← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 12888

ذخيرة العقبى في شرح المجتبى

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (19 271 стр.). Показаны 15261–15300 · переход к 15266.

стр. 15261

[تنبيه]: قال النوويّ: وبع في أكثر نسخ مسلم: "ولا يُتَّمنون" بتشديد المثنَّاة، قال غيره: هو نظير قوله:، "ثم يَتَّزِر" موضع قوله؛ "يأتزِر"، وادّعى أنه شاذ، ولكن قرأ ابن مُحيصن: "فليؤدّ الذي اتُّمِنَ أمانته"، ووجهه ابن مالك بأنه شُبّه بما فاؤه واو، أو تحتانيّةٌ، قال: وهو مقصور على السماع. (وَيَشْهَدُونَ، وَلَا يُسْتَشْهَدُونَ) ببناء الأول للفاعل، والثاني للمفعول. قال في "الفتح": يحتمل أن يكون المراد التحمّل بدون التحميل، أو الأداء بدون طلب، والثاني أقرب. ويعارضه ما رواه مسلم من حديث زيد بن خالد ﵁، مرفوعًا: "ألا أُخبركم بخير الشهداء؟ الذي يأتي بالشهادة قبل أن يُسألها". واختَلَف العلماءُ في ترجيحهما، فجنح ابن عبد البرّ إلى ترجيح حديث زيد بن خالد ﵁؛ لكونه من رواية أهل المدينة، فقدّمه على رواية أهل العراق، وبالغ، فزعم أن حديث عمران ﵁ هذا لا أصل له. وجنح غيره إلى ترجيح حديث عمران ﵁ لاتفاق صاحب الصحيح عليه، وانفراد مسلم بإخراج حديث زيد بن خالد ﵁. وذهب آخرون إلى الجمع بينهما، فأجابوا بأجوبة: [أحدها]: أن المراد بحديث زيد من عنده شهادة لإنسان بحقّ، لا يَعلَم صاحبها، فيأتي إليه، فيُخبره بها، أو يموت صاحبها العالم بها، ويَخلُف ورثةً، فيأتي الشاهد إليهم، أو إلى من يتحدّث عنهم، فيُعلمهم بذلك. وهذا أحسن الأجوبة، وبهذا أجاب يحيى بن سعيد، شيخ مالك، ومالك، وغيرهما. أثانيها،: أن المراد شهادة الْحِسْبَة، وهي ما لا يتعلّق بحقوق الآدميين المختصّة بهم محضا، ويدخل في الحِسْبة مما يتعلّق بحق اللَّه، أو فيه شائبة منه، الْعَتَاق، والوقف، والوصية العامّة، والعدّة، والطلاق، والحدود، ونحو ذلك. وحاصله أن المراد بحديث ابن مسعود ﵁ الشهادة في حقوق الآدميين، والمراد بحديث زيد بن خالد الشهادة في حقوق اللَّه. [ثالثها]: أنه محمولٌ على المبالغة في الإجابة إلى الأداء، فيكون لشدّة استعداده لها كالذي أدّاها قبل أن يُسألها، كما يقال في وصف الجواد: إنه ليُعطي قبل الطلب، أي يُعطي سريعًا عقب السؤال من غير توقّف. وهذه الأجوبة مبنيّةٌ على أن الأصل في أداء الشهادة عند الحاكم أن لا يكون إلا بعد الطلب من صاحب الحقّ، فيُخصّ ذمّ من يشهد قبل أن يُستشهد بمن ذُكر ممن يُخبر بشهادة عنده لا يَعلم صاحبها بها، أو شهادة الحسبة. وذهب بعضهم إلى جواز أداء الشهادة قبل السؤال على ظاهر عموم حديث زيد بن خالد ﵁، وتأوّلوا حديث عمران ﵁ بتأويلات:

стр. 15262

[أحدها]: أنه محمول على شهادة الزُّور، أي يؤدّون شهادة لم يَسبق لهم تحمّلها. وهذا حكاه الترمذيّ عن بعض أهل العلم. [ثانيها]: المراد بها الشهادة في الحلف، يدلّ عليه قول إبراهيم النخعيّ في آخر حديث ابن مسعود ﵁: "كانوا يضربوننا على الشهادة"، أي قول الرجل أشهد باللَّه ما كان إلا كذا على معنى الحلف، فكره ذلك، كما كُره الإكثار من الحلف، واليمين قد تُسمّى شهادة، كما قال اللَّه تعالى: ﴿فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ﴾ [النور: ٦]. وهذا جواب الطحاويّ. [ثالثها]: المراد بها الشهادة على المغيب من أمر الناس، فيشهد على قوم أنهم في النار، وعلى قوم أنهم في الجنّة بغير ذلك، كما صنع ذلك أهل الأهواء. حكاه الخطّابيّ. [رابعها]: المراد به من ينتصب شاهدًا, وليس من أهل الشهادة. [خامسها]: المراد به التسارع إلى الشهادة، وصاحبها بها عالمٌ من قبل أن يسأله. واللَّه تعالى أعلم (١). (وَيَنْذِرُونَ) بكسر الذال، وضمّها، من بابي ضرب، ونصر، مبنيًّا للفاعل (وَلَا يُوفُونَ) مضارع أوفى رباعيًّا، ويحتمل أن يكون من وفّى مضعّف العين، من التوفية، وفي رواية البخاريّ: "ولا يَفُون" بفتح أوله، وضمّ ثالثه، من الوفاء ثلاثيًّا، قال ابن الأثير: يقال: وفَى بالشيء، وأوفَى، ووَفى بمعنى. انتهى. (٢). وقال الفيّوميّ: وفَيتُ بالعهد، والوعد، أَفِي به وَفَاءً، والفاعل وَفِيٌّ، والجمعُ أوفياءُ، مثلُ صَديق وأصدقاء، وأوفيتُ به إيفاءً، وقد جمعهما الشاعر، فقال [من البسيط]: أَمَّا ابْنُ طَوْقٍ فَقَد أَوْفَى بِذِمَّتِهِ … كَمَا وَفَى بِقِلَاصِ النَّجْمِ حَادِيَها وقال أبو زيد: أوفَى نذْره: أحسن الإيفاء، فجعل الرباعيّ يتعدّى بنفسه. وقال الفارابيّ أيضًا: أوفيته حقَّهُ، ووفّيته، إياه بالتثقيل، وأوفَى بما قال، ووفى بمعنى. انتهى (٣). (وَيَظْهَرُ) بفتح أوله، وثالثه، من باب فتح (فِيهِمُ السِّمَنُ) -بكسر السين المهملة، وفتح الميم، آخره نون، وزان عِنَب- يقال: سَمِن يَسمَن، من باب تعِبَ، وفي لغة من باب قَرُب: إذا كثُر لحمه وشحمه، فهو سَمِينٌ، وجمعه سِمان. أفاده في "المصباح".

стр. 15263

والمعنى أنهم يُحبّون التوسّع في المآكل والمشارب، وهي أسباب السمن. قال ابن التين: المراد ذم محبته، وتعاطيه، لا من تخلّق بذلك. وقيل: المراد يظهر فيهم كثرة المال. وقيل: المراد أنهم يتسمّنون، أي يتكثّرون بما ليس فيهم، ويدّعون ما ليس لهم من الشرف. ويحتمل أن يكون جميع ذلك مرادًا. وقد رواه الترمذيّ من طريق هلال بن يساف، عن عمران بن حُصين ﵁ بلفظ: "ثم يجيء قوم يتسمّنون، ويُحبّون السِّمَن"، وهو ظاهر في تعاطي السِّمَن على حقيقته، فهو أولى ما حُمِل عليه خبر الباب، وإنما كان مذمومًا؛ لأن السمين غالباً بليد اللهم، ثقيلٌ عن العبادة، كما هو مشهور. قاله في "الفتح" (١). وفي حديث أبي هريرة ﵁ عند مسلم: "ثم يخلُفُ قومٌ يُحبْون السَّمَانةَ، يشهدون قبل أن يُستشهدوا". قال النوويّ: السمانة بفتح السين هي السِّمَن، قال جمهور العلماء في معنى هذا الحديث: المراد بالسمن هنا كثرة اللحم، ومعناه أنه يكثُر ذلك فيهم، وليس معناه أن يتمحّضوا سمانًا، قالوا: والمذموم منه من يستكسبه، وأما من هو فيه خلقَة، فلا يدخل في هذا، والمتكسب له هو المتوسّع في المأكول، والمشروب زائدًا على المعتاد. انتهى (٢). وفي حديث عبد اللَّه بن مسعود ﵁ عند الشيخين: "ثم يجيء قوم، تسبِق شهادة أحدهم يمينه، ويمينه شهادته". قال في "الفتح": أي في حالين، وليس المراد أن ذلك يقع في حالة واحدة؛ لأنه دورٌ، كالذي يَحرص على ترويج شهادة، فيحلف على صحّتها ليُقوّيها، فتارة يحلف قبل أن يشهد، وتارة يشهد قبل أن يحلف. ويحتمل أن يقع ذلك في حالة واحدة، عند من يُجيز الحلف في الشهادة، فيريد أن يشهد، ويحلف. وقال ابن الجوزيّ: المراد أنهم لا يتورّعون، ويَستهينون بأمر الشهادة واليمين. وقال ابن بطّال: يُستدلّ به على أن الحلف في الشهادة يُبطلها، قال: وحكى ابن شعبان في "الزاهي": من قال: أشهد باللَّه أن لفلان على فلان كذا، لم تقبل شهادته؛ لأنه حلف، وليس بشهادة. قال ابن بطال: والمعروف عن مالك خلافه. انتهى (٣). (قَالَ: أبُو عَبْد الرَّحْمَنِ) النسائيّ -رحمه اللَّه تعالى- (هَذَا) الراوي عن زهدم بن مضرّب (نَصْرُ ابْنُ عِمْرَانَ، أَبُو جَمْرَةَ) بالجيم، والراء. وإنما نصّ عليه لئلا يشتبه بأبي حمزة

стр. 15264

بالحاء المهملة، والزاي، وهم جماعة، فإن شعبة -رحمه اللَّه تعالى- يروي عن سبعة كلهم يكنى بأبي حمزة بالحاء، والزاي، إلا واحدًا، فإنه بالجيم، والراء، وهو الذي في هذا السند، وإلى ذلك أشار السيوطيّ في "ألفية الحديث": وَعَنْ أَبِي حَمْزَةَ يَروِي شُعْبَةُ … عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِزَايِ عِدَّةُ إِلَّا أَبَا جَمرَةَ فَهوَ بِالرَّا … وَهوَ الَّذِي يُطْلَقُ يُدْعَى نَصْرَا واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث عمران حُصين ﵄ هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٢٩/ ٣٨٣٦ - وفي "الكبرى" ٦/ ٤٧٥١. وأخرجه (خ) في "الشهادات" ٢٦٥١ و"المناقب" ٣٦٥٠ و"الرقاق" ٦٤٢٨ و"الأيمان والنذور" ٦٦٩٥ (م) في "فضائل الصحابة" ٢٥٣٥ (د) في "السنّة" ٤٦٥٧ (ت) في "الفتن" ٢٢٢١ و ٢٢٢٢ (أحمد) في "مسند البصريين" ١٩٣١٩ و ١٩٣٣٤ و ١٩٤٠ و ١٩٤٥١. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان وجوب الوفاء بالنذر. قال النوويّ -رحمه اللَّه تعالى-: فيه وجوب الوفاء بالنذر، وهو واجبٌ بلا خلاف، وإن كان ابتداء النذر منهيًا عنه، كما سبق في بابه. انتهى (١). (ومنها): بيان فضل الوفاء بالنذر، حيث مُدِحَ به القرونُ المفضلة، وذُمَّ بتركه من بعدهم. (ومنها): أن فيه معجزةً ظاهرةً للنبيّ ﷺ ، فإن كلّ الأمور التي أخبر بها وقعت كما أخبر. (ومنها): استُدلّ به على تعديل أهل القرون الثلاثة، وإن تفاوتت منازلهم في الفضل، وهذا محمولٌ على الغالب، والأكثرية، فقد وُجد فيمن بعد الصحابة من القرنين من وُجدت فيه الصفات المذمومة المذكورة، لكن بقلّة، بخلاف من بعد القرون الثلاثة، فإن ذلك كثُر فيهم، واشتهر. (ومنها): أن فيه بيان من تُردّ شهادتهم، وهم من اتصف بالصفات المذكورة، وإلى ذلك الإشارة بقوله ﷺ : "ثم يفشو الكذب"، أي يكثر. (ومنها): أنه استُدلّ به على جواز المفاضلة بين الصحابة. قاله المازريّ.

стр. 15265

(ومنها): أنه استدُل بقوله: "يشهدون، ولا يُستشهدون" على أن من سمع رجلاً يقول: لفلان عندي كذا، فلا يسوغ له أن يشهد عليه بذلك، إلا أن استشهده، وهذا بخلاف من رأى رجلاً يقتل رجلاً، أو يغصبه ماله، فإنه يجوز له أن يشهد بذلك، وإن لم يَستشهده الجاني (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعتُ، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكّلتُ، وإليه أنيب". … ٣٠ - (النَّذْرُ فِيمَا لَا يُرَادُ بِهِ وَجْهُ اللَّهِ -) قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: ظاهر ترجمة المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- يدلّ على أنه يرى أن النذر إنما يكون في الطاعة، وأما المباح، فلا ينعقد نذره، وقد تقدّم الخلاف بين العلماء فيه، وأن الراجح عدم انعقاده، وحديث الباب دليل واضح في ذلك، ويدلّ عليه أيضًا حديث ابن عباس ﵄، قال: بينا النبي ﷺ ، يخطب، إذا هو برجل قائم، فسأل عنه؟ فقالوا، أبو إسرائيل، نذر أن يقوم، ولا يقعد، ولا يستظلّ، ولا يتكلم، ويصوم، فقال النبيّ ﷺ : "مُرْهُ، فليتكلم، وليستظل، وليقعد، ولْيُتِمّ صومه". فقد أمره ﷺ بالطاعة، وهو إتمام صومه، وأسقط عنه المباح، وهو عدم الكلام، والاستظلال، والقعود، فدلّ على أن النذر لا ينعقد في المباح، وأصرح منه ما أخرجه أحمد في "مسنده"، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه، أن رسول اللَّه ﷺ ، أدرك رجلين، وهما مقترنان يمشيان إلى البيت، فقال رسول اللَّه ﷺ : "ما بالُ القران"، قالا: يا رسول اللَّه، نذرنا أن نمشي إلى البيت، مقترنين، فقال رسول اللَّه ﷺ : "ليس هذا نذرا، فقطع قرانهما"، وفي رواية: "إنما النذر ما ابتُغي به وجه اللَّه ". وهذا، وإن كان في سنده ابن أبي الزناد، وهو متكلّم فيه، إلا أنه يشهد له حديث الباب، وحديث ابن عبّاس ﵄ المذكور. وبهذا قال مالك، والشافعيّ -رحمهما اللَّه تعالى- حيث قالا: لا ينعقد نذر المباح، وهو الأصحّ؛ للأدلّة المذكورة، وخالف في ذلك أحمد بن حنبل -رحمه اللَّه تعالى-،

стр. 15266

فقال: من نذر مباحًا، يتخيّر بين فعله، فيبرّ بذلك، وإن شاء تركه، وعليه كفّارة يمين، وقد بين ذلك ابن قُدامة في "المغني"، فراجعه (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب. ٣٨٣٧ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى, قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ, عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ, قَالَ: حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ الأَحْوَلُ, عَنْ طَاوُسٍ, عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ, قَالَ: مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِرَجُلٍ, يَقُودُ رَجُلاً فِي قَرَنٍ, فَتَنَاوَلَهُ النَّبِيُّ ﷺ , فَقَطَعَهُ, قَالَ: إِنَّهُ نَذْرٌ). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الحديث أخرجه البخاريّ، دون قوله: "إنه نذرٌ"، وقد تقدّم سندًا ومتنًا في "كتاب الحجّ" -١٣٥/ ٢٩٢ - "الكلام في الطواف"، وسبق شرحه هناك مستوفًى، وكذا بيان مسائله، وللَّه الحمد. ودلالته على ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- واضحة، حيث يدلّ أن من نذر ما ليس طاعة لا ينعقد نذره، ولا يلزمه الوفاء به. و"خالد": هو ابن الحارث الهُجَيميّ. و"سليمان الأحول": هو ابن طرخان التيميّ، أبو المعتمر البصريّ الثقة العابد. وقوله: في "قرن" بفتحتين: هو الحبل الذي يُشدّ به. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٨٣٨ - (أَخْبَرَنَا يُوسُفُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ, عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ, قَالَ: أَخْبَرَنِي سُلَيْمَانُ الأَحْوَلُ, أَنَّ طَاوُسًا أَخْبَرَهُ, عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ, أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَرَّ بِرَجُلٍ, وَهُوَ يَطُوفُ بِالْكَعْبَةِ, يَقُودُهُ إِنْسَانٌ بِخِزَامَةٍ فِي أَنْفِهِ, فَقَطَعَهُ النَّبِيُّ ﷺ بِيَدِهِ, ثُمَّ أَمَرَهُ أَنْ يَقُودَهُ بِيَدِهِ. قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: وَأَخْبَرَنِي سُلَيْمَانُ, أَنَّ طَاوُسًا أَخْبَرَهُ, عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ, أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَرَّ بِهِ, وَهُوَ يَطُوفُ بِالْكَعْبَةِ, وَإِنْسَانٌ قَدْ رَبَطَ يَدَهُ بِإِنْسَانٍ آخَرَ بِسَيْرٍ, أَوْ خَيْطٍ, أَوْ بِشَيْءٍ غَيْرِ ذَلِكَ, فَقَطَعَهُ النَّبِيُّ ﷺ بِيَدِهِ, ثُمَّ قَالَ: «قُدْهُ بِيَدِكَ»). قال الجامع عفا اللَّه تعَالى عنه: "يوسف بن سعيد": هو الْمِصّيصيّ الثقة الحافظ [١١] ١٣١/ ١٩٨ من أفراد المصنّف. و"حجاج": هو ابن محمد الأعور المصّيصيّ الحافظ. وقوله: "بخِزامة" بكسر الخاء المعجمة، بعدها زايٌ مخفّفّة: هو حَلْقةٌ من شعر، أو وَبَر، تجُعل في الحاجز الذي بين منخري البعير، يشد فيها الزمام؛ ليسهل انقياده، إذا كان صعبًا. وقوله: "قال ابن جُريج" هو موصول بالسند السابق، وإنما أتى به بيانًا إلى الاختلاف

стр. 15267

الواقع في ألفاظ المتن. وقوله: "بسَير" بسين مهملة، مفتوحة، وياء تحتية ساكنة: هو ما يُقدّ من الجلد. والحديث أخرجه البخاريّ، كما سبق في الحديث الماضي. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعتُ، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكّلتُ، وإليه أنيب". … ٣١ - (النَّذْرُ فِيمَا لَا يَمْلِكُ) قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: غرض المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- بهذا أنه إن نذر بشيء لا يملكه، لا يلزمه الوفاء به، كما هو نصّ حديثي الباب، لكن هل تلزمه الكفّارة، أم لا؟ فيه خلاف، فقال الجمهور: لا، وقال أحمد، والثوريّ، وإسحاق، وبعض طائفة: نعم، وسيأتي تحقيق القول في ذلك، في باب "كفّارة النذر"، إن شاء اللَّه تعالى. ٣٨٣٩ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَيُّوبُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو قِلَابَةَ، عَنْ عَمِّهِ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "لَا نَذْرَ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ، وَلَا فِيمَا لَا يَمْلِكُ ابْنُ آدَمَ"). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه، "محمد بن منصور" الْخُزاعيّ الْجَوّاز المكيّ، فإنه من أفراده، وهو ثقة. و"سفيان": هو ابن عيينة. و"أيوب": هو ابن أبي تميمة كيسان السختيانيّ. و"أبو قلابة": هو عبد اللَّه بن زيد بن عمرو الْجَرْميّ البصريّ. و"عمه": هو أبو الْمُهلَّب الجَرْميّ البصريّ، اسمه عمرو، أو عبد الرحمن، أو ابن عمرو، وقيل: النضر. وقيل: مُعاوية، ثقة [٢] ٢١/ ١٢٣٦. وشرح الحديث تقدّم في -١٧/ ٣٨١٩ - "اليمين فيما لا يملك"، فراجعه تستفد، وباللَّه تعالى التوفيق. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث عمران بن حُصين ﵄ هذا أخرجه مسلم.

стр. 15268

(المسألة الثانية): في مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٣١/ ٣٨٣٩ و ٤١/ ٣٨٦٧ و ٣٨٦٨ و ٣٨٦٩ و ٣٨٧٠ و ٣٨٧١ و ٣٨٧٢ و ٣٨٧٣ و ٣٨٧٤ و ٣٨٧٥ و ٣٨٧٦ و ٣٨٧٨ - وفي "الكبرى" ٨/ ٤٧٥٤. وأخرجه (م) في "النذور والأيمان" ١٦٤١ (د) في "الأيمان والنذور" ٣٢٩٢ و ٣٣١٦ (ق) في "الكفّارات" ٢١٢٤ (أحمد) في "مسند البصريين" ١٩٣٥٥ و ١٩٣٦٢ و ١٩٣٨٢ و ١٩٣٨٧ و ١٩٤٨٣ (الدارمي) في "النذور والأيمان" ٢٣٣٧ و"السير" ٢٥٠٥. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٨٤٠ - (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْمُغِيرَةِ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْأَوْزَاعِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي يَحْيَى، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ ثَابِتِ بْنِ الضَّحَّاكِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ حَلَفَ بِمِلَّةٍ, سِوَى مِلَّةِ الْإِسْلَامِ كَاذِبًا, فَهُوَ كَمَا قَالَ، وَمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِشَيْءٍ فِي الدُّنْيَا, عُذِّبَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلَيْسَ عَلَى رَجُلٍ نَذْرٌ فِيمَا لَا يَمْلِكُ"). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الحديث متّفقٌ عليه، وقد تقدّم في -٧/ ٣٧٩٧ و ٣٧٩٨ - ومضى شرحه، وبيان مسائله هناك، فراجعه تستفد. ورجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح. و"إسحاق بن منصور": هو الكوسج المروزيّ الحافظ. و"أبو المغيرة": هو عبد القدّوس بن الحجّاج الخولانيّ الحمصيّ. و"يحيى": هو ابن أبي كثير. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعتُ، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكّلتُ، وإليه أنيب". … ٣٢ - (مَنْ نَذَرَ أَنْ يَمْشِيَ إِلَى بَيْتِ اللَّهِ تَعَالَى) ٣٨٤١ - (أَخْبَرَنِي يُوسُفُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ، عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ أَبِي أَيُّوبَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، أَخْبَرَهُ أَنَّ أَبَا الْخَيْرِ, حَدَّثَهُ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ، قَالَ: نَذَرَتْ أُخْتِي, أَنْ تَمْشِيَ إِلَى بَيْتِ اللَّهِ, فَأَمَرَتْنِي أَنْ أَسْتَفْتِيَ لَهَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَاسْتَفْتَيْتُ لَهَا النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: "لِتَمْشِ وَلْتَرْكَبْ"). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (يوسف بن سعيد) بن مسلم الْمصِّيصِيُّ، ثقة حافظ [١١] ١٣١/ ١٩٨.

стр. 15269

٢ - (حجاج) بن محمد الأعور، أبو محمد المصيصيّ، ترمذي الأصل، نزل بغداد، ثم المصّيصة، ثقة ثبت، لكنه اختلط في آخر عمره لما قدم بغداد قبل موته [٩] ٢٨/ ٣٢. ٣ - (ابن جريج) عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج الأمويّ مولاهم المكيّ، ثقة فقيه فاضل، يدلس، ويرسل [٦] ٢٨/ ٣٢. ٤ - (سعيد بن أبي أيوب) مِقلاص الخزاعيّ مولاهم، أبو يحيى المصريّ، ثقة ثبت [٧] ٢٧/ ١٨٨. [تنبيه]: وقع في بعض النسخ: "سعيد بن أيوب"، وهو غلط، والصواب: "سعيد ابن أبي أيوب". فتنبّه. واللَّه تعالى أعلم. ٥ - (يزيد بن أبي حبيب) سُويد، أبو رجاء المصريّ، ثقة فقيه، يرسل [٥] ١٣٤/ ٢٠٧. ٦ - (أبو الخير) مرثد بن عبد اللَّه اليزنيّ المصريّ، ثقة فقيه [٣] ٣٨/ ٥٨٢. ٧ - (عقبة بن عامر) الجهنيّ الصحابيّ المشهور، ولي إمرة مصر لمعاوية - رضي اللَّه تعالى عنهما -، وكان فقيهاً فاضلاً، مات في قرب الستين، وتقدم في ١٠٨/ ١٤٤. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سباعيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه من أفراده. (ومنها): أنه مسلسل بالمصريين من سعيد، وابن جريج مكيّ، والباقيان مصّيصيّان. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ) الْجُهَني - رضي اللَّه تعالى عنه -، أنه (قَالَ: نَذَرَتْ أُخْتِي) قال الحافظ: قال المنذريّ، وابن القسطلّاني، والقطب الحلبيّ، ومن تبعهم: هي أمّ حِبّان بنت عامر، وهي -بكسر المهملة، وتشديد الموحّدة- ونسبوا ذلك لابن ماكولا، فوهموا، فإن ابن ماكولا إنما نقله عن ابن سعد، وابن سعد إنما ذكر في طبقات النساء أمّ حبّان بنت عامر بن نابي -بنون، وموحّدة- ابن زيد بن حَرَام -بمهلتين- الأنصارية، قال: وهي أخت عقبة بن عامر بن نابي، شهد بدرًا، وهي زوج حرام بن محيّصة، وكان ذكر قبلُ عقبةَ بنَ عامر بن نابي الأنصاريّ، وأنه شهد بدرًا, ولا رواية له، وهذا كلّه مغايرْ للجُهَنيّ، فإن له رواية كثيرة، ولم يشهد بدرًا, وليس أنصاريًّا، فعلى هذا لم يُعرَف اسم أخت عقبة بن عامر الجهني، وقد كنتُ تبعتُ في "المقدمة" من ذَكَرتُ، ثم

стр. 15270

رجعت الآن عن ذلك، وباللَّه التوفيق. انتهى كلام الحافظ (١). (أَنْ تَمْشِيَ إِلَى بَيْتِ اللَّهِ) زاد في الرواية الآتية في الباب التالي: "نذرت أن تمشي حافية، غير مختمرة"، وزاد الطبريّ من طريق إسحاق بن سالم، عن عقبة بن عامر: "وهي امرأة ثقيلة، والمشي يشُقّ عليها". ولأبي داود من طريق قتادة، عن عكرمة، عن ابن عبّاس: "أن عقبة بن عامر، سأل النبيّ ﷺ ، فقال: إن أخته نذرت أن تمشي إلى البيت، وشكا إليه ضعفها". (فَأَمَرَتْنِي أَنْ أَسْتَفْتِيَ لَهَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ) أي أسأله بيان الحكم، يقال: أفتى العالم: إذا بيّن الحكم، واستفتيته: إذا سألته الفتوى. أفاده الفيّوميّ (فَاسْتَفْتَيْتُ لَهَا النَّبِيَّ) وفي نسخة: "رسول اللَّه" ( ﷺ ، فَقَالَ) ﷺ (لِتَمْشِ) -بكسر اللام، وهي لام الأمر، ولذا جُزم الفعل بعدها- وفي نسخة: "لتمشي" بثبوت الياء، وهذا على لغة من يحذف الحركة المقدّرة على حروف العلة في المعتلّ، كما في قول الشاعر: وَتَضحَكُ مِنِّي شَيْخَةٌ عَبشَمِيَّةٌ … كَأَنْ لَمْ تَرَى قَبْلي أَسِيرًا يَمَانِيَا وخرّج بعضهم عليه قراءة قنبل: ﴿إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ﴾ [يوسف: ٩٠] بالياء، وجزم ﴿وَيَصْبِرْ﴾ (٢). (وَلْتَرْكَبْ) بكسر اللام، ويجوز تسكينها تخفيفا، تشبيهًا لها بكتف، والتسكين بعد الواو والفاء أكثر، وتحريكها بعد "ثُمّ" أجود، وبنو سُليم يفتحونها كلام الابتداء (٣). قال النوويّ: معناه: تمشي في وقت قدرتها على المشي، وتركب إذا عجزت عن المشي، أو لحقتها مشقّةٌ ظاهرة، فتركب. وفي رواية عبد اللَّه بن مالك في الباب الآتي: "فلتختمر، ولتركب، ولتصم ثلاثة أيام". وروى مسلم عقب هذا الحديث حديث عبد الرحمن بن شِمَاسة -وهو بكسر المعجمة، وتخفيف الميم، بعدها مهملة- عن أبي الخير، عن عُقبة بن عامر ﵁، رفعه: "كفارة النذر كفّارة اليمين"، قال الحافظ: ولعلّه مختصرٌ من هذا الحديث، فإن الأمر بصيام ثلاثة أيام هو أحد أوجه كفّارة اليمين. لكن وقع في رواية عكرمة المذكورة: قال: "فلتركب، ولتهد بدنة". قاله في "الفتح" (٤).

стр. 15271

وقال في موضع آخر: وإنما أمر الناذر في حديث أنس ﵁ (١) أن يركب جزمًا، وأمر أخت عقبة أن تمشي، وأن تركب؛ لأن الناذر في حديث أنس كان شيخًا ظاهر العجز، وأُخت عقبة لم توصف بالعجز، فكأنه أمرها أن تمشي إن قدرت، وتركب إن عجزت، وبهذا ترجم البيهقيّ للحديث، وأورده في بعض طرقه من رواية عكرمة، عن ابن عبّاس: أن أخت عقبة نذرت أن تحُجّ ماشية، فقال: "إن اللَّه غنيّ عن مشي أختك، فلتركب، ولتُهد بدنة". وأورده من طريق أخرى بلفظ: "ولتُهد هديًا"، ووهم من نسب إليه أنه أخرج هذا الحديث بلفظ: "ولتهد بدنة". وأورده من طريق أخرى عن عكرمة بغير ذكر الهدي. وأخرجه الحاكم من حديث ابن عبّاس بلفظ: جاء رجلٌ، فقال: إن أختي حلفت أن يتمشي إلى البيت، وإنه يشق عليها المشي، فقال: "مُرْها، فلتركب إذا لم تستطع أن تمشي، فما أغنى اللَّه أن يشقّ على أختك". ومن طريق كريب، عن ابن عبّاس: جاء رجل، فقال: يا رسول اللَّه، إن أختي نذرت أن تحُجّ ماشيةٌ، فقال: "إن اللَّه لا يصنع بشقاء أختك شيئًا، لتحُج راكبةً، ثم لتكفّر يمينها". وأخرجه أصحاب السنن من طريق عبد اللَّه بن مالك، عن عقبة بن عامر ﵁، قال: نذرت أختي أن تحُجّ ماشيةٌ, غير مختصرة، فذكرتُ ذلك لرسول اللَّه ﷺ ، فقال: "مُر أختك، فلتختمر، ولتركب، ولتصُم ثلاثة أيام". ونقل الترمذيّ، عن البخاريّ أنه لا يصحّ فيه الهدي. وقد أخرج الطبرانيّ من طريق أبي تَميم الجَيْشانيّ، عن عقبة بن عامر ﵁ في هذه القصّة: نذرت أن تمشي إلى الكعبة حافيةٌ، حاسرةَ، وفيه: "لتركب، ولتلبس، ولتصم". وللطحاويّ من طريق أبي عبد الرحمن الحُبُليّ، عن عقبة نحوه. وأخرج البيهقيّ بسند ضعيف، عن أبي هريرة ﵁: بينما رسول اللَّه ﷺ يسير في جوف الليل، إذ بصر بخيال، نفرت منه الإبل، فهذا امرأة عريانه، نافضةٌ شعرها، فقالت: نذرتُ أن أحجّ ماشيةً عريانةً، نافضة شعري، فقال: "مرها، فلتلبس ثيابها, ولتُهرق دمًا". وأورد من طريق الحسن، عن عمران، رفعه: "إذا نذر أحدكم أن يحجّ ماشيًا، فليُهد هديًا, وليركب"، وفي سنده انقطاع. انتهى (٢). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.

стр. 15272

مسائل تتعلق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث عقبة بن عامر ﵁ هذا أخرجه متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٣٢/ ٣٨٤١ و ٣٣/ ٣٨٤١ - وفي "الكبرى" ٩/ ٤٧٥٦ و ١٠/ ٤٧٥٧. وأخرجه (خ) في "الحجّ" ١٨٦٦ (م) في "النذور والأيمان" ١٦٤٤ (د) في "الأيمان والنذور"٣٢٩٣ و ٣٢٩٩ (ت) في "النذور والأيمان" ١٥٤٤ (ق) في "الكفّارات" ٢١٣٤ (أحمد) في "مسند الشاميين" ١٦٨٤٠ و ١٦٨٥٥ و ١٦٨٧٩ و ١٦٨٩٧ و ١٦٩٢٤ و ١٦٩٣٥ و ١٧٣٣٨ (الدارمي) في "النذور والأيمان" ٢٣٣٤. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان حكم من نذر المشي إلى بيت اللَّه تعالى، وذلك أنه يلزمه المشي، إن قدر، وإلا ركب، وكفّر، كما تدلّ عليه الرواية الآتية في الباب التالي: "ولتصُم ثلاثة أيام"، إلا أنها ضعيفة، والصحيح أمرها بالهدي. (ومنها): جواز النذر من المرأة، كما يجوز من الرجل. (ومنها): عدم انعقاد النذر في المعصية، فإنه ﷺ أمرها بالاختمار؛ لأن تكشّف المرأة معصية. (ومنها): جواز النذر بالحج والعمرة. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب. (المسألة الرابعة): في أقوال أهل العلم فيمن نذر المشي إلى بيت اللَّه الحرام: قال ابن قُدامة -رحمه اللَّه تعالى-: من نذر المشي إلى بيت اللَّه الحرام لزمه الوفاء بنذره. وبهذا قال مالك، والأوزاعيّ، والشافعيّ، وأبو عُبيد، وابن المنذر، ولا نعلم فيه خلافًا. وذلك لأن النبيّ ﷺ قال: ولا تشدّ الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى". متّفقٌ عليه. قال: ولا يجزئه المشي إلا في حجّ، أو عمرة، وبه يقول الشافعيّ، ولا أعلم فيه خلافًا، وذلك لأن المشي المعهود في الشرع هو المشي في حجّ، أو عمرة، فإذا أطلق الناذر حُمل على المعهود الشرعيّ، ويلزمه المشي فيه؛ لنذره المشي، فإن عجز عن المشي ركب، وعليه كفّارة يمين. وعن أحمد رواية أخرى أنه يلزمه دم، وهو قول الشافعيّ، وأفتى به عطاء؛ لما روى ابن عبّاس ﵁: "أن أخت عقبة بن عامر ﵁ نذرت المشي إلى بيت اللَّه الحرام، فأمرها النبيّ ﷺ تركب، وتُهدي هديًا". رواه أبو داود، وفيه ضعف. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: سيأتي أنه حديث صحيح، فتنبّه. قال: ولأنه أخلّ بواجب في الإحرام، فلزمه هديٌ، كتارك الإحرام من الميقات.

стр. 15273

وعن ابن عمر، وابن الزبير ﵄ قالا: يحج من قابل، ويركب ما مشى، ويمشي ما ركب، ونحوه عن ابن عبّاس، وزاد، فقال: ويهُدي. وعن الحسن مثل الأقوال الثلاثة. وعن النخعي روايتان: إحداهما كقول ابن عمر. والثانية كقول ابن عبّاس. وهذا قول مالك. وقال أبو حنيفة: عليه هديٌ، سواء عجز عن المشي، أو قدر عليه، وأقلّ الهدي شاة. وقال الشافعيّ. لا يلزمه مع العجز كفّارة بحال، إلا أن يكون النذر مشيًا إلى بيت اللَّه الحرام، فهل يلزمه هديٌ، فيه قولان. وأما غيره، فلا يلزمه مع العجز شيء. قال: ولنا قول النبيّ ﷺ حين قال لأخت عقبة بن عامر لما نذرت المشي إلى بيت اللَّه الحرام: "لتمش، ولتركب، ولتكفّر عن يمينها"، وفي رواية: "ولتصم ثلاثة أيام"، وقول النبيّ ﷺ : "كفّارة النذر كفّارة اليمين". انتهى كلام ابن قُدامة باختصار (١). وقال القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى-: وأما من خوطب بالمشي، فركب لموجب مرض، أو عجز، فيجب عليه الهدي، عند الجمهور، وقال الشافعيّ: لا يجب عليه الهدي، وُيختار له الهدي. وروي عن ابن الزبير أنه لم يجعل عليه هديًا، متمسّكًا بما قررناه من الظاهر. وقد تمسّك الجمهور بزيادة رواها أبو داود، والطحاويّ في حديث عقبة، وهذا لفظه: قال عقبة بن عامر: إنه أتى النبيّ ﷺ ، فأخبره أن أخته نذرت أن تمشي إلى الكعبة، حافيةً، ناشرة شعرها، فقال له النبيّ ﷺ : "مُرها، فلتركب، ولتختمر، ولتُهد هديًا". وعند أبي داود: بدنة، وليس فيه "ناشرة شعرها"، وزيادة الهدي رواها عن النبيّ ﷺ مع عقبة بن عامر ابنُ عبّاس، ورواها عنهما الثقات، فلا سبيل إلى ردّها، وليس سكوت من سكت عنها حجة على من نطق بها، وقد عمل بها من السلف، وغيرهم. انتهى كلام القرطبيّ (٢). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: عندي أن ما ذهب إليه من قال بوجوب الهدي هو الأرجح؛ لصحّة الحديث بذلك، كما سمعته من كلام القرطبيّ، وكما سيأتي أيضًا تحقيقه في الباب التالي، إن شاء اللَّه تعالى، وأما حديث: "ولتصم ثلاثة أيام"، فإنه ضعيف، وأما حديث "كفّارة النذر كفّارة يمين" (٣) فسيأتي الكلام فيه في بابه، إن شاء اللَّه تعالى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب. (المسألة الخامسة): قال أبو العبّاس القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى-: لم يَرِد فيما صحّ من الحديث أكثر من هذين اللفظين: "إلى بيت اللَّه"، و"إلى الكعبة"، وألحق العلماء بهما ما في معناهما، مثل أن يقول: إلى مكة، أو ذكر جزءًا من البيت. وهذا قول مالك،

стр. 15274

وأصحابه، واختلف أصحابه فيما إذا قال: "إلى الحرم"، أو مكانًا من مدينة مكة، أو المسجد، هل يرجع إلى البيت، أم لا؟ على قولين. وقال الشافعيّ: من قال: عليّ المشي إلى شيء مما يشتمل عليه الحرم لزمه، وإن ذكر ما خرج عنه لم يلزمه. وبه قال أبو يوسف، ومحمد بن الحسن، وابن حبيب من المالكيّة، إلا إذا ذكر عرفات، فيلزمه، وإن كانت خارج الحرم. وقال أبو حنيفة: لا يلزمه في هذا مشيٌ، ولا مسيرٌ في القياس، لكن الاستحسان في قوله: إلى بيت اللَّه، أو الكعبة، أو مكة فقط، وكل هذا إذا ذكر المشي، فلو قال: عليّ المسير إلى مكة، أو الانطلاق، أو الذهاب، فلا شيء عليه، إلا أن يقول: في حجّ، أو عمرة، أو ينويهما. وتردّد قول مالك في الركوب، وأوجب أشهب الحجّ والعمرة فيهما، كالمشي. وكل هذا إذا ذكر مكة، أو موضعًا منها على ما فصّلناه. فلو قال: عليّ المشي إلى مسجد من المساجد الثلاثة، لم يلزمه المشي عند ابن القاسم، بل المضيّ إليها. وقال ابن وهب: يلزمه المشي، وهو القياس، ولو قال: إلى مسجد غير هذه الثلاثة قال ابن الموّاز: إن كان قريبًا كالأميال، لزمه المشي إليه، وإن كان بعيدًا لم يلزمه. انتهى كلام القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى- (١). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: عندي أن من نذر إلى أحد المساجد الثلاثة يلزمه الوفاء به، وأما ما عداها من المساجد، فلا يُشرع النذر بالمشي إليها؛ للحديث المتّفق عليه: "لا تشدّ الرحال، إلا إلى ثلاثة مساجد … " الحديث، كما تقدّم، فيكون النذر إلى غيرها غير طاعة، فلا يلزم؛ لما ذُكر. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعتُ، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكّلتُ، وإليه أنيب". … ٣٣ - (إِذَا حَلَفَتِ الْمَرْأَةُ لِتَمْشِيَ حَافِيَةً, غَيْرَ مُخْتَمِرَةٍ) ٣٨٤٢ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ, وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَا: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ زَحْرٍ، وَقَالَ عَمْرٌو: إِنَّ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ زَحْرٍ أَخْبَرَهُ، أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ أَخْبَرَهُ, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ عُقْبَةَ بْنَ عَامِرٍ، أَخْبَرَهُ, أَنَّهُ سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ ,

стр. 15275

عَنْ أُخْتٍ لَهُ, نَذَرَتْ أَنْ تَمْشِيَ حَافِيَةً, غَيْرَ مُخْتَمِرَةٍ, فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : "مُرْهَا فَلْتَخْتَمِرْ، وَلْتَرْكَبْ، وَلْتَصُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ"). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "يحيى بن سعيد" الأول: هو القطّان، والثاني: هو الأنصاريّ. و"عُبيد اللَّه بن زَحْر" -بفتح الزاي، وسكون الحاء المهملة- الضمريّ مولاهم الإفريقي، وُلد بإفريقية، ودخل العراق في طلب العلم، لَيِّن الحديث (١) [٦]. قال حرب بن إسماعيل: سألت أحمد عنه، فضعّفه. وقال ابن أبي خيثمة وغيره، عن ابن معين: ليس بشيء. وقال عثمان الدارميّ، عن ابن معين: كلّ حديثه عندي ضعيف. وقال أبو الحسن بن البراء، عن ابن المدينيّ: منكر الحديث. وقال الآجريّ، عن أبي داود: سمعت أحمد -يعني ابن صالح- يقول: عبيد اللَّه زحر ثقة. وقال أبو زرعة: لا بأس به صدوق. وقال الحاكم: لين الحديث. وقال النسائيّ: ليس به بأس. وقال ابن عديّ: ويقع في أحاديثه ما لا يُتابع عليه، وأروى الناس عنه يحيى بن أيوب. وقال الخطيب: كان رجلاً صالحًا، وفي حديثه لينٌ. ونقل الترمذيّ في "العلل" عن البخاريّ أنه وثّقه. وقال البخاريّ في "التاريخ": مقارب الحديث، ولكن الشأن في عليّ بن يزيد. وقال الحربيّ: غيره أوثق منه. وقال أبو مسهر: هو صاحب كلّ مُعضلة، وإن ذلك لبيّنٌ على حديثه. وقال العجليّ: يُكتب حديثه. وقال الدارقطنيّ: ضعيف. وقال ابن حبّان: يروي الموضوعات عن الأثبات، فإذا روى عن عليّ بن يزيد أتى بالطامّات، وإذا اجتمع في إسناد خبر عبيدُ اللَّه بن زخر، وعدي بن يزيد، والقاسم أبو عبد الرحمن، لم يكن متن ذلك الخبر إلا مما عملته أيديهم. انتهى. قال الحافظ: وليس في الثلاثة من اتُّهم إلا عليّ بن يزيد، وأما الآخران، فهما في الأصل صدوقان، وإن كانا يُخطئان، ولم يخرج البخاريّ من رواية ابن زحر عن عليّ بن يزيد شيئًا. انتهى. روى له البخاريّ في "الأدب المفرد"، والأربعة، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط. و"عبد اللَّه بن مالك" اليحصُبيّ -بفتح التحتانيّة، وسكون المهملة، وفتح الصاد المهملة، بعدها موحّدة- المقرئ المصريّ، يقال: هو أبو تميم الجيشانيّ، صدوق [٣]. روى عن عقبة بن عامر في النذر. وعنه أبو سعيد جُعثُل بن هاعان. ذكره ابن حنان في "الثقات". وفرّق أبو حاتم بينه، وبين أبي تميم الجيشاني. وفرّق بينهما أيضًا ابن

стр. 15276

حبّان تبعا للبخاريّ. واضطرب فيه كلام الحافظ المزيّ، فصوّب في "تهذيب الكمال" قول من وحد بينهما، وصوّب في "الأطراف" قول من فرَّق بينهما، والذي يظهر أن الفرق أرجح. روى له الأربعة، وليس له في هذا الكتاب غير هذا الحديث. و"أبو سعيد": هو جُعْثُل-بضمّ الجيم، والمثلثة، بينهما عين مهملة ساكنة- ابن هاعان -بتقديم الهاء- ابن عمرو الرُّعَيْنيّ -براء مضمومة، وعين مهملة، مصغّرًا - القِتباني -بكسر القاف، وسكون المثنّاة، بعدها موحّدة- المصريّ، صدوقٌ فقيه [٤]. روى عن أبي تميم الجيشانيّ. وعنه عبيد اللَّه بن زحر الإفريقي، وبكر بن سوادة الجُذَاميّ. قال ابن يونس: كان عمر بن عبد العزيز بعثه إلى المغرب ليقرئهم القرآن، وكان أحد القرّاء الفقهاء، وكان قاضي الجند بإفريقية لهشام، وتوفي في أول خلافته قريبًا من سنة (١١٥). وقال أبو العرب في "طبقات علماء القيروان": كان تابعيًّا. وذكره ابن حيّان في "الثقات". روى له الأربعة حديث الباب فقط. [تنبيه]: سقط من سند نسخ "المجتبى" ذكر أبي سعيد هذا، وذكره في "الكبرى"، وكذا ذُكر عند أبي داود-٣٢٩٣ - ، والترمذيّ - ١٥٤٤ - ، وابن ماجه-٢١٣٤ - ، وهو الصواب، كما تفيده كتب الرجال، والأطراف (١). فتنبّه. واللَّه تعالى أعلم. وقوله: "غير مختمرة" أي غير ساترة رأسها بالخمار، وقد أمرها بالاختمار والاستتار؛ لأن تركه معصية، لا نذر فيه، وأما المشي حافيًا، فإنه مباح، وقد سبق أن الأرجح أن النذر لا يكون في الأشياء المباحات، ومن يرى صحّة النذر في المباح يؤول الحديث بأنها لعلها عجزت عن المشي، واللازم حينئذ الهدي، فلعله تركه الراوي اختصارًا، وأما الأمر بالصوم فمبني على أن الكفّارة للنذر بمعصية كفارة اليمين. وقيل: عجزت عن الهدي، فأمرها بالصوم لذلك. وكل هذه التأويلات فيها نظر، والصحيح أن الأمر بالصوم لا يصحّ سنده، فلا يصلح للاحتجاج به. فتنبّه. والحديث سبق شرحه، ومسائله في الباب الماضي، وهو حديث ضعيف؛ لضعف عبيد اللَّه بن زحر، فإن الأكثرين على تضعيفه، ولا سيّما عند المخالفة، كما في هذا الحديث. [فإن قلت]: لم يتفرد به عبيد اللَّه بن زَحر، فقد تابعه بكر بن سوادة عند أحمد ٤/ ١٤٧. [قلت]: هذه المتابعة في سندها عبد اللَّه بن لَهِيعة، وهو ضعيف بعد احتراق كتبه، فلا تصلح متابعته، لا سيما وقد جاء الحديث من طريق أخرى عن عقبة، وليس فيه ذكر

стр. 15277

الصوم. فقد أخرجه البخاريّ، وأبو داود، والمصنّف، وغيرهم، من طريق يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الخير، عنه بلفظ: "لتمش، ولتركب". وله شاهد من حديث ابن عبّاس: "أن النبيّ ﷺ لما بلغه أن أخت عقبة بن عامر نذرت أن تحُجّ ماشية، قال: "إن اللَّه لغنيّ عن نذرها، مُرها، فلتركب". أخرجه أبو داود من طريق هشام، وسعيد، كلاهما عن قتادة، عن عكرمة، عن ابن عبّاس. وتابعهما همّام، عن قتادة به إلا أنه زاد: "وتهُدي هديًا". أخرجه أبو داود، والدارميّ، وابن الجارود، والبيهقيّ من طريق أبي الوليد الطيالسيّ، ثنا همام به. قال الحافظ في "التلخيص": ٤/ ١٨٧: وإسناده صحيح. وأخرجه أحمد من طرق أخرى عن همّام به، إلا أنه قال: "ولتهد بدنة". وتابعه مطر الوراق، عن عكرمة به. أخرجه أبو داود، والبيهقيّ، ومطر كثير الخطأ. وتابعه مطرّف ابن طَريف، إلا أنه قال: عن عكرمة، عن عقبة بن عامر الجهني، قال: نذرت أختي أن تمشي إلى الكعبة، فقال رسول اللَّه ﷺ : "إن اللَّه لغنيّ عن مشيها، لتركب، ولتُهد بدنة". أخرجه أحمد ٤/ ٢٠١ - : ثنا عفان، قال: ثنا عبد العزيز بن مسلم، قال: ثنا مطرف. وهذا إسناد صحيح على شرط الشيخين، ومطرف بن طريف ثقة فاضل، فلا تضرّه مخالفته لغيره، ويحتمل أن يكون عكرمة حدّث به على الوجهين، مرّةً عن ابن عبّاس، وأخرى عن عقبة، وقد أجاد الشيخ الألباني في البحث في هذه الطرق في كتابه "إرواء الغليل" ٨/ ٢١٨ - ٢٢١، فراجعه تستفد. والحاصل أن الصحيح رواية "ولتهد بدنة"، وأما الصوم فلم يأت من طريق تقوم به الحجة، فلا يعارض رواية الهدي. فتنبّه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعتُ، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكّلتُ، وإليه أنيب". … ٣٤ - (مَنْ نَذَرَ أَنْ يَصُومَ ثُمَّ مَاتَ قَبْلَ أَنْ يَصُومَ) أي هل يُشرع قضاؤه عنه، أم لا؟. ٣٨٤٣ - (أَخْبَرَنَا بِشرُ بْنُ خَالِدِ الْعَسْكَرِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ شُعْبَةَ،

стр. 15278

قَالَ: سَمِعْتُ سُلَيْمَانَ يحَدِّثُ، عَنْ مُسْلِمِ الْبَطِينِ (١)، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيرٍ، عَن ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: رَكِبَتِ امْرَأَةْ الْبَحْرَ، فَنَذَرَتْ أَنْ تَصُومَ شَهْرًا، فَمَاتَتْ قَبلَ أَنْ تَصُومَ، فَأَتَتْ أُخْتُهَا النَّبِيَّ ﷺ ، وَذَكَرَتْ ذَلِكَ لَهُ، فَأَمَرَهَا أَنَّ تَصُومَ عَنْهَا). رجال الإسناد: سبعة: ١ - (بشر بن خالد العسكريّ) أبو محمد الفرائضيّ، نزيل البصرة، ثقة يُغرب [١٠] ٢٦/ ٨١٢. ٢ - (محمد بن جعفر) المعروف بغندر، أبو عبد اللَّه البصريّ، ثقة صحيح الكتاب، إلا أن فيه غفلةً [٩] ٢١/ ٢٢. ٣ - (شعبة) بن الحجاج بن الورد العتكيّ مولاهم، أبو بسطام الواسطي، نزيل البصرة ثقة حافظ متقن، أمير المؤمنين في الحديث [٧] ٢٤/ ٢٧. ٤ - (سليمان) بن مِهران الأعمش الكوفيّ، ثقة ثبت ورع فاضل، لكنه يدلس [٥] ١٧/ ١٨. ٥ - (مسلم البطين) -بفتح الباء الموحّدة، وكسر الطاء المهملة، بعدها تحتانيّة ساكنة، ثم نون- ابن عمران، أو ابن أبي عمران، أبو عبد اللَّه الكوفيّ، ثقة [٦] ٢٦/ ٩١٥. ٦ - (سعيد بن جبير) الأسديّ مولاهم الكوفيّ، ثقة ثبت فقيه [٣] ٢٨/ ٤٣٦. ٧ - (ابن عبّاس) عبد اللَّه - رضي اللَّه تعالى عنهما - ٢٧/ ٣١. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سباعيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين إلى شعبة، والباقون كوفيون، غير الصحابيّ، فمدني، بصريّ، مكيّ، طائفي. (ومنها): أن رواية الأعمش عن مسلم البطين من رواية الأكابر عن الأصاغر؛ لأن الأعمش من صغار التابعين؛ حيث رأى أنسًا ﵁، فهو من الطبقة الخامسة، بخلاف مسلم، فإنه من السادسة. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) - رضي اللَّه تعالى عنهما -، أنه (قَالَ: رَكِبَتِ امْرَأَةٌ الْبَحْرَ) هذا صريحٌ في أن صاحبة الفصّة امرأة، وسبب قصّتها أنها نذرت صوم شهر إن نجّاها اللَّه تعالى عن البحر.

стр. 15279

[تنبيه]: قد وقع في هذا الحديث اختلاف كثير، وقد ذكر الاختلاف البخاريّ -رحمه اللَّه تعالى- في "صحيحه"، فقال: حدثنا محمد بن عبد الرحيم، حدثنا معاوية بن عمرو، حدثنا زائدة، عن الأعمش، عن مسلم البطين، عن سعيد بن جبير، عن ابن عبّاس ﵄، قال: جاء رجل إلى النبيّ ﷺ ، فقال: يا رسول اللَّه، إن أمي ماتت، وعليها صوم شهر، أفأقضيه عنها؟ قال: "نعم"، قال: "فدين اللَّه أحقّ أن يُقضَى". قال سليمان: فقال الحكم، وسلمة، ونحن جميعًا جلوس، حين حدث مسلم بهذا الحديث، قالا: سمعنا مجاهدا يَذكُر هذا عن ابن عباس. ويُذكَر عن أبي خالد (١)، حدثنا الأعمش، عن الحكم، ومسلم البطين، وسلمة بن كهيل، عن سعيد بن جبير، وعطاء، ومجاهد، عن ابن عبّاس، قالت امرأة للنبيّ ﷺ : إن أختي ماتت. وقال يحيى (٢)، وأبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن مسلم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عبّاس، قالت: امرأة للنبي ﷺ : إن أمي ماتت. وقال عبيد اللَّه (٣)، عن زيد بن أبي أنيسة، عن الحكم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عبّاس، قالت امرأة للنبيّ ﷺ : إن أمي ماتت، وعليها صوم نذر. وقال أبو حَرِيز (٤): حدثنا عكرمة، عن ابن عباس، قالت امرأة للنبي ﷺ : ماتت أمي، وعليها صوم خمسة عشر يوما. انتهى. فقال في "الفتح ": قوله: إن أمي" خالف أبو حامد جميع من رواه، فقال: "إن أختي"، واختلف على أبي بشر، عن سعيد بن جبير، فقال هُشيم عنه: "ذات قرابة لها"، وقال عنه: "إن أختها" أخرجهما أحمد. وقال حماد عنه: "ذات قرابة لها، إما أختها، وإما ابنتها"، وهذا يُشعر بأن التردّد فيه من سعيد بن جبير. وقوله: "وعليها صوم شهر" هكذا في أكثر الروايات، وفي رواية أبي حَرِيز: "خمسة عشر يومًا"، وفي رواية أبي خالد: "شهرين متتابعين"، وروايته تقتضي أن لا يكون الذي عليها صومَ شهرِ رمضانَ، بخلاف رواية غيره، فإنها محتملة، إلا رواية زيد بن أبي أُنيسة، فقال: "إن عليها صوم نذر"، وهذا واضحٌ في أنه رمضان (٥)، وبيّن أبو بشر في

стр. 15280

روايته سبب النذر، فروى أحمد من طريقه شعبة، عن أبي بشر: "أن امرأة ركبت البحر، فنذرت أن تصوم شهرًا، فماتت قبل أن تصوم، فأتت أختها النبيّ ﷺ " الحديث. قال الجامع: هو الحديث الذي نحن في شرحه، رواه هنا شعبة، عن الأعمش، عن مسلم البطين، فكان الأولى للحافظ أن يعزوه إلى المصنّف. قال: ورواه أيضًا عن هُشيم، عن أبي بشر نحوه. وأخرجه البيهقيّ من حديث حماد ابن سلمة. وقد ادّعى بعضهم أن هذا الحديث اضطرب فيه الرواة عن سعيد بن جُبير، فمنهم من قال: إن السائل امرأة، ومنهم من قال: رجل، ومنهم من قال: إن السؤال وقع عن نذر، فمنهم من فسّره بالصوم، ومنهم من فسّره بالحج. قال: والذي يظهر أنهما قصّتان، ويؤيّده أن السائلة في نذر الصوم خثعميّة، كما في رواية أبي حَرِيز المعلّقة، والسائلة عن نذر الحجّ جهنيّةٌ، كما تقدّم في موضعه. وقد روى مسلم من حديث بُريدة أن امرأة سألت عن الحجّ، وعن الصوم معًا. وأما الاختلاف في كون السائل رجلاً، أو امرأة، والمسؤول عنه أختًا، أو أمًّا، فلا يقدح في موضع الاستدلال من الحديث؛ لأن الغرض منه مشروعيّة الصوم، أو الحجّ عن الميت، ولا اضطراب في ذلك. انتهى المقصود من "الفتح" (١). (فَنَذَرَتْ أَنْ تَصُومَ شَهْرًا) الظاهر أن النذر كان لنجاتها من البحر (فَمَاتَتْ قَبْلَ أَنْ تَصُومَ، فَأَتَتْ أُخْتُهَا النَّبِيَّ ﷺ ، وَذكَرَتْ ذَلِك لَهُ، قأَمَرَهَا أَنْ تَصُومَ عَنْهَا) قال السنديّ: من لا يرى الصوم جائزًا يؤوّل الحديث بأن المراد الافتداء، فإنها إذا افتدت، فقد أدّت الصوم عنها، وهو تأويل بعيد جدًّا، وأحمد جوز الصوم في النذر، وقال: هو المورد، والقول القديم للشافعيّ جوازه مطلقًا، ورجحه محققو أصحابه بأنه الأوفق للدليل. انتهى. وسيأتي تحقيق المسألة قريبًا إن شاء اللَّه تعالى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث ابن عبّاس - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا- ٣٤/ ٣٨٤٢ - وفي "الكبرى" ١١/ ٤٧٥٨. وأخرجه (خ) في "الصوم"

стр. 15281

١٩٥٣ (م) في "الصيام" ١١٨٤ (د) في "الأيمان والنذور" ٢٣١٠ (ت) في "الصوم" ٧١٦ (ق) في "الصيام" ١٧٥٨ (أحمد) في "مسند بني هاشم" ١٩٧١ و ٢٠٠٦ و ٣٢٣٢ و ٣٤١٠ (الدارمي) في "الصوم" ١٧٦٨. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان أن من نذر صومًا، ثم مات قبل أدائه، صام عنه وليّه. (ومنها): مشروعيّة النيابة في العبادات. (ومنها): جواز ركوب البحر للمرأة، لكن بشرط أن تكون مع محرمها. (ومنها): مشروعيّة النذر للمرأة، وليس خاصًّا بالرجال. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في في قضاء النذر عن الميت: قال ابن قُدامة -رحمه اللَّه تعالى-: من نذر حجًّا، أو صيامًا، أو صدقةً، أو عتقًا، أو صلاةً، أو غيره من الطاعات، ومات قبل فعله، فعله الوليّ عنه. وعن أحمد في الصلاة لا يُصَلَّى عن الميت؛ لأنها لا بدّل لها بحال، وأما سائر الأعمال، فيجوز أن ينوب الوليّ عنه في هيا, وليس بواجب عليه، ولكن يُستحبّ له ذلك على سبيل الصلة والمعروف، وأفتى بذلك ابن عبّاس في امرأة نذرت أن تمشي إلى قباء، فماتت، ولم تقضه، أن تمشي ابنتها عنها. وروى سعيد، عن سفيان، عن عبد الكريم أبي أُميّة، أنه سأل ابن عبّاس عن نذر كان على أمه من اعتكاف، قال: صم عنها، واعتكف عنها. وقال: حدثنا الأحوص، عن إبراهيم بن مهاجر، عن عامر بن شُعيب أن عائشة اعتكفت عن أخيها عبد الرحمن بعد ما مات. وقال مالك: لا يمشي أحدٌ على أحد، ولا يصليّ، ولا يصوم عنه، وكذلك سائر أعمال البدن، قياسًا على الصلاة. وقال الشافعيّ: يقضي عنه الحجّ، ولا يقضي الصلاة قولًا واحدًا, ولا يقضي الصوم في أحد القولين، ويُطعم عنه لكلّ يوم مسكين؛ لأن ابن عمر، قال: رسول اللَّه ﷺ : "من مات، وعليه صيام شهر، فليطعم عنه مكان كلّ يوم مسكين". أخرجه ابن ماجه. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الحديث المذكور ضعيف، والصحيح أنه موقوف، كما بيّن ذلك الترمذيّ -رحمه اللَّه تعالى-، فتنبّه. واللَّه تعالى أعلم. وقال أهل الظاهر: يجب القضاء على وليّه، بظاهر الأخبار الوارد فيه. وجمهور أهل العلم على أن ذلك ليس بواجب على الوليّ، إلا أن يكون حقًّا في المال، ويكون للميّت تركة، وأمر النبيّ ﷺ في هذا محمول على الندب، والاستحباب، بدليل قرائن في الخبر، منها: أن النبيّ ﷺ شبّهه بالدين، وقضاء الدين على الميّت لا يجب على الوارث ما لم يُخلف تركة يقضَي بها، ومنها أن السائل سأل النبيّ ﷺ ، هل يفعل ذلك، أم لا،

стр. 15282

ويختلف باختلاف مُقتضى سؤاله، فإن كان مقتضاه السؤال عن الإباحة، فالأمر في جوابه يقتضي الإباحة، وإن كان السؤال عن الإجزاء، فأمره يقتضي الإجزاء، كقولهم: أنُصلي في مرابض الغنم؟ قال: "صلّوا في مرابض الغنم"، وإن كان سؤالهم عن الوجوب، فأمره يقتضي الوجوب، كقولهم: أنتوضّأ من لحوم الإبل؟ قال: "توضّؤوا من لحوم الإبل"، وسؤال السائل في مسألتنا كان عن الإجزاء، فأمر النبيّ ﷺ بالفعل يقتضيه لا غير. واحتجّ القائلون بجواز الصيام عن الميت بما روت عائشة ﵂ أن رسول اللَّه ﷺ قال: "من مات، وعليه صيام، صام عنه وليّه". وعن ابن عبّاس ﵄ قال: جاء رجل إلى النبيّ ﷺ ، فقال: يا رسول اللَّه، إن أمّي ماتت، وعليها صوم شهر، أفاصوم عنها؟ قال: أرأيت لو كان على أمك دينٌ، أكنت قاضيه؟ "، قال: نعم، قال: "فدين اللَّه أحقّ أن يُقضى". وفي رواية قال: جاءت امرأة إلى رسول اللَّه ﷺ ، فقالت: يا رسول اللَّه، إن أمي ماتت، وعليها صوم، أفاصوم عنها؟ قال: "أرأيت لو كان على أمك دينٌ، فقضيته، كان يؤدّي ذلك عنها؟ "، قال: نعم، قال: "فصومي عن أمك". متّفقٌ عليها. وعن ابن عبّاس ﵄ أن سعد ابن عُبادة الأنصاريّ ﵁ استفتى النبيّ ﷺ في نذر كان على أمه، فتوفّيت قبل أن تقضيه؟ فأفتاه أن يقضيه، فكانت سنّة بعدُ. وعنه أن رجلاً أتى النبيّ ﷺ ، فقال: إن أختي نذرت أن تحج، وإنها ماتت، فقال النبيّ ﷺ : "لو كان عليها دين، أكنت تقضيه؟ " قال: نعم، قال: "فاقض اللَّه، فهو أحقّ بالقضاء". رواهما البخاريّ. وهذا صريح في الصوم، والحجّ، ومطلق في النذر، وما عدا المذكور في الحديث يُقاس عليه. وحديث ابن عمر في الصوم الواجب بأصل الشرع، ويتعيّن حمله عليه جمعًا بين الحديثين، ولو قُدّر التعارض، لكانت أحاديثنا أصحّ، وأكثر، وأولى بالتقديم. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: تقدّم أن حديث ابن عمر ﵄ المذكور لا يصحّ مرفوعًا، فلا حاجة إلى التكلّف للجمع، فتنبّه. واللَّه تعالى أعلم. إذا ثبت هذا فإن الأولى أن يقضي النذر عنه وارئه، فإن قضاه غيره أجزأه عنه، كما لو قضى عنه دينه، فإن النبيّ ﷺ شبّهه بالدين، وقاسه عليه، ولأن ما يقضيه الوارث إنما هو تبرّع منه، وغيره مثله في التبرّع، وإن كان النذر في مالٍ تعلّق بتركته. انتهى كلام ابن قُدامة -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بحثٌ نفيس، إلا أن قياس الصلاة على الصوم والحجّ فيه نظرٌ لا يخفَى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعتُ، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكّلتُ، وإليه أنيب".

стр. 15283

٣٥ - (مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ نَذْرٌ) ٣٨٤٤ - (أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، وَالْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ، قِرَاءَةً عَلَيْهِ, وَأَنَا أَسْمَعُ, وَاللَّفْظُ لَهُ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ, أَنَّ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ, اسْتَفْتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , فِي نَذْرٍ, كَانَ عَلَى أُمِّهِ, تُوُفِّيَتْ قَبْلَ أَنْ تَقْضِيَهُ؟ , فَقَالَ: "اقْضِهِ عَنْهَا"). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه الحارث، وهو ثقة حافظ، وكلهم تقدّموا غير مرّة، و"سفيان": هو ابن عيينة. [تنبيه]: وقع في النسخ المطبوعة من "المجتبى" هنا "عن سليمان" بدل "عن سفيان"، وهو غلطٌ فاحش، فالصواب "عن سفيان"، وهو الذي في النسخة الهنديّة، و"الكبرى"، فتنبّه. وباللَّه تعالى التوفيق. و"عبيد اللَّه بن عبد اللَّه": هو ابن عتبة بن مسعود المدنيّ، أحد الفقهاء السبعة المشهورين بالمدينة، وقد تقدّموا قريبًا. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: أحاديث هذا الباب متّفقٌ عليها، وقد تقدّمت في "كتاب الوصايا" -٨/ ٣٦٨٣ - "فضل الصدقة عن الميت"، وتقدّم شرحها، وبيان مسائلها هناك، فراجعه تستفد، وباللَّه تعالى التوفيق. ودلالتها على ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- واضحة، حيث إن فيها بيان حكم من مات، وعليه نذرٌ، وهو أنّ وليّه قضاه عنه، وقد تقدّم أقوال أهل العلم فيه في الباب الماضي، وللَّه الحمد. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٨٤٥ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: اسْتَفْتَى سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , فِي نَذْرٍ كَانَ عَلَى أُمِّهِ فَتُوُفِّيَتْ قَبْلَ أَنْ تَقْضِيَهُ؟ فَقَالَ: رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "اقْضِهِ عَنْهَا"). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وكلهم تقدّموا غير مرّة. والحديث متّفقٌ عليه، وقد سبق القول فيه في الذي قبله. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٨٤٦ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ آدَمَ، وَهَارُونُ بْنُ إِسْحَاقَ الْهَمْدَانِيُّ، عَنْ عَبْدَةَ، عَنْ هِشَامٍ -وَهُوَ ابْنُ عُرْوَةَ- عَنْ بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ ابْنِ

стр. 15284

عَبَّاسٍ، قَالَ: جَاءَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ, إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ: إِنَّ أُمِّي مَاتَتْ, وَعَلَيْهَا نَذْرٌ, فَلَمْ تَقْضِهِ، قَالَ: "اقْضِهِ عَنْهَا"). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "محمد بن آدم": هو الجهنيّ المصّيصيّ، صدوق [١٠] ٩٣/ ١١٥. وو"هارون بن إسحاق": هو الهمْدانيّ، أبو القاسم الكوفيّ، صدوق، من صغار [١٠] ١٣/ ٣٤٦. و"عبدة": هو ابن سليمان الكلابي، أبو محمد الكوفيّ، ثقة ثبت، من صغار [٨] ٧/ ٣٣٩. و"بكر بن وائل": هو التيميّ الكوفيّ، صدوق [٨] ٥٦/ ١٩٤٥. [تنبيه]: هذا الإسناد أنزل من الإسنادين السابقين؛ لأنهما كانا خماسيين، وهذا سباعيّ، فبين المصنّف وبين الزهريّ فيهما واستطتان، وفي هذا أربع وسائط. والحديث متّفقٌ عليه، وقد سبق القول فيه قريبًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعتُ، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكّلتُ، وإليه أنيب". … ٣٦ - (إِذَا نَذَرَ, ثُمَّ أَسْلَمَ قَبْلَ أَنْ يَفِيَ) أي هل يلزمه الوفاء بذلك، أم لا؟، اختلف العلماء في ذلك، وسيأتي تحقيق القول فيه في المسألة الرابعة، إن شاء اللَّه تعالى. ٣٨٤٧ - (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مُوسَى، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ, عَنْ ابْنِ عُمَرَ، عَنْ عُمَرَ، أَنَّهُ كَانَ عَلَيْهِ لَيْلَةٌ نَذَرَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ, يَعْتَكِفُهَا، فَسَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَأَمَرَهُ أَنْ يَعْتَكِفَ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (إسحاق بن موسى) الْخَطْمي، أبو موسى المدنيّ، قاضي نيسابور، ثقة متقنٌ [١٠] ٣٥/ ١٥٩٦. ٢ - (سفيان) بن عيينة الإمام الحجة الثبت المكيّ [٨] ١/ ١. ٣ - (أيوب) بن أبي تميمة كيسان السختيانيّ، أبو بكر البصريّ، ثقة ثبت فقيه [٥] ٤٢/ ٤٨.

стр. 15285

٤ - (نافع) هو مولى ابن عمر المدني الفقيه، ثقة ثبت [٣] ١٢/ ١٢. ٥ - (ابن عمر) عبد اللَّه - رضي اللَّه تعالى عنهما - ١٢/ ١٢. ٦ - (عمر) بن الخطاب بن نفيل العدويّ، أمير المؤمنين - رضي اللَّه تعالى عنه - ٦٠/ ٧٥. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها). أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير سفيان، فمكيّ، وأيوب، فبصريّ. (ومنها): أن فيه رواية صحابيّ، عن صحابيّ، والابن عن أبيه، وتابعيّ، عن تابعي، وفيه ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما - أحد العبادلة الأربعة، وأحد المكثرين السبعة، روى (٢٦٣٠) حديثًا. (ومنها): أن فيه عمر - رضي اللَّه تعالى عنه - أحد الخلفاء الراشدين، والعشرة المبشرين بالجنة - رضي اللَّه تعالى عنهم -. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنْ عُمَرَ) - رضي اللَّه تعالى عنهما -، هذه الرواية صريحةٌ في أن الحديث من مسند عمر ﵁، ورواية عبيد اللَّه بن عمر، عن نافع الآتية في الباب ظاهرة في كونه من مسند ابن عمر ﵄، ولا يضرّ ذلك، فإن ابن عمر قد حضر القصّة، فإنها كانت في غزوة حنين، ففي رواية البخاريّ في "كتاب المغازي" من طريق معمر، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر ﵄، قال: لَمّا قفلنا من حنين، سأل عمر النبيّ ﷺ عن نذر كان نذره في الجاهليّة، اعتكافِ، فأمره النبيّ ﷺ بوفائه:. وفي رواية مسلم، من طريق جرير بن حازم، أن أيوب حدثه، أن نافعًا حدّثه، أن عبد اللَّه بن عمر حدّثه، أن عمر بن الخطّاب سأل رسول اللَّه ﷺ ، وهو بالجعرانة، بعد أن رجع من الطائف، فقال: يا رسول اللَّه، إني نذرت في الجاهليّة أن أعتكف يومًا في المسجد الحرام، فكيف ترى؛ قال: "اذهب، فاعتكف يومًا، وكان رسول اللَّه ﷺ قد أعطاه جارية من الخمس، فلما أعتق رسول اللَّه ﷺ سبايا الناس، قال عمر؛ يا عبد اللَّه اذهب إلى تلك الجارية، فخلّ سبيلها". فقد تبيّن بهذا أن ابن عمر ﵄ كان حاضرًا سؤال عمر ﵁ للنبيّ ﷺ . ويحتمل أن يكون غائبًا في بعض حاجته حينما سأل عمر ﵁ النبيّ ﷺ ، فأخبره عمر به، فكان يحدّث عنه تارةً، ويرسله أخرى، ومرسل الصحابيّ حجة، كما هو مقرّر في محلّه. واللَّه تعالى أعلم.

стр. 15286

وقال في "الفتح" بعد ما ذكر أن القصّة كانت بالجعرانة لَمّا رجعوا من حُنين: ما نصّه: ويستفاد منه الردّ على من زعم أن اعتكاف عمر ﵁ كان قبل المنع من الصيام في الليل؛ لأن غزوة حنين متأخّرة عن ذلك. انتهى (١). (أنَّهُ كَانَ عَلَيْهِ لَيلَةٌ) بالرفع اسم "كان"، والجاز والمجرور خبرها مقدّمًا، وقوله (نَذَرَ) جملةٌ في محلّ رفع صفة لـ "اليلة" والعائد محذوف، أي نذرها. قال أبو العبّاس القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى-: يحتج به من يُجيز الاعتكاف بالليل، وبغير صوم، ولا حجة له فيه؛ لأنه قد قال في الرواية الأخرى: "أنه نذر أن يعتكف يومًا"، والقصّة واحدة، فدلّ مجموع الراويتين على أنه نذر يومًا وليلةً، غير أنه أفرد أحدهما بالذكر لدلالته على الآخر من حيث إنهما تلازما في الفعل، ولهذا قال مالكٌ: إن أقلّ الاعتكاف يومٌ وليلة، فلو نذر أحدهما لزمه تكميله بالآخر، ولو سلّمنا أنه لم يجىء لليوم ذكرٌ لما كان في تخصيص الليلة بالذكر حجة؛ لإمكان حمل ذلك الاعتكاف على المجاورة؛ فإنها تُسمّى اعتكافًا لغةً، وهي تصحّ بالليل والنهار، وبصوم، وبغير صوم. انتهى (٢). وقال في "الفتح": قوله: "أن أعتكف ليلةً" استُدلّ به على جواز الاعتكاف بغير صوم؛ لأن الليل ليس ظرفًا للصوم، فلو كان شرطًا لأمره النبيّ ﷺ به. وتُعُقّب بأن في رواية شعبة عن عبيد اللَّه عند مسلم: "يومًا" بدل "ليلة"، فجمع ابن حبّان وغيره بين الروايتين بأنه نذر اعتكاف يوم وليلة، فمن أطلق ليلة أراد بيومها، ومن أطلق يومًا أراد بليلته، وقد ورد الأمر بالصوم في رواية عمرو بن دينار عن ابن عمر ﵄ صريحًا، لكن إسنادها ضعيف، وقد زاد فيها: إن النبيّ ﷺ قال له: "اعتكف، وصم". أخرجه أبو داود، والنسائيّ، من طريق عبد اللَّه بن بديل، وهو ضعيف، وذكر ابن عديّ، والدارقطنيّ أنه تفرّد بذلك، عن عمرو بن دينار. ورواية من روى "يوما" شاذّة. وقد وقع في رواية سليمان بن بلال عند البخاريّ: "فاعتَكَفَ ليلةً"، فدلّ على أنه لم يزد على نذره شيئًا، وأن الاعتكاف لا صوم فيه، وأنه لا يُشترط له حدٌّ معين. انتهى. (فِي الْجَاهِلِيَّةِ) المراد بالجاهليّة هنا جاهليّة عمر ﵁، وهو ما قبل إسلامه، لا أنه أراد ما قبل بعثة النبيّ ﷺ , لأن جاهليّة كلّ أحد بحسبه، ووهم من قال: الجاهليّة في كلامه زمن فترة النبوّة، والمراد بها هنا ما قبل بعثة نبيّنا ﷺ ، فان هذا يتوقّف على النقل، وقد ثبت أنه نذر قبل أن يسلم، وبين البعثة، وإسلامه مدّة. قاله في "الفتح" (٣).

стр. 15287

وقال أيضًا: وفيه ردٌّ على من زعم أن المراد بالجاهلية ما قبل فتح مكّة، وأنه نذر في الإسلام، وأصرح من ذلك ما أخرجه الدارقطنيّ، من طريق سعيد بن بشير، عن عُبيد اللَّه، بلفظ: "نذر عمر أن يعتكف في الشرك". انتهى (١). يَعْتَكِفُهَا، فَسَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَأَمَرَهُ أَنْ يَعْتَكِفَ) هذا فيه أن نذر الكافر ينعقد، ولا مانع من القول أن نذره ينعقد موقوفًا على إسلامه، فإن أسلم لزمه الوفاء به في الخير، والكفرُ وإن كان يمنع عن انعقاده منجّزًا، لكن لا يمنع أن يعقد موقوفًا، وحديث: "الإسلام يَجُبُّ ما قبله" محمول على الخطايا, وليس النذر منها، وسيأتي قريبًا تمام البحث، إن شاء اللَّه تعالى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث عمر - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٣٦/ ٣٨٤٧ و ٣٨٤٨ و ٣٨٤٩ - وفي "الكبرى" ١٣/ ٤٧٦٢ و ٤٧٦٣ و ٤٧٦٤. وأخرجه (خ) في "الاعتكاف" ٢٠٣٢ و ٢٠٤٣ و"فرض الخمس" ٣١٤٤ و"الأيمان والنذور" ٦٦٩٧ (م) في "الأيمان" ١٦٥٦ (د) في "الأيمان والتذور" ٢٣٢٥ (ت) في "النذور والأيمان" ١٥٣٩ (ق) في "الصيام" ١٧٧٢ و"الكفّارات" ٢١٢٩ (أحمد) في "مسند العشرة" ٢٥٧ و"مسند المكثرين" ٤٦٩١ و ٥٥١٤ و ٦٣٨٢ (الدارمي) في "النذور والأيمان" ٢٣٣٣. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان أن الكافر إذا نذر، ثم أسلم قبل الوفاء، وفي به، بعد إسلامه. (ومنها): ما قاله في "الفتح": وفي الحديث لزوم النذر للقربة من كلّ أحد حتى قبل الإسلام. وقد أجاب ابن العربيّ بأن عمر لَمَّا نذر في الجاهليّة، ثم أسلم أراد أن يُكفّر ذلك بمثله في الإسلام، فلما أراده، ونواه سأل النبيّ ﷺ ، فأعلمه أنه لزمه، قال: وكلّ عبادة ينفرد بها العبد عن غيره تنعقد بمجرّد النيّة العازمة الدائمة كالنذر في العبادة، والطلاق

стр. 15288

في الأحكام، وإن لم يتلفّظ بشيء من ذلك. كذا قال. ولم يوافق على ذلك، بل نقل بعض المالكيّة الاتفاق على أن العبادة لا تلزم إلا بالنية مع القول، أو الشروع، وعلى التنزّل، فظاهر كلام عمر ﵁ مجرّد الإخبار بما وقع مع الاستخبار عن حكمه، هل لزم، أو لا؟ وليس فيه ما يدلّ على ما ادّعاه من تجديد نيّة منه في الإسلام. وقال الباجيّ: قصَّة عمر ﵁ هي كمن نذر أن يتصدّق بكذا إن قدم فلانٌ بعد شهر، فمات فلان قبل قدُومه، فإنه لا يلزم الناذر قضاؤها، فإن فعله فحسن، فلما نذر عمر قبل أن يسلم، وسأل النبيّ ﷺ أمره بوفائه استحبابًا، وإن كان لا يلزمه؛ لأنه التزمه في حالة لا ينعقد فيها. (ومنها): ما قاله الحافظ العراقيّ في "شرح الترمذيّ": إنه استُدلّ به على أن الكفّار مخاطبون بفروع الشريعة، وإن كان لا يصحّ منهم إلا بعد أن يُسلموا؛ لأمر عمر ﵁ بوفاء ما التزمه في الشرك، ونقل أنه لا يصحّ الاستدلال به لأن الواجب بأصل الشرع كالصلاة لا يجب عليهم قضاؤها، فكيف يكلّفون بقضاء ما ليس واجبًا بأصل الشرع؟ قال: ويُمكن أن يُجاب بأن الواجب بأصل الشرع مؤقّتٌ بوقت، وقد خرج قبل أن يُسلم الكافر، ففات وقتُ أدائه، فلم يؤمر بقضائه؛ لأن الإسلام يَجُبّ ما قبله، فأما إذا لم يؤقت نذره، فلم يتعين له وقت حتى أسلم، فإيقاعه له بعد الإسلام يكون أداء؛ لاتساع ذلك باتساع العمر. قال الحافظ: وهذا البحث يقوّي ما ذهب إليه أبو ثور، ومن قال بقوله -يعني قولهم: إن نذر الاعتكاف قبل الإسلام لزمه الوفاء إذا أسلم- وإن ثبت النقل عن الشافعيّ بذلك، فلعلّه كان يقوله أوّلًا، فأخذه عنه أبو ثور. ويمكن أن يؤخذ من الفرق المذكور أن وجوب الحجّ على من أسلم لاتساع وقته، بخلاف ما فات وقته. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم فيمن نذر كافرًا، ثم أسلم: قال أبو محمد ابن حزم -رحمه اللَّه تعالى-: ومن نذر في حال كفر طاعةً للَّه ، ثم أسلم لزمه الوفاء به؛ لقول رسول اللَّه ﷺ : "من نذر أن يُطيع اللَّه فليُطعه"، وهو ﵇ مبعوث إلى الجنّ والإنس، وطاعته فرض على كلّ مؤمن، وكافر، من قال: غير هذا، فليس مسلمًا، وهذه جملة لم يَختلف فيها أحد ممن يدّعي الإسلام، ثم نقضوا في التفصيل. ثم أورد بسند مسلم حديث حكيم بن حزام ﵁ أنه قال لرسول اللَّه ﷺ : "أرأيت أمورًا كنت أتحنّث بها في الجاهليّة، من صدقة، أو عَتاقة، أو صِلَة رحم، أفيها

стр. 15289

أجرٌ؟ فقال رسول اللَّه ﷺ : "أسلمت على ما أسلفت من خير". ثم أخرج بسنده حديث عمر ﵁ المذكور في الباب: "نذرت نذرًا في الجاهليّة، ثم أسلمت، فسألت رسول اللَّه ﷺ ؟ فأمرني أن أوفي بنذري"، قال: فهذا حكم لا يسع أحدًا الخروج عنه. وأورد أيضًا حديث أبي هريرة ﵁ المتفق عليه، قال: بعث النبيّ ﷺ خيلا قبل نجد، فجاءت برجل من بني حنيفة، يقال له: ثُمامة بن أُثال، فربطوه بسارية من سواري المسجد … " وفيه: "أن ثمامة أسلم بعد أن أطلقه النبيّ ﷺ ، وقال: يا محمد، واللَّه ما كان على الأرض وجه أبغض إلى من وجهك، فقد أصبح وجهك أحبّ الوجوه إليّ، واللَّه ما كان من دين أبغض إلى من دينك، فأصبح دينك أحد الدين إليّ، واللَّه ما كان من بلد أبغض إلى من بلدك، فأصبح بلدك أحبّ البلاد إليّ, وإن خيلك أخذتني، وأنا أريد العمرة، فماذا ترى؟ فبشره رسول اللَّه ﷺ ، وأمره أن يعتمر … " الحديث. قال: فهذا كافر خرج يريد العمرة، فأسلم، فأمره النبيّ ﷺ بإتمام نيّته. قال: وروينا عن طاوس: من نذر في كفره، ثم أسلم، فليوف بنذره، وعن الحسن، وقتادة نحوه، وبهذا قال الشافعيّ، وأبو سليمان -يعني داود الظاهريّ- وأصحابهما. انتهى المقصود من كلام ابن حزم (١). وقال الشوكانيّ -رحمه اللَّه تعالى-: وفي حديث عمر ﵁ دليلٌ على أنه يجب الوفاء بالنذر من الكافر متى أسلم، وقد ذهب إلى هذا بعض أصحاب الشافعيّ. وعند الجمهور: لا ينعقد النذر من الكافر، وحديث عمر ﵁ حجة عليهم. وقد أجابوا عنه بأن النبيّ ﷺ لَمّا عرف أن عمر ﷺ قد تبرع بفعل ذلك أذن له به؛ لأن الاعتكاف طاعة، ولا يخفى ما في هذا الجواب من مخالفة الصواب. وأجاب بعضهم بأنه ﷺ أمره بالوفاء استحبابًا، لا وجوبًا. وُيردّ بأن هذا الجواب لا يصلح لمن ادّعى عدم الانعقاد. انتهى كلام الشوكانيّ -رحمه اللَّه تعالى- (٢). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قد تبيّن بما ذُكر أن الصحيح قول من قال بانعقاد نذر الكافر، ووجوب الوفاء عليه بعد إسلامه؛ لما ذكر من الأدلّة الصحيحة الصريحة في الأمر بالوفاء، والمانعون لم يأتوا بحجة مقنعه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٨٤٨ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: كَانَ عَلَى عُمَرَ نَذْرٌ, فِي اعْتِكَافِ لَيْلَةٍ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ،

стр. 15290

فَسَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ ذَلِكَ؟ فَأَمَرَهُ أَنْ يَعْتَكِفَ). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "محمد بن عبد اللَّه بن يزيد": هو أبو يحيى المكيّ ثقة [١٠] ١١/ ١١. والباقون تقدّموا في السند الماضي، والحديث متّفقٌ عليه، وقد سبق شرحه، وبيان مسائله في الحديث الماضي. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٨٤٩ - (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَكَمِ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: سَمِعْتُ عُبَيْدَ اللَّهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ, أَنَّ عُمَرَ كَانَ جَعَلَ عَلَيْهِ يَوْمًا, يَعْتَكِفُهُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَسَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ ذَلِكَ؟، فَأَمَرَهُ أَنْ يَعْتَكِفَهُ). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "أحمد بن عبد اللَّه بن الحكم": هو المعروف بابن الكُرْديّ، أبو الحسين البصريّ، ثقة [١٠] ٣٩/ ٥٨٣. و"محمد بن جعفر": هو غندر. و"عبيد اللَّه": هو ابن عمر العمريّ المدنيّ الفقيه. والحديث متّفقٌ عليه، كما سبق القول فيه قريبًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٨٥٠ - (حَدَّثَنَا (١) يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّهُ قَالَ: لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ حِينَ تِيبَ عَلَيْهِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي أَنْخَلِعُ مِنْ مَالِي صَدَقَةً إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، فَقَالَ: لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَمْسِكْ عَلَيْكَ بَعْضَ مَالِكَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ". قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ:: يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ الزُّهْرِيُّ, سَمِعَ هَذَا الْحَدِيثَ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبٍ، وَمِنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْهُ, فِي هَذَا الْحَدِيثِ الطَّوِيلِ, تَوْبَةُ كَعْبٍ). قَال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هكذا أورد المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- هذا الحديث في هذا الباب في "المجتبى"، وفي "الكبرى"، وهو من أحاديث الباب التالي، وفي المناسبة بينه وبين هذه الترجمة بعدٌ لا يخفى، إذ لا مناسبة بين من نذر وهو مشركٌ، ثمّ أسلم، وبين من نذر بعد قبول توبته شكرًا، فليُتأمّل. ورجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا غير مرّة. و"يونس": هو ابن يزيد الأيليّ. وقوله: "حين تيب عليه" أي من تخلّفه عن رسول اللَّه ﷺ من غزوة تبوك بدون عذر. وقوله: "أن أنخلع من مالي" أي أخرُج من كله، وأتجرّد منه، كما يتجرّد الإنسان،

стр. 15291

وينخلع من ثيابه. وقوله: "صدقة إلى اللَّه الخ" منصوب على المفعوليّة لأجله، أي لأجل الصدقة إلى اللَّه ، وإلى رسوله ﷺ . وقال في "الفتح": قوله: "صدقةً" هو مصدر في موضع الحال، أي متصدّقًا، أو ضَمَّنَ "أنخلع" معنى أتصدّق، وهو مصدر أيضًا. وقوله: "أمسك عليك بعض مالك، فهو خيرٌ لك"، وفي رواية أبي داود، عن كعب أنه قال: إن من توبتي أن أخرج من مالي كلّه إلى اللَّه ورسوله ﷺ صدقة، قال: "لا"، قلت: نصفه، قال: "لا"، قلت: فثلثه، قال: "نعم". ولابن مردويه من طريق ابن عيينة، عن الزهريّ، فقال النبيّ ﷺ : "يجزي عنك من ذلك الثلث". ونحوه لأحمد في قصَّة أبي لبابة ﵁ حين قال: إن من توبتي أن أنخلع من مالي كلّه صدقةً للَّه ورسوله ﷺ ، فقال النبيّ ﷺ "يجزي عنك الثلث". انتهى (١). قال السنديّ -رحمه اللَّه تعالى-: وفيه أن التقرّب إلى غير اللَّه تعالى في العبادة لا يضرّ بعد أن يكون المقصد الأصليّ التقرّب إلى اللَّه تعالى؛ لأن المتقرّب إلى اللَّه تعالى متقرّب إلى الرسول ﷺ قطعًا، فيتأمل. انتهى (٢). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: في استدلاله على جواز التقرّب إلى غير اللَّه تعالى بهذا الحديث غير واضح. ثم إن معنى التقرّب إلى رسول اللَّه ﷺ ، إن صحّ الاستدلال، أنه لَمّا تصدّق شكرًا لقبول اللَّه تعالى توبته، فقد تقرب إليه به. بتقرّبه إلى اللَّه ، بعد أن ابتعد منه بسبب تخلّفه عنه حتى أقصاه ﷺ منه خمسين ليلة، كما هو مشهور في قصَّة، فكان لا يسلّم عليه، ولا يردّ سلامه، ومنع أصحابه ﵃ أن يكلّموه، فهذا هو وجه التقرّب منه ﷺ ، ولا خفاء في كون هذا تقرّبًا شرعيًّا، وإنما التقرّب المذموم أن يتقرَّب إليه بصرف شيء من العبادة له، كان ينذر له، أو يعتقد فيه ما لا يستحقّه من صفات الربوبيّة، أو الألوهيّة. واللَّه تعالى أعلم. والحديث متّفقٌ عليه، وقد تقدّم للمصنّف في "كتاب المساجد" -٣٨/ ٧٣١ - "الرخصة في الجلوس فيه، والخروج منه بغير صلاة" "، وتقدّم شرحه مستوفًى، وكذا بيان مسائله، فراجعه تستفد، وباللَّه تعالى التوفيق. وقوله: "قال أبو عبد الرحمن الخ" أراد -رحمه اللَّه تعالى- أن هذا الحديث رواه الزهريّ عن عبد اللَّه بن كعب بن مالك، عن أبيه، كما في هذا الإسناد، ورواه أيضًا عن

стр. 15292

عبد الرحمن بن كعب بن مالك، عن أخيه عبد اللَّه بن كعب بن مالك، كما في الإسناد الأول في الباب التالي، وأيضًا رواه عن عبد الرحمن بن عبد اللَّه بن كعب، عن عبد اللَّه ابن كعب، كما في الرواية التي بعدها، ورواه عن عبد الرحمن بن عبد اللَّه بن كعب، عن عمه عُبيد اللَّه بن كعب، كما في الرواية الأخيرة. والحاصل أن الزهريّ يروي حديث كعب بن مالك ﵁ هذا عن أربع طرق: [الأولى]: عن عبد اللَّه بن كعب بن مالك، عن أبيه. [الثانية]: عن عبد الرحمن بن عبد اللَّه بن كعب، عن أبيه. [الثالثة]: عن عبد الرحمن كعب، عن أخيه عبد اللَّه بن كعب. [الرابعة]: عن عبد الرحمن بن عبد اللَّه بن كعب، عن عمّه عبيد اللَّه بن كعب. واللَّه تعالى أعلم. وقوله: "في هذا الحديث الطويل" ذكرته بطوله في "كقال المساجد" من رواية البخاريّ، وهو من أطول أحاديث البخاريّ في "صحيحه". وقوله: "توبة كعب" بالجرّ على البدلية من "هذا الحديث"، ويجوز قطعه إلى الرفع، والنصب. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعتُ، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكّلتُ، وإليه أنيب". … ٣٧ - (إِذَا أَهْدَى مَالَهُ عَلَى وَجْهِ النَّذْرِ) قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: ترجمة المصنّف نحو ترجمة البخاريّ -رحمه اللَّه تعالى- في "صحيحه"، ولفظها: "باب إذا أهدى ماله على وجه النذر والتوبة"، وللكشميهني: "والقربة" بدل و"التوبة". وقوله: "أهدى": أي تصدّق بماله، أو جعله هدية للمسلمين. قاله الكرمانيّ. واللَّه تعالى أعلم بالصواب. ٣٨٥١ - (أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ يُونُسَ، قَالَ: قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: فَأَخْبَرَنِي (١) عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ كَعْبٍ، قَالَ:

стр. 15293

سَمِعْتُ كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ، يُحَدِّثُ حَدِيثَهُ, حِينَ تَخَلَّفَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ، قَالَ: فَلَمَّا جَلَسْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ مِنْ تَوْبَتِي, أَنْ أَنْخَلِعَ مِنْ مَالِي, صَدَقَةً إِلَى اللَّهِ وَإِلَى رَسُولِهِ، قَالَ: رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَمْسِكْ عَلَيْكَ بَعْضَ مَالِكَ, فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ", فَقُلْتُ: فَإِنِّي أُمْسِكُ سَهْمِي الَّذِي بِخَيْبَرَ, مُخْتَصَرٌ). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "سليمان بن داود": هو المَهْريّ، أبو الربيع المصريّ. وقوله: "أن أنخلع من مالي" -بنون، وخاء معجمة: أي أَعْرَى من مالي، كما يَعْرَى الإنسان إذا خلع ثوبه. قاله في "الفتح". قال السنديّ -رحمه اللَّه تعالى-: قيل: الانخلاع ليس بظاهر في معنى النذر، وإنما هو كفّارة، أو شكرٌ، فلعلّه ذكره في الباب لمشابهته في إيجابه على نفسه ما ليس بواجب لحدوث أمر. قلت (١): لو ظهر الإيجاب لما خفي كونه نذرًا. واللَّه تعالى أعلم. انتهى (٢). وقال في "الفتح": ما حاصله: مناسبة حديث كعب ﵁ للترجمة أن معنى الترجمة أن من أهدى، أو تصدّق بجميع ماله، إذا تاب من ذنب، أو إذا نذر هل ينفذ ذلك؛ إذا نجّزه، أو علّقه؟ وقصّة كعب منطبقة على الأول، وهو التنجيز، لكن لم يصدر منه تنجيزٌ، كما تقرّر، وإنما استشار، فأُشير عليه بإمساك البعض، فيكون الأولى لمن أراد أن ينجّز التصدّق بجميع ماله، أو يعلّقه أَنْ يمسك بعضه، ولا يلزم من ذلك أنه لو نجّزه لم ينفذ، وقد تقدّمت الإشارة في "كتاب الزكاة" إلى أن التصدق بجميع المال يختلف باختلاف الأحوال، فمن كان قويًّا على ذلك، يعلم من نفسه الصبر لم يمنع، وعليه يتنرل فعل أبي بكر الصدّيق ﵁، وإيثار الأنصار على أنفسهم المهاجرين، ولو كان بهم خصاصة، ومن لم يكن كذلك، فلا، وعليه يتنزّل "لا صدقة، إلا عن ظهر غنى"، وفي لفظ: "أفضل الصدقة ما كان عن ظهر غنى". قال ابن دقيق العيد -رحمه اللَّه تعالى-: في حديث كعب ﵁ أن للصدقة أثرا في محو الذنوب، ومن ثمّ شُرعت الكفّارة المالية. ونازعه الفاكهاني، فقال: التوبة تجُبّ ما قبلها، وظاهر حال كعب أنه أراد فعل ذلك على جهة الشكر. قال الحافظ: مراد الشيخ يؤخذ من قول كعب ﵁: "إن من توبتي الخ" أن للصدقة أثرًا في قبول التوبة التي يتحقّق بحصولها محو الذنب، والحجة فيه تقرير النبيّ ﷺ له على القول المذكور. انتهى (٣). والحديث متّفقٌ عليه، وسبق البحث فيه في الباب الماضي، وبقي البحث فيما يتعلّق

стр. 15294

بما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، فأقول: (مسألة): في اختلاف أهل العلم فيمن نذر أن يتصدّق بجميع ماله: قال في "الفتح": قد اختلف السلف فيمن نذر أن يتصدّق بجميع ماله على عشرة مذاهب: فقال مالك: يلزمه الثلث؛ لهذا الحديث، ونوزع في أن كعب بن مالك ﵁ لم يُصرّح بلفظ النذر، ولا بمعناه، بل يحتمل أنه نجّز النذر، ويحتمل أن يكون أراده، فاستأذن، والانخلاع الذي ذكره ليس بظاهر في صدور النذر منه، وإنما الظاهر أنه أراد أن يؤكد أمر توبته بالتصدُّق بجميع ماله شكرًا للَّه تعالى على ما أنعم به عليه. وقال الفاكهانيّ في "شرح العمدة": كان الأولى بكعب أن يستشير، ولا يستبدّ برأيه، لكن كأنه قامت عنده حال لفرحه بتوبته، ظهر له فيها أن التصدّق بجميع ماله مُستَحَقٌّ عليه في الشكر، فأراد الاستشارة بصيغة الجزم. انتهى. وكأنه أراد أنه استبدّ برأيه في كونه جزم بأن من توبته أن ينخلع من جميع ماله، إلا أنه نجّز ذلك. وقال ابن المنيّر: لم يبُتَّ كعب الانخلاع، بل استشار، هل يفعل، أو لا؟. قال الحافظ: ويحتمل أن يكون استفهم، وحُذفت أداة الاستفهام، ومن ثمّ كان الراجح عند الكثير من العلماء وجوب الوفاء لمن التزم أن يتصدّق بجميع ماله، إلا إذا كان على سبيل القربة. وقيل: إن كان مليًّا لزمه، وإن كان فقيرًا فعليه كفّارة يمين. وهذا قول الليث، ووافقه ابن وهب، وزاد: وإن كان متوسّطًا يُخرج قدر زكاة ماله، والأخير عن أبي حنيفة بغير تفصيل، وهو قول ربيعة. وعن الشعبيّ، وابن لبابة (١) لا يلزمه شيء أصلاً. وعن قتادة يلزم الغني العشر، والمتوسّط السبع، والمملق الخمس. وقيل: يلزم الكلّ، إلا في نذر اللجاج، فكفّارة يمين. وعن سحنون يلزمه أن يُخرج ما لا يضرّ به. وعن الثوريّ، والأوزاعيّ، وجماعة يلزمه كفّارة يمين بغير تفصيل. وعن النخعيّ يلزمه الكلّ بغير تفصيل. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: عندي أن ما ذهب إليه الإمام مالك -رحمه اللَّه تعالى- من أن من نذر بجميع ماله يلزمه الثلث أرجح؛ لظاهر قصّة كعب بن مالك ﵁؛ لأنه لما قال: أتصدّق بمالي كلّه، قال له ﷺ : "يُجزىء عنك الثلث"، فهذا دليلٌ واضحٌ على أن من نذر بجميع ماله يجزيه الثلث. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٨٥٢ - (أَخْبَرَنَا يُوسُفُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا لَيْثُ

стр. 15295

ابْنُ سَعْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي عُقَيْلٌ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبٍ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: سَمِعْتُ كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ، يُحَدِّثُ حَدِيثَهُ حِينَ تَخَلَّفَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ مِنْ تَوْبَتِي أَنْ أَنْخَلِعَ مِنْ مَالِي, صَدَقَةً إِلَى اللَّهِ وَإِلَى رَسُولِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَمْسِكْ عَلَيْكَ مَالَكَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ", قُلْتُ: فَإِنِّي أُمْسِكُ عَلَيَّ سَهْمِي الَّذِي بِخَيْبَرَ). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: "يوسف بن سعيد": هو المصّيصيّ الثقة الحافظ [١١] ١٩٨/ ١٣١ من أفراد المصنّف روى عنه في هذا الكتاب ثلاثين حديثًا. و"حجّاج بن محمَّد": هو الأعور المصّيصيّ. وقوله: "أمسك عليك مالك" أي بعض مالك، كما بينته الرويات المتقدّمة. والحديث متّفق عليه، وقد سبق تمام البحث فيه قريبًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٨٥٣ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَعْدَانَ بْنِ عِيسَى، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَعْيَنَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَعْقِلٌ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبٍ، عَنْ عَمِّهِ, عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي, كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ يُحَدِّثُ، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ اللَّهَ , إِنَّمَا نَجَّانِي بِالصِّدْقِ، وَإِنَّ مِنْ تَوْبَتِي أَنْ أَنْخَلِعَ مِنْ مَالِي, صَدَقَةً إِلَى اللَّهِ وَإِلَى رَسُولِهِ، فَقَالَ: "أَمْسِكْ عَلَيْكَ بَعْضَ مَالِكَ, فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ"، قُلْتُ: فَإِنِّي أُمْسِكُ سَهْمِي الَّذِي بِخَيْبَرَ). قال الجامع عفا الَله تعالى عنه: "محمَّد بن معدان بن عيسى": هو الْحَرّانيّ الثقة [١٢] ١٦/ ٦٤٩ من أفراد المصنف رحمه الله تعالى، روى عنه في هذا الكتاب تسعة أحاديث. و"الحسن بن أعين": هو ابن محمد بن أعين، نسب لجدّه، أبو عليّ الحرّانيّ، صدوق [٦] ١٦/ ٦٤٩. و"مَعْقِل" بفتح الميم، وكسر القاف-: هو ابن عُبيد الله الجَزَريّ، أبو عبد الله الحرانيّ، صدوق يُخطىء [٨] ٣٧/ ٩٤٠. والحديث متفقٌ عليه، وسبق القول عليه قريبًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلتُ، وإليه أنيب".

стр. 15296

٣٨ - (هَلْ تَدْخُلُ الْأَرْضُونَ فِي الْمَالِ إِذَا نَذَرَ) قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: ترجم الإمام البخاريّ -رحمه اللَّه تعالى- في "صحيحه" بقوله: "باب هل يدخل في الأيمان والنذور الأرض، والغنم، والزرع، والأمتعة". قال في "الفتح": قال ابن عبد البرّ، وتبعه جماعة: المال في لغة دَوْس قبيلةِ أبي هريرة ﵁ غير العين، كالعروض، والثياب. وعند جماعة: المال هو العين، كالذهب، والفضّة. والمعروف من كلام العرب أن كلّ ما يُتموّل، ويُملك فهو مال، وأشار البخاريّ في الترجمة إلى رجحان ذلك بما ذكره من الأحاديث، كقول عمر ﵁: "أصبت أرضًا لم اصب مالاً أنفس منه"، وقول أبي طلحة ﵁: "أحبّ أموالي إليّ بيرحاء"، وقول أبي هريرة ﵁: "لم نغنَم ذهبًا, ولا ورِقًا"، ويؤيّده قوله تعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾ [النساء: ٥]، فإنه يتناول كلّ ما يملكه الإنسان. وأما قول أهل اللغة: العرب لا توقع اسم المال عند الإطلاق إلا على الإبل؛ لشرفها عندهم، فلا يدفع إطلاقهم المال على غير الإبل، فقد أطلقوها أيضًا على غير الإبل من المواشي. ووقع في "السيرة": "فسلك في الأموال" -يعني الحائط، "ونهى عن إضاعة المال"، وهو يتناول كلّ ما يُتموّل. وقيل: المراد به هنا الأرقّاء. وقيل: الحيوان كلّه. وفي الحديث أيضًا: "ما جاءك من الرزق، وأنت غير مُشرف، فخذه، وتموّله"، وهو يتناول كلّ ما يُتموّل، والأحاديث الثلاثة مخرجة في "الصحيحين"، و"الموطّإ". وحُكي عن ثعلب: المال كلّ ما تجب فيه الزكاة، قَلَّ، أو كَثُر، فما نقص عن ذلك، فليس بمال. وبه جزم الأنباريّ. وقال غيره: المال في الأصل العين، ثم أُطلق على كلّ ما يتملّك. انتهى (١). وقد تقدّم في الباب الماضي بيان اختلاف السلف فيمن حلف، أو نذر أن يتصدّق بماله على عشرة أقوال، فمنهم من قال: كأبي حنيفة: لا يقع نذره إلا على ما فيه الزكاة، ومنهم من قال: كمالك: يتناول جميع ما يقع عليه اسم مال. قال ابن بطّال: وأحاديث الباب تشهد لقول مالك، ومن تابعه. وغرض المصنّف كالبخاريّ -رحمهما اللَّه تعالى- بهذه الترجمة الردّ على من قال: إذا حلف، أو نذر أن يتصدّق بماله كلّه اختصّ ذلك بما فيه الزكاة، دون سائر ما يملكه،

стр. 15297

وما ذهب إليه المصنّف، والبخاريّ، هو مذهب الجمهور، وهو الصحيح. ونقل محمد ابن نصر المروزيّ -رحمه اللَّه تعالى- في "كتاب الاختلاف" عن أبي حنيفة وأصحابه فيمن نذر أن يتصدّق بماله كلّه: يتصدّق بما تجب فيه الزكاة، من الذهب، والفضّة، والمواشي، لا فيما ملكه مما لا زكاة فيه، من الأرض، والدُّور، ومتاع البيت، والرقيق، والحمير، ونحو ذلك، فلا يجب عليه فيها شيء. ونصّ أحمد -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- على أن من قال: مالي في المساكين إنما يُحمل ذلك على ما نواه، أو غلب على عرفه، كما لو قال ذلك أعرابيّ، فإنه لا يحمل ذلك إلا على الإبل. انتهى. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الأدلّة الكثيرة التي تقدّم بيانها ترجّح مذهب الجمهور، كما قرّرناه آنفًا، فهو الراجح. واللَّه تعالى أعلم بالصواب. ٣٨٥٤ - (قَالَ: الْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ، قِرَاءَةً عَلَيْهِ وَأَنَا أَسْمَعُ، عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أَبِي الْغَيْثِ، مَوْلَى ابْنِ مُطِيعٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , عَامَ خَيْبَرَ, فَلَمْ نَغْنَمْ إِلَّا الْأَمْوَالَ, وَالْمَتَاعَ, وَالثِّيَابَ، فَأَهْدَى رَجُلٌ مِنْ بَنِي الضُّبَيْبِ، يُقَالُ لَهُ: رِفَاعَةُ بْنُ زَيْدٍ, لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ , غُلَامًا أَسْوَدَ, يُقَالُ لَهُ: مِدْعَمٌ، فَوُجِّهَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , إِلَى وَادِي الْقُرَى, حَتَّى إِذَا كُنَّا بِوَادِي الْقُرَى، بَيْنَا مِدْعَمٌ, يَحُطُّ رَحْلَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , فَجَاءَهُ سَهْمٌ, فَأَصَابَهُ, فَقَتَلَهُ، فَقَالَ النَّاسُ: هَنِيئًا لَكَ الْجَنَّةُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "كَلَّا, وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، إِنَّ الشَّمْلَةَ الَّتِي أَخَذَهَا يَوْمَ خَيْبَرَ مِنَ الْمَغَانِمِ, لَتَشْتَعِلُ عَلَيْهِ نَارًا", فَلَمَّا سَمِعَ النَّاسُ بِذَلِكَ, جَاءَ رَجُلٌ بِشِرَاكٍ، أَوْ بِشِرَاكَيْنِ, إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ: رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "شِرَاكٌ، أَوْ شِرَاكَانِ مِنْ نَارٍ"). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (الحارث بن مسكين) بن محمد الأمويّ مولاهم، أبو عمرو المصريّ القاضي، ثقة فقيه [١٠] ٩/ ٩. ٢ - (ابن القاسم) عبد الرحمن الْعُتَقيّ، أبو عبد اللَّه المصريّ الفقيه، صاحب مالك، ثقة، من كبار [١٠] ١٩/ ٢٠. ٣ - (مالك) بن أنس، إمام دار الهجرة، رأس المتقنين، وكبير المتثبتين [٧] ٧/ ٧. ٤ - (ثور بن زيد) الدِّيليّ المدنيّ، ثقة [٦] ١١/ ١٢٠١. [تنبيه]: وقع في "نسخ "المجتبى" المطبوعة هنا "ثور بن يزيد"، وهو غلطٌ، والصواب "ثور بن زيد"، كما هو الموجود في النسخة الهنديّة، وتقدّم مثل هذا، فتنبّه. واللَّه تعالى أعلم. ٥ - (أبو الغيث مولى ابن مطيع) سالم المدنيّ مشهور بكنيته، ثقة [٣] ٧٨/ ٢٥٧٧.

стр. 15298

[تنبيه]: وقع عند البخاريّ من طريق أبي إسحاق الفزاريّ، عن مالك، قال: حدّثني ثور، قال: حدّثني سالم مولى ابن مطيع، أنه سمع أبا هريرة ﵁، فقال في "الفتح": وسالم مولى ابن مطيع، يُكنى أبا الغيث، وهو بها أشهر، وقد سُمّي هنا، فلا التفات لقول من قال: إنه لا يوقف على اسمه صحيحًا. وهو مدنيّ، لا يُعرف اسم أبيه، وابن مطيع اسمه عبد اللَّه، وليس لسالم في الصحيح رواية عن غير أبي هريرة ﵁، له عنه تسعة أحاديث. انتهى (١). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: وله عند المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث كلّها عن أبي هريرة ﵁؛ حديث الباب، وحديث-٧٨/ ٢٥٧٧ - : "الساعي على الأمر والمساكين كالمجاهد في سبيل اللَّه " تَقَدَّمَ في "كتاب الزكاة". وحديث -١٢/ ٣٦٩٨ - : "اجتنبوا السبع الموبقات … " الحديث تَقَدَّم في "كتاب الوصايا". واللَّه تعالى أعلم. ٦ - (أبو هريرة) - رضي اللَّه تعالى عنه - ١/ ١. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه من أفراده، وأبي داود، وهو ثقة حافظ .. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخه، وابن القاسم، فمصريان. (ومنها): أن فيه أبا هريرة ﵁ رأس المكثرين السبعة، روى (٥٣٧٤) حديثًا. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) - رضي اللَّه تعالى عنه -، أنه (قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، عَامَ خَيْبَرَ) وفي رواية البخاريّ في "المغازي" من طريق أبي إسحاق الفزاريّ، عن مالك: "افتتحنا خيبر"، قال في "الفتح": في رواية عبيد اللَّه بن يحيى بن يحيى الليثيّ، عن أبيه في "الموطّإ": "حُنين" بدل خيبر، وخالفه محمد بن وضّاح، عن يحيى بن يحيى، فقال: "خيبر" مثل الجماعة. نبّه عليه ابن عبد البرّ. ووقع في رواية إسماعيل بن أبي أويس عند البخاريّ: "خرجنا مع النبيّ ﷺ إلى خيبر"، وهي رواية "الموطّإ"، أعني قوله: "خرجنا"، وأخرجها مسلم من طريق ابن وهب، عن مالك، ومن طريق عبد العزيز بن محمد الدراورديّ، عن ثور، فحكى الدارقطنيّ عن موسى بن هارون أنه قال: وَهِمَ ثور في هذا الحديث؛ لأن أبا هريرة ﵁ لم يخرُج مع النبيّ ﷺ إلى خيبر، وإنما قَدِم بعد

стр. 15299

خروجهم، وقدم عليهم خيبر بعد أن فُتحت. قال أبو مسعود: ويؤيّده حديث عنبسة بن خالد بن سعيد، عن أبي هريرة ﵁ قال: (أتيت النبيّ ﷺ بخيبر بعد ما افتتحوها"، قال: ولكن لا يشكّ أحدٌ أن أبا هريرة ﵁ حضر قسمة الغنائم، فالغرض من الحديث قصّة مِدْعَم في غلول الشملة. قال الحافظ: وكان محمد بن إسحاق صاحب "المغازي" استشعر بوهم ثور بن زيد في هذه اللفظة، فروى الحديث عنه بدونها، أخرجه ابن حبّان، والحاكم، وابن منده من طريقه، بلفظ: "انصرفنا مع رسول اللَّه ﷺ إلى وادي القرى"، ورواية أبي إسحاق الفزاريّ التي في هذا الباب تسلم من هذا الاعتراض، بأن يُحمل قوله: "افتتحنا" أي المسلمون. وروى البيهقيّ في "الدلائل" من وجه آخر عن أبي هريرة ﵁ قال: "خرجنا مع النبيّ ﷺ من خيبر إلى وادي القرى"، فلعلّ هذا أصلُ الحديث. وحديثُ قدوم أبي هريرة ﵁ المدينة، والنبيّ ﷺ بخيبر أخرجه أحمد، وابن خُزيمة، وابن حبّان من طريق خُثيم بن عراك بن مالك، عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁ قال: "قدِمتُ المدينة، والنبيّ ﷺ بخيبر، وقد استَخلف سباعَ بن عُرْفُطة"، فذكر الحديث، وفيه: "فزودُونا شيئًا حتى أتينا خيبر، وقد افتتحها النبيّ ﷺ ، فكلّم المسلمين، فأشركونا في سهامهم". وُيجمع بين هذا وبين الحصر الذي في حديث أبي موسى الأشعريّ ﵁، حيث قال: قدِمنا على النبيّ ﷺ بعد أن افتتح خيبر، فقسم لنا, ولم يَقسِم لأحد لم يَشهد الفتح غيرَنا"، متّفقٌ عليه، أن أبا موسى أراد أنه لم يُسهم لأحد لم يشهد الوقعة من غير استرضاء أحد من الغانمين، إلا لأصحاب السفينة، وأما أبو هريرة ﵁ وأصحابه، فلم يُعطهم إلا عن طيب خواطر المسلمين. واللَّه أعلم. انتهى (١). (فَلَمْ نَغنَمْ) -بفتح أوله، وثالثه- مضارع غَنِم -بكسر النون- من باب فَهِمَ، يقال: غَنِمتُ الشيء أغنمه غُنْمًا بضمّ، فسكون: أصبته غَنِيمة، ومَغْنَمًا، والجمع الغنائم، والمغانم. قال أبو عُبيد: الغَنِيمة: ما نِيلَ من أهل الشرك عَنْوَةً، والحربُ قائِمَةٌ، والفيء: ما نِيل منهم بعد أن تَضَعَ الحرب أوزارها. قاله الفيّوميّ (إِلَّا الأمْوَالَ، وَالْمَتَاعَ، وَالثيَابَ) وفي رواية البخاريّ: "ولم نَغنَم ذهبًا, ولا فضّةً، إنما غَنِمنا البقر، والإبل، والمتاع، والحوائط"، قال في "الفتح": وفي رواية مسلم: "غنمنا المتاع، والطعام، والثياب". وعند رواة "الموطّإ" "إلا الأموال، والثياب، والمتاع"، وعند يحيى بن يحيى

стр. 15300

الليثيّ وحده "إلا الأموال والثياب"، والأول هو المحفوظ، ومقتضاه أن الثياب، والمتاع، لا تُسمّى مالًا، وقد نقل ثعلب عن ابن الأعرابي في المفضّل الضبيّ قال: المال عند العرب الصامت والناطق، فالصامت: الذهب والفضّة، والجوهر والناطق: البعير والبقرة والشاة، فإذا قلت عن حضريّ: كثُر ماله، فالمراد الصامت، وإذا قلت عن بدويّ، فالمراد الناطق. انتهى. وقد أطلق أبو قتادة على البستان مالاً، فقال في قصّة السلب الذي تنازع فيه هو والقرشيّ في غزوة حُنين "فابتعت به مَخْرَفًا، فإنه لأول مال تأثّلته"، فالذي يظهر أن المال ما له قيمة، لكن قد يغلب على قوم تخصيصه بشيء، كما حكاه المفضل، فتحمل الأموال على المواشي، والحوائط التي ذكرت في رواية الباب، ولا يرِاد بها النقود؛ لأنه نفاها أوّلًا. انتهى (١). (فَأَهْدَى رَجُلٌ مِنْ بَنِي الضُّبَيْبِ) بضمّ أوّله، بصيغة التصغير، وفي رواية البخاريّ من طريق أبي إسحاق الفزاريّ، عن مالك: "أهداه له أحد بني الضّباب" -بكسر الضاد المعجمة، وموحّدتين الأولى خفيفة، بينهما ألف بلفظ جمع الضبّ. وفي رواية مسلم: "أهداه له رفاعة بن زيد، أحد بني الضّبيب". وفي رواية أبي إسحاق رفاعة بن زيد الْجُذاميّ، ثمّ الضبنيّ -بضمّ المعجمة، وفتح الموحّدة، بعدها نون، وقيل: بفتح المعجمة، وكسر الموحّدة-: نسبة إلى بطن من جُذام. (يُقَالُ لَهُ: رِفَاعَةُ بْنُ زَيدٍ) قال الواقديّ: كان رفاعة قد وفَدَ على رسول اللَّه ﷺ في ناس من قومه قبل خروجه إلى خيبر، فأسلموا، وعقد له على قومه (لِرَسُول اللَّهِ ﷺ ) متعلّق بـ "أهدى" (غُلَامًا أَسْوَدَ، يُقَالُ لَهُ: مِدْعَمٌ) بكسر الميم، وسكون الدال المهملة، وفتح العين المهملة (فَوَجَّهَ) بالبنا للفاعل، أي توجه، يقال: وَجَّهتُ إليك توجيهًا: تَوَجَّهْتُ. قاله في "القاموس". ويحتمل أن يكون المعنى فَوَجَّهَ رسول اللَّه ﷺ وَجْهَهُ، فيكون المفعول محذوفًا. واللَّه تعالى أعلم. (رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، إلَى وَادِي الْقُرَى) هو: موضعٌ قريبٌ من المدينة، على طريق الحاجّ من جهة الشام. وأصل الوادي: كلُّ منفرج بين جبال، أو آكام، يكون مَنْفَذًا للسيل، والجمع أودية. أفاده الفيّوميّ (حَتَّى إِذَا كُنَّا بِوَادِي الْقُرَى، بَيْنَا مِدْعَمٌ، يَحُطّ) بضمّ الحاء المهملة، يقال: حَطَطتُ الرحلَ وغيره حَطا، من باب قتل: أنزلته من عُلْو إلى سُفل. قاله الفيّوميّ (رَحْلَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ) الرَّحْل -بفتح، فسكون-: كلُّ شيء يُعدّ للرحيل، من وعاء للمتاع، ومَرْكبٍ للبعير، وحِلْسٍ، ورَسَنٍ، وجمعه أرحُلٌ، ورِحَالٌ، مثلُ أفلُس، وسِهَام. زاد البيهقيّ في "الدلائل": وقد استقبلتنا يهود بالرمي، ولم نكن على تعبية". (فَجَاءَهُ سَهْمٌ) وفي رواية البخاريّ: "سهم عائر" -بعين مهملة، بوزن فاعل: أي لا
следующие страницы →