, قَالَ: حَدَّثَنَا يَعْلَى, قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو حَيَّانَ, عَنِ الشَّعْبِيِّ,

стр. 15062

عَنِ النُّعْمَانِ, قَالَ: سَأَلَتْ أُمِّي أَبِي, بَعْضَ الْمَوْهِبَةِ, فَوَهَبَهَا لِي, فَقَالَتْ: لَا أَرْضَى حَتَّى أُشْهِدَ (١) رَسُولَ اللهِ ﷺ , قَالَ: فَأَخَذَ أَبِي بِيَدِي, وَأَنَا غُلَامٌ, فَأَتَى رَسُولَ اللهِ ﷺ , فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ, إِنَّ أُمَّ هَذَا, ابْنَةَ رَوَاحَةَ, طَلَبَتْ مِنِّي (٢) بَعْضَ الْمَوْهِبَةِ, وَقَدْ أَعْجَبَهَا, أَنْ أُشْهِدَكَ عَلَى ذَلِكَ, قَالَ: «يَا بَشِيرُ, أَلَكَ ابْنٌ غَيْرُ هَذَا؟» , قَالَ: نَعَمْ, قَالَ: «فَوَهَبْتَ لَهُ مِثْلَ مَا وَهَبْتَ لِهَذَا؟» , قَالَ: لَا, قَالَ: «فَلَا تُشْهِدْنِي إِذًا, فَإِنِّي لَا أَشْهَدُ عَلَى جَوْرٍ»). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "أبو داود": هو سليمان بن سيف الحرّانيّ الثقة [١١]. و"يعلى": هو ابن عبيد الطنافسيّ الكوفيّ الثقة إلا في روايته عن الثوريّ، ففيه لين من كبار [٩]. وقولها: "حتى أُشهد رسول اللَّه ﷺ الخ" بضم حرف المضارعة، أي قالت أمه: لا أرضى بهذه العطيّة إلا أن أُشهد عليها رسول اللَّه ﷺ . وفي نسخة "حتى تُشهد" بتاء المخاطب. وقوله: "أخذ بيدي" لا تنافي بينه وبين ما تقدّم من قوله: "فانطلق به أبوه يحمله" لإمكان حمله على أنه حمله على رأسه في بعض الطريق، وأخذ بيده في بعض الطريق. وقوله: "طلبت مني الخ" ولفظ "الكبرى": "زاولتني" وهو بمعنى المطالبة. والحديث أخرجه مسلم، وسبق القول فيه قريبًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٧١٠ - (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ سُلَيْمَانَ, قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ, عَنْ عَامِرٍ, قَالَ: أُخْبِرْتُ أَنَّ بَشِيرَ بْنَ سَعْدٍ, أَتَى رَسُولَ اللهِ ﷺ , فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ, إِنَّ امْرَأَتِي عَمْرَةَ بِنْتَ رَوَاحَةَ, أَمَرَتْنِي أَنْ أَتَصَدَّقَ عَلَى ابْنِهَا نُعْمَانَ بِصَدَقَةٍ, وَأَمَرَتْنِي أَنْ أُشْهِدَكَ عَلَى ذَلِكَ, فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : «هَلْ لَكَ بَنُونَ سِوَاهُ؟» , قَالَ: نَعَمْ, قَالَ: «فَأَعْطَيْتَهُمْ مِثْلَ مَا أَعْطَيْتَ لِهَذَا؟ (٣)». قَالَ: لَا, قَالَ: «فَلَا تُشْهِدْنِي عَلَى جَوْرٍ»). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "أحمد بن سليمان": هو الرُّهاويّ الثقة الحافظ. و"محمد بن عُبيد": هو الطنافسيّ الكوفيّ، وهم إخوة خمسة بنو عبيد: محمد، ويعلى المذكور في السند السابق، وعمر، وإدريس، وإبراهيم، وكلهم ثقات، وأبوهم أيضًا ثقة قاله الدارقطنيّ. [تنبيه]: وقع في بعض النسخ: "محمد بن عبيد اللَّه" بدل "محمد بن عبيد"، وهو

стр. 15063

غلطٌ. فتنبّه. و"إسماعيل": هو ابن أبي خالد. و"عامر": هو الشعبيّ. وقوله: "أخبرت" بالبناء للمجهول، وهذا لا يضرّ بصحّة الحديث، فإنه تقدّم أن الشعبيّ قال: حدثني النعمان بن بشير، فتبيّن أن مخبره هو النعمان. وقوله: "أن أتصدّق بصدقة الخ" هو النُّحْلُ المتقدّم، سمّاه صدقة تجوّزًا، قاله القرطبيّ. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: كذا قال بعضهم: إن تسميته صدقة تجوّز، وليس كما قال، بل هو صدقة حقيقة، فقد ثبت في غير هذا الحديث تسميته صدقة، فقد تقدّم للمصنّف برقم -٢٥٣٥ - في "كتاب الزكاة" حديث أبى هريرة ﵁ بإسناد حسن، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "تصدقوا"، فقال رجل: يا رسول اللَّه عندي دينار، قال: "تصدق به على نفسك"، قال: عندي آخر، قال: "تصدق به على زوجتك"، قال عندي آخر، قال: "تصدق به على ولدك"، قال: عندي آخر: "قال: "تصدق به على خادمك"، قال عندي آخر: "قال: "أنت أبصر". واللَّه تعالى أعلم. والحديث صحيح، وقد سبق تمام البحث فيه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٧١١ - (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ سُلَيْمَانَ, قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا زَكَرِيَّا, عَنْ عَامِرٍ, قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ ح وَأَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ, قَالَ: أَنْبَأَنَا (١) حِبَّانُ, قَالَ: أَنْبَأَنَا (٢) عَبْدُ اللَّهِ, عَنْ زَكَرِيَّا, عَنِ الشَّعْبِيِّ, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ, أَنَّ رَجُلاً جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ , وَقَالَ مُحَمَّدٌ: أَتَى النَّبِيَّ ﷺ , فَقَالَ: إِنِّي تَصَدَّقْتُ عَلَى ابْنِي بِصَدَقَةٍ, فَاشْهَدْ, فَقَالَ: «هَلْ لَكَ وَلَدٌ غَيْرُهُ؟» , قَالَ: نَعَمْ, قَالَ: «أَعْطَيْتَهُمْ كَمَا أَعْطَيْتَهُ» , قَالَ: لَا, قَالَ: «أَأَشْهَدُ عَلَى جَوْرٍ؟»). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "محمد بن حاتم" هو: ابن نعيم المروزي الثقة من أفراد المصنّف. و"حبان" بالكسر، هو ابن موسى المروزي. و"عبد اللَّه" هو: ابن المبارك الإمام المشهور. و"أبو نعيم": هو الفضل بن دُكين. و"زكريا": هو ابن أبي زائدة. و"عبد اللَّه بن عتبة بن مسعود": هو الْهُذليّ، ابن أخي عبد اللَّه بن مسعود، وُلد في عهد النبيّ ﷺ ، ووثقه العجليّ، وجماعة، وهو من كبار [٢] ٦٦/ ٩٨٨. وقوله: "أن رجلًا جاء إلى النبيّ ﷺ الخ" هو بشير بن سعد، والد النعمان، فقد أخرج الحديث أحمد في "مسنده" ج ٤/ ص ٢٧٦، فقال:

стр. 15064

حدثنا وكيع، عن إسماعيل، عن الشعبيّ، وزكريا، عن الشعبيّ، عن عبد اللَّه بن عتبة، وفطرٍ (١)، عن أبي الضحى، عن النعمان بن بشير، أن بشيرا أتى النبيّ ﷺ ﷺ ، أراد أن ينحل النعمان نُحْلًا، قال: فقال النبيّ ﷺ ﷺ : "هل لك من وقد سواه؟ "، قال: نعم، قال: "فكلهم أعطيت ما أعطيته؟ "، قال: لا، قال فطر: فقال له النبيّ ﷺ ﷺ : هكذا، أي سّوِّ بينهم. وقال زكريا، وإسماعيل: "لا أشهد على جور". فدلّ أن الرجل المبهم في رواية المصنّف هو بشير بن سعد ﵁. وقوله: "أشهد على جور" هكذا نسخ "المجتبى"، وهو على تقدير أداة الاستفهام، أي أأشهد على جور؟، والاستفهام للانكار، ولفظ "الكبرى": "لا أشهد على جور"، وهو واضح. والحديث صحيح. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٧١٢ - (أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ, عَنْ يَحْيَى, عَنْ فِطْرٍ, قَالَ: حَدَّثَنِي مُسْلِمُ بْنُ صُبَيْحٍ, قَالَ: سَمِعْتُ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ, يَقُولُ: ذَهَبَ بِي أَبِي, إِلَى النَّبِيِّ ﷺ , يُشْهِدُهُ عَلَى شَيْءٍ أَعْطَانِيهِ, فَقَالَ: «أَلَكَ وَلَدٌ (٢) غَيْرُهُ؟» , قَالَ: نَعَمْ, وَصَفَّ بِيَدِهِ بِكَفِّهِ أَجْمَعَ كَذَا, "أَلَا سَوَّيْتَ بَيْنَهُمْ"). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال الإسناد عندهم رجال الصحيح. و"عبيد اللَّه بن سعيد": هو أبو قُدامة السرخسيّ. و"يحيى": هو ابن سعيد القطّان. و "فطر": هو ابن خليفة المخزوميّ مولاهم، أبو بكر الحنّاط الكوفيّ، صدوق، رمي بالتشيّع [٥] ٥/ ٠٨٨٢"ومسلم بن صُبيح" بضم الصاد المهملة: هو أبو الضُّحى الكوفيّ العطّار، مشهور بكنيته، ثقة فاضل [٤] ٩٦/ ١٢٣. وقوله: "وصفّ بيده بكفّه أجمع كذا" قال السنديّ -رحمه اللَّه تعالى-: لعله كناية عن إشارة النفي، أو التسوية انتهى. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: لفظ أحمد في "مسنده": فقال له النبيّ ﷺ هكذا، أي سَوِّ بينهم"، فيستفاد منه أن الذي صفّ بكفّه هو النبيّ ﷺ ، والإشارة إلى التسوية، أي أشار إلى التسوية بكفّه، وقال بلسانه: "ألا سوّيت بيهم؟ ". وقوله "ألا سوّيت الخ" "ألا فيه" أداة تحضيض. والحديث صحيح، وسبق تمام البحث فيه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.

стр. 15065

٣٧١٣ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ, قَالَ: أَنْبَأَنَا حِبَّانُ, قَالَ: أَنْبَأَنَا (١) عَبْدُ اللَّهِ, عَنْ فِطْرٍ, عَنْ مُسْلِمِ بْنِ صُبَيْحٍ, قَالَ: سَمِعْتُ النُّعْمَانَ, يَقُولُ -وَهُوَ يَخْطُبُ-: انْطَلَقَ بِي أَبِي إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ , يُشْهِدُهُ عَلَى عَطِيَّةٍ أَعْطَانِيهَا, فَقَالَ: «هَلْ لَكَ بَنُونَ سِوَاهُ؟» , قَالَ: نَعَمْ, قَالَ: «سَوِّ بَيْنَهُمْ»). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "محمد بن حاتم" هو: ابن نعيم المروزي. و"حبّان": بكسر المهملة ابن موسى المروزيّ. و"عبد اللَّه": هو ابن المبارك. والحديث صحيح، سبق الكلام فيه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٧١٤ - (أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ, قَالَ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ, عَنْ حَاجِبِ بْنِ الْمُفَضَّلِ بْنِ الْمُهَلَّبِ, عَنْ أَبِيهِ, قَالَ: سَمِعْتُ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ, يَخْطُبُ, قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ (٢): «اعْدِلُوا بَيْنَ أَبْنَائِكُمُ, اعْدِلُوا بَيْنَ أَبْنَائِكُمْ»). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "يعقوب بن سفيان" بن جُوان الفارسيّ، أبو يوسف ابن أبي معاوية الْفَسَويّ، ثقة حافظ [١١]. قال النسائيّ، ومسلمة بن قاسم: لا بأس به. وذكره ابن حبّان في "الثقات"، وقال: كان ممن جمع، وصنّف، مع الورَع، والنُّسُك، والصلابة في السنّة. وقال الحاكم: كان إمام أهل الحديث بفارس، قرأت بخطّ أبي عمرو المستملي: حدّثنا أبو يوسف يعقوب ابن سفيان في مجلس محمد بن يحيى سنة إحدى وأربعين، قال الحاكم: فأما سماعه، ورحلته، وأفراد حديثه فأكثر من أن يمكن ذكرها. وقال محمد بن يزيد العطّار: سمعت يعقوب بن سفيان يقول: كنت في رحلتي، فقلّت نفقتي، فكنت أُدمن الكتابة ليلًا، وأقرأ نهارًا، فلما كان ذات ليلة، كنت جالسًا أنسخ في السراج، وكان شتاء، فنزل الماء في عيني، فلم أبصر شيئًا، فبكيت على نفسي؛ لانقطاعي عن بلدي، وعلى ما فاتني من العلم، فغلبتني عيناي، فنِمتُ، فرأيت النبيّ ﷺ في النوم، فناداني: يا يعقوب، لم بكيت؟ فقلت: يا رسول اللَّه ذهب بصري، فتحسّرتُ على ما فاتني، فقال لي: ادنُ منّي، فدنوت منه، فأمرّ يده على عيني، كأنه يقرأ عليهما، ثم استيقظت، فأبصرت، فأخذت نُسَخي، وقعدت أكتب. وقال أبو زرعة الدمشقيّ: قدم علينا رجلان من نُبَلاء الناس: أحدهما، وأرحلهما يعقوب بن سفيان، يَعجز أهل العراق أن يروا مثله رجلًا، وكان يحيى في "التاريخ" ينتخب منه، وكان نبيلاً، جليل القدر، فبينا أنا قاعد في المسجد، إذ جاءني رجلٌ من

стр. 15066

أهل خراسان، فقال لي: أنت أبو زرعة؟ قلت: نعم، فجعل يسألنى عن هذه الدقائق، فقلت. من اين جمعت هذه؟ قال: هذه كتبناها عن يعقوب بن سفيان، عنك. وقال أبو بكر الإسماعيليّ: حدّثنا محمد بن داود بن دينار، حدثنا يعقوب بن سفيان العبد الصالح. وقال أبو الشيخ: حُكي عن أبي محمد بن أبي حاتم، قال: قال لي أبي: ما فاتك من المشايخ، فاجعل بينك وبينهم يعقوب بن سفيان، فإنك لا تجد مثله. وقال أبو عبد الرحمن النَّهاونْديّ: سمعت يعقوب بن سفيان يقول: كتبت عن ألف شيخ وكَسْرٍ، كلهم ثقات. وقال أبو إسحاق بن حمزة، عن أبيه، قال: قال لي يعقوب بن سفيان: قمت في الرحلة ثلاثين سنة. وذكر عبد اللَّه بن جعفر درستويه النحويّ، وهو راويته: إنه أخبره أنه رحل سنة تسع عشرة إلى دمشق، وحمص، وفلسطين. وقال ابن يوسف: قدِم مصر مرّتين، الثانية سنة تسع وعشرين، وكُتب عنه بها. وقال محمد بن إسحاق بن ميمون الْفَسَويّ، عن عبدان بن محمد المروزيّ. رأيت يعقوب بن سفيان في النوم، فقلت: ما فعل اللَّه بك؟ قال غفر لي، وأمرني أُحدّث في السماء، كما كنت أُحدث في الأرض. قال ابن أبي حاتم، وغير واحد: مات سنة (٢٧٧)، وأرخه ابن حبّان في "الثقات" سنة ثمانين، أو إحدى وثمانين. روى عنه المصنّف، والترمذيّ، وله عند المصنّف في هذا الكتاب حديث الباب فقط. و"سليمان بن حرب". هو الأزديّ البصريّ القاضي بمكة الثقة الإمام الحافظ [٩] ١٨١/ ٢٨٨. و"حماد بن زيد": هو أبو إسماعيل البصريّ الثقة الثبت الفقيه، من كبار [٨] ٣/ ٣. و"حاجب بن المُفَضَّل بن المهلَّب" بن أبي صُفْرة، ثقة، قديم من أصحاب عمر بن عبد العزيز [٦]. روى عن أبيه. وعنه حمّاد بن زيد. قال سليمان بن حرب: كان عامل عمر بن عبد العزيز على عُمان. وقال إسحاق بن منصور، عن ابن معين: ثقة. وذكره ابن حبّان في "الثقات". روى له المصنّف، وأبو داود، وله عندهما حديث الباب فقط. [تنبيه]: وقع هنا في نسخ "المجتبى"، و"الكبرى" " جابر بن المفضّل" -بالجيم- بدل "حاجب"، وهو تصحيفٌ فاحش، والصواب "حاجب" -بالحاء المهملة، بعدها ألف، ثم جيم، وآخره باء موحّدة، وهو الذي في النسخة الهنديّة، ولا يوجد في الرواة أصلًا من اسمه "جابر بن المفضل". فتنبّه. و"أبوه" المفضل بن المهَلّب بن أبي صُفرة الأزديّ، أبو غسّان البصريّ، صدوقٌ، من مشاهير الأمراء [٤].

стр. 15067

روى عن النعمان بن بشير، وعنه ابنه حاجب، وثابتٌ البنانيّ، وجرير بن حازم. ذكره ابن حبّان في "الثقات". قُتل سنة (١٠٢). تفرّد به المصنّف، وأبو داود بحديث الباب فقط. والحديث صحيح، وقد سبق القول فيه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعتُ، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكّلتُ، وإليه أنيب". … ٣١ - (كِتَابُ الْهِبَةِ) قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "الْهِبَةُ" -بكسر الهاء، وتخفيف الباء الموحّدة-: مصدرٌ، يقال: وهبت لزيد مالًا أَهَبُهُ له هِبَةَ: أعطيته بلا عِوّض، يتعدّى إلى الأول باللام، وفي التنزيل العزيز: ﴿يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ﴾ [الشورى: ٤٩]، وَوَهَبًا -بفتح الهاء، وسكونها- ومَوْهِبًا، ومَوْهِبَةً -بكسرهما-. قال ابن الْقُوطيّة، والسِّّّّّّّرَقُسْطِيُّ، والْمُطرِّزِيُّ، وجماعةٌ: ولا يتعدّى إلى الأول بنفسه، فلا يقال: وهبتُك مالًا، والفُقهاء يقولونه، وقد يُجعل له وجهٌ، وهو أن يُضَمَّن وَهَبَ معنى جعل (١)، فيتعدّى بنفسه إلى مفعولين، ومن كلامهم: وهبَني اللَّه فِدَاءَك (٢): أي جعلني، لكن لم يُسمع في كلام فَصِيح. وزيد مَوهُوبٌ له، والمال موهوب، واتّهبتُ الهبةَ: قَبِلتها، واستوهبتها: سألتها، وتواهبوا: وهب بعضهم بعضًا. قاله الفيّوميّ. وقال في "الفتح": والهبة: تطلق بالمعنى الأعمّ على أنواع الإبراء، وهو هبة الدين ممن هو عليه، والصدقة، وهي هبة ما يتمحّض به طلب ثواب الآخرة، والهدّية، وهي ما يُكرم به الموهوب له. ومن خضها بالحياة أخرج الوصيّة، وهي تكون أيضًا بالأنواع الثلاثة. وتُطلق الهبة بالمعنى الأخصّ على ما لا يُقصد له بدل، وعليه ينطبق قولُ من

стр. 15068

عرّفَ الهبةَ بأنها تمليكٌ بلا عِوض. انتهى (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب. ١ - (هِبَةُ الْمُشاعِ) قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: ظاهر ترجمة المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- أنه يرى جواز هبة المشاع، وهو الحقّ، وفيه اختلاف بين العلماء سيأتي تحقيقه في المسألة الرابعة، إن شاء اللَّه تعالى. و"الْمُشَاعُ":-بضمّ الميم-: الشيء الذي ليس بمقسوم، ويقال: فيه أيضًا: شائعٌ، وشَاعٍ، قال في "اللسان": ويقال: نَصِيبُ فلان شائع في جميع هذه الدار، ومُشاعٌ فيها: أي ليس بمقسوم، ولا مَعزول. قال الأزهريّ: إذا كان في جميع الدار، فاتّصل كلّ جزه منه بكلّ جزء منها، قال: وأصل هذا من الناقة، إذا قطَّعَت بولها، قيل: أوزَغَت به إيزاغًا، وإذا أرسلته إرسالاً متّصلاً، قيل: أشاعت. وسَهْمٌ شائعٌ: أي غير مقسوم، وشاعٌ أيضًا، كما يقال: سائرُ اليوم، وسارُهُ. قال ابن برِّيّ: شاهده قول ربيعة بن مَقْرُوم. لهُ وَهَجٌ مِن التَّقْرِيبِ شَاعُ أي شائعٌ، ومثله: خَفَضُوا أَسِنَّتهُمْ فكُلٌّ نَاعُ أي نائع، وما في هذه الدار سهمٌ شائعٌ، وشَاعٍ، مقلوب عنه، أي مُشتهرٌ منتشرٌ. انتهى (٢). واللَّه تعالى أعلم بالصواب. ٣٧١٥ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ يَزِيدَ, قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ, قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ, عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ, عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ, عَنْ أَبِيهِ, عَنْ جَدِّهِ, قَالَ: كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ , إِذْ أَتَتْهُ وَفْدُ هَوَازِنَ, فَقَالُوا: يَا مُحَمَّدُ, إِنَّا أَصْلٌ, وَعَشِيرَةٌ, وَقَدْ نَزَلَ بِنَا مِنَ الْبَلَاءِ مَا لَا يَخْفَى عَلَيْكَ, فَامْنُنْ عَلَيْنَا, مَنَّ اللَّهُ عَلَيْكَ, فَقَالَ: «اخْتَارُوا مِنْ أَمْوَالِكُمْ, أَوْ مِنْ نِسَائِكُمْ وَأَبْنَائِكُمْ» , فَقَالُوا: قَدْ خَيَّرْتَنَا بَيْنَ أَحْسَابِنَا, وَأَمْوَالِنَا, بَلْ نَخْتَارُ نِسَاءَنَا, وَأَبْنَاءَنَا, فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أَمَّا مَا كَانَ لِي, وَلِبَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ, فَهُوَ لَكُمْ, فَإِذَا صَلَّيْتُ الظُّهْرَ, فَقُومُوا, فَقُولُوا: إِنَّا نَسْتَعِينُ بِرَسُولِ اللهِ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ" -أَوِ الْمُسْلِمِينَ-

стр. 15069

فِي نِسَائِنَا, وَأَبْنَائِنَا", فَلَمَّا صَلَّوُا الظُّهْرَ قَامُوا, فَقَالُوا ذَلِكَ, فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «فَمَا كَانَ لِي, وَلِبَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ, فَهُوَ لَكُمْ» , فَقَالَ الْمُهَاجِرُونَ: وَمَا كَانَ لَنَا, فَهُوَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ , وَقَالَتِ الأَنْصَارُ: مَا كَانَ لَنَا, فَهُوَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ , فَقَالَ الأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ: أَمَّا أَنَا, وَبَنُو تَمِيمٍ فَلَا, وَقَالَ عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ: أَمَّا أَنَا وَبَنُو فَزَارَةَ فَلَا, وَقَالَ الْعَبَّاسُ بْنُ مِرْدَاسٍ: أَمَّا أَنَا وَبَنُو سُلَيْمٍ فَلَا, فَقَامَتْ بَنُو سُلَيْمٍ, فَقَالُوا: كَذَبْتَ, مَا كَانَ لَنَا فَهُوَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ , فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «يَا أَيُّهَا النَّاسُ, رُدُّوا عَلَيْهِمْ نِسَاءَهُمْ وَأَبْنَاءَهُمْ, فَمَنْ تَمَسَّكَ مِنْ هَذَا الْفَىْءِ بِشَيْءٍ, فَلَهُ سِتُّ فَرَائِضَ, مِنْ أَوَّلِ شَيْءٍ يُفِيئُهُ اللَّهُ عَلَيْنَا» , وَرَكِبَ رَاحِلَتَهُ, وَرَكِبَ النَّاسُ, اقْسِمْ عَلَيْنَا فَيْئَنَا, فَأَلْجَئُوهُ إِلَى شَجَرَةٍ, فَخَطِفَتْ رِدَاءَهُ, فَقَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ, رُدُّوا عَلَيَّ رِدَائِي, فَوَاللَّهِ لَوْ أَنَّ لَكُمْ شَجَرَ تِهَامَةَ نَعَمًا, قَسَمْتُهُ عَلَيْكُمْ, ثُمَّ لَمْ تَلْقَوْنِي بَخِيلاً, وَلَا جَبَانًا, وَلَا كَذُوبًا» , ثُمَّ أَتَى بَعِيرًا, فَأَخَذَ مِنْ سَنَامِهِ وَبَرَةً, بَيْنَ أُصْبُعَيْهِ, ثُمَّ يَقُولُ: «هَا إِنَّهُ لَيْسَ لِي مِنَ الْفَيْءِ شَيْءٌ, وَلَا هَذِهِ, إِلاَّ خُمُسٌ, وَالْخُمُسُ مَرْدُودٌ فِيكُمْ» , فَقَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ بِكُبَّةٍ مِنْ شَعْرٍ, فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ, أَخَذْتُ هَذِهِ لأُصْلِحَ بِهَا بَرْدَعَةَ بَعِيرٍ لِي, فَقَالَ: «أَمَّا مَا كَانَ لِي, وَلِبَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَهُوَ لَكَ» , فَقَالَ: أَوَبَلَغَتْ هَذِهِ؟ , فَلَا أَرَبَ لِي فِيهَا, فَنَبَذَهَا, وَقَالَ «يَا أَيُّهَا النَّاسُ, أَدُّوا الْخِيَاطَ, وَالْمِخْيَطَ, فَإِنَّ الْغُلُولَ يَكُونُ عَلَى أَهْلِهِ, عَارًا وَشَنَارًا, يَوْمَ الْقِيَامَةِ»). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (عمرو بن يزيد) أبو بُريد -بموحّدة، وراء مصغّرًا- الْجَرْميّ، صدوقٌ [١١] ١٠٠/ ١٣٠. من أفراد المصنّف. [تنبيه]: وقع في "النسخ المطبوعة من "المجتبى"، و"الكبرى" "عمرو بن زيد"، وهو غلطٌ، والصواب كما في "الهنديّة": عمرو بن يزيد" بالياء التحتيّة. فتنبّه. واللَّه تعالى أعلم. ٢ - (ابن أبي عديّ) محمد بن إبراهيم بن أبي عديّ، أبو عمرو البصريّ، ثقة [٩] ١٢٢/ ١٧٥. ٣ - (حماد بن سلمة) بن دينار، أبو سلمة البصري، ثقة عابد [٨] ١٨١/ ٢٨٨. ٤ - (محمد بن إسحاق) بن يسار، أو بكر المطّلبيّ مولاهم المدنيّ، نزيل العراق، إمام المغازي، صدوقٌ، يدلّس، ورمي بالتشيّع، والقدر، من صغار [٥] ٥/ ٤٨٠. ٥ - (عمرو بن شعيب) المدني، أو الطائفي، صدوق [٥] ١٠٥/ ١٤٠. ٦ - (أبوه) شعيب بن محمد بن عبد اللَّه، صدوق [٣] ١٠٥/ ١٤٠. ٧ - (جدّه) عبد اللَّه بن عمرو بن العاص - رضي اللَّه تعالى عنهما - ٨٩/ ١١١. واللَّه تعالى أعلم.

стр. 15070

لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سباعيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم ثقات. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ، ورواية الراوي عن أبيه، عن جدّه. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبِ، عَنْ أَبِيهِ) شُعيب بن محمد بن عبد اللَّه بن عمرو (عَنْ جَدَّهِ) عبد اللَّه بن عمرو بن العاص - رضي اللَّه تعالى عنهما -، أنه (قَالَ: كُنَّا عِنْدَ رسُولِ اللَّهِ ﷺ )، إِذْ أَتَتْهُ وَفْدُ هَوازِنَ) الوفد -بفتح، فسكون- قال ابن الأثير: الوفد: هم القوم الذين يجتمعون، ويَرِدون البلادَ، واحدهم وافدٌ، وكذلك الذين يقصدون الأمراء لزيارة، واسترفاد، وانتجاع، وغير ذلك، تقول: وَفَدَ يَفِدُ، من باب وَعَدَ، فهو وافدٌ، وأو فدته فوفد، وأوفد على الشيء، فهو مُوفدٌ: إذا أشرف انتهى (١). و"هوازن" -بفتح الهاء، وتخفيف الواو-: اسم قبيلة مشهورة، وكانوا في حُنين، وهو واد وراء عرفة، دون الطائف. وقيل: بينه وبين مكة ليال. وغزوة هوازن تسمّى غزوة حنين، وكانت الغنائم فيها من السبي والأموال أكثر من أن تُحصى. وفي حديث مروان بن الحكم، والمسور بن مَخرَمة عند البخاريّ: أن رسول اللَّه ﷺ قام حين جاءه وفد هوازن مسلمين. وقد ساق القصّة موسى بن عقبة مطوّلةً، ولفظه: "ثم انصرت رسول اللَّه ﷺ من الطائف في شوّال إلى الجِعْرانة، وبها السبي ﷺ -يعني سبي هوازن، وقدمت عليه وقد هوازن مسلمين، فيهم تسعة نفر من أشرافهم، فأسلموا، وبايعوا، ثم كلّموه، فقالوا: يا رسول اللَّه، إن فيمن أصبتم الأمهات، والأخوات، والعمّات، والخالات، وهنّ مَخَازي الأقوام، فقال: سأطلب لكم، وقد وقعت المقاسم، فأيّ الأمرين أحبّ إليكم، آلسبيُ، أم المال؟، قالوا: خيّرتنا يا رسول اللَّه بين الحسب والمال، فالحسب أحبّ إلينا، ولا نتكلّم في شاة، ولا بعير، فقال: أما الذي لبني هاشم، فهو لكم، وسوف أكلّم لكم المسلمين، فكلَّموهم، وأظهروا إسلامكم، فلما صلّى رسول اللَّه ﷺ الهاجرة، قاموا، فتكلّم خطباؤهم، فأبلغوا، ورغبوا إلى المسلمين في ردّ سبيهم، ثم قام رسول اللَّه ﷺ حين فرغوا، فشفع لهم، وحضّ المسلمين عليه، وقال: قد رددت الذي لبني هاشم عليهم". فاستُفيد من هذه القصّة عدد الوفد، وغير ذلك مما لا يخفى. وممن سُمّي من وقد

стр. 15071

هوازن زُهير بن صُرد، وأبو مروان، ويقال: أبو ثَرْوان، أوله مثلّثةٌ بدل الميم، ويقال بموحّدة، وقاف، وهو عمّ النبيّ ﷺ من الرضاعة. ذكره ابن سعد. قاله في "الفتح". (فَقَالُوا) ذكر ابن إسحاق تعيين الذي خطب لهم لي ذلك، ولفظه: "وقام خطيبهم زُهير بن صُرَد، فقال: يا رسول اللَّه، إن اللواتي لي الحظائر من السبايا خالاتك، وعمّاتك، وحواضنك اللاتي كنّ يكفلنك، وأنت خير مكفول، ثم أنشده الأبيات المشهورة، أولها: امْنُنْ عَلَيْنَا رَسُولَ اللَّهِ فِي كَرَمِ … فَإِنَّكَ الْمَرْءُ نَرْجُوهُ ونَدَّخِرُ يقول فيها: امْنُنْ عَلَى نِسْوَةِ قَدُ كُنْتَ ترْضَعُهَا … إِذْ فُوكَ تَمْلؤُهُ مِنْ مَحْضِهَا الدَّرَرُ (١) (يَا مُحَمَّدُ، إِنَّا أَصْلٌ) أي أصل من أصول العرب (وَعَشِيرَةٌ) بفتح، فكسر- القبيلة، ولا واحد لها من لفظها، والجمع عَشِيرات، وعشائر، أي نحن أي قبيلة من قبائل العرب، ذات سيادة، وشرف (وَقَدْ نَزَلَ بِنَا مِنَ الْبَلَاءِ مَا لَا يَخْفَى عَلَيْكَ) أي بسبب امتناعهم عن الإسلام، ومحاربتهم المسلمين (فَامْنُنْ عَلَيْنَا) -بضمّ النون الأولى، يقال: منّ عليه بالعتق وغيره مَنَّا، من باب قتل، وامتنّ عليه به أيضًا: أنعم عليه به، والاسم الْمِنَّةُ بالكسر، والجمعُ مِنَنٌ، مثلُ سدرة وسِدَر. قاله الفيّومي (مَنَّ اللَّهُ عَلَيْكَ) الظاهر أنها جملة دعائيّة، ويحتمل أن يكون مصدرًا منصوبًا على أنه مفعول مطلقٌ نوعيّ، وهو مضافٌ إلى اسم الجلالة، أي كمنّ اللَّه تعالى عليك، فهو قريب من قوله تعالى: ﴿وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ الآية [القصص: ٧٧] (فَقَالَ) ﷺ (اخْتَارُوا مِنْ أَمْوَالِكُمْ) قال السنديّ: لعله زاد "من" للدلالة على أنه يردّ عليهم من أموالهم، أو نسائهم ما يتيسّر ردّه، إذ العادة أنه لا يتيسّر ردّ الكلّ انتهى (أَوْ مِنْ نِسَائِكُمْ) وفي نسخة حذف "من" (وَأَبْنَائِكُمْ، فَقَالُوا: قَدُ خَيَّرتَنَا بَيْنَ أَحْسَابِنَا) جمع حَسَبٍ -بفتحتين-: هو ما يُعدّ من المآثر، وهو مصدرُ حَسُبَ، وزان شَرُف شَرَفًا، وكَرُمَ كَرَمًا. قال ابن السّكّيت: الحسبُ، والكرمُ يكونان في الإنسان، وإن لم يكن لآبائه شَرَفٌ، ورجلٌ حسِيبٌ كريمٌ بنفسه، قال: وأما المجد، والشرفُ، فلا يوصف بهما الشخص، إلا إذا كان فيه، وفي آبائه. ذكره الفيّوميّ (وَأَمْوَالِنَا، بَلْ نَخْتَارُ نِسَاءَنَا، وَأَبْنَاءَنَا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أمَّا مَا كَانَ لِي، وَلِبَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فهُو لكُمْ) هذا محلّ الترجمة، حيث يدلّ على جواز هبة المشاع، وذلك أن الذي وهبه لهم النبيّ ﷺ مما يخصّه، وبني عبد المطّلب شيء مشاع.

стр. 15072

وقال السنديّ: كأنه أخذ منه هبة المشاع، لكن الظاهر أن الموهوب ههنا، وإن كان مشاعًا نظرًا إلى ظاهر الكلام بين الواهب وغيره، لكن بالتحقيق نصيب كلّ ممتاز عن نصيب غيره، فلا شيوع، ثم لا شيوع بالنظر إلى الموهوب له، بل الكل هبةٌ لهم على التوزيع، بأن يكون لكلّ زوجته وأولاده، إلا أن يُعتبر صورة الشيوع في الطرفين، أو أحدهما، فليُتأمّل انتهى. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: كونه مشاعًا ظاهر، فالأولى في التوجيه ما قدّمته. واللَّه تعالى أعلم بالصواب. (فَإذَا صَلَّيْتُ) وفي نسخة: "صليتم" (الظُّهْرَ، فَقُومُوا، فَقُولُوا: إنَّا نَسْتَعِينُ بِرَسُولِ اللَّهِ عَلَى الْمُؤمِنِينَ" -أَوِ الْمُسْلِمِينَ) "أو" فيه للشكّ من الراوي (فِي نِسَائِنَا، وَأَبْنَائِنَا) وفي نسخة: "وأموالنا" (فَلَمَّا صَلوُا الظُّهْرَ قَامُوا، فَقَالُوا ذَلِكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "فَمَا كَانَ لِي، وَلِبَنِي عَبدِ الْمُطَّلِبِ، فَهُوَ لَكُمْ"، فَقَالَ: الْمُهَاجِرُونَ: وَمَا كَانَ لَنَا، فَهُوَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ ) إنما قالوا ذلك إرضاء له ﷺ ، والمراد أنه يردّه عليهم (وَقَالَتِ الأَنْصَارُ: مَا كَانَ لَنَا، فَهُوَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَقَالَ: الأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ: أَمَّا أَنَا، وَبَنُو تَمِيمٍ فَلا) أي فلا نردّ ما أخذنا من الغنيمة (وَقَالَ عُيَينَةُ بْنُ حِصْنٍ: أَمَّا أَنَا وَبَنُو فَزَارَةَ فَلَا، وَقَالَ العَبَّاسُ بْنُ مِرْدَاسٍ: أَمَّا أَنا وَبَنُو سُلَيمٍ فَلَا، فَقَامَتْ بَنُو سُلُيمٍ، فَقَالُوا: كَذَبْتَ) ردّ عليه، وإنكار لما قاله معرضًا عن شفاعة رسول اللَّه ﷺ (مَا كَانَ لَنَا فَهُوَ لِرَسولِ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "يَا أيُّهَا النَّاسُ، رُدُّوا عَلَيْهِم نِسَاءَهُم وَأَبْنَاءَهُمْ، فَمَنْ تَمَسَّكَ مِنْ هَذَا الفَيْءِ بِشَيْءٍ) أي من أراد أن لا يردّ إلا بعوض، فليردّه، وعلينا أن نعوّضه، ثم بين مقدار ما يعوّضه بقوله (فَلَهُ سِتُّ فَرَائِضَ) جمع فريصْة، وهي البعير المأخوذ في الزكاة، ثم اتسِع فيه حتى سُمي البعير في غير الزكاة. كذا في "النهاية" (مِنْ أَوَّلِ شَيْءٍ يُفِيئهُ) بضمّ أوله، من أفاء (اللَّهُ عَلَيْنَا) وفي نسخة: "عليه": قال الخطّابيّ: يريد الخمس الذي جعله اللَّه له من الفيء، وكان الخمس من الفيء لرسول اللَّه ﷺ خاصّةً، يُنفق منه على أهله، ويجعل الباقي في مصالح الدين، وسدّ حاجة المسلمين، وذلك معنى قوله: "إلا الخمس، والخمس مردود عليكم" انتهى. (وَرَكِبَ) ﷺ (رَاحِلَتَهُ، وَرَكِبَ النَّاسُ) وفي نسخة: "وركبه الناس": أي أحاطو ابه راكبين (اقْسِمْ عَلَيْنَا فَيْئَنَا) أي قائلين ذلك، طالبين منه قسم المال (فَألجئوهُ إِلَى شَجَرَة) أي اضطرّوه، يقال: ألجاته إلى كذا, ولَجَّأته بالهمز والتضعيف: اضطررته، وأكرهته (فَخَطِفَتْ رِدَاءَهُ) بكسر الطاء المهملة، من باب تَعِب، وخَطَف، من باب ضرب لغةٌ فيه: أي استلبت الشجرة بسرعة رداء النبيّ ﷺ (فَقَالَ) ﷺ (يَا أَيَّها النَّاسُ، رُدُّوا عَلَيَّ

стр. 15073

رِدَائي، فَوَاللَّهِ لَوْ أنَّ لَكُمْ شَجَرَ تِهَامَةَ) أي مثل شجر تهامة. قال الفيّوميّ: تِهَمَ اللبنُ واللحمُ تَهَمًا، من باب تَعِبَ: تغيّر، وأنتن. وتهِمَ الحرّ: اشتدَّ مع رُكُود الريح، ويقال: إن تِهامة -أي بكسر التاء، وتخفيف الهاء- مشتقّة من الأول؛ لأنها انخفضت عن نجد، فتغيّرت ريحها. ويقال: من المعنى الثاني؛ لشدّة حرّها. وهي أرضٌ أوّلها ذات عرق من قبل نجد إلى مكة، وما وراءها بمرحلتين، أو أكثر، ثم تتّصل بالغَوْر، وتأخذ إلى البحر. ويقال: إن تهامة تتّصل بأرض اليمن، وإن مكة من تهامة اليمن. والنسبة إليها تَهَاميّ، وتَهَامٍ أيضًا بالفتح، وهو من تغييرات النسب انتهى. (نَعَمًا) -بفتحتين-: المال الراعي، وهو جمعٌ لا واحد له من لفظه، وأكثر ما يقع على الإبل. قال أبو عبيد: النعَم: الجِمَالُ فقط، ويؤنَّث، ويُذكّر، وجمعه نُعمان -بضم، فسكون- مثلُ حَمَل وحُمْلان، وأنعامْ أيضًا. وقيل: النعم الإبل خاصّةً، والأنعام ذوات الخف، والظِّلْف، وهي الإبل، والبقر، والغنم. وقيل: تُطلق الأنعام على هذه الثلاثة، فإذا انفردت الإبل، فهي نعمٌ، وإذا انفردت البقر، والغنم لم تُسَمَّ نَعَمًا. قاله الفيّوميّ (قَسَمْتُهُ عَلَيْكُمْ، ثُمَّ لَمْ تَلْقَونِي بَخِيلاً) أي ثم لا أتغيّر عن خُلُقي بكثرة الإعطاء، أو هو للتراخي في الإخبار (وَلَا جَبَانًا) بفتح الجيم، وتخفيف الباء الموحّدة: أي ضعيف القلب، يقال: جَبُن جُبْنًا، وزان قَرُب قُرْبًا، وجَبَانَةً بالفتح، وفي لغة من باب قتل (وَلَا كَذُوبًا) بفتح الكاف (ثُمَّ أَتَى بَعِيرًا، فَأَخَذَ مِنْ سَنَامِهِ) بفتح السين المهملة: ما ارتفع من ظهر الجمل (وَبَرَةٌ) بفتحتين: أي شعرة (بَيْنَ إِصْبَعَيهِ) بكسر الهمزة، وفتح الباء الموحّدة أفصح لغاتها؛ إذ فيها عشر لغات، تثليث الهمزة، مع ثليث الباء، فهذه تسع، والعاشرة أُصْبُوع، بالضمّ وزان عُصْفُور، والمشهور منها كسر الهمزة، وفتح الباء، وهي التي ارتضاها الفُصَحاء. قاله الفيّوميّ (ثُمَّ يَقُولُ: "هَا) هي حرف تنبيه (إِنَّهُ لَيْسَ بِي مِنَ الْفَيءِ شَيْءٌ، وَلَا هَذِهِ) مشيرًا إلى الوبرة. ولفظ أبي داود: "فأخذ وبرة من سنامه، ثم قال: أيها الناس، إنه ليس لي من هذا الفيء شيء، ولا هذا، ورفع إصبعيه" (إِلَّا خُمُسٌ) ضُبط بالرفع والنصب، فالرفع على البدل، والنصب على الاستثناء. قاله في "عون المعبود" (١) (وَالْخُمُسُ مَرْدُودٌ فِيكُمْ") أي مصروف في مصالحكم، من السلاح، والخيل، وغيرهما (فَقَامَ إِلَيْهِ رَجُل بِكُبَّةٍ) بضمّ، فتشديد الموحّدة: شعرٌ ملفوفٌ بعضه على بعض (مِنْ شَعْرٍ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَخَذْتُ هَذِهِ لِأُصْلِحَ بَها بَرْدَعَةَ بَعِيرٍ لِي) وفي نسخة: "برذعة"، و"البردعة" -بفتح الباء الموحّدة، وسكون الراء، وفتح الدال

стр. 15074

المهملة، أو الذال المعجمة، لغتان، وفي "القاموس": إهمال الدال أكثر، وجمعه بَرادِع: هي الْحِلْس، وهي بالكسر: كساء يُلقَى تحت الرحل على ظهر البعير. قال الفيّوميّ: هذا هو الأصل، وفي عرف زماننا هي للحمار ما يُرْكَب عليه بمنزلة السّرج للفرس انتهى. (فَقَالَ: (أمَّا مَا كَانَ لِي) أي من الكُبّة (وَلِبَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَهُو لَكَ) أي أما ما كان نصيبي ونصيبهم، فاحللناه لك، وأما ما بقي من أنصباء الغانمين, فاستحلاله ينبغي أن يكون منهم (فَقَالَ) أي الرجل (أَوَبَلَغَتْ هَذِهِ؟) أي هل بلغت هذه الكبْة هذه المرتبة من العزّة. وفي نسخة: "إذ بلغت"، وفي رواية أبي داود: "أما إذا بلغت ما أرى … " (فَلَا أَرَبَ) بفتحتين: أي لا حاجة (لِي فِيهَا، فَنَبَذَهَا) أي طرحها، وردّها في جملة الغنيمة (وَقَالَ) ﷺ وفي نسخة: "فقال" (يَا أَيُّهَا النَّاسُ، أَدُّوا الْخِيَاطَ) وفي نسخة: "رُدُّوا الخَيْط" (وَالْمِخيَطَ) والخِيَاطُ، والْمِخيَطُ بالكسر: الإبرة، فيُحمل أحدهما على الكبيرة، فيندفع التكرار. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هكذا قال السنديّ، والأولى من هذا ما قاله في "اللسان": أراد بالخياط هنا الْخيط، وبالمخيط ما يُخاط به. والحاصل أن الخياط بالكسر يُطلق على الإبْرَةِ، كما في قوله تعالى: ﴿حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ [الأعراف: ٤٠] أي في ثقب الإبرة. ويطلق أيضًا على الخيط، وهو المراد هنا؛ دفعًا للتكرار. واللَّه تعالى أعلم. (فَإنَّ الْغُلُولَ) -بضمّ الغين المعجمة-: الخيانة في المغنم، يقال: غَلّ غُلُولاً، من باب قعد، وأغلّ بالألف: خان في المغنم وغيره. وقال ابن السكّيت: لم نسمع في المغنم إلا غَلّ ثُلاثيًّا، وهو متعدّ في الأصل، لكن أُميت مفعوله، فلم يُنطق به. قاله الفيّومي (يَكُونُ عَلَى أَهْله، عَارًا وَشَنَارًا يَومَ الْقِيَامَةِ) قال في "القاموس": العارُ: كلُّ شيء لزم به عيب. قال: والشَّنار -بالفتح، وتخفيف النون-: أقبح العيب، والعارُ. انتهى. وفي "اللسان": يقال: عاز وشَنَارٌ، وقلّما يُفردونه من عار، قال أبو ذُؤيب [من الطويل]: فَإنِّي خَلِيقٌ أَنْ أُوَدعَ عَهْدَهَا … بِخَيْرٍ وَلَمْ يُرفَعْ لَدَينَا شَنَارُهَا واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث عبد اللَّه بن عمرو بن العاص ﵄ هذا صحيح. (المسألة الثانية): في مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:

стр. 15075

أخرجه هنا-١/ ٣٧١٥ وفي "كتاب قسم الفيء" ١/ ٤١٦٦ - وفي "الكبرى" ١/ ٦٥١٥ وأخرجه (د) في "الجهاد" ٢٦٩٤. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان مشروعيّة هبة المشاع، وفيه اختلاف بين العلماء، سنحققه في المسألة التالية، إن شاء اللَّه تعالى. (ومنها). حِلّ الغنائم، وهو من خصوصيّات هذه الأمة؛ لحديث جابر بن عبد اللَّه ﵄، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "أعطيت خمسا، لم يُعطهن أحد من الأنبياء قبلي، نُصِرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا، وأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل، وأُحلت لي الغنائم، وكان النبيّ يبعث إلى قومه خاصة، وبعثت إلى الناس كافة، وأعطيت الشفاعة". متّفقٌ عليه، وتقدّم للمصنّف برقم -٤٣٢ - (ومنها): أن للإمام أن يشفع لبعض الرعية إلى بعضهم. (ومنها): ما كان عليه النبيّ ﷺ ، من حسن الخلق، وتحمّل الأذى من السفهاء، وعدم مؤاخذتهم بما يصدر منهم مما يُخلّ بواجب احترامه، فكان تمسكه بما أمره تعالى به في قوله : ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٩] أتمّ تمسّك ﷺ . (ومنها): أنه يجوز للإمام أن يمنّ على الأسارى إذا رأى ذلك مصلحة، قال الإمام الترمذيّ -رحمه اللَّه تعالى-: والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم من أصحاب النبيّ- ﷺ وغيرهم أن للإمام أن يمنّ على من شاء من الأسارى، في قتل من شاء منهم، ويفدي من شاء. واختار بعض أهل العلم القتل على الفداء. وقال الأوزاعيّ: بلغني أن هذه الآية منسوخة يعني قوله: ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ [سورة محمد ﷺ : ٤] نسخها قوله: ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾ [البقرة: ١٩١]، وقال إسحاق بن منصور: قلت لأحمد: إذا أسر الأسير يقتل، أو يفادى أحبّ إليك؟، قال: إن قدر أن يفادى، فليس به بأس، وإن قتل، مما أعلم به بأسًا. قال إسحاق بن إبراهيم: الإثخان أحبّ إليّ إلا أن يكون معروفًا، فأطمع به الكثير انتهى. وقال الخطّابيّ: ما حاصله: إن الإمام مخيّر في الأسارى البالغين، إن شاء من عليهم، وأطلقهم من غير فداء، وإن شاء فاداهم بمال معلوم، وإن شاء قتلهم، وأيّ ذلك كان أصلح، ومن أمر الدين، وإعزاز الإسلام أوقع. وإلى هذا ذهب الشافعيّ، وأحمد، وهو قول الأوزاعيّ، وسفيان الثوريّ. وقال أصحاب الرأي: إن شاء قتلهم، وإن شاء فاداهم، وإن شاء استرقّهم، ولا يمنّ عليهم، فيُطلقهم بغير عوض. وزعم بعضهم أن المنّ كان خاصًا للنبيّ ﷺ ، دون غيره، قال: والتخصيص في أحكام الشريعة

стр. 15076

لا يكون إلا بدّليل، والنبيّ ﷺ إذا حكم بحكم في زمانه، كان ذلك سنّة، وشريعة في سائر الأزمان، وقد قال : ﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ الآية [محمد ﷺ : ٤]، وهذا خطاب لجماعة الأمّة كلّهم، ليس فيه تخصيص للنبيّ ﷺ ، وإنما كان فعله امتثالاً للآية. وأما الذين اعتلّوا به من تقوية الكفر، فإن الإمام إذا رأى أن يعطى كافرًا عطيّة، يستمليه بها إلى الإسلام، كان ذلك جائزًا، وإن كان في ذلك تقوية لهم، فكذلك هذا، وقد أعطى النبيّ ﷺ رجلاً من الكفار غنمًا بين جبلين. انتهى (١). (ومنها): أنه استدلّ بعضهم بقوله ﷺ : (والخمس مردود عليكم" على أن سهم النبيّ ﷺ ساقطٌ بعد موته، ومردود على شركائه المذكورين معه في الآية، وكذلك سهم ذوي القربى. وإلى هذا ذهب أصحاب الرأي. وقال بعضهم: هو للخليفة بعده، يَصرفه فيما كان النبيّ ﷺ يصرفه فيه أيام حياته. وقال الشافعيّ: هو موضوع في كلّ أمر حُصِّنَ به الإسلام وأهله، من سدّ ثغر، واعداد كُراع، وسُلاح، وما دعا إلى مصلحة فيه. قاله الخطّابيّ. (ومنها): أن قوله: "أدّوا الخياط والمخياط" دليل على أن قليل ما يُغنم وكثيره مقسوم بين من شهد الوقعة، ليس لأحد أن يستبدّ بشيء منه، وإن قلّ، إلا الطعام الذي قد وردت فيه الرخصة، وهذا قول الشافعيّ -رحمه اللَّه تعالى-، وقال مالك -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: إذا كان شيئًا خفيفًا، فلا أرى به بأسًا أن يرتفق به آخذُهُ دون أصحابه. قاله الخطّابيّ -رحمه اللَّه تعالى- (٢). (ومنها): شدّة أمر الغلول، وإن كان في الشيء التافه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم هبة المشاع: قال العلاّمة ابن قُدَامة -رحمه اللَّه تعالى-: تصحّ هبة المشاع، وبه قال مالكٌ، والشافعيّ، وأحمد، قال الشافعيّ: وسواء في ذلك ما أمكن قسمته، أو لم يمكن. وقال أصحاب الرأي: لا تصحّ هبة المشاع الذي يمكن قسمته؛ لأن القبض شرط في الهبة، ووجوب القسمة يمنع صحّة القبض وتمامه، فإن كان مما لا يمكن قسمته، صحّت هبته؛ لعدم ذلك فيه، وإن وهب اثنان شيئًا مما ينقسم لم يجز عند أبي حنيفة، وجاز عند صاحبيه، وإن وهب اثنان اثنين شيئًا مما ينقسم، لم يصحّ في قياس قولهم؛ لأن كلّ واحد من المتَّهبين قد وُهب له جزء مشاع.

стр. 15077

واحتجّ الأولون بحديث الباب، فإن قوله ﷺ : "ما كان لي، ولبني عبد المطّلب، فهو لكم" هبة مُشاع، وكذلك قوله ﷺ : للرجل الذي جاء بكبّة شعر: "ما كان لي ولبني عبد المطّلب فهو لك" أيضًا يدلّ على جواز هبة المشاع. وبما أخرجه أحمد في "مسنده" ٣/ ٤١٨، والنسائيّ برقم ٢٨١٨ - واللفظ له بإسناد صحيح، عن عمير بن سلمة الضمري، أنه أخبره عن البَهْزي، أن رسول اللَّه ﷺ ، خرج يريد مكة، وهو محرم، حتى إذا كانوا بالرَّوحاء إذا حمار وحش عَقِير، فذُكر ذلك لرسول اللَّه ﷺ ، فقال: "دَعُوه، فإنه يوشك أن يأتي صاحبه"، فجاء البَهْزي، وهو صاحبه، إلى رسول اللَّه ﷺ ، فقال: (يا رسول اللَّه، صلى اللَّه عليك وسلم، شأنَكُم بهذا الحمار، فأمر رسول اللَّه ﷺ أبا بكر، فقسمه بين الرِّفاق … الحديث. ولأنه يجوز بيعه، فجازت هبته كالذي لا ينقسم؛ ولأنه مشاعٌ، فأشبه ما لا ينقسم. وقولهم: إن وجوب القسمة يمنع صحّة القبض: لا يصحّ، فإنه لم يمنع صحته في البيع، فكذا هنا. انتهى كلام ابن قُدامة بتصرّف (١). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قد تبيّن بما ذُكر أن الراجح هو المذهب الأول، وهو جواز هبة المشاع؛ لقوّة دليله، والمانعون لم يأتوا بحجة مقنعة. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعتُ، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكّلتُ، وإليه أنيب". … ٢ - (رُجُوعُ الْوَالِدِ فِيمَا يُعْطِي وَلَدَهُ، وَذِكْرِ اخْتِلَافِ النَّاقِلِينَ لِلْخَبَرِ فِي ذَلِك) قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: وجه الاختلاف الذي أشار إليه أن عامرًا الأحول رواه عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه. وخالفه حسين المعلّم فرواه عن عمرو بن شعيب، عن طاوس، عن ابن عمر، وابن عبّاس ﵃.

стр. 15078

ورواه وُهيب بن خالد، عن ابن طاوس، عن أبيه، عن ابن عبّاس ﵄، موصولاً، وخالفه الحسن بن مسلم، فرواه عن طاوس، مرسلاً. ولكن هذه الاختلافات لا تضرّ بصحة الحديث، ولذا اتفق الشيخان على إخراجه في "صحيحيهما"، واللَّه تعالى أعلم بالصواب. ٣٧١٦ - (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَفْصٍ, قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي, قَالَ: حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ, عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ, عَنْ عَامِرٍ الأَحْوَلِ, عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ, عَنْ أَبِيهِ, عَنْ جَدِّهِ, قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «لا يَرْجِعُ أَحَدٌ فِي هِبَتِهِ, إِلاَّ وَالِدٌ مِنْ وَلَدِهِ, وَالْعَائِدُ فِي هِبَتِهِ, كَالْعَائِدِ فِي قَيْئِهِ»). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (أحمد بن حفص) أبو عليّ بن أبي عمرو السلميّ النيسابوريّ، صدوق [١١] ٧/ ٤٠٩. ٢ - (أبوه) حفص بن عبد اللَّه بن راشد السلميّ، أبو عمرو النيسابوريّ قاضيها، صدوق [٩] ٧/ ٤٠٩. ٣ - (إبراهيم) بن طهمان الخراسانيّ، ثم المكيّ، ثقة، يُغْرب [٧] ٧/ ٤٠٩. ٤ - (سعيد بن أبي عَروبة) مِهران اليشكريّ مولاهم، أبو النضر البصريّ، ثقة حافظ، اختلط أخيرًا [٦] ٣٤/ ٣٨. ٥ - (عامر الأحول) ابن عبد الواحد البصريّ، صدوقٌ يُخطىء [٦] ٤/ ٦٣٠. والباقون تقدّموا في السند الماضي. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (ومنها): أنه من ثمانيات المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها)؛ أن رجاله كلهم ثقات. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ، ورواية الراوي عن أبيه، عن جدّه. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ) شعيب بن محمد (عَنْ جدِّهِ) عبد اللَّه بن عمرو بن العاص ﵄، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : (لَا يَرْجِعُ أَحَدٌ فِي هِبَتِهِ) قال السنديّ: أي لا ينبغي له الرجوع، وهذا لا ينفي صحّة الرجوع، إذا رجع صار الموهوب ملكًا له، وإن كان الفعل غير لائق انتهى. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الذي قاله السنديّ غير صحيح، بل الحديث ظِاهر في تحريم الرجوع في الهبة، فلا يؤوّل بما يصرفه عن ظاهره؛ لمخالفته للمذهب

стр. 15079

الحنفيّ. فتبصّر. واللَّه تعالى أعلم. (إِلَّا وَالِدْ مِنْ وَلَدِهِ) أي فإنه يجوز له أن يرجع، وهذا نصّ صريح في الردّ على القائلين بعدم جواز رجوع الوالد فيما وهبه لولده، فقول السنديّ: من لا يرى له الرجوع يحمله على أنه يجوز للوالد أن يأخذه عنه، ويصرفه في نفقته، عند الحاجة، كسائر أمواله أنْ غير صحيح، أيضًا، فإنه نصر لمذهب الحنفيّة، وتأويل للحديث الصحيح بتأويل غير مقبول. واللَّه تعالى أعلم. (وَالْعَائِدُ فِي هِبَتِهِ) أي العائد في هبته إلى الموهوب، وهو كقوله تعالى: ﴿أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا﴾ [الأعراف: ٨٨] (كَالعَائِدِ فِي قَيئِهِ) أي كالكلب الذي يأكل حتى يشبع، ثم يقيء، فيعود لأكل قيئه. قال السنديّ: قيل: هو تحريم للرجوع. وقيل: تقبيحٌ، وتشنيع له؛ لأنه شبّه بكلب يعود في قيئه، وعود الكلب في قيئه لا يوصف بحرمة. انتهى. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: بل الأرجح أنه للتحريم، كما سيأتي تحقيقه، في المسألة الرابعة، إن شاء اللَّه تعالى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث عبد اللَّه بن عمرو ﵄ هذا صحيح، وهو من أفراد المصنّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-، لم يُخرجه من أصحاب الأصول غيره، أخرجه هنا-٢/ ٣٧١٦ - وفي "الكبرى" ٢/ ٦٥١٦. وأخرجه (أحمد) في "مسند المكثرين" ٦٦٦٦. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثانية): في فوئده (منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو جواز رجوع الوالد فيما يُعطي لولده، وفيه اختلاف بين العلماء، سنحقّقه في المسألة التالية، إن شاء اللَّه تعالى. (ومنها): تحريم الرجوع في الهبة، وفيه أيضًا اختلاف بين العلماء، سيأتي تحقيقه أيضًا. (ومنها): جواز التمثيل بالشيء المستقبح؛ مبالغة في التنفير عن المنهيّ عنه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب. (المسألة الثالثة): في اختلاف أهل العلم في حكم رجوع الوالد فيما أعطى ولده: ذهب مالك، والأوزاعيّ، والشافعيّ، وإسحاق، وأبي ثور، وهو ظاهر مذهب أحمد إلى أن للوالد الرجوع فيما وهب لولده. وذهب أصحاب الرأي، والثوريّ، وهي رواية عن أحمد إلى أنه ليس له الرجوع

стр. 15080

فيها؛ لقول النبيّ ﷺ : "العائد في هبته، كالعائد في قيئه"، متّفقٌ عليه. وعن عمر بن الخطاب ﵁ قال: "من وهب هبةً، يرى أنه أراد بها صلة رحم، أو على وجه صدقة، فإنه لا يرجع فيها، ومن وهب هبة أراد بها الثواب، فهو على هبته، يرجع فيها إذا لم يُرْضَ منها. رواه مالك في "الموطّإ". ولأنها هبةٌ يحصل بها الأجر من اللَّه تعالى، فلم يجز الرجوع فيها، كصدقة التطوّع. واحتجّ الأولون بحديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه، ﵁ المذكور في الباب، فإنه صريح في عدم الجواز، وبقول النبيّ ﷺ لبشير بن سعد ﵁: "فاردده"، وفي رواية: "فارجعه"، فأمره بالرجوع في هبته، وأقلّ أحوال الأمر الجواز، وقد امتثل بشير بن سعد ذلك، فرجع في هبته لولده، ألا ترى أن النعمان قال في الحديث: فرجع أبي، فردّ تلك الصدقة (١). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: ما ذهب إليه الأولون هو الحقّ، وحاصله جواز رجوع الوالد فيما وهب لولده؛ لصحة حديث الباب، وهو صريح في جواز ذلك للوالد، ففي لفظ: "لا يرجع"، وفي لفظ: "لا يحلّ لرجل الخ"، فتأويل مثل هذا النصّ الصريح في التحريم بأنه للكراهة، مما لا يُلتفت إليه، فتبصّر، ولا تتحيّر. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم الرجوع في الهبة: ذهب الشافعيّ، وأبو ثور، وأحمد إلى أنه لا يحلّ الرجوع لمن وهب شيئًا، إلا الوالد، كما تقدّم في المسألة السابقة، واحتجّوا بحديث الباب. وذهب النخعيّ, والثوريّ، وإسحاق، وأصحاب الرأي إلى أن من وهب لغير ذي رحم له الرجوع ما لم يُثَب عليها، وروي ذلك عن عمر بن الخطّاب ﵁، واحتجّوا بقوله ﷺ : "الرجل أحقّ بهبته ما لم يُثب منها". رواه ابن ماجه (٢). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الأرجح عندي ما ذهب إليه الأولون؛ د صحّة حديث الباب الظاهر في تحريم الرجوع في الهبة، إلا للوالد، وأما حديث ابن ماجه، فضعيف؛ لأن في سنده إبراهيم بن إسماعيل بن مجمّع، وهو ضعيف، بل قال بعضهم: متروك الحديث، فلا يصلح لمعارضة حديث الباب الصحيح، فتبصّر، ولا تتحيّر. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٧١٧ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى, قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ, عَنْ حُسَيْنٍ, عَنْ

стр. 15081

عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ, قَالَ: حَدَّثَنِي طَاوُسٌ, عَنِ ابْنِ عُمَرَ, وَابْنِ عَبَّاسٍ, يَرْفَعَانِ الْحَدِيثَ, إِلَى النَّبِيِّ ﷺ , قَالَ: «لَا يَحِلُّ لِرَجُلٍ يُعْطِي عَطِيَّةً, ثُمَّ يَرْجِعُ فِيهَا, إِلاَّ الْوَالِدَ, فِيمَا يُعْطِي وَلَدَهُ, وَمَثَلُ الَّذِي يُعْطِي عَطِيَّةً, ثُمَّ يَرْجِعُ فِيهَا, كَمَثَلِ الْكَلْبِ أَكَلَ, حَتَّى إِذَا شَبِعَ قَاءَ, ثُمَّ عَادَ فِي قَيْئِهِ»). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "ابن أبي عديّ": هو محمد بن إبراهيم. و"حسين": هو ابن ذكوان المعلّم. و"ابن عمر": هو عبد اللَّه بن عمر بن الخطاب ﵄. والحديث صحيح، أما حديث ابن عمر ﵄، فقد أخرجه المصنّف هنا - ٢/ ٣٧١٧ و ٤/ ٣٧٣٠ - وفي "الكبرى" ٢/ ٦٥١٧ و ٤/ ٦٥٣٣. و (د) في البيوع" ٣٥٣٩ (ت) في "البيوع" ١٢٩٩ و "الولاء والهبة" ٢١٣١ و ٢١٣٢ (ق) في "الأحكام" ٢٣٧٧ و ٢٨٧٥. وأما حديث ابن عبّاس ﵄ فقد أخرجه المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- هنا - من ٣٧١٧ إلى ٣٧٣٢ - وفي "الكبرى" من ٦٥١٧ - إلى ٦٥٣٦. وأخرجه (خ) في "الهبة" ٢٥٨٩ (م) في "الهبات" ١٦٣٢ و (أحمد) في "مسند بني هاشم" ٢٥٢٥ و ٢٦٤١ و ٣٠٠٦ و ٣١٣٦ و ١٣٦٧ و ٣٢١١. وأما شرح الحديث، وبيان ما يتعلّق به من المسائل، فقد استوفيتهما في الذي قبله، وللَّه الحمد والمنّة. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٧١٨ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْخَلَنْجِيُّ الْمَقْدِسِيُّ, قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ -وَهُوَ مَوْلَى بَنِي هَاشِمٍ- عَنْ وُهَيْبٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ طَاوُسٍ, عَنْ أَبِيهِ, عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ, قَالَ: قَالَ: رَسُولُ اللهِ ﷺ : «الْعَائِدُ فِي هِبَتِهِ, كَالْكَلْبِ يَقِيءُ, ثُمَّ يَعُودُ فِي قَيْئِهِ»). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -. "محمد بن عبد اللَّه الْخَلَنْجيّ المقدسيّ": هو أبو الحسن الْخُزاعيّ، صدوق [١٠] من أفراد المصنّف. و"أبو سعيد مولى بني هاشم": هو عبد الرحمن بن عبد اللَّه بن عُبيد البصريّ، نزيل مكة، لقبه جَرْدَقَة -بفتح الجيم، والدال، بينهما راء ساكنة، ثم قاف- صدوقٌ ربّما أخطأ [٩] ٤٣/ ١٧٢٤. و"وُهيب": وابن خالد الباهليّ البصريّ الثقة الثبت [٧] ٢١/ ٤٢٧. [تنبيه]: وقع في نسخ "المجتبى" "وهب" مكبّرًا، وهو غلطٌ، والصحيح "وُهيب" مصغّرًا، وهو الذي في "الكبرى". فتنبّه. و"ابن طاوس": هو عبد اللَّه. والحديث متّفقٌ عليه، كما سبق القول فيه قريبًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٧١٩ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا حِبَّانُ, قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ اللَّهِ, عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ نَافِعٍ, عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مُسْلِمٍ, عَنْ طَاوُسٍ, قَالَ: قَالَ: رَسُولُ اللهِ ﷺ : «لَا

стр. 15082

يَحِلُّ لأَحَدٍ أَنْ يَهَبَ هِبَةً, ثُمَّ يَرْجِعَ فِيهَا, إِلاَّ مِنْ وَلَدِهِ» , قَالَ طَاوُسٌ: كُنْتُ أَسْمَعُ, وَأَنَا صَغِيرٌ: "عَائِدٌ فِي قَيْئِهِ", فَلَمْ نَدْرِ أَنَّهُ ضَرَبَ لَهُ مَثَلاً, قَالَ: «فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ, فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ يَأْكُلُ, ثُمَّ يَقِيءُ, ثُمَّ يَعُودُ فِي قَيْئِهِ»). قال: الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "محمد بن حاتم": هو المروزيّ، ثقة [١٢]. و"حِبّان" بالكسر: وابن موسى بن سوّار المروزيّ [١٠]. و"عبد اللَّه": وابن المبارك الإمام الحجة الثبت [٨] وكلهم تقدّموا قريبًا. و"إبراهيم بن نافع": هو المخزوميّ المكيّ الثقة الحافظ [٧] ١١٥/ ١٠١٧. و"الحسن بن مسلم ابن يَنّاق: هو المكيّ الثقة [٥] ٦١/ ٢٥٤٧. وقوله: "قال طاوس: كنت أسمع الخ" سيأتي -٤/ ٣٧٣١ - بلفظ: "قال طاوس: كنت أسمع الصبيان، يقولون: يا عائدا في قيئه، ولم أشعُر أن رسول اللَّه ﷺ ، ضرب ذلك مثلا، حتى بلغنا، أنه كان يقول: "مثل الذي يهب الهبة، ثم يعود فيها -وذكر كلمة معناها- "كمثل الكلب يأكل قيئه". والحديث تفرّد به المصنّف بهذا السياق، وهو مرسل، ولكنه تقدّم، ويأتي بالأسانيد المتصلة، فهو صحيح. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعتُ، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكّلتُ، وإليه أنيب". … ٣ - (ذِكْرُ الاخْتِلَافِ لِخَبَرِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسِ ﵄ فِيهِ) قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قوله: "لخبر عبد اللَّه" اللام بمعنى "في". ووجه الاختلاف أن سعيد بن المسيّب رواه عن ابن عباس ﵄ بلفظ: "مثل الذي يرجع الخ"، ورواه عكرمة مولى ابن عباسْ عنه، بلفظ: "ليس لنا مثل السَّوْء الخ"، ثم هذا الاختلاف لا يضرّ بصحة الحديث. واللَّه تعالى أعلم بالصواب. ٣٧٢٠ - (أَخْبَرَنَا مَحْمُودُ بْنُ خَالِدٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا عُمَرُ, عَنِ الأَوْزَاعِيِّ, قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ, قَالَ: حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ, قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ, قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَثَلُ الَّذِي يَرْجِعُ فِي صَدَقَتِهِ, كَمَثَلِ الْكَلْبِ يَرْجِعُ فِي

стр. 15083

قَيْئِهِ, فَيَأْكُلُهُ»). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "محمود بن خالد": هو السلميّ، أبو عدي الدمشقيّ، ثقة، من صغار [١٠] ٤٥/ ٥٩٥. و"عُمر": وابن عبد الواحد بن قيس السلميّ، أبو حفص الدمشقيّ، ثقة [٩] ٤٥/ ٥٦. و"محمد بن عليّ بن الحسين": هو الهاشمي أبو جعفر المدنيّ المعروف بالباقر الحجة الثقة الثبت [٤] ١٢٣/ ١٨٢. والحديث متّفقٌ عليه، كما سبق القول فيه، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه الموجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٧٢١ - (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ, قَالَ: حَدَّثَنَا حَرْبٌ -وَهُوَ ابْنُ شَدَّادٍ- قَالَ: حَدَّثَنِي يَحْيَى -هُوَ ابْنُ أَبِي كَثِيرٍ- قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَمْرٍو, وَهُوَ الأَوْزَاعِيُّ, أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنِ بْنِ فَاطِمَةَ بِنْتِ رَسُولِ اللهِ ﷺ , حَدَّثَهُ, عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ, عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ, أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ , قَالَ: «مَثَلُ الَّذِي يَتَصَدَّقُ بِالصَّدَقَةِ, ثُمَّ يَرْجِعُ فِيهَا, كَمَثَلِ الْكَلْبِ, قَاءَ ثُمَّ عَادَ فِي قَيْئِهِ, فَأَكَلَهُ»). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجَال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا غير مرّة. و"إسحاق بن منصور": هو الكوسج. و"عبد الصمد": وابن عبد الوارث. و"محمد بن عليّ": هو المذكور في السند السابق. والحديث متّفقٌ عليه، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا, ونعم الوكيل. ٣٧٢٢ - (أَخْبَرَنَا الْهَيْثَمُ بْنُ مَرْوَانَ بْنِ الْهَيْثَمِ بْنِ عِمْرَانَ, قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ -وَهُوَ ابْنُ بَكَّارِ بْنِ بِلَالٍ- قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى, عَنِ الأَوْزَاعِيِّ, أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ حَدَّثَهُ, عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ, أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «مَثَلُ الَّذِي يَرْجِعُ فِي صَدَقَتِهِ, كَمَثَلِ الْكَلْبِ يَقِيءُ, ثُمَّ يَعُودُ فِي قَيْئِهِ» , قَالَ الأَوْزَاعِيُّ: سَمِعْتُهُ يُحَدِّثُ عَطَاءَ بْنَ أَبِي رَبَاحٍ بِهَذَا الْحَدِيثِ). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "الهيثم بن مروان بن الهيثم بن عمران" بن عبد اللَّه بن جَرْوَل العنسي -بمهملتين، بينهما نون ساكنة- أبو الحكم الدمشقيّ, مقبول [١١]. روى عنه النسائيّ، وأبو داود في غير "السنن"، وجماعة. قال النسائيّ: لا بأس به. تفرّد به المصنّف، وله عنه ثلاثة أحاديث: هذا، وحديث عمارة بن ثابت -٨١/ ٤٦٧٣ - : "فجعل رسول اللَّه ﷺ شهادة خزيمة شهادة رجلين"، وحديث عمرو بن حزم ٤٦/ ٤٨٨١ - : "كتب إلى أهل اليمن بكتاب فيه الفرائض والسنن". و"محمد بن بكّار بن بلال" العامليّ، أبو عبد اللَّه الدمشقيّ القاضي، صدوق [٩].

стр. 15084

ذكره أبو زرعة الدمشقيّ في أهل الفتوى بدمشق، وقد شهد جنازته منصرفه من الحجّ سنة (٢١٦). وقال ابن أبي حاتم: كتب عنه أبي سنة (٢١٥) وسئل عنه، فقال: صدوق. وذكره ابن حبّان في "الثقات"، وقال: مات سنة (٢١٦) وكذا قال ابنه، وزاد: كان مولده سنة (١٤٢). روى له المصنّف، وأبو داود، والترمذيّ، وله عند المصنّف في هذا الكتاب أربعة أحاديث: الثلاثة المذكورة آنفًا في ترجمة الهيثم، والرابع حديث ابن عبّاس ﵄ ١/ ٣٧٥٢ - : "إن العمرى جائزة". والحديث متّفقٌ عليه، كما سبق القول فيه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٧٢٣ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى, قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ, قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ, عَنْ قَتَادَةَ, عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ, عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ, عَنِ النَّبِيِّ ﷺ , قَالَ: «الْعَائِدُ فِي هِبَتِهِ, كَالْعَائِدِ فِي قَيْئِهِ»). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح. و"عبد الرحمن": هو ابن مهديّ. والحديث متّفقٌ عليه، كما سبق بيانه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٧٢٤ - (أَخْبَرَنَا أَبُو الأَشْعَثِ, قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ, قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ, عَنْ قَتَادَةَ, عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ, عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ, قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «الْعَائِدُ فِي هِبَتِهِ, كَالْعَائِدِ فِي قَيْئِهِ»). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح. و"أبو الأشعث": هو أحمد بن المِقدَام العجليّ البصريّ، صدوق [١٠] ١٣٨/ ٣١٩. و"خالد": هو ابن الحارث الْهُجَيميّ البصريّ. وقوله: "عن شعبة" هكذا نسخ "المجتبى"، والذي في "الكبرى" "عن سعيد"، وفي "تحفة الأشراف" ٤/ ٤٦٣ - : ما نصّه: "عن خالد بن الحارث، عن سعيد، وفي نسخة عن شعبة. انتهى. والظاهر أن النسختين صحيحتان، فالحديث مرويّ عن كليهما, ولذا أخرجه مسلم في "صحيحه" بالطريقين. وسعيد وابن أبي عروبة. واللَّه تعالى أعلم. والحديث متّفقٌ عليه، كما سبق بيانه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٧٢٥ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ, قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ -وَهُوَ سُلَيْمَانُ بْنُ حَيَّانَ- عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ, عَنْ أَيُّوبَ, عَنْ عِكْرِمَةَ, عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ, قَالَ: قَالَ: رَسُولُ اللهِ ﷺ : «لَيْسَ لَنَا مَثَلُ السَّوْءِ, الْعَائِدُ فِي هِبَتِهِ, كَالْعَائِدِ فِي قَيْئِهِ»).

стр. 15085

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح. و"أبو خالد": هو الأحمر، سليمان بن حيان. و"أيوب": هو السختيانيّ. وقوله: "ليس لنا مثل السوء" بفتح السين المهملة: أي لا ينبغي لنا معشر المؤمنين أن نتصف بصفة ذميمة يشابهنا فيها أخسّ الحيوانات في أخسّ أحوالها، قال اللَّه تعالى: ﴿لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ [النحل: ٦٠]، ولعلّ هذا أبلغ في الزجر عن ذلك، وأدلّ على التحريم مما قال مثلاً: لا تعودوا في الهبة، وإلى القول بتحريم الرجوع في الهبة بعد أن تُقبض ذهب جمهور العلماء، إلا هبة الوالد لولده، جمعًا بين هذا الحديث، وحديث النعمان الماضي. وقال الطحاويّ: وقوله: "لا يحلّ" لا يستلزم التحريم، وهو كقوله: "لا تحلّ الصدقة لغنيّ"، وإنما معناه لا تحلّ له من حيث تحلّ لغيره من ذوي الحاجة، وأراد بذلك التغليظ في الكراهة. قال: وقوله: "كالعائد في قيئه"، وإن اقتضى التحريم؛ لكون القيء حرامًا، لكن الزيادة في الرواية الأخرى، وهي قوله: "كالكلب" تدلّ على عدم التحريم؛ لأن الكلب غير متعبّد، فالقيء ليس حرامًا عليه، والمراد التنزيه عن فعل يشبه فعل الكلب. وتُعُقّب باستبعاد ما تأوّله، ومنافرة سياق الأحاديث له، وبأن عرف الشرع في مثل هذه الأشياء المبالغة في الزجر، كقوله: "من لعب بالنردشير، فكأنما غمس يده في لحم خنزير". قاله في "الفتح" (١). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الحاصل أن تأويل الطحاويّ بما سبق، مناصرة لمذهبه من التعسّفات التي لا يقبلها المنصف، فالحقُّ ما عليه الجمهور من تحريم الرجوع في الهبة إلا الوالد لولده؛ لوضوح أدلّته، فتبصّر بالإنصاف، ولا تَتَهَوَّر بالاعتساف. والحديث أخرجه البخاريّ. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٧٢٦ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ زُرَارَةَ, قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ, عَنْ أَيُّوبَ, عَنْ عِكْرِمَةَ, عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ, قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «لَيْسَ لَنَا مَثَلُ السَّوْءِ, الْعَائِدُ فِي هِبَتِهِ, كَالْكَلْبِ يَعُودُ فِي قَيْئِهِ»). قَالَ: الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وهو مسلسلٌ بالبصريين، إلا شيخه، فنيسابوريّ. و"إسماعيل": وابن عليّة. والحديث أخرجه البخاريّ، كما سبق القول فيه في الذي قبله. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.

стр. 15086

٣٧١٥ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ بْنِ نُعَيْمٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا حِبَّانُ, قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ اللَّهِ, عَنْ خَالِدٍ, عَنْ عِكْرِمَةَ, عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ, قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «لَيْسَ لَنَا مَثَلُ السَّوْءِ, الرَّاجِعُ فِي هِبَتِهِ, كَالْكَلْبِ فِي قَيْئِهِ»). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "حِبان": وابن موسى. و"عبد اللَّه": هو ابن المبارك". و"خالد": هو ابن مهران الحذاء البصريّ. والحديث تفرّد به المصنّف بهذا السند، وإلا فقد أخرجه البخاريّ، كما سبق بيانه قبل حديث. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعتُ، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكّلتُ، وإليه أنيب". … ٤ - (ذِكْرُ الاخْتِلَافِ عَلَى طَاوُسٍ فِي الرَّاجِعِ فِي هِبَتِهِ) قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -. وجه الاختلاف المذكور أن عبد اللَّه بن طاوس رواه عن أبيه، عن ابن عبّاس - رضي اللَّه تعالى عنهما -، موصولاً، وتابعه أبو الزبير، وعمرو بن شُعيب، وخالفهم الحسن بن مسلم، فرواه عن طاوس، أن رسول اللَّه ﷺ ، مرسلاً، ورواه حنظلة بن أبي سفيان، عن طاوس، عن بعض من أدرك النبيّ ﷺ ، فأبهمه. لكن هذا الاختلاف لا يضرّ بصحة الحديث، فالحكم لمن وصل، ولذلك أخرج الحديث الشيخان في "صحيحيهما". واللَّه تعالى أعلم بالصواب. ٣٧٢٨ - (أَخْبَرَنِي زَكَرِيَّا بْنُ يَحْيَى, قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ, قَالَ: حَدَّثَنَا الْمَخْزُومِيُّ, قَالَ: حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ (١) , قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ طَاوُسٍ, عَنْ أَبِيهِ, عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ, أَنَّ (٢) رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «الْعَائِدُ فِي هِبَتِهِ, كَالْكَلْبِ يَقِيءُ, ثُمَّ يَعُودُ فِي قَيْئِهِ»). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الَإسناد رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه من أفراده، وهو أبو عبد الرحمن السجزيّ، نزيل دمشق المعروف بخيّاط السنّة، ثقة حافظ [١٢] ١٨٩/ ١١٦١. و"إسحاقُ": وابن راهويه. و"المخزوميّ": هو المغيرة

стр. 15087

ابن سلمة أبو هشام البصريّ الثقة الثبت، من صغار [٩] ٢٨/ ٨١٥. والحديث متّفقٌ عليه، كما سبق بيانه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٧٢٩ - (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَرْبٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ, عَنْ حَجَّاجٍ, عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ, عَنْ طَاوُسٍ, عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ, قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «الْعَائِدُ فِي هِبَتِهِ, كَالْعَائِدِ فِي قَيْئِهِ»). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "أحمد بن حرب": هو الطائيّ الموصليّ، صدوقٌ [١٠] ١٠٢/ ١٣٥ من أفراد المصنّف. و "أبو معاوية": هو محمد بن خازم الضرير الكوفيّ. و"حجاج": وابن أرطاة النخعيّ، أبو أرطاة الكوفيّ، القاضي، أحد الفقهاء، صدوق، كثير الخطأ، والتدليس [٧] ١٣/ ٢١٢٧. و"أبو الزبير": هو محمد بن مسلم بن تَدرُس المكيّ، صدوق، يدلّس [٤] ٣١/ ٣٥. والحديث بهذا الطريق من أفراد المصنّف، وهو صحيح بما تقدّم. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٧٣٠ - (أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَلاَّمٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ الأَزْرَقُ, قَالَ: حَدَّثَنَا بِهِ حُسَيْنٌ الْمُعَلِّمُ, عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ, عَنْ طَاوُسٍ, عَنِ ابْنِ عُمَرَ, وَابْنِ عَبَّاسٍ, قَالَا: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «لَا يَحِلُّ لأَحَدٍ, أَنْ يُعْطِىَ الْعَطِيَّةَ, فَيَرْجِعَ فِيهَا, إِلاَّ الْوَالِدَ فِيمَا يُعْطِي وَلَدَهُ, وَمَثَلُ الَّذِي يُعْطِي الْعَطِيَّةَ, فَيَرْجِعُ فِيهَا, كَالْكَلْبِ, يَأْكُلُ حَتَّى إِذَا شَبِعَ قَاءَ, ثُمَّ عَادَ, فَرَجَعَ (١) فِي قَيْئِهِ»). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَلاَّمٍ": هو البغداديّ، ثم الطرسوسيّ، أبو القاسم، مولى بني هاشم، لا بأس به [١١] ١٧٢/ ١٤١ امن أفراد المصنّف، وأبي داود، و"إسحاق الأزرق": وابن يوسف الواسطي، ثقة [٩]. و"حسين المُعَلِّمُ": وابن ذكوان البصريّ، ثقة ربما وهم [٦]. والحديث صحيحٌ، وقد سبق قبل باب -٢/ ٣٧١٧ - فراجعه تستفد. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا, ونعم الوكيل. ٣٧٣١ - (أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ مُحَمَّدٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا مَخْلَدٌ, قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ, عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مُسْلِمٍ, عَنْ طَاوُسٍ, أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ , قَالَ: «لَا يَحِلُّ لأَحَدٍ, يَهَبُ هِبَةً, ثُمَّ يَعُودُ فِيهَا, إِلاَّ الْوَالِدَ»).

стр. 15088

قَالَ طَاوُسٌ: كُنْتُ أَسْمَعُ الصِّبْيَانَ, يَقُولُونَ: يَا عَائِدًا فِي قَيْئِهِ, وَلَمْ أَشْعُرْ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ , ضَرَبَ ذَلِكَ مَثَلاً, حَتَّى بَلَغَنَا أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: «مَثَلُ الَّذِي يَهَبُ الْهِبَةَ, ثُمَّ يَعُودُ فِيهَا -وَذَكَرَ كَلِمَةً, مَعْنَاهَا- كَمَثَلِ الْكَلْبِ يَأْكُلُ قَيْئَهُ»). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "عبد الحميد بن محمد" بن الْمُستام، أبوعمر الحرّانيّ، إمام مسجدها، ثقة [١١] ٢٢/ ٩٣٢ من أفراد المصنّف. و"مخلد": وابن يزيد القرشيّ الحرّانيّ، صدوق له أوهام، من كبار [٩] ١٤١/ ٢٢٢. والحديث مرسل بهذا السند، وقد تقدّم تمام البحث فيه قبل باب في ٢/ ٣٧١٩. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٧٣٢ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ بْنِ نُعَيْمٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا حِبَّانُ, أَنْبَأَنَا عَبْدُ اللَّهِ, عَنْ حَنْظَلَةَ, أَنَّهُ سَمِعَ طَاوُسًا, يَقُولُ: (أَخْبَرَنَا بَعْضُ مَنْ أَدْرَكَ النَّبِيَّ ﷺ , أَنَّهُ قَالَ: «مَثَلُ الَّذِي يَهَبُ (١) , فَيَرْجِعُ فِي هِبَتِهِ, كَمَثَلِ الْكَلْبِ, يَأْكُلُ فَيَقِيءُ, ثُمَّ يَأْكُلُ قَيْئَهُ») (٢). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "حنظلة": وابن أبي سفيان الْجُمَحيّ المكيّ، ثقة حجة [٦] ١٢/ ١٢. وقوله: "بعض من أدرك النبيّ ﷺ ، يحتمل أن يكون هو ابن عبّاس ﵄. والحديث بهذا السياق من أفراد المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو صحيح، كما سبق بيانه قريبًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعتُ، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكّلتُ، وإليه أنيب". … ٣٢ - (كِتَابُ الرُّقْبَى) قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: (الرُّقْبَى) -بضم الراء، وسكون القاف، بعدها باء موحّدة، مقصورًا، على وزن حُبْلَى-: اسم من الإرقاب، يقال: أرقبت زيدًا الدار إرقابًا: إذا قلت له: هذه الدار لك، فإن من قبلك، فهي لك، وإن متَّ قبلي عادت إليّ، فهي من المراقبة؛ لأن كلّ واحد منهما يرقُب موت صاحبه؛ لتبقى له الدار. قال ابن منظور: الرُّقْبَى أن يُعطي الإنسان لإنسان دارًا، أو أرضًا، فأيّهما مات، رجع

стр. 15089

ذلك المال إلى ورثته، وهي من المراقبة، سمّيت بذلك؛ لأن كلّ واحد منهما يُراقب موت صاحبه. وقيل: الرُّقْبَى أن تجعل المنزل لفلان يَسكُنُه، فإن مات سكنه فلانٌ، فكلّ واحد منهما يَرقُب موت صاحبه، وقد أرقبه الرُّقْبَى. وقال اللحيانيّ: أرقبه الدار: جعلها له رُقْبَى، ولعقبه بعده بمنزلة الوقف. وفي "الصحاح": أرقبته دارًا، أو أرضًا: إذا أعطيته إياها، فكانت للباقي منكما، وقلت: إن متّ قبلك، فهي لك، وإن متَّ قبلي فهي لي، والاسم الرُّقْبَى. وفي حديث النبيّ ﷺ في العُمْرَى، والرقبَى أنها لمن أُعْمِرَها, ولمن أرقبها, ولورثتهما من بعدهما، قال أبو عُبيد: حدّثني ابن عُليّة، عن حجاج، أنه سأل أبا الزبير، عن الرقبَى، فقال: هو أن يقول الرجل للرجل، وقد وهب له دارًا: إن متَّ قبلي رجعت إليّ، وإن متّ قبلك فهي لك. قال أبو عبيد: وأصل الرُّقْبَى من المراقبة، كأنّ كلّ واحد منهما إنما يرقُبُ موت صاحبه، ألا ترى أنه يقول: إن متَّ قبلي رجعت إليّ، وإن متُّ قبلك فهي لك، فهذا ينبئك عن المراقبة، قال: والذي كانوا يُريدون من هذا أن يكون الرجل يريد أن يتفضّل على صاحبه بالشيء، فيستمتع به ما دام حيًّا، فإذا مات الموهوب له لم يصل إلى ورثته منه شيء، فجاءت سنّة النبيّ ﷺ بنقض ذلك أنه من مَلَكَ شيئًا حياتَهُ، فهو لورثته من بعده. قال: وهي أصلٌ لكلّ من وهب هبةْ، واشترط فيها شرطًا أن الهبة جائزة، وأن الشرط باطلٌ. ويقال: أرقبت فلانًا دارًا، وأعمرته دارًا: إذا أعطيته إياها بهذا الشرط، فهو مُرْقَبٌ، وأنا مُرْقِبٌ. انتهى كلام ابن منظور بتصرّف (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب. ١ - (ذِكْرُ الاخْتِلَافِ عَلَى ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ فِي خَبَرِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ﵁ فِيهِ) قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: وجه الاختلاف المذكور أن عبيد اللَّه بن عمرو رواه، عن سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن طاوس، عن زيد بن ثابت ﵁. وخالفه محمد ابن يوسف الفريابيّ، فرواه عن سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن طاوس، عن رجل، عن زيد ﷺ . وخالفهما عبد الجبّار بن العلاء، فرواه عن سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن طاوس، قال: لعله عن ابن عبّاس ﵄، فشكّ فيه، وجعله موقوفًا أيضًا.

стр. 15090

والحاصل أن حديث زيد بن ثابت ﵁ مضطرب، غير أن متن الحديث ثابت عن جابر، وأبي هريرة، وغيرهم - رضي اللَّه تعالى عنهم -،، كما سيأتي بيانه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب. ٣٧٣٣ - (أَخْبَرَنَا هِلَالُ بْنُ الْعَلَاءِ, قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي, قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ -وَهُوَ ابْنُ عَمْرٍو- عَنْ سُفْيَانَ, عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ, عَنْ طَاوُسٍ, عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ, عَنِ النَّبِيِّ ﷺ , قَالَ: «الرُّقْبَى جَائِزَةٌ»). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (هلال بن العلاء) الباهليّ مولاهم، أبو عمرو الرّقّيّ، صدوق [١١] ١٠/ ١١٩٩ من أفراد المصنّف. ٢ - (أبوه) العلاء بن هلال بن عمرو بن هلال الباهليّ، أبو محمد الرّقّيّ، فيه لينٌ [٩] ١٩٠/ ١١٦٧ من أفراد المصنّف أيضًا. ٣ - (عبيد اللَّه بن عمرو) أبو وهب الأسديّ الرّقّيّ، ثقة فقيه، ربّما وهم [٨] ١٧٧/ ٢٨٠. ٤ - (سفيان) بن سعيد الثوريّ الكوفيّ الإمام الحجة الثبت [٧] ٣٣/ ٣٧. ٥ - (ابن أبي نَجيح) هو عبد اللَّه بن بن أبي نَجيج يسار الثقفيّ مولاهم، أبو يسار المكيّ، ثقة رمي بالقدر، وربما دلّس [٦] ١١٢/ ١٥٥. ٦ - (طاوس) بن كيسان المذكور في قريبًا. ٧ - (زيد بن ثابت) بن الضحاك الأنصاريّ النجّاريّ، أبو سعيد، وأبو خارجة الصحابيّ الشهير، كاتب الوحي، قال مسروق: كان من الراسخين في العلم، مات ﵁ سنة خمس، أو ثمان وأربعين، وقيل: بعد الخمسين، تقدّمت ترجمته في ١٢٢/ ١٧٩. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سباعيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، وشيخ شيخه، فإنهما من أفراده. (ومنها): أنه مسلسل بالرقّيين إلى عمرو، وسفيان كوفيّ، وابن أبي نجيح مكى، وطاوس يماني، وزيد - رضي اللَّه تعالى عنه - مدنيّ. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ) - رضي اللَّه تعالى عنه - (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ) أنه (قَالَ: "الرُّقْبَى) -بضمّ، فسكون، مقصورًا، قال ابن الأثير: هو أن يقول الرجل للرجل: قد وهبت لك هذه
следующие страницы →