٣٨ - (هَلْ تَدْخُلُ الْأَرْضُونَ فِي الْمَالِ إِذَا نَذَرَ)
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: ترجم الإمام البخاريّ -رحمه اللَّه تعالى- في "صحيحه" بقوله: "باب هل يدخل في الأيمان والنذور الأرض، والغنم، والزرع، والأمتعة". قال في "الفتح": قال ابن عبد البرّ، وتبعه جماعة: المال في لغة دَوْس قبيلةِ أبي هريرة ﵁ غير العين، كالعروض، والثياب. وعند جماعة: المال هو العين، كالذهب، والفضّة. والمعروف من كلام العرب أن كلّ ما يُتموّل، ويُملك فهو مال، وأشار البخاريّ في الترجمة إلى رجحان ذلك بما ذكره من الأحاديث، كقول عمر ﵁: "أصبت أرضًا لم اصب مالاً أنفس منه"، وقول أبي طلحة ﵁: "أحبّ أموالي إليّ بيرحاء"، وقول أبي هريرة ﵁: "لم نغنَم ذهبًا, ولا ورِقًا"، ويؤيّده قوله تعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾ [النساء: ٥]، فإنه يتناول كلّ ما يملكه الإنسان. وأما قول أهل اللغة: العرب لا توقع اسم المال عند الإطلاق إلا على الإبل؛ لشرفها عندهم، فلا يدفع إطلاقهم المال على غير الإبل، فقد أطلقوها أيضًا على غير الإبل من المواشي. ووقع في "السيرة": "فسلك في الأموال" -يعني الحائط، "ونهى عن إضاعة المال"، وهو يتناول كلّ ما يُتموّل. وقيل: المراد به هنا الأرقّاء. وقيل: الحيوان كلّه. وفي الحديث أيضًا: "ما جاءك من الرزق، وأنت غير مُشرف، فخذه، وتموّله"، وهو يتناول كلّ ما يُتموّل، والأحاديث الثلاثة مخرجة في "الصحيحين"، و"الموطّإ". وحُكي عن ثعلب: المال كلّ ما تجب فيه الزكاة، قَلَّ، أو كَثُر، فما نقص عن ذلك، فليس بمال. وبه جزم الأنباريّ. وقال غيره: المال في الأصل العين، ثم أُطلق على كلّ ما يتملّك. انتهى (١).
وقد تقدّم في الباب الماضي بيان اختلاف السلف فيمن حلف، أو نذر أن يتصدّق بماله على عشرة أقوال، فمنهم من قال: كأبي حنيفة: لا يقع نذره إلا على ما فيه الزكاة، ومنهم من قال: كمالك: يتناول جميع ما يقع عليه اسم مال. قال ابن بطّال: وأحاديث الباب تشهد لقول مالك، ومن تابعه.
وغرض المصنّف كالبخاريّ -رحمهما اللَّه تعالى- بهذه الترجمة الردّ على من قال: إذا حلف، أو نذر أن يتصدّق بماله كلّه اختصّ ذلك بما فيه الزكاة، دون سائر ما يملكه،
стр. 15297
وما ذهب إليه المصنّف، والبخاريّ، هو مذهب الجمهور، وهو الصحيح. ونقل محمد ابن نصر المروزيّ -رحمه اللَّه تعالى- في "كتاب الاختلاف" عن أبي حنيفة وأصحابه فيمن نذر أن يتصدّق بماله كلّه: يتصدّق بما تجب فيه الزكاة، من الذهب، والفضّة، والمواشي، لا فيما ملكه مما لا زكاة فيه، من الأرض، والدُّور، ومتاع البيت، والرقيق، والحمير، ونحو ذلك، فلا يجب عليه فيها شيء. ونصّ أحمد -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- على أن من قال: مالي في المساكين إنما يُحمل ذلك على ما نواه، أو غلب على عرفه، كما لو قال ذلك أعرابيّ، فإنه لا يحمل ذلك إلا على الإبل. انتهى.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الأدلّة الكثيرة التي تقدّم بيانها ترجّح مذهب الجمهور، كما قرّرناه آنفًا، فهو الراجح. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
٣٨٥٤ - (قَالَ: الْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ، قِرَاءَةً عَلَيْهِ وَأَنَا أَسْمَعُ، عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أَبِي الْغَيْثِ، مَوْلَى ابْنِ مُطِيعٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , عَامَ خَيْبَرَ, فَلَمْ نَغْنَمْ إِلَّا الْأَمْوَالَ, وَالْمَتَاعَ, وَالثِّيَابَ، فَأَهْدَى رَجُلٌ مِنْ بَنِي الضُّبَيْبِ، يُقَالُ لَهُ: رِفَاعَةُ بْنُ زَيْدٍ, لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ , غُلَامًا أَسْوَدَ, يُقَالُ لَهُ: مِدْعَمٌ، فَوُجِّهَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , إِلَى وَادِي الْقُرَى, حَتَّى إِذَا كُنَّا بِوَادِي الْقُرَى، بَيْنَا مِدْعَمٌ, يَحُطُّ رَحْلَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , فَجَاءَهُ سَهْمٌ, فَأَصَابَهُ, فَقَتَلَهُ، فَقَالَ النَّاسُ: هَنِيئًا لَكَ الْجَنَّةُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "كَلَّا, وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، إِنَّ الشَّمْلَةَ الَّتِي أَخَذَهَا يَوْمَ خَيْبَرَ مِنَ الْمَغَانِمِ, لَتَشْتَعِلُ عَلَيْهِ نَارًا", فَلَمَّا سَمِعَ النَّاسُ بِذَلِكَ, جَاءَ رَجُلٌ بِشِرَاكٍ، أَوْ بِشِرَاكَيْنِ, إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ: رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "شِرَاكٌ، أَوْ شِرَاكَانِ مِنْ نَارٍ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (الحارث بن مسكين) بن محمد الأمويّ مولاهم، أبو عمرو المصريّ القاضي، ثقة فقيه [١٠] ٩/ ٩.
٢ - (ابن القاسم) عبد الرحمن الْعُتَقيّ، أبو عبد اللَّه المصريّ الفقيه، صاحب مالك، ثقة، من كبار [١٠] ١٩/ ٢٠.
٣ - (مالك) بن أنس، إمام دار الهجرة، رأس المتقنين، وكبير المتثبتين [٧] ٧/ ٧.
٤ - (ثور بن زيد) الدِّيليّ المدنيّ، ثقة [٦] ١١/ ١٢٠١.
[تنبيه]: وقع في "نسخ "المجتبى" المطبوعة هنا "ثور بن يزيد"، وهو غلطٌ، والصواب "ثور بن زيد"، كما هو الموجود في النسخة الهنديّة، وتقدّم مثل هذا، فتنبّه. واللَّه تعالى أعلم.
٥ - (أبو الغيث مولى ابن مطيع) سالم المدنيّ مشهور بكنيته، ثقة [٣] ٧٨/ ٢٥٧٧.
стр. 15298
[تنبيه]: وقع عند البخاريّ من طريق أبي إسحاق الفزاريّ، عن مالك، قال: حدّثني ثور، قال: حدّثني سالم مولى ابن مطيع، أنه سمع أبا هريرة ﵁، فقال في "الفتح": وسالم مولى ابن مطيع، يُكنى أبا الغيث، وهو بها أشهر، وقد سُمّي هنا، فلا التفات لقول من قال: إنه لا يوقف على اسمه صحيحًا. وهو مدنيّ، لا يُعرف اسم أبيه، وابن مطيع اسمه عبد اللَّه، وليس لسالم في الصحيح رواية عن غير أبي هريرة ﵁، له عنه تسعة أحاديث. انتهى (١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: وله عند المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث كلّها عن أبي هريرة ﵁؛ حديث الباب، وحديث-٧٨/ ٢٥٧٧ - : "الساعي على الأمر والمساكين كالمجاهد في سبيل اللَّه " تَقَدَّمَ في "كتاب الزكاة". وحديث -١٢/ ٣٦٩٨ - : "اجتنبوا السبع الموبقات … " الحديث تَقَدَّم في "كتاب الوصايا". واللَّه تعالى أعلم.
٦ - (أبو هريرة) - رضي اللَّه تعالى عنه - ١/ ١. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه من أفراده، وأبي داود، وهو ثقة حافظ .. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخه، وابن القاسم، فمصريان. (ومنها): أن فيه أبا هريرة ﵁ رأس المكثرين السبعة، روى (٥٣٧٤) حديثًا. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) - رضي اللَّه تعالى عنه -، أنه (قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، عَامَ خَيْبَرَ) وفي رواية البخاريّ في "المغازي" من طريق أبي إسحاق الفزاريّ، عن مالك: "افتتحنا خيبر"، قال في "الفتح": في رواية عبيد اللَّه بن يحيى بن يحيى الليثيّ، عن أبيه في "الموطّإ": "حُنين" بدل خيبر، وخالفه محمد بن وضّاح، عن يحيى بن يحيى، فقال: "خيبر" مثل الجماعة. نبّه عليه ابن عبد البرّ. ووقع في رواية إسماعيل بن أبي أويس عند البخاريّ: "خرجنا مع النبيّ ﷺ إلى خيبر"، وهي رواية "الموطّإ"، أعني قوله: "خرجنا"، وأخرجها مسلم من طريق ابن وهب، عن مالك، ومن طريق عبد العزيز بن محمد الدراورديّ، عن ثور، فحكى الدارقطنيّ عن موسى بن هارون أنه قال: وَهِمَ ثور في هذا الحديث؛ لأن أبا هريرة ﵁ لم يخرُج مع النبيّ ﷺ إلى خيبر، وإنما قَدِم بعد
стр. 15299
خروجهم، وقدم عليهم خيبر بعد أن فُتحت. قال أبو مسعود: ويؤيّده حديث عنبسة بن خالد بن سعيد، عن أبي هريرة ﵁ قال: (أتيت النبيّ ﷺ بخيبر بعد ما افتتحوها"، قال: ولكن لا يشكّ أحدٌ أن أبا هريرة ﵁ حضر قسمة الغنائم، فالغرض من الحديث قصّة مِدْعَم في غلول الشملة.
قال الحافظ: وكان محمد بن إسحاق صاحب "المغازي" استشعر بوهم ثور بن زيد في هذه اللفظة، فروى الحديث عنه بدونها، أخرجه ابن حبّان، والحاكم، وابن منده من طريقه، بلفظ: "انصرفنا مع رسول اللَّه ﷺ إلى وادي القرى"، ورواية أبي إسحاق الفزاريّ التي في هذا الباب تسلم من هذا الاعتراض، بأن يُحمل قوله: "افتتحنا" أي المسلمون. وروى البيهقيّ في "الدلائل" من وجه آخر عن أبي هريرة ﵁ قال: "خرجنا مع النبيّ ﷺ من خيبر إلى وادي القرى"، فلعلّ هذا أصلُ الحديث. وحديثُ قدوم أبي هريرة ﵁ المدينة، والنبيّ ﷺ بخيبر أخرجه أحمد، وابن خُزيمة، وابن حبّان من طريق خُثيم بن عراك بن مالك، عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁ قال: "قدِمتُ المدينة، والنبيّ ﷺ بخيبر، وقد استَخلف سباعَ بن عُرْفُطة"، فذكر الحديث، وفيه: "فزودُونا شيئًا حتى أتينا خيبر، وقد افتتحها النبيّ ﷺ ، فكلّم المسلمين، فأشركونا في سهامهم".
وُيجمع بين هذا وبين الحصر الذي في حديث أبي موسى الأشعريّ ﵁، حيث قال: قدِمنا على النبيّ ﷺ بعد أن افتتح خيبر، فقسم لنا, ولم يَقسِم لأحد لم يَشهد الفتح غيرَنا"، متّفقٌ عليه، أن أبا موسى أراد أنه لم يُسهم لأحد لم يشهد الوقعة من غير استرضاء أحد من الغانمين، إلا لأصحاب السفينة، وأما أبو هريرة ﵁ وأصحابه، فلم يُعطهم إلا عن طيب خواطر المسلمين. واللَّه أعلم. انتهى (١).
(فَلَمْ نَغنَمْ) -بفتح أوله، وثالثه- مضارع غَنِم -بكسر النون- من باب فَهِمَ، يقال: غَنِمتُ الشيء أغنمه غُنْمًا بضمّ، فسكون: أصبته غَنِيمة، ومَغْنَمًا، والجمع الغنائم، والمغانم. قال أبو عُبيد: الغَنِيمة: ما نِيلَ من أهل الشرك عَنْوَةً، والحربُ قائِمَةٌ، والفيء: ما نِيل منهم بعد أن تَضَعَ الحرب أوزارها. قاله الفيّوميّ (إِلَّا الأمْوَالَ، وَالْمَتَاعَ، وَالثيَابَ) وفي رواية البخاريّ: "ولم نَغنَم ذهبًا, ولا فضّةً، إنما غَنِمنا البقر، والإبل، والمتاع، والحوائط"، قال في "الفتح": وفي رواية مسلم: "غنمنا المتاع، والطعام، والثياب". وعند رواة "الموطّإ" "إلا الأموال، والثياب، والمتاع"، وعند يحيى بن يحيى
стр. 15300
الليثيّ وحده "إلا الأموال والثياب"، والأول هو المحفوظ، ومقتضاه أن الثياب، والمتاع، لا تُسمّى مالًا، وقد نقل ثعلب عن ابن الأعرابي في المفضّل الضبيّ قال: المال عند العرب الصامت والناطق، فالصامت: الذهب والفضّة، والجوهر والناطق: البعير والبقرة والشاة، فإذا قلت عن حضريّ: كثُر ماله، فالمراد الصامت، وإذا قلت عن بدويّ، فالمراد الناطق. انتهى. وقد أطلق أبو قتادة على البستان مالاً، فقال في قصّة السلب الذي تنازع فيه هو والقرشيّ في غزوة حُنين "فابتعت به مَخْرَفًا، فإنه لأول مال تأثّلته"، فالذي يظهر أن المال ما له قيمة، لكن قد يغلب على قوم تخصيصه بشيء، كما حكاه المفضل، فتحمل الأموال على المواشي، والحوائط التي ذكرت في رواية الباب، ولا يرِاد بها النقود؛ لأنه نفاها أوّلًا. انتهى (١).
(فَأَهْدَى رَجُلٌ مِنْ بَنِي الضُّبَيْبِ) بضمّ أوّله، بصيغة التصغير، وفي رواية البخاريّ من طريق أبي إسحاق الفزاريّ، عن مالك: "أهداه له أحد بني الضّباب" -بكسر الضاد المعجمة، وموحّدتين الأولى خفيفة، بينهما ألف بلفظ جمع الضبّ. وفي رواية مسلم: "أهداه له رفاعة بن زيد، أحد بني الضّبيب". وفي رواية أبي إسحاق رفاعة بن زيد الْجُذاميّ، ثمّ الضبنيّ -بضمّ المعجمة، وفتح الموحّدة، بعدها نون، وقيل: بفتح المعجمة، وكسر الموحّدة-: نسبة إلى بطن من جُذام.
(يُقَالُ لَهُ: رِفَاعَةُ بْنُ زَيدٍ) قال الواقديّ: كان رفاعة قد وفَدَ على رسول اللَّه ﷺ في ناس من قومه قبل خروجه إلى خيبر، فأسلموا، وعقد له على قومه (لِرَسُول اللَّهِ ﷺ ) متعلّق بـ "أهدى" (غُلَامًا أَسْوَدَ، يُقَالُ لَهُ: مِدْعَمٌ) بكسر الميم، وسكون الدال المهملة، وفتح العين المهملة (فَوَجَّهَ) بالبنا للفاعل، أي توجه، يقال: وَجَّهتُ إليك توجيهًا: تَوَجَّهْتُ. قاله في "القاموس". ويحتمل أن يكون المعنى فَوَجَّهَ رسول اللَّه ﷺ وَجْهَهُ، فيكون المفعول محذوفًا. واللَّه تعالى أعلم. (رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، إلَى وَادِي الْقُرَى) هو: موضعٌ قريبٌ من المدينة، على طريق الحاجّ من جهة الشام. وأصل الوادي: كلُّ منفرج بين جبال، أو آكام، يكون مَنْفَذًا للسيل، والجمع أودية. أفاده الفيّوميّ (حَتَّى إِذَا كُنَّا بِوَادِي الْقُرَى، بَيْنَا مِدْعَمٌ، يَحُطّ) بضمّ الحاء المهملة، يقال: حَطَطتُ الرحلَ وغيره حَطا، من باب قتل: أنزلته من عُلْو إلى سُفل. قاله الفيّوميّ (رَحْلَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ) الرَّحْل -بفتح، فسكون-: كلُّ شيء يُعدّ للرحيل، من وعاء للمتاع، ومَرْكبٍ للبعير، وحِلْسٍ، ورَسَنٍ، وجمعه أرحُلٌ، ورِحَالٌ، مثلُ أفلُس، وسِهَام.
زاد البيهقيّ في "الدلائل": وقد استقبلتنا يهود بالرمي، ولم نكن على تعبية".
(فَجَاءَهُ سَهْمٌ) وفي رواية البخاريّ: "سهم عائر" -بعين مهملة، بوزن فاعل: أي لا
стр. 15301
يُدرَى من رمى به. وقيل: هو الحائد عن قصده (فَأَصَابَهُ) أي أصاب ذلك السهم مِدْعمًا (فَقَتَلَهُ، فَقَالَ النَّاسُ: هَنِيئًا لَكَ الجَنَّةُ) أي لأنه مات شهيدًا، في خدمة النبيّ ﷺ (فَقَالَ: رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (كَلَّا) حرف ردع، وزجر (وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِه، إِنَّ الشَّمْلَةَ) -بفتح الشين المعجمة، وسكون الميم-: كساء صغيرٌ، يؤتزر به، والجمع شَمَلات، مثلُ سَجْدة وسَجَدَات، وشِمَال أيضًا، مثلُ كلبة وكلاب. قاله الفيّوميّ (الَّتِي أَخَذَهَا يَومَ خَيْبَرَ مِنَ الْمَغَانِمِ) أي قبل قسمتها غُلُولًا (لَتَشْتَعِلُ عَلَيْهِ نَارًا") يحتمل أن يكون ذلك حقيقةً بأن تصير الشَّمْلةُ نفسها نارًا، يُعذب بها، ويحتمل أن يكون المراد أنها سبب لعذاب النار، وكذا القول في "الشراك" الآتي ذكره. قاله في "الفتح".
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الاحتمال الأول هو الأولى؛ لأن ألفاظ الشارع إذا أمكن حمدها على ظاهرها لا ينبغي العدول عنه، فتنبّه. واللَّه تعالى أعلم.
(فَلَمَّا سَمِعَ النَّاسُ بِذَلِكَ، جَاءَ رَجُلٌ) قال الحافظ: لم أقف على اسمه (بِشِرَاكٍ، أَوْ بِشِرَاكَينِ) -بكسر الشين المعجمة، وتخفيف الراء-: سَيْرُ النعل على ظهر القدم (إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "شِرَاكٌ، أَوْ شِرَاكَانِ مِنْ نَارٍ") أي لولا رددتها، أو هو ردّ بعد الفراغ من القسمة، وقسمتها وحدها لا يُتصوّر، فلذلك قال ﷺ ما قال، واللَّه تعالى أعلم بحقيقة الحال.
وفي حديث عبد اللَّه بن عمرو ﵄ قال: "كان على ثَقَل النبيّ ﷺ رجلٌ يقال له: كركرة (١)، فمات، فقال النبيّ ﷺ : هو في النار في عباءة غَلَّها".
قال في "الفتح": وكلام عياض يُشعر بأن قصّته مع قصَّة مِدعَم متّحدة، والذي يظهر من عدّة أوجه تغايرهما. نعم عند مسلم من حديث عمر ﵁: "لَمّا كان يوم خيبر قالوا: فلان شهيد، فقال النبيّ ﷺ -كلّا إني رأيته في النار في بردة غَلّها، أو عباءة"، فهذا يمكن تفسيره بكركرة، بخلاف قصّة مِدعم، فإنها كانت بوادي القرى، ومات بسهم عائر، وغَلَّ شَمْلةً، والذي أهدى للنبيّ ﷺ كركرة هَوْذَة بن عليّ، بخلاف مِدعَم، فأهداه رفاعة، فافترقا. واللَّه أعلم.
وذكر البيهقيّ في روايته أنه ﷺ حاصر أهل وادي القرى حتى فتحها، وبلغ ذلك أهل تيماء، فصالحوه. انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب, وهو المستعان، وعليه التكلان.
стр. 15302
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث أبي هريرة - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٣٨/ ٣٨٥٤ - وفي "الكبرى" ١٥/ ٤٧٦٨. وأخرجه (خ) في "المغازي" ٤٢٣٤ و"الأيمان والنذور" ٦٧٠٧ (م) في "الإيمان" ١١٥ (د) في "الجهاد" ٢٧١١ (الموطأ) في "الجهاد" ٩٩٧. واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان أنه إذا أوصى الإنسان بماله، دخلت فيه الأراضي؛ لأن أبا هريرة ﵁ أراد بقوله: "فلم نغنم إلا الأموال" ما يشمل الأراضي قطعًا، وإلا لا يستقيم الحصر، ضرورة أنهم غنِموا أراضي كثيرة، وأبو هريرة ﵁ ممن يعلم اللغة، وإطلاقات الشارع، فعُلم أن اسم المال يطلق على الأراضي، وهذا هو مذهب المصنّف، والبخاريّ، وجمهور العلماء، وهو الراجح، كما تقدّم بيانه. واللَّه تعالى أعلم.
(ومنها): تحريم الغلول، وتعظيم شأنه، وإن كان قليلاً، وأنه من الكبائر؛ لتوعّده بالنار. (ومنها): حلّ الغنائم، وهو من خصوصيّات النبيّ ﷺ ، فلم تحلّ لأحد من الأنبياء قبله، كما تقدّم بيان ذلك في "كتاب التيمّم". (ومنها): أن فيه علمًا من أعلام النبوّة، ومعجزة ظاهرةً للنبيّ ﷺ ، حيث يُطلعه اللَّه على المغيّبات، من أحوال الموتى، فيرى المعذّبين، ونوع عذابهم، وسببه، فيخبر بذلك أصحابه؛ تحذيرًا لهم، ولأمته جميعًا عن التعرْض لأسباب العذاب. (ومنها): جواز قبول الإمام الهديّة، فإن كان لأمر يختصّ به في نفسه أن لو كان غير والٍ، فله التصرّف فيها بما أراد، وإلا فلا يتصرّف فيها إلا في مصلحة المسلمين، وعلى هذا التفصيل يُحمل حديث: "هدايا الأمراء غُلُول"، فيُخصّ بمن أخذها، فاستبدّ بها. وخالف في ذلك بعض الحنفيّة، فقال: له الاستبداد مطلقًا، بدليل أنه لو ردّها على مُهديها لجاز، فلو كانت فيئًا للمسلمين لما ردّها. وفي هذا الاحتجاج نظرٌ لا يخفى. قاله في "الفتح" (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعتُ، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكّلتُ، وإليه أنيب".
стр. 15303
٣٩ - (الاسْتِثْنَاءُ)
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الظاهر أن المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- أراد بهذه الترجمة الاستثناء في النذر؛ لأن الاستثناء في اليمين تقدّم له في أبواب الأيمان -١٨/ ٣٨٢٠ - "من حلف، فاستثنى"، ولما كان النذر واليمين يتشابهان في كثير من أحكامهما استدلّ بالأحاديث الواردة في الاستثناء في الأيمان على جواز الاستثناء في النذور؛ لذلك. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
٣٨٥٥ - (أَخْبَرَنَا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى, قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ, قَالَ: أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ, أَنَّ كَثِيرَ بْنَ فَرْقَدٍ, حَدَّثَهُ أَنَّ نَافِعًا حَدَّثَهُمْ, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ, قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ حَلَفَ, فَقَالَ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ, فَقَدِ اسْتَثْنَى»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا غير مرّة. و"ابن وهب": هو عبد اللَّه. و"عمرو بن الحارث": هو أبو أيوب المصريّ الثقة الفقيه الحافظ [٧] ٦٣/ ٧٩. و"كثير بن فّرْقّ": هو المدنيّ، نزيل مصر الثقة [٧] ٣٠/ ١٥٨٩.
وقوله: "فقد استثنى" أي ثبت له حكم استثنائه، وهو معنى قوله في الحديث الثاني: "فهو بالخيار، إن شاء أمضى، وإن شاء ترك". ولفظ "الكبرى": "فله ثُنياه" وهو بضمّ الثاء المثلّثة، وسكون النون، بعدها تحتانيّة، مقصورًا، بمعنى الاستثناء، أي له استثناؤه. والحديث صحيحٌ، وقد سبق تمام البحث عنه في -١٨/ ٣٨٢٠ - "من حلف، فاستثنى"، فراجعه تستفد، وباللَّه تعالى التوفيق. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٨٥٦ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ, عَنْ أَيُّوبَ, عَنْ نَافِعٍ, عَنِ ابْنِ عُمَرَ, قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ حَلَفَ, فَقَالَ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ, فَقَدِ اسْتَثْنَى»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه، وهو الجوّاز المكيّ الثقة فإنه من أفراده. و"سفيان": هو ابن عيينة. و"أيوب": هو السختياني. و"نافع": هو مولى ابن عمر. والحديث صحيح، كما سبق بيانه في الذي قبله. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٨٥٧ - (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ سُلَيْمَانَ, قَالَ: حَدَّثَنَا عَفَّانُ, قَالَ: حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ, قَالَ: حَدَّثَنَا أَيُّوبُ, عَنْ نَافِعٍ, عَنِ ابْنِ عُمَرَ, عَنِ النَّبِيِّ ﷺ , قَالَ: «مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ,
стр. 15304
فَقَالَ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ, فَهُوَ بِالْخِيَارِ, إِنْ شَاءَ أَمْضَى, وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه، فهو من أفراده، وهو رُهاويّ ثقة حافظ. و"عفان": هو ابن مسلم الصفّار البصريّ الثقة الثبت. و"وُهيب": هو ابن خالد الباهليّ البصريّ الثقة الثبت. والحديث صحيح، كما سبق بيانه قريبًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعتُ، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكّلتُ، وإليه أنيب".
…
٤٠ - (إِذَا حَلَفَ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: إِنْ شَاءَ اللَّه، هَلْ لَهُ اسْتِثْنَاءٌ؟)
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: يعني أنه إذا حلف شخصٌ، ولم يستثن، فذكّره رجلٌ، فقال له: قل: إن شاء اللَّه، فقال ذلك، هل يكون ذلك استثناء صحيحًا، أم لا؟، وقد اختُلف فيه، ولكن الظاهر أنه صحيحٌ، لظاهر قوله ﷺ : "لو قال: إن شاء اللَّه لم يحنث"، فإن ظاهره أن قول الصاحب كان بعد كلام سليمان ﵇، فيدلّ على أنه إذا قاله متّصلاً جاز، ولا يُعد ذلك فصلاً مانعًا عن صحّة الاستثناء، كالفصل بالأشياء الضرورية؛ كالسعال، ونحوه؛ لأن نسيانه، مع قصر الزمن يكون عذرًا.
وقال في "الفتح": استدلّ بهذا الحديث من قال: الاستثناء إذا عَقَبَ اليمينَ، ولو تخلّل بينهما شيء يسير لا يضرّ، فإن الحديث دلّ على أن سليمان، لو قال: إن شاء اللَّه عقب قول صاحبه له: قل: إن شاء اللَّه لأفاد، مع التخلّل بين كلاميه بمقدار قول الصاحب. وأجاب القرطبيّ باحتمال أن يكون الملك قال ذلك في أثناء كلام سليمان. قال الحافظ: وهو احتمال ممكن يسقط به الاستدلال المذكور. انتهى (١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: عندي أن ما دلّ عليه ظاهر الحديث كافٍ للتمسك به، فإنه يدلّ على أن الملك ذكّر سليمان ﵇، بعد سماعه كلامه، وتأكّده من عدم استثنائه، فاحتمال أنه ذكّره في أثناء كلامه بعيدٌ جدًّا؛ لأنه لا يدري هل يستثني بعد كلامه، أم لا؟، فلما تحقّق لديه أنه ما استثنى مع حاجته إلى الاستثناء ذكّره.
стр. 15305
والحاصل أن الاحتمال الذي ذكره القرطبيّ بعيد، فلا يسقط الاستدلال المذكور. فتنبّه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
٣٨٥٨ - (أَخْبَرَنَا عِمْرَانُ بْنُ بَكَّارٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَيَّاشٍ, قَالَ: أَنْبَأَنَا شُعَيْبٌ, قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو الزِّنَادِ, مِمَّا حَدَّثَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ الأَعْرَجُ, مِمَّا ذَكَرَ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ, يُحَدِّثُ بِهِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «قَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ: لأَطُوفَنَّ اللَّيْلَةَ عَلَى تِسْعِينَ امْرَأَةً, كُلُّهُنَّ يَأْتِي بِفَارِسٍ, يُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ , فَقَالَ لَهُ صَاحِبُهُ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ, فَلَمْ يَقُلْ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ, فَطَافَ عَلَيْهِنَّ جَمِيعًا, فَلَمْ تَحْمِلْ مِنْهُنَّ إِلاَّ امْرَأَةٌ وَاحِدَةٌ, جَاءَتْ بِشِقِّ رَجُلٍ, وَايْمُ الَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ, لَوْ قَالَ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ, لَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ, فُرْسَانًا أَجْمَعِينَ»).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (عمران بن بكار) الكَلَاعيّ البرّاد الحمصيّ المؤذن، ثقة [١١] ١٧/ ١٥٤١.
٢ - (عليّ بن عياش) - بتحتانيّة، ومعجمة-: هو الألهانيّ الحمصيّ الثقة الثبت [٩] ١٢٣/ ١٨٢.
٣ - (شُعيب) بن أبي حمزة دينار الأمويّ مولاهم، أبو بشر الحمصيّ ثقة عابد، قال ابن معين: أثبت الناس في الزهريّ [٧] ٦٩/ ٨٥.
٤ - (أبو الزناد) عبد اللَّه بن ذكوان القرشيّ، أبو عبد الرحمن المدنيّ، ثقة فقيه [٥] ٧/ ٧.
٥ - (الأعرج) عبد الرحمن بن هُرمُز، أبو داود المدنيّ، مولى ربيعة بن الحارث، ثقة ثبت فقيه [٣] ٧/ ٧. .
٦ - (أبو هريرة) - رضي اللَّه تعالى عنه - ١/ ١. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه من أفراده. (ومنها): أنه مسلسل بالحمصيين إلى شعيب، وبالمدنيين بعده. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ، وفيه أبو هريرة ﵁ رأس المكثرين من الرواية, روى (٥٣٧٤) حديثًا. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
عن شعيب بن أبي حمزة، أنه قال: (حَدَّثَني أَبُو الزِّنَادِ) عبد اللَّه بن ذكوان (مِمَّا حَدَّثَهُ) أي من جملة الأحاديث التي حدّثه بها، فـ"من" تبعيضيّة، أو هي بمعنى "في" أي جملتها
стр. 15306
(عَبْدُ الرَّحْمَنِ الأَعْرَجُ، مِمَّا ذَكَرَ) بالبناء للفاعل، والفاعل ضمير عبد الرحمن (أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ) ﵁ (يُحَدِّثُ بِهِ , عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ) الجملة في محلّ نصب على الحال من المفعول (قَالَ) ﷺ (قَالَ: سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ) النبيّ ابن النبيّ صلوات اللَّه وسلامه عليهما (لَأَطُوفَنَّ اللَّيْلَةَ) وفي رواية: "لأُطيفنّ": قال القرطبيّ: كلاهما صحيح في اللغة، يقال: أطفت بالشيء أُطيف به، وأنا مُطيفٌ، وطُفتُ على الشيء وبه، أطوف، وأنا طائفٌ، كما قال تعالى: ﴿فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ﴾ [القلم: ١٩]، وأصله الدوَرَان حول الشيء، ومنه الطواف بالبيت، وهو في هذا الحديث كناية عن الجماع، كما جاء عن نبينا ﷺ أنه كان يطوف على نسائه، وهنّ تسعٌ في ساعة واحدة من ليل أو نهار، متّفقٌ عليه. (١).
واللام جواب لقسم محذوف، أي واللَّه لأطوفنّ، ويؤيّده قوله في آخره: "لم يَحنث"؛ لأن الحنث لا يكون إلا قسم، والقسم لا بدّ له من مقسم به. قاله في "الفتح".
وقال القرطبيّ: هذا الكلام قسم، وإن لم يُذكر فيه مقسمٌ به؛ لأن لام "لأطوفنّ" هي الداخلة على جواب القسم، فكثيرًا ما تحَذِف معها العرب المقسمَ به، اكتفاءً بدلالتها على المقسم به؛ لكنها لا تدلّ على مقسم به معين. انتهى (٢).
(عَلَى تِسْعِينَ امْرَأَةَ) هكذا في هذه الرواية "تسعين"، وفي رواية "سبعين امرأة"، وفي رواية "كان لسليمان ستون امرأة"، وفي رواية "مائة امرأة"، وفي رواية: "مائة امرأة، أو تسع وتسعون" على الشكّ، وكلها في الصحيح.
قال في "الفتح": فمحصّل الروايات: ستون، وسبعون، وتسعون، وتسع وتسعون، ومائة. والجمع بينها أن الستّين كنّ حرائر، ومازاد عليهن كنّ سراري، أو بالعكس، وأما السبعون فللمبالغة، وأما التسعون، والمائة، فكن دون المائة، وفوق التسعين، فمن قال: تسعون ألغى الكسر، ومن قال: مائة جبره، ومن ثَمّ وقع التردد في بعض الروايات، كما تقدّم (٣).
وأما قول النوويّ، ومن وافقه في الجواب عن اختلاف العدد: إن مفهوم العدد ليس بحجة عند الجمهور، فذكر القليل لا ينفي ذكر الكثير. فقد تُعُقّب بأن الشافعيّ نصّ على أن مفهوم العدد حجة، وجزم بنقله عنه الشيخ أبو حامد، والماورديّ، وغيرهما, ولكن
стр. 15307
شرطه أن لا يُخالفه المنطوق. قال الحافظ: والذي يظهر مع كون مخرج الحديث عن أبي هريرة ﵁، واختلاف الرواة عنه أن الحكم للزائد؛ لأن الجميع ثقات. انتهى (١).
[فائدة]: قد حكى وهب بن منبه في "المبتدإ" أنه كان لسليمان ألف امرأة، ثلاثمائة مَهِيرَة (٢)، وسبعمائة سريّة، ونحوه مما أخرج الحاكم في "المستدرك" من طريق أبي معشر، عن محمد بن كعب، قال: بلغنا أنه كان لسليمان ألف بيت من قوارير على الخشب، فيها ثلاثمائة صريحة، وسبعمائة سريّة. ذكره في "الفتح" (٣).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذه الحكاية من الإسرائيليات، تحتاج إلى التثبّت فيها، والذي ثبت عندنا في الصحيح ما جاوز المائة، فاللَّه تعالى أعلم بصحّتها.
(كُلُّهُن يَأتي يفَارِسٍ) ولفظ البخاريّ: "تحمل كلّ امرأة فارسًا" (يُجَاهِدُ فِي سَبِيل اللَّهِ ) هذا قاله على سبيل التمنّي للخير، وإنما جزم به لأنه غلب عليه الرجاء؛ لكونه قصد به الخير، وأمر الآخرة، لا لغرض الدنيا.
(فَقَالَ: لَهُ صَاحِبُهُ: إنْ شَاءَ اللَّهُ) جملة الشرط مقول يقول مقدّر، أي قل، وقد صُرّح به في رواية مسلم، ولفظه: "فقال له صاحبه، أو الملك: قل: إن شاء اللَّه". وفي رواية عند البخاريّ: "فقال له الملك"، وفي رواية: "فقال له صاحبه، قال سفيان: الملك". قال في "الفتح": وفي هذا إشعار بأن تفسير "صاحبه" بالملك، ليس بمرفوع، لكن في "مسند الحميديّ" عن سفيان: "فقال له صاحبه، أو الملك" بالشكّ، ومثلها لمسلم، وفي الجملة: ففيه ردّ على من فسّر "صاحبه" بأنه الذي عنده علم من الكتاب، وهو آصِف -بالمدّ، وكسر المهملة، بعدها فاء ابن بَرْخِيَا -بفتح الموحّدة، وسكون الراء، وكسر المعجمة، بعدها تحتانيّة-، وقال القرطبيّ في قوله: "فقال له صاحبه، أو الملك": إن كان صاحبه، فيعني وزيره من الإنس، والجنّ، وإن كان الملك، فهو الذي كان يأتيه بالوحي، وقال: وقد أبعد من قال المراد به خاطره. انتهى (٤). وقال النوويّ: قيل: المراد بصاحبه الملك، وهو الظاهر من لفظه. وقيل: القرين. وقيل: صاحبٌ له آدميّ. انتهى (٥).
قال الحافظ: ليس بين قوله: صاحبه، والملك منافاة، إلا أن لفظة "صاحبه" أعمّ، فمن ثم نشأ لهم الاحتمال، ولكن الشكّ لا يؤثّر في الجزم، فمن جزم بأنه الملك حجة
стр. 15308
على من لم يجزم. انتهى (١).
وقال القرطبيّ: قوله: "قل: إن شاء اللَّه" هذا تذكير له بأن يقول بلسانه، لا أنه غفل عن التفويض إلى اللَّه تعالى بقلبه، فإن ذلك بعيد على الأنبياء ﵈، وغير لائق بمناصبهم الرفيعة، ومعارفهم المتوالية، وإنما هذا كما قد اتّفق لنبينا ﷺ لَمّا سُئل عن الروح، والخضر، وذي القرنين، فوعدهم بأن يأتي بالجواب غدًا، جازمًا بما عنده من معرفته باللَّه تعالى، وصدق وعده في تصديقه، وإظهار كلمته، لكنه ذهل عن النطق بكلمة "إن شاء اللَّه"، لا عن التفويض إلى اللَّه تعالى بقلبه، فأُدّب بأن تأخّر الوحي عنه؛ حتى رموه بالتكذيب لأجلها، ثم إن اللَّه تعالى علمه، وأدّبه بقوله: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف: ٢٣ - ٢٤] فكان بعد ذلك يستعمل هذه الكلمة حتى في الواجب. وهذا لعلوّ مناصب الأنبياء، وكمال معرفتهم باللَّه تعالى، يناقَشُون، ويُعاتَبون على ما لا يُعاتب عليه غيرهم، كما قد قال النبيّ ﷺ في حقّ لوط: "ويرحم اللَّه لوطًا لقد كان يأوي إلى ركن شديد"، فعتب عليه نطقه بكلمة يسوغ لغيره أن ينطق بها. انتهى كلام القرطبيّ (٢).
(فَلَمْ يَقُلْ: إن شَاءَ اللَّه) وفي رواية معمر، عن طاوس عند البخاريّ: قال: "ونسي أن يقول: إن شاء اللَّه". والمعنى: أنه لم يقل: إن شاء اللَّه بلسانه، لا أنه أبى أن يفوّض أمره إلى اللَّه ، بل كان ذلك ثابتًا في قلبه، لكنه اكتفى بذلك أوّلًا، ونسي أن يُجريه على لسانه لَمّا قيل له؛ لشيء عرَضَ له.
(فَطَافَ) وفي رواية للبخاريّ: "فأطاف بهنّ، وتقدّم أن طاف، وأطاف بمعنى واحد (عَلَيْهِنَّ جَمِيعًا، فَلَمْ تَحْمِلْ) بفتح أوله، وكسر ثالثه، من حمل يحمِل، من باب ضرب (مِنْهُنَّ إِلاَّ امْرَأَةٌ وَاحِدَةٌ، جَاءَتْ بِشِقِّ رَجُلٍ) وفي رواية للبخاريّ: "إلا واحدًا ساقطًا أحد شقيه"، وفي رواية له: "ولدت شِقّ غَلام"، وفي رواية: "نصف إنسان". قال في "الفتح": وحكى النقّاش في "تفسيره" أن الشقّ المذكور هو الجسد الذي أُلقي على كرسيّه، وقد ثبت عن غير واحد من المفسّرين أن المراد بالجسد المذكور شيطان، وهو المعتمد، والنقّاش صاحب مناكير. انتهى.
(وَايمُ الَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ) ﷺ (بِيَدِهِ) فيه إثبات اليد للَّه على ما يليق بجلاله.
[تنبيه]: قوله: (وايم) بكسر الهمزة، وبفتحها، والميم مضمومة. وحكى الأخفش
стр. 15309
كسرها مع كسر الهمزة، وهو اسم عند الجمهور، وحرفٌ عند الزّجاج، وهمزته همزة وصل عند الأكثر، وهمزة قطع عند الكوفيين، ومن وافقهم؛ لأنه عندهم جمع يمين، وعند سيبويه، ومن وافقه أنه اسم مفرد، واحتجّوا بجواز كسر همزته، وفتح ميمه، قال ابن مالك: فلو كان جمعًا لم تحُذف همزته، واحتجّ يقول عروة بن الزبير لَمّا أُصيب بولده، ورجله: "لَيْمُنُكَ، لئن ابتليتَ، لقد عافيت، ولئن كُنت سَلَبْتَ، لقد أبقيتَ"، قال: فلو كان جمعًا، لم يُتصرّف فيه بحذف بعضه، قال: وفيه اثنتا عشرة لغةً، جمعتها في بيتين، وهما [من البسيط]:
هَمْزَ ايْمُ أَيْمُنُ فَاَفْتَحِ اَكْسِرَ أَو أَمُ قُلْ … أَوْ قُلْ مُ أَوْ مُنُ بِالتَّثْلِيثِ قَدْ شُكِّلَا
وَأَيْمُنَ اخْتِم بِهِ وَاللَّهِ كُلّا أَضِفْ … إِلَيْهِ فِي قَسَمٍ تَسْتَوْفِ مَا نُقِلَا
قال ابن أبي الفتح تلميذ ابن مالك: فاته أَم بفتح الهمزة، وهيم بالهاء بدل الهمزة، وقد حكاها القاسم بن أحمد المعلم الأندلسيّ في "شرح المفصّل".
وقال غيره: أصله يمين اللَّه، ويجمع أيمنا، فيقال: وأيمن، حكاه أبو عُبيدة، وأنشد لزُهير بن أبي سُلْمَى [من الوافر]:
فَتُجمَعُ أَيْمُنٌ مِنَّا وَمِنْكُمْ … بِمُقْسَمَةٍ تَمُورُ بِهَا الدِّمَاءُ
وقالوا عند القسم: وأيمن اللَّه، ثم كثر، فحذفوا النون، كما حذفوها من لم يكن، فقالوا: لم يك، ثم حذفوا الياء، فقالوا: أم اللَّه، ثم حذفوا الألف، فاقتصروا على الميم مفتوحة، ومضمومة، ومكسورة، وقالوا: أيضًا من اللَّه بكسر الميم، وضمها، وأجازوا في أيمن فتح الميم، وضمّها، وكذا في أيم، ومنهم من وصل الألف، وجعل الهمزة زائدة، أو مسهلة، وعلى هذا تبلغ لغاتها عشرين. وقال الجوهريّ: قالوا: أيم اللَّه، وربّما حذفوا الياء، فقالوا: أم اللَّه، وربّما أبقوا الميم وحدها مضمومة، فقالوا: مُ اللَّه، وربّما كسروها؛ لأنها صارت حرفًا واحدًا، فشبّهوها بالباء، قالوا: وألفها ألف وصل عند أكثر النحويين، ولم يجىء ألف وصل مفتوحة غيرها، وقد تدخل اللام للتأكيد، فيقال: لَيْمُن اللَّه، قال الشاعر [من الطويل]:
فَقَالَ فَرِيقُ القَوْمِ لَمَّا نَشَدتُهُمْ … نَعَمْ وَفرِيق لَيْمُنُ اللَّهِ مَا نَدْرِي
وذهب ابن كيسان، وابن درستويه إلى أن ألفها ألف قطع، وإنما خُفّفت همزتها في الوصل لكثرة الاستعمال. وحكى ابن التين عن الداوديّ قال: أيم اللَّه معناه اسم اللَّه، أُبدلت السين ياءً، وهو غلطٌ فاحش؛ لأن السين لا تبدل ياءً. وذهب المبرّد إلى أنها
стр. 15310
عوضٌ من واو القسم، وأن معنى قوله: وأيم اللَّه واللَّه لأفعلنّ. ونقل عن ابن عبّاس أن يمين اللَّه من أسماء اللَّه تعالى، ومنه قول امرئ القيس [من الطويل]:
فَقُلتُ يَمِينُ اللَّهِ أَبْرَحُ قَاعِدًا … وَلَوْ قَطَعُوا رَأْسِي لَدَيْكِ وَأَوْصَالِي
ومن ثَمّ قال المالكيّة، والحنفيّة: إنه يمين. وعند الشافعيّة: إن نوى اليمين انعقدت، وإن نوى غير اليمين لم ينعقد يمينًا، وإن أطلَقَ فوجهان: أصحّهما لا ينعقد إلا أن ينوي. وعن أحمد روايتان: أصحّهما الانعقاد. وحكى الغزاليّ في معناه وجهين: أحدهما أنه كقولهم: تالله. والثاني: كقوله: أحلف باللَّه، وهو الراجح. ومنهم من سوّى بينه وبين لعمر اللَّه. وفرق الماورديّ بأن لعمر اللَّه شاع في استعمالهم عرفًا، بخلاف أيم اللَّه. واحتجّ بعض من قال منهم بالانعقاد مطلقًا بأن معناه يمين اللَّه، ويمين اللَّه من صفاته، وصفاته قديمة. وجزم النوويّ في "التهذيب" أن قول وأيم اللَّه، كقوله: وحق اللَّه، وقال: إنه ينعقد به اليمين عند الإطلاق، وقد استغربوه. ويقويه قوله ﷺ : "وايم الذي نفس محمد بيده، لو قال: إن شاء اللَّه لجاهدوا". واستدلّ من قال بالانعقاد مطلقًا بهذا الحديث. قال الحافظ: ولا حجة فيه إلا على التقدير المتقدّم، وأن معناه: وحقّ اللَّه. انتهى (١).
(لَوْ قَالَ: إِنْ شَاءَ اللَّه، لَجَاهَدُوا في سَبِيلِ اللَّهِ) وفي رواية للبخاريّ من طريق ابن سيرين: "لو استثنى، لحملت كلّ امرأة منهنّ، فولدت فارسًا يقاتل في سبيل اللَّه"، وفي رواية طاوس: "لو قال: إن شاء اللَّه لم يَحنث، وكان درَكًا لحاجته"، وفي رواية: "وكان أرجى لحاجته". وقوله: "دَرَكًا" بفتحتين: اسم من الإدراك، وهو كقوله تعالى: ﴿لَا تَخَافُ دَرَكًا﴾ [طه: ٧٧]: أي لَحاقًا، والمراد أنه يحصل له ما طلب، ولا يلزم من إخباره ﷺ بذلك في حقّ سليمان في هذه القصّة أن يقع ذلك لكلّ من استثنى في أمنيّته، بل في الاستثناء رجوّ الوقوع، وفي ترك الاستثناء خشية عدم الوقوع، وبهذا يجاب عن قول موسى للخضر ﵉: ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا﴾ [الكهف: ٦٩] مع قول الخضر له آخزا: ﴿ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾ [الكهف: ٨٢]. قاله في "الفتح" (٢).
وقال في موضع آخرة ما نصّه: وقد قيل: هو خاصّ بسليمان ﵇، وأنه لو قال في هذه الواقعة: "إن شاء اللَّه"، حصل مقصوده، وليس المراد أن كلّ من قالها وقع ما
стр. 15311
أراد، ويؤيّده أن موسى ﵇ قالها عند ما وعد الخضر أنه يصبر عما يراه منه، ولا يسأله عنه، ومع ذلك فلم يصبر، كما أشار إلى ذلك في الحديث الصحيح: "رحم اللَّه موسى، لوددنا لو صبر حتى يقصّ اللَّه علينا من أمرهما". وقد قالها الذبيح، فوقع ما ذكر في قوله ﵇: ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾، فصبر حتى فداه اللَّه بالذبح. وقد سئل بعضهم عن الفرق بين الكليم والذبيح في ذلك، فأشار إلى أن الذبيح بالغ في التواضع في قوله: ﴿مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ حيث جعل نفسه واحدًا من جماعة، فرزقه اللَّه الصبر. قال الحافظ: وقد وقِع لموسى ﵇ أيضًا نظير ذلك مع شعيب، حيث قال له: ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [القصص: ٢٧]، فرزقه اللَّه ذلك. انتهى (١).
(فُرْسَانًا) بضمّ الفاء جمع فارس، قال الفيّومي -رحمه اللَّه تعالى-: الفارس: الراكب على الحافر فرسًا كان، أو بغلًا، أو حمارًا، قاله ابن السِّكِّيت، يقال: مرّ بنا فارسٌ على بغل، وفارسٌ على حمار. وفي، "التهذيب": فارسٌ على الدّابّة: بَيِّنُ الفرُوسيّة، قال الشاعر [من الطويل]:
وَإِنِّي امْرُؤٌ لِلْخَيلِ عِنْدِي مَزِيَّةٌ … عَلَى فَارِسِ البرْذَونِ أَوْ فَارِسِ الْبَغْلِ
وقال أبو زيد: لا أقول لصْاحب البغل والحمار: فارس، ولكن أقول: بَغّالٌ، وحَمّارٌ. ويجمع فارسٌ أيضًا على فوارس، وهو شاذّ؛ لأن فواعل إنما هو جمع فاعلة، مثل ضاربة وضَوَارِب، وصاحبة وصَوَاحِب، أو جمع فاعل صفةً لمؤنّث، مثل حائض وحَوَائض، أو كان جمع ما لا يعقل، نحوْ جملِ بازلٍ وبَوَازِلَ، وحائط وحوائطَ، وأما مذكر من يَعقِل، فقالوا: لم يأت فيه فواعل، إلا فوارسُ، ونواكسُ، ناكس الرأس، وهوالك، ونواكص، وسوابق، وخوالف، جمع خالف، وخالفة، وهو القاعد المتخلّف، وقومٌ ناجعةٌ ونواجعُ. وعن ابن القطّان: ويجمَعُ الصاحب على صواحب. انتهى كلام الفيّوميّ (٢).
وإلى هذه القاعدة أشار ابن مالك -رحمه اللَّه تعالى- في "الخلاصة"، حيث قال:
فَوَاعِلٌ لِفَوْعَلِ وَفَاعَلِ … وَفَاعِلَاءَ مَعَ نَحْوِ كَاهِلِ
وَحَائِضٍ وَصَاهِلٍ وَفَاعِلَهْ … وَشَذَّ فِي الفَارِسِ مَعَ مَا مَاثَلَهْ
(أَجْمَعِينَ") هكذا نسخ "المجتبى"، والذي في "الكبرى": "أجمعون"، وهو الذي في "الصحيحين"، وهو الموافق لغالب الاستعمال، فإن المشهور في اللغة أن تستعمل
стр. 15312
"أجمعون" تاكيدًا, وللأول أيضًا وجه، وهو أن يعرب حالاً، وقد وقع مثله في بعض روايات البخاريّ في حديث "فصلوا قعودًا أجمون" بلفظ "أجمعين".
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: أما تغليط الفيّوميّ للمحدّثين في هذه الرواية, وقال: غَلِطَ من قال: إنه نُصِب على الحال؛ لأن ألفاظ التوكيد معارفُ، والحال لا تكون إلا نكرة، وما جاء منها معرفةً فمسموع، وهو مؤوّلٌ بالنكرة، والوجه في الحديث "فصلّوا قُعُودًا أجمعون"، وإنما هو تصحيفٌ من المحدّثين في الصدر الأول، وتمسّك المتأخّرون بالنقل. انتهى.
فمما لا يُلتفت إليه، بل الرواية صحيحة، وقد أجاز بعض أهل اللغة ذلك، قال ابن منظور -رحمه اللَّه تعالى-: و"أجمع" من الألفاظ الدالّة على الإحاطة، وليست بصفة، ولكنَّه يُلَمُّ به ما قبله من الأسماء، ويُجرَى على إعرابه، فلذلك قال النحويّون: صفةٌ، والدليل على أنه ليس بصفة قولهم: أجمعون، فلو كان صفة لم يَسلَم جمعه، ولكان مكسّرًا، والأنثى جَمْعاء، وكلاهما معرفة، لا يُنكّر عند سيبويه، وأما ثعلب، فحكى فيهما التنكير، والتعريف جميعًا، تقول: أعجبني القصر أجمعُ، وأجمعَ، الرفع على التوكيد، والنصب على الحال. انتهى (١).
فقد ثبت صحّة هذا الاستعمال بنقل ثعلب، وهو ممن يُعتمد في اللغة على نقله، ومن حفظ حجة على من لم يحفظ، فقد ثبت النصب روايةً عن المحدّثين، ونقلًا عن اللغويين، فلا التفات إلى من ادّعى غَلَطَ المحدّثين، بناءً على نفي بعض اللغويين لها، فالمثبت مقدّم على النافي. فتنبّه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث أبي هريرة - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٤٠/ ٣٨٥٨ و ٤٣/ ٣٨٨٣ - وفي "الكبرى" ١٧/ ٤٧٧٢. وأخرجه (خ) في "أحاديث الأنبياء" ٢٤٢٤ (م) في "الأيمان والنذور" ١٦٥٤ (ت) في "النذور والأيمان" ١٥٣٢ (أحمد) في "باقي مسند المكثرين" ٧٠٩٧ و ٧٦٥٨ و ١٠٢٠٢. واللَّه تعالى أعلم.
стр. 15313
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو أنه إذا حلف رجل، ولم يستثن، فقال له آخرُ، مذكّرًا: قل: إن شاء اللَّه، فقال ذلك، هل يكون ذلك استثناء صحيحًا، أم لا؟، والظاهر نعم، وقد تقدّم تقريره في أول الباب.
(ومنها): أن فيه فضل فعل الخير، وتعاطي أسبابه، وأن كثيرًا من المباح، والملاذّ يصير مستحبًّا بالنية والقصد. (ومنها): استحباب الاستثناء لمن قال: سأفعل كذا، وأن إتباع المشيئة اليمين يرفع حكمها، وهو متّفقٌ عليه بشرط الاتصال. (ومنها): أن الاستثناء لا يكون إلا باللفظ، ولا تكفي فيه النيّة، وهو اتفاقْ، إلا ما حُكي عن بعض المالكيّة. (ومنها): ما خُصّ به الأنبياء ﵈، من القوّة على الجماع الدّالّ ذلك على صحّة البِنْية، وقوّة الفُحُوليّة، وكمال الرجوليّة، مع ما هم فيه من الاشتغال بالعبادة والعلوم، وقد وقع لنبيّنا ﷺ من ذلك أبلغ المعجزة؛ لأنه مع اشتغاله بعبادة ربّه، وعلومه، ومعالجة الخلق، كان متقللاً من المآكل، والمشارب المقتضية لضعف البدن على كثرة الجماع، ومع ذلك فكان يطوف على نسائه في ليلة بغسل واحد، وهنّ إحدى عشرة امرأة، وقد تقدّم هذا في "كتاب الغسل". ويقال: إن كلّ من كان أتقى للَّه، فشهوته أشدّ؛ لأن الذي لا يتّقي يتفرّج بالنظر، ونحوه.
(ومنها): ما قاله بعض السلف: نبه ﷺ في هذا الحديث على آفة التمنّي، والإعراض عن التفويض، قال: ولذلك نسي الاستثناء؛ ليمضي فيه القدر.
(ومنها): جواز الإخبار عن الشيء، ووقوعه في المستقبل، بناء على غلبة الظنّ, فإن سليمان ﵇ جزم بما قال، ولم يكن ذلك عن وحي، إلا لوقع. كذا قيل. وقال القرطبيّ: لا يَظُنُّ بسليمان ﵇ أنه قطع بذلك على ربّه، إلا من جهِلَ حالَ الأنبياء، وأدبهم مع اللَّه تعالى. وقال ابن الجوزيّ: [فإن قيل]: من أين لسليمان ﵇ أن يُخلق من مائه هذا العدد في ليلة؟ لا جائز أن يكون بوحي؛ لأنه ما وقع، ولا جائز أن يكون الأمر في ذلك إليه؛ لأن الإرادة للَّه. [والجواب]: أنه من جنس التمنّي على اللَّه، والسؤال له أن يفعل، والقسم عليه، كقول أنس بن النضر ﵁: "واللَّه لا تكسر سنّها". ويحتمل أن يكون لَمّا أجاب اللَّه دعوته أن يهب له ملكًا لا ينبغي لأحد من بعده، كان هذا عنده من جملة ذلك، فجزم به. وأقرب الاحتمالات ما ذكرته أوّلًا، وباللَّه التوفيق.
قال الحافظ: ويحتمل أن يكون أُوحي إليه بذلك مقيّدًا بشرط الاستثناء، فنسي الاستثناء، فلم يقع ذلك؛ لفقدان الشرط، ومن ثَم ساغ له أوّلًا أن يحلف. وأبعد من
стр. 15314
استدلّ به على جواز الحلف على غلبة الظنّ. انتهى.
(ومنها): جواز السهو على الأنبياء ﵈، وأن ذلك لا يقدَح في علوّ منصبهم. (ومنها): جواز الإخبار عن الشيء أنه سيقع، ومُستَنَدُ المخبِرِ الظنّ، مع وجود القرينة القويّة لذلك. (ومنها): جواز إضمار المقسم به في اليمين؛ لقوله: "لأطوفنّ"، مع قوله ﵇: "لم يَحنث"، فدلّ على أن اسم اللَّه فيه مقدّرٌ، فإن قال أحدٌ بجواز ذلك، فالحديث حجة له، بناء على أن شرع من قبلنا شرعٌ لنا، إذا ورد على لسان الشارع، وإن وقع الاتّفاق على على عدم الجواز، فيحتاج إلى تأويله، كأن يقال: لعلّ التلفّظ باسم اللَّه وقع في الأصل، وإن لم يقع في الحكاية، وذلك ليس بممتنع، فإن من قال: واللَّه لأطوفنّ، يصدُقُ أنه قال: لأطوفنّ، فإن اللافظ بالمركّب لا فظٌ بالمفرد.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هكذا قال في "الفتح"، أما قوله: "فإن قال أحدٌ بجواز ذلك الخ" فعجيب منه، فإنه ذكر في الفائدة التالية: ما نصّه:
(ومنها): أنه احتجّ به من قال: لا يُشترط التصريح بمقسمم به معيّن، فمن قال: أحلف، أو أشهد، ونحو ذلك، فهو يمين، وهو قول الحنفيّة، وقيّده المالكيّة بالنيّة. وقال بعض الشافعيّة: ليست بيمين مطلقًا. انتهى.
فكيف يقول: "إن قال أحد بجواز ذلك"، مع أنه نسبه إلى الحنفيّة والمالكيّة في كلامه هذا؟. فتأمّل.
ونصّ القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى- في "المفهم": هذا الكلامُ قَسَمٌ، وإن لم يُذكر فيه مقسم به؛ لأن لام "لأطوفنّ" هي التي تدخل على جواب القسم، فكثيرًا ما تَحذف معها العرب المقسم به اكتفاء بدلالتها على المقسم به، لكنها لا تدلّ على مقسم به معيّن، وعلى هذا، ففيه من الفقه ما يدلّ على أن من قال: أحلف، أو أشهد، أو ما أشبه ذلك، مما يُفيد القسم، ونوى بذلك الحلف باللَّه تعالى، كانت يمينًا جائزةً، منعقدةً، وهو مذهب مالك، وقد قال الشافعيّ: لا تكون يمينًا باللَّه تعالى؛ حتى يتلفّظ بالمقسم به، وقال أبو حنيفة: هي يمين أراد بها اليمين باللَّه تعالى، أم لا. وكأن الأولى ما صار إليه مالك؛ لأن ذلك اللفظ صالحٌ وضعًا للقسم باللَّه تعالى، فإذا أراده الحالف لزمه كسائر الألفاظ المقيّدة بالمقاصد من العمومات، والمطلقات، وغير ذلك، وأما إذا لم يرد باللفظ القسم، أو القسم بغير اللَّه تعالى (١)، فلا يلزمه شيء؛ لأن الأول لا يكون يمينًا،
стр. 15315
والثاني غير جائز، ولا منعقد، فلا يلزم به حكم على ما تقدّم. انتهى كلام القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى- (١).
وأما مسألة شرع من قبلنا شرع لنا، فقد تقدّم في عدّة مواضع أنه الصواب، وأنه مذهب المصنّف، والبخاريّ، ومسلم، وغيرهما، من أهل الحديث، فإنهم يبوّبون في كتبهم بشيء، ثم يوردون دليلاً عليه مما ذكره النبيّ ﷺ للأنبياء السابقين، أو لأُممهم، مثل ما فعل المصنّف هنا، وكذا الشيخان، وإن كانا ذكرا هنا غيره من الأحاديث، إلا أن المصنّف اكتفى بإيراده فقط، وكذلك فعل كلهم في عدّة مواضع.
والحاصل أن شريعة من قبلنا شريعة لنا بشروط مذكورة في غير هذا المحلّ. واللَّه تعالى أعلم.
(ومنها): ما قال القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى-: فيه دليلٌ على جواز "لو"، و"لولا" بعد وقوع المقدور، وقد وقع من ذلك مواضع كثيرةٌ في الكتاب والسنّة، وكلام السلف، كقوله تعالى: ﴿لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ [هود: ٨٠] وكقوله: ﴿وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ﴾ [الفتح: ٢٥] وكقوله ﷺ : "لولا حوّاءُ لم تُخن أنثى زوجها الدهر، ولولا بنو إسرائيل لم يخبُث الطعام، ولم يَخنَز اللحم". متفقٌ عليه.
فأما قوله ﷺ : "لا يقولنّ أحدكم: "لو"، فإن "لو" تفتح عمل الشيطان". رواه مسلم، فمحمولٌ على من يقول ذلك معتمدًا على الأسباب، مُعرضًا عن المقدور، أو متضجرا منه، كما حكاه اللَّه تعالى من قول المنافقين، حيث قالوا: ﴿لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا﴾ [آل عمران: ١٦٨] ثم ردّ اللَّه قولهم، وبيّن لهم عجزهم، فقال: ﴿قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [آل عمران: ١٦٨] ولذلك قال ﷺ ذلك الحديث: "المؤمن القويّ خيرٌ، وأحبّ إلى اللَّه من المؤمن الضعيف، وفي كلّ خيرٌ، احرص على ما ينفعك، واستعن باللَّه، ولا تعجز، ولا تقل: لو كان كذا لكان كذا، فإن "لو" تفتح عمل الشيطان، قل: ما شاء اللَّه كان، وما شاء فعل". فالواجب عند وقوع المقدور التسليم لأمر اللَّه، وترك الاعتراض على اللَّه، والإعراض عن الالتفات إلى ما فات، فيجوز النطق بـ "لو" عند السلامة من تلك الآفات. انتهى كلام القرطبيّ (٢).
(ومنها): جواز استعمال الكناية في اللفظ الذي يُستقبح ذكره؛ لقوله: "لأطوفنّ"، بدل قوله: لأُجامعن (٣). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب.
стр. 15316
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعتُ، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكّلتُ، وإليه أنيب".
…
٤١ - (كَفَّارَةُ النَّذْرِ)
٣٨٥٩ - (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ الْوَزِيرِ بْنِ سُلَيْمَانَ, وَالْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ, قِرَاءَةً عَلَيْهِ, وَأَنَا أَسْمَعُ, عَنِ ابْنِ وَهْبٍ, قَالَ: أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ, عَنْ كَعْبِ بْنِ عَلْقَمَةَ, عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ شِمَاسَةَ, عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ, أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , قَالَ: «كَفَّارَةُ النَّذْرِ كَفَّارَةُ الْيَمِينِ»).
رجال هذا الإسناد. سبعة:
١ - (أَحْمَدُ بْنِ يَحيَىَ بْنِ الوَزِيرِ بْنِ سُلَيْمَانَ) التجيبيّ، أبو عبد اللَّه المصريّ، ثقة [١١] ٤٢/ ٢٦٩٠.
(٢) (الْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ) المذكور قبل بابين.
٣ - (ابن وهب) عبد اللَّهَ المصريّ، ثقة ثبت عابد [٩] ٩/ ٩.
٤ - (عمرو بن الحارث) بن يعقوب الأنصاريّ مولاهم، أبو أيوب المصريّ، ثقة فقيه حافظ [٧] ٦٣/ ٧٩.
٥ - (كعب بن عَلقمة) التُّنُوخيّ، أبو عبد الحميد المصريّ، صدوقٌ [٥] ٣٧/ ٦٧٨.
٦ - (عبد الرحمن بن شِماسة) -بكسر الشين المعجمة، وتخفيف الميم، وبعد الألف مهملة- ابن ذُؤيب بن أحور الْمَهْريّ -بفتح الميم، وسكون الهاء- أبو عمرو المصريّ، ثقة [٣].
قال العجليّ: مصريّ، تابعي، ثقة. وذكره ابن حبّان في "الثقات". وذكره يعقوب بن سُفيان في جملة الثقات. قال يحيى بن بُكير: مات بعد المائة. وقال يونس: مات في أول خلافة يزيد بن عبد الملك. روى له مسلم، والأربعة، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط، وعند الترمذيّ حديث: "طوبى للشام"، وعند ابن ماجه حديث آخر في البيوع.
٧ - (عقبة بن عامر) الجهنيّ الصحابيّ الشهير - رضي اللَّه تعالى عنه - ١٠٨/ ١٤٤. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سباعيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال
стр. 15317
الصحيح، غير شيخيه، فقد تفرد بهما هو وأبو داود. (ومنها): أنه مسلسل بالمصريين من أوله إلى آخره. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ شِمَاسَةَ، عَنْ عُقْبَه بْنِ عَامِرٍ) ﵁، هكذا رواية المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وفي رواية مسلم، وأبي داود، والترمذيّ: "عن عبد الرحمن ابن شِماسة، عن أبي الخير، عن عقبة بن عامر ﵁، والظاهر أن عبد الرحمن كان يرويه عن عقبة، بواسطة أبي الخير، ثم لقيه، فسمعه منه، أو سمعه منه أولاً، ثم ثبّته أبو الخير؛ لأن عبد الرحمن لم يوصف بالتدليس، وقد لقي عقبة، بل لقي من كان أقدم منه موتًا، كأبي ذرّ ﵁. وأبو الخير اسمه مَرْثَد بن عبد اللَّه اليَزَنيّ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: "كَفَّارَةُ النَّذرِ كَفَّارَةُ الْيَمِينِ") قال النوويّ -رحمه اللَّه تعالى-: اختلف العلماء في المراد به، فحمده جمهور أصحابنا على نذر اللَّجَاج، وهو أن يقول إنسان، يريد الامتناع من كلام زيد مثلاً: إن كلّمت زيدًا مثلاً، فللَّه عليّ حجة، أو غيرها، فيُكلّمه، فهو بالخيار بين كفّارة يمين، وبين ما التزمه، هذا هو الصحيح في مذهبنا. وحمله مالك، وكثيرون، أو الأكثرون على النذر المطلق، كقوله: عليّ نذرٌ. وحمله أحمد، وبعض أصحابنا على نذر المعصية، كمن نذر أن يشرب الخمر. وحمله جماعة من فقهاء أصحاب الحديث على جميع أنواع النذر، وقالوا: هو مخيّر في جميع النذور بين الوفاء بما التزم، وبين كفّارة يمين. واللَّه تعالى أعلم.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا القول الأخير هو الذي يظهر لي؛ لأن حمله على بعض تلك الأنواع التي حملوها عليه يحتاج إلى دليل.
لكن ظاهر صنيع المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، يدلّ على أنه يختار حمله على نذر المعصية، حيث أورد بعده حديث "لا نذر في معصية، وكفّارته كفّارة يمين" بطرقه المختلفة. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تنعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث عقبة بن عامر ﵁ هذا أخرجه مسلم.
(المسألة الثانية): في مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٤١/ ٣٨٥٩ - وفي "الكبرى" ١٨/ ٤٧٧٣. وأخرجه (م) في "النذور
стр. 15318
والأيمان" ١٦٤٥ (د) في "الأيمان والنذور" ٣٣٢٣ (ت) في "النذور والأيمان" ١٥٢٨ (أحمد) في "مسند الشاميين" ١٦٨٥٠ و ١٦٨٦٨ و ١٦٨٧٤ و ١٦٨٨٩ و ١٦٧٠. واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في أقسام النذر، وبيان مذاهب أهل العلم في حكم كلّ قسم منها: ذكر العلاّمة ابن قُدامة -رحمه اللَّه تعالى- في كتابه "المغنى" أن النذر سبعة أقسام: (أحدها): نذر اللَّجَاج والغضب، وهو الذي يُخرجه مخرج اليمين للحثّ على فعل شيء، أو المنع منه، غير قاصد به النذر، ولا القربة، فهذا حكمه حكم اليمين.
(القسم الثاني): نذر طاعة وتبرّر، مثلُ الصلاة، والصيام، والحج، والعمرة، والعتق، والصدقة، والاعتكاف، والجهاد، وما في معناها، فهذا يلزم الوفاء به؛ لقوله تعالى: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾ [الإنسان: ٧]، وقوله: ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ [الحج: ٢٩]، ولحديث عائشة ﵂، قالت: قال رسول اللَّه ﷺ : "من نذر أن يطيع اللَّه، فليُطعه … " الحديث. رواه البخاريّ. وحديث عمران بن حصين ﵄، مرفوعًا: "ثم يجيء قوم ينذرون، ولا يَفُون … " الحديث. رواه البخاريّ أيضًا. قال: وهو ثلاثة أنواع:
[أحدها]: التزام طاعة في مقابلة نعمة استجلبها، أو نقمة استدفعها، كقوله: إن شفاني اللَّه، فلله عليّ صوم شهر، فتكون الطاعة الملتزمة مما له أصل في الوجوب بالشرع، كالصوم، والصلاة، والصدقة، والحج، فهذا يلزم الوفاء به بإجماع أهل العلم.
[النوع الثاني]: التزام طاعة من غير شرط، كقوله ابتداءً: للَّه عليّ صوم شهر، فيلزمه الوفاء به، في قول أكثر أهل العلم، وهو قول أهل العراق، وظاهر مذهب الشافعيّ. وقال بعض أصحابه: لا يلزم الوفاء به؛ لأن أبا عمر غلام ثعلب قال: النذر عند العرب وعدٌ بشرط، ولأن ما التزمه الآدميّ بعوض يلزمه بالعقد، كالمبيع، والمستأجر، وما التزمه بغير عوض، لا يلزمه بمجرّد العقد، كالهبة.
[النوع الثالث]: نذر طاعة، لا أصل لها في الوجوب، كالاعتكاف، وعيادة المريض، فيلزمه الوفاء به عند عامّة أهل العلم. وحُكي عن أبي حنيفة أنه لا يلزمه الوفاء به؛ لأن النذر فرع على المشروع، فلا يجب به ما لا يجب له نظير بأصل الشرع.
قال: ولنا قول النبيّ ﷺ : "من نذر أن يُطيع اللَّه فليُطعه"، وذمّه الذين ينذرون، ولا يوفون، وقول اللَّه تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ (٧٥) فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (٧٦) فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ [التوبة: ٧٥ - ٧٧] وقد صحّ أن
стр. 15319
عمر ﵁ قال للنبيّ ﷺ : إني نذرت أن أعتكف ليلة في المسجد الحرام؟، فقال له النبيّ ﷺ . "أوف بنذرك". متّفقٌ عليه. ولأنه ألزم نفسه قربةً على وجه التبرّر، فتلزمه، كموضع الإجماع، وكما لو ألزم نفسه أضحيّة، أو أوجب هديًا، وكالاعتكاف، وكالعمرة، فإنهم قد سلّموها, وليست واجبة عندهم، وما ذكروه يَبطُلُ بهذين الأصلين، وما حكوه عن أبي عمر لا يصحّ، فإن العرب تسمّي نذرًا، وإن لم يكن بشرط، قال
جمَيل [من الطويل]:
فَلَيْتَ رِجَالًا فِيكِ قَدْ نَذرُوا دَمِي … وَهَمُّوا بِقَتْلي يَا بُثَينُ لَقُوْنِي
والجَعَالةُ وعد بشرط، وليست بنذر.
(القسم الثالث): النذر المبهم، وهو أن يقول: للَّه عليّ نذرٌ، فهذا تجب به الكفّارة في قول أكثر أهل العلم، وروي ذلك عن ابن مسعود، وابن عبّاس، وجابر، وعائشة ﵃، وبه قال الحسن، وعطاء، وطاوس، والقاسم، وسالمٌ، والشعبيّ، والنخعيّ، وعكرمة، وسعيد بن جبير، ومالك، والثوريّ، ومحمد بن الحسن، ولا أعلم فيه مخالفا إلا الشافعيّ، قال: لا ينعقد نذره، ولا كفّارة فيه؛ لأن من النذر ما لا كفّارة فيه. ولنا ما رواه عقبة بن عامر ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "كفّارة النذر إذا لم يُسمّ كفّارة يمين". رواه الترمذيّ، وقال: هذا حديث حسنٌ صحيح غريب.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الحديث في إسناده محمد بن يزيد مولى المغيرة ابن شعبة مجهول. واللَّه تعالى أعلم.
قال: ولأنه نصٌّ، وهذا قول من سمّينا من الصحابة والتابعين، ولا نعرف لهم في عصرهم مخالفًا، فيكون إجماعًا.
(القسم الرابع): نذر المعصية، فلا يحلّ الوفاء به إجماعًا؛ ولأن النبيّ ﷺ قال: "من نذر أن يعصي اللَّه فلا يعصه"، ولأن معصية اللَّه تعالى لا تحلّ في حال، ويجب على الناذر كفّارة يمين. روي نحو هذا عن ابن مسعود، وابن عبّاس، وجابر، وعمران بن حصين، وسمُرة بن جندب ﵃. وبه قال الثوريّ، وأبو حنيفة، وأصحابه، وروي عن أحمد ما يدلّ على أنه لا كفّارة عليه، فإنه قال فيمن نذر لَيهدِمنّ دار غيره لبنةً لبنةً: لا كفّارة عليه، وهذا في معناه. وروي هذا عن مسروق، والشعبيّ، وهو مذهب مالك، والشافعيّ؛ لقوله ﷺ : "لا نذر في معصية اللَّه، ولا فيما لا يملك العبد". رواه مسلم. وقال: "ليس على الرجل نذرٌ فيما لا يملك". متّفقٌ عليه. وقال: "لا نذر إلا ما ابتُغي به وجه اللَّه". رواه أبو داود. وقال: "من نذر أن يعصي اللَّه فلا يعصه"، ولم يأمر بكفّارة. ولما نذرت المرأة التي كانت مع الكفارت، فنجت على ناقة رسول اللَّه ﷺ أن تنحرها،
стр. 15320
قالت: يا رسول اللَّه، إني نذرت إن أنجاني اللَّه عليها أن أنحرها؟ قال: "بئسما جزيتها، لا نذر في معصية اللَّه، ولا فيما لا يملك العبد". رواه مسلم، ولم يأمرها بكفّارة. وقال لأبي إسرائيل حين نذر أن يقوم في الشمس، ولا يقعد، ولا يستظلّ، ولا يتكلّم: "مُرُوه، فليتكلّم، وليجلس، وليستظلّ، وليُتِمّ صومه". رواه البخاريّ، ولم يأمره بكفّارة، ولأن النذر التزام الطاعة، وهذا التزام معصية، ولأنه نذر غير منعقد، فلم يوجب شيئًا، كاليمين غير المنعقدة.
ووجه الأول ما روت عائشة ﵂ أنْ رسول اللَّه ﷺ : قال: "لا نذر في معصية، وكفّارته كفّارة يمين"، رواه الإمام أحمد في "امسنده"، وأبو داود في "سننه"، وقال الترمذيّ: هو حديث غريب. وعن أبي هريرة، وعمران بن حُصين ﵃ عن النبيّ ﷺ مثله.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الحديث صحيح من حديث عائشة ﵂، لا من حديث أبي هريرة، وعمران ﵄، كما سيأتي بيانه، إن شاء اللَّه تعالى.
قال: روى الجوزجانيّ بإسناده عن عمران بن حُصين قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "النذر نذران: فما كان من نذر في طاعة اللَّه، فذلك للَّه، وفيه الوفاء، وما كان من نذر في معصية اللَّه، فلا وفاء فيه، ويكفّره ما يكفّر اليمين". وهذا نصّ.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الحديث ضعيف، كما سيأتي قريبًا، إن شاء اللَّه
تعالى.
قال: ولأن النذر يمين، بدليل ما روي عن النبيّ ﷺ أنه قال: "النذر حَلْفَة" (١). وقال النبيّ ﷺ لأخت عقبة ﵁ لَمّا نذرت المشي إلى بيت اللَّه الحرام، فلم تطقه: "تكفّر يمينها"، صحيحٌ (٢) أخرجه أبو داود. وفي رواية: "ولتصم ثلاثة أيام" (٣)، قال أحمد: إليه أذهب. وقال ابن عبّاس في التي نذرت ذبح ابنها: كفّري يمينك (٤). ولو حلف على فعل معصية لزمته الكفّارة، فكذلك إذا نذرها.
فأما أحاديثهم، فمعناها لا وفاء بالنذر في معصية اللَّه، وهذا لا خلاف فيه، وقد جاء مصرّحًا به هكذا في رواية مسلم، ويدلّ على هذا أيضًا أن في سياق الحديث: "ولا
стр. 15321
يمين في قطيعة رحم"، يعني لا يبَرُّ فيها, ولو لم يبين الكفّارة في أحاديثهم، فقد بينها في أحاديثنا، فإن فعل ما نذره من المعصية، فلا كفّارة عليه، كما لو حلف ليفعلنّ معصيةً، ففعلها. ويحتمل أن تلزمه الكفّارة حتمًا؛ لأن النبيّ ﷺ عيّن فيه الكفّارة، ونهى عن فعل المعصية.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الاحتمال الثاني هو الظاهر؛ لظاهر النصّ، فتأمّل.
والحاصل أن الأرجح وجوب الكفّارة على من نذر أن يفعل معصية، سواء تركها، وهو الواجب عليه، أو فعلها مع حرمتها؛ لإطلاق النصّ. واللَّه تعالى أعلم.
(القسم الخامس): المباح، كلبس الثوب، ورُكوب الدابّة، وطلاق المرأة على وجه مباح، فهذا يتخيّر الناذر فيه بين فعله، فيبَرُّ بذلك؛ لما رُوي أن امرأة أتت النبيّ ﷺ ، فقالت: إني نذرت أن أضرب على رأسك بالدّفّ، فقال رسول اللَّه ﷺ : "أوف بنذرك". رواه أبو داود. ولأنه لو حلف على فعل مباح برّ بفعله، فكذلك إذا نذره؛ لأن الناذر كاليمين، وإن شاء تركه، وعليه كفّارة يمين، ويتخرّج أن لا كفّارة فيه، فإن أصحابنا قالوا فيمن نذر أن يعتكف، أو يصلّي في مسجد معيّن: كان له أن يصلي، ويعتكف في غيره، ولا كفّارة، ومن نذر أن يتصدّق بماله كلّه: أجزأه الصدقة بثلثه بلا كفّارة، وهذا مثله. وقال مالك، والشافعيّ: لا ينعقد نذره؛ لقول النبيّ ﷺ : "لا نذر إلا فيما ابتغي وجه اللَّه". وقد رَوَى ابن
عبّاس ﵄ قال: بينما النبيّ ﷺ يَخْطُبُ، إذا هو برجل قائم، فسأل عنه؟، فقالوا: أبو إسرائيل، نذر أن يقوم في الشمس، ولا يستظلّ، ولا يتكلّم، ويصوم، فقال النبيّ ﷺ : "مروه، فليجلس، وليستظلّ، وليتكلّم، وليُتمّ صومه"، رواه البخاريّ. وعن أنس ﵁ قال: نذرت امرأة أن تمشي إلى بيت اللَّه الحرام، فسئل النبيّ ﷺ عن ذلك؟ فقال: "إن اللَّه لغني عن مشيها، مروها فلتركب". قال الترمذيّ: هذا حديث حسن صحيح، ولم يأمر بكفّارة. وأن النبيّ ﷺ رأى رجلاً يُهادى بين اثنين، فسأل عنه؟ فقالوا: نذر أن يحجّ ماشيًا، فقال: "إن اللَّه لغنيّ عن تعذيب هذا نفسه، مروه فليركب". متّفقٌ عليه، ولم يأمره بكفّارة، ولأنه نذرٌ غير موجب لفعل ما نذره، فلم يوجب كفّارةً، كنذر المستحيل.
قال: ولنا ما تقدّم في القسم الذي قبله، فأما حديث التي نذرت المشي، فقد أمر فيه بالكفارة في حديث آخر، ففيه زيادة عند أبي داود، ولفظه: "مروها، فلتركب، ولتكفّر عن يمينها" (١)، وهذه زيادة يجب الأخذ بها، ويجوز أن يكون الراوي للحديث روى البعض، وترك البعض، أو يكون النبيّ ﷺ ترك ذكر الكفّارة في بعض الحديث إحالةً
стр. 15322
على ما عُلم من حديثه في موضع آخر.
ومن هذا القسم إذا نذر فعل مكروه، كطلاق امرأته، فإنه مكروه، بدليل قول النبيّ ﷺ : "أبغض الحلال إلى اللَّه الطلاق" (١). فالمستحبّ أن لا يفي، ويكفّر، فإن وفى بنذره، فلا كفّارة عليه، والخلاف فيه كالذي قبله.
(القسم السادس): نذر الواجب، كالصلاة المكتوبة، فقال أصحابنا: لا ينعقد نذره، وهو قول أصحاب الشافعيّ؛ لأن النذر التزامٌ، ولا. يصحّ التزام ما هو لازم له. ويحتمل أن ينعقد نذره موجبًا كفّارة يمين إن تركه، كما لو حلف على فعله، فإن النذر كاليمين، وقد سمّاه النبيّ ﷺ يمينًا، وكذلك لو نذر معصية.، أو مباحًا، لو يلزمه، ويكفّر إذا لم يفعله.
(القسم السابع): نذر المستحيل، كصوم أمس، فهذا لا ينعقد، ولا يوجب شيئًا؛ لأنه لا يُتصوّر انعقاده، ولا الوفاء به، ولو حلف على فعله لن تلزمه كفّارة، فالنذر أولى.
وعقدُ الباب في صحيح المذهب أن النذر كاليمين، وموجبه موجبها، إلا في لزوم الوفاء به، إذا كان قربةً، وأمكنه فعله، ودليل هذا الأصل قول النبيّ ﷺ لأخت عقبة لَمّا نذرت المشي، فلم تطقه: "ولتكفّر يمينها" (٢)، وفي رواية: "فلتصم ثلاثة أيام"، قال أحمد: إليه أذهب. وعن عقبة ﵁ أن النبيّ ﷺ قال: "كفّارة النذر كفّارة اليمين". أخرجه مسلم. وقول ابن عبّاس ﵄ للتي نذرت ذبح ولدها: "كفّري يمينك" (٣). ولأنه قد ثبت أن حكمه حكم اليمين في أحد أقسامه، وهو نذر اللجاج، فكذلك سائره في سوى ما استثناه الشرع. انتهى كلام ابن قدامة -رحمه اللَّه تعالى- (٤)، وإنما نقلته بطوله؛ لاستيفائه معظم أقوال أهل العلم بأدلتها في هذه الأقسام السبعة. واللَّه تعالى أعلم.
وقال في "الفتح" في الكلام على حديث: "لا نذر في معصية اللَّه، ولا فيما لا يملك ابن آدم،: ما حاصله: اختُلف فيمن وقع منه النذر في ذلك، هل تجب فيه كفّارة؟، فقال الجمهور: لا، وعن أحمد، والثوريّ، واسحاق، وبعض الشافعيّة: نعم، ونقل
стр. 15323
الترمذيّ اختلاف الصحابة في ذلك كالقولين، واتفقوا على تحريم النذر في المعصية، واختلافهم إنما هو في وجوب الكفّارة، واحتجّ من أوجبها بحديث عائشة ﵂: "لا نذر في معصية، وكفّارته كفّارة يمين". أخرجه أصحاب السنن" ورواته ثقات، لكنه معلول، فإن الزهريّ رواه عن أبي سلمة، ثم بين أنه حمله عن سليمان بن أرقم، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، فدلّسه بإسقاط اثنين (١)، وحسّن الظنّ بسليمان، وهو عند غيره ضعيفٌ باتفاقهم. وحكى الترمذيّ عن البخاريّ أنه قال: لا يصحّ، ولكن له شاهدٌ من حديث عمران بن حصين، أخرجه النسائيّ -يعني في هذا الباب- وضعّفه، وشواهد أخرى ذكرتها آنفًا (٢). وفي الباب أيضًا عموم حديث عقبة بن عامر ﵁: "كفارة النذر كفّارة يمين"، أخرجه مسلم.
وقد حمله الجمهور على نذر اللجاج والغضب، وبعضهم على النذر المطلق،، لكن أخرج الترمذيّ، وابن ماجه حديث عقبة ﵁ بلفظ: "كفّارة النذر إذا لم يُسمّ كفّارة يمين"، ولفظ ابن ماجه: "من نذر نذرًا لم يسمّه، الحديث (٣).
وفي الباب حديث ابن عبّاس ﵂ رفعه: "من نذر نذرًا لم يسمّه، فكفّارته كفّارة يمين"، أخرجه أبو داود، وفيه: "ومن نذر في معصية، فكفّارته كفّارة يمين، ومن نذر نذرًا لا يُطيقه، فكفّارته كفّارته يمين"، ورواته ثقات، لكنه أخرجه ابن أبي شيبة موقوفًا، وهو أشبه (٤).
وأخرجه الدارقطنيّ من حديث عائشة ﵄ (٥).
وحمله أكثر فقهاء أصحاب الحديث على عمومه، لكن قالوا: إن الناذر مخيّرٌ بين الوفاء بما التزمه، وكفارة اليمين.
стр. 15324
قال: ولو ثبتت الزيادة (١) لكانت مبيّنة لما أُجمل فيه.
واحتجّ بعض الحنابلة (٢) بأنه ثبت عن جماعة من الصحابة، ولا يُحفظ عن صحابيّ خلافه، قال: والقياس يقتضيه؛ لأن النذر يمين كما وقع في حديث عقبة ﵁ لما نذرت أخته أن تحج ماشيةً: "لتكفّر عن يمينها" (٣)، فسقى النذر يمينًا، ومن حيث النظر هو عقدة للَّه تعالى بالتزام شيء، والحالف عقد يمينه باللَّه ملتزمًا بشيء، ثم بين أن النذر آكد من اليمين، ورتّب عليه أنه لو نذر معصيةً، ففعلها لم تسقط عنه الكفّارة، بخلاف الحالف، وهو وجه للحنابلة، واحتجّ له لأن الشارع نهى عن المعصية، وأمر بالكفّارة، فتعيّنت. انتهى كلام الحافظ -رحمه اللَّه تعالى- (٤).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: عندي أن ما قاله فقهاء أصحاب الحديث من حملهم قوله في: "كفّارة النذر كفّارة يمين" على عمومه هو الحقّ؛ لعدم ثبوت تلك الزيادة التي اعتمد عليها من قيد عموم "كفّارة النذر كفّارة اليمين" بشي مما تقدّم، فدلّ على أن من نذر مخيّر بين الوفاء بما التزم، وبين كفّارة اليمين، فتنبّه.
هذا فيما إذا كان النذر نذر طاعة، أما إذا كان نذر معصية، فلا وفاء أصلاً، بل تجب الكفّارة؛ لحديث عائشة ﵂، مرفوعًا: "لا نذر في معصية، وكفّارتها كفّارة اليمين"، وسيأتي أنه صحيح، ويؤيّده عموم حديث عقبة ﵁ المذكور هنا: "كفارة النذر كفّارة اليمين"، وهو صحيح أيضًا.
والحاصل أن الراجح مذهب من أوجب الكفّارة في النذر مطلقًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٨٦٠ - (أَخْبَرَنَا كَثِيرُ بْنُ عُبَيْدٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ, عَنِ الزُّبَيْدِيِّ, عَنِ الزُّهْرِيِّ, أَنَّهُ بَلَغَهُ عَنِ الْقَاسِمِ, عَنْ عَائِشَةَ, قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا نَذْرَ فِي مَعْصِيَةٍ»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير أنه منقطع، و"الزُّبيديّ": هو محمد بن الوليد الحمصيّ، والثلاثة الأولون حمصويّون، والآخرون مدنيّون.
والحديث ضعيفٌ للانقطاع بين الزهريّ، وبين القاسم؛ لكنه يصحّ بما يأتي قريبًا،
стр. 15325
إن شاء اللَّه تعالى.
وشرح الحديث مضى في -١٧/ ٣٨١٩ - "اليمين فيما لا يملك"، تفرّد به المصنّف، فأخرجه هنا-٤١/ ٣٨٦٠.
[تنبيهات]: (الأول): هذا الحديث، والأحاديث التي بعده لم يخرجها المصنّف في "الكبرى"، فإنه لم يذكر من أحاديث الباب، إلا الحديث الأوّل، حديثَ عقبة بن عامر ﵁ الماضي فقط.
(الثاني): أن المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- قد أجاد في هذا الباب كما هو عادته غالبًا في استيفاء طرق حديث الباب الواحد، إذا كثرت الاختلافات، فإنه يعتني باستقصائها، فيورد أولاً الطرق المعلّلة، ثم يأتي آخرًا بالطريق الصحيح، فقد ذكر في أول الباب حديث عقبة بن عامر ﵁ الذي أخرجه مسلم، فاقتصر على طريق واحد؛ لعدم الاختلاف فيه.
ثم أورد حديث عائشة ﵂، بطرقه المختلفة، فقدم المنقطع، وهو رواية الزُّبيديّ، عن الزهريّ، ثم أتبعه برواية يونس، عنه بأربعة أوجه، وهي محتملة للاتّصال، والانقطاع، حيث إنها كلها معنعنة، وقد أشار في آخرها إلى ما قيل فيها من الانقطاع، حيث قال: وقد قيل: إن الزهريّ لم يسمع هذا من أبي سلمة، ثم أتبعها بروايته التي صرّح فيها الزهريّ بتحديث أبي سلمة له، وهذه هي الرواية الصحيحة, وظاهر صنيعه يدلّ على أنه يرجّحها، كما يرشد إلى ذلك تعبيره: بقد قيل. فليُتأمّل.
ثم أورد رواية الزهريّ، عن سليمان بن أرقم، وضعّفها، وبين الاختلاف على يحيى ابن أبي كثير، فإن في رواية سليمان بن أرقم عنه، جعله عن أبي سلمة، عن عائشة ﵂، وفي رواية عليّ بن المبارك، والأوزاعيّ، وعبد اللَّه بن بِشْر، جعله عن محمد ابن الزبير، عن أبيه، عن عمران بن حصين ﵄، وبيّن أن محمد بن الزبير ضعيف، لا تقوم به حجة، مع أن الرواة اختلفوا عليه، فرواه يحيى بن أبي كثير، وحماد بن زيد عنه كما مرّ آنفًا، ورواه ابن إسحاق، وعبد الوارث بن سعيد، كلاهما عنه، عن أبيه، عن رجل، عن عمران ﵁، ورواه الثوريّ، وأبو بكر النهشليّ، كلاهما عنه، عن الحسن البصريّ، عن عمران ﵁. ورواه منصور بن زاذان، عن الحسن، عن عمران ﵁، مع مخالفة في لفظه. وخالفه عليّ بن زيد بن جُدعان، فرواه، عن الحسن، عن عبد الرحمن بن سمرة ﵁، وذكر -رحمه اللَّه تعالى- أن رواية عليّ بن زيد، عن الحسن، عن عبد الرحمن ﵁ خطأ، والصواب رواية الآخرين عن عمران ﵁، مع أن روايته أيضًا ضعيفة، حيث إن الحسن لم يسمع من عمران ن ﵁، كما سيأتي بيانه،
стр. 15326
إن شاء اللَّه تعالى.
ثم ختم الباب بذكر الحديث الصحيح لعمران بن حصين ﵄، وهو ما رواه أيوب، عن أبي قلابهّ، عن عمه أبي المهلّب، عنه ﵁.
فتلخّص مما ذُكر أن حديث عقبة بن عامر ﵁ المذكور أول الباب، بلفظ: "كفّارة النذر كفّارة اليمين" صحيح، وكذلك حديث عائشة ﵂ الذي صرّح به الزهريّ بسماعه عن أبي سلمة، بلفظ: "لا نذر في معصية، وكفّارتها كفّارة اليمين"، وكذلك حديث عمران الذي رواه عنه أبو قلابة، عن عمه، عنه ﵁، بلفظ: "لا نذر في معصية، ولا فيما لا يملك بن آدم".
فلله درّه، ما أحسن استيفاءه لطرق الحديث، حتى يتبيّن ما وقع فيها من العلل، فيميّز المعلّ من الصحيح، فرحمه اللَّه تعالى، وأحسن إليه، كما أحسن إلينا. واللَّه تعالى أعلم.
(الثالث): قال في "التلخيص الحبير": حديث: "لا نذر في معصية اللَّه، وكفّارته كفّارة يمين" هذا الحديث بهذه الزيادة، رواه النسائيّ، والحاكم، والبيهقيّ، ومداراه على محمد بن الزبير الحنظليّ، عن أبيه، عن عمران بن حصين، ومحمد ليس بالقويّ، وقد اختُلف عليه فيه، ورواه ابن المبارك، عن عبد الوارث، عنه، عن أبيه، أن رجلاً حدثه أنه سأل عمران بن حصين، عن رجل حلف أنه لا يصلّي في مسجد قومه؟ فقال عمران: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "لا نذر في معصية، وكفّارته كفّارة يمين"، فقلت: يا أبا نُجيد إن صاحبنا ليس بالموسر فيم يكفّر؟ فقال: لو أن قومًا قاموا إلى أمير من الأمراء، فكساهم كلّ إنسان قلنسوةً، لقال الناس: قد كساهم كلَّ إنسان قلنسوةً، لقال الناس: قد كساهم الأمير". وإسناد ضعيف، وله طريق أُخرى إسنادها صحيح، إلا أنه معلول، ورواه أحمد، وأصحاب السنن, والبيهقيّ، من رواية الزهريّ، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة (١)، وهو منقطع، لم يسمعه الزهريّ من أبي سلمة، وقد رواه أبو داود، والترمذيّ، والنسائيّ، وابن ماجه، من حديث سليمان بن بلال، عن موسى ابن عقبة، ومحمد بن أبي عتيق، عن الزهريّ، عن سليمان بن أرقم، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن عائشة ﵂، قال النسائيّ: سليمان بن أرقم متروك، وقد خالفه غير واحد من أصحاب يحيى بن أبي كثيرً -يعني فرووه عن يحيى بن أبي كثير،
стр. 15327
عن محمد بن الزبير الحنظليّ، عن أبيه، عن عمران، فرجع إلى الرواية الأولى. ورواه عبد الرزاق، عن معمر، عن يحيى بن أبي كثير، عن رجل من بني حنيفة، وأبي سلمة، كلاهما عن النبيّ ﷺ مرسلاً، والحنفيّ هو محمد بن الزبير، قاله الحاكم، وقال: إن قوله: من بني حنيفة تصحيف، وإنما هو من بني حنظلة، وله طريق أخرى عن عائشة، رواها الدارقطنيّ من رواية غالب بن عبيد اللَّه الجزريّ، عن عطاء، عن عائشة، مرفوعًا: "من جعل عليه نذرًا في معصية، فكفّارته كفّارة يمين"، وغالب متروك. وللحديث طريق أخرى، رواه أبو داود من حديث كريب، عن ابن عبّاس، وإسناده حسن (١)، فيه طلحة بن يحيى، وهو مختلفٌ فيه، وقال أبو داود: روي موقوفًا -يعني وهو أصحّ. وقال النوويّ في "الروضة": حديث: "لا نذر في معصية، وكفّارته كفّارة يمين" ضعيفٌ باتّفاق المحدّثين. قال الحافظ: قد صححه الطحاويّ، وأبو عليّ بن السكن، فأين الاتّفاق؟. انتهى (٢).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: خلاصة القول في زيادة "وكفّارته كفّارة يمين" أنها لا تصحّ مرفوعًا، إلا من حديث عائشة ﵂ من طريق الزهريّ، عن أبي سلمة التي صرّح فيها الزهريّ بتحديث أبي سلمة له، كما سيأتي، ويؤيّدها عموم حديث عقبة بن عامر ﵁ المرفوع: "كفّارة النذر كفّارة اليمين"، فيستفاد منه ترجيح قول من قال: بوجوب الكفّارة في النذر مطلقًا، طاعةً كان، أو معصية، كما قال به جمهور فقهاء المحدّثين، فتبصّر، ولا تتحيّر. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٨٦١ - (أَخْبَرَنَا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى, قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ, قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ, عَنِ ابْنِ شِهَابٍ, عَنْ أَبِي سَلَمَةَ, عَنْ عَائِشَةَ, أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَا نَذْرَ فِي مَعْصِيَةٍ, وَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ الْيَمِينِ»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا غير مرّة. والحديث ضعيف؛ لأن في إسناده انقطاعًا، فإن الزهريّ لم يسمعه من أبي سلمة، بل سمعه من سليمان بن أرقم، وهو متروك، عن يحيى بن أبي كثير، كما سيبيّنه المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- قريبًا.
وشرحه يعلم مما سبق، وأخرجه المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- هنا - ٤١/ ٣٨٦١
стр. 15328
و ٣٨٦٢ و ٣٨٦٣ و ٣٨٦٤ و ٣٨٦٥ و ٣٨٦٦ - وأخرجه (د) في "الأيمان والنذور" ٣٢٩٠ و ٣٢٩١ (ت) في "النذور والأيمان" ١٥٢٤ (ق) في "الكفّارات" ٢١٢٥. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٨٦٢ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ الْمُخَرِّمِيُّ, قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ, قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ, عَنْ يُونُسَ, عَنِ الزُّهْرِيِّ, عَنْ أَبِي سَلَمَةَ, عَنْ عَائِشَةَ, قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا نَذْرَ فِي مَعْصِيَةٍ, وَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا غير مرّة. و"ابن المبارك": هو عبد اللَّه. و"يونس": هو ابن يزيد الأيليّ. والحديث ضعيف؛ لأن في سنده انقطاعًا، كما تقدّم بيانه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٨٦٣ - (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ, قَالَ: أَنْبَأَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ, قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ, عَنِ الزُّهْرِيِّ,, عَنْ أَبِي سَلَمَةَ, عَنْ عَائِشَةَ, أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , قَالَ: «لَا نَذْرَ فِي مَعْصِيَةٍ, وَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "إسحاق بن منصور": هو الكَوْسَج. و"عثمان بن عُمر": هو العبديّ البصريّ، بخاريّ الأصل. والحديث ضعيف، كما سبق بيانه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٨٦٤ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ, قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو صَفْوَانَ, عَنْ يُونُسَ, عَنِ الزُّهْرِيِّ, عَنْ أَبِي سَلَمَةَ, عَنْ عَائِشَةَ, قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا نَذْرَ فِي مَعْصِيَةٍ, وَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ الْيَمِينِ».
قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ: وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ الزُّهْرِيَّ لَمْ يَسْمَعْ هَذَا مِنْ أَبِي سَلَمَةَ).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال الإسناد رجال الصحيح، إلا أنه منقطع، كما بينه المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-. و"أبو صفوان": هو عبد اللَّه بن سعيد بن عبد الملك بن مروان الأمويّ الدمشقيّ، نزيل مكة، ثقة [٩] ٦٥/ ١٧٩٠.
وقوله: "إن الزهريّ لم يسمعه هذا الحديث من أبي سلمة" يعني أنه منقطع، كما سيأتي وجه الانقطاع قريبًا، إن شاء اللَّه تعالى.
والحاصل أن الحديث ضعيف. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٨٥٤ - (أَخْبَرَنَا هَارُونُ بْنُ مُوسَى الْفَرْوِيُّ (١) , قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو ضَمْرَةَ, عَنْ يُونُسَ,
стр. 15329
عَنِ ابْنِ شِهَابٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو سَلَمَةَ, عَنْ عَائِشَةَ, أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , قَالَ: «لَا نَذْرَ فِي مَعْصِيَةٍ (١) , وَكَفَّارَتُهَا كَفَّارَةُ الْيَمِينِ»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "هارون بن موسى الفَرْوِيّ": هو المدنيّ، لا بأس به، من صغار [١٠] ٢٢/ ١٢٢٩. و"أبو ضمرة": هو أنس بن عياض بن ضمرة الليثيّ المدنيّ، ثقة [٨] ٢٢/ ١٢٢٩.
هذه الرواية فيها تصريح الزهريّ بالسماع من أبي سلمة، ورجالها رجال الصحيح، غير شيخه، وهو ثقة.
وقوله: "وكفّارتها"، وفي نسخة: "وكفارته" بتذكير الضمير، وهو واضحٌ، وللأولى أيضًا وجه، وهو أنه إنما أنثه باعتبار أن النذر في المعصية معصية، فعاد إليه الضمير مؤنثًا على المعنى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٨٦٦ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ التِّرْمِذِيُّ, قَالَ: حَدَّثَنَا أَيُّوبُ بْنُ سُلَيْمَانَ, قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ, قَالَ: حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ, عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي عَتِيقٍ, وَمُوسَى بْنِ عُقْبَةَ, عَنِ ابْنِ شِهَابٍ, عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ أَرْقَمَ, أَنَّ يَحْيَى بْنَ أَبِي كَثِيرٍ, الَّذِي كَانَ يَسْكُنُ الْيَمَامَةَ, حَدَّثَهُ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَلَمَةَ, يُخْبِرُ عَنْ عَائِشَةَ, أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَا نَذْرَ فِي مَعْصِيَةٍ, وَكَفَّارَتُهَا كَفَّارَةُ يَمِينٍ».
قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ (٢): سُلَيْمَانُ بْنُ أَرْقَمَ مَتْرُوكُ الْحَدِيثِ, وَاللَّهُ أَعْلَمُ, خَالَفَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَصْحَابِ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "محمد بن إسماعيل الترمذيّ": هو أبو إسماعيل السلمي، نزيل بغداد، ثقة حافظ [١١] ٣٠/ ٥٥٨. و"أيوب بن سليمان": هو أبو يحيى المدنيّ، ثقة [٩] ٣٠/ ٥٥٨. و"أبو بكر بن أبي أويس": هو عبد الحميد بن عبد اللَّه بن عبد اللَّه بن أويس الأصبحي المدنيّ، ثقة [٩] ٣٠/ ٥٥٨. و"سليمان بن بلال": هو التيميّ، والد أيوب الراوي عن أبي بكر بن أبي أويس المدنيّ، ثقة [٨] ٣٠/ ٥٥٨.
و"محمد بن أبي عَتيق": هو محمد بن عبد اللَّه بن أبي عتيق محمد بن عبد الرحمن ابن أبي بكر الصدّيق القرشيّ التيميّ المدنيّ، مقبول [٧].
روى عن أبيه، وأنس، إن كان محفوظًا، ونافع، والزهريّ، وغيرهم. وعنه سليمان ابن بلال، والدراورديّ، وابن إسحاق، وغيرهم. ذكره ابن حبّان في "الثقات". وقال
стр. 15330
الذهليّ: ابن أبي ذئب، وابن أبي عَتيق مُقاربان في الرواية عن الزهريّ، فأما ابن أبي ذئب فمشهور، وأما ابن أبي عَتيق، فهو مدنيّ لم يرو عنه فيما علمت غيرُ سليمان بن بلال، وسمعت أيوب بن سليمان، سئل عن نسبه؟ فذكره، وقال: ما علمت أحدًا روى عنه بالمدينة غير أبي. قال الذهليّ: هو حسن الحديث عن الزهريّ، كثير الرواية, مقارب الحديث، لولا أن سليمان بن بلال قام بحديثه لذهب حديث. روى له البخاريّ، مقرنًا، والمصنّف، وأبو داود، والترمذيّ، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط
و"موسى بن عقبة": هو الأسديّ مولى آل الزبير المدنيّ، ثقة، فقيه، إمام في المغازي [٥] ٩٦/ ١٢٢.
و"سليمان بن أرقم"، أبو معاذ البصريّ، مولى الأنصار، وقيل: مولى قريش، وقيل: مولى قريظة، أو النضير، ضعيفٌ [٧].
قال عبد اللَّه بن أحمد، عن أبيه: لا يَسوَى حديثه شيئًا. وقال ابن معين: ليس بشيء، لشى يَسوَى فلسًا. وقال عمرو بن عليّ: ليس بثقة، روى أحاديث منكرة. قال: وقال محمد بن عبد اللَّه الأنصاريّ: كانوا ينهوننا عنه، ونحن شُبّان، وذكر عنه أمرًا عظيمًا. وقال البخاريّ: تركوه. وقال الآجريّ، عن أبي داود: متروك الحديث، قلت لأحمد: روى عن الزهريّ، عن أنس في التلبية، قال: لا نبالي روى أم لم يرو. وقال أبو حاتم، والترمذيّ، وابن خرَاش، وأبو أحمد الحاكم، والدارقطنيّ، وغير واحد: متروك الحديث. وقال أبو زرعة: ضعيف الحديث، ذاهب الحديث. وقال الجُوزجانيّ: ساقطٌ. وقال ابن عديّ: عامة ما يرويه لا يُتابع عليه. وقال مسلم في "الكنى": منكر الحديث. وقال النسائيّ هنا: متروك الحديث، وقال في، التمييز": لا يُكتب حديثه. وقال ابن حبّان: سكن اليمامة، ومولده بالبصرة، وكان ممن يقلب الأخبار، ويروي عن الثقات الموضوعات. وقال الترمذيّ: ضعيف الحديث. روى له أبو داود، والترمذيّ، والمصنّف، وله عنده في هذا الكتاب حديثان فقط: هذا الحديث، وحديث رقم-٤٧/ ٤٨٥٤ - "أن رسول اللَّه ﷺ كتب إلى أهل اليمامة بكتاب فيه الفرائض … " الحديث.
وقوله: "يسكن اليمامة" -بفتح المثنّاة التحتيّة، وتخفيف الميم-: بلدة من بلاد العوالي، وهي بلاد بني حنيفة، قيل: من عُرُوض اليمن، وقيل: من بادية الحجاز. قاله الفيّوميّ.
والحديث ضعيف، كما أشار إليه المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-.
стр. 15331
وقوله: خالفه غير واحد الخ" يعني أنه خالف سليمان بن أرقم في رواية هذا الحديث غير واحد من أصحاب يحيى بن أبي كثير، فرووه عنه، عن محمد بن الزبير الحنظليّ، عن أبيه، عن عمران بن حصين ﵄، فخالفوه في الإسناد، وجعلوه من مسند عمران ابن حُصين ﵄، وهو جعله من مسند عائشة ﵂، وقد بين هذا المصنّف بما ساقه هنا، فقال:
٣٨٦٧ - (أَخْبَرَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ, عَنْ وَكِيعٍ, عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ, وَهُوَ عَلِيٌّ, عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ, عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الزُّبَيْرِ الْحَنْظَلِيِّ, عَنْ أَبِيهِ, عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ, قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا نَذْرَ فِي مَعْصِيَةٍ, وَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "عليّ بن المبارك": هو الْهُنائيّ البصريّ، ثقة، كان له عن يحيى بن أبي كثير كتابان: أحدهما سماع، والآخر إرسال، فحديث الكوفيين عنه فيه شيء، من كبار [٧] ٢٨/ ١٤١١.
و"محمد بن الزبير" التميميّ الحنظليّ البصريّ، متروك [٦].
قال إسحاق بن منصور، عن ابن معين: ضعيف، لا شيء. وقال أبو حاتم: ليس بالقويّ، في حديثه نكارة. وقال البخاريّ: منكر الحديث، وفيه نظر. وقال النسائيّ: ضعيف. وقال في موضع آخر: ليس بثقة. وقال ابن عديّ: بصريّ، كوفيّ الأصل، قليل الحديث، والذي يرويه غرائب، وأمراد. وقال الساجيّ: كان شعبة لا يرضاه. وأسند ابن عديّ من طريق أبي داود الطيالسيّ: قلت لشعبة: مالك لا تحدّث عن محمد بن الزبير؟ فقال: مرّ به رجلٌ، فافترى عليه، فقلت له؟ فقال: إنه غاظني. روى له أبو داود في "المراسيل"، والمصنّف، وله عنده في هذا الكتاب حديث عمران ﵁ هذا فقط. و"أبوه": الزبير التميمي الحنظليّ البصريّ، ليّن الحديث [٥].
روى عن عمران بن حُصين ﵂، وقيل: عن رجل، عن عمران. وعنه ابنه محمد. ذكر عبّاس الدُّوري، عن ابن معين، قال: قيل لمحمد بن الزبير: سمع أبوك من عمران؟ فقال: لا. وذكره أبو العرب الصَّقْليّ في "الضعفاء". تفرّد به المصنّف - رحمه اللَّه تعالى - بحديث عمران ﵁ هذا فقط.
والحديث ضعيف؛ لضعف محمد بن الزبير، وأبيه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٨٦٨ - (أَخْبَرَنِي (١) عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ, قَالَ: حَدَّثَنَا بَقِيَّةُ, عَنْ أَبِي عَمْرٍو -وَهُوَ
стр. 15332
الأَوْزَاعِيُّ -عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ, عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الزُّبَيْرِ الْحَنْظَلِيِّ, عَنْ أَبِيهِ, عَنِ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ﵄, قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا نَذْرَ فِي مَعْصِيَةٍ, وَكَفَّارَتُهَا كَفَّارَةُ يَمِينٍ»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "عمرو بن عثمان": هو الحمصيّ. "وبقيّة": هو ابن الوليد الحمصيّ. و"أبو عمرو": هو عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعيّ. والحديث ضعيف، كما سبق بيانه قريبًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٨٦٩ - (أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ مَيْمُونٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا مَعْمَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بِشْرٍ, عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ, عَنْ مُحَمَّدٍ الْحَنْظَلِيِّ, عَنْ أَبِيهِ, عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ, قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا نَذْرَ فِي غَضَبٍ, وَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ الْيَمِينِ».
قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ:: مُحَمَّدُ بْنُ الزُّبَيْرِ ضَعِيفٌ, لَا يَقُومُ بِمِثْلِهِ حُجَّةٌ, وَقَدِ اخْتُلِفَ عَلَيْهِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "عليّ بن ميمون": هو الرّقّيّ العطّار، ثقة [١٠] ٢٨/ ٤٣٥. و"مُعَمَّر-بضمّ الميم، وفتح المهملة، وتشديد الميم الثانية، بوزن مُحَمَّد- ابن سليمان": هو النخعَيّ، أبو عبد اللَّه الرَّقي، ثقة فاضل، أخطأ في تليينه الأزديّ [٩] ٦٦/ ١٧٩٨.
[تنبيه]: وقع في نسخة: "معتمر" بدل مُعَمَّر، وهو غلط فاحش، والصواب "مُعَمَّر" بوزن محمّد، فتنبّه. واللَّه تعالى أعلم.
و"عبد اللَّه بن بِشْر" -بكسر الموحّدة، وسكون الشين المعجمة- الرّقّيّ القاضي، كوفيّ الأصل، اختلف فيه قول ابن معين، وابن حبّان، وقال أبو زرعة، والنسائيّ: لا بأس به، وقال ابن عديّ: أحاديثه عندي مستقيمة. وحكى البزّار أنه ضعيف في الزهريّ خاصة [٧]. تفرّد به المصنّف، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط.
وقوله: "وقد اختُلف عليه في هذا الحديث" يعني أن الرواة اختلفوا على محمد بن الزبير الحنظلي في رواية هذا الحديث، فرواه بعضهم عنه، عن أبيه، عن عمران، بلفظ: "لا نذر في معصية، وكفّارته كفّارة يمين"، وبعضهم بلفظ: "لا نذر في غضب، وكفارته كفّارة اليمين"، ورواه بعضهم عنه، عن أبيه، عن رجل من أهل البصرة، عن عمران، بلفظ: "النذر نذران: فما كان من نذر طاعة … " الحديث، ورواه بعضهم عنه، عن الحسن، عن عمران، بلفظ: "لا نذر في معصية، ولا غضب، وكفّارته كفّارة يمين". واللَّه تعالى أعلم.
والحديث ضعيف، كما مرّ. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب،
стр. 15333
وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٨٧٠ - (أَخْبَرَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ يَعْقُوبَ, قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُوسَى, قَالَ: حَدَّثَنَا شَيْبَانُ, عَنْ يَحْيَى, عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الزُّبَيْرِ, عَنْ أَبِيهِ, عَنْ عِمْرَانَ, قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا نَذْرَ فِي غَضَبٍ, وَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ الْيَمِينِ»).
قال الجامع عفا اللَّهَ تعالى عنه: "إبراهيم بن يعقوب": هو الْجُوزجانيّ الحافظ. و"الحسن بن موسى،: هو الأشيب، أو عليّ البغداديّ. و"شيبان": هو ابن عبد الرحمن النحويّ البصريّ، ثم الكوفيّ. و"يحيى": هو ابن أبي كثير.
والحديث ضعيف، كما تقدّم. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٨٧١ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ, أَنْبَأَنَا حَمَّادٌ, عَنْ مُحَمَّدٍ, عَنْ أَبِيهِ, عَنْ عِمْرَانَ, قَالَ: قَالَ: النَّبِيُّ (١) ﷺ «لَا نَذْرَ فِي غَضَبٍ, وَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ الْيَمِينِ».
وَقِيلَ إِنَّ الزُّبَيْرَ لَمْ يَسْمَعْ هَذَا الْحَدِيثَ مِنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "حماد": هو ابن زيد. و"محمد": هو ابن الزبير المتقدِّم. والحديث ضعيف، كما سبق بيانه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وقوله: "وقيل: إن الزبير لم يسمع الخ" يعني أنه قيل: لم يسمع الزبير والد محمد هذا الحديث من عمران بن حصين، بل بينهما واسطة، كما بيّنه بقوله:
٣٨٧٢ - (أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ وَهْبٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ, قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ إِسْحَاقَ, عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الزُّبَيْرِ, عَنْ أَبِيهِ, عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ, قَالَ: صَحِبْتُ عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ, قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , يَقُولُ: «النَّذْرُ نَذْرَانِ: فَمَا كَانَ مِنْ نَذْرٍ فِي طَاعَةِ اللَّهِ, فَذَلِكَ لِلَّهِ, وَفِيهِ الْوَفَاءُ, وَمَا كَانَ مِنْ نَذْرٍ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ, فَذَلِكَ لِلشَّيْطَانِ, وَلَا وَفَاءَ فِيهِ, وَيُكَفِّرُهُ مَا يُكَفِّرُ الْيَمِينَ»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "محمد بن وهب" بن عمر بن أبي كَرِيمة، أبو المعافَى الحرّانيّ، صدوق [١٠] ١٩١/ ٣٠٦. من أفراد المصنّف. و"محمد بن سلمة": هو الحرّانيّ. و"ابن إسحاق": هو محمد صاحب المغازي.
والحديث ضعيف، وساقه المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- لبيان ما قيل: إن الزبير لم يسمع هذا الحديث من عمران بن حصين، وإنما سمعه بواسطة، وتلك الواسطة رجلٌ
стр. 15334
مجهول. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٨٧٣ - (أَخْبَرَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ يَعْقُوبَ, قَالَ: حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ, قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ, عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الزُّبَيْرِ الْحَنْظَلِيِّ, قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي, أَنَّ رَجُلاً حَدَّثَهُ, أَنَّهُ سَأَلَ عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ, عَنْ رَجُلٍ نَذَرَ نَذْرًا, لَا يَشْهَدُ الصَّلَاةَ فِي مَسْجِدِ قَوْمِهِ, فَقَالَ عِمْرَانُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ «لَا نَذْرَ فِي غَضَبٍ, وَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "إبراهيم بن يعقوب": تقدّم قبل حديثين. و"مُسدّد": هو ابن مُسرهَد بن مُسربل بن مستورد الأسديّ، أبو الحسن البصريّ ثقة ثبت حافظ، يقال: إنه أول من صنّف المسند بالبصرة [١٠] له عند المصنّف حديثان فقط، هذا، وحديث "احفروا، وأحسنوا … " الحديث في "كتاب الجنائز" - ٩٠/ ٢٠١٧. و"عبد الوارث": هو ابن سعيد بن ذكوان العنبريّ التَنُّوريّ البصريّ.
وقوله: "لا يشهد الصلاة في مسجد الخ" الظاهر أنه نذر غضبًا على بعض الناس ممن يُصلّي في ذلك المسجد، فأجابه عمران بأنه لا نذر في حال غضب.
والحديث ضعيف، كما من، وأتى به المصنّف أيضًا لبيان أن الزبير لم يسمع هذا الحديث من عمران ﵁. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٨٧٤ - (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَرْبٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ, قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ, عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الزُّبَيْرِ, عَنِ الْحَسَنِ, عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ, قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا نَذْرَ فِي مَعْصِيَةٍ, وَلَا غَضَبٍ, وَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "أحمد بن حرب": هو الطائيّ الْمَوْصليّ، صدوق [١٠] ١٠٢/ ١٣٥ من أفراد المصنّف. و"أبو داود": هو عمر بن سعد بن عُبيد الْحَفَريّ، ثقة عابد [٩] ١٥/ ٥٢٣. و"سفيان": هو ابن سعيد الثوريّ. و"الحسن": هو ابن أبي الحسن/ يسار البصريّ الإمام المشهور.
والحديث ضعيف؛ لما تقدّم، ولأن الحسن لم يسمع من عمران بن حصين ﵄، كما قال بذلك الأئمة: أحمد بن حنبل، وابن معين، وأبو حاتم، وابن المدينيّ، انظر "تهذيب التهذيب" ١/ ٣٨٨ - ٣٩١. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٨٧٥ - (أَخْبَرَنَا هِلَالُ بْنُ الْعَلَاءِ, قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو سُلَيْمٍ -وَهُوَ عُبَيْدُ بْنُ يَحْيَى- قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ النَّهْشَلِيُّ, عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الزُّبَيْرِ, عَنِ الْحَسَنِ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ,
стр. 15335
قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا نَذْرَ فِي الْمَعْصِيَةِ, وَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ الْيَمِينِ»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "هلال بن العلاء": هو الباهليّ مولاهم، أبو عمر الرّقيّ, صدوق [١١] ١٠/ ١١٩٩ من أفراد المصنّف.
"وأبو سُليم عُبيد بن يحيى" الأسديّ الكوفيّ، نزل الرَّقّة، ثقة مقرىء [١٠].
قال النسائيّ: ثقة. وذكره ابن حبّان في "الثقات". مات بالرقّة على رأس المائتين. تفرّد به المصنّف بهذا الحديث فقط.
و"أبو بكر النَّهْشَليّ": قيل: اسمه عبد اللَّه بن قطاف، أو ابن أبي قطاف، وقيل: وهب، وقيل: معاوية، صدوقٌ، رُمي بالإرجاء [١] ٢٦/ ١٢٥٩.
والحديث ضعيف؛ كما سبق. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعبم الوكيل.
وقوله (خَالَفَهُ مَنْصُورُ بْنُ زَاذَانَ فِي لَفْظِهِ) يعني أن منصور بن زاذان خالف محمد بن الزبير في لفظ الحديث، كما بيّنه بقوله:
٣٨٧٦ - (أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ, قَالَ: أَنْبَأَنَا هُشَيْمٌ, قَالَ: أَنْبَأَنَا مَنْصُورٌ, عَنِ الْحَسَنِ, عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ, قَالَ: قَالَ -يَعْنِي النَّبِيَّ ﷺ «لَا نَذْرَ لاِبْنِ آدَمَ فِيمَا لَا يَمْلِكُ, وَلَا فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ ».
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "يعقوب بن إبراهيم": هو الدَّوْرقيّ، أبو يوسف البغداديّ، ثقة [١٠] ٢١/ ٢٢. و"هُشيم": هو ابن بَشير، أبو معاوية ابن أبي خازم الواسطي ثقة ثبت، كثير التدليس، والإرسال الخفيّ [٧] ٨٨/ ١٠٩. و"منصور": هو ابن زاذان، أبو المغيرة الثقفيّ، الواسطيّ، ثقة ثبت عابد [٦] ٥/ ٤٧٥.
والحديث ضعيف؛ للانقطاع، كما سبق قريبًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وقوله (خَالَفَهُ عَلِيُّ بْنُ زَيْدٍ فَرَوَاهُ عَنِ الْحَسَنِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ.) يعني أنه خالف عليّ بن زيد بن جُدعان خالف منصور بن زاذان في روايته عن الحسن، عن عمران ﵁، فرواه عن الحسن، عن عبد الرحمن بن سمُرة ﵁، كما بيّنه بقوله:
٣٨٧٧ - (أَخْبَرَنِي (١) عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ, قَالَ: حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ تَمِيمٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا زَائِدَةُ, قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ زَيْدِ بْنِ جُدْعَانَ, عَنِ الْحَسَنِ, عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ, عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا نَذْرَ فِي مَعْصِيَةٍ, وَلَا فِيمَا لَا يَمْلِكُ ابْنُ آدَمَ».