مصالحهم، وهذه مصلحة قاصرة، وتضرّر المزارع أكثر، وأكثر، ونظر الشارع واسعٌ، فإنه يراعي مصالح عموم المسلمين، لا المصحلة القاصرة على بعض الأفراد، ولهذا نهى عن مثل هذه المعاملات الظالمة، حيث كانت المنفعة، منفعة جزئيّة خاصّة بربّ الأرض؛ حيث اختصّ بخيار الزرع، وما يَسعَدُ منه بالماء، وما على أَقْبال الجداول، فهذه هي المنفعة التي تخيّلوها، وبمقابلها المضرّة البحتة على المزارع، فعدالة الشارع الحكيم اقتضت النهي عن ذلك، ونظير ذلك في باب الربا المنفعة التي يختصّ بها المرابي من أخذه الزيادة، مع تضرّر المأخوذ منه، فنهى الشارع عنها؛ لأن الشارع لا يبيح لأحد منفعة يترتّب عليها مضرّة إخوانه، فقد قال رسول اللَّه ﷺ : "لا تحاسدوا, ولا تناجشوا, ولا تباغضوا, ولا تدابروا, ولا يبع بعضكم على بيع بعض، وكونوا عباد اللَّه إخوانا، المسلم أخو المسلم، لا يظلمه، ولا يَخذُله، ولا يحقره … " الحديث، أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة ﵁.
فلذلك لَمّا أدرك ذلك الصحابيّ غنى أن المنفعة التي يراها الشارع منفعة محقّقة لكلا الجانبين، بخلاف المنفعة التي كانون يظنّونها فإنها منفعة قاصرة، قال: (وطاعة رسول اللَّه ﷺ خير لكم". واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
وقوله: "أو ليدَعْها": أي ليترك زرعها, وليُهملها. [فإن قيل]: كيف يأمر النبيّ ﷺ بإهمالها، وهو تضييع لمنفعتها، فيكون من إضاعة المال، وقد ثبت النهي عنه؟.
[وأجيب]: يحمل النهي على إضاعة عين المال، أو منفعة لا تُخلَف؛ والأرض إذا تُركت بغير زرع لم تتعطّل منفعتها، فإنها قد تنبت من الكلإ، والحطب، والحشيش ما ينفع في الرعي وغيره، مثل منفعة الزراعة، بل قد يكون الانتفاع بهذا أكثر من الانتفاع بالزراعة، كما هو مشاهدٌ في بعض البلدان، أو بعض الأحيان. وعلى تقدير أن لا يحصل ذلك، فقد يكون تأخير الزرع عن الأرض إصلاحًا لها، كما يفعله كثير من الناس الخبراء بشؤون الزراعة قصدًا، فقد تُخلِف في السنة التي تليها أكثر مما فات في سنة الترك، وهذا كلّه إن حُمل النهي عن الكراء على عمومه، فأما لو حُمل الكراء على ما كان مألوفًا لهم من الكراء بجزء مما يخرج منها, ولا سيّما إذا كان غير معلوم، فلا يستلزم ذلك تعطيل الانتفاع بها في الزراعة، بل يُكريها بالذهب، أو الفضّة، كما تقرّر ذلك (١).
والحديث صحيح، كما سبق القول فيه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع،
стр. 15367
والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٨٩٢ - (أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ قُدَامَةَ, قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ, عَنْ مَنْصُورٍ, عَنْ مُجَاهِدٍ, عَنْ أُسَيْدِ بْنِ ظُهَيْرٍ, قَالَ: أَتَى عَلَيْنَا رَافِعُ بْنُ خَدِيجٍ, فَقَالَ: - وَلَمْ أَفْهَمْ, فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , نَهَاكُمْ عَنْ أَمْرٍ, كَانَ يَنْفَعُكُمْ, وَطَاعَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , خَيْرٌ لَكُمْ مِمَّا يَنْفَعُكُمْ, نَهَاكُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الْحَقْلِ, وَالْحَقْلُ الْمُزَارَعَةُ بِالثُّلُثِ وَالرُّبُعِ, فَمَنْ كَانَ لَهُ أَرْضٌ, فَاسْتَغْنَى عَنْهَا, فَلْيَمْنَحْهَا أَخَاهُ, أَوْ لِيَدَعْ, وَنَهَاكُمْ عَنِ الْمُزَابَنَةِ, وَالْمُزَابَنَةُ الرَّجُلُ يَجِيءُ إِلَى النَّخْلِ الْكَثِيرِ بِالْمَالِ الْعَظِيمِ, فَيَقُولُ: خُذْهُ بِكَذَا وَكَذَا وَسْقًا مِنْ تَمْرِ ذَلِكَ الْعَامِ).
قال الجامع عفاَ اللَّه تعالى عنه: "محمد بن قُدامة": هو القرشيّ مولاهم المصّيصيّ، ثقة [١٠]. و"جرير": هو ابن عبد الحميد.
وقوله: "فقال: ولم أفهم": لعل المراد لم أفهم سرّ هذا النهي، أو لم أفهم بأيّ سبب جاء النهي. أفاده السنديّ.
وقوله: "بالمال العظيم" متعلّق بـ "الكثير"، والمراد عظم ثمره، وكثرته، يعني أن ذلك النخل كثير الثمر، عظيم الفوائد. واللَّه تعالى أعلم.
والحديث صحيح، وقد سبق القول فيه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٨٩٣ - (أَخْبَرَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ يَعْقُوبَ بْنِ إِسْحَاقَ, قَالَ: حَدَّثَنَا عَفَّانُ, قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ, قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ, عَنْ مُجَاهِدٍ, قَالَ: حَدَّثَنِي أُسَيْدُ بْنُ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ, قَالَ: قَالَ رَافِعُ بْنُ خَدِيجٍ: نَهَاكُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , عَنْ أَمْرٍ كَانَ لَنَا نَافِعًا, وَطَاعَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , أَنْفَعُ لَنَا, قَالَ: «مَنْ كَانَتْ لَهُ أَرْضٌ, فَلْيَزْرَعْهَا, فَإِنْ عَجَزَ عَنْهَا, فَلْيُزْرِعْهَا أَخَاهُ»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "إبراهيم بن يعقوب بن إسحاق": هو الْجُوزَجانيّ، نزيل دمشق، ثقة حافظٌ، رمي بالنصب [١١] ١٢٢/ ١٧٤.
[تنبيه]: هذا الذي ذكرته من كون شيخ المصنّف هنا هو "إبراهيم بن يعقوب بن إسحاق" الْجُوزجانيّ هو الذي وقع في نسخ "المجتبى"، وكذا في "تحفة الأشراف" ٣/ ١٣٩ - ووقع في "الكبرى" -٣/ ٩٠ - : ما نصّه: أخبرني إسحاق بن يعقوب بن إسحاق، وهو شيخ آخر للمصنّف، وهو:
"إسحاق بن يعقوب" بن إسحاق البغداديّ، أبو محمد، سكن الشام، ثقة [١١١].
روى عن عفّان، ومعاوية بن عمرو الأزديّ، وتفرّد بالرواية عنه المصنّف، وقال: ثقة. انظر "تهذيب التهذيب" ١/ ١٣١ - و "التقريب" ص٣٠ - ، ولم يتبيّن لي أيّهما
стр. 15368
الصواب هنا؛ لأن كلًّا منهما يروي عن عفّان بن مسلم، ويروي عنه المصنّف، لكن مثل هذا لا يؤثّر في صحّة الحديث، فإن كلًّا منهما ثقة، فلا يضرّ عدم معرفة عينه. فتنبّه. واللَّه تعالى أعلم.
و"عفّان": هو ابن مسلم الصّفّار البصريّ. و"عبد الواحد": هو ابن زياد العبديّ مولاهم البصريّ.
و"سعيد بن عبد الرحمن" بن عبد اللَّه الزُّبَيديّ -بضمّ الزاي- أبو شَيبة الكوفيّ، قاضي الريّ، مقبول [٦].
قال البخاريّ: لا يُتابع في حديثه. وقال الآجرّيّ، عن أبي داود: ثقة. وقال ابن عديّ: ليس بذاك المعروف. وذكره ابن حبّان في الثقات، وقال: يروي المقاطيع، مات سنة (١٥٦). تفرّد به المصنّف بهذا الحديث فقط.
وقوله: "حدّثني أُسيد بن رافع بن خديج" هكذا وقع في نسخ "المجتبى"، و"الكبرى"، إلا أن فيها أُلحقت لفظة "أخي" بين قوسين هكذا: حدّثني أسيد بن [أخي] رافع بن خديج، والظاهر أن هذا هو الصواب، كما في "تحفة الأشراف" -٣/ ١٣٩ - وقول المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- بعد هذا: خالفه الخ يدلّ على هذا.
وأما أُسيد بن رافع بن خَديج، فستأتي روايته برقم ١٣٩٥ و ٣٩٥٢ - ، من رواية بكير ابن عبد اللَّه بن الأشجّ، وعبد الرحمن بن هرمز الأعرج.
وذكر في "تهذيب التهذيب" - ١/ ١٧٦ - أنه من طريق مجاهد: عن أسيد بن أخي رافع بن خَدِيج، واختلف على مجاهد فيه أيضًا، والحديث واحد. انتهى.
والحاصل أن الظاهر هنا أنه أسيد ابن أخي رافع بن خديج، وهو أُسيد بن ظهير المتقدّم، على ما قيل. واللَّه تعالى أعلم.
والحديث ضعيف؛ لأن في سنده سعيد بن عبد الرحمن، وقد سبق الكلام فيه، وقد خالف عبد الكريم الجزريّ -كما بينه المصنّف بعدُ-وهو أثبت، وأحفظ منه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وقوله: (خَالَفَهُ عَبْدُ الْكَرِيم بْنُ مَالِكٍ) يعني أن عبد الكريم بن مالك الجزريَّ خالف سعيد بن عبد الرحمن، فجعلهَ عن ابن رافع بن خَديج، عن أبيه، كما بين ذلك بقوله:
٣٨٩٤ - (أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ, قَالَ: أَنْبَأَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ -يَعْنِي ابْنَ عَمْرٍو- عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ, عَنْ مُجَاهِدٍ, قَالَ: أَخَذْتُ بِيَدِ طَاوُسٍ, حَتَّى أَدْخَلْتُهُ عَلَى ابْنِ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ, فَحَدَّثَهُ عَنْ أَبِيهِ, عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , أَنَّهُ نَهَى عَنْ كِرَاءِ الأَرْضِ, فَأَبَى طَاوُسٌ, فَقَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ, لَا يَرَى بِذَلِكَ بَأْسًا).
стр. 15369
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "عبيدُ اللَّه بن عمرو": هو الْجزريّ، أبو وهب الرّقّيّ الثقة. و"عبد الكريم": هو ابن مالك، أبو سعيد الجزريّ الثقة الثبت.
و"ابن رافع بن خَديج"، غير مُسمَّى هنا, ولا في "صحيح مسلم"، كما قال في "تحفة الأشراف" ج ٣/ ص ١٦١ - وأما ما قاله في "التقريب" مما نصّه: (م س) ابن رافع بن خديج، عن أبيه في النهي عن المزارعة، له ولدان: هُرَير، وعَبَاية، تقدّما. انتهى. ففيه نظر؛ لأن هريرًا ليس ابنه، وإنما هو حفيده، فقد تقدّم له في ترجمته: ما نصّه: هرير -بالتصغير- ابن عبد الرحمن بن رافع بن خدِيج الأنصاريّ، مقبول [٥]. فتنبّه.
وأما عَبَاية: فهو -بفتح أوله، والموحّدة الخفيفة، وبعد الألف تحتانيّة خفيفة- ابن رفاعة بن رافع بن خديج الأنصاريّ الزرقيّ، أبو رفاعة المدنيّ، ثقة [٣] ٩/ ٣١١٦.
والحديث أخرجه مسلم، ولفظه من طريق حماد بن زيد، عن عمرو، أن مجاهدا، قال لطاوس: انطلق بنا إلى ابن رافع بن خديج، فاسمع منه الحديث، عن أبيه، عن النبيّ ﷺ ، قال: فانتهره، قال: إني واللَّه لو أعلم أن رسول اللَّه ﷺ نهى عنه، ما فعلته، ولكن حدثني من هو أعلم به منهم -يعني ابن عباس- أن رسول اللَّه ﷺ قال: "لأن يمنح الرجل أخاه أرضه، خير له من أن يأخذ عليها خرجا معلوما". واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وقوله (وَرَوَاهُ أَبُو عَوَانَةَ، , عَنْ أَبيِ حَصِينِ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: قَالَ: عَنْ رَافِعٍ، مُرْسَلاً) أراد بهذا أن أبا حصين خالف عبد الكريم الجزريّ، فجعله منقطعًا، بإسقاط الواسطة بين مجاهد، ورافع، فقال: عن مجاهد، عن رافع، بينما هو جعله متّصلاً بذكر الواسطة، وهو ابن رافع بن خَدِيج، وإنما كانت رواية أبي حصين منقطعة؛ لأن مجاهدًا لم يلق رافع بن خديج ﵁، كما بُيّن في ترجمته من "تهذيب التهذيب" ٤/ ٢٦.
وقوله: "مرسلاً" حال من فاعل "قال"، ومراده بالمرسل المنقطع، وكثيرًا ما يستعمل المصنّف، وأبو داود الإرسال بمعنى الانقطاع، وهو مذهب بعض المحدّثين، وهو المعروف عند الأصوليين، قال في "الكوكب الساطع" مبيّنا تعريفه، وحكمه عندهم:
قَوْلُ سِوَى الصَّاحِبِ قَالَ: الْمُصْطَفَى … مُرْسَلُنَا ثُمَّ احْتِجَاجَهُ اقْتَفَى
ثَلَاَثةُ الأَئِمَّةِ الأَعْلَامُ … وَقِيلَ إِنْ أَرْسَلَهُ إِمَامُ
وَقِيلَ مِنْ أَهْلِ القُرُونِ الْخُرَّدِ (١) … وَقِيلَ أَقْوَى حُجَّةً مِنْ مُسْنَدِ
وَرّدُّهُ الأَقْوَى وَقَوْلُ الأَكْثَرِ … كَالشَّافِعِي وَأَهْلِ عِلْمِ الْخَبَرِ
هَذَا خُلَاصَةُ مَقَالِ الشَّافِعِي … فِي مُرْسَلٍ يقْبَلُهُ عَنْ تَابِعِي
وَهوَ لَدَى الْحُجَّةِ دُونَ الْمُتَّصِلْ … وَنَحْوُ مَا قَالَهُ أَيْضًا قَدْ نُقِلْ
عَنْ غَيْرِهِ مِنْ جُلِّ أَهْلِ الْعِلْمِ … كَنَجْلِ حَنْبَل حَلِيفِ الْحِلْمِ
ثم أورد المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- رواية أبي عوانة، عن أبي حَصِين، عن مجاهد، فقال:
٣٨٩٥ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ, قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ, عَنْ أَبِي حَصِينٍ, عَنْ مُجَاهِدٍ, قَالَ: قَالَ رَافِعُ بْنُ خَدِيجٍ: نَهَانَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , عَنْ أَمْرٍ, كَانَ لَنَا نَافِعًا, وَأَمْرُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَى الرَّأْسِ وَالْعَيْنِ, نَهَانَا أَنْ نَتَقَبَّلَ الأَرْضَ بِبَعْضِ خَرْجِهَا).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح.
و"أبو عوانة": هو الوضّاح بن عبد اللَّه اليشكريّ الواسطيّ. و"أبو حَصِين" -بفتح الحاء، وكسر الصاد المهملتين-: هو عثمان بن عاصم الأسديّ الكوفيّ.
وقوله: "وقول رسول اللَّه ﷺ " مبتدأ، خبره "على الرأس والعين"، وهو كناية عن قبوله، وتقديمه على ما تهواه أنفسهم، من النفع المظنون لهم.
وقوله: "أن نتقبّل الأرض": أي نُكريها. وقوله: "ببعض خَرْجها" -بفتح الخاء المعجمة، وسكون الراء: أي ما يخرج منها، من ثمر، وحبوب.
والحديث في إسناده انقطاع، لكن المتن صحيح بالأسانيد المتقدّمة والآتية. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وقول (تَابَعَهُ إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُهَاجِرٍ) الضمير لأبي حَصِين: يعني أن إبراهيم بن مهاجر تابع أبا حصين في إرسال هذا الحديث، كما بيّنه بقوله:
٣٨٩٦ - (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ سُلَيْمَانَ, عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ, قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ, عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُهَاجِرٍ, عَنْ مُجَاهِدٍ, عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ, قَالَ: مَرَّ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى أَرْضِ رَجُلٍ مِنَ الأَنْصَارِ, قَدْ عَرَفَ أَنَّهُ مُحْتَاجٌ, فَقَالَ: «لِمَنْ هَذِهِ الأَرْضُ؟» , قَالَ: لِفُلَانٍ أَعْطَانِيهَا بِالأَجْرِ, فَقَالَ: «لَوْ مَنَحَهَا أَخَاهُ» , فَأَتَى رَافِعٌ الأَنْصَارَ, فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , نَهَاكُمْ عَنْ أَمْرٍ, كَانَ لَكُمْ نَافِعًا, وَطَاعَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنْفَعُ لَكُمْ).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "أحمد بن سليمان": هو الرُّهَاويّ الثقة الحافظ.
و"عُبيد اللَّه": هو ابن موسى بن أبي الْمُختار باذام العبسيّ الكوفيّ الثقة الثبت.
و"إسرائيل": هو ابن يونس بن أبي إسحاق السبيعيّ الكوفيّ الثقة الثبت. و"إبراهيم بن مُهاجر": هو البجليّ الكوفيّ، صدوق، ليّن الحفظ [٥] ٦٨/ ٩٩٢.
وقوله: "وقد عرف أنه محتاج" أي عرف النبيّ ﷺ أن ذلك الرجل ذو حاجة وفقر،
стр. 15372
ولهذا قال: "لو منحها أخاه". وقوله: "لو منحها أخاه" جواب محذوف، أي لكان خيرًا له. وهذا يُفهم منه أنه ﷺ إنما قاله ترغيبًا لصاحب الأرض أن لا يأخذ عليها أجرًا، بل الأحسن له أن يدفعها لأخيه دون مقابل؛ لكون الرجل محتاجًا.
وقوله: "إن رسول اللَّه ﷺ نهاكم الخ" أي نهي تنزيه، لا نهي تحريم بدليل الأحاديث الآخر، كما تقدّم تحقيقه.
والحديث سبق القول فيه في الذي قبله. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٨٩٧ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى, وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ, قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ, قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ, عَنِ الْحَكَمِ, عَنْ مُجَاهِدٍ, عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ, قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الْحَقْلِ).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "محمد": هو ابن جعفر غندر. و"الحكم": هو ابن عُتيبة. وقوله: "عن الحقل" -بفتح، فسكون-: أي الزرع، والمراد به هنا كراء المزارع، وقد عرفت فيما سبق معنى النهي المذكور.
والحديث سبق القول فيه قريبًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٨٩٨ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ, عَنْ خَالِدٍ -وَهُوَ ابْنُ الْحَارِثِ- قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ, عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ, عَنْ مُجَاهِدٍ, قَالَ: حَدَّثَ رَافِعُ بْنُ خَدِيجٍ, قَالَ: خَرَجَ إِلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , فَنَهَانَا عَنْ أَمْرٍ, كَانَ لَنَا نَافِعًا, فَقَالَ: «مَنْ كَانَ لَهُ أَرْضٌ, فَلْيَزْرَعْهَا, أَوْ يَمْنَحْهَا, أَوْ يَذَرْهَا»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا. و"عبد الملك": هو ابن ميسرة الهلاليّ الزّرّاد، أبو زيد العامريّ الكوفيّ. والحديث فيه انقطاع، كما سبق قريبًا، لكن المتن صحيح بما سبق. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٨٩٩ - (أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ خَالِدٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ, قَالَ: حَدَّثَنِي شُعْبَةُ, عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ, عَنْ عَطَاءٍ, وَطَاوُسٍ, وَمُجَاهِدٍ, عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ, قَالَ: خَرَجَ إِلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , فَنَهَانَا عَنْ أَمْرٍ, كَانَ لَنَا نَافِعًا, وَأَمْرُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ خَيْرٌ لَنَا, قَالَ: «مَنْ كَانَ لَهُ أَرْضٌ, فَلْيَزْرَعْهَا, أَوْ لِيَذَرْهَا, أَوْ لِيَمْنَحْهَا».
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "عبد الرحمن بن خالد": هو القطّان الواسطيّ، ثم الرَّقّيّ، صدوق [١١] ٧/ ٧٥٣. و"حجاج": هو ابن محمد الأعور المصّيصيّ.
стр. 15373
و"عبد الملك": هو ابن ميسرة المذكور في السند الذي قبله. و"عطاء": هو ابن أبي رباح.
وقوله: "وطاوس، ومجاهدٍ" بالجرّ عطفًا على عطاء، فعبد الملك يروي عن الثلاثة.
والحديث صحيح، وإن كان في هذا الإسناد إنقطاع؛ لأن مجاهدًا لم يسمع من رافع،
كما سبق، وكذا عطاء، وطاوس، كما سينبّه عليه المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- قريبًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا, ونعم الوكيل.
وقوله (وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ طَاوُسًا لَمْ يَسْمَعْ هَذَا الْحَدِيثَ) أي من رافع بن خديج ﵁، كما بيّنته عبارة "الكبرى"، كما سيأتي.
وقوله: "مما يدلّ الخ" - جارّ ومجرور خبر مقدّمٌ لقوله: "أخبرني محمد بن عبد اللَّه الخ" بتقدير اسم موصول، أي ما أخبرني الخ، ويوضّح ذلك ما في "الكبرى"، ولفظه: "قال أبو عبد الرحمن: ومما يدلّ على أن طاوسًا لم يسمع هذا الحديث من رافع بن خديج أن محمد بن عبد اللَّه بن المبارك قال: حدثنا زكريا بن عديّ الخ.
وحذف الموصول، وإبقاء صلته جائز في العربية، كما في قول حسّان بن ثابت ﵁:
أَمَنْ يَهْجُو رَسُولَ اللَّهِ مِنْكُمْ … وَيَمْدَحُهُ وَيَنْصُرُهُ سَوَاءُ
والتقدير: ومن يمدحه، وليست جملة "يمدحه" معطوفةً على "يهجو" لفساد المعنى (١). واللَّه تعالى أعلم.
وغرض المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- بهذا الكلام بيان أن رواية طاوس المذكوة فيها انقطاع، كرواية مجاهد؛ لأنه لم يسمع هذا الحديث من رافع بن خديج ﵁ وإنما سمعه بواسطة.
ووجه استدلال المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- بالرواية الآتية على أن طاوسًا لم يسمع هذا الحديث من رافع ﵁ أن قول مجاهد له: اذهب إلى ابن رافع بن خديج، فاسمع منه الخ يدلّ على أنه لم يسمعه من رافع ﵁؛ لأنه لو سمع منه لما طلب منه مجاهد أن يسمعه من ابنه، فتبيّن أن هذه الرواية منقطعة. واللَّه تعالى أعلم.
ثم ساق -رحمه اللَّه تعالى- الرواية التي استدلّ بها على أن طاوسًا لم يسمع هذا الحديث من رافع ﵁، فقال:
٣٩٠٠ - (أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ, قَالَ: حَدَّثَنَا زَكَرِيَّا بْنُ عَدِيٍّ, قَالَ:
стр. 15374
حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ, عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ, قَالَ: كَانَ طَاوُسٌ يَكْرَهُ أَنْ يُؤَاجِرَ أَرْضَهُ بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ, وَلَا يَرَى بِالثُّلُثِ وَالرُّبُعِ بَأْسًا, فَقَالَ لَهُ مُجَاهِدٌ: اذْهَبْ إِلَى ابْنِ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ, فَاسْمَعْ مِنْهُ حَدِيثَهُ, فَقَالَ: إِنِّي وَاللَّهِ لَوْ أَعْلَمُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْهُ, مَا فَعَلْتُهُ, وَلَكِنْ حَدَّثَنِي مَنْ هُوَ أَعْلَمُ مِنْهُ, ابْنُ عَبَّاسٍ, أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إِنَّمَا قَالَ: «لأَنْ يَمْنَحَ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ أَرْضَهُ, خَيْرٌ مِنْ أَنْ يَأْخُذَ عَلَيْهَا خَرَاجًا مَعْلُومًا».
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ) المخرّميّ المذكور قريبًا.
٢ - (زَكَرِيَّا بْنُ عَدِيٍّ) بن الصلت التيمي مولاهم، أبو يحيى الكوفيّ، نزيل بغداد، ثقة جليل حافظ، من كبار [١٠] ٢٨/ ٥٥١.
٣ - (حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ) بن درهم الأزديّ الجهضميّ، أبو إسماعيل البصريّ، ثقة ثبت فقيه، من كبار [٨] ٣/ ٣.
٤ - (عمْرُو بْنُ دِينَارٍ) الأثرم الجمحيّ مولاهم، أبو محمد المكيّ، ثقة ثبت [٤] ١١٢/ ١٥٤.
٥ - (طَاوُسٌ) بن كيسان الحميريّ مولاهم، أبو عبد الرحمن اليمانيّ الفارسيّ، يقال: ذكوان، وطاوس لقبه، ثقة فقيه فاضل [٣] ٢٧/ ٣١.
٦ - (ابن عبّاس) عبد اللَّه - رضي اللَّه تعالى عنهما - ٢٧/ ٣١. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ. (ومنها): أن فيه ابن عبّاس - رضي اللَّه تعالى عنهما - من العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، روى (١٦٩٦) حديثًا. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ) الأثرم -رحمه اللَّه تعالى-، أنه (قَالَ: كَانَ طَاوُس) ابن كيسان -رحمه اللَّه تعالى- (يَكْرَهُ) بفتح أوله، من الكراهية (أَنْ يُؤَاجِرَ أَرْضَهُ بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَلَا يَرَى بالثُّلُثِ وَالرُّبُع بَأْسًا) ولعله حمل النهي على المؤاجرة بالذهب والفضّة، وأباح بالثلثَ والربع؛ لأنه ﷺ عامل أهلِ خيبر على شطر ما يخرج منها (فَقَالَ: لَهُ مُجَاهِدٌ: اذْهَبْ إِلَى ابْنِ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ) الظاهر إنما قاله له ذلك؛ لئلا يتعامل بالمزارعة؛ لأنه كان يُزارع، ومجاهد لا يرى ذلكَ، فأراد أن يقيم عليه الحجة في ذلك بما يسمعه من حديث
стр. 15375
رافع بن خديج ﵁ بواسطة ابنه.
وهذا الذي رواه عمرو بن دينار مما جرى لمجاهد مع طاوس وقع له مثله معه، فقد أخرج الشيخان واللفظ لمسلم من طريق سفيان بن عُيينة، عن عمرو بن دينار، وعبد اللَّه بن طاوس، عن طاوس، أنه كان يخابر، قال عمرو: فقلت له: يا أبا عبد الرحمن، لو تركت هذه المخابرة، فإنهم يزعمون أن النبيّ ﷺ ، نهى عن المخابرة؟، فقال: أي عمرُو، أخبرني أعلمهم بذلك -يعني ابن عبّاس- أن النبيّ ﷺ ، لم يَنْهَ عنها، إنما قال: "يمنح أحدكم أخاه، خير له من أن يأخذ عليها خرجا معلوما".
(فَاسْمَعْ مِنْهُ حَدِيثَهُ) أي الحديث الذي يحدّث به عن أبيه في النهي عن المخابرة، فإن المشهور في معنى المخابرة أنها المعاملة على الأرض ببعض ما يخرُج منها، فتدخل في النهي الصورة التي يتعامل بها طاوس، فأراد أن يسمع الحديث، فيترك تلك المعاملة.
(فَقَالَ) طاوس (إِنِّي وَاللَّهِ لَوْ أَعْلَمُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْهُ) أي عن هذا التعامل الذي أتعامله أنا في مؤاجرة الأرض (مَا فَعَلْتُهُ) هذا دليل على أن طاوسًا لم يصدّق بحديث النهي عن المخابرة على إطلاقه، وذلك لأنه يعتقد أن ابن عباس ﵄ أعلم من رافع بن خديج ﵁، فخديج وإن كان سمع ذلك إلا أنه أجراه على ظاهره، وابن عبّاس حمله على التنزيه، وهو أعلم منه، فيقدّم ما قاله، وقد سبق أن رافعًا ﵁ أيضًا قائل بهذا، على ما يدلّ عليه بعض رواياته، فتفطّن. واللَّه تعالى أعلم.
(وَلَكِنْ حَدَّثَني مَن هُوَ أَعْلَمُ مِنْهُ) أي من رافع بن خديج ﵁ الذي حدّث بالحديث على إطلاقه، ولم يقيده، ولم يفصّله. وقوله (ابْنُ عَبَّاسٍ) بالرفع بدل من "مَنْ هو"، أو عطف بيان له، ويجوز قطعه إلى الرفعِ بتقدير مبتدإ، أي هو ابن عبّاس، أو إلى النصب، أي أعني ابن عبّاس ﵄ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إِنَّمَا قَالَ) وفي رواية البخاريّ من طريق سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، قال: قلت لطاوس: لو تركت المخابرة، فإنهم يزعمون أن النبيّ ﷺ نهى عنه، قال: أي عمرُو، إني أُعطيهم وأُعِنيُهم، وإن أعلمهم أخبرني -يعني ابن عبّاس ﵄ أن النبيّ ﷺ ، لم ينه عنه، ولكن قال: "أن يمنح أحدكم أخاه، خير له من أن يأخذ عليه خَرْجًا معلومًا".
وقوله: "لم ينه عنه" أي عن إعطاء الأرض بجزء مما يخرُج منها, ولم يُرِد ابن عبّاس بذلك نفي الرواية المثبتة للنهي مطلقًا، وإنما أراد أن النهي الوارد عنه ليس على حقيقته، وإنما هو على الأولويّة. وقيل: المراد أنه لم ينه عن العقد الصحيح، وإنما نهى عن الشرط الفاسد، لكن قد وقع في رواية الترمذيّ: "أن النبيّ ﷺ لم يُحرّم المزارعة"،
стр. 15376
فيقوّي التأويل الأول. أفاده في "الفتح" (١).
("لَأَنْ يَمْنَح) بفتح اللام؛ لأنها لام ابتداء، و"يمنح" بفتح النون، وكسرها: أي يُعطي، قال الفيّوميّ: الْمِنْحَةُ بالكسر في الأصل: الشاة، أو الناقة، يُعطيها صاحبها رجلاً، يشرب لبنها، ثم يردّها إذا انقطع اللبن، ثم كثُر استعماله حتى أُطلق على كلّ عطاء، ومَنَحْتُهُ مَنْحًا، من بأبي نفع، وضرب: أعطيتُهُ، والاسم الْمَنِيحَةُ. انتهى.
والمؤوّل بالمصدر مبتدأ، خبره قوله: "خير"، فهو نظير قوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٤] (أَحَدُكُم أَخَاهُ أَرْضَهُ) "أخاه" مفعول أول لـ "يمنح"، و"أرضه" مفعوله الثاني (خَيْرٌ مِنْ أَنْ يَأْخُذَ عَلَيْهَا خَرَاجًا) بفتح الخاء المعجمة: أي أجرة، قال الفيّوميّ: الْخَرَاج، والْخَرَاجُ: ما يَحصُلُ من غلّة الأرض، ولذا أطلق على الجزية. انتهى (مَعْلُومًا) يعني أن إعطاءه الأرض لأخيه، لينتفع بها بدون عِوَضٍ أعظم أجرًا عند اللَّه تعالى من أخذه أجرًا معلومًا عليها. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المر جع، والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث ابن عبّاس ﵄ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٢/ ٣٩٠٠ - وفي "الكبرى" ١٤٦٠٠. وأخرجه (خ) في "المزارعة" ٢٣٣٠ و ٢٣٤٢ و"الهبة" ٢٦٣٤ (م) في "البيوع" ١٥٥٠ (د) في البيوع" ٣٣٨٩ (ت) في "الأحكام"١٣٨٥ (ق) في "الأحكام" ٢٤٥٦ و ٢٤٥٧ و ٢٤٦٢ و ٢٤٦٤ (أحمد) في "مسند بني هاشم" ٢٠٨٨. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): جواز المزارعة، لقول ابن عبّاس ﵄، كما في رواية الشيخين: "إن النبيّ ﷺ لم يَنْهَ عنه"، أي لم يحرّمه، كما صرّح الترمذيّ به في روايته. (ومنها): استحباب المواساة بمنح الأرض لمن لا يجدها بدون عوض؛ لقوله ﷺ : "لأن يمنح أحدكم أخا له أرضه الخ". (ومنها): أنه يدلّ على أن طاوسًا يرى ابن عبّاس ﵄ أعلم من رافع بن خَدِيج ﵁، وهو كذلك، فإنه كان يلقّب بالحبر والبحر؛ لسعة علمه بسبب دعوة النبيّ
стр. 15377
- ﷺ ، بقوله: "اللهم فقّهه في الدين، وعلمه التأويل"، كما رواه أحمد في "مسنده"، وقد بُين سببُ ذلك فيما رواه الشيخان عن ابن عبّاس ﵄، قال: إن النبيّ ﷺ ، أتى الخلاء، فوضعت له وَضُوءا، فلما خرج، قال: "من وضع هذا؟ "، قالوا: ابن عبّاس، قال: "اللَّهم فقهه في الدين". وفي رواية ابن ماجه في "سننه": قال: ضمّني رسول اللَّه ﷺ إليه، وقال: "اللهم علّمه الحكمة، وتأويل الكتاب". (ومنها): ما كان عليه السلف من التباحث في المسائل الفقهيّة، واحتجاج بعضهم على بعض؛ إرادة التوصّل إلى ظهور الحقّ، لا لحبّ المحمدة، والتعالي على الأقران. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وقول: (وَقَدِ اخْتُلِفَ عَلَى عَطَاءٍ فِي هَذَا الْحَدِيث) يعني أن الرواة اختلفوا على عطاء ابن أبي رباح في روايته لهذا الحديث (فَقَالَ: عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَيْسَرَةَ) العامريّ الزرّاد (عَنْ عَطَاء) بن أبي رباح (عَنْ رَافِعٍ) بن خديج ﵁ (وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُنَا لَهُ) أي في الرواية التي قبل هذه الرواية (وَقالَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ أَبيِ سُلَيْمَانَ , عَنْ عَطَاءٍ , عَنْ جَابِرٍ) يعني أن عبد الملك بن أبي سليمان خالف عبد الملك بن ميسرة الزّرّاد في هذا الحديث، فقال: عن عطاء، عن جابر بن عبد اللَّه ﵄، فجعله من مسند جابر ﵁ مخالفا له في جعله من مسند رافع بن خديج ﵁، كما بين ذلك بما ساقه بقوله:
٣٩٠١ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مَسْعُودٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ, قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ, عَنْ عَطَاءٍ, عَنْ جَابِرٍ, أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , قَالَ: «مَنْ كَانَ لَهُ أَرْضٌ, فَلْيَزْرَعْهَا, فَإِنْ عَجَزَ أَنْ يَزْرَعَهَا فَلْيَمْنَحْهَا أَخَاهُ الْمُسْلِمَ, وَلَا يُزْرِعْهَا إِيَّاهُ»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "إسماعيل بن مسعود": هو الْجَحْدَريّ، أبو مسعود البصريّ الثقة، من أفراد المصنّف. و"عبد الملك": هو ابن أبي سليمان ميسرة الْعَرْزَميّ الكوفيّ، صدوقٌ، له أوهام [٥] ٧/ ٤٠٦. واتّفق اسم أبيه مع اسم والد عبد الملك الزّرّاد المتقدِّم، لكن والد هذا مشهور بكنيته، بخلاف والد ذاك، فإنه لم يشتهر بكنية. و"عطاء": هو ابن أبي رباح. و" جابر": هو ابن عبد اللَّه بن عمرو بن حَرَام الأنصاريّ السُّلَميّ الصحابيّ ابن الصحابيّ ﵄.
وقوله: "فليزرعها" بفتح حرف المضارعة، أي ليزرعها بنفسه، لا بأجير يستأجره لزراعتها. وقوله: "ولا يُزرِعها" بضمّ حرف المضارعة، والمراد بالأخ الأخوّة الدينية، سواء كان معها نسبٌ، أم لا، أي لا يعطها أخاه مزارعة بالأجرة، وهذا النهي كما تقدّم محمول على التنزيه، إن كان بالثلث، والربع، أو بأجرة معلومة، وإن كان بشروط فاسدة، كأن يستثني صاحب الأرض بعضًا مما يخرج لنفسه، أو يدفعه بما على
стр. 15378
الماذْياناة، أو السواقي، فعلى التحريم؛ لاشتماله على شروط فاسدة، مضرّة بأحد الجانبين، وتمام شرح الحديث، وفوائده يُعلم مما سبق. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث جابر - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٢/ ٣٩٠١ و ٣٩٠٢ و ٣٩٠٣ و ٣٩٠٤ و ٣٩٠٥ و ٣٩٠٦ و ٣٩٠٧ و ٣٩٠١٨ و ٣٩٠٩ و ٣٩١٠ - وفي "الكبرى" ١/ ٤٦٠١ و ٤٦٠٢ و ٤٦٠٣ و ٤٦٠٤ و ٤٦٠٥ و ٤٦٠٦ و ٤٦٠٧ و ٤٦٠٨ و ٤٦٠٩ و ٤٦١٠. وأخرجه (خ) في "المزارعة" ٢٣٤٠ و"الهبة" ٢٦٣٢ و"المساقاة"٢٣٨١ (م) في "البيوع" ١٥٣٦ (ق) في "الرهون" ٢٤٥١. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٩٠٢ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ, قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى, قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ, عَنْ عَطَاءٍ, عَنْ جَابِرٍ, قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ كَانَتْ لَهُ أَرْضٌ, فَلْيَزْرَعْهَا, أَوْ لِيَمْنَحْهَا أَخَاهُ, وَلَا يُكْرِيهَا».
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا طريق آخر لرواية عبد الملك بن أبي سليمان في جعله الحديث عن عطاء، عن جابر ﵁. و"عمرو بن عليّ": هو الفَلاس. و"يحيى": هو ابن سعيد القطّان.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد سبق تمام البحث فيه في الحديث الماضي. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وقوله: (تَابَعَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَمْرٍو الأَوْزَاعِيُّ) يعني أن الأوزاعيّ تابع عبد الملك بن أبي سليمان في روايته لهذا الحديث عن عطاء، عن جابر ﵁، كما بيّنه بقوله:
٣٩٠٣ - (أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ, عَنْ يَحْيَى بْنِ حَمْزَةَ, قَالَ: حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِيُّ, عَنْ عَطَاءٍ, عَنْ جَابِرٍ, قَالَ: كَانَ لأُنَاسٍ فُضُولُ أَرَضِينَ, يُكْرُونَهَا بِالنِّصْفِ, وَالثُّلُثِ, وَالرُّبُعِ, فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ كَانَتْ لَهُ أَرْضٌ, فَلْيَزْرَعْهَا, أَوْ يُزْرِعْهَا, أَوْ يُمْسِكْهَا».
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "هشام بن عمّار": هو السلميّ الدمشقيّ الخطيب، صدوق، مقرىء، كبر، فصار يتلقّن، فحديثه القديم أصحّ، من كبار [١٠] ١٣٤/ ٢٠٢.
و"يحيى بن حمزة": هو أبو عبد الرحمن الدمشقيّ القاضي، ثقة رُمي بالقدر [٨] ٦٠/ ١٧٦٨. و"الأوزاعيّ": هو الإمام المشهور عبد الرحمن بن عمرو، أبو عمرو الفقيه الثقة
стр. 15379
الحجة الجليل [٧] ٤٥/ ٥٦.
وقوله: "فضول أرضين" "فضول":-بالضمّ-: جمع فضل، كفلس وفلوس: بمعنى زائد، يقال: خذ الفضل: أي الزيادة. وقوله: "أرضين" -بفتحتين-: جمع أرض: أي أراض فاضلة عن قدر ما يحتاجونه للزراعة. وقوله: "يُكرونها" بضمّ أوله، من الإكراء: أي يدفعونها لأناس آخرين بالأجرة.
والحديث أخرجه مسلم. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وقوله (وَافَقَهُ مَطَرُ بْنُ طَهْمَانَ) يعني أن مطر بن طهمان وافق عبد الملك بن أبي سليمان في روايته عن عطاء، عن جابر، كما تابعه على ذلك الأوزاعيُّ، والتعبير في الأوزاعيّ بالمتابعة، وفي مطر بالموافقة للتفنّن، ثم ساق موافقة مطر، بقوله:
٣٩٠٤ - (أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ مُحَمَّدٍ -وَهُوَ أَبُو عُمَيْرِ بْنُ النَّحَّاسِ- وَعِيسَى بْنُ يُونُسَ - هُوَ الْفَاخُورِيُّ- قَالَا: حَدَّثَنَا ضَمْرَةُ, عَنِ ابْنِ شَوْذَبٍ, عَنْ مَطَرٍ, عَنْ عَطَاءٍ, عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ, قَالَ: خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , فَقَالَ: «مَنْ كَانَتْ لَهُ أَرْضٌ, فَلْيَزْرَعْهَا, أَوْ لِيُزْرِعْهَا, وَلَا يُؤَاجِرْهَا»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "عيسى بن محمد، أبو عُمير بن النحاس" -بمهملتين- الزملي، ويقال: اسم جدّه عيسى، ثقة فاضل، من صغار [١٠] ٤١/ ١٦٨٨. و"عيسى بن يونس الفاخُوريّ": هو أبو موسى الرّمليّ، صدوق، ربّما أخطأ [١١] ٤٢/ ٣١٧٧.
و"ضمرة": هو ابن ربيعة الفِلسطينيّ، أبو عبد اللَّه، دمشقي الأصل، صدوقٌ يهم قليلًا [٩] ٤١/ ٢٦٨٨.
و"ابن شَوْذب": هو عبد اللَّه بن شَوْذَب الْبَلْخِيّ، أبو عبد الرحمن، سكن البصرة، ثم الشام، صدوقٌ عابد [٧].
قال أبو طالب عن أحمد: ابن شوذب من أهل بَلْخ، نزل البصرة، وسمع بها الحديث، وتفقّه، وكتب، ثم انتقل إلى الشام، فأقام بها، وكان من الثقات. وقال سفيان: كان ابن شَوْذب من ثقات مشايخنا. وقال أبو زرعة الدمشقيّ، عن أحمد: لا أعلم به بأسًا. وقال مرّةً: لا أعلم إلا خيرًا. وقال ابن معين، هو ابن عمّار، والنسائيّ: ثقة. وقال أبو حاتم: لا بأس به. وذكره ابن حبّان في "الثقات". وقال كثير بن الوليد: كنت إذا نظرت إلى ابن شَوْذب ذكرت الملائكة. ووثقه أيضًا ابن نُمير، والعجليّ. وأما ابن حزم، فقال: إنه مجهول. ولا التفات إلى قوله، فقد عرفه الأئمة الكبار: أحمد، هو ابن معين، وأبو حاتم، وغيرهم، فماذا بعد هؤلاء؟. ولد سنة (٨٦) ومات سنة (٦)
стр. 15380
أو أول (١٥٧) وقيل: سنة (٢٤٤). روى له البخاريّ في "الأدب المفرد"، والأربعة، وله في هذا الكتاب حديثان فقط: هذا، وحديث أنس بن مالك ﵁ في "كتاب القسامة" "باب القود" ٧/ ٤٧٣٠ - "أن رجلاً أتى بقاتل وليّه .... " الحديث.
و"مطر بن طهمان": هو الورّاق، أبو رجاء السلميّ مولاهم الْخُرَاسانيّ، سكن البصرة، صدوقٌ كثير الخطأ، وحديثه عن عطاء ضعيف [٦] ٣٨/ ٣٢٧٦.
والحديث أخرجه مسلم، ولا يضرّ كون مطرِ في إسناده، وقد ضُعّف في عطاء، كما مرّ آنفًا؛ لأنه تابعه غيره، كما مرّ. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٩٠٥ - (أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ, عَنْ يُونُسَ, قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ, عَنْ مَطَرٍ, عَنْ عَطَاءٍ, عَنْ جَابِرٍ, رَفَعَهُ: "نَهَى عَنْ كِرَاءِ الأَرْضِ").
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "محمد بن إسماعيل بن إبراهيم" الأسديّ المعروف أبوه بابن عُليّة، البصريّ، نزيل دمشق وقاضيها، ثقة [١١] ٢٢/ ٤٨٩.
و"يونس": هو ابن محمد: هو أبو محمد المؤدّب البغداديّ، ثقة ثبت، من صغار [٩] ١٥/ ١٦٣٢. و"حماد": هو ابن زيد (١). وتقدّم المراد بالنهي عن كراء الأرض، فلا تغفل.
والحديث أخرجه مسلم، كما سبق بيانه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وقوله: (وَافَقَهُ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عَبدِ الْعَزِيزِ بْنِ جُرَيجٍ عَلَى النَّهْي , عَنْ كِرَاءِ الأَرْضِ) يعني أن ابن جُريج وافق مطرًا الوراق عن عطاء، عن جابر ﵁ في النهي عن كراء الَأرض، وذلك لأن النهي عن المخابرة، والمحاقلة بمعنى النهي عن كراء الأرض، ثم ساق رواية ابن جريج بقوله:
٣٩٠٦ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ, قَالَ: حَدَّثَنَا الْمُفَضَّلُ, عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ, عَنْ عَطَاءٍ, وَأَبِي الزُّبَيْرِ, عَنْ جَابِرٍ, أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ : "نَهَى عَنِ الْمُخَابَرَةِ, وَالْمُزَابَنَةِ, وَالْمُحَاقَلَةِ, وَبَيْعِ الثَّمَرِ, حَتَّى يُطْعَمَ, إِلاَّ الْعَرَايَا").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (قتيبة) بن سعيد الثقفي، ثقة ثبت [١٠] ١/ ١.
стр. 15381
٢ - (المفَضَّل) بن فَضَالَة بن عُبيد بن ثُمامة الْقِتْبَانيّ، أبو معاوية المصريّ القاضي، ثقة عابد [٨] ٤٢/ ٥٨٦.
٣ - (ابن جريج) عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج الأمويّ مولاهم المكيّ، ثقة فقيه فاضل، لكنه يدلّس [٦] ٢٨/ ٣٢.
٤ - (عطاء) بن أبي رباح أسلم القرشيّ مولاهم، أبو محمد المكيّ، ثقة فقيه فاضل، لكنه كثير الإرسال [٣] ١١٢/ ١٥٤.
٥ - (أبو الزبير) محمد بن مسلم بن تدْرُس المكيّ، صدوق يدلّس [٤] ٣١/ ٣٥.
٦ - (جابر) بن عبد اللَّه بن عمرو بن حرام الصحابيّ ابن الصحابيّ - رضي اللَّه تعالى - عنهما ٣١/ ٣٥. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمكيين غير شيخه، فبَغْلَاني، وشيخ شيخه، فمصريّ. (ومنها): أن فيه جابرًا - رضي اللَّه تعالى عنه - من المكثرين السبعة، روى (١٥٤٠) حديثًا. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ جَابِرٍ) - رضي اللَّه تعالى عنه - (أَنَّ النَّبِيّ ﷺ : "نَهَى , عَنِ المُخَابَرَةِ) قال ابن الأثير: قيل: هي المزارعة على نصيب معين، كالثلث، والربع، وغيرهما، والْخُبْرة: النصيب. وقيل: هو من الْخَبَار: الأرض الليّنة. وقيل: أصل المخابرة من خيبر؛ لأن النبيّ ﷺ أقرّها في أيدي أهلها على النصف من محصولها، فقيل: خابرهم: أي عاملهم في خيبر. انتهى (١).
(وَالمُزَابَنَةِ) هي بيع الرُّطَب في رؤوس النخل بالتمر، وأصله من الزَّبْنِ، وهو الدّفْعُ، كأن كلّ واحد من المتبايعين يزبِنُ صاحبه عن حقّه بما يزداد منه، وإنما نُهي عنها؛ لما يقع فيها من الغبن، والجهالة. قاله ابن الأثير (٢).
(وَالْمُحَاقَلَةِ) قال ابن الأثير: المحاقلة مختلف فيها، قيل: هي اكتراء الأرض بالحنطة، هكذا جاء مفسّرًا في الحديث، وهو الذي يسمّيه الزرّاعون: المحارثة. وقيل: هي المزارعة على نصيب معلوم، كالثلث، والربع، ونحوهما. وقيل: هي بيع الطعام
стр. 15382
في سنبله بالبرّ. وقيل: بيع الزرع قبل إدراكه. وإنما نُهي عنها؛ لأنها من المكيل، ولا يجوز فيه إذا كان من جنس واحد، إلا مثلاً بمثل، ويدًا بيد، وهذا مجهولٌ، لا يُدرى أيهما أكثر. انتهى (١).
(وَبَيْعِ الثمَرِ، حَتَّى يُطْعَمَ) بالبناء للمفعول: أي حتى يصير صالحًا للأكل (إِلَّا الْعَرَايَا) جمع عَرِية، كعَطيّة، وعطايا، وهَديّة وهدايا، وقد فِسّرت بتفاسير. قال ابن الأثير -رحمه اللَّه تعالى-: اختُلف في تفسيرها، فقيل: إنه لَمّا نَهَى عن المزابنة، وهو بيع الثمر في رؤوس النخل بالتمر رَخّص في جملة المزابنة في العرايا، وهو أن من لا نخل له، من ذوي الحاجة يُدرك الرُّطَب، ولا نقد بيده يشتري به الرطب لعياله، ولا نخل له يُطعمهم منه، ويكون قد فضل له من قوته تمر، فيجيىء إلى صاحب النخل، فيقول له: بِعْني ثمر نخلة، أو نخلتين بِخَرْصها من التمر، فيُعطيه ذلك الفاضل من التمر بثمر تلك النخلات؛ ليُصيب من رُطَبها مع الناس، فرَخَّص فيه، إذا كان دون خمسة أوسق. والْعَريّة: فَعيلة بمعنى مفعولة، من عراه يعروه: إذا قصده. ويحتمل أن تكون فَعِيلة بمعنى فاعلة، من عَرِيَ يَعْرَى: إذا خلع ثوبه، كأنها عُرِّيت من جملة التحريم، فعَرِيت: أي خرجت. انتهى كلام ابن الأثير (٢).
وقال السنديّ: وظاهر هذا الاستثناء أن المراد ما يُعطيه صاحب المال لبعض الفقراء، من نخلة، أو نخلتين، ثم يثقُل عليه دخول الفقير في ماله كلّ يوم لخدمة النخلة، فيستردّ منه النخلة على أن يعطيه قدرًا من التمر في أوانه، ولا يناسب للحديث تفسير العريّة بنخلة يشتريها من يريد أكل الرطب، ولا نقد بيده، يشتريها به، فيشتريها بتمر بقي من قوته، إذ لا وجه للرخصة في الشراء قبل بدوّ الصلاح، بل هو أحوج إلى اشتراط بدوّ الصلاح من غيره، فكيف يُرخّص له في خلافه من غير حاجة، إلا أن يُجعل الاستثناء عن المزابنة، كما في سائر الأحاديث، وإن كان بعيدًا من هذا الحديث، فليُتأمّل. انتهى كلام السنديّ (٣).
وسيأتي تمام البحث في ذلك في "كتاب البيوع"، إن شاء اللَّه تعالى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
стр. 15383
حديث جابر - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا- ٢/ ٣٩٠٦ و ٣٩٠٧ و"البيوع" ٢٨/ ٤٥٢٣ و ٤٥٢٤ وفي "الكبرى" ١/ ٤٦٠٦ و ٤٦٠٧ و"البيوع" ٢٧/ ٦١١٤ و ٦١١٥. وأخرجه (خ) في "المزارعة" ٢٣٤١ و"المساقاة" ٢٣٨١ و"الهبة" ٢٦٣٣ (م) في "البيوع" ١٥٣٦ (د) في "البيوع" ٢٣٧٠ و ٢٣٧٣ (ق) في "التجارات" ٢٢١٦ و ٢٢٦٦ و"الأحكام" ٢٤٥١ و ٢٤٥٤ (أحمد) في "مسند المكثرين" ١٣٨٣٠ و ١٣٨٥٧ و ١٣٩٤٢ و ١٤٣٩٩ و ١٤٣٩٩ و٢٧٥٥ و ١٤٥٨٨ و ١٤٧٨٩ و ١٤٨٥٥٩ و ٢٦١٥. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وقوله (تَابَعَهُ يُونُسُ بْنُ عُبَيْدٍ) يعني أن يونس بن عُبيد العبديّ تابع ابن جُريج في رواية
هذا الحديث عن عطاء، عن جابر ﵁، كما بيّنه بقوله:
٣٩٠٧ - (أَخْبَرَنِي زِيَادُ بْنُ أَيُّوبَ, قَالَ: حَدَّثَنَا عَبَّادُ بْنُ الْعَوَّامِ, قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ حُسَيْنٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ عُبَيْدٍ, عَنْ عَطَاءٍ, عَنْ جَابِرٍ: "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنِ الْمُحَاقَلَةِ, وَالْمُزَابَنَةِ, وَالْمُخَابَرَةِ, وَعَنِ الثُّنْيَا إِلاَّ أَنْ تُعْلَمَ").
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "زياد بن أيوب": هو البغداديّ المعروف بدلّويه.
و"عبّاد بن العوّام" بن عمر بن عبد اللَّه بن المنذر بن مُصعب بن جَنْدل الكلابيّ مولاهم، أبو سهل الواسطيّ، ثقة [٨].
قال الحسن بن عَرَفة: سألني وكيع عنه أتحدّث عنه؟، فقلت: نعم قال: ليس عندكم أحد يشبهه. وقال الفضل بن زياد عن أحمد: كان يُشبه أصحاب الحديث. وقال الأثرم، عن أحمد: مضطرب الحديث عن سعيد بن أبي عروبة. وقال ابن معين، والعجليّ، وأبو داود، والنسائيّ، وأبو حاتم: ثقة. وقال ابن خِراش: صدوق. وذكره ابن حبّان في "الثقات"، ووثقه البزار. وقال القرّاب: وُلد سنة (١١٨). وقال ابن سعد: كان ثقة، وكان يتشيّع، فأخذه هارون، فحبسه، ثم خَلَّى عنه، فأقام ببغداد، ومات سنة (١٨٥)، وكذا أرّخه غير واحد. وقال حاتم بن الليث، عن سعيد بن سليمان: حدّثنا عناد العوّام، وكان من نبلاء الرجال في كلّ أمره، ومات سنة ستّ. وكذا أرخه أبو موسى الْعَنَزيّ، وأبو أميّة. وقال أسلم الواسطيّ: مات سنة (٨٧).
روى له الجماعة، وله عند المصنّف في هذا الكتاب ثمانية أحاديث: هذا الحديث، و ٢/ ٤٠٠٢ حديث ابن عبّاس في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا﴾ الآية [النساء: ٩٣]، و ٥٠/ ٤٥٧٨ حديث أبي بكرة ﵁: نهى رسول اللَّه ﷺ عن بيع الفضّة
стр. 15384
بالفضة … الحديث، و٦٠/ ٤٦١٢ حديث عبد اللَّه بن عمرو ﵄: أن رسول اللَّه ﷺ قال: "لا يحل سَلَف وبيع"، و ٧٤/ ٤٦٣٣ حديث جابر ﵁ أن النبيّ ﷺ نهى عن المحاقلة … " الحديث، و ٤٣/ ٤٨٤١ حديث عبد اللَّه بن عمرو قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "في الأسنان خمس من الإبل"، و ٧٩/ ٥٢٨٣ حديث أنس ﵁ أن النبيّ ﷺ كان يتختّم في يمينه، و ٣٧/ ٥٤٩٤ حديث أبي سعيد الخدريّ ﵁: كان رسول اللَّه ﷺ يتعوّذ من عين الجانّ. … " الحديث.
و"سفيان بن حسين": هو الواسطيّ، ثقة في غير الزهريّ باتفاقهم [٧] ٤١/ ١٧١٦.
و"يونس بن عُبيد": هو العبديّ، أبو عبيد البصريّ، ثقة ثبت فاضل ورع [٥] ٨٨/ ١٠٩.
وقوله: "وعن الثُّنْيَا إلا أن تُعلَم": "الثنيا" -بضمّ المثلثة، وسكون النون، مقصورًا، كالدنيا: اسم من الاستثناء، و"تُعلم" بالبناء للمفعول: أي ونهى النبيّ ﷺ عن استثاء شيء مجهول؛ لأنه يؤدي إلى النزاع، وكذلك لا يجوز استثناء قيل معلوم؛ لأنه قد لا يبقى بعده شيء.
والحديث صحيح، كما سبق بيانه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وقوله (وَفِي رِوإيَةِ هَمَّامِ بْنِ يَحْيَى كَالدَّلِيلِ عَلَى أَنَّ عَطَاء لَمْ يَسْمَعْ من جَابِر حَدِيثَهُ , عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مَنْ كَانَ لَهُ أُرْضٌ فَلْيَزرَعْهَا) هذا الكلام من المصنّف مشكلٌ؛ لأنه ثبت حديث عطاء، عن جابر ﵁ في "الصحيحين"، وغيرهما، كما سيتّضح قريبًا، إن شاء اللَّه تعالى. ثم ذكر رواية همّام التي أشار إليها بقوله:
٣٩٠٨ - (أَخْبَرَنِي أَحْمَدُ بْنُ يَحْيَى, قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا هَمَّامُ بْنُ يَحْيَى, قَالَ: سَأَلَ عَطَاءً سُلَيْمَانُ بْنُ مُوسَى, قَالَ: حَدَّثَ جَابِرٌ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , قَالَ: «مَنْ كَانَتْ لَهُ أَرْضٌ, فَلْيَزْرَعْهَا, أَوْ لِيُزْرِعْهَا أَخَاهُ, وَلَا يُكْرِيهَا أَخَاهُ».
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "أحمد بن يحيى": هو الأوديّ، أبو جعفر الكوفيّ العابد الثقة [١١] ٣٨/ ١٢٧٤ من أفراد المصنّف. و"أبو نعيم": هو الفضل بن دُكين.
و"همام بن يحيى": هو العوذيّ البصريّ. و"سليمان بن موسى": هو الأشدق الدمشقيّ، صدوق في حديثه بعض لين، وخولط قبل موته بقليل [٥] ٧/ ٥٠٤.
هكذا ساق المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- هنا، وفي "الكبرى" ٣/ ٩٢ رقم ٤٦٠٠ - هذه الرواية وهي بعكس رواية مسلم في "صحيحه"، فقد أخرجه من الوجه الذي أخرجه المصنّف، ودونك ولفظه، قال -رحمه اللَّه تعالى-:
حدثنا شيبان بن فَرُّوخَ، حدثنا همام، قال: سأل سليمان بن موسى عطاءً، فقال:
стр. 15385
أحدثك جابر بن عبد اللَّه، أن النبي ﷺ ، قال: "من كانت له أرض، فليزرعها، أو ليزرعها أخاه، ولا يُكرِها"؟ قال: نعم.
فهذا صريح في أن السائل هو سليمان بن موسى، والمسؤول هو عطاء، بخلاف رواية المصنّف، فإنه بالعكس، والذي يظهر لي أن رواية المصنّف مقلوبة، والدليل على ذلك أن الحديث أخرجه الشيخان، من رواية عطاء، عن جابر، فأخرجه البخاريّ في "الحرث والمزارعة"
٢٣٤٠ - حدثنا عبيد اللَّه بن موسى أخبرنا الأوزاعي، عن عطاء، عن جابر ﵁، قال: كانوا يزرعونها بالثلث، والربع، والنصف، فقال النبي ﷺ : "من كانت له أرض فليزرعها، أو ليمنحها، فإن لم يفعل فليمسك أرضه".
وفي "كتاب الهبة، وفضلها" قال:
٢٦٣٢ - حدثنا محمد بن يوسف، حدثنا الأوزاعيّ، قال: حدثني عطاء، عن جابر ﵁، قال: كانت لرجال منا فُضول أرضين، فقالوا: نؤاجرها بالثلث، والربع، والنصف؟، فقال النبيّ ﷺ : "من كانت له أرض فليزرعها، أو ليمنحها أخاه، فإن أبى فليمسك أرضه".
وأخرجه مسلم من عدّة طرق، عن عطاء، عن جابر ﵁، فأخرجه من رواية مطر الوراق، والأوزاعيّ، وبُكيبر بن الأخنس، وعبد الملك بن ميسرة، أربعتهم، عن عطاء، عن جابر ﵁.
وقد صرّح عطاء بالسماع في رواية ابن ماجه، ولفظه:
٢٤٥١ - حدثنا عبد الرحمن بن إبراهيم الدمشقيّ، حدثنا الوليد بن مسلم، حدثنا الأوزاعيّ، حدثني عطاء، قال: سمعت جابر بن عبد اللَّه، يقول: كانت لرجال منا فضول أرضين، يؤاجرونها على الثلث والربع، فقال النبيّ ﷺ : "من كانت له فضول أرضين فليزرعها، أو ليزرعها أخاه، فإن أبى فليمسك أرضه".
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الحاصل أن سماع عطاء لهذا الحديث من جابر بن عبد اللَّه ﵁، مما لا شكّ فيه، ولا ارتياب، والذي يظهر لي أن رواية المصنّف دخلها القلب، من بعض رواتها، أو منه -فسبحان من لا يسهو، ولا يغفل- فجعل السائل عطاءً، والمسؤول سليمان بن موسى، فاستنبط منه المصنّف أن رواية عطاء المتقدّمة منقطعة؛ لأنه إنما سمعها من سليمان بن موسى الأشدق، هذا الذي يفهم من كلامه.
ولكن كيف ساغ له ذلك؟ وسليمان عن جابر منقطع؛ لأنه لم يسمع منه، كما صرّح بذلك ابن معين، وغيره، كما ذكره في ترجمته من "تهذيب التهذيب" ٢/ ١١١ - ١١٢ -
стр. 15386
وهذا الحديث اتفق أصحاب الصحاح، وغيرهم على تخريجه؟.
والحاصل أن الحديث صحيح متصل بسماع عطاء، من جابر بن عبد اللَّه ﵁، وأن قول المصنّف هذا فيه نظر من وجوه:
١ - اتفاق الشيخين على إخراج الحديث في "صحيحيهما، من رواية عطاء، عن جابر بن عبد اللَّه ﵄.
٢ - أن الفضّة المذكورة بعكس ما قصّه مسلم في "صحيحه".
٣ - أنه لو سُلّم ما قاله للزم عدم اتصال الحديث بوجه من الوجوه؛ لأن سليمان بن موسى لم يسمع من جابر ﵁، ولا حديثًا واحدًا كما تقدّم، بخلاف عطاء، فإنه ممن سمع منه غير هذا الحديث، وأكثر الرواية عنه، ففي الكتب الستة من روايته عنه ثمانية وستون حديثًا، راجع "تحفة الأشراف" -٢/ ٢٢٠ - إلى ص ٢٤٦ - هذا بالنسبة للكتب الستة، فما بالك إذا ضمّت رواياته التي في غيرها من الكتب الحديثية. ولم أرَ من تعرّض لكلام المصنّف هذا، واللَّه تعالى المستعان.
والحديث أخرجه مسلم، وسبق تمام البحث فيه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وقوله: (وَقَدْ رَوَى النَّهْيَ , عَنِ الْمُحَاقَلَةِ يَزِيدُ بْنُ نُعَيْمٍ , عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ) أراد -رحمه اللَّه تعالى- بهذا أن يزيد تابع عطاء في رواية هذا الحديث عن جابر ﵁، كما بيّنه بقوله:
٣٩٠٩ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِدْرِيسَ, قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو تَوْبَةَ, قَالَ: حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ سَلاَّمٍ, عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ, عَنِ يَزِيدَ بْنِ نُعَيْمٍ, عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ, أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ : نَهَى عَنِ الْحَقْلِ, وَهِيَ الْمُزَابَنَةُ).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "محمد بن إدريس": هو الحنظليّ، أبو حاتم الرازيّ الحافظ الناقد، إمام الجرح والتعديل [١١] ١١٢/ ٢٨٧٩.
و"أبو توبة": هو الربيع بن نافع الحلبي، نزيل طَرَسُوس، ثقة حجة عابد [١٠]. قال أبو حاتم: ثقة صدوقٌ حجة. وقال يعقوب بن شيبة: ثقة صدوق. وقال الأثرم: سمعت أبا عبد اللَّه، وذكر أبا توبة، فأثنى عليه، وقال: لا أعلم إلا خيرًا. وقال النسائيّ: أخبرنا سليمان بن الأشعث، سمعت أحمد يقول: أبو توبة لم يكن به بأس، كان يجيئني. وذكره ابن حبّان في "الثقات". وقال الآجريّ، عن أبي داود: أبو توبة كان يحفظ الطوال، يجىء بها، ورأيته يمشي حافيًا، وعلى رأسه طويلة، وكان يقال: إنه من الأبدال. وقال يعقوب بن سفيان: لا بأس به، ومات سنة (٢٤١). روى له الجماعة،
стр. 15387
سوى الترمذيّ، وله عند المصنّف في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا، وفي ٥٠/ ٤٥٧٩ - في "البيوع " حديث أبي بكرة ﵁: "نهانا رسول اللَّه ﷺ أن نبيع الفضّة بالفضّة … " الحديث.
و"معاوية بن سَلاّم": هو أبو سلّام الدمشقيّ، وكان يسكن حمص، ثقة [٧] ١٣/ ١٤٧٩.
و"يحيى بن أبي كثير" صالح بن المتوكّل الطائيّ مولاهم، أبو نصر اليماميّ، ثقة ثبت، يدلّس [٥] ٢٣/ ٢٤.
و"يزيد بن نُعيم" بن هَزّال الأسلميّ، مقبول [٥].
روى عن أبيه، وجدّه، ويقال: مرسل، وجابر، ويقال: لم يسمع منه، والصحيح أنه متصل، وقع التصريح بسماعه منه عند مسلم، وقال البخاريّ: سمع من جابر. وعنه زيد بن أسلم من أقرانه، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، وهو أكبر منه، ويحيى بن أبي كثير، وغيرهم. ذكره ابن حبّان في "الثقات". روى له مسلم، وأبو داود، والمصنّف، له عند مسلم، والمصنّف هذا الحديث فقط، وله عند أبي داود ثلاثة أحاديث.
وقوله: "نهى عن الحَقْل، وهي المزابنة"، هذا في رواية المصنّف أن الحقل هي المزابنة، وهي مخالفة لتفسير جابر ﵁ في رواية مسلم، فقد أخرجه من الوجه الذي أخرجه منه المصنّف، ودونك نصّه:
وحدثنا الحسن الحلواني، حدثنا أبو توبة، حدثنا معاوية، عن يحيى بن أبي كثير، أن يزيد بن نعيم أخبره، أن جابر بن عبد اللَّه أخبره، أنه سمع رسول اللَّه ﷺ ، ينهى عن المزابنة، والحقول، فقال جابر بن عبد اللَّه: المزابنة الثمر بالتمر، والحقول كراء الأرض.
فهذه الرواية صريحة أن الحقل غير المزابنة، وهذا التفسير هو المشهور، فقد ثبت في حديث عبد اللَّه بن عمر، ﵄: أن رسول اللَّه ﷺ ، نهى عن المزابنة، والمزابنة اشتراء الثمر بالتمر كيلا، وبيع الكرم بالزبيب كيلا. متّفق عليه. وفي حديث أبي سعيد الخدريّ، ﵁، أن رسول اللَّه ﷺ ، نهى عن المزابنةُ، والمحاقلة، والمزابنةُ اشتراءُ الثمر بالتمر في رءوس النخل.
والحاصل أن التفسير الذي في رواية مسلم هو المشهور في غير حديث جابر ﵁، وسنعود إلى تمام البحث فيه في "كتاب البيوع"، إن شاء اللَّه تعالى.
والحديث أخرجه مسلم، كما مرّ آنفًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
стр. 15388
وقوله (خَالَفَهُ هِشَامٌ، وَرَوَاهُ عَنْ يَحيَىَ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ جَابِرٍ) يعني أن هشام بن أبي عبد اللَّه الدستوائيّ خالف معاوية بن سلّام في إسناد هذا الحديث، فرواه عن يحيى ابن أبي كثير، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، عن جابر بن عبد اللَّه ﵄، لكن هذه المخالفة لا تضرّ، ولذلك أخرجه مسلم من الطريقين، وإن كان في لفظ المتن اختلاف، ثم ساق رواية هشام بقوله:
٣٩١٠ - (أَخْبَرَنَا الثِّقَةُ, قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ مَسْعَدَةَ, عَنْ هِشَامِ بْنِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ, عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ, عَنْ أَبِي سَلَمَةَ, عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ, أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ , نَهَى عَنِ الْمُزَابَنَةِ, وَالْمُخَاضَرَةِ, وَقَالَ: «الْمُخَاضَرَةُ: بَيْعُ الثَّمَرِ قَبْلَ أَنْ يَزْهُوَ, وَالْمُخَابَرَةُ: بَيْعُ الْكَرْمِ بِكَذَا وَكَذَا صَاعٍ).
قاَلَ الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قوله: "أخبرنا الثقة" هذا الثقة لم يتبيّن لي من هو؟، فإن المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- روى لحماد بن مسعدة في ثمانية مواضع من هذا الكتاب، فكلّها نصّ على اسم من روى عنه، إلا في هذا الموضع، فقد روى برقم ١٠٤٠ عن عُبيد اللَّه بن سعيد السرخسيّ، عنه، وفي ٣٤٤٦ عن إسحاق بن إبراهيم ابن راهويه، عنه، وفي ٣٨٥٢ عن إسحاق، عنه أيضًا، وفي ٤٠٦٦ عن محمد بن بشّار، عنه، وفي ٤٦٧٩ عن هارون بن عبد اللَّه، عنه، وفي ٥١٨٣ عن عُبيد اللَّه بن سعيد المتقدِّم، عنه، وفي ٥٤٨٩ عن عبد اللَّه بن محمد بن عبد الرحمن، فهولاء هم الذين روى عنهم حديث حماد بن مسعدة، فيحتمل أن يكون أحد هؤلاء، ويحتمل أن يكون غيره ..
[تنبيه]: اختلف العلماء في قبول التعديل على الإبهام، من غير تسمية المرويّ عنه، كقول الشافعيّ -رحمه اللَّه تعالى-: أخبرنا الثقة، وكذلك قول المصنّف المذكور هنا:
فقال أبو بكر الصيرفيّ، والخطيب البغداديّ: لا يُقبل؛ لجواز أن يكون فيه جرحٌ لم يَطلع عليه قائل ذلك، وصححه النوويّ، قال: وقد وَصَفَ مالك بذلك عبدَ الكريم بن أبي المخارق، وهو ضعيف؛ لخفاء حاله عليه.
وقيل: يُقبل مطلقًا، كما لو عيّنه؛ لأنه مأمون في الحالتين، واختار إمام الحرمين القبول، إن وقع من إمام عارف بأسباب "الجرح والتعديل" والاختلافِ في ذلك، ورجّحه الرافعي في "شرح مسند الشافعيّ".
ولم يَحْكِ ابن الصلاح، والنوويّ هذا القول على هذا الوجه، بل حكياه على وجه أن قائل ذلك إن كان مجتهدًا قُبل في حقّ مقلّديه، دون غيرهم بأن يذكر لأصحابه قيام الحجة عنده على الحكم، وقد عَرَفَ هو من روى عنه، وعلى هذا الوجه تكون الأقوال
стр. 15389
ثلاثة، وعلى التقرير الأول قولان فقط؛ لأنه لا قائل بالقبول من غير عارف بأسباب الجرح والتعديل.
وكذا اختلفوا لو قال: حدّثني من لا أتهم، كما يقع ذلك في عبارة الشافعي، وغيره، فقال ابن السبكيّ: هو كقوله: أخبرنا الثقة، فيكون مقبولًا في قول، وغير مقبول في قول آخر. وقال الذهبيّ: ليس توثيق أصلا؛ لأنه نفيٌ للتهمة من غير تعرّض لإتقانه، وكونه حجة. قال ابن السبكيّ: وهذا صحيح، غير أن هذا إذا وقع من الشافعيّ محتجًّا به على حكم في دين اللَّه، فهو والتوثيق سواء في أصل الحجة، وإن كان مدلوله لا يزيد على ما ذكره الذهبيّ، فمن ثمّ خالفناه في مثل الشافعيّ، أما من ليس مثله، فالأمر كما قال. انتهى.
وإلى هذا أشار في "الكوكب الساطع"، حيث قال:
وَالوَصْفُ مِنْ كَالشَّافِعِيِّ بِالثِّقَة … عِنْدَ إِمَامِ الحَرَمَيْنِ تَوْثقَهْ
وَقِيلَ لَا وَمِثْلُهُ لَا أَتَّهِمْ … وَالذَّهَبِيُّ لَيْسَ تَوْثِيقًا نَسِمْ (١)
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الذي يظهر لي أن مثل المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- يُقبل تعديله على الابهام؛ لأنه لا يتساهل في الجرح والتعديل, فالحقّ قبول تعديله على الإبهام. واللَّه تعالى أعلم.
وقوله: "المخاضرة": قال ابن الأثير: "المخاضرة": هي بيع الثمار خَضْرًا، لم يبد صلاحها. انتهى. وهي معنى قوله: بيع الثمر قبل أن يزهو،: يقال: زها النخل يزهو: إذا ظهرت ثمرته، وأزهى يُزهي: إذا اصفرّ، واحمرّ. وقيل: هما بمعنى الاحمرار والاصفرار. ومنهم من أنكر يزهُو، ومنهم من أنكر يزهي. قاله ابن الأثير (٢).
وقال الفيّوميّ: زها النخل يَزهُو زَهْوًا، والاسم الزُّهُوُّ بالضمّ: ظهرت الحمرة والصفرة في ثمره. وقال أبو حاتم: وإنما يُسمّى زَهْوًا إذا خَلَصَ لون الْبُسْرة في الحمرة، أو الصفرة، ومنهم من يقول: زها النخل: إذا نبت ثمره، وأزهى: إذا احمّر، أو اصفرّ، وزها النبت يزهو زَهْوًا: بلغ. انتهى.
وقوله؛ "بيع الكرم الخ": أي بيع العنب الذي على رؤوس الكرم بالزبيب الذي في البيت مثلاً.
والحديث صحيح. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو
стр. 15390
حسبنا، ونعم الوكيل.
وقوله (خَالَفَهُ عُمَرُ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ فَقَالَ: عَنْ أَبِيهِ, عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ,) يعني أن عمر بن أبي سلمة خالف يحيى بن أبي كثير، فجعله عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁، وهذا الاختلاف أيضًا لا يضرّ بصحّة الحديث، فإنه صحيح بالطريقين، فالحديث ثابت من حديث جابر، وأبي هريرة ﵄، عند الشخين، وغيرهما من عدّة طرق، فتنبّه.
[تنبيه]: وقع في نسخ "المجتبى"، و"الكبرى" عمرو بفتح العين، بدل عُمر بضمّها، وهو تصحيف فاحش، فتنبّه. واللَّه تعالى أعلم.
ثم ساق رواية عمر بن أبي سلمة بقوله:
٣٩١١ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ, قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ, قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ, عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ, عَنْ عُمَرَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ, عَنْ أَبِيهِ, عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , عَنِ الْمُحَاقَلَةِ, وَالْمُزَابَنَةِ).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "عبد الرحمن": هو ابن مهديّ. و"سفيان": هو الثوريّ. و"سعد بن إبراهيم": هو الزهريّ المدنيّ القاضي.
و"عمر بن أبي سلمة" بن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ، قاضي المدينة، صدوقٌ يُخطىء [٦].
قال ابن سعد: كان كثير الحديث، وليس يُحتجّ بحديثه. وقال ابن المدينيّ، عن يحيى بن سعيد: كان شعبة يُضعّف عمر بن أبي سلمة. وقال أبو قُدامة: قلت لابن مهديّ: إن شعبة أدركه، ولم يحمل عنه، قال: أحاديثه واهية. وقال ابن أبي خيثمة: سألت أبي عنه؟ فقال: صالح إن شاء اللَّه، وكان يحيى بن سعيد يختار محمد بن عمرو عليه. وقال أحمد: لم يسمع شعبة منه شيئًا. وقال ابن المدينيّ: تركه شعبة، وليس بذاك. وقال ابن معين: ليس به بأس. وفي رواية: ضعيف الحديث. وقال أبو حاتم: هو عندي صالح صدوقٌ في الأصل، ليس بذاك القويّ، يُكتب حديثه، ولا يُحتجّ به، يُخالف في بعض الشيء. وقال العجليّ: لا بأس به. وقال الجُوزجانيّ: ليس بقويّ في الحديث. وقال النسائيّ: ليس بالقويّ. وقال ابن خزيمة: لا يُحتجّ بحديثه. وقال ابن شاهين في "الثقات": قال أحمد بن حنبل: هو صالح ثقة، إن شاء اللَّه. وقال البخاريّ في "التاريخ": صدوقٌ إلا أنه يُخالف في بعض حديثه. وذكره الْبَرْقيّ في "باب من احتُمل حديثه من المعروفين"، قال: وأكثر أهل العلم بالحديث يُثَبِّتونه. وقال ابن عديّ: حسن الحديث، لا بأس به. وقال الدُّوريّ: سألت ابن معين عن حديث من حديثه؟، فقال: صحيح، وسألته عن آخر، فاستحسنه. وحكى ابن أبي خيثمة أن ابن
стр. 15391
معين ضعّفه، رواه هُشيم عنه. وذكره ابن حنان في "الثقات"، وقال: قدِم واسط، فكتب عنه هشيم، وأبو عوانة، وكان على قضاء المدينة، قيَّده عبد اللَّه بن عليّ بالشام سنة (١٣٢) وكذا ذكر ابن سعد، وخليفة، وفي رواية عن خليفة: قُتل سنة (١٣٣) والصحيح الأول
روى له الجماعة، وله عند المصنّف في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا، و ١٦/ ٤٩٨٠ - : حديث أبي هريرة ﵁، مرفوعًا: "إذا سرق العبد، فبعه، ولو بِنَشٍّ"، وقال: قال أبو عبد الرحمن: عمر بن أبي سلمة ليس بالقويّ في الحديث. انتهى.
والحديث أخرجه مسلم، ٣٩١٠ - من رواية أبي صالح، عن أبي هريرة ﵁، وقد سبق القول فيه قريبًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وقوله (خَالَفَهُمَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، فَفَالَ: عَنْ أَبي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ) يعني أن محمد ابن عمرو بن علقمة بن وقّاص الليثيّ المدنيّ، خالف كلًّا من يحيى بن أبي كثير، وعمر ابن أبي سلمة، فرى الحديث عن أبي سلمة، عن أبي سعيد الخدريّ ﵁، وهذا الاختلاف أيضًا لا يضرّ؛ لأن محمد بن عمرو لم يتفرد به، بل تابعه أبو سفيان، مولى ابن أبي أحمد، فرواه عن أبي سعيد الخدريّ ﵁، أخرجه الشيخان به، فأخرجه البخاريّ في "البيوع" ٢١٨٦ ومسلم في "البيوع" من هذا الوجه.
والحاصل أنَّ حديث أبي سعيد ﵁ هذا متّفقٌ عليه. واللَّه تعالى أعلم، ثم ساق رواية محمد بن عمرو، فقال:
٣٩١٢ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ, قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى -وَهُوَ ابْنُ آدَمَ- قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحِيمِ, عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو, عَنْ أَبِي سَلَمَةَ, عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ, قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الْمُحَاقَلَةِ, وَالْمُزَابَنَةِ).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح. "عبد الرحيم": هو ابن سليمان الكنانيّ، أو الطائيّ، أبو عليّ الأشلّ المروزيّ، نزيل الكوفة، ثقة، له تصانيف، من صغار [٨] ٥٧/ ٢٣٠٥. والحديث متّفقٌ عليه من رواية أبي سفيان، عن أبي سعيد ﵁، كما مرّ أنفًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وقوله (خَالَفَهُمُ الأَسْوَدُ بْنُ الْعَلَاءِ، فَقَالَ: عَنْ أَبِى سَلَمَةَ، عَنْ رَافِع بْنِ خَدِيجٍ) يعني أن الأسود بن العلاء بن جارية الثقفيّ، خالف الثلاثة: يحيى بن أبي كثير، وعمر بن أبي سلمة، ومحمد بن عمرو, فرواه عن أبي سلمة، عن رافع بن خديج ﵁، وهذا
стр. 15392
الاختلاف أيضًا لا يضرّ؛ فإن الحديث ثابت عن رافع بن خديج ﵁ من عدّة طرق عند الشيخين، وغيرهما، كما تقدّم بيانه في -٢/ ٣٨٩٠ - فتنبّه. واللَّه تعالى أعلم.
ثم ساق رواية الأسود بن العلاء، بقوله:
٣٩١٣ - (أَخْبَرَنَا زَكَرِيَّا بْنُ يَحْيَى, قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ, قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حُمْرَانَ, قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ جَعْفَرٍ, عَنِ الأَسْوَدِ بْنِ الْعَلَاءِ, عَنْ أَبِي سَلَمَةَ, عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ, أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنِ الْمُحَاقَلَةِ, وَالْمُزَابَنَةِ).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "زكريا بن يحيى": هو السِّجْزيّ الحافظ المعروف بخيّاط السنّة.
و"محمد بن يزيد بن إبراهيم": هو محمد بن سعيد بن يزيد بن إبراهيم -نُسب لجده- أبو بكر التُّستريُّ، نزيل البصرة، مقبول، من صغار [١٠].
روى عن أبي قُتيبة، ومعاذ بن هشام، وعبد اللَّه بن حُمْران، وغيرهم. وعنه ابن ماجه، وأبو بكر البزار، وزكريا السجزيّ، وجماعة. ذكره ابن حبّان في "الثقات". روى له المصنّف، وابن ماجه، وله عند المصنّف حديث الباب فقط.
و"عبد اللَّه بن حُمران" -بضمّ المهملة، وسكون الميم- ابن عبد اللَّه بن حُمران بن أبان الأُمويّ مولاهم، أبو عبد الرحمن البصريّ، صدوقٌ يُخطىء قليلاً [٩].
قال ابن معين: صدوق صالح. وقال أبو حاتم: مستقيم الحديث صدوقٌ. وذكره ابن حبّان في "الثقات"، وقال: يُخطىء. وقال الدارقطنيّ: ثقة. وقال ابن شاهين: شيخٌ ثقةٌ مُبرِّرٌ. وقال ابن أبي عاصم: مات سنة (٢٠٦) وقال غيره: سنة (٥). علّق له البخاريّ، وأخرج له مسلم، وأبو داود، والمصنّف، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط.
[تبيه]: وقع في معظم نسخ "المجتبى"، والكبْرى" "عبيد اللَّه بن حمران"، مصغّرًا، بدل "عبد اللَّه" مكبّرًا، وهو تصحيف، والصواب عبد اللَّه مكبّرًا، وهو الذي في النسخة الهندية، و"تُحفة الأشراف"، و"التقريب"، و"تهذيب التهذيب". فتنبّه. واللَّه تعالى أعلم.
والحديث صحيحٌ، كما سبق الكلام فيه قريبًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وقوله (رَوَاهُ القَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ) يعني أن القاسم بن محمد بن أبي بكر الصدّيق روى هذا الحديث عن رافع بن خديج ﵁، كما رواه أبو سلمة وغيره عنه.
стр. 15393
[تنبيه]: تعبيره بقوله: (وقد رواه، مثل تعبيره فيما مضى تارة بتابعه، وتارة بوافقه، وهو من التفنّن بالعبارة، فكلها تعتبر متابعة، واللَّه تعالى أعلم.
ثم ساق المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- روايته بقوله:
٣٩١٤ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ, قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ مُرَّةَ, قَالَ: سَأَلْتُ الْقَاسِمَ, عَنِ الْمُزَارَعَةِ, فَحَدَّثَ عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ, أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنِ الْمُحَاقَلَةِ, وَالْمُزَابَنَةِ").
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح.
و"أبو عاصم": هو الضّحّاك بن مَخلَد النبيل البصريّ.
و"عثمان بن مُرّة" البصريّ، مولى قريش، لا بأس به [٧].
قال ابن معين: صالح. وقال أبو زرعة: لا بأس به. وقال أبو حاتم: يُكتب حديثه. وذكره ابن حبّان في، "الثقات"، تفرّد به مسلم، له عنده حديث واحد في الشرب في إناء الفضّة، والمصنّف، وله عنده حديث الباب فقط.
والحديث صحيح، وأصله متّفقٌ عليه (١)، وهو بهذا الإسناد من أفراد المصنّف - رحمه اللَّه تعالى -، أخرجه هنا-٢/ ٣٩١٤ و ٣٩١٥ - وفي "الكبرى" ١/ ٤٦١٤ و ٤٦٥. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وقوله (قَالَ: أَبُو عَبْد الرَّحْمَنِ مَرَّة أُخْرَى) ظاهر هذه العبارة أن الرواية مرّة أخرى من المصنّف لتلاميذه، وعبارة "الكبرى" ظاهرة أنها من عمرو بن عليّ للمصنّف ومن معه، ولفظه: "أخبرنا عمرو بن عليّ مرّة أخرى، قال الخ"، وليس فيه. "قال أبو عبد الرحمن الخ"، والأمر في ذلك سهل؛ إذ يحتمل أن يقع الإخبار مرّتين من المصنّف لتلاميذه، كما وقع له من شيخه. واللَّه تعالى أعلم.
٣٩١٥ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ, قَالَ: قَالَ: أَبُو عَاصِمٍ, عَنْ عُثْمَانَ بْنِ مُرَّةَ, قَالَ: سَأَلْتُ الْقَاسِمَ, عَنْ كِرَاءِ الأَرْضِ, فَقَالَ: قَالَ رَافِعُ بْنُ خَدِيجٍ: "إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , نَهَى عَنْ كِرَاءِ الأَرْضِ").
والحديث صحيح، كما سبق الكلام عليه في الذي قبله. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وقوله (وَاخْتُلِفَ عَلَى سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ فِيهِ) يعني أن هذا الحديث رواه سعيد بن
стр. 15394
المسيّب، واختَلَفَ الرواة عليه، فرواه أبو جعفر الْخَطْميّ، عُمير بن يزيد، عنه، عن رافع بن خَدِيج، ورواه طارق بن عبد الرحمن، عنه، واختلف الرواة عليه، فرواه أبو الأحوص، عنه، عن سعيد، عن رافع، بلفظ: نهى رسول اللَّه ﷺ ، عن المحاقلة، والمزابنة، وقال: "إنما يزرع ثلاثة: رجلٌ له أرض فهو يزرعها، أو رجل مُنِح أرضا فهو يزرع ما مُنِح، أو رجل استكرى أرضا بذهب أو فضة".
ورواه إسرائيل بن يونس، عن طارق فروى قوله: "نهى رسول اللَّه ﷺ ، عن المحاقلة، والمزابنة" مرسلاً، بدون ذكر رافع، وجعل قوله: "إنما يزرع ثلاثة الخ": من قول سعيد، موقوفًا عليه.
ورواه سفيان الثوريّ، عن طارق بن عبد الرحمن، عن سعيد، موقوفًا عليه، بلفظ: "لا يصلح الزرع غير ثلاث الخ".
ورواه الزهريّ، عن سعيد، مرسلاً، بلفظ: "أن رسول اللَّه ﷺ نهى عن المحاقلة، والمزابنة".
ورواه محمد بن عبد الرحمن بن لَبيبة، عن سعيد، عن سعد بن أبي وقّاص ﵁، مرفوعًا، بلفظ: "كان أصحاب المزارع يُكرون في زمان رسول اللَّه ﷺ … " الحديث، وسنتكلّم على درجة كلّ رواية عند ذكرها، إن شاء اللَّه تعالى.
ثم أورد رواية أبي جعفر الْخَطْميّ، عُمير بن يزيد، فقال:
٣٩١٦ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى, قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى, عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ الْخَطْمِيِّ -وَاسْمُهُ عُمَيْرُ بْنُ يَزِيدَ- قَالَ: أَرْسَلَنِي عَمِّي, وَغُلَامًا لَهُ, إِلَى سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ, أَسْأَلُهُ عَنِ الْمُزَارَعَةِ, فَقَالَ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ لَا يَرَى بِهَا بَأْسًا, حَتَّى بَلَغَهُ عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ حَدِيثٌ, فَلَقِيَهُ, فَقَالَ رَافِعٌ: أَتَى النَّبِيُّ ﷺ بَنِي حَارِثَةَ, فَرَأَى زَرْعًا, فَقَالَ: «مَا أَحْسَنَ زَرْعَ ظُهَيْرٍ؟» , فَقَالُوا: لَيْسَ لِظُهَيْرٍ, فَقَالَ: «أَلَيْسَ أَرْضُ ظُهَيْرٍ؟» , قَالُوا: بَلَى, وَلَكِنَّهُ أَزْرَعَهَا, فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «خُذُوا زَرْعَكُمْ, وَرُدُّوا إِلَيْهِ نَفَقَتَهُ» , قَالَ: فَأَخَذْنَا زَرْعَنَا, وَرَدَدْنَا إِلَيْهِ نَفَقَتَهُ).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير أبي جعفر الخَطمي، فإنه من رجال الأربعة، وهو عُمير بن يزيد بن حَبيب الأنصاريّ الْخَطْميّ- بفتح الخاء المعجمة، وسكون الطاء المهملة- المدنيّ، نزيل البصرة، وثّقه ابن معين، وابن نُمير، والعجليّ، والنسائيّ، وغيرهم [٦] ١٦/ ١٦.
و"يحيى": هو القطّان.
وقوله: "عمي" لم يُسمَّ. وقوله: "ما أحسن زرع ظُهير" هو عمّ رافع بن خَدِيج
стр. 15395
- ﵄. وقوله: "أليس أرض ظهير" اسم "ليس" ضمير يعود إلى الموضع، و"أرض" بالنصب خبرها، أي أليس هذا الموضع أرض ظُهير؟. ويحتمل أن يكون "أرضُ ظهير" اسمها، وخبرها محذوف، أي ليس أرض ظُهير هذه؟. وقوله: "أزرعها": أي أعطاها غيره ليزرعها بالأجرة. وقوله: "خذوا زرعكم" هذا يقتضي أن الزرع بالعقد الفاسد ملحق بالزرع في أرض غيره بغير إذنه، فيجب أن يُرد الزرع إلى صاحب الأرض؛ لأنه نماء أرضه، وُيعوّض المزارع بدفع عوض ما أنفقه في ذلك الزرع، وكون هذا بسبب فساد العقد يوضّحه رواية ابن المسيّب، عن سعد بن أبي وقّاص ﵁ الآتية في ٣٩٢١ - بلفظ: كان أصحاب المزارع، يُكرون في زمان رسول اللَّه ﷺ مزارعهم، بما يكون على الساقي من الزرع، فجاءوا رسول اللَّه ﷺ ، فاختصموا في بعض ذلك، فنهاهم رسول اللَّه ﷺ ، أن يكروا بذلك، وقال: "أكروا بالذهب والفضة".
فهذا هو الذي تضمّن شرطًا فاسدًا، فصار العقد فاسدًا، فمثل هذا يوجب ردّ الزرع لصاحب الأرض، وتعويض المزارع ما أنفقه فيه.
والحديث صحيح، وأخرجه أبو داد في "سننه" ٣٣٩٩. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وقوله (وَرَوَاهُ طَارِقُ بْنُ عَبْدِ الرَّحمَنِ عَنْ سَعِيدٍ، وَاخْتُلِفَ عَلَيْهِ فِيهِ) يعني أن طارق بن عبد الرحمن روى هذا الحديث عن سعيد بن المسيّب، ولكن اخْتَلَفَ الرواة عليه، وقد ذكرنا وجه اختلافهم ملخّصًا، فيما سبق، وسنوضّحه أيضًا فيما بعد عند تفصيل المصنّف له. واللَّه تعالى أعلم.
ثم ساق رواية طارق بقوله:
٣٩١٧ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ, قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الأَحْوَصِ, عَنْ طَارِقٍ, عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ, عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ, قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الْمُحَاقَلَةِ, وَالْمُزَابَنَةِ, وَقَالَ: «إِنَّمَا يَزْرَعُ ثَلَاثَةٌ: رَجُلٌ لَهُ أَرْضٌ, فَهُوَ يَزْرَعُهَا, أَوْ رَجُلٌ مُنِحَ أَرْضًا, فَهُوَ يَزْرَعُ مَا مُنِحَ, أَوْ رَجُلٌ اسْتَكْرَى أَرْضًا بِذَهَبٍ, أَوْ فِضَّةٍ»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، وتقدّموا، غير:
١ - (طارق) بن عبد الرحمن البجليّ الأحمسيّ الكوفيّ، صدوق، له أوهام [٥].
قال ابن معين، والعجليّ، وابن نُمير، والدارقطنيّ، ويعقوب بن سفيان: ثقة. وقال النسائيّ: ليس به بأس. وقال ابن عديّ: أرجو أنه لا بأس به. وذكره ابن حبّان في "الثقات". وقال عبد اللَّه بن أحمد، عن أبيه: ليس بذلك، هو دون مُخارق. وقال عليّ ابن المدينيّ، عن يحيى بن سعيد: طارق بن عبد الرحمن ليس عندي باقوى من ابن
стр. 15396
حرملة، وطارق، وإبراهيم بن مُهاجر يَجريان مَجْرَى واحدٍ. وذكره ابن الْبَرْقيّ في "باب من احتمل حديثه"، فقال فيه: وأهل الحديث يُخالفون يحيى بن سعيد، ويُوثّقونه. وحكى الساجيّ عن أحمد: في حديثه بعض الضعف. روى له الجماعة، له عند المصنّف هذا الحديث فقط.
و"أبو الأحوص": هو سلام بن سُليم الحنفيّ الكوفيّ.
وقوله: "وقال: إنما يزرع الخ" هو معطوف على جملة "قال: نهى رسول اللَّه ﷺ الخ"، فهو على هذه الرواية مرفوع. وقوله: "مُنح" بالبناء للمفعول، أي أُعطي. وقوله: "استكرى" أي اكتراها، بمعنى أخذها بالكراء، فالسين والتاء زائدتان.
والحديث صحيح، دون الكلام الأخير، فإنه موقوفٌ على سعيد، كما يأتي فيما بعده، وأخرجه أبو داود في ٣٤٠٠ "البيوع والإجارات" - "باب في التشديد في ذلك" وابن ماجه ٢٤٤٩ في "الرهون" - "باب المزارعة بالثلث والربع". واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وقوله: (مَيَّزَهُ إِسْرَائِيلُ عَنْ طَارِقٍ، فَأَرْسَلَ الكَلَامَ الأَوَّلَ) أي جعل قوله: "نهى رسول اللَّه ﷺ الخ" من كلام النبيّ ﷺ ، وأسقط رافعًا (وَجَعَلَ الأَخِيرَ) أي قوله: "إنما يزرع ثلاثة الخ" (مِنْ قَوْلِ سَعِيد) يعني أن إسرائيل بن يونس خالف أبا الأحوص، فجعل أول الحديث وهو قوله: "نهى رسول اللَّه ﷺ الخ" مرسلاً، وجعل آخر الحديث، وهو قوله: "إنما يزرع الخ" موقوفًا على سعيد بن المسيّب، ووافقه على إرسال الأول ابنُ شهاب، وعلى وقف الثاني على سعيد الثوريّ، كما يأتي بيان ذلك قريبًا.
والظاهر أن وقف الجزء الأخير من الحديث هو الأرجح؛ لمتابعة الثوريّ لإسرائيل، وأما إرسال الجزء الأول منه، فالذي يظهر ترجيح الوصل؟ لمتابعة أبي جعفر الخطميّ لأبي الأحوص على ذلك، كما سبق قريبًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
ثم ساق رواية إسرائيل بقوله:
٣٩١٨ - (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ سُلَيْمَانَ, قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى, قَالَ: أَنْبَأَنَا إِسْرَائِيلُ, عَنْ طَارِقٍ, عَنْ سَعِيدٍ, قَالَ: "نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , عَنِ الْمُحَاقَلَةِ", قَالَ: سَعِيدٌ … فَذَكَرَهُ نَحْوَهُ).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "أحمد بن سليمان": هو الرُّهاويّ الحافظ، من أفراد المصنّف. و"عُبيد اللَّه بن موسى": هو ابن باذام العبسيّ الكوفيّ الحافظ.
وقوله: "قال سعيد"، فذكر نحوه، أي ذكر سعيد بن المسيّب معنى قوله: "إنما يزرع
стр. 15397
ثلاثة: رجلٌ الخ"، والمراد أن هذا الكلام من قول سعيد، وليس مرفوعًا، كما هو في رواية أبي الأحوص المتقدّمة، وإنما المرفوع هو قوله: "نهى رسول اللَّه ﷺ ، وهو أيضًا مرسلٌ، فإنه لم يذكر فيه رافعًا ﵁، كما ذكر في رواية أبي الأحوص. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، هو حسبنا، ونعم الوكيل.
وقوله (رَوَاهُ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ , عَنْ طَارِقٍ) يعني أن هذا الحديث رواه أيضًا سفيان الثوريّ، عن طارق بن عبد الرحمن، متابعًا لرواية إسرائيل، لكن في الجزء الأخير الموقوف على سعيد -رحمه اللَّه تعالى-، كما بيَّنهُ بقوله:
٣٩١٩ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ -وَهُوَ ابْنُ مَيْمُونٍ- قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ, قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ, عَنْ طَارِقٍ, قَالَ: سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ, يَقُولُ: "لَا يُصْلِحُ الزَّرْعَ, غَيْرُ ثَلَاثٍ: أَرْضٍ يَمْلِكُ رَقَبَتَهَا, أَوْ مِنْحَةٍ, أَوْ أَرْضٍ بَيْضَاءَ, يَسْتَأْجِرُهَا بِذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ").
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "محمد بن عليّ بن ميمون": هو أبو العبّاس الرّقّيّ العطّار الثقة، من أفراد المصنّف. و"محمد": هو ابن يوسف الفِرْيابيّ. و"سفيان": هو الثوريّ.
والحديث صحيح موقوف على سعيد، وهو المسمّى في مصطلح أهل الحديث بالمقطوع، وهو من أفراد المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، أخرجه هنا-٢/ ٣٩١٩ - وفي "الكبرى" ١/ ٤٦١٩. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وقوله (وَرَوَى الزُّهْرِيّ الكَلَامَ الأَوَّلَ , عَنْ سَعِيدٍ، فَأَرْسَلَهُ) يعني أن الزهريّ روى الجزء الأول من الحديث المذكور، عن سعيد بن المسيّب، مرفوعًا، لكنه جعله مرسلاً، بإسقاط الصحابيّ، موافقًا لرواية إسرائيل، عن طارق المتقدّمة، لكن هذا الإرسال لا يضرّ، فقد صحّ عن سعيد متصلاً فيما تقدّم.
ثم بين رواية الزهريّ المذكورة بقوله:
٣٩٢٠ - قَالَ: الْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ, قِرَاءَةً عَلَيْهِ, وَأَنَا أَسْمَعُ, عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ, قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ, عَنِ ابْنِ شِهَابٍ, عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسِيَّبِ, أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ : "نَهَى عَنِ الْمُحَاقَلَةِ, وَالْمُزَابَنَةِ").
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه، وهو مصريّ حافظ ثقة.
والحديث صحيح بما تقدّم، وهو من أفراد المصنّف، أخرجه هنا-٢/ ٣٩٢٠ - وفي "الكبرى" ١/ ٤٦٢٠. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو
стр. 15398
حسبنا، ونعم الوكيل.
وقوله (وَرَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ لَبِيبَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، فَقَالَ: عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبيِ وَقَّاصٍ) يعني أن محمد بن عبد الرحمن بن لبيبة خالف الرَواة عن سعيد الذين تقدّم بيان رواياتهم فيما مضى، فإن عمير بن يزيد رواه متصلاً بذكر رافع، وكذلك طارق بن عبد الرحمن، على اختلاف عليه في الوصل والإرسال، والرفع والوقف، ورواه الزهريّ مرسلاً، فخالفهم محمد بن عبد الرحمن، فرواه متّصلاً، لكن جعله من مسند سعد بن أبي وقّاص ﵁، لكن محمد بن عبد الرحمن ضعيف، فتعدّ مخالفته لهم منكرةٌ. واللَّه تعالى أعلم.
ثم ساق -رحمه اللَّه تعالى- رواية محمد بن عبد الرحمن هذه بقوله:
٣٩٢١ - (أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ, قَالَ: حَدَّثَنِي عَمِّي, قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي, عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عِكْرِمَةَ, عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ لَبِيبَةَ, عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ, عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ, قَالَ: كَانَ أَصْحَابُ الْمَزَارِعِ, يُكْرُونَ فِي زَمَانِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَزَارِعَهُمْ, بِمَا يَكُونُ عَلَى السَّاقِي مِنَ الزَّرْعِ, فَجَاءُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , فَاخْتَصَمُوا فِي بَعْضِ ذَلِكَ, فَنَهَاهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُكْرُوا بِذَلِكَ, وَقَالَ «أَكْرُوا بِالذَّهَبِ, وَالْفِضَّةِ»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "عبيد اللَّه بن سعد بن إبراهيم": هو الزهريّ، أبو الفضل البغداديّ قاضي أصبهان، ثقة [١١] ١٧/ ٤٨٠. و"عمه": هو يعقوب بن إبراهيم بن سعد الزهريّ، أبو يوسف المدنيّ، نزيل بغداد، ثقة فاضل، من صغار [٩] ١٩٦/ ٣١٤. و"أبوه": هو إبراهيم بن سعد ابن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ، أبو إسحاق المدنيّ، نزيل بغداد، ثقة حجة [٨] ١٩٦/ ٣١٤.
و"محمد بن عكرمة" بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام المخزوميّ المدنيّ، مقبول [٦].
ذكره ابن حبّان في "الثقات"، وقال الذهبيّ في "الميزان": لم يرو عنه سوى إبراهيم ابن سعد. تفرّد به المصنّف، وأبو داود بهذا الحديث، فقط.
و"محمد بن عبد الرحمن بن لبيبة" -بفتح اللام، وكسر الموحّدة، وسكون التحتانيّة، وفتح الموحّدة الأخرى- ويقال: ابن أبي لبيبة، ويقال: إن لبيبة أمه، وأبا لبيبة أبوه، واسمه وَزدان، المكيّ، ضعيفٌ، كثير الإرسال [٦].
قال ابن أبي خيثمة، عن ابن معين: ابن أبي لبيبة الذي يحدّث عنه وكيع ليس حديثه بشيء. وقال الدارقطنيّ: ضعيف. وذكره ابن حنان في "الثقات". تفرّد به أبو داود، والمصنّف، وله عنده هذا الحديث فقط.
стр. 15399
وقوله: "بما يكون على الساقي من الزرع" أي بما ينبت على طرفي النهر من الزرع، فيجعلونه كراء الأرض. وقوله: "أُكْرُوا" بفتح الهمزة، أمر من الإكرا: أي آجروا الأرضَ بالذهب والفضة.
والحديث ضعيف؛ لما ذكرناه آنفًا، أخرجه المصنّف هنا -٢/ ٣٩٢ أو في "الكبرى" ٤٦٢٢ وأخرجه أبو داود في ٣٣٩١. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وقوله (وَقَد رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ سُلَيْمَانُ، عَنْ رَافِعٍ، فَقَالَ: عَنْ رَجُلٍ مِنْ عُمُومَتِهِ) يعني أن سليمان بن يسار روى هذا الحديث عن رافع بن خَدِيج، عن رجل من عمومته، مبهمًا، وقد سمّي في رواية غيره، أنه ظُهير بن رافع ﵁، وقد أخرجه الشيخان من رواية أبي النجاشيّ عطاء بن صُهيب، عن رافع، عنه، وسيأتي للمصنّف برقم - ٣٩٥٠ - إن شاء اللَّه تعالى.
ثم ساق رواية سليمان المذكورة، بقوله:
٣٩٢٢ - (أَخْبَرَنِي زِيَادُ بْنُ أَيُّوبَ, قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ, قَالَ: أَنْبَأَنَا أَيُّوبُ, عَنْ يَعْلَى بْنِ حَكِيمٍ, عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ, عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ, قَالَ: كُنَّا نُحَاقِلُ بِالأَرْضِ, عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , فَنُكْرِيهَا بِالثُّلُثِ, وَالرُّبُعِ, وَالطَّعَامِ الْمُسَمَّى, فَجَاءَ ذَاتَ يَوْمٍ رَجُلٌ مِنْ عُمُومَتِىي, فَقَالَ: نَهَانِى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , عَنْ أَمْرٍ كَانَ لَنَا نَافِعًا, وَطَوَاعِيَةُ اللَّهِ وَرَسُولِهِ, أَنْفَعُ لَنَا, نَهَانَا أَنْ نُحَاقِلَ بِالأَرْضِ, وَنُكْرِيَهَا بِالثُّلُثِ, وَالرُّبُعِ, وَالطَّعَامِ الْمُسَمَّى, وَأَمَرَ رَبَّ الأَرْضِ أَنْ يَزْرَعَهَا, أَوْ يُزْرِعَهَا, وَكَرِهَ كِرَاءَهَا, وَمَا سِوَى ذَلِكَ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (زياد بن أيوب) بن زياد البغداديّ، أبو هاشم، طوسيّ الأصل، و"دلويه" لقبه، وكان يغضب منه، ولقبه أحمد شعبة الصغير, ثقة حافظ [١٠] ١٠١/ ١٣٢.
٢ - (ابن عليّة) إسماعيل بن إبراهيم بن مقسم الأسديّ مولاهم، أبو بشر البصريّ، ثقة حافظ [٨] ١٩/ ١٨.
٣ - (أيوب) بن أبي تميمة كيسان السختيانيّ، أبو بكر البصريّ، ثقة ثبت حجة، من كبار الفقهاء العباد [٥] ٤٢/ ٤٨.
٤ - (يعلي بن حكيم) الثقفيّ مولاهم المكيّ، نزيل البصرة، ثقة [٦] ٣٧/ ٣٢٧٢.
٥ - (سليمان بن يسار): هو الهلاليّ المدنيّ، مولى ميمونة، وقيل: أم سلمة ﵄، ثقة فاضلٌ، أحد الفقهاء السبعة بالمدينة، من كبار [٣] ١٢٢/ ١٥٦.
٦ - (رافع بن خديج) - رضي اللَّه تعالى عنه -، تقدّم قريبًا.
стр. 15400
٧ - (عمه) هو: ظهير بن رافع - رضي اللَّه تعالى عنه -. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سباعيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين إلى يعلى، غير شيخه، فبغداديّ، والباقون مدنيون. (ومنها): أن فيه رواية الراوي عن عمه، وصحابيّ عن صحابيّ. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ) - رضي اللَّه تعالى عنه -، أنه (قَالَ: كُنَّا نُحَاقِلُ بِالأَرْضِ) أي نتعامل فيها بالمزارعة (عَلَى عَهدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَنُكْرِيَها) بضمّ أوله من الَإكراء (بالثُّلُثِ، وَ) بمعنى "أو" (الرُّبُع) أي بأن تكون أجرتها ثلث ما يخرج منها، أو ربعه (وَ) بَمعنى "أو" أيضًا (الطَّعَام المُسَمَّى) أي بأن يكون طعام معيّن مقداره أجرةً لها (فَجَاءَ ذَاتَ يَوْمٍ رَجُلٌ مِنْ عُمُومَتِي) سيأتي أنه ظُهير بن رافِع الأنصاريّ الأوسي ﵁ (فَقَالَ: نَهَانِي) ولفظ مسلم: "نهانا" (رَسُوْلُ اللَّهِ ﷺ , عَنْ أَمْرٍ كَانَ لَنَا نَافِعًا) أي حسب ظنّهم، وإلا فالواقع أنه ضارّ لهم؛ لأن اللَّه لا يُحرّم إلا ما فيه ضرّ عاجل، أو آجل (وَطَوَاعِيَةُ اللَّهِ) (وَرَسُولِهِ) ﷺ ، و "الطواعية" على وزن الكَرَاهية: بمعنى الطاعة، كما في "القاموس". يقال: أطاعة إطاعة: أي انقاد له، وطاعه طوعًا، من باب قال، وبعضهم يُعدّيه بالحرف، فيقول: طاع له، وفي لغة من بأبي باع، وخاف، والطاعة اسم منه، والفاعل من الرباعي مُطيع، ومن الثلاثي طائع، وطيِّعٌ. قاله الفيّوميّ.
(أَنْفَعُ لَنَا) أي أكثر نفعًا لنا من النفع الذي نظنه في هذه المعاملة (نَهَانَا أَنْ نُحَاقِلَ بالأَرْضِ) جملة "نهانا الخ" جملة مستأنفة استئنافًا بيانيًّا، وهو ما وقع جوابًا لسؤال مقدّر، كأن سائلاً قال له: وما الذي نهاكم ﷺ عنه؟، فأجاب بقوله: "نهانا أن نحاقل بالأرض" (وَنُكْرِيَهَا بِالثُّلُثِ، وَالرُّبُعِ، وَالطَّعَام الْمُسَمَّى) وقوله (وَأَمَرَ) عطف على "نهانا" (رَبَّ الأَرْضِ) أي صاحبها، وفيه إطلاق لفظ الرب، مضافًا على غير اللَّه تعالى، قال الفيّوميّ: الربُّ يُطلق على اللَّه ﵎، معرَّفًا بالألف والسلام، ومضافًا، ويُطلق على مالك الشيء الذي لا يعقل، مضافًا إليه، فيقال: ربّ الدَّين، وربّ المال، ومنه قوله ﷺ في ضالّة الإبل: "حتى يلقاها ربها"، وقد استُعمل بمعنى السيّد، مضافًا إلى العاقل أيضًا، ومنه قوله ﷺ : "حتى تلد الأمة ربّتها"، وفي رواية: "ربها"، وفي التنزيل حكايةً عن يوسف ﵇: ﴿أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا﴾ الآية [يوسف: ٤١]. قالوا: ولا يجوز
стр. 15401
استعماله بالألف واللام للمخلوق بمعنى المالك؛ لأن اللام للعموم، والمخلوق لا يملك جميع المخلوقات، وربّما جاء باللام عوضًا عن الإضافة، إذا كان بمعنى السيّد، قال الحارث بن حِلِّزَة [من الخفيف]:
فَهُوَ الرَّبُّ وَالشَّهِيدُ عَلَى يَوْ … مِ الْحِيَارَينِ (١) وَالْبَلَاءُ بَلَاءُ
وبعضهم يمنع أن يقال: هذا ربّ العبد، وأن يقول العبد: هذا ربّي، وقوله ﷺ : "حتى تلد الأمة ربّها"، حجّةٌ عليه. انتهى (٢).
(أَنْ يَزْرَعَهَا) بفتح أوله مبنيَّا للفاعل، أي يزرع أرضه بنفسه (أَوْ يُزْرِعَهَا) بضمّ أوله مبنيًّا للمفعول، أي يُعطيها لغيره لينتفع بزراعتها (وَكَرِهَ كِرَاءَهَا) الظاهر أنه الكراء المذكور، من الثلث، والربع، والطعام المسمّى، فيكون عطفه على ما قبله للتأكيد (وَمَا سِوَى ذَلِكَ) يحتمل أن يكون معطوفًا على ما قبله، فيكون المعنى: وكره المذكور، وغير ذلك، مما يُفسد العقد، كان يؤاجره على الماذيانات، وأقبال الجداول، كما سيأتي في -٣٩٢٦ - : (كان الناس على عهد رسول اللَّه ﷺ يؤاجرون على الماذيانات، وأقبال الجداول، فيسلم هذا، ويَهلك هذا، ويسلم هذا، ويهلك هذا، فلم يكن للناس كراء إلا هذا، فلذلك زجر عنه".
ويحتمل أن يكون "ما سوى ذلك" مبتدأ خبره محذوف، تقديره: جائزٌ، يعني أن ما سوى ما ذُكر من الثلث، والربع، والطعام المسمّى، جائز أن يكون أجرة للأرض، وذلك مثل الدراهيم، والدنانير المسمّى، فيكون بمعنى قول رافع ﷺ في الرواية الآتية بعد حديثين، لَمّا سئل عن كرائها بالدينار والدرهم، قال: "ليس بها بأس بالدينار والدرهم"، وبمعنى قوله في الرواية التي بعدها: "فأما شيء معلوم، مضمون، فلا بأس به"، وأصرح منهما الرواية التي بعده: "عن حنظلة بن قيس، قال: سألت رافع بن خديج عن كراء الأرض، فقال: نهى رسول اللَّه ﷺ عن كراء الأرض، قال: فقدت: أبا الذهب والورق؟، فقال: أما الذهب والورق، فلا بأس به". واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث رافع بن خديج، عن رجل من عمومته - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا متّفقٌ عليه.
стр. 15402
(المسألة الثانية): في مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٢/ ٣٩٣٣ و ٣٩٢٣ و ٣٩٢٤ - وفي "الكبرى" ١/ ٤٦٢٣ و ٤٦٢٤ و ٤٦٢٥. وأخرجه (خ) في "الحرث والمزارعة" ٢٣٤٦ و ٢٣٤٧ (م) في "البيوع" ٣٩٢٢ (د) في "البيوع والإجارات" ٣٣٩٥ و ٣٣٩٦ (ق) في "الرهون" ٢٤٦٥. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وقوله (أَيُّوبُ لَمْ يَسْمَعْهُ مِنْ يَعْلَى) يعني أن أيوب السختيانيّ لم يسمع هذا الحديث من يعلي بن حكيم، وإنما أخذه عنه مكاتبة، وليس غرض المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- بهذا تضعيف الحديث، بل غرضه بيان كيفيّة أخذ أيوب عن يعلي بن حكيم، وإنما بيّن ذلك؛ للاختلاف بين العلماء في جواز المكاتبة بالحديث، والصحيح صحّتها
وصورة الكتابة: أن يكتب الشيخ مسموعه لحاضر، أو غائب بخطّه، أو يأمر من يكتب له، وهي ضربان:
[إحداهما]: مقرونة بالإجازة، كان يقول: أجزتك ما كتبت لك، أو نحوه من العبارة، وهذه في الصحّة والقوّة، كالمناولة المقرونة بالإجازة.
[الثانية]: مجرّدة عن الإجازة، وهذه منع الرواية بها قوم، منهم: القاضي أبو الحسن الماورديّ الشافعيّ في الحاوي، والآمديّ، وابن القطّان. وأجازها كثيرون من المتقدّمين، والمتأخّرين، منهم: أيوب السختياني، ومنصور، والليث، وابن سعد، وابن أبي سَبْرة، وغير واحد من الشافعيّة، وأصحاب الأصول، وهو الصحيح المشهور بين أهل الحديث، ويوجد في مصنّفاتهم كثيرًا: كتَبَ إليّ فلان، قال: حدّثنا فلانٌ، والمراد به هذا، وهو معمول به عندهم، معدود في الموصول من الحديث، دون المنقطع؛ لإشعاره بمعنى الإجازة، بل قال السمعانيّ: هي أقوى من الإجازة. قال الحافظ السيوطيّ: وهو المختار، بل وأقوى من أكثر صور المناولة، وفي "صحيح البخاريّ" في "الأيمان والنذور" وكتب إنّي محمد بن بشّار … وليس فيه بالمكاتبة عن شيوخه غيره، وفيه، وفي "صحيح مسلم" أحاديث كثيرة بالمكاتبة في أثناء السند.
وقال البيهقيّ في "المدخل": ما معناه: في هذا الباب آثار كثيرة عن التابعين، فمن بعدهم، وكُتُبُ النبيّ ﷺ -إلى عُمّاله بالأحكام شاهدة لقولهم (١).
والحاصل أن المكاتبة بالحديث من الطرق الصحيحة المتّصلة، تجوز الرواية, والعمل بها. واللَّه تعالى أعلم.
стр. 15403
ثمّ ساق الرواية التي تبيّن أن أيوب السختيانيّ لم يسمع من يعلى، وإنما أخذه بالمكاتبة، فقال:
٣٩٢٣ - (أَخْبَرَنِي زَكَرِيَّا بْنُ يَحْيَى, قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ, عَنْ أَيُّوبَ, قَالَ: كَتَبَ إِلَيَّ يَعْلَى بْنُ حَكِيمٍ, أَنِّي سَمِعْتُ سُلَيْمَانَ بْنَ يَسَارٍ, يُحَدِّثُ عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ, قَالَ: كُنَّا نُحَاقِلُ الأَرْضَ, نُكْرِيهَا بِالثُّلُثِ, وَالرُّبُعِ, وَالطَّعَامِ الْمُسَمَّى).
و"محمد بن عُبيد" بن حساب -بكسر الحاء، وتخفيف السين المهملتين -الْغُبَريّ- بضم الغين المعجمة، وتخفيف الموحّدة- البصريّ، ثقة [١٠].
قال أبو حاتم: صدوقٌ. وقال النسائيّ، ومَسلَمة: ثقة. وقال الآجريّ، عن أبي داود: ابن حساب فوق الزبيريّ -يعني عبد اللَّه بن محمد بن الْمِسْوَر الزبيريّ- بكثير، ابنُ حساب عندي حجةٌ. قال محمد بن عبد اللَّه الحضرميّ: مات سنة (٢٣٨) روى عنه مسلم، وأبو داود، والمصنّف، له عنده هذا الحديث فقط.
و"حمّاد": هو ابن زيد. و"أيوب": هو ابن أبي تميمة السختيانيّ. والحديث متّفقٌ عليه، وقد سبق تمام البحث فيه في الذي قبله. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وقوله (رَوَاهُ سَعيد، عَنْ يَعْلَى بْنِ حَكِيمٍ) يعني أن سعيد بن أبي عروبة مِهْران تابع أيوب في رواية هذا الحديث عن يعلي بن حكيم، كما بيّن روايته بقوله:
٣٩٢٤ - (أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مَسْعُودٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ, عَنْ سَعِيدٍ, عَنْ يَعْلَى بْنِ حَكِيمٍ, عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ, أَنَّ رَافِعَ بْنَ خَدِيجٍ, قَالَ: كُنَّا نُحَاقِلُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , فَزَعَمَ أَنَّ بَعْضَ عُمُومَتِهِ أَتَاهُ, فَقَالَ: نَهَانِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , عَنْ أَمْرٍ كَانَ لَنَا نَافِعًا, وَطَوَاعِيَةُ اللَّهِ وَرَسُولِهِ, أَنْفَعُ لَنَا, قُلْنَا: وَمَا ذَاكَ؟ , قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ كَانَتْ لَهُ أَرْضٌ, فَلْيَزْرَعْهَا, أَوْ لِيُزْرِعْهَا أَخَاهُ, وَلَا يُكَارِيهَا بِثُلُثٍ, وَلَا رُبُعٍ, وَلَا طَعَامٍ مُسَمًّى»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "إسماعيل بن مسعود": هو الجحدريّ البصريّ. و"خالد بن الحارث": هو الْهُجيميّ البصريّ. والإسناد مسلسل بالبصريين إلى يعلى.
والحديث أخرجه مسلم من طريق خالد بن الحارث، وعبد الأعلى، وعبدة كلهم، عن سعيد بن أبي عروبة، بسند المصنّف، لكن لم يسق متنه، أحاله على رواية أيوب. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
стр. 15404
وقوله (رَوَاهُ حَنْظَلَةُ بْنُ قَيْسٍ، عَنْ رَافِع، فاخْتُلِف) بالبناء للمفعول (عَلَى رَبِيعَةَ) بن أبي عبد الرحمن (فِي رِوايَتِهِ) زاد في "الكبرى": "عنه فيه"، والضمير في "عنه" لحنظلة، وفي "فيه" للحديث. يعني أن حنظلة بن قيس الزُّرَقيّ روى هذا الحديث عن رافع بن خديج ﵁، ورواه عنه ربيعة الرأي، لكن الرواة اختلفوا على ربيعة فيه، فرواه عنه الليث، عن حنظلة، عن رافع، عن عمه، مرفوعًا، ورواه الأوزاعيّ، عنه، عن حنظلة، عن رافع، مرفوعًا, ولم يذكر عمه، ووافق الأوزاعيّ مالكٌ في الإسناد، وخالفه في المتن، كما سيأتي، ورواه الثوريّ، عنه، عن حنظلة، عن رافع، موقوفًا عليه، ولم يذكر أيضًا عمه.
ثم إن هذا الاختلاف لا يضرّ، أما بالنسبة للرفع والوقف، فترجّح رواية الرفع؛ لأن معها زيادة علم من ثقات حفّاظ، وأما بالنسبة لذكر عمّ رافع، وعدمه، فيُحمل على أن رافعًا، سمعه من عمّه، ثم سمعه من النبيّ ﷺ ، فكان يُحدّث عنهما, ولذلك أخرج الحديث الشيخان من رواية حنظلة، عن رافع، كما سنبيّنه، إن شاء اللَّه تعالى. واللَّه تعالى أعلم.
ثم ساق روايات ربيعة بن أبي عبد الرحمن، عن حنظلة بن قيس، عن رافع، فقدم رواية الليث، عن ربيعة، فقال:
٣٩٢٥ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ, قَالَ: حَدَّثَنَا حُجَيْنُ بْنُ الْمُثَنَّى, قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ, عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ, عَنْ حَنْظَلَةَ بْنِ قَيْسٍ, عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ, قَالَ: حَدَّثَنِي عَمِّي, أَنَّهُمْ كَانُوا يُكْرُونَ الأَرْضَ, عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , بِمَا يَنْبُتُ عَلَى الأَرْبِعَاءِ, وَشَيْءٍ مِنَ الزَّرْعِ, يَسْتَثْنِي صَاحِبُ الأَرْضِ, فَنَهَانَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , عَنْ ذَلِكَ, فَقُلْتُ لِرَافِعٍ: فَكَيْفَ كِرَاؤُهَا بِالدِّينَارِ وَالدِّرْهَمِ؟ , فَقَالَ رَافِعٌ: لَيْسَ بِهَا بَأْسٌ, بِالدِّينَارِ وَالدِّرْهَمِ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (محمد بن عبد اللَّه بن المبارك) الْمُخَرِّميِّ البغداديّ الثقة الحافظ [١١] ٤٣/ ٥٠.
٢ - (حُجَين بن المثنّى) أبو عمير اليماميّ، سكن بغداد، وولي قضاء خُرَاسان، ثقة [٩] ١٨٠/ ١١٥٠.
٣ - (الليث) بن سعد الإمام الحجة الثبت الفقيه المصريّ [٧] ٣١/ ٣٥.
٤ - (ربيعة) بن أبي عبد الرحمن فَرُّوخ، أبو عثمان المدنيّ، المعروف بربيعة الرأي، ثقة فقيه مشهورٌ، قيل: كانوا يتّقونه لموضع الرأي [٥] ٣٦/ ٧٢٩.
٥ - (حنظلة بن قيس) بن عمرو بن حِصْن بن خلْدة الزُّرَقيّ المدنيّ، ثقة [٢].
стр. 15405
قال ابن سعد، عن الواقديّ: كان ثقة قليل الحديث. وحُكي عن الزهريّ قال: ما رأيت من الأنصار أحزّم، ولا أجود رأيًا من حنظلة بن قيس. وذكره ابن حبّان في "الثقات"، وقال: رأى عمر، وعثمان. وذكره ابن عبد البرّ في الصحابة، جانحًا لقول الواقدي: إنه وُلد في عهد النبيّ ﷺ . روى له الجماعة، سوى الترمذيّ، وله عند المصنّف حديث الباب فقط. والباقيان تقدما قريبًا. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سباعيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين من ربيعة، والليث مصريّ، والباقيان بغداديان. (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، وصحابيّ، عن صحابيّ. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ) - رضي اللَّه تعالى عنه -، أنه (قَالَ: حَدَّثَنِي عَمِّي) بالإفراد، وهو ظُهير بن رافع ﵁. وفي رواية البخاريّ، من طريق الأوزاعيّ، عن ربيعة: "حدّثني عَمَّاي" بالتثنية، قال الحافظ في "الفتح": هما ظُهير بن رافع، والآخر قال الكلاباذيّ: لم أقف على اسمه، وذكر غيره أن اسمه مُظَهِّر -وهو بضمّ الميم، وفتح الظاء، وتشديد الهاء المكسورة- وضبطه عبد الغنيّ، وابن ماكولا هكذا زعم بعض من صنّف في المبهمات، ورأيت في الصحابة لأبي القاسم البغويّ، ولأبي عليّ بن السكن، من طريق سعيد بن أبي عروبة، عن يعلي بن حكيم، عن سليمان بن يسار، عن رافع بن خَدِيج: أن بعض عمومته، قال سعيد: زعم قتادة أن اسمه مُهَير، فذكر الحديث، فهذا أولى أن يُعتمد، وهو بوزن أخيه ظُهير، كلاهما بالتصغير. انتهى (١).
(أَنَّهُمْ كَانُوا يُكْرُونَ الأَرْضَ) بضمّ حرف المضارعة، من الإكراء رباعيًّا (عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، بِمَا يَنْبُتُ عَلَى الأَرْبِعَاءِ) -بفتح الهمزة، وسكون الراء، وكسر الموحّدة-: جمع رَبيع -بفتح الراء، وكسر الموحّدة: وهو النهر الصغير, والمعنى أنهم كانوا يُكرون الأرض، ويشترطون لأنفسهم ما ينبُتُ على الأنهار (وَشَيْءِ) بالجرّ عطفًا على "ما ينبت" (مِنَ الزرْعِ، يَسْتَثْني صَاحِبُ الأرْضِ) ببناء الفعل للمفعول، و"صاحب" مرفوع على الفاعليّة، ومفعوله مقدّر، وقد صُرِّح به في رواية البخاريّ، ولفظه: "يستثنيه صاحب الأرض"، وهو من الاستثناء، أي يُخرجه لنفسه مما للزارع، وقال في "الفتح":