محلوف بها، وأنه قال الحالف: وملّةِ اليهوديّة، وقوله: "كاذبًا" حال من فاعل حلف، وحَلَفَ يتضمّن عَظَّم، إذ الحلف تعظيم للمحلوف به قطعًا، فقوله: "كاذبًا"، فكأنه قال: من حلف معظّمًا لملة اليهوديّة، حال كونه كاذبًا في تعظيمه إياها بحلفه، إذ الحلف يتفرّع عن تعظيم ما حلف به، فكذبه كان بتعظيمه ما أهانه اللَّه تعالى، والحلف بالشيء يتضمّن الإخبار بتعظيمه، ولذا يقول صاحب الملك: وحياةِ الملك، فإن هذا حلف يتضمّن الإخبار باعتقاده، وتعظيم من حلف به، هذا مما لا ريب فيه. انتهى (١).
(فَهُوَ كَمَا قَالَ) هذا بظاهره يفيد أنه يصير كافرًا، لكن يحتمل أن يكون المراد ضعفه في دينه، وخروجه عن الكمال فيه. ويحتمل أن يكون المراد إن كان راضيًا بالدخول في تلك الملّة، فيكون كافرًا على ظاهره، خارجًا عن الإسلام.
قال أبو العبّاس القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى-: يحتمل أن يريد به النبيّ ﷺ : من كان معتقدًا لتعظيم تلك الملّة المغايرة لملّة الإسلام، وحينئذ يكون كافرًا حقيقةً، فيبقى اللفظ على ظاهره، و"كاذبًا" منصوبٌ على الحال، أي في حال تعظيم تلك الملّة التي حلف بها، فتكون هذه الحال من الأحوال اللازمة، كقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا﴾ [البقرة: ٩١]؛ لأن من عظّم ملّةَ غير الإسلام كان كاذبًا في تعظيمه دائمًا في كلّ حال، وكلّ وقتٍ، لا ينتقل عن ذلك، ولا يصلح أن يقال: إنه يعني بكونه كاذبًا في المحلوف عليه؛ لأنه يستوي في ذمّه كونه صادقًا، أو كاذبًا إذا حلف بملّة غير الإسلام؛ لأنه إنما ذمّه الشرع من حيث إنه حلف بتلك الملّة الباطلة، معظّمًا لها، على نحو ما تُعظّم به ملّة الإسلام الحقّ، فلا فرق بين أن يكون صادقًا، أو كاذبًا في المحلوف عليه. واللَّه تعالى أعلم.
وأما إن كان الحالف بذلك غير معتقد لذلك فهو آثمٌ، مرتكبٌ كبيرة، إذ قد نسبه في قوله لمن يعظّم تلك الملّة، ويعتقدها، فغلّظ عليه الوعيد، بأن صيّره كواحد منهم، مبالغة في الردع، والزجر، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [المائدة: ٥١]. انتهى كلام القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى- (٢).
وقال في "الفتح": قال ابن دقيق العيد -رحمه اللَّه تعالى-: الحلف بالشيء حقيقة هو القسم به، وإدخال بعض حروف القسم عليه، كقوله: واللَّه، والرحمن، وقد يُطلق على التعليق بالشيء يمين، كقولهم: من حلف بالطلاق، فالمراد تعليق الطلاق، وأُطلق عليه الحلف لمشابهته باليمين في اقتضاء الحثّ والمنع. وإذا تقرَر ذلك، فيحتمل أن يكون المراد المعنى الثاني؛ لقوله: "كاذبًا متعمّدًا"، والكذب يدخل القضيّة الإخباريّة
стр. 15157
التي يقع مقتضاها تارةً، ولا يقع أخرى، وهذا بخلاف قولنا: واللَّه، وما أشبهه، فليس الإخبار بها عن أمر خارجيّ، بل هي لإنشاء القسَم، فتكون صورة الحلف هنا على وجهين: [أحدهما]: أن يتعلّق بالمستقبل، كقوله: إنّ فعل كذا، فهو يهوديّ، والثاني يتعلّق بالماضي، كقوله: إن كان فعل كذا فهو يهوديّ. وقد يتعلّق بهذا من لم ير فيه الكفّارة؛ لكونه لم يَذكُر فيه كفّارةً، بل جعل المرتّب على كذبه قوله: "فهو كما قال".
قال ابن دقيق العيد: ولا يَكفُرُ في صورة الماضي، إلا إن قصد التعظيم، وفيه خلاف عند الحنفيّة؛ لكونه يتخيّر معنى، فصار كما لو قال: هو يهوديّ. ومنهم من قال: إن كان لا يعلم أنه يمين لم يَكفُر، وإن كان يعلم أنه يكفر بالحثّ به كفر؛ لكونه رضي بالكفر حين أقدم على الفعل.
وقال بعض الشافعيّة: ظاهر الحديث أنه يحكم عليه بالكفر إذا كان كاذبًا، والتحقيق، فإن اعتقد تعظيم ما ذُكر كفَرَ، وإن قصد حقيقة التعليق، فيُنظر، فإن كان أراد أن يكون متّصفًا بذلك كفَرَ؛ لأن إرادة الكفر كفرٌ، وإن أراد البعد عن ذلك لم يكفر، لكن هل يحرم عليه ذلك، أو يُكره تنزيهًا؟ الثاني هو المشهور (١).
قال الجامع: عندي أن الأول هو الظاهر؛ لظاهر النصّ. واللَّه تعالى أعلم.
وقال عياضٌ: قوله: "كاذبًا" تفرّد بزيادتها سفيان الثوريّ، وهي زيادة حسنة، يستفاد منها أن الحالف المتعمّد إن كان مطمئنّ القلب بالإيمان" وهو كاذبٌ في تعظيم ما لا يُعتقد تعظيمه لم يكفر، وإن قاله معتقدًا لليمين بتلك الملّة لكونها حقًا كفر، وإن قالها لمجرّد التعظيم لها احتمل. قال الحافظ: وينقدح بأن يقال: إن أراد تعظيمها باعتبار ما كانت قبل النسخ لم يكفر أيضًا (٢).
ودعوى عياض تفرد سفيان بهذه الزيادة إنما هو بالنسبة لرواية مسلم، وإلا فقد أخرجها النسائيّ هنا من طريق ابن أبي عديّ، عن خالد الحذّاء. فتنبّه. واللَّه تعالى أعلم.
(قَالَ قُتَيبَةُ) بن سعيد (فِي حَدِيثِهِ) أي في روايته هذا الحديث عن ابن أبي عديّ (مُتَعَمِّدًا) أي بدلاً عن "كاذبًا" الذي أشار إليه بقوله (وَقَالَ يَزِيد: "كَاذبًا") يزيد هو ابن زُريع، هكذا نسخ "المجتبى"، وكان الظاهر أن يقول: وقال محمد بن عبد اللَّه؛ لأنه الذي في مقابلة قتيبة، وليس هذا في "الكبرى"، ولفظه: (وقال قتيبة في حديثه: بشيء متعمّدًا". انتهى.
стр. 15158
وقوله (فَهُوَ كَمَا قَالَ) مكرّرٌ مع ما تقدّم.
(وَمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِشَيْءٍ عَذِّبَهِ اللَّه بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ) وفي رواية: "ومن قتل نفسه بشيء في الدنيا عُذب به يوم القيامة". وقوله: "بشيء" أعمّ مما وقع في رواية مسلم "بحديدة"، وله من حديث أبي هريرة ﵁: "ومن تحسّى سمّا". قال ابن دقيق العيد -رحمه اللَّه تعالى-: هذا من باب مجانسة العقوبات الأخرويّة للجنايات الدنيويّة، ويؤخذ منه أن جناية الإنسان على نفسه كجنايته على غيره في الإثم؛ لأن نفسه ليست ملكًا له مطلقًا، بل هي للَّه تعالى، فلا يتصرّف فيها إلا بما أذن له فيه.
قيل: وفيه حجة لمن أوجب المماثلة في القصاص؛ خلافًا لمن خصّصه بالمحدود.
وردّه ابن دقيق العيد بأن أحكام اللَّه لا تُقاس بأفعاله، فليس كلّ ما ذُكر أنه يفعله في الآخرة يشرع لعباده في الدنيا، كالتحريق بالنار مثلًا، وسقي الحميم الذي يقطع به الأمعاء.
وحاصله أنه يستدلّ للماثلة في القصاص بغير هذا الحديث، وقد استدلّوا بقوله تعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠] ويأتي بيان ذلك في "القصاص والديات"، إن شاء اللَّه تعالى (١).
[تنبيه]: جملة الخصال التي ذكر المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- في حديث ثابت بن الضحاك ﷺ هذا ثلاث أشياء:
١ - "من حلف بملة غير الإسلام"، و ٢ - "ومن قتل نفسه بشيء". و ٣ - ما يأتي في -٣١/ ٣٨٤٠ - : "وليس على رجل نذرٌ فيما لا يملك".
وقد أخرج البخاريّ -رحمه اللَّه تعالى- الحديث في "كتاب الأدب" من "صحيحه" بأتمّ من هذا, ولفظه:
٦٠٤٧ - حدثنا محمد بن بشار، حدثنا عثمان بن عمر، حدثنا علي بن المبارك، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي قلابة، أن ثابت بن الضحاك، وكان من أصحاب الشجرة حدثه، أن رسول اللَّه ﷺ ، قال: "من حلف على ملة غير الإسلام، فهو كما قال، وليس على ابن آدم نذر، فيما لا يملك، ومن قتل نفسه بشيء في الدنيا، عذب به يوم القيامة، ومن لعن مؤمنا، فهو كقتله، ومن قذف مؤمنا بكفر، فهو كقتله".
قال الحافظ -رحمه اللَّه تعالى-: مدار هذا الحديث في الكتب الستّة، وغيرها على أبي قلابة، عن ثابت بن الضحّاك، ورواه عن أبي قلابة خالد الحذّاء، ويحيى بن أبي كثير، وأيوب، فأخرجه البخاريّ في "الجنائز" من رواية يزيد بن زريع، عن خالد الحذّاء،
стр. 15159
فاقتصر على خصلتين: الأولى: "من حلف بملة غير الإسلام". والثانية: "من قتل نفسه بحديدة". وأخرجه مسلم من طريق الثوريّ، عن خالد الحذاء، ومن طريق شعبة، عن أيوب كذلك. وأخرجه مسلم أيضًا من طريق هشام الدستوائيّ، عن يحيى، فذكر خصلة النذر، ولعن المؤمن كقتله، "ومن قتل نفسه بشيء عذب به يوم القيامة"، ولم يذكر الخصلتين الباقيتين، وزاد بدلهما: "ومن حلف على يمينٍ صبرٍ فاجرة، ومن ادّعى دعوى كاذبة ليتكثّر بها لم يزده اللَّه إلا قلّة"، فهذا ضُمّ بعض هذه الخصال إلى بعض اجتمع منها تسعة (١). انتهى كلام الحافظ بتصرّف. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث ثابت بن الضّحّاك - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٧/ ٣٧٩٧ و ٣٧٩٨ و ٣١/ ٣٨٤٠ - وفي "الكبرى" ٧/ ٤٨١١ و ١٤٧٢ و ٨/ ٤٧٥٥. وأخرجه (خ) في "الجنائز" ١٣٦٤ و"الأدب" ٦٠٤٧ و ١٦٠٥ و"الأيمان والنذور" ٦٦٥٣ (م) في "الإيمان" ١١٠ (د) في "الأيمان والنذور" ٣٢٥٧ (ت) في "النذور والأيمان" ١٥٤٣ و"الإيمان" ٢٦٣٦ (ق) في "الكفّارات" ٢٠٩٨ (أحمد) في "مسند المدنيين" ١٥٩٥٠ و ١٥٩٥٦ (الدارمي) في "الديات" ٢٣٦١. واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان تحريم الحلف بملّة سوى الإسلام. (ومنها): الوعيد الشديد لمن حلف بملّةٍ سوى الإسلام. (ومنها): تحريم قتل الإنسان نفسه. (ومنها): مجانسة الجزاء الأخرويّ للجناية الدنويّة. (ومنها): أن نفس الإنسان ليست ملكًا له يتصرّف فيها كيف شاء، بل هي للَّه تعالى، لا يجوز أن تعامل إلا بما شرع اللَّه تعالى أن تعامل به، فلا يجوز إلحاق الضرر بها، من التجويع، والتعطيش، وغير ذلك من إلحاق الأذى بها مما يعتقده جهالة الزهاد، ويرونه رياضة للنفس، وهم في ذلك مخطئون، فإن الرياضة لا تجوز إلا بما شرعه اللَّه تعالى على لسان نبيه ﷺ . واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم الكفّارة لمن حلف بملّة غير الإسلام، أو نحو ذلك:
стр. 15160
قال ابن المنذر -رحمه اللَّه تعالى-: اختُلف فيمن قال: أكفر باللَّه، ونحو ذلك، إن فعلت، ثم فعل، فقال ابن عبّاس، وأبو هريرة، وعطاء، وقتادة، وجمهور فقهاء الأمصار: لا كفّارة عليه، ولا يكون كافرًا، إلا إن أضمر ذلك بقلبه. وقال الأوزاعيّ، والثوريّ، والحنفيّة، وأحمد، وإسحاق: هو يمين، وعليه الكفّارة. قال ابن المنذر: والأول أصحّ؛ لقوله ﷺ : "من حلف باللات والعزّى، فليقل: لا إله إلا اللَّه"، ولم يذكر كفّارة. زاد غيره: ولذا قال: "من حلف بملّة غير الإسلام، فهو كما قال"، فأراد التغليظ في ذلك حتى لا يجترىء أحدٌ عليه. ذكره في "الفتح". (١).
وقال ابن قُدامة -رحمه اللَّه تعالى- بعد ذكر الروايتين عن أحمد: والرواية الثانية -يعني القول بعدم الكفّارة- أصحّ، إن شاء اللَّه تعالى؛ فإن الوجوب من الشارع، ولم يرد في هذه اليمين نصّ، ولا هى في قياس المنصوص؛ فإن الكفّارة إنما وجبت في الحلف باسم اللَّه تعظيمًا لاسمه، وإظهارًا لشرفه وعظمته، ولا تتحقّق التسوية. انتهى (٢).
قال الجامع - عفا اللَّه عنه -: هذا الذي قاله ابن قدامة، وقبله ابن المنذر، من تصحيح القول بعدم وجوب الكفّارة على من حلف بملّة سوى الإسلام، أو هو يهوديّ، أو نصرانيّ، أو نحو ذلك، ثم حنث. هو الأرجح عندي؛ لوضوح دليله. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٧٩٨ - (أَخْبَرَنِي مَحْمُودُ بْنُ خَالِدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَمْرٍو، عَنْ يَحْيَى, أَنَّهُ حَدَّثَهُ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو قِلَابَةَ، قَالَ: حَدَّثَنِي ثَابِتُ بْنُ الضَّحَّاكِ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "مَنْ حَلَفَ بِمِلَّةٍ, سِوَى الْإِسْلَامِ كَاذِبًا, فَهُوَ كَمَا قَالَ, وَمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِشَيْءٍ, عُذِّبَ بِهِ فِي الْآخِرَةِ").
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه، وهو دمشقيّ ثقة. و"الوليد": وابن مسلم، أبو العباس الدمشقيّ. و"أبو عمرو": هو عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعيّ. و"يحيى": وابن أبي كثير أبو نَصْرٍ صالح بن المتوكّل، اليماميّ.
والحديث متّفقٌ عليه. وقد سبق القول فيه في الذي قبله. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعتُ، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكّلتُ، وإليه أنيب".
…
стр. 15161
٨ - (الْحَلِفُ بِالْبَرَاءَةِ مِنَ الْإِسْلَامِ)
٣٧٩٩ - (أَخْبَرَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ حُرَيْثٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ مُوسَى، عَنْ حُسَيْنِ بْنِ وَاقِدٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ,، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ قَالَ: إِنِّي بَرِيءٌ مِنَ الْإِسْلَامِ، فَإِنْ كَانَ كَاذِبًا, فَهُوَ كَمَا قَالَ، وَإِنْ كَانَ صَادِقًا, لَمْ يَعُدْ إِلَى الْإِسْلَامِ سَالِمًا").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (الحسين بن حريث) الخزاعي مولاهم، أبو عمار المروزيُّ، ثقة [١٠] ٤٤/ ٥٢.
٢ - (الفضل بن موسى) السيناني، أبو عبد اللَّه المروزيّ، ثقة ثبت، ربما أغرب، من
كبار [٩] ٨٣/ ١٠٠.
٣ - (حسين بن واقد) أبو عبد اللَّه القاضي المروزي، ثقة له أوهام [٧] ٥/ ٤٦٣.
٤ - (عبد اللَّه بن بريدة) بن الحصيب الأسلميّ المروزيّ قاضيها، ثقة [٣] ٢٥/
٣٩٣.
٥ - (أبوه) بُريدة بن الْحُصَيب، أبو سهل الأسلميّ الصحابيّ الشهير، أسلم قبل بدر،
ومات ﵁ سنة (٦٣)، وتقدّمت ترجمته ١٠١/ ١٣٣. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمراوزة، فكلّهم مروزيّون، حتى الصحابيّ ﵁. (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيدَةَ، عَنْ أَبِيهِ) بريدة بن الحصيب - رضي اللَّه تعالى عنه -، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ قَالَ: إِنِّي بَرِيءٌ مِنَ الإِسلَامِ) ولفظ أحمد من طريق زيد بن الحباب عن حسين بن واقد: "من حلف أنه بريء من الإسلام … " قال الحافظ وليّ الدين -رحمه اللَّه تعالى-: أي علّق براءته من الإسلام على أمر، كأن قال: إن فعل -يعني نفسه- كذا فهو يهوديّ، أو نصرانيّ، أو كافر. قال: وقد دلّ على هذا تقسيم حاله إلى كاذب وصادق، ولا يتأتّى ذلك إلا مع التعليق. انتهى (١).
стр. 15162
(فَإِنْ كَانَ كَاذِبًا) أي في حلفه على زعمه (فَهُوَ كَمَا قَالَ) قال الحافظ وليّ الدين: أي أخبر بأمر ماض، وعلّق براءته من الإسلام على كذبه في ذلك الإخبار، وكان كاذبًا، فهو كما قال، أي من البراءة من الإسلام، وهو صريحٌ في أن هذا الكلام كفرٌ، وهو ظاهر المعنى، كما لو علّق طلاق زوجته، أو عتق عبده على دخوله الدار في الماضي، وكان قد دخل، نعم لو بني إخباره بذلك على ظنّه أنه كذلك، فينبغي أن لا يكفر؛ لأنه ربط الكفر بأمر يظنّ أنه غير حاصل، فلا خلل في اعتقاده، ولا في لفظه باعتبار ظنّه، ولم يتناول الحديث هذه الصورة عند من يشترط التعمّد في حقيقة الكذب، وأما عند من لا يشترطه، فهو عامّ مخصوص، ويدلّ لذلك قوله في حديث ثابت بن الضّحّاك. "من حلف بملّةٍ غير الإسلام، كاذبًا متعمّدًا، فهو كما قال"، وهو في "الصحيحين" بهذا اللفظ. واللَّه أعلم انتهى كلام وليّ الدين.
وقال في "الفتح": ويحتمل أن يكون المراد بهذا الكلام التهديد، والمبالغة في الوعيد، لا الحكم، وكأنه قال: مستحقّ مثل عذاب من اعتقد ما قال، ونظيره: "من ترك الصلاة، فقد كفر": أي استوجب عقوبة من كفر. وقال ابن المنذر: قوله: "فهو كما قال" ليس على إطلاقه في نسبته إلى الكفر، بل المراد أنه كاذب ككذب المعظّم لتلك الجهة. انتهى (١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الذي يظهر لي أن يقال بالتفصيل السابق؛ لأن الحديث بمعنى الحديث الماضي، وهو أنه على ظاهره، يكفر به صاحبه إن قاله متعمّدًا معتقدًا البراءة والخروج من الإسلام -عياذا باللَّه تعالى من ذلك- وإلا فهو منكر من القول، وزور، محرّم عليه، وهو عاص بذلك، تجب التوبة عليه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
(وَإِنْ كَانَ صَادِقًا) أي في حلفه على زعمه، أعمّ من أن يكون مطابقًا للواقع، أم لا؟ (لم يَعُدْ إِلَى الإسْلَام سَالِمًا) قال وليّ الدين: معناه أنه نقص كمال إسلامه بما صدر منه من هذا اللفظ، قَالَ: ولفظ ابن ماجه: "لم يَعُد إليه الإسلام سالمًا"، قال: واللفظان صحيحان، فنقص هو بتعاطي هذا اللفظ، ونقص إسلامه بذلك، وهذا يدلّ على تحريم هذا اللفظ، ولو كان صادقًا في كلامه. وقد استدلّ به على ذلك الخطّابيّ، فقال: فيه دليلٌ على أن من حلف بالبراءة من الإسلام، فإنه يأثم. وصرّح أيضًا بتحريم ذلك، ووجوب التوبة منه الماورديّ في "الحاوي"، والنوويّ في "الأذكار"، وقال في "شرح مسلم": فيه بيان غلظ تحريم الحلف بملّة، سوى الإسلام، كقوله: هو يهوديٌّ،
стр. 15163
أو نصرانيٌّ، إن كان كذا، أو واللاتِ، والعزّى، وشبه ذلك، ثم قال: وقوله: "كاذبًا"، ليس المراد به التقييد، والاحتراز من الحلف بها صادقًا؛ لأنه لا ينفكّ الحالف بها عن كونه كاذبًا، وذلك لأنه لا بدّ أن يكون معظّمًا لما حلف به، فإن كان معتقدًا عظمته بقلبه، فهو كاذبٌ في ذلك، وإن كان غير معتقد ذلك بقلبه، فهو كاذبٌ في الصورة؛ لأنه عظّمه بالحلف به، وإذا عُلم أنه لا ينفكّ عن كونه كاذبًا حُمل التقييد بكونه كاذبًا على أنه بيان لصورة الحال، ويكون التقييد خرج على سبب، فلا يكون له مفهوم، ويكون من باب قوله تعالى: ﴿وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ [آل عمران: ١١٢]، ونظائره، فإن كان الحالف معظّمًا لما حلف به كان كافرًا، وإن لم يكن معظّمًا، بل كان قلبه مطمئنًا بالإيمان, فهو كاذب في حلفه بما لا يحلف به، ومعاملته إياه معاملة ما يُحلف به، ولا يكون كافرًا، خارجًا عن ملة الإسلام، ويجوز أن يُطلق عليه اسم الكفر، وُيراد كفر النعمة. انتهى.
قال الحافظ وليّ الدين: والتقسيم الذي في حديث بُريدة ﵁ يردّ عليه، والظاهر أن كلامه هذا إنما هو في مثل قوله: واللات، والعزى، وإن كان ذكر في صدر كلامه أيضًا. وقوله: "هو يهوديّ إن كان كذا. انتهى كلام وليّ الدين (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث بريدة بن الْحُصيب - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا صحيح.
(المسألة الثانية): في مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا- ٨/ ٣٧٩٩ - وفي "الكبرى" ٨/ ٤٧١٣.
وأخرجه (د) في "الأيمان والنذور" ٣٢٥٨ (ق) في "الكفّارات" ٢١٠٠ (أحمد) في "باقي مسند الأنصار" ٢٢٤٩٧. وفوائده تقدّمت قريبًا. واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): قال الحافظ وليّ الدين -رحمه اللَّه تعالى-: تقسيمه حاله إلى صادق وكاذب يدلّ على أن ذلك في الإخبار عن ماضٍ، كما تقدّم، فإن الخبر هو المحتمل للصدق والكذب، أما إذا وقع منه مثل هذا في التعليق على وقوع أمر في المستقبل، فقد يقال: يُلحق بالماضي، ويقال: إن فعل ذلك المحلوف عليه كفر، وإلا فلا. وقد يقال: إن لفظ الحديث أوّلًا متناول له، إلا أنه لَمَّا فَصّل اقتصر على أحد القسمين، ويُعرف منه
стр. 15164
حكم القسم الآخر. وقد يقال: إذا كان عن ماضٍ، فقد حقّق الكفر على نفسه، وأما إذا كان على مستقبل، فقد يقع ذلك الأمر، وقد لا يقع، والغالب من حال الآتي بهذا اللفظ أنه إنما يقصد به إبعاد نفسه عن ذلك الأمر بربطه بأمرٍ لا يقع منه، وهذا أقرب، ويوافقه كلام الرافعيّ، حيث قال: إن هذا اللفظ يتضمّن تعظيم الإسلام، وإبعاد النفس عن التهوّد، ثم قال: هذا إذا قصد القائل تبعيد النفس عن ذلك، فأما من قال ذلك على قصد الرضى بالتهوّد، وما في معناه إذا فعل ذلك الفعل، فهو كافر في الحال، وسكت الرافعيّ عن حالة الإطلاق، وهو أن لا يقصد تبعيد النفس عن التهوّد، ولا الرضى به، أو لم يُعلم قصده بموته سريعًا، أو تعذر مراجعته، وقال في ذلك شيخنا الإمام جمال الدين عبد الرحيم الإسنويّ: إن القياس التكفير، إذا عري عن القرائن الحاملة على غيره؛ لأن اللفظ بوضعه يقتضيه، قال: وكلام النوويّ في "الأذكار" يقتضي أنه لا يكفر بذلك، والقياس خلافه. انتهى.
وما ذكره الرافعيّ من أن هذا اللفظ يتضمّن تعظيم الإسلام، وإبعاد النفس عن التهوّد يقتضي أنه لا يحرم الإتيان به، لكن تقدّم عن الخطّابيّ إطلاق الإثم، ولم يفصّل بين الحلف على الماضي، والمستقبل، وصرّح بذلك النوويّ في "الأذكار"، فقال: ويحرم أن يقول: إن فعلت كذا، فأنا يهوديّ، أو نصرانيّ، أو نحو ذلك، فإن قاله، وأراد حقيقة فعله، وخروجه عن الإسلام بذلك صار كافرًا في الحال، وجرت عليه أحكام المرتدّين، وإن لم يُرد ذلك لم يكفر، لكنه ارتكب مُحرَّمًا، فيجب عليه التوبة. وكذا قال ابن الرفعة في "المطّلب": معصية. انتهى كلام وليّ الدين -رحمه اللَّه تعالى- (١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا التفصيل الذي ذكره النوويّ -رحمه اللَّه تعالى- في "الأذكار" تفصيلٌ حسنٌ جدًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعتُ، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكّلتُ، وإليه أنيب".
…
стр. 15165
٩ - (الْحَلِفُ بِالْكَعْبَةِ)
٣٨٠٠ - (أَخْبَرَنَا يُوسُفُ بْنُ عِيسَى، قَالَ: حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ مُوسَى، قَالَ: حَدَّثَنَا مِسْعَرٌ، عَنْ مَعْبَدِ بْنِ خَالِدٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ قُتَيْلَةَ، امْرَأَةٍ مِنْ جُهَيْنَةَ, أَنَّ يَهُودِيًّا أَتَى النَّبِيَّ ﷺ , فَقَالَ: إِنَّكُمْ تُنَدِّدُونَ، وَإِنَّكُمْ تُشْرِكُونَ, تَقُولُونَ مَا شَاءَ, اللَّهُ, وَشِئْتَ، وَتَقُولُونَ: وَالْكَعْبَةِ، فَأَمَرَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا أَرَادُوا أَنْ يَحْلِفُوا, أَنْ يَقُولُوا: "وَرَبِّ الْكَعْبَةِ"، وَيَقُولُونَ: "مَا شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ شِئْتَ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (يوسف بن عيسى) الزهريّ، أبو يعقوب المروزيّ، ثقة فاضل [١٠] ٣٢/ ٩٢٤.
٢ - (الفضل بن موسى) هو السِّنَانيّ المذكور في الباب الماضي.
٣ - (مِسْعَر) بن كِدَام بن ظُهير الهلاليّ، أبو سلمة الكوفيّ، ثقة ثبت فاضل [٧] ٨/ ٨.
٤ - (مَعْبَد بن خالد) القيسيّ الْجَدَليّ الكوفيّ، ثقة عابد [٣] ٣٩/ ١٤٢٢.
٥ - (عبد اللَّه بن يسار) الْجُهَنيّ الكوفيّ، ثقة، من كبار [٣] ١١١/ ٢٠٥٢.
٦ - (قُتَيلة) -بالمثنّاة الفوقيّة، والتصغير- بنت صَيفِيِّ الجهنيّة، صحابيّة، من المهاجرات الأُوَل، لها حديث الباب فقط. تفرّد بها المصنّف بهذا الحديث. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله عندهم رجال الصحيح، غير الصحابية، فتفرد بها المصنف، وغير عبد اللَّه بن يسار، فإنه ممن تفرّد به المصنّف، وأبو داود. (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين، غير شيخه، وشيخ شيخه، فمروزيان. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ. (ومنها): أن صحابيته من المقلين من الرواية, فليس لها إلا هذا الحديث عند المصنف فقط. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ قُتَيْلَةَ) بصيغة التصغير (امْرَأَةٍ مِنْ جُهَيْنَةَ) -بضمّ الجيم، وفتح الهاء، آخره نون: نسبة إلى جُهَينة، قبيلة من قُضاعة، واسمه زيد بن ليث بن سود بن أسلم بن الحاف بن قُضاعة، نزلوا الكوفة والبصرة. قاله في "اللباب" ١/ ٣١٧ - ٣١٨ (أَنَّ يَهُودِيًا أَتَى النَّبِيَّ ﷺ ، فَقَالَ: إِنَّكُمْ تُنَدِّدُونَ) ضبط بتشديد الدال الأولى: أي تتّخذون أندادًا، وهو جمع نِدّ
стр. 15166
-بكسر، وتشديد الدال المهملة-وهو مثل الشيء الذي يُضادّه في أموره، ويُنادُّه، أي يخالفه، والمراد أنكم تتّخذون آلهة من دون اللَّه (١) (وَإِنَّكُمْ تُشْرِكُونَ تَقُولُونَ مَا شَاءَ اللَّهُ وَشِئْتَ) أي لأن الواو للتشريك، فيلزم منه تسوية المخلوق بالخالق (وَتَقُولُونَ: وَالْكَعْبَةِ) أي تقولون في حلفكم: والكعبة، فالواو واو القسم، و"الكعبة" مجرور به (فَأَمَرَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا أَرَادُوا أَنْ يَحْلِفُوا, أَنْ يَقُولُوا: وَرَبِّ الْكَعْبَةِ) أي ليكون القسم باللَّه، لا بمخلوق سواه (وَيَقُولُونَ: مَا شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ شِئْتَ") أي لأن "ثُمّ" للتراخي، فتكون مشيئة العبد بعد مشيئة اللَّه . واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث بُريدة ﵁ تعالى هذا صحيح.
(المسألة الثانية): في مواضع ذكر المصنّف له:
أخرجه هنا-٩/ ٣٨٠٠ - وفي "الكبرى" ٩/ ٤٧١٤. وهو من أفراد المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، لم يُخرجه أحد من أصحاب الأصول غيره، وأخرجه (أحمد) في "باقي مسند الأنصار" ٢٦٥٥٣. واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان حكم الحلف بالكعبة، وهو التحريم، وأنه من الشرك باللَّه تعالى، فإن كان يعتقد ذلك، فهو شرك أكبر، مخرج من الملّة، وإن كان لا يعتقد، فهو من الإشراك في اللفظ، وهو محرّم تجب التوبة منه. (ومنها): أنه يدلّ على أن الشرك جريمة كبرى، معروفة حتى في الأديان المحرّفة، كاليهوديّة، والنصرانيّة، فإنهم يعرفون خطر الشرك، ثم يقعون فيه. (ومنها): أن على طالب الحقّ، ومتّبع الصواب أن يأخذ الحقّ أينما وجده، ولو كان عند غير أهله، كما يقال: الحكمة ضالّة المؤمن، أينما وجدها أخذها، فلا يمنع الإنسان العداوة الشخصيّة، أو الدينيّة، أو غيرها من قبول الحقّ، والإذعان له كيفما كان، وهذا هو المصيبة الطامة عند العوامّ، فإنهم لا يتلقّون الحقّ إلا عند من يعتقدونه، ولو أتاهم غيره بالحق الواضح لا يقبلونه، بل يردّونه، فقول من يعتقدونه؛ قال الشيخ الفلانيّ، أحبّ إليهم من قول من لا يعتقدونه: قال اللَّه تعالى، وقال رسول اللَّه ﷺ ، وهذه هي الداهية
стр. 15167
العُظمى حلّت بضعفاء الإيمان, فإن النبيّ ﷺ لَمّا أتاه هذا اليهوديّ، وقاله ما تقدّم قبل منه ذلك؛ لأنه حقّ، ونبّه أمته، وأرشدهم إلى ما هو الصواب، ولم يقل: إنه يهوديّ لا يؤمن به، فيُردّ قوله كلا، وحاشا، اللَّهمّ أرنا الحقّ حقًا، وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً، وارزقنا اجتنابه. آمين.
(ومنها): أن قول الإنسان: ما شاء اللَّه، وشئت من الإشراك باللَّه تعالى، فيحرم عليه، فإن كان يعتقد التشريك، فهو شرك أكبر، مخرج من الملّة، وإن كان لا يعتقد ذلك، فهو إشراك في اللفظ، فيكون شركًا أصغر، محرّمًا تجب التوبة منه.
وقد أخرج الإمام أحمد في "مسنده"، والمصنّف في "عمْل اليوم والليلة"، وابن ماجه في "سننه"، من رواية يزيد بن الأصم، عن ابن عبّاس، قال. قال رسول اللَّه ﷺ : "إذا حلف أحدكم، فلا يقل: ما شاء اللَّه وشئت، ولكن ليقل: ما شاء اللَّه ثم شئت".
وفي أول حديث أحمد، والنسائيّ، قصّة، ولفظها: "أن رجلاً قال للنبي ﷺ : ما شاء اللَّه، وشئت، فقال له النبيّ ﷺ : "أجعلتني واللَّه عَدْلاً (١)، بل ما شاء اللَّه وحده".
وأخرج أحمد، والنسائيّ، وابن ماجه أيضًا، عن حذيفة ﵁: "أن رجلا من المسلمين، رأى في النوم، أنه لقي رجلا من أهل الكتاب، فقال: نعم القوم أنتم، لولا أنكم تشركون، تقولون: ما شاء اللَّه، وشاء محمد، وذكر ذلك للنبي ﷺ ، فقال: أما واللَّه، إن كنت لأعرفها لكم، قودوا: ما شاء اللَّه، ثم شاء محمد". لفظ ابن ماجه.
هكذا رواية ابن عيينة، عن عبد الملك بن عُمير، عن ربعي، عن حذيفة، وخالفه غيره، حماد بن سلمة، عند أحمد، وشعبة، وعبد اللَّه بن إدريس، وأبو عوانة كلهم عن عبد الملك بن عمير، عن ربعيّ، عن الطفيل بن سَخْبرة، أخي عائشة ﵂، وهو الذي رجحه الحفاظ، وقالوا: إن ابن عيينة وَهِم في قوله: عن حذيفة.
ولفظ أحمد-٢٠١٧١ - من طريق حماد بن سلمة، عن عبد الملك بن عمير، عن ربعي بن حِرَاش، عن طُفَيل بن سَخْبَرة، أخي عائشة لأمها، أنه رأى فيما يرى النائم، كأنه مَرّ برهط من اليهود، فقال: من أنتم؟، قالوا: نحن اليهود، قال: إنكم أنتم القوم، لولا أنكم تزعمون أن عزيرا ابن اللَّه، فقالت اليهود: وأنتم القوم، لولا أنكم تقولون: ما شاء اللَّه، وشاء محمد، ثم مر برهط من النصارى، فقال: من أنتم؟، قالوا: نحن النصارى، فقال: إنكم أنتم القوم، لولا أنكم تقولون: المسيح ابن اللَّه، قالوا: وإنكم أنتم القوم، لولا أنكم تقولون: ما شاء اللَّه، وما شاء محمد، فلما أصبح أخبر بها، من أخبر، ثم أتى النبيّ ﷺ ، فأخبره، فقال: هل أخبرت بها أحدا؟ -قال عفان- قال: نعم، فدما صَلَّوا خطبهم، فحمد اللَّه، وأثنى عليه، ثم قال: "إن طُفيلا رأى رؤيا، فأخبر بها
стр. 15168
من أخبر منكم، وانكم كنتم تقولون كلمة، كان يمنعني الحياء منكم أن أنهاكم عنها، قال: لا تقودوا: ما شاء اللَّه، وما شاء محمد". انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكّلتُ، وإليه أنيب".
…
١٠ - (الْحَلِفُ بِالطَّوَاغِيتِ)
٣٨٠١ - (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ، قَالَ: أَنْبَأَنَا (١) هِشَامٌ، عَنْ الْحَسَنِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "لَا تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ, وَلَا بِالطَّوَاغِيتِ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (أحمد بن سليمان) الرُّهاويّ ثقة حافظ [١١] ٣٨/ ٤٢.
٢ - (يزيد) بن هارون الواسطيّ، ثقة متقن عابد [٩] ١٥٣/ ٢٤٤.
٣ - (هشام) بن حكان القردوسيّ البصريّ، ثقة من أثبت الناس في ابن سرين، وفي روايته عن الحسن، وعطاء مقال, لأنه كان يرسل عنهما [٦] ١٨٨/ ٣٠٠.
٤ - (الحسن) بن أبي الحسن يسار البصريّ، ثقة فاضل فقيه مشهور يرسل ويدلس [٣] ٣٢/ ٣٦.
٥ - (عبد الرحمن بن سمرة) بن حبيب بن عبد شمس العبشميّ، صحابيّ، من مسلمة الفتح، يقال: كان اسمه عبد قال، افتتح سجستان، ثم سكن البصرة، ومات بها سنة (٥٠) أو بعدها ﵁، تقدّمت ترجمته ٢/ ١٤٦٠. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه من أفراده. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين، غير شيخه أيضًا، فإنه رُهاويّ. واللَّه تعالى أعلم.
стр. 15169
شرح الحديث
(عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ) - رضي اللَّه تعالى عنه - (عَنِ النَّبِيّ ﷺ ) أنه (قَالَ: "لَا تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ) تقدّم البحث عنه مستوفًى في شرح حديث عمر ﵁ (وَلَا بِالطَّوَاغِيتِ) أي الأصنام. قال الفيّوميّ: الطاغوتُ: تاؤها زائدة، وهي مشتقّة من طغا، والطاغوت يُذكّر، ويؤنّث، والاسم الطُّغيان، وهو مجاوزة الحدّ، وكلّ شيء جاوز المقدار والحدَّ في العصيان، فهو طاغ، وأطغيته: جعلته طاغيًا، وطغا السيل: ارتفع حتى جاوز الحدّ في الكثرة، والطاغوت: الشيطان، وهو في تقدير فَعَلُوت بفتح العين، لكن قُدّمت اللام موضع العين، واللامُ واوٌ محرّكةٌ، مفتوحٌ ما قبلها، فقُلبت ألفًا، فبقي في تقدير فَلَعُوت، وهو من الطغيان. قاله الزمخشريّ. انتهى.
ولفظ مسلم: "بالطواغي" بدون التاء، قال النوويّ في "شرحه": قال أهل اللغة، والغريب: الطواغي هي الأصنام، واحدتها طاغية، ومنه هذه "طاغية دوس": أي صنمهم، ومعبودهم، سُمّي باسم المصدر لطغيان الكفار بعبادته؛ لأنه سبب طغيانهم وكفرهم. وكلّ ما جاوز الحدّ في تعظيم، أو غيره، فقد طغى، فالطغيان المجاوزة للحدّ، ومنه قوله تعالى: ﴿لَمَّا طَغَى الْمَاءُ﴾ الآية [الحاقّة: ١١]، أي جاوز الحدّ. وقيل: يجوز أن يكون المراد بالطواغي هنا مَنْ طغى من الكفّار، وجاوز القدر المعتاد في الشرِّ، وهم عُظماؤهم. وروي هذا الحديث في غير مسلم: "لا تحلفوا بالطواغيت"، وهو جمع طاغوت، وهو الصنم، ويُطلق على الشيطان أيضًا، ويكون الطاغوت واحدًا، وجمعًا، ومذكّرًا، ومؤنّثًا، قال اللَّه تعالى: ﴿اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا﴾ الآية [الزمر: ١٧]، وقال تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ﴾ الآية [النساء: ٦٠] (١) انتهى كلام النوويّ -رحمه اللَّه تعالى-.
وقال أبو العبّاس القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى- في شرحه لهذا الحديث: ما نصّه: الطواغي: جمع طاغية، كالروابي: جمع رابية، والدوالي: جمع دالية، وهي مأخوذ من الطغيان، وهو الزيادة على الحدّ، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ﴾، أي زاد. قال: والطواغي، والطواغيت: كلّ معبود سوى اللَّه تعالى. قال: وقد تقرّر أن اليمين بذلك محرّم، وعلى ذلك فلا كفّارة فيه عند الجمهور؛ لأجل الحلف بها, ولا لأجل الحنث فيها، أما الأول؛ فلأن النبيّ ﷺ قد قال: "من قال: واللات والعزّى، فليقل: لا إله إلا اللَّه"، ولم يذكر كفّارةً، ولو كانت لوجب تبيينها لتعيّن الحاجة لذلك.
стр. 15170
وأما الثاني، فليست بيمين منعقدة، ولا مشروعة، فيلزم بالحنث فيها الكفّارة، وقد شذّ بعض الأئمة، وتناقض فيما إذا قال: أُشرك باللَّه، أو أكفُر باللَّه، أو هو يهوديٌّ، أو نصرانيّ، أو بريء من الإسلام، أو من النبيّ ﷺ ، أو من القرآن، وما أشبه ذلك، فقال: هي أيمانٌ يلزم بها كفّارةٌ إذا حنِثَ فيها، أما شذوذه، فلأنه لا سلف له فيه من الصحابة، ولا موافق له من أئمّة الفتوى فيما أعلم. وأما تناقضه، فلأنه قال: لو قال: واليهوديّةِ، والنصرانيّة، والنبيِّ، والكعبةِ، لم يجب عليه كفّارة عنده، مع أنها على صيغ الأيمان اللغويّة، فأوجب الكفّارة فيما لا يُقال عليه يمين، لا لغةً، ولا شرعًا, ولا هو من ألفاظها, ولو عكس لكان أولى، وأمسّ، ولا حجة له في آية كفّارة اليمين؛ إذ تلك الكلمات ليست أيمانًا، كما بيّنّاه، ولو سلمنا أنها أيمان، فليست بمنعقدة، فلا يتناولها العموم، ثم يلزم بحكم العموم أن يوجب الكفّارة في كلّ ما يقال عليه يمينٌ لغة، وعرفًا, ولم يقل بذلك. واللَّه تعالى أعلم. انتهى كلام القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى- بتصرّف يسير (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث عبد الرحمن بن سَمُرة - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا أخرجه مسلم.
(المسألة الثانية): في مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا- ١٠/ ٣٨٠١ - وفي "الكبرى"١٠/ ٤٧١٥. وأخرجه (م) في "الأيمان والنذور" ١٦٤٨ (ق) في "الكفّارات" ٢٠٩٥ (أحمد) في "مسند البصريين" ٢٠١٠١. وبقيّة متعلّقات الحديث من الفوائد، وغيرها تقدّمت. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعتُ، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكّلتُ، وإليه أنيب".
…
стр. 15171
١١ - (الْحَلِفُ بِاللَّاتِ)
٣٨٠٢ - (أَخْبَرَنَا كَثِيرُ بْنُ عُبَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ، عَنْ الزُّبَيْدِيِّ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, قَالَ: قَالَ: رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ حَلَفَ مِنْكُمْ فَقَالَ: بِاللَّاتِ، فَلْيَقُلْ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَمَنْ قَالَ لِصَاحِبِهِ: تَعَالَ أُقَامِرْكَ، فَلْيَتَصَدَّقْ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (كثير بن عُبيد) بن نمير الْمَذْحِجِيّ، أبو الحسن الحمصيّ الحذّاء المقرئ، ثقة [١٠] , ٥/ ٤٨٦.
٢ - (محمد بن حرب) الخَوْلَاني الحمصيّ الأبرش، ثقة [٩] ١٢٢/ ١٧٢.
٣ - (الزُّبيديّ) - مصغّرًا - محمد بن الوليد بن عامرن أبو الهذيل الحمصيّ القاضي، ثقة ثبتٌ، من كبار أصحاب الزهريّ [٧] ٤٥/ ٥٦.
٤ - (الزهريّ) محمد بن مسلم الإمام الحجة الثبت المدنيّ [٤] ١/ ١.
٥ - (حميد بن عبد الرحمن) بن عوف الزهريّ المدنيّ، ثقة [٢] ٣٢/ ٧٢٥.
٦ - (أبو هريرة) - رضي اللَّه تعالى عنه - ١/ ١. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فقد تفرد به هو، وأبو داود، وابن ماجه. (ومنها): أن نصفه الأول مسلسل بالحمصيين، والثاني بالمدنيين. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) - رضي اللَّه تعالى عنه -، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (مَنْ حَلَفَ مِنْكُمْ فَقَالَ: بِاللَّاتِ) أي قال في حلفه باللات، أي بلا قصد، بل جرى على لسانه، كما جرت العادة بينهم بذلك؛ حيث كانوا قريبي عهد بجاهلية.
أخرج البخاريّ في "صحيحه" من طريق أبي الأشهب -جعفر بن حيان-، عن أبي الجوزاء- أوس بن عبد اللَّه-، عن ابن عبّاس ﵄ في قوله "اللات، والعُزّى": كان اللات رجلاً يَلُتُّ سويق الحاجّ. قال في "الفتح": قال الإسماعيليّ: هذا التفسير على
стр. 15172
قراءة من قرأ "اللات" بتشديد التاء. قال الحافظ: وليس بلازم، بل يحتمل أن يكون هذا أصله، وخُفّف لكثرة الاستعمال، والجمهور على القراءة بالتخفيف. وقد روي التشديد عن قراءة ابن عبّاس، وجماعة من أتباعه، ورويت عن ابن كثير أيضًا، والمشهور عنه التخفيف كالجمهور. وأخرج ابن أبي حاتم من طريق عمرو بن مالك، عن أبي الجوزاء، عن ابن عبّاس، ولفظه فيه زيادة: "كان يلُتّ السويق على الحجر، فلا يشرب منه أحدٌ إلا سَمِنَ، فعبدوه". واختُلف في اسم هذا الرجل، فروى الفاكهيّ من طريق مجاهد، قال: كان رجلٌ في الجاهليّة على صخرة بالطائف، وعليها له غنمٌ، فكان يسلو من رِسْلها، ويأخذ من زبيب الطائف، والأقط، فيجعل منه حَيْسًا، ويُطعم من يمرّ به من الناس، فلَمّا مات عبدوه"، وكان مجاهد يقرأ "اللات" مشدّدةً. ومن طريق ابن جُريج نحوه، قال: وزعم بعض الناس أنه عامر بن الظَّرِب انتهى. وهو -بفتح الظاء المشالة، وكسر الراء، ثم موحّدة -وهو العُدْوانيّ -بضمّ المهملة، وسكون الدال- وكان حَكَمَ العرب في زمانه، وفيه يقول شاعرهم:
وَمِنَّا حَكَمٌ يَقْضِي … وَلَا يُنقَضُ مَا يَقْضِي
وحكى السهيليّ أنه عمرو بن لُحيّ بن قمعة بن إلياس بن مضر، قال: ويقال: هو عمرو بن لُحَيّ، وهو ربيعة بن حارثة، وهو والد خزاعة انتهى. وحرّف بعض الشرّاح كلام السهيليّ، وظنّ أن ربيعة بن حارثة قول آخر في اسم اللات، وليس كذلك، وإنما ربيعة بن حارثة اسم لُحيّ فيما قيل. والصحيح أن اللات غير عمرو بن لُحيّ، فقد أخرج الفاكهيّ من وجه آخر، عن ابن عبّاس أن اللات لمّا مات قال لهم عمرو بن لُحيّ: إنه لم يمت، ولكنّه دخل الصخرة، فعبدوها، وبنوا عليها بيتًا. وقد ثبت أن عمرو بن لُحيّ هو الذي حمل العرب على عبادة الأصنام. وحكى ابن الكلبيّ أن اسمه صرمة بن غنم، وكانت اللاتّ بالطائف. وقيل: بنخلة. وقيل: بعكاظ، والأول أصحّ. وقد أخرجه الفاكهيّ أيضًا من طريق يقسم، عن ابن عبّاس، قال هشام بن الكلبيّ: كانت مناة أقدم من اللات، فهدمها عليّ عام الفتح بأمر النبيّ ﷺ ، وكانت اللات أحدث من مناة، فهدمها المغيرة بن شعبة بأمر النبيّ ﷺ لما أسلمت ثقيف، وكانت العربيّ أحدث عن اللات، وكان الذي اتّخذها ظالم بن سعد بوادي نخلة فوق ذات عرق، فهدمها خالد بن الوليد بأمر النبيّ ﷺ عام الفتح. انتهى (١).
وقال أبو العبّاس القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى-: اللات، والعزّى، ومناة أصنامٌ ثلاثةٌ
стр. 15173
كانت في جوف الكعبة. وقيل: اللات بالطائف، والعُزّى بغطفان، وهي التي هدمها خالد بن الوليد، ومناة بقُدَيد. وقيل: بالمشلَّل. فأما اللات، فقيل: إنهم أرادوا به تأنيث اسم اللَّه تعالى. وقيل: أرادوا يسمّوا بعض آلهتهم باسم اللَّه تعالى، فصرف اللَّه ألسنتهم عن ذلك، فقالوا: اللات؛ صيانة لذلك الاسم العظيم أن يُسمّى به غيره، كما صرف ألسنتهم عن سبّ محمد ﷺ إلى مُذَمَّم، فكانوا إذا تكلّموا باسمه في غير السبّ، قالوا: محمد، فإذا أرادوا أن يسبّوه، قالوا: مذمّم، حتى قال النبيّ ﷺ : "ألا تعجبون مما صرف اللَّه عنّي من أذى قريش؟ يسبون مذمّمًا، وأنا محمد"، رواه البخاريّ-٣٥٣٣، والنسائيّ-٦/ ١٥٩.
ولَمّا نشأ القوم على تعظيم تلك الأصنام، وعلى الحلف بها، وأنعم اللَّه عليهم بالإِسلام، بقيت تلك الأسماء تجري على ألسنتهم من غير قصد للحلف بها، فأمر النبيّ ﷺ من نطق بذلك أن يقول بعده: لا إله إلا اللَّه، تكفيرًا لتلك اللفظة، وتذكيرًا من الغفلة، وإتمامًا للنعمة. وخصَّ اللات بالذكر في هذا الحديث؛ لأنها أكثر ما كانت تجري على ألسنتهم، وحكم غيرها من أسماء آلهتهم حكمها؛ إذ لا فرق بينها.
والعُزَّى تأنيث الأعزّ، كالْجُلَّى تأنيث الأجلّ. انتهى كلام القرطبيّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- (١).
(فَلْيَقُلْ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ) أي استدراكا لما فاته من تعظيم اللَّه تعالى في محله، ونفيًا لما تعاطى من تعظيم الأصنام صورةً، وأما من قصد الحلف بالأصنام تعظيمًا لها، فإنه كافر بلا خلاف، -نعوذ باللَّه تعالى من ذلك-.
وقال الخطّابيّ: اليمين إنما تكون بالمعبود المعظّم، فإذا حلف باللات، ونحوها، فقد ضاهى الكفّار، فأمر أن يتدارك بكلمة التوحيد. وقال ابن العربيّ: من حلف بها جادًّا، فهو كافر، ومن قالها جاهلاً، أو ذاهلًا، يقول: لا إله اإلا اللَّه، يكفّر اللَّه عنه، ويردُّ قلبه عن السهو إلى الذكر، ولسانه إلى الحقّ، وينفي عنه ما جرى به من اللغو.
(وَمَنْ قَالَ: لِصَاحِبِهِ: تَعَالَ أُقَامِرْكَ) بالجزم على أنه جواب الأمر، والمقامرة مصدر قامره: إذا طلب كلّ منهما أن يغلب على صاحبه في فعل أمر، أو قول، ليأخذ مالاً جَعلاه للغالب منهما، وهذا حرام بالإجماع، إلا أنه استُثني منه نحو سباق الخيل، على ما سبق بيانه في بابه. واللَّه تعالى أعلم (٢).
(فَلْيَتَصَدَّقْ) قال الخطّابيّ: أي بالمال الذي كان يريد أن يقامر به. وقيل: بصدقة ما
стр. 15174
لتكفّر عنه القول الذي جرى على لسانه. قال النوويّ: وهذا هو الصواب، وعليه يدلّ ما في رواية مسلم: "فليتصدّق بشيء"، وزعم بعض الحنفيّة أنه يلزمه كفّارة يمين، وفيه ما فيه. انتهى
وقال القرطبيّ: القول فيه كالقول في اللات؛ لأنهم كانوا اعتادوا المقامرة، وهي من أكل المال بالباطل، ولما ذمها النبيّ ﷺ بالغ في الزجر عنها، وعن ذكرها، حتّى إذا ذكرها الإنسان طالبًا للمقامرة بها أمره بصدقة.
والظاهر وجوبها عليه؛ لأنها كفارة مأمور بها، وكذلك قول لا إله إلا اللَّه على من قال: واللاتِ.
ثم هذه الصدقة غير محدودة، ولا مقدّرة، فيتصدّق بما تيسر له مما يصدق عليه الاسم، كالحال في صدقة مناجاة الرسول ﷺ في قوله تعالى: ﴿إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً﴾ الآية [المجادلة: ١٢]، فإنها غير مقدّرة. وقال الخطّابيّ: يتصدّق بقدر ما أراد أن يقامر به، وليس في اللفظ ما يدلّ عليه، ولا في قواعد الشرع، ولا للعقل مجالٌ في تقدير الكفّارات، فهو تحكّم. وأبعد من هذا قولُ من قال من الحنفيّة: إن المراد بها كفّارة اليمين. وهذا فاسدٌ قطعًا؛ لأن كفّارة اليمين ما هي صدقة فقط، بل عتقٌ، أو كسوةٌ، أو إطعامٌ، فإن لم يجد فصيامٌ، فكيف يصحّ أن يقال: أطلق الصدقة، وهو يُريد به إطعام عشرة مساكين، وأنه مخيّرٌ بينه وبين غيره، من الخصال المذكورة معه في الآية؛. وأيضًا فإنه لا يتمشّى على أصل الحنفيّة المتقدّم الذكر، فإنهم قالوا: لا تجب الكفّارة إلا بالحنث في قوله: يهوديّ، أو نصرانيّ، إلى غير ذلك، مما ذكروه، وهذا حكم معلّقٌ على نطق بقولٍ ليس فيه يمين، ولا التزام، وإنما هو استدعاءٌ للمقامرة، فأين الأرض من السماء؟، والعرش من الثرى؟. انتهى كلام القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى- (١) وهو تحقيق نفيس. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث أبي هريرة - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-١١/ ٣٨٠٢ - وفي "الكبرى" ١١/ ٤٧١٦. وأخرجه (خ) في
стр. 15175
"التفسير ٤٨٦٠ و "الأدب" ٦١٠٧ و"الاستئذان" ٦٣٠١ و"الأيمان والنذور" ٦٦٥٠ (م) في "الأيمان والنذور" ١٦٤٧ (د) في "الأيمان والنذور" ٣٢٤٧ (ت) في "الأيمان والنذور" ١٥٤٥ (ق) في "الكفّارات" ٢٠٩٦ (أحمد) في باقي مسند المكثرين" ٨٠٢٦. واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان حكم الحلف باللات، وهو وجوب قول "لا إله إلا اللَّه" على من حلف بذلك. (ومنها): تحريم الحلف بالأصنام، والأوثان، وغيرها مما يعظّم من دون اللَّه سبحانه. (ومنها): تحريم القمار، كما نصِّ اللَّه عليه في كتابه المبين، حيث قال تعالى: ﴿أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة: ٩٠].
(ومنها): أن من طلب من آخر أن يقامره، وجب عليه أن يتصدّق بشيء من ماله؛ كفّارة لمعصيته، وأما ما قاله السنديّ تبعًا لغيره من أن التصدّق مندوب، غير صحيح، بل الأصحّ أنه واجب، كما تقدّم تحقيقه في كلام القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى-؛ كما أن قول: لا إله إلا اللَّه الماضي واجبٌ؛ وذلك لأنه أتى به الأمر، وأمر الشارع للوجوب، إذا لم يوجد له صارف، وليس له هنا صارف، فتنبّه. (ومنها): أن بعضهم قال: في هذا الحديث حجة للجمهور أن العزم على المعصية إذا استقرّ في القلب كان ذنبًا يكتب عليه، بخلاف المخاطر الذي لا يستمرّ. وتعقّبه الحافظ، فقال: ولا أدري من أين أخذ ذلك مع التصريح في الحديث بصدور القول حيث نطق بقوله: "تعال أُقامرك"، فدعاه إلى المعصية، والقمار حرامٌ باتفاق، فالدعاء إلى فعله حرام، فليس هنا عزمٌ مجرّد (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعتُ، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكّلتُ، وإليه أنيب".
…
стр. 15176
١٢ - (الْحَلِفُ بِاللَّاتِ وَالْعُزَّى)
٣٨٠٣ - (أَخْبَرَنَا أَبُو دَاوُدَ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ، عَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: كُنَّا نَذْكُرُ بَعْضَ الْأَمْرِ, وَأَنَا حَدِيثُ عَهْدٍ بِالْجَاهِلِيَّةِ, فَحَلَفْتُ بِاللَّاتِ وَالْعُزَّى، فَقَالَ لِي أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ ﷺ : بِئْسَ مَا قُلْتَ: ائْتِ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَأَخْبِرْهُ، فَإِنَّا لَا نَرَاكَ إِلَّا قَدْ كَفَرْتَ، فَأَتَيْتُهُ فَأَخْبَرْتُهُ، فَقَالَ لِي: "قُلْ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ, وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، وَتَعَوَّذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ، ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، وَاتْفُلْ عَنْ يَسَارِكَ، ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، وَلَا تَعُدْ لَهُ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (أبو داود) سليمان بن سيف الطائيّ مولاهم، الْحَرّانيّ، ثقة حافظ [١١] ١٠٣/
١٣٦.
٢ - (الحسن بن محمد) بن أعين، أبو عليّ الحرّانيّ، صدوقٌ [٩] ١٦/ ٦٤٩.
٣ - (زهير) بن معاوية بن حُدَيح، أبو خيثمة الْجُعفيّ الكوفيّ، نزيل الجزيرة، ثقة ثبت، إلا أن سماعه من أبى إسحاق بأخرة [٧] ٣٨/ ٤٢.
٤ - (أبو إسحاق) عمرو بن عبد اللَّه بن عُبيد الهمدانيّ السببِيعيّ الكوفيّ، ثقة عابد مكثر، اختلط بآخره، وكان يدلّس [٣] مكثر ٣٨/ ٤٢.
٥ - (مُصعب بن سعد) الزهريّ، أبو زُرارة المدنيّ، ثقة [٣] ٩١/ ١٠٣٢.
٦ - (أبوه) سعد بن أبي وقّاص مالك بن وهيب بن عبد مناف بن زُهرة بن كلاب الزهريّ، أبو إسحاق، مات - رضي اللَّه تعالى عنه - بالعقيق سنة (٥٥) على المشهور ٩٦/ ١٢١. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه من أفراده. (ومنها): أن فيه حرّانيين: شيخه، والحسن، وكوفيين: زهير، وأبو إسحاق، ومدنيين: مصعب، وأبوه. (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، ورواية الابن، عن أبيه. (ومنها): أن صحابيّه، أحد العشرة المبشّرين بالجنة ﵃، وأول من رمى بسهم في سبيل اللَّه، وآخر من مات من العشرة - رضي اللَّه تعالى عنهم - مات سنة (٥٥) على الأصح. واللَّه تعالى أعلم.
стр. 15177
شرح الحديث
(عَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ) سعد بن أبي وقّاص ﵁، أنه (قَالَ: كُنَّا نَذْكُرُ بَعْضَ الْأَمْرِ, وَأَنَا حَدِيثُ عَهْدٍ بِالْجَاهِلِيَّةِ) أي قريب الدخول إلى الإسلام، ولم تزل منه آثار الجاهليّة، والجاهليّة: ما قبل الإسلام، مما كانت فيه العرب، من الجهل باللَّه ، وبأحكامه، حتى أخرجها اللَّه تعالى من ذلك الضلال ببعث النبيّ ﷺ فيهم (فَحَلَفْتُ بِاللَّاتِ وَالْعُزَّى) أي جرى ذلك منه على العادة، وليس قاصدًا لذلك، كما يُرشد إليه السياَق (فَقَالَ لِي أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ ﷺ ) وفي الرواية التالية: "أصحابي"، ولا تنافي بينهما؛ وإن أصحاب رسول اللَّه ﷺ هم أصحابه (بِئْسَ مَا قُلْتَ) أي من الحلف باللات، والعزّى، فإنه منكرٌ من القول، وزورٌ، وفي الرواية التالية زيادة: "قُلتَ هُجرًا"، وهو -بضمّ الهاء، وسكون الجيم-: هو القبيح من الكلام (ائْتِ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَأَخْبِرْهُ، فَإِنَّا لَا نَرَاكَ إِلَّا قَدْ كَفَرْتَ) هذا ظنّ من الصحابة ﵃، أدّاهم إليه شدّة بغضهم لما كانوا عليه من الجهل باللَّه تعالى، وبأحكامه، فظنّوا أن من قال ذلك، ولو كان غير قاصد يكفر به (فَأَتَيْتُهُ) ﷺ (فَأَخْبَرْتُهُ) أي بما جرى له من الحلف المذكور (فَقَالَ: لِي: " قُلْ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ) زاد في الرواية التالية: "له الملك، وله الحمد، وهو على كلّ شيء قدير". وفي نسخة: (إسقاط جملة: "لا شريك له" (ثَلَاثَ مَرَّاتٍ) إنما أمره بتكرارها -واللَّه أعلم- مبالغة في التبرّي من الأصنام (وَتَعَوَّذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ) أي لأن هذا من عمله؛ إذْ هو الحامل على المنكر من القول والفعل، كما قال اللَّه تعالى: ﴿إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٦٩] (ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، وَاتْفُلْ) -بضمّ الفاء، وكسرها، أمر من تفل، من بابي ضرب، وقتل، يقال: بزَق، ثم تفَل، ثم نَفَث، ثم نَفَخ. قاله الفيّومي. أي فالتَّفْل أشدّ من البَزْق، ويليه النَّفْثُ، ويليه النفخ (عَنْ يَسَارِكَ) وفي نسخة: "عن شمالك"، وإنما أمره بالتفل في يساره؛ لأنه موقف الشيطان، من الإنسان، فإن اليمين للملك، واليسار للشيطان، ويشهد له ما أخرجه مسلم في "صحيحه" من طريق أبي الزبير، عن جابر ﵁، عن رسول اللَّه ﷺ ، أنه قال: (إذا رأى أحدكم الرؤيا يكرهها، فليبصق عن يساره ثلاثا، وليستعذ باللَّه من الشيطان ثلاثا، وليتحول عن جنبه الذي كان عليه".
ويؤيّده أيضًا ما رواه أبو هريرة ﵁، عن النبي ﷺ ، قال: (إذا قام أحدكم إلى الصلاة، فلا يبصق أمامه، فإنما يناجي اللَّه ما دام في مصلاه، ولا عن يمينه، فإن عن يمينه ملكا, وليبصق عن يساره، أو تحت قدمه، فيدفنها"، متّفقٌ عليه، وقد بُيَّنَ كونُ
стр. 15178
اليسار موقف الشيطان، فيما رواه ابن أبي شيبة، من حديث أبي أُمامة ﵁ في هذا الحديث: "فإنه يقوم بين يدي اللَّه، وملكه عن يمينه، وقرينه عن يساره".
(ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، وَلَا تَعُدْ لَهُ) -بضمّ العين المهملة، من العَوْد، وهو الرجوع، أي لا ترجع لمثل هذا القول مرّة أخرى؛ لأنه من عمل الشيطان الذي هو عدوّ الإنسان، واللَّه تعالى أمرنا بمخالفته، واتخاذه عدوًّا، فقال تعالى: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [فاطر: ٦]. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث سعد بن أبي وقّاص - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا صحيح.
[فإن قلت]: كيف يصحّ، وفيه أبو إسحاق مدلّسٌ، وقد عنعنه، وهو أيضًا ممن اختلط في آخره، وزهير بن معاوية إنما سمع منه بعد اختلاطه؟ (١).
[قلت]: أما عنعنته فقد زالت بتصريحه بالتحديث في الرواية التالية، وأما اختلاطه، فإن زهيرًا، وإن كان أخذه عنه بآخره، إلا أنه تابعه إسرائيل بن يونس بن أبي إسحاق، فرواه عنه، كما أخرجه أحمد في "مسنده" من طريقه -١/ ١٨٣ و ١٨٦ - ١٨٧ - وإسرائيل في جدّه أبي إسحاق، أثبت حتّى من شعبة، والثوريّ، كما قاله ابن مهديّ، وقال ابن مهديّ أيضًا: ما فاتني الذي فاتني من حديث الثوريّ عن أبي إسحاق، إلا لما اتّكلت به على إسرائيل؛ لأنه كان يأتي به أتمّ. وقال حجاج الأعور: قلنا لشعبة: حدّثنا حديث أبي إسحاق، قال: سلوا عنها إسرائيل، فإنه أثبت فيها منّي. مع أن يحيى بن معين: قال أثبت أصحاب أبي إسحاق سفيان، وشعبة. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب.
(المسألة الثانية): في مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-١٢/ ٣٨٠٣ و ٣٨٠٤ - وفي "الكبرى" ١٢/ ٤٧١٧ و ٤٧١٨. وأخرجه (ق) في "الكفارات" ٢٠٩٧ (أحمد) في "مسند العشرة" ١٥٩٣. واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان حكم الحلف باللات والعزّى، وهو ما ذُكِرَ في الحديث. (ومنها): أن من تكلّم بالمكفّرات، لجهله،
стр. 15179
ّأو نسيانه، بأن كان قريب عهد بالجاهليّة، لا يكفر بذلك، ولا يخرج عن الإسلام؛ لأنه غير قاصد لذلك. (ومنها): ما كان عليه الصحابة ﵃ من الاشمئزاز، والنَّفْرة حينما يسمعون ألفاظًا منكرة، وقيامهم بالإنكار على من رأوا ذلك منه، وهذا هو الواجب على كلّ مسلم عند ما يرى المنكر، من القول والفعل، فقد أخرج مسلم من حديث أبي سعيد الخدريّ ﵁، قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "من رأى منكم منكرا، فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان". (ومنها): أن من وقع في المخالفات ينبغي له أن يتعوّذ من الشيطان، ويذكر اللَّه تعالى؛ ليبعده عنه؛ فإن ذكر اللَّه حصنٌ حصين منيع، لا يصل الشيطان إلى ابن آدم ما دام متحصّنًا به. (ومنها): وجوب التوبة على من اقترف معصية، وعدم الرجوع إليها، وهذا من شروط التوبة الصحيحة, فإنها الندم، والإقلاع عنها في الحال، والعزم على أن لا يعود في المستقبل، وإذا تعلّقت بحقّ آدميّ شُرط الخروج عن تلك المظلمة، إن أمكنه ذلك، قال في "الكوكب الساطع":
وَاعرِضْ عَلَى نَفْسِكَ تَوْبَةً تُؤَمُّ … وَمَا حَوَتْ مِنْ حَسَنٍ وَهْيَ النَّدَمْ
وَشَرْطُهَا الإقْلَاعُ وَالعَزْمُ السَّنِي … أَنْ لَا يَعُودَ وَادِّرَاكُ الْمُمْكِنِ
وقوله: "وادراك الممكن" افتعال من الدرك، أي تدارك ما أمكن تداركه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٨٠٤ - (أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَخْلَدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُصْعَبُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: حَلَفْتُ بِاللَّاتِ وَالْعُزَّى، فَقَالَ لِي أَصْحَابِي: بِئْسَ مَا قُلْتَ: قُلْتَ هُجْرًا، فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ: "قُلْ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ, وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، وَانْفُثْ عَنْ يَسَارِكَ، ثَلَاثًا، وَتَعَوَّذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ، ثُمَّ لَا تَعُدْ" (١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "عبد الحميد بن محمد": هو أبو عمر الحرّانيّ، إمام مسجدها، ثقة [١١] ٢٢/ ٩٣٢ من أفراد المصنّف. و"مخلد": هو ابن يزيد القرشيّ الحرّانيّ، صدوق، له أوهام، من كبار [٩] ١٤١/ ٢٢٢. و"يونس بن أبي إسحاق": هو أبو إسرائيل الكوفيّ، صدوق يَهِم قليلاً [٥] ١٦/ ٦٥٢.
وقوله: "هُجرًا" -بضمّ، فسكون-: أي كلامًا قبيحًا. وقوله: "وانفث" بضمّ الفاء،
стр. 15180
أمر من نفث، من باب ضرب، يقال: نفث: إذا بزَقَ، ومنهم من يقوله: إذا بزق، ولا ريق معه. قاله الفيّوميّ. والحديث صحيح، وتقدّم شرحه، وبيان مسائله في الذي قبله. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعتُ، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكّلتُ، وإليه أنيب".
…
١٣ - (إِبْرَارُ الْقَسَمِ)
٣٨٠٥ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، عَنْ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ الْأَشْعَثِ بْنِ سُلَيْمٍ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ سُوَيْدِ بْنِ مُقَرِّنٍ، عَنْ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ، قَالَ: "أَمَرَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ , بِسَبْعٍ: أَمَرَنَا بِاتِّبَاعِ الْجَنَائِزِ، وَعِيَادَةِ الْمَرِيضِ، وَتَشْمِيتِ الْعَاطِسِ، وَإِجَابَةِ الدَّاعِي، وَنَصْرِ الْمَظْلُومِ، وَإِبْرَارِ الْقَسَمِ، وَرَدِّ السَّلَامِ").
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجالَ هذا الإسناد رجال الصحيح، وتقدّموا غير مرّة، و"محمد": هو ابن جعفر غندر. و"الأشعث بن سُليم": هو ابن أبي الشعثاء المحاربيّ الكوفيّ، ثقة [٦] ٩٠/ ١١٢. و "معاوية بن سُويد بن مُقَرِّن": هو المزنيّ، أبو سُويد الكوفيّ، ثقة [٣] ٥٢/ ١٤٧٩.
وقوله: "اتباع الجنائز": أي تشييعه إلى محلّ الصلاة عليه، ودفنه. وتقدّم تمام البحث فيه في "كتاب الجنائز".
وقوله: "وعيادة المريض": أي زيارته، وتفقّده، يقال: عاد يعوده عيادة: إذا زاره. وقوله: "وتشميت العاطس": بالشين المعجمة، هو الدعاء له إذا عطس، وحَمِدَ اللَّه تعالى، فعلى المشمّت أن يقول له: "يرحمك اللَّه"، كما بيّنه ما أخرجه البخاريّ في "صحيحه" من حديث أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ ، قال: "إذا عطس أحدكم، فليقل: الحمد للَّه، وليقل له أخوه) -أو- "صاحبه: يرحمك اللَّه، فإذا قال له: يرحمك اللَّه، فليقل: يَهدِيكم اللَّه، ويُصلح بالكم".
وقوله: "وإجابة الداعي" تعمّ الوليمة، وغيرها، ويتأكد في الوليمة، وقد تقدم بيانه في "النكاح".
وقوله: "ونصر المظلوم": أي إعانته على ظالمه، وتخليصه منه. وقوله: "ورد السلام": وفي رواية: "وإفشاء السلام": أي إشاعته، ولا يخصّ به من يعرف، دون من لا يعرف.
стр. 15181
وهذا الحديث متّفقٌ عليه، وقد تقدّم للمصنّف في "كتاب الجنائز" -١٥٣/ ٩٣٩ - "الأمر باتّباع الجنائز"، وقد استوفيت شرحه، وبيان مسائله هناك، وإنما أتكلّم هنا ما يتعلّق بما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو إبرار "القسم"، وفي رواية: "إبرار المقسم"، واختُلف في ضبط سينه، فالمشهور أنها بالكسر، وضمّ أوله، على أنه اسم فاعل. وقيل: بفتحها: بمعنى الإقسام؛ لأن المصدر الزائد على الثلاثيّ يأتي بصيغة اسم المفعول، مثلُ أدخلته مُدخَلًا، أي إدخالًا.
و"الأبرار" -بكسر الهمزة: مصدر أبرّ يُبِرّ، و"القسم" بفتحتين: الحلف، وأصله من القَسَامة، وهي الأيمان التي على أولياء المقتول، سميت قَسامة لأن الأيمان تُقسم على أولياء القتيل، ثم استعمل القسم في كلّ حلف. أفاده في "الفتح" (١).
فمعنى إبرار القَسَم: جَعْلُ الحالف بارًّا في حلفه بفعل ما أراد، إذا أمكن، كما إذا حلف واللَّه ليدخلنّ زيد اليوم داري، فعدم زيد به، وهو قادر على الدخول، ولا مانع له من ذلك، فعليه أن يُبرّه في قسمه، ولا يحنّثه.
قال النوويّ -رحمه اللَّه تعالى-: وأما إبرار القسم، فهو سنّةٌ أيضًا مستحبّة، متأكّدة، وإنما يُندب إليه إذا لم يكن فيه مفسدة، أو خوف ضرر، أو نحو ذلك، فإن كان شيء من هذا لم يُبرّ قسمه، كما ثبت أن أبا بكر ﵁ لَمّا عبّر الرؤيا بحضرة النبيّ ﷺ ، فقال له النبيّ ﷺ : "أصبت بعضًا، وأخطأت بعضًا، فقال: أقسمت عليك يا رسول اللَّه، لتُخبرنّي، فقال: لا تُقسم، ولم يخبره". متّفق عليه.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: في قوله: "مستحبّة" نظرٌ لا يخفى، إذ ورد الأمر بها، والأمر للوجوب، إلا لصارف، فإن كان هناك، صارف، من إجماع، أو نحوه، فذاك، وإلا فالظاهر الوجوب، فتأمّل. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
[تنبيه]: قال ابن المنذر -رحمه اللَّه تعالى-: اختُلف فيمن قال: أقسمت باللَّه، أو أقسمت مجرّدة، فقال قومٌ: هي يمين، وإن لم يقصد، وممن رُوي ذلك عنه ابن عمر، وابن عبّاس، وبه قال النخعيّ، والثوريّ، والكوفيّون. وقال الأكثرون: لا تكون يمينًا، إلا أن ينوي. وقال مالك: أقسمت باللَّه يمين، وأقسمت مجرّدة لا تكون يمينًا، إلا إن نوى. وقال الشافعيّ: المجرّدة لا تكون يمينًا أصلًا ولو نوى، وأقسمت باللَّه، إن نوى تكون يمينًا. وقال إسحاق: لا تكون يمينًا أصلاً. وعن أحمد رواية كالأول، وعنه كالثاني، وعنه إن قال قسمًا باللَّه، فيمين جزمًا؛ لأن التقدير أقسمت باللَّه قسمًا، وكذا
стр. 15182
لو قال: أليّةً باللَّه. قاله في "الفتح" (١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الظاهر أن ما ذهب إليه الأكثرون من أنها لا تكون يمينا إلا بالنية أقرب. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعتُ، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكّلتُ، وإليه أنيب".
…
١٤ - (مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ, فَرَأَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا)
٣٨٠٦ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، عَنْ سُلَيْمَانَ، عَنْ أَبِي السَّلِيلِ، عَنْ زَهْدَمٍ، عَنْ أَبِي مُوسَى، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "مَا عَلَى الْأَرْضِ يَمِينٌ, أَحْلِفُ عَلَيْهَا, فَأَرَى غَيْرَهَا, خَيْرًا مِنْهَا, إِلَّا أَتَيْتُهُ").
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "ابن أبي عديّ": هو محمد بن إبراهيم بن أبي عديّ البصريّ. و"سليمان": هو ابن طرخان التيميّ، أبو المعتمر البصريّ، ثقة عابد [٤] ٨٧/ ١٠٧.
و"أبو السليل" -بفتح المهملة" وكسر اللام -اسمه ضُرَيب- بالتصغير، آخره باء موحّدة- ابن نُقَير -بنون، وقاف، مصغّرًا - ويقال: نُفير -بالفاء- ويقال: نُفيل -باللام- الْقَيسيّ الْجُرَيريّ -بالضم مصغّرا- البصريّ، ثقة [٦].
قال إسحاق بن منصور، عن ابن معين: ثقة. وقال ابن سعد: ثقة، إن شاء اللَّه. ونقل ابن خلفون توثيقه عن ابن نُمير، وغيره. وذكره ابن حبّان في "الثقات". روى له الجماعة، سوى البخاريّ، وله عند المصنّف في هذا الكتاب حديث الباب فقط.
و"زهدم" -بوزن جعفر- ابن مُضَرِّب- بصيغة اسم الفاعل المضعّف الأَزديّ الْجَرْميّ، أبو مسلم البصريّ، ثقة [٣].
قال العجليّ: تابعيّ ثقة. ذكره ابن حبّان في "الثقات". أخرج له الجماعة، سوى أبي داود، وابن ماجه، وله عندهم حديثان فقط: حديث الباب، وحديث: "خيركم قرني، ثم الذين يلونهم … ". وله عند المصنّف في هذا الكتاب أربعة أحاديث: برقم -٣٨٠٦ و ٣٨٣٨ و ٤٣٧٣ و ٤٣٧٤.
стр. 15183
وقوله: "ما على الأرض يمين" المراد باليمين هنا: المحلوف عليه مجازًا. وقوله: "إلا أتيته" أي فعلت الخيرَ، وتركتُ المحلوف عليه. وتمام شرح الحديث، ومسائله تأتي مستوفاةً في الحديث الآتي في الباب التالي، إن شاء اللَّه تعالى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعتُ، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكّلتُ، وإليه أنيب".
…
١٥ - (الْكَفَّارَةُ قَبْلَ الْحِنْثِ)
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "الْحِنْث" -بكسر الحاء المهملة، وسكون النون، آخره شاء مثلّثة-: نقض اليمين، والنكْثُ فيها، يقال: حَنِث في يمينه يَحْنَثُ، من باب عَلِمَ، وكأنه من الْحِنث: أي الإثم، والمعصية. أفاده في "النهاية" (١).
وقال في "القاموس": الْحِنْثُ -بالكسر-: الإثم، والحلف في اليمين، والمَيْلُ من باطل إلى حقّ، وعكسه، وقد حَنِثَ كعَلِمَ، وأحنثتُهُ أنا. انتهى.
وقال الفيّوميّ: حَنِثَ في يمينه يَحنَثُ حِنْثًا: إذا لم يَفِ بموجبها، فهو حانثٌ، وحَنَّثْته: جعلتُهُ حانثًا، والحِنثُ: الذنب، وتحنث: إذا فعل ما يخرُج به من الْحِنثِ. قال ابن فارس: والتحتّثُ: التعبّد، ومنه كان النبيّ ﷺ يتحنّث في غار حراء. انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
٣٨٠٧ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ غَيْلَانَ بْنِ جَرِيرٍ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ، قَالَ: أَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ , فِي رَهْطٍ مِنَ الْأَشْعَرِيِّينَ, نَسْتَحْمِلُهُ، فَقَالَ: "وَاللَّهِ لَا أَحْمِلُكُمْ، وَمَا عِنْدِي مَا أَحْمِلُكُمْ"، ثُمَّ لَبِثْنَا مَا شَاءَ اللَّهُ، فَأُتِيَ بِإِبِلٍ, فَأَمَرَ لَنَا بِثَلَاثِ ذَوْدٍ، فَلَمَّا انْطَلَقْنَا, قَالَ بَعْضُنَا لِبَعْضٍ: لَا يُبَارِكُ اللَّهُ لَنَا، أَتَيْنَا رَسُولَ اللهِ ﷺ , نَسْتَحْمِلُهُ, فَحَلَفَ أَنْ لَا يَحْمِلَنَا، قَالَ أَبُو مُوسَى: فَأَتَيْنَا النَّبِيَّ ﷺ فَذَكَرْنَا ذَلِكَ لَهُ, فَقَالَ: "مَا أَنَا حَمَلْتُكُمْ, بَلِ اللَّهُ حَمَلَكُمْ، إِنِّي وَاللَّهِ, لَا أَحْلِفُ عَلَى يَمِينٍ, فَأَرَى غَيْرَهَا, خَيْرًا مِنْهَا، إِلَّا كَفَّرْتُ عَنْ يَمِينِي, وَأَتَيْتُ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ").
стр. 15184
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (قتيبة) بن سعيد الثقفي البغلاني، ثقة ثبت [١٠] ١/ ١.
٢ - (حماد) بن زيد بن درهم، أبو إسماعيل البصريّ، ثقة ثبت فقيه [٨] ٣/ ٣.
[تنبيه]: "حمّاد" هنا: هو ابن زيد؛ لأن قتيبة لم يُدرك حمّاد بن سلمة. قاله في "الفتح" (١). واللَّه تعالى أعلم.
٣ - (غيلان بن جرير) -بفتح الغين المعجمة، وسكون التحتانيّة- الأزديّ الْمِعْوَليّ البصريّ، ثقة [٥] ١٢٤/ ١٠٨٢.
٤ - (أبو بُرْدة) بن أبي موسى الأشعريّ، قيل: اسمه عامر. وقيل: الحارث الكوفي،
ثقة [٣] ٣/ ٣.
٥ - (أبو موسى الأشعريّ) عبد اللَّه بن قيس بن سُلَيم بن حَضّار الصحابيّ المشهور، أمّره عمر، ثم عثمان، وهو أحد الحكمين بصِفِّين، مات ﵁ سنة (٥٠) وقيل: بعدها، تقدّمت ترجمته في ٣/ ٣. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أن فيه بصريين، وكوفيين، وبغلانيّ. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ، والابن عن أبيه. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ) - رضي اللَّه تعالى عنه -، أنه (قَالَ: أَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ ) وفي الحديث قصَّة، في "الصحيحين"، وفي غيرهما, ولفظ البخاريّ -٧٥٥٥ - من طريق أيوب، عن أبي قلابة، والقاسم التميمي، عن زَهدم، قال: كان بين هذا الحي، من جَرْم، وبين الأشعريين وُدٌّ وِإخَاءٌ، فكنا عند أبي موسى الأشعري، فقُرِّب إليه الطعام، فيه لحم دجاج، وعنده رجل من بني تيم اللَّه، كأنه من الموالي، فدعاه إليه، فقال: إني رأيته يأكل شيئا، فقذرته، فحلفت لا آكله، فقال: هَلُمَّ فلأحدثك عن ذاك، إني أتيت النبي ﷺ ، في نفر من الأشعريين نستحمله، قال: "واللَّه لا أحملكم، وما عندي ما أحملكم"، فأُتي النبي ﷺ بنهب إبل، فسأل عنّا، فقال: (أين النفر الأشعريون؟ "، فأمر لنا بخمس ذَوْدٍ غُرِّ الذُّرَى، ثم انطلقنا، قلنا: ما صنعنا، حَلَفَ
стр. 15185
رسولُ اللَّه ﷺ ، أن لا يحملنا، وما عنده ما يحملنا، ثم حمدنا، تَغَفَّلْنا رسولَ اللَّه ﷺ يمينه، واللَّه لا نُفلح أبدا، فرجعنا إليه، فقلنا له، فقال: "لست أنا أحملكم، ولكن اللَّه حملكم، وإني واللَّه، لا أحلف على يمين، فأرى غيرها خيرا منها، إلا أتيت الذي هو خير منه، وتحللتها".
(فِي رَهْطٍ) -بفتح الراء، وسكون الهاء، أفصح من فتحها -: ما دون عشرة من الرجال، ليس فيهم امرأة، وهو جمعٌ لا واحد له من لفظه. وقيل: الرهط من سبعة إلى عشرة، وما دون السبعة إلى ثلاثة نَفَر. وقال أبو زيد: الرهط، والنَّفَرُ: ما دون العشرة من الرجال. وقال ثعلب أيضًا الرهط، والنفر، والقوم، والْمَعْشَرُ، والْعَشِيرةُ: معناهم الجمعُ، لا واحد لهم من لفظهم، وهم للرجال، دون النساء. وقال ابن السّكّيت: الرهط، والعَشِيرةُ بمعنًى، ويقال: الرهط ما فوق العشرة إلى الأربعين. قاله الأصمعيّ في "كتاب الضاد والظاء"، ونقله ابن فارس أيضًا. ورهطُ الرجل: قومه، وقبيلته الأقربون. قاله الفيّوميّ (مِنَ الْأَشْعَرِيِّينَ) -بفتح الهمزة، وسكون الشين المعجمة- نسبة أشعر قبيلة مشهورة باليمن، والأشعر هو نبت بن أُدد بن زيد بن يَشْجُب بن عريب بن زيد بن كهلان بن سبأ، قيل له: الأشعر؛ لأن أمه ولدته والشعر على بدنه. قاله في "اللباب" (١).
وفي رواية للبخاريّ من طريق عبد السلام بن حرب، عن أيوب بلفظ: (إنا أتينا النبيّ ﷺ نفر من الأشعريين"، فاستدلّ به ابن مالك لصحّة قول الأخفش: يجوز أن يُبدل من ضمير الحاضر بدل كلّ من كلّ، وحمل عليه قوله تعالى: ﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ الآية [الأنعام: ١٢]، قال ابن مالك: واحترزت بقولي بدل كلّ من كلّ عن البعض، والاشتمال، فذلك جائز اتفاقًا، وإليه أشار في "الخلاصة" بقوله:
وَمِنْ ضَمِيرِ الحَاضِرِ الظَّاهِرَ لَا … تُبْدِلهُ إِلاَّ مَا إِحَاطَةَ جَلَا
أَوِ اقْتَضَى بَعْضًا أَوِ اشْتِمَالَا … كَأَنَّكَ ابْتِهَاجكَ اسْتَمَالَا
ولَمَّا حكاه الطيبيّ أقرّه، وقال: هو عند علماء البديع يُسمَّى التجريد. لكن تعقّب الحافظ ذلك، وقال: لا يحسن الاستشهاد به، إلا لو اتفقت الرواة، والواقع أنه بهذا اللفظ انفرد به عبد السلام، وقد أخرجه البخاريّ في مواضع أخرى بإثبات "في"، فقال في معظمها "في رهط"، كما هي رواية ابن عُليّة، عن أيوب في "كفّارات الأيمان"، وفي
стр. 15186
بعضها (في نفر"، كما هي رواية حماد، عن أيوب في "فرض الخمس". انتهى (١).
(نَسْتَحْمِلُهُ) أي نطلب منه ما نركبه، ويحمل أثقالنا في الغزو، وكان ذلك في غزوة تبوك. وفي رواية لمسلم: "كنّا مشاة، فأتينا رسول اللَّه ﷺ نستحمله". وزاد في رواية ابن عليّة، عن أيوب: "وهو يَقسم غنمًا، من نَعَم الصدقة"، قال أيوب: أحسبه قال: "وهو غضبان"، وفي رواية عبد الوارث، عن أيوب: "فوافقته، وهو غضبان، وهو يَقسم نَعَمًا من نَعَم الصدقة"، وفي رواية وُهيب، عن أيوب عند أبي عوانة في "صحيحه": (وهو يَقسم ذَوْدًا من إبل الصدقة".
وفي رواية لمسلم-١٦٤٩ - من طريق بُريد بن عبد اللَّه، عن أبي بُردة، عن أبي موسى ﷺ ، قال: "أرسلني أصحابي إلى رسول اللَّه ﷺ ، أسأله لهم الْحُمْلان، إذهم معه في جيش العسرة، وهي غزوة تبوك، فقلت: يا نبيّ اللَّه، إن أصحابي أرسلوني إليك لتحملهم، فقال: واللَّه لا أحملكم على شيء، ووافقته، وهو غضبان، ولا أشعُرُ، فرجعت حزينًا من منع رسول اللَّه ﷺ ، ومن مخافة أن يكون رسول اللَّه ﷺ قد وجَدَ في نفسه عليّ، فرجعت إلى أصحابي، فأخبرتهم الذي قال رسول اللَّه ﷺ ، فلم أَلبَث إلا سُويعة، إذ سمعت بلالا ينادي، أَيْ عبد اللَّه بن قيس، فأجبته، فقال: أجب رسول اللَّه ﷺ يدعوك، فلما أتيت رسول اللَّه ﷺ ، قال: خذ هذين القرينين، وهذين القرينين، وهذين القرينين، لستة أبعرة، ابتاعهن حينئذ من سعد، فانطَلِقْ بهن إلى أصحابك، فقل: إن اللَّه -أو قال-: إن رسول اللَّه ﷺ ، يحملكم على هؤلاء، فاركبوهن، قال أبو موسى، فانطلقت إلى أصحابي بهنّ، فقلت: إن رسول اللَّه ﷺ ، يحملكم على هؤلاء، ولكن واللَّه، لا أَدَعُكم، حتى ينطلق معي بعضكم إلى من سمع مقالة رسول اللَّه ﷺ ، حين سألته لكم، ومنعه في أول مرة، ثم إعطاءه إياي بعد ذلك، لا تظنوا أني حدثتكم شيئا، لم يقله، فقالوا لي: واللَّه إنك عندنا لَمُصَدَّق ولنفعلنّ ما أحببت، فانطلق أبو موسى بنفر منهم، حتى أتوا الذين سمعوا قول رسول اللَّه ﷺ ، ومنعه إياهم، ثم إعطاءهم بعدُ، فحدثوهم بما حدثهم به أبو موسى سواء".
ويجمع بأن أبا موسى حضر هو والرهط، فباشر الكلام بنفسه عنهم.
(فَقَالَ) ﷺ (وَاللَّهِ لَا أَحْمِلُكُمْ) قال القرطبيّ: فيه جواز اليمين عند المنع، ورد السائل الملْحِف عند تعذر الإسعاف، وتأديبه بنوع من الإغلاظ بالقول (وَمَا عِنْدِي مَا أَحْمِلُكُمْ) أي ليس عندي شيء من الإبل أحملكم عليه، وإنما ذكر ﷺ هذه الجملة-واللَّه أعلم-
стр. 15187
اعتذارًا، وبيانًا لسبب حلفه (ثُمَّ لَبِثْنَا مَا شَاءَ اللَّهُ) أي من الزمن (فَأُتِيَ بِإِبِلٍ) بالبناء للمفعول. وفي رواية: "فأتي رسولُ اللَّه ﷺ بنَهب إبل" -بفتح النون، وسكون الهاء، بعدها موحّدة-: أي غنيمة، وأصله ما يؤخذ اختطافًا بحسب السبق إليه على غير تسوية بين الآخذين. ووقع في رواية الأصيليّ، وكذا لأبي ذرّ، عن السرخسيّ والمستملي: "فاُتي بشائل"، يقال: ناقة شائلة، ونُوق شائلٌ، وهي التي جفّ لبنها. وعن الأصمعيّ: إذا أتى على الناقة من يوم حملها سبعة أشهر جفّ لبنها، فهي شائلة، والجمع شُول بالتخفيف، وإذا شالت بذنبها بعد اللقاح، فهي شائل، والجمع شُوَّل بالتشديد انتهى.
وفي رواية بُريدة، عن أبي بُردة أنه ﷺ ابتاع الإبل التي حَمَل عليها الأشعريين من سعد، وفي الجمع بينها وبين رواية الباب عُسْرٌ، لكن يحتمل أن تكون الغنيمة لَمّا حصَلت حصل لسعد منها القدر المذكور، فابتاع النبيّ ﷺ منه نصيبه، فحملهم عليه. قاله في "الفتح" (١).
(فَأَمَرَ لَنَا) وفي رواية ابن عُليّة عند البخاريّ: "فقيل: أين الأشعريّون؟ فأتينا، فأمر لنا"، وفي رواية حماد: "وأتي بنهب إبل، فسأل عنّا، فقال: أين النفر الأشعريّون؟ فأمر لنا"، وفي رواية يزيد: "فلم ألبث إلا سُويعة، إذ سمعت بلالاً ينادي، أين عبد اللَّه بن قيس؛ فأجبته، فقال: أجب رسول اللَّه ﷺ يدعوك، فلما أتيته، قال: خذ".
(بثَلَاثِ ذَوْدٍ) قال النوويّ: هو من إضافة الشيء إلى نفسه، وقد يحتجّ به من يُطلق الذّود على الواحد. انتهى.
وفي نسخة: "بثلاثة ذود"، بإثبات الهاء، قال النوويّ: هو صحيح، يعود إلى معنى الإبل، وهو الأبعرة.
وقال في "الفتح": قيل: الصواب الأول؛ لأن الذّود مؤنّثٌ، ووُجِّهَ بأنه إنما ذكّره باعتبار لفظ الذود، أو أنه يُطلق على الذكور والإناث، أو الرواية بالتنوين، والذود إما بدل، فيكون مجرورًا، أو مستأنف، فيكون مرفوعًا.
و"الذَّوْد" -بفتح الذال المعجمة، وسكون الواو، بعدها مهملة-: من الثلاث إلى العشر. وقيل: إلى السبع. وقيل: من الاثنين إلى التسع من النُّوق، قال في "الصحاح": لا واحد له من لفظه، والكثير أَذْوَاد، والأكثر على أنه خاصّ بالإناث، وقد يُطلق على المذكور، أو على أعمّ من ذلك، كما في قوله ﷺ : "ليس فيما دون خمس ذود من الإبل صدقة" ويؤخذ من هذا الحديث أيضًا أن الذود يُطلق على الواحد، بخلاف ما أطلق
стр. 15188
الجوهويّ. انتهى.
ووقع في رواية بلفظ: "خمس ذود" قال النوويّ: لا منافاة بينهما، إذ ليس في ذكر الثلاث نفي للخمس، والزيادة مقبولة. انتهى (١).
وقال في "الفتح": قال ابن التين: اللَّه أعلم أيهما يصحّ. قال الحافظ: لعلّ الجمع بينهما يحصل من الرواية التي بلفظ: "خذ هذين القرينين، وهذين القرينين، وهذين القرينين"، فلعلّ رواية الثلاث باعتبار ثلاثة أزواج، ورواية الخمس باعتبار أن أحد الأزواج كان قرينه تبعًا، فاعتدّ به تارة، ولم يعتد به أُخرى. ويمكن الجمع بأنه أمر لهم بثلاث ذَوْد أوْلًا، ثم زادهم اثنين، فإن لفظ زَهْدَم: "ثم أتي بنهب ذَوْد، غُرَّ الذُّرَى، فأعطاني خمس ذود"، فوقعت في رواية زَهْدَم جملة ما أعطاهم، وفي رواية غيلان، عن أبي بردة مبدأ ما أمر لهم به، ولم يذكر الزيادة. وأما رواية "خذ هذين القرينين ثلاث مرار"، وفي لفظ "ستة أبعرة" فيمكن أن تكون السادسة تبعًا, ولم تكن ذروتها موصوفة بذلك، كما تقدّم. أفاده في "الفتح" (٢).
(فَلَمَّا انْطَلَقْنَا) أي ذهبنا من عند النبيّ ﷺ . وفي رواية: "فاندفعنا"، وفي رواية: "فلبثنا غير بعيد" (قَالَ: بَعْضُنَا لِبَعْضٍ) وفي رواية للبخاري: "فقلت لأصحابي"، وفي رواية: "قلنا: ما صنعنا"، فيجمع على أنهم تكلّموا فيما بينهم، والبادىء هو أبو موسى ﵁ (لَا يُبَارِكُ اللَّهُ لَنَا) أي فيما أعطانا رسول اللَّه ﷺ من الذود، إن سكتنا عن ذلك، ولم نعرفه، ثم بين سبب عدم البركة بقوله (أَتَيْنَا رَسُولَ اللهِ ﷺ نَسْتَحْمِلُهُ, فَحَلَفَ أَنْ لَا يَحْمِلَنَا) أي ثم حملنا بعد الحلف، فإن هذا مما لا يرضاه اللَّه . وفي رواية ابن عليّة عند البخاريّ: "نسي رسول اللَّه ﷺ يمينه، واللَّه لئن تغفلنا رسول اللَّه ﷺ يمينه، لا نُفلح أبدًا"، وفي رواية عبد السلام: "فلما قبضناها، قلنا: تغفّلنا رسول اللَّه ﷺ يمينه، لا نفلح أبدًا"، ووقع في رواية زيادة قول أبي موسى ﵁ لأصحابه: "لا أدعكم حتى ينطلق معي بعضكم إلى من سمع مقالة رسول اللَّه ﷺ "، يعني في منعهم أوْلًا، وإعطائهم ثانيًا إلى آخر القصة. قال القرطبيّ: فيه استدراك جبر خاطر السائل الذي يؤدّب على الحاجة بمطلوبه إذا تيسّر، وأن من أخذ شيئًا يَعلَم أن المعطي لم يكن راضيًا بإعطائه، لا يُبارك له فيه.
(قَالَ أَبُو مُوسَى) ﵁ (فَأَتَيْنَا النَّبِيَّ ﷺ فَذَكَرْنَا ذَلِكَ لَهُ) وفي رواية ابن عليّة عند البخاريّ: "فرجعنا، فقلنا: يا رسول اللَّه أتيناك نستحملك، فحلفت أن لا تحملنا، ثم
стр. 15189
حملتنا، فظننا، أو فعرفنا أنك نسيتَ يمينك، قال: انطلقوا، فإنما حملكم اللَّه … " (فَقَالَ: "مَا أَنَا حَمَلْتُكُمْ بَلِ اللَّهُ حَمَلَكُمْ) قال في "الفتح": قال العلماء: المراد بذلك إزالة المنّة عنهم، وإضافة النعمة لمالكها الأصليّ، ولم يُرد أنه لا صنع له أصلاً في حملهم؛ لأنه لو أراد ذلك ما قال بعد ذلك: "لا أحلف على يمين، فأرى غيرها خيرًا منها، إلا أتيت الذي هو خير، وكفّرت".
وقال المازريّ: معناه أن اللَّه تعالى أعطاني ما حملتكم عليه، ولولا ذلك لم يكن عندي ما أحملكم عليه. وقيل: يحتمل أنه كان نسي يمينه، والناسي لا يُضاف إليه الفعل. ويردّه التصريح بقوله: "واللَّه ما نسيتها"، وهي في "صحيح مسلم". وقيل: المراد بالنفي عنه، والإثبات للَّه الإشارةُ إلى ما تفضل اللَّه به من الغنيمة المذكورة؛ لأنها لم تكن بتسبّب من النبيّ ﷺ ، ولا كان متطلّعًا إليها, ولا منتظرًا لها، فكان المعنى: ما أنا حملتكم لعدم ذلك أوّلًا، ولكن اللَّه حملكم بما ساقه إلينا من هذه الغنيمة. انتهى (١).
وقال القاضي عياض: ويجوز أن يكون أُوحي إليه أن يحملهم، أو يكون المراد دخودهم في عموم من أمر اللَّه تعالى بالقسم فيهم. واللَّه أعلم. انتهى (٢).
(إِنِّي وَاللَّهِ) وفي رواية للبخاريّ: "إنى واللَّه، إن شاء اللَّه"، قال أبو موسى المدينيّ في كتابه "الثمين في استثاء اليمين": لم يقع قوله: "إن شاء اللَّه" في أكثر الطرق لحديث أبي موسى، وأشار إلى أنه ﷺ قالها للتبرّك، لا للاستثناء. قال الحافظ: وهو خلاف الظاهر.
(لَا أَحْلِفُ عَلَى يَمِينٍ) أي محلوف يمين، فأطلق عليه لفظ "يمين"؛ للملابسة، والمراد ما شأنه أن يكون محلوفا عليه، فهو من مجاز الاستعارة، ويجوز أن يكون فيه تضمين، فقد وقع في رواية لمسلم: "على أمر"، ويحتمل أن تكون "على" بمعنى الباء، فقد وقع في رواية النسائيّ (٣): "إذا حلفت بيمين"، ورُجّح الأول بقوله: "فرأيت غيرها خيرًا منها"؛ لأن الضمير في "غيرها" لا يصحّ عوده على اليمين. وأجيب بأنه يعود على معناه المجازيّ للملابسة أيضًا. وقال ابن الأثير في "النهاية": الحلف هو اليمين، فقوله: "أحلف": أي أعقد شيئًا بالعزم والنيّة، وقوله: "على يمين" تأكيد لعقده، وإعلامٌ بأنه ليست لغوًا. قال الطيبيّ: ويؤيّده رواية النسائيّ بلفظ: "ما على الأرض يمين
стр. 15190
أَحلِف عليها … " الحديث، قال: فقوله: "أحلف عليها" صفة مؤكّدة لليمين، قال: والمعنى: لا أحلف يمينًا جزمًا، لا لغو فيها، ثم يظهر لي أمرٌ آخر يكون فعلُه أفضل من المضيّ في اليمين المذكور إلا فعلته، وكفّرت عن يميني، قال: فعلى هذا يكون قوله: "على يمين" مصدرًا مؤكدًا لقوله: "أحلف". انتهى (١).
(فَأَرَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا، إِلَّا كَفَّرْتُ عَنْ يَمِينِي وَأَتَيْتُ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ) هذا هو الذي أخذ منه المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- الترجمة المذكورة الدّالة على جواز الكفّارة قبل الحنث، لكن فيه أن التقديم اللفظيّ لا يدلّ على التقديم المعنويّ، والعطف بالواو لا يدلّ على الترتيب، فيجوز أن يكون المتأخّر متقدّمًا، نعم قد يُقال: الأمر في الرواية الآتية لا دلالة له على وجوب تقديم الحنث، كما لا دلالة له على وجوب تقديم الكفّارة، ومقتضى الإطلاق دليل للمطلوب، وعلى هذا فقول من أوجب تقديم الحنث مخالف لهذا الإطلاق، فلا بدّ له من دليل يُعارض هذا الإطلاق، ويترجّح عليه حتى يستقيم الأخذ به، وترك هذا الإطلاق. قاله السنديّ -رحمه اللَّه تعالى- (٢). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث أبي موسى الأشعريّ - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-١٤/ ٣٨٠٦ و ١٥/ ٣٨٠٧ و"كتاب الصيد والذبائح" -٣٣/ ٤٣٧٣ و ٤٣٧٤ - وفي "الكبرى" ١٤/ ٤٧٢٠ و ١٥/ ٤٧٢١ و"كتاب الصيد والذبائح" ٣٦/ ٤٨٥٨ و ٤٨٥٩. وأخرجه (خ) في "فرض الخمس" ٣١٣٣ و"المغازي" ٤٣٨٥ و"الذبائح والصيد" ٥٥١٧ و"الأيمان والنذور" ٦٦٤٩ و ٦٦٨٠ وفي "كفارات الأيمان" ٦٧٢١ و"التوحيد" ٧٥٥٥ (م) في "الأيمان" ٤٢٤١ و ٤٢٤٢ و ٤٢٤٣ و ٤٢٤٥ و ٤٢٤٦ (د) في "الأيمان والنذور" ٣٢٧٦ مختصرًا (ت) في "الأطعمة": ١٨٢٦ وفي "الشمائل" ١٤٨ (ق) في "الكفارات" ٢١٠٧. واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان جواز التكفير قبل الحنث،
стр. 15191
وتقدّم وجهه، وفيه اختلافٌ بين العلماء، سنفصله في المسألة التالية، إن شاء اللَّه
تعالى. (ومنها): أنه يدك على جواز اليمين عند التبرّم. (ومنها): جواز ردّ المسائل المثقل عند تعذّر الإسعاف. (ومنها): مشروعيّة تأديب المسائل إذا لم يتيسّر للمسؤول إعطاؤه بنوع من إغلاظ القول، وذلك أنهم سألوه ﷺ في حال تحقّق فيها أنه لم يكن عنده شيء، فأدّبهم بذلك القول، ثم إنه ﷺ بقي مترقّبًا لما يُسعِف به طَلِبَتَهم، ويجبُرُ به انكسارهم، فلَمّا يسّر اللَّه تعالى عليه ذلك أعطاهم، وجبرهم على مُقتضى كرم خُلُقه الكريم ﷺ . قاله القرطبيّ. (ومنها): أن من حلف على فعل شيء، أو تركه، وكان الحنث خيرًا من التمادي على اليمين، عليه أن يحنث عن يمينه، وتلزمه الكفّارة، وهذا متّفقٌ عليه. (ومنها): أن الإمام البخاريّ -رحمه اللَّه تعالى- ترجم لهذا الحديث في "صحيحه" بقوله: "قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾، وأراد أن أفعال العباد مخلوقة للَّه تعالى، وهذا مذهب أهل السنَّة؛ خلافًا للمعتزلة. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم التكفير قبل الحنث:
قال النوويّ -رحمه اللَّه تعالى-: أجمعوا على أنه لا تجب الكفّارة قبل الحنث، وعلى أنه يجوز تأخيرها عن الحنث، وعلى أنه لا يجوز تقديمها على اليمين، واختلفوا في جوازها بعد اليمين وقبل الحنث، فجوّزها مالكٌ، والأوزاعيّ، والثوريّ، والشافعيّ، وأربعة عشر صحابيًّا، وجماعات من التابعين، وهو قول جماهير العلماء، لكن قالوا: يستحب كونها بعد الحنث، واستثنى الشافعيّ التكفير بالصوم، فقال: لا يجوز قبل الحنث؛ لأنه عبادة بدنيّة، فلا يجوز تقديمها على وقتها، كالصلاة، وصوم رمضان، وأما التكفير بالمال، فيجوز تقديمه كما يجوز تعجيل الزكاة. واستثنى بعض أصحابنا حنث المعصية، فقال: لا يجوز تقديم كفّارته؛ لأن فيه إعانة على المعصية، والجمهور على إجزائها كغير المعصية.
وقال أبو حنيفة، وأصحابه، وأشهب المالكيّ: لا يجوز تقديم الكفّارة على الحنث بكل حال. ودليل الجمهور ظواهر هذه الأحاديث، والقياس على تعجيل الزكاة. انتهى كلام النوويّ -رحمه اللَّه تعالى- (١)،
وقال في "الفتح": قال ابن المنذر: رأى ربيعة، والأوزاعيّ، ومالك، والليث، وسائر فقهاء الأمصار غير أهل الرأي أن الكفّارة تجزئ قبل الحنث، إلا أن الشافعيّ
стр. 15192
استثنى الصيام، فقال: لا يُجزىء إلا بعد الحنث. وقال أصحاب الرأي: لا تجزئ الكفّارة قبل الحنث. ونقل الباجيّ عن مالك وغيره روايتين، واستثنى بعضهم عن مالك الصدقة، والعتق، ووافق الحنفيّة أشهب من المالكيّة، وداود الظاهريّ، وخالفه ابن حزم، واحتجّ لهم الطحاويّ بقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ﴾ [المائدة: ٨٩]، فإن المراد إذا حلفتم، فحنِثتم. وردّه مخالفوه، فقالوا: بل التقدير: فأردتم الحنث، وأولى من ذلك أن يقال: التقدير أعلم من ذلك، فليس أحد التقديرين بأولى من الآخر.
واحتجوا أيضًا بأن ظاهر الآية أن الكفّارة وجبت بنفس اليمين. ورده من أجاز بأنها لو كانت بنفس اليمين لم تسقط عمن لم يحنث اتفاقًا. واحتجّوا أيضًا بأن الكفّارة بعد الحنث فرضٌ، واخراجها قبله تطوّعٌ، فلا يقوم التطوّع مقام الفرض. وانفصل عنه من أجاز بأنه يشترط إرادة الحنث، وإلا فلا يجزئ، كما في تقديم الزكاة. وقال عياض: اتفقوا على أن الكفّارة لا تجب إلا بالحنث، وأنه يجوز تأخيرها بعد الحنث، واستحبّ مالكٌ، والشافعيّ، والأوزاعيّ، والثوريّ تأخيرها بعد الحنث، قال عياض: ومنع بعض المالكيّة تقديم كفّارة حنث المعصية (١)؛ لأن فيه إعانة على المعصية. وردّه الجمهور.
قال ابن المنذر: واحتُجّ للجمهور بأن اختلاف ألفاظ حديثي أبي موسى، وعبد الرحمن بن سمرة ﵄ لا يدلّ على تعيين أحد الأمرين، وإنما أمر الحالف بأمرين، فهذا أتى بهما جميعًا، فقد فعل ما أُمر به، وإذا لم يدلّ الخبر على المنع، فلم يبق إلا طريق النظر، فاحتُجّ للجمهور بأن عقد اليمين لمّا كان يحلّه الاستثناء، وهو كلام، فلأن تحلّه الكفّارة، وهي فعل ماليّ، أو بدنيّ أولى. ويرجّح قولهم أيضًا بالكثرة. وذكر أبو الحسن بن القصّار، وتبعه عياض، وجماعة أن عدّة من قال بجواز تقديم الكفّارة أربعة عشر صحابيًّا، وتبعهم فقهاء الأمصار، إلا أبا حنيفة، مع أنه قال فيمن أخرج ظبية من الحرم إلى الحل، فولدت أولادًا، ثم ماتت في يده هي وألادها أن عليه جزاءها، وجزاء أولادها, لكن إن كان حين إخراجها أدّى جزاءها لم يكن عليه في أولادها شيء مع أن الجزاء الذي أخرجه عنها كان قبل أن تلد أولادها، فيحتاج إلى الفرق، بل الجواز في كفارة اليمين أولى. وقال ابن حزم: أجاز الحنفيّة تعجيل الزكاة قبل الحول، وتقديم زكاة الزرع، وأجازوا تقديم كفّارة القتل قبل موت المجنيّ عليه.
واحتجّ الشافعيّ بأن الصيام من حقوق الأبدان، ولا يجوز تقديمها قبل وقتها
стр. 15193
كالصلاة والصيام، بخلاف العتق، والكسوة، والإطعام، فإنها من حقوق الأموال، فيجوز تقديمها كالزكاة، ولفظ الشافعيّ في "الأمّ": إن كفّر بالإطعام قبل الحنث رجوت أن يُجزىء عنه، وأما الصوم فلا؛ لأن حقوق المال يجوز تقديمها، بخلاف العبادات، فإنها لا تقدّم على وقتها، كالصلاة، والصوم، وكذا لو حجّ الصغير, والعبد، لا يجزئ عنهما إذا بلغ، أو عتق. وقال في موضع آخر: من حلف، فأراد أن يحنث، فأحبّ إليّ أن لا يكفّر حتى يَحنَثَ، فإن كفّر قبل الحنث أجزأ، وساق نحوه، مبسوطًا.
وادّعى الطحاويّ أن إلحاق الكفّارة بالكفّارة أولى من إلحاق الإطعام بالزكاة. وأجيب بالمنع، وأيضًا فالفرق الذي أشار إليه الشافعيّ بين حقّ المال، وحقّ البدن ظاهر جدًّا، وإنما خصّ منه الشافعيّ الصيام بالدليل المذكور. ويؤخذ من نصّ الشافعيّ أن الأولى تقديم الحنث على الكفّارة، وفي مذهبه وجهٌ، اختَلَف فيه الترجيح أن كفّارة المعصية يُستحبّ تقديمها.
قال عياضٌ: الخلاف في جواز تقديم الكفّارة مبنيٌّ على أن الكفّارة رخصةٌ لحلّ اليمين، أو لتكفير مأثمها بالحنث، فعند الجمهور أنها رخصةٌ، شرعها اللَّه لحلّ ما عقد من اليمين، فلذلك تجزئ قبلُ وبعدُ.
قال المازريّ: للكفارة ثلاث حالات: "أحدها،: قبل الحلف، فلا تجزئ اتفاقًا. [ثانيها]: بعد الحلف والحنث، فتجزىء اتفاقًا. [ثالثها]: بعد الحلف، وقبل الحنث، ففيها الخلاف. وقد اختَلَف لفظ الحديث، فقدّم الكفّارة مرّة، وأخّرها أُخرى، لكن بحرف الواو الذي لا يوجب رتبة، ومن منع رأى أنها لم تجز، فصارت كالتطوّع، والتطوّع لا يُجزىء عن الواجب.
وقال الباجيّ، وابن التين، وجماعة: الروايتان دالّتان على الجواز؛ لأن الواو لا ترتب، قال ابن التين: فلو كان تقديم الكفّارة لا يجزئ لأبانه، ولقال: فليأت، ثم ليكفّر؛ لأن تأخير البيان عن الحاجة لا يجوز، فلما تركهم على مقتضى اللسان دلّ على الجواز، قال: وأما الفاء في قوله: "فأت الذي هو خير، وكفّر عن يمينك"، فهي كالفاء الذي في قوله: "فكفّر عن يمينك، وائت الذي هو خير"، ولو لم تأت الثانية لَمَا دلّت الفاء على الترتيب؛ لأنها أبانت ما يفعله بعد الحلف، وهما شيئان: كفّارة، وحنث، ولا ترتيب فيهما، وهو كمن قال: إذا دخلت الدار، فكل، واشرب.
قال الحافظ: قد ورد في بعض الطرق بلفظ: "ثمّ" التي تقتضي الترتيب، عند أبي
стр. 15194
داود، والنسائيّ (١) في حديث الباب، ولفظ أبو داود من طريق سعيد بن أبي عَروبة، عن قتادة، عن الحسن، به: "كفّر عن يمينك، ثم ائت الذي هو خير"، وقد أخرجه مسلم من هذا الوجه، لكن أحال بلفظ المتن على ما قبله. وأخرجه أبو عوانة في "صحيحه" من طريق سعيد كأبي داود. وأخرجه النسائيّ (٢) من رواية جرير بن حازم، عن الحسن مثله. لكن أخرجه البخاريّ، ومسلم، من رواية جرير بالواو، وهو في حديث عائشة عند الحاكم أيضًا بلفظ: "ثمّ". وفي حديث أم سلمة عند الطبرانيّ نحوه، ولفظه: "فليكفّر عن يمينه، ثم ليفعل الذي هو خير". انتهى (٣).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قد تبيّن بما تقدّم من الأدلة أن ما ذهب إليه الجمهور، من جواز التكفير قبل الحنث هو الأرجح؛ لقوّة دليله، كما سبق تقريره. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب.
(المسألة الخامسة): اختُلف هل كفّر النبيّ ﷺ عن يمينه المذكور، كما اختُلف، هل كفّر في قصَّة حلفه على شرب العسل، أو على غشيانه مارية - رضي اللَّه تعالى عنها -، فرُوي عن الحسن البصريّ -رحمه اللَّه تعالى- أنه قال: لم يُكفّر أصلاً؛ لأنه مغفور له، وإنما نزلت كفّارة اليمين تعليمًا للأمة. وتُعُقّب بما أخرجه الترمذيّ من حديث عمر ﵁ في قصَّة حلفه على العسل، أو مارية، فعاتبه اللَّه، وجعل له كفّارة يمين. وهذا ظاهر في أنه كفّر، وإن كان ليس نصا في ردّ ما ادّعاه الحسن، وظاهر قوله أيضًا في حديث الباب: "وكفّرت عن يميني" أنه لا يترك ذلك، ودعوى أن ذلك كلّه للتشريع بعيد. قاله في "الفتح" (٤)، وهو تحقيقٌ نفيسٌ جدًّا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٨٠٨ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ الْأَخْنَسِ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ , قَالَ: "مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ, فَرَأَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا, فَلْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهِ, وَلْيَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ").
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد إلى عمرو بن شُعيب رجال الصحيح، وتقدّموا. و "عمرو بن عليّ": هو الفلّاس. و"يحيى": وابن سعيد القطّان.
و"عبد اللَّه بن الأخنس": هو النخعيّ، أبو مالك الْخَزّاز الكوفيّ، صدوق، يخطئ [٧]
стр. 15195
٣٢/ ١٦٨٦. وأما عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه، فسلسلة معروفة، والراجح أنها من الأسانيد الصحيحة.
وشرح الحديث يُعلم مما قبله، وهو صحيح، تفرّد به المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- (١)، أخرجه هنا-١٥/ ٣٨٠٨ - وفي "الكبرى" ١٥/ ٤٧٢٣. وأخرجه (أحمد) في "مسند المكثرين" ٦٦٩٣ و ٦٨٦٨ و ٦٩٥١.
واستدلال المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- به على الترجمة واضح، حيث يدلّ على جواز الكفّارة قبل الحنث، كما سبق تقريره. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٨٠٩ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى, قَالَ: حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ, عَنْ أَبِيهِ, عَنِ الْحَسَنِ, عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ, عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , قَالَ: «إِذَا حَلَفَ أَحَدُكُمْ عَلَى يَمِينٍ, فَرَأَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا, فَلْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهِ, وَلْيَنْظُرِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ, فَلْيَأْتِهِ»).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (محمد بن عبد الأعلى) الصنعاني البصريّ، ثقة [١٠] ٥/ ٥.
٢ - (المعتمر) بن سليمان التيميّ، أبو محمد البصريّ، ثقة، من كبار [٩] ١٠/ ١٠.
٣ - (أبوه) سليمان بن طرخان التيمي، أبو المعتمر البصريّ، ثقة عابد [٤] ٨٧/ ١٠٧. والباقيان تقدّما قريبًا. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ) الصحابيّ المشهور ﵁، تقدّم قبل أربعة أبواب - ١٠/ ٣٨٠١ - وفي رواية إبراهيم بن صدقة، عن يونس بن عُبيد، عن الحسن، عن عبد الرحمن بن سمُرة، وكان غزا معه كابل، أخرجه أبو عوانة في "صحيحه".
وكذا عند الطبرانيّ من طريق أبي حمزة إسحاق بن الربيع، عن الحسن، لكن بلفظ: "غزونا مع عبد الرحمن بن سَمُرَة". وأخرجه أيضًا من طريق عليّ بن زيد،