← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 12888

ذخيرة العقبى في شرح المجتبى

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (19 271 стр.). Показаны 15191–15230 · переход к 15196.

стр. 15191

وتقدّم وجهه، وفيه اختلافٌ بين العلماء، سنفصله في المسألة التالية، إن شاء اللَّه تعالى. (ومنها): أنه يدك على جواز اليمين عند التبرّم. (ومنها): جواز ردّ المسائل المثقل عند تعذّر الإسعاف. (ومنها): مشروعيّة تأديب المسائل إذا لم يتيسّر للمسؤول إعطاؤه بنوع من إغلاظ القول، وذلك أنهم سألوه ﷺ في حال تحقّق فيها أنه لم يكن عنده شيء، فأدّبهم بذلك القول، ثم إنه ﷺ بقي مترقّبًا لما يُسعِف به طَلِبَتَهم، ويجبُرُ به انكسارهم، فلَمّا يسّر اللَّه تعالى عليه ذلك أعطاهم، وجبرهم على مُقتضى كرم خُلُقه الكريم ﷺ . قاله القرطبيّ. (ومنها): أن من حلف على فعل شيء، أو تركه، وكان الحنث خيرًا من التمادي على اليمين، عليه أن يحنث عن يمينه، وتلزمه الكفّارة، وهذا متّفقٌ عليه. (ومنها): أن الإمام البخاريّ -رحمه اللَّه تعالى- ترجم لهذا الحديث في "صحيحه" بقوله: "قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾، وأراد أن أفعال العباد مخلوقة للَّه تعالى، وهذا مذهب أهل السنَّة؛ خلافًا للمعتزلة. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم التكفير قبل الحنث: قال النوويّ -رحمه اللَّه تعالى-: أجمعوا على أنه لا تجب الكفّارة قبل الحنث، وعلى أنه يجوز تأخيرها عن الحنث، وعلى أنه لا يجوز تقديمها على اليمين، واختلفوا في جوازها بعد اليمين وقبل الحنث، فجوّزها مالكٌ، والأوزاعيّ، والثوريّ، والشافعيّ، وأربعة عشر صحابيًّا، وجماعات من التابعين، وهو قول جماهير العلماء، لكن قالوا: يستحب كونها بعد الحنث، واستثنى الشافعيّ التكفير بالصوم، فقال: لا يجوز قبل الحنث؛ لأنه عبادة بدنيّة، فلا يجوز تقديمها على وقتها، كالصلاة، وصوم رمضان، وأما التكفير بالمال، فيجوز تقديمه كما يجوز تعجيل الزكاة. واستثنى بعض أصحابنا حنث المعصية، فقال: لا يجوز تقديم كفّارته؛ لأن فيه إعانة على المعصية، والجمهور على إجزائها كغير المعصية. وقال أبو حنيفة، وأصحابه، وأشهب المالكيّ: لا يجوز تقديم الكفّارة على الحنث بكل حال. ودليل الجمهور ظواهر هذه الأحاديث، والقياس على تعجيل الزكاة. انتهى كلام النوويّ -رحمه اللَّه تعالى- (١)، وقال في "الفتح": قال ابن المنذر: رأى ربيعة، والأوزاعيّ، ومالك، والليث، وسائر فقهاء الأمصار غير أهل الرأي أن الكفّارة تجزئ قبل الحنث، إلا أن الشافعيّ

стр. 15192

استثنى الصيام، فقال: لا يُجزىء إلا بعد الحنث. وقال أصحاب الرأي: لا تجزئ الكفّارة قبل الحنث. ونقل الباجيّ عن مالك وغيره روايتين، واستثنى بعضهم عن مالك الصدقة، والعتق، ووافق الحنفيّة أشهب من المالكيّة، وداود الظاهريّ، وخالفه ابن حزم، واحتجّ لهم الطحاويّ بقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ﴾ [المائدة: ٨٩]، فإن المراد إذا حلفتم، فحنِثتم. وردّه مخالفوه، فقالوا: بل التقدير: فأردتم الحنث، وأولى من ذلك أن يقال: التقدير أعلم من ذلك، فليس أحد التقديرين بأولى من الآخر. واحتجوا أيضًا بأن ظاهر الآية أن الكفّارة وجبت بنفس اليمين. ورده من أجاز بأنها لو كانت بنفس اليمين لم تسقط عمن لم يحنث اتفاقًا. واحتجّوا أيضًا بأن الكفّارة بعد الحنث فرضٌ، واخراجها قبله تطوّعٌ، فلا يقوم التطوّع مقام الفرض. وانفصل عنه من أجاز بأنه يشترط إرادة الحنث، وإلا فلا يجزئ، كما في تقديم الزكاة. وقال عياض: اتفقوا على أن الكفّارة لا تجب إلا بالحنث، وأنه يجوز تأخيرها بعد الحنث، واستحبّ مالكٌ، والشافعيّ، والأوزاعيّ، والثوريّ تأخيرها بعد الحنث، قال عياض: ومنع بعض المالكيّة تقديم كفّارة حنث المعصية (١)؛ لأن فيه إعانة على المعصية. وردّه الجمهور. قال ابن المنذر: واحتُجّ للجمهور بأن اختلاف ألفاظ حديثي أبي موسى، وعبد الرحمن بن سمرة ﵄ لا يدلّ على تعيين أحد الأمرين، وإنما أمر الحالف بأمرين، فهذا أتى بهما جميعًا، فقد فعل ما أُمر به، وإذا لم يدلّ الخبر على المنع، فلم يبق إلا طريق النظر، فاحتُجّ للجمهور بأن عقد اليمين لمّا كان يحلّه الاستثناء، وهو كلام، فلأن تحلّه الكفّارة، وهي فعل ماليّ، أو بدنيّ أولى. ويرجّح قولهم أيضًا بالكثرة. وذكر أبو الحسن بن القصّار، وتبعه عياض، وجماعة أن عدّة من قال بجواز تقديم الكفّارة أربعة عشر صحابيًّا، وتبعهم فقهاء الأمصار، إلا أبا حنيفة، مع أنه قال فيمن أخرج ظبية من الحرم إلى الحل، فولدت أولادًا، ثم ماتت في يده هي وألادها أن عليه جزاءها، وجزاء أولادها, لكن إن كان حين إخراجها أدّى جزاءها لم يكن عليه في أولادها شيء مع أن الجزاء الذي أخرجه عنها كان قبل أن تلد أولادها، فيحتاج إلى الفرق، بل الجواز في كفارة اليمين أولى. وقال ابن حزم: أجاز الحنفيّة تعجيل الزكاة قبل الحول، وتقديم زكاة الزرع، وأجازوا تقديم كفّارة القتل قبل موت المجنيّ عليه. واحتجّ الشافعيّ بأن الصيام من حقوق الأبدان، ولا يجوز تقديمها قبل وقتها

стр. 15193

كالصلاة والصيام، بخلاف العتق، والكسوة، والإطعام، فإنها من حقوق الأموال، فيجوز تقديمها كالزكاة، ولفظ الشافعيّ في "الأمّ": إن كفّر بالإطعام قبل الحنث رجوت أن يُجزىء عنه، وأما الصوم فلا؛ لأن حقوق المال يجوز تقديمها، بخلاف العبادات، فإنها لا تقدّم على وقتها، كالصلاة، والصوم، وكذا لو حجّ الصغير, والعبد، لا يجزئ عنهما إذا بلغ، أو عتق. وقال في موضع آخر: من حلف، فأراد أن يحنث، فأحبّ إليّ أن لا يكفّر حتى يَحنَثَ، فإن كفّر قبل الحنث أجزأ، وساق نحوه، مبسوطًا. وادّعى الطحاويّ أن إلحاق الكفّارة بالكفّارة أولى من إلحاق الإطعام بالزكاة. وأجيب بالمنع، وأيضًا فالفرق الذي أشار إليه الشافعيّ بين حقّ المال، وحقّ البدن ظاهر جدًّا، وإنما خصّ منه الشافعيّ الصيام بالدليل المذكور. ويؤخذ من نصّ الشافعيّ أن الأولى تقديم الحنث على الكفّارة، وفي مذهبه وجهٌ، اختَلَف فيه الترجيح أن كفّارة المعصية يُستحبّ تقديمها. قال عياضٌ: الخلاف في جواز تقديم الكفّارة مبنيٌّ على أن الكفّارة رخصةٌ لحلّ اليمين، أو لتكفير مأثمها بالحنث، فعند الجمهور أنها رخصةٌ، شرعها اللَّه لحلّ ما عقد من اليمين، فلذلك تجزئ قبلُ وبعدُ. قال المازريّ: للكفارة ثلاث حالات: "أحدها،: قبل الحلف، فلا تجزئ اتفاقًا. [ثانيها]: بعد الحلف والحنث، فتجزىء اتفاقًا. [ثالثها]: بعد الحلف، وقبل الحنث، ففيها الخلاف. وقد اختَلَف لفظ الحديث، فقدّم الكفّارة مرّة، وأخّرها أُخرى، لكن بحرف الواو الذي لا يوجب رتبة، ومن منع رأى أنها لم تجز، فصارت كالتطوّع، والتطوّع لا يُجزىء عن الواجب. وقال الباجيّ، وابن التين، وجماعة: الروايتان دالّتان على الجواز؛ لأن الواو لا ترتب، قال ابن التين: فلو كان تقديم الكفّارة لا يجزئ لأبانه، ولقال: فليأت، ثم ليكفّر؛ لأن تأخير البيان عن الحاجة لا يجوز، فلما تركهم على مقتضى اللسان دلّ على الجواز، قال: وأما الفاء في قوله: "فأت الذي هو خير، وكفّر عن يمينك"، فهي كالفاء الذي في قوله: "فكفّر عن يمينك، وائت الذي هو خير"، ولو لم تأت الثانية لَمَا دلّت الفاء على الترتيب؛ لأنها أبانت ما يفعله بعد الحلف، وهما شيئان: كفّارة، وحنث، ولا ترتيب فيهما، وهو كمن قال: إذا دخلت الدار، فكل، واشرب. قال الحافظ: قد ورد في بعض الطرق بلفظ: "ثمّ" التي تقتضي الترتيب، عند أبي

стр. 15194

داود، والنسائيّ (١) في حديث الباب، ولفظ أبو داود من طريق سعيد بن أبي عَروبة، عن قتادة، عن الحسن، به: "كفّر عن يمينك، ثم ائت الذي هو خير"، وقد أخرجه مسلم من هذا الوجه، لكن أحال بلفظ المتن على ما قبله. وأخرجه أبو عوانة في "صحيحه" من طريق سعيد كأبي داود. وأخرجه النسائيّ (٢) من رواية جرير بن حازم، عن الحسن مثله. لكن أخرجه البخاريّ، ومسلم، من رواية جرير بالواو، وهو في حديث عائشة عند الحاكم أيضًا بلفظ: "ثمّ". وفي حديث أم سلمة عند الطبرانيّ نحوه، ولفظه: "فليكفّر عن يمينه، ثم ليفعل الذي هو خير". انتهى (٣). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قد تبيّن بما تقدّم من الأدلة أن ما ذهب إليه الجمهور، من جواز التكفير قبل الحنث هو الأرجح؛ لقوّة دليله، كما سبق تقريره. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب. (المسألة الخامسة): اختُلف هل كفّر النبيّ ﷺ عن يمينه المذكور، كما اختُلف، هل كفّر في قصَّة حلفه على شرب العسل، أو على غشيانه مارية - رضي اللَّه تعالى عنها -، فرُوي عن الحسن البصريّ -رحمه اللَّه تعالى- أنه قال: لم يُكفّر أصلاً؛ لأنه مغفور له، وإنما نزلت كفّارة اليمين تعليمًا للأمة. وتُعُقّب بما أخرجه الترمذيّ من حديث عمر ﵁ في قصَّة حلفه على العسل، أو مارية، فعاتبه اللَّه، وجعل له كفّارة يمين. وهذا ظاهر في أنه كفّر، وإن كان ليس نصا في ردّ ما ادّعاه الحسن، وظاهر قوله أيضًا في حديث الباب: "وكفّرت عن يميني" أنه لا يترك ذلك، ودعوى أن ذلك كلّه للتشريع بعيد. قاله في "الفتح" (٤)، وهو تحقيقٌ نفيسٌ جدًّا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٨٠٨ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ الْأَخْنَسِ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ , قَالَ: "مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ, فَرَأَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا, فَلْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهِ, وَلْيَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ"). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد إلى عمرو بن شُعيب رجال الصحيح، وتقدّموا. و "عمرو بن عليّ": هو الفلّاس. و"يحيى": وابن سعيد القطّان. و"عبد اللَّه بن الأخنس": هو النخعيّ، أبو مالك الْخَزّاز الكوفيّ، صدوق، يخطئ [٧]

стр. 15195

٣٢/ ١٦٨٦. وأما عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه، فسلسلة معروفة، والراجح أنها من الأسانيد الصحيحة. وشرح الحديث يُعلم مما قبله، وهو صحيح، تفرّد به المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- (١)، أخرجه هنا-١٥/ ٣٨٠٨ - وفي "الكبرى" ١٥/ ٤٧٢٣. وأخرجه (أحمد) في "مسند المكثرين" ٦٦٩٣ و ٦٨٦٨ و ٦٩٥١. واستدلال المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- به على الترجمة واضح، حيث يدلّ على جواز الكفّارة قبل الحنث، كما سبق تقريره. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٨٠٩ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى, قَالَ: حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ, عَنْ أَبِيهِ, عَنِ الْحَسَنِ, عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ, عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , قَالَ: «إِذَا حَلَفَ أَحَدُكُمْ عَلَى يَمِينٍ, فَرَأَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا, فَلْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهِ, وَلْيَنْظُرِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ, فَلْيَأْتِهِ»). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (محمد بن عبد الأعلى) الصنعاني البصريّ، ثقة [١٠] ٥/ ٥. ٢ - (المعتمر) بن سليمان التيميّ، أبو محمد البصريّ، ثقة، من كبار [٩] ١٠/ ١٠. ٣ - (أبوه) سليمان بن طرخان التيمي، أبو المعتمر البصريّ، ثقة عابد [٤] ٨٧/ ١٠٧. والباقيان تقدّما قريبًا. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ) الصحابيّ المشهور ﵁، تقدّم قبل أربعة أبواب - ١٠/ ٣٨٠١ - وفي رواية إبراهيم بن صدقة، عن يونس بن عُبيد، عن الحسن، عن عبد الرحمن بن سمُرة، وكان غزا معه كابل، أخرجه أبو عوانة في "صحيحه". وكذا عند الطبرانيّ من طريق أبي حمزة إسحاق بن الربيع، عن الحسن، لكن بلفظ: "غزونا مع عبد الرحمن بن سَمُرَة". وأخرجه أيضًا من طريق عليّ بن زيد،

стр. 15196

عن الحسن: (حدّثني عبد الرحمن بن سمُرة. ومن طريق المبارك بن فَضّالة، عن الحسن: "حدثنا عبد الرحمن" (عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ) هذا الحديث مشتمل على جزأين، اختصر المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- هنا على الجزء الأخير منه، وسيأتي له الجزء الأول في "كتاب آداب القضاء" -٥/ ٥٤١١ - " النهي عن مسألة الإمارة" بلفظ: "لا تسأل الإمارة، فإنك إن أعطيتها عن مسألة، وُكِلتَ إليها, وإن أعطيتها عن غير مسألة، أُعِنتَ عليها". وقد ساقه الشيخان مساقًا واحدًا, ولفظ البخاريّ -٦٦٢٢ - من طريق جرير بن حازم، عن الحسن، حدثنا عبد الرحمن بن سمرة، قال: قال النبي ﷺ : "يا عبد الرحمن بن سمرة، لا تسأل الإمارة، فإنك إن أوتيتها عن مسألة، وُكِلت إليها، وإن أوتيتها من غير مسألة، أُعِنت عليها، وإذا حلفت على يمين، فرأيت غيرها خيرا منها، فكَفر عن يمينك، وأت الذي هو خير". قال في "الفتح": وقد اختُلف فيما تضمّنه حديث عبد الرحمن بن سمرة ﵁ هل لأحد الْحُكْمين تعلّقٌ بالآخر، أو لا؟، فقيل: له به تعلّقٌ، وذلك أن أحد الشِّقّين أن يعطى الإمارة من غير مسألة، فقد لا يكون له فيها أربٌ، فيمتنع، فيُلزَمُ، فيَحلِف، فأمر أن ينظر، ثم يفعل الذي هو أولى، فإن كان في الجانب الذي حلف على تركه، فيحنث، ويُكفّر، ويأتي مثله في الشقّ الآخر. انتهى (١). (قَال: "إِذَا حَلَفَ أَحَدُكُمْ عَلَى يَمِينٍ) أي محلوف عليه، وقد تقدّم القول فيه مستوفًى في شرح حديث أبي موسى ﵁ الماضي (فَرَأَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا) أي رأى غير المحلوف عليه خيرًا منه، وظاهر الكلام عود الضمير على اليمين، ولا يصحّ عوده على اليمين بمعناها الحقيقيّ، بل بمعناها المجازيّ، كما تقدّم، والمراد بالرؤية هنا الاعتقادية، لا البصريّة. قال عياض: معناه: إذا ظهر له أن الفعل، أو الترك خير له في دنياه، أو آخرته، أو أَوْفَقَ لمراده وشهوته ما لم يكن إثمًا. وقد وقع عند مسلم في حديث عديّ بن حاتم ﵁: "فرأَى غيرها أتقى للَّه، فليأت التقوى"، وهو يُشعر بقصر ذلك على ما فيه طاعة. وينقسم المأمور به أربعة أقسام: إن كان المحلوف عليه فعلاً، فكان الترك أولى. أو كان المحلوف عليه تركًا، فكان الفعل أولى. أو كان كلٌّ منهما فعلاً وتركًا، لكن يدخل

стр. 15197

القسمان الأخيران في القسمين الأوّلين؛ لأن من لازم فعل أحد الشيئين، أو تركه تركُ الآخر، أو فعله. قاله في "الفتح" (١). (فَلْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهِ) هذا محلّ الترجمة، حيث إنه يدلّ على جواز تقديم الكفّارة على الحنث، وقد تقدّم توجيهه. قال القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى-: هذا أمر من النبيّ ﷺ بتقديم الكفّارة على الحنث، ونصّ في الردّ على أبي حنيفة، فإن أقلّ مرات هذا الأمر أن يكون من باب الإرشاد إلى المصلحة، وأقل مراتب المصلحة أن تكون مْباحة، فالكفّارة قبل الحنث جائزة مُجزئة، وقد تضافر على هذا المعنى فعل النبيّ ﷺ المتقدّم في حديث أبي موسى ﵁، وأمره هذا، وكذلك حديث عديّ بن حاتم ﵁ الآتي بعد هذا. انتهى كلام القرطبيّ (٢). (وَلْيَنْظُرِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ) قال القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى-: أي الذي هو أكثر خيرًا، أي الذي هو أصلح -يعني- من الاستمرار على موجب اليمين، أو ما يخالف ذلك مما يحنث به، والأصح تارة يكون من جهة الثواب وكثرته، وهو الذي أشار إليه في حديث عديّ ﵁، حيث قال: "فليأت التقوى". وقد يكون من حيث المصلحة الراجحة الدنيويّة التي تطرأ عليه بسبب تركها حرجٌ ومشقّةٌ، وهي التي أشار إليها النبيّ ﷺ بقوله: "لأن يَلَجَّ أحدكم بيمينه آثم له عند اللَّه من أن يكفّر"، يعني بذلك أن استمراره على مقتضى يمينه إذا أفضى به إلى الحرج -وهو المشقّة- قد يفضى به إلى أن يأثم, فالأولى به أن يفعل ما شرع اللَّه له من تحنيثه نفسه، وفعل الكفّارة. انتهى كلام القرطبيّ (٣). (فَلْيَأْتِهِ) وفي الرواية التالية: "إذا حلفت على يمين، فكفّر عن يمينك، ثم أئت الذي هو خير"، وهو نصّ في تقديم الكفّارة على الحنث؛ لأنه أتى بـ "ثُمَّ" التي للترتيب. وسيأتي في الرواية الآتية -٣٨١٨ - بلفظ: "إذا حلفت على يمين، فرأيت غيرها خيرًا منها، فأت الذي هو خير، وكفر عن يمينك"، وهو عند البخاريّ من طريق عبد اللَّه بن عون، عن الحسن. قال في "الفتح": هكذا وقع للأكثر، وللكثير منهم: "فكفّر عن يمينك، وائت الذي هو خير". ووقع في رواية عمرو بن شُعيب، عن أبيه، عن جدّه عند أبي داود: "فرأى غيرها خيرًا منها، فليدعها, وليأت الذي هو خير، فإن كفّارتها تركُها"، فأشار أبو داود إلى ضعفه، وقال: الأحاديث كلّها: "فليكفّر عن يمينه"، إلا شيئًا لا يُعبأ به. وكأنه يشير إلى

стр. 15198

حديث يحيى بن عبيد اللَّه، عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁، رفعه: "من حلف، فرأى غيرها خيرًا منها، فليأت الذي هو خيرٌ، فهو كفّارته". ويحيى ضعيف جدًا. وقد وقع في حديث عديّ بن حاتم ﵁ عند مسلم ما يوهم ذلك، وأنه أخرجه بلفظ: "من حلف على يمين، فرأى غيرها خيرًا منها، فليأت الذي هو خيرٌ، وليترك يمينه"، هكذا أخرجه من وجهين، ولم يذكر الكفّارة، ولكن أخرجه من وجه آخر بلفظ: "فرأى خيرًا منها، فليكفرها, وليأت الذي هو خير"، ومداره في الطرق كلّها على عبد العزيز بن رُفيع، عن تميم بن طَرَفَة، عن عديّ، والذي زاد ذلك حافظٌ، فهو المعتمد. قال الشافعيّ -رحمه اللَّه تعالى-: في الأمر بالكفّارة مع تعمّد الحنث دلالة على مشروعيّة الكفّارة في اليمين الغموس؛ لأنها يمين حانثة. واستُدلّ به على أن الحالف يجب عليه فعل أيّ الأمرين كان أولى من المضيّ في حلفه، أو الحنث والكفّارة. وانفصل عنه من قال: إن الأمر فيه للندب بما مضى في قصَّة الأعرابيّ الذي قال: "واللَّه لا أزيد على هذا, ولا أنقُص منه"، فقال ﷺ : "أفلح إن صدق"، فلم يأمره بالحنث والكفّارة، مع أن حلفه على ترك الزيادة مرجوحٌ بالنسبة إلى فعلها. انتهى (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث عبد الرحمن بن سَمُرة - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-١٥/ ٣٨٠٩ و ٣٨١٠ و ٣٨١١ و ١٦/ ٣٨١٦ و ٣٨١٧ و ٣٨١٨. وفي "الكبرى" ١٥/ ٤٧٢٤ و ٤٧٢٥ و ٤٧٢٦ و ١٦/ ٤٧٣١ و ٤٧٣٢ و ٤٧٣٣. وأخرجه (خ) في "الأيمان والنذور" ٦٦٢٢ و"الكفّارات" ٦٧٢٢ و"الأحكام" ١٧٤٦ و ٧١٤٧ (م) في "الأيمان والنذور" ١٦٥٢ (د) في "الأيمان والنذور" ٣٢٧٧ (ت) في " النذور والأيمان" ١٥٢٩ (أحمد) في "مسند البصريين" ٣٠٠٩٥ و ٢٠١٠٥ (الدارمي) في "النذور والأيمان" ٢٣٤٦. وفوائد الحديث تقدمت في شرح حديث أبي موسى الأشعريّ ﵁. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب.

стр. 15199

(المسألة الثالثة): حديث عبد الرحمن بن سمرة ﵁ هذا مداره على الحسن البصريّ -رحمه اللَّه تعالى-، وقد رواه عنه الجمّ الغفير: فقد أخرجه المصنّف من رواية سليمان بن طرخان، وجرير بن حازم، وقتادة في هذا الباب، ومن رواية منصور بن زاذان، ويونس بن عُبيد، وعبد اللَّه بن عون، ومنصور بن المعتمر عنه في الباب التالي. ورواه عنه سماك بن عطية عند مسلم، وسماك بن حرب عند الطبرانيّ في "الكبير"، وحُميدٌ الطويل عند مسلم، وهشام بن حسّان عند أبي نعيم في "مستخرجه على مسلم"، والربيع وهو ابن مسلم على ما جزم به الدمياطيّ في "حاشيته"، وقال الحافظ: والذي يغلب على ظني أن ابن صَبِيح -بوزن عَظِيم، فعند أبي عوانة، والطبرانيّ، وعليّ بن زيد ابن جُدعان عند أبي عوانة، وإسماعيل بن مسلم عنده أيضًا، وإسماعيل بن أبي خالد عنده أيضًا. وقرّة بن خالد، والمبارك بن فضالة عند الطبرانيّ. وأخرجه الطبرانيّ في "المعجم الكبير" عن نحو أربعين من أصحاب الحسن، فممن لم يتقدّم ذكره منهم: يزيد بن إبراهيم، وأبو الأشهب جعفر بن حيّان، وثابت البنانيّ، وحبيب بن الشهيد، وخُلَيد بن دُعلُج، وأبوعمرو بن العلاء، ومحمد بن نوح، وعبد الرحمن السرّاج، وعرفطة، والمعلّى بن زياد، وصفوان بن سُليم، ومعاوية بن عبد الكريم، وزياد مولى مصعب، وسهل السرّاج، وشبيب بن شيبة، وعمرو بن عُبيد، وواصل بن عطاء، ومحمد بن عُقبة، والأشعث بن سوّار، والأشعث بن عبد الملك، والحسن بن دينار، والحسن بن ذكوان، وسفيان بن حسين، والسريّ بن يحيى، وأبو عقيل الدورقيّ، وعبّاد بن كثير، فهؤلاء أربعة وأربعون نفسًا. وقد خرّج طرقه الحافظ عبد القادر الرُّهاويّ في "الأربعين البلدانيّات" له عن سبعة وعشرين نفسًا من الرواة عن الحسن، فيهم ممن لم يتقدّم ذكره: يحيى بن أبي كثير، وجرير بن حازم (١)، وإسرائيل أبو موسى، ووائل بن داود، وعبد اللَّه بن عون، وقرّة بن خالد، وأبو خالد الجزّار، وأبو عبيدة الباجيّ، وخالد الحذّاء، وعوف الأعرابيّ، وحمّاد ابن نَجِيح، ويونس بن يزيد، ومطر الورّاق، وعلي بن رفاعة، ومسلم بن أبي الذّيّال، والعوّام بن جُويرية، وعقيل بن صبيح، وكثير بن زياد، وسودة بن أبي العالية. ثم قال: رواه عن الحسن العدد الكثير من أهل مكة، والمدينة، والبصرة، والكوفة، والشام، ولعلهم يزيدون على الخمسين.

стр. 15200

ثم ذكر طرقه الحافظ يوسف بن خليل، عن أكثر من ستّين نفساً، عن الحسن، عن عبد الرحمن بن سمرة ﵁. وسرد الحافظ أبو القاسم عبد الرحمن ابن الحافظ أبي عبد اللَّه بن منده في "تذكرته" أسماء من رواه عن الحسن، فبلغوا مائة وثمانين نفسًا، وزيادة. ثم قال: رواه عن النبيّ ﷺ مع عبد الرحمن بن سمرة: عبدُ اللَّه بن عمرو، وأبو موسى، وأبو الدرداء، وأبو هريرة، وأنس، وعديّ بن حاتم، وعائشة، وأم سلمة، وعبد اللَّه بن مسعود، وعبد اللَّه بن عبّاس، وعبد اللَّه بن عمر، وأبو سعيد الخدريّ، وعمران بن حُصين. انتهى. ولما أخرج الترمذيّ حديث عبد الرحمن بن سمرة، قال: وفي الباب، فذكر الثمانية المذكورين أوّلاً، وأهمل خمسة، واستدركهم الحافظ العراقيّ في "شرح الترمذيّ"، إلا ابن مسعود، وابن عمر، وزاد معاوية بن الحكم، وعوف بن مالك الجُشَميَّ والد أبي الأحوص، وأذينة والد عبد الرحمن، فكملوا ستة عشر نفسًا. قال الحافظ -رحمه اللَّه تعالى-: أحاديث المذكورين كلّها فيما يتعلّق باليمين، وليس في حديث واحد منهم: "لا تسأل الإمارة"، لكن سأذكر من روى معنى ذلك عن النبيّ ﷺ في "كتاب الأحكام"، إن شاء اللَّه تعالى. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: وأنا سأذكر ما ذكره الحافظ في "كتاب آداب القضاة" - في باب "النهي عن مسألة الإمارة"، إن شاء اللَّه تعالى. قال: ولم يذكر ابن منده أن أحدًا رواه عن عبد الرحمن بن سمرة غير الحسن، لكن ذكر عبد القادر أن محمد بن سيرين رواه عن عبد الرحمن، ثم أسند من طريق أبي عامر الخرّاز عن الحسن، وابن سيرين أن النبيّ ﷺ قال لعبد الرحمن بن سمرة: "لا تسأل الإمارة … " الحديث، وقال: غريبٌ ما كتبته إلا من هذا الوجه، والمحفوظ رواية الحسن، عن عبد الرحمن انتهى. وهذا مع ما في سنده من ضعف، ليس فيه التصريح برواية ابن سيرين عن عبد الرحمن. وأخرجه يوسف بن خليل الحافظ من رواية عكرمة مولى ابن عبّاس، عن عبد الرحمن بن سمرة، أو رده من "المعجم الأوسط" للطبرانيّ، وهو في ترجمة محمد ابن عليّ المروزيّ بسنده إلى عكرمة، قال: كان اسم عبد الرحمن بن سمرة عبد كلوب، فسمّاه رسول اللَّه ﷺ عبد الرحمن، فمرّ به، وهو يتوضّأ، فقال: "تعال يا عبد الرحمن، لا تطلب الإمارة … " الحديث، وهذا لم يصرّح فيه عكرمة بأنه حمله عن عبد الرحمن، لكنه محتملٌ. قال الطبرانيّ: لم يروه عن عكرمة، إلا عبد اللَّه بن

стр. 15201

كيسان، ولا عنه إلا ابنه إسحاق، تفرّد به أبو الدرداء عبد العزيز بن منيب. قال الحافظ: عبد اللَّه بن كيسان ضعّفه أبو حاتم الرازيّ، وابنه إسحاق ليّنه أبو أحمد الحاكم. انتهى (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٨١٠ - (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ سُلَيْمَانَ, قَالَ: حَدَّثَنَا عَفَّانُ, قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ, قَالَ: سَمِعْتُ الْحَسَنَ, قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَمُرَةَ, قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِذَا حَلَفْتَ عَلَى يَمِينٍ, فَكَفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ, ثُمَّ ائْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ»). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه من أفراده، وهو رُهاويّ ثقة حافظ. والحديث متّفقٌ عليه، وسبق شرحه، وبيان مسائله في الذي قبله، ودلالته على ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- واضحة، حيث قال: "ثم ائت الذي هو خير"، فإنه ظاهر في تقديم الكفّارة على الحنث، وهو مذهب الجمهور، وهو الصواب. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٨١١ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى الْقُطَعِيُّ, عَنْ عَبْدِ الأَعْلَى -وَذَكَرَ كَلِمَةً, مَعْنَاهَا- حَدَّثَنَا سَعِيدٌ, عَنْ قَتَادَةَ, عَنِ الْحَسَنِ, عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ, أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ , قَالَ: «إِذَا حَلَفْتَ عَلَى يَمِينٍ, فَرَأَيْتَ غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا, فَكَفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ, وَائْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ»). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "محمد بن يحيى" بن أبي حَزْم -بفتح المهملة، وسكون الزاي- القُطَعيّ (٢) -بضمّ القاف، وفتح المهملة- أبو عبد اللَّه البصريّ، صدوقٌ [١٠]. قال أبو حاتم: صالح الحديث، صدوقٌ. وذكره ابن حبّان في "الثقات". وقال مسلمة: بصريّ ثقة. مات سنة (٢٥٣). روى عنه مسلم (٣)، وأبو داود، والترمذيّ، والمصنّف، وله عنده هذا الحديث فقط، وبقيّة رجال الإسناد رجال الصحيح، وكلهم تقدّموا غير مرّة. و"عبد الأعلى": وابن عبد الأعلى الساميّ البصريّ. و"سعيد": هو ابن أبي عَرُوبة البصريّ. والسند مسلسل بالبصريين، وفيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ.

стр. 15202

وقوله: "وذكر كلمة الخ" القائل هو محمد بن يحيى، والذاكر هو عبد الأعلى، ومعنى هذا أن محمد بن يحيى لم يحفظ صيغة الأداء التي ذكرها عبد الأعلى حين حدّثه بالحديث، ولكن معناها: حدّثنا سعيد الخ. والحديث متّفقٌ عليه، وسبق البحث فيه في الذي قبله. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعتُ، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكّلتُ، وإليه أنيب". … ١٦ - (الْكَفَّارَةُ بَعْدَ الْحِنْثِ) ٣٨١٢ - (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ, عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو، مَوْلَى الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ, يُحَدِّثُ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ، قَالَ: قَالَ: رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ, فَرَأَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا, فَلْيَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ، وَلْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهِ"). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد عندهم رجال الصحيح، غير: ١ - (عبد اللَّه بن عمرو مولى الحسن بن عليّ) الهاشميّ مولاهم، مقبول [٣]. روى عن عديّ بن حاتم ﵁ هذا الحديث. وروى عنه عمرو بن مرّة. تفرّد به المصنّف بهذا الحديث فقط. و"إسحاق بن منصور": هو الكَوْسج المروزيّ الحافظ. و"عبد الرحمن": هو ابن مهديّ. و"عمرو بن مرّة": هو الْجَمَليّ المراديّ، أبو عبد اللَّه الكوفيّ الأعمى، ثقة عابد [٥] ١٧١/ ٢٦٥. و"عديّ بن حاتم" بن عبد اللَّه بن سعد بن الحشرَج الطائيّ، أبو طَرِيف، الصحابيّ المشهور، مات ﵁ سنة (٦٨) وهو ابن (١٢٠) سنة، وقيل: غير ذلك، تقدّمت ترجمته في ٢٩/ ٢١٦٩. والحديث صحيح (١)، وهو من رواية عبد اللَّه بن عمرو مولى الحسن بن عليّ من أفراد

стр. 15203

المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، أخرجه هنا-١٦/ ٣٨١٢ - وفي "الكبرى" ١٦/ ٤٧٢٧. وشرحه، وما يتعلّق به من بقية المسائل، تقدمت في الباب الماضي، واستدلال المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- به على ما ترجم له واضحٌ في قوله: "فليأت الذي هو خير، وليُكفّر عن يمينه"، فقدّم الحنث على التكفير، وهذا مما لا خلاف في جوازه، كما تقدّم بيانه في الباب الماضي. وقال السنديّ: قوله: "فليأت الذي هو خير" ظاهر كلام المصنّف يدلّ على أنه أخذ التقديم من التقديم اللفظيّ فقط، وقد عرفت أنه لا دلالة له على التقديم المعنويّ. انتهى (١). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: بل دلالته على جواز التقديم واضحة، كما تقدّم وجهه، فتأمّل. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٨١٣ - (أَخْبَرَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ، عَنْ (٢) أَبِي بَكْرِ بْنِ عَيَّاشٍ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ، عَنْ تَمِيمِ بْنِ طَرَفَةَ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ, فَرَأَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا, فَلْيَدَعْ يَمِينَهُ, وَلْيَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ، وَلْيُكَفِّرْهَا"). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وكلهم تقدّموا. "هنّاد بن السّريّ": أبو السّرّيّ الكوفيّ، ثقة [١٠] ٢٣/ ٢٥. و"أبو بكر بن عيّاش": هو الأسديّ المقرئ الكوفيّ الحنّاط، مشهور بكنيته، والصحيح أنها اسمه، ثقة عابد، إلا أنه لما كبر ساء حفظه، وكتابه صحيح [٧] ٩٨/ ١٢٧. و"عبد العزيز بن رُفيع": هو أبو عبد اللَّه المكيّ, نزيل الكوفة [٤] ١٩٠/ ٢٩٩٧. و"تميم بن طَرَفَة" - بفتحات-: هو المُسْلِيُّ الكوفيّ، ثقة [٣] ٢٨/ ٨١٦. وحديث عديّ ﵁ هذا فيه قصّة، ساقها مسلم في "صحيحه" -١٦٥١ - من طريق جرير بن عبد الحميد، عن عبد العزيز بن رفيع، عن تميم بن طرفة، قال: جاء سائل إلى عدي بن حاتم، فسأله نفقة، في ثمن خادم، أو في بعض ثمن خادم، فقال: ليس عندي ما أعطيك، إلا دِرْعِي ومغفري، فأكتب إلى أهلي أن يعطوكها، قال: فلم يرض، فغضب عدي، فقال: أما واللَّه لا أعطيك شيئًا، ثم إن الرجل رضي، فقال: أما واللَّه، لولا أني سمعت رسول اللَّه ﷺ ، يقول: "من حلف على يمين، ثم رأى أتقى للَّه منها، فليأت التقوى"، ما حَنَّثْتُ يميني.

стр. 15204

وأخرجه-١٦٥١ - من طريق سماك بن حرب، عن تميم بن طرفة، قال: سمعت عدي بن حاتم، وأتاه رجل، يسأله مائة درهم، فقال: تسألني مائة درهم، وأنا ابن حاتم، واللَّه لا أعطيك، ثم قال: لولا أني سمعت رسول اللَّه ﷺ ، يقول: "من حلف على يمين، ثم رأى خيرا منها، فليأت الذي هو خير". وفي رواية: أن رجلاً سأله, فذكر مثله، وزاد: ولك أربعمائة في عطائي. قال أبو العبّاس القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى-: وغضب عديّ ﵁ في الحديث الأول ويمينه سببهما أن الرجل المسائل لم يرضَ بالدرع والمِغفر، مع أنه لم يكن عنده غيرهما، ويمينه في الحديث الثاني، وما يُفهم منه من غضبه فيه سببه فيما يظهر من مساق الحديث أن عديّا استقلّ ما سُئل منه، ألا ترى قوله: تسألني مائة درهم، وأنا ابن حاتم؟ فكأنه قال: تسألني هذا الشيء اليسير، وأنا من عُرفتُ؟ أي نحنُ معروفون ببذل الكثير، فهذا غير السبب الأول. هذا ظاهر الحديث، غير أن القاضي عياضًا قال: معنى قوله عندي: وأنا ابن حاتم: أي عُرفتُ بالجود، وورِثته، ولا يُمكنني ردّ سائل إلا لعذر، وقد سأله ويعلم أنه ليس عنده ما يُعطيه، فكأنه أراد أن يُبَخِّله، فلذلك قال: واللَّه لا أعطيك، إذ لم يعذره. قال القرطبيّ: وهذا المعنى إنما يليق بالحديث الأول، لا بالثاني، فتأمّلهما. وفيه من الفقه أن اليمين في الغضب لازمة، كما تقدّم. انتهى كلام القرطبيّ (١). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قد تقدّم شرح الحديث، مستوفًى في الباب الماضي، فراجعه تستفد. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث عديّ بن حاتم - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا أخرجه مسلم. (المسألة الثانية): في مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-١٦/ ٣٨١٢ و ٣٨١٣ و ٣٨١٤ - وفي "الكبرى" ١٦/ ٤٧٢٧ و ٤٧٢٨ و ٤٧٢٩. وأخرجه (م) في "الأيمان والنذور" ١٦٥١ (ق) في "الكفّارات" ٢١٠٨ (أحمد) في "مسند الكوفيين" ١٧٧٨٧ و ١٧٧٩٣ و ١٧٨٠١ و ١٧٨٠٩ و ١٨٨٩٠ (الدارمي) في "النذور والأيمان" ٢٣٤٥. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.

стр. 15205

٣٨١٤ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ يَزِيدَ، قَالَ: حَدَّثَنَا بَهْزُ بْنُ أَسَدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ, قَالَ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ رُفَيْعٍ، قَالَ: سَمِعْتُ تَمِيمَ بْنَ طَرَفَةَ، يُحَدِّثُ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ، قَالَ: قَالَ: رَسُولُ - اللَّهِ ﷺ : "مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ, فَرَأَى خَيْرًا مِنْهَا, فَلْيَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ، وَلْيَتْرُكْ يَمِينَهُ"). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه من أفراده، وهو أبو بُرَيد -براء، مصغرًا - الْجَرميّ البصريّ، وثّقه المصنّف، وابن حبّان. والسند مسلسل بالبصريين. والحديث أخرجه مسلم، وقد سبق البحث فيه مستوفًى قريبًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٨١٥ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ، عَنْ سُفْيَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الزَّعْرَاءِ، عَنْ عَمِّهِ أَبِي الْأَحْوَصِ، عَنْ أَبِيهِ, قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَأَيْتَ ابْنَ عَمٍّ لِي, أَتَيْتُهُ أَسْأَلُهُ, فَلَا يُعْطِينِي, وَلَا يَصِلُنِي، ثُمَّ يَحْتَاجُ إِلَيَّ, فَيَأْتِينِي, فَيَسْأَلُنِي، وَقَدْ حَلَفْتُ أَنْ لَا أُعْطِيَهُ, وَلَا أَصِلَهُ، فَأَمَرَنِي أَنْ آتِيَ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ، وَأُكَفِّرَ عَنْ يَمِينِي). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (محمد بن منصور) الْخُزَاعيّ الْجَوّاز المكيّ، وهو ثقة [١٠] ٢٠/ ٢١، من أفراد المصنّف. ٢ - (سفيان) بن عيينة الإمام الحجة المشهور [٨] ١/ ١. ٣ - (أبو الزعْرَاء) -بفتح الزاي، وسكون العين المهملة- عمرو بن عمرو، أو ابن عامر ابن مالك بن نَضْلَة الجُشَميّ -بضمّ الجيم، وفتح الشين المعجمة- الكوفيّ، ثقة [٦]. قال البخاريّ: عمرو بن عمرو، أبو الزعراء. وقال الثوريّ. عمرو بن عامر. قال أحمد: وعمرو بن عمرو أصحّ وقال عبد اللَّه بن أحمد، عن أبيه: شيخٌ ثقة. وقال ابن معين: أبو الزعراء عمرو بن عمرو ثقة. وقال أبو حاتم: صدوق. وذكره ابن حبّان في "الثقات". ووثقه العجليّ، والنسائيّ في "الكنى". وقال ابن عبد البرّ: أجمعوا على أنه ثقة. قال ابن عُيينة: بقي بعد أبي إسحاق. روى له البخاريّ في "خلق أفعال العباد"، والمصنّف، وأبو داود، وابن ماجه. وله عند المصنّف في هذا الكتاب حديثان فقط: هذا ١٦/ ١٣٨٥ وحديث عبد اللَّه بن مسعود ﵁ -٢٧/ ٤١٣٤ - : "سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر". ٤ - (أبو الأحوص) عوف بن مالك بن نَضْلَة الجُشَميّ الكوفيّ، ثقة مشهور بكنيته [٣] ٥٠/ ٨٤٩.

стр. 15206

٥ - (أبوه) مالك بن نَضْلَة، ويقال: مالك بن عوف بن نَضلة بن خَدِيج بن حَبيب بن حُدَير ابن غَنْم بن كعب بن عُصيمة بن جُشَم بن معاوية بن بكر بن هوازن الجُشَميّ صحابيّ قليل الحديث. روى عن النبيّ ﷺ ، وروى عنه ابنه أبو الأحوص. روى له البخاريّ في "خلق أفعال العباد"، والأربعة، وله عند المصنّف في هذا الكتاب أربعة أحاديث: هذا الباب، وفي "كتاب الزينة" رقم -٥٤/ ٥٢٥٠ و ٥٢٥١ و ٨٢/ ٥٣٢١. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله ثقات. (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين، غير شيخه، فإنه مكي، وسفيان، وإن كان مكيا، إلا أنه كوفي الأصل. (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه. (ومنها): أن صحابيه من المقلّين من الرواية, فليس له في السنن إلا خمسة أحاديث: حديثُ الباب عند المصنّف، وابن ماجه، وحديثُ "أتيت النبيّ ﷺ في ثوب دُونٍ … " الحديث عند المصنف، وأبي داود، وحديثُ "الأيدي ثلاثة … " الحديث عند أبي داود، وحديثُ "قلت: يا رسول اللَّه الرجل أمرّ به فلا يقربني … " الحديث عند الترمذيّ، وحديثُ "أتيت النبي ﷺ فصعّد بي البصر … " الحديث عند المصنف في "التفسير" من "الكبرى". واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ) عوف بن مالك الْجُشَميّ (عَنْ أَبيهِ) مالك بن نَضْلَة الْجُشميّ ﵁، أنه (قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَأَيتَ) أي أخبرني (ابْنَ عَمٍّ لِي) أي حكمًا يتعلّق بابن عمّ لي (أَتَيْتُهُ) بلفظ الماضي، وفي نسخة: "آتيه" بلفظ المضارع (أَسْأَلُهُ) أي حال كوني سائلًا إياه في قضاء حاجتي (فَلَا يُعْطِينِي) ما سألته (وَلَا يَصِلُنِي) بفتح أوله، وكسر ثانيه: مضار وَصَله، يقال: وَصَلَه وَصْلًا، وصِلَةً، من باب وَعَدَ: ضدّ هَجَرَه، وواصله مواصلة، ووصالًا، من باب قاتل، مثله. أفاده في "المصباح". وقال ابن الأثير -رحمه اللَّه تعالى-: قد تكرّر في الحديث ذكر صلة الرحم، وهي كنايةٌ عن "الإحسان إلى الأقربين، من ذوي النسب والأصهار، والتّعطّف عليهم، والرِّفق بهم، والرِّعاية لأحوالهم، وكذلك إن بَعُدُوا، أو أساءوا، وقطع الرحم ضدّ ذلك كلّه، يقال: وصَلَ رَحِمَه يَصِلُها وَصْلًا، وصِلَةً، والهاء فيها عِوضٌ من الواو المحذوفة، فكأنه بالإحسان إليهم قد وصل ما بينه وبينهم من علاقة القرابة والصِّهْر. انتهى (١). (ثُمَّ يَحْتَاجُ إِلَيَّ فَيَأْتِينِي فَيَسْأَلُنِي، وَقَدْ حَلَفْتُ أَنْ لَا أُعْطِيَهُ وَلَا أَصِلَهُ) أي لإساءته بحرمانه مما سأله (فَأَمَرَنِي) أي النبيّ ﷺ (أَنْ آتِيَ) مضارع أتى ثلاثيًا: أي أفعل (الَّذِي هُوَ

стр. 15207

خَيرٌ) أي الذي هو إعطاء ابن عمّه ما سأل، ووصله إياه (وَأُكَفِّرَ عَنْ يَمِينِي) هذا محلّ الترجمة، فإنه يدلّ على تأخير الكفّارة عن الحنث، وتقدّم وجهه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث مالك بن نَضْلَة - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا صحيح. (المسألة الثانية): في مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-١٦/ ٣٨١٥ - وفي "الكبرى" ١٦/ ٤٧٣٠. وأخرجه (ق) في "الكفّارات" ٢١٠٩ (أحمد) في "مسند الشاميين" ١٦٧٧٧. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو مشروعيّة الكفّارة بعد الحنث، وتقدّم بيانه مستوفًى. (ومنها): وجوب الحنث على من حلف أن لا يصل رحمه. (ومنها): الحثّ على مقابلة الإساءة بالإحسان, فلا ينبغي للعبد إذا عامله أحدٌ بالسوء أن يجازيه بمثلها، بل يأخذ بالعفو، كما قال تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٩]. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٨١٦ - (أَخْبَرَنَا زِيَادُ بْنُ أَيُّوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، قَالَ: أَنْبَأَنَا مَنْصُورٌ، وَيُونُسُ، عَنْ الْحَسَنِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ، قَالَ: قَالَ لِي النَّبِيُّ ﷺ : "إِذَا آلَيْتَ عَلَى يَمِينٍ, فَرَأَيْتَ غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا, فَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ، وَكَفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ"). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الحديث متّفقٌ عليه، وقد تقدّم في الباب الماضي -١٥/ ٣٨٠٩ - وقد استوفيت شرحه، وبيان مسائله هناك، فراجعه تستفد، وباللَّه تعالى التوفيق. و"زياد بن أيوب": هو المعروف بدَلّويه البغداديّ، الذي لقّبه أحمد بشعبة الصغير. و"هُشيم": وابن بَشِير السلميّ، أبو معاوية بن أبي خازم الواسطيّ. و"منصور": هو ابن زاذان الثقفيّ الواسطيّ. و "يونس": وابن عُبيد بن دينار العبديّ البصريّ. وقوله: "آليت" بمد الهمزة، من الإيلاء: أي حلفت. وقوله: "على يمين": أي محلوف عليه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٨١٧ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عَوْنٍ، عَنْ

стр. 15208

الْحَسَنِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ، قَالَ: قَالَ: -يَعْنِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ : "إِذَا حَلَفْتَ عَلَى يَمِينٍ, فَرَأَيْتَ غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا, فَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ مِنْهَا، وَكَفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ"). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، و"عمرو بن عليّ": هو الفلّاس. و"يحيى". وابن سعيد القطّان. و"ابن عون": هو عبد اللَّه بن عون بن أرطبان، أو عون البصريّ. وقوله: "يعني رسول اللَّه ﷺ " الظاهر أن "يعني" ممن دون ابن عون، فإنها ليست في رواية البخاريّ، من رواية عثمان بن عمر، عن ابن عون. واللَّه تعالى أعلم. والحديث متّفق عليه، وقد سبق القول فيه في الذي قبله. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٨١٨ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ قُدَامَةَ, فِي حَدِيثِهِ عَنْ جَرِيرٍ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، قَالَ: عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَمُرَةَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِذَا حَلَفْتَ عَلَى يَمِينٍ, فَرَأَيْتَ غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا, فَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ، وَكَفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ"). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "محمد بن قُدامة" بن أعين: هو الهاشميّ مولاهم المصِّيصيّ، ثقة [١٠] ١٩/ ٥٢٨. و" جرير": وابن عبد الحميد. و"منصور": هو ابن المعتمر. [تنبيه]: قال أبو بكر البزّار -رحمه اللَّه تعالى-: لم يرو منصور بن المعتمر، عن الحسن إلا هذا الحديث. أفاده في "الفتح" (١). والحديث متّفقٌ عليه، كما سبق بيانه قريبًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعتُ، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكّلتُ، وإليه أنيب". … ١٧ - (الْيَمِينُ فِيمَا لَا يَمْلِكُ) ٣٨١٩ - (أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ الْأَخْنَسِ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: قَالَ: رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا نَذْرَ,

стр. 15209

وَلَا يَمِينَ فِيمَا لَا تَمْلِكُ، وَلَا فِي مَعْصِيَةٍ, وَلَا قَطِيعَةِ رَحِمٍ"). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (إبراهيم بن محمد) التيميّ الْمَعْمَريّ، أبو إسحاق البصريّ، قاضيها، ثقة [١١] ٢٨/ ٥٥٠، والباقون تقدّموا قبل باب، وكذا ذكر اللطائف. و"يحيى": هو القطّان. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث عن عبد اللَّه بن عمرو بن العاص - رضي اللَّه تعالى عنهما - أنه (قال: قَالَ: رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا نَذْرَ، وَلَا يَمِينَ، فِيمَا لَا تَمْلِكُ) هكذا في بعض نسخ "المجتبى" بتاء المخاطب، وفي بعض النسخ: "فيما لا يملك" بياء الغائب، وهو الذي في "الكبرى". يعني أنه لو نذر إنسان، أو حلف أن يتصدّق بشيء ليس في ملكه، لا يجب عليه الوفاء به، ولو دخل في ملكه بعد ذلك لم يجب عليه أن يتصدّق به (وَلَا فِي مَعْصِيَةٍ) وفي بعض نسخ "الكبرى": "ولا في معصية اللَّه". يعني أنه لو نذر شخصٌ أن يفعل شيئا من المعاصي، أو حلف عليه، فلا وفاء عليه بذلك، بل يجب عليه أن لا يفعل ذلك الشىء (وَلَا قَطِيعَةِ رَحِمٍ) من عطف الخاصّ على العامّ، فإن المعصية تعمّ قطيعة الرحم. والمعنى: أنه لو نذر، أو حلف أن يقطع رحمه، لا وفاء عليه بذلك، بل يجب عليه النكثُ، ووصل رحمه. قال السنديّ -رحمه اللَّه تعالى-: ظاهره أنه لا ينعقد النذر واليمين في شيء من ذلك أصلاً، لكن مقتضى بعض الأحاديث أنه لا يلزم الوفاء بهما، بل يكونان سببين للكفّارة. انتهى. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: لكن الأحاديث في إيجاب الكفّارة في نذر المعصية، لا تصحّ، كما يأتي البحث عنها، إن شاء اللَّه تعالى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا, ونعم الوكيل. مسائل تتعلق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث عبد اللَّه بن عمرو - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا صحيح. (المسألة الثانية): في مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-١٧/ ٣٨١٩ - وفي "الكبرى" ١٧/ ٤٧٣٤. وأخرجه (د) في "الأيمان والنذور" ٣٢٧٣ و ٣٢٧٤ (ق) في "الكفّارات" ٢١١١ (أحمد) في "مسند المكثرين"

стр. 15210

٦٦٩٣ و ٦٧٤١ و ٦٨٩٣ و ٦٩٥١. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان حكم اليمين فيما لا يملكه الإنسان، وهو أنه لا يلزمه الوفاء به. (ومنها): أن من نذر بشيء لا يملكه لا يلزمه الوفاء به أيضًا. (ومنها): أنه لا يجوز الحلف، ولا النذر بالمعصية، فلو فعل وجب عليه أن لا يفعله. (ومنها): أنه لو حلف، أو نذر أن يقطع رحمه حرم عليه ذلك، ووجب عليه الوصل. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب. (المسألة الرابعة): أنه استُدلّ بهذا الحديث على صحّة النذر في المباح؛ لأن فيه نفي النذر في المعصية، فبقي ما عداه ثابتًا. واحتجّ من قال: إنه يُشرع في المباح بما أخرجه أبو داود، من طريق عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه، وأخرجه أحمد، والترمذيّ من حديث بُريدة ﵁: أن امرأةً قالت: يا رسول اللَّه، إني نذرت أن أضرب على رأسك بالدّفّ، فقال: "أوف بنذرك"، وزاد في حديث بُريدة أن ذلك وقت خروجه في غزوة، فنذرت إن ردّه اللَّه تعالى سالمًا. قال البيهقيّ: يُشبه أن يكون أذن لها في ذلك لما فيه من إظهار الفرح بالسلامة، ولا يلزم من ذلك القول بانعقاد النذر به، ويدلّ على أن النذر لا ينعقد في المباح ما أخرجه البخاريّ -٦٧٠٤ - من حديث ابن عبّاس ﵄، قال: بينا النبيّ ﵁ يخطب، إذا هو برجل قائم، فسأل عنه، فقالوا: أبو إسرائيل، نذر أن يقوم، ولا يقعد، ولا يستظل، ولا يتكلم، ويصوم، فقال النبي ﷺ : "مره، فليتكلم، وليستظلَّ، وليقعد، ولْيُتِمَّ صومه". فقد أمر ﷺ هذا الناذر بأن يقوم، ولا يقعد، ولا يتكلّم، ولا يستظلّ، ويصوم، ولا يُفطر بأن يتمّ صومه، ويتكلّم، ويستظلّ، ويقعد، فأمره بفعل الطاعة، وأسقط عنه المباح. وأصرح من ذلك ما أخرجه أحمد من طريق عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه أيضًا: "إنما النذر ما يُبتغى به وجه اللَّه". والجواب عن قصّة التي نذرت الضرب بالدّفّ ما أشار إليه البيهقيّ، ويمكن أن يقال: إن من قسم المباح ما قد يصير بالقصد مندوبًا، كالنوم في القائلة؛ للتقّوِّي على قيام الليل، وأكلة السحر للتقوّي على صيام النهار، فيمكن أن يقال: إن إظهار الفرح بعود النبيّ ﷺ سالمًا معنًى مقصودٌ يحصل به الثواب. وقد اختُلف في جواز الضرب بالدفّ في غير النكاح، والختان، ورجّح الرافعيّ في "المحرّر"، وتبعه في "المنهاج" الإباحة، والحديث حجةٌ في ذلك. وحمل بعضهم إذنه

стр. 15211

لها في الضرب بالدفّ على أصل الإباحة، لا على خصوص الوفاء بالنذر، كما تقدّم، ويُشكل عليه أن في رواية أحمد في حديث بُريدة: "إن كنتِ نذرت، فاضربي، وإلا فلا". وزعم بعضهم أن معنى قولها: "نذرتُ": حلفتُ، والإذن فيه البرّ بفعل المباح، ويؤيّد ذلك أن في آخر الحديث: "أن عمر ﵁ دخل، فتركت، فقال النبيّ ﷺ : "إن الشيطان ليخاف منك يا عمر"، فلو كان ذلك مما يُتقرّب به ما قال ذلك. لكن هذا بعينه يُشكل على أنه مباح لكونه نسبه إلى الشيطان. ويجاب بأن النبيّ ﷺ اطّلع على أن الشيطان حضر لمحبّته في سماع ذلك؛ لما يرجوه من تمكّنه من الفتنة به، فلَمّا حضر عمر فرّ منه؛ لعلمه بمبادرته إلى إنكار مثل ذلك، أو أن الشيطان لم يحضُر أصلاً، وإنما ذُكِر مثالاً لصورة ما صدر من المرأة المذكورة، وهي إنما شرعت في شيء أصله من اللهو، فلما دخل عمر ﵁ خشيت من مبادرته لكونه لم يَعلَم بخصوص النذر، أو اليمين الذي صدر منها، فشبّه النبيّ ﷺ حالها بحالة الشيطان الذي يخاف من حضور عمر ﵁، والشيء بالشيء يُذكر. ويقرب من قصّتها قصّة القينتين اللتين كانتا تُغنّيان عند النبيّ ﷺ في يوم عيد، فأنكر أبو بكر عليهما، وقال: أبمزمور الشيطان عند النبيّ ﷺ ، فأعلمه النبيّ ﷺ بإباحة مثل ذلك في يوم عيد. أفاده في "الفتح" (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعتُ، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكّلتُ، وإليه أنيب". … ١٨ - (مَنْ حَلَفَ, فَاسْتَثْنَى) قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "الاستثناء": لغة: استفعال من الثَّنْي، بمعنى العطف لأن المستثنَى معطوفٌ عليه بإخراجه من الحكم، أو بمعنى الصرف؛ لأنه مصروف عن حكم المستثنى منه. وحقيقته اصطلاحًا: الإخراج بـ"إلا"، أو إحدى أخواتها لِمَا كان داخلاً، أو كالداخل. قاله الخُضَريّ (٢).

стр. 15212

وقال الفيّوميّ: الاستثناء استفعال، من ثنيتُ الشيءَ أثنِيه ثَنْيًا، من باب رمى: إذا عطفتُه، ورددتُه، وَثَنَيْتُهُ عن مراده: إذا صرفتُهُ عنه، وعلى هذا فالاستثناء صرف العامل عن تناول المسّتثنى، ويكون حقيقةٌ في المتصل، وفي المنفصل أيضًا؛ لأن "إلا" هي التي عدَّت الفعل إلى الاسم حتى نصبه، فكانت بمنزلة الهمزة في التعدية، والهمزةُ تُعدّي الفعلَ إلى الجنس، وغير الجنس حقيقةً وفاقًا، فكذلك ما هو بمنزلتها. انتهى (١). وقال في "الفتح": الاستثناء: استفعالٌ من الثُّنْيا -بضمّ المثلّثة، وسكون النون، بعدها تحتانيّةٌ - ويقال لها الثَّنْوَى أيضًا بواو بدل الياء، مع فتح أوّله، وهي من ثنيت الشيء: إذا عطفته، كان المستثنيَ عطف بعض ما ذكره؛ لأنها في الاصطلاح إخراج بعض ما يتناوله اللفظ، وأدواتها "إلاّ" وأخواتها. وتُطلق أيضًا على التعاليق، ومنها التعليق على المشيئة، وهو المراد في هذه الترجمة، فإذا قال: لأفعلنّ كذا، إن شاء اللَّه تعالى، استثنى، وكذا إذا قال: لا أفعل كذا إن شاء اللَّه، ومثله في الحكم أن يقول: إلا أن يشاء اللَّه، أو إلا إن شاء اللَّه، ولو أتى بالإرادة، والاختيار بدل المشيئة جاز، فلو لم يفعل إذا أثبت، أو فعل إذا نفى، لم يَحنث، فلو قال: إلا إن غير اللَّه نيّتي، أو بدّل، أو إلا أن يبدُو لي، أو يظهر، أو إلا أن أشاء،, أو أريد، أو أختار، فهو استثناء، لكن يُشترط وجود المشروط. انتهى (٢). واللَّه تعالى أعلم بالصواب. ٣٨٢٠ - (أَخْبَرَنِي (٣) أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَبَّانُ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "مَنْ حَلَفَ, فَاسْتَثْنَى, فَإِنْ شَاءَ مَضَى، وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ, غَيْرَ حَنِثٍ"). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (أحمد بن سعيد) الرباطيّ المروزيّ، أبو عبد اللَّه الأشقر، ثقة حافظ [١١] ٩٠/ ١٠٣٠. ٢ - (حَبَّان) -بفتح الحاء المهملة، وتشديد الموحّدة- ابن هلال، أبو حَبِيب البصريّ، ثقة ثبتٌ [٩] ٤٤/ ٥٩٠. ٣ - (عبد الوارث) بن سعيد بن ذكوان العنبريّ مولاهم، أبو عُبيدة التَّنُّوريّ البصريّ، ثقة ثبتٌ، رُمي بالقدر، ولم يثبُت عنه [٨] ٦/ ٦. ٤ - (أيوب) بن أبي تميمة كيسان السَّخْتيانيّ البصريّ، ثقة ثبت فقيه عابد [٥] ٤٢/ ٤٨.

стр. 15213

٥ - (نافع) مولى ابن عمر المدني، ثقة ثبت فقيه [٣] ١٢/ ١٢. ٦ - (ابن عمر) عبد اللَّه - رضي اللَّه تعالى عنهما - ١٢/ ١٢. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أن فيه مدنيين: وهما ابن عمر، ونافع، وبصريينَ: وهم أيوب، وعبد الوارث، وحَبّان، ومروزيّ، وهو أحمد بن سعيد. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ، وفيه ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما - من العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ ابْنِ عُمَرَ) - رضي اللَّه تعالى عنهما - (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ) أنه (قَالَ: "مَنْ حَلَفَ فَاسْتَثْنَى) أي قال: إن شاء اللَّه، ففي رواية وُهيب، عن أيوب الآتية في -٣٩/ ٣٨٥٦ - : "من حلف على يمين، فقال: إن شاء اللَّه، فهو بالخيار، إن شاء أمضى، وإن شاء ترك" (فَإِنْ شَاءَ مَضَى) أي فهو بالخيار بين الفعل والترك، فإن شاء مضى: أي ثبت على يمينه، وفعل ما حلف عليه (وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ) أي ترك فعل المحلوف عليه (غَيْرَ حَنِثٍ) -بفتح، فكسر-: أي حال كونه غير حانث في الترك، فهو حال من ضمير "ترك", هكذا ضبطه السنديّ بكسر النون، وهذا الضبط، وإن كان قياس اسم فاعل فَعِل بكسر العين، إلا أنه لم يُذكر في "القاموس"، و "اللسان"، و"المصباح" إلا "حانثًا". ويحتمل أن يكون بكسر الحاء المهملة، وسكون النون، أو بفتحتين مصدرًا، بمعنى اسم الفاعل، أو على حذف مضاف: أي غير ذي حنث، والحنث: الْخُلف في اليمين، يقال: حنث في يمينه حِنْثًا بالكسر، وحَنَثًا بفتحتين: لم يَبَرَّ فيها. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا صحيح. (المسألة الثانية): في مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-١٨/ ٣٨٢٠ و ٣٩/ ٣٨٥٤ و ٣٨٥٥ و ٣٨٥٦ - وفي "الكبرى" ١٨/ ٤٧٣٥ و ١٦/ ٤٧٦٩ و ٤٧٧٠ و ٤٧٧١. وأخرجه (د) في "الأيمان والنذور" ٣٢٦١ و ٣٢٦٢ (ت) في "النذور والأيمان" ١٥٣١ (ق) في "الكفّارات" ٢١٠٥ و ٢١٠٦ (أحمد) في

стр. 15214

"مسند المكثرين" ٤٤٩٦ و ٤٥٦٧ و ٥٠٧٤ و ٦٣٧٨ و ١٠٣٣ (الدارمي) في "النذور والأيمان" ٢٣٤٢. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان حكم الاستثناء في اليمين، وهو أن صاحبه مخيَّرٌ، إن شاء فعل، لكان شاء ترك. (ومنها): أنه لا بدّ أن يكون الاستثناء متّصلاً، إذ مطلقه ينصرف إلى المتّصل، كما هو رأي الجمهور، فلا يعتبر الاستثناء المنفصل؛ إلا بالأمر الضروريّ، كالسعال، والتنفّس، ونحو ذلك، وسيأتي تحقيق الخلاف في المسألة التالية، إن شاء اللَّه تعالى. (ومنها): أن في قوله: "فقال: إن شاء اللَّه" دليلاً على أنه لا بدّ أن يكون الاستثناء قوليًّا، فلا يكفي الاستثناء القلبيّ، وهذا قول عامّة أهل العلم، منهم: الحسن، والنخعيّ، ومالك، والثوريّ، والأوزاعيّ، والليث، والشافعيّ، وإسحاق، وأبو ثور، وأبو حنيفة، وابن المنذر. قال ابن قُدامة: لا نعلم لهم مخالفًا؛ لأن النبيّ ﷺ قال: "من حلف، فقال: إن شاء اللَّه"، والقول هو النطق، ولأن اليمين لا تنعقد بالنيّة، فكذلك الاستثناء. وقد رُوي عن أحمد: إن كان مظلومًا، فاستثنى في نفسه رجوت أن يجوز، إذا خاف على نفسه، فهذا في حقّ الخائف على نفسه؛ لأن يمينه غير منعقدة، أو لأنه بمنزلة المتأوّل، وأما في حقّ غيره فلا. انتهى كلام ابن قدامة -رحمه اللَّه تعالى- (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم الاستثناء في اليمين: قال أبو العبّاس القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى-: في هذا الحديث دليل على أن اليمين إذا قُرن بها "إن شاء اللَّه" لفظًا منويًا، لم يلزم الوفاء بها, ولا يقع الحنث فيها, ولا خلاف في ذلك، واختلفوا فيما إذا وقع الاستثناء منفصلًا عن اليمين، فالجمهور على أنه لا ينفع الاستثناء حتى يكون متّصلاً به، منويًا معه، أو مع آخر حرف من حروفه، وإليه ذهب مالكٌ، والشافعيّ، والأوزاعيّ، والجمهور، وقد اتفق مالك، والشافعيّ على أن السُّعال، والعطاس، وما أشبه ذلك لا يكون قاطعًا إذا كان ناويًا له. وقال بعض المالكيّة: لا ينفع الاستثناء إلا أن ينويه قبل نطقه بجميع حروف اليمين، وعند هؤلاء أن السكوت المختار الذي يقطع به كلامه، أو يأخذ في غيره لا ينفع معه الاستثناء. وكان الحسن، وطاوس، وجاعة من التابعين يرون للحالف الاستثناء ما لم يقم من

стр. 15215

مجلسه. وقال قتادة: ما لم يقم، أو يتكلّم. وعن عطاء: قدر حَلْبة ناقة. وعن سعيد بن جُبير بعد أربعة أشهر. وروي عن ابن عبّاس بعد سنة. وقد أُنكرت هذه الرواية عنه، وضُعْفت، وتأوّلها بعضهم بأن له أن يستثني امتثالاً لأمر اللَّه تعالى: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف: ٢٣ - ٢٤] لا لحلّ اليمين. وإلى هذه الاختلافات أشار السيوطي -رحمه اللَّه تعالى- في "الكوكب الساطع" في "مبحث التخصيص"، حيث قال: فَمِنْهَا الاسْتِثنَاءُ الاخْرَاجُ بِمَا … يُفِيدُهُ مِنْ واحدٍ تَكَلَّمَا وَقِيلَ مُطْلَقًا وَوَصْلُهُ وَجَبْ … عُرْفًا وَلِلْفَصْلِ ابْنُ عَباسٍ ذَهَبْ قِيلَ لِشَهرٍ وَلعَامٍ وَالأَبَدْ … وَسَنَتَيْنِ عَنْ مُجَاهِدٍ وَرَدْ وَابْنُ جُبَيْرٍ ثُلْثَ عَامٍ يَأْتَسِي … وَعَنْ عَطَا وَحَسَنٍ فِي الْمَجلِسِ وَقِيلَ قَبْلَ الأَخْذِ فِي كَلَامِ … وَقِيلَ إنْ يَقْصِدُهُ فِي الْكَلَامِ وَقِيلَ فِي كَلَامِهِ جَلَّ فَقَط … وَالْقَصْدَ مَنْ رَأَى اتِّصَالَهُ شَرَطْ (١) قال القرطبيّ: والصحيح الأول، إن شاء اللَّه؛ لأنه لو لم يُشتَرط الاتصال لما انعقد يمين، ولا تُصُوّر عليها ندم، ولا حِنْث، ولا احتيج للكفّارة فيها، وكل ذلك حاصل بالاتّفاق، فاشتراط الاتصال صحيح. وقد احتجّ من قال بفصل الاستثناء بما أخرجه الشيخان، ويأتي للمصنّف -٤٠/ ٣٨٥٧ - إن سليمان ﵇ لَمّا حلف، قال له صاحبه: قل: إن شاء اللَّه، ووجه الاستدلال به أنه إنما عرض عليه الاستثناء بعد فراغه من اليمين، فلو قالها بعد فراغ قول صاحبه لكان قولها غير متّصل باليمين، ومع ذلك فلو قالها لكانت تنفع، ولم يَحنَث، كما قال ﷺ : "لو قال: إن شاء اللَّه لم يحنث". وأجاب المشترطون للاتصال بمنع أنه قاله بعد فراغه من اليمين، بل لعلّه قال ذلك في أضعاف يمينه؛ لأن يمينه كثرت كلماتها، فطالت، وليس ذلك الاحتمال بأولى من هذا، فلا حجةٌ فيه، لا له، ولا عليه. واحتجّوا أيضًا بما رواه أبو داود عن عكرمة مولى ابن عبّاس: أن رسول اللَّه ﷺ قال: "واللَّه لأغزونّ قريشًا، واللَّه لأغزونّ قريشًا، واللَّه لأغزونّ قريشًا"، ثم قال: "إن شاء اللَّه"، وفي رواية: ثم سكت، ثم قال: "إن شاء اللَّه".

стр. 15216

قال أبو داود: زاد الوليد بن مسلم، عن شريك: "ثم لم يغزهم". لكن الحديث مرسل، وقد أُسند من حديث عبد الواحد بن صفوان، وليس حديثه بشيء (١)، على ما قاله أهل الحديث، والمرسل هو الصحيح. قال القرطبيّ: وهذا الحديث حجة ظاهرةٌ على جواز الفصل بالسكوت اليسير، وأن ذلك القدر ليس بقاطع؛ لأن الحال شاهدة على الاتصال، لكن عند من يقبل المرسل. ويحتمل أن يكون ذلك السكوت عن غلبة نَفّسٍ خارج، أو أمر طارئ، وفيه بُعْدٌ. قال القرطبيّ: ثم اختلف العلماء في الاستثناء بميشئة اللَّه تعالى، هل يرفع حكم الطلاق، والْعَتَاق، والمشي لمكة، وغيرها من الأيمان بغير اللَّه تعالى، أم لا؟ فذهب مالك، والأوزاعيّ إلى أن ذلك لا يرفع شيئًا من ذلك. وذهب الكوفيّون، والشافعيّ، وأبوثور، وبعض السلف إلى أنه يرفع ذلك كله. وقصر الحسن الرفع على العتق، والطلاق خاصّة. وسبب الخلاف اختلافهم في معنى قوله ﷺ في حديث الباب: "من حلف على يمين، فاستثنى، فان شاء مضى، وإن شاء ترك"، فحمل مالك، ومن قال بقوله الحديث على اليمين الجائزة، وهي اليمين بأسماء اللَّه وصفاته، بناء على أنه هو المقصود الأصليّ، واليمين العرفيّ، وحمله المخالف على العموم في كلّ ما يمكن أن يقال عليه يمين. قال القرطبيّ: والصحيح الأول؛ لما قدّمناه من أن هذا النوع الذي قد أطلق عليه الفقهاء يمينا، لا يُسمّى يمينًا، لا لغةً، ولا شرعًا؛ إذ ليس من ألفاظها اللغويّة، ولا من معانيها الشرعيّة، كما بينّاه. انتهى كلام القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى-، وهو تحقيق نفيس. واللَّه تعالى أعلم .. وقال في "الفتح": واتفق العلماء، كما حكاه ابن المنذر على أن شرط الحكم بالاستثناء أن يتلفظ المستثنى به، وأنه لا يكفي القصد إليه بغير لفظ. وذكر عياضٌ أن بعض المتأخّرين منهم خرّج من قول مالك: إن اليمين تنعقد بالنية أن الاستثناء يجزئ بالنية، لكن نقل في "التهذيب" أن مالكًا نصّ على اشتراط التلفّظ باليمين. وأجاب الباجيّ بالفرق بأن اليمين عقد، والاستثناء حل، والعقد أبلغ من الحل، فلا يلتحق باليمين. قال ابن المنذر: واختلفوا في وقته، فالأكثر على أنه يشترط أن يتّصل بالحلف، قال مالك: إذا سكت، أو قطع كلامه فلا ثُنيا. وقال الشافعيّ: يُشترط وصل الاستثناء

стр. 15217

بالكلام الأول، ووصله أن يكون نَسَقًا، فإن كان بينهما سكوت انقطع، إلا إن كانت سكتة تذكر، أو تنفّس، أو عِيّ، أو انقطاع صوت، وكذا يقطعه الأخذ في كلام آخر، ولخّصه ابن الحاجب، فقال: شرطه الاتصال لفظًا، أو فيما في حكمه، كقطعه لتنفّس، أو سُعال، ونحوه، مما لا يمنع الاتصال عرفًا، واختلف هل يقطعه ما يقطع القبول عن الإيجاب؟ على وجهين للشافعيّة، أصحّهما أنه ينقطع بالكلام اليسير الأجنبيّ، وإن لم ينقطع به الإيجاب والقبول، وفي وجه لو تخلّل أستغفر اللَّه لم ينقطع، وتوقّف فيه النوويّ، ونصّ الشافعيّ يؤيّده، حيث قال: تذكر فإنه من صور الذكر عرفًا، ويلتحق به لا إله إلا اللَّه، ونحوها. وعن طاوس، والحسن له أن يستثني ما دام في المجلس. وعن أحمد نحوه، وقال: ما دام في ذلك الأمر. وعن إسحاق مثله، وقال: إلا أن يقع سكوت. وعن قتادة إذا استثنى قبل أن يقوم، أو يتكلّم. وعن عطاء قدر حلب ناقة. وعن سعيد بن جبير إلى أربعة أشهر. وعن مجاهد بعد سنتين. وعن ابن عبّاس أقوال: منها ولو بعد حين. وعنه كقول سعيد. وعنه شهر. وعنه سنة. وعنه أبدًا. قال أبو عُبيد: وهذا لا يؤخذ على ظاهره؛ لأنه يلزم منه أن لا يحنث أحدٌ في يمينه، وأن لا تتصوّر الكفّارة التي أوجبها اللَّه تعالى على الحالف، قال: ولكن وجه الخبر سقوط الإثم عن الحالف لتركه الاستثناء؛ لأنه مأمور به في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾، فقال ابن عبّاس: إذا نسي أن يقول: إن شاء اللَّه يستدركه، ولم يُرد أن الحالف إذا قال ذلك بعد أن انقضى كلامه أن ما عقده باليمين ينحلّ. وحاصله حمل الاستثناء المنقول عنه على لفظ إن شاء اللَّه فقط، وحمل إن شاء اللَّه على التبرّك، وعلى ذلك حمل الحديث المرفوع الذي أخرجه أبو داود وغيره، موصولاً، ومرسلاً أن النبيّ ﷺ قال: "لأغزونّ قريشًا"، ثلاثًا، ثم سكت، ثم قال: "إن شاء اللَّه"، أو على السكوت لتنفّس، أو نحوه. وكذا ما أخرجه ابن إسحاق في سؤال من سأل النبيّ ﷺ عن قصَّة أصحاب الكهف: "غدًا أجيبكم"، فأخّر الوحي، فنزلت: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾، فقال: إن شاء اللَّه، مع أن هذا لم يرد هكذا من وجه ثابت. ومن الأدلة على اشتراط اتصال الاستثناء بالكلام قوله ﷺ : "من حلف على يمين، فرأى غيرها خيرا منها، فليكفر عن يمينه، وليأت الذي هو خير". فإنه لو كان الاستثناء يفيد بعد قطع الكلام لقال: فليستثن؛ لأنه أسهل من التكفير، وكذا قوله تعالى: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ﴾، فإن قوله: استثن أسهل من التحيّل لحلّ اليمين

стр. 15218

بالضرب، وللزم بطلان الإقرارات، والطلاق، والعتق، فيستثني من أقرّ، أو طلّق، أو أعتق بعد زمان، ويرتفع حكم ذلك، فالأولى تأويل ما نُقل عن ابن عبّاس وغيره من السلف في ذلك. وإذا تقرّر ذلك، فقد اختُلِفَ، هل يُشترط قصد الاستثناء من أول الكلام، أولاً، حَكَى الرافعي فيه وجهين، ونُقل عن أبي بكر الفارسيّ أنه نقل الإجماع على اشتراط وقوعه قبل فراغ الكلام، وعلّله بأن الاستثناء بعد الانفصال ينشأ بعد وقوع الطلاق مثلاً، وهو واضحٌ، ونقله معارض بما نقله ابن حزم أنه لو وقع متّصلاً به كفى، واستدلّ بحديث ابن عمر ﵄ رفعه: "من حلف، فقال: إن شاء اللَّه، لم يحنث"، واحتجّ بأنه عقّب الحلف بالاستثناء باللفظ، وحينئذ يتحصّل ثلاث صور: أن يقصد من أوله، أو من أثنائه، ولو قبل فراغه، أو بعد تمامه، فيختصّ نقل الإجماع بأنه لا يفيد في الثالث، وأبعد من فَهِم أنه لا يفيد في الثاني أيضًا، والمراد بالإجماع المذكور إجماع من قال: يُشترط الاتصال، وإلا فالخلاف ثابتٌ، كما تقدّم واللَّه أعلم. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: دعوى الإجماع هنا، لا وجه له، كما يظهر لمن تتبّع الأقوال في هذه المسألة، إلا أن يدّعى لأهل مذهب معيّن أنهم أجمعوا على ذلك، فليُتأمل. واللَّه تعالى أعلم. وقال ابن العربيّ: قال بعض علمائنا: يشترط الاستثناء قبل تمام اليمين، قال: والذي أقول: إنه لو نوى الاستثناء مع اليمين لم يكن يمينًا, ولا استثناء، وإنما حقيقة الاسثناء أن يقع بعد عقد اليمين، فيحلّها الاستثناء المتّصل باليمين. انتهى. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الذي الذي قاله ابن العربيّ -رحمه اللَّه تعالى- هو الأشبه مما ادعاه من سبق قوله من الإجماع على خلافه. فتنبّه. واللَّه تعالى أعلم. واتّفقوا على أن من قال: لا أفعل كذا إن شاء اللَّه، إذا قصد به التبرّك فقط، ففعل يحنث، وإن قصد به الاستثناء، فلا حنث عليه. واختلفوا إذا أطلق، أو قدّم الاستثناء على الحلف، أو آخّره، هل يفترق الحكم؟، وقد تقدّم في الطلاق. واتّفقوا على دخول الاستثناء في كلّ ما يُحلَف به، إلا الأوزاعيّ، فقال: لا يدخل في الطلاق، والعتق، والمشي إلى بيت اللَّه، وكذا جاء عن طاوس، وعن مالك مثله، وعنه إلا المشي. وقال الحسن، وقتادة، وابن أبي ليلى، والليث: يدخل في الجميع، إلا الطلاق. وعن أحمد: يدخل الجميع إلا العتق. واحتجّ بتشوف الشارع له. وورد فيه حديث عن معاذ ﵁ رفعه: "إذا قال لامرأته: أنت طالقٌ إن شاء اللَّه، لم تطلق، وإن

стр. 15219

قال لعبده: أنت حرّ، إن شاء اللَّه، فإنه حرّ". قال البيهقيّ: تفرّد به حميد بن مالك، وهو مجهول، واختُلف عليه في إسناده. واحتجّ من قال: لا يدخل في الطلاق بأنه لا تحله الكفارة، وهي أغلظ على الحالف من النطق بالاستثناء، فلما لم يحلّه الأقوى، لم يحله الأضعف. وقال ابن العربيّ: الاستثناء أخو الكفّارة، وقد قال اللَّه تعالى: ﴿ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ﴾، فلا يدخل في ذلك إلا اليمين الشرعيّة، وهي الحلف باللَّه. انتهى (١). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: عندي أن ما قاله ابن العربيّ من أن الاستثناء لا يدخل إلا اليمين الشرعية، وهي الحلف باللَّه أو بصفة من صفاته هو الأقرب؛ لما ذكره. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعتُ، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكّلتُ، وإليه أنيب". … ١٩ - (النِّيَّةُ فِي الْيَمِينِ) قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: غرض المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- بهذا أن اليمين على ما نواه الحالف؛ واستدلاله عليه بحديث النيّة من حيث إن الأعم في قوله ﷺ : "إنما الأعمال" تعمّ الأقوال والأفعال جميعًا، ومن حيث إطلاق قوله ﷺ : "وإنما لامرىء ما نوى" عن التقييد بقول، أو فعل، فيدلّ على أن للحالف ما نواه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب. ٣٨٢١ - (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا (٢) سُلَيْمَانُ بْنُ حَيَّانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ وَقَّاصٍ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّةِ (٣)، وَإِنَّمَا لِامْرِئٍ مَا نَوَى، فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ لِدُنْيَا (٤) يُصِيبُهَا، أَوِ امْرَأَةٍ

стр. 15220

يَتَزَوَّجُهَا، فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ"). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: (إسحاق بن إبراهيم": هو الحنظليّ المعروف بابن راههويه. و"سليمان بن حيّان": هو أبو خالد الأحمر الكوفيّ. [تنبيه]: وقع في نسخ "المجتبى" "سليم بن حيّان" بدل "سليمان بن حيّان"، وهو تصحيف فاحش، والصواب "سليمان بن حيّان"، وهو الذي في "الكبرى" ٣/ ١٣٠ - رقم-٤٧٣٦ - وهو الذي في "صحيح مسلم" أيضًا، فقد أخرجه عن إسحاق بن إبراهيم، عن أبي خالد الأحمر سليمان بن حيّان، بسند المصنّف، وهو الذي في "تحفة الأشراف" ٨/ ٩٢. فتنبّه. وسَليم -بفتح المهملة، وكسر اللام- ابن حيان أقدم من سليمان بن حيّان، وهو من شيوخه، وشيوخ يحيى القطّان، وعبد الرحمن بن مهديّ، ومن في طبقتهم، والظاهر أن إسحاق بن راهويه لم يلقه. واللَّه تعالى أعلم. و"يحيى بن سعيد": هو الأنصاريّ. والحديث متّفقٌ عليه، وقد سبق البحث فيه مطوَّلاً في "الطهارة" - "النيّة في الوضوء" ٦٠/ ٧٥ - وذكرت له هناك نحو خمسين مسألةً، فراجعه تستفد. واستدلال المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- به على الترجمة واضحة، كما سبق بيانه قريبًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعتُ، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكّلتُ، وإليه أنيب". … ٢٠ - (تَحْرِيمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ -) قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: ظاهر صنيع المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- يدلّ على أنه يرى أن من قال لامرأته: أنت عليّ حرام يمين يجب تكفيرها، وهذا قول من جملة الأقوال التي بلغت ثمانية عشر قولاً، وقد سقتها في "كتاب الطلاق" -" باب قول اللَّه : ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾، وعن ابن عبّاس ﵄ قال: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾، يعني أنه ﷺ كان حرّم على نفسه شرب العسل، أو جاريته، على خلاف في ذلك، فقال اللَّه تعالى له: ﴿لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ إلى قوله: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ الآية، فكفّر ﷺ عن يمينه، وصيّر الحرام يمينًا. كما أخرجه الدارقطنيّ.

стр. 15221

لكن في رواية هشام بن يوسف، عن ابن جريج عند البخاريّ في "التفسير" زيادة: "وقد حلفت، لا تُخبري بذلك أحدًا"، فهذه الزيادة -كما قال القرطبيّ- تبيّن على أن الكفّارة التي أُشير إليها في قول تعالى: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ هي اليمين التي أشار إليها بقوله: "حلفت"، فتكون الكفّارة لأجل اليمين، لا لمجرّد التحريم، قال الحافظ: وهو استدلالٌ قويّ، فعلى هذا فلا يتمّ الاستدلال للمصنّف، ولا لمن ذهب هذا المذهب. واللَّه تعالى أعلم بالصواب. ٣٨٢٢ - (أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الزَّعْفَرَانِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ، عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: زَعَمَ عَطَاءٌ، أَنَّهُ سَمِعَ عُبَيْدَ بْنَ عُمَيْرٍ (١)، يَقُولُ: سَمِعْتُ عَائِشَةَ، تَزْعُمُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ , كَانَ يَمْكُثُ عِنْدَ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ, فَيَشْرَبُ عِنْدَهَا عَسَلًا، فَتَوَاصَيْتُ أَنَا وَحَفْصَةُ, أَنَّ أَيَّتُنَا دَخَلَ عَلَيْهَا النَّبِيُّ ﷺ ، فَلْتَقُلْ: إِنِّي أَجِدُ مِنْكَ رِيحَ مَغَافِيرَ، أَكَلْتَ مَغَافِيرَ, فَدَخَلَ عَلَى إِحْدَاهُمَا, فَقَالَتْ:: ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ: "لَا بَلْ شَرِبْتُ عَسَلًا, عِنْدَ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ, وَلَنْ أَعُودَ لَهُ"، فَنَزَلَتْ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ [التحريم: ١] إِلَى ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ﴾: عَائِشَةُ وَحَفْصَةُ, ﴿وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا﴾ [التحريم: ١ - ٣] لِقَوْلِهِ: "بَلْ شَرِبْتُ عَسَلًا"). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الحديث متفق عليه، وقد تقدّم سندًا ومتنًا في "كتاب عشرة النساء" -٤/ ٣٤٠٩ - "باب المغيرة"، وتقدّم شرحه مستوفًى هناك، وكذا بيان المسائل المتعلّقة به، فراجعه تستفد. و"الحَسَنُ بْنُ مُحَمدٍ الزَّعْفَرَانِيُّ": هو أبو علي البغدادي، صاحب الشافعي الثقة [١٠]. و"حجّاج": وابن محمد الأعور المصَّيصيّ الثقة الثبت [٩]. و"ابن جريج": هو عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج المكي الثقة الفاضل، لكنه يدلس [٦]. و"عطاء": هو ابن رباح المكي الإمام الحجة المشهور [٣]. و"عبيد بن عمير": هو الليثي، أبو عاصم المكي "المجمع على توثيقه [٢]. وقولها: "فتواصيتُ" أي توافقتُ. وقولها: "مغافير" هو شيء كريه الرائحة، وكان من عادة النبيّ ﷺ الاحتراز عما له رائحة كريهة. ودلالة الحديث على ما بوّب له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- قد تقدّم بيانه في الكلام على الترجمة. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". …

стр. 15222

٢١ - (إِذَا حَلَفَ أَنْ لَا يَأْتَدِمَ, فَأَكَلَ خُبْزًا بِخَلٍّ) قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قوله: "أن لا يأتدم" أي أن لا يأكل الخبز بإدام، وترك جوابه لفهمه من الحديث، أي فإنه يحنث بذلك. والائتدام: افتعال من أَدَمَ، يقال: أَدَمتُ الخبزَ، من باب ضرَبَ، وآدمته بالمدّ لغة فيه: إذا أصلحت إساغته بالإدام، و"الإدام" بكسر الهمزة: ما يُؤتدم به، مائعًا كان، أو جامدًا، وجمعه أُدُمٌ بضمّتين، مثلُ كتاب وكُتُب، وُيسكن للتخفيف، فيُعامل معاملة المفرد، ويُجمع على آدام، مثلُ قُفْل وأقفال. أفاده الفيّوميّ. والْخَلُّ: معروفٌ، والجمع خُلُولٌ، مثل فلس وفُلُوس، سُمّي بذلك؛ لأنه اختّلَّ منه طَعْمُ الْحَلاوة، يقال: اختلّ الشيءُ: إذا تغيّر، واضطرب. قال: وخَلَّلتُ النبيدَ تخليلاً: جعلته خلاً، وقد يُستعمل لازمًا أيضًا، فيقال: خَلَّلَ النبيذُ: إذا صار بنفسه خلّا أفاده الفيّوميّ أيضًا (١). وقال ابن منظور: قال ابن سِيدَهْ: الخلّ: ما حَمُضَ من عصير العنب وغيره. قال ابن دُريد: هو عربيّ صحيح. قال: وخَلَّلَتِ الخمرُ وغيرها من الأشربة: فسدت، وحَمُضَت. وخللَ الخمرَ: جعلها خلاً انتهى باختصار (٢). وقال المجد في "القاموس": الخلّ: ما حَمُض من عَصِير العنب وغيره، عربيّ صحيح، والطائفة منه خَلَّةٌ، وأجوده خلّ الخمرِ، مركبٌ من جوهرين: حارٍّ وباردٍ، نافعٌ للمعدة، واللِّثَةِ، والقُرُح الخبيثة، والْحِكَّةِ، ونَهْشِ الْهَوامّ، وأكل الأَفْيُون، وحرقِ النار، وأوجاع الأسنان، وبُخَارُ حَارِّهِ للاستسقاء، وعُسْرِ السمعِ، والدَّوِيِّ، والطَّنِين. انتهى (٣). واللَّه تعالى أعلم. ٣٨٢٣ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيَّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، قَالَ: حَدَّثَنَا المُثَنَى بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا طَلحَةُ بْنُ نَافِعٍ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: دَخَلْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ بَيْتَهُ، فَإِذَا فِلَقٌ وَخَلٌّ، فَقَالَ: رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "كُلْ، فَنِعْمَ الإِدَامُ الْخَلُّ").

стр. 15223

رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (عمرو بن عليّ) الفلاّس الصيرفي البصريّ، ثقة ثبت [١٠] ٤/ ٤. ٢ - (يحيى) بن سعيد القطّان البصريّ الإمام الحجة الثبت [٩] ٤/ ٤. ٣ - (المثنى بن سعيد) الضُّبَعيّ، أبو سعيد البصريّ القسام القصير، ثقة [٦] ٥/ ١٨٢٨. ٤ - (طلحة بن نافع) أبو سفيان الإسكاف الواسطيّ، نزيل مكة، صدوق [٤] ٢١/ ٣٨٢٣. ٥ - (جابر) بن عبد اللَّه بن عمرو بن حرام - رضي اللَّه تعالى عنهما - ٣١/ ٣٥. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين. (ومنها): أن شيخه هو أحد مشايخ الأئمة الستة أصحاب الأصول الذين اتّفقوا على الرواية عنهم بلا واسطة، وقد تقدّموا غير مرّة. (ومنها): أن فيه جابرًا - رضي اللَّه تعالى عنه - من المكثرين السبعة، روى (١١٧٠) حديثًا. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ جَابِر) بن عبد اللَّه - رضي اللَّه تعالى عنهما -، أنه (قَالَ: دَخَلْتُ مَعَ النَّبِيّ ﷺ بَيْتَهُ) وفي الحديث قصّة، ساقها مسلم في "صحيحه" -٢٠٥٢ - من طريق حجاج بن أبي زينب، حدثني أبو سفيان، طلحة بن نافع، قال: سمعت جابر بن عبد اللَّه، قال: كنت جالسا في داري، فَمَرَّ بي رسول اللَّه ﷺ ، فأشار إلي، فقمت إليه، فأخذ بيدي، فانطلقنا حتى أتى بعض حُجَر نسائه، فدخل، ثم أذن لي، فدخلت الحجاب عليها (١)، فقال: "هل من غداء؟ "، فقالوا: نعم، فأُتي بثلاثة أقرصة، فوُضِعْنَ على نَبِيٍّ (٢) فأَخَذ رسول

стр. 15224

اللَّه ﷺ قُرصًا، فوضعه بين يديه، وأخذ قرصا آخر فوضعه بين يدي، ثم أخذ الثالث، فكسره باثنين، فجعل نصفه بين يديه، ونصفه بين يديّ، ثم قال: "هل من أُدُم؟ "، قالوا: لا، إلا شيء من خَلٍّ، قال: "هاتوه، فنعم الأُدُمُ هو". (فَإِذَا فِلَقٌ) ولفظ مسلم: "فأخرج إليه فِلَقَا من خبز"، "الفلق" -بكسر الفاء، وفتح اللام-: جمع فِلْقَة -بكسر، فسكون-: بمعنى الْكِسْرة من الخبز، أي أخرج إليه الخادم ونحوه كِسَرًا من خبز (وَخَلٌّ) تقدّم معناه أول الباب (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "كُلْ، فَنِعْمَ الإِدَامُ الْخَلُّ) زاد في رواية مسلم من طريق ابن عليّة، عن المثنى بن سعيد: "قال جابر: فما زلت أُحبّ الخلّ منذ سمعتها من رسول اللَّه ﷺ ، وقال طلحة: ما زلت أحبّ الخل منذ سمعتها من جابر". قال النوويّ: وأما معنى الحديث: فقال الخطابيّ، والقاضي عياضٌ: معناه مدح الاقتصار في المأكل، ومنع النفس عن ملاذّ الأطعمة: تقديره: ائتدموا بالخلّ، وما في معناه، مما تَخِفّ مؤنته، ولا يَعِزّ وجوده، ولا تتأنّقوا في الشهوات، فإنها مَفسَدةٌ للدين، مَسْقَمَةٌ للبدن. هذا كلام الخطّابيّ، ومن تابعه. والصواب الذي ينبغي أن يُجزم به أنه مدحٌ للخلّ نفسه، وأما الاقتصار في المطعم، وترك الشهوات، فمعلومٌ من قواعد أخر. واللَّه أعلم. وأما قول جابر ﵁: فما زلت أُحبّ الخلّ منذ سمعتها من النبيّ ﷺ ، فهو كقول أنس ﵁: ما زلت أُحبّ الدبّاء، وهذا مما يؤيّد ما قلناه في معنى الحديث أنه مدحٌ للخلّ نفسه، وقد ذكرنا مرّات أن تأويل الراوي إذا لم يُخالف الظاهر يتعيّن المصير إليه، والعمل به عند جماهير العلماء من الفقهاء، والأصوليين، وهذاكذلك، بل تأويل الراوي هنا هو ظاهر اللفظ، فيتعيّن اعتماده. واللَّه أعلم. انتهى كلام النوويّ -رحمه اللَّه تعالى-، وهو تحقيق حسنٌ جدًّا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث جابر - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا أخرجه مسلم. (المسألة الثانية): في مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٢١/ ٣٨٢٣ - وفي "الكبرى" ٢١/ ٤٧٣٨. وأخرجه (م) في "الأشربة" ١٠٥٢ (د) في "الأطعمة" ٣٨٢٠ و ٣٨٢١ (ت) في "الأطعمة" ١٨٣٩ و ١٨٤٢ (أحمد) في "باقي مسند المكثرين" ١٣٨١٣ و ١٣٨٤٩ و ١٤٥٠٨ و ١٤٥٦٧ و ١٤٦٤٠ و ١٤٧٦٤

стр. 15225

و ١٤٧٦٩ و ١٤٨٦٩ (الدارمي) في "الأطعمة" ٢٠٤٨. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده (١): (منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان حكم من حلف أن لا يأتدم، فأكل خبزًا بخلّ، فإنه يحنث؛ لأنه ﷺ سمّاه "إدامًا" ومدحه. (ومنها): استحباب الحديث على الأكل، تأنيسًا للآكلين. (ومنها): استحباب مدح الشخص طعامه أمام الآكلين حتى ينبسطوا لأكله، ويقضوا حاجاتهم مثله. (ومنها): جواز أخذ الإنسان بيد صاحبه في تماشيهما؛ لأخذه ﷺ بيد جابر ﵁. (ومنها): استحباب مواساة الحاضرين على الطعام. (ومنها): أنه يستحب جعل الخبز ونحوه بين أيدي الآكلين بالسويّة. (ومنها): أنه لا بأس بوضع الأرغفة، والأتراص صحاحًا، غير مكسورة، ومكسّورةٌ. (ومنها): ما قاله القرطبيّ: وقسمة النبيّ ﷺ الأقرصة نصفين يدلّ على جواز فعل مثل ذلك مع الضيف، بل يدلّ على كرم أخلاق فاعله، وإيثاره الضيف عند قلّة الطعام، كما فعل النبيّ ﷺ ، فإن الذي قُدّم إليه كان غداءه، فإن أترصتهم صغار، لا سيّما في مثل ذلك الوقت، ومع ذلك، فشرّك فيه غيره، وفاءً بقوله ﷺ : "طعام الواحد كافي الاثنين، وطعام الاثنين كافي الثلاثة". رواه مسلم. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب. (المسألة الرابعة): قال أبو العبّاس القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى-: الإدام: كلّ ما يُؤتدم به، أي يُؤكل به الخبز مما يُطيّبه، سواء كان مما يُصطبغ به، كالأَمْراق، والمائعات، أو مما لا يُصطبغ به، كالجامدات، كاللحم، والبيض، والجبن، والزيتون، وغير ذلك، هذا معنى الإدام عند الجمهور، من الفقهاء، والعلماء، سلفًا، وخلفًا. وشذّ أبو حنيفة، وصاحبه أبو يوسف، فقالا في البيض، واللحم المشويّ، وشبه ذلك، مما لا يُصطبغ به ليس شيء من ذلك بإدام. وينبني على هذا الخلاف الخلافُ فيمن حلف ألا يأكل إدامًا، فأكل شيئًا من هذه الجامدات، فحنّثه الجمهور، ولم يحنّثه أبو حنيفة، ولا صاحبه، والصحيح ما صار إليه الجمهور بدليل قوله ﷺ وقد وضع تمرةٌ على كسرة، وقال: "هذه إدام هذه". رواه أبو داود. وبدليل قوله ﷺ أيضًا، وقد سئل عن إدام أهل الجنّةِ الجنّةَ أوّل ما يدخلونها، فقال: "زيادة كبد الحوت". رواه البخاريّ. انتهى كلام القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى- (٢)،

стр. 15226

وهو تحقيق نفيسٌ جدًّا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعتُ، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكّلتُ، وإليه أنيب". … ٢٢ - (فِي الْحَلِفِ, وَالْكَذِبِ لِمَنْ لَمْ يَعْتَقِدِ الْيَمِينَ بِقَلْبِهِ) قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: غرض المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- بهذا بيان أن الأيمان التي تجري على الألسنة من غير قصد، ليس فيها كفّارة يمين؛ لأنها من لغو اليمين، التي قال اللَّه تعالى فيها: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ [المائدة: ٨٩]، وإنما يتصدّق عنها بشيء، كما أمر النبيّ ﷺ في حديث الباب. وقد اختلف العلماء في لغو اليمين، وسنتكلّم على ذلك في المسألة الرابعة، إن شاء اللَّه تعالى. ٣٨٢٤ - (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي غَرَزَةَ، قَالَ: كُنَّا نُسَمَّى السَّمَاسِرَةَ، فَأَتَانَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , وَنَحْنُ نَبِيعُ، فَسَمَّانَا بِاسْمٍ, هُوَ خَيْرٌ مِنَ اسْمِنَا, فَقَالَ: "يَا مَعْشَرَ التُّجَّارِ، إِنَّ هَذَا الْبَيْعَ يَحْضُرُهُ الْحَلِفُ, وَالْكَذِبُ، فَشُوبُوا بَيْعَكُمْ بِالصَّدَقَةِ"). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (عبد اللَّه بن محمد بن عبد الرحمن) بن المسور بن مخرمة الزهريّ البصريّ، صدوق، من صغار [١٠] ٤٢/ ٤٨. ٢ - (سفيان) بن عيينة المكيّ الإمام الحجة الثبت [٨] ١/ ١. ٣ - (عبد الملك) بن أعين الكوفيّ، مولى بني شيبة، صدوقٌ شيعيّ [٦]. قال محمد بن المثنّى: ما سمعت ابن مهديّ يُحدّث عن سفيان، عن عبد الملك بن أعين، وكان يُحدّث عنه فيما أُخبرتُ، ثم أمسك. وقال الحميديّ، عن سفيان: حدّثنا عبد الملك بن أعين شيعي، وكان عندنا رافضيًّا، صاحب رأي. وقال الدُّوريّ، عن ابن معين: ليس بشيء. وقال أبو حامد، عن سفيان: هم ثلاث إخوة: عبد الملك، وزُرارة، وحُمرانُ، روافض كلهم، أخبثهم قولاً عبد الملك. وقال أبو حاتم: هو من عتق الشيعة، محلّه الصدق، صالح الحديث، يُكتب حديثه. وذكره ابن حبّان في

стр. 15227

"الثقات"، وقال: كان يتشيّع. وقال الساجيّ: كان يتشيّع، ويُحتَمل في الحديث. وقال العجليّ: كوفيّ، تابعيّ، ثقة. له عند الشيخين حديث واحد قُرن فيه بجامع بن أبي راشد. روى له الجماعة، وله عند المصنّف في هذا الكتاب هذا الحديث، فقط. ٤ - (أبو وائل) شقيق بن سلمة الأسديّ الكوفيّ المخضرم الثقة [٢] ٢/ ٢. ٥ - (قيس بن أبي غَرَزَة) -بمعجمة، وراء، وزاي مفتوحات- ابن عُمير بن وهب بن حراق ابن حارثة (١) بن غِفَار الْغِفَاريّ، ويقال: الْجُهَنيّ، ويقال: البجليّ، صحابيّ نزل الكوفة. روى عن النبيّ ﷺ هذا الحديث فقط. وروى عنه أبو وائل شقيق بن سَلَمة، وذكر مسلم، والأزديّ أنه تفرّد بالرواية عنه. وقال ابن عد البرّ: روى عنه الحَكَم، ولا أدري سمع منه، أم لا؟ انتهى. قال الحافظ: روايته عنه مرسلةٌ بلا شكٌ. روى له الأربعة هذا الحديث فقط (٢). واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير الصحابيّ، فإنه من رجال الأربعة. (ومنها): أن صحابيه من المقلين من الرواية, فليس له إلا هذا الحديث عند أصحاب السنن. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي غَرَزَةَ) بفتحات، أنه (قَالَ: كُنَّا نُسَمَّى السَّمَاسِرَةَ) وفي الرواية الآتية ٢٣/ ٣٨٢٧ - من طريق منصور، عن أبي وائل: (قال: كنّا بالمدينة نبيع الأوساق، ونبتاعها، وكنّا نُسمّي أنفسنا السماسرة، ويسمّينا الناس". و"السماسرة" -بفتح المهملة الأولى، وكسر الثانية: جمع سِمْسَار -بكسر المهملة الأولى-: وهو القيّم بالأمر الحافظ له، قال الأعشى [من المتقارب]: فَأَصْبَحتُ لَا أَسْتَطِيعُ الكَلَامَ … سِوَى أَنْ أُرَاجِعَ سِمْسَارَهَا وهو في البيع: اسمٌ للذي يدخل بين البائع والمشتري، متوسّطًا لإمضاء البيع. والسَّمْسَرَة: البيعُ والشراء. وقال الليث: السمسار فارسيّةٌ معرّبة. أفاده في "اللسان" (٣). وقال الخطّابيّ: السمسار: أعجميّ، وكان كثير ممن يُعالج البيع والشراء فيهم

стр. 15228

عجمًا، فتلقّنوا هذا الاسم عنهم، فغيّره النبيّ ﷺ إلى التجارة التي هي من الأسماء العربية، وذلك معنى قوله: (فسمّانا باسم هو أحسن منه. وقد تدعو العرب التاجر أيضًا: "الرِّقاحي"، والترقيح في كلامهم: إصلاح المعيشة (١). انتهى كلام الخطّابيّ (٢). (فَأَتَانَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , وَنَحْنُ نَبِيعُ) جملة حاليةٌ، أي حال كوننا بائعين (فَسَمَّانَا بِاسْمٍ هُوَ خَيْرٌ) وفي نسخة: "أحسن" (مِنِ اسْمِنَا) أي لكونه من الأسماء العربيّة، كما تقدّم في كلام الخطّابيّ (فَقَالَ: "يَا مَعْشَرَ التُّجَّارِ) -بضمّ، فتشديد، أو كسر، وتخفيف (إِنَّ هَذَا الْبَيْعَ يَحْضُرُهُ الْحَلِفُ) -بفتح، فكسر، أو بفتح، فسكون -أي إكثار الحلف، أو الكاذب منه (وَالْكَذِبُ، فَشُوبُوا) بضمّ الشين، أمر من الشوب، بمعنى الخلط. وإنما أمرهم بذلك ليكون كفّارة لما يجري بينهم من الكذب وغيره، والمراد بها صدقة، غير معينة، حسب تضاعيف الآثام. واستدلّ به المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- على أن الحلف الكاذب بلا قصد لا كفّارة فيه، إذ لم يأمرهم النبيّ ﷺ بالكفارة المعلومة في الحلف بعينها، ويؤيّد ذلك ما يُفهم من الرواية الآتية بلفظ: "يخالطها اللغو والكذب"، حيث جاء اللغو فيها موضع الحلف. أفاده السنديّ (بَيْعَكُمْ) بالنصب على المفعوليّة (بِالصَّدَقَةِ) فإنها تُطفئ غضب الربّ. قال الخطّابيّ: وقد احتجّ بهذا الحديث بعض أهل الظاهر ممن لا يرى الزكاة في أموال التجارة، وزعم أنه لو كان تجب فيها صدقة كما يجب في سائر الأموال الظاهرة لأمرهم النبيّ ﷺ بها, ولم يقتصر على قوله: "فشوبوه بالصدقة، أو بشيء من الصدقة". قال: وليس فيما ذكروه دليل على ما ادّعوه؛ لأنه إنما أمرهم في هذا الحديث بشيء من الصدقة، غير معلومة المقدار في تضاعيف الأيام، ومرّ الأوقات؛ ليكون كفّارة عن اللغو والحلف، فأما الصدقة المقدّرة التي هي ربع العشر الواجبة عند تمام الحول، فقد وقع البيان فيها من غير هذه الجهة. وقد روى سمرة بن جندب ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ كان يأمرهم أن يخرجوا الصدقة عن الأموال التي يعدّونها للببع، وقد ذكره أبو داود في "كتاب الزكاة"، ثم هو عمل الأمة، وإجماع أهل العلم، فلا يُعدّ قول هؤلاء معهم خلافًا. انتهى (٣). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: حديث سمرة ﵁ المذكور ضعيف؛ لأن في سنده

стр. 15229

جعفر بن سعد ضعيف، وخبيب بن سليمان مجهول، وسليمان بن سمرة، قال ابن القطّان الفاسيّ: مجهول الحال، فلا يصلح للاحتجاج به، فتنبّه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث قيس بن أبي غَرَزَة - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا صحيح. (المسألة الثانية): في مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٢٢/ ٣٨٢٤ و ٣٨٢٥ و ٣٨٢٦ و ٣٨٢٧ و "البيوع" ٧/ ٤٤٦٣ - وفي "الكبرى" ٢٢/ ٤٧٣٩ و ٤٧٤٠ و ٢٣/ ٤٧٤١ و ٤٧٤٢ و"البيوع" ٧/ ٦٠٥٥. وأخرجه (د) في "البيوع" ٣٣٢٦ (ت) في "البيوع" ١٢٠٨ (ق) في "التجارات" ٢١٤٥ (أحمد) في "مسند المدنيين" ١٥٧٠١ والمكيين ١٧٩٩٩. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان حكم الحلف لمن لم يعتقد اليمين بقلبه، وهو أنه ليس عليه كفّارة اليمين المنصوصة في كتاب اللَّه تعالى، وإنما عليه مطلق الصدقة. (ومنها): أن الصدقة تكفّر الخطايا. (ومنها): أنه ينبغي للتّجّار أن يلازموا الصدقة في كثير من أوقاتهم؛ لما لا يخلو من الأيمان، والمواعيد الكاذبة، فيكفّرونها بها. (ومنها): أنه لا ينبغي للمسلم أن يكثر الحلف، ولو دون قصد، أو يكذب في بيعه وشرائه، فإنه بذلك يُعدّ متساهلًا في دينه، ويجانبه الورع في معاملته. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في لغو اليمين: قال العلاّمة ابن قدامة -رحمه اللَّه تعالى-: اليمين التي تمرّ على لسانه في عُرْض حديثه، من غير قصد إليها, لا كفّارة فيها في قول أكثر أهل العلم؛ لأنها من لغو اليمين. نَقل عبد اللَّه، عن أبيه أنه قال: اللغو عندي أن يحلف على اليمين، يرى أنها كذلك، والرجل يحلف، فلا يَعقِد قلبه على شيء. وممن قال: إن اللغو اليمين التي لا يَعقد عليها قلبه: عمر، وعائشة ﵂. وبه قال عطاء، والقاسم، وعكرمة، والشعبيّ، والشافعيّ؛ لما روي عن عطاء، قال: قالت عائشة ﵂: إن رسول اللَّه ﷺ قال - يعني اللغو في اليمين-: "هو كلام الرجل في بيته، لا واللَّه، وبلى واللَّه". أخرجه أبو داود. قال: ورواه الزهريّ، وعبد الملك بن أبي سليمان، ومالك بن مِغْوَل، عن عطاء، عن عائشة ﵂ موقوفًا. وروى الزهريّ، أن عروة حدثه، عن عائشة، قالت:

стр. 15230

أيمان اللغو ما كان في المراء، والهزل، والمزاحة، والحديثِ الذي لا يُعقّد عليه القلبُ، وأيمان الكفّارة كلّ يمين حلف عليها على وجه من الأمر في غضب، أو غيره، ليَفعَلَنَّ، أو لَيَترُكنّ، فذلك عَقدُ الأيمان التي فرضَ اللَّه تعالى فيها الكفّارة. ولأن اللغو في كلام العرب غير المعقود عليه، وهذا كذلك. وممن قال: لا كفّارة في هذا ابنُ عبّاس، وأبو هريرة، وأبو مالك، وزُرارة بن أوفَى، والحسن، والنخعيّ، ومالكٌ، وهو قول من قال: إنه من لغو اليمين، ولا نعلم في هذا خلافًا. وجه ذلك قول اللَّه تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾ الآية [المائدة: ٨٩]، فجعل الكفّارة لليمين التي يُؤاخذ بها، ونفَى المؤاخذة باللغو، فلزم انتفاء الكفّارة؛ ولأن المؤاخذة يَحتمل أن يكون معناها إيجاب الكفّارة، بدليل أنها تجب في الأيمان التي لا مأثم فيها. وإذا كان المؤاخذة إيجاب الكفّارة، فقد نفاها في اللغو، فلا تجب، ولأنه قول من سمّينا من الصحابة، ولم نعرف لهم مخالفًا في عصرهم، فكان إجماعًا؛ ولأن قول عائشة ﵂ في تفسير اللغو، وبيان الأيمان التي فيها الكفّارة خرج تفسيرًا لكلام اللَّه تعالى، وتفسير الصحابيّ مقبول. انتهى كلام ابن قُدامة -رحمه اللَّه تعالى- (١). وقال الحافظ أبو عمر ابن عبد البرّ -رحمه اللَّه تعالى-: وذكر سفيان الثوريّ في "جامعه"، وذكره المروزيّ عنه أيضًا، قال سفيان: الأيمان أربعة: يمينان يُكفّران، وهو أن يقول الرجل: واللَّه لا أفعل، فيفعلُ، أو يقول: واللَّه لأفعلنّ، ثم لا يفعل. ويمينان لا يكفّران: وهو أن يقول الرجل: واللَّه ما فعلتُ، وقد فعل، أو يقول: واللَّه لقد فعلتُ، وما فعل. قال المروزيّ: أما اليمينان الأوليان، فلا اختلاف فيهما بين العلماء على ما قال سفيان، وأما اليمينان الأخريان، فقد اختَلف أهل العلم فيهما،، فإن كان الحالف حلف على أنه لم يفعل كذا وكذا، أو أنه قد فعل كذا وكذا عند نفسه صادقًا، يرى أنه على ما حلف عليه، فلا إثم عليه، ولا كفّارة عليه في قول مالك، وسفيان الثوريّ، وأصحاب الرأي، وكذلك قال أحمد، وأبو عبيد. وقال الشافعيّ: لا إثم عليه، وعليه الكفّارة. قال المروزيّ: وليس قول الشافعيّ في هذا بالقويّ، قال: وإن كان الحالف على أنه لم يفعل كذا وكذا، وقد فعل متعمّدًا للكذب، فهو آثمٌ، ولا كفّارة عليه في قول عامّة
следующие страницы →