الطيبيّ، حيث قال: إنه حالٌ فيه معنى الشرط، أي ادفعوا من خرج على الإمام بالسيف، وإن كان أشرف، وأعلم، وترون أنه أحقّ وأولى، وهذا المعنى أظهر في لفظه مما في المتن؛ لأنه يجري حينئذ على صفة ذوي العلم، كما في قوله تعالى: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا﴾ [الشمس: ٧]، أي عظيم القدرة على الشأن. انتهى (١).
(فَاقْتُلُوهُ) أي إن لم يندفع شرّه إلا بالقتل، وإلا فإن الواجب في حقّه أن يُنهَى أوّلًا عن ذلك، فإن انتهى فذاك، وإلا قُوتل، وإن لم يندفع شرّه إلا بقتله، فقُتل، كان دمه هدرًا (فَإِنَّ يَدَ اللَّهِ عَلَى الْجَمَاعَةِ) قال في "النهاية": يد اللَّه كناية عن الحفظ، أي إن الجماعة المتّفقة من أهل الإسلام في كنف اللَّه، ووقايته فوقهم، وهو يُعيذهم من الأذى والخوف. انتهى. وقال السنديّ: أي حفظه تعالى، ونصره مع المسلمين، إذا اتفقوا، فمن أراد التفريق بينهم، فقد أراد صرف النصر عنهم. انتهى.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الذي قاله في "النهاية"، ونحوه للسنديّ، إن كان الغرض منه نفي صفة اليد عن اللَّه تعالى، وتأويلها بالحفظ، فغير صحيح، وإن كان المراد التفسير باللازم مع إثبات أصل المعنى، أي أن اليد صفة للَّه تعالى على ما يليق بجلاله، فالخطب سهل. واللَّه تعالى أعلم.
(فَإِنَّ) وفي "الكبرى": "وإن" بالواو (الشَّيْطَانَ مَعَ مَنْ فَارَقَ الْجَمَاعَةَ يَرْكُضُ) من باب قتل: أي يَعْدُو، ويُسرع. قال في "القاموس": الرَّكضُ تحريك الرِّجل، ومنه: ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ﴾ [سورة ص: ٤٢]، والدفعُ، واستحثاث الفرس للعدّوِ، وتَحرُّكُ الْجَنَاح، والْعَدْوُ. انتهى.
والمراد هنا. أنه يتغلغل بينهم، ويحثّهم بأن يعادي بعضهم بعضًا، ويُسرع في الإفساد بينهم. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث عَرْفجة بن شُريح الأشجعيّ - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا أخرجه مسلم.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٦/ ٤٠٢١ و ٤٠٢٢ و ٤٠٢٣ وفي "الكبرى" ٦/ ٣٤٨٣ و ٣٤٨٤ و ٣٤٨٥.
стр. 15577
وأخرجه (م) في "الإمارة" ١٨٥٢ (د) في "السنّة" ٤٨٦٢ (أحمد) في "أول مسند الكوفيين" ١٧٨٣٠ و ١٨٥٢٠ و"أول مسند البصريين" ١٩٧٦٦. واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان وجوب قتل من فارق الجماعة. (ومنها): أن فيه علمًا من أعلام النبوّة، فإن هذا وقع كما أخبر به النبيّ ﷺ . (ومنها): إثبات اليد للَّه ، على ما يليق بجلاله. (ومنها): أن فيه فضل الجماعة، وبركتهم، وأن عون اللَّه تعالى، ونصره لا يفارقهم. (ومنها). بيان مضرّة التفرّق، واختلاف الكلمة، وأنه سبب لاستيلاء الشيطان على المسلمين، فإنه يحبّ ذلك، حيث إن الجماعة، واتفاق الكلمة يصحبها عون اللَّه تعالى، ونصره، فهو يحبّ ضدّ ذلك، فيركُض مع من فارق جماعة المسلمين، ويكون أولياءهم، ﴿وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا﴾ [النساء: ٣٨]. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٠٢٢ - (أَخْبَرَنَا أَبُو عَلِيٍّ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الْمَرْوَزِيُّ, قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنِ عُثْمَانَ, عَنْ أَبِي حَمْزَةَ, عَنْ زِيَادِ بْنِ عِلَاقَةَ, عَنْ عَرْفَجَةَ بْنِ شُرَيْحٍ, قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «إِنَّهَا سَتَكُونُ بَعْدِي هَنَاتٌ وَهَنَاتٌ وَهَنَاتٌ, وَرَفَعَ يَدَيْهِ, فَمَنْ رَأَيْتُمُوهُ يُرِيدُ تَفْرِيقَ أَمْرِ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ , وَهُمْ جَمِيعٌ, فَاقْتُلُوهُ كَائِنًا مَنْ كَانَ مِنَ النَّاسِ»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "أبو عليّ، محمد يحيى المروزيّ": هو الصائغ اليشكريّ، ثقة [١١] ٥٣/ ٣٥٢٤. و"عبد اللَّه بن عثمان" بن جَبَلَةَ بفتح الجيم، والموحّدة- ابن أبي رَوّاد بفتح الراء، وتشديد الواو- واسمه ميمون. وقيل: أيمن الأزديّ الْعَتَكيّ بفتح المهملة، والمثنّاة- مولاهم، أبو عبد الرحمن المروزيّ الملقّب عبدان، ثقة حافظٌ [١٠].
قال أحمد بن عَبْدة: تصدّق عبدان في حياته بألف ألف درهم، وكتب كُتُب ابن المبارك بقلم واحد. وقال ابن حبّان في "الثقات": قال أحمد بن حنبل: ما بقي الرحلة إلا إلى عبدان بخراسان، مات سنة (٢٢٠). وقد قيل: سنة (٢٢٢). وقال البخاريّ وغيره: سنة (٢٢١) زاد غيره: وهو ابن (٧٦) سنة. وفيها أرّخه الحاكم، والقرّاب، وزاد: في العشر الأواخر من شعبان. وقال الكلاباذيّ: وُلد سنة (١٤٠). وقال ابن عديّ في "شيوخ البخاريّ": حدّث عن شعبة أحاديث تفرّد بها. وقال أبو رجاء محمد بن حمدويه: رأيته يخضِبُ، وهو ثقة مأمون. وقال الحاكم: كان إمام أهل الحديث ببلده، ولّاه عبد اللَّه بن طاهر قضاء جُوزَجَان، فاحتال حتى اعتفى. وفي "الزهرة" روى عنه
стр. 15578
البخاريّ (١١٠) أحاديث. روى له الجماعة، سوى ابن ماجه، وله عند المصنّف في هذا الكتاب خمسة أحاديث: هذا الحديث، وفي "كتاب قطع السارق" حديث ١/ ٤٨٧٢ و ٤٨٧٣ - حديث أبي هريرة - رضي اللَّه تعالى عنه - قال: قال رسول اللَّه - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم -: "لا يزني الزاني حين يزني، وهو مؤمن" الحديث. وفي "كتاب الزينة" ٢٦/ ٥١٠٨ - حديث ابن مسعود - رضي اللَّه تعالى عنه -: "سمعت رسول اللَّه - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم - يلعن المتنمّصات" الحديث. وفي "كتاب الاستعاذة" ٤٠/ ٥٦٥٦ - حديث بُريدة - رضي اللَّه تعالى عنه - "أن رسول اللَّه - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم - بينا هو يسير" الحديث.
و"أبو حمزة": هو السُّكَّريّ، محمد بن ميمون المروزيّ، ثقة فاضلٌ [٧] ٢٢/ ٢٠٦.
وقوله: "وهم جميع": أي مجتمعون على إمام واحد، كما فسّرته رواية مسلم من طريق يونس بن أبي يعفور، عن أبيه، عن عرفجة، ولفظه: "من أتاكم، وأمركم جميعٌ على رجل واحد، يريد شقّ عصاكم، أو يفرّق جماعتكم، فاقتلوه".
والحديث أخرجه مسلم، وقد سبق تمام البحث فيه في الذي قبله. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٠٢٣ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ, قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى, قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ, قَالَ: حَدَّثَنَا زِيَادُ بْنُ عِلَاقَةَ, عَنْ عَرْفَجَةَ, قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ «سَتَكُونُ بَعْدِي هَنَاتٌ وَهَنَاتٌ, فَمَنْ أَرَادَ أَنْ يُفَرِّقَ أَمْرَ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ , وَهُمْ جَمْعٌ, فَاضْرِبُوهُ بِالسَّيْفِ»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "عَمْرُو بْنُ عَلِيِّ": هو الفلاّس. و"يحيى": هو القطّان.
والحديث أخرجه مسلم، وقد سبق تمام البحث فيه قبل حديث. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٠٢٤ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ قُدَامَةَ, قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ, عَنْ زَيْدِ بْنِ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ, عَنْ زِيَادِ بْنِ عِلَاقَةَ, عَنْ أُسَامَةَ بْنِ شَرِيكٍ, قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَيُّمَا رَجُلٍ خَرَجَ يُفَرِّقُ بَيْنَ أُمَّتِي, فَاضْرِبُوا عُنُقَهُ»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "محمد بْنُ قُدامة": هو المصّيصيّ، ثقة [١٠] ١٩/ ٥٢٨. و" جرير": هو ابن عبد الحميد بن قُرْط الضبيّ المصّيصيّ، ثقة [٨] ٢/ ٢.
و"زيد بن عطاء بن السائب" الكوفيّ الثقفيّ، مقبول [٧].
روى عن زياد بن عِلاقة، وابن المنكدر، وجعفر الصادق، وعمرو بن يحيى بن
стр. 15579
عُمارة. وعنه إسرائيل، وجرير بن عبد الحميد، وحُصين بن مُخارق، وعبد الغفّار بن القاسم. قال أبو حاتم: شيخٌ ليس بالمعروف. وذكره ابن حبّان في "الثقات". تفرّد به المصنّف بهذا الحديث فقط، والترمذيّ بحديث آخر.
و"أسامة بن شريك" الثعلبيّ- بالثاء المثلثة، والمهملة- من بني ثعلبة بن سعد، صحابيّ تفرّد بالرواية عنه زياد بن علاقة على الصحيح. وقيل: روى عنه أيضًا عليّ بن الأقمر. روى له الأربعة، وله عند المصنّف هذا الحديث فقط.
والحديث صحيح بالسند المتقدّم، وأما هذا فضعيف، كما سبق بيانه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
٧ - (تَأْوِيلُ قَوْلِ اللَّهِ : ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾ [المائدة: ٣٣]، وَفِيمَ نَزَلَتْ، وَذِكْرُ اخْتِلَافِ أَلْفَاظِ النَّاقِلِينَ لِخَبَرِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ فِيهِ)
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: في هذه الآية الكريمة مسائل:
(المسألة الأولى): في اختلاف أهل العلم في سبب نزولها:
(اعلم): أَنَّ ظاهر صنيع المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- أن الآية الكريمة نزلت في أهل الردّة، ومثله صنيع الإمام البخاريّ -رحمه اللَّه تعالى-، قال ابن بطال -رحمه اللَّه تعالى-: ذهب البخاريّ إلى أن آية المحاربة نزلت في أهل الكفر والردة، وساق حديث العرنيين، وليس فيه تصريح بذلك، ولكن أخرج عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة حديث
стр. 15580
العرنيين، وفي آخره: قال: بلغنا أن هذه الآية نزلت فيهم: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ الآية [المائدة: ٣٣]. ووقع مثله في حديث أبي هريرة ﵁، وممن قال ذلك الحسن، وعطاء، والضحاك، والزهري. قال: وذهب جمهور الفقهاء إلى أنها نزلت فيمن خرج من المسلمين، يسعى في الأرض بالفساد، ويقطع الطريق، وهو قول مالك، والشافعيّ، والكوفيين، ثم قال: وليس هذا منافيا للقول الأول؛ لأنها وإن نزلت في العرنيين بأعيانهم، لكن لفظها عام يدخل في معناه كلّ من فعل مثل فعلهم، من المحاربة والفساد.
قال الحافظ: بل هما متغايران، والمرجع إلى تفسير المراد بالمحاربة، فمن حملها على الكفر خص الآية بأهل الكفر، ومن حملها على المعصية عمم، ثم نقل ابن بطال عن إسماعيل القاضي، أن ظاهر القرآن، وما مضى عليه عمل المسلمين، يدل على أن الحدود المذكورة في هذه الآية، نزلت في المسلمين، وأما الكفار فقد نزل فيهم: ﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ﴾ إلى آخر الآية [سورة محمد ﷺ : ٤]، فكان حكمهم خارجا عن ذلك. وقال تعالى في آية المحاربة: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ الآية [المائدة: ٣٤]، وهي دالة على أن من تاب من المحاربين يسقط عنه الطلب بما ذكر بما جناه فيها، ولو كانت الآية في الكافر لنفعته المحاربة، ولكن إذا أحدث الحرابة مع كفره اكتفينا بما ذكر في الآية، وسلم من القتل، فتكون الحرابة خففت عنه القتل.
وأجيب عن هذا الإشكال بأنه لا يلزم من إقامة هذه الحدود على المحارب المرتد مثلا، أن تسقط عنه المطالبة بالعود إلى الإسلام، أو القتل. وقد نقل البخاريّ في تفسير "سورة المائدة"، عن سعيد بن جبير أن معنى المحاربة للَّه الكفر به. وأخرج الطبري من طريق روح بن عبادة، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن أنس في آخر قصة العرنيين، قال: فذكر لنا أن هذه الآية نزلت فيهم: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المائدة: ٣٣]، وأخرج نحوه من وجه آخر عن أنس. وأخرج الإسماعيلي هناك من طريق مروان بن معاوية، عن معاوية بن أبي العباس، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أنس ﵁، عن النبي ﷺ في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المائدة: ٣٣] قال: هم من عكل.
قال الحافظ -رحمه اللَّه تعالى-: والمعتمد أن الآية نزلت أولا فيهم، وهي تتناول بعمومها من حارب من المسلمين بقطع الطريق، لكن عقوبة الفريقين مختلفة، فإن كانوا كفارا يخير الإمام فيهم إذا ظفر بهم، وإن كانوا مسلمين فعلى قولين: أحدهما: وهو
стр. 15581
قول الشافعيّ، والكوفيين ينظر في الجناية، فمن قَتل قُتل، ومن أخذ المال قُطع، ومن لم يقتل ولم يأخذ مالا نُفي، وجعلوا "أو" للتنويع. وقال مالك: بل هي للتخيير، فيتخير الإمام في المحارب المسلم بين الأمور الثلاثة، ورجح الطبري الأول. ذكره في "الفتح" (١).
وقال أبو عبد اللَّه القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى-: اختلف الناس في سبب نزول هذه الآية، فالذي عليه الجمهور أنها نزلت في العرنيين، روى الأئمة، واللفظ لأبي داود، عن أنس بن مالك: "أن قوما من عكل، أو قال: من عرينة، قدموا إلى رسول اللَّه ﷺ ، فاجتووا المدينة، فأمر لهم رسول اللَّه ﷺ بلقاح، وأمرهم أن يشربوا من أبوالها وألبانها، فانطلقوا، فلما صَحُّوا قتلوا راعي النبيّ ﷺ ، واستاقوا النعم، فبلغ النبيّ ﷺ خبرهم من أول النهار، فأرسل في آثارهم، فما ارتفع النهار حتى جيء بهم، فأمر بهم فقطعت أيديهم وأرجلهم، وسمر أعينهم، وألقوا في الحرة يستسقون فلا يسقون، قال أبو قلابة: فهؤلاء قوم سرقوا وقتلوا وكفروا بعد إيمانهم، وحاربوا اللَّه ورسوله، وفي رواية: فأمر بمسامير، فأحميت وكحلهم، وقطع أيديهم وأرجلهم، وما حسمهم، وفي رواية: بعث رسول اللَّه ﷺ في طلبهم قافة، فأتي بهم، قال: فأنزل اللَّه ﵎ في ذلك: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا﴾ الآية [المائدة: ٣٣]، وفي رواية: قال أنس: فلقد رأيت أحدهم يَكْدِم الأرض بفيه عطشا حتى ماتوا، وفي البخاري (٢) قال جرير بن عبد اللَّه في حديثه: فبعثني رسول اللَّه ﷺ في نفر من المسلمين، حتى أدركناهم وقد أشرفوا على بلادهم، فجئنا بهم إلى رسول اللَّه ﷺ ، قال جرير: فكانوا يقولون: الماء، ويقول رسول اللَّه ﷺ : "النار".
وقد حكى أهل التواريخ والسير، أنهم قطعوا يدي الراعي ورجليه، وغرزوا الشوك في عينيه حتى مات، وأدخل المدينة ميتا، وكان اسمه يسار، وكان نوبيا، وكان هذا الفعل من المرتدين سنة ستّ من الهجرة، وفي بعض الروايات عن أنس: أن رسول اللَّه ﷺ أحرقهم بالنار بعد ما قتلهم.
وروي عن ابن عباس، والضحاك، أنها نزلت بسبب قوم من أهل الكتاب، كان بينهم وبين رسول اللَّه ﷺ عهد، فنقضوا العهد، وقطعوا السبيل، وأفسدوا في الأرض.
وفي مصنف أبي داود، عن ابن عباس قال: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾
стр. 15582
إلى قوله: ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٤] نزلت هذه الآية في المشركين، فمن أُخذ منهم قبل أن يُقدَر عليه لم يمنعه ذلك أن يقام عليه الحد الذي أصابه، وممن قال: إن الآية نزلت في المشركين عكرمة، والحسن، وهذا ضعيف، يرده قوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ الآية [الأنفال:٣٨]، وقوله ﷺ : "الإسلام يهدم ما قبله"، أخرجه مسلم. والصحيح الأول؛ لنصوص الأحاديث الثابتة في ذلك.
وقال مالك، والشافعيّ، وأبو ثور، وأصحاب الرأي: الآية نزلت فيمن خرج من المسلمين يقطع السبيل، ويسعى في الأرض بالفساد، قال ابن المنذر: قول مالك صحيح، قال أبو ثور محتجًا لهذا القول: وفي الآية دليل على أنها نزلت في غير أهل الشرك، وهو قوله جل ثناؤه: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ الآية [المائدة: ٣٤]، وقد أجمعوا على أن أهل الشرك إذا وقعوا في أيدينا فأسلموا، أن دماءهم تحرم، فدلّ ذلك على أن الآية نزلت في أهل الإسلام.
وحكى الطبري عن بعض أهل العلم أن هذه الآية نَسخت فعل النبي ﷺ في العرنيين، فوُقف الأمر على هذه الحدود. ورَوى محمد بن سيرين قال: كان هذا قبل أن تنزل الحدود، يعني حديث أنس، ذكره أبو داود.
وقال قوم: منهم الليث بن سعد: ما فعله النبيّ ﷺ بوفد عرينة نُسخ، إذ لا يجوز التمثيل بالمرتد. قال أبو الزناد: إن رسول اللَّه ﷺ لما قطع الذين سرقوا لقاحه، وسمل أعينهم بالنار، عاتبه اللَّه في ذلك، فأنزل اللَّه تعالى في ذلك: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا﴾ الآية [المائدة: ٣٣]، أخرجه أبو داود، قال أبو الزناد: فلما وُعظ، ونُهي عن المثلة لم يعد.
وحُكي عن جماعة أن هذه الآية ليست بناسخة لذلك الفعل؛ لأن ذلك وقع في مرتدين، لاسيما وقد ثبت في "صحيح مسلم" وكتاب النسائيّ، وغيرهما قال: "إنما سمل النبي ﷺ أعين أولئك؛ لأنهم سملوا أعين الرعاة، فَكَانَ هذا قصاصا"، وهذه الآية في المحارب المؤمن.
قال القرطبيّ: وهذا قول حسن، وهو معنى ما ذهب إليه مالك، والشافعي، ولذلك قال اللَّه تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ [المائدة: ٣٤]، ومعلوم أن الكفار لا تختلف أحكامهم في زوال العقوبة عنهم بالتوبة بعد القدرة، كما تسقط قبل القدرة، والمرتد يستحق القتل بنفس الردة، دون المحاربة، ولا يُنفَى، ولا تُقطع يده ولا رجله، ولا يُخَلَّى سبيله، بل يُقتل إن لم يسلم، ولا يُصَلّب أيضًا، فدلّ أن ما
стр. 15583
اشتملت عليها الآية ما عُني به المرتد، وقال تعالى في حق الكفار: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨]، وقال في المحاربين: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ الآية، وهذا بَيّنٌ، وعلى ما قررناه في أول الباب لا إشكال، ولا لوم، ولا عتاب، إذ هو مقتضى الكتاب، قال اللَّه تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ الآية [البقرة: ١٩٤]، فمَثَلوا فمُثِل بهم، إلا أنه يحتمل أن يكون العتاب إن صح على الزيادة في القتل، وذلك تكحيلهم بمسامير محماة، وتركهم عَطَاشَى حتى ماتوا، واللَّه أعلم.
وحكى الطبري عن السدي، أن النبي ﷺ لم يسمل أعين العرنيين، وإنما أراد ذلك، فنزلت الآية ناهية عن ذلك، وهذا ضعيف جدا، فإن الأخبار الثابتة وردت بالسمل، ففي "صحيح البخاريّ": "فأمر بمسامير فأحميت، فكحلهم"، ولا خلاف بين أهل العلم أن حكم هذه الآية مترتب في المحاربين من أهل الإسلام، وإن كانت نزلت في المرتدين، أو اليهود. انتهى (١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الأرجح عندي ما ذهب إليه الجمهور، وهو مذهب البخاريّ، والمصنّف أن الآية الكريمة نزلت في العرنيين المرتدّين، ولكنها تشمل بعمومها من حارب من المسلمين بقطع الطريق، وسيأتي تحقيق الخلاف في حكم معاقبتهم في المسألة الثالثة، إن شاء اللَّه تعالى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الثانية): أنه اختلف العلماء فيمن يستحق اسم المحاربة، فقال مالك: المحارب عندنا من حمل على الناس في مصر، أو في برية، وكابرهم على أنفسهم وأموالهم، دون نائرة (٢) ولا ذحل (٣) ولا عداوة، قال ابن المنذر: اختلف عن مالك في هذه المسألة، فأثبت المحاربة في المصر مرّة، ونفى ذلك مرّة. وقالت طائفة: حكم ذلك في المصر، أو في المنازل والطرق، وديار أهل البادية والقرى سواء، وحدودهم واحدة، وهذا قول الشافعيّ، وأبي ثور، قال ابن المنذر: كذلك هو؛ لأن كلا يقع عليه اسم المحاربة، والكتاب على العموم، وليس لأحد أن يُخرِج من جملة الآية قوما بغير حجة. وقالت طائفة: لا تكون المحاربة في المصر، وإنما تكون خارجا عن المصر، هذا قول سفيان الثوريّ، وإسحق، والنعمان، والمغتال كالمحارب، وهو الذي يحتال
стр. 15584
في قتل إنسان على أخذ ماله، وإن لم يَشهَر السلاح، لكن دخل عليه بيته، أو صحبه في سفر فأطعمه سما فقتله، فيقتل حدّا، لا قودا.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الأرجح عندي ما ذهب إليه الشافعيّ، وأبو ثور، ورجحه ابن المنذر، من أن المحارب يعم كلّ من حمل السلاح على المسلمين مطلقًا، في المصر، أو المنازل، والطرق، أو البرية؛ لعموم الآية الكريمة. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الثالثة): اختلفوا في حكم المحارب، فقالت طائفة: يقام عليه بقدر فعله، فمن أخاف السبيل، وأخذ المال قطعت يده ورجله من خلاف، وإن أخذ المال، وقتل قطعت يده ورجله، ثم صلب، فإذا قتل ولم يأخذ المال قتل، وإن هو لم يأخذ المال، ولم يقتل نفي، قاله ابن عباس، وروي عن أبي مجلز، والنخعي، وعطاء الخراساني، وغيرهم.
وقال أبو يوسف: إذا أخذ المال وقتل صلب وقتل على الخشبة، قال الليث: بالحربة مصلوبا. وقال أبو حنيفة: إذا قتل قتل، وإذا أخذ المال ولم يقتل قطعت يده ورجله من خلاف، وإذا أخذ المال وقتل فالسلطان مخير فيه، إن شاء قطع يده ورجله، وإن شاء لم يقطع وقتله وصلبه، قال أبو يوسف: القتل يأتي على كلّ شيء، ونحوه قول الأوزاعيّ. وقال الشافعيّ: إذا أخذ المال قطعت يده اليمنى وحسمت، ثم قطعت رجله اليسرى وحسمت، وخُلي؛ لأن هذه الجناية زادت على السرقة بالحرابة، وإذا قتل قتل، وإذا أخذ المال وقتل قتل وصلب، وروي عنه أنه قال: يصلب ثلاثة أيام، قال: وإن حَضَرَ وكَثر وهِيب، وكان رِدْئًا للعدو حُبس، وقال أحمد: إن قتل قتل، وإن أخذ المال قطعت يده ورجله، كقول الشافعيّ، وقال قوم: لا ينبغي أن يصلب قبل القتل، فيحال بينه وبين الصلاة والأكل والشرب. وحُكي عن الشافعيّ أكره أن يقتل مصلوبا؛ لنهي رسول اللَّه ﷺ عن المثلة. وقال أبو ثور: الإمام مخير على ظاهر الآية، وكذلك قال مالك، وهو مروي عن ابن عبّاس، وهو قول سعيد بن المسيب، وعمر بن عبد العزيز، ومجاهد، والضحاك، والنخعي، كلهم قال: الإمام مخير في الحكم على المحاربين، يحكم عليهم بأي الأحكام التي أوجبها اللَّه تعالى، من القتل والصلب، أو القطع، أو النفي بظاهر الآية، قال ابن عبّاس: ما كان في القرآن "أو" فصاحبه بالخيار.
قال القرطبيّ: وهذا القول أسعد بظاهر الآية، فإن أهل القول الأول الذين قالوا: إن "أو" للترتيب، وإن اختلفوا، فإنك تجد أقوالهم أنهم يجمعون عليه حدين، فيقولون: يقتل ويصلب، ويقول بعضهم: يصلب ويقتل، ويقول بعضهم: تقطع يده ورجله
стр. 15585
وينفى، وليس كذلك الآية، ولا معنى "أو" في اللغة، قاله النحاس.
واحتج الأولون بما ذكره الطبريّ عن أنس بن مالك، أنه قال: سأل رسول اللَّه ﷺ جبريل ﵇، عن الحكم في المحارب؟ فقال: "من أخاف السبيل وأخذ المال، فاقطع يده للأخذ ورجله للإخافة، ومن قتل فاقتله، ومن جمع ذلك فاصلبه"، قال ابن عطية: وبقي النفي للمخيف فقط، والمخيف في حكم القاتل، ومع ذلك فمالك يرى فيه الأخذ بأيسر العذاب والعقاب استحسانا. انتهى.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: عندي القول بتخيير الإمام أرجح؛ لظاهر الآية. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): اختلفوا في معنى قوله تعالى: ﴿أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾ الآية [المائدة: ٣٣]: فقال السدي: هو أن يطلب أبدا بالخيل والرجل حتى يؤخذ، فيقام عليه حد اللَّه، أو يخرج من دار الإسلام هربا ممن يطلبه، عن ابن عباس، وأنس بن مالك، ومالك بن أنس، والحسن، والسدي، والضحاك، وقتادة، وسعيد بن جبير، والربيع بن أنس، والزهري، حكاه الرماني في كتابه. وحكي عن الشافعي أنهم يُخرجون من بلد إلى بلد، ويطلبون لتقام عليهم الحدود، وقاله الليث بن سعد، والزهري أيضا، وقال مالك أيضا: ينفى من البلد الذي أحدث فيه هذا إلى غيره، ويحبس فيه كالزاني، وقال مالك أيضا، والكوفيون: نفيهم سجنهم، فينفى من سعة الدنيا إلى ضيقها، فصار كأنه إذا سُجن فقد نفي من الأرض، إلا من موضع استقراره، واحتجوا بقول بعض أهل السجون في ذلك:
خَرَجْنَا مِنَ الدُّنْيَا وَنَحْنُ مِنْ أَهْلِهَا … فَلَسْنَا مِنَ الأَمْوَاتِ فِيهَا وَلَا الأَحْيَا
إِذَا جَاءَنَا السَّجَّانُ يَوْمًا لِحَاجَةٍ … عَجِبْنَا وَقُلْنَا جَاءَ هَذَا مِنَ الدُّنْيَا
حكى مكحول أن عمر بن الخطاب - رضي اللَّه تعالى عنه - أول من حبس في السجون، وقال: أحبسه حتى أعلم منه التوبة، ولا أنفيه من بلده إلى بلد، فيؤذيهم، والظاهر أن الأرض في الآية هي أرض النازلة، وقد تجنب الناس قديما الأرض التي أصابوا فيها الذنوب، ومنه حديث الذي ناء بصدره نحو الأرض المقدسة (١). وينبغي للإمام إن كان هذا المحارب مخوف الجانب، يُظن أنه يعود إلى حرابة، أو إفساد أن يسجنه في البلد الذي يُغَرَّب إليه، وإن كان غير مخوف الجانب، فظن أنه لا يعود إلى جناية سرح. قال ابن عطية: وهذا صريح مذهب مالك أن يغرب، ويسجن حيث يغرب، وهذا على
стр. 15586
الأغلب في أنه مخوف، ورجحه الطبريّ، وهو الواضح؛ لأن نفيه من أرض النازلة هو نص الآية، وسجنه بعدُ بحسب الخوف منه، فإن تاب وفُهمت حاله سرح. انتهى (١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: عندي أن ما ذهب إليه الإمام مالك -رحمه اللَّه تعالى-، وهو التغريب والسجن أرجح، كما رجحه الطبريّ. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): اختلفوا، هل يشترط في قطع المحارب أخذ النصاب، أم لا؟:
قال ابن خويزمنداد: ولا يراعى المال الذي يأخذه المحارب نصابا كما يراعى في السارق، وقد قيل: يراعى في ذلك النصاب، ربع دينار، قال ابن العربي: قال الشافعي، وأصحاب الرأي: لا يقطع من قطاع الطريق إلا من أخذ قدر ما تقطع فيه يد السارق، وقال مالك: يحكم عليه بحكم المحارب، وهو الصحيح، فإن اللَّه تعالى وَقّت على لسان نبيه ﵊ القطع في السرقة في ربع دينار، ولم يُوَقّت في الحرابة شيئًا، بل ذكر جزاء المحارب، فاقتضى ذلك توفية الجزاء لهم على المحاربة عن حبة، ثم إن هذا قياس أصل على أصل، وهو مختلف فيه، وقياس الأعلى بالأدنى، والأدنى بالأسفل، وذلك عكس القياس، وكيف يصحّ أن يقاس المحارب على السارق، وهو يطلب خطف المال، فإن شُعر به فرّ، حتى إن السارق إذا دخل بالسلاح يطلب المال، فإن منع منه، أو صيح عليه وحارب عليه فهو محارب، يحكم عليه بحكم المحارب، قال القاضي ابن العربي: كنت في أيام حكمي بين الناس، إذا جاءني أحد بسارق، وقد دخل الدار بسكين، يحبسه على قلب صاحب الدار، وهو نائم وأصحابه يأخذون مال الرجل، حكمت فيهم بحكم المحاربين، فافهموا هذا من أصل الدين، وارتفعوا إلى يَفَاع (٢) العلم عن حضيض الجاهلين. انتهى.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: القول بعدم اشتراط النصاب في قطع المحارب هو الأرجح عندي؛ لعدم اشتراطه في النصّ. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة السادسة): أنه لا خلاف في أن الحرابة يقتل فيها من قَتل، وإن لم يكن المقتول مكافئا للقاتل، وللشافعي قولان: أحدهما: أنها تعتبر المكافأة؛ لأنه قتل، فاعتبر فيه المكافأة كالقصاص، وهذا ضعيف؛ لأن القتل هنا ليس على مجرد القتل،
стр. 15587
وإنما هو على الفساد العام، من التخويف، وسلب المال، قال اللَّه تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا﴾ الآية [المائدة: ٣٣]، فأمر تعالى بإقامة الحدود على المحارب، إذا جمع شيئين: محاربة، وسعيا في الأرض بالفساد، ولم يخص شريفا من وضيع، ولا رفيعا من دنيء. قاله القرطبيّ. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة السابعة): إذا أخاف المحاربون السبيل، وقطعوا الطريق، وجب على الإمام قتالهم، من غير أن يدعوهم، ووجب على المسلمين التعاون على قتالهم، وكفهم عن أذى المسلمين، فإن انهزموا لم يتبع منهم مُدبرا، إلا أن يكون قد قَتل وأخذ مالا، فإن كان كذلك اتبع ليؤخذ ويقام عليه ما وجب لجنايته، ولا يُدَفَّف (١) منهم على جريح، إلا أن يكون قد قتل، فإن أُخذوا ووجد في أيديهم مال لأحد بعينه، رد إليه أو إلى ورثته، وإن لم يوجد له صاحب جعل في بيت المال، وما أتلفوه من مال لأحد غَرِموه، ولا دية لمن قتلوا إذا قُدر عليهم قبل التوبة، فإن تابوا وجاءوا تائبين لم يكن للإمام عليهم سبيل، وسقط عنهم ما كان حدا للَّه، وأُخذوا بحقوق الآدميين، فاقتُصَّ منهم النفس والجراح، وكان عليهم ما أتلفوه من مال ودم لأوليائه في ذلك، ويجوز لهم العفو، والهبة كسائر الجناة من غير المحاربين، هذا مذهب مالك، والشافعيّ، وأبي ثور، وأصحاب الرأي، وإنما أخذ ما بأيديهم من الأموال، وضمنوا قيمة ما استهلكوا؛ لأن ذلك غصب فلا يجوز ملكه لهم، ويُصرف إلى أربابه، أو يوقفه الإمام عنده حتى يعلم صاحبه.
وقال قوم من الصحابة والتابعين: لا يطلب من المال إلا بما وجد عنده، وأما ما استهلكه فلا يطلب به، وذكر الطبري ذلك عن مالك، من رواية الوليد بن مسلم عنه، وهو الظاهر من فعل عليّ بن أبي طالب ﵁، بحارثة بن بدر الْغُدَاني، فإنه كان محاربا، ثم تاب قبل القدرة عليه، فكتب له بسقوط الأموال والدم عنه كتابا منشورا، قال ابن خويزمنداد: واختلفت الرواية عن مالك في المحارب، إذا أقيم عليه الحد، ولم يوجد له مال، هل يتبع دينا بما أخذ، أو يسقط عنه كما يسقط عن السارق، والمسلم والذمي في ذلك سواء. انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
стр. 15588
(المسألة الثامنة): أجمع أهل العلم على أن السلطان ولي من حارب، فإن قَتَل محارب أخا امريء أو أباه في حالة المحاربة، فليس إلى طالب الدّم من أمر المحارب شيء، ولا يجوز عفو ولي الدم، وإنما القائم بذلك هو الإمام، جعلوا ذلك بمنزلة حد من حدود اللَّه تعالى. قاله القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى-. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة التاسعة): قوله : ﴿ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا﴾ الآية بيان لشناعة المحاربة، وعظم ضررها، وإنما كانت المحاربة عظيمة الضرر؛ لأن فيها سد سبيل الكسب على الناس؛ لأن أكثر المكاسب وأعظمها التجارات، وركنها وعمادها الضرب في الأرض، كما قال : ﴿وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ الآية [المزّمّل: ٢٠]، فإذا أُخيف الطريق انقطع الناس عن السفر، واحتاجوا إلى لزوم البيوت، فانسد باب التجارة عليهم، وانقطعت أكسابهم، فشرع اللَّه على قطاع الطريق الحدود المغلظة، وذلك الخزي في الدنيا؛ ردعا لهم عن سوء فعلهم، وفتحا لباب التجارة التي أباحها لعباده لمن أرادها منهم، ووعد فيها بالعذاب العظيم في الآخرة، وتكون هذه المعصية خارجة عن المعاصي، ومستثناة من حديث عبادة ﵁ في قول النبي ﷺ : "فمن أصاب من ذلك شيئًا فعوقب به في الدنيا فهو له كفارة"، واللَّه أعلم.
ويحتمل أن يكون الخزي لمن عوقب، وعذاب الآخرة لمن سلم في الدنيا، ويجري هذا الذنب مجرى غيره، ولا خلود لمؤمن في النار، ولكن يعظم عقابه لعظم الذنب، ثم يخرج إما بالشفاعة، وإما بالقبضة، ثم إن هذا الوعيد مشروط الإنفاذ بالمشيئة؛ لقوله تعالى: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨]. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة العاشرة): قوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ [المائدة: ٣٤] استثنى اللَّه التائبين قبل أن يُقدَر عليهم، وأخبر بسقوط حقه عنهم بقوله: ﴿فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، أما القصاص، وحقوق الآدميين فلا تسقط، ومن تاب بعد القدرة فظاهر الآية أن التوبة لا تنفع، وتقام الحدود عليه، كما تقدّم، وللشافعي قول أنه يسقط كل حد بالتوبة، والصحيح من مذهبه أن ما تعلق به حق الآدمي قصاصا كان أو غيره، فإنه لا يسقط بالتوبة قبل القدرة عليه، وقيل: أراد بالاستثناء المشرك إذا تاب، وآمن قبل القدرة عليه، فإنه تسقط عنه الحدود، وهذا ضعيف؛ لأنه إن آمن بعد القدرة عليه لم يقتل أيضًا بالإجماع، وقيل: إنما لا يسقط الحد عن المحاربين بعد القدرة عليهم -واللَّه أعلم- لأنهم متهمون بالكذب في توبتهم،
стр. 15589
والتصنع فيها إذا نالتهم يد الإمام، أو لأنه لما قُدر عليهم صاروا بمعرض أن ينكل بهم، فلم تقبل توبتهم كالمتلبس بالعذاب من الأمم قبلنا، أو من صار إلى حال الغرغرة فتاب، فأما إذا تقدمت توبتهم القدرة عليهم فلا تهمة، وهي ناقصة، فأما الشُّرّاب، والزُّناة، والسُّرّاق إذا تابوا وأصلحوا وعرف ذلك منهم، ثم رفعوا إلى الإمام فلا ينبغي أن يحدهم، وإن رُفعوا إليه فقالوا: تبنا لم يتركوا، وهم في هذه الحال كالمحاربين إذا غُلبوا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
[تنبيه]: قوله: "وذكر اختلاف ألفاظ الناقلين الخ": وجه الاختلاف المذكور أن أبا رجاء رواه عن أبي قلابة بلفظ: "أن نفرًا من عكل ثمانية"، وقال: أيضًا: "فاستوخموا المدينة، وسقمت أجسامهم، فشكوا ذلك الخ"، وقال: "ونبذهم في الشمس"، ورواه يحيى بن أبي كثير عن أبي قلابة، وقال: "فاجتووا المدينة"، وقال: "ولم يحسمهم، وتركهم حتى ماتوا"، وزاد: "فأنزل اللَّه : ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ﴾ الآية. ورواه أيوب، عن أبي قلابة، وقال: "نفر من عكل، أو عرينة"، وقال: "بذود، أو لقاح"، وقال. "وسمل أعينهم" باللام.
لكن هذه الاختلافات تعتبر اختلافًا في اللفظ فقط، وأما من حيث المعنى فلا تخالف بينها، كما يتضح ذلك من شرحها، فلا تضرّ بصحة الحديث. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
٤٠٢٥ - (أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مَسْعُودٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ, عَنْ حَجَّاجٍ الصَّوَّافِ, قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو رَجَاءٍ, مَوْلَى أَبِي قِلَابَةَ, قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو قِلَابَةَ, قَالَ: حَدَّثَنِي (١) أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ, أَنَّ نَفَرًا مِنْ عُكْلٍ ثَمَانِيَةً, قَدِمُوا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ , فَاسْتَوْخَمُوا الْمَدِينَةَ, وَسَقِمَتْ أَجْسَامُهُمْ, فَشَكَوْا ذَلِكَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , فَقَالَ: «أَلَا تَخْرُجُونَ مَعَ رَاعِينَا فِي إِبِلِهِ, فَتُصِيبُوا مِنْ أَلْبَانِهَا وَأَبْوَالِهَا؟» , قَالُوا بَلَى, فَخَرَجُوا, فَشَرِبُوا مِنْ أَلْبَانِهَا وَأَبْوَالِهَا, فَصَحُّوا, فَقَتَلُوا رَاعِيَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , فَبَعَثَ فَأَخَذُوهُمْ, فَأُتِيَ بِهِمْ, فَقَطَّعَ أَيْدِيَهُمْ وَأَرْجُلَهُمْ, وَسَمَّرَ أَعْيُنَهُمْ, وَنَبَذَهُمْ فِي الشَّمْسِ حَتَّى مَاتُوا).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، وهو بصريّ ثقة. و"حجاج الصوّاف": هو ابن أبي عثمان ميسرة، أو سالم،
стр. 15590
أبو الصلت الكنديّ مولاهم البصريّ، ثقة حافظ [٦] ١٢/ ٧٩٠.
و"أبو رجاء، مولى أبي قلابة": هو سلمان الجرميّ البصريّ، صدوقٌ [٦]. رَوَى عن مولاه، وعمر بن عبد العزيز، وعنه أيوب، وحجاج الصواف، وابن عون، وحميد الطويل، ووثقه العجليّ، وذكره ابن حبّان في "الثقات". روى له البخاريّ, ومسلم، والمصنّف، وأبو داود أخرجوا له هذا الحديث فقط.
و"أبو قلابة": هو عبد اللَّه بن زيد بن عمرو الجرمىّ البصريّ، ثقة فاضل، [٣] ١٠٣/ ٣٢٢.
والسند مسلسل بثقات البصريين، وفيه أنس ﵁ أحد المكثرين السبعة، وآخر من مات من الصحابة بالبصرة، سنة (٢) أو (٩٣)، وقد جاوز مائة.
وقوله: من عُكل" -بضمّ العين المهملة، وسكون الكاف، أبو قبيلة. وقوله: "ثمانية" بالنصب بدل من "نفرًا". وقوله: "فاستوخموا المدينة": أي استثقلوها، ولم يوافق هواؤها أبدانهم. وقوله: "وسَقِمت" بكسر القاف، وضمها من بابي تعب، وكَرُم: أي مرضت.
وقوله: "ألا تخرجون" "ألا" هي أداة عرض. وقوله: "في إبله": أي في الإبل التي مع الراعي، فالإضافة لأدنى ملابسة. قاله السنديّ. وقوله: "فتصيبوا" بضمّ أوله، من الإصابة، والمراد: تشربوا، كما في الروايات الآتية. وقوله: "فبعث" الضمير للنبيّ ﷺ : أي أرسل ﷺ ناسًا في طلبهم. وقوله: "فأتي بهم" ببناء الفعل للمفعول. وقوله: "فقطع الخ" بتشديد الطاء، وتخفّف، والتشديد للتكثير في المفعول. وقوله: "وسمر" بتخفيف الميم، وتشديدها، وبناء الفعل للفاعل: أي كحلهم بمسامير الحديد التي أُحميت. وقوله: "ونبذهم": أي ألقاهم، ونسبة هذه الأفعال إليه ﷺ لكونه آمرًا بها.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد تقدّم في "الطهارة" ١٩١/ ٣٠٥ وتقدّم شرحه مستوفًى هناك، وكذا بيان مسائله، فراجعه تستفد. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٠٢٦ - (أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ بْنِ سَعِيدِ بْنِ كَثِيرِ بْنِ دِينَارٍ, عَنِ الْوَلِيدِ, عَنِ الأَوْزَاعِيِّ, عَنْ يَحْيَى, عَنْ أَبِي قِلَابَةَ, عَنْ أَنَسٍ, أَنَّ نَفَرًا مِنْ عُكْلٍ قَدِمُوا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ , فَاجْتَوَوُا الْمَدِينَةَ, فَأَمَرَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ , أَنْ يَأْتُوا إِبِلَ الصَّدَقَةِ, فَيَشْرَبُوا مِنْ أَبْوَالِهَا وَأَلْبَانِهَا, فَفَعَلُوا, فَقَتَلُوا رَاعِيَهَا وَاسْتَاقُوهَا, فَبَعَثَ النَّبِيُّ ﷺ فِي طَلَبِهِمْ, قَالَ: فَأُتِيَ بِهِمْ, فَقَطَّعَ أَيْدِيَهُمْ وَأَرْجُلَهُمْ, وَسَمَّرَ أَعْيُنَهُمْ, وَلَمْ يَحْسِمْهُمْ, وَتَرَكَهُمْ حَتَّى مَاتُوا, فَأَنْزَلَ اللَّهُ : ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ الآيَةَ [المائدة: ٣٣]).
стр. 15591
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، وهو حمصيّ صدوقٌ [١٠].
و"الوليد": هو ابن مسلم، أبو العباس الدمشقيّ. و"الأوزاعيّ": هو عبد الرحمن بن عمرو. و"يحيى": هو ابن أبي كثير.
وقوله: "فاجتووا المدينة": بالجيم: افتعال من الْجَوَى، يقال: اجتويت البلد: إذا كرهت المقام فيه، وإن كنت في نعمة، والمراد كرهوا الْمُقام بها؛ لكونهم أصابهم الجوى، وهو المرض، وداء الجوف إذا تطاول، وذلك إذ لم يوافقهم هواؤها، واستوخموها.
وقوله: "ولم يحسمهم": أي لم يَكْوِهِمْ لينقطع الدم.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد سبق بيانه في الذي قبله. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٠٢٧ - (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ, قَالَ: حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِيُّ, قَالَ: حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ, قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو قِلَابَةَ, عَنْ أَنَسٍ, قَالَ: قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ثَمَانِيَةُ نَفَرٍ مِنْ عُكْلٍ, فَذَكَرَ نَحْوَهُ, إِلَى قَوْلِهِ: "لَمْ يَحْسِمْهُمْ", وَقَالَ: "قَتَلُوا الرَّاعِيَ").
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا غير مرّة.
و"إسحاق بن منصور": هو الكوسج الحافظ الثبت [١١]. و"محمد بن يوسف": هو الفريابيّ الثقة الثبت [٩].
وقوله: "فذكر الخ" فاعل "ذكر" ضمير محمد بن يوسف. والحديث متّفقٌ عليه، كما سبق بيانه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٠٢٨ - (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ سُلَيْمَانَ, قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ, عَنْ أَيُّوبَ, عَنْ أَبِي قِلَابَةَ, عَنْ أَنَسٍ, قَالَ: أَتَى النَّبِيَّ ﷺ نَفَرٌ مِنْ عُكْلٍ, أَوْ عُرَيْنَةَ, فَأَمَرَ لَهُمْ, وَاجْتَوَوُا الْمَدِينَةَ, بِذَوْدٍ أَوْ لِقَاحٍ, يَشْرَبُونَ أَلْبَانَهَا وَأَبْوَالَهَا, فَقَتَلُوا الرَّاعِيَ, وَاسْتَاقُوا الإِبِلَ, فَبَعَثَ فِي طَلَبِهِمْ, فَقَطَّعَ أَيْدِيَهُمْ وَأَرْجُلَهُمْ, وَسَمَلَ أَعْيُنَهُمْ).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، وهو ثقة. و"محمد بن بشر": هو العبديّ الكوفيّ، ثقة ثبت [٩]. و"سفيان": هو الثوريّ. و"أيوب": هو السختيانيّ.
стр. 15592
وقوله: "واجتووا المدينة" جملة حالية معترضة بين العامل، وهو"فأمر"، ومعموله، وهو "بذود".
وقوله: "بذود" بفتح الذال المعجمة، وسكون الواو، آخره دال مهملة: هي من الإبل ما بين الثلاث إلى العشر، وهي مؤنثة؛ ولذا جاء: "ليس في أقلّ من خمس ذود صدقة"، والجمع أذواد، مثل ثوب وأثواب. أفاده الفيّوميّ.
وقوله: "أو لقاح" "أو" فيه للشكّ من الراوي، و"اللقاح" بكسر اللام: جمع لَقُوح بفتحها، مثل قلوص وقِلاص، وهي الناقة ذات اللبن، ويقال فيها أيضًا: اللِّقْحة، بكسر، فسكون، وفتح اللام لغة، وجمعها لِقَح، مثل سِدْرة وسِدَر، أو مثل قَصْعة وقِصَع. أفاده الفيّوميّ.
وقوله: "وسمل أعينهم" باللام آخره: أي فقأها بحديدة، أو غيرها، وهو بمعنى السمر في الرواية السابقة، وإنما فعل بهم ذلك لأنهم فعلوا بالراعي مثله، فجازاهم على صنيعهم. وقيل: إن هذا قبل أن تنزل الحدود، والأول أصحّ، وقد تقدّم تمام البحث فيه في المسائل المتعلقة بالآية المذكورة أول الباب.
والحديث متفق عليه، كما سبق بيانه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
٨ - (ذِكْرُ اخْتِلَافِ النَّاقِلِينَ لِخَبَرِ حُمَيْدِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ فَيهِ)
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: وجه الاختلاف المذكور أن عبد اللَّه بن عمر العمريّ رواه عن حميد، فزاد في آخر الحديث: "وصلبهم"، فخالف الثقات: إسماعيل بن أبي كثير، وخالد الهجيميّ، ومحمد بن أبي عديّ، فتعتبر زيادته شاذّة منكرة؛ لضعفه، مع المخالفة المذكورة.
وفيه أيضًا اختلاف آخر، وهو أن عبد اللَّه بن عمر، وإسماعيل وقع في روايتهما زيادة "وأبوالها" من رواية حميد، عن أنس، وخالفهما خالد، وابن أبي عديّ، فجعلا
стр. 15593
هذه الزيادة من رواية حميد، عن قتادة، عن أنس ﵁، والظاهر أن روايتهما أرجح؛ لأنهما أثبت من العمريّ، وإسماعيل. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
٤٠٢٩ - (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ السَّرْحِ, قَالَ: أَخْبَرَنِي (١) ابْنُ وَهْبٍ, قَالَ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ, وَغَيْرُهُ, عَنْ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ, عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ, أَنَّ نَاسًا مِنْ عُرَيْنَةَ, قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , فَاجْتَوَوُا الْمَدِينَةَ, فَبَعَثَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى ذَوْدٍ لَهُ, فَشَرِبُوا مِنْ أَلْبَانِهَا وَأَبْوَالِهَا, فَلَمَّا صَحُّوا ارْتَدُّوا عَنِ الإِسْلَامِ, وَقَتَلُوا رَاعِيَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مُؤْمِنًا, وَاسْتَاقُوا الإِبِلَ, فَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي آثَارِهِمْ, فَأُخِذُوا, فَقَطَّعَ أَيْدِيَهُمْ وَأَرْجُلَهُمْ, وَسَمَلَ أَعْيُنَهُمْ, وَصَلَبَهُمْ).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "ابن وهب": هو عبد اللَّه الحافظ الثقة الثبت [٩].
و"عبد اللَّه بن عمر": هو ابن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب، العدويّ، أبو عبد الرحمن العمريّ المدنيّ، ضعيف عابد [٧].
رَوَى عن نافع، وزيد بن أسلم، وسعيد المقبريّ، وسهيل بن أبي صالح، وغيرهم. وعنه ابنه عبد الرحمن، وعبد الرحمن بن مهدي، والليث بن سعد، وابن وهب، وعبد الرزاق، وغيرهم. قال أبو طلحة عن أحمد: لا بأس به، قد رُوي عنه، ولكن ليس مثل أخيه عبيد اللَّه. وقال أبو زرعة الدمشقيّ عن أحمد: كان يزيد في الأسانيد ويخالف، وكان رجلا صالحا. وقال أبو حاتم: رأيت أحمد بن حنبل يُحسن الثناء عليه. وقال أحمد: يروي عبد اللَّه عن أخيه عبيد اللَّه، ولم يرو عبيد اللَّه عن أخيه عبد اللَّه شيئا، كان عبد اللَّه يسأل عن الحديث في حياة أخيه، فيقول: أما وأبو عثمان حي فلا. وقال عثمان الدارميّ، عن ابن معين: صويلح. وقال ابن أبي مريم عن ابن معين: ليس به بأس، يكتب حديثه. وقال عبد اللَّه بن علي بن المديني عن أبيه: ضعيف. وقال عمرو ابن عليّ: كان يحيى بن سعيد لا يحدث عنه، وكان عبد الرحمن يحدث عنه. وقال يعقوب بن شيبة: ثقة صدوق، في حديثه اضطراب. وقال صالح جزرة: لين مختلط الحديث. وقال النسائيّ: ضعيف الحديث. وقال ابن عدي: لا بأس به في رواياته صدوق. وقال ابن سعد: خرج مع محمد بن عبد اللَّه بن حسن، فحبسه المنصور، ثم خلاه، وتوفي بالمدينة سنة إحدى، أو اثنتين وسبعين ومائة في خلافة هارون. وقال خليفة: مات سنة (٧١) وقال ابن أبي الدنيا: كان يكنى أبا القاسم فتركها، واكتنى أبا عبد الرحمن، وأرّخ وفاته مثل ابن سعد. وقصة الكنية حكاها ابن سعد أيضًا، وزاد:
стр. 15594
وكان كثير الحديث يُستضعف. وقال أبو حاتم: وهو أحبّ إلى من عبد اللَّه بن نافع، يكتب حديثه ولا يحتج به. وقال العجليّ: لا بأس به. وقال ابن حبّان: كان ممن غلب عليه الصلاح، حتى غفل عن الضبط، فاستحق الترك، مات سنة (١٧٣)) وقال الترمذيّ في "العلل الكبير" عن البخاريّ: ذاهب لا أروى عنه شيئًا. وقال البخاريّ في "التاريخ": كان يحيى بن سعيد يضعفه. وقال أبو أحمد الحاكم: ليس بالقوي عنده. وقال يعقوب بن سفيان، عن أحمد بن يونس: لو رأيت هيئته لعرفت أنه ثقة. وقال المروذي: ذكره أحمد، فلم يرضه. وقال ابن عمار الموصلي: لم يتركه أحد إلا يحيى ابن سعيد، وزعموا أنه أخذ كتب عبيد اللَّه فرواها. وأورد له يعقوب بن شيبة في "مسنده" حديثًا، فقال: هذا حديث حسن الإسناد مدني، وقال في موضع آخر: هو رجل صالح مذكور بالعلم والصلاح، وفي حديثه بعض الضعف والإضطراب، ويزيد في الأسانيد كثيرا. وقال الخليلي: ثقة غير أن الحفاظ لم يرضوا حفظه. وقول ابن معين فيه: إنه صويلح، إنما حكاه عنه إسحاق الكوسج، وأما عثمان الدارميّ، فقال عن ابن معين: صالح ثقة. روى له الجماعة إلا البخاريّ، وله عند المصنّف ثلاثة أحاديث: هذا، و ٤١٠٢ حديث: "من حمل علينا السلاح، فليس منا"، و ٤٩١٢ حديث: "قطع في مِجَنّ قيمته ثلاثة دراهم".
وقوله: "وغيره" يحتمل أن يكون ابن لهيعة، كما تقدّم البحث عنه في مقدّمة هذا الشرح.
والحديث صحيح، دون قوله: "وصلبهم"، فإنها شاذّة منكرة. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٠٣٠ - (أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ, قَالَ: أَخْبَرَنَا (١) إِسْمَاعِيلُ, عَنْ حُمَيْدٍ, عَنْ أَنَسٍ, قَالَ: قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أُنَاسٌ مِنْ عُرَيْنَةَ, فَقَالَ: لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «لَوْ خَرَجْتُمْ إِلَى ذَوْدِنَا, فَكُنْتُمْ فِيهَا, فَشَرِبْتُمْ مِنْ أَلْبَانِهَا وَأَبْوَالِهَا» , فَفَعَلُوا, فَلَمَّا صَحُّوا قَامُوا إِلَى رَاعِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَتَلُوهُ, وَرَجَعُوا كُفَّارًا, وَاسْتَاقُوا ذَوْدَ النَّبِيِّ ﷺ , فَأَرْسَلَ فِي طَلَبِهِمْ, فَأُتِيَ بِهِمْ, فَقَطَّعَ أَيْدِيَهُمْ وَأَرْجُلَهُمْ, وَسَمَلَ أَعْيُنَهُمْ).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا غير مرّة. و"إسماعيل": هو ابن أبي كثير الأنصاريّ المدنيّ الثقة الثبت [٨]. والسند من رباعيات المصنف، وهو (١٨٨) من رباعيات الكتاب وهو أعلى الأسانيد له، كما تقدّم غير مرّة.
стр. 15595
والحديث متّفقٌ عليه، كما سبق بيانه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٠٣١ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى, قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ, قَالَ: حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ, عَنْ أَنَسٍ, قَالَ: قَدِمَ نَاسٌ مِنْ عُرَيْنَةَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , فَاجْتَوَوُا الْمَدِينَةَ, فَقَالَ: لَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ «لَوْ خَرَجْتُمْ إِلَى ذَوْدِنَا, فَشَرِبْتُمْ مِنْ أَلْبَانِهَا» , قَالَ: وَقَالَ قَتَادَةُ: «وَأَبْوَالِهَا» , فَخَرَجُوا إِلَى ذَوْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , فَلَمَّا صَحُّوا كَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ, وَقَتَلُوا رَاعِيَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مُؤْمِنًا, وَاسْتَاقُوا ذَوْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , وَانْطَلَقُوا مُحَارِبِينَ, فَأَرْسَلَ فِي طَلَبِهِمْ, فَأُخِذُوا فَقَطَّعَ أَيْدِيَهُمْ وَأَرْجُلَهُمْ, وَسَمَّرَ أَعْيُنَهُمْ).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا غير مرّة، و"خالد": هو ابن الحارث الْهجيميّ البصريّ.
والسند مسلسل بثقات البصريين، وهو من رباعيات المصنف أيضًا، وهو (١٨٩) من رباعيات الكتاب، وفيه أن شيخه أحد مشايخ الأئمة التسعة بلا واسطة، كما سبق غير مرّة.
وقوله: "قال: وقال قتادة الخ" فاعل "قال" الأول هو ضمير حميد، كما تبينه الرواية التالية، والمعنى: أن حُميدًا روى هذا الحديث عن أنس بلا واسطة، ولفظه: "فشربتم من ألبانها"، ورواه عن قتادة، عن أنس، ولفظه: "فشربتم من ألبانها، وأبوالها"، فزادة لفظة "أبوالها"، والمراد أن أنسًا حدث به حميدًا، واقتصر على "ألبانها"، وحدث به قتادة، فزاد: "وأبوالها"، وكلّ صحيح. واللَّه تعالى أعلم.
والحديث متفق عليه، كما سبق بيانه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٠٣٢ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى, قَالَ: حَدَّثَنَا (١) مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عَدِيٍّ, قَالَ: حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ, عَنْ أَنَسٍ, قَالَ: أَسْلَمَ أُنَاسٌ مِنْ عُرَيْنَةَ, فَاجْتَوَوُا الْمَدِينَةَ, فَقَالَ: لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَوْ خَرَجْتُمْ إِلَى ذَوْدٍ لَنَا (٢) , فَشَرِبْتُمْ مِنْ أَلْبَانِهَا» , قَالَ حُمَيْدٌ: وَقَالَ قَتَادَةُ عَنْ أَنَسٍ: «وَأَبْوَالِهَا» , فَفَعَلُوا, فَلَمَّا صَحُّوا كَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ, وَقَتَلُوا رَاعِىَيَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مُؤْمِنًا, وَاسْتَاقُوا ذَوْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , وَهَرَبُوا مُحَارِبِينَ, فَأَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , مَنْ أَتَى بِهِمْ, فَأُخِذُوا, فَقَطَّعَ أَيْدِيَهُمْ وَأَرْجُلَهُمْ, وَسَمَّرَ أَعْيُنَهُمْ, وَتَرَكَهُمْ فِي الْحَرَّةِ حَتَّى مَاتُوا).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا غير مرّة. و"محمد بن أبي عديّ": هو محمد بن إبراهيم بن أبي عديّ البصريّ، ثقة [٩].
стр. 15596
وقوله: "وتركهم في الحرّة": بفتح الحاء المهملة، وتشديد الراء: اسم موضع بالمدينة، فيه حجارة سود.
والسند أيضًا مسلسل بثقات البصريين، وهو من رباعيات المصنف أيضًا، وهو (١٩٠) من رباعيات الكتاب.
والحديث متّفقٌ عليه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٠٣٣ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى, قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ -وَهُوَ ابْنُ زُرَيْعٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ, قَالَ: حَدَّثَنَا قَتَادَةُ, أَنَّ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ حَدَّثَهُمْ, أَنَّ نَاسًا, أَوْ رِجَالاً مِنْ عُكْلٍ, أَوْ عُرَيْنَةَ, قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا أَهْلُ ضَرْعٍ, وَلَمْ نَكُنْ أَهْلَ رِيفٍ, فَاسْتَوْخَمُوا الْمَدِينَةَ, فَأَمَرَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِذَوْدٍ وَرَاعٍ, وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَخْرُجُوا فِيهَا, فَيَشْرَبُوا مِنْ لَبَنِهَا وَأَبْوَالِهَا, فَلَمَّا صَحُّوا, وَكَانُوا بِنَاحِيَةِ الْحَرَّةِ, كَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ, وَقَتَلُوا رَاعِىَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , وَاسْتَاقُوا الذَّوْدَ, فَبَعَثَ الطَّلَبَ فِي آثَارِهِمْ, فَأُتِيَ بِهِمْ, فَسَمَّرَ (١) أَعْيُنَهُمْ, وَقَطَّعَ أَيْدِيَهُمْ وَأَرْجُلَهُمْ, ثُمَّ تَرَكَهُمْ فِي الْحَرَّةِ عَلَى حَالِهِمْ حَتَّى مَاتُوا).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا غير مرّة. والسند مسلسل أيضًا بثقات البصريين.
[تنبيه]: قوله: "حدثنا شعبة" هكذا وقع في نسخ "المجتبى"، ووقع في "الكبرى" جـ ٢ ص ٢٩٦ "حدثنا سعيد"، والظاهر أن ما في "الكبرى" هو الصواب؛ لأن الشيخين أخرجا طريق يزيد بن زريع من روايته عن سعيد بن عروبة، لا من روايته عن شعبة، راجع "تحفة الأشراف" جـ ١ ص ٣٠٩ واللَّه تعالى أعلم.
وقوله: "أهل ضرع": المراد به أهل لبن، نعيش بشرب اللبن. وقوله: "أهل رِيف" بكسر الراء، وسكون الياء: هي كل أرض فيها زرع، ونخل، وقيل: هو ما قارب الماء من أرض العرب وغيرها. وقوله: "فبعث الطلب" بفتحتين: جمع طالب، كخادِمٍ وَخَدَمٍ.
٤٠٣٤ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى, عَنْ عَبْدِ الأَعْلَى نَحْوَهُ).
"عبد الأعلى": هو ابن عبد الأعلى الساميّ البصريّ، ثقة [٨]. يعني أن محمد بن المثنى أخبره عن عبد الأعلى عن شعبة نحو حديث محمد بن عبد الأعلى عن يزيد بن زريع، عن شعبة، لكن الظاهر أن الصواب عن سعيد بن أبي عروبة، كما سبق بيانه، والحديث متفق عليه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٠٣٥ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ نَافِعٍ, أَبُو بَكْرٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا بَهْزٌ, قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ,
стр. 15597
قَالَ: حَدَّثَنَا قَتَادَةُ, وَثَابِتٌ, عَنْ أَنَسٍ, أَنَّ نَفَرًا مِنْ عُرَيْنَةَ نَزَلُوا فِي الْحَرَّةِ, فَأَتَوُا النَّبِيَّ ﷺ , فَاجْتَوَوُا الْمَدِينَةَ, فَأَمَرَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَكُونُوا فِي إِبِلِ الصَّدَقَةِ, وَأَنْ يَشْرَبُوا مِنْ أَلْبَانِهَا وَأَبْوَالِهَا, فَقَتَلُوا الرَّاعِيَ, وَارْتَدُّوا عَنِ الإِسْلَامِ, وَاسْتَاقُوا الإِبِلَ, فَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي آثَارِهِمْ, فَجِيءَ بِهِمْ فَقَطَّعَ أَيْدِيَهُمْ وَأَرْجُلَهُمْ, وَسَمَّرَ (١) أَعْيُنَهُمْ, وَأَلْقَاهُمْ فِي الْحَرَّةِ, قَالَ أَنَسٌ: فَلَقَدْ رَأَيْتُ أَحَدَهُمْ يَكْدُمُ الأَرْضَ بِفِيهِ, عَطَشًا حَتَّى مَاتُوا).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا.
و"محمد بن نافع": هو محمد بن أحمد بن نافع العبديّ البصريّ، نُسب لجده، صدوق، من صغار [١٠] ٢٧/ ٨١٣.
[تنبيه]: وقع في النسخة الهندية: "ابن رافع" بالراء بدل "ابن نافع" بالنون، وهو تصحيف فاحش، فتنبّه. واللَّه تعالى أعلم.
و"بهز": هو ابن أسد البصريّ الثقة الثبت [٩]. و"حماد": هو ابن سلمة البصريّ، ثقة [٨]. و"ثابت": هو ابن أسلم البنانيّ.
وقوله: "يكدُم الأرض" بضمّ الدال المهملة، من بابي نصر، وضرب: أي يتناولها بفيه، ويَعَضّ عليها بأسنانه. قيل: ما أمر النبيّ ﷺ بذلك، وإنما فعله الصحابة من عند أنفسهم، والإجماع على أن من وجب عليه القتل لا يمنع الماء إذا طلب. وقيل: فعل ذلك قصاصًا؛ لأنهم فعلوا بالراعي مثل ذلك، وهو الأصحّ.
والحديث متفق عليه، كما سبق بيانه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
٩ - (ذِكْرُ اخْتِلَافِ طَلْحَةِ بْنِ مُصَرِّفٍ، وَمُعَاوِيَةَ بْنِ صَالِحٍ عَلَى يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ)
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: وجه الاختلاف المذكور أن طلحة بن مصرّف رواه عن يحيى بن سعيد، عن أنس ﵁، فجعله متّصلًا، وخالفه يحيى بن أيوب الغافقيّ،
стр. 15598
ومعاوية بن صالح، فرواياه عن يحيى بن سعيد، عن سعيد المسيّب، قال: قدم ناس الخ، فجعلاه من مرسل ابن المسيّب، وقد تقدّم في "الطهارة" أن المصنّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- رجّح الإرسال على الوصل، وعبارته هناك- بعد أن أخرج الحديث-:
قال أبو عبد الرحمن: لا نعلم أحدًا قال: "عن يحيى، عن أنس" في هذا الحديث غير طلحة، والصواب عندي -واللَّه تعالى أعلم-: "يحيى، عن سعيد بن المسيّب"، مرسلٌ. انتهى.
وحاصل ما أشار إليه -رحمه اللَّه تعالى- ترجيح رواية الإرسال؛ لأنها من رواية يحيى ابن أيوب، ومعاوية بن صالح؛ على رواية الوصل؛ لأنها من رواية طلحة بن مصرّف وحده.
لكن الذي يظهر لي أن كونه موصولًا هو الذي يترجّح؛ لأن طلحة ثقة حافظ، فلا تضرّه مخالفة يحيى، ومعاوية؛ لأنهما دونه في الحفظ. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
٤٠٣٦ - (أَخْبَرَنِي (١) مُحَمَّدُ بْنُ وَهْبٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ, قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو عَبْدِ الرَّحِيمِ, قَالَ: حَدَّثَنِي زَيْدُ بْنُ أَبِي أُنَيْسَةَ, عَنْ طَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ, عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ, عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ, قَالَ: قَدِمَ أَعْرَابٌ مِنْ عُرَيْنَةَ إِلَى نَبِيِّ اللَّهِ ﷺ , فَأَسْلَمُوا, فَاجْتَوَوُا الْمَدِينَةَ, حَتَّى اصْفَرَّتْ أَلْوَانُهُمْ, وَعَظُمَتْ بُطُونُهُمْ, فَبَعَثَ بِهِمْ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ إِلَى لِقَاحٍ لَهُ, فَأَمَرَهُمْ أَنْ يَشْرَبُوا مِنْ أَلْبَانِهَا وَأَبْوَالِهَا, حَتَّى صَحُّوا, فَقَتَلُوا رُعَاتِهَا, وَاسْتَاقُوا الإِبِلَ, فَبَعَثَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ فِي طَلَبِهِمْ, فَأُتِيَ بِهِمْ, فَقَطَّعَ أَيْدِيَهُمْ وَأَرْجُلَهُمْ, وَسَمَّرَ أَعْيُنَهُمْ, قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ: عَبْدُ الْمَلِكِ لأَنَسٍ, وَهُوَ يُحَدِّثُهُ هَذَا الْحَدِيثَ: بِكُفْرٍ, أَوْ بِذَنْبٍ؟ قَالَ: بِكُفْرٍ).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "محمد بن وهب": هو ابن عمر بن أبي كريمة، أبو المعافى الْحَرّانيّ، صدوقٌ [١٠] من أفراد المصنف ١٩١/ ٣٠٦. و"محمد بن سلمة": هو ابن عبد اللَّه الباهليّ مولاهم الحرانيّ، ثقة [٩] ١٩١/ ٣٠٦. و"أبو عبد الرحيم": هو خالد بن أبي يزيد بن سماك بن رستم الأمويّ مولاهم الحرّانيّ، ثقة [٦] ١٩١/ ٣٠٦. و"زيد بن أبي أُنيسة": هو الجزريّ، أبو أسامة، كوفي الأصل، ثم سكن الرُّها، ثقة، له أفراد [٦] ١٩١/ ٣٠٦. و"طلحة بن مصرّف": هو الياميّ الكوفيّ، ثقة قارئ فاضل [٥] ١٩١/ ٣٠٦ و"يحيى بن سعيد": هو الأنصاريّ القاضي المدنيّ، ثقة ثبت [٥] ٢٢/ ٢٣.
стр. 15599
وقوله: "قال أمير المؤمنين عبد الملك": هو ابن مروان بن الحكم بن أبي العاص. وقوله: "بكفر، أم بذنب؟ " يعني أن عقابهم هذا أكان بسبب كفرهم، أم بسبب ذنبهم. وقوله: "بكفر": أي كان العقاب بسبب كفرهم، وارتدادهم عن الإسلام، وفي رواية البخاريّ: قال أبو قلابة: "فهؤلاء سرقوا، وقتلوا، وكفروا بعد إيمانهم، وحاربوا اللَّه ورسوله".
والحديث صحيح، وقد تقدّم في "الطهارة" ١٩١/ ٣٠٦ سندًا ومتنًا، ومضى شرحه، وبيان مسائله هناك، وقد رجح المصنّف هناك رواية يحيى بن أيوب، ومعاوية بن صالح المرسلة الآتية في الرواية التالية على هذه الرواية، لكن الذي يظهر أن رواية طلحة الموصولة هذه أرجح؛ لأنها زيادة من ثقة حافظ، كما عرفت. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٠٣٧ - (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ السَّرْحِ, قَالَ: أَنْبَأَنَا ابْنُ وَهْبٍ, قَالَ: وَأَخْبَرَنِي يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ, وَمُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ, عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ, عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ, قَالَ: قَدِمَ نَاسٌ مِنَ الْعَرَبِ, عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , فَأَسْلَمُوا, ثُمَّ مَرِضُوا, فَبَعَثَ بِهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى لِقَاحٍ؛ لِيَشْرَبُوا مِنْ أَلْبَانِهَا, فَكَانُوا فِيهَا, ثُمَّ عَمَدُوا إِلَى الرَّاعِي, غُلَامِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , فَقَتَلُوهُ, وَاسْتَاقُوا اللِّقَاحَ, فَزَعَمُوا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «اللَّهُمَّ عَطِّشَ مَنْ عَطَّشَ آلَ مُحَمَّدٍ اللَّيْلَةَ» , فَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي طَلَبِهِمْ, فَأُخِذُوا, فَقَطَّعَ أَيْدِيَهُمْ وَأَرْجُلَهُمْ, وَسَمَلَ أَعْيُنَهُمْ, وَبَعْضُهُمْ يَزِيدُ عَلَى بَعْضٍ, إِلاَّ أَنَّ مُعَاوِيَةَ قَالَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ-: اسْتَاقُوا إِلَى أَرْضِ الشِّرْكِ).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "يحيى بن أيوب": هو الغافقيّ، أبو العبّاس المصريّ، صدوقٌ ربما أخطأ [٧] ٦٠/ ١٧٧١.
و"معاوية بن صالح" هو الحضرميّ المصريّ، قاضي الأندلس، صدوقٌ له أوهام [٧] ٥٠/ ٦٢.
وقوله: "ثمّ عَمَدوا إلى الراعي" بفتح الميم، من باب ضرب-: أي قصدوا إليه.
وقوله: "غلام رسول اللَّه - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم -" بالجرّ بدل من "الراعي"، واسم الراعي يسار بالياء التحتانيّة، والسين المهملة.
وقوله: "فزعموا الخ" أي قالوا، لأن الزعم يُطلق على القول الحقّ، وإن كان أكثر استعماله للباطل، كما في قوله تعالى: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا﴾ الآية [التغابن: ٧].
وقوله: "عطّش" بتشديد الطاء المهملة، في الموضعين، من التعطيش.
стр. 15600
وقوله: "فسمل أعينهم": قَالَ: النَّوَوِيّ: مَعْنَى سَمَلَ بِاللَّامِ: فَقَأَهَا، وَأَذْهَبَ مَا فِيهَا، وَمَعْنى سَمَرَ: كَحَلَهَا بِمَسَامِير مَحْمِيَّة. وَقِيلَ: هُمَا بِمعْنًى. انْتَهَى.
ولَا تَخَالُف بين الروايتين؛ لِأَنَّ مَعْنَى السَّمْل عَلَى مَا قَالَ: الْخَطَّابِيُّ، هُوَ فَقْء الْعَيْن بِأَيِّ شَيْء كَانَ، فَإِذَا سَمَلَ الْعَيْن بِالمِسْمَارِ الْمَحْمِيّ، يَصْدُق عَلَيْهِ السَّمْل والسَّمْر، كِلَاهُمَا، كَمَا لَا يَخْفَى. ذكره في "عون المعبود".
وقوله: "يزيد بعضهم على بعض" هو من كلام ابن وهب، والضمير لشيوخه الذين حدّثوه بهذا الحديث.
[فإن قلت]: إنهما اثنان: يحيى بن أيوب، ومعاوية بن صالح، لا ثلاثة، فكيف أعاد ضمير جماعة إليهما؟.
[أجيب]: بأن الأصحّ أن أقلّ الجمع اثنان، ويحتمل أن قوله: "وأخبرني يحيى بن أيوب الخ" معطوف على شيخ آخر أخبره بالحديث معهما.
لكن يلزم منه أن الحديث ضعيف؛ لإبهام هذا الشيخ الآخر، ولم يتميّز ما حدّثه به عما حدّثه الآخران، كما يدلّ عليه قوله: "يزيد بعضهم على بعض"، فالاحتمال الأول أولى.
والحديث مرسل صحيحٌ؛ لأنه من مراسيل ابن المسيّب، وهي عند المحديثين صحاح، كما نُقل عن الإمام الشافعيّ -رحمه اللَّه تعالى-، وغيره. ولأن أحاديث الباب الموصولة تعضده.
وهو من أفراد المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- عنه، أخرجه هنا-٩/ ٤٠٣٧ - وفي "الكبرى" ٩/ ٣٤٩٩. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٠٣٨ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْخَلَنْجِيُّ, قَالَ: حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ سُعَيْرٍ, عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ, عَنْ أَبِيهِ, عَنْ عَائِشَةَ, ﵂, قَالَتْ: أَغَارَ قَوْمٌ عَلَى لِقَاحِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , فَأَخَذَهُمْ, فَقَطَّعَ أَيْدِيَهُمْ وَأَرْجُلَهُمْ, وَسَمَلَ أَعْيُنَهُمْ).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "محمد بن عبد اللَّه الْخَلَنْجِيّ (١)) صدوقٌ [١٠] ٤٣/ ١٧٢٤.
و"مالك بن سُعير" بالتصغير، آخره راء- ابن الخِمْس بكسر المعجمة، وسكون الميم، بعدها مهملة- التميميّ، أبو محمد، ويقال: أبو الأحوص الكوفيّ، لا بأس به [٩].
стр. 15601
قال أبو زرعة، وأبو حاتم: صدوقٌ. وقال أبو داود: ضعيف، زعموا أنه مات قبل ابن عُيينة. وقال الدارقطنيّ: صدوقٌ. وقال الأزديّ: عنده مناكير. وذكره ابن حبّان في "الثقات"، وقال: مات سنة (٢٠٠) أو قبلها، أو بعدها بقليل. روى له البخاريّ حديثًا واحدًا في "التفسير" متابعةً، وأبو داود في "القدر"، والمصنّف هذا الحديث فقط، وابن ماجه حديثين فقط.
والحديث صحيح، وهو من أفراد المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، أخرجه هنا ٩/ ٤٠٣٨ - وفي "الكبرى " ٣٥٠٠. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٠٣٩ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى, عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ أَبِي الْوَزِيرِ, قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ ح وَأَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي الْوَزِيرِ, قَالَ: حَدَّثَنَا الدَّرَاوَرْدِيُّ, عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ, عَنْ أَبِيهِ, عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ قَوْمًا أَغَارُوا, عَلَى لِقَاحِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , فَأُتِيَ بِهِمُ النَّبِيُّ ﷺ , فَقَطَّعَ النَّبِيُّ ﷺ أَيْدِيَهُمْ وَأَرْجُلَهُمْ, وَسَمَلَ أَعْيُنَهُمْ. اللَّفْظُ لاِبْنِ الْمُثَنَّى).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "إبراهيم بن أبي الوزير": هو إبراهيم بن عمر بن مطرّف الهاشميّ مولاهم، أبو إسحاق المكيّ، نزيل البصرة، صدوقٌ [٩] ١/ ١٦٠٠.
و"عبد العزيز": هو ابن محمد الدراورديّ المدنيّ، صدوقٌ، يُحدّث من كتُب غيره، فيُخطىء [٨] ٨٤/ ١٠١.
وقوله: "فأُتي" بالبناء للمفعول. وقوله: "فقطع" بالبناء للفاعل، والطاء مشدّدة، أو مخفّفة.
والحديث صحيح، وهو من أفراد المصنّف، أخرجه هنا-٩/ ٤٠٣٩ - وفي "الكبرى" ٩/ ٣٥٠١. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٠٤٠ - (أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ حَمَّادٍ, قَالَ: أَنْبَأَنَا اللَّيْثُ, عَنْ هِشَامٍ, عَنْ أَبِيهِ, أَنَّ قَوْمًا أَغَارُوا, عَلَى إِبِلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , فَقَطَّعَ أَيْدِيَهُمْ وَأَرْجُلَهُمْ, وَسَمَلَ أَعْيُنَهُمْ).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "عيسى بن حمّاد": هو التُّجِيبيّ، أبو موسى المصريّ، الملقّب زُغْبة، ثقة [١٠] ١٣٥/ ٢١١.
و"الليث": هو ابن سعد إمام أهل مصر.
والحديث مرسلٌ صحيح بما سبق، وهو من أفراد المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، أخرجه هنا -٩/ ٤٠٤٠ - وفي "الكبرى" ٩/ ٣٥٠٢. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
стр. 15602
٤٠٤١ - (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ السَّرْحِ, قَالَ: أَنْبَأَنَا ابْنُ وَهْبٍ, قَالَ: وَأَخْبَرَنِي يَحْيَى بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَالِمٍ, وَسَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ, وَذَكَرَ آخَرَ, عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ, عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ, أَنَّهُ قَالَ: أَغَارَ نَاسٌ مِنْ عُرَيْنَةَ, عَلَى لِقَاحِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَاسْتَاقُوهَا, وَقَتَلُوا غُلَامًا لَهُ, فَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي آثَارِهِمْ, فَأُخِذُوا, فَقَطَّعَ أَيْدِيَهُمْ وَأَرْجُلَهُمْ, وَسَمَلَ أَعْيُنَهُمْ).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "يحيى بن عبد اللَّه بن سالم" بن عبد اللَّه بن عمر بن الخطّاب القرشيّ المدنيّ، صدوق، من كبار [٨] ٥١/ ١٧٤٦ له عند المصنف حديثان فقط: هذا، وحديث الحسن بن عليّ - رضي اللَّه تعالى عنهما - في "كتاب الصلاة": "اللَّهم اهدني فيمن هديت" الحديث.
و"سعيد بن عبد الرحمن": هو الْجُمَحيّ، أبو عبد اللَّه المدنيّ، صدوقٌ، له أوهام [٨] ٤٣/ ٢٢٣٦.
وقوله: "قال ابن وهب: وأخبرني الخ"، زاد في "الهنديّة"، و"الكبرى" كلمة "يعني"، ولفظه: "أنبأنا ابن وهب، قال يعني: وأخبرني يحيى بن عبد اللَّه بن سالم الخ.
وقوله: "وذكر آخر" يحتمل أن يكون ابن لهيعة. واللَّه تعالى أعلم.
والحديث مرسل، صحيح بما سبق. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٠٤٢ - (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ السَّرْحِ, قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ وَهْبٍ, قَالَ: أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ, عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِلَالٍ, عَنْ أَبِي الزِّنَادِ, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ, عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , وَنَزَلَتْ فِيهِمْ آيَةُ الْمُحَارَبَةِ).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "عمرو بن الحارث: هو أبو أيوب المصريّ، ثقة فقيهٌ حافظ [٧] ٦٣/ ٧٩. و"سعيد بن أبي هلال": هو أبو العلاء المصريّ، صدوق [٦] ٤١/ ٦٨٦. و"أبو الزناد": هو عبد اللَّه بن ذكوان المدنيّ الفقيه الثبت.
و"عبد اللَّه بن عبيد اللَّه بن عمر بن الخطّاب العدويّ، مقبول [٤].
روى عن عمّه. وعنه أبو الزناد. ذكره ابن حبّان في "الثقات". روى له المصنّف، وأبو داود هذا الحديث فقط.
وقوله: "ونزلت فيهم آية المحاربة" هكذا رواية المصنّف في "المجتبى"، وفي "الكبرى"، وفيها اختصار شديد، لا يتبيّن معه المراد، وقد أخرجه أبو داود في "سننه"، تامًّا، وهذا لفظه:
حدثنا أحمد بن صالح، حدثنا عبد اللَّه بن وهب، أخبرني عمرو، عن سعيد بن أبي
стр. 15603
هلال، عن أبي الزناد، عن عبد اللَّه بن عبيد اللَّه -قال أحمد: هو يعني عبد اللَّه بن عبيد اللَّه بن عمر بن الخطاب- عن ابن عمر، أن ناسا أغاروا على إبل النبيّ ﷺ ، فاستاقوها، وارتدوا عن الإسلام، وقتلوا راعي رسول اللَّه ﷺ مؤمنًا، فبعث في آثارهم، فأُخِذوا، فقطّع أيديهم وأرجلهم، وسَمَلَ أعينهم، قال: ونزلت فيهم آية المحاربة، وهم الذين أخبر عنهم أنس بن مالك الحجاج حين سأله. انتهى.
والحديث صحيح، وقد أخرجه المصنّف هنا -٩/ ٤٠٤٢ - وفي "الكبرى" ٩/ ٣٥٠٤. وأخرجه (د) في "الحدود" ٤٣٦٩ - ٤٣٧٠. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٠٤٣ - (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ السَّرْحِ, قَالَ: أَنْبَأَنَا ابْنُ وَهْبٍ, قَالَ: أَخْبَرَنِي اللَّيْثُ, عَنِ ابْنِ عَجْلَانَ, عَنْ أَبِي الزِّنَادِ, أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , لَمَّا قَطَّعَ الَّذِينَ سَرَقُوا لِقَاحَهُ, وَسَمَلَ أَعْيُنَهُمْ بِالنَّارِ, عَاتَبَهُ اللَّهُ فِي ذَلِكَ, فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ الآيَةَ كُلَّهَا [المائدة: ٣٣]).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "الليث": هو ابن سعد. و"ابن عجلان": هو محمد. و"أبو الزناد": هو عبد اللَّه بن ذكوان.
وقوله: "عاتبه اللَّه في ذلك" هذا غير صحيح، والصحيح أن الآية نزلت بيانًا لحكم المحاربين، لا عتابًا للنبيّ ﷺ ، وقد تقدّم أن هذا القول ذُكر للأوزاعيّ -رحمه اللَّه تعالى- عنه، فأنكر أن تكون نزلت معاتبة، وقال: بل كانت عُقُوبة أولئك النفر بأعيانهم، ثم نزلت هذه الآية في عقوبة غيرهم ممن حارب بعدهم، ورُفع عنهم السمل. انتهى (١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: وقول الأوزاعيّ هذا لا ينافي ما يأتي عن أنس - رضي اللَّه تعالى عنه -، حيث قال: إنما سمَل النبيّ - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم - أعيُن أولئك النفر؛ لأنهم سملوا أعين الرعاة. انتهى.
والحاصل أن القول بأن الآية نزلت للعتاب ضعيف، والصحيح أن النبيّ - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم - لم يُعاتب في ذلك؛ لأنه إنما سمل قصاصًا؛ وإنما الآية نزلت في المحاربين عمومًا، فلو اتّفق أن المحاربين سملُوا أعين الناس، فُعل بهم ذلك قصاصًا. واللَّه تعالى أعلم.
والحديث مرسلٌ ضعيفٌ، تفرّد به المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- عنه، أخرجه هنا-٩/
стр. 15604
٤٠٤٣ - وفي "الكبرى" ٩/ ٣٤٣٥٠٥. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٠٤٤ - (أَخْبَرَنَا الْفَضْلُ بْنُ سَهْلٍ الأَعْرَجُ, قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ غَيْلَانَ, ثِقَةٌ مَأْمُونٌ, قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ, عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ, عَنْ أَنَسٍ, قَالَ: إِنَّمَا سَمَلَ النَّبِيُّ ﷺ , أَعْيُنَ أُولَئِكَ؛ لأَنَّهُمْ سَمَلُوا أَعْيُنَ الرُّعَاةِ).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "الفضل بن سهل الأعرج": هو البغداديّ، خراسانيّ الأصل، صدوق [١١] ٦٨/ ٩٩٢.
و"يحيى بن غيلان" بن عبد اللَّه بن أسماء بن حارثة الْخُزاعيّ، ثمّ الأسلميّ، أبو الفضل البغداديّ، ويقال: يحيى بن عبد اللَّه بن غيلان، ثقة [١٠].
قال الفضل بن سهل: ثقة مأمون. وقال الخطيب: كان ثقة. وقال ابن قانع: صالح. وذكره ابن حبّان في "الثقات". وقال ابن سعد: كان ثقة، نزل بغداد، ثم خرج إلى البصرة في حاجة له، فمات هناك سنة (٢١٠)، وفيها أرّخه مطيّن. وقيل: سنة (٢١٣). تفرّد به مسلم، والمصنّف، والترمذيّ، وله عندهم هذا الحديث فقط.
وقوله: "ثقة مأمون" هو من كلام الفضل بن سهل. واللَّه تعالى أعلم.
و"يزيد بن زُريع": هو أبو معاوية البصريّ، ثقة ثبت [٨] ٥/ ٥. و"سليمان التيميّ": هو ابن طرخان، أبو المعتمر البصريّ، ثقة عابد [٤] ٨٧/ ١٠٧.
وقوله: "إنما سمل الخ" يعني أن ما فعله النبيّ ﷺ من سمل أولئك المحاربين؛ لكونهم فعلوه بالرعاة، فكان ذلك قصاصًا، وهذا هو الصحيح في الجواب عما فُعل بهم، من التعذيب، والتمثيل.
قَالَ: العلّامة شَمْس الدِّين بن الْقَيِّم رَحِمَهُ اللَّه تعالى في "تهذيب السنن": قَدْ ذَكَرَ مُسْلِم فِي "صَحِيحه" عَنْ أَنَس، قال: "إِنَّما سَمَلَ النَّبِيُّ ﷺ أَعْيُنَ أُولَئِكَ، لِأَنَّهُمْ سَمَلُوا أَعْيُن الرِّعَاء". وَذَكَرَ ابْن إِسْحَاق: أَنَّ هؤُلاءِ كَانُوا قَدْ مَثَّلُوا بِالرَّاعِي، فَقَطَعُوا يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ، وَغَرَزُوا الشَّوْك فِي عَيْنَيهِ، فأُدْخِل الْمَدِينَة مَيِّتًا عَلَى هَذِهِ الصِّفَة. وَتَرْجَمَة الْبُخَارِيّ -رحمه اللَّه تعالى- في "صحِيحه" تدُلّ عَلَى ذَلِكَ، فإِنَّهُ سَاقَهُ فِي باب "إِذَا حَرَّقَ الْمُسْلِم، هَلْ يُحَرَّق؟ " فَذَكَرَهُ. وَذَكَرَ الْبُخَارِيّ أَيْضًا أَنَّهُمْ كَانُوا مِنْ أَهْل الصُّفَّة، وَذَكَرَ أَنَّهُ لَمْ يَحْسِمهُمْ حَتَّى مَاتُوا. انتهى.
والحديث أخرجه المصنّف هنا -٩/ ٤٠٤٤ - وفي "الكبرى" ٩/ ٣٥٠٦. وأخرجه مسلم في ٤٣٣٦ - عن شيخ المصنّف بنفس هذا السند، وأخرجه (ت) في "الطهارة" ٧٣. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
стр. 15605
٤٠٤٥ - (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ السَّرْحِ, وَالْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ, قِرَاءَةً عَلَيْهِ, وَأَنَا أَسْمَعُ, قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ, قَالَ: أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو, عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ, عَنْ أَيُّوبَ, عَنْ أَبِي قِلَابَةَ, عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ, أَنَّ رَجُلاً مِنَ الْيَهُودِ, قَتَلَ جَارِيَةً مِنَ الأَنْصَارِ, عَلَى حُلِىٍّ لَهَا, وَأَلْقَاهَا فِي قَلِيبٍ, وَرَضَخَ رَأْسَهَا بِالْحِجَارَةِ, فَأُخِذَ فَأَمَرَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , أَنْ يُرْجَمَ حَتَّى يَمُوتَ).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (أَحمدُ بْنُ عمرِو بنِ السَّرْحِ) أبو الطاهر المصريّ، ثقة [١٠] ٣٥/ ٣٩.
٢ - (الْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ) بن محمد القاضي المصريّ، ثقة فقيه [١٠] ٩/ ٩.
٣ - (ابن وهب) عبد اللَّه المصريّ الحافظ، ثقة عابد [٩] ٩/ ٩.
٤ - (محمد بن عمرو) اليافعيّ- بالياء التحتانيّة- المصريّ الرُّعَينيّ، صدوقٌ له أوهام [٩].
روى عن ابن جُريج، وعنه ابن وهب. قال ابن أبي حاتم: سألت أبي، وأبا زرعة عنه؟ فقالا: شيخٌ لابن وهب. وقال ابن يونس: روى عنه ابن وهب وحده، وهو قريبٌ السنّ من ابن وهب، حدّث بغرائب. وذكره ابن حبّان في "الثقات". وقال ابن عديّ: له مناكير، وأورد له حديثه عن ابن جريج، عن أبي الزبير، عن جابر: "لا يرث المسلم النصرانيّ، إلا أن يكون عبده، أو أمته" (١)، واستنكره، وقد رواه عبد الرزّاق، عن ابن جريج، موقوفًا، وهو الصواب. وذكره الساجيّ في "الضعفاء"، ونقل عن يحيى بن معين، أنه قال. غيره أقوى منه. وقال ابن القطّان: لم تثبت عدالته. تفرّد به مسلم، له
عنده حديث واحد، متابعة. والمصنّف وله عنده هذا الحديث فقط.
٥ - (ابن جريج) هو عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج الأمويّ مولاهم، أبو الوليد، وأبو خالد المكيّ، ثقة فقيه فاضل، يدلّس [٦] ٢٨/ ٣٢.
٦ - (أيّوب) بن أبي تميمة كيسان السختيانيّ، أبو بكر البصريّ، ثقة ثبت فقيه عابد [٥] ٤٢/ ٤٨.
٧ - (أبو قلابة) عبد اللَّه بن زيد بن عمرو الجرميّ البصريّ، ثقة فاضلٌ، كثير الإرسال، فيه نصب يسير [٣] ١٠٣/ ٣٢٢.
٨ - (أنس بن مالك) - رضي اللَّه تعالى عنه - ٦/ ٦. واللَّه تعالى أعلم.
стр. 15606
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سباعيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه الحارث، فقد تفرّد به هو وأبو داود. (ومنها): أنه مسلسل بالمصريين إلى محمد بن عمرو، والباقون بصريّون، سوى ابن جريج، فمكيّ. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ، وفيه أنس ﵁ من المكثرين السبعة، وآخر من مات من الصحابة - رضي اللَّه تعالى عنهم - بالبصرة. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) - رضي اللَّه تعالى عنه - (أَنَّ رجُلًا مِنْ الْيَهُودِ) قال الحافظ: لم أقف على اسمه (قَتَلَ جَارِيةً مِنْ الأَنْصَارِ) قال في "الفتح": يحتمل أن تكون الجارية أمة، ويحتمل أن تكون حرّة، لكن دون البلوغ (عَلَى حُليِّ لَهَا) بضمّ الحاء المهملة، وكسر اللام، وتشديد الياء التحتانيّة- جمع حَلْي بفتح، فسكون، كثَدْيٍ وثُدِيّ، والأصل فُعُول، كفلس وفُلُوس-: أي لأجل زينتها، فـ"على" بمعنى اللام، وفي الرواية الآتية: في "القسامة": "أن يهوديًّا أخذ أوضاحًا من جارية"، و"الأوضاح" بحاء مهملة: هي نوع من الْحُليّ تصاغ من الفضّة، سميت بها؛ لبياضها، واحدها وَضَحٌ بفتحتين-، ولا يُعرف اسم الجارية.
وقال في "الفتح": معنى: "على أوضاح": بسبب أوضح، وهي بالضاد المعجمة، والحاء المهملة جمع وضح، قال أبو عُبيد: هي حليّ الفضّة. ونقل عياض أنها حليّ من حجارة، ولعله أراد حجارة الفضّة؛ احترازًا من الفضّة المضروبة، أو المنقوشة. انتهى (١).
(وَأَلْقَاهَا فِي قَلِيبٍ) بفتح القاف، وكسر اللام-: البئر، وهو مذكّرٌ، قال الأزهريّ: القليب عند العرب: البئر العادِيّة القديمة، مَطويّةً كانت، أو غير مطويّة، والجمع قُلُبٌ بضمّتين- مثلُ بَرِيد وبُرُد. أفاده الفيّوميّ (وَرَضَخَ) بضاد، وخاء معجمتين، مبنيًّا للفاعل، وقد ذكر أهل اللغة أنه يقال أيضًا: رَضَح بالحاء المهملة، قال الفيّوميّ: رَضَحته رَضْحًا أي بالحاء المهملة- من باب نَفَعَ، وهو كسره، ودقّه، كالنوى وغيره، ورَضَحتُ رأسه: إذا كسرته، والخاء المعجمة لغة فيهما. انتهى. وفي رواية: "رَضَّ رأس جارية"، والرضّ بالضاد المعجمة بمعنى الرضخ (رَأْسَهَا بِالْحِجَارَةِ) وفي رواية: "رضّ رأسها بين حجرين"، وفي رواية: "رماها بحجر"، وفي رواية: "رضخ رأسها"، قال في
стр. 15607
الفتح": لا تنافي بين هذه الروايات؛ لأنه يُجمع بينها بأنه رماها بحجر، فأصاب رأسها، فسقطت على حجر آخر. انتهى (١).
(فَأُخِذَ) بالبناء للمفعول (فَأَمَرَ بِهِ رسُولُ اللَّهِ ﷺ ) أي بعد أن اعترف بقتلها، ففي الرواية الآتية في "القسامة"، من طريق قتادة، عن أنس: "فأُدركت، وبها رَمَقٌ، فأتي بها رسولُ اللَّه - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم -، فقال: "من قتلكِ، فلان؟ "، قالت برأسها: لا، قال: "فلان؟ "، قال: حتى سَمَّى اليهوديّ، قالت برأسها: نعم، فأُخذ، فاعترف، فأَمر به رسول اللَّه ﷺ " (أَنْ يُرجَمَ) بالبناء للمفعول (حَتَّى يَمُوتَ) وفي رواية قتادة المذكورة: "فرُضخ رأسه بين حجرين"، وفي رواية هشام بن زيد، عن أنس: "فقتله بين حجرين". وفي رواية البخاريّ: "فرُضّ رأسه بالحجارة". قال القاضي عياض: رضخه بين حجرين، ورميه بالحجارة، ورجمه بها بمعنى، والجامع أنه رمي بحجر، أو أكثر، ورأسه على آخر.
وقال ابن التين: أجاب بَعْض الْحَنَفِيَّة، بِأَنَّ هَذَا الْحَدِيث لَا دَلَالَة فِيهِ عَلَى الْمُمَاثَلَة فِي الْقِصَاص؛ لِأَنَّ الْمَرْأَة كَانَتْ حَيَّة، وَالْقَوَد لَا يَكُون فِي حَيِّ. وَتَعَقَّبهُ بِأَنَّهُ إِنَّمَا أَمَرَ بِقَتْلِهِ بَعْد موْتها؛ لِأَنَّ فِي الْحَدِيث: "أَفُلَان قَتَلَك؟ "، فَدلَّ عَلَى أَنَّهَا مَاتَتْ حِينَئِذٍ؛ لِأَنَّهَا كَانَتْ تَجُود بِنَفْسِها، فَلَمَّا مَاتَتْ اقْتَصَّ مِنْهُ.
وَادَّعى ابْن الْمُرَابِط مِنْ الْمَالِكِيَّة، أَنَّ هَذَا الْحُكْم كان في أَوَّل الإسْلَام، وهُو قَبُول قَوْل الْقَتِيل، وأمَّا مَا جَاءَ أَنَّهُ اعْترف، فَهُوَ فِي رِوَايَة قَتَادَة، وَلَمْ يَقُلْهُ غَيْره، وَهَذَا مِمَّا عُدَّ عَلَيْهِ انْتَهَى.
قال الحافظ: وَلَا يَخْفَى فَسَادَ هَذِهِ الدَّعْوَى، فَقَتَادَةُ حَافِظٌ، زِيَادَتُهُ مَقْبُولَة؛ لِأَنَّ غَيْره لَمْ يَتَعَرَّض لِنَفْيِهَا، فَلَمْ يَتَعَارَضَا، وَالنَّسْخ لا يَثْبُت بِالِاحْتِمَالِ. قاله في "الفتح" (٢).
وقال القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى- عند قوله: "فأمر به رسول اللَّه - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم - أن يُرجم حتى يموت، فرُجم حتى مات": هذا مخالفٌ لمساق الرواية الأولى، فلذلك قيل في هذا: إنها قضيّةٌ أُخرى غير تلك. والأولى أن القضيّةَ واحدةٌ، غير أن الراوي عبّر عن رَضِّ رأس اليهوديّ بالحجارة بالرجم، ولا بُعد في ذلك؛ فإنه من تسمية الشيء بما يُشبهه. انتهى (٣). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
стр. 15608
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث أنس بن مالك - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٩/ ٤٠٤٥ و ٤٠٤٧ وفي "القسامة" ١٢/، ١٣/ ٤٧٤٢ و ٤٧٤٣ و ٤٧٤٤ و ٢٦، ٢٧/ ٤٧٨١ - وفي "الكبرى" ٩/ ٣٥٠٧ و ٣٥٠٨ وفي "القسامة" ١١/ ٦٩٤٢ و ٦٩٤٣ و ٦٩٤٤ و ٢٥/ ٦٩٨١. وأخرجه (خ) في "الخصومات" ٢٤١٣ و"الوصايا" ٢٧٤٦ و"الديات" ٦٨٧٦ و ٦٨٧٧ و ٦٨٧٩ و ٦٨٨٤ و ٦٨٨٥ (م) في "القسامة" ١٦٧٢ (د) في "الديات" ٤٥٢٧ و ٤٧٢٨ و ٤٧٢٩ و ٤٥٣٥ (ت) في "الديات" ١٣٩٤ (ق) في "الديات" ٢٦٦٥ و ٢٦٦٦ (أحمد) في "باقي مسند المكثرين" ١٢٣٣٧ و ١٢٥٩٤ و ١٢٦٩٤ (الدارمي) في "الديات" ٢٣٥٥. واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان الحكم الذي اشتملت عليه الآية الكريمة، ووجه مناسبة الحديث لتأويل الآية أن هذا اليهوديّ ممن بغى على الناس، وأفسد في الأرض، بقتله الجارية، وأخذ حليّها، فدخل تحت حكم الآية الكريمة، التي نزلت لبيان حكم المحاربين، والساعين في الأرض فسادًا، وهو القتل، أو التصليب أو تقطيع أيديهم، وأرجلهم من خلاف، أو نفيهم، من الأرض، وقد قدّمنا أن المختار أن "أو" في الآية للتخيير، فيفعل الإمام ما يراه فيهم، وقد فعل النبيّ ﷺ في هذا اليهوديّ، ما يناسب فعله، حيثُ رُضّ رأسه بالحجارة، كما فعل بالجارية. واللَّه تعالى أعلم.
(ومنها): أن فيه أنه ينبغي للحاكم أن يستدلّ على أهل الجنايات، ثم يتلطّف بهم حتّى يقرّوا؛ ليُؤخذوا بإقرارهم، وهذا بخلاف ما إذا جاءوا تائبين، فإنه يعرض عمن لم يُصرّح بالجناية، فإنه يجب إقامة الحدّ عليه إذا أقرّ، وسياق القصّة يقتضي أن اليهوديّ لم تقُم عليه بيّنة، وإنما أُخذ بإقراره.
(ومنها): أنه تجب المطالبة بالدم بمجرّد الشكوى، وبالإشارة. (ومنها): أن فيه دليلًا على جواز وصيّة غير البالغ، ودعواه بالدين والدم. قاله المهلّب. وتعقّبه الحافظ، فقال: في هذا نظر؛ لأنه لم يتعيّن كون الجارية دون البلوغ. (ومنها): أنه استدلّ به بعضهم على التدمية؛ لأنها لو لم تُعتبر لم يكن لسؤال الجارية فائدة، قال: ولا يصحّ اعتباره مجرّدًا؛ لأنه خلاف الإجماع، فلم يبقَ إلا أنه يُفيد القسامة. وقال النوويّ: ذهب
стр. 15609
مالكٌ إلى ثبوت قتل المتّهم بمجرّد قول المجروح، واستدلّ بهذا الحديث، ولا دلالة فيه، بل هو قولٌ باطلٌ؛ لأن اليهوديّ اعترف، كما وقع التصريح به في بعض طرقه. ونازعه بعض المالكيّة، فقال: لم يقل مالكٌ، ولا أحد من أهل مذهبه بثبوت القتل على المتّهم بمجرّد قول المجروح، وإنما قالوا: إن قول المحتضر عند موته فلانٌ قتلني لَوْثٌ، يوجب القسامة، فيُقسِم اثنان، فصاعدًا من عصبته بشرط الذكوريّة، وقد وافق بعض المالكيّة الجمهور. واحتجّ من قال بالتدمية أن دعوى من وصل إلى تلك الحالة، وهي وقت إخلاصه، وتوبته عند معاينة مفارقة الدنيا يدلّ على أنه لا يقول إلا حقًّا، قالوا. وهي أقوى من قول الشافعيّة: إن الوليّ يُقسم إذا وَجَدَ قربَ وليّه المقتولِ رجلًا معه سكين؛ لجواز أن يكون القاتل غير من معه السكّين.
(ومنها): أنه استدلّ به على وجوب القصاص على الذمّيّ. وتُعُقّب بأنه ليس فيه تصريح بكونه ذميًّا، فيحتمل أن يكون معاهدًا، أو مستأمنًا.
(ومنها): مشروعيّة قتل الرجل بالمرأة، وهو قول الجمهور، خلافًا لمن شذّ، فقال: لا يُقتل بها، وهو عطاء، والحسن. وقد رُوي عن عليّ - رضي اللَّه تعالى عنه -، وأما القصاص بينهما في الأطراف، فهو أيضًا مذهب الجمهور. وقد ذهب إلى نفيه فيها من نفاه في النفس، وأبو حنيفة (١)، وحمّاد، وإن قالا به في النفس، والصحيح قول الجمهور في المسألتين؛ لقوله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ الآية [المائدة: ٤٥] (٢).
(ومنها): أنه استدُلّ به على أن القاتل يُقتل بما قتَلَ به، وهو مذهب الجمهور، وتمسّكوا بهذا الحديث، وبقوله تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ الآية [النحل: ١٢٦]، وبقوله تعالى: ﴿فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى﴾ الآية [البقرة: ١٩٤]. وخالف في ذلك الكوفيّون، فاحتجّوا بحديث: "لا قَوَدَ إلا بالسيف"، وهو حديث ضعيف، أخرجه البزّار، وابن عديّ من حديث أبي بكرة - رضي اللَّه تعالى عنه -، وذكر البزّار الاختلاف فيه مع ضعف إسناده. وقال ابن عديّ: طرقه كلُّها ضعيفة. وعلى تقدير ثبوته، فإنه على خلاف قاعدتهم في أن السنّة لا تنسخ الكتاب، ولا تُخصّصه.
وتمسّكوا أيضًا بالنهي عن المثلة، وهو صحيحٌ، لكنه محمولٌ عند الجمهور على غير المماثلة في القصاص؛ جمعًا بين الدليلين. قاله في "الفتح" (٣).
стр. 15610
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: مذهب الجمهور في هذه المسألة هو الحقّ؛ لوضوح أدلّته، وسيأتي تمام البحث في ذلك في "كتاب القصاص"، إن شاء اللَّه تعالى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٠٤٦ - (أَخْبَرَنَا يُوسُفُ بْنُ سَعِيدٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ, عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ, قَالَ: أَخْبَرَنِي مَعْمَرٌ, عَنْ أَيُّوبَ, عَنْ أَبِي قِلَابَةَ, عَنْ أَنَسٍ, أَنَّ رَجُلاً قَتَلَ جَارِيَةً مِنَ الأَنْصَارِ, عَلَى حُلِيٍّ لَهَا, ثُمَّ أَلْقَاهَا فِي قَلِيبٍ, وَرَضَخَ رَأْسَهَا بِالْحِجَارَةِ, فَأَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ , أَنْ يُرْجَمَ حَتَّى يَمُوتَ).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "يوسف بن سعيد": هو المصّيصيّ الثقة الحافظ [١١] ١٣١/ ١٩٨، من أفراد المصنّف.
و"حجاج": هو ابن محمد الأعور المصّيصيّ. و"معمر": هو ابن راشد.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد سبق شرحه، وبيان مسائله في الذي قبله. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٠٤٧ - (أَخْبَرَنَا زَكَرِيَّا بْنُ يَحْيَى, قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ, قَالَ: أَنْبَأَنِي عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ وَاقِدٍ, قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي, قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ النَّحْوِيُّ, عَنْ عِكْرِمَةَ, عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ, فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ الآيَةَ [المائدة: ٣٣] , قَالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِي الْمُشْرِكِينَ, فَمَنْ تَابَ مِنْهُمْ, قَبْلَ أَنْ يُقْدَرَ عَلَيْهِ, لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ سَبِيلٌ, وَلَيْسَتْ هَذِهِ الآيَةُ لِلرَّجُلِ الْمُسْلِمِ, فَمَنْ قَتَلَ, وَأَفْسَدَ فِي الأَرْضِ, وَحَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ, ثُمَّ لَحِقَ بِالْكُفَّارِ, قَبْلَ أَنْ يُقْدَرَ عَلَيْهِ, لَمْ يَمْنَعْهُ ذَلِكَ, أَنْ يُقَامَ فِيهِ الْحَدُّ الَّذِي أَصَابَ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (زكريا بن يحيى) الحافظ المعروف بخيّاط السنّة، ثقة [١٢] ١٨٩/ ١١٦١، من أفراد المصنّف.
٢ - (إسحاق بن إبراهيم) الحنظليّ المعروف بابن راهويه المروزيّ، ثقة ثبت [١٠] ٢/ ٢.
[تنبيه]: إسحاق هذا من شيوخ المصنّف، يروي عنه كثيرًا بلا واسطة، وقليلًا ما يروي عنه بواسطة، كهذا الحديث، فتنبّه.
٣ - (عليّ بن الحسين) المروزيّ، صدوق يَهِم [١٠] ٥٤/ ٣٥٢٦.
٤ - (أبوه) الحسين بن واقد، أبو عبد اللَّه المروزيّ القاضي، ثقة له أوهام [٧] ٥/ ٤٦٣.
стр. 15611
٥ - (يزيد النحويّ) بن أبي سعيد، أبو الحسن المروزيّ، ثقة عابد [٦] ٥٤/ ٣٥٢٦، [تنبيه]: "النحويّ" -بفتح، فسكون-: نسبة إلى نحو بطنٌ من الأزد، وليس نسبةً إلى علم النحو المعروف، فتنبّه. واللَّه تعالى أعلم.
٦ - (عكرمة) مولى ابن عبّاس البربريّ، أبو عبد اللَّه المدنيّ ثقة ثبت فقيه [٣] ٢/ ٣٢٥.
٧ - (ابن عبّاس) عبد اللَّه البحر - رضي اللَّه تعالى عنهما - ٢٧/ ٣١. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سباعيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فمن أفراده. (ومنها): أنه مسلسل بالمراوزة إلى يزيد، والباقيان مدنيان. (ومنها): أن فيه ابن عبّاس من العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ عِكْرِمَةَ) مولى ابن عبّاس (عَنْ ابْنِ عَبَّاسِ) - رضي اللَّه تعالى عنهما - (في) بيان معنى (قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المائدة: ٣٣]) المحاربة هي: المضادّة، والمخالفة، وهي صادقة على الكفر، وعلى قطع الطريق، وإخافة السبيل، وكذا الإفساد في الأرض. قاله ابن كثير (١) (الْآيَةَ) يجوز فيها أوجه الإعراب: الرفع على تقدير تُقرأ الآية بتمامها، والنصب على تقدير اقرأ الآية بتمامها، والجرّ على تقدير إلى آخر الآية، وهذا الوجه ضعيف؛ لأن حذف الجارّ، وإبقاء عمله شاذّ (قال) ابن عبّاس - رضي اللَّه تعالى عنهما - (نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِي الْمُشرِكِينَ، فَمَنْ تَابَ مِنْهُمْ) أي من المشركين (قَبْلَ أَنْ يُقْدَرَ عَلَيْهِ) بالبناء للمفعول (لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ سَبِيلٌ) أي طريق إلى معاقبته (وَلَيْسَتْ هَذِهِ الْآيَةُ لِلرَّجُلِ الْمُسْلِمِ) أي لم تنزل في شأن محاربة المسلم، فإن عقوبته لا تسقط بتوبته، كما بيّنه بقوله (فَمَنْ قَتَلَ) من المسلمين (وَأَفْسَدَ فِي الأَرْضِ) بأخذ أموال الناس، ظلمهم (وَحَارَبَ اللَّه وَرَسُولَهُ) بقطع الطريق، وإخافة المسلمين (ثُمَّ لَحِقَ بِالْكُفَّارِ، قَبْلَ أَنْ يُقْدَرَ عَلَيْهِ) بالبناء للمفعول (لَمْ يَمْنَعْهُ ذَلِكَ أَنْ يُقَامَ فِيهِ الْحَدُّ الَّذِي أَصَابَ) أي إذا جاء تائبًا بعد ذلك كلّه قبل أن يُقدر عليه.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الذي قاله ابْن عَبَّاس، - رضي اللَّه تعالى عنهما -،
стр. 15612
هو أحد الأقوال التي ذُكرت في معنى: هذه الآية الكريمة، وقد استوفى تلك الأقول الإمام ابن جرير الطبريّ -رحمه اللَّه تعالى- في "تفسيره"، أحببت تلخيصه فيما يلي:
[القول الأول]: أن المعنى: إلا الذين تابوا من شركهم، ومناصبتهم الحرب للَّه، ولرسوله صلى اللَّه تعالى عليه وسلم، والسعي في الأرض بالفساد بالإسلام، والدخول في الإيمان من قبل قدرة المؤمنين عليهم، فإنه لا سبيل للمؤمنين عليهم بشيء من العقوبات التي جعلها اللَّه جزاء لمن حاربه ورسوله، وسعى في الأرض فسادًا، من قتل، أو صلب، أو قطع يد ورجل من خلاف، أو نفي من الأرض، فلا تِباعة قِبَله لأحد فيما كان أصاب في حال كفره، وحربه المؤمنين في مال، ولا دم، ولا حرمة، قالوا: فأما المسلم إذا حارب المسلمين، أو المعاهدين، وأتى بعض ما يجب عليه العقوبة، فلا تَضَعُ توبته عنه عقوبةَ ذنبه، بل توبته فيما بينه وبين اللَّه، وعلى الإمام إقامة الحدّ الذي أوجبه اللَّه عليه، وأخذه بحقوق الناس.
[القول الثاني]: أن هذه الآية الكريمة معنيّ بالحكم بها المحاربون اللَّه ورسوله الْحُرّاب من أهل الإسلام من قطع منهم الطريق، وهو مقيم على إسلامِهِ، ثم استأمن، فأومن على جناياته التي جناها، وهو للمسلمين حرب، ومن فعل ذلك منهم مرتدًّا عن الإسلام، ثم لحق بدار الحرب، ثم استأمن، فأومن، قالوا: فإذا أمّنه الإمام على جناياته التي سلفت لم يكن قِبَله لأحد تَبِعة في دم، ولا مال أصابه قبل توبته، وقبل أمان الإمام إياه.
ثم أخرج بسنده، عَنْ الشَّعْبِيّ، أن حَارِثَة بْن بَدْر حارب في عهد عليّ بن أبي طالب، فأتى الحسن بن عليّ، - رضي اللَّه تعالى عنهما -، فطلب إليه أن يستأمن له من عليّ، فأبى، ثم أتى ابن جعفر، فأبى عليه، فَأَتَى سَعِيد بْن قَيْس الْهَمْدَانِيَّ، فأمنه، وضمّه إليه،، وقال له: استأمن لي أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب، قال: فلما صلّى عليّ الغداةَ أتاه سعيد بن قيس، فقال: يا أمِير الْمُؤْمِنِينَ، ما جزاء الذين يحاربون اللَّه ورسُوله؟ قَالَ: ﴿أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾ [المائدة: ٣٣]، قال: ثُمَّ قال: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾، فَقَالَ سَعِيد: وَإِنْ كَانَ حَارِثَة بْن بَدْر؟، قال: وإن كان حارثة بن بدر، قال: فَهَذَا حَارِثَة بْن بَدْر، قَدْ جَاءَ تَائِبًا، فهُو آمِنُ؟، قَالَ نَعَمْ، قَالَ: فَجَاءَ بِهِ إِليْهِ، فَبَايَعَهُ، وَقَبِلَ ذَلِكَ مِنْهُ، وَكَتَبَ لَهُ أَمَانًا.
فقال حارثة [من الطويل]:
أَلَا أَبْلِغَا هَمْدَان إِمَّا لَقِيتَهَا … عَلَى النَّأْيِ لَا يَسْلَمْ عَدُوٌّ يَعِيبُهَا
стр. 15613
لَعَمْرُ أَبِيهَا إِنَّ هَمْدَانَ تتَّقِي الْـ … إلَهَ وَيَقْضِي بِالْكِتَابِ خَطِيبُهَا
[القول الثالث]: أن معنى ذلك كلّ من جاء تائبًا من الْحُرّاب قبل القدرة عليه، استأمن الإمام، فأمّنه، أو لم يستأمنه بعد أن يجيء مستسلمًا تاركًا للحرب.
ثم أخرج بسنده من طريق الأَشْعَث، عن عامر الشعبيّ، قال: جاء رَجُل من مراد إلى أبِي مُوسَى، وهو على الكوفة، في إمرة عثمان - رضي اللَّه تعالى عنه - بعد ما صلّى المكتوبة، فقال: يا أبا موسى: هَذَا مَقَام الْعَائِذ بك، أَنَا فُلان بْن فُلان المراديّ، وإني كُنْت حَارَبَت اللَّه ورَسُوله، وسعيت في الأرض فسادًا، وإني تبت مِنْ قَبْل أَنْ يُقْدَرَ عَلَيَّ، فَقَالَ أبُو مُوسَى: إِنَّ هذا فُلان بْن فُلَان، وإنه كَانَ مِمَّنْ حَارَبَ اللَّه ورَسُوله، وسعىِ في الأرض فسادًا، وإنه تاب مِنْ قَبْل أَنْ يُقْدَر عَلَيْهِ، فمن لقيه فَلَا يَعْرِض لَهُ أَحَد إِلَّا بِخَيْرٍ، فَإِنْ يَكُ صَادِقًا، فَسَبِيلِ من صدق، وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا، تدركه ذنوبه، فأقام الرجل ما شاء اللَّه، ثم إنه خرج، فأدركه اللَّه تعالى بذنوبه، فقتله.
[القول الرابع]: أن المستثنى في الآية هو التائب من حربه للَّه ورسوله، وسعيه في الأرض بالفساد بعد لحاقه بدار الكفر، فأما إذا كانت حرابته، وحربه وهو مقيم في دار الإسلام، وداخلٌ في غمارة الأمة، فليست توبته واضعةٌ عنه شيئًا من حدود اللَّه ، ولا من حقوق المسلمين والمعاهدين، بل يؤخذ بذلك.
[القول الخامس]: أنه إن كانت حرابته وحربه في دار الإسلام، وهو في غير مَنْعَةَ من فئة يلجأ إليها، ثم جاء تائبًا قبل القدرة عليه، فإن توبته لا تضع عنه شيئًا من عقوبته، ولا من حقوق الناس، وإن كانت حرابته، وحَرْبه في دار الإسلام، أو هو لاحقٌ بدار الكفر، غير أن في كلّ ذلك كان يلجأ إلى فئة تمنعه ممن أراده من سلطان المسلمين، ثم جاء تائبًا قبل القدرة عليه، فإن توبته تضع عنه كلّ ما كان من أَحْداثه في أيام حرابته تلك، إلا أن يكون أصاب حدًّا، أو أمر الرُّفْقة بما فيه عقوبة، أو غُرْمٌ لمسلم، أو مُعاهد، وهو غير ملتجىء إلى فئة تمنعه، فإنه يؤخذ بما أصاب من ذلك، وهو كذلك، ولا يضع ذلك عنه توبته.
[القول السادس]: أن توبته تضع عنه حدّ اللَّه الذي وجب عليه بمحاربته، ولا يسقط عنه حقوق بني آدم، وممن قال بذلك الشافعيّ، كما رواه عنه الربيع.
قال ابن جرير -رحمه اللَّه تعالى-: وأولى هذه الأقوال في ذلك بالصواب عندي قول من قال: توبة المحارب الممتنع بنفسه، أو بجماعة معه قبل القدرة عليه تضع عنه تَبِعات الدنيا التي كانت لزمته في أيام حَرْبه، وحرابته، من حدود اللَّه، وغُرْم لازم، وقَوَد، وقصاص، إلا ما كان قائمًا في يده من أموال المسلمين، والمعاهدين بعينه، فيُردّ على
стр. 15614
أهله؛ لإجماع الجميع على أن ذلك حكم الجماعة الممتنعة المحاربة للَّه ولرسوله الساعية في الأرض فسادًا، جماعةً كانوا أو واحدًا.
فأما المستخفي بسرقته، والمتلَصِّص على وجه اغتفال مَنْ سرقَهُ، والشاهر في خلاء على بعض السابلة، وهو عند الطلب غير قادر على الامتناع، فإن حكم اللَّه عليه، تاب، أو لم يتُب ماضٍ، وبحقوق من أخذ ماله أو أصاب وليّه بدم، أو خَتْلٍ مأخوذٌ، وتوبته فيما بينه وبين اللَّه جلّ وعز، قياسًا على إجماع الجميع على أنه لو أصاب شيئًا من ذلك، وهو للمسلمين سِلْمٌ، ثم صار لهم حَرْبًا أن حربه إياهم لن يضع عنه حقًّا للَّه ، ولا لآدميّ، فكذلك حكمه إذا أصاب ذلك في خلاء، أو باستخفاء، وهو غير ممتنع من السلطان بنفسه إن أراده، ولا له فئةٌ يَلجأ إليها مانعةٌ منه.
وفي قوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ [المائدة: ٣٤] دليلٌ واضحٌ لمن وُفّق لفهمه أن الحكم الذي ذكره اللَّه تعالى في المحاربين يجري في المسلمين والمعاهدين، دون المشركين الذين قد نصبوا للمسلمين حربًا، وذلك أن ذلك لو كان حكما في أهل الحرب من المشركين، دون المسلمين، ودون ذمّتهم لوجب أن لا يُسقِط إسلامهم عنهم إذا أسلموا، أو تابوا بعد قدرتنا عليهم ما كان لهم قبل إسلامهم، وتوبتهم، من القتل، وما للمسلمين في أهل الحرب من المشركين، وفي إجماع المسلمين أن إسلام المشرك الحربيّ يضع عنه بعد قدرة المسلمين عليه ما كان واضعه عنه إسلامه قبل القدرة عليه ما يدلّ على أن الصحيح من القول في ذلك قول من قال: عُنِي بآية المحاربين في هذا الموضع حُرّابُ أهل الملّة، أو الذمّة، دون من سواهم من مشركي أهل الحرب. انتهى كلام ابن جرير -رحمه اللَّه تعالى- (١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الذي رجّحه الإمام ابن جرير -رحمه اللَّه تعالى- في تأويل هذه الآية هو الأرجح عندي؛ لقوّة مُتمسّكه، كما بيّنه هو. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
стр. 15615
١٠ - (النَّهْيُ عَنِ الْمُثْلَةِ)
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: ظاهر صنيع المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- عنه في عقد هذه الترجمة عقب الباب الماضي، كأنه يرجّح قول من قال: إن حديث العرنيين منسوخٌ بحديث النهي عن المثلة، لكن تقدّم أن الراجح أنه ليس بمنسوخ، وأنه - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم - إنما فعل بأولئك النفر ذلك قصاصًا، حيث فعلوا بالراعي ذلك، كما بيّنه أنس - رضي اللَّه تعالى عنه - في قوله السابق: "إنما سمل النبيّ - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم - أعين أولئك؛ لأنهم سملوا أعين الرعاة". واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
٤٠٤٨ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى, قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ, قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ, عَنْ قَتَادَةَ, عَنْ أَنَسٍ, قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَحُثُّ فِي خُطْبَتِهِ عَلَى الصَّدَقَةِ, وَيَنْهَى عَنِ الْمُثْلَةِ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (محمد بن المثنّي) العنزيّ، أبو موسى البصريّ، ثقة ثبت [١٠] ٦٤/ ٨٠.
٢ - (عبد الصمد) بن عبد الوارث بن سعيد التّنُّوريّ، أبو سهل البصريّ، صدوق [٩] ١٢٢/ ١٧٤.
٣ - (هشام) بن أبي عبد اللَّه سَنْبَر الدستوائيّ البصريّ، ثقة ثبت، من كبار [٧] ٣٠/ ٣٤.
٤ - (قتادة) بن دِعامة السدوسيّ، أبو الخطّاب البصريّ، ثقة ثبت مدلّس [٤] ٣٠/ ٣٤.
٥ - (أنس) بن مالك - رضي اللَّه تعالى عنه - ٦/ ٦. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أن شيخه أحد التسعة الذين يروي عنهم الجماعة بلا واسطة. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ أَنَسٍ) بن مالك - رضي اللَّه تعالى عنه -، أنه (قَالَ: "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، يَحُثُّ) من باب نصر: أي يحرّض (فِي خُطْبَتِهِ عَلَى الصَّدَقَةِ) يعني أنه - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم - إذا خطب كان يأمر الناس بأن يتصدّقوا، وفي حديث سمرة بن جندب، وعمران بن حصين