← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 12888

ذخيرة العقبى في شرح المجتبى

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (19 271 стр.). Показаны 1576–1615 · переход к 1581.

стр. 1576

قال: ورواه عبد الرحمن بن مهدي، وغيره، عن سفيان، عن محارب بن دثار، عن سليمان بن بريدة، عن النبي ﷺ مرسلا، وهذا أصح من حديث وكيع. أي هذا المرسل الذي رواه عبد الرحمن بن مهدي وغيره، عن سفيان، عن محارب بن دثار، عن سليمان بن بريدة بدون ذكر "عن أبيه" أصح من حديث وكيع الذي رواه عن سفيان، عن محارب مسندا بذكر "عن أبيه" ووجه كون المرسل أصح لأن رواته أكثر. "تنبيه" اعلم أن سفيان روى هذا الحديث عن شيخين: علقمة بن مرثد، ومحارب بن دثار، واختلاف أصحاب سفيان في روايته مرسلا، ومسندا أنما هو في روايته عن محارب، لا في روايته عن علقمة، فإن أصحابه لا يختلفون في روايته عن علقمة في الإسناد والإرسال، بل كلهم متفقون في روايته مسندا. انتهى تحفة الأحوذي ج ١ ص ١٩٥. قال الجامع: رواية المصنف، ومسلم من طريق علقمة، فلا كلام فيها والله أعلم. المسألة الخامسة: في فوائد هذا الحديث: من فوائده: أنه يدل على جواز تأدية الصلوات المفروضة بوضوء واحد وعلى أنه ﷺ كان يواظب قبل هذا على الوضوء لكل صلاة، عملا بالأفضل، وعلى جواز سؤال المفضول الفاضل عن بعض أعماله التي في ظاهرها مخالفة للعادة الشرعية؛ لأنها قد تكون عن نسيان فيرجع عنه، وقد تكون عمدا لمعنى خفي على المفضول فيستفيده، وعلى أنه ينبغي للمسئول إجابة السائل. أفاده في المنهل ج ٢ ص ١٦٨. وأما اختلاف العلماء في حكم المسألة: فقد تقدم في المسائل التي في آخر حديث أنس ﵁ في أول الباب فارجع إليه. والله أعلم. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".

стр. 1577

١٠٢ - بَابُ النَّضْحِ أي هذا باب ذكر الحديث الدال على مشروعية نضح المتوضئ فرجه بالماء، والنضح: بفتح فسكون: الرَّشّ: قال في المصباح: نضحت الثوب نضحا من باب ضرب ونفع، وهو البل بالماء والرش "وينضح من بول الغلام" أي يرش، ونضح الفرس: عَرقَ، ونضح العَرَق: خرج، وانتضح البول على الثوب: تَرَشَّشَ، ونضح البعيرُ الماء: حمله من نهر، أو بئر، لسقي الزرع، فهو ناضح، والأنثى ناضحة بالهاء، سمي ناضحا؛ لأنه ينضح العطش، أي يبله بالماء الذي يحمله هذا أصله، ثم استعمل الناضح في كل بعير، وإن لم يحمل الماء، وفي حديث "أطعمه ناضحك" أي بعيرك، والجمع نواضح، "وفيما سقي بالنضح": أي بالماء الذي ينضحه الناضح، ونضحت القربةُ نضحًا من باب نفع: رشحت. هذا كله بالحاء المهملة، وأما إذا كان بالخاء المعجمة فهو أبلغ منه. قال في المصباح: نَضَخْت الثوب -يعني بالمعجمة- نضخًا من بابي ضرب ونفع: إذا بَلَلْتَهُ أكثر من النضح، فهو أبلغ منه، وغيث نضاخ: أي كثير غزير، وعين نضاخة: أي فوارة غزيرة. وقال الأصمعي: لا يتصرف فيه بفعل، ولا باسم فاعل. وقال أبو عبيد: أصابني نضخ من كذا، ولم يكن فيه فَعَل، ويَفعَل منسوب إلى أحد. اهـ. وقال في اللسان: النضح يعني بضاد معجمة فحاء مهملة: الرش نضح عليه الماء ينضح نضحا إذا ضربه بشيء فأصابه منه رشاش. ونضح عليه الماءُ: ارتش وقال الأصمعي: نضحت عليه الماء نضحا، وأصابه نضح من كذا. وحكى الأزهري عن الليث: النضح -أي بالحاء المهملة -كالنضخ- أي بالمعجمة- ربما اتفقا، وربما اختلفا.

стр. 1578

ويقولون: النضح -بالمهملة- ما بقي له أثر كقولك: على ثوبه نضح دم والعين تنضح بالماء نضحا: إذا رأيتها تفور، وكذلك تنضخ -أي بالمعجمة- وقال أبو زيد: يقال: نَضَخَ عليه الماء ينضخ، فهو ناضخ، وقال الأصمعي: لا يقال من الخاء فعلت، إنما يقال: أصابه نضخ من كذا، وقال أبو الهيثم: قول أبي زيد أصح، والقرآن يدل عليه، قال الله تعالى: ﴿﴿فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ﴾ [الرحمن: ٦٦]، فهذا يشهد به. يقال: نضخ عليه الماء؛ لأن العين النضاخة هي الفعالة، ولا يقال لها: نضاخة حتى تكون ناضخة، قال ابن الفرج: سمعت جماعة من قيس يقولون: النضح والنضخ واحد، وقال أبو زيد: نضحته ونضخته بمعنى واحد، قال: وسمعت الغنوي يقول: النضح والنضخ، وهو فيما بَانَ أثره وما رَقَّ، بمعنى. قال: وقال الأصمعي: النضح الذي ليس بينه فُرَج، والنضخ أرق منه، وقال أبو ليلى: النضح، والنضخ ما رقّ، وثخن بمعنى واحد. اهـ لسان. وقال المباركفوري: المراد بالنضح ها هنا أن يأخذ قليلا من الماء فيرش به مذاكيره بعد الوضوء لينفي عنه الوسواس. وقد نضح عليه الماء ونضحه به إذا رشه عليه، كذا في النهاية. ١٣٤ - أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مَسْعُودٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ الْحَكَمِ، عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ إِذَا تَوَضَّأَ أَخَذَ حَفْنَةً مِنْ مَاءٍ، فَقَالَ بِهَا هَكَذَا. وَوَصَفَ شُعْبَةُ: نَضَحَ بِهِ فَرْجَهُ، فَذَكَرْتُهُ لإِبْرَاهِيمَ فَأَعْجَبَهُ.

стр. 1579

قَالَ الشَّيْخُ ابْنُ السُّنِّيِّ: قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ: الْحَكَمُ هُوَ ابْنُ سُفْيَانَ الثَّقَفِيُّ ﵁. رجال الإسناد: سبعة ١ - (إسماعيل بن مسعود) الجحدري، بصري، يكنى أبا مسعود، ثقة، من العاشرة، مات سنة ٢٤٨. س. تقدم في ٤٢/ ٤٧. ٢ - (خالد بن الحارث) بن عُبيد بن سُليم الهجيمي، أبو عثمان البصري، ثقة ثبت من الثامنة، مات سنة ١٨٦، ومولده سنة ١٢٠. تقدم في ٤٢/ ٤٧. ٣ - (شعبة) بن الحجاج الإمام العلم البصري من -٧ - تقدم في ٢٤/ ٢٦. ٤ - (منصور) بن المعتمر بن عبد الله السلمي، أبو عتاب، بمثناة ثقيلة (١) ثم موحدة، الكوفي، ثقة ثبت، وكان لا يدلس، من طبقة الأعمش، مات سنة ١٣٢. تقدم في ٢/ ٢. ٥ - (مجاهد) بن جبر، بفتح الجيم وسكون الموحدة، أبو الحجاج المخزومي مولاهم، المكي، ثقة إمام في التفسير وفي العلم، من الثالثة مات سنة إحدى -أو اثنتين، أو ثلاث، أو أربع- ومائة، وله ٨٣ سنة (ع) تقدم في ٢٧/ ٣٠. ٦ - (الحكم) بن سفيان، وقيل: سفيان بن الحكم، قيل له صحبة، لكن في حديثه اضطراب (د س ق). وفي تهذيب التهذيب: الحكم بن سفيان، أو سفيان بن الحكم، عن النبي ﷺ في نضح الفرج بعد الوضوء وعنه مجاهد، وقد اختلف عليه

стр. 1580

فيه: قيل: عنه عن الحكم، أو ابن الحكم عن أبيه. وقيل عن الحكم بن سفيان عن أبيه، وقيل: عن الحكم غير منسوب عن أبيه، وقيل: عن رجل من ثقيف، عن أبيه. هذه أربعة أقوال. وقيل: عن مجاهد، عن الحكم بن سفيان من غير ذكر عن أبيه، وقيل: عن مجاهد، عن رجل من ثقيف يقال له: الحكم، أو أبو الحكم، وقيل: عن ابن الحكم، أو أبي الحكم بن سفيان، وقيل: عن الحكم بن سفيان، أو ابن أبي سفيان، وقيل: عن رجل من ثقيف، وهذه ستة أقوال ليس فيها عن أبيه. قال البخاري: قال بعض ولد الحكم بن سفيان: انه لم يدرك النبي ﷺ . قال الحافظ: قلت: وقال الخلال عن ابن عيينة: الحكم ليست له صحبة. وكذا نقله الترمذي في العلل عن البخاري. وقال ابن أبي حاتم: في العلل عن أبيه: الصحيح الحكم بن سفيان، عن أبيه: وكذا قال الترمذي في العلل عن البخاري، والذهليُّ، عن ابن المديني، وصحح إبراهيم الحربي، وأبو زرعة، وغيرهما أن للحكم صحبة فالله أعلم، وفيه اضطراب كثير. اهـ تت ج ٢ ص ٤٢٦. وقال الحافظ ابن عبد البر في الاستيعاب ج ١ ع ٣١٨: الحكم بن سفيان الثقفي، ويقال: ابن الحكم- روى حديثه منصور عن مجاهد، فاختلف أصحاب منصور في اسمه، وهو معدود في أهل الحجاز، له حديث واحد في الوضوء مضطرب الإسناد، يقال: إنه لم يسمع من النبي ﷺ ، وسماعه منه عندي صحيح لأنه نقله الثقات، منهم الثوري، ولم يخالفه من هو في الحفظ، والإتقان مثله، قال ابن إسحاق هو الحكم ابن سفيان بن عثمان بن عامر بن معتب الثقفي. اهـ كلام ابن عبد البر. وقال الحافظ في الإصابة ج ١ ص ٣٤٤: الحكم بن سفيان بن عثمان بن عامر بن معتب بن مالك بن كعب بن سعد بن عوف بن ثقيف الثقفي،

стр. 1581

قال أبو زرعة، وإبراهيم الحربي: له صحبة، روى حديثه أصحاب السنن في النضح بعد الوضوء، واختلف فيه على مجاهد، فقيل هكذا، وقيل: سفيان بن الحكم، وقيل غير ذلك، وقال أحمد، والبخاري: ليست للحكم صحبة، وقال ابن المديني والبخاري وأبو حاتم: الصحيح الحكم بن سفيان عن أبيه. اهـ كلام الحافظ. وقال في الخلاصة ج ١ ص ٢٤٣: الحكم بن سفيان، أو بالعكس الثقفي قال ابن معين: صحابي له حديث. وعنه مجاهد، وفيه اضطراب. اهـ. ٧ - (أبوه) قد اختلف فيه على قولين: فمنهم من زاده، ومنهم من أسقطه: فممن زاده شعبة كما في هذا السند، ووهيب بن خالد، وزائدة بن قدامة في رواية، وسفيان بن عيينة، فإنه مرة ذكر أباه، ومرة لم يذكره كما قال الإمام أحمد. وممن أسقطه الثوري، وعمار بن رزيق كما يأتي للمصنف، ومعمر، وزائدة، وأبو عوانة، وروح بن القاسم، وجرير بن عبد الحميد، وزكريا بن أبي زائدة. قال الجامع عفا الله عنه: والحاصل أنهم اختلفوا في زيادة عن أبيه على قولين: وأكثرون على إسقاطه، ولهذا قال ابن عبد البر: سماعه -أي الحكم- منه -أي من النبي ﷺ عندي صحيح لأنه نقله الثقات، منهم الثوري إلى آخر ما تقدم. وقال أبو داود بعد ذكر الحديث عن طريق الثوري: وافق سفيان جماعة على هذا الإسناد. وقال البيهقي: بعد تخريج الحديث عن طريق الثوري أيضا: كذا

стр. 1582

رواه الثوري، ومعمر، وزائدة، عن منصور، ورواه شعبة كما أخبرنا أبو الحسن المقرئ ثنا الحسن بن محمَّد بن إسحاق، ثنا يوسف بن يعقوب، ثنا حفص بن عمر، ثنا شعبة، عن منصور، عن مجاهد، عن رجل يقال له: الحكم أو أبو الحكم من ثقيف، عن أبيه، أنه رأى رسول الله ﷺ "توضأ ثم أخذ حفنة من ماء فانتضح بها"، وكذلك رواه وهيب، عن منصور. ورواه أبو عوانة، وروح بن القاسم، وجرير بن عبد الحميد، عن منصور، عن مجاهد، عن الحكم بن سفيان مسندا، ولم يذكروا أباه، قال أبو عيسى: سألت محمدًا -يعني بن إسماعيل البخاري- عن هذا الحديث، فقال: الصحيح ما روى شعبة، ووهيب، وقالا، عن أبيه وربما قال ابن عيينة في هذا الحديث: عن أبيه. قال الإمام أحمد: رواه ابن عيينة، عن منصور، فمرة ذكر فيه أباه، ومرة لم يذكره. اهـ كلام البيهقي في السنن ج ١ ص ١٦١. قال الجامع: وسيأتي تمام الكلام فيه في الحديث الآتي، إن شاء الله تعالى. لطائف هذا الإسناد منها أنه من سباعياته، وأن رواته كلهم ثقات غير أنه وقع الاختلاف في الحكم بن سفيان اختلافا كثيرا، حتى ضعف بسببه الحديث، وأنهم ما بين بصريين: وهم: إسماعيل، وخالد، وشعبة، وكوفي: وهو منصور، ومكي: وهو مجاهد، ويمني: وهو الحكم، عدَّه ابن حبان في مشاهير الصحابة في اليمن في كتابه مشاهير علماء الأمصار ص ٥٨. ومنها أن إسماعيل ممن انفرد المصنف بالرواية عنه، وأن خالدًا وشعبة ومنصورًا، ومجاهدًا ممن اتفق أصحاب الأصول بتخريج أحاديثهم، وأن الحكم ممن أخرج له المصنف، وأبو داود، وابن ماجه، وأنه لا رواية

стр. 1583

له عندهم إلا هذا الحديث في النضح بعد الوضوء. ومنها أن فيه الإخبار في أوله، والتحديث في ثانيه، والعنعنة في الباقي. شرح الحديث (عن الحكم) بن سفيان الثقفي (عن أبيه) تقدم أنهم اختلفوا في إثبات عن أبيه، وممن أثبته شعبة، ووهيب، وزائدة، في رواية، وسفيان بن عيينة في بعض الأحيان،. وسيأتي مزيد بسط لذلك إن شاء الله. (أن رسول الله ﷺ كان إذا توضأ أخذ حفنة) بفتح فسكون ملء كف قاله السندي. وفي المصباح: حَفَنت له حَفْنا من باب ضرب، وحَفْنَة: وهي ملء الكفين، والجمع حفنات، مثل سجدة وسجدات. اهـ. وقال المجد في (ق) الحفنة: ملء الكف. اهـ. وقال بن منظور: وملء كل كف حفنة، قال: وقال الجوهري: الحفنة: ملء الكفين من طعام. اهـ لسان باختصار. قال الجامع: تفسير الحفنة بملء الكف، أو بملء الكفين محتمل في الحديث، لكن الظاهر الأول لأنه ورد في رواية فأخذ كفا من ماء والله أعلم (فقال) أي رش بتلك الحفنة؛ لأن "قال" تطلق على جميع الأفعال. قال ابن منظور: قال ابن الأثير: العرب تجعل القول عبارة عن جميع الأفعال، وتطلقه على غير الكلام واللسان، فتقول: قال بيده: أي أخذ، وقال برجله: أي مشى، وقال بالماء على يده: أي قلب، وقال بثوبه: أي رفعه، وكل ذلك على المجاز والاتساع، كما روي في حديث السهو قال: ما يقول ذو اليدين؟ قالوا: صدق، روي أنهم أومؤوا برؤوسهم أي نعم، ولم يتكلموا. اهـ لسان باختصار. وقال المجد: قال ابن الأنباري: "قال" يجيىء بمعنى تكلم،

стр. 1584

وضرب، وغلب، ومات، ومال، واستراح، وأقبل، ويعبر بها عن التهيوء للأفعال والاستعداد لها، يقال: قال فأكل، وقال فضرب، وقال فتكلم، ونحوه. اهـ" (هكذا) أي رش رشا مثل هذا الرش، فهو مفعول مطلق لقوله: "قال": قال خالد (ووصف شعبة) ابن الحجاج أي بَيَّنَ معنى قوله: فقال بها هكذا بأنه (نضح) أي رش (به) أي بما أخذه من الماء (فرجه) أي الثوب الذي على فرجه لما عند الطبراني في المعجم الكبير: ثم أخذ كفا من ماء فنضح به ثيابه. ج ٣ ص ٢٤٣. ويحتمل أن يكون بعد الوضوء وهو الظاهر، ويحتمل أن يكون قبله بعد الاستنجاء. وقال في المنهل: وكان ﷺ يفعل ذلك تشريعا لأمته لدفع الوسواس، لأنه قد يتخيل الإنسان بعد الوضوء أنه خرج من فرجه بلل فيحصل له الشك، فهذا فعل ذلك انقطع عنه سبيل الوسواس. وقال الخطابي: الانتضاح ها هنا الاستنجاء بالماء، وكان من عادة أكثرهم أن يستنجوا بالحجارة لا يمسون الماء، وقد يتأول الانتضاح على رش الفرج بالماء بعد الاستنجاء ليندفع بذلك وسوسة الشيطان، اهـ وذكر النووي: أن رش الفرج بالماء بعد الاستنجاء هو المراد من الحديث عند الجمهور. اهـ المنهل ج ٢ ص ١٥٢. وقال السندي: قيل هو (أي النضح) الاستنجاء بالماء، وعلى هذا معنى "إذا توضأ" أي أراد أن يتوضأ وقيل رش الفرج بالماء بعد الاستنجاء ليدفع به وسوسة الشيطان، وعليه الجمهور، وكأنه يؤخر أحيانًا إلى الفراغ من الوضوء. والله أعلم. اهـ ج١ ص ٨٦، ٨٧. قال الجامع عفا الله عنه: الظاهر هو ما قاله الجمهور. والله اعلم. قال منصور (فذكرته) أي هذا الحديث (لإبراهيم) بن يزيد بن قيس

стр. 1585

النخعي الكوفي (فأعجبه) أي استحسنه؛ لأن أعجب بالألف رباعيا بمعنى استحسن. قال في المصباح: وعَجبت من الشيء عَجَبا من باب تعب، وتعجبت، واستعجبت، وهو شيء عجيب أي يُعجَب منه، وأعجبني حسنه، وأعجِب زيد بنفسه بالبناء للمفعول: إذا ترفع، وتكبر، ويستعمل التعجب على وجهين: أحدهما: ما يحمده الفاعل، ومعناه الاستحسان والإخبار عن رضاه. والثاني ما يكرهه، ومعناه الإنكار والذم له، ففي الاستحسان يقال: أعجبني بالألف، وفي الذم والإنكار: عجبت وزان تَعبت. اهـ عبارة المصباح ج ٢ ص ٣٩٣. (قال الشيخ ابن السني) راوي هذا السنن عن أبي عبد الرحمن النسائي. هو الحافظ الإمام الثقة، أبو بكر، أحمد بن محمَّد بن إسحاق ابن إبراهيم بن أسباط الدينوري، مولى جعفر بن أبي طالب صاحب عمل اليوم والليلة، كان، دينا، صدوقا، مات سنة ٣٦٤، عن بضع وثمانين سنة. اهـ طبقات الحفاظ ص ٣٧٩. وقد تقدمت ترجمته في مقدمة هذا الشرح وافية، فارجع إليها والسني: بضم السين المهملة وتشديد النون نسبة إلى السنة ضد البدعة. قاله في اللباب ج ٢ ص ١٤٩. والدِّينَوري: بكسر الدال المهملة وسكون الياء وفتح النون وآخره راء نسبة إلى الدينور بلدة من بلاد الجبل، عند قرميسين. قاله في اللباب، ج ١ ص ٥٢٦. "تنبيه" ذكر الحافظ السيوطي في طبقات الحفاظ تبعا للذهبي أن ابن السني هذا هو الذي اختصر المجتبى من السنن الكبرى للنسائي وهذا خلاف ما ذكره في مقدمة زهر الربى في شرح المجتبى من أن المجتبى من

стр. 1586

اختصار النسائي نفسه، وهو الذي قاله الأكثرون، وهو الراجح، وقد أشبع الكلام على هذا محقق عمل اليوم والليلة للمصنف الدكتور فاروق حماده في دراساته، ونقلته في مقدمة هذا الشرح (قال أبو عبد الرحمن) النسائي (الحكم) المذكور في هذا السند (هو ابن سفيان الثقفي) بفتحتين نسبة إلى ثقيف بن منبه بن بكر بن هوازن بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس بن عيلان، وقيل: إن اسم ثقيف قسي، نزلوا الطائف، وانتشروا في البلاد في الإسلام. اهـ. لباب ج ١ ص ٢٤٠. ومراد المصنف بهذا الإشارة إلى أنه وقع اختلاف في اسمه واسم أبيه إلا أن الراجح هو الحكم بن سفيان. وقد ذكر الاختلافات العلامةُ ابن الأثير في أسد الغابة ج ٢ ع ٣٢، ٣٣. فقال: الحكم بن سفيان بن عثمان بن عامر بن معتب ابن مالك بن كعب بن سعد بن عوف بن ثقيف الثقفي، وقيل: سفيان ابن الحكم، وقيل: أبو الحكم الثقفي، وقيل: ابن أبي سفيان، أخبرنا أبو أحمد عبد الوهاب بن علي بن الأمين بإسناده إلى سليمان بن الأشعث، قال: حدثنا محمَّد بن كثير، عن سفيان، عن منصور، عن مجاهد، عن الحكم بن سفيان الثقفي، أو سفيان بن الحكم قال: كان رسول الله ﷺ "إذا بال توضأ ثم انتضح". ورواه زائدة عن منصور على الشك، ورواه روح بن القاسم، وشعبة، وشيبان، ومعمر، وأبو عوانة وزائدة، وجرير بن عبد الحميد، وإسرائيل، وهريم بن سفيان مثل سفيان على الشك، وقال شعبة وأبو عوانة وجرير عن الحكم أو أبي الحكم ورواه عامة أصحاب الثوري على الشك إلا عفيف بن سالم والفريابي فإنهما روياه فقالا: الحكم بن سفيان من غير شك. ورواه وهيب بن خالد عن

стр. 1587

منصور، عن الحكم عن أبيه، ورواه مسعر عن منصور، فقال: عن رجل من ثقيف ولم يسمه، وممن رواه ولم يشك سلام بن أبي مطيع وقيس بن الربيع، وشريك قالوا: عن الحكم بن سفيان ولم يشكوا. أخرجه الثلاثة. اهـ كلام ابن الأثير. قال الجامع عفا الله عنه: الصحيح من هذه الأقوال ما ذكره المصنف، وهو الذي رجحه ابن المديني، وأبو حاتم، والبخاري، كما قدمناه. "تنبيه" هذا الذي ذكرناه من ذكر أبي عبد الرحمن بعد ابن السني هو الذي في النسخة الهندية، وأما النسخة المصرية، فلم يذكر فيها أبو عبد الرحمن، بل جعل هذا الكلام لابن السني، والظاهر ما في الهندية والله أعلم. ومنه التوفيق، وعليه التكلان. ١٣٦ - أَخْبَرَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ مُحَمَّدٍ الدُّورِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا الأَحْوَصُ بْنُ جَوَّابٍ، حَدَّثَنَا عَمَّارُ بْنُ رُزَيْقٍ، عَنْ مَنْصُورٍ (ح) وَأَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا قَاسِمٌ - وَهُوَ ابْنُ يَزِيدَ الْجَرْمِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَنْصُورٌ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ الْحَكَمِ بْنِ سُفْيَانَ، قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ تَوَضَّأَ وَنَضَحَ فَرْجَهُ. قَالَ أَحْمَدُ: فَنَضَحَ فَرْجَهُ.

стр. 1588

رجال الإسنادين: تسعة ١ - (العباس بن محمَّد) بن حاتم بن واقد الدوري، أبو الفضل البغدادي، خواززمي الأصل، ثقة حافظ، من الحادية عشرة، مات سنة ٢٧١، وقد بلغ -٨٨ - سنة، والدوري: بضم الدال وسكون الواو وآخره راء نسبة إلى محلة ببغداد. أفاده في اللباب ج ١ ص ٥١٢. ٢ - (الأحوص بن جواب) بفتح الجيم وتشديد الواو، الضبي، يكنى أبا الجواب، كوفي، صدوق ربما وهم، من التاسعة، مات سنة إحدى عشرة. (م د ت س). ٣ - (عمار بن رزيق) بتقديم الراء مصغر، الضبي أو التميمي، أبو الأحوص الكوفي لا بأس به من الثامنة، مات سنة ١٥٩ (م د س ق). ٤ - (منصور) بن المعتمر، أبو عتاب الكوفي ثقة تقدم في السند السابق. وفي ٢/ ٢. ٥ - (أحمد بن حرب) بن محمَّد بن علي بن حيان بن مازن الطائي الموصلي، صدوق، من العاشرة مات سنة ٢٦٣، وله ٩٠ سنة (س). ٦ - (قاسم بن يزيد الجرمي) بفتح الجيم وسكون الراء، أبو يزيد الموصلي ثقة عابد، من التاسعة، مات سنة -١٩٤ - (س). ٧ - (سفيان) بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي ثقة ثبت من -٧ - تقدم في ٣٣/ ٣٧. ٨ - (مجاهد) بن جبر، أبو الحجاج المخزومي المكي ثقة، تقدم في ٢٧/ ٣١. ٩ - (الحكم) بن سفيان المتقدم في الحديث الماضي.

стр. 1589

لطائف هذين الإسنادين منها أنهما من سداسيات المصنف. ومنها أنه كتبت بينهما (ح). وقد قدمنا أنها مختصرة، واختلفوا مماذا اختصرَت، وقد أشار إلى ذلك السيوطي في ألفيته حيث قال: وكَتَبُوا "ح" عنْدَ تَكْريرسَنَدْ … فَقيل: منْ صَحَّ، وَقيلَ: ذَا انْفَرَدْ منَ الحَديثِ أوْ لتَحْويل وَرَدْ … أوْ حَائل وَقَوْلهَا لَفْظًا أسَد ومنها أن شيخه الأول ممن أخرج له الأربعة، والأحوص ممن أخرج له (م د ت س)، وعمار ممن أخرج له (م د س ق)، وشيخه الثاني ممن انفرد هو به، وكذلك قاسم بن يزيد، وأما غيرهم فقد تقدم بيانهم في السند السابق. شرح الحديث (عن الحكم بن سفيان) الثقفي ﵁ أنه (قال رأيت رسول الله ﷺ توضأ ونضح فرجه) أي رش الماء على الثوب الذي على فرجه، كما بينته رواية الطبراني المتقدمة. قال القاضي أبو بكر بن العربي في العارضة: اختلف العلماء في تأويل هذا الحديث على أربعة أقوال: الأول: معناه إذا توضأ صب الماء على العضو صبا ولا يقتصر على مسحه فإنه لا يجزىء فيه إلا الغسل. الثاني: معناه استبرأ الماء بالنثر والتنحنح، يقال: نضحت: استبرأت، وانتضحت: تعاطيت الاستبراء له.

стр. 1590

الثالث: معناه إذا توضأ رش الإزار الذي يلي الفرج ليكون ذلك مذهبا للوسواس. الرابع: معناه الاستنجاء بالماء، إشارة إلى الجمع بينه وبين الأحجار، فإن الحجر يخفف، والماء يطهره. وقد حدثني أبو مسلم المهدي قال: من الفقه الرائق: الماء يذهب الماء، ومعناه أن من استنجى بالأحجار لا يزال البول يرشح منه، فيجد منه البلل، فهذا استعمل الماء نسب الخاطر ما يجد من البلل إلى الماء وارتفع الوسواس. انتهى كلام ابن العربي ملخصا. وفي جامع الأصول: الانتضاح رش الماء على الثوب ونحوه، والمراد به أن يرش على فرجه بعد الوضوء ماء ليذهب عنه الوسواس الذي يعرض للإنسان أنه قد خرج من ذكره بلل، فإذا كان ذلك المكان بللا ذهب ذلك الوسواس، وقيل: أراد بالانتضاح الاستنجاء بالماء لأن الغالب كان من عادتهم أنهم يستنجون بالحجارة. انتهى. قال العلامة المباركفوري بعد نقل ما تقدم: قلت: والحق أن المرد بالانتضاح في هذا الحديث هو الرش على الفرج بعد الوضوء، كما يدل عليه ألفاظ أكثر الأحاديث الواردة في هذا الباب. اهـ تحفة الأحوذي ج ١ ص ١٦٨، ١٦٩. مسائل تتعلق بحديث الباب المسألة الأولى: في درجته: حديث الحكم بن سفيان ضعفوه للاضطراب المذكور، لكن قدمنا أن الأصح في اسمه أنه الحكم بن سفيان، وأن ابن معين، وأبا زرعة، وإبراهيم الحربي، وابن حبان، وابن عبد البر أثبتوا صحبته، وقد، وردت في الباب أحاديث تشهد له، وهي وإن كانت كلها ضعيفة إلا أنها يتقوى بعضها ببعض، والظاهر من صنيع المصنف ترجيح رواية سفيان حيث ذكر له متابعا، فيصح الحديث. وقال المباركفوري في تحفته: قلت: فحديث الباب ضعيف وفي الباب

стр. 1591

أحاديث عديدة مجموعها يدل على أن له أصلا. ثم ذكر الأحاديث التي أشار إليها الترمذي. فارجع إليه تزدد علما. ج ١ ص ١٦٩. وصححه الشيخ الألباني، انظر صحيح النسائي ج ١ ص ٣٠. المسألة الثانية: في بيان مواضعه عند المصنف: أخرجه هنا ١٢/ ١٣٤، ١٣٥، وفي الكبرى-٩٠/ ١٣٥. المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه من أصحاب الأصول: أخرجه (د ق)، فأما أبو داود فأخرجه في الطهارة -٦٤/ ٣ - عن نصر بن المهاجر، عن معاوية بن عمرو، عن زائدة، عن منصور، عن مجاهد، عن الحكم أو ابن الحكم، عن أبيه، و -٦٤/ ٢ - عن إسحاق ابن إسماعيل، عن سفيان -أي ابن عيينة-، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن رجل من ثقيف عن أبيه به، وفي -٦٤/ ١ - عن محمَّد بن كثير، عن سفيان، عن منصور، عن مجاهد، عن سفيان بن الحكم -أو الحكم بن سفيان- الثقفي نحوه، ولم يذكر أباه. وأما ابن ماجه: فأخرجه في الطهارة -٥٨/ ١ - عن ابن أبي شيبة، عن محمَّد بن بشر، عن زكريا بن أبي زائدة، عن منصور، عن مجاهد، عن الحكم بن سفيان به، ولم يذكر أباه، وهكذا رواه عفيف بن سالم الموصلي، عن سفيان الثوري، ورواه مؤمل بن إسماعيل، عن سفيان، فقال: عن الحكم بن سفيان، عن أبيه. ورواه بعضهم، عن شعبة، عن منصور، عن مجاهد، عن رجل من ثقيف- يقال له: الحكم، أو أبو الحكم، وكذلك رواه أبو عوانة، وجرير، عن منصور. ورواه سلام بن أبي مطيع وقيس بن الربيع، وشريك، عن منصور كما قال زكريا بن أبي زائدة. ورواه يحيى بن أبي بكير، عن زائدة بن قدامة فقال: الحكم بن سفيان أو سفيان بن الحكم- ولم يقل: عن أبيه. وكذلك قال معمر بن

стр. 1592

راشد، ومُفَضل بن مهَلهَل، وإسرائيل بن يونس، وهُريم بن سفيان، عن منصور. وقال رَوح بن القاسم، عن منصور، عن مجاهد، عن ابن الحكم، أو أبي الحكم بن سفيان. وقال الحسن بن صالح بن حي: عن منصور: الحكم بن سفيان، أو ابن أبي سفيان. وقال مسعر عن منصور: رجل من ثقيف، ولم يسمه. وقال وهيب بن خالد، عن منصور، عن مجاهد، عن الحكم، عن أبيه، ولم ينسبه -والله أعلم- أفاده الحافظ المزي في تحفته ج ٣ ص ٧٠، ٧١. وأخرجه أيضا أحمد في مسنده، والبيهقي، والطبراني. المسألة الرابعة: قال في المنهل: دل الحديث على مشروعية رش الماء على الفرج، والسراويل بعد الفراغ من الوضوء. وقد ورد الأمر به في رواية الترمذي، وابن ماجه، عن الحسن بن علي الهاشمي، عن عبد الرحمن الأعرج، عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: "جاءني جبريل فقال: يا محمَّد إذا توضأت فانتضح" قال الترمذي: حديث غريب، وسمعت محمدا يقول: الحسن بن علي الهاشمي منكر الحديث. اهـ وقال المنذري: والهاشمي هذا ضعفه غير واحد من الأئمة، ولا يصح عن النبي ﷺ في هذا الباب شيء. اهـ. وإلى طلب الانتضاح ذهب جماعة من العلماء. قال العيني: وكان ابن عمر إذا توضأ نضح فرجه، قال عبيد الله: كان أبي يفعل ذلك. وروي ذلك عن مجاهد، وميمون، وسلمة، وابن عباس، وعن هذا قال أصحابنا: من جملة مستحبات الوضوء أن ينضح الماء على فرجه، وسراويله بعد فراغه من الوضوء، ولا سيما إذا كان به وسوسة. اهـ المنهل. قال الجامع عفا الله عنه: تقدم أن أحاديث الباب يتقوى بعضها ببعض فتصلح، فيستفاد منها استحباب النضح. والله أعلم.

стр. 1593

١٠٣ - بَابُ الانْتِفَاعِ بِفَضْلِ الوُضُوءِ أي هذا باب ذكر الأحاديث الدالة على مشروعية الانتفاع بما بقي عن استعمال المتوضئ سواء كان الباقي في الإناء أو ما اجتمع من غسالته لأن الأحاديث تدل على كليهما. ١٣٦ - أَخْبَرَنَا أَبُو دَاوُدَ سُلَيْمَانُ بْنُ سَيْفٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَتَّابٍ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي حَيَّةَ، قَالَ: رَأَيْتُ عَلِيًّا ﵁ تَوَضَّأَ ثَلَاثًا ثَلَاثًا، ثُمَّ قَامَ فَشَرِبَ فَضْلَ وَضُوئِهِ وَقَالَ صَنَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ كَمَا صَنَعْتُ. رجال الإسناد: ستة ١ - (أبو داود سليمان بن سيف) بن يحيى بن درهم الطائي مولاهم، الحراني، ثقة حافظ، من الحادية عشرة، مات سنة -٢٧٢ - (س). ٢ - (أبو عتاب) بمهملة ومثناة ثم موحدة، سهل بن حماد الدَّلال البصري، صدوق، من التاسعة، مات سنة ٢٠٨ - وقيل قبلها (م ٤). ٣ - (شعبة) بن الحجاج أبو بسطام الواسطي البصري الحجة المثبت [٧] تقدم في ٢٤/ ٢٦. ٤ - (أبو إسحاق) عمرو بن عبد الله بن عبيد، ويقال علي، ويقال ابن أبي شعيرة الهمداني السبيعي بفتح المهملة وكسر الموحدة، ثقة مكثر عابد، من الثالثة، اختلط بأخرة، مات سنة -١٢٩ - ، وقيل قبل ذلك. تقدم في ٣٩/ ٤٢.

стр. 1594

٥ - (أبو حية) بن قيس الوادعي، الكوفي، قيل اسمه عمرو بن نصر، وقيل اسمه عبد الله، وقيل اسمه عامر بن الحارث، وقال أبو أحمد الحاكم وغيره: لا يعرف اسمه، مقبول، من الثالثة. تقدم في ٧٩/ ٩٦. ٦ - (علي) بن أبي طالب ﵁. تقدم في ٧٤/ ٩١. لطائف الإسناد منها أنه من سداسياته. ومنها أن رواته ثقات غير أبي عتاب فصدوق، وأبي حية فمقبول، ومنها أن شيخه حَراني، وأبو عتاب وشعبة بصريان، وغيرهم كوفيون. ومنها أن شيخه ممن انفرد هو به، وأبا عتاب ممن أخرج له مسلم، والأربعة، وأبا حية ممن أخرج له الأربعة، وغيرهم ممن اتفق عليهم. ومنها أن فيه رواية تابعي، عن تابعي: أبو إسحاق، عن أبي حية. شرح الحديث (عن أبي حية) الوادعي أنه (قال رأيت عليا ﵁. قال السيوطي ﵀ في عقود الزبرجد على مسند الإمام أحمد (١): (فائدة) سئل الإمام أبو محمَّد بن السِّيد البطليوسي عن قولنا: "﵁" ورضوان الله عليه، هل "عليه" هنا مبدلة من "عن" كما تبدل بعض الحروف من بعض فتسوغ فيها "على" و"عن" أم ليست مبدلة؟ فأجاب: ليست "على" هنا ببدل من "عن" التي حكم رضي أن يتعدى بها، بدليل أن عليه قد صارت خبرا عن المبتدإ، ولو كانت بدلا من "عن" لكانت من صلة الرضوان، ولم يصح أن يكون خبرا عنه، و"عن" مضمنة في الكلام، كأنه قال رضوان الله عنه سابغ عليه أو واقع عليه ونحو ذلك. اهـ عقود الزبرجد ج ١ ص ١٣، ١٤. (توضأ) جملة حالية لأن رأى بصرية (ثلاثا ثلاثا) مفعول مطلق

стр. 1595

لتوضا، أي توضأ توضؤًا ثلاثا (ثم) بعد إكمال الوضوء (قام فشرب فضل وضوئه) بفتح الواو، أي ما بقي من وضوئه من الماء (وقال) علي ﵁ (صنع رسول الله ﷺ كما صنعت) أي فعل مثل فعلي هذا من كيفية الوضوء والشرب قائمًا. وبالله التوفيق، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث المسألة الأولى: في درجته: وقد قدمنا في الباب ٧٩ و ٩٦ أن ابن السكن، وغيره صححوه، وقد تابع أبا حية في روايته عن علي ﵁ عبد خير، والحسين بن علي. المسألة الثانية: في بيان مواضعه من هذا الكتاب: أخرجه المصنف هنا، وفي الباب ٧٩، وفي ٩٣. المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه من أصحاب الأصول: أخرجه (د ت) وقد تقدم تفاصيل ذلك كله في الباب ٧٩/ ح ٩٦. فارجع إليه تزدد علما. المسألة الرابعة: في فوائده: يستفاد من هذا الحديث مشروعية الوضوء ثلاثا ثلاثا، واستحباب الشرب من فضل الوضوء، وجواز الشرب قائمًا، لكن وردت أحاديث بمنع الشرب قائما ووجه التوفيق بينها وبين هذا الحديث تقدم في الباب المذكور، فأرجع إليه تزدد علما. ويستفاد أيضا ما ترجم له المصنف، وهو الانتفاع بفضل الوضوء وسيأتي الكلام عليه آخر الباب. وبالله التوفيق، وعليه التكلان. ١٣٧ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ، عَنْ سُفْيَانَ، حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ مِغْوَلٍ، عَنْ عَوْنِ بْنِ أَبِي جُحَيْفَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: شَهِدْتُ النَّبِيَّ ﷺ بِالْبَطْحَاءِ وَأَخْرَجَ بِلَالٌ فَضْلَ وَضُوئِهِ، فَابْتَدَرَهُ النَّاسُ فَنِلْتُ مِنْهُ شَيْئًا، وَرُكِزَتْ لَهُ الْعَنَزَةَ، فَصَلَّى

стр. 1596

بِالنَّاسِ، وَالْحُمُرُ وَالْكِلَابُ وَالْمَرْأَةُ يَمُرُّونَ بَيْنَ يَدَيْهِ. رجال الإسناد: خمسة ١ - (محمَّد بن منصور) بن ثابت بن خالد الخزاعي، المكي، الجَوَّاز، بالجيم وتشديد الواو ثم زاى، ثقة، من العاشرة، مات سنة ٢٥٢ (س) تقدم في ٢/ ٢. ٢ - (سفيان) بن عيينة أبو محمد الكوفي ثم المكي الثقة الحجة من [٨] تقدم في ١/ ١. ٣ - (مالك بن مغول) بكسر أوله وسكون المعجمة وفتح الواو، الكوفي، أبو عبد الله، ثقة ثبت، من السابعة، مات سنة ٢٥٩. على الصحيح (ع) تقدم في ٩٨/ ١٢٧. ٤ - (عَوْن بن أبي جحيفة) السُّوَائي، بضم المهملة، الكوفي، وثقه ابن معين، وأبو حاتم، والنسائي، وذكره ابن حبان في الثقات. قال خليفة: مات في آخر ولاية خالد على العراق. وقال ابن قانع: مات سنة -١١٦ - وفي "ت": ثقة من الرابعة. أخرج له الجماعة. ٥ - (أبو جيحفة) وهب بن عبد الله السوائي (١) ويقال: اسم أبيه وهب أيضا، مشهور بكنيته، ويقال له: وهب الخير، صحابي معروف، وصحب عليا، قيل: مات النبي ﷺ قبل أن يبلغ الحلم. روى عن النبي ﷺ ، وعن علي، والبراء بن عازب. وعنه ابن عون، وسلمة ابن كهيل، والشعبي، وغيرهم. قال أبو نعيم: كان على شُرْطَة علي، واستعمله على خمس المتاع، ويقال: إن عليا هو الذي سماه وهب الخير. قال الواقدي: مات في ولاية بشر بن مروان. وقال غيره: سنة -٧٤ - أخرج له الجماعة.

стр. 1597

لطائف الإسناد منها أنه من خماسيات المصنف. ومنها أن رواته كلهم ثقات، وكلهم كوفيون إلا شيخه فمكي، وسفيان فكوفي، ثم مكي. ومنها أن فيه رواية الراوي عن أبيه. ومنها أن رواته ممن اتفق أصحاب الأصول فيهم إلا شيخه، فهو ممن انفرد هو به. ومنها أن فيه الإخبار، والتحديث، والعنعنة. شرح الحديث (عن عون بن أبي جحيفة، عن أبيه) وهب بن عبد الله السوائي ﵁ أنه (قال: شهدت النبي ﷺ ) أي اطلعت عليه، وعاينته، (بالبطحاء) قال ابن منظور: والبطحاء: مَسيل فيه دُقَاق الحصى، قال الجوهري: الأبطح: مسيل واسع فيه دقاق الحصى. وقال ابن سيده: وقيل: بطحاء الوادي: تراب لين مما جرته السيول، والجمع بطحاوات وبطاح. وقال ابن الأثير: وبطحاء الوادي، وأبطحه: حصاه اللين في بطن المسيل، ومنه الحديث: "أنه ﷺ ، صلى بالأبطح" ويعني أبطح مكة قال: هو مسيل واديها. اهـ لسان باختصار. وقال النووي: والأبطح موضع معروف على باب مكة، ويقال له: البطحاء أيضا. اهـ شرح مسلم ج ٤ ص ٢١٨. (أخرج بلال) بن رباح المؤذن، وهو ابن حمامة، وهي أمه، أبو عبد الله، مولى أبي بكر، من السابقين الأولين، وشهد بدرا والمشاهد، مات بالشام سنة ١٧، أو ١٨، وقيل: سنة ٢٠، وله بضع وستون سنة (ع).

стр. 1598

والجملة حال من الفاعل (فضل وضوئه) بفتح الواو، أي الباقي من الماء الذي توضأ به. وقال السندي: ظاهره أنه الذي بقي في الإناء بعد الفراغ من الوضوء، ويحتمل أنه المستعمل فيه، والأخير هو الأظهر في الحديث الآتي. اهـ. ج ١ ص ٨٧. (فابتدره الناس) أي استبقوا إلى أخذه تبركا بأثره ﷺ . قال الحافظ: كأنهم اقتسموا الماء الذي فضل عنه، ويحتمل أن يكونوا تناولوا ما سال من أعضاء وضوئه ﷺ ، وفيه دلالة بينة على طهارة الماء المستعمل. اهـ فتح ج ١ ص ٣٥٣. قال أبو جحيفة (فنلت منه شيئا) أي أصبت من ذلك الماء قليلا. قال ابن منظور يقال نالني من فلان معروف ينالني أي وصل إليّ منه معروف. وقال الجوهري: نال خيرا، ينال، نيلا، قال: وأصله نَيلَ، يَنْيَل، مثال تَعب، يتعب، وأناله غيره، والأمر منه نَل بفتح النون، وإذا أخبرت عن نفسك كسرته، اهـ لسان باختصار (وركزت) بالبناء للمفعول، أي غرزت، وفي نسخة ورَكَزَ بالبناء للفاعل، أي غرز بلال أفاده السندي. وقال في المصباح: رَكَزت الرمحَ رَكْزًا من باب قتل: أثبته بالأرض، فارتكز، والمَرْكز وزان مسجد موضع الثبوت. اهـ. (العنزة) بفتحتين: عصا أقصر من الرمح، ولها زجُّ (١) من أسفلها، والجمع عنز -أي بفتحتين -أيضا، وعنزات مثل قصبة، وقصب وقصبات، قاله في المصباح. وقال ابن منظور: والعنزة: عصا في قدر نصف الرمح، أو أكثر شيئا فيها سنان الرمح، وقيل: في طرفها الأسفل زجّ كزجّ الرمح يَتَوَكأ عليها

стр. 1599

الشيخ الكبير، وقيل: هي أطول من العصا وأقصر من الرمح. اهـ لسان. وإنما ركزت العنزة له لتكون سترة فيصلي إليها كما بينه قوله (نصلى) النبي ﷺ (بالناس) الظهر والعصر ركعتين، كما صرح به في رواية الشيخين (والحمر) بضمتين جمع حمار الذكر، والأنثى أتَان، وحِمَارة بالهاء نادر، ويجمع أيضا على حمِير. أفاده في المصباح (والكلاب) جمع كلب: كل سبع عقور، وغلب على هذا النابح قاله المجد، بل صار حقيقة لغوية فيه، لا تحتمل غيره، لذا قال الجوهري وغيره: هو معروف، ولم يحتاجوا لتعريفه لشهرته. قال الجامع عفا الله عنه: هذا المشهور هو المراد هنا وربما وصف به، يقال: رجل كلب، وامراة كلبة. قاله الشارح المرتضى. ويجمع أيضا على أكلب وأكالب، وكلابات. اهـ. (ق). (والمرأة) وزان تمرة، وفيها لغة أخرى: امرأة، ويجوز نقل حركة همزة مرأة إلى الراء فتحذف، وتبقى مَرَة وزان سَنَة، وربما قيل فيها: امرأ بغير هاء اعتمادا على قرينة تدل على المسمى، قال الكسائي: سمعت امرأة من فصحاء العرب تقول أنا امرأ أريد الخير، بغير هاء وجمعها نساء، ونسوة، من غير لفظها اهـ المصباح. ج ٢ ص ٥٧٠. فقوله: والحمر الخ: مبتدأ، والواو واو الحال وخبر المبتدإ جملة قوله: (يمرون بين يديه) أي قدامه، وراء العَنَزَة، وهذا يدل على أن مرور شيء وراء السترة لا يضر. قاله السندي ج ١ ص ٨٧. "تنبيه" وقع هنا عند المصنف هكذا: والحمر، والكلاب، والمرأة يمرون، ووقع عند البخاري "والمرأة والحمار يمرون من ورائها" واستشكل

стр. 1600

عود ضمير جمع المذكر العاقل على المؤنث وعلى غير العاقل. وقد أجاب شراح البخاري عما وقع في البخاري، فقال ابن مالك: المشكل من هذا الحديث قوله: والمرأة والحمار يمرون فعاد الضمير للذكور العقلاء على مؤنث ومذكر غير عاقل، والوجه فيه أنه أراد المرأة والحمار وراكبه فحذف الراكب لدلالة الحمار عليه، مع نسبة مرور مستقيم إليه، ثم غَلَّبَ تذكير الراكب المفهوم على تأنيث المرأة، وعَقلَهُمَا على بهيمية الحمار، فقال: يمرون. ومثل يقرون المخبر به عن مذكور ومعطوف محذوف، وقوعُ طَيلحَان في قول بعض العرب: راكب البعير طيلحان. يريد راكب البعير والبعيرُ طيلحان. اهـ شواهد التوضيح ص ٩٣. وأجاب غيره بغير هذا راجع الفتح ج ١ ص ٦٨٦ وعمدة القاري ج ٤ ص ١١٠. قال الجامع عفا الله عنه: وجواب ابن مالك أحسنها، ففي رواية المصنف نقول: غُلبَ تذكير الراكبين المفهومين على تأنيث المرأة، وعقلهم على بهيمية الحمر والكلاب. والله أعلم. ومنه التوفيق، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بحديث هذا الباب المسألة الأولى: في درجته: هذا الحديث متفق عليه: المسألة الثانية: في بيان مواضعه عند المصنف: أخرج المصنف هذا الحديث هنا، وفي الكبرى ٩١/ ١٣٥، بالسند المذكور وفي الحج ٢٨٠/ ٢ عن موسى بن عبد الرحمن، عن حسين الجعفي، عن زائدة، عن مالك ابن مِغْول، عن عون بن أبي جحيفة، عن أبيه. وأخرجه عن طريق سفيان الثوري في هذا الكتاب في الزينة -١٢١ - عن عبد الرحمن بن محمَّد بن سلام، عن إسحاق الأزرق، عنه بنحوه.

стр. 1601

المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه من أصحاب الأصول: أخرجه (خ م) فأما البخاري: فأخرجه في صفة النبي ﷺ (المناقب ٢٣/ ٢٦) عن الحسن ابن الصباح، عن محمَّد بن سابق، عن مالك بن مغول، عن عون بن أبي جحيفة، عن أبيه. وأما مسلم فأخرجه في الصلاة (٤٧/ ١١) عن قاسم بن زكريا، عن حسين الجعفي، عن زائدة، عن مالك، عن عون، عن أبيه،. المسألة الرابعة: في فوائده: يستفاد من هذا الحديث طهارة الماء المستعمل، وجواز الانتفاع به، وهو الذي ترجم له المصنف، وجواز لتبرك بآثاره ﷺ ، ومحبة الصحابة له ﷺ ، وتعظيمهم إياه، واستعمال العنزة للسترة، واستعانة الإمام بمن يركز له إياها، وعدم بطلان الصلاة، ولا نقصها بمرور شيء وراءها. وجواز استخدام الحر برضاه، واستحباب خدمة أهل الفضل. وبالله التوفيق، وعليه التكلان. ١٣٨ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ، عَنْ سُفْيَانَ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ الْمُنْكَدِرِ يَقُولُ: سَمِعْتُ جَابِرًا يَقُولُ: مَرِضْتُ، فَأَتَانِي رَسُولُ اللهِ ﷺ وَأَبُو بَكْرٍ يَعُودَانِّي، فَوَجَدَانِي قَدْ أُغْمِي عَلَيَّ، فَتَوَضَّأَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَصَبَّ عَلَيَّ وَضُوءَهُ. رجال الإسناد: أربعة ١ - (محمَّد بن منصور) ٢ - (سفيان) تقدما في السند السابق. ٣ - (ابن المنكدر) هو محمَّد بن المنكدر بن عبد الله بن الهُدَير

стр. 1602

بالتصغير التيمي، المدني، ثقة فاضل، من الثالثة، مات سنة -١٣٠ - أو بعدها (ع). ٤ - (جابر) بن عبد الله بن عمرو بن حرام، بمهملة وراء، الأنصاري، ثم السَّلَمي، بفتحتين، صحابي ابن صحابي، غزا تسع عشرة غزوة، ومات بالمدينة، بعد السبعين، وهو ابن -٩٤ - (ع) تقدم في ٣١/ ٣٥. لطائف الإسناد منها: أنه من رباعيات المصنف، وقد تقدم في المقدمة أنه أعلى ما وقع له، وهو التاسع من رباعيات الكتاب. ومنها: أن رواته كلهم ثقات، وأنهم ما بين مكي وهو شيخه، وكوفي ثم مكي، وهو سفيان، ومدنيين، وهما ابن المنكدر، وجابر. "تنبيهان": الأول: معنى قولي: إن هذا السند من رباعيات الصنف، وأنه أعلى ما وقع له من الأسانيد: كون الوسائط بينه، وبين النبي ﷺ أربعة أشخاص، فمثلا هنا: شيخه، وسفيان، وابن المنكدر، وجابر، أربع وسائط. وهذا هو أعلى ما عنده، ومثله لمسلم وأبي داود، بخلاف البخاري، والترمذي، وابن ماجه، فإن لهم ثلاثيات. وقد اعتنى بعض العلماء بجمع ثلاثيات البخاري، والترمذي، وكذا الدارمي، وعبد بن حميد، والطبراني. وقد تقدم تحقيق هذا في المقدمة فأرجع إليه. الثاني: في تعريف الإسناد العالي، وأن طلبه أمر مستحب، وتقسيم العلو. الإسناد العالي: هو الذي قل عدد رجاله مع الاتصال، وكذا إذا تقدم

стр. 1603

سماع راويه، أو تقدمت وفاة شيخه. وعلو الإسناد له عند المحدثين شأن كبير، وذلك أنه يفيد قوة السند، لأنه يبعد احتمال الخلل عن الحديث؛ لأن كل رجل من رجاله قد يحتمل أن يقع من جهته خلل، فهذا قَلت الوسائط تقل جهات الاحتمالات للخلل، فيكون علو السند قوة للحديث. قال الحافظ أبو الفضل المقدسي: أجمع أهل النقل على طلبهم العلو، ومدحه، إذ لو اقتصروا على سماعه بنزول لم يرحل أحد منهم. وقد رحل المحدثون فيه، وأتعبوا مطاياهم من أجله، ما يسمع أحدهم بحديث عن محدث في عصره حتى يرحل إليه ليسمعه منه مباشرة. قال أحمد بن حنبل: طلب الإسناد العالي سنة عمن سلف، وقيل ليحيى بن معين في مرضه الذي مات فيه: ما تشتهي؟ قال: بيت خال، وسند عال. وينقسم العلو بحسب جهته إلى خمسة أقسام: ترجع إلى قسمين: علو مسافة بقلة الوسائط، وعلو صفة، أما العلو بالمسافة: فهو ثلاثة أقسام: القسم الأول: القرب من رسول الله ﷺ من حيث العدد، بإسناد صحيح نظيف، وهذا علو مطلق، وهو أفضل أنواع العلو، وأجلها، قال محمَّد بن أسلم الطوسي الزاهد: قرب الإسناد قرب أو قربة إلى الله ، ووجه كلامه هذا فيما نرى: أن قرب الإسناد يفيد قوة السند كما عرفت، واستخراج المحدث لذلك يقربه إلى الله . القسم الثاني: القرب من إمام من أئمة الحديث، وهو علو نسبي كالعلو إلى مالك، والأوزاعي، وسفيان.

стр. 1604

ووجه هذا أن هؤلاء الأئمة قد انتهى إليهم علم الحديث، وحفظه، فأصبح خوف الخلل في رواياتهم مأمونا، فرغبوا في العلو إليهم، لما فيه من قوة السند. القسم الثالث: العلو بالنسبة إلى الكتب الحديثية المشتهرة، وهو أن يعلو إسناد المحدث بالنسبة إلى روايته عن طريق الصحيحين وبقية الستة، إذ لو روى الحديث من طريق كتاب من الستة يقع أنزل مما لو رواه من غير طريقها، وغالبا ما يكون السبب نزول الإسناد عن طريق هذه الكتب. أما عُلُوَّا الصفة: فقد ذكرهما الحافظ أبو يعلى الحنبلي في كتاب الإرشاد إلى معرفة الحديث، واشتهرا بعده. الأول: العلو بتقدم وفاة الراوي بأن يتقدم موت الراوي في هذا السند على موت الراوي الذي في السند الآخر، وإن كانا متساويين في العدد. الثاني: العلو بتقدم السماع من الشيخ بأن يكون أحد الرواة سمع منه قبل غيره إلا أنه يقع التداخل كثيرا بين هذين القسمين حتى عدهما بعض العلماء قسما واحدا. (١) شرح الحديث (عن سفيان) بن عيينة أنه (قال: سمعت ابن المنكدر يقول) قال الجلال السيوطي ﵀: يتكرر قول الراوي سمعت رسول الله ﷺ يقول، وقد اختلف هل يتعدى سمعت إلى مفعولين فجوزه الفارسي، لكن لابد أن يكون الثاني مما يسمع نحو سمعت زيدا قال كذا، فلو قلت: سمعت زيدا أخاك لم يجز، والصحيح تعديتها إلى واحد، وما وقع بعده منصوبا فعلى الحال، والأول على تقدير مضاف، أي سمعت كلام رسول الله ﷺ ؛ لأن السمع لا يقع على الذوات، ثم بين هذا المحذوف

стр. 1605

بالحال المذكور، وهو يقول، وهي حال مبينة، ولا يجوز حذفها. وقال الزمخشري في قوله: "سمعنا مناديا": "تقول: سمعت رجلا يتكلم، فتوقع الفعل على الرجل، وتحذف المسموع؛ لأنك وصفته بما يسمع، أو جعلته حالا عنه، فأغناك عن ذكره، ولولا الوصف أو الحال لم يكن منه بد وأن يقال: سمعت كلامه. وقال الطيبي: الأصل في سمعت رسول الله ﷺ في قول، سمعت قول رسول الله ﷺ ، فأخر القول وجعل حالا ليفيد الإبهام والتعيين وهو أوقع في النفس من الأصل. اهـ عقود الزبرجد ج ١ ص ٢١ (سمعت جابرا) ﵁، (يقول: مرضت فأتاني رسول الله ﷺ ، وأبو بكر) ﵁ (يعوداني) قال في المصباح: عُدت المريض عيادَة: زُرته فالرجل عائد وجمعه عُوَّاد، والمرأة عائدة وجمعها عُوّد بغير ألف. قال الأزهري: هكذا كلام العرب. اهـ ج ٢ ص ٤٣٧. (فوجداني قد أغمى علي) أي غشي على قال في المصباح: وغمي على المريض ثلاثي مبني للمفعول فهو مَغْميّ عليه على مفعول، قاله ابن السكيت، وجماعة، وأغمي عليه إغماء بالبناء للمفعول أيضا وتقدم في غشي ما قيل فيه عن الأطباء. وقال في مادة غشي: ويقال إن الغَشْيَ يعطّل القوى المحركة والأوْردَة الحساسة لضعف القلب بسبب وجع شديد أو برد أو جوع مفرط، وقيل الغشي: هو الإغماء، وقيل: الإغماء: امتلاء بطون الدماغ من بلغم بارد غليظ، وقيل الإغماء سهو يلحق الإنسان مع فتورالأعضاء لعلة. اهـ ج ٢ ص ٤٤٨. وقال في اللسان: وغُميَ على المريض وأغمي عليه: غُشيَ عليه ثم أفاق. وفي التهذيب: أغمي على فلان إذا ظن أنه مات، ثم يرجع حيا. اهـ ج ١٥. ص ١٣٤.

стр. 1606

(فتوضأ رسول الله ﷺ ، نصب عليّ وَضوءه) بفتح الواو: أي الماء الذي توضأ به، أو منه. قال السندي: والظاهر أنه الماء الستعمل، فهذا يدل على طهارة الماء المستعمل، وحديث الخصوص غير مسموع لكون الأصل العموم. اهـ ج ١ ص ٨٧/ ٨٨. وقال الحافظ: يحتمل أن يكون الراد صب علي بعض الماء الذي توضأ به، أو مما بقي منه، والأول المراد، فللمصنف في الاعتصام "ثم صب وضوءه علي" ولأبي داود "توضأ وصبه علي". اهـ فتح ج ١ ص ٣٦٠. مسائل تتعلق بهذا الحديث المسألة الأولى: في درجته: حديث جابر هذا، متفق عليه. المسألة الثانية: في بيان مواضعه من هذا الكتاب: حديث جابر عن طريق ابن عيينة لم يذكره المصنف في المجتبى إلا في هذا الموضع. وأخرجه في الكبرى في الفرائض والتفسير عن محمَّد بن منصور، وفي الطب أيضا عن قتيبة، عن سفيان، عن محمَّد بن المنكدر، عن جابر ﵁. المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه من أصحاب الأصول، وغيرهم: أخرجه (خ) في المرضَى عن عبد الله بن محمَّد، وفي الفرائض عن قتيبة - وفي الاعتصام عن علي بن عبد الله. وأخرجه (م) في الفرائض -٣/ ١ - عن عمرو الناقد. وأخرجه (د) في الفرائض عن أحمد بن حنبل. وأخرجه (ت) في الفرائض وفي التفسير عن الفضل بن الصباح البغدادي، وفي التفسير عن عبد بن حميد، عن يحي بن آدم- وأخرجه (ق) في الجنائز -١/ ٤ - عن محمَّد

стр. 1607

ابن عبد الأعلى الصنعاني، وفي الفرائض -٥/ ٣ - عن هشام بن عمار ثمانيتهم عن سفيان، عن ابن المنكدر، عن جابر ﵁. وأخرجه أحمد في مسنده ج ٣/ ٣٠٧. المسألة الرابعة: في فوائد هذا الحديث: يستفاد من هذا الحديث: مشروعية عيادة المريض، واعتناء كبير القوم بتفقد أصحابه، وطهارة الماء المستعمل، وجواز الانتفاع به وهو الذي بوب عليه المصنف، رحمه الله. وسيأتي تحقيق المسألة، وأقوال العلماء فيها، وترجيح المذهب الصحيح في المسألة التالية، إن شاء الله تعالى. المسألة الخامسة: في مذاهب العلماء في الماء المستعمل: قال الإمام النووي ﵀ ما ملخصه: اختلف العلماء في طهارة الماء المستعمل وكونه ليس بمطهر فأما المسألة الأولى، وهي كونه طاهرا فقد قال بها مالك والشافعي، وأحمد، وجمهور السلف، والخلف، وخالف في ذلك أبو يوسف فقال بنجاسته. وعن أبي حنيفة ثلاث روايات: إحداها رواية محمَّد بن الحسن: طاهر، وهو المشهور عنه. والثانية: نجس نجاسة مخففة. والثالثة: نجس نجاسة مغلظة. واحتج لهما بقوله ﷺ "لا يبولن أحدكم في الماء الدائم، ثم يتوضأ منه، ولا يغتسل فيه من الجنابة". قالوا فجمع بين البول، والاغتسال. ولأنه أدى به فرض طهارة، فكان نجسا، كالمزال به النجاسة. واحتج الأولون بحديث جابر ﵁ -يعني حديث الباب- واحتجوا أيضا بقوله ﷺ "الماء طهور لا ينجسه شيء" وهو حديث صحيح وهو على عمومه، إلا ما خص لدليل. واحتج الشافعي ثم أصحابه بأن النبي ﷺ ، والصحابة ﵃ كانوا يتوضؤون، ويتقاطر على ثيابهم، ولا يغسلونها. واحتجوا بأن الماء طاهر لاقى محلا طاهرًا،

стр. 1608

فكان طاهرًا كما لو غسل به ثوب طاهر. ولأن الماء طاهر، والأعضاء طاهرة، فمن أين النجاسة. والجواب عن حديث "لا يبولن أحدكم في الماء الدائم، ولا يغتسل فيه من الجنابة" من أوجه: أحدها أن هذا الحديث رواه هكذا أبو داود في سننه من رواية محمَّد بن عجلان، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ : ورواه البخاري ومسلم في صحيحيهما عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ ومسلم قال: "لا يبولن أحدكم في الماء الدائم، ثم يغتسل منه" وفي رواية لمسلم "لا يغتسل أحدكم في الماء الدائم وهو جنب" فقيل لأبي هريرة: كيف يفعل؟ قال: "يتناوله تناولا" فهاتان الروايتان خلاف رواية أبي داود، قال البيهقي: رواية الحفاظ من أصحاب أبي هريرة كما رواه البخاري، ومسلم، وأشار البيهقي إلى تقديم هذه الرواية، وجعله جوابا لاستدلالهم به، لكن لا يُرتَضَى هذا الجواب، ولا الترجيح لأن الترجيح إنما يستعمل إذا تعذر الجمع بين الروايتين، وليس هو متعذرا هنا، بل الجواب المرضي أنه لا يلزم اشتراك القرينين في الحكم، قال الله تعالى: ﴿كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ﴾ [الأنعام: ١٤١]، فالأكل غير واجب، والإيتاء واجب. وجواب آخر وهو أن النهي عن البول والاغتس الذيه ليس لأنه ينجس بمجرد ذلك، بل لأنه يقذره، ويؤدي إلى تغيره. ولهذا نص الشافعي، والأصحاب على كراهة الاغتسال في الماء الراكد وإن كان كثيرا. وعلى الجملة تعلقهم بهذا الحديث وحكمهم بنجاسة الماء به عجيب. وأما قياسهم على المزال به نجاسة فجوابه من أوجه: أحدها لا نسلم نجاسته إذا لم يتغير، وانفصل وقد طهر المحل. الثاني: أنا حكمنا بنجاسته لملاقاته محلا نجسا بخلاف المستعمل في الحدث. الثالث: أنه

стр. 1609

انتقلت إليه النجاسة. والله أعلم. وأما المسألة الثانية وهي كونه ليس بمطهر، فقال به أبو حنيفة والشافعي، وأحمد، وهو رواية عن مالك، ولم يذكر ابن المنذر عنه غيرها. وذهب طوائف إلى أنه مطهر، وهو قول الزهري، ومالك، والأوزاعي في أشهر الروايتين عنهما، وأبي ثور، وداود. قال ابن المنذر: وروي عن علي، وابن عمر، وأبي أمامة، وعطاء، والحسن، ومكحول، والنخعي، وإنهم قالوا فيمن نسي مسح رأسه فوجد في لحيته بللا: يكفيه مسحه بذلك، قال ابن المنذر: وهذا يدل على أنهم يرون المستعمل مطهرا، قال وبه أقول. واحتج لهؤلاء بقول الله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ [الفرقان: ٤٨] والفَعُول لما يتكرر منه الفعل، وبما رُويَ عن النبي ﷺ "أنه توضأ فمسح رأسه بفضل ماء في يده"، وفي حديث آخر أنه ﷺ "مسح رأسه ببلل لحيته"، وعن ابن عباس أن النبي ﷺ "اغتسل فنظر لمعة من بدنه لم يصبها الماء فأخذ شعرا من بدنه عليه ماء فأمرّة على ذلك الموضع" قالوا: ولأنه ماء لاقَىَ طاهرا فبقي مطهرا كما لو غسل به ثوب، ولأنه مستعمل فجاز الطهارة به، كالمستعمل في تجديد الوضوء، ولأنه ما أدِّيَ به الفرض مرة لا يمتنع أن يؤدي به ثانيا، كما يجوز للجماعة أن يتيمموا من موضع واحد وكما يخرج الطعام في الكفارة ثم يشتريه، ويخرجه فيها ثانيا، وكما يصلي في الثوب الواحد مرار. قالوا: ولأنه لو لم تجز الطهارة بالمستعمل لامتنعت الطهارة؛ لأنه بمجرد حصوله على العضو يصير مستعملا، فإذا سال على باقي العضو ينبغي أن لا يرفع الحدث، وهذا متروك بالإجماع، فدل على أن المستَعْمَل مُطهِّر. قال النووي: واحتج أصحابنا بحديث الحكم بن عمرو رضي الله عنه

стр. 1610

أن النبي ﷺ "نهى أن يتوضأ الرجل بفضل طهور المرأة" رواه أبو داود، والترمذي، والنسائي، وغيرهم، قال الترمذي: حديث حسن، وقال البخاري: ليس هو بصحيح، قالوا: ووجه الاستدلال أن المراد بفضل طهور المرأة ما سقط عن أعضائها لأنا نقول نحن والمنازعون على أن الباقي في الإناء مطهر فتعين حمله على الساقط، قال النووي: وفي صحة هذا الحديث والاستدلال به هنا نظر. واحتجوا بحديث أبي هريرة السابق مع أبي حنيفة "لا يغتسل أحدكم في الماء الدائم، وهو جنب" قالوا: والمراد نهيه لئلا يصير مستعملا، وفي هذا الاستدلال نظر؛ لأن المختار، والصواب أن المراد بهذا الحديث النهي عن الاغتسال في الدائم، وإن كان كثيرا، لئلا يقذره، وقد يؤدي تكرار ذلك إلى تغيره. واحتجوا بالقياس على المستعمل في إزالة النجاسة، ولكن الفرق ظاهر وأقرب شيء يحتج به ما احتج به إمام الحرمين وهو عمدة المذهب أن النبي ﷺ وأصحابه ﵃ احتاجوا في مواطن من أسفارهم الكثيرة إلى الماء، ولم يجمعوا المستعمل لاستعماله مرة أخرى. فإن قيل: تركوا الجمع لأنه لا يتجمع منه شيء فالجواب أن هذا لا يسلم وإن سلم في الوضوء لم يسلم في الغسل. فإن قيل: لا يلزم من عدم جمعه منع الطهارة به، ولهذا لم يجمعوه للشرب، والطبخ، والعجن، والتبرد، ونحوها، مع جوازها به بالاتفاق. فالجواب أن ترك جمعه للشرب ونحوه للاستقذار، فإن النفوس تعافه في العادة، وإن كان طاهرا، كما استقذر النبي ﷺ الضب وتركه، فقيل: أحرام هو؟ قال "لا، ولكني أعافه" وأما الطهارة به ثانية فليس فيها استقذار فتركه يدل على امتناعه.

стр. 1611

ومما احتجوا به أن السلف اختلفوا فيمن وجد من الماء بعض ما يكفيه لطهارته هل يستعمله، ثم يتيمم للباقي، أم يتمم ويتركه، ولم يقل أحد يستعمله ثم يجمعه ثم يستعمله في بقية الأعضاء، ولو كان مطهرا لقالوه. فإن قيل: لأنه لا يتجمع منه شيء، فالجواب: لا نسلم ذلك بل الحال في ذلك مختلف كما قدمته قريبا. وأما الجواب عن احتجاجهم بالآية: فمن وجهين: أحدهما: لا نسلم أن فعولا يقتضي التكرار مطلقا، بل منه ما هو كذلك، ومنه غيره، وهذا مشهور لأهل العربية. والثاني: المراد بطهور المطهر والصالح للتطهير، والمُعَدُّ لذلك. وأما قولهم: "توضأ النبي ﷺ فمسح رأسه بفضل ماء كان في يده" فهذا الحديث رواه هكذا أبو داود في سننه، وإسناده عن عبد الله بن محمَّد بن عَقيل، عن الرُّبيِّع بنت مُعَوِّذ ﵂. وروى مسلم وأبو داود وغيرهما عن عبد الله بن زيد ﵁ أنه رأى النبي ﷺ "توضأ" فذكر صفة الوضوء إلى أن قال: "ومسح برأسه بماء غير فضل يديه، وغسل رجليه" وهذا هو الموافق لروايات الأحاديث الصحيحة في أنه ﷺ أخذ لرأسه ماء جديدا. فإذا ثبت هذا فالجواب عن الحديث من أوجه: أحدها: أنه ضعيف فإن راويه عبد الله بن محمَّد ضعيف عند الأكثرين، وإذا كان ضعيفا لم يحتج بروايته ولو لم يخالفه غيره، ولأن الحديث مضطرب عن عبد الله بن محمَّد: قال البيهقي: قد رَوَى شريك عن عبد الله في هذا الحديث فأخذ ماء جديدا فمسح رأسه مقدمه ومؤخره الجواب الثاني: لو صح لحمل على أنه أخذ ماء جديدا وصب بعضه ومسح رأسه ببقيته ليكون موافقًا لسائر الروايات، وعلى هذا تأوله البيهقي على تقدير صحته.

стр. 1612

الثالث: يحتمل أن الفاضل في يده من الغسلة الثالثة لليد، ونحن نقول به على الصحيح، وكذا في سائر نفل الطهارة. وأما قولهم: مسح رأسه ببلل لحيته: فجوابه من وجهين: أحدهما: أنه ضعيف. والثاني: حمله على بلل الغسلة الثانية والثالثة، وهو مطهر على الصحيح. وأما قولهم: اغتسل وترك لمعة ثم عصر عليها شعرا فجوابه من أوجه: أحدها: أنه ضعيف، وقد بين الدارقطني، ثم البيهقي ضعفه، قال البيهقي: وإنما هو من كلام النخعي. الثاني: لو صح لحمل على بلل باق من الغسلة الثالثة. الثالث: أن حكم الاستعمال إنما يثبت بعد الانفصال عن العضو، وهذا لم ينفصل، وبدن الجنب كعضو واحد، ولهذا لا ترتيب فيه. وأما قياسهم على ما غسل به ثوب وعلى تجديد الوضوء: فجوابه: أنه لم يؤد به فرض. وأما قياسهم على تيمم الجماعة: فجوابه: أن المستعمل ما علق بالعضو أو سقط عنه على الأصح، وأما الباقي بالأرض فغير مستعمل قطعا فليس هو كالماء. وأما طعام الكفارة: فإنما جاز أداء الفرض به مرة أخرى لتجدد عود الملك فيه فنظيره تجدد الكثرة في الماء ببلوغه قلتين، ونحن نقول به على الصحيح، وأما الثوب فلم يتغير من صفته شيء فلا يسمى مستعملا بخلاف الماء، وتغير الصفات مؤثر فيما أدي به الفرض كالعبد يعتقه عن كفارة. وأما قولهم: لو لم تجز الطهارة به لامتنعت الخ: فجوابه أنا لا نحكم بالاستعمال مادام مترددا على العضو بلا خلاف فلا يؤدي إلى مفسدة ولا حرج. والله أعلم. اهـ كلام النووي في المجموع ببعض تصرف ج ١ ص ١٥١/ ١٥٦.

стр. 1613

وقال العلامة الشوكاني رحمه الله تعالى ما نصه: وقد ذهب إلى أن الماء المستعمل غير مطهر أكثر العترة، وأحمد بن حنبل، والليث، والأوزاعي، والشافعي، ومالك في إحدى الروايتين عنهما، وأبو حنيفة في رواية عنه. واحتجوا بهذا الحديث -يعني حديث أبي هريرة في نهي الجنب عن الاغتسال في الماء الدائم- وبحديث النهي عن التوضؤ بفضل وضوء المرأة، واحتج لهم في البحر بما روي عن السلف من تكميل الطهارة بالتيمم عند قلة الماء، لا بما تساقط منه. وأجيب عن الاستدلال بحديث الباب بأن علة النهي ليست كونه يصير مستعملا، بل مصيره مستخبثا بتوارد الاستعمال فيبطل نفعه، ويوضح ذلك قول أبي هريرة يتناوله تناولا، وباضطراب متنه، وبأن الدليل أخص من الدعوى؛ لأن غاية ما فيه خروج المستعمل للجنابة، والمدعَى خروج كل مستعمل عن الطهورية. وعن حديث النهي عن التوضؤ بفضل وضوء المرأة بمنع كون الفضل مستعملا، ولو سلم فالدليل أخص من الدعوى لأن المدعى خروج كل مستعمل عن الطهورية، لا خصوص هذا المستعمل، وبالعارضة بما أخرجه مسلم، وأحمد من حديث ابن عباس: "أن رسول الله ﷺ كان يغتسل بفضل ميمونة" وأخرجه أحمد أيضا، وابن ماجه بنحوه من حديثه، وأخرجه أحمد أيضا، وأبو داود، والنسائي، والترمذي، وصححه من حديثه بلفظ "اغتسل بعض أزواج النبي ﷺ في جفنة، فجاء النبي ﷺ ليتوضأ منها، أو يغتسل، فقالت له: يا رسول الله إني كنت جنبا، فقال: إن الماء لا يجنب"، وأيضا حديث النهي عن التوضؤ بفضل وضوء المرأة فيه مقال. وعن الاحتجاج بتكميل السلف للطهارة بالتيمم لا بما تساقط بأنه لا

стр. 1614

يكون حجة إلا بعد تصحيح النقل عن جميعهم، ولا سبيل إلى ذلك، لأن القائلين بطهورية المستعمل منهم، كالحسن البصري، والزهري، والنخعي، ومالك، والشافعي، وأبي حنيفة، في إحدى الروايات عن الثلاثة المتأخرين، ونسبه ابن حزم إلى عطاء، وسفيان الثوري، وأبي ثور، وجميع أهل الظاهر، وبأن المتساقط قد فني؛ لأنهم لم يكونوا يتوضئون إلى إناء، والملتصق بالأعضاء حقير لا يكفي بعض عضو من أعضاء الوضوء، وبأن سبب الترك بعد تسليم صحته عن السلف، وإمكان الانتفاع بالبقية هو الاستقذار. وبهذا يتضح عدم خروج المستعمل عن الطهورية، وتحتم البقاء على البراءة الأصلية، لا سيما بعد اعتضادها بكليات وجزئيات من الأدلة، كحديث "خلق الماء طهورا" وحديث "مسحه ﷺ رأسه بفضل ماء كان بيده". وغيرهما. اهـ كلام الشوكاني في نيله ج ١ ص ٤٥/ ٤٦. قال الجامع عفا الله عنه: وهذا الذي قاله الشوكاني هو التحقيق الذي لا يحتاج إلى التعليق عليه. ولقد تكلم على هذه المسألة العلامة المجتهد أبو محمَّد ابن حزم في كتابه البديع "المحلى" فأفاد، وأجاد، وأسهب، وأعاد، ولولا بشاعة عباراته التي يرمي بها خصومه في رد أقوالهم، وتفنيد آرائهم من دون أن يفرق بين فلان، وفلان، وذلك غَيرَةً على النصوص، حسبما رآه هو، وإن كانوا كلهم يريدون الخير، وخدمةَ النصوص بقدر المستطاع، ولا يألون جهدا، فربما أصابوا، وربما أخطأوا، والكل مأجورون، لنقلت عبارته برمتها. فارجع إليه ج ١ ص ١٨٣ - ١٩١. فالحاصل أن المذهب الراجح: هو مذهب من يقول: بطهورية الماء المستعمل، وطهارته لوضوح أدلته، والله أعلم.

стр. 1615

١٠٤ - بَابُ فَرْضِ الوُضُوءِ أي هذا باب ذكر الحديث الدال على كون الوضوء فرضا لا تصح الصلاة إلا به، قال في المصباح: وفرض الله الأحكام فرضا: أوجبها، فالفرض: المفروض، جمعه فروض، مثل فلس وفلوس اهـ. ج ٢ ص ٤٦٩. وقال السندي: الإضافة بيانية، أي المفروض من الوضوء، أو الوضوء المفروض فالإضافة من إضافة الصفة للموصوف عند من يجيزها اهـ. وقال ابن منظور: والفرض: السنة، فرض رسول الله ﷺ . أي سن. وقيل: فرض رسول الله ﷺ ، أي أوجب وجوبا لازما، قال: وهذا هو الظاهر. والفرض: ما أوجبه الله ، سمي بذلك لأن له معالم وحدودا. وفرض الله علينا كذا وكذا، وافترض: أي أوجب. وقول الله : ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ﴾ [البقرة: ١٩٧] أي أوجبه على نفسه بإحرامه، وقال ابن عرفة: الفرض: التوقيت، وكل مؤقت فهو مفروض. اهـ لسان ج ٧ ص ٢٠٢. ١٣٩ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي الْمَلِيحِ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَا يَقْبَلُ اللهُ صَلَاةً بِغَيْرِ طُهُورٍ، وَلَا صَدَقَةً مِنْ غُلُولٍ". رجال الإسناد: خمسة ١ - (قتيبة) بن سعيد أبو رجاء الثقفي البغلاني ثقة. ثبت من [١٠]، تقدم في ١/ ١.
следующие страницы →