وهو تحقيق نفيسٌ جدًّا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعتُ، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكّلتُ، وإليه أنيب".
…
٢٢ - (فِي الْحَلِفِ, وَالْكَذِبِ لِمَنْ لَمْ يَعْتَقِدِ الْيَمِينَ بِقَلْبِهِ)
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: غرض المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- بهذا بيان أن الأيمان التي تجري على الألسنة من غير قصد، ليس فيها كفّارة يمين؛ لأنها من لغو اليمين، التي قال اللَّه تعالى فيها: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ [المائدة: ٨٩]، وإنما يتصدّق عنها بشيء، كما أمر النبيّ ﷺ في حديث الباب. وقد اختلف العلماء في لغو اليمين، وسنتكلّم على ذلك في المسألة الرابعة، إن شاء اللَّه تعالى.
٣٨٢٤ - (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي غَرَزَةَ، قَالَ: كُنَّا نُسَمَّى السَّمَاسِرَةَ، فَأَتَانَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , وَنَحْنُ نَبِيعُ، فَسَمَّانَا بِاسْمٍ, هُوَ خَيْرٌ مِنَ اسْمِنَا, فَقَالَ: "يَا مَعْشَرَ التُّجَّارِ، إِنَّ هَذَا الْبَيْعَ يَحْضُرُهُ الْحَلِفُ, وَالْكَذِبُ، فَشُوبُوا بَيْعَكُمْ بِالصَّدَقَةِ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (عبد اللَّه بن محمد بن عبد الرحمن) بن المسور بن مخرمة الزهريّ البصريّ، صدوق، من صغار [١٠] ٤٢/ ٤٨.
٢ - (سفيان) بن عيينة المكيّ الإمام الحجة الثبت [٨] ١/ ١.
٣ - (عبد الملك) بن أعين الكوفيّ، مولى بني شيبة، صدوقٌ شيعيّ [٦].
قال محمد بن المثنّى: ما سمعت ابن مهديّ يُحدّث عن سفيان، عن عبد الملك بن أعين، وكان يُحدّث عنه فيما أُخبرتُ، ثم أمسك. وقال الحميديّ، عن سفيان: حدّثنا عبد الملك بن أعين شيعي، وكان عندنا رافضيًّا، صاحب رأي. وقال الدُّوريّ، عن ابن معين: ليس بشيء. وقال أبو حامد، عن سفيان: هم ثلاث إخوة: عبد الملك، وزُرارة، وحُمرانُ، روافض كلهم، أخبثهم قولاً عبد الملك. وقال أبو حاتم: هو من عتق الشيعة، محلّه الصدق، صالح الحديث، يُكتب حديثه. وذكره ابن حبّان في
стр. 15227
"الثقات"، وقال: كان يتشيّع. وقال الساجيّ: كان يتشيّع، ويُحتَمل في الحديث. وقال العجليّ: كوفيّ، تابعيّ، ثقة. له عند الشيخين حديث واحد قُرن فيه بجامع بن أبي راشد. روى له الجماعة، وله عند المصنّف في هذا الكتاب هذا الحديث، فقط.
٤ - (أبو وائل) شقيق بن سلمة الأسديّ الكوفيّ المخضرم الثقة [٢] ٢/ ٢.
٥ - (قيس بن أبي غَرَزَة) -بمعجمة، وراء، وزاي مفتوحات- ابن عُمير بن وهب بن حراق ابن حارثة (١) بن غِفَار الْغِفَاريّ، ويقال: الْجُهَنيّ، ويقال: البجليّ، صحابيّ نزل الكوفة. روى عن النبيّ ﷺ هذا الحديث فقط. وروى عنه أبو وائل شقيق بن سَلَمة، وذكر مسلم، والأزديّ أنه تفرّد بالرواية عنه. وقال ابن عد البرّ: روى عنه الحَكَم، ولا أدري سمع منه، أم لا؟ انتهى. قال الحافظ: روايته عنه مرسلةٌ بلا شكٌ. روى له الأربعة هذا الحديث فقط (٢). واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير الصحابيّ، فإنه من رجال الأربعة. (ومنها): أن صحابيه من المقلين من الرواية, فليس له إلا هذا الحديث عند أصحاب السنن. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي غَرَزَةَ) بفتحات، أنه (قَالَ: كُنَّا نُسَمَّى السَّمَاسِرَةَ) وفي الرواية الآتية ٢٣/ ٣٨٢٧ - من طريق منصور، عن أبي وائل: (قال: كنّا بالمدينة نبيع الأوساق، ونبتاعها، وكنّا نُسمّي أنفسنا السماسرة، ويسمّينا الناس".
و"السماسرة" -بفتح المهملة الأولى، وكسر الثانية: جمع سِمْسَار -بكسر المهملة الأولى-: وهو القيّم بالأمر الحافظ له، قال الأعشى [من المتقارب]:
فَأَصْبَحتُ لَا أَسْتَطِيعُ الكَلَامَ … سِوَى أَنْ أُرَاجِعَ سِمْسَارَهَا
وهو في البيع: اسمٌ للذي يدخل بين البائع والمشتري، متوسّطًا لإمضاء البيع. والسَّمْسَرَة: البيعُ والشراء. وقال الليث: السمسار فارسيّةٌ معرّبة. أفاده في "اللسان" (٣).
وقال الخطّابيّ: السمسار: أعجميّ، وكان كثير ممن يُعالج البيع والشراء فيهم
стр. 15228
عجمًا، فتلقّنوا هذا الاسم عنهم، فغيّره النبيّ ﷺ إلى التجارة التي هي من الأسماء العربية، وذلك معنى قوله: (فسمّانا باسم هو أحسن منه. وقد تدعو العرب التاجر أيضًا: "الرِّقاحي"، والترقيح في كلامهم: إصلاح المعيشة (١). انتهى كلام الخطّابيّ (٢).
(فَأَتَانَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , وَنَحْنُ نَبِيعُ) جملة حاليةٌ، أي حال كوننا بائعين (فَسَمَّانَا بِاسْمٍ هُوَ خَيْرٌ) وفي نسخة: "أحسن" (مِنِ اسْمِنَا) أي لكونه من الأسماء العربيّة، كما تقدّم في كلام الخطّابيّ (فَقَالَ: "يَا مَعْشَرَ التُّجَّارِ) -بضمّ، فتشديد، أو كسر، وتخفيف (إِنَّ هَذَا الْبَيْعَ يَحْضُرُهُ الْحَلِفُ) -بفتح، فكسر، أو بفتح، فسكون -أي إكثار الحلف، أو الكاذب منه (وَالْكَذِبُ، فَشُوبُوا) بضمّ الشين، أمر من الشوب، بمعنى الخلط.
وإنما أمرهم بذلك ليكون كفّارة لما يجري بينهم من الكذب وغيره، والمراد بها صدقة، غير معينة، حسب تضاعيف الآثام.
واستدلّ به المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- على أن الحلف الكاذب بلا قصد لا كفّارة فيه، إذ لم يأمرهم النبيّ ﷺ بالكفارة المعلومة في الحلف بعينها، ويؤيّد ذلك ما يُفهم من الرواية الآتية بلفظ: "يخالطها اللغو والكذب"، حيث جاء اللغو فيها موضع الحلف. أفاده السنديّ (بَيْعَكُمْ) بالنصب على المفعوليّة (بِالصَّدَقَةِ) فإنها تُطفئ غضب الربّ.
قال الخطّابيّ: وقد احتجّ بهذا الحديث بعض أهل الظاهر ممن لا يرى الزكاة في أموال التجارة، وزعم أنه لو كان تجب فيها صدقة كما يجب في سائر الأموال الظاهرة لأمرهم النبيّ ﷺ بها, ولم يقتصر على قوله: "فشوبوه بالصدقة، أو بشيء من الصدقة".
قال: وليس فيما ذكروه دليل على ما ادّعوه؛ لأنه إنما أمرهم في هذا الحديث بشيء من الصدقة، غير معلومة المقدار في تضاعيف الأيام، ومرّ الأوقات؛ ليكون كفّارة عن اللغو والحلف، فأما الصدقة المقدّرة التي هي ربع العشر الواجبة عند تمام الحول، فقد وقع البيان فيها من غير هذه الجهة. وقد روى سمرة بن جندب ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ كان يأمرهم أن يخرجوا الصدقة عن الأموال التي يعدّونها للببع، وقد ذكره أبو داود في "كتاب الزكاة"، ثم هو عمل الأمة، وإجماع أهل العلم، فلا يُعدّ قول هؤلاء معهم خلافًا. انتهى (٣).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: حديث سمرة ﵁ المذكور ضعيف؛ لأن في سنده
стр. 15229
جعفر بن سعد ضعيف، وخبيب بن سليمان مجهول، وسليمان بن سمرة، قال ابن القطّان الفاسيّ: مجهول الحال، فلا يصلح للاحتجاج به، فتنبّه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث قيس بن أبي غَرَزَة - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا صحيح.
(المسألة الثانية): في مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٢٢/ ٣٨٢٤ و ٣٨٢٥ و ٣٨٢٦ و ٣٨٢٧ و "البيوع" ٧/ ٤٤٦٣ - وفي "الكبرى" ٢٢/ ٤٧٣٩ و ٤٧٤٠ و ٢٣/ ٤٧٤١ و ٤٧٤٢ و"البيوع" ٧/ ٦٠٥٥. وأخرجه (د) في "البيوع" ٣٣٢٦ (ت) في "البيوع" ١٢٠٨ (ق) في "التجارات" ٢١٤٥ (أحمد) في "مسند المدنيين" ١٥٧٠١ والمكيين ١٧٩٩٩. واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان حكم الحلف لمن لم يعتقد اليمين بقلبه، وهو أنه ليس عليه كفّارة اليمين المنصوصة في كتاب اللَّه تعالى، وإنما عليه مطلق الصدقة. (ومنها): أن الصدقة تكفّر الخطايا. (ومنها): أنه ينبغي للتّجّار أن يلازموا الصدقة في كثير من أوقاتهم؛ لما لا يخلو من الأيمان، والمواعيد الكاذبة، فيكفّرونها بها. (ومنها): أنه لا ينبغي للمسلم أن يكثر الحلف، ولو دون قصد، أو يكذب في بيعه وشرائه، فإنه بذلك يُعدّ متساهلًا في دينه، ويجانبه الورع في معاملته. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في لغو اليمين:
قال العلاّمة ابن قدامة -رحمه اللَّه تعالى-: اليمين التي تمرّ على لسانه في عُرْض حديثه، من غير قصد إليها, لا كفّارة فيها في قول أكثر أهل العلم؛ لأنها من لغو اليمين. نَقل عبد اللَّه، عن أبيه أنه قال: اللغو عندي أن يحلف على اليمين، يرى أنها كذلك، والرجل يحلف، فلا يَعقِد قلبه على شيء. وممن قال: إن اللغو اليمين التي لا يَعقد عليها قلبه: عمر، وعائشة ﵂. وبه قال عطاء، والقاسم، وعكرمة، والشعبيّ، والشافعيّ؛ لما روي عن عطاء، قال: قالت عائشة ﵂: إن رسول اللَّه ﷺ قال - يعني اللغو في اليمين-: "هو كلام الرجل في بيته، لا واللَّه، وبلى واللَّه". أخرجه أبو داود. قال: ورواه الزهريّ، وعبد الملك بن أبي سليمان، ومالك بن مِغْوَل، عن عطاء، عن عائشة ﵂ موقوفًا. وروى الزهريّ، أن عروة حدثه، عن عائشة، قالت:
стр. 15230
أيمان اللغو ما كان في المراء، والهزل، والمزاحة، والحديثِ الذي لا يُعقّد عليه القلبُ، وأيمان الكفّارة كلّ يمين حلف عليها على وجه من الأمر في غضب، أو غيره، ليَفعَلَنَّ، أو لَيَترُكنّ، فذلك عَقدُ الأيمان التي فرضَ اللَّه تعالى فيها الكفّارة. ولأن اللغو في كلام العرب غير المعقود عليه، وهذا كذلك.
وممن قال: لا كفّارة في هذا ابنُ عبّاس، وأبو هريرة، وأبو مالك، وزُرارة بن أوفَى، والحسن، والنخعيّ، ومالكٌ، وهو قول من قال: إنه من لغو اليمين، ولا نعلم في هذا خلافًا.
وجه ذلك قول اللَّه تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾ الآية [المائدة: ٨٩]، فجعل الكفّارة لليمين التي يُؤاخذ بها، ونفَى المؤاخذة باللغو، فلزم انتفاء الكفّارة؛ ولأن المؤاخذة يَحتمل أن يكون معناها إيجاب الكفّارة، بدليل أنها تجب في الأيمان التي لا مأثم فيها. وإذا كان المؤاخذة إيجاب الكفّارة، فقد نفاها في اللغو، فلا تجب، ولأنه قول من سمّينا من الصحابة، ولم نعرف لهم مخالفًا في عصرهم، فكان إجماعًا؛ ولأن قول عائشة ﵂ في تفسير اللغو، وبيان الأيمان التي فيها الكفّارة خرج تفسيرًا لكلام اللَّه تعالى، وتفسير الصحابيّ مقبول. انتهى كلام ابن قُدامة -رحمه اللَّه تعالى- (١).
وقال الحافظ أبو عمر ابن عبد البرّ -رحمه اللَّه تعالى-: وذكر سفيان الثوريّ في "جامعه"، وذكره المروزيّ عنه أيضًا، قال سفيان: الأيمان أربعة: يمينان يُكفّران، وهو أن يقول الرجل: واللَّه لا أفعل، فيفعلُ، أو يقول: واللَّه لأفعلنّ، ثم لا يفعل. ويمينان لا يكفّران: وهو أن يقول الرجل: واللَّه ما فعلتُ، وقد فعل، أو يقول: واللَّه لقد فعلتُ، وما فعل.
قال المروزيّ: أما اليمينان الأوليان، فلا اختلاف فيهما بين العلماء على ما قال سفيان، وأما اليمينان الأخريان، فقد اختَلف أهل العلم فيهما،، فإن كان الحالف حلف على أنه لم يفعل كذا وكذا، أو أنه قد فعل كذا وكذا عند نفسه صادقًا، يرى أنه على ما حلف عليه، فلا إثم عليه، ولا كفّارة عليه في قول مالك، وسفيان الثوريّ، وأصحاب الرأي، وكذلك قال أحمد، وأبو عبيد. وقال الشافعيّ: لا إثم عليه، وعليه الكفّارة. قال المروزيّ: وليس قول الشافعيّ في هذا بالقويّ، قال: وإن كان الحالف على أنه لم يفعل كذا وكذا، وقد فعل متعمّدًا للكذب، فهو آثمٌ، ولا كفّارة عليه في قول عامّة
стр. 15231
العلماء: مالك، وسفيان الثوريّ، وأصحاب الرأي، وأحمد بن حنبل، وأبي ثور، وأبي عُبيدة. وكان الشافعيّ يقول: يُكفِّرُ، قال: وقد رُوي عن بعض التابعين مثلُ قول الشافعيّ، قال المروزيّ: أميلُ إلى قول مالك، وأحمد. قال: فأما يمين اللغو الذي اتّفقَ عامّة العلماء على أنها لغوٌ، فهو قول الرجل: لا واللَّه، وبلى واللَّه في حديثه، وكلامه، غير منعقد (١) لليمين، ولا مُريدها، قال الشافعيّ: وذلك عند اللجاج، والغضب، والْعَجَلَة. انتهى. ذكره القرطبيّ في "تفسيره" (٢).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الحاصل أن لغو اليمين هو الذي لا يَعقِد الحالف عليه قلبه، بل يجري خلال كلامه، وحواره، وحكمه أنه لا كفّارة فيه، بل يتصدّق الحالف بشيء، كما أرشد إلى ذلك النبيّ ﷺ في حديث قيس بن أبي غَرَزَة ﵁ المذكور في الباب. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٨٢٥ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ, عَنْ سُفْيَانَ, عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ, وَعَاصِمٍ, وَجَامِعٍ, عَنْ أَبِي وَائِلٍ, عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي غَرَزَةَ, قَالَ: كُنَّا نَبِيعُ بِالْبَقِيعِ, فَأَتَانَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , وَكُنَّا نُسَمَّى السَّمَاسِرَةَ, فَقَالَ: «يَا مَعْشَرَ التُّجَّارِ» -فَسَمَّانَا بِاسْمٍ هُوَ خَيْرٌ مِنِ اسْمِنَا- ثُمَّ قَالَ: «إِنَّ هَذَا الْبَيْعَ يَحْضُرُهُ الْحَلِفُ, وَالْكَذِبُ, فَشُوبُوهُ بِالصَّدَقَةِ»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "سفيان"، و"عبد الملك" هما المذكوران في السند الماضي. و"عاصم": وابن بَهْدلة، وهو ابن أبي النَّجُود المقرئ الكوفيّ، صدوقٌ له أوهام، حجة في القراءة [٦] ٢٠/ ١٢٢١. و" جامع": وابن أبي راشد الكاهليّ الصيرفيّ الكوفيّ الثقة الفاضل [٥] ٢/ ٢٤٤١.
فقوله: "وعاصم"، و"جامع"، بالجرّ عطفا على "عبد الملك".
والحديث صحيح، سبق شرحه، وبيان مسائله في الذي قبله. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعتُ، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكّلتُ، وإليه أنيب".
…
стр. 15232
٢٣ - (فِي اللَّغْوِ وَالْكَذِبِ)
٣٨٢٦ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ مُغِيرَةَ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي غَرَزَةَ، قَالَ: أَتَانَا النَّبِيُّ ﷺ ، وَنَحْنُ فِي السُّوقِ، فَقَالَ: "إِنَّ هَذِهِ السُّوقَ يُخَالِطُهَا اللَّغْوُ وَالْكَذِبُ، فَشُوبُوهَا بِالصَّدَقَةِ").
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "محمد بن جعفر": هو المعروف بغندر. و"مُغيرة": وابن مِقْسم الضبيّ الكوفيّ.
وقوله: إن هذه السوق" وفي نسخة: "هذا السوق"، قال الفيّوميّ: السُّوق يُذكّر ويؤنّث. وقال أبو إسحاق: السُّوق التي يُباع فيها مؤنّثة، وهو أفصح، وأصحّ، وتضغيرها سُوَيقةٌ، والتذكير خطأٌ؛ لأنه قيل سوقٌ نافقةٌ، ولم يُسمع نافقٌ بغير هاء، والنسبة إليها سوقيّ، على لفظها. انتهى.
وقوله: "فشوبوها" الضمير راجع إلى السوق، لكن بمعنى ما يحدث فيها من البيع والشراء، من إطلاق المحلّ على الحال، أي اخلطوا ما يقع فيها من تجاراتكم بالصدقة؛ تكفيرًا لخطاياكم.
والحديث صحيح، وقد سبق القول فيه قريبًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٨٢٧ - (أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ قُدَامَةَ، قَالَا: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي غَرَزَةَ، قَالَ: كُنَّا بِالْمَدِينَةِ نَبِيعُ الْأَوْسَاقَ, وَنَبْتَاعُهَا، وَكُنَّا نُسَمِّي أَنْفُسَنَا السَّمَاسِرَةَ, وَيُسَمِّينَا النَّاسُ، فَخَرَجَ إِلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ، فَسَمَّانَا بِاسْمٍ, هُوَ خَيْرٌ مِنَ الَّذِي سَمَّيْنَا أَنْفُسَنَا, وَسَمَّانَا النَّاسُ، فَقَالَ: "يَا مَعْشَرَ التُّجَّارِ، إِنَّهُ يَشْهَدُ بَيْعَكُمُ الْحَلِفُ, وَالْكَذِبُ، فَشُوبُوهُ بِالصَّدَقَةِ").
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "جرير": وابن عبد الحميد. و"منصور": هو ابن المعتمر.
وقوله: "نبيع الأوساق الخ" هي جمع وسق بكسر الواو، ويجوز فتحها، فيجمع على وُسُوقٍ، وأوسُق، كفلس وفُلُوسٍ، وأَفلُس: مِكْيلة معلومة. وقيل: هو حِمْلُ بعير، وهو ستّون صاعًا بصاع النبيّ ﷺ ، وهو خمسة أرطال وثلث. قاله في "اللسان".
والظاهر أنهم يبيعون نفس الأوساق، ويشترونها، ويحتمل أن يكون المراد بيعهم ما يكال بها من الحبوب، كالحنطة، والشعير، والذّرَة، ونحوها.
стр. 15233
والحديث صحيح، وقد سبق القول فيه قريبًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعتُ، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكّلتُ، وإليه أنيب".
…
٢٤ - (النَّهْيُ عَنِ النَّذْرِ)
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الباب أوّل أبواب النذور، يقال (١): نذَرتُ أنذِرُ، وأنذُر، من بأبي ضرب، ونصر: إذا أوجبت على نفسك شيئًا تبرّعًا، من عبادة، أو صدقة، أو غير ذلك. أفاده في "النهاية" (٢).
وقال في "الفتح": والنذر في اللغة: التزام خير، أو شرّ، وفي الشرع: التزام المكلّف شيئًا، لم يكن عليه، منجزًا، أو معلّقًا، وهو قسمان: نذر تبرّر، ونذر لَجَاجٍ، ونذر التبرّر قسمان:
[أحدهما]: ما يُتقرّب به ابتداء، كللَّه عليّ أن أصوم كذا، ويلتحق به ما إذا قال: للَّه عليّ أن أصوم كذا شُكرًا على ما أنعم به عليّ من شفاء مريضي مثلاً. وقد نقل بعضهم الاتفاق على صحّته، واستحبابه. وفي وجه لبعض الشافعيّة أنه لا ينعقد.
[والثاني]: ما يُتقرّب به ملّعقًا بشيء ينتفع به إذا حصل له، كإن قدم غائبي، أو كفاني اللَّه شرّ عدوّي، فعلي صوم كذا مثلاً، والمعلّق لازم اتّفاقًا، وكذا المنجز في الراجح. ونذر اللَّجَاج قسمان:
[أحدهما]: ما يعلّقه على فعل حرام، أو ترك واجب، فلا ينعقد في الراجح، إلا أن إن كان فرض كفاية، أو كان في فعله مشقّةٌ، فليزمه، ويلتحق به ما يُعلّقه على فعل مكروه.
[والثاني]: ما يعلّقه على فعل خلاف الأولى، أو مباح، أو ترك مستحبّ، وفيه ثلاثة أقوال للعلماء: الوفاء، أو كفّارة يمين، أو التخيير بينهما. واختلف الترجيح عند
стр. 15234
الشافعيّة، وكذا عند الحنابلة، وجزم الحنفيّة بكفّارة اليمين في الجميع، والمالكيّة بأنه لا ينعقد أصلاً. انتهى (١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الأرجح عندي ما قاله المالكيّة؛ لحديث: "إنما النذر ما ابتغي به وجه اللَّه". رواه أحمد من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه، فهو وإن كان في إسناد مقال، إلا أن له شواهد من حديث عقبة بن عامر، ومن حديث ابن عبّاس ﵄، كما سيأتي بيانه.
والحاصل أن الأرجح أنه لا شيء في النذر في المكروه، وخلاف الأولى، والمباح المحض. واللَّه تعالى أعلم.
وقال ابن قُدامة -رحمه اللَّه تعالى-: صيغة النذر أن يقول: للَّه عليّ أن أفعل كذا، وإن قال: عليّ نذرُ كذا لزمه أيضًا؛ لأنه صرّح بلفظ النذر. وإن قال: إن شفاني اللَّه فعليّ صوم شهر، كان نذرًا. وإن قال: للَّه عليّ المشي إلى بيت اللَّه، قال ابن عمر، في الرجل يقول: عليّ المشي إلى الكعبة للَّه، قال: هذا نذرٌ، فليمش، ونحوه عن القاسم ابن محمد، ويزيد بن إبراهيم التيميّ (٢)، ومالك، وجماعة من العلماء. واختُلف فيه على سعيد بن المسيّب، والقاسم بن محمد، فروي عنهما مثل قولهم، وروي عنهما فيمن قال: عليّ المشي إلى بيت اللَّه، فليس بشيء، إلا أن يقول: عليّ نذر مشيٍ إلى بيت اللَّه. قال؛ ولنا أن لفظة "عليَّ" للإيجاب على نفسه، فهذا قال: عليّ المشي إلى بيت اللَّه، فقد أوجبه على نفسه، فزمه، كما لو قال: هو عليّ نذرٌ. انتهى كلام ابن قُدامة -رحمه اللَّه تعالى- (٣). واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
٣٨٢٨ - (أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مَسْعُودٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ، عَنْ شُعْبَةَ، قَالَ: أَخْبَرَنِي مَنْصُورٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُرَّةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , نَهَى عَنِ النَّذْرِ، وَقَالَ: "إِنَّهُ لَا يَأْتِي بِخَيْرٍ، إِنَّمَا يُسْتَخْرَجُ بِهِ مِنَ الْبَخِيلِ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (إسماعيل بن مسعود) الجحدريّ، أبو مسعود البصريّ، ثقة [١٠] ٤٢/ ٤٧.
٢ - (خالد بن الحارث) الْهُجيميّ، أبو عثمان البصريّ، ثقة ثبت [٨] ٤٢/ ٤٧.
٣ - (شعبة) بن الحجاج الإمام الحجة الثبت [٧] ٢٤/ ٢٧.
стр. 15235
٤ - (منصور) بن المعتمر، أبو عتّاب الكوفيّ، ثقة ثبت [٦] ٢/ ٢.
٥ - (عبد اللَّه بن مرّة) الهمدانيّ البخاريّ الكوفيّ، ثقة [٣] ١٧/ ١٨٦٠.
٦ - (عبد اللَّه بن عمر) بن الخطاب - رضي اللَّه تعالى عنهما - ١٢/ ١٢. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله عندهم رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه من أفراده. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين إلى شعبة، والباقون كوفيون، غير الصحابيّ، فإنه مدني. (ومنها): أن فيه ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما - أحد العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، روى (٢٦٣٠) حديثًا. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ عَبْدِ اللَّه بْنِ عُمَرَ) ﵄ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنِ النَّذْرِ) وفي حديث أبي هريرة ﵁ الآتي -٢٦/ ٣٨٣٢ - قال: "لا تنذروا" بصريح النهي. قال الخطّابيّ -رحمه اللَّه تعالى-: هذا غريبْ من العلم، وهو أن يُنهى عن الشيء أن يُفعَل، حتى إذا فُعل وقع واجبًا. انتهى.
قال القرطبيّ: هذا النذر محلّه أن يقول: إن شفى اللَّه مريضي، أو قَدِم غائبي فعليّ عتق رقبة، أو صدقة كذا، أو صوم كذا، ووجه هذا النهي هو أنه لَمّا وقف فعل هذه القربة على حصول غرض عاجل ظهر، أنه لم يتمحّض له نية التقرّب إلى اللَّه تعالى بما صدر منه، بل سلك فيها مسلك المعاوضة، ألا ترى أنه لو لم يحصل غرضه لم يفعل؟ وهذه حال البخيل، فإنه لا يُخرج من ماله شيئًا إلا بعوض عاجل يربّي على ما أخرج، وهذا المعنى هو الذي أشار إليه بقوله ﷺ : إنما يُستخرج به من البخيل ما لم يكن البخيل يُخرجه"، ثم يُضاف إلى هذا اعتقاد جاهل يظنّ أن النذر يوجب حصول ذلك الغرض، أو أن اللَّه تعالى يفعل معه ذلك الغرض لأجل ذلك النذر، وإليهما الإشارة بقوده ﷺ : "فإن النذر لا يردّ من قدر اللَّه شيئًا". وهاتان جهالتان، فالأولى تقارب الكفر، والثانية خطأٌ صُراح.
وإذا تقرّر هذا، فهل هذا النهي محمول على التحريم، أو على الكراهة؟ المعروف من مذاهب العلماء الكراهة، قال القرطبيّ: والذي يظهر لي حمله على التحريم في حقّ من يُخاف عليه ذلك الاعتقاد الفاسد، فيكون إقدامه على ذلك محرّمًا، والكراهة في
стр. 15236
حقّ من لم يعتقد ذلك. واللَّه تعالى أعلم. انتهى كلام القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى-، وهو حسن جدًّا، وسيأتي بيان ما قاله العلماء في معنى النهي عن النذر تفصيلاً في المسألة الرابعة، إن شاء اللَّه تعالى.
(وَقَالَ) ﷺ (إِنَّهُ) أي النذر (لَا يَأْتِي بِخَيْرٍ) أي لا يردّ شيئًا من القدر، كما بينته الرواية التالية: "لا يأتي النذر على ابن آدم شيئًا، لم أقدّره عليه". وقال في "الفتح": أي أن عقباه لا تُحمَد، وقد يتعذر الوفاء به. وقد يكون معناه: لا يكون سببًا لخير لم يُقدّر، كما في الحديث، وبهذا الاحتمال الأخير صدّر ابن دقيق العيد كلامه، فقال: يحتمل أن تكون الباء للسببيّة، كأنه قال: لا يأتي بسبب خير في نفس الناذر، وطبعه في طلب القربة، والطاعة من غير عِوَض يحصل له، وإن كان يترتّب عليه خير، وهو فعل الطاعة التي نذرها لكن سبب ذلك الخير حصول غرضه. انتهى (١).
[تنبيه]: وقع في بعض نسخ البخاري: "لا يأت" بغير ياء، قال في "الفتح": وليس بلحن؛ لأنه قد سُمع من كلام العرب. انتهى (٢).
(إِنَّمَا يُسْتَخْرَجُ بِهِ) بالبناء للمفعول (مِنَ الْبَخِيلِ) وفي الرواية التالية: "من الشحيح"، وفي رواية ابن ماجه: "من اللثيم"، ومدار الجميع على منصور بن المعتمر، عن عبد اللَّه ابن مرّة، فالاختلاف في اللفظ المذكور من الرواة عن منصور، والمعاني متقاربة؛ لأن الشح أخصّ، واللؤم أعمّ، قال الراغب الأصفهانيّ: البخل إمساك الْمُقْتَنَيات عمّا لا يَحِقُّ حبسها، والشخ بخلٌ مع حرص، واللزم فعل ما يلام عليه. انتهى (٣). وقال البيضاويّ: عادة الناس تعليق النذر على تحصيل منفعة، أو دفع مضرّة، فنُهي عنه؛ لأنه فعل البخلاء، إذ السخي إذا أراد أن يتقرّب بادر إليه، والبخيل لا تُطاوعه نفسه بإخراج شيء من يده إلا في مقابلة عوض، يستوفيه أوْلًا، فليلتزمه في مقابلة ما يحصُل له، وذلك لا يُغني من القدر شيئًا، فلا يسوق إليه خيرًا لم يُقدّر له، ولا يردّ عنه شرًّا قُضي عليه، لكن النذر قد يوافق القدر، فيُخرج من البخيل ما لولاه لم يكن ليُخرِجه. ذكره في "الفتح" (٤).
[فإن قيل]: هذا الحديث بظاهره يعارض (٥) ما أخرجه الترمذيّ من حديث أنس
стр. 15237
- ﵁ مرفوعًا: إن الصدقة تدفع ميتة السوء"، فكيف يُجمع بينهما؟.
[أُجيب]: بأنه يُجمع بينهما بأن الصدقة تكون سببًا لدفع ميتة السوء، والأسباب مقدّرة كالمسببّات، وقد قال ﷺ لمن سأله عن الرُّقَى، هل تردّ من قدر اللَّه شيئًا؟ قال: "هي من قدر اللَّه". أخرجه أبو داود، والحاكم، ونحوه قول عمر ﵁: "نفرّ من قدر اللَّه إلى قدر اللَّه"، ومثل ذلك مشروعيّة الطبّ، والتداوي. وقال ابن العربيّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: النذر شبيه بالدعاء؛ فإنه لا يردّ القدر، ولكنَّه من القدر أيضًا، ومع ذلك نُهي عن النذر، ونُدب إلى الدعاء، والسبب فيه أن الدعاء عبادة عاجلة، ويظهر به التوجّه إلى اللَّه، والتضرّع له، والخضوع، وهذا بخلاف النذر، فإن فيه تأخير العبادة إلى حين الحصول، وترك العمل إلى حين الضرورة. انتهى. ذكره في "الفتح" (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث ابن عمر ﵄ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٢٤/ ٣٨٢٨ و ٣٨٢٩ و ٢٥/ ٣٨٣٠ - وفي "الكبرى" ١/ ٤٧٤٣ و ٤٧٤٤ و ٢/ ٤٧٤٥. وأخرجه (خ) في "القدر" ٦٦٠٨١ و "الأيمان" ٦٦٩٢ و ٦٦٩٣ (م) في "النذور والأيمان" ١٦٣٩ (د) في "الأيمان والنذور" ٣٢٨٧ (ق) في "الكفّارات" ٢١٢٢ (أحمد) في "مسند المكثرين" ٥٢٥٣ و ٥٥٦٧ و ٥٩٥٨ (الدارمي) في "النذور والنذور" ٢٣٤٠. واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان النهي عن النذر، وسيأتي أقوال أهل العلم في معنى هذا الهي في المسألة التالية، إن شاء اللَّه تعالى. (ومنها): ما قال ابن العربيّ -رحمه اللَّه تعالى-: فيه حجة على وجوب الوفاء بما التزمه الناذر؛ لأن الحديث نصّ على ذلك بقوله: "يُستخرج به"، فإنه لو لم يلزمه إخراجه لما تمّ المراد من وصفه بالبخل من صدور النذر عنه، إذ لو كان مخيّرًا في الوفاء لاستمرّ لبخله على عدم الإخراج. (ومنها): أن فيه الردّ على القدريّة، حيث إن القدر دفع البخيل أن يخرج ماله، فلو كان يخلق أفعال نفسه لما أخرج ذلك. (ومنها): أن كلّ شيء يبتدئه المكلّف
стр. 15238
من وجوه البرّ أفضل مما يتلزمه بالنذر. قاله الماورديّ. (ومنها): أن فيه الحثّ على الإخلاص في عمل الخير. (ومنها): أن فيه ذمّ البخل. (ومنها): أن من اتّبع المأمورات، واجتنب المنهيّات لا يُعد بخيلًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المر جع، والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في معنى النهي عن النذر:
قال في "الفتح": وقد اختلف العلماء في هذا النهي، فمنهم: من حمله على ظاهره، ومنهم من تأوله. قال ابن الأثير في "النهاية": تكرّر النهي عن النذر في الحديث، وهو تأكيد لأمره، وتحذيرٌ عن التهاون به بعد إيجابه، ولو كان معناه الزجر عنه حتى لا يُفعل لكان في ذلك إبطال حكمه، وإسقاط لزوم الوفاء به، إذ كان بالنهي يصير معصيةً، فلا يلزم، وإنما وجه الحديث أنه قد أعلمهم أن ذلك أمرٌ لا يجرّ لهم في العاجل نفعًا, ولا يَصرِف عنهم ضرًا, ولا يُغيّر قضاءً، فقال: لا تنذروا على أنكم تدركون بالنذر شيئًا لم يقدر اللَّه لكم، أو تَصرِفوا به عنكم ما قدّره عليكم، فإذا نذرتم، فأخرُجوا بالوفاء، فإن الذي نذرتموه لازم لكم انتهى كلامه. ونسبه بعض شُرّاح "المصابيح" للخطّابيّ، وأصله من كلام أبي عُبيد فيما نقله ابن المنذر في "كتابه الكبير"، فقال: كان أبو عبيد يقول: وجه النهي عن النذر، والتشديد فيه ليس هو أن يكون مأثمًا, ولو كان كذلك ما أمر اللَّه أن يُوفَى به، ولا حُمد فاعله، ولكن وجهه عندي تعظيم شأن النذر، وتغليظ أمره؛ لئلا يتهاون به، فيفرط في الوفاء به، ويترك القيام به. ثم استدلّ بما ورد من الحثّ على الوفاء به في الكتاب والسنة. وإلى ذلك أشار المازريّ بقوله: ذهب بعض علمائنا إلى أن الغرض بهذا الحديث التحفّظ في النذر، والحض على الوفاء به. قال: وهذا عندي بعيد من ظاهر الحديث. ويحتمل عندي أن يكون وجه الحديث أن الناذر يأتي بالقربة مستقلًا لها لَمّا صارت عليه ضربة لازب، وكلّ ملزوم، فإنه لا ينشط للفعل نشاط مطلق الاختيار. ويحتمل أن يكون سببه أن الناذر لما لم ينذر القربة إلا بشرط أن يفعل له ما يُريد صار كالمعاوضة التي تقدح في نية المتقرّب. قال: ويشير إلى هذا التأويل قوله: "إنه لا يأتي بخير"، وقوله: "إنه لا يقرّب من ابن آدم شيئًا لم يكن اللَّه قدّره له"، وهذا كالنصّ على هذا التعليل انتهى. والاحتمال الأول يعُمّ أنواع النذر، والثاني يخصّ نوع المجازات. وزاد القاضي عياض: ويقال: إن الإخبار بذلك وقع على سبيل الإعلام من أنه لا يغالِب القدر، ولا يأتي الخيرُ بسببه، والنهي عن اعتقاد خلاف ذلك خشية أن يقع ذلك في ظنّ بعض الجهلة. قال: ومُحصّل مذهب مالك أنه مباح، إلا إذا كان مؤيّدًا لتكرّره عليه في أوقات، فقد يثقل عليه فعله، فيفعله بالتكلّف من غير طيب نفس، وغير
стр. 15239
خالص النيّة، فحينئذ يكره. قال: وهذا أحد محتملات قوله: "لا يأتي بخير"، كما تقدّم بيانه.
وقال الخطّابيّ: في "الأعلام": هذا باب من العلم غريبٌ، وهو أن يُنهى عن فعل شيء حتى إذا فعل كان واجبًا. وقد أكثر الشافعيّةُ -ونقله أبو عليّ السنجيّ عن نصّ الشافعيّ- أن النذر مكروه؛ لثبوت النهي عنه، وكذا نُقل عن المالكيّة، وجزم به عنهم ابن دقيق العيد، وأشار ابن العربيّ إلى الخلاف عنهم، والجزم عن الشافعيّة بالكراهة، قال: واحتجوا بأنه ليس طاعة محضة؛ لأنه لم يَقصد به خالص القربة، وإنما قصد أن ينفع نفسه، أو يدفع عنها ضررًا بما التزمه. وجزم الحنابلة بالكراهة، وعندهم رواية في أنها كراهة تحريم، وتوقّف بعضهم في صحّتها. وقال الترمذيّ بعد أن ترجم كراهية النذر، وأورد حديث أبي هريرة ﵁، ثم قال: وفي الباب عن ابن عمر، والعمل على هذا عند بعض أهل العلم، من أصحاب النبيّ ﷺ ، وغيرهم كرهوا النذر. وقال ابن المبارك: معنى الكراهة في النذر في الطاعة، وفي المعصية، فإن نذر الرجل في الطاعة، فوفى به، فله فيه أجر، ويكره له النذر. قال ابن دقيق العيد: وفيه إشكالٌ على القواعد، فإنها تقتضي أن الوسيلة إلى الطاعة طاعة، كما أن الوسيلة إلى المعصية معصيةٌ, والنذر وسيلة إلى التزام القربة، فيلزم أن يكون قربة، إلا أن الحديث دلّ على الكراهة، ثم أشار إلى التفرقة بين نذر المجازات، فحمل النهي عليه، وبين نذر الابتداء، فهو قربةٌ محضة. وقال ابن أبي الدم في "شرح الوسيط": القياس استحبابه، والمختار أنه خلاف الأولى، وليس بمكروه. كذا قال، ونوزع بأن خلاف الأولى ما اندرج في عموم نهي، والمكروه ما نُهي عنه بخصوصه، وقد ثبت النهي عن النذر بخصوصه، فيه دون مكروهًا. قال الحافظ: وإني لأتعجب ممن انطلق لسانه بأنه ليس بمكروه مع ثبوت النهىِ الصريح عنه، فأقل درجاته أن يكون مكروهًا كراهة تنزيه. وممن بني على استحبابه النوويّ في "شرح المهذب"، فقال: إن الأصحّ أن التلفّظ بالنذر في الصلاة لا يُبطلها؛ لأنها مناجاة اللَّه، فأشبه الدعاء انتهى. وإذا ثبت النهي عن الشيء مطلقًا، فترك فعله داخل الصلاة أولى، فكيف يكونْ مستحبًا، وأحسن ما يُحمل به عليه كلام هؤلاء نذر التبرّر المحض بأن يقول: للَّه عليّ أن أفعل كذا، أو لأفعنّله على المجازاة (١).
وقد حمل بعضهم النهي على من علم من حاله عدم القيام بما التزمه. حكاه العراقيّ
стр. 15240
في "شرح الترمذيّ". ولَمّا نقل ابن الرفعة عن أكثر الشافعيّة كراهة النذر، وعن القاضي حسين المتولي بعده (١)، والغزاليّ أنه مستحبّ؛ لأن اللَّه أثنى على من وفي به، ولأنه وسيلة إلى القربة، فيكون قربة. قال: ويمكن أن يتوسّط، فيقال: الذي دلّ عليه الخبر على كراهته نذر المجازاة, وأما نذر التبرّر، فهو قربة محضة؛ لأن للناذر فيه غرضًا صحيحًا، وهو أن يثاب عليه ثواب الواجب، وهو فوق ثواب التطوّع. انتهى.
وجزم القرطبيّ في "المفهم" يحمل ما ورد في الأحاديث من النهي على نذر المجازاة، فقال: هذا النذر محلّه أن يقول مثلاً: إن شفى اللَّه مريضي، فعليّ صدقة كذا. ووجه هذا الكراهة أنه لَمّا وقّف فعل هذه القربة على حصول الغرض المذكور ظهر أنه لم يتمحّض له نية التقرّب إلى اللَّه تعالى بما صدر منه، بل سلك فيها مسلك المعاوضة، ويوضّحه أنه لو لم يُشف مريضه لم يتصدّق بما علّقه على شفائه، وهذه حالة البخيل، فإنه لا يُخرج من ماله شيئًا إلا بعوض عاجل يزيد على ما أخرج غالبًا، وهذا المعنى هو الذي أشار إليه بقوله ﷺ : "إنما يُستخرج به من البخيل ما لم يكن البخيل يُخرجه"، قال: وقد ينضمّ إلى هذا اعتقاد جاهل يظنّ أن النذر يوجب حصول ذلك الغرض، أو أن اللَّه تعالى يفعل معه ذلك الغرض لأجل ذلك النذر، وإليهما الإشارة بقوله ﷺ : "فإن النذر لا يردّ من قدر اللَّه شيئًا"، والحالة الأولى تقارب الكفر، والثانية خطأٌ صريح. قال الحافظ: بل تقرب من الكفر أيضًا.
ثم نقل القرطبيّ عن العلماء حمل النهي الوارد في الخبر على الكراهة، وقال: الذي يظهر لي حمله على التحريم في حقّ من يُخاف عليه ذلك الاعتقاد الفاسد، فيكون إقدامه على ذلك محرّمًا، والكراهة في حقّ من لم يعتقد ذلك. انتهى. قال الحافظ: وهو تفصيلٌ حسن، ويؤيّده قصَّة ابن عمر راوي الحديث في النهي عن النذر، فإنها في نذر المجازاة. وقد أخرج الطبريّ بسند صحيح عن قتادة في قوله تعالى: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾، قال: كانوا ينذرون طاعة اللَّه من الصلاة والصيام، والزكاة، والحج، والعمرة، وما افترض اللَّه عليهم، فسمّاهم اللَّه أبرارًا. وهذا صريحٌ في أن الثناء وقعَ في غير نذر المجازاة. وقد يُشعر التعبير بالبخيل أن المنهيّ عنه من النذر ما فيه مال، فيكون أخصّ من المجازاة، لكن قد يوصف بالبخل من تكاسل عن الطاعة، كما في الحديث المشهور: "البخيل من ذُكرتُ عنده، فلم يُصلّ عليّ". أخرجه النسائيّ، وصححه ابن حبّان، أشار إلى ذلك الحافظ العراقيّ في "شرح الترمذيّ".
стр. 15241
ثم نقل القرطبيّ الاتفاق على وجوب الوفاء بنذر المجازاة؛ لقوله ﷺ : "من نذر أن يطيع اللَّه تعالى، فليُطعه"، ولم يفرّق بين المعلّق وغيره انتهى. قال الحافظ: والاتفاق الذي ذكره مسلّمٌ، لكن في الاستدلال بالحديث المذكور لوجوب الوفاء بالنذر المعلّق نظر. انتهى (١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: عندي لا نظر في ذلك، بل ما قاله القرطبيّ واضحٌ، حيث إن المعلق في جملة الأمر بالوفاء بالنذر، فيكون واجبًا. واللَّه تعالى أعلم.
ثم قال القرطبيّ: ومما يلحق بهذا النهي في الكراهة: النذر على وجه التبرّم، والتحرّج، فالأول كمن استثقل عبدًا لقلّة منفعته، وكثرة مؤنته، فينذر عتقه تخلّصًا منه، وإبعادًا له. وإنما يكره ذلك لعدم تمحّض نيّة القربة.
والثاني: أن يقصد التضييق على نفسه، والحمل عليها، بأن ينذر كثيرًا من الصوم، أو من الصلاة، أو غيرهما مما يؤدّي إلى الحرج والمشقة مع القدرة عليه، فأما لو التزم بالنذر ما لا يُطيقه لكان ذلك محرّمًا، فأما النذر الخارج عما تقدّم، فما كان منه غير معلّق على شيء، وكان طاعة جاز الإقدام عليه، ولزم الوفاء به، وأما ما كان منه على جهة الشكر، فهو مندوبٌ إليه، كمن شُفي مريضه، فقال: للَّه عليّ أن أصوم كذا، أو أتصدّق بكذا شكرًا للَّه تعالى.
وقد روي عن مالك كراهة النذر مطلقًا، فيمكن حمله على الأنواع التي بيّنّا كراهتها، ويُمكن حمله على جميع أنواعه، لكن من حيث إنه أوجب على نفسه ما يخاف عليه التفريط فيه، فيتعرّض لِلَوم الشرع، وعقوبته، كما قد كُره الدخول في الاعتكاف، وعلى هذا فتكون هذه الكراهة من باب تسمية ترك الأولى مكروهًا، ووجه هذا واضحٌ، وهو أن فعل القرب من غير التزام خيرٌ من محضٌ، عيريّ عن خوف العقاب، بخلاف الملتزم لها, فإنَّه يُخاف عليه ذلك فيها، وقد شهد لهذا ذمّ من قصر فيما التزم في قوله تعالى: ﴿فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾ الآية [الحديد: ٢٧]، ولا إشكال في أن النذر من جملة العقود، والعهود المأمور بالوفاء بها، وأن الوفاء بذلك من أعظم القرَب الْمُثنَى عليها، وكفى بذلك مدخا، وتعزيزا قوله تعالى: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا﴾ [الإنسان: ٧] انتهى كلام القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى- (٢).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: عندي أن ما تقدّم عن القرطبي من حمل النهي عن النذر على نذر المجازاة، كأن يقول: إن شفى اللَّه مريضي فعلي نذر أن أتصدق بكذا هو
стр. 15242
الأرجح؛ لأن آخر الحديث يدلّ عليه، حيث قال: "إنه لا يرد شيئًا" وقال أيضًا: "لا يأتي النذر على ابن آدم شيئًا لم أقدره عليه"، وقال أيضًا: "النذر لا يقدم شيئًا ولا يؤخره"، فكل هذه النصوص تدُلّ دلالة واضحة على أن النذر المنهي عنه هو الذي كان في مقابلة حصول شيءَ، أو دفع شيء. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٨٢٩ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُرَّةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، قَالَ: نَهَى رَسُولُ - اللَّهِ ﷺ عَنِ النَّذْرِ وَقَالَ: "إِنَّهُ لَا يَرُدُّ شَيْئًا، إِنَّمَا يُسْتَخْرَجُ بِهِ مِنَ الشَّحِيحِ").
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "عمرو بن منصور": هو أبو سعيد النسائيّ، ثقة [١١] ١٠٨/ ١٤٧. و"أبو نعيم": هو الفضل بن دُكين. و"سفيان": هو الثوريّ. و"منصور": هو ابن المعتمر.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد سبق تمام البحث فيه في الذي قبله. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعتُ، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكّلتُ، وإليه أنيب".
…
٢٥ - (النَّذْرُ لَا يُقَدِّمُ شَيْئًا وَلَا يُؤَخِّرُهُ)
٣٨٣٠ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُرَّةَ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "النَّذْرُ لَا يُقَدِّمُ شَيْئًا وَلَا يُؤَخِّرُهُ، إِنَّمَا هُوَ شَيْءٌ يُسْتَخْرَجُ بِهِ مِنَ الشَّحِيحِ").
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال الَإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا غير مرّة. و"يحيى": هو القطّان. و "سفيان": هو الثوريّ. و"منصور": هو ابن المعتمر.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد سبق شرحه، وما يتعلّق به من المسائل في الباب الماضي. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٨٣١ - (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ، عَنْ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "لَا يَأْتِي النَّذْرُ
стр. 15243
عَلَى ابْنِ آدَمَ شَيْئًا لَمْ أُقَدِّرْهُ عَلَيْهِ، وَلَكِنَّهُ شَيْءٌ اسْتُخْرِجَ بِهِ مِنَ الْبَخِيلِ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (عبد اللَّه بن محمد بن عبد الرحمن) بن المسور بن مخرمة الزهريّ البصريّ، صدوق، من صغار [١٠] ٤٢/ ٤٨.
٢ - (سفيان) بن عيينة المكي، الإمام الحجة الثبت [٨] ١/ ١.
٣ - (أبو الزناد) عبد اللَّه بن ذكوان، أبو عبد الرحمن المدنيّ الفقيه، ثقة ثبت [٥] ١٧/ ١٨.
٤ - (الأعرج) عبد الرحمن بن هرمز المدنيّ، ثقة ثبت [٣] ١٧/ ١٨.
٥ - (أبو هريرة) - رضي اللَّه تعالى عنه - ١/ ١. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخه، فبصريّ، وسفيان، فمكي. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ. (ومنها): أن هذا الإسناد من أصَحّ أسانيد أبي هريرة ﵁. (ومنها): أن فيه أبا هريرة ﵁ رأس المكثرين من الرواية, روى (٥٣٧٤) حديثًا. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) - رضي اللَّه تعالى عنه - (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، قَال: (لَا يَأْتِي النَّذْرُ عَلَى ابْنِ آدَمَ شَيْئًا) "على" هنا بمعنى اللام، أي لابن آدم. ولفظ البخاريّ من طريق شعيب بن أبي حمزة، عن أبي الزناد: "لا يأتي ابنَ آدم النذر بشيء" بنصب "ابنَ آدم" على أنه مفعول مقدّم، ورفع "النذر" على أنه فاعل مؤخّر (لَمْ أُقَدِّرْهُ عَلَيْهِ) أي له، فـ "على" بمعنى اللام، وفي نسخة: "لم يُقدّره"، ولفظ البخاريّ: "لم أكن قدّرته له". قال في "الفتح": هذا من الأحاديث القدسيّة، لكن سقط منه التصريح بنسبته إلى اللَّه ، وقد أخرجه أبو داود في رواية ابن العبد، من رواية مالك، والنسائيّ -يعني هذه الرواية- وابن ماجه من رواية سفيان الثوريّ (١)، كلاهما عن أبي الزناد. وأخرجه مسلم من رواية عمرو بن أبي عمرو، عن الأعرج. وفي رواية البخاريّ من طريق همّام، عن أبي
стр. 15244
هريرة، ولفظه: "لم يكن قدّرته". وفي رواية ابن ماجه: "إلا ما قُدّر له، ولكن يغلبه النذر، فأقدّره له". وفي رواية مالك: "بشيء لم يكن قُدّر له، ولكن يُلقيه النذر إلى القدر الذي قدّرته". وفي رواية مسلم: "لم يكن اللَّه قدّره له". وكذا وقع الاختلاف في قوله (وَلَكِنَّهُ شَيْءٌ اسْتُخْرِجَ بِهِ مِنَ الْبَخِيلِ) بالبناء للمفعول، أي استخرج اللَّه تعالى بسبب ذلك النذر من يد البخيل ماَله الذي لولا النذر لما أخرجه. وفي نسخة: "يُستَخرَج به".
وفي رواية همّام: "ولكن يُلقيه النذرُ، وقد قدّرته له، أَستخرِج به من البخيل". وفي رواية مسلم: (ولكن النذر يوافق القدر، فيُخرج بذلك من البخيل ما لم يكن البخيل يريد أن يُخرج".
وقوله: "ولكن يُلقيه إلى القدر" قال الكرمانيّ -رحمه اللَّه تعالى-: [فإن قيل]: القدّر هو الذي يلقيه إلى النذر. [قلنا]: تقدير النذر غير تقدير الإلقاء، فالأول يُلجئه إلى النذر، والنذر يُلجئه إلى الإعطاء. انتهى (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
مسألتان تتعلقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث أبي هريرة - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٢٥/ ١٣٨٣ و ٢٦/ ٣٨٣٢ - وفي "الكبرى" ٢/ ٤٧٤٦ و ٣/ ٤٧٤٧. وأخرجه (خ) في "القدر" ٦٦٠٩ و"الأيمان والنذور" ٦٦٩٤ (م) في "النذور والأيمان" ١٦٤٠ (د) في "الأيمان والنذور" ٣٢٨٨ (ت) في "النذور والأيمان" ١٥٣٨ (ق) في "الكفّارات" ٢١٢٣ (أحمد) في "باقي مسند المكثرين" ٧٢٥٥ و ٢٧٣٦٩ و ٨٦٤٣ و ٢٧٤٩٧ و ٩٦٤٧. واللَّه تعالى أعلم.
وأما سائر متعلّقات الحديث، من فوائده، وذكر اختلاف العلماء في معناه، وغير ذلك، فقد تقدمت في الباب السابق، فراجعها تستفد. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعتُ، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكّلتُ، وإليه أنيب".
…
стр. 15245
٢٦ - (النَّذْرُ يُسْتَخْرَجُ بِهِ مِنَ الْبَخِيلِ)
٣٨٣٢ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ، عَنْ الْعَلَاءِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "لَا تَنْذِرُوا فَإِنَّ النَّذْرَ لَا يُغْنِي مِنَ الْقَدَرِ شَيْئًا، وَإِنَّمَا يُسْتَخْرَجُ بِهِ مِنَ الْبَخِيلِ").
قال الجامع - عفا اللهَ تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلّهم رجال الصحيح، وتقدّموا غير مرّة. و"عبد العزيز": هو ابن محمَّد الدَّرَاورديّ المدنيّ. و"العلاء": هو ابن عبد الرحمن الحُرَقيّ المدنيّ. و"أبوه": هو عبد الرحمن بن يعقوب الْحُرقيّ المدنيّ. والسند أيضًا مسلسل بالمدنيين، غير شيخه، فبَغْلَانيّ.
وقوله: "لا تنذروا" بكسر الذال المعجمة، وضمّها، من بابي ضرب، ونصر. وقوله: "يستَخرج به" بالبناء للمفعول. والحديث متّفقٌ عليه، وقد سبق شرحه، والكلام على مسائله في الباب الماضي. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلتُ، وإليه أنيب".
…
٢٧ - (النَّذْرُ فِي الطَّاعَةِ)
٣٨٣٣ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ، عَنْ الْقَاسِمِ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ, فَلْيُطِعْهُ، وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَ اللَّهَ, فَلَا يَعْصِهِ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (قتيبة) بن سعيد الثقفي البغلانيّ، ثقة ثبت [١٠] ١/ ١.
٢ - (مالك) بن أنس الإِمام المدني، رأس المتقنين، وكبير المتثبّتين [٧] ٧/ ٧.
٣ - (طلحة بن عبد الملك) الأيليّ -بفتح الهمزة، بعدها ياء ساكنة- نزيل المدينة، ثقة [٦].
стр. 15246
قال ابن معين، وأبو داود، والنسائيّ (١)؛ ثقة. وقال أبو حاتم: لا بأس به. ووقال ابن سعد: كان ثقة. ذكره ابن حبّان في "الثقات". وقال ابن شاهين في "الثقات": قال أحمد بن صالح المصريّ: ما سقط من أهل أيلة إلا الحكم بن عبد اللَّه، كلهم ثقات، وطلحة ثقة. وقال ابن خلْفون: قال ابن وضاح: هو ثقة فاضل. وقال الدارقطنيّ: ثقة. روى له الجماعة، غير مسلم، وله عندهم حديث الباب فقط.
٤ - (القاسم) بن محمد بن أبي بكر الصدّيق، أبو عبد الرحمن المدنيّ الفقيه، ثقة ثبت، من كبار [٣] ١٢٠/ ١٦٦.
٥ - (عائشة) - رضي اللَّه تعالى عنها - ٥/ ٥. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخه، فبغلانيّ. (ومنها): أن فيه رواية الراوي عن عمته. (ومنها): أن القاسم أحد الفقهاء السبعة المشهورين بالمدينة المجموعين في قول الحافظ العراقيّ في "ألفية الحديث":
وَفِي الْكِبَارِ الْفُقَهَاءُ السَّبْعَةُ … خَارِجَةُ الْقَاسِمُ ثُمَّ عُرْوَةُ
ثُمَّ سُلَيمَانُ عُبَيْدُ اللَّهِ … سَعِيدُ وَالسابِعُ ذُو اشْتِبَاهِ
إمَّا أَبُو سَلَمَةٍ أَوْ سَالِمُ … أَوْ فَأَبو بَكير خِلَافٌ قَائِمُ
(ومنها): أن فيه من المكثرين السبعة عائشة ﵂، روت (٢٢١٠) أحاديث.
وقد مرّ كلّ هذا في هذا الشرح غير مرّة، دىانما أعدته تذكيرًا؛ لطول العهد به. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ) قال في "الفتح": وذكر ابن عبد البرّ عن قوم من أهل الحديث أن طلحة تفرّد برواية هذا الحديث، عن القاسم. وليس كذلك، فقد تابعه أيوب، ويحيى بن أبي كثير عند ابن حبّان، وأشار الترمذيّ إلى رواية يحيى. ومحمدُ بْنُ أبان عند ابن عبد البرّ، وعبيدُ اللَّه بن عمر، عند الطحاويّ. ولكن أخرجه الترمذيّ من رواية عبيد اللَّه بن عمر، عن طلحة، عن القاسم، وأخرجه البزار من رواية يحيى بن أبي
стр. 15247
كثير، عن محمد بن أبان، فرجعت رواية عبيد اللَّه إلى طلحة، ورواية يحيى إلى محمد ابن أبان، وسلمت رواية أيوب من الاختلاف، وهي كافيةٌ في ردّ دعوى انفراد طلحة به. وقد رواه أيضًا عبد الرحمن بن الْمُجَبِّر -بضمّ الميم، وفتح الجيم، وتشديد الموحّدة- عن القاسم. أخرجه الطحاويّ. انتهى (١).
(عَنِ الْقَاسِمِ) بن محمد بن أبي بكر الصدّيق (عَنْ) عمّته (عَائِشَةَ) ﵂ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ) أي بالوفاء بما التزمه (وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَ اللَّهَ فَلَا يَعْصِهِ) أي لا يجوز له الوفاء بما التزمه من المعصية، وظاهره أنه لا ينعقد أصلًا. وقيل: ينعقد يمينًا، وفيه كفارة، وهو الحقّ.
وقال في "الفتح": الطاعة أعم من أن تكون في واجب، أو مستحبّ، ويُتصوّر النذر في فعل الواجب بأن يؤقّته، كمن ينذر أن يصلي الصلاة في أول وقتها، فيجب عليه ذلك بقدر ما أقته، وأما المستحت من جميع العبادات المالية، والبدنية، فينقلب بالنذر واجبًا، ويتقيّد بما قيده به الناذر، والخبر صريح في الأمر بوفاء النذر إذا كان في طاعة، وفي النهي عن ترك الوفاء به إذا كان في معصية، وهل يجب في الثاني كفّارة يمين، أم لا؟ قولان للعلماء، سيأتي بيانهما قريبًا، إن شاء اللَّه تعالى.
وقد قسم بعض الشافعيّة الطاعة إلى قسمين: واجب عينًا، فلا ينعقد به النذر، كصلاة الظهر مثلاً، وصفةٌ فيه، فينعقد، كإيقاعها أول الوقت، وواجب على الكفاية، كالجهاد، فينعقد، ومندوبٌ عبادة عينًا كان، أو كفايةً، فينعقد، ومندوب لا يسمّى عبادَةَ، كعيادة المريض، وزيارة القادم، ففي انعقاده وجهان، والأرجح انعقاده، وهو قول الجمهور، والحديث يتناوله، فلا يُخصّ من عموم الخبر إلا القسم الأوّل؛ لأنه تحصيل الحاصل (٢). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - هذا أخرجه البخاريّ.
(المسألة الثانية): في مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٢٧/ ٣٨٣٣ و ٢٨/ ٣٨٣٤ و ٣٨٣٥ - وفي "الكبرى" ٤٨/ ٤٧٤ و٥/
стр. 15248
٤٧٤٩ و ٤٧٥٠. وأخرجه (خ) في، "الأيمان" ٦٦٩٦ و ٦٧٠٠ (د) في "الأيمان والنذور" ٣٢٨٩ (ت) في "النذور والأيمان" ١٥٢٤ و ١٥٢٦ (ق) في "الكفّارات" ٢١٢٦ (أحمد) في "باقي مسند الأنصار" ٢٣٥٥٥ و ١٥٢١٠ و٢٥٣٤٩ (موطّأ) في "النذور والأيمان" ١٠٣١ (الدارمي) في "النذور والأيمان" ٢٣٣٨. واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان مشروعيّة النذر في الطاعة. (ومنها): وجوب الوفاء في نذر الطاعة. (ومنها): عدم مشروعيّة النذر في المعصية، وأنه لو نذر يحرم عليه الوفاء بما التزمه، وهل تجب عليه الكفّارة، فيه خلاف بين العلماء، سيأتي في باب "كفّارة النذر"، إن شاء اللَّه تعالى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعتُ، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكّلتُ، وإليه أنيب".
…
٢٨ - (النَّذْرُ فِي الْمَعْصِيَةِ)
٣٨٣٤ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ, قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى, قَالَ: حَدَّثَنَا مَالِكٌ، قَالَ: حَدَّثَنِي طَلْحَةُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ، عَنْ الْقَاسِمِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ، وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَ اللَّهَ فَلَا يَعْصِهِ").
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا. و"عمرو بن عليّ": هو الفلاّس. و"يحيى": هو القطّان.
والحديث أخرجه البخاريّ، وسبق شرحه، وبيان مسائله في الباب الماضي. وهذا الإسناد، والذي بعده أنزل مما سبق في الباب الماضي، فإن المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- وصل هناك إلى طلحة بواسطتين، وهنا بثلاث وسائط. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٨٣٥ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ إِدْرِيسَ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ، عَنْ الْقَاسِمِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ - اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ، وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَ اللَّهَ فَلَا يَعْصِهِ").
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح. و"ابن
стр. 15249
إدريس": هو عبد اللَّه الأوديّ الكوفيّ. و"عبيد اللَّه": هو ابن عمر بن حفص العمريّ المدنيّ.
والحديث أخرجه البخاريّ، وقد سبق القول فيه في الذي قبله. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعتُ، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
قال الجامع الفقير إلى مولاه الغني القدير، محمد ابن الشيخ عليّ بن آدم بن موسى الإتيُوبي الولّويّ، نزيل مكة المكرّمة، - عفا اللَّه تعالى عنه - وعن والديه ومشايخه آمين:
قد انتهيت من كتابة الجزء الثلاثين من شرح سنن الإمام الحافظ الحجة أبي عبد الرحمن النسائيّ -رحمه اللَّه تعالى-، المسمّى "ذخيرةَ الغقبَى في شرح المجتبى"، أو "غاية المنى في شرح المجتبى".
وذلك بحيّ الزهراء، مخطط الأمير طلال، في مكة المكرمة زادها اللَّه تعالى تشريفًا وتعظيمًا، وجعلني من خيار أهلها حيًّا وميتًا، وأَعْظِم به تكريمًا.
وأخر دعوانا أن الحمد للَّه رب العالمين.
وأخر دعوانا ﴿أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾.
﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠) وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (١٨١) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
"اللهم صلّ على محمد، وعلى آل محمد، كما صلّيت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد. اللهم بارك على محمد، وعلى آل محمد، كما باركت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد".
"السلام عليك أيها النبيّ، ورحمة اللَّه، وبركاته".
ويليه -إن شاء اللَّه تعالى- الجزء الحادي والثلاثون مفتتحًا بالباب ٢٩ - "الوفاءُ بالنذر" الحديث رقم ٣٨٣٦.
"سبحانك اللهمّ، وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك، وأتوب إليك".
стр. 15250
شرح سنن النسائي
المسمَّى
ذخيرة العقبى في شرح المجتبى
لجامعه الفقير إلى مولاه الغني القدير
محمد ابن الشيخ العلامة علي بن آدم بن موسى الأيتوبي الوَلَّوي
المدرس بدار الحديث الخيرية بمكة المكرمة
عفا اللَّه عنه وعن والديه آمين
الجزء الثلاثون
دار آل بروم للنشر والتوزيع
стр. 15251
جميع الحقوق محفوظة
الطبعة الأولى
١٤٢٤هـ - ٢٠٠٣م
دار آل بروم للنشر والتوزيع
المملكة العربية السعودية - مكة المكرمة - المكتب الرئيسي التنعيم
ص ب: ٤١٤٥ - (تلفاكس ٥٢١١٥٧٦ - جوّال ٠٥٥٥٤١٠٢٦)
стр. 15252
شرح سنن النسائيّ
стр. 15253
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
стр. 15254
٢٩ - (الْوَفَاءُ بِالنَّذْرِ)
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: المراد بيان حكمه، أو فضله. قال اللَّه تعالى: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾ [الإنسان: ٧]، يؤخذ منه أن الوفاء به قربة؛ للثناء على فاعله، لكن ذلك مخصوص بنذر الطاعة. وقد أخرج الطبريّ من طريق مجاهد في قوله تعالى: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾ قال: إذا نذروا في طاعة اللَّه. قال القرطبيّ: النذر من العقود المأمور بالوفاء بها المثنَى على فاعلها، وأعلى أنواعه ما كان غير معلّق على شيء، كمن يعافى من مرض، فقال: للَّه عليّ أن أصوم كذا، أو أتصدق بكذا شكرًا للَّه تعالى، ويليه المعلق على فعل طاعة، كإن شفى اللَّه مريضي صمت كذا، أو صلّيت كذا، وما عدا هذا من أنواعه، كنذر اللجاج، كمن يستثقل عبده، فينذر أن يُعتقه ليتخلّص من صحبته، فلا يقصد القربة بذلك، أو يحمل على نفسه، فينذر صلاة كثيرة، أو صومًا مما يشق عليه فعله، ويتضرّر بفعله، فإن ذلك يكره، وقد يبلغ بعضه التحريم. قاله في "الفتح" (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب
٣٨٣٦ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي جَمْرَةَ، عَنْ زَهْدَمٍ، قَالَ: سَمِعْتُ عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ، يَذْكُرُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "خَيْرُكُمْ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ", فَلَا أَدْرِي أَذَكَرَ مَرَّتَيْنِ بَعْدَهُ, أَوْ ثَلَاثًا، ثُمَّ ذَكَرَ قَوْمًا يَخُونُونَ, وَلَا يُؤْتَمَنُونَ، وَيَشْهَدُونَ, وَلَا يُسْتَشْهَدُونَ، وَيُنْذِرُونَ, وَلَا يُوفُونَ، وَيَظْهَرُ فِيهِمُ السِّمَنُ".
قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ: هَذَا نَصْرُ بْنُ عِمْرَانَ, أَبُو جَمْرَةَ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (محمد بْنُ عَبدِ الأعلى) الصنعاني، ثم البصريّ، ثقة [١٠] ٥/ ٥.
٢ - (خَالِدٌ) بن الحارث الْهُجَيميّ، أبو عثمان البصريّ، ثقة ثبت [٨] ٤٢/ ٤٧.
٣ - (شعبة) بن الحجاج الإمام الحجة الثبت البصريّ [٧] ٢٤/ ٢٧.
٤ - (أبو جمرة) نصر بن عمران بن عصام الضُّبَعيّ البصريّ، نزيل خُرَاسان، ثقة ثبت [٣] ٨٨/ ٢٠١٢.
٥ - (زَهْدَم) بن مُضَرِّب الجَرْمي البصريّ، ثقة [٣] ١٤/ ٣٨٠٦.
٦ - (عمران بن حصين) بن عُبيد بن خَلَف الْخُزَاعيّ، أبو نُجَيد، أسلم عام خيبر، وصحب، وكان فاضلًا، وقضى بالكوفة، مات ﵁ سنة (٥٢) بالبصرة، وأبوه أيضًا صحابي ﵁. واللَّه تعالى أعلم.
стр. 15255
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ، ورواية الأقران، وفيه أبو جمرة، مشهور بكنيته، وليس له مشارك في هذه الكنية في الكتب الستّة. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ زَهْدَمٍ) بوزن جعفر بن مُضَرِّب -بضمّ الميم، وفتح المعجمة، وتشديد الراء المكسورة، بعدها موحّدة- (قَالَ: سَمِعْتُ عِمْرَانَ بْنَ حُصَينٍ) - رضي اللَّه تعالى عنهما - (يَذْكُرُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: خَيْرُكُمْ قَرْنِي) أي أهل قرني. قال أبو العبّاس القرطبيّ --رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: "القرن" -بفتح، فسكون- من الناس: أهل زمان واحد، قال الشاعر [من الطويل]:
إِذَا ذَهَبَ الْقَرْنُ الَّذِ أَنْتَ فِيهِمُ … وَخُلِّقتَ في قَرنٍ فَأَنْتَ غَرِيبُ
وقيل: مقدار زمانه ثمانون سنة. وقيل: ستون. ويعني أن هذه القرون الثلاثة أفضل مما بعدها إلى يوم القيامة، وهذه القرون في أنفسها متفاضلة، فأفضلها الأول، ثم الذي بعده، ثم الذي بعده، هذا ظاهر الحديث، فأما أفضليّة الصحابة، وهم القرن الأول على من بعدهم، فلا تخفى، وقد بيّنّا إبطال قول من زعم أنه يكون فيمن بعدهم أفضل منهم، أو مسوٍ لهم في "كتاب الطهارة" (١). وأما أفضليّة من بعدهم، بعضهم على بعض، فبحسب قربهم من القرن الأول، وبحسب ما ظهر على أيديهم من إعلاء كلمة الدين، ونشر العلم، وفتح الأمصار، واخماد كلمة الكفر، ولا خفاء أن الذي كان من ذلك في قرن التابعين كان أكثر، وأغلب مما كان في أتباعهم، وكذلك الأمر في الذين بعدهم، ثم بعد هذا غلبت الشرور، وارتُكبت الأمور، وقد دلّ على صحّة هذا قوله في حديث أبي سعيد ﵁: "يغزو فئام من الناس، فيقال: هل فيكم من صحب رسول اللَّه ﷺ ؟ فيقال: نعم، فيفتح لهم … " الحديث (٢). انتهى كلام القرطبيّ (٣).
وقال في "الفتح": والقرن أهل زمان واحد متقارب، اشتركوا في أمر من الأمور المقصودة، ويقال: إن ذلك مخصوص بما إذا اجتمعوا في زمن نبيّ، أو رئيس يجمعهم على ملة، أو مذهب، أو عمل، ويُطلق القرن على مدّة من الزمان، واختلفوا في
стр. 15256
تحديدها من عشرة أعوام إلى مائة وعشرين، قال الحافظ: لكن لم أر من صرّح بالسبعين، ولا بمائة وعشرة، وما عدا ذلك، فقد قال به قائل. وذكر الجوهريّ بين الثلاثين والثمانين. وقد وقع في حديث عبد اللَّه بن بُسْر عند مسلم ما يدلّ على أن القرن مائة، وهو المشهور. وقال صاحب "المطالع": القرن أمّةٌ هلكت، فلم يبق منهم أحد، وثبتت المائة في حديث عبد اللَّه بن بسر، وهي ما عند أكثر أهل العراق، ولم يذكر صاحب "المحكم" الخمسين، وذكر من عشر إلى سبعين، ثم قال: هذا هو القدر المتوسّط من أعمار أهل كلّ زمن، وهذا أعدل الأقوال، وبه صرّح ابن الأعرابيّ، وقال: إنه مأخوذ من الأقران، ويمكن أن يُحمل عليه المختلف من الأقوال المتقدّمة ممن قال: إن القرن أربعون، فصاعدًا، أما من قال: إنه دون ذلك، فلا يلتئم على هذا القول. واللَّه أعلم.
والمراد بقرن النبيّ ﷺ في هذا الحديث الصحابة وفي "صحيح البخاريّ" في صفة النبيّ ﷺ قوله: "وبُعثت في خير قرن بني آدم"، وفي رواية بُريدة عند أحمد: "خير هذه الأمة القرن الذين بعثت فيهم"، وقد ظهر أن الذي بين البعثة، وآخر من مات من الصحابة مائة وعشرون سنة، أو دونها، أو فوقها بقليل على الاختلاف في وفاة أبي الطفيل، وإن اعتُبر ذلك من بعد وفاته ﷺ ، فيكون مائة سنة، أو تسعين، أو سبعاً وتسعين. وأما قرن التابعين، فإن اعتُبر من سنة مائة كان نحو سبعين، أو ثمانين. وأما الذين بعدهم، فإن اعتُبر منها كان نحوًا من خمسين، فظهر بذلك أن مدّة القرن تختلف باختلاف أعمار أهل كلّ زمان. واللَّه أعلم.
واتّفقوا أن آخر من كان من أتباع التابعين ممن يُقبل قوله من عاش إلى حدود العشرين ومائتين، وفي هذا الوقت ظهرت البِدَع ظهورًا فاشيًا، وأطلقت المعتزلة ألسنتها، ورَفَعت الفلاسفة رؤوسها، وامتُحن أهل العلم ليقولوا بخلق القرآن، وتغيّرت الأحوال تغيرًا شديدًا, ولم يزل الأمر في نقص إلى الآن، وظهر قوله ﷺ : "ثم يفشو الكذب" ظهورَا بينًا حتى يشمل الأقوال، والأفعال، والمعتقدات. واللَّه المستعان (١).
(ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ) أي القرن الذي بعدهم، وهم التابعون (ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ) وهم أتباع التابعين، واقتضى هذا الحديث أن تكون الصحابة أفضل من التابعين، والتابعون أفضل من أتباع التابعين، لكن هذه الأفضلية بالنسبة إلى المجموع، أو الأفراد؟ محلّ بحث، وإلى الثاني نحا الجمهور، والأول قول ابن عبد البرّ.
стр. 15257
قال الحافظ: والذي يظهر أن من قاتل مع النبيّ ﷺ ، أو في زمانه بأمره، أو أنفق شيئًا من ماله بسببه، لا يعدله في الفضل أحدٌ بعده كائنًا من كان، وأما من لم يقع له ذلك، فهو محلّ البحث، والأصل في ذلك قوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا﴾ الآية [الحديد: ١٠].
واحتجّ ابن عبد البرّ بحديث: (مَثلُ أمتي مثل المطر، لا يُدرى أوّله خيرٌ، أم آخره"، وهو حديث حسنٌ له طرُق، قد يرتقي بها إلى الصّحّة، وأغرب النوويّ، فعزاه في "فتاويه" إلى مسند أبي يعلى، من حديث أنس ﵁، بإسناد ضعيف، مع أنه عند الترمذيّ بإسناد أقوى منه من حديث أنس ﵁، وصححه ابن حبّان، من حديث عمّار ﵁. وأجاب عنه النوويّ بما حاصله: أن المراد من يشتبه عليه الحال في ذلك من أهل الزمان الذين يدركون عيسى ابن مريم ﵉، ويرون في زمانه من الخير، والبركة، وانتظام كلمة الإسلام، ودحض كلمة الكفر، فيشتبه الحال على من شاهد ذلك، أيُّ الزمانين خير، وهذا الاشتباه مندفع بصريح قوله ﷺ : "خير القرون قرني". واللَّه أعلم.
وقد روى ابن أبي شيبة من حديث عبد الرحمن بن جُبير بن نُفير، أحد التابعين بإسناد حسن، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "لَيُدركنّ المسيحُ أقوامًا، إنهم لمثلكم، أو خيرٌ - ثلاثًا- ولن يُخزي اللَّه أُمّة أنا أوّلها، والمسيح آخرها". وروى أبو داود، والترمذيّ من حديث أبي ثعلبة ﵁، رفعه: "تأتي أيّام، للعامل فيهنّ أجر خمسين"، قيل: منهم، أو منّا يا رسول اللَّه؟ قال: "بل منكم"، وهو شاهدٌ لحديث: "مثلُ أمتي مثل المطر".
واحتجّ ابن عبد البرّ أيضًا بحديث عمر ﵁، رفعه: "أفضل الخلق إيمانًا قومٌ في أصلاب الرجال، يؤمنون بي، ولم يروني … " الحديث. أخرجه الطيالسيّ وغيره، لكن سنده ضعيف، فلا حجّة فيه. وروى أحمد، والدارميّ، والطبرانيّ، من حديث أبي جمعة، قال: قال أبو عُبيدة؛ يا رسول اللَّه، أأحدٌ خيرٌ منّا؟ أسلمنا معك، وجاهدنا معك، قال: "قومٌ يكونون من بعدكم، يؤمنون بي، ولم يروني". وإسناده حسنٌ، وقد صححه الحاكم.
واحتجّ أيضًا بأن السبب في كون القرن الأول خير القرون أنهم كانوا غُرباء في إيمانهم؛ لكثرة الكفّار حينئذ، وصبرهم على أذاهم، وتمسّكم بدينهم، قال: فكذلك أواخرهم إذا أقاموا الدين، وتمسّكوا به، وصبروا على الطاعة حين ظهور المعاصي والفتن كانوا أيضًا عند ذلك غرباء، وزكت أعمالهم في ذلك الزمان كما زكت أعمال أولئك. ويشهد له ما رواه مسلم عن أبي هريرة ﵁، رفعه: "بدأ الإسلام غريبًا،
стр. 15258
وسيعود غريبًا كما بدأ، فطوبى للغرباء".
وقد تُعُقّب كلام ابن عبد البرّ بأن مُقتضى كلامه أن يكون فيمن يأتي بعد الصحابة من يكون أفضل من بعض الصحابة، وبذلك صرّح القرطبيّ، لكن كلام ابن عبد البرّ ليس على إطلاقه في حقّ جميع الصحابة، فإنه صرّح في كلامه باستثناء أهل بدر، والحديبية,. نعم والذي ذهب إليه الجمهور أن فضيلة الصحبة لا يَعدِلها عملٌ لمشاهدة رسول اللَّه ﷺ ، وأما من اتّفق له الذّبّ عنه، والسبق إليه بالهجرة، أو النُّصرة، وضبط الشرع المتلقّى عنه، وتبليغه لمن بعده، فإنه لا يَعدِله أحدٌ ممن يأتي بعده؛ لأنه ما من خَصلة من الخصال المذكورة إلا وللذي سبق بها مثلُ أجر من عمل بها من بعده، فظهر فضلهم.
ومُحَصَّلُ النّزاع يتمحّض فيمن لم يحصُل له إلا مجرّد المشاهدة، كما تقدّم، فإن جُمع بين الأحاديث المذكورة كان متجهًا، على أن حديث: "للعامل منهم خمسين منكم"، لا يدلّ على أفضلية غير الصحابة على الصحابة ﵃؛ لأن مجرّد زيادة الأجر لا يستلزم ثبوت الأفضلية المطلقة، وأيضًا فالأجر إنما يقع تفاضله بالنسبة إلى ما يماثله في ذلك العمل، فأما ما فاز به من شاهد النبيّ ﷺ من زيادة فضيلة المشاهدة، فلا يَعدله فيها أحدٌ، فبهذه الطريق يمكن تأويل الأحاديث المتقدّمة. وأما حديث أبي جمعة، فلم تتّفق الرواة على لفظه، فقد رواه بعضهم بلفظ الخيريّة، كما تقدّم، ورواه بعضهم بلفظ؛ "قلنا: يا رسول اللَّه، هل من قوم أعظم منّا أجرًا؟ … " الحديث. أخرجه الطبرانيّ، وإسناد هذه الرواية أقوى من إسناد الرواية المتقدّمة، وهي توافق حديث أبي ثعلبة ﵁، وقد تقدّم الجواب عنه. واللَّه أعلم (١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قد تبيّن مما سبق أن ما عليه الجمهور من أن الصحابة أفضل ممن بعدهم إلى يوم القيامة على الإطلاق، كائنًا من كان هو الحقّ.
قال أبو العبّاس القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى-- بعد أن ذكر قول ابن عبد البرّ: إنه يكون فيمن يأتي بعد الصحابة من يكون أفضل ممن كان في جملة الصحابة-: ما نصّه: وذهب معظم العلماء إلى خلاف هذا، وأن من صحب النبيّ ﷺ ، ورآه، ولو مرّة من عمره أفضل من كلّ من يأتي بعدُ، وأن فضيلة الصحبة لا يَعدِلها عملٌ، وهو الحقّ الذي لا ينبغي أن يُصار لغيره؛ لأمور:
[أولها]: مزيّة الصحبة، ومُشاهدة رسول اللَّه ﷺ .
стр. 15259
[وثانيها]: فضيلة السبق للإسلام.
[وثالثها]: خُصوصية الذبّ عن حضرة رسول اللَّه ﷺ .
[ورابعها]: فضيلة الهجرة، والنصرة.
[وخامسها]: ضبطهم للشريعة، وحفظها عن رسول اللَّه ﷺ .
[وسادسها]: تبليغها لمن بعدهم.
[وسابعها]: السبق في النفقة في أول الإسلام.
[وثامنها]: أن كلّ خير، وفضل، وعلم، وجهاد، ومعروف فُعِل في الشريعة إلى يوم القيامة، فحظّهم منه أكمل حظّ، وثوابهم فيه أجزل ثواب؛ لأنهم سَنُّوا سُنَن الخير، وافتتحوا أبوابه، وقد قال ﷺ : "من سنّ في الإسلام سُنّةً حسنةً، كان له أجرها، وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة" (١)، ولا شكّ في أنهم الذين سنُّوا جميع السنن, وسبقوا إلى المكارم، ولو عُدّدت مكارمهم، وفُسّرت خواصّهم، وحُصرت لملأت أسفارًا, ولكَلَّت الأعين بمطالعتها حيارى.
وعن هذه الجملة قال ﷺ فيما أخرجه البزّار عن جابر بن عبد اللَّه ﵄، مرفوعًا: "إن اللَّه اختار أصحابي على العالمين، سوى النبيين والمرسلين، واختار من أصحابي أربعة -يعني أبا بكر، وعمر، وعثمان، وعليًّا- فجعلهم أصحابي". وقال: "في أصحابي كلّهم خير" (٢). وكذلك قال ﷺ : "اتّقوا اللَّه في أصحابي، فلو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبًا ما بلغ مُد أحدهم، ولا نصيفه" (٣). وكفى من ذلك كلّه ثناء اللَّه تعالى عليهم جملةَ وتفصيلًا، وتعيينًا، وإبهامًا, ولم يحصل شيء من ذلك لمن بعدهم.
فأما استدلال المخالف بقوله ﷺ : "إخواننا" (٤) فلا حجة فيه؛ لأن الصحابة قد
стр. 15260
حصل لهم من هذه الأخوّة الحظّ الأوفر؛ لأنها الأخوّة اليقينية العامّة، وانفردت الصحابة بخصوصيّة الصحبة. وأما قوله: "للعامل منهم أجر خمسين منكم" فلا حجة فيه؛ لأن ذلك-إن صحّ- إنما هو في الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر؛ لأنه قد قال ﷺ في آخره: "لأنكم تجدون على الخير أعوانًا, ولا يجدون"، ولا بُعد في أن يكون في بعض الأعمال لغيرهم من الأجور أكثر مما لهم فيه، ولا تلزم منه الفضيلة المطلقة التي هي المطلوبة بهذا البحث. واللَّه أعلم. انتهى كلام القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى- (١)، وهو بحث نفيسٌ جدًّا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
(ثُمَّ الذينَ يَلُونُهمْ) وهم تبع أتباع التابعين (فَلَا أَدْرِي أَذَكَرَ مَرَّتَينِ بَعْدَهُ، أَوْ ثَلَاثًا) ولفظ البخاريّ: فلا أدري، أذكر بعد قرنه قرنين، أو ثلاثة". قال في "الفتح": وقع مثل هذا الشكّ في حديث ابن مسعود، وأبي هريرة ﵁ عند مسلم، وفي حديث بُريدة ﵁ عند أحمد، وجاء في أكثر الطرق بغير شكّ، منها: عن النعمان بن بشير ﵄ عند أحمد، وعن مالك عند مسلم، عن عائشة: قال رجل: يا رسول اللَّه، أيّ الناس خيرٌ؟ قال: القرن الذي أنا فيه، ثم الثاني، ثم الثالث". ووقع في رواية الطبرانيّ، وسمويه ما يُفسّر به هذا السؤال، وهو ما أخرجاه من طريق بلال بن سعد بن تميم، عن أبيه، قال: قلت: يا رسول اللَّه، أيّ الناس خير؟، فقال: أنا وقرني"، فذكر مثله. وللطيالسيّ من حديث عمر نهنى، رفعه: "خير أمتي القرن الذي أنا منهم، ثم الثاني، ثم الثالث". ووقع في حديث جعدة بن هُبيرة عند ابن أبي شيبة، والطبرانيّ إثبات القرن الرابع، ولفظه: (خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم الآخرون أردأ"، ورجاله ثقات، إلا أن جعدة مختلف في صحبته. واللَّه أعلم. انتهى (٢).
(ثُمَّ ذَكَرَ) ﷺ (قَوْمًا، يَخُونُونَ) قال في "الفتح": كذا في جميع الروايات التي اتّصلت لنا بالخاء المعجمة، والواو، مشتقّ من الخيانة، وزعم ابن حزم أنه وقع في نسخة "يَحْرِبُون" -بسكون المهملة، وكسر الراء، بعدها موحّدة- قال: فإن كان محفوظًا، فهو من قولهم؛ حَرَبه يَحرِبه: إذا أخذ ماله، وتركه بلا شيء، ورجلٌ محروبٌ: أي مسلوب المال. انتهى.
(وَلَا يُؤتَمَنُونَ) بالبناء للمفعول: أي لا يشق الناس بهم، ولا يَعتقدونهم أُمناء بأن تكون خيانتهم ظاهرةَ، بحيث لا يَبقَى للناس اعتمادٌ عليهم، بخلاف من خان بحقير مرّة واحدة، أو نحوها، فإنه يصدُق عليه أنه خان، ولكن لا يخرج به عن الأمانة على الإطلاق.
стр. 15261
[تنبيه]: قال النوويّ: وبع في أكثر نسخ مسلم: "ولا يُتَّمنون" بتشديد المثنَّاة، قال غيره: هو نظير قوله:، "ثم يَتَّزِر" موضع قوله؛ "يأتزِر"، وادّعى أنه شاذ، ولكن قرأ ابن مُحيصن: "فليؤدّ الذي اتُّمِنَ أمانته"، ووجهه ابن مالك بأنه شُبّه بما فاؤه واو، أو تحتانيّةٌ، قال: وهو مقصور على السماع.
(وَيَشْهَدُونَ، وَلَا يُسْتَشْهَدُونَ) ببناء الأول للفاعل، والثاني للمفعول. قال في "الفتح": يحتمل أن يكون المراد التحمّل بدون التحميل، أو الأداء بدون طلب، والثاني أقرب. ويعارضه ما رواه مسلم من حديث زيد بن خالد ﵁، مرفوعًا: "ألا أُخبركم بخير الشهداء؟ الذي يأتي بالشهادة قبل أن يُسألها". واختَلَف العلماءُ في ترجيحهما، فجنح ابن عبد البرّ إلى ترجيح حديث زيد بن خالد ﵁؛ لكونه من رواية أهل المدينة، فقدّمه على رواية أهل العراق، وبالغ، فزعم أن حديث عمران ﵁ هذا لا أصل له. وجنح غيره إلى ترجيح حديث عمران ﵁ لاتفاق صاحب الصحيح عليه، وانفراد مسلم بإخراج حديث زيد بن خالد ﵁. وذهب آخرون إلى الجمع بينهما، فأجابوا بأجوبة:
[أحدها]: أن المراد بحديث زيد من عنده شهادة لإنسان بحقّ، لا يَعلَم صاحبها، فيأتي إليه، فيُخبره بها، أو يموت صاحبها العالم بها، ويَخلُف ورثةً، فيأتي الشاهد إليهم، أو إلى من يتحدّث عنهم، فيُعلمهم بذلك. وهذا أحسن الأجوبة، وبهذا أجاب يحيى بن سعيد، شيخ مالك، ومالك، وغيرهما. أثانيها،: أن المراد شهادة الْحِسْبَة، وهي ما لا يتعلّق بحقوق الآدميين المختصّة بهم محضا، ويدخل في الحِسْبة مما يتعلّق بحق اللَّه، أو فيه شائبة منه، الْعَتَاق، والوقف، والوصية العامّة، والعدّة، والطلاق، والحدود، ونحو ذلك. وحاصله أن المراد بحديث ابن مسعود ﵁ الشهادة في حقوق الآدميين، والمراد بحديث زيد بن خالد الشهادة في حقوق اللَّه. [ثالثها]: أنه محمولٌ على المبالغة في الإجابة إلى الأداء، فيكون لشدّة استعداده لها كالذي أدّاها قبل أن يُسألها، كما يقال في وصف الجواد: إنه ليُعطي قبل الطلب، أي يُعطي سريعًا عقب السؤال من غير توقّف.
وهذه الأجوبة مبنيّةٌ على أن الأصل في أداء الشهادة عند الحاكم أن لا يكون إلا بعد الطلب من صاحب الحقّ، فيُخصّ ذمّ من يشهد قبل أن يُستشهد بمن ذُكر ممن يُخبر بشهادة عنده لا يَعلم صاحبها بها، أو شهادة الحسبة.
وذهب بعضهم إلى جواز أداء الشهادة قبل السؤال على ظاهر عموم حديث زيد بن خالد ﵁، وتأوّلوا حديث عمران ﵁ بتأويلات:
стр. 15262
[أحدها]: أنه محمول على شهادة الزُّور، أي يؤدّون شهادة لم يَسبق لهم تحمّلها. وهذا حكاه الترمذيّ عن بعض أهل العلم.
[ثانيها]: المراد بها الشهادة في الحلف، يدلّ عليه قول إبراهيم النخعيّ في آخر حديث ابن مسعود ﵁: "كانوا يضربوننا على الشهادة"، أي قول الرجل أشهد باللَّه ما كان إلا كذا على معنى الحلف، فكره ذلك، كما كُره الإكثار من الحلف، واليمين قد تُسمّى شهادة، كما قال اللَّه تعالى: ﴿فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ﴾ [النور: ٦]. وهذا جواب الطحاويّ.
[ثالثها]: المراد بها الشهادة على المغيب من أمر الناس، فيشهد على قوم أنهم في النار، وعلى قوم أنهم في الجنّة بغير ذلك، كما صنع ذلك أهل الأهواء. حكاه الخطّابيّ.
[رابعها]: المراد به من ينتصب شاهدًا, وليس من أهل الشهادة.
[خامسها]: المراد به التسارع إلى الشهادة، وصاحبها بها عالمٌ من قبل أن يسأله. واللَّه تعالى أعلم (١).
(وَيَنْذِرُونَ) بكسر الذال، وضمّها، من بابي ضرب، ونصر، مبنيًّا للفاعل (وَلَا يُوفُونَ) مضارع أوفى رباعيًّا، ويحتمل أن يكون من وفّى مضعّف العين، من التوفية، وفي رواية البخاريّ: "ولا يَفُون" بفتح أوله، وضمّ ثالثه، من الوفاء ثلاثيًّا، قال ابن الأثير: يقال: وفَى بالشيء، وأوفَى، ووَفى بمعنى. انتهى. (٢). وقال الفيّوميّ: وفَيتُ بالعهد، والوعد، أَفِي به وَفَاءً، والفاعل وَفِيٌّ، والجمعُ أوفياءُ، مثلُ صَديق وأصدقاء، وأوفيتُ به إيفاءً، وقد جمعهما الشاعر، فقال [من البسيط]:
أَمَّا ابْنُ طَوْقٍ فَقَد أَوْفَى بِذِمَّتِهِ … كَمَا وَفَى بِقِلَاصِ النَّجْمِ حَادِيَها
وقال أبو زيد: أوفَى نذْره: أحسن الإيفاء، فجعل الرباعيّ يتعدّى بنفسه. وقال الفارابيّ أيضًا: أوفيته حقَّهُ، ووفّيته، إياه بالتثقيل، وأوفَى بما قال، ووفى بمعنى. انتهى (٣).
(وَيَظْهَرُ) بفتح أوله، وثالثه، من باب فتح (فِيهِمُ السِّمَنُ) -بكسر السين المهملة، وفتح الميم، آخره نون، وزان عِنَب- يقال: سَمِن يَسمَن، من باب تعِبَ، وفي لغة من باب قَرُب: إذا كثُر لحمه وشحمه، فهو سَمِينٌ، وجمعه سِمان. أفاده في "المصباح".
стр. 15263
والمعنى أنهم يُحبّون التوسّع في المآكل والمشارب، وهي أسباب السمن. قال ابن التين: المراد ذم محبته، وتعاطيه، لا من تخلّق بذلك. وقيل: المراد يظهر فيهم كثرة المال. وقيل: المراد أنهم يتسمّنون، أي يتكثّرون بما ليس فيهم، ويدّعون ما ليس لهم من الشرف. ويحتمل أن يكون جميع ذلك مرادًا. وقد رواه الترمذيّ من طريق هلال بن يساف، عن عمران بن حُصين ﵁ بلفظ: "ثم يجيء قوم يتسمّنون، ويُحبّون السِّمَن"، وهو ظاهر في تعاطي السِّمَن على حقيقته، فهو أولى ما حُمِل عليه خبر الباب، وإنما كان مذمومًا؛ لأن السمين غالباً بليد اللهم، ثقيلٌ عن العبادة، كما هو مشهور. قاله في "الفتح" (١).
وفي حديث أبي هريرة ﵁ عند مسلم: "ثم يخلُفُ قومٌ يُحبْون السَّمَانةَ، يشهدون قبل أن يُستشهدوا". قال النوويّ: السمانة بفتح السين هي السِّمَن، قال جمهور العلماء في معنى هذا الحديث: المراد بالسمن هنا كثرة اللحم، ومعناه أنه يكثُر ذلك فيهم، وليس معناه أن يتمحّضوا سمانًا، قالوا: والمذموم منه من يستكسبه، وأما من هو فيه خلقَة، فلا يدخل في هذا، والمتكسب له هو المتوسّع في المأكول، والمشروب زائدًا على المعتاد. انتهى (٢).
وفي حديث عبد اللَّه بن مسعود ﵁ عند الشيخين: "ثم يجيء قوم، تسبِق شهادة أحدهم يمينه، ويمينه شهادته". قال في "الفتح": أي في حالين، وليس المراد أن ذلك يقع في حالة واحدة؛ لأنه دورٌ، كالذي يَحرص على ترويج شهادة، فيحلف على صحّتها ليُقوّيها، فتارة يحلف قبل أن يشهد، وتارة يشهد قبل أن يحلف. ويحتمل أن يقع ذلك في حالة واحدة، عند من يُجيز الحلف في الشهادة، فيريد أن يشهد، ويحلف. وقال ابن الجوزيّ: المراد أنهم لا يتورّعون، ويَستهينون بأمر الشهادة واليمين. وقال ابن بطّال: يُستدلّ به على أن الحلف في الشهادة يُبطلها، قال: وحكى ابن شعبان في "الزاهي": من قال: أشهد باللَّه أن لفلان على فلان كذا، لم تقبل شهادته؛ لأنه حلف، وليس بشهادة. قال ابن بطال: والمعروف عن مالك خلافه. انتهى (٣).
(قَالَ: أبُو عَبْد الرَّحْمَنِ) النسائيّ -رحمه اللَّه تعالى- (هَذَا) الراوي عن زهدم بن مضرّب (نَصْرُ ابْنُ عِمْرَانَ، أَبُو جَمْرَةَ) بالجيم، والراء. وإنما نصّ عليه لئلا يشتبه بأبي حمزة
стр. 15264
بالحاء المهملة، والزاي، وهم جماعة، فإن شعبة -رحمه اللَّه تعالى- يروي عن سبعة كلهم يكنى بأبي حمزة بالحاء، والزاي، إلا واحدًا، فإنه بالجيم، والراء، وهو الذي في هذا السند، وإلى ذلك أشار السيوطيّ في "ألفية الحديث":
وَعَنْ أَبِي حَمْزَةَ يَروِي شُعْبَةُ … عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِزَايِ عِدَّةُ
إِلَّا أَبَا جَمرَةَ فَهوَ بِالرَّا … وَهوَ الَّذِي يُطْلَقُ يُدْعَى نَصْرَا
واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث عمران حُصين ﵄ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٢٩/ ٣٨٣٦ - وفي "الكبرى" ٦/ ٤٧٥١. وأخرجه (خ) في "الشهادات" ٢٦٥١ و"المناقب" ٣٦٥٠ و"الرقاق" ٦٤٢٨ و"الأيمان والنذور" ٦٦٩٥ (م) في "فضائل الصحابة" ٢٥٣٥ (د) في "السنّة" ٤٦٥٧ (ت) في "الفتن" ٢٢٢١ و ٢٢٢٢ (أحمد) في "مسند البصريين" ١٩٣١٩ و ١٩٣٣٤ و ١٩٤٠ و ١٩٤٥١. واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان وجوب الوفاء بالنذر. قال النوويّ -رحمه اللَّه تعالى-: فيه وجوب الوفاء بالنذر، وهو واجبٌ بلا خلاف، وإن كان ابتداء النذر منهيًا عنه، كما سبق في بابه. انتهى (١). (ومنها): بيان فضل الوفاء بالنذر، حيث مُدِحَ به القرونُ المفضلة، وذُمَّ بتركه من بعدهم.
(ومنها): أن فيه معجزةً ظاهرةً للنبيّ ﷺ ، فإن كلّ الأمور التي أخبر بها وقعت كما أخبر.
(ومنها): استُدلّ به على تعديل أهل القرون الثلاثة، وإن تفاوتت منازلهم في الفضل، وهذا محمولٌ على الغالب، والأكثرية، فقد وُجد فيمن بعد الصحابة من القرنين من وُجدت فيه الصفات المذمومة المذكورة، لكن بقلّة، بخلاف من بعد القرون الثلاثة، فإن ذلك كثُر فيهم، واشتهر. (ومنها): أن فيه بيان من تُردّ شهادتهم، وهم من اتصف بالصفات المذكورة، وإلى ذلك الإشارة بقوله ﷺ : "ثم يفشو الكذب"، أي يكثر. (ومنها): أنه استُدلّ به على جواز المفاضلة بين الصحابة. قاله المازريّ.
стр. 15265
(ومنها): أنه استدُل بقوله: "يشهدون، ولا يُستشهدون" على أن من سمع رجلاً يقول: لفلان عندي كذا، فلا يسوغ له أن يشهد عليه بذلك، إلا أن استشهده، وهذا بخلاف من رأى رجلاً يقتل رجلاً، أو يغصبه ماله، فإنه يجوز له أن يشهد بذلك، وإن لم يَستشهده الجاني (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعتُ، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكّلتُ، وإليه أنيب".
…
٣٠ - (النَّذْرُ فِيمَا لَا يُرَادُ بِهِ وَجْهُ اللَّهِ -)
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: ظاهر ترجمة المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- يدلّ على أنه يرى أن النذر إنما يكون في الطاعة، وأما المباح، فلا ينعقد نذره، وقد تقدّم الخلاف بين العلماء فيه، وأن الراجح عدم انعقاده، وحديث الباب دليل واضح في ذلك، ويدلّ عليه أيضًا حديث ابن عباس ﵄، قال: بينا النبي ﷺ ، يخطب، إذا هو برجل قائم، فسأل عنه؟ فقالوا، أبو إسرائيل، نذر أن يقوم، ولا يقعد، ولا يستظلّ، ولا يتكلم، ويصوم، فقال النبيّ ﷺ : "مُرْهُ، فليتكلم، وليستظل، وليقعد، ولْيُتِمّ صومه".
فقد أمره ﷺ بالطاعة، وهو إتمام صومه، وأسقط عنه المباح، وهو عدم الكلام، والاستظلال، والقعود، فدلّ على أن النذر لا ينعقد في المباح، وأصرح منه ما أخرجه أحمد في "مسنده"، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه، أن رسول اللَّه ﷺ ، أدرك رجلين، وهما مقترنان يمشيان إلى البيت، فقال رسول اللَّه ﷺ : "ما بالُ القران"، قالا: يا رسول اللَّه، نذرنا أن نمشي إلى البيت، مقترنين، فقال رسول اللَّه ﷺ : "ليس هذا نذرا، فقطع قرانهما"، وفي رواية: "إنما النذر ما ابتُغي به وجه اللَّه ".
وهذا، وإن كان في سنده ابن أبي الزناد، وهو متكلّم فيه، إلا أنه يشهد له حديث الباب، وحديث ابن عبّاس ﵄ المذكور.
وبهذا قال مالك، والشافعيّ -رحمهما اللَّه تعالى- حيث قالا: لا ينعقد نذر المباح، وهو الأصحّ؛ للأدلّة المذكورة، وخالف في ذلك أحمد بن حنبل -رحمه اللَّه تعالى-،