← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 12888

ذخيرة العقبى في شرح المجتبى

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (19 271 стр.). Показаны 15121–15160 · переход к 15126.

стр. 15121

الْمُعَلِّمُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، أَنَّ أَبَاهُ، حَدَّثَهُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ح وأَخْبَرَنَا حُمَيْدُ بْنُ مَسْعَدَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا حُسَيْنٌ الْمُعَلِّمُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: لَمَّا فَتَحَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مَكَّةَ, قَامَ خَطِيبًا, فَقَالَ فِي خُطْبَتِهِ: "لَا يَجُوزُ لِامْرَأَةٍ عَطِيَّةٌ إِلَّا بِإِذْنِ زَوْجِهَا"). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "خالد": وابن الحارث الْهُجَيميّ. والحديث صحيح، سبق القول فيه في الذي قبله. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٧٨٥ - (أَخْبَرَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ هَانِئٍ، عَنْ أَبِي حُذَيْفَةَ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ بَشِيرٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَلْقَمَةَ الثَّقَفِّيِّ، قَالَ: قَدِمَ وَفْدُ ثَقِيفٍ, عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ , وَمَعَهُمْ هَدِيَّةٌ، فَقَالَ: "أَهَدِيَّةٌ, أَمْ صَدَقَةٌ؟ , فَإِنْ كَانَتْ هَدِيَّةٌ, فَإِنَّمَا يُبْتَغَى بِهَا وَجْهُ رَسُولِ اللهِ ﷺ , وَقَضَاءُ الْحَاجَةِ، وَإِنْ كَانَتْ صَدَقَةٌ, فَإِنَّمَا يُبْتَغَى بِهَا وَجْهُ اللَّهِ "، قَالُوا: لَا, بَلْ هَدِيَّةٌ، فَقَبِلَهَا مِنْهُمْ, وَقَعَدَ مَعَهُمْ يُسَائِلُهُمْ, وَيُسَائِلُونَهُ, حَتَّى صَلَّى الظُّهْرَ مَعَ الْعَصْرِ). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: مناسبة هذا الحديث، والذي بعده للترجمة غير ظاهرة، فليُتأمّل. رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (هنّاد بن السريّ) التيميّ، أبو السريّ الكوفيّ، ثقة [١٠] ٢٣/ ٢٥. ٢ - (أبو بكر بن عيّاش) الأسديّ الكوفيّ المقرئ، مشهور بكنيته، والأصحّ أنها اسمه، وقيل: اسمه محمد، أو عبد اللَّه، أو سالم، أو شعبة، أو غير ذلك، ثقة عابد، إلا أنه لما كبر ساء حفظه، وكتابه صحيح [٧] ٩٨/ ١٢٧. ٣ - (يحيى بن هانئ) بن عروة المراديّ، أبو داود الكوفيّ، ثقة [٥] ٣٣/ ٨٢١. [تنبيه]: وقع في بعض النسخ: "عن يحيى بن أبي هانئ" وهو غلط، فتنبّه. ٤ - (أبو حُذيفة) غير منسوب، يقال: أسمه عبد اللَّه بن محمد الكوفيّ، روى عن عبد الملك بن محمد بن بشير، وعنه يحيى بن هانئ، مجهول [٦] تفرّد به المصنّف بهذا الحديث فقط. ٥ - (عبد الملك بن محمد بن بَشِير) الكوفيّ، مجهول [٦]. روى عن عبد الرحمن بن علقمة الثقفيّ في قدوم وقد ثَقيف. وعنه أبو حُذيفة الْهُذليّ. قال البخاريّ: لم يتبيّن سماع بعضهم من بعض. روى له المصنّف هذا الحديث الواحد، وقد اختُلف فيه. ضبط ابن ماكولا بشيرًا جدّ عبد الملك بالنون،

стр. 15122

والسين المهملة. وقال ابن عديّ: ليس له إلا الشيء اليسير. [تنبيه]: وقع في نسخ "المجتبى" كلها، و"الكبرى" اسم جدّ عبد الملك "بشير، بموحّدة، وستين معجمة، مكبّرًا، وهو الذي في "تهذيب الكمال" ١٨/ ٣٩٩ و"تهذيب التهذيب" ٢/ ٦٢٣ - وضبطه الحافظ في "التقريب" بالنون، والسين المهملة، مصغّرًا، واعتمد في ذلك على ضبط ابن ماكولا، فقد ضبطه هكذا في "الإكمال" فراجعه في جـ١ ص ٣٠٢. واللَّه تعالى أعلم. ٦ - (عبد الرحمن بن علقمة الثقفيّ) ويقال: ابن أبي علقمة، مختلفٌ في صحبته. روى عن النبيّ ﷺ هذا الحديث. وقيل: عن عبد الرحمن بن أبي عقيل الثقفيّ، وروى أيضًا عن عبد اللَّه بن مسعود. وعنه أبو صخر جامع بن شدّاد المحاربيّ، وعبد الملك بن محمد بن بشير الكوفيّ، وعون بن أبي جحيفة. قال ابن أبي حاتم، عن أبيه: ليست له صحبة. وقال ابن حبّان: يقال: له صحبة. وقال الدارقطنيّ: لا تصحّ له صحبة، ولا نعرفه. تفرّد به المصنّف، وأبو داود، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَلْقَمَةَ الثَّقَفِّيِّ) أنه (قَالَ: قَدِمَ) بكسر الدال المهملة (وَفْدُ ثَقِيفٍ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَمَعَهُمْ هَدِيَّةٌ) جملة في محلّ نصب على الحال (فَقَالَ) ﷺ (أَهَدِيَّةٌ، أَمْ صَدَقَةٌ؟) وإنما سألهم عن ذلك ليأكل إن قيل: هديّة، ويترك للصحابة إن قيل. صدقة؛ لأنه لا يأكل الصدقة، وقد تقدّم في "كتاب الزكاة" برقم ٢٦١٣ - من طريق بهز ابن حكيم، عن أبيه، عن جده، قال: كان النبي ﷺ ، إذا أُتي بشيء، سأل عنه، أهدية أم صدقة؟، فإن قيل: صدقة لم يأكل، وإن قيل هدية بسط يده. (فَإِنْ كَانَتْ هَدِيَّة) بالنصب على أنه خبر "كان"، واسمها ضمير يعود إلى المدفوعة، أي إن كانت المدفوعة إليه ﷺ هدية (فَإِنَّمَا يُبْتَغَى) بالبناء للمفعول: أي يطلب (بِهَا وَجْهُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَقَضَاءُ الْحَاجَةِ، وَإِنْ كَانَتْ صَدَقَة) بالنصب على الخبرية، وإعرابه كإعراب سابقه، (فَإِنَّمَا يُبْتَغَى بِهَا وَجْهُ اللَّهِ ) فيه بيان الفرق بين الهديّة والصدقة، وأن الهديّة ما يُقصد به التقرّب إلى المهدَى إليه، والصدقة ما يُقصَد به التقرّب إلى اللَّه (قَالُوا: لَا) أي ليس صدقة (بَلْ) هو (هَدِيَّةٌ، فَقَبِلَهَا مِنْهُمْ, وَقَعَدَ مَعَهُمْ يُسَائِلُهُمْ, وَيُسَائِلُونَهُ) وفي نسخة: "يسألهم، ويسألونه"، وفي أخرى: "يسائلهم، ويسألونه". يعني أنهم ﷺ جلس مع هؤلاء الثقفيين يسالهم عن قومهم، وأوضاع بلدهم، ويسألونه عن أمور دينهم. واللَّه تعالى أعلم (حَتَّى صَلَّى الظُّهْرَ مَعَ الْعَصْرِ) قال السنديّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: ظاهره أنه جمع بينهما وقتًا، ويلزم منه الجمع بلا سفر، وذلك لأن قدوم الوفد

стр. 15123

كان بالمدينة، لا في محلّ السفر، والجمع بلا سفر، لا يجوز عند القائلين به، إلا ببعض الأعذار، وهي غير ظاهرة ههنا، سيّما لتمام الجماعة الحاضرة، فلا بدّ من الحمل على الجمع فعلاً، بأن أخّر الأولى، فصلّاها في آخر وقتها، وقدّم الثانية، فصلّاها في أول وقتها، أو الجمع مكانًا، بمعنى أنه قعد في ذلك المكان، حتى فرغ من الصلاتين، فصلّى الظهر في وقتها، ثم قعد يتحدّث معهم حتى صلّى العصر في ذلك المكان. واللَّه تعالى أعلم. انتهى. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: لا مانع من حمله على ظاهره، فقد صحّ جمعه ﷺ بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء في المدينة، في غير خوف ولا مرض، قد صحّ من حديث ابن عبّاس ﵄، وهو حديث متّفقٌ عليه، وقد تقدّم في "كتاب الصلاة" برقم -٥٨٩ - وفي رواية مسلم: قيل ابن عبّاس ﵄: لم فعل ذلك؟، قال: كي لا يُحرج أمته، وفي رواية: أراد أن لا يُحرج أمته، فدلّ على أنه ﷺ كان يجمع بين تلك الصلوات أحيانًا، بيانًا للجواز، فحمل ما في هذه القصّة إن صحّت على هذا الظاهر لا يبعُد لكنها لا تصح، فتنبّه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. والحديث من أفراد المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، أخرجه هنا-٥/ ٣٧٨٥ - وفي "الكبرى" في ٥/ ٦٥٩٣ - وهو حديث ضعيف؛ للجهالة في رواته، كما تقدّم في تراجمهم. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٧٨٦ - (أَخْبَرَنَا أَبُو عَاصِمٍ خُشَيْشُ بْنُ أَصْرَمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَنْبَأَنَا مَعْمَرٌ, عَنْ ابْنِ عَجْلَانَ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ لَا أَقْبَلَ هَدِيَّةً, إِلَّا مِنْ قُرَشِيٍّ, أَوْ أَنْصَارِيٍّ, أَوْ ثَقَفِيٍّ, أَوْ دَوْسِيٍّ"). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: تقدّم في الحديث الماضي أن مناسة الباب للحديث غير ظاهرة، فليُتأمّل. ورجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (أبو عاصم، خُشيش بن أصرم) النسائيّ، ثقة حافظ [١١] ٤٤/ ٥٩٠. ٢ - (عبد الرزّاق) بن همّام الصنعانيّ، ثقة حافظ مصنف شهير، عمي في آخره، فتغير، وكان يتشيّع [٩] ٧٧/ ٦١. ٣ - (معمر) بن راشد، أبوعروة الصنعاني، ثقة ثبت [٧] ١٠/ ١٠. ٤ - (ابن عجلان) محمد المدني، صدوق، إلا أنه اختلطت عليه أحاديث أبي هريرة [٥] ٣٦/ ٤٠. ٥ - (سعيد) بن أبي سعيد كيسان المقبريّ، أبو سَعْد المدني، ثقة، تغيّر قبل موته

стр. 15124

بأربع سنين [٣] ٩٥/ ١١٧. ٦ - (أبو هريرة) - رضي اللَّه تعالى عنه - ١/ ١. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله عندهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخه، فنسائيّ، وعبد الرزاق، ومعمر، فصنعانيان. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ، وفيه أبو هريرة ﷺ من المكثرين السبعة. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ) وفي نسخة: "أن نبيّ اللَّه" ( ﷺ ، قَالَ: "لَقَدْ هَمَمْتُ" من باب قتل، يقال: همَمتُ بالشيء هَمًا: إذا أردته، ولم تفعله. قاله الفيّوميّ. وفي رواية أبي داود من طريق محمد بن إسْحَاقَ، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "وايم اللَّه، لا أقبل بعد يومي هذا، من أحد هدية، إلا أن يكون مهاجرا قرشيا، أو أنصاريا، أو دوسيا، أو ثقفيا". وقد بين سَبَبَ قوله ﷺ هذا، في رواية الترمذيّ، من طريق ابن إسحاق، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: أهدى رجل من بني فزارة، إلى النبي ﷺ ناقة من إبله، التي كانوا أصابوا بالغابة، فعوّضه منها بعض العوض، فتسخطه، فسمعت رسول اللَّه ﷺ على هذا المنبر، يقول: "إن رجالا من العرب، يُهدِي أحدهم الهديّة، فأُعوِّضه منها بقدر ما عندي، ثم يتسخطه، فيظل يتسخط عليّ، وايم اللَّه، لا أقبل بعد مقامي هذا، من رجل من العرب هدية، إلا من قرشي، أو أنصاري، أو ثقفي، أو دوسي". قال أبو عيسى هذا حديث حسن. وفي رواية أيوب بن مسكين، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة، أن أعرابيا أهدى لرسول اللَّه ﷺ بَكْرَةً، فعوّضه منها ست بكرات، فتسخطه، فبلغ ذلك النبيّ ﷺ ، فحمد اللَّه، وأثنى عليه، ثم قال: "إن فلانا أهدى إلى ناقة، فعوضته منها ست بكرات، فظل ساخطا, ولقد هممت أن لا أقبل هدية، إلا من قرشي، أو أنصاري، أو ثقفي، أو دوسي". (أَنْ لَا أَقْبَلَ هَدِيَّةً إِلَّا مِنْ قُرَشِيٍّ أَوْ أَنْصَارِيٍّ أَوْ ثَقَفِيٍّ أَوْ دَوْسِيٍّ) أي إلا ممن لا يطمع في ثوابها بهذا القدر، وقوله: (إلا من قرشيّ، أو أنصاريّ الخ" كلمة "أو" فيه للتعميم، فلا يُفيد منع الجمع بين القبول لهدايا من استثنى، ولا يلزم أن لا يقبل إلا

стр. 15125

هدية واحد من هؤلاء، فإذا قبِل هديّة واحد فليس له أن يقبل هديّة الآخر، ومثله قوله : ﴿إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ﴾ [الأنعام: ١٤٦]. وقد ذكر السيوطيّ في "شرحه" نقلًا عن الأندلسيّ في "شرح المفصّل"، قال: سئل المزنيّ عن رجل حلف لا يكلّم أحدًا إلا كوفيًا، أو بصريًا، فكلّم كوفيًا وبصريًا؟، فقال: ما أراه إلا حانثًا، فأُنهي ذلك إلى بعض أصحاب أبي حنيفة المقيمين بمصر، فقال: أخطأ المزنيّ، وخالف الكتاب والسنّة، أما الكتاب، فقوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ﴾ إلى قوله: ﴿إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ﴾ [الأنعام: ١٤٦]، وأما السنّة فقوله ﷺ : "لقد هممت أن لا أقبل هديّةً إلا من قرشيّ، أو ثقفيّ"، فالمفهوم أن القرشيّ والثقفيّ كانا مستثنيين، فذُكر أن المزنيّ لَمّا سمع بذلك رجع إلى قوله. انتهى (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث أبي هريرة - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا صحيح. أفإن قلت،: كيف يصحّ، وفيه ابن عجلان، وقد سبق آنفًا أنه اختلطت عليه أحاديث أبي هريرة ﵁؟. [قلت]: إنما صح لشواهده، فمنها ما تقدّم قريبًا من رواية أبي داود، والترمذيّ من طريق ابن إسحاق، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبي هريرة ﵁، وابن إسحاق مدلس، وقد عنعنه، وما أخرجه الترمذيّ أيضًا من طريق أيوب بن مسكين، عن سعيد المقبريّ، عن أبي هريرة ﵁، وأيوب -كما في "التقريب" -صدوق، له أوهام، وما أخرجه أحمد ٢/ ٢٩٢ من طريق أبي معشر، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبي هريرة ﵁، وأبو معشر اسمه نجيح بن عبد الرحمن، وهو ضعيف. وهذه الطرق، وإن كان فيها مقال، إلا أن مجموعها يصلح لتقوية رواية ابن عجلان. وله أيضًا شاهد من حديث ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما - عند ابن حبان (١١٤٥) والضياء المقدسي ٦٢/ ٢٨١، وسنده صحيح، كما قال الشيخ الألبانيّ -رحمه اللَّه تعالى- (٢).

стр. 15126

والحاصل أن حديث الباب صحيح؛ لما ذُكر، فتنبّه. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثانية): في مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٥/ ٣٧٨٦ - وفي "الكبرى" ٥/ ٦٥٩٤. وأخرجه (د) في "البيوع" ٣٥٣٧ (ت) في "المناقب" ٣٩٤٥ و ٣٩٤٦. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): مشروعيّة قبول الهديّة، وقد ورد النهي عن ردّها، فقد أخرج أحمد في "مسنده" - ١/ ٤٠٤ - ٤٠٥، والبخاريّ في "الأدب المفرد" رقم-١٥٧ - بسند صحيح، عن عبد اللَّه بن مسعود ﵁، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "أجيبوا الداعي، ولا تردّوا الهديّة، ولا تضربوا المسلمين" (١). (ومنها): مشروعيّة مكافأة المهدي، وقد ورد الأمر بذلك، فقد أخرج أحمد-٥٣٤٢ بإسناد صحيح، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ ، قال: من استعاذ باللَّه فأعيذوه، ومن سألكم باللَّه فأعطوه، ومن دعاكم فأجيبوه، ومن أتى إليكم معروفا فكافئوه، فإن لم تجدوا ما تكافئوه، فادعوا له، حتى تعلموا أن قد كافأتموه". (ومنها): أنه يستحبّ عدم قبول الهديّة، إذا كان المهدي طامعًا في العوض، ولا يُرضيه ما يعطيه المهدي إليه، لقوله ﷺ : "لقد هممت أن لا أقبل الهديّة إلا من قرشيّ الخ"، فإنه يدلّ على أن شرط قبول الهديّة أن يكون صاحبها قانعًا بما يُعطى. (ومنها): جواز الإهداء بقصد أخذ العوض، وأنه لا ينقص به فضل الإهداء، بخلاف الصدقة، فإنه لا يؤخذ عليها عوض. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٧٨٧ - (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أُتِيَ بِلَحْمٍ, فَقَالَ: "مَا هَذَا؟ ", فَقِيلَ: تُصُدِّقَ بِهِ عَلَى بَرِيرَةَ، فَقَالَ: "هُوَ لَهَا صَدَقَةٌ وَلَنَا هَدِيَّةٌ") (٢). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا غير مرّة. و"إسحاق بن إبراهيم": هو الحنظليّ المعروف بابن راهويه. والحديث متّفقٌ عليه، وقد تقدّم في "كتاب الزكاة" -٩٩/ ٢٦١٤ - "إذا تحوّلت الصدقة"، وقد استوفيتُ شرحه، وبيان مسائله هناك، وللَّه الحمد والمنّة، فراجعه تستفد، وباللَّه تعالى التوفيق.

стр. 15127

واستدلال المصنّف به على الترجمة من حيث إنه ﷺ قبل هديّة بريرة ﵂، مع أنه كان لها زوجٌ، فدلّ على أن النهي في حديث عبد اللَّه بن عمرو ﵄ المتقدم محمول على حسن المعاشرة، وتطييب خاطر الزوج، كما تقدّم بيانه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعتُ، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكّلتُ، وإليه أنيب". … ٣٤ - (كِتَابُ الْأَيْمَانِ, وَالنُّذُورِ) قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "الأيمان" -بفتح الهمزة- جمع يمين، وأصل اليمين في اللغة اليد، وأُطلقت على الحلف لأنهم كانوا إذا تحالفوا أخَذَ كلّ بيمين صاحبه. وقيل: لأن اليد اليمنى من شأنها حفظ الشيء، فسُمّي الحلف بذلك لحفظ المحلوف عَليه، وسمّي المحلوف عليه يميناً لتلبّسه بها. ويُجمع اليمين أيضًا على أَيمُن، كرَغِيفِ وأَرْغُف. وعُرِّفت شرعًا بأنها توكيد الشيء بذكر اسم، أو صفة للَّه تعالى. وهذا أخصر التعاريف، وأقربها. قاله في "الفتح" (١). وقال ابن قدامة -رحمه اللَّه تعالى-: الأصل في مشروعيّة الأيمان الكتاب، والسنّة، والإجماع، أما الكتاب، فقوله : ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ الآية [المائدة: ٨٩]. وقال تعالى: ﴿وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ [النحل: ٩١] وأمر نبيّه ﷺ بالحلف في ثلاثة مواضع، فقال: ﴿وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ﴾ الآية [يونس: ٥٣]، وقال تعالى: ﴿قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾ الآية [سبأ: ٣]، والثالث: ﴿قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ﴾ الآية [التغابن: ٧]. وأما السنّة فقول النبيّ ﷺ : "إني واللَّه إن شاء اللَّه، لا أحلف على يمين، فأرى غيرها خيرًا منها، إلا أتيت الذي هو خير، وتحلّلتها"، متّفقٌ عليه. وكان أكثر قسم رسول اللَّه ﷺ : "ومُصَرِّفِ القلوب"، و"مقلّب القلوب"، ثبت هذا عن رسول اللَّه ﷺ في آي، وأخبار سوى هذين كثيرة. وأجمعت الأمة على مشروعيّة اليمين، وثبوت حكمها، ووضعُها في الأصل لتوكيد المحلوف عليه. انتهى (٢).

стр. 15128

و"النُّذور" جمع نَذْر، هو في الأصل مصدر نَذَر ينذِرُ، من باب ضرب، وفي لغة من باب قتل. أفاده الفيّوميّ. وقال في "القاموس"، و"شرحه": ونذَرَ على نفسه ينذِر -بالكسر- وينذُرُ -بالضمّ- نَذْرًا -بالفتح- ونُذُورًا -بالضم- (١): أوجبه، كانتذر، ونذَرَ ماله، ونذر للَّه كذا: أو جبه على نفسه تبرّعًا، من عبادة، أو صدقة، أو غير ذلك، وفي الكتاب العزيز: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا﴾ الآية [آل عمران: ٣٥]، قالته امرأة عمران، أم مريم. قال الأخفش: تقول العرب: نذر على نفسه نذْرًا، ونذرت مالي، فأنا أنذره نذرًا. رواه يونس عن العرب. أو النذر: ما كان وعدًا على شرط، فَعَلي إن شفَى اللَّهُ مريضي كذا، نذْرٌ، وعلى أن أتصدّق بدينارٍ، ليس بنذر. انتهى (٢). وقال في "الفتح": وأصله الإنذار، بمعنى التخويف. وعرّفه الراغب بأنه إيجاب ما ليس بواجب لحدوث أمر انتهى (٣). وقال ابن الأثير: وقد تكرّر في أحاديث النذر ذكر النهي عنه، وهو تأكيد لأمره، وتحذيرٌ عن التهاون به بعد إيجابه، ولو كان معناه الزجرَ عنه حتى لا يُفعَلَ، لكان في ذلك إبطالا حكمه، وإسقاطُ لزوم الوفاء به، إذ كان بالنهي يصير معصيةً، فلا يلزم، وإنما وجه الحديث أنه قد أعلمهم أن ذلك أمرٌ لا يجرّ لهم في العاجل نفعًا، ولا يصرِف عنهم ضرًا, ولا يردّ قضاءً، فقال: لا تنذِرُوا على أنكم قد تدركون بالنذر شيئًا لم يُقدّره اللَّه لكم، أو تصرفون به عنكم ما جرى به القضاء عليكم، فإذا نذرتم، ولم تعتقدوا هذا، فأخرجوا عنه بالوفاء، فإن الذي نذرتموه لازم لكم. انتهى (٤). وقال ابن قُدامة -رحمه اللَّه تعالى-: الأصل في النذر الكتاب، والسنّة، والإجماع، أما الكتاب، فقول اللَّه : ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾ [الإنسان: ٧]، وقال تعالى: ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ [الحجّ: ٢٩]، وأما السنّة، فروت عائشة أن رسول اللَّه ﷺ ، قال: "من نذر أن يطيع اللَّه فليطعه، ومن نذر أن يعصي اللَّه فلا يعصه". رواه البخاريّ، ويأتي للنسائيّ برقم -٣٨٣٣ - وعن عمران بن حصين ﵄، عن النبي ﷺ ، قال: "خيركم قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم" - قال عمران: لا أدري ذكر ثنتين، أو ثلاثا، بعد قرنه-

стр. 15129

"ثم يجيء قوم ينذُرون، ولا يَفُون، ويخونون، ولا يؤتمنون، ويشهدون، ولا يستشهدون، ويظهر فيهم السمن". رواه البخاريّ، ويأتي للنسائيّ برقم -٣٨٣٦. قال: وأجمع المسلمون على صحّة النذر في الجملة، ولزوم الوفاء به. انتهى (١). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الظاهر أنه سقط من النسّاخ كتابة الترجمة بلفظ: "الحلف بمقلّب القلوب"، بدليل أنه موجود هكذا في "الكبرى"، وبدليل الترجمة التالية. واللَّه تعالى أعلم بالصواب. ٣٧٨٨ - (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ سُلَيْمَانَ الرُّهَاوِيُّ (٢)، وَمُوسَى بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: كَانَتْ يَمِينٌ, يَحْلِفُ عَلَيْهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَا, وَمُقَلِّبِ الْقُلُوبِ"). رجالَ هذا الإسناد: سبعة: ١ - (أَحْمَدُ بْنُ سُلَيْمَانَ الرُّهَاوِيُّ) أبو الحسين الثقة الحافظ [١١] ٣٨/ ٤٢. ٢ - (مُوسَى بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن سعيد بن مسروق الكندي المسروقي، أبو عيسى الكوفيّ، ثقة، من كبار [١١] ٧٤/ ٩١. ٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ) العبدي، أبو عبد اللَّه الكوفي، ثقة حافظ [٩] ٥/ ٨٨٢. ٤ - (سفيان) بن سعيد الثوري الإمام الحجة الثبت [٧] ٣٣/ ٣٧. ٥ - (موسى بن عقبة) بن أبي عيّاش الأسديّ مولاهم المدنيّ، ثقة فقيه، إمام في المغازي [٥] ٩٦/ ١٢٢. ٦ - (سالم بن عبد اللَّه بن عمر) بن الخطاب العدويّ المدنيّ، ثقة ثبت فقيه [٣] ٢٣/ ٤٩٠. ٧ - (ابن عمر) عبد اللَّه - رضي اللَّه تعالى عنهما - ١٢/ ١٢. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخيه، فالأول من أفراده، والثاني تفرد به هو، والترمذيّ، وابن ماجه. (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين إلى سفيان، غير شيخه أحمد، فرُهاويّ، والباقون مدنيون.

стр. 15130

(ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ، موسى، عن سالم. (ومنها): أن سالمًا من الفقهاء السبعة على بعض الأقوال. (ومنها): أن فيه ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما - من العباددة الأربعة، والمكثرين السبعة، روى (٢٦٣٠) حديثًا. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ سَالِمِ) هكذا في رواية الثوريّ، عن موسى بن عقبة، وكذا قال ابن المبارك، عن موسى بن عُقبة، عند البخاريّ في "القدر"، وهو المحفوظ، وشذّ النفيليّ، فقال: "عن ابن المبارك، عن موسى، عن نافع"، بدل "سالم"، أخرجه أبو داود في رواية ابن داسة. أفاده في "الفتح" (١) (عَنِ ابْنِ عُمَرَ) ﵄، أنه (كَانَتْ يَمِينٌ) اليمين مؤنثة؛ ولذا أُلحقت التاء بـ "كان". قال الفيّوميّ: ويَمِين الحلفِ أنثى، وتُجمع على أَيمُنٍ، وأَيْمَانٍ. قاله ابن الأنباريّ. قيل: سمّي الحلِفُ يمينًا؛ لأنهم كانوا إذا تحالفوا ضرب كلُّ واحد منهم بيمينه على يمين صاحبه، فسمّي الحلف يمينًا مجازًا. انتهى. وقال السنديّ -رحمه اللَّه تعالى-: المراد باليمين المحلوف به، و"عليها" بمعنى "بها"، ثم الظاهر نصب "اليمين" على الخبريّة؛ لأن قوله: "لا، ومقلّب القلوب" قد أُريد به لفظه، فيجري عليه حكم المعارف، فيتعيّن أن يكون اسم "كانت"، إلا أن يقال: "كانت" فيها ضمير القصّة. انتهى. (يَحْلِفُ عَلَيْهَا رَسُولُ اللهِ- ﷺ ) أي كثيرًا ففي رواية البخاريّ من طريق ابن المبارك، عن موسى بن عقبة في "القدر": "كثيرًا ما كان النبيّ ﷺ يحلف … "، ومن طريقه أيضًا في "التوحيد": "أكثر ما كان النبيّ ﷺ يحلف … ". وأخرجه ابن ماجه من وجه آخر عن الزهريّ، بلفظ: "كان أكثر أيمان رسول اللَّه ﷺ : "لا، ومصرّف القلوب" ("لَا) إما زائدة لتأكيد القسم، كما في قوله تعالى: ﴿لَا أُقْسِمُ﴾ [القيامة: ١]، أو لنفي ما تقدّم من الكلام، مثل أن يقال له: هل الأمر كذا، فيقول: "لا، ومقلّب القلوب". قاله السنديّ. (وَمُقَلِّبِ الْقُلُوبِ) هذا هو المقسَم به. والمرادَ بتقليبَ القلوب تقليب أعراضها، وأحوالها, لا تقليب ذات القلب. فالمعنى أنه تعالى متصرّف في قلوب عباده بما شاء، لا يمتنع عليه شيء منها, ولا تفوته إرادة. وقال الكرمانيّ: ما معناه: كان يحتمل أن يكون المعنيُّ بقوله: "مقلّب القلوب" أن يجعل القلب قلبًا، لكن مظانّ استعماله تنشأ عنه، ويستفاد منه أن أعراض

стр. 15131

القلب، كالإرادة وغيرها بخلق اللَّه تعالى، وهي من الصفات الفعليّة، ومرجعها إلى القدرة. انتهى (١). وقال الراغب الأصفهانيّ: قَلبُ الشيء: تصريفه، وصرفه عن وجه إلى وجه، كقلب الثوب، وقلب الإنسان، أي صرفه عن طريقته. قال: وتقليب القلوب والبصائر: صرفها من رأي إلى رأي، والتقلُّبُ: التصرُّفُ. قال تعالى. ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ﴾ الآية [النحل: ٤٦]. وقلب الإنسان سُمي به؛ لكثرة تقلّبه. وُيعبّر بالقلب عن المعاني التي يختصّ بها، من الروح، والعلم، والشجاعة، وقوله تعالى: ﴿وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ﴾ الآية [الأحزاب: ١٠] أي الأرواح، وقوله تعالى: ﴿لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ﴾ الآية [ق: ٣٧] أي علمٌ، وفهمٌ، وقوله تعالى: ﴿وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ﴾ الآية [الأنفال: ١٠]، أي تثبت به شجاعتكم، ويزول خوفكم. انتهى الراغب (٢). وقال القاضي أبو بكر بن العربيّ: القلب جزء من البدن، خلقه، وجعله للإنسان محلّ العلم، والكلام، وغير ذلك، من الصفات الباطنة، وجعل ظاهر البدن محلّ التصرّفات الفعليّة والقوليّة، ووكل بها ملكًا يأمر بالخير، وشيطانًا يأمر بالشرّ، فالفعل بنوره يهديه، والهوى بظلمته يُغويه، والقضاء والقدر مسيطرٌ على الكلّ، والقلب يتقلّب بين الخواطر الحسنة والسيّئة، واللِّمَّة من الملك تارة، ومن الشيطان أخرى، والمحفوظ من حفظه اللَّه تعالى انتهى (٣). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا أخرجه البخاريّ. (المسألة الثانية): في مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا- ١/ ٣٧٨٨ و ٣٧٨٩ - وفي "الكبرى" ٢/ ٤٧٠٣ و ٣/ ٤٧٠٤. وأخرجه (خ) في "القدر" ٦٦١٧ و"الأيمان والنذور" ٦٦٢٧ و"التوحيد" ٧٣٩١ (د) في "الأيمان والنذور" ٣٢٦٣ (ت) في "الأيمان والنذور" ١٥٤٠ (في) في "الكفارات" ٢٠٩٢ (أحمد)

стр. 15132

في "مسند المكثرين" ٥٣٤٥ و ٦٠٧٤. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): أن فيه دلالة على مشروعيّة الحَلِفِ على الشيء؛ تأكيدًا له. (ومنها): استحباب الحلف بقوله: "لا، ومقلّب القلوب". (ومنها): أن فيه أن أعمال القلوب من الإرادات، والدواعي، وسائر الأعراض بخدق اللَّه تعالى. (ومنها): أن فيه جواز تسمية اللَّه تعالى بـ "مقلّب القلوب"، و "مصرّف القلوب"، ونحو ذلك مما ثبت من صفاته تعالى في الكتاب والخبر الصحيح، وإن لم يتواتر، على الوجه الذي يليق به. (ومنها): إثبات صفة التقليب للَّه على ما يليق بجلاله. (ومنها): أن في الحديث حجةً لمن أوجب الكفّارة على من حلف بصفة من صفات اللَّه تعالى، فحنث، ولا نزاع في أصل ذلك، وإنما الخلاف في أيُّ صفة تنعقد بها اليمينُ؟، والتحقيق أنها مختصّة بالتي لا يُشاركه فيها غيره، كمقلّب القلوب. (ومنها): ما قاله القاضي أبو بكر بن العربيّ -رحمه اللَّه تعالى-: في الحديث جواز الحلف بأفعال اللَّه تعالى، إذا وُصف بها، ولم يُذكر اسمه، قال: وفرّق الحنفيّة بين القدرة والعلم، فقالوا: إن حلف بقدرة اللَّه انعقدت يمينه، وإن حلف بعلم اللَّه، لم تنعقد؛ لأن العلم يُعبّر به عن المعلوم، كقوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا﴾ الآية [الأنعام: ١٤٨]. والجواب أنه هنا مجازٌ، إن سُلّم أن المراد به المعلوم، والكلام إنما هو في الحقيقة انتهى (١). (ومنها): ما قال البيضاويّ: في نسبة تقليب القلوب إلى اللَّه تعالى إشعارٌ بأنه يتولى قلوب عباده، ولا يكلها إلى أحد من خلقه. وفي دعائه ﷺ "يا مقلّب القلوب ثبّت قلبي على دينك" إشارة إلى شمول ذلك للعباد حتى الأنبياء، ورفع توهّم من يتوهّم أنهم يُستثنَون من ذلك، وخصّ نفسه بالذكر إعلامًا بأن نفسه الزكيّة إذا كانت مفتقرةً إلى أن تلجأ إلى اللَّه ، فافتقار غيرها ممن هو دونه أحقّ بذلك (٢). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعتُ، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكّلتُ، وإليه أنيب". …

стр. 15133

٢ - (الْحَلِفُ بِـ"مُصَرِّفِ الْقُلُوبِ") قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "الْحَلِفُ" -بفتح الحاء المهملة، وكسر اللام، وتسكّن تخفيفًا، مصدر حَلَف، يقال: حلَفتُ باللَّه حَلِفًا، وتؤنّث الواحدة بالهاء، فيقال: حَلِفةٌ، ويقال في التعدّي أحلفته إحلافًا، وحلّفته تحليفًا، واستحلفته. قاله الفيّوميّ. واللَّه تعالى أعلم بالصواب. ٣٧٨٩ - (أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّلْتِ, أَبُو يَعْلَى، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَجَاءٍ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ, قَالَ: كَانَتْ يَمِينُ رَسُولِ اللهِ ﷺ , الَّتِي يَحْلِفُ بِهَا, "لَا, وَمُصَرِّفِ الْقُلُوبِ"). قَالَ الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد عندهم رجال الصحيح، و"محمد بن يحيى بن عبد اللَّه": هو الذهليّ النيسابوريّ الحافظ الشهير [١١] ١٩٦/ ٣١٤. و"محمد بن الصَّلْت، أبو يعلى" البصريّ التَّوَّزيّ -بفتح المثنّاة، وتشديد الواو، بعدها زاي- أصله من تَوَّز، ويقال: جَوَّز بالجيم: بلدة بفارس- صدوق يَهِم [١٠]. قال أبو حاتم: صدوقٌ كان يُملي علينا من حفظه التفسير وغيره، وربّما وهِم. وقال الدارقطنيّ: ثقة. وذكره ابن حبّان في "الثقات"، وقال: مات سنة (٢٢٨). وقال ابن حزم: مجهول. روى عنه البخاريّ حديثين، والمصنّف بواسطة محمد بن يحيى الذهليّ هذا الحديث فقط. و"عبد اللَّه بن رجاء": هو أبو عمران البصريّ، نزيل مكة، ثقة تغيّر حفظه قليلًا، من صغار [٨] ١٩٣/ ٣٠٠٢. و"عبّاد بن إسحاق": هو عبد الرحمن بن إسحاق بن عبد اللَّه بن الحارث بن كنانة المدنيّ، صدوقٌ، رُمي بالقدر [٦]. والحديث حسنٌ، وقد سبق شرحه، وبيان مسائله في الذي قبله. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعتُ، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكّلتُ، وإليه أنيب".

стр. 15134

٣ - (الْحَلِفُ بِعِزَّةِ اللَّهِ تَعَالَى) ٣٧٩٠ - (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا الْفَضْلُ بْنُ مُوسَى، قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ: "لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ الْجَنَّةَ وَالنَّارَ, أَرْسَلَ جِبْرِيلَ ﵇ إِلَى الْجَنَّةِ، فَقَالَ: انْظُرْ إِلَيْهَا, وَإِلَى مَا أَعْدَدْتُ لِأَهْلِهَا فِيهَا, فَنَظَرَ إِلَيْهَا, فَرَجَعَ، فَقَالَ: وَعِزَّتِكَ لَا يَسْمَعُ بِهَا أَحَدٌ إِلَّا دَخَلَهَا, فَأَمَرَ بِهَا, فَحُفَّتْ بِالْمَكَارِهِ, فَقَالَ: اذْهَبْ إِلَيْهَا, فَانْظُرْ إِلَيْهَا, وَإِلَى مَا أَعْدَدْتُ لِأَهْلِهَا فِيهَا, فَنَظَرَ إِلَيْهَا، فَإِذَا هِيَ قَدْ حُفَّتْ بِالْمَكَارِهِ، فَقَالَ: وَعِزَّتِكَ, لَقَدْ خَشِيتُ أَنْ لَا يَدْخُلَهَا أَحَدٌ, قَالَ: اذْهَبْ, فَانْظُرْ إِلَى النَّارِ, وَإِلَى مَا أَعْدَدْتُ لِأَهْلِهَا فِيهَا, فَنَظَرَ إِلَيْهَا, فَإِذَا هِيَ يَرْكَبُ بَعْضُهَا بَعْضًا، فَرَجَعَ, فَقَالَ: وَعِزَّتِكَ, لَا يَدْخُلُهَا أَحَدٌ, فَأَمَرَ بِهَا, فَحُفَّتْ بِالشَّهَوَاتِ، فَقَالَ: ارْجِعْ, فَانْظُرْ إِلَيْهَا, فَنَظَرَ إِلَيْهَا, فَإِذَا هِيَ ,قَدْ حُفَّتْ بِالشَّهَوَاتِ، فَرَجَعَ, وَقَالَ: وَعِزَّتِكَ, لَقَدْ خَشِيتُ, أَنْ لَا يَنْجُوَ مِنْهَا أَحَدٌ, إِلَّا دَخَلَهَا"). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (إسحاق بن إبراهيم) الحنظليّ المروزيّ المعروف بابن راهويه، ثقة ثبت فقيه [١٠] ٢/ ٢. ٢ - (الفضل بن موسى) السِّينانيّ، أبو بو عبد اللَّه المروزيّ، ثقة ثبت، ربما أغرب، من كبار [٩] ٨٣/ ١٠٠. ٣ - (محمد بن عمرو) بن علقمة بن وقّاص الليثيّ المدنيّ، صدوقٌ، له أوهام [٦] ١٦/ ١٧. ٤ - (أبوسلمة) بن عبد الرحمن بن عوف المدنيّ الفقيه [٣] ١/ ١. ٥ - (أبو هريرة) - رضي اللَّه تعالى عنه - ١/ ١. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخه، وشيخ شيخه، فمروزيان. (ومنها): أن فيه أبا سلمة من الفقهاء السبعة على بعض الأقوال، وفيه أبو هريرة ﵁ من المكثرين السبعة. واللَّه تعالى أعلم.

стр. 15135

شرح الحديث (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) - رضي اللَّه تعالى عنه - (عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ: لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ الْجَنَّةَ وَالنَّارَ أَرْسَلَ جِبْرِيلَ ﵇ إِلَى الْجَنَّةِ، فَقَالَ: انْظُرْ إِلَيْهَا, وَإِلَى مَا أَعْدَدْتُ لِأَهْلِهَا فِيهَا) أي من النعيم المقيم، والعزّ المسنديم (فَنَظَرَ) جبريل (إِلَيْهَا، فَرَجَعَ، فَقَالَ: وَعِزَّتِكَ) هذا محلّ الشاهد، حيث أقسم جبريل ﵇ بعزة اللَّه تعالى، فدلّ على مشروعيّة القسم بعزّة اللَّه تعالى. (لَا يَسْمَعُ بِهَا) أي بصفات الجنَّة، وبما أُعدّ فيها من أنواع النعيم المقيم، وأصناف العزّ المستديم (أَحَدٌ، إِلاَّ دَخَلَهَا) قال السنديّ: يريد أن مقتضى ما فيها من اللذّة، والخير، والنعمة أن لا يتركها أحدٌ سمع بها في أيّ نعمة كان، ولا يَمْنَعُ عنها شيء من النعم، ولا يستغني عنها أحد بغيرها أيَّ شيء كان، والمطلوب مدحها، ومدح ما أُعدّ فيها، وتعظيمها، وتعظيم ما فيها، وأنها دارٌ لا يساويها دارٌ، وليس المراد الحقيقة، حتّى يقال: يلزم أن يكون جبريل بهذا الحلف حانثًا، ويكون في هذا الخبر كاذبًا، وهذا ظاهرٌ. ويحتمل أن المراد: لايسمع بها أحدٌ إلا دخلها، إن بقيت على هذه الحالة. انتهى. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الاحتمال الثاني هو الصواب، وأما الاحتمال الأول، ففيه نظر لا يخفى، فإن أسلوبه غير لائق بالمقام، فتنبّه. واللَّه تعالى أعلم. (فَأَمَرَ) اللَّه . وفي نسخة: "وأمر" (بِهَا) أي بالجنة (فَحُفَّتْ) بالحاء المهملة، والفاء، والبناء للمفعول، من الحَفَاف، وهو ما يُحيط بالشيء، حتى لا يُتوصل إليه إلا بتخطّيه، فالجنة لا يُتوصّل إليها إلا بقطع مفاوز المكاره، والنار لا يُنجَى منها إلا بترك الشهوات (١) (بِالْمَكَارِهِ) جمع مكروه، كما في "اللسان". قال السنديّ -رحمه اللَّه تعالى-: أي جُعلت سبل الوصول إليها المكارهَ والشدائد على الأنفس، كالصوم، والزكاة، والجهاد، ولعلّ لهذه الأعمال وجودًا مثاليًا ظهر بها في ذلك العالم، وأحاطت الجنة من كلّ جانب، وقد جاء الكتاب والسنّة بمثله، ومن جملة ذلك قوله تعالى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ -أي المسميات- عَلَى الْمَلَائِكَةِ﴾ [البقرة: ٣١]، ومعلومٌ أن فيها المعقولات، والمعدومات. واللَّه تعالى أعلم. انتهى (٢). (فَقَالَ: اذْهَبْ إِلَيْهَا, فَانْظُرْ إِلَيْهَا, وَإِلَى مَا أَعْدَدْتُ لِأَهْلِهَا فِيهَا, فَنَظَرَ إِلَيْهَا، فَإِذَا هِيَ

стр. 15136

(قَدْ حُفَّتْ) وفي نسخة: "حُجِبت" (بِالْمَكَارِهِ، فَقَالَ: وَعِزَّتِكَ, لَقَدْ خَشِيتُ أَنْ لَا يَدْخُلَهَا أَحَدٌ) أي لصعوبة الوصول إليها، حيث حُفّت بالمكاره (قَالَ) (اذْهَبْ فَانْظُرْ إِلَى النَّارِ, وَإِلَى مَا أَعْدَدْتُ لِأَهْلِهَا فِيهَا) من السعير، والشرّ المستطير (فَنَظَرَ إِلَيْهَا, فَإِذَا هِيَ يَرْكَبُ (١) بَعْضُهَا بَعْضًا) أي يعلو بعضها على بعض، حتى يأكله، وهو بمعنى الحديث الآخر في "كتاب الكسوف"، حيث قال ﷺ : ولقد رأيت جهنّم يَحطِم بعضُها بعضا … " (فَرَجَعَ) جبريل ﵇ إلى ربه (وَعِزَّتِكَ لَا يَدْخُلُهَا أَحَدٌ) أي لما بها من شدة العذاب (فَأَمَرَ) (بِهَا فَحُفَّتْ بِالشَّهَوَاتِ) أي أحيطت بالأمور التي تشتهيها النفس، من لذات المعاصي، والمخالفات (فَقَالَ: لجبريل: ارْجِعْ فَانْظُرْ إِلَيْهَا, فَنَظَرَ إِلَيْهَا فَإِذَا هِيَ, قَدْ حُفَّتْ بِالشَّهَوَاتِ، فَرَجَعَ, وَقَالَ: وَعِزَّتِكَ, لَقَدْ خَشِيتُ, أَنْ لَا يَنْجُوَ مِنْهَا أَحَدٌ, إِلَّا دَخَلَهَا) قال السنديّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: الظاهر أن جملة "إلا دخلها" حال بتقدير "قد" مستثنى من عموم الأحوال، ولا يخفى أنه لا يُتصوَّر النجاة فيها إذا دخلها، فالاستثناء من قبيل التعليق بالمستحيل، أي لا ينجو منها أحدٌ في حال إلا حال دخوله فيها، وهو مستحيلٌ، فصارت النجاة مستحيلةً، وقد قيل بمثله في قوله تعالى: ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا (٢٥) إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا﴾ [الواقعة: ٢٥، ٢٦]، وقوله تعالى: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى﴾ [الدخان: ٥٦] انتهى (٢). [تنبيه]: هذا الحديث أخرجه البخاريّ في "صحيحه" مختصرًا، فقال في "كتاب الرِّقاق" -٦٤٨٧ - : حدثنا إسماعيل، قال: حدثني مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، أن رسول اللَّه ﷺ ، قال: "حُجبت النار بالشهوات، وحُجبت الجنّة بالمكاره". فقال في "الفتح": قوله: "حجبت" كذا للجميع في الموضعين، إلا الفرويّ، فقال: "حُفّت" في الموضعين، وكذا هو عند مسلم من رواية ورقاء بن عمر، عن أبي الزناد، وكذا أخرجه مسلم، والترمذيّ من حديث أنس ﵁. وهو من جوامع كلمه ﷺ ، وبديع بلاغته في ذمّ الشهوات، وإن مالت إليها النفوس، والحضّ على الطاعات، وإن كرهتها النفوس، وشقّ عليها، وقد ورد إيضاح ذلك من وجه آخر عن أبي هريرة ﵁، فأخرج أبو داود، والترمذيّ، والنسائيّ، وابن حبّان، والحاكم، من وجه آخر عن أبي هريرة ﵁، رفعه: "لَما خلق اللَّه الجنّة … ، فذكر حديث الباب، ثم قال: فهذا يفسّر

стр. 15137

رواية الأعرج، فإن المراد بالمكاره هنا ما أُمر المكلّف بمجاهدة نفسه فيه فعلاً، وتركًا، كالإتيان بالعبادات على وجهها، والمحافظة عليها، واجتناب المنهيّات قولاً وفعلاً، وأطلق المكاره لمشقّتها على العامل، وصعوبتها عليه، ومن جملتها الصبر على المصيبة، والتسليم لأمر اللَّه فيها. والمراد بالشهوات ما يُستلذّ من أمور الدنيا، مما منَعَ الشرع من تعاطيه، إما بالأصالة، وإما لكون فعله يستلزم ترك شيء من المأمورات، ويلتحق بذلك الشبهات، والإكثار مما أبيح، خشيةَ أن يوقع في المحرم، فكأنه قال: لا يُوصل إلى الجنّة إلا بارتكاب المشقّات، المعبّر عنها بالمكروهات، ولا إلى النار إلا بتعاطي الشهوات، وهما محجوبتان، فمن هتك الحجاب اقتحم. ويحتمل أن يكون هذا الخبر، وإن كان بلفظ الخبر، فالمراد به النهي (١). وقال ابن العربيّ: معنى الحديث أن الشهوات جُعلت على حفافي النار، وهي جوانبها، وتوهّم بعضهم أنها ضرب بها المثل، فجعلها في جوانبها من خارج، ولو كان ذلك ما كان مثلاً صحيحًا، وإنما هي من داخل، وهذه صورتها: (٢) فمن اطّلع الحجاب، فقد واقع ما وراءه، وكلّ من تصوّرها من خارج، فقد ضلّ عن معنى الحديث. ثم قال: فإن قيل: فقد جاء في البخاريّ: "حُجبت النار بالشهوات"، فالجواب أن المعنى واحد؛ لأن الأعمى عن التقوى الذي قد أخذت الشهوات سمعه، وبصره يراها, ولا يرى النار التي هي فيها، وذلك لاستيلاء الجهالة، والغفلة على قلبه، فهو كالطائر يرى الحبّة في داخل الفخّ، وهي محجوبةٌ به، ولا يرى الفخّ لغلبة شهوة الحبّة على قلبه، وتعلّق باله بها. قال الحافظ: وقد بالغ كعادته في تضليل من حمل الحديث على ظاهره، وليس ما قاله غيره ببعيد، وأن الشهوات على جانب النار من خارج، فمن واقعها، وخرق الحجاب دخل النار، كما أن الذي قاله القاضي محتمل. واللَّه أعلم. انتهى (٣). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث أبي هريرة - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا أخرجه البخاريّ.

стр. 15138

(المسألة الثانية): في مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٣/ ٣٧٩٠ - وفي "الكبرى" ١/ ٤٧٠٢. وأخرجه (خ) في "الرقاق" ٦٤٨٧ مختصرًا (د) في "السنّة" ٤٧٤٤ (أحمد) في "باقي مسند المكثرين" ٢٧٥١٢ و ٨٤٣٤ و ٨٦٤٤. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو جواز الحلِف بعزّة اللَّه تعالى. قال في "الفتح": ما حاصله: إن الأيمان تنقسم إلى صريح، وكناية، ومتردّد بينهما، وهو الصفات، وأنه اختُلف هل يلتحق بالصريح، فلا يحتاج إلى قصد، أو لا، فيحتاج، والراجح أن صفات الذات منها تلتحق بالصريح، فلا تنفع معها التورية، إذا تعلّق به حقّ آدميّ، وصفات الفعل تلتحق بالكناية، فعزّة اللَّه من صفات الذات، وكذا جلاله، وعظمته. قال الشافعيّ -رحمه اللَّه تعالى- فيما أخرجه البيهقيّ في "المعرفة": من قال: وحقّ اللَّه، وعظمة اللَّه، وجلال اللَّه، وقدرة اللَّه، يريد اليمين، أو لا يريده، فهي يمين. انتهى. وقال غيره: والقدرة تحتمل صفة الذات، فتكون اليمين صريحة، وتحتمل إرادة المقدور، فتكون كناية، كقول من يتعجّب من الشيء: انظر إلى قدرة اللَّه، وكذا العلم، كقوله: اللَّهم اغفر لنا علمك فينا، أي معلومك. انتهى (١). (ومنها): أن الجنّة والنار مخلوقتان اليوم، وقد دنت الأدلة من الكتاب والسنّة على ذلك، وزعمت المعتزلة أنهما يُخلَقان يوم الجزاء، وهو مذهب باطلٌ، منابذ للنصوص الصحيحة الصريحة. (ومنها): منقبة جبريل ﵇، حيث إنه هو المرسل إلى الأمور المهمّة. (ومنها): إثبات كلام اللَّه ، يكلّم من شاء من ملائكته، وأنبيائه إذا شاء. (ومنها): صعوبة الوصول إلى الجنّة، حيث إنها محفوفة بالمكاره، فلا يصل إليها إلا من أزال تلك الحجب، ولن يكون ذلك إلا ممن وفقه اللَّه تعالى للطاعات، وجنّبه المعاصي والزلات، فالسعيد هو الموفّق، وققنا اللَّه تعالى لكلّ خير، وجنّبنا كلّ ضير. (ومنها): قرب النار، وأن الوصول إليها أمر لا عُسر فيه، حيث إنها محفوفةٌ بشهوات النفس، و ﴿إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [يوسف: ٥٣]، اللَهنم أجرنا من النار. اللهم إنا نسألك الجنّة، وما قرّب إليها من قول، وعمل، ونعوذ بك من النار، وما قرّب إليها، من قول، وعمل. برحمتك يا أرحم الراحمين. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب.

стр. 15139

"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعتُ، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكّلتُ، وإليه أنيب". … ٤ - (التَّشْدِيدُ فِي الْحَلِفِ بِغَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى) ٣٧٩١ - (أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ -وَهُوَ ابْنُ جَعْفَرٍ- قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دِينَارٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ: رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ كَانَ حَالِفًا, فَلَا يَحْلِفْ إِلَّا بِاللَّهِ"، وَكَانَتْ قُرَيْشٌ تَحْلِفُ بِآبَائِهَا، فَقَالَ: "لَا تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ"). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (عليّ حجر) السعديّ المروزيّ، ثقة حافظ، من صغار [٩] ١٣/ ١٣. ٢ - (إسماعيل بن جعفر) بن أبي كثير الأنصاريّ الزُّرقي المدنيّ، ثقة ثبت [٨] ١٦/ ١٧. ٣ - (عبد اللَّه بن دينار) العدويّ مولاهم، أبو عبد الرحمن المدنيّ، ثقة [٤] ١٦٧/ ٢٦٠. ٤ - (ابن عمر) عبد اللَّه - رضي اللَّه تعالى عنهما - ١٢/ ١٢. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من رباعيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو (١٨٣) من رباعيات الكتاب. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخه، فمروزي. (ومنها): أن فيه ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما - أحد العبادلة الأربعة، وقد أشار إليهم الحافظ السيوطيّ -رحمه اللَّه تعالى- في "ألفيّة الحديث" بقوله: وَالحَبْرُ وَابْنَا عُمَرٍ وَعَمْرِو … وَابْنُ الزُّبَيْرِ فِي اشتِهَارٍ يَجْرِي دُونَ ابْنِ مَسْعُودٍ لَهُمْ عَبَادِلَة … وَغَلَّطُوا مَنْ غَيْرَ هَذا مَالَ لَهْ وهو أحد المكثرين السبعة، المجموعين في قولي: المُكثِرُونَ فِي رِوايَةِ الْخَبَرْ … مِنَ الصَّحَابَةِ الأَكَابِرِ الْغُرَرْ أَبُو هُرَيْرَةَ يَلِيهِ ابْنُ عُمَرْ … فَأَنَسٌ فَزَوْجةُ الهَادِيَ الأَبَرُّ ثُمَّ ابْنُ عَبَّاسٍ يَلِيهِ جَابِرُ … وَبَعْدَهُ الخُدْرِيُّ فَهْوَ الآخِرُ

стр. 15140

روى (٢٦٣٠) حديثًا، وهذا كله قد تكرر في هذا الشرح غير مرّة، وإنما أعدته تذكيرًا؛ لطول العهد به. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنِ ابْنِ عُمَرَ) - رضي اللَّه تعالى عنهما -، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَن كَانَ حَالِفًا) أي مريدًا للحدف (فَلَا يَحلِف إِلَّا بِاللَّهِ) قال العلماء: السرّ في النهي عن الحلف بغير اللَّه أن الحلف بالشيء يقتضي تعظيمه، والعظمة في الحقيقة إنما هي للَّه وحده. وظاهر الحديث يقتضي تخصيص الحلف باللَّه خاصة، لكن اتفق الفقهاء على أن اليمين تنعقد باللَّه، وذاته، وصفاته العليّة، واختلفوا في انعقادها ببعض الصفات، كما سبق، وكأن المراد بقوله: "باللَّه" الذات، لا خصوص لفظ "اللَّه"، وأما اليمين بغير ذلك، فقد ثبت المنع منها، وهو للتحريم على الأرجح، وسيأتي البحث فيه قريبًا، إن شاء اللَّه تعالى. (وَكَانَتْ قُرَيْشٌ) القبيلة المعروفة (تَحْلِفُ بِآبَائِهَا، فَقَالَ) ﷺ (لَا تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ) وفي الرواية التالية: "إن اللَّه ينهاكم أن تحلفوا بأبائكم". وفي رواية الليث، عن نافع عند البخاريّ: "فناداهم رسول اللَّه ﷺ ". ووقع في مصنّف ابن أبي شيبة من طريق عكرمة، قال: "قال عمر. حدّثتُ قومًا حديثًا، فقلت: لا وأبي، فقال رجلٌ من خلفي: لا تحفلوا بآبائكم، فالتفتْ، فإذا رسول اللَّه ﷺ يقول: "لو أن أحدكم حلف بالمسيح هلك، والمسيح خير من آبائكم". قال الحافظ: وهذا مرسل يتقوّى بشواهده. وقد أخرج الترمذيّ من وجه آخر، عن ابن عمر أنه سمع رجلاً يقول: والكعبةِ، فقال: لا تحلف بغير اللَّه، فإني سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "من حلف بغير اللَّه فقد كفر"، أو "أشرك". قال الترمذيّ: حسنٌ، وصححه الحاكم. والتعبير بقوله: "فقد كفر"، أو "أشرك" للمبالغة في الزجر، والتغليظ في ذلك، وقد تمسّك به من قال بتحريم ذلك، وهو الحقّ، كما سيأتي في المسألة الرابعة، إن شاء اللَّه تعالى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٤/ ٣٧٩١ و ٣٧٩٢ و ٥/ ٣٧٩٣ و ٣٧٩٤ و ٣٧٩٥ - وفي "الكبرى" ٤/

стр. 15141

٤٧٠٥ و ٤٧٠٦ و ٥/ ٤٧٠٧ و ٤٧٠٨ و ٤٧٠٩. وأخرجه (خ) في الشهادات" ٢٦٧٩ و"المناقب" ٣٨٣٦ و"الأدب" ٦١٠٨ و"الأيمان والنذور" ٦٦٤٦ و ٦٦٤٧ و "التوحيد" ٧٤٠١ (م) في "الأيمان والنذور" ١٦٤٦ (د) في "الأيمان والنذور" ٣٢٤٩ (ت) في "النذور والأيمان" ١٥٣٣ و ١٥٣٤ و ١٥٣٥ (في) في "الكفّارات" ٢٠٩٤ (أحمد) في "مسند العشرة" ١١٣ و ٢٤٢ و ٤٥٠٩ و ٤٥٣٤ و ٤٥٧٩ و ٤٦٥٣ و ٤٦٨٩ و ٥٤٣٩ و ٥٥٦٨ و ٦٠٣٦ و ٦٢٥٢ (الموطأ) في "النذور والأيمان" ١٠٣٧. واللَّه تعالى أعلم. [تنبيه]: هذا الحديث روي من مسند عمر، ومن مسند ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما -، قال الحافظ وليّ الدين -رحمه اللَّه تعالى-: أخرجه من الطريق الأولى -يعني كونه عن عمر ﵁ مسلم، وأبو داود من رواية أبي الحسن بن العبد من هذا الوجه من طريق عبد الرزّاق، عن معمر، واتّفق الشيخان من طريق يونس بن يزيد، وأخرجه مسلم من رواية عُقيل بن خالد، والنسائيّ-٥/ ٣٧٦٧ - وابن ماجه من رواية ابن عيينة، والنسائيّ- ٥/ ٣٧٦٨ - من رواية الزبيديّ، أربعتهم عن الزهريّ، عن سالم، عن أبيه، عن عمر، وفي رواية عُقيل: "ما حلفت بها منذ سمعت رسول اللَّه ﷺ ينهى عنها, ولا تكلمت بها"؛ ولم يقل: "ذاكرًا, ولا آثرًا". وأخرجه من الطريق الثانية -يعني كونه عن ابن عمر- مسلم، والترمذيّ، والنسائيّ- ٥/ ٢٧٦٦ - من هذا الوجه من رواية سفيان بن عُيينة، عن الزهريّ، بن سالم، عن أبيه. وذكره البخاريّ تعليقًا، فقال: بعد ذكر الطريق الأولى: تابعه عُقيلٌ، والزُّبيديّ، وإسحاق الكلبيّ، عن الزهريّ. وقال ابن عيينة، ومعمر، عن الزهريّ، عن سالم، عن ابن عمر، سمع النبيُّ ﷺ عمر. انتهى. وقد ظهر بذلك الاختلاف على سالم، أو الزهريّ في أن الحديث في مسند عمر، أو ابن عمر، والاختلاف على ابن عيينة أيضًا، فالجمهور جعلوه من طريقه من مسند ابن عمر، حكاه عنهم الحافظ العراقيّ -رحمه اللَّه تعالى- في "شرح الترمذيّ". ورواه محمد ابن عبد اللَّه بن يزيد المقرئ، وسعيد بن عبد الرحمن المخزوميّ، ومحمد بن يحيى ى بن أبي عمر عنه بإثبات عمر. وأخرجه من الطريق الثالثة -يعني طريق نافع- البخاريّ، من طريق مالك، والشيخان من طريق الليث بن سعد، ومسلم، والترمذيّ، والنسائيّ في "الكبرى" من طريق عبيد اللَّه بن عمر، ومسلم أيضًا من طريق أيوب السختيانيّ، والوليد بن كثير، وإسماعيل بن أميّة، والضحّاك بن عثمان، وابن أبي ذئب، وعبد الكريم الجزريّ، تسعتهم عن نافع، عن ابن عمر.

стр. 15142

ورواه أبو داود عن أحمد بن يونس، عن زُهير، عن عبيد اللَّه بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، عن عمر. وجعل المزّيّ في "الأطراف" رواية عبد الكريم الجزريّ عند مسلم بإثبات عمر، وليس كذلك. وقد ظهر الاختلاف فيه على نافع كسالم. انتهى كلام وليّ الدين (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو التشديد في الحلف بغير اللَّه تعالى، وإنما خصّ في حديث عمر بالآباء؛ لوروده على سبب، وهو أنه ﷺ مرّ به، وهو يحلف بأبيه، فقال له ذلك. أو خصّ لكونه غالبًا عليهم؛ كما بيّنه في هذه الرواية بقوله: "وكانت قريش تحلف بآبائها، ويدلّ على التعميم قوله: "من كان حالفًا، فلا يحلف إلا باللَّه". وأما ما ورد في القرآن من القسم بغير اللَّه تعالى، فللعلماء فيه جوابان، سيأتي بيانهما قريبًا، إن شاء اللَّه تعالى. (ومنها): أن من حلف بغير اللَّه تعالى مطلقًا لا تنعقد يمينه، وسيأتي تمام البحث فيه أيضًا. (ومنها): أن فيه الردّ على من قال: إن من قال: إن فعلت كذا كذا، فأنا يهوديّ، أو نصرانيّ، أو كافر أنه ينعقد يمينًا، ومتى فعل تجب عليه الكفّارة. وقد نُقل ذلك عن الحنفيّة، والحنابلة. ووجه الدلالة من الخبر أنه لم يحلف باللَّه، ولا بما يقوم مقام ذلك. (ومنها): أن من قال: أقسمت لأفعلنّ كذا، لا يكون يمينًا، وعند الحنفيّة يكون يمينًا، وكذل قال مالك، وأحمد، لكن بشرط أن ينوي بذلك الحلف باللَّه، وهو متّجه. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هكذا قال في "الفتح"، وعندي أنه غير متّجه؛ لأنه يصدق عليه أنه حلف بغير اللَّه، ولا تنفعه النيّة المذكورة، وإلا فيلزمنا أن نجيز بالتأويل حلف من قال: "وأبي"، أي أحلف برب أبي، وهو باطلٌ، فتأمل. واللَّه تعالى أعلم. (ومنها): أن الحلف بالأمانة ليس يمينًا؛ لانتفاء الاسم والصفة، وبه قال الشافعيّ، حكاه عنه الخطّابيّ. قال وليّ الدين: والذي في كتب أصحابنا أنه إذا قال: عليّ أمانة اللَّه لأفعلنّ كذا، وأراد اليمين، فهو يمين، وإن أراد غير اليمين كالعبادات، فليس يمينًا، وإن أطلق فوجهان، أصحّهما أنه ليس يمينًا؛ لتردّد اللفظ، وقد فُسّرت الأمانة في قوله تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ﴾ الآية [الأحزاب: ٧٢] بالعبادات. وقال المالكيّة: يكره الحلف بأمانة اللَّه، وفيه الكفارة إن قصد الصفة. وقال الحنابلة: إن قال: وأمانةِ اللَّه، فهو يمين، وإن قال: والأمانة دم يكن يمينًا إلا أن ينوي صفة اللَّه. وعن أحمد رواية

стр. 15143

أخرى أنه يمين مطلقًا. وحكى الخطّابيّ عن أصحاب الرأي أنه إذا قال: وأمانة اللَّه كان يمينًا, ولزمته الكفّارة فيها. وفي "سنن أبي داود" بإسناد صحيح، عن بريدة ﵁، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "من حلف بالأمانة، فليس يمينًا". قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: عندي أن ما تقدّم عن الإمام الشافعيّ -رحمه اللَّه تعالى- من أن الحلف بالأمانة ليس يمينا مطلقًا هو الحقّ؛ لدخوله في نهي: "من كان حالفًا، فلا يحلف إلا باللَّه"، وأصرح منه حديث أبي داود المذكور، وهو حديثٌ صحيحٌ، فإنه نصّ في النهي عن الحلف بالأمانة، فلا يجوز. واللَّه تعالى أعلم بالصواب. (ومنها): ما قال المهلّب -رحمه اللَّه تعالى-: كانت العرب تحلف بآبائها، وآلهتها، فأراد اللَّه نسخ ذلك من قلوبهم؛ ليُنسيهم ذكر كلّ شيء سواه، ويبقى ذكره؛ لأنه الحقّ المعبود، فلا يكون اليمين إلا به، والحلف بالمخلوقات في حكم الحلف بالآباء. (ومنها): ما قال الطبريّ -رحمه اللَّه تعالى-: في حديث عمر ﵁ -يعني حديث الباب- أن اليمين لا تنعقد إلا باللَّه، وأن من حلف بالكعبة، أو آدم، أو جبريل، ونحو ذلك لم تنعقد يمينه، ولزمه الاستغفار؛ لإقدامه على ما نهي عنه، ولا كفّارة في ذلك. وأما ما وقع في القرآن من القسم بشيء من المخلوقات، فقال الشعبيّ: الخالق يُقْسِمُ بما شاء من خلقه، والمخلوق لا يُقسم إلا بالخالق، قال: ولأن أُقسم باللَّه، فاحنث أحبّ إليّ من أُقسم بغيره، فأبرّ. وجاء مثله عن ابن عبّاس، وابن مسعود، وابن عمر ﵃ ثم أسند عن مطرّف، عن عبد اللَّه أنه قال: إنما أقسم اللَّه بهذه الأشياء ليُعَجْبَ بها المخلوقين، ويُعرّفهم قدرته لعظم شأنها عندهم، ولدلالتها على خالقها. وقد أجمع العلماء على أن من وجبت له يمين على آخر في حقّ عليه أنه لا يحلف له إلا باللَّه، فلو حلف له بغيره، وقال: نويت ربّ المحلوف به لم يكن ذلك يمينًا. انتهى. (ومنها): ما قال ابن هُبيرة -رحمه اللَّه تعالى- في "كتاب الإجماع": أجمعوا على أن اليمين منعقدة باللَّه، وبجميع أسمائه الحسنى، وبجميع صفات ذاته، كعزّته، وجلاله، وعلمه، وقوّته، وقدرته، واستثنى أبو حنيفة علم اللَّه، فلم يره يمينًا، وكذا حقّ اللَّه. واتفقوا على أنه لا يحلف بمعظّم غير اللَّه، كالنبيّ، وانفرد أحمد في رواية, فقال: تنعقد انتهى. (ومنها): ما قال عياض -رحمه اللَّه تعالى-: لا خلاف بين فقهاء الأمصار أن الحلف بأسماء اللَّه، وصفاته لا زم، إلا ما جاء عن الشافعيّ من اشتراط نية اليمين في الحلف بالصفات، وإلا فلا كفّارة. وتُعُقّب إطلاقه ذلك عن الشافعيّ، وإنما يحتاج إلى النيّة عنده ما يصحّ إطلاقه عليه ، وعلى غيره، وأما ما لا يُطلق في معرض

стр. 15144

التعظيم شرعًا إلا عليه، تنعقد اليمين به، وتجب الكفّارة إذا حنث، كمقلّب القلوب، وخالق، ورازق كلّ حيّ، وربّ العالمين، وفالق الحبّ, وبارىء النسمة، وهذا في حكم الصريح، كقوله: واللَّه. وفي وجه لبعض الشافعيّة أن الصريح اللَّه فقط. ويظهر أثر الخلاف فيما لو قال: قصدت غير اللَّه، هل ينفعه في عدم الحنث. والمشهور عند المالكيّة التعميم، وعن أشهب التفصيل في مثل وعزّة اللَّه، إن أراد التي جعلها بين عباده، فليست بيمين، وقياسه أن يطّرد في كلّ ما يصحّ إطلاقه عليه، وعلى غيره. وقال به سحنون منهم في عزّة اللَّه. وفي "العتبيّة": أن من حلف بالمصحف لا تنعقد، واستنكره بعضهم، ثم أولها على أن المراد إذا أراد جسم المصحف. والتعميم عند الحنابلة، حتى لو أراد بالعلم، والقدرة المعلوم، والمقدور، انعقدت. ذكره في "الفتح" (١). (ومنها): ما قال النوويّ -رحمه اللَّه تعالى-: إن قيل: فقد أقسم اللَّه تعالى بمخلوقاته، فإنه قال تعالى: ﴿وَالصَّافَّاتِ صَفًّا﴾، ﴿وَالذَّارِيَاتِ﴾، ﴿وَالطُّورِ﴾. فالجواب أن للَّه تعالى: أن يُقسم بما شاء من مخلوقاته، تنبيهًا على شرفه. انتهى. قال وليّ الدين. وتعبيره بقوله: "للَّه" منكرٌ، ولو قال: إن اللَّه تعالى يُقسم بما يشاء، لكان أحسن. وفي "مصنّف ابن أبي شيبة"، عن ميمون بن مهران، قال: إن اللَّه تعالى يُقسم بما شاء من خلقه، وليس لأحد أن يُقسم إلا باللَّه. انتهى (٢). وقال في "الفتح": وأما ما ورد في القرآن من القسم بغير اللَّه، ففيه جوابان: [أحدهما]: أن فيه حذفا، والتقدير ورب الشمس، ونحوه. [والثاني]: أن ذلك يختصّ باللَّه تعالى، فهذا أراد تعظيم شيء من مخلوقاته أقسم به، وليس لغيره ذلك. انتهى (٣). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الجواب الثاني هو الصحيح، وأما الأول ففيه نظر لا يخفى. فتأمل. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم الحلف بغير اللَّه تعالى: قال الحافظ وليّ الدين -رحمه اللَّه تعالى-. وقد اختلف العلماء في أن الحلف بمخلوق حرامٌ، أو مكروه، والخلاف عند المالكيّة، والحنابلة، لكن المشهور عند المالكيّة الكراهة، وعند الحنابلة التحريم، وبه قال أهل الظاهر، ويوافقه ما جاء عن ابن عبّاس

стр. 15145

- ﵄: "لأن أحلف باللَّه مائة مرّة، فآثم، خيرٌ من أن أحلف بغيره، فأبرّ". قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: ما قاله الحنابلة، والظاهريّة من أنه للتحريم هو الحقّ؛ لتوافق الأدلّة الصحيحة الصريحة على ذلك، كقوله ﷺ : "لا تحلفوا بآبائكم"، وقوله: "من كان حالفًا، فلا يحلف إلا باللَّه"، وقوله: "من حلف بغير اللَّه فقد كفر"، وغير ذلك. واللَّه تعالى أعلم. وقال ابن عبد البرّ: فيه -يعني حديث الباب- أنه لا يجوز الحلف بغير اللَّه، وهذا أمر مجمع عليه، ثم قال: أجمع العلماء على أن اليمين بغير اللَّه مكروهة، منهيّ عنها, لا يجوز الحلف لأحد بها، واختلفوا في الكفّارة إذا حنث، فأوجبها بعضهم، وأباها بعضهم، وهو الصواب. انتهى. وقال الشافعيّ: أخشى أن يكون الحلف بغير اللَّه معصيةً، قال أصحابه: أي حرامًا وإثمًا، قالوا: فأشار إلى تردّد فيه، وقال إمام الحرمين: المذهب القطع بأنه ليس بحرام، بل مكروه، ولذا قال النوويّ في "شرح مسلم": هو عند أصحابنا مكروهٌ، وليس بحرام، ويوافقه تبويب الترمذيّ عليه "كراهية الحلف بغير اللَّه". قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: حمل كلام الترمذي على الكراهة بمعنى خلاف الأولى غير صحيح، بل مراد الترمذي بهذه العبارة التحريم، وعليك أن تتبّع تراجمه بهذه العبارة في كثير من المحرّمات التي لا خلاف في تحريمها تجده واضحًا، وذلك أن السلف لا يطلقون الكراهة إلا على الحرام، وهو الموافق لكتاب اللَّه؛ فإنه قال- بعد ذكر عدّة محرّمات، من الشرك، والقتل، والزنا، وغيرها -: ﴿كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا﴾ [الإسراء: ٣٨]، وإنما استعمل الكراهة لخلاف الأولى هم متأخرو الفقهاء، فتنبّه لذلك، فإنه مزلّة أقدام. واللَّه تعالى أعلم. قال وليّ الدين: وقيد ذلك -أي القول بالكراهة- في "شرح الترمذيّ" بالحلف بغير اللات والعزّى، وملّة غير الإسلام، فأما الحلف بنحو هذا فهو حرامٌ، وكأن ذلك لأنها قد عُظمت بالعبادة. وقد قال أصحابنا: إنه لو اعتقد الحالف بالمخلوق في المحلوف به من التعظيم ما يعتقده في اللَّه تعالى كفر، وعلى هذا يُحمل ما روي أن النبيّ ﷺ قال: "من حلف بغير اللَّه، فقد كفر". انتهى. فمعظّم اللات والعزى كافرٌ؛ لأن تعظيمها لا يكون إلا للعبادة، بخلاف مُعَظِّم الأنبياء، والملائكة، والكعبة، والآباء، والعلماء، والصالحين، لمعنى غير العبادة، لا تحريم فيه، لكن الحلف به مكروه، أو محرّم على الخلاف في ذلك؛ لورود النهي عنه. وحكمته أن حقيقة العظمة مختصّة باللَّه تعالى، كما قال تعالى: "الكبرياء ردائي،

стр. 15146

والعظمة إزاريّ … " (١)، فلا ينبغي مضاهات غيره به في الألفاظ، وإن لم تُرَد تلك العظمة المخصوصة بالإله المعبود. قال الجامع. قد عرفت فيما سبق أن الحقّ تعميم التحريم، فإن نصوص التحريم لم تفرّق بين الأنبياء، والملائكة، والأصنام، واللات والعزّى، بل قال ﷺ : "من حلف بغير اللَّه فقد كفر". فتنبّه. واللَّه تعالى أعلم. قال: وأما الحلف بالنصرانيّة، ونحوها، فلا أشكّ في أنه كفر؛ لأن تعظيمها باقي وجه كان يقتضي حقيّتها، وذلك كفر، إلا أن يتأول الحالف أنه أراد تعظيمها حين كانت حقا قبل نسخها، فلا أكفّره حينئذ، ولكن أحكم عليه بالعصيان؛ لبشاعة هذا اللفظ، والتشبه فيه بأهل الكفر والضلال. واللَّه أعلم انتهى كلام الحافظ العراقيّ. قال وليّ الدين: وهذا الذي ذكره أصحابنا، رواه الترمذيّ، عن ابن عمر أنه سمع رجلاً يقول: لا والكعبة، فقال ابن عمر: لا تحلف بغير اللَّه، فإني سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "من حلف بغير اللَّه، فقد كفر"، أو "أشرك". وقال الترمذيّ: هذا حديث حسن. وأخرجه الحاكم في "مستدركه"، وقال: إنه صحيح على شرط الشيخين، وهو في "سنن أبي داود" في رواية ابن العبد، دون رواية اللؤلؤيّ. وقال الترمذيّ: تفسير هذا الحديث عند بعض أهل العلم أن قوله: "كفر"، أو "أشرك" على التغليظ، والحجة في ذلك حديث ابن عمر: "إن اللَّه ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم"، وحديث أبى هريرة ﵁: "من حلف، فقال في حلفه: واللات والعزّى، فليقل: لا إله إلا اللَّه"، وهذا مثل ما روي عن النبيّ ﷺ أنه قال: "الرياء شرك"، فقد فسّر أهل العلم هذه الآية: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ﴾ [الكهف: ١١٠]، قال: لا يرائي. انتهى. وقال ابن العربيّ: يريد به شرك الأعمال، وكفرها, ليس شرك الاعتقاد، ولا كفره، كقوله ﷺ : "من أبق من مواليه، فقد كفر"، ونسبة الكفر إلى النساء. وفي "مصنّف ابن أبي شيبة" عن الحسن، قال: مرّ عمر بالزبير ﵄، وهو يقول: لا، والكعبة، فرفع عمر الدّرّة، وقال: الكعبة، لا أمّ لك، تُطعمك، وتسقيك؟. وهذا منقطع. وعن عكرمة، قال: قال عمر ﵁: حدّثت قومًا حديثًا، فقلت: لا، وأبي، فقال رجل من خلفي: لا تحلفوا بآبائكم، قال: فالتفت، فإذا رسول اللَّه ﷺ ، فقال: "إن أحدكم حلف بالمسيح هلك، والمسيح خيرٌ من آبائكم". وهذا منقطع أيضًا. وعن

стр. 15147

كعب الأحبار أنه قال: إنكم تشركون، قالوا: وكيف، يا أبا إسحاق؟، قال: يحلف الرجل، لا وأبي، لا وأبيك، لا لعمري، لا لحياتي، ولا وحرمة المسجد، لا والإِسلام، وأشباهه من القول. وعن القاسم بن مُخيمِرةَ قال: ما أبالي حلفت بحياة رجل، أو بالصليب. رواها كلها ابن أبي شيبة. انتهى كلام وفي الدين -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- (١). وقال في "الفتح": قال ابن المنذر: اختلف أهل العلم في معنى النهي عن الحلف بغير اللَّه، فقالت طائفة: هو خاصّ بالأيمان التي كان أهل الجاهليّة يحلفون بها تعظيما لغير اللَّه تعالى، كاللات، والعزّى، والآباء، فهذه يأثم الحالف بها, ولا كفّارة فيها، وأما ما كان يؤول إلى تعظيم اللَّه، كقوله: وحقِّ النبيّ، والإسلام، والحجّ، والعمرة، والهدي، والصدقة، والعتق، ونحوها، مما يراد به تعظيم اللَّه، والقربة إليه، فليس داخلاً في النهي. وممن قال بذلك أبو عُبيد، وطائفة، ممن لقيناه، واحتجّوا بما جاء عن الصحابة من إيجابهم على الحالف بالعتق، والهدي، والصدقة ما أوجبوه مع كونهم رأوا النهي المذكور، فدلّ على أن ذلك عندهم ليس على عمومه، إذ لو كان عامًا لنهوا عن ذلك، ولم يوجبوا فيه شيئًا انتهى. وتعقّبه ابن عبد البرّ بأن ذكر هذه الأشياء، وإن كانت بصورة الحلف، فليست يمينًا في الحقيقة، وإنما خرج على الاتّساع، ولا يمين في الحقيقة إلا باللَّه. انتهى (٢). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب. (المسألة الخامسهَ): في أقوال أهل العلم في الجمع بين أحاديث النهي عن الحلف بغير اللَّه تعالى، وبين قول النبيّ ﷺ للأعرابيّ: "أفلح وأبيه إن صدق": فقد أجابوا عن ذلك بأجوبة: [أحدها]: تضعيف هذا الحديث، وإن كان في "الصحيح"، قال ابن عبد البرّ: هذه لفظة غير محفوظة في هذا الحديث من حديث من يُحتجّ به، وقد روى هذا الحديث مالك وغيره، لم يقولوا ذلك، وقد روي عن إسماعيل بن جعفر هذا الحديث، وفيه: "أفلح واللَّه، إن صدق، أو دخل الجنّة واللَّه إن صدق"، وهذا أولى من رواية من روى "وأبيه"؛ لأنها لفظة منكرة، تردّها الآثار الصحاح. انتهى. وزعم بعضهم أن بعض الرواة عنه صحّف قوله: "وأبيه" من قوله: "واللَّه"، وهو محتملٌ، ولكن مثل ذلك لا

стр. 15148

يثبت بالاحتمال، وقد ثبت مثل ذلك من لفظ أبي بكر الصدّيق ﵁ في قصَّة السارق الذي سرق حلي ابنته، فقال في حقّه: "وأبيك ما ليلك بليل سارق". أخرجه في "الموطّإ" وغيره. قال السهيليّ: وقد ورد نحوه في حديث آخر مرفوع، قال للذي سأل أيّ الصدقة أعظم أجرًا؛ فقال: "أما وأبيك لَتُنَبَّأَنَّهُ"، أخرجه مسلم (١). فإذا ثبت ذلك، فيجاب بأجوبة: [الأول]: أن هذا اللفظ كان يجري على ألسنتهم من غير أن يقصدوا به القسم، والنهي إنما ورد في حقّ من قصد حقيقة الحلف، وإلى هذا جنح البيهقيّ، وقال النوويّ: إنه الجواب المرضيّ. [الثاني]: أنه كان يقع على وجهين: أحدهما: للتعظيم، والآخر للتأكيد، والنهي إنما وقع عن الأول، فمن أمثلة ما وقع في كلامهم للتأكيد، لا للتعظيم قول الشاعر: لَعْمْرُ أَبِي الْوَاشِينَ إِنِّي أُحِبُّهَا وقول الآخر [من الطويل]: فَإِنْ تَكُ لَيْلَى اسْتَوْدَعَتْنِي أَمَانَةً … فَلَا وَأَبِي أَعْدَائِهَا لَا أُذِيعُهَا فلا يُظنّ أن قائل ذلك قصد تعظيم والد أعدائها، كما لم يقصد الآخر تعظيم والد من وشى به، فدلّ على أن القصد بذلك تأكيد الكلام، لا التعظيم. وقال البيضاويّ: هذا اللفظ من جملة ما يُزاد في الكلام لمجرد التقرير، والتأكيد، ولا يُراد به القسم، كما تزاد صيغة النداء لمجرّد الاختصاص، دون القصد إلى النداء. وقد تُعقّب الجواب بأن ظاهر سياق حديث عمر يدلّ على أنه كان يحلّفه؛ لأن في بعض طرقه أنه كان يقول: لا وأبي، لا وأبي، فقيل له. لا تحلفوا، فلولا أنه بصيغة الحلف ما صادف النهي محلاًّ، ومن ثمّ قال بعضهم: وهو: [الجواب الثالث]: إن هذا كان جائزًا، ثمّ نسخ. قاله الماورديّ، وحكاه البيهقيّ، وقال السبكيّ: أكثر الشرّاح عليه، حتى قال ابن العربيّ: ورُوي أنه ﷺ كان يحلف بأبيه حتى نُهي عن ذلك، قال: وترجمة أبي داود تدلّ على ذلك. يعني قوله: "باب الحلف بالآباء"، ثم أورد الحديث المرفوع الذي فيه: "أفلح وأبيه، إن صدق". قال السهيليّ: ولا يصحّ؛ لأنه لا يُظنّ بالنبيّ ﷺ أنه كان يحلف بغير اللَّه، ولا يُقسم بكافر، تالله إن ذلك لبعيد من شيمته. وقال المنذريّ: دعوى النسخ ضعيفة؛ لإمكان الجمع، ولعدم تحقّق التاريخ. [والجواب الرابع]: أن في الجواب حذفًا، تقديره: أفلح وربّ أبيه. قاله البيهقيّ، وقد تقدّم.

стр. 15149

[الخامس]: أنه للتعجّب. قاله السهيليّ، قال: ويدلّ عليه أنه لم يرد بلفظ "أبي"، وإنما ورد بلفظ "وأبيه" بالإضافة إلى ضمير المخاطب حاضرًا، أو غائبًا. [السادس]: أن ذلك خاصّ بالشارع، دون غيره من أمّته. وتُعُقّب بأن الخصائص لا تثبت بالاحتمال. قاله في "الفتح" (١). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: عندي أرجح الأقوال قول من قال: إنه لمجرّد التأكيد لا للتعظيم، كالبيتين السابقين، وكقول الآخر [من الطويل]: أَطِيبُ سَفَاهًا من سَفَاهَةِ رَأْيِهَا … لأَهْجُوَهَا لَمَّا هَجَتْنِي مُحَارِبُ فَلَا وَأَبِيهَا إِنَّنِي بِعَشِيرَتِي … وَنَفْسِيَ عَنْ ذَاكَ الْمَقَامِ لَرَاغِبُ فإنه محالٌ أن يُقسم بأبي من يهجوه على سبيل الإعظام لحقّه، في أمثلة كثيرة، والنهي إنما ورد في التعظيم. والحاصل أن ما وقع في الحديث المذكور من قوله: "أفلح وأبيه" من هذا النوع، وما تقدّم من التعقّب بأن ظاهر سياق حديث عمر يدلّ على أنه كان يحلفه الخ، فنقول: نعم إنه كان حالفًا به، على الوجه المذموم، كما هو عادة قريش، فنهاه الشارع من أجل هذا، وأما استعماله ﷺ فليس من هذا الباب، بل من النوع الآخر الذي مجرد التأكيد، فافهم الفرق بينهما تُرشَدْ، واللَّه الهادي إلى سواء السبيل. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٧٩٢ - (أَخْبَرَنِي زِيَادُ بْنُ أَيُّوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنِي رَجُلٌ، مِنْ بَنِي غِفَارٍ, فِي مَجْلِسِ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ -يَعْنِي ابْنَ عُمَرَ- وَهُوَ يَقُولُ: قَالَ: رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِنَّ اللَّهَ يَنْهَاكُمْ أَنْ تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ"). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا غير مرّة. و (زياد بن أيوب): هو أبو هاشم البغداديّ الطوسي الأصل الملقّب بدلّويه الثقة الحافظ [١٠] ١٠١/ ١٣٢. و"يحيى بن أبي إسحاق": هو الحضرميّ مولاهم، البصريّ النحويّ، صدوقٌ ربّما أخطأ [٥] ١/ ١٤٣٨. وقول يحيى بن أبي إسحاق: حدّثني رجل الخ الظاهر أنه حدثه بحديث يتعلّق بالحلف بالآباء، ولذا ذكر له سالم حديث عمر ﵁. ثم إن قوله: "رجل الخ" لا يضرّ بالسند لأنه ليس مقصودًا في السند، وإنما المقصود سالم، عن أبيه، عن النبيّ ﷺ ،

стр. 15150

وقد سمع منه يحيى، فهو متّصل. واللَّه تعالى أعلم. والحديث متّفقٌ عليه، وقد سبق تمام البحث فيه في الذي قبله. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعتُ، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكّلتُ، وإليه أنيب". … ٥ - (الْحَلِفُ بِالآبَاءِ) ٣٧٩٣ - (أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَاللَّفْظُ لَهُ, قَالَا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيُّ ﷺ , عُمَرَ مَرَّةً, وَهُوَ يَقُولُ: وَأَبِي, وَأَبِي، فَقَالَ: "إِنَّ اللَّهَ يَنْهَاكُمْ أَنْ تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ, فَوَاللَّهِ مَا حَلَفْتُ بِهَا بَعْدُ, ذَاكِرًا وَلَا آثِرًا"). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد عندهم رجال الصحيح، وتقدّموا. و "سفيان": هو ابن عيينة. وقوله: "فواللَّه ما حلفتُ الخ" هو من كلام عمر ﵁. وقوله: "بها" أي بالآباء، أو بهذه اللفظة، وهي: "وأبي". وقوله. "ذاكرا" أي من نفسي. وقوله: "آثرًا" بالمدّ، وبكسر الثاء المثلّثة، أي حاكيًا له عن غيري، أي ما حلفت بها, ولا حكيت عن غيري أنه حلف بها، يقال: أثرتُ الحديث أَثْرًا، من قتل: إذا ذكرته عن غيرك، ومنه -كما قيل- قوله تعالى: ﴿أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ﴾ [الأحقاف: ٤]، ويدلّ لذلك قوله في رواية لمسلم: "ولا تكلّمت بها". [فإن قلت]: الحاكي لذلك عن غيره ليس حالفًا به. [قلت]: يجوز أن يكون العامل فيه محذوفًا: أي ما حلفت بها ذكرًا، ولا ذكرته آثرًا. وإن تضمّن حلفت معنى نطقتُ، أو قلتُ، أو نحو ذلك مما يصلح للعمل فيهما، كما قد ذُكر الوجهان في قول الشاعر: عَلَفتُهَا تِبْنًا وَمَاءً بَارِدًا … حَتَّى غَدَتْ هَمَّالَةً عَيْنَهَا إما أن يقدّر سقيتها، واما أن يُضمّن علفتها معنى أَنَلْتُها، وما أشبه ذلك. [فإن قلت]: إذا تورّع عن النطق بذلك حاكيًا له عن غيره، فكيف نطق به حاكيًا له عن نفسه؟.

стр. 15151

[قلت]: حكايته له عن نفسه من ضرورة تبليغ هذه القصّة، وروايتها، وأيضًا فقد يريد نفي حكايته كلام الحالف به بعد النهي عنه، وأما هو فإنما حلف به قبل النهي عنه. وجوّز الحافظ العراقيّ -رحمه اللَّه تعالى- في معنى قوله: "آثرًا" وجهين آخرين: [أحدهما]: أن يكبرن معناه مُختارًا، يقال: أثر الشيء: اختاره، وعلى هذا فيكون قوله؛ "ذاكرًا"، من الذُّكر بالضمّ خلاف النسيان، أي ما حلفت بها ذاكرًا اليمين، غير مجبر، ولا مختار، مريدًا لذلك. [ثانيهما]: أن يكون معنى قوله: "آثرًا" أي على طريق التفاخر بالآباء، والإكرام لهم، يقال: آثره أي أكرمه، لكن على عادة العرب في النطق بذلك، لا على سبيل التعظيم والإكرام انتهى. ذكره الحافظ وليّ الدين -رحمه اللَّه تعالى- (١). والحديث متّفقٌ عليه، وقد سبق القول فيه قريبًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٧٩٤ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ، وَسَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ, وَاللَّفْظُ لَهُ, قَالَا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عُمَرَ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "إِنَّ اللَّهَ يَنْهَاكُمْ أَنْ تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ", قَالَ عُمَرُ: فَوَاللَّهِ مَا حَلَفْتُ بِهَا بَعْدُ, ذَاكِرًا, وَلَا آثِرًا). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخيه، وهما ثقتان. و"سفيان": وابن عيينة. والحديث متّفقٌ عليه، وسبق القول فيه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٧٩٥ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ بْنِ سَعِيدٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا مُحَمَّدٌ -وَهُوَ ابْنُ حَرْبٍ- عَنْ الزُّبَيْدِيِّ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّهُ أَخْبَرَهُ، عَنْ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "إِنَّ اللَّهَ يَنْهَاكُمْ أَنْ تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ", قَالَ عُمَرُ: فَوَاللَّهِ مَا حَلَفْتُ بِهَا بَعْدُ, ذَاكِرًا, وَلَا آثِرًا). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه، وهو حمصيّ ثقة. و"محمد بن حرب": هو الحمصيّ المعروف بالأبرش. و"الزُّبيدي" - بضمّ الزاي، مصغّرًا -: هو محمد بن الوليد أبو الهُذيل الحمصيّ الحافظ الحجة، من أثبت من روى عن الزهريّ.

стр. 15152

والحديث متّفقٌ عليه، وقد سبق قريبًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعتُ، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكّلتُ، وإليه أنيب". … ٦ - (الْحَلِفُ بِالْأُمَّهَاتِ) ٣٧٩٦ - (أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنَا عَوْفٌ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, قَالَ: قَالَ: رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَا تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ, وَلَا بِأُمَّهَاتِكُمْ, وَلَا بِالْأَنْدَادِ، وَلَا تَحْلِفُوا إِلَّا بِاللَّهِ، وَلَا تَحْلِفُوا إِلَّا وَأَنْتُمْ صَادِقُونَ"). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (أبو بكر بن عليّ) هو أحمد بن عليّ بن سعيد بن إبراهيم المروزيّ القاضي، ثقة حافظ [١٢] ١/ ٢٠٩٤. ٢ - (عبيد اللَّه بن معاذ) العنبريّ، أبو عمرو البصريّ، ثقة حافظ، رجّح ابن معين أخاه المثنى عليه [١٠] ٣٧/ ٥٨١. ٣ - (أبوه) معاذ بن معاذ بن نصر بن حسّان العنبريّ، أبو المثنّى البصريّ القاضي، ثقة متقن، من كبار [٩] ٣٤/ ٣٨. ٤ - (عوف) بن أبي جَمِيلة بندويه الأعرابي العبديّ البصريّ، ثقة رُمي بالقدر، والتشيّع [٦] ٤٦/ ٥٧. ٥ - (محمد بن سيرين) الأنصاريّ مولاهم، أبو بكر بن أبي عمرة البصريّ، ثقة ثبت فقيه عابد [٣] ٤٦/ ٥٧. ٦ - (أبو هريرة) - رضي اللَّه تعالى عنه - ١/ ١. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فمن أفراده. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين، غير شيخه، فمروزيّ، والصحابي، فمدنيّ، (ومنها): أن فيه أبا هريرة ﵁ من المكثرين السبعة. واللَّه تعالى أعلم.

стр. 15153

شرح الحديث (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) - رضي اللَّه تعالى عنه -، أنه (قَال: قَالَ: رَسُولُ ﷺ : (لَا تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ) تقدّم أن المراد به المخلوقات مطلقًا، وإنما خصّ الآباء بالذكر، إما لكونه ورد عَلى سبب، وهو قصَّة عمر ﵁ المتقدّمة، وإما أن يقال: خرج مخرج الغالب، فإن الغالب فيهم أن يحلفوا بآبائهم، كما تقدّم قوله: "وكانت قريشٌ تحلف بآبائها". واللَّه تعالى أعلم (وَلَا بِأُمَّهَاتِكُمْ) هكذا زاد في هذا الحديث الحلف بالأمهات، وهو مما يؤيّد ما قلناه آنفًا من المراد من النهي عن الحلف بالآباء الحلف بغير اللَّه تعالى، وكذا قوله (وَلَا بِالأَنْدَادِ) بفتح الهمزة: جمع نِدّ بكسر النون، وتشديد الدال المهملة، مثلُ حِمْل وأحمال، قال الفيّوميّ: النِّدّ بالكسر المثل، والنَّدِيد مثله، ولا يكون النِّدّ إلا مخالفًا. انتهى. والمراد هنا الأصنام، والأوثان، وكلّ ما عُبد من دون اللَّه تعالى (وَلَا تَحْلِفُوا إِلَّا باللَّهِ) أي باسم بن أسمائه الحسنى، أو صفة من صفاته العُليا, وليس المراد خصوص هذا اللفظ (وَلَا تَحْلِفوا إِلَّا وَأَنْتُمْ صَادِقُونَ) فيه تحريم الحلف كاذبًا، وهو من الكبائر، إن تعلق به حقّ، لما سيأتي للمصتف في "كتاب تحريم الدم" -وأخرجه البخاريّ أيضًا - من حديث عبد اللَّه بن عمرو، عن النبيّ ﷺ ، قال: "الكبائر: الإشراك باللَّه، وعقوق الوالدين، وقتل النفس، واليمين الغَمُوس". وقد فُسّر "اليمين الغَموس" في الحديث، فقد ثبت في رواية زيادة: "وما اليمين الغموس؟ " قال: "التي تَقتطع مال امرئ مسلم، هو فيها كاذب"، والسائل هو فراس بن يحيى، والمجيب هو الشعبيّ، كما بين في "صحيح ابن حبّان"، قاله الحافظ في "الفتح" (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث أبي هريرة - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا صحيح. (المسألة الثانية): في مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٦/ ٣٧٩٦ - وفي "الكبرى" ٦/ ٤٧١٠. وأخرجه (د) في (الأيمان والنذور" ٣٢٤٨. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو تحريم الحلف بالأمهات.

стр. 15154

(ومنها): الحلف بالأصنام، والأوثان، وغيرها من المخلوقات. (ومنها): وجوب الحلف باللَّه تعالى. (ومنها): تحريم الحلف كاذبًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعتُ، وما توفيقى إلا باللَّه، عليه توكّلتُ، وإليه أنيب". … ٧ - (الْحَلِفُ بِمِلَّةٍ سِوَى الإِسْلَامِ) قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: ترجم الإمام البخاريّ -رحمه اللَّه تعالى- هنا بقوله: "باب من حلف بملّةٍ، سوى الإسلام"، فقال في "الفتح": ما نصّه: ولم يجزم المصنّف بالحكم، هل يَكفُر الحالف بذلك، أو لا، لكن تصرّفه يقتضي أن لا يَكفُر بذلك؛ لأنه علّق حديث: "من حلف باللات والْعُزَّّى، فليقل: لا إله إلا اللَّه"، ولم يَنسبه إلى الكفر، وتمام الاحتجاج أن يقول: لكونه اقتصر على الأمر يقول: لا إله إلا اللَّه، ولو كان ذلك يقتضي الكفر لأمره بتمام الشهادتين. انتهى. وسيأتي التفصيل قريبًا، إن شاء اللَّه تعالى. ٣٧٩٧ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، عَنْ خَالِدٍ ح وَأَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَزِيعٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ ثَابِتِ بْنِ الضَّحَّاكِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ حَلَفَ بِمِلَّةٍ, سِوَى الْإِسْلَامِ كَاذِبًا, فَهُوَ كَمَا قَالَ". قَالَ: قُتَيْبَةُ، فِي حَدِيثِهِ: "مُتَعَمِّدًا"، وَقَالَ يَزِيدُ: "كَاذِبًا, فَهُوَ كَمَا قَالَ، وَمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِشَيْءٍ عَذَّبَهُ اللَّهُ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ"). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (قتيبة) بن سعيد البغلانيّ، ثقة ثبت [١٠] ١/ ١. ٢ - (محمد بن عبد اللَّه بن بَزِيع) -بفتح الباء الموحّدة، وكسر الزاي- البصريّ، ثقة [١٠] ٤٣/ ٥٨٨. ٣ - (ابن أبي عديّ) هو محمد بن إبراهيم بن أبي عديّ، أبو عمرو البصريّ، ثقة [٩] ١٢٢/ ١٧٥. ٤ - (يزيد) بن زُريع، أبو معاوية البصريّ، ثقة ثبت [٨] ٥/ ٥. ٥ - (خالد) بن مِهْران المعروف بالحذّاء البصريّ، ثقة يرسل [٥] ٧/ ٦٣٤.

стр. 15155

٦ - (أبو قِلابة) عبد اللَّه بن زيد بن عمرو الجرميّ البصريّ، ثقة فاضل، كثير الإرسال، قيل: فيه نصب يسير [٣] ١٠٣/ ٣٢٢. ٧ - (ثابت بن الضحاك) بن خَليفة الأشهليّ الأوسيّ، أبو زيد المدنيّ، وهو ممن بايع تحت الشجرة، وكان رديف رسول اللَّه ﷺ يوم الخندق، ودليله إلى حمراء الأسد. روى عن النبيّ ﷺ ". وروى عنه عبد اللَّه بن معقِل بن مُقَرِّن الْمُزَنيّ، وأبو قلابة عبد اللَّه بن زيد الْجَرْميّ. وقال البخاريّ، والترمذيّ: شهد بدرًا. مات في فتنة ابن الزبير سنة (٦٤) على الصحيح. وقيل: سنة ٤٥). روى له الجماعة، وله عند المصنّف في هذا الكتاب حديث الباب فقط. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين، فكلّهم بصريون، غير قُتيبة، فبغلاني، وهي قرية من قرى بَلخ.، وغير الصحابيّ، فمدنيّ. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ. (ومنها): أن صحابيه من المقلّين من الرواية, فإنه ليس له في الكتب الستة إلا أربعة أحاديث: حديثُ الباب عند الجماعة، وحديثُ البيعة تحت الشجرة، عند البخاريّ، ومسلم، وأبي داود، وحديثُ النهي عن المزارعة عند مسلم، وحديثُ: "نَذَرَ رجل أن ينحر إبلًا ببُوَانَةَ … " الحديث عند أبي داود. راجع "تحفة الأشراف" جـ١ص ١٩٩ - ١٢١. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ ثَابِتِ بْنِ الضَّحَّاكِ) - رضي اللَّه تعالى عنه -، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ حَلَفَ) زاد في رواية مسلم: "على يمين"، فقال القرطبيّ: اليمين هنا يعني به المحلوف عليه، بدليل ذكره المحلوف به، وهو بـ "ملة غير الإسلام"، ويجوز أن يقال: إنّ "على" صلةٌ، وينتصب "يمين" على أنه مصدر مُلاقٍ في المعنى، لا في اللفظ. انتهى. (بِمِلَّةٍ) بكسر الميم، وتشديد اللام: الدين والشريعة، وهي نكرة في سياق الشرط، فتعمّ جميع الملل، من أهل الكتاب، كاليهود، والنصرانيّة، ومن لَحِق بهم من المجوسية، والصابئة، وأهل الأوثان، والدهريّة، والمعطِّلة، وعبدة الشياطين، والملائكة، وغيرهم (سِوَى الإِسْلَامِ) بالجرّ صفة و"ملةٍ"، أي بملّة غير الإسلام، أيَّ دين كان، كما ذُكر بيانه آنفًا (كَاذِبًا) وفي رواية: "متعمّدا"، كما سيبيّنه المصنّف بعدُ. قال الصنعانيّ في "العدّة": اعلم أنه لا يتبادر من قوله "على يمينٍ بملّة" إلا أن الملّة

стр. 15156

محلوف بها، وأنه قال الحالف: وملّةِ اليهوديّة، وقوله: "كاذبًا" حال من فاعل حلف، وحَلَفَ يتضمّن عَظَّم، إذ الحلف تعظيم للمحلوف به قطعًا، فقوله: "كاذبًا"، فكأنه قال: من حلف معظّمًا لملة اليهوديّة، حال كونه كاذبًا في تعظيمه إياها بحلفه، إذ الحلف يتفرّع عن تعظيم ما حلف به، فكذبه كان بتعظيمه ما أهانه اللَّه تعالى، والحلف بالشيء يتضمّن الإخبار بتعظيمه، ولذا يقول صاحب الملك: وحياةِ الملك، فإن هذا حلف يتضمّن الإخبار باعتقاده، وتعظيم من حلف به، هذا مما لا ريب فيه. انتهى (١). (فَهُوَ كَمَا قَالَ) هذا بظاهره يفيد أنه يصير كافرًا، لكن يحتمل أن يكون المراد ضعفه في دينه، وخروجه عن الكمال فيه. ويحتمل أن يكون المراد إن كان راضيًا بالدخول في تلك الملّة، فيكون كافرًا على ظاهره، خارجًا عن الإسلام. قال أبو العبّاس القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى-: يحتمل أن يريد به النبيّ ﷺ : من كان معتقدًا لتعظيم تلك الملّة المغايرة لملّة الإسلام، وحينئذ يكون كافرًا حقيقةً، فيبقى اللفظ على ظاهره، و"كاذبًا" منصوبٌ على الحال، أي في حال تعظيم تلك الملّة التي حلف بها، فتكون هذه الحال من الأحوال اللازمة، كقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا﴾ [البقرة: ٩١]؛ لأن من عظّم ملّةَ غير الإسلام كان كاذبًا في تعظيمه دائمًا في كلّ حال، وكلّ وقتٍ، لا ينتقل عن ذلك، ولا يصلح أن يقال: إنه يعني بكونه كاذبًا في المحلوف عليه؛ لأنه يستوي في ذمّه كونه صادقًا، أو كاذبًا إذا حلف بملّة غير الإسلام؛ لأنه إنما ذمّه الشرع من حيث إنه حلف بتلك الملّة الباطلة، معظّمًا لها، على نحو ما تُعظّم به ملّة الإسلام الحقّ، فلا فرق بين أن يكون صادقًا، أو كاذبًا في المحلوف عليه. واللَّه تعالى أعلم. وأما إن كان الحالف بذلك غير معتقد لذلك فهو آثمٌ، مرتكبٌ كبيرة، إذ قد نسبه في قوله لمن يعظّم تلك الملّة، ويعتقدها، فغلّظ عليه الوعيد، بأن صيّره كواحد منهم، مبالغة في الردع، والزجر، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [المائدة: ٥١]. انتهى كلام القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى- (٢). وقال في "الفتح": قال ابن دقيق العيد -رحمه اللَّه تعالى-: الحلف بالشيء حقيقة هو القسم به، وإدخال بعض حروف القسم عليه، كقوله: واللَّه، والرحمن، وقد يُطلق على التعليق بالشيء يمين، كقولهم: من حلف بالطلاق، فالمراد تعليق الطلاق، وأُطلق عليه الحلف لمشابهته باليمين في اقتضاء الحثّ والمنع. وإذا تقرَر ذلك، فيحتمل أن يكون المراد المعنى الثاني؛ لقوله: "كاذبًا متعمّدًا"، والكذب يدخل القضيّة الإخباريّة

стр. 15157

التي يقع مقتضاها تارةً، ولا يقع أخرى، وهذا بخلاف قولنا: واللَّه، وما أشبهه، فليس الإخبار بها عن أمر خارجيّ، بل هي لإنشاء القسَم، فتكون صورة الحلف هنا على وجهين: [أحدهما]: أن يتعلّق بالمستقبل، كقوله: إنّ فعل كذا، فهو يهوديّ، والثاني يتعلّق بالماضي، كقوله: إن كان فعل كذا فهو يهوديّ. وقد يتعلّق بهذا من لم ير فيه الكفّارة؛ لكونه لم يَذكُر فيه كفّارةً، بل جعل المرتّب على كذبه قوله: "فهو كما قال". قال ابن دقيق العيد: ولا يَكفُرُ في صورة الماضي، إلا إن قصد التعظيم، وفيه خلاف عند الحنفيّة؛ لكونه يتخيّر معنى، فصار كما لو قال: هو يهوديّ. ومنهم من قال: إن كان لا يعلم أنه يمين لم يَكفُر، وإن كان يعلم أنه يكفر بالحثّ به كفر؛ لكونه رضي بالكفر حين أقدم على الفعل. وقال بعض الشافعيّة: ظاهر الحديث أنه يحكم عليه بالكفر إذا كان كاذبًا، والتحقيق، فإن اعتقد تعظيم ما ذُكر كفَرَ، وإن قصد حقيقة التعليق، فيُنظر، فإن كان أراد أن يكون متّصفًا بذلك كفَرَ؛ لأن إرادة الكفر كفرٌ، وإن أراد البعد عن ذلك لم يكفر، لكن هل يحرم عليه ذلك، أو يُكره تنزيهًا؟ الثاني هو المشهور (١). قال الجامع: عندي أن الأول هو الظاهر؛ لظاهر النصّ. واللَّه تعالى أعلم. وقال عياضٌ: قوله: "كاذبًا" تفرّد بزيادتها سفيان الثوريّ، وهي زيادة حسنة، يستفاد منها أن الحالف المتعمّد إن كان مطمئنّ القلب بالإيمان" وهو كاذبٌ في تعظيم ما لا يُعتقد تعظيمه لم يكفر، وإن قاله معتقدًا لليمين بتلك الملّة لكونها حقًا كفر، وإن قالها لمجرّد التعظيم لها احتمل. قال الحافظ: وينقدح بأن يقال: إن أراد تعظيمها باعتبار ما كانت قبل النسخ لم يكفر أيضًا (٢). ودعوى عياض تفرد سفيان بهذه الزيادة إنما هو بالنسبة لرواية مسلم، وإلا فقد أخرجها النسائيّ هنا من طريق ابن أبي عديّ، عن خالد الحذّاء. فتنبّه. واللَّه تعالى أعلم. (قَالَ قُتَيبَةُ) بن سعيد (فِي حَدِيثِهِ) أي في روايته هذا الحديث عن ابن أبي عديّ (مُتَعَمِّدًا) أي بدلاً عن "كاذبًا" الذي أشار إليه بقوله (وَقَالَ يَزِيد: "كَاذبًا") يزيد هو ابن زُريع، هكذا نسخ "المجتبى"، وكان الظاهر أن يقول: وقال محمد بن عبد اللَّه؛ لأنه الذي في مقابلة قتيبة، وليس هذا في "الكبرى"، ولفظه: (وقال قتيبة في حديثه: بشيء متعمّدًا". انتهى.

стр. 15158

وقوله (فَهُوَ كَمَا قَالَ) مكرّرٌ مع ما تقدّم. (وَمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِشَيْءٍ عَذِّبَهِ اللَّه بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ) وفي رواية: "ومن قتل نفسه بشيء في الدنيا عُذب به يوم القيامة". وقوله: "بشيء" أعمّ مما وقع في رواية مسلم "بحديدة"، وله من حديث أبي هريرة ﵁: "ومن تحسّى سمّا". قال ابن دقيق العيد -رحمه اللَّه تعالى-: هذا من باب مجانسة العقوبات الأخرويّة للجنايات الدنيويّة، ويؤخذ منه أن جناية الإنسان على نفسه كجنايته على غيره في الإثم؛ لأن نفسه ليست ملكًا له مطلقًا، بل هي للَّه تعالى، فلا يتصرّف فيها إلا بما أذن له فيه. قيل: وفيه حجة لمن أوجب المماثلة في القصاص؛ خلافًا لمن خصّصه بالمحدود. وردّه ابن دقيق العيد بأن أحكام اللَّه لا تُقاس بأفعاله، فليس كلّ ما ذُكر أنه يفعله في الآخرة يشرع لعباده في الدنيا، كالتحريق بالنار مثلًا، وسقي الحميم الذي يقطع به الأمعاء. وحاصله أنه يستدلّ للماثلة في القصاص بغير هذا الحديث، وقد استدلّوا بقوله تعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠] ويأتي بيان ذلك في "القصاص والديات"، إن شاء اللَّه تعالى (١). [تنبيه]: جملة الخصال التي ذكر المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- في حديث ثابت بن الضحاك ﷺ هذا ثلاث أشياء: ١ - "من حلف بملة غير الإسلام"، و ٢ - "ومن قتل نفسه بشيء". و ٣ - ما يأتي في -٣١/ ٣٨٤٠ - : "وليس على رجل نذرٌ فيما لا يملك". وقد أخرج البخاريّ -رحمه اللَّه تعالى- الحديث في "كتاب الأدب" من "صحيحه" بأتمّ من هذا, ولفظه: ٦٠٤٧ - حدثنا محمد بن بشار، حدثنا عثمان بن عمر، حدثنا علي بن المبارك، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي قلابة، أن ثابت بن الضحاك، وكان من أصحاب الشجرة حدثه، أن رسول اللَّه ﷺ ، قال: "من حلف على ملة غير الإسلام، فهو كما قال، وليس على ابن آدم نذر، فيما لا يملك، ومن قتل نفسه بشيء في الدنيا، عذب به يوم القيامة، ومن لعن مؤمنا، فهو كقتله، ومن قذف مؤمنا بكفر، فهو كقتله". قال الحافظ -رحمه اللَّه تعالى-: مدار هذا الحديث في الكتب الستّة، وغيرها على أبي قلابة، عن ثابت بن الضحّاك، ورواه عن أبي قلابة خالد الحذّاء، ويحيى بن أبي كثير، وأيوب، فأخرجه البخاريّ في "الجنائز" من رواية يزيد بن زريع، عن خالد الحذّاء،

стр. 15159

فاقتصر على خصلتين: الأولى: "من حلف بملة غير الإسلام". والثانية: "من قتل نفسه بحديدة". وأخرجه مسلم من طريق الثوريّ، عن خالد الحذاء، ومن طريق شعبة، عن أيوب كذلك. وأخرجه مسلم أيضًا من طريق هشام الدستوائيّ، عن يحيى، فذكر خصلة النذر، ولعن المؤمن كقتله، "ومن قتل نفسه بشيء عذب به يوم القيامة"، ولم يذكر الخصلتين الباقيتين، وزاد بدلهما: "ومن حلف على يمينٍ صبرٍ فاجرة، ومن ادّعى دعوى كاذبة ليتكثّر بها لم يزده اللَّه إلا قلّة"، فهذا ضُمّ بعض هذه الخصال إلى بعض اجتمع منها تسعة (١). انتهى كلام الحافظ بتصرّف. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث ثابت بن الضّحّاك - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٧/ ٣٧٩٧ و ٣٧٩٨ و ٣١/ ٣٨٤٠ - وفي "الكبرى" ٧/ ٤٨١١ و ١٤٧٢ و ٨/ ٤٧٥٥. وأخرجه (خ) في "الجنائز" ١٣٦٤ و"الأدب" ٦٠٤٧ و ١٦٠٥ و"الأيمان والنذور" ٦٦٥٣ (م) في "الإيمان" ١١٠ (د) في "الأيمان والنذور" ٣٢٥٧ (ت) في "النذور والأيمان" ١٥٤٣ و"الإيمان" ٢٦٣٦ (ق) في "الكفّارات" ٢٠٩٨ (أحمد) في "مسند المدنيين" ١٥٩٥٠ و ١٥٩٥٦ (الدارمي) في "الديات" ٢٣٦١. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان تحريم الحلف بملّة سوى الإسلام. (ومنها): الوعيد الشديد لمن حلف بملّةٍ سوى الإسلام. (ومنها): تحريم قتل الإنسان نفسه. (ومنها): مجانسة الجزاء الأخرويّ للجناية الدنويّة. (ومنها): أن نفس الإنسان ليست ملكًا له يتصرّف فيها كيف شاء، بل هي للَّه تعالى، لا يجوز أن تعامل إلا بما شرع اللَّه تعالى أن تعامل به، فلا يجوز إلحاق الضرر بها، من التجويع، والتعطيش، وغير ذلك من إلحاق الأذى بها مما يعتقده جهالة الزهاد، ويرونه رياضة للنفس، وهم في ذلك مخطئون، فإن الرياضة لا تجوز إلا بما شرعه اللَّه تعالى على لسان نبيه ﷺ . واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم الكفّارة لمن حلف بملّة غير الإسلام، أو نحو ذلك:

стр. 15160

قال ابن المنذر -رحمه اللَّه تعالى-: اختُلف فيمن قال: أكفر باللَّه، ونحو ذلك، إن فعلت، ثم فعل، فقال ابن عبّاس، وأبو هريرة، وعطاء، وقتادة، وجمهور فقهاء الأمصار: لا كفّارة عليه، ولا يكون كافرًا، إلا إن أضمر ذلك بقلبه. وقال الأوزاعيّ، والثوريّ، والحنفيّة، وأحمد، وإسحاق: هو يمين، وعليه الكفّارة. قال ابن المنذر: والأول أصحّ؛ لقوله ﷺ : "من حلف باللات والعزّى، فليقل: لا إله إلا اللَّه"، ولم يذكر كفّارة. زاد غيره: ولذا قال: "من حلف بملّة غير الإسلام، فهو كما قال"، فأراد التغليظ في ذلك حتى لا يجترىء أحدٌ عليه. ذكره في "الفتح". (١). وقال ابن قُدامة -رحمه اللَّه تعالى- بعد ذكر الروايتين عن أحمد: والرواية الثانية -يعني القول بعدم الكفّارة- أصحّ، إن شاء اللَّه تعالى؛ فإن الوجوب من الشارع، ولم يرد في هذه اليمين نصّ، ولا هى في قياس المنصوص؛ فإن الكفّارة إنما وجبت في الحلف باسم اللَّه تعظيمًا لاسمه، وإظهارًا لشرفه وعظمته، ولا تتحقّق التسوية. انتهى (٢). قال الجامع - عفا اللَّه عنه -: هذا الذي قاله ابن قدامة، وقبله ابن المنذر، من تصحيح القول بعدم وجوب الكفّارة على من حلف بملّة سوى الإسلام، أو هو يهوديّ، أو نصرانيّ، أو نحو ذلك، ثم حنث. هو الأرجح عندي؛ لوضوح دليله. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٧٩٨ - (أَخْبَرَنِي مَحْمُودُ بْنُ خَالِدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَمْرٍو، عَنْ يَحْيَى, أَنَّهُ حَدَّثَهُ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو قِلَابَةَ، قَالَ: حَدَّثَنِي ثَابِتُ بْنُ الضَّحَّاكِ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "مَنْ حَلَفَ بِمِلَّةٍ, سِوَى الْإِسْلَامِ كَاذِبًا, فَهُوَ كَمَا قَالَ, وَمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِشَيْءٍ, عُذِّبَ بِهِ فِي الْآخِرَةِ"). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه، وهو دمشقيّ ثقة. و"الوليد": وابن مسلم، أبو العباس الدمشقيّ. و"أبو عمرو": هو عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعيّ. و"يحيى": وابن أبي كثير أبو نَصْرٍ صالح بن المتوكّل، اليماميّ. والحديث متّفقٌ عليه. وقد سبق القول فيه في الذي قبله. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعتُ، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكّلتُ، وإليه أنيب". …
следующие страницы →