← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 12888

ذخيرة العقبى في شرح المجتبى

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (19 271 стр.). Показаны 15331–15370 · переход к 15336.

стр. 15331

وقوله: خالفه غير واحد الخ" يعني أنه خالف سليمان بن أرقم في رواية هذا الحديث غير واحد من أصحاب يحيى بن أبي كثير، فرووه عنه، عن محمد بن الزبير الحنظليّ، عن أبيه، عن عمران بن حصين ﵄، فخالفوه في الإسناد، وجعلوه من مسند عمران ابن حُصين ﵄، وهو جعله من مسند عائشة ﵂، وقد بين هذا المصنّف بما ساقه هنا، فقال: ٣٨٦٧ - (أَخْبَرَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ, عَنْ وَكِيعٍ, عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ, وَهُوَ عَلِيٌّ, عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ, عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الزُّبَيْرِ الْحَنْظَلِيِّ, عَنْ أَبِيهِ, عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ, قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا نَذْرَ فِي مَعْصِيَةٍ, وَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ»). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "عليّ بن المبارك": هو الْهُنائيّ البصريّ، ثقة، كان له عن يحيى بن أبي كثير كتابان: أحدهما سماع، والآخر إرسال، فحديث الكوفيين عنه فيه شيء، من كبار [٧] ٢٨/ ١٤١١. و"محمد بن الزبير" التميميّ الحنظليّ البصريّ، متروك [٦]. قال إسحاق بن منصور، عن ابن معين: ضعيف، لا شيء. وقال أبو حاتم: ليس بالقويّ، في حديثه نكارة. وقال البخاريّ: منكر الحديث، وفيه نظر. وقال النسائيّ: ضعيف. وقال في موضع آخر: ليس بثقة. وقال ابن عديّ: بصريّ، كوفيّ الأصل، قليل الحديث، والذي يرويه غرائب، وأمراد. وقال الساجيّ: كان شعبة لا يرضاه. وأسند ابن عديّ من طريق أبي داود الطيالسيّ: قلت لشعبة: مالك لا تحدّث عن محمد بن الزبير؟ فقال: مرّ به رجلٌ، فافترى عليه، فقلت له؟ فقال: إنه غاظني. روى له أبو داود في "المراسيل"، والمصنّف، وله عنده في هذا الكتاب حديث عمران ﵁ هذا فقط. و"أبوه": الزبير التميمي الحنظليّ البصريّ، ليّن الحديث [٥]. روى عن عمران بن حُصين ﵂، وقيل: عن رجل، عن عمران. وعنه ابنه محمد. ذكر عبّاس الدُّوري، عن ابن معين، قال: قيل لمحمد بن الزبير: سمع أبوك من عمران؟ فقال: لا. وذكره أبو العرب الصَّقْليّ في "الضعفاء". تفرّد به المصنّف - رحمه اللَّه تعالى - بحديث عمران ﵁ هذا فقط. والحديث ضعيف؛ لضعف محمد بن الزبير، وأبيه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٨٦٨ - (أَخْبَرَنِي (١) عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ, قَالَ: حَدَّثَنَا بَقِيَّةُ, عَنْ أَبِي عَمْرٍو -وَهُوَ

стр. 15332

الأَوْزَاعِيُّ -عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ, عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الزُّبَيْرِ الْحَنْظَلِيِّ, عَنْ أَبِيهِ, عَنِ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ﵄, قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا نَذْرَ فِي مَعْصِيَةٍ, وَكَفَّارَتُهَا كَفَّارَةُ يَمِينٍ»). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "عمرو بن عثمان": هو الحمصيّ. "وبقيّة": هو ابن الوليد الحمصيّ. و"أبو عمرو": هو عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعيّ. والحديث ضعيف، كما سبق بيانه قريبًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٨٦٩ - (أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ مَيْمُونٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا مَعْمَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بِشْرٍ, عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ, عَنْ مُحَمَّدٍ الْحَنْظَلِيِّ, عَنْ أَبِيهِ, عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ, قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا نَذْرَ فِي غَضَبٍ, وَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ الْيَمِينِ». قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ:: مُحَمَّدُ بْنُ الزُّبَيْرِ ضَعِيفٌ, لَا يَقُومُ بِمِثْلِهِ حُجَّةٌ, وَقَدِ اخْتُلِفَ عَلَيْهِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "عليّ بن ميمون": هو الرّقّيّ العطّار، ثقة [١٠] ٢٨/ ٤٣٥. و"مُعَمَّر-بضمّ الميم، وفتح المهملة، وتشديد الميم الثانية، بوزن مُحَمَّد- ابن سليمان": هو النخعَيّ، أبو عبد اللَّه الرَّقي، ثقة فاضل، أخطأ في تليينه الأزديّ [٩] ٦٦/ ١٧٩٨. [تنبيه]: وقع في نسخة: "معتمر" بدل مُعَمَّر، وهو غلط فاحش، والصواب "مُعَمَّر" بوزن محمّد، فتنبّه. واللَّه تعالى أعلم. و"عبد اللَّه بن بِشْر" -بكسر الموحّدة، وسكون الشين المعجمة- الرّقّيّ القاضي، كوفيّ الأصل، اختلف فيه قول ابن معين، وابن حبّان، وقال أبو زرعة، والنسائيّ: لا بأس به، وقال ابن عديّ: أحاديثه عندي مستقيمة. وحكى البزّار أنه ضعيف في الزهريّ خاصة [٧]. تفرّد به المصنّف، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط. وقوله: "وقد اختُلف عليه في هذا الحديث" يعني أن الرواة اختلفوا على محمد بن الزبير الحنظلي في رواية هذا الحديث، فرواه بعضهم عنه، عن أبيه، عن عمران، بلفظ: "لا نذر في معصية، وكفّارته كفّارة يمين"، وبعضهم بلفظ: "لا نذر في غضب، وكفارته كفّارة اليمين"، ورواه بعضهم عنه، عن أبيه، عن رجل من أهل البصرة، عن عمران، بلفظ: "النذر نذران: فما كان من نذر طاعة … " الحديث، ورواه بعضهم عنه، عن الحسن، عن عمران، بلفظ: "لا نذر في معصية، ولا غضب، وكفّارته كفّارة يمين". واللَّه تعالى أعلم. والحديث ضعيف، كما مرّ. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب،

стр. 15333

وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٨٧٠ - (أَخْبَرَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ يَعْقُوبَ, قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُوسَى, قَالَ: حَدَّثَنَا شَيْبَانُ, عَنْ يَحْيَى, عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الزُّبَيْرِ, عَنْ أَبِيهِ, عَنْ عِمْرَانَ, قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا نَذْرَ فِي غَضَبٍ, وَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ الْيَمِينِ»). قال الجامع عفا اللَّهَ تعالى عنه: "إبراهيم بن يعقوب": هو الْجُوزجانيّ الحافظ. و"الحسن بن موسى،: هو الأشيب، أو عليّ البغداديّ. و"شيبان": هو ابن عبد الرحمن النحويّ البصريّ، ثم الكوفيّ. و"يحيى": هو ابن أبي كثير. والحديث ضعيف، كما تقدّم. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٨٧١ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ, أَنْبَأَنَا حَمَّادٌ, عَنْ مُحَمَّدٍ, عَنْ أَبِيهِ, عَنْ عِمْرَانَ, قَالَ: قَالَ: النَّبِيُّ (١) ﷺ «لَا نَذْرَ فِي غَضَبٍ, وَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ الْيَمِينِ». وَقِيلَ إِنَّ الزُّبَيْرَ لَمْ يَسْمَعْ هَذَا الْحَدِيثَ مِنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "حماد": هو ابن زيد. و"محمد": هو ابن الزبير المتقدِّم. والحديث ضعيف، كما سبق بيانه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. وقوله: "وقيل: إن الزبير لم يسمع الخ" يعني أنه قيل: لم يسمع الزبير والد محمد هذا الحديث من عمران بن حصين، بل بينهما واسطة، كما بيّنه بقوله: ٣٨٧٢ - (أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ وَهْبٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ, قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ إِسْحَاقَ, عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الزُّبَيْرِ, عَنْ أَبِيهِ, عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ, قَالَ: صَحِبْتُ عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ, قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , يَقُولُ: «النَّذْرُ نَذْرَانِ: فَمَا كَانَ مِنْ نَذْرٍ فِي طَاعَةِ اللَّهِ, فَذَلِكَ لِلَّهِ, وَفِيهِ الْوَفَاءُ, وَمَا كَانَ مِنْ نَذْرٍ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ, فَذَلِكَ لِلشَّيْطَانِ, وَلَا وَفَاءَ فِيهِ, وَيُكَفِّرُهُ مَا يُكَفِّرُ الْيَمِينَ»). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "محمد بن وهب" بن عمر بن أبي كَرِيمة، أبو المعافَى الحرّانيّ، صدوق [١٠] ١٩١/ ٣٠٦. من أفراد المصنّف. و"محمد بن سلمة": هو الحرّانيّ. و"ابن إسحاق": هو محمد صاحب المغازي. والحديث ضعيف، وساقه المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- لبيان ما قيل: إن الزبير لم يسمع هذا الحديث من عمران بن حصين، وإنما سمعه بواسطة، وتلك الواسطة رجلٌ

стр. 15334

مجهول. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٨٧٣ - (أَخْبَرَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ يَعْقُوبَ, قَالَ: حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ, قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ, عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الزُّبَيْرِ الْحَنْظَلِيِّ, قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي, أَنَّ رَجُلاً حَدَّثَهُ, أَنَّهُ سَأَلَ عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ, عَنْ رَجُلٍ نَذَرَ نَذْرًا, لَا يَشْهَدُ الصَّلَاةَ فِي مَسْجِدِ قَوْمِهِ, فَقَالَ عِمْرَانُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ «لَا نَذْرَ فِي غَضَبٍ, وَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ»). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "إبراهيم بن يعقوب": تقدّم قبل حديثين. و"مُسدّد": هو ابن مُسرهَد بن مُسربل بن مستورد الأسديّ، أبو الحسن البصريّ ثقة ثبت حافظ، يقال: إنه أول من صنّف المسند بالبصرة [١٠] له عند المصنّف حديثان فقط، هذا، وحديث "احفروا، وأحسنوا … " الحديث في "كتاب الجنائز" - ٩٠/ ٢٠١٧. و"عبد الوارث": هو ابن سعيد بن ذكوان العنبريّ التَنُّوريّ البصريّ. وقوله: "لا يشهد الصلاة في مسجد الخ" الظاهر أنه نذر غضبًا على بعض الناس ممن يُصلّي في ذلك المسجد، فأجابه عمران بأنه لا نذر في حال غضب. والحديث ضعيف، كما من، وأتى به المصنّف أيضًا لبيان أن الزبير لم يسمع هذا الحديث من عمران ﵁. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٨٧٤ - (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَرْبٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ, قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ, عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الزُّبَيْرِ, عَنِ الْحَسَنِ, عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ, قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا نَذْرَ فِي مَعْصِيَةٍ, وَلَا غَضَبٍ, وَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ»). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "أحمد بن حرب": هو الطائيّ الْمَوْصليّ، صدوق [١٠] ١٠٢/ ١٣٥ من أفراد المصنّف. و"أبو داود": هو عمر بن سعد بن عُبيد الْحَفَريّ، ثقة عابد [٩] ١٥/ ٥٢٣. و"سفيان": هو ابن سعيد الثوريّ. و"الحسن": هو ابن أبي الحسن/ يسار البصريّ الإمام المشهور. والحديث ضعيف؛ لما تقدّم، ولأن الحسن لم يسمع من عمران بن حصين ﵄، كما قال بذلك الأئمة: أحمد بن حنبل، وابن معين، وأبو حاتم، وابن المدينيّ، انظر "تهذيب التهذيب" ١/ ٣٨٨ - ٣٩١. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٨٧٥ - (أَخْبَرَنَا هِلَالُ بْنُ الْعَلَاءِ, قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو سُلَيْمٍ -وَهُوَ عُبَيْدُ بْنُ يَحْيَى- قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ النَّهْشَلِيُّ, عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الزُّبَيْرِ, عَنِ الْحَسَنِ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ,

стр. 15335

قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا نَذْرَ فِي الْمَعْصِيَةِ, وَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ الْيَمِينِ»). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "هلال بن العلاء": هو الباهليّ مولاهم، أبو عمر الرّقيّ, صدوق [١١] ١٠/ ١١٩٩ من أفراد المصنّف. "وأبو سُليم عُبيد بن يحيى" الأسديّ الكوفيّ، نزل الرَّقّة، ثقة مقرىء [١٠]. قال النسائيّ: ثقة. وذكره ابن حبّان في "الثقات". مات بالرقّة على رأس المائتين. تفرّد به المصنّف بهذا الحديث فقط. و"أبو بكر النَّهْشَليّ": قيل: اسمه عبد اللَّه بن قطاف، أو ابن أبي قطاف، وقيل: وهب، وقيل: معاوية، صدوقٌ، رُمي بالإرجاء [١] ٢٦/ ١٢٥٩. والحديث ضعيف؛ كما سبق. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعبم الوكيل. وقوله (خَالَفَهُ مَنْصُورُ بْنُ زَاذَانَ فِي لَفْظِهِ) يعني أن منصور بن زاذان خالف محمد بن الزبير في لفظ الحديث، كما بيّنه بقوله: ٣٨٧٦ - (أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ, قَالَ: أَنْبَأَنَا هُشَيْمٌ, قَالَ: أَنْبَأَنَا مَنْصُورٌ, عَنِ الْحَسَنِ, عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ, قَالَ: قَالَ -يَعْنِي النَّبِيَّ ﷺ «لَا نَذْرَ لاِبْنِ آدَمَ فِيمَا لَا يَمْلِكُ, وَلَا فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ ». قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "يعقوب بن إبراهيم": هو الدَّوْرقيّ، أبو يوسف البغداديّ، ثقة [١٠] ٢١/ ٢٢. و"هُشيم": هو ابن بَشير، أبو معاوية ابن أبي خازم الواسطي ثقة ثبت، كثير التدليس، والإرسال الخفيّ [٧] ٨٨/ ١٠٩. و"منصور": هو ابن زاذان، أبو المغيرة الثقفيّ، الواسطيّ، ثقة ثبت عابد [٦] ٥/ ٤٧٥. والحديث ضعيف؛ للانقطاع، كما سبق قريبًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. وقوله (خَالَفَهُ عَلِيُّ بْنُ زَيْدٍ فَرَوَاهُ عَنِ الْحَسَنِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ.) يعني أنه خالف عليّ بن زيد بن جُدعان خالف منصور بن زاذان في روايته عن الحسن، عن عمران ﵁، فرواه عن الحسن، عن عبد الرحمن بن سمُرة ﵁، كما بيّنه بقوله: ٣٨٧٧ - (أَخْبَرَنِي (١) عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ, قَالَ: حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ تَمِيمٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا زَائِدَةُ, قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ زَيْدِ بْنِ جُدْعَانَ, عَنِ الْحَسَنِ, عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ, عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا نَذْرَ فِي مَعْصِيَةٍ, وَلَا فِيمَا لَا يَمْلِكُ ابْنُ آدَمَ».

стр. 15336

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "عليّ بن محمد بن عليّ": هو المصّيصيّ القاضي، ثقة [١١] ٨٣/ ٢٤١٥ من أفراد المصنّف. و"خلف بن تَميم": هو أبوعبد الرحمن الكوفيّ، نزيل المِصِّيصة، صدوق عابد [٩] ٨٣/ ٢٤١٥. و"زائدة": هو ابن قُدامة الثقفيّ، أبو الصلت الكوفيّ، ثقة ثبت [٧] ٧٤/ ٩١. و"عليّ بن زيد بن جُدعان": هو عليّ بن زيد بن عبد اللَّه بن أبي مُليكة زُهير بن عبد اللَّه بن جُدعان بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مُرّة التيمي، أبو الحسن البصريّ، أصله من مكّة، نُسب أبوه إلى جدّ جدّه، ضعيفٌ [٤]. قال ابن سعد: وُلد أعمى، وكان كثير الحديث، وفيه ضعف، ولا يُحتجّ به. وقال أحمد: ليس بالقويّ، روى عنه الناس. وعنه ليس بشيء. وعنه: ضعيف الحديث. وعن يحيى بن معين: ضعيف في كلّ شيء، وعنه: ليس بذاك القويّ. وقال العجليّ: كان يتشيّع، لا بأس به. وقال مرّة: يكتب حديثه، وليس بالقويّ. وقال يعقوب بن شيبة: ثقة، صالح الحديث، وإلى الضعف ما هو. وقال الجُوزجانيّ: واهي الحديث، ضعيف، وفيه ميلٌ عن القصد، لا يُحتجّ بحديثه. وقال أبو زرعة: ليس بقويِّ. وقال أبو حاتم: ليس بقويّ، يكتب حديثه، ولا يُحتجّ به، وكان يتشيّع. وقال الترمذيّ: صدوقٌ إلا أنه ربّما رفع الشيء الذي يوقفه غيره. وقال النسائيّ: ضعيف. وقال ابن خزيمة: لا أحتجّ به لسوء حفظه. وقال ابن عديّ: لم أر أحدًا من البصريين وغيرهم امتنع من الرواية عنه، وكان يغلو في التشيّع، ومع ضعفه يُكتب حديثه. وقال الحاكم أبو أحمد: ليس بالمتين عندهم. وقال الدارقطنيّ: أنا أقف فيه، لا يزال عندي فيه لين. وقال معاذ بن معاذ، عن شعبة: حدثنا علي بن زيد قبل أن يختلط. وقال أبو الوليد وغيره، عن شعبة: حدثنا عليّ بن زيد، وكان رفّاعًا. وقال حماد بن زيد: كان يقلب الأحاديث. وفي رواية: كان يُحدثنا اليوم بالحديث، ثم يحدّثنا غدًا، فكأنه ليس بذاك. وقال عمرو بن عليّ: كان يحيى بن سعيد حدّث عنه مرّة، ثم تركه. وعن ابن عيينة، قال: كتبت عنه كتابا كثيرًا، فتركته زهدًا فيه. وقال يزيد بن زريع: رأيته، ولم أحمل عنه؛ لأنه كان رافضيًّا. وقال ابن حنان: يَهِم ويخطىء، فأكثر ذلك منه، فاستحقّ الترك. وقال غيره: أنكر ما روى ما حدّث به حماد بن سلمة، عنه، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد ﵁، رفعه: "إذا رأيتم معاوية على هذه الأعواد، فاقتلوه". وأخرجه الحسن بن سفيان في "مسنده" عن إسحاق، عن عبد الرزاق، عن ابن عيينة، عن علي بن زيد، والمحفوظ عن عبد الرزاق، عن جعفر بن سليمان، عن عليّ. ولكن لفظ ابن عيينة: "فارجموه"، أورده ابن عديّ، عن الحسن بن سفيان.

стр. 15337

وقال سعيد الجريريّ: أصبح فقهاء البصرة عُميان: قتادة، وعلي بن زيد، وأشعث الحُدّاني. مات سنة (١٢٩) وقيل: سنة (١٣١). روى له البخاريّ في " الأدب المفرد،، ومسلم مقرونًا بغيره، والأربعة، وله عند المصنّف في هذا الكتاب حديثان فقط: هذا، وحديث رقم: ٣٣/ ٤٧٩٩ - : "الحمد للَّه الذي صدق وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده … " الحديث. والحديث ضعيف. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. وقوله (قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ:: عَلِيُّ بْنُ زَيْدٍ ضَعِيفٌ, وَهَذَا الْحَدِيثُ خَطَأٌ, وَالصَّوَابُ عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ) أراد به أن الصواب في هذا الحديث كونه عن الحسن، عن عمران ﵁، لا عن الحسن، عن عبد الرحمن بن سمرة ﵁؛ لمخالفة عليّ بن زيد، وهو ضعيف، منصورَ بنَ زاذان، وهو ثقة حافظ، وليس غرض المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- بهذا تصحيح الحديث من رواية الحسن، عن عمران، وإنما مراده بيان الأخفّ ضعفًا، والأشدّ ضعفًا، فكونه من مسند عبد الرحمن ﵁ أضعف من كونه من مسند عمران ﵁. والحاصل أن الحديث لا يصحّ من كلا الوجهين، وإنما الصحيح من حديث عمران ﵁ ما رواه أبو قلابة، عن عمه، عنه، فإنه صحيح؛ لاتصاله، وثقة رجاله، كما أشار إليه المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، بقوله: (وَقَدْ رُوِىَ هَذَا الْحَدِيثُ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ.: ٣٨٧٨ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ, قَالَ: حَدَّثَنِي أَيُّوبُ, قَالَ: حَدَّثَنَا (١) أَبُو قِلَابَةَ, عَنْ عَمِّهِ, عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ, قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا نَذْرَ فِي مَعْصِيَةٍ, وَلَا فِيمَا لَا يَمْلِكُ ابْنُ آدَمَ»). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الحديث أخرجه مسلم، وقد تقدّم سندًا، ومتنًا في -٣١/ ٣٨٣٩ - "النذر فيما لا يملك"، وتقدّم شرحه، وبيان مسائله، هناك، فراجعه تستفد، وباللَّه تعالى التوفيق. و"محمد بن منصور": هو الْجوّاز المكيّ. و"سفيان": هو ابن عيينة. و"أيوب": هو ابن أبي تَميمة السَّخْتيانيّ. و"أبو قِلابة": هو عبد اللَّه بن زيد بن عمرو الجَرْميّ. و"عمه": هو أبو المهلّب، عمرو بن معاوية، وقيل: غيره، الجرميّ البصريّ. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب.

стр. 15338

"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعتُ، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكّلتُ، وإليه أنيب". … ٤٢ - (مَا الْوَاجِبُ عَلَى مَن أَوْجَبَ عَلَى نَفْسِهِ نَذرًا، فَعَجَزَ عَنْهُ) قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: إنما ترجم المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- بصيغة الاستفهام، ولم يبين جوابه؟ لكون المسألة مختلفًا فيها بين العلماء، فالجمهور يوجبون عليه الهدي، والشافعيّ يستحبّها، كما قال القرطبيّ، وحجة الجمهور حديث عقبة بن عامر ﵁ في قصّة أخته، المتقدّمة، ففيها: "مرها فلتركب، ولتختمر، ولتهد هديًا"، وفي رواية: "بدنةً"، قال القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى-: وزيادة الهدي رواها عن النبيّ ﷺ مع عقبة بن عامر ابنُ عبّاس ﵃، ورواها عنهما الثقات، فلا سبيل إلى ردّها, وليس سكوت من سكت عنها حجة على من نطق بها، وقد عمل بها الجماهير من السلف وغيرهم. انتهى" (١). لكن ظاهر صنيع المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- يرجح عدم الوجوب، حيث إنه أورد حديث أنس ﵁ في الرجل الذي أمره النبيّ ﷺ أن يركب، ولم يأمره بالهدي، والذي قاله الجمهور أظهر؛ لحديث أخت عقبة ﵄، فالسكوت في هذا الحديث لا ينفي ثبوته في غيره. واللَّه تعالى أعلم بالصواب. ٣٨٧٩ - (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ, قَالَ: أَنْبَأَنَا حَمَّادُ بْنُ مَسْعَدَةَ, عَنْ حُمَيْدٍ, عَنْ ثَابِتٍ, عَنْ أَنَسٍ قَالَ: رَأَى النَّبِيُّ ﷺ رَجُلاً يُهَادَى بَيْنَ رَجُلَيْنِ, فَقَالَ: «مَا هَذَا؟» , قَالُوا: نَذَرَ أَنْ يَمْشِيَ إِلَى بَيْتِ اللَّهِ. قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْ تَعْذِيبِ هَذَا نَفْسَهُ, مُرْهُ فَلْيَرْكَبْ»). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (إسحاق بن إبراهيم) المعروف بابن راهويه الحنظليّ المروزيّ، ثقة ثبت [١٠] ٢/ ٢. ٢ - (حمّاد بن مسعدة) التميميّ، أبو سعيد البصريّن ثقة [٩] ٩٧/ ١٠٤٠.

стр. 15339

٣ - (حميد) بن أبي حميد الطويل، أبو عبيدة البصريّ، ثقة مدلس [٥] ٨٧/ ١٠٨. ٤ - (ثابت) بن أسلم البُنَانيّ، أبو محمد البصريّ، ثقة عابد [٤] ٥٣/ ٤٥. ٥ - (أنس) بن مالك - رضي اللَّه تعالى عنه - ٦/ ٦. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين، سوى شيخه، فمروزيّ، ثم نيسابوريّ. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ، وفيه أنس من المكثرين السبعة، روى (٢٢٨٦) حديثًا، وهو آخر من مات من الصحابة ﵃ بالبصرة، مات سنة (٩٢) أو (٩٣)، وقد جاوز المائة. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ ثَابِتٍ) وقد صرّح حميد بالتحديث عند البخاريّ، فقال: حدّثني ثابتٌ، قال في "الفتح": هَكذا قال أكثر الرواة عن حميد، وهذا الحديث مما صرّح حميد فيه بالواسطة بينه وبين أنس، وقد حذفه في وقت آخر، فأخرجه النسائيّ -يعني الرواية الثالثة- من طريق يحيى بن سعيد الأنصاريّ، والترمذيّ من طريق ابن أبي عديّ، كلاهما عن حميد، عن أنس. وكذا أخرجه أحمد، عن ابن أبي عديّ، ويزيد بن هارون، جميعًا عن حميد بلا واسطة. ويقال: إن غالب رواية حميد عن أنس بواسطة، لكن أخرج البخاريّ من حديث حميد، عن أنس أشياء كثيرة بغير واسطة، مع الاعتناء ببيان سماعه لها من أنس. وقد وافق عمران القطّان عن حميد الجماعة على إدخال ثابت بينه وبين أنس ﵁، ولكن خالفهم في المتن، أخرجه الترمذيّ من طريقه، بلفظ: "نذرت امرأةٌ أن تمشي إلى بيت اللَّه، فسُئل نبيّ اللَّه ﷺ عن ذلك؟، فقال: "إن اللَّه لغنيّ عن مشيها، مروها فلتركب". انتهى (١). (عَنْ أَنَس) بن مالك ﵁، أنه (قَالَ: رَأَى النَّبِيُّ ﷺ ، رَجُلاً) وفي الرواية التالية: "مرّ رسول اللَّه ﷺ بشيخ يُهادى بين اثنين" (يُهَادَى) بضمّ أوله، من المهاداة، وهو أن يمشي معتمدًا على غيره. وللترمذي من طريق خالد بن الحارث، عن حميد: "يتهادى" بفتح أوله، ثم مثناة (بَيْنَ رَجُلَيْنِ) وفي الرواية الآتية: "بين ابنيه"، قال الحافظ: لم أقف على اسم هذا الشيخ، ولا على اسم ابنيه. وقرأت بخطّ مغلطاي: الرجل الذي يهُادى، قال الخطيب: هو أبو إسرائيل، كذا قال، وتبعه ابن الملقّن، وليس

стр. 15340

ذلك في كتاب الخطيب، وإنما أورده من حديث مالك، عن حميد بن قيس وثور، أنهما أخبراه أن رسول اللَّه ﷺ رأى رجلاً قائمًا في الشمس، فقال: "ما بال هذا"، قالوا: أبو إسرائيل نذر أن لا يستظلّ، ولا يتكلّم، ويصوم … الحديث. قال الخطيب: هذا الرجل هو أبو إسرائيل، ثم ساق حديث عكرمة، عن ابن عبّاس ﵄ أن النبيّ ﷺ كان يخطب يوم الجمعة، فرأى رجلاً يقال له: أبو إسرائيل، فقال: "ما باله؟ "، قالوا: نذر أن يصوم، ويقوم في الشمس، ولا يتكلّم … الحديث. وهذا الحديث أخرجه البخاريّ من حديث ابن عبّاس ﵄، والمغايرة بينه وبين حديث أنس ﵁ ظاهرة من عدّة أوجه، فيحتاج من وحّد بين القصّتين إلى مستند. واللَّه المستعان (١). (فَقَالَ) ﷺ (مَا هَذَا؟ ") وفي الرواية التالية: "ما بال هذا؟ "، وفي الرواية التي بعدها: "ما شأن هذا؟ " (قَالُوا: نَذَرَ أن يَمْشِيَ إِلَى بَيْتِ اللَّه) وفي حديث أبي هريرة ﵁ عند مسلم أن الذي أجاب النبيّ ﷺ عن سؤاله ولدا الرجل، ولفظه: "فقال ابناه: يا رسول اللَّه، كان عليه نذر" (قَالَ) ﷺ (إِنَّ اللَّهَ غَنيٌّ , عَنْ تَعْذِيب هَذَا نَفْسَهُ) أي بالمشي مع العجز (مُرْهُ، فَلْيَرْكَبْ) وفي الرواية التالية: "فأمره أن يركبَ". زاد أحمد عن الأنصاريّ، عن حميد "فركب" ء قال في "الفتح": وإنما لم يأمره ﷺ بالوفاء بالنذر، إما لأن الحجّ راكبًا أفضل من الحجّ ماشيًا، فنذر المشي يقتضي التزام ترك الأفضل، فلا يجب الوفاء به، أو لكونه عجز عن الوفاء بنذره، وهذا هو الأظهر. انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث أنس - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٤٢/ ٣٨٧٩ و ٣٨٨٠ و ٣٨٨١ - ولم أره في "الكبرى". وأخرجه (خ) في "الحجّ" ١٨٦٥ و"الأيمان والنذور" ٦٧٠١ (م) في "النذور والأيمان" ١٦٤٢ (د) في "الأيمان والنذور" ٣٣٠١ (ت) في "النذور والأيمان" ١٥٣٧ (أحمد) في "باقي مسند المكثرين" ١١٦٢٧ و ١١٧١٧ و ١٢٤٧٨ و ١٣٠٥٦ و ١٣٤٥٤. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): أن من عجز عن الوفاء بنذره لا يجب عليه الوفاء، وقد تقدّم أول الباب

стр. 15341

اختلاف العلماء في وجوب الهدي عليه، فأوجبه الجمهور. (ومنها): مشروعيّة النذر إلى بيت اللَّه الحرام. (ومنها): يُسر الدين وسهولة أمره، حيث يراعي عجز العاجزين، فلا يأمرهم بما يشق عليهم، كما قال اللَّه تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ الآية [الحجّ: ٧٨]. (ومنها): إثبات صفة الغنى للَّه ، فهو الغنيّ، والخلق مفتقرون إليه ، كما قال اللَّه تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [فاطر: ١٥]. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٨٨٠ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى, قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ, قَالَ: حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ, عَنْ ثَابِتٍ, عَنْ أَنَسٍ, قَالَ: مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , بِشَيْخٍ يُهَادَى بَيْنَ اثْنَيْنِ, فَقَالَ: «مَا بَالُ هَذَا؟» , قَالُوا نَذَرَ أَنْ يَمْشِيَ, قَالَ (١): «إِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ, عَنْ تَعْذِيبِ هَذَا نَفْسَهُ, مُرْهُ فَلْيَرْكَبْ». فَأَمَرَهُ أَنْ يَرْكَبَ). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا. و"خالدٌ": هو ابن الحارث الهجيميّ. والسند مسلسلٌ بالبصريين، وشيخ المصنّف هو أحد التسعة الذين يروي عنهم أصحاب الكتب الستة بلا واسطة، وتقدّموا غير مرّة. والحديث متّفقٌ عليه، وقد سبق شرحه، وبيان مسائله في الذي قبله. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٨٨١ - (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَفْصٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي, قَالَ: حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ طَهْمَانَ, عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ, عَنْ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ, عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ, قَالَ: أَتَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , عَلَى رَجُلٍ يُهَادَى بَيْنَ ابْنَيْهِ (٢) , فَقَالَ: «مَا شَأْنُ هَذَا؟» , فَقِيلَ نَذَرَ أَنْ يَمْشِيَ إِلَى الْكَعْبَةِ, فَقَالَ: «إِنَّ اللَّهَ لَا يَصْنَعُ بِتَعْذِيبِ هَذَا نَفْسَهُ شَيْئًا» , فَأَمَرَهُ أَنْ يَرْكَبَ). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا. و"أحمد بن حفص": هو السلميّ، أبو عليّ النيسابوريّ، صدوق [١١] ٧/ ٤٠٩. و"أبوه": هو حفص بن عبد اللَّه بن راشد السلميّ، أبو عمرو النيسابوريّ، قاضيها، صدوق [٩] ٧/ ٤٠٩. و"إبراهيم بن طهمان": هو الخراسانيّ، سكن نيسابور، ثم مكة، ثقة يُغرب، وتكلّم فيه بالإرجاء، ويقال: إنه رجع عنه [٧] ٧/ ٤٠٩. و"يحيى ابن سعيد": هو الأنصاريّ المدنيّ الثقة الثبت الفقيه. وهذا الإسناد سقط منه ثابتٌ بين حميد وأنس، ولعل حميدًا دلّسه بإسقاطه، فإنه موصوف بالتدليس، وقد تقدّم الكلام

стр. 15342

عليه قريبًا، فلا تغفل. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعتُ، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكّلتُ، وإليه أنيب". … ٤٣ - (الاسْتِثْنَاءُ) قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الباب قد تقدّم قبل هذا مرَّتين، مرّة -١٨/ ٣٨٢٠ - بلفظ: "من حلف، فاستثنى"، وأورد فيه حديث ابن عمر ﵄: "من حلف، فاستثنى … " الحديث، ومرّة -٣٩/ ٣٨٥٥ - بلفظ: "الاستثناء"، وأورد فيه حديث ابن عم ﵄ المذكور من ثلاث طرق، فكان الأولى له أن يورد حديث أبي هريرة ﷺ المذكور في هذا الباب هناك، اختصارًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب. ٣٨٨٢ - (أَخْبَرَنَا نُوحُ بْنُ حَبِيبٍ, قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ, قَالَ: أَنْبَأَنَا مَعْمَرٌ, عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ, عَنْ أَبِيهِ, عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ, فَقَالَ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ, فَقَدِ اسْتَثْنَى»). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه: نوح ابن حبيب الْقُومسيّ الْبذَشِيّ، أبو محمد، فإنه من أفراده هو وأبي داود، وهو ثقة [١٠] ٧٩/ ١٠١٠. و"عبد الرزاق": هو ابن همّام الصنعانيّ. و"معمر": هو ابن راشد الصنعانيّ. و"ابن طاوس": هو عبد اللَّه. وشرح الحديث مضى في شرح حديث ابن عمر ﵄ في -١٨/ ٣٨٢٠ - فراجعه هناك تستفد. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث أبي هريرة - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا صحيح. (المسألة الثانية): في مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٤٣/ ٣٨٨٢ - وأخرجه (ق) في "الكفّارات" ٢١٠٤ (أحمد) في "باقي مسند المكثرين" ٨٠٢٧. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.

стр. 15343

٣٨٨٣ - (أَخْبَرَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْعَظِيمِ, قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ, قَالَ: أَنْبَأَنَا مَعْمَرٌ, عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ, عَنْ أَبِيهِ, عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, رَفَعَهُ, «قَالَ: سُلَيْمَانُ لأَطُوفَنَّ اللَّيْلَةَ عَلَى تِسْعِينَ (١) امْرَأَةً, تَلِدُ كُلُّ امْرَأَةٍ مِنْهُنَّ غُلَامًا, يُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ, فَقِيلَ لَهُ: قُلْ إِنْ شَاءَ اللَّهُ, فَلَمْ يَقُلْ, فَطَافَ بِهِنَّ, فَلَمْ تَلِدْ مِنْهُنَّ إِلاَّ امْرَأَةٌ وَاحِدَةٌ, نِصْفَ إِنْسَانٍ» , فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَوْ قَالَ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ, لَمْ يَحْنَثْ, وَكَانَ دَرَكًا لِحَاجَتِهِ»). (٢). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الحديث متّفقٌ عليه، وقد تقدّم قبل بابين في - ٤٠/ ٣٨٥٨ - "إذا حلف، فقال له رجلٌ: إن شاء اللَّه، هل له استثاء؟ "، وتقدّم شرحه، وبيان مسائله هناك، فراجعه تستفد. و"العبّاس بن عبد العظيم": هو العنبريّ، أبو الفضل البصريّ، ثقة حافظ، من كبار [١١] ٩٦/ ١١٩. وقوله: "نصف إنسان" بالنصف مفعول لفعل محذوف: أي ولدت نصف إنسان، وهو معنى قوله فيما سبق: " جاءت بشقّ رجل". وقوله: "دركًا لحاجته" -بفتحتين، وسكون الراء لغةٌ-: اسم من أدركت الشيءَ: إذا طلبته، فلحقته، أفاده الفيّوميّ. والمعنى هنا أنه لو قال: إن شاء اللَّه لكان سببًا لإدراك حاجته. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعتُ، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكّلتُ، وإليه أنيب". …

стр. 15344

ويوجد في النسخة المصريّة هنا: ما نصّه: ٣٥ - (كِتَابُ الْمُزَارَعَةِ) (١) ١ - (الثَّالِثُ مِنَ الشُّرُوطِ فِيهِ الْمُزَارَعَةُ وَالْوَثَائِقُ) وكتب السنديّ -رحمه اللَّه تعالى- في "شرحه": ما نصّه: كأن ما ذكره في "كتاب الأيمان والنذور" اعتبره بمنزلةِ ما بين باب الأيمان، وباب النذور، واعتبر كلاًّ من الأيمان والنذور من الشروط؛ لأنه كثيرًا ما يجري فيهما التعليق، ولذلك سمّى هذا الباب الثالثَ من الشروط، وقال: فيه يُذكر المزارعة، والوثاثق. واللَّه تعالى أعلم. انتهى (٢). ولفظ النسخة الهنديّة -بعد قوله: "آخر كتاب الأيمان والنذور" -: " الثالثُ من الشروط فيه المزارعة والوثائق". وكتب في هامشه: ما نصّه: "كتاب شروط المزارعة والوثائق". "المزارعة": مُفاعلة من الزرع، وهي دفعُ الأرض إلى من يزرعها، وَيعمَلُ عليها، والزرعُ بينهما (٣). قال الفيّوميّ -رحمه اللَّه تعالى-: زَرَعَ الْحرَّاث الأرضَ زَرْعًا: حَرَثَها للزراعة، وزرع

стр. 15345

اللَّه الحرث: أنبته، وأنماه، والزرع: ما استُنْبِتَ بالبذر، تسميةً بالمصدر، ومنه يقال: حَصَدتُ الزرعَ: أي النبات. قال بعضهم: ولا يُسمّى زرعًا إلا وهو غَضٌّ طَرِيٌّ، والجمع زُرُوع. والْمُزَارعَةُ من ذلك، وهي المعاملة على الأرض ببعض ما يخرُج منها. والْمَزْرَعَةُ: مكان الزرع، وازدرَعَ: حَرَثَ، والْمُزْدَرَعُ: الْمَزْرَعَةُ. انتهى (١). وقال ابن منظور -رحمه اللَّه تعالى-: زَرَعَ الحبَّ يَزْرَعُهُ زَرْعًا، وزِرَاعَة: بَذَرَه، والاسم الزرع، وقد غلب على الْبُرّ، والشَّعِير، وجمعه زُرُوع. وقيل: الزَّرْعُ: نبات كلّ شيءٍ يُحرَثُ. وقيل: الزرعُ: طَرْحُ البذر. قال: واللَّه يزرع الزرعَ: يُنَمِّيه حتى يبلغ غايته، والزرعُ: الإنبات، يقال: زرعه اللَّه: أي أنبته، وفي التنزيل: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ (٦٣) أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ﴾ [الواقعة: ٦٣، ٦٤]: أي أنتم تُنَمُّونه، أم نحن المنَمُّون له؟. قال: والْمَزرَعَة -بفتح الر اء- والْمَزْرُعَةُ -بضمها - والزَّرَّاعة، والْمُزْدَرَع: موضع الزرع، قال الشاعر [من البسيط]: وَاطْلُبْ لَنَا مِنْهُمُ نَخْلًا وَمُزْدَرَعًا … كَمَا لِجِيرَانِنَا نَخْلٌ وَمُزْدَرَعُ مُفتعل من الزرع. وقال جرير [من الطويل]: لَقَلَّ غَنَاءٌ عَنْكَ فِي حَرْبِ جَعْفَرٍ .... تُغَنِّيكَ زَرَّاعَاتُهَا وَقُصُورُهَا أي قصيدتك التي تقول فيها: زَرّاعتها وقُصُورها. انتهى المقصود من كلام ابن منظور -رحمه اللَّه تعالى- (٢). و"الْوَثَائقُ" -بفتح الواو-: جمعُ وَثِيقَة، قال ابن منظور -رحمه اللَّه تعالى-: الوَثِيقةُ في الأمر: إحكامه، والأخذ بالثقة. والوَثِيقُ: الشيء الْمُحكَم، والجمع وِثَاقٌ، ويقال: أخذ بالوثيقة في أمره: أي بالثقة. وتَوَثَّقَ في أمره مثله. قال: ووَثُقَ الشيءُ بالضمّ وَثَاقَةً، فهو وَثِيقٌ: أي صار وَثِيقًا، والأنثى وَثِيقة. انتهى المقصود منه (٣). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: المراد بالوثائق هنا الأشياء التي تُستوثق بالكتابة بين المتعاقدِين لإحكام الأمر، والوثوق به، بحيث إنه إذا وقع بينهم اختلاف في شيء يرجعون إليه، ويستثبتون الأمر منه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب. ٣٨٨٤ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ, قَالَ: أَنْبَأَنَا حِبَّانُ, قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ اللَّهِ, عَنْ شُعْبَةَ, عَنْ حَمَّادٍ, عَنْ إِبْرَاهِيمَ, عَنْ أَبِي سَعِيدٍ, قَالَ: إِذَا اسْتَأْجَرْتَ أَجِيرًا, فَأَعْلِمْهُ أَجْرَهُ).

стр. 15346

رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (محمد بن حاتم) بن نُعيم، مروزيّ ثقة [١٢] ١/ ٣٩٧. ٢ - (حبّان) -بكسر الحاء المهملة، وتشديد الموحّدة- ابن موسى بن سوّار السلميّ، أبو محمد المروزيّ، ثقة [١٠] ١/ ٣٩٧. ٣ - (عبد اللَّه) بن المبارك بن واضح الحنظليّ مولاهم، أبو عبد الرحمن المروزي، ثقة ثبت فقيه جواد مجاهد، اجتمعت فيه خصال الخير [٨] ٣٢/ ٣٦. ٤ - (شعبة) بن الحجاج الإمام الحجة الثبت البصري [٧] ٢٤/ ٢٧. ٥ - (حمّاد) بن أبي سليمان مسلم الأشعريّ، أبو إسماعيل الكوفيّ الفقيه، صدوق، له أوهام [٥] ١٩٠/ ١١٦٥. ٦ - (إبراهيم) بن يزيد بن قيس النخعيّ، أبو عمران الكوفيّ الفقيه، ثقة يرسل كثيرًا [٥] ٢٩/ ٣٣. ٧ - (أبوسعيد) سعد بن مالك بن سنان الأنصاريّ الصحابيّ الشهير ابن الصحابيّ - رضي اللَّه تعالى عنهما - ١٦٩/ ٢٦٢. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سباعيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم موثقون، إلا أن فيه انقطاعًا، كما سيأتي قريبًا. (ومنها): أنه مسلسل بالمراوزة إلى ابن المبارك، وشعبة بصريّ، والصحابيّ مدني، والباقيان كوفيان. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ. (ومنها): أن فيه أبا سعيد ﵁ من المكثرين السبعة، روى (١١٧٠) حديثًا. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ) الْخُدريّ - رضي اللَّه تعالى عنه -، أنه (قَالَ: إِذَا اسْتَأْجَرْتَ أَجِيرًا) أي طلبت من شخص أن يكون أجيرك، أي عاملًا لك بأجرة (فَأَعْلِمْهُ أَجْرَهُ) أمر من الإعلام، يعني أنه يجب عليك أن تُعلمه مقدار أجرته، وصفتها. والمراد أنه لا تصحّ الإجارة إلا بأجرة معلومة، وهذا أمر مجمع عليه، لا خلاف بين أهل العلم في ذلك. قال ابن قدامة -رحمه اللَّه تعالى-: يشترط في عوض الإجارة كونه معلومًا، لا نعلم في ذلك خلافًا، وذلك لأنه عوضٌ في عقد مُعاوضة، فوجب أن يكون معلومًا، كالثمن في البيع. قال: ويُعتبر العلم بالرؤية، أو بالصفة كالبيع سواءً، فإن كان العوض معلوما بالمشاهدة، دون القدر كالصُّبْرة احتمل وجهين، أشبههما الجواز؛ لأنه عوض معلوم

стр. 15347

يجوز به البيع، فجازت به الإجارة، كما لو عُلم قدره. والثاني: لا يجوز؛ لأنه قد ينفسخ العقد بعد تَلَف الصبرة، فلا يَدرِي بكم يَرجع، فاشتُرِط معرفة قدره، كعوض المسلم فيه، والأول أولى. قال: وكلّ ما جاز ثمنًا في البيع جاز عوضًا في الإجارة؛ لأنه عقد معاوضة أشبه البيع، فعلى هذا يجوز أن يكون العوض عينًا، ومنفعة أخرى، سواءٌ كان الجنس واحدًا، كمنفعة دار بمنفعة دار أخرى، أو مختلفًا، كمنفعة دار، بمنفعة عبدٍ، قال أحمد: لا بأس أن يكتري بطعام موصوف معلوم. وبهذا كلّه قال الشافعيّ، قال اللَّه تعالى عن شعيب ﵇ أنه قال: ﴿قَالَ: إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ﴾ الآية [القصص: ٢٧]، فجعل النكاح عوض الإجارة. وقال أبو حنيفة فيما حُكي عنه: لا تجوز إجارة دار بسكنى دار أخرى، ولا يجوز إلا أن يختلف جنس المنفعة، كسكنى دار بمنفعة بهيمة؛ لأن الجنس الواحد عنده يُحرّم النَّسَاء. وكره الثوريّ الإجارة بطعام موصوف، والصحيح جوازه، وهو قول إسحاق، وأصحاب الرأي، وقياس قول الشافعيّ؛ لأنه عوضٌ يجوز في البيع، فجاز في الإجارة، كالذهب والفضة، وما قاله أبو حنيفة لا يصحّ؛ لأن المنافع في الإجارة ليست في تقدير النسيئة، ولو كانت نسيئة ما جاز في جنسين؛ لأنه يكون بيع دين بدين. انتهى كلام ابن قُدامة -رحمه اللَّه تعالى- (١)، وهو كلام نفيسٌ. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: أثر أبي سعيد ﵁ هذا ضعيفٌ؛ لانقطاعه؛ لأن إبراهيم لم يلق أبا سعيد الخدريّ ﵁، انظر ترجمته في "تهذب التهذيب" ١/ ٩٢ - ٩٣. وهو من أفراد المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- من بين أصحاب الأصول، أخرجه هنا- ١/ ٣٨٨٤ - وفي "الكبرى" ٣/ ٤٦٧٣. وأخرجه أبو داود في "المراسيل"، مرفوعًا، بلفظ: "أن النبيّ ﷺ نهى عن استئجار الأجير حتى يُبيّن له أجره". وأخرجه (أحمد) في "باقي مسند المكثرين" ١١٧١ أو ١١٢٥٥ و ١١٢٧٩. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٨٨٥ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدٌ, قَالَ: أَنْبَأَنَا حِبَّانُ, قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ اللَّهِ, عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ, عَنْ يُونُسَ, عَنِ الْحَسَنِ: أَنَّهُ كَرِهَ أَنْ يَسْتَأْجِرَ الرَّجُلَ, حَتَّى يُعْلِمَهُ أَجْرَهُ).

стр. 15348

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "محمد": هو ابن حاتم المذكور في السند الماضي. وقوله: "أنبأنا حِبان" هكذا في نسخ "المجتبى"، والذي في "الكبرى": "أنا سُوَيدٌ"، وهو الذي في "تحفة الأشراف" ج ١٣/ ص ١٧٥ - ولفظه: "عن سُويد بن نصر" اهـ. ولكن ليس في هذا الاختلاف شيء يضرّ بصحّة الحديث؛ لأنهما ثقتان، ويروي كلّ منهما عن عبد اللَّه بن المبارك. واللَّه تعالى أعلم. و"عبد اللَّه": هو ابن المبارك. و"يونس": هو ابن عُبيد. و"الحسن": هو البصريّ. وقوله: "أن يستأجر الأجير الخ" ببناء الفعل للفاعل، و"الأجير" بالنصب مفعوله، وقوله: "يُعلمه" بضمّ أوله، من الإعلام، و"أجره" بالنصب مفعوله، وهو بمعنى أثر أبي سعيد الخدريّ ﵁ الماضي. وهذا الأثر مقطوع صحيح الإسناد (١)، تفرّد به المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، أخرجه هنا- ١/ ٣٨٨٥ - وفي "الكبرى" ٣/ ٤٦٧٤. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٨٨٦ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ, قَالَ: أَنْبَأَنَا حِبَّانُ, قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ اللَّهِ, عَنْ جَرِيرِ بْنِ حَازِمٍ, عَنْ حَمَّادٍ -هُوَ ابْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ- أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ رَجُلٍ, اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا عَلَى طَعَامِهِ؟ , قَالَ: لَا حَتَّى تُعْلِمَهُ). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا مقطوع صحيح الإسناد، تفرّد به المصنّف - رحمه اللَّه تعالى -، أخرجه هنا- ١/ ٣٨٨٦ - وفي "الكبرى" ٣/ ٤٦٧٥. وقوله: "على طعامه" أي على أن يأكل معه، أو من بيته. والأثر يدلّ على منع الاستئجار على أن تكون الأجرة طعامه، وهذه مسألة اختَلف فيها أهل العلم، قال العلاّمة ابن قُدامة -رحمه اللَّه تعالى-: اختلفت الرواية عن أحمد فيمن استأجر أجيرًا بطعامه، وكسوته، أو جعل له أجرًا، وشرط طعامه، وكسوته، فروي عنه جواز ذلك، وهو مذهب مالك، وإسحاق. ورُوي عن أبي بكر، وعمر، وأبي موسى ﵃ أنهم استأجروا الأجراء بطعامهم، وكسوتهم. وروي أن ذلك جائزٌ في الظِّئر (٢) دون غيرها، واختاره القاضي، وهذا مذهب أبي حنيفة؛ لأن ذلك مجهولٌ، وإنما جاز في الظِّئْر؛ لقول اللَّه تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ الآية [البقرة: ٢٣٣] فأوجب لهنّ النفقة، والكسوة على الرضاع، ولم يفرّق بين المطلّقة وغيرها، بل في الآية قرينة تدلّ على طلاقها؛ لأن الزوجة تجب نفقتها، وكسوتها

стр. 15349

بالزوجية، دوان لم تُرضع؛ لأن اللَّه تعالى قال: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ الآية [البقرة:٢٣٣]، والوارث ليس بزوج؛ ولأن المنفعة في الْحَضَانة، والرضاع غير معلومة، فجاز أن يكون عوضها كذلك. وروي عن أحمد رواية ثالثة: لا يجوز ذلك بحال، لا في الظئر، ولا في غيرها، وبه قال الشافعيّ، وأبو يوسف، ومحمد، وأبو ثور، وابن المنذر؛ لأن ذلك يختلف اختلافا كثيرًا، متباينًا، فيكون مجهولاً، والأجر من شرطه أن يكون معلومًا. قال: ولنا ما روى ابنُ ماجه، عن عُتبة بن النُّذَّر، قال: كنا عند رسول اللَّه ﷺ ، فقرأ ﴿طس﴾ حتى بلغ قصّة موسى ﵇ قال: " إن موسى آجر نفسه ثماني سنين، أو عشرًا على عفّة فرجه، وطعام بطنه" (١)، وشرعُ من قبلنا شرعٌ لنا ما لم يثبت نسخه. وعن أبي هريرة ﵁ أنه قال: كنت أجيرًا لابنة غَزْوَان بطعام بطني، وعُقْبة رجلي، أَحطِب لهم إذا نرْلوا، وأَحدُو بهم إذا رَكِبُوا (٢). ولأن من ذكرنا من الصحابة ﵃ وغيرهم فعلوه، فلم يظهر له نكير، فكان إجماعًا, ولأنه قد ثبت في الظئر بالآية، فيثبت في غيرها بالقياس عليها, ولأنه عوض منفعة، فقام العرف فيه مقام التسمية، كنفقة الزوجة، ولأن للكسوة عرفًا، وهي كسوة الزوجات، وللإطعام عرف، وهي الإطعام في الكفّارات، فجاز إطلاقه كنقد البلد. ونخصّ أبا حنيفة بأن ما كان عوضًا في الرضاع جاز في الخدمة، كالأثمان. إذا ثبت هذا، فإنهما إن تشاحّا في مقدار الطعام والكسوة رجع في القوت إلى الإطعام في الكفّارة، وفي الكسوة إلى أقلّ ملبوس مثله. قال أحمد: إذا تشاحّا في الطعام يُحكم له بمدّ كلَّ يوم، ذهب إلى ظاهر ما أمر اللَّه تعالى من إطعام المساكين، ففسَّرَت ذلك السنّة بأنه مدّ لكلّ مسكين، ولأن الإطعام مطلق في الموضعين، فما فُسّر به أحدهما يُفسّر به الآخر، وليس له إطعام الأجير إلا ما يوافقه من الأغذية؛ لأن عليه ضررًا, ولا

стр. 15350

يمكنه استيفاء الواجب له منه. انتهى كلام ابن قُدامة -رحمه اللَّه تعالى- (١) وهو تحقيق نفيس. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٨٨٧ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدٌ, قَالَ: حَدَّثَنَا حِبَّانُ, قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ اللَّهِ, عَنْ مَعْمَرٍ, عَنْ حَمَّادٍ, وَقَتَادَةَ, فِي رَجُلٍ قَالَ: لِرَجُلٍ: أَسْتَكْرِي مِنْكَ, إِلَى مَكَّةَ بِكَذَا وَكَذَا, فَإِنْ سِرْتُ شَهْرًا, أَوْ كَذَا وَكَذَا, شَيْئًا سَمَّاهُ, فَلَكَ زِيَادَةُ كَذَا وَكَذَا, فَلَمْ يَرَيَا بِهِ بَأْسًا, وَكَرِهَا أَنْ يَقُولَ: أَسْتَكْرِي مِنْكَ بِكَذَا وَكَذَا, فَإِنْ سِرْتُ أَكْثَرَ مِنْ شَهْرٍ, نَقَصْتُ مِنْ كِرَائِكَ كَذَا وَكَذَا). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا السند هو السند المذكور قبله. و"حماد": هو ابن أبي سليمان. وقوله: "أستكري منك": أي أطلب منك أن تُكريني دابّتك، يقال: اكتريت، واستكريتُ، وتكاريت، كلها بمعنى. كما في "اللسان". وقوله: فإن سرتُ أكثر من شهر نقصتُ من كرائك الخ قال السنديّ: يريد أن الازدياد في الأجر لأجل الاستعجال في السير جائز، وأما النقصان لأجل الإبطاء، فمكروه، فان الأول يُشبه العطاء، والهبة، والثاني يُشبه الظلم، والنقص من الحقّ. واللَّه تعالى أعلم. انتهى (٢). والأثر مقطوعٌ صحيح الإسناد، وهو من أفراد المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، أخرجه هنا - ١/ ٣٨٨٧ - وفي "الكبرى" ٣/ ٤٦٧٦. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٨٨٨ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ, قَالَ: أَنْبَأَنَا حِبَّانُ, قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ اللَّهِ, عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ, قِرَاءَةً, قَالَ: قُلْتُ لِعَطَاءٍ: عَبْدٌ أُؤَاجِرُهُ سَنَةً بِطَعَامِهِ, وَسَنَةً أُخْرَى بِكَذَا وَكَذَا, قَالَ: لَا بَأْسَ بِهِ, وَيُجْزِئُهُ اشْتِرَاطُكَ حِينَ تُؤَاجِرُهُ أَيَّامًا, أَوْ آجَرْتَهُ, وَقَدْ مَضَى بَعْضُ السَّنَةِ, قَالَ: إِنَّكَ لَا تُحَاسِبُنِى لِمَا مَضَى).

стр. 15351

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا السند هو السند الماضي، إلى ابن جريج، و"عطاء": هو ابن أبي رباح. وقوله: "قلت لعطاء: عبد أؤاجره سنة بطعام وسنة أخرى بكذا وكذا الخ" قال السنديّ. كأنه صوّر المستأجَرَ في المسألة عطاءً، كما يُشير إليه آخر كلام عطاء، وهو قوله: "لا تحاسبني لما مضى"، ومقتضى جوابه أن الإجارة بالطعام عنده جائزة، وقوله: "ويُجزئك الخ"، فإنه لبيان أن السَّنَةَ غير لازمة، وإنما اللازم ما شرطه من الأيام انتهى. وقوله: "أوَ آجرته" الظاهر أنه بفتح الواو، والهمزة للاستفهام، هو من كلام ابن جريج، كأنه يقول له: وهل يكون هذا إجارة صحيحة، وقد مضى بعض المدّة، فأجابه عطاء بقوله: " إنك لا تحاسبني لما مضى من المدّة، حيث إنه كان على طعامه، وقد استوفاه، وإنما تحاسبه لما تبقّى من المدة، حيث إنه كان بأجرة معلومة. فقوله: "قال: إنك لا تحاسبني" ضمير "قال" لعطاء، وقال: لا تحاسبني بضمير المتكلّم، كأن عطاء نفسه هو الْمُسْتَأْجَرَ، كما أثار إليه السنديّ في كلامه السابق. هذا ما ظهر لي في حلّ معنى هذا الأثر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب. والأثر مقطوع صحيح الإسناد، وهو من أفراد المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، أخرجه هنا - ١/ ٣٨٨٨ - وفي "الكبرى" ٣/ ٤٦٧٧. واللَّه تعالى أعلم. [تنبيه]: مناسبة إيراد هذه الآثار الخمسة في هذا الباب، وإن كانت من مسائل الإجارة، كونها مما يُستَوثق شروطها بالكتابة، كما أن شروط المزارعة تستوثق بكتابتها أيضًا، كما أنه أدخل أيضًا في آخره كتابة الشركة، وتفَرُّقَ الزوجين، وكتابةَ العبد، والتدبير، والعتق، حيث إن كلًّا منهما يُحفَظ في وثائق، ولم يُفرد للإجارة، ولا الشركة، ولا الكتابة، ولا التدبير، ولا العتق كتبا مختصّة بها، بل أوردها ضمن كتاب المزارعة، وبحث عن كيفية كتابة وثائقها, ولعله إيثارًا للاختصار. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعتُ، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكّلتُ، وإليه أنيب".

стр. 15352

٢ - (ذِكْرُ الأَحَادِيثِ الْمُخْتَلِفَةِ فِي النَّهِيِ عَنْ كِرَاءِ الأَرْضِ بِالثُّلُثِ، وَالرُبُعِ، وَاخْتِلَافِ أَلْفَاظِ النَّاقِلِينَ لِلْخَبَرِ) قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: (اعلم): أن المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- قد أجاد في صنيعه في هذا الباب حيث أورد حديث المزارعة بطرقه المختلفة، فقد أورده من حديث تسعة من الصحابة ﵃، وهم: أُسيد بن ظهير، وجابر بن عبد اللَّه، ورافع بن خديج، وظُهير بن رافع، عم رافع بن خديج، وزيد بن ثابت، وأبو سعيد الخدريّ، وسعد بن أبي وقّاص، وعبد اللَّه بن عبّاس، وأبو هريرة ﵃، وبيّن اختلاف طرق هؤلاء بيانًا شافيًا, ولا سيّما حديث رافع ﵁، فقد أخرجه من رواية ستة عشر راويًا، اثنان منهم صحابيان: أسيد ظهير، وعبد اللَّه بن عمر بن الخطاب، وأربعة عشر منهم تابعيّون، وهم مجاهد، وطاوس (١)، وعطاء بن أبي رباح، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، والقاسم ابن محمد بن أبي بكر الصدّيق، وسعيد بن المسيّب، وسليمان بن يسار، وحنظلة بن قيس، وسالم بن عبد اللَّه بن عمر، ونافع مولى ابن عمر، ومحمد بن سيرين، والزهريّ (٢)، وأبو النجاشيّ عطاء بن صُهيب، وعيسى بن سهل بن رافع بن خَدِيج --رحمهم اللَّه تعالى--، وأنا -إن شاء اللَّه تعالى- سازيده -مستعينًا باللَّه شرحًا، وإيضًا، على حسب ما أراه لائقًا به، واللَّه تعالى أعلم بالصواب. ٣٨٨٩ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ, قَالَ: أَنْبَأَنَا خَالِدٌ -هُوَ ابْنُ الْحَارِثِ- قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ جَعْفَرٍ, أَخْبَرَنِي أَبِي, عَنْ رَافِعِ بْنِ أُسَيْدِ بْنِ ظُهَيْرٍ, عَنْ أَبِيهِ, أُسَيْدِ بْنِ ظُهَيْرٍ, أَنَّهُ خَرَجَ إِلَى قَوْمِهِ, إِلَى بَنِي حَارِثَةَ, فَقَالَ: يَا بَنِي حَارِثَةَ, لَقَدْ دَخَلَتْ عَلَيْكُمْ مُصِيبَةٌ, قَالُوا مَا هِيَ؟ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , عَنْ كِرَاءِ الأَرْضِ, قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ, إِذًا نُكْرِيهَا بِشَيْءٍ مِنَ الْحَبِّ, قَالَ: «لَا» , قَالَ: وَكُنَّا نُكْرِيهَا بِالتِّبْنِ, فَقَالَ: «لَا» , وَكُنَّا نُكْرِيهَا بِمَا عَلَى الرَّبِيعِ السَّاقِي, قَالَ: «لَا, ازْرَعْهَا, أَوِ امْنَحْهَا أَخَاكَ». خَالَفَهُ مُجَاهِدٌ).

стр. 15353

رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (محمد بن إبراهيم) بن صُدْران الأزدي السَّلَميّ -بالفتح- أبو جعفر المؤذّن البصريّ، صدوق [١٠] ٦٦/ ٨٢. ٢ - (خالد) بن الحارث الْهُجَيميّ، أبو عثمان البصريّ ثقة ثبت [٨] ٤٢/ ٤٧. ٣ - (عبد الحميد بن جعفر) الأنصاريّ المدنيّ، صدوقٌ رُمي بالقدر، وربّما وهم [٦] ٢٦/ ٩١٤. ٤ - (أبوه) جعفر بن عبد اللَّه بن الحكم الأنصاريّ المدنيّ، ثقة [٣] ١٤٥/ ١١١٢. ٥ - (رافع بن أُسيد بن ظهير) الأنصاريّ الخزرجيّ المدنيّ، مقبول [٣]. روى عن أبيه هذا الحديث، وعنه جعفر بن عبد اللَّه الأنصاريّ، واختُلف في الحديث على أُسيد. ذكره ابن حبّان في "الثقات"، تفرّد به المصنّف بحديث الباب فقط. ٦ - (أُسيد -بضمّ الهمزة- ابن ظُهير -مصغّرًا -) ابن رافع بن عديّ بن زيد بن عمرو ابن زيد بن جُشَم بن حارثة الأنصاريّ الأوسيّ، يكنى أبا ثابت، له ولأبيه صحبة (١)، وهو أخو عبّاد بن بشر لأمه، قيل: إنه ابن أخي رافع بن خَدِيج، وقيل: ابن عمّه. روى عن الحسن البصريّ، وجعفر بن أبي المغيرة، وغيرهما. وعنه ابنه رافع، وزياد أبو الأبرد، وعكرمة بن خالد، ومجاهد. استُصغر يوم أُحد، وشَهِد الخندق، ومات في خلافة مروان بن الحكم. وقال ابن عبد البرّ: توفّي في خلافة عبد الملك بن مروان. وفرّق ابن حبّان، والحاكم بين أُسيد بن ظُهير الصحابيّ، وبين أُسيد بن ظُهير ابن أخي رافع بن خَدِيج الذي يروي عنه أبو الأبرد، فقال الحاكم: لا تصحّ صحبته؛ لأن في إسناده أبا الأبرد، وهو مجهول. وقال ابن حبّان: قيل: له صحبة، ولا يصحّ عندي؛ لأن إسناد خبره فيه اضطراب، هكذا قال في ثقات التابعين، وذكر قبل ذلك أُسيد بن ظُهير في الصحابة، ولم يتردّد. والذي روى عنه أبو الأبرد فقد صحّح الترمذيّ أنه أُسيد ابن ظهير، صاحب الترجمة، وصحّح حديثه (٢). روى له الأربعة، وله عند جميعهم حديث الباب، وحديث: "صلاة في مسجد قباء كعمرة" عند الترمذيّ، وابن ماجه أيضًا: واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم

стр. 15354

ثقات، غير رافع بن أسيد، فمجهول. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخه، وخالد، فبصريان. (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه مرّتين، وتابعي عن تابعيّ. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ أُسَيْدِ بْنِ ظُهَيرِ) - رضي اللَّه تعالى عنه - (أنَّهُ خَرَجَ إِلَى قَوْمِهِ، إِلَى بَنِي حَارِثَةَ) بن الحارث بن الخزر، بطن من الأنصار، والجارّ والمجرور بدل من قوله: "إلى قومه" (فَقَالَ) أسيد (يَا بَنِي حَارِثَةَ لَقَدْ دَخَلَتْ عَلَيْكُمْ مُصِيبَةٌ) أي لمنعهم مما يرونه رفقًا بهم، والتعامل بإجار الأرض، وإن كان الرفق، واللطف فيما شرعه اللَّه ؛ لأن اللَّه تعالى أعلم بمصالح عباده، وهم لا يعلمون، كما قال اللَّه : ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢١٦] (قَالُوا: مَا هِيَ؟) المصيبة التي دخلت علينا (قَالَ: نَهى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , عَنْ كِرَاءِ الأَرْضِ) أي وأنتم أكثر معاشكم منه (قُلنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ) مرتب على محذوف، أي فلما سمعنا ذلك، ذهبنا إلى رسول اللَّه ﷺ ، فقلنا: يا رسول اللَّه (اِذًا) هي حرف جزاء وجواب، أي إذا كان الأمر كذلك، من نهي كراء الأرض بالدراهم، والدنانير (نُكْرِيهَا) بضن أوله، من الإكراء: أي نؤاجرها (بشَيْءٍ مِنَ الْحَبِّ) أي ببعض ما يخرج منها (قَالَ) ﷺ (لَا) أي تُكرُوها بشيء من الحبّ أيَضًا (قَالَ: وَكُنَّا نُكْرِيهَا بِالتِّبْنِ) أي فما حكمه؟، و"التِّبْن" -بكسر التاء المثنّاة، وتُفتح، وسكون الباء الموحّدة، آخره نون-: هو ساق الزرع بعد دِيَاسته. والمَتْبَنُ، والْمَتْبَنَة: بيت التبن. أفاده الفيّوميّ. وقال المجد في "القاموس": "التبن بالكسر: عَصِيفَةُ الزرع من بُرْ، ونحوه، ويُفتَح. انتهى. (فَقَال) ﷺ (لَا) أي لا تكروها به (وَكُنَّا نُكْرِيهَا بِمَا عَلَى الرَّبِيعِ) بفتح الراء، وكسر الموحّدة: النهر الصغير, وجمعه أربعاء، وأربعةٌ، مثلُ نصيبٍ وأَنصباء، وأنصبة، وقوله (السَّاقِي) صفة لـ "الربيع"، والمعنى: نُكريها بما يُزرَعُ على حافتي الربيع الذي يَسقِي الزرعَ (قَالَ) ﷺ (لَا) تفعلوا هذا أيضًا (ازْرَعْهَا أَوِ امْنَحْهَا أَخَاكَ) الخطاب لصاحب الأرض، أمره أن يزرعها بنفسه، إن احتاج إليها، أو يعطيها لأخيه المحتاج إليها، إن كان مستغنيًا عنها. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: حديث أُسيد بن ظهير - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا ضعيف؛ لأن في إسناده رافع بن أُسيد، وهو مجهول العين، لم يرو عنه غير جعفر بن

стр. 15355

عبد اللَّه الأنصاريّ، وقال عنه في "التقريب": مقبول، أي حيث يُتابع، ودم يتابع هنا، بل خالفه من هو ثقة حافظ، وهو مجاهد بن جبر، كما بيّنه المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- بعدُ. وهو من أفراد المصنّف، أخرجه هنا-٢/ ٣٨٨٩ - وفي "الكبرى" ١/ ٤٥٨٩. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. وقوله (خَالَفَهُ مُجَاهِدٌ) يعني أن مجاهد بن جبر الإمام المثبت الحجة خالف رافع بن أُسيد في روايته لهذا الحديث، فجعله عن أُسيد بن ظهير، عن رافع بن خَدِيج ﵁، كما بيّنه بقوله: ٣٨٩٠ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ, قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى -وَهُوَ ابْنُ آدَمَ- قَالَ: حَدَّثَنَا مُفَضَّلٌ -وَهُوَ ابْنُ مُهَلْهَلٍ- عَنْ مَنْصُورٍ, عَنْ مُجَاهِدٍ, عَنْ أُسَيْدِ بْنِ ظُهَيْرٍ, قَالَ: جَاءَنَا رَافِعُ بْنُ خَدِيجٍ, فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , نَهَاكُمْ عَنِ الْحَقْلِ, وَالْحَقْلُ الثُّلُثُ, وَالرُّبُعُ, - وَعَنِ الْمُزَابَنَةِ. وَالْمُزَابَنَةُ شِرَاءُ مَا فِي رُءُوسِ النَّخْلِ بِكَذَا وَكَذَا وَسْقًا مِنْ تَمْرٍ). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (محمد بن عبد اللَّه بن المبارك) الْمُخرَّميّ، أبو جعفر البغداديّ ثقة حافظ [١١] ٤٣/ ٥٠. ٢ - (يحيى ابن آدم) أبو زكريا الكوفيّ ثقة حافظ فاضل [٩] ١/ ٤٥١. ٣ - (مُفَضَّل بن مُهَلْهَل) أبو عبد الرحمن الكوفيّ الثقة الثبت النبيل العابد [٧] ٢٥/ ١٢٤٠. ٤ - (منصور) بن المعتمر، أبو عتّاب الكوفيّ، ثقة ثبت حجة [٦] ٢/ ٢. ٥ - (مجاهد) بن جبر، أبو الحجّاج المخزوميّ مولاهم المكيّ الثقة الثبت الفقيه الإمام في التفسير وغيره من العلوم [٣] ٢٧/ ٣١. ٦ - (أُسيد بن ظهير) المذكور في السند الماضي. ٧ - (رافع بن خَدِيج) بن عديّ الحارثي الأوسي الأنصاريّ، الصحابيّ الجليل، أول مشاهده أُحدٌ، ثم الخندق، مات ﵁ سنة (٧٣) أو (٧٤) وقيل: قبل ذلك، وقد تقدّمت ترجمته في ١١٢/ ١٥٥. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سباعيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير أُسيد بن ظُهير، فإنه من رجال الأربعة. (ومنها): أن فيه رواية صحابي عن صحابي، وتابعي عن تابعيّ عند من يقول بتابعية منصور. واللَّه تعالى أعلم.

стр. 15356

شرح الحديث (عَنْ أُسَيْدِ بْنِ ظُهَيْر) بتصغير الاسمين - رضي اللَّه تعالى عنهما -، أنه (قَالَ: جَاءَنَا رَافِعُ ابْنُ خَدِيجٍ) - رضي اللَّه تعالى عنه - (فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، نَهَاكُمْ , عَنِ الْحَقْلِ) -بفتح الحاء المهملة، وسكون القاف، آخره لام-: الأرض الْقَرَاح (١)، وهي التي لا شجر بها، وقيل. هو الزرع إذا تشعّب ورقه، ومنه أُخِذت المحاقلة، وهي بيع الزرع في سُنبله، وجمعه حُقُول، مثلُ فَلْس وفُلُوس. قاله الفيّوميّ (٢). وقال المجد: الْحَقْل: قَرَاحٌ طيّبٌ يُزرع فيه، كالْحَقْلة، والزرع قد تشغب ورقُهُ، وظهر، وكثُر، أو استجمع خروج نباته، أو ما دام أخضر، وقد أحقل في الكلّ. والمَحاقل: الْمَزَارع، والْمُحَاقَلَةُ: بيع الزرع قبل بدوّ صلاحه، أو بيعه في سنبله بالحنطة، أو المزارعة بالثلث، أو الربع، أو أقلّ، أو أكثر، أو اكتراء الأرض بالحنطة. انتهى (٣). والمراد بالحقل هنا: كراء المزارع، كما بيّنه بقوله (وَالْحَقْلُ الثُّلُثُ، وَالرُّبُعُ) أي كراء الأرض بثلث ما يخرُج منها، أو بربعه (وَعَنِ المُزَابَنَةِ) مفاعلة من الزَّبْن -بفتح الزاي، وسكون الموحّدة، آخره نون-: وهو الدفع، يقال: زَبَنت الناقة حالبها زَبْنًا، من باب ضرب: دفعته برجلها، فهي زبون بالفتح، فَعُول بمعنى فاعل، مثلُ ضَرُوب بمعنى ضارب، وحَرْبٌ زَبُون بالفتح أيضًا؛ لأنها تَدْفع الأبطال عن الإقدام خوف الموت، وزَبَنتُ الشيءَ زَبْنًا: إذا دفعته، فأنا زَبُون أيضًا. وقيل: للمشتري زَبُون؛ لأنه يدفع غيره عن أخذ المبيع، وهي كلمة مولّدة، ليست من كلام أهل البادية، ومنه الزبانية؛ لأنهم يدفعون أهل النار إليها، وزُبانى العَقرَب قَرْنهُا، والمزابنة: بيع الثمر في رؤوس النخل بتمر كيلاً. قاله الفيّوميّ. (وَالمُزَابَنَةُ شِرَاءُ مَا فِي رُءُوسِ النَّخْلِ) أي الثمر الذي على رؤوس النخل (بِكَذَا وَكَذَا وَسْقًا) بفتح الواو، وسكون المهملة، ويجمع على وُسُوق، كفلس وفلوس، ويجوز كسر الواو، ويُجمع على أوساق، كحِمل وأحمال، وأصل الوسق حِمْلُ بعير، يقال: عنده وَسْقٌ من تمر. وقال الأزهريّ: الوسق ستّون صاعًا بصاع النبيّ ﷺ ، والصاع خمسة أرطال وثلث، والوسق على هذا الحسابِ مائة وستّون منًّا. والوسق ثلاثة أقفزة. أفاده الفيّوميّ. والمراد به هنا المكيل، كما بينه يقول (مِنْ تَمْرٍ) يعني أن المزابنة معناها: أن يشتري الثمر على رؤوس النخل بمقدار من التمر الذي في

стр. 15357

الجرين، أو نحوه. [تنبيه]: الظاهر أن تفسير الحقل، والمزابنة من رافع بن خَدِيج ﵁، ويحتمل أن يكون من غيره، لكن الأول أقرب. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث رافع بن خَدِيج - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٢/ ٣٨٩٠ و ٣٨٩١ و ٣٨٩٢ و ٣٨٩٣ و ٣٨٩٤ و ٣٨٩٥ و ٣٨٩٦ و ٣٨٩٧ و ٣٨٩٨ و ٣٨٩٩ و ٣٩١٣ و ١٣٩٤ و ٣٩١٥ و ٣٩١٦ و ٣٩١٧ و ٢٩١٨ و ٣٩٢٢ و ٣٩٢٣ و ٣٩٢٤ و ٣٩٢٥ و ٣٩٢٦ و ٣٩٢٧ و ٣٩٢٨ و ٣٩٢٩ و ٣٩٣٠ و ٣٩٣١ و ٣٩٣٢ و ٣٩٣٣ و ٣٩٣٤ و ٣٩٣٥ و ٣٩٣٦ و ٣٩٣٧ و ٣٩٣٨ و ٣٩٣٩ و ٣٩٤٠ و ٣٩٤١ و ٣٩٤٢ و ٣٩٤٣ و ٣٩٤٤ و ٣٩٤٥ و ٣٩٤٦ و ٣٩٤٩ و ٣٩٥٠ و ٣٩٥١ و ٣٩٥٢. وفي "الكبرى" ١/ ٤٥٩٠ و ٤٥٩١ و ٤٥٩٢ و ٤٥٩٣ و ٤٥٩٤ و ٤٥٩٥ و ٤٥٩٦ و ٤٥٩٧ و ٤٥٩٨ و ٤٥٩٩ و ٤٦٠٠ و ٤٦١٣ و ٤٦١٤ و ٤٦١٦ و ٤٦١٧ و ٤٦٢٣ و ٤٦٢٤ و ٤٦٢٥ و ٤٦٢٦ و ٤٦٢٧ و ٤٦٢٨ و ٤٦٢٩ و ٤٦٣٠ و ٤٦٣٢و ٤٦٣١ و ٤٦٣٣ و ٤٦٣٤ و ٤٦٣٦ و ٤٦٣٧ و ٤٦٣٨ و ٤٦٣٩ و ٤٦٤٠ و ٤٦٤١ و ٤٦٤٢ و ٤٦٤٣ و ٤٦٤٤ و ٤٦٤٥ و ٤٦٤٦ و ٤٦٤٧ و ٤٦٥٣ و ٤٦٥٤ و ٤٦٥٥ و ٤٦٥٦ و ٤٦٥٧. وأخرجه (خ) في "الإجارة" ٢٢٨٦ و"المزارعة" ٢٣٢٧ و٢٣٣٩ و "المساقاة" ٢٣٨٤ (م) في "البيوع" ١٥٤٧ و ١٥٤٨ (د) في "البيوع" ٣٣٨٩ و ٣٣٩٢ و ٣٣٩٣ و ٣٣٩٤ و ٣٣٩٥ و ٣٣٩٧ و ٣٣٩٨ و ٣٣٩٩ و ٣٤٠٠ و ٣٤٠١ و ٣٤٠٢ (ت) في "البيوع" ١٣٠٣ و"الأحكام" ١٣٨٤ (ق) في "التجارات" ٢٢٦٧ و "الأحكام" ٢٤٤٩ و ٢٤٥٣ و ٢٤٥٨ و ٢٤٥٩ و ٢٤٦٠ و ٢٤٦١ و ٢٤٦٥ (أحمد) في "مسند المكثرين" ٤٤٩٠ و ٤٥٢٢ و ٥٢٩٥٧ و"مسند المكيين" ١٥٣٩٦ و ١٥٣٨٤ و ١٥٣٩٧ و"مسند الشاميين" ١٦٨٠٥ و ١٦٨٢٧ و ١٦٨٣٦ (الموطأ) في "كراء الأرض" ١٤١٥. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان النهي عن كراء الأرض بالثلث والربع، وسيأتي اختلاف العلماء في المراد بالنهي المذكور. (ومنها): جواز حراثة الأرض، وزراعتها؛ بل ورد فيه من الفضل ما أخرجه الشيخان في "صحيحيهما"

стр. 15358

من حديث أنس بن مالك ﵁، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "ما من مسلم، يَغرِس غَرْسًا، أو يزرع زرعًا، فيأكل منه طير، أو إنسان، أو بهيمةٌ، إلا كان له به صدقة". وأما الحديث الوارد في الذمّ وهو ما أخرجه البخاريّ في "صحيحه" من حديث أبي أمامة الباهليّ ﵁، قال -ورأى سِكَّةٌ، وشيئا من آلة الحرث- فقال: سمعت النبي ﷺ ، يقول: "لا يدخل هذا بيت قوم، إلا أدخله اللَّه الذُّلُّ". وفي رواية أبي نعيم في "المستخرج": "إلا أدخلوا على أنفسهم ذُلّا، لا يَخرُج عنهم إلى يوم القيامة". فمحمول على ما إذا شغله ذلك عن الجهاد في سبيل اللَّه تعالى، والقيام بالواجبات، ولذلك قال الإمام البخاريّ -رحمه اللَّه تعالى- في ترجمته لهذا الحديث -بعد ذكر "باب فضل الزرع والغرس": ما نصّه: "باب ما يُحذر من عواقب الاشتغال بآلة الزرع، أو مجاوزة الحدّ الذي أُمر به". انتهى (١). (ومنها): الحثّ على "الإحسان بمنح الأرض لمن يحتاج إلى زراعتها، وقد عمل بهذا الصحابة ﵃، ولذلك ترجم البخاريّ -رحمه اللَّه تعالى- في "صحيحه" بقوله: "باب ما كان من أصحاب النبيّ ﷺ يُواسي بعضهم بعضًا في الزراعة والثمر"، ثم أورد حديث رافع بن خديج ﵁ من طريق أبي النجاشيّ، عن رافع، عن عمه ظهير بن رافع ﵄ الآتي رقم-٣٩٥٠ - إن شاء اللَّه تعالى. (ومنها): حرص الشارع على الحثّ في التراحم، والتعاطف، وعدم طلب المقابل على "الإحسان" والترغيب إلى ما فيه جلب المودّة والمحبّة، والترهيب عن ما يورث الشحناء، والبغضاء، والحقد، والحسد؛ فإن هذا هو سبب النهي عن المزارعة، كما بُين ذلك في بعض طرق حديث رافع ﵁، فقد أخرج مسلم -رحمه اللَّه تعالى- في "صحيحه" عن حنظلة بن قيس الأنصاريّ، قال: سألت رافع بن خديج، عن كراء الأرض بالذهب والورق؟ فقال: لا بأس به، إنما كان الناس يؤاجرون على عهد النبي ﷺ ، على الْمَاذْيَانَاتِ، وأَقْبَال الجداول، وأشياء من الزرع، فيهلك هذا، ويَسلَم هذا، ويسلم هذا، ويهلك هذا، فلم يكن للناس كراء إلا هذا، فلذلك زجر عنه، فأما شيء معلوم، مضمون فلا بأس به. انتهى (٢). (ومنها): ما كان عليه الصحابة ﵃ من كمال إيمانهم، وتقديمهم أمر الشارع على

стр. 15359

هوى أنفسهم، وثقتهم بأن كلّ الخير مضمون فيما أمر اللَّه به، لا فيما يبدو لهم، ويظنّون الخيريّة فيه، فقد قال هذا الصحابيّ الجليل ﵁: "نهانا رسول اللَّه ﷺ عن أمر كان لنا نافعًا، وطواعية اللَّه، ورسوله ﷺ أنفع لنا"، فبيّن أن النفع الظاهر للنفس لا يُعتمد عليه، بل الاعتماد على ما شرعه اللَّه تعالى، فان الخير كله مضمون فيه، وهذا هو واجب كلّ مسلم إذا سمع نهي الشارع أن يقول: سمعًا وطاعة للَّه ولرسوله ﷺ ، ويعتقد أن الخير كلّه في ذلك، وإن كان يظهر له بادئ ذي بدء أنَّ ما نهى عنه كان نافعًا له، ورافقًا به، فإن اللَّه أعلم بمصالح عباده منهم لأنفسهم، كما قال : ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢١٦]. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم المزارعة: قال الإمام ابن قُدامة -رحمه اللَّه تعالى-: المزارعة جائزة في قول كثير من أهل العلم، قال البخاريّ: قال أبو جعفر: ما بالمدينة أهل بيت إلا ويزرعون على الثلث والربع. وزارع عليّ، وسعد، وابن مسعود، وعمر بن عبد العزيز، والقاسم، وعروة، وآل أبي بكر، وآل عليّ، وابن سيرين. وممن رأى ذلك سعيد بن المسيّب، وطاوسٌ، وعبد الرحمن بن الأسود، وموسى بن طلحة، والزهريّ، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وابنه، وأبو يوسف، ومحمد. وروي ذلك عن معاذ، والحسن، وعبد الرحمن بن يزيد. قال البخاريّ: وعامل عمر الناس على أنه إن جاء عمر بالبذر من عنده، فله الشطر، وإن جاءوا بالبذر، فلهم كذا. وكرهها عكرمة، ومجاهد، والنخعيّ، وأبو حنيفة,. وروي عن ابن عبّاس الأمران جميعًا. وأجازها الشافعيّ في الأرض بين النخيل، إذا كان بياض الأرض أقلّ، فإن كان أكثر فعلى وجهين، ومنعها في الأرض البيضاء؛ لما روى رافع بن خديج ﵁، قال: كنّا نُخابر على عهد رسول اللَّه ﷺ ، فذكر أن بعض عمومته أتاه، فقال: نهى رسول اللَّه ﷺ عن أمر كان لنا نافعًا، وطواعية اللَّه، ورسوله ﷺ أنفع لنا، قلنا: ما ذاك؟ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "من كانت له أرضٌ، فليَزرَعها, ولا يُكريها بثلث، ولا بربع، ولا بطعام مسمّى"، وعن ابن عمر ﵄ قال: ما كنّا نرى بالمزارعة بأسًا حتى سمعت رافع ابن خَديج يقول: نهى رسول اللَّه ﷺ عنها. وقال جابر ﵁: نهى رسول اللَّه ﷺ عن المخابرة. وهذه كلها أحاديث صحاح متّفقٌ عليها، والمخابرة؛ المزارعة، واشتقاقها من

стр. 15360

الْخَبَار، وهي الأرض الليّنة، والْخَبِير: الأَكّار. وقيل: المخابرة: معاملة أهل خيبر. وقد جاء حديث جابر ﵁ مفسّرًا، فروى البخاريّ بإسناده عن جابر ﵁ قال: كانوا يزرعونها بالثلث، والربع، والنصف، فقال النبيّ ﷺ : "من كانت له أرضٌ، فليزرعها، أو ليمنحها أخاه، فإن لم يفعل، فليُمسك أرضه". ورُوي تفسيرها عن زيد بن ثابت ﵁، فقد روى أبو داود بإسناده عن زيد ﵁ قال: نهى رسول اللَّه ﷺ عن المخابرة، قلت: وما المخابرة؟ قال: أن يأخذ الأرض بنصف، أو ثلث، أو ربع. واحتجّ الأولون بما روى ابن عمر ﵄ قال: إن رسول اللَّه ﷺ عامل أهل خيبر بشطر ما يخرُج منها، من زرع، أو ثمر. متّفقٌ عليه. وقد رُوي ذلك عن ابن عبّاس، وجابر بن عبد اللَّه ﵃. وقال أبو جعفر: عامل رسول اللَّه ﷺ أهل خيبر بالشطر، ثم أبو بكر، ثم عمر، وعثمان، وعلي ﵃، ثم أهلوهم إلى اليوم، يُعطُون الثلث، والربع، وهذا أمر صحيحٌ، مشهور، عَمِل به رسول اللَّه ﷺ حتى مات، ثم خلفاؤه الراشدون حتى ماتوا، ثم أهلوهم من بعده، فروى البخاريّ عن ابن عمر أن النبيّ ﷺ عامل أهل خيبر بشطر ما يخرُجُ منها، من زرع، أو ثمرٍ، فكان يُعطي أزواجه مائة وسق، ثمانون وسقًا تمرًا، وعشرون وسقًا شعيرًا، فقسم عمر ﵁ خيبر، فخيّر أزواج النبيّ ﷺ أن يَقطع لهنّ من الأرض والماء، أو يُمضي لهنّ الأوسق، فمنهنّ مقلًا اختار الأرض، ومنهنّ من اختار الأوسق، فكانت عائشة ﵂ اختارت الأرض. ومثل هذا لا يجوز أن ينسخ؛ لأن النسخ إنما يكون في حياة رسول اللَّه ﷺ ، فأما شيء عمل به إلى أن مات، ثم عمل به خلفاؤه بعده، وأجمعت الصحابة ﵃، وعملوا به، ولم يُخالف فيه منهم أحد، فكيف يجوز نسخه، ومتى كان نسخه؟، فإن كان نُسخ في حياة رسول اللَّه ﷺ ، فكيف عُمل به بعد نسخه؟، وكيف خَفِي نسخه؟، فلم يبلغ خلفاءه، مع اشتهار قصّة خيبر، وعَملهم فيها؟ فأين كان رواي النسخ حتى لم يذكروه، ولم يخبرهم به؟. فأما ما احتجّ به المانعون، فالجواب عن حديث رافع بن خديج ﵁ من أربعة أوجه: [أحدها]: أنه قد فُسّر المنهي عنه في حديثه بما لا يُختَلَفُ في فساده، فإنه قال: كنّا أكثر الأنصار حَقْلًا، فكنّا نكري الأرض على أن لنا هذه، ولهم هذه، فربّما أخرجت هذه، ولم تُخرج هذه، فنهانا عن ذلك، فأما بالذهب والورق، فلم ينهنا. متّفقٌ عليه. وفي لفظ: فأما بشيء معلوم، مضمون، فلا بأس. وهذا خارجٌ عن محلّ الخلاف، فلا دليل فيه عليه، ولا تعارض بين الحديثين. [الثاني]: أن خبره ورد في الكراء بثلث، أو ربع، والنزاع في المزارعة، ولم يدلّ

стр. 15361

حديثه عليها أصلاً، وحديثه الذي في المزارعة يُحمل على الكراء أيضًا؛ لأن الفضّة واحدةٌ، رُويت بألفاظ مختلفة، فيجب تفسير أحد اللفظين بما يوافق الآخر. [الثالث]: أن أحاديث رافع ﵁ مضطربة جدًّا، مختلفة اختلافا كثيرًا، يوجب ترك العمل بها لو انفردت، فكيف يُقدّم على مثل حديثنا؟ قال الإمام أحمد: حديث رافع ألوان. وقال أيضًا: حديث رافع ضُرُوبٌ. وقال ابن المنذر: قد جاءت الأخبار عن رافع بعلل تدلّ على النهي كان لذلك، منها: الذي ذكرناه، ومنها: خَمْسٌ أخرى. وقد أنكره فقيهان من فقهاء الصحابة: زيد بن ثابت، وابن عبّاس ﵃، قال زيد بن ثابت: أنا أعلم بذلك منه، وإنما سمع النبيُّ ﷺ رجلين قد اقتتلا، فقال: "إن كان هذا شأنكم، فلا تُكروا المزارع". رواه أبو داود، والأثرم. وروى البخاريّ، عن عمرو بن دينار، قال: قلت لطاوس: لو تركت المخابرة، فإنهم يزعمون أن النبيّ ﷺ نهى عنها، قال: إن أعلمهم -يعني ابن عبّاس- أخبرني أن النبيّ ﷺ لم يَنْهَ عنها, ولكن قال: "أن يمنح أحدكم أخاه خير له من أن يأخذ عليها خَراجًا معلومًا". ثم إن أحاديث رافع ﵁ منها ما يُخالف الإجماع، وهو النهي عن كراء المزارع على الإطلاق، ومنها ما لا يُختَلَف في فسادهَ , كما بيّنّاه، وتارة يُحدّث عن بعض عمومته، وتارة عن سماعه، وتارة عن ظُهير بن رافع ﵁، وإذا كانت أخبار رافع هكذا، وجب اطّراحها، واستعمال الأخبار الواردة في شأن خيبر الجارية مجرى التواتر التي لا اختلاف فيها، وبها عمل الخلفاء الراشدون، وغيرهم، فلا معنى لتركها بمثل هذه الأحاديث الواهية. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: في قوله: "الأحاديث الواهية" فيه نظر لا يخفى، فكيف تكون واهية، وقد أخرجها الشيخان؟، واعتمدا عليها، بل الصواب أنها صحيحة، ويجب تأويلها بما لا يتنافَى مع حديث شأن خيبر، وذلك هو التأويل الأول في كلام ابن قُدامة، وغير ذلك مما سنبيّنه، إن شاء اللَّه تعالى. واللَّه تعالى أعلم. قال: [الجواب الرابع]: أنه لو قُدّر صحّة خبر رافع (١)، وامتنع تأويله، وتعذّر الجمع، لوجب حمله على أنه منسوخ؛ لأنه لا بدّ من نسخ أحد الخبرين، ويستحيل القول بنسخ حديث خيبر؛ لكونه معمولًا به من جهة النبيّ ﷺ إلى حين موته، ثم من بعده إلى عصر التابعين، فمتى كان نسخه؟. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: دعوى النسخ هنا غير صحيحة؛ لأن النسخ لا يُصار

стр. 15362

إليه إلا عند تعذّر العمل بالنصّ، وهنا لا تعذّر، بل يحمل على أحد المحامل التي ذكرها هو أو غيره، كما فعل هو هنا في حديث جابر، وزيد بن ثابت ﵄ حيث قال: وأما حديث جابر ﵁ في النهي عن المخابرة، فيجب حمله على أحد الوجوه التي حُمل عليها خبر رافع، فإنه قد روى حديث خيبر أيضًا، فيجب الجمع بين حديثيه مهما أمكن، ثم لو حُمل على المزارعة لكان منسوخًا بقصّة خيبر؛ لاستحالة نسخها، كما ذكرنا، وكذلك القول في حديث زيد بن ثابت ﵁. قال؛ فإن قال أصحاب الشافعيّ: تحُمل أحاديثكم على الأرض التي بين النخيل، وأحاديث النهي على الأرض البيضاء؛ جمعًا بينهما. قلنا: هذا بعيد لوجوه خمسة: [أحدها]: أنه يبعُدُ أن تكون بلدةٌ كبيرةٌ يأتي منها أربعون ألف وسق، ليس فيها أرض بيضاء، ويبعد أن يكون قد عاملهم على بعض الأرض دون بعض، فينقل الرواة كلهم القصّة على العموم من غير تفصيل، مع الحاجة إليه. [الثاني]: أن ما يذكرونه من التأويل لا دليل عليه، وما ذكرناه دلّ عليه بعض الروايات، وفسّره الراوي بما ذكرناه، وليس معهم سوى الجمع بين الأحاديث، والجمع بينهما يحمل بعضها على ما فسّره راويه به أولى من التحكّم بما لا دليل عليه [الثالث]: أن قولهم يُفضي إلى تقييد كلّ واحد من الحديثين، وما ذكرناه حملٌ لأحدهما وحده. [الرابع]: أن فيما ذكرناه موافقة عمل الخلفاء الراشدين، وأهليهم، وفقهاء الصحابة، وهم أعلم بحديث رسول اللَّه ﷺ ، وسنّته، ومعانيها، وهو أولى من قول من خالفهم. [الخامس]: أن ما ذهبنا إليه مُجمَعٌ عليه، فإن أبا جعفر روى ذلك عن أهل كلّ بيت بالمدينة، وعن الخلفاء الأربعة، وأهليهم، وفقهاء الصحابة، واستمرار ذلك، وهذا مما لا يجوز خفاؤه، ولم يُنكره من الصحابة منكِرٌ، فكان إجماعًا، وما رُوي في مخالفته، فقد بيّنّا فساده، فيكون هذا إجماعًا من الصحابة ﵃، لا يسوغ لأحد خلافه. والقياس يقتضيه، فإن الأرض عينٌ تُنمّى بالعمل فيها، فجازت المعاملة عليها ببعض نمائها، كالأثمان في المضاربة، والنخل في المساقاة، أو نقول: أرضٌ، فجازت المزارعة عليها، كالأرض بين النخيل، ولأن الحاجة داعيةٌ إلى المزارعة؛ لأن أصحاب الأرض قد لا يقدرون على زرعها، والعمل عليها، والأكَرَةُ يحتاجون إلى الزرع، ولا أَرْضَ لهم، فاقتضت حكمة الشرع جواز المزارعة، كما قلنا في المضاربة، والمساقات، بل الحاجة ههنا آكد؛ لأن الحاجة إلى الزرع آكد منها إلى غيره؛ لكونه مُقتاتًا, ولكون الأرض لا يُنتفع بها إلا بالعمل عليها، بخلاف المال، ويدلّ على ذلك

стр. 15363

قول راوي حديثهم: نهانا رسول اللَّه ﷺ عن أمر كان لنا نافعًا، والشارع لا ينهى عن المنافع، وإنما ينهى عن المضارّ والمفاسد، فدلّ على غلط الراوي في النهي عنه، وحصول المنفعة فيما ظنّه منهيًّا عنه. انتهى كلام ابن قُدامة -رحمه اللَّه تعالى- (١). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الذي قاله ابن قُدامة -رحمه اللَّه تعالى- تحقيقٌ نفيسٌ، غير محاولته لتضعيف حديث رافع بن خديج ﵁، فإنه غير مقبول، فإن الحديث صحيح، وقد اتفق الشيخان على تخريجه، والجمع بينه وبين حديث قصّة خيبر ممكنٌ، كما سبق في كلامه هو، فكيف يضعّفه؟. والحقّ أن الحديث صحيح، وأنه لا يعارض الحديث المذكور، كما قاله الحذّاق العارفون بعلل الأحاديث، وفقهها، فمن تأمّله، وجمع طرقه، واعتبر بعضها ببعض، وحمل مجملها على مفسّرها، ومطلقها على مقيّدها على أن الذي نهى عنه ﷺ في حديثهما كان أمرًا بين الفساد، وهي المزارعة الظالمة الجائرة، فإنه ﵁ قال: "كنا نُكري الأرض على أن لنا هذه، ولهم هذه، فربّما أخرجت هذه، ولم تخرج هذه"، وفي لفظ: "كان الناس يؤاجرون على عهد رسول اللَّه ﷺ بما على الماذيانات، وأقبال الجداول، وأشياء من الزرع"، وقال أيضًا: "ولم يكن لهم كراء إلا هذا، فلذلك زجر عنه، وأما بشيء معلوم، مضمون، فلا بأس"، فهذا، وما أشبهه من حديثه من أبين ما فيه، وأصحّه, وأصرح ما فسّر به ما أجمله، أو أطلقه، أو اختصره في سائر رواياته، فالواجب أن تُحْمَلَ تلك المجملاتُ على المفسّر المبيّن، المتّفق عليه لفظًا، وحكمًا. قال الإمام ابن المنذر -رحمه اللَّه تعالى-: قد جاءت الأخبار عن رافع بعلل تدلّ على أن النهي كان لتلك العلل. وقال الإمام الليث بن سعد -رحمه اللَّه تعالى-: الذي نهى عنه رسول اللَّه ﷺ أمر إذا نظر إليه ذو البصيرة بالحلال والحرام علم أنه لا يجوز. وأيضًا فقد وقع في حديث جابر ﵁ نحو ما وقع في حديث رافع، لكن الجواب هو الجواب المذكور، فقد وقع في بعض طرقه: "أنهم كانوا يختصون بأشياء من الزرع من القِصْرَى (٢)، ومن كذا، ومن كذا، فقال ﷺ : من كان له أرض، فليزرعها، أو

стр. 15364

ليمنها أخاه"، فهذا مفسّر مبين ذُكر فيه سبب النهي، وأُطلق في غيره من الألفاظ، فينصرف مطلقها إلى هذا المقيّد المبيّن، وأن المراد بالنهي هو هذا النوع. وقال الإمام البيهقيّ -رحمه اللَّه تعالى- في "السنن الكبرى" -٦/ ١٣٣ - ١٣٦ - : "باب من أباح المزارعة بجزء معلوم مشاع، وحمل النهي عنها على التنزيه، أو على ما لو تضمّن العقد شرطًا فاسدًا"، ثم أورد الأحاديث، وأورد إنكار ابن عبّاس، وزيد بن ثابت ﵃ على رافع ابن خَدِيج، حيث قال ابن عبّاس ﵄: "إن رسول اللَّه ﷺ لم يُحرّم المزارعة، ولكن أمر أن يرفُق الناس بعضهم من بعض (١). وقال زيد بن ثابت ﵁: يغفر اللَّه لرافع بن خَدِيج أنا واللَّه كنت أعلم بالحديث منه، إنما أتى رجلان من الأنصار إلى رسول اللَّه ﷺ ، قد اقتتلا، فقال: "إن كان هذا شأنكم، فلا تُكروا المزارع"، فسمع قوله: "لا تُكروا المزارع". قال البيهقيّ -رحمه اللَّه تعالى-: زيد بن ثابت، وابن عبّاس ﵃ كأنهما أنكرا -واللَّه أعلم- إطلاق النهي عن كراء المزارع، وعَنَى ابن عبّاس بما لم يُنه عنه من ذلك كراءها بالذهب والفضّة، وبما لا غرر فيه، وقد قيّد بعض الرواة عن رافع الأنواع التي وقع النهي عنها، وبيّن علّة النهي، وهي ما يُخشى على الزرع من الهلاك، وذلك غرر في العوض، يوجب فساد العقد. قال: وقد روينا عن زيد بن ثابت ما يوافق رواية رافع بن خديج وغيره، فدلّ أن ما أنكره غير ما أثبته. واللَّه أعلم. قال: ومن العلماء من حمل أخبار النهي على ما لو وقعت بشروط فاسدة، نحو شرط الجداول، والماذْيَانات، وهي الأنهار، وهي ما كان يشترط على الزارع أن يزرعه على هذه الأنهار خاصّة لربّ المال، ونحو شرط القصارة، وهي ما بقي من الحبّ في السنبل بعد ما يداس، ويقال القِصْرَى، ونحو شرط ما يسقي الربيع، وهو النهر الصغير, فكانت هذه، وما أشبهها شروطا شرطها ربّ المال لنفسه خاصّةً، سوى الشرط على النصف، والربع، والثلث، فيرى أن نهي النبيّ ﷺ عن المزارعة إنما كان لهذه الشروط؛ لأنها مجهولة، فإذا كانت الحصص معلومةً، نحو النصف، والثلث، والربع، وكانت الشروط الفاسدة معدومةً، كانت المزارعة جائزة، وإلى هذه ذهب أحمد بن حنبل، وأبو عُبيد، ومحمد بن إسحاق بن خُزيمة، وغيرهم من أهل الحديث، وإليه ذهب أبو يوسف، ومحمد بن الحسن من أصحاب الرأي -رحمهم اللَّه تعالى-، والأحاديث التي مضت في معاملة النبيّ ﷺ أهل خيبر بشطر ما يخرج منها من ثمر، أو زرع دليلٌ لهم في هذه المسألة. وقال أيضًا: ومن ذهب إلى هذا زعم أن الأخبار التي ورد النهي فيها عن كرائها

стр. 15365

بالنصف، أو الثلث، أو الربع إنما هو لما كانوا يُلحقون به من الشروط الفاسدة، فقصر بعض الرواة بذكرها، وقد ذكرها بعضهم، والنهي يتعلّق بها دون غيرها. انتهى المقصود من كلام البيهقيّ -رحمه اللَّه تعالى- (١). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قد أجاد البيهقيّ -رحمه اللَّه تعالى-، وأفاد في كلامه المذكور. والحاصل أن المزارعة جائزة، إلا ما كان فيها العوض مجهولاً، أو دخلت فيه الشروط الفاسدة، على ما فُصّل آنفًا. فبهذا تتفق السنن المأثورة عن رسول اللَّه ﷺ ، وتتآلف، ويزول عنها الاضطراب المتوهّم، والاختلاف الذي يظهر في بادئ الرأي، ويظهر أن لكلّ منها وجهًا صحيحًا، ومَرَدًّا مَليحًا، وأن ما نهى عنه النبيّ ﷺ غير ما أباحه وفعله، وفعله أيضًا خلفاؤه الراشدون، وصحابته الأكرمون، ﵃، وهذا هو الواجب، والواقع في نفس الأمر، وللَّه الحمد، والمنّة، وله الفضل والنعمة، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٨٩١ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى, قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ, قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ, عَنْ مَنْصُورٍ, سَمِعْتُ مُجَاهِدًا, يُحَدِّثُ عَنْ أُسَيْدِ بْنِ ظُهَيْرٍ, قَالَ: أَتَانَا رَافِعُ بْنُ خَدِيجٍ, فَقَالَ: نَهَانَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , عَنْ أَمْرٍ كَانَ لَنَا نَافِعًا, وَطَاعَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ خَيْرٌ لَكُمْ, نَهَاكُمْ عَنِ الْحَقْلِ, وَقَالَ: «مَنْ كَانَتْ لَهُ أَرْضٌ فَلْيَمْنَحْهَا, أَوْ لِيَدَعْهَا» , وَنَهَى عَنِ الْمُزَابَنَةِ, وَالْمُزَابَنَةُ الرَّجُلُ يَكُونُ لَهُ الْمَالُ الْعَظِيمُ مِنَ النَّخْلِ, فَيَجِيءُ الرَّجُلُ, فَيَأْخُذُهَا بِكَذَا وَكَذَا وَسْقًا مِنْ تَمْرٍ). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "محمد": هو ابن جعفر المعروف بغندر. وقوله: "أمر كان لنا نافعًا الخ". [فإن قيل]: كيف قال هذا الصحابيّ ﵁ "نهانا رسول اللَّه ﷺ عن أمر كان لنا نافعًا"، وهو من أعلم الناس أن الشارع لا ينهى عن المنافع، وإنما ينهى عن المضارّ، والمفاسد؟. [قلت]: نعم أنه لا ينهى عن المنافع، وإنما ينهى عن المضارّ، إلا أن هذه المنافع، إنما منشؤها ظنهم فقط، وليست واقعة في نفس الأمر،، فإنهم ظنّوا أن قد كان لهم في ذلك المنهي عنه منفعة لهم حيث إنهم أصحاب الأراضي، والشروط ملائمة لهم، فإن الأرضى غالبًا إنما تخرج الزرع أكثر في مكان الماء، وأقبال الجداول وهذا في

стр. 15366

مصالحهم، وهذه مصلحة قاصرة، وتضرّر المزارع أكثر، وأكثر، ونظر الشارع واسعٌ، فإنه يراعي مصالح عموم المسلمين، لا المصحلة القاصرة على بعض الأفراد، ولهذا نهى عن مثل هذه المعاملات الظالمة، حيث كانت المنفعة، منفعة جزئيّة خاصّة بربّ الأرض؛ حيث اختصّ بخيار الزرع، وما يَسعَدُ منه بالماء، وما على أَقْبال الجداول، فهذه هي المنفعة التي تخيّلوها، وبمقابلها المضرّة البحتة على المزارع، فعدالة الشارع الحكيم اقتضت النهي عن ذلك، ونظير ذلك في باب الربا المنفعة التي يختصّ بها المرابي من أخذه الزيادة، مع تضرّر المأخوذ منه، فنهى الشارع عنها؛ لأن الشارع لا يبيح لأحد منفعة يترتّب عليها مضرّة إخوانه، فقد قال رسول اللَّه ﷺ : "لا تحاسدوا, ولا تناجشوا, ولا تباغضوا, ولا تدابروا, ولا يبع بعضكم على بيع بعض، وكونوا عباد اللَّه إخوانا، المسلم أخو المسلم، لا يظلمه، ولا يَخذُله، ولا يحقره … " الحديث، أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة ﵁. فلذلك لَمّا أدرك ذلك الصحابيّ غنى أن المنفعة التي يراها الشارع منفعة محقّقة لكلا الجانبين، بخلاف المنفعة التي كانون يظنّونها فإنها منفعة قاصرة، قال: (وطاعة رسول اللَّه ﷺ خير لكم". واللَّه تعالى أعلم بالصواب. وقوله: "أو ليدَعْها": أي ليترك زرعها, وليُهملها. [فإن قيل]: كيف يأمر النبيّ ﷺ بإهمالها، وهو تضييع لمنفعتها، فيكون من إضاعة المال، وقد ثبت النهي عنه؟. [وأجيب]: يحمل النهي على إضاعة عين المال، أو منفعة لا تُخلَف؛ والأرض إذا تُركت بغير زرع لم تتعطّل منفعتها، فإنها قد تنبت من الكلإ، والحطب، والحشيش ما ينفع في الرعي وغيره، مثل منفعة الزراعة، بل قد يكون الانتفاع بهذا أكثر من الانتفاع بالزراعة، كما هو مشاهدٌ في بعض البلدان، أو بعض الأحيان. وعلى تقدير أن لا يحصل ذلك، فقد يكون تأخير الزرع عن الأرض إصلاحًا لها، كما يفعله كثير من الناس الخبراء بشؤون الزراعة قصدًا، فقد تُخلِف في السنة التي تليها أكثر مما فات في سنة الترك، وهذا كلّه إن حُمل النهي عن الكراء على عمومه، فأما لو حُمل الكراء على ما كان مألوفًا لهم من الكراء بجزء مما يخرج منها, ولا سيّما إذا كان غير معلوم، فلا يستلزم ذلك تعطيل الانتفاع بها في الزراعة، بل يُكريها بالذهب، أو الفضّة، كما تقرّر ذلك (١). والحديث صحيح، كما سبق القول فيه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع،

стр. 15367

والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٨٩٢ - (أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ قُدَامَةَ, قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ, عَنْ مَنْصُورٍ, عَنْ مُجَاهِدٍ, عَنْ أُسَيْدِ بْنِ ظُهَيْرٍ, قَالَ: أَتَى عَلَيْنَا رَافِعُ بْنُ خَدِيجٍ, فَقَالَ: - وَلَمْ أَفْهَمْ, فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , نَهَاكُمْ عَنْ أَمْرٍ, كَانَ يَنْفَعُكُمْ, وَطَاعَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , خَيْرٌ لَكُمْ مِمَّا يَنْفَعُكُمْ, نَهَاكُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الْحَقْلِ, وَالْحَقْلُ الْمُزَارَعَةُ بِالثُّلُثِ وَالرُّبُعِ, فَمَنْ كَانَ لَهُ أَرْضٌ, فَاسْتَغْنَى عَنْهَا, فَلْيَمْنَحْهَا أَخَاهُ, أَوْ لِيَدَعْ, وَنَهَاكُمْ عَنِ الْمُزَابَنَةِ, وَالْمُزَابَنَةُ الرَّجُلُ يَجِيءُ إِلَى النَّخْلِ الْكَثِيرِ بِالْمَالِ الْعَظِيمِ, فَيَقُولُ: خُذْهُ بِكَذَا وَكَذَا وَسْقًا مِنْ تَمْرِ ذَلِكَ الْعَامِ). قال الجامع عفاَ اللَّه تعالى عنه: "محمد بن قُدامة": هو القرشيّ مولاهم المصّيصيّ، ثقة [١٠]. و"جرير": هو ابن عبد الحميد. وقوله: "فقال: ولم أفهم": لعل المراد لم أفهم سرّ هذا النهي، أو لم أفهم بأيّ سبب جاء النهي. أفاده السنديّ. وقوله: "بالمال العظيم" متعلّق بـ "الكثير"، والمراد عظم ثمره، وكثرته، يعني أن ذلك النخل كثير الثمر، عظيم الفوائد. واللَّه تعالى أعلم. والحديث صحيح، وقد سبق القول فيه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٨٩٣ - (أَخْبَرَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ يَعْقُوبَ بْنِ إِسْحَاقَ, قَالَ: حَدَّثَنَا عَفَّانُ, قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ, قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ, عَنْ مُجَاهِدٍ, قَالَ: حَدَّثَنِي أُسَيْدُ بْنُ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ, قَالَ: قَالَ رَافِعُ بْنُ خَدِيجٍ: نَهَاكُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , عَنْ أَمْرٍ كَانَ لَنَا نَافِعًا, وَطَاعَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , أَنْفَعُ لَنَا, قَالَ: «مَنْ كَانَتْ لَهُ أَرْضٌ, فَلْيَزْرَعْهَا, فَإِنْ عَجَزَ عَنْهَا, فَلْيُزْرِعْهَا أَخَاهُ»). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "إبراهيم بن يعقوب بن إسحاق": هو الْجُوزَجانيّ، نزيل دمشق، ثقة حافظٌ، رمي بالنصب [١١] ١٢٢/ ١٧٤. [تنبيه]: هذا الذي ذكرته من كون شيخ المصنّف هنا هو "إبراهيم بن يعقوب بن إسحاق" الْجُوزجانيّ هو الذي وقع في نسخ "المجتبى"، وكذا في "تحفة الأشراف" ٣/ ١٣٩ - ووقع في "الكبرى" -٣/ ٩٠ - : ما نصّه: أخبرني إسحاق بن يعقوب بن إسحاق، وهو شيخ آخر للمصنّف، وهو: "إسحاق بن يعقوب" بن إسحاق البغداديّ، أبو محمد، سكن الشام، ثقة [١١١]. روى عن عفّان، ومعاوية بن عمرو الأزديّ، وتفرّد بالرواية عنه المصنّف، وقال: ثقة. انظر "تهذيب التهذيب" ١/ ١٣١ - و "التقريب" ص٣٠ - ، ولم يتبيّن لي أيّهما

стр. 15368

الصواب هنا؛ لأن كلًّا منهما يروي عن عفّان بن مسلم، ويروي عنه المصنّف، لكن مثل هذا لا يؤثّر في صحّة الحديث، فإن كلًّا منهما ثقة، فلا يضرّ عدم معرفة عينه. فتنبّه. واللَّه تعالى أعلم. و"عفّان": هو ابن مسلم الصّفّار البصريّ. و"عبد الواحد": هو ابن زياد العبديّ مولاهم البصريّ. و"سعيد بن عبد الرحمن" بن عبد اللَّه الزُّبَيديّ -بضمّ الزاي- أبو شَيبة الكوفيّ، قاضي الريّ، مقبول [٦]. قال البخاريّ: لا يُتابع في حديثه. وقال الآجرّيّ، عن أبي داود: ثقة. وقال ابن عديّ: ليس بذاك المعروف. وذكره ابن حبّان في الثقات، وقال: يروي المقاطيع، مات سنة (١٥٦). تفرّد به المصنّف بهذا الحديث فقط. وقوله: "حدّثني أُسيد بن رافع بن خديج" هكذا وقع في نسخ "المجتبى"، و"الكبرى"، إلا أن فيها أُلحقت لفظة "أخي" بين قوسين هكذا: حدّثني أسيد بن [أخي] رافع بن خديج، والظاهر أن هذا هو الصواب، كما في "تحفة الأشراف" -٣/ ١٣٩ - وقول المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- بعد هذا: خالفه الخ يدلّ على هذا. وأما أُسيد بن رافع بن خَديج، فستأتي روايته برقم ١٣٩٥ و ٣٩٥٢ - ، من رواية بكير ابن عبد اللَّه بن الأشجّ، وعبد الرحمن بن هرمز الأعرج. وذكر في "تهذيب التهذيب" - ١/ ١٧٦ - أنه من طريق مجاهد: عن أسيد بن أخي رافع بن خَدِيج، واختلف على مجاهد فيه أيضًا، والحديث واحد. انتهى. والحاصل أن الظاهر هنا أنه أسيد ابن أخي رافع بن خديج، وهو أُسيد بن ظهير المتقدّم، على ما قيل. واللَّه تعالى أعلم. والحديث ضعيف؛ لأن في سنده سعيد بن عبد الرحمن، وقد سبق الكلام فيه، وقد خالف عبد الكريم الجزريّ -كما بينه المصنّف بعدُ-وهو أثبت، وأحفظ منه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. وقوله: (خَالَفَهُ عَبْدُ الْكَرِيم بْنُ مَالِكٍ) يعني أن عبد الكريم بن مالك الجزريَّ خالف سعيد بن عبد الرحمن، فجعلهَ عن ابن رافع بن خَديج، عن أبيه، كما بين ذلك بقوله: ٣٨٩٤ - (أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ, قَالَ: أَنْبَأَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ -يَعْنِي ابْنَ عَمْرٍو- عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ, عَنْ مُجَاهِدٍ, قَالَ: أَخَذْتُ بِيَدِ طَاوُسٍ, حَتَّى أَدْخَلْتُهُ عَلَى ابْنِ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ, فَحَدَّثَهُ عَنْ أَبِيهِ, عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , أَنَّهُ نَهَى عَنْ كِرَاءِ الأَرْضِ, فَأَبَى طَاوُسٌ, فَقَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ, لَا يَرَى بِذَلِكَ بَأْسًا).

стр. 15369

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "عبيدُ اللَّه بن عمرو": هو الْجزريّ، أبو وهب الرّقّيّ الثقة. و"عبد الكريم": هو ابن مالك، أبو سعيد الجزريّ الثقة الثبت. و"ابن رافع بن خَديج"، غير مُسمَّى هنا, ولا في "صحيح مسلم"، كما قال في "تحفة الأشراف" ج ٣/ ص ١٦١ - وأما ما قاله في "التقريب" مما نصّه: (م س) ابن رافع بن خديج، عن أبيه في النهي عن المزارعة، له ولدان: هُرَير، وعَبَاية، تقدّما. انتهى. ففيه نظر؛ لأن هريرًا ليس ابنه، وإنما هو حفيده، فقد تقدّم له في ترجمته: ما نصّه: هرير -بالتصغير- ابن عبد الرحمن بن رافع بن خدِيج الأنصاريّ، مقبول [٥]. فتنبّه. وأما عَبَاية: فهو -بفتح أوله، والموحّدة الخفيفة، وبعد الألف تحتانيّة خفيفة- ابن رفاعة بن رافع بن خديج الأنصاريّ الزرقيّ، أبو رفاعة المدنيّ، ثقة [٣] ٩/ ٣١١٦. والحديث أخرجه مسلم، ولفظه من طريق حماد بن زيد، عن عمرو، أن مجاهدا، قال لطاوس: انطلق بنا إلى ابن رافع بن خديج، فاسمع منه الحديث، عن أبيه، عن النبيّ ﷺ ، قال: فانتهره، قال: إني واللَّه لو أعلم أن رسول اللَّه ﷺ نهى عنه، ما فعلته، ولكن حدثني من هو أعلم به منهم -يعني ابن عباس- أن رسول اللَّه ﷺ قال: "لأن يمنح الرجل أخاه أرضه، خير له من أن يأخذ عليها خرجا معلوما". واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. وقوله (وَرَوَاهُ أَبُو عَوَانَةَ، , عَنْ أَبيِ حَصِينِ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: قَالَ: عَنْ رَافِعٍ، مُرْسَلاً) أراد بهذا أن أبا حصين خالف عبد الكريم الجزريّ، فجعله منقطعًا، بإسقاط الواسطة بين مجاهد، ورافع، فقال: عن مجاهد، عن رافع، بينما هو جعله متّصلاً بذكر الواسطة، وهو ابن رافع بن خَدِيج، وإنما كانت رواية أبي حصين منقطعة؛ لأن مجاهدًا لم يلق رافع بن خديج ﵁، كما بُيّن في ترجمته من "تهذيب التهذيب" ٤/ ٢٦. وقوله: "مرسلاً" حال من فاعل "قال"، ومراده بالمرسل المنقطع، وكثيرًا ما يستعمل المصنّف، وأبو داود الإرسال بمعنى الانقطاع، وهو مذهب بعض المحدّثين، وهو المعروف عند الأصوليين، قال في "الكوكب الساطع" مبيّنا تعريفه، وحكمه عندهم: قَوْلُ سِوَى الصَّاحِبِ قَالَ: الْمُصْطَفَى … مُرْسَلُنَا ثُمَّ احْتِجَاجَهُ اقْتَفَى ثَلَاَثةُ الأَئِمَّةِ الأَعْلَامُ … وَقِيلَ إِنْ أَرْسَلَهُ إِمَامُ وَقِيلَ مِنْ أَهْلِ القُرُونِ الْخُرَّدِ (١) … وَقِيلَ أَقْوَى حُجَّةً مِنْ مُسْنَدِ وَرّدُّهُ الأَقْوَى وَقَوْلُ الأَكْثَرِ … كَالشَّافِعِي وَأَهْلِ عِلْمِ الْخَبَرِ

стр. 15370

مَا لَمْ يَكُ الْمُرْسِلُ لَا يَعْتَمِدُ … إِلاَّ عَنِ العُدُولِ أَوْ بَعْتِضِدُ مُرْسَلُ تَابِعٍ مِنَ الْكِبَارِ … بِقَوْلِ صَاحِبٍ أَوِ انْتِشَارِ أَوْ فِعْلِهِ أَوْ فِعْلِ أَهْلِ الْعَصْرِ أَوْ … بِقَولِ جُمهُورٍ وَمُرْسَلٍ رَأَوْا أَوْ مُسْنَدٍ أَوْ بِقِيَاسٍ يُوجَدُ … فَالحُجَّهُ المَجْمُوعُ لَا الْمُنْفَرِدُ أَوْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ سِوَى مُرْسَلِهِ … فَالأَظْهَرُ انْكِفَافُنَا لأَجْلِهِ وأما المرسل عند أكثر متأخّري المحدّثين فهو ما رفعه التابعيّ مطلقًا إلى النبيّ ﷺ ، وقيل: التابعيّ الكبير، وإلى هذا، وحكمه عندهم أشرت في "شافية الْغُلل في ألفية العلل"، فقلت: مَا رَفَعَ التَّابِعُ مُطلَقًا إِلَى … نَبِيِّنَا الْمُرّسَلُ عِنْدَ النُّبَلَا وَقِيلَ بَلْ كَبِيرُهُم أَوْ مُطلَقُ … مُنْقَطِع كَذَا الخِلَافَ حَقَّقُوا وَالأَرْجَحُ الأَوَّلُ ثُمَّ اخْتَلَفُوا … فِي حُكْمِهِ فَالأَكَثَرُونَ ضَعَّفُوا ذَكَرَهُ الحَاكِمُ عَنْ جَمَاعَةِ … أَهْلِ الْحَدِيثِ سَاكِنِي الْمَدِينَةِ مِثلِ سعيدٍ مَالِكٍ وَالزُّهْرِي … وَأَحْمَدٍ وَالشَّافِعِيِّ الغُرِّ (١) كَذَاكَ الاوْزَاعِي وَفِي أَكْثَرِ مَا … ذَكَرَ يُنْظَرُ فَلَيْسَ مُحْكَمَا وَلَا يَصِحُّ عَنْهُمُ الطَّعْنُ عَلَى … عُمُومِهِ بَلَى لِبَعْضٍ نُقِلَا وَشَرَطَ الْحَبْرُ الإِمَامُ الشَّافِعِي … فِي مُرْسَلٍ يَقْبَلُهُ , عَنْ تَابِعِي عَدَمَ نَقْلِهِ لِمَنْ لَا يُقْبَلُ … وَعَدَمَ الْخِلَافِ حِينَ يَنْقُلُ لِسَائِرِ الْحُفَّاظِ فِيمَا أَسْنَدَا … وَكَؤنَهُ مِنَ الكِبَارِ اعْتَمَدَا وَأَيْضًا اشْتَرَطَ فِي مُرْسَلِهِ … كَوْنَهُ مَعْضُودًا بِمُرْسِي أَصْلِهِ تَعْضِدُهُ أَشْيَاءُ مِنْهَا الأَقَوَى … كَوْنُهُ مُسْنَدًا بِوْجْهِ أَقْوَى كَذَاكَ مُرْسَلٌ أَتَى عَمَّنْ نَقَلْ … عَنْ غَيْرِ مَنْ أَرْسَلَ عَنْهُ حَمَلْ كَذَاكَ إِنْ وَافَقَهُ مَا قَدْ وَرَدْ … عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ الْمُعْتَمَدْ كَذَاكَ إِنْ وَافَقَهُ مَا نُقِلَا … عَنْ جُلِّ أَهلِ العِلمِ أَيْضًا قُبِلَا
следующие страницы →