٥ - (يزيد النحويّ) بن أبي سعيد، أبو الحسن المروزيّ، ثقة عابد [٦] ٥٤/ ٣٥٢٦، [تنبيه]: "النحويّ" -بفتح، فسكون-: نسبة إلى نحو بطنٌ من الأزد، وليس نسبةً إلى علم النحو المعروف، فتنبّه. واللَّه تعالى أعلم.
٦ - (عكرمة) مولى ابن عبّاس البربريّ، أبو عبد اللَّه المدنيّ ثقة ثبت فقيه [٣] ٢/ ٣٢٥.
٧ - (ابن عبّاس) عبد اللَّه البحر - رضي اللَّه تعالى عنهما - ٢٧/ ٣١. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سباعيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فمن أفراده. (ومنها): أنه مسلسل بالمراوزة إلى يزيد، والباقيان مدنيان. (ومنها): أن فيه ابن عبّاس من العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ عِكْرِمَةَ) مولى ابن عبّاس (عَنْ ابْنِ عَبَّاسِ) - رضي اللَّه تعالى عنهما - (في) بيان معنى (قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المائدة: ٣٣]) المحاربة هي: المضادّة، والمخالفة، وهي صادقة على الكفر، وعلى قطع الطريق، وإخافة السبيل، وكذا الإفساد في الأرض. قاله ابن كثير (١) (الْآيَةَ) يجوز فيها أوجه الإعراب: الرفع على تقدير تُقرأ الآية بتمامها، والنصب على تقدير اقرأ الآية بتمامها، والجرّ على تقدير إلى آخر الآية، وهذا الوجه ضعيف؛ لأن حذف الجارّ، وإبقاء عمله شاذّ (قال) ابن عبّاس - رضي اللَّه تعالى عنهما - (نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِي الْمُشرِكِينَ، فَمَنْ تَابَ مِنْهُمْ) أي من المشركين (قَبْلَ أَنْ يُقْدَرَ عَلَيْهِ) بالبناء للمفعول (لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ سَبِيلٌ) أي طريق إلى معاقبته (وَلَيْسَتْ هَذِهِ الْآيَةُ لِلرَّجُلِ الْمُسْلِمِ) أي لم تنزل في شأن محاربة المسلم، فإن عقوبته لا تسقط بتوبته، كما بيّنه بقوله (فَمَنْ قَتَلَ) من المسلمين (وَأَفْسَدَ فِي الأَرْضِ) بأخذ أموال الناس، ظلمهم (وَحَارَبَ اللَّه وَرَسُولَهُ) بقطع الطريق، وإخافة المسلمين (ثُمَّ لَحِقَ بِالْكُفَّارِ، قَبْلَ أَنْ يُقْدَرَ عَلَيْهِ) بالبناء للمفعول (لَمْ يَمْنَعْهُ ذَلِكَ أَنْ يُقَامَ فِيهِ الْحَدُّ الَّذِي أَصَابَ) أي إذا جاء تائبًا بعد ذلك كلّه قبل أن يُقدر عليه.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الذي قاله ابْن عَبَّاس، - رضي اللَّه تعالى عنهما -،
стр. 15612
هو أحد الأقوال التي ذُكرت في معنى: هذه الآية الكريمة، وقد استوفى تلك الأقول الإمام ابن جرير الطبريّ -رحمه اللَّه تعالى- في "تفسيره"، أحببت تلخيصه فيما يلي:
[القول الأول]: أن المعنى: إلا الذين تابوا من شركهم، ومناصبتهم الحرب للَّه، ولرسوله صلى اللَّه تعالى عليه وسلم، والسعي في الأرض بالفساد بالإسلام، والدخول في الإيمان من قبل قدرة المؤمنين عليهم، فإنه لا سبيل للمؤمنين عليهم بشيء من العقوبات التي جعلها اللَّه جزاء لمن حاربه ورسوله، وسعى في الأرض فسادًا، من قتل، أو صلب، أو قطع يد ورجل من خلاف، أو نفي من الأرض، فلا تِباعة قِبَله لأحد فيما كان أصاب في حال كفره، وحربه المؤمنين في مال، ولا دم، ولا حرمة، قالوا: فأما المسلم إذا حارب المسلمين، أو المعاهدين، وأتى بعض ما يجب عليه العقوبة، فلا تَضَعُ توبته عنه عقوبةَ ذنبه، بل توبته فيما بينه وبين اللَّه، وعلى الإمام إقامة الحدّ الذي أوجبه اللَّه عليه، وأخذه بحقوق الناس.
[القول الثاني]: أن هذه الآية الكريمة معنيّ بالحكم بها المحاربون اللَّه ورسوله الْحُرّاب من أهل الإسلام من قطع منهم الطريق، وهو مقيم على إسلامِهِ، ثم استأمن، فأومن على جناياته التي جناها، وهو للمسلمين حرب، ومن فعل ذلك منهم مرتدًّا عن الإسلام، ثم لحق بدار الحرب، ثم استأمن، فأومن، قالوا: فإذا أمّنه الإمام على جناياته التي سلفت لم يكن قِبَله لأحد تَبِعة في دم، ولا مال أصابه قبل توبته، وقبل أمان الإمام إياه.
ثم أخرج بسنده، عَنْ الشَّعْبِيّ، أن حَارِثَة بْن بَدْر حارب في عهد عليّ بن أبي طالب، فأتى الحسن بن عليّ، - رضي اللَّه تعالى عنهما -، فطلب إليه أن يستأمن له من عليّ، فأبى، ثم أتى ابن جعفر، فأبى عليه، فَأَتَى سَعِيد بْن قَيْس الْهَمْدَانِيَّ، فأمنه، وضمّه إليه،، وقال له: استأمن لي أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب، قال: فلما صلّى عليّ الغداةَ أتاه سعيد بن قيس، فقال: يا أمِير الْمُؤْمِنِينَ، ما جزاء الذين يحاربون اللَّه ورسُوله؟ قَالَ: ﴿أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾ [المائدة: ٣٣]، قال: ثُمَّ قال: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾، فَقَالَ سَعِيد: وَإِنْ كَانَ حَارِثَة بْن بَدْر؟، قال: وإن كان حارثة بن بدر، قال: فَهَذَا حَارِثَة بْن بَدْر، قَدْ جَاءَ تَائِبًا، فهُو آمِنُ؟، قَالَ نَعَمْ، قَالَ: فَجَاءَ بِهِ إِليْهِ، فَبَايَعَهُ، وَقَبِلَ ذَلِكَ مِنْهُ، وَكَتَبَ لَهُ أَمَانًا.
فقال حارثة [من الطويل]:
أَلَا أَبْلِغَا هَمْدَان إِمَّا لَقِيتَهَا … عَلَى النَّأْيِ لَا يَسْلَمْ عَدُوٌّ يَعِيبُهَا
стр. 15613
لَعَمْرُ أَبِيهَا إِنَّ هَمْدَانَ تتَّقِي الْـ … إلَهَ وَيَقْضِي بِالْكِتَابِ خَطِيبُهَا
[القول الثالث]: أن معنى ذلك كلّ من جاء تائبًا من الْحُرّاب قبل القدرة عليه، استأمن الإمام، فأمّنه، أو لم يستأمنه بعد أن يجيء مستسلمًا تاركًا للحرب.
ثم أخرج بسنده من طريق الأَشْعَث، عن عامر الشعبيّ، قال: جاء رَجُل من مراد إلى أبِي مُوسَى، وهو على الكوفة، في إمرة عثمان - رضي اللَّه تعالى عنه - بعد ما صلّى المكتوبة، فقال: يا أبا موسى: هَذَا مَقَام الْعَائِذ بك، أَنَا فُلان بْن فُلان المراديّ، وإني كُنْت حَارَبَت اللَّه ورَسُوله، وسعيت في الأرض فسادًا، وإني تبت مِنْ قَبْل أَنْ يُقْدَرَ عَلَيَّ، فَقَالَ أبُو مُوسَى: إِنَّ هذا فُلان بْن فُلَان، وإنه كَانَ مِمَّنْ حَارَبَ اللَّه ورَسُوله، وسعىِ في الأرض فسادًا، وإنه تاب مِنْ قَبْل أَنْ يُقْدَر عَلَيْهِ، فمن لقيه فَلَا يَعْرِض لَهُ أَحَد إِلَّا بِخَيْرٍ، فَإِنْ يَكُ صَادِقًا، فَسَبِيلِ من صدق، وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا، تدركه ذنوبه، فأقام الرجل ما شاء اللَّه، ثم إنه خرج، فأدركه اللَّه تعالى بذنوبه، فقتله.
[القول الرابع]: أن المستثنى في الآية هو التائب من حربه للَّه ورسوله، وسعيه في الأرض بالفساد بعد لحاقه بدار الكفر، فأما إذا كانت حرابته، وحربه وهو مقيم في دار الإسلام، وداخلٌ في غمارة الأمة، فليست توبته واضعةٌ عنه شيئًا من حدود اللَّه ، ولا من حقوق المسلمين والمعاهدين، بل يؤخذ بذلك.
[القول الخامس]: أنه إن كانت حرابته وحربه في دار الإسلام، وهو في غير مَنْعَةَ من فئة يلجأ إليها، ثم جاء تائبًا قبل القدرة عليه، فإن توبته لا تضع عنه شيئًا من عقوبته، ولا من حقوق الناس، وإن كانت حرابته، وحَرْبه في دار الإسلام، أو هو لاحقٌ بدار الكفر، غير أن في كلّ ذلك كان يلجأ إلى فئة تمنعه ممن أراده من سلطان المسلمين، ثم جاء تائبًا قبل القدرة عليه، فإن توبته تضع عنه كلّ ما كان من أَحْداثه في أيام حرابته تلك، إلا أن يكون أصاب حدًّا، أو أمر الرُّفْقة بما فيه عقوبة، أو غُرْمٌ لمسلم، أو مُعاهد، وهو غير ملتجىء إلى فئة تمنعه، فإنه يؤخذ بما أصاب من ذلك، وهو كذلك، ولا يضع ذلك عنه توبته.
[القول السادس]: أن توبته تضع عنه حدّ اللَّه الذي وجب عليه بمحاربته، ولا يسقط عنه حقوق بني آدم، وممن قال بذلك الشافعيّ، كما رواه عنه الربيع.
قال ابن جرير -رحمه اللَّه تعالى-: وأولى هذه الأقوال في ذلك بالصواب عندي قول من قال: توبة المحارب الممتنع بنفسه، أو بجماعة معه قبل القدرة عليه تضع عنه تَبِعات الدنيا التي كانت لزمته في أيام حَرْبه، وحرابته، من حدود اللَّه، وغُرْم لازم، وقَوَد، وقصاص، إلا ما كان قائمًا في يده من أموال المسلمين، والمعاهدين بعينه، فيُردّ على
стр. 15614
أهله؛ لإجماع الجميع على أن ذلك حكم الجماعة الممتنعة المحاربة للَّه ولرسوله الساعية في الأرض فسادًا، جماعةً كانوا أو واحدًا.
فأما المستخفي بسرقته، والمتلَصِّص على وجه اغتفال مَنْ سرقَهُ، والشاهر في خلاء على بعض السابلة، وهو عند الطلب غير قادر على الامتناع، فإن حكم اللَّه عليه، تاب، أو لم يتُب ماضٍ، وبحقوق من أخذ ماله أو أصاب وليّه بدم، أو خَتْلٍ مأخوذٌ، وتوبته فيما بينه وبين اللَّه جلّ وعز، قياسًا على إجماع الجميع على أنه لو أصاب شيئًا من ذلك، وهو للمسلمين سِلْمٌ، ثم صار لهم حَرْبًا أن حربه إياهم لن يضع عنه حقًّا للَّه ، ولا لآدميّ، فكذلك حكمه إذا أصاب ذلك في خلاء، أو باستخفاء، وهو غير ممتنع من السلطان بنفسه إن أراده، ولا له فئةٌ يَلجأ إليها مانعةٌ منه.
وفي قوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ [المائدة: ٣٤] دليلٌ واضحٌ لمن وُفّق لفهمه أن الحكم الذي ذكره اللَّه تعالى في المحاربين يجري في المسلمين والمعاهدين، دون المشركين الذين قد نصبوا للمسلمين حربًا، وذلك أن ذلك لو كان حكما في أهل الحرب من المشركين، دون المسلمين، ودون ذمّتهم لوجب أن لا يُسقِط إسلامهم عنهم إذا أسلموا، أو تابوا بعد قدرتنا عليهم ما كان لهم قبل إسلامهم، وتوبتهم، من القتل، وما للمسلمين في أهل الحرب من المشركين، وفي إجماع المسلمين أن إسلام المشرك الحربيّ يضع عنه بعد قدرة المسلمين عليه ما كان واضعه عنه إسلامه قبل القدرة عليه ما يدلّ على أن الصحيح من القول في ذلك قول من قال: عُنِي بآية المحاربين في هذا الموضع حُرّابُ أهل الملّة، أو الذمّة، دون من سواهم من مشركي أهل الحرب. انتهى كلام ابن جرير -رحمه اللَّه تعالى- (١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الذي رجّحه الإمام ابن جرير -رحمه اللَّه تعالى- في تأويل هذه الآية هو الأرجح عندي؛ لقوّة مُتمسّكه، كما بيّنه هو. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
стр. 15615
١٠ - (النَّهْيُ عَنِ الْمُثْلَةِ)
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: ظاهر صنيع المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- عنه في عقد هذه الترجمة عقب الباب الماضي، كأنه يرجّح قول من قال: إن حديث العرنيين منسوخٌ بحديث النهي عن المثلة، لكن تقدّم أن الراجح أنه ليس بمنسوخ، وأنه - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم - إنما فعل بأولئك النفر ذلك قصاصًا، حيث فعلوا بالراعي ذلك، كما بيّنه أنس - رضي اللَّه تعالى عنه - في قوله السابق: "إنما سمل النبيّ - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم - أعين أولئك؛ لأنهم سملوا أعين الرعاة". واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
٤٠٤٨ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى, قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ, قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ, عَنْ قَتَادَةَ, عَنْ أَنَسٍ, قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَحُثُّ فِي خُطْبَتِهِ عَلَى الصَّدَقَةِ, وَيَنْهَى عَنِ الْمُثْلَةِ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (محمد بن المثنّي) العنزيّ، أبو موسى البصريّ، ثقة ثبت [١٠] ٦٤/ ٨٠.
٢ - (عبد الصمد) بن عبد الوارث بن سعيد التّنُّوريّ، أبو سهل البصريّ، صدوق [٩] ١٢٢/ ١٧٤.
٣ - (هشام) بن أبي عبد اللَّه سَنْبَر الدستوائيّ البصريّ، ثقة ثبت، من كبار [٧] ٣٠/ ٣٤.
٤ - (قتادة) بن دِعامة السدوسيّ، أبو الخطّاب البصريّ، ثقة ثبت مدلّس [٤] ٣٠/ ٣٤.
٥ - (أنس) بن مالك - رضي اللَّه تعالى عنه - ٦/ ٦. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أن شيخه أحد التسعة الذين يروي عنهم الجماعة بلا واسطة. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ أَنَسٍ) بن مالك - رضي اللَّه تعالى عنه -، أنه (قَالَ: "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، يَحُثُّ) من باب نصر: أي يحرّض (فِي خُطْبَتِهِ عَلَى الصَّدَقَةِ) يعني أنه - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم - إذا خطب كان يأمر الناس بأن يتصدّقوا، وفي حديث سمرة بن جندب، وعمران بن حصين
стр. 15616
- رضي اللَّه تعالى عنهم - عند أحمد في "مسنده" -٤/ ٤٣٦ - بإسناد جيّد: ما خطبنا رسول اللَّه - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم - خطبة، إلا أمرنا بالصدقة، ونهانا عن المثلة" (وَيَنْهَى عَنْ الْمُثْلَةِ") بضمّ الميم، وسكون المثلّثة، وزان غُرْفة-: قطع بعض أطراف الحيوان، وهو حيّ. قال الفيّوميّ: مَثَلتُ بالقتيل مَثْلًا، من بابي قتل، وضرب: إذا جَدعته، وظهرتْ آثار فعلك عليه تنكيلًا، والتشديد مبالغةٌ، والاسم: الْمُثْلة، وزان غُرفة. انتهى.
وقال ابن الأثير: يقال: مثلتُ بالحيوان أمثُلُ به مَثْلًا: إذا قطعت أطرافه، وشَوَّهتَ به، ومَثَلْتُ بالقتيل: إذا جَدَعتَ أنفه، أو أُذنه، أو مذاكيره، أو شيئًا من أطرافه، والاسم الْمُثْلة، فأمّا مثّل بالتشديد، فهو للمبالغة. انتهى (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث أنس - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا صحيح، وإن كان في إسناده علّة، كما سيتّضح في المسألة التالية، إن شاء اللَّه تعالى.
وهو من أفراد المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- عنه، أخرجه هنا- ١٠/ ٤٠٤٨ - وفي "الكبرى" ١٠/ ٣٥١٠. واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثانية): أعلّ الحافظ -رحمه اللَّه تعالى- في "الفتح" رواية المصنّف هذه بأن فيها إدراجًا، فقال عند قول البخاريّ: "قال قَتَادَةُ: وَبَلَغَنَا أنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعْد ذَلِكَ كَانَ يَحْثُ عَلَى الصَّدَقَةِ وَيَنْهَى عَنْ الْمُثْلَةِ". فقال: ما ملخّصه:
هَذَا الْمَتْنُ جَاءَ مِنْ حَدِيثِ قَتَادَةَ، عَنْ الْحَسَنُ الْبَصْرِيّ، عن هَيَّاج بْن عِمْرَان، عَنْ عِمْرَان بْن حُصَيْنٍ، وَعَنْ سَمُرة بْن جُنْدُب، قَالَ: "كَانَ رَسُول اللَّه ﷺ يَحُثُّنَا عَلَى الصَّدَقَةِ، وَيَنْهَانَا عَنْ الْمُثْلَةِ". أَخْرَجَهُ أبُو دَاوُدَ، مِنْ طَرِيقِ مُعاذ بْن هِشَام، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ قَتَادَةَ، بِهَذَا الإسْنادِ واللَّفْظِ، وَفِيهِ قِصَّة (٢). وأخرجهُ أَحْمَد مِنْ طَرِيق سَعِيد، عَنْ قَتَادَةَ، بِهَذا الإسْنَادِ إِلَى عِمْرَان بْن حُصَيْنٍ، وفِيهِ الْقِصَّة، وَلَفْظه: "كَانَ يَحُثّ في خُطْبَتِهِ عَلَى الصَّدَقَةِ، وَيَنْهَى عَنْ الْمُثْلَةِ". وَعَنْ سَمُرَة مِثْل ذَلِكَ. وإِسْنَاد هَذَا الْحَدِيث قَوِيّ، فَإِنَّ هيَّاجًا -بِتَحْتانيَّةٍ ثَقِيلةٍ وَآخِرُهُ جِيمٌ- هُوَ ابْن عِمْرَان الْبَصْرِيّ، وثَّقهُ ابْن سَعْد، وابْن حِبَّانَ، وبقِيَّة رِجَاله مِنْ رِجَال الصَّحِيح. قال: وروي أيضًا مِنْ حَدِيث عَبْد اللَّه بن يَزِيد الأَنْصَارِيّ، قال: "نَهَى رَسُول اللَّه ﷺ عَنْ الْمُثْلة، وَالنُّهْبَى".
стр. 15617
قال: وَقَدْ تَبَيّنَ بِهَذَا أَنَّ فِي الْحَدِيث الَّذِي أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ، مِنْ طَرِيق عَبْد الصَّمَد بْن عَبْد الْوَارِث، عَنْ هِشَام، عَنْ قَتَادَةَ,، عَنْ أَنَس، قال: "نَهَى رَسُول اللَّه ﷺ عَنْ الْمُثْلَة"، إِدْرَاجًا، وأنَّ هَذَا الْقَدْرَ مِنْ الْحَدِيث، لَمْ يُسْنِدْهُ قَتَادَةُ، عَنْ أَنَس، وَإِنَّمَا ذَكَرَهُ بَلَاغًا، ولَمَّا نَشِط لِذِكْرِ إِسْنَادِهِ سَاقَهُ بِوَسَائِطَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ . انتهى كلام الحافظ -رحمه اللَّه تعالى- عنه بالاختصار (١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: لكن الحديث، وإن كان في إسناده العلّةُ المذكورة، صحيح، لأنه قد أخرجه البخاريّ في "صحيحه"، من حديث عبد اللَّه بن زيد الأنصاريّ، فقال:
حدثنا آدم بن أبي إياس، حدثنا شعبة، حدثنا عدي بن ثابت، سمعت عبد اللَّه ابن يزيد الأنصاريّ -وهو جدّه أبو أمه- قال: "نهى النبيّ ﷺ ، عن النهبى والمثلة".
ومن حديث سمرة بن جندب، وعمران بن حصين، عند أبي داود، وأحمد، ولفظ أبي داود من طريق قتادة، عن الحسن، عن الْهَيَّاج بن عمران، أن عمران أبق له غلام، فجعل للَّه عليه، لئن قدر عليه ليقطعن يده، فأرسلني لأسأل له، فأتيت سمرة بن جندب، فسألته، فقال: كان نبي اللَّه ﷺ يحثنا على الصدقة، وينهانا عن المثلة، فأتيت عمران بن حصين، فسألته، فقال: كان رسول اللَّه ﷺ يحثنا على الصدقة، وينهانا عن المثلة.
والحاصل أن حديث الباب صحيح من حديث هؤلاء الصحابة - رضي اللَّه تعالى - عنهم، وأما من حديث أنس - رضي اللَّه تعالى عنه -، فقد عرفت أنه معلّ، فتبصّر. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
١١ - (الصَّلْبُ)
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "الصَّلْب" -بفتح الصاد المهملة، وسكون اللام-: مصدر صَلَبَ، يقال: صلبت القاتل صَلْبًا، من باب ضرب: إذا شددت أطرافه وعلّقته على شيء، فهو مصلوب، وصلّبته بالتشديد مبالغة. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
٤٠٤٩ - (أَخْبَرَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ مُحَمَّدٍ الدُّورِيُّ, قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ الْعَقَدِيُّ, عَنْ
стр. 15618
إِبْرَاهِيمَ بْنِ طَهْمَانَ, عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ, عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ, عَنْ عَائِشَةَ, أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , قَالَ: «لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ, إِلاَّ بِإِحْدَى ثَلَاثِ خِصَالٍ: زَانٍ مُحْصَنٌ يُرْجَمُ, أَوْ رَجُلٌ قَتَلَ رَجُلاً مُتَعَمِّدًا, فَيُقْتَلُ, أَوْ رَجُلٌ يَخْرُجُ مِنَ الإِسْلَامِ, يُحَارِبُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ, فَيُقْتَلُ, أَوْ يُصْلَبُ, أَوْ يُنْفَى مِنَ الأَرْضِ»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه العبّاس ابن محمد، فإنه من رجال الأربعة، وهو بغداديّ ثقة حافظ.
و"أبو عامر العَقَديّ": هو عبد الملك بن عمرو البصريّ. و"عبد العزيز بن رُفيع": هو أبو عبد اللَّه المكيّ، نزيل الكوفة، ثقة [٤] ١٩٠/ ٢٩٩٧. و"عُبيد بن عُمير": هو أبو عاصم الليثيّ المكيّ، وُلد في عهد النبيّ - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم -، وكان قاصّ أهل مكّة، مجمع على توثيقه.
والحديث صحيح، وقد تقدّم شرحه، وبيان مسائله في ٥/ ٤٠١٨ - فراجعه تستفد.
واستدلال المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- به على ما ترجم له واضح، حيث إنه يدلّ على مشروعيّة العقوبة بالصلب. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
١٢ - (الْعَبْدُ يَأْبِقُ إِلَى أَرْضِ الشِّرْكِ، وَذِكْرِ اخْتِلَافِ أَلْفَاظِ الْنَّاقِلِينَ لِخَبَرِ جَرِيرِ فِي ذَلِكَ)
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: مناسبة هذا الباب لـ"كتاب المحاربين" أن العبد إذا أبق إلى أرض الشرك، فهو في حكم المحارب، يقام عليه الحدّ، كما فعل جرير بن عبد اللَّه - رضي اللَّه تعالى عنه - في قصته الآتية.
وقوله: "يأبق" بفتح الباء الموحّدة، وكسرها، وسيأتي الكلام في ضبطه قريبًا، إن شاء اللَّه تعالى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
(الاخْتِلافُ عَلَى الشَّعْبيِّ)
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: وجه الاختلاف المذكور أن منصورًا رواه عن
стр. 15619
الشعبيّ، عن جرير، عن النبيّ - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم -، مرفوعًا، بلفظ: "إذا أبق العبد، لم تُقبل صلاة"، وتابعه مُغيرة في رواية جرير بن عبد الحميد عنه، وزاد: "وإن مات مات كافرًا"، وقصّةَ إباق غلام جرير. وخالف جريرًا إسرائيلُ، فرواه عن مغيرة، عن الشعبيّ بلفظ: "إذا أبق العبد إلى أرض الشرك، فلا ذمّة له"، موقوفًا على جرير، لكن الرفع هنا أرجح؛ لاتفاق منصور، ومغيرة في رواية عليه؛ ولذا أخرج مسلم في "صحيحه" رواية جرير، عن مغيرة. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
٤٠٥٠ - (أَخْبَرَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ, قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ, قَالَ: أَنْبَأَنَا شُعْبَةُ, عَنْ مَنْصُورٍ, عَنِ الشَّعْبِيِّ, عَنْ جَرِيرٍ, قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ :
«إِذَا أَبَقَ الْعَبْدُ, لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلَاةٌ, حَتَّى يَرْجِعَ إِلَى مَوَالِيهِ»).
رجال هذا الإسناد: ستة.
١ - (محمود بن غيلان) العدويّ مولاهم، أبو أحمد المروزيّ، نزيل بغداد، ثقة [١٠] ٣٣/ ٣٧.
٢ - (أبو داود) سليمان بن داود بن الجارود الطيالسيّ البصريّ الحافظ، ثقة [٩] ١٣/ ٣٤٣.
٣ - (شعبة) بن الحجّاج البصريّ الإمام الحجة الثبت [٧] ٢٤/ ٢٧.
٤ - (منصور) بن عبد الرحمن الغُدانيّ بضمّ الغين المعجمة، وتخفيف الدال المهملة- الأشلّ البصريّ، صدوقٌ يَهِم [٦].
قال عبد اللَّه بن أحمد، عن أبيه: صالحٌ، روى عنه شعبة، قلت: ثقة؟ قال: حدّث عنه شعبة، وإسماعيل، إلا أنه يُخالف في أحاديث، وهو ثقة، ليس به بأس. وقال ابن معين، وأبو داود: ثقة. وقال أبو حاتم: ليس بالقويّ، يُكتب حديثه، ولا يُحتجّ به. وقال النسائيّ: ليس به بأس. وذكره ابن حبّان في "الثقات". روى له مسلم، وأبو داود، والمصنّف.
قال النوويّ -رحمه اللَّه تعالى- في "شرح مسلم": وفي الرواة خمسة، يقال لكلّ واحد منهم: منصور بن عبد الرحمن، هذا أحدهم. انتهى (١).
[تنبيه]: كون منصور في هذا السند، هو ابن عبد الرحمن المترجم آنفًا هو الذي يظهر لي؛ لأن مسلمًا أخرج الحديث في "صحيحه" عن عليّ بن حجر السعديّ، عن إسماعيل ابن عليّة، عن منصور بن عبد الرحمن المذكور، عن الشعبيّ، عن جرير - رضي
стр. 15620
اللَّه تعالى عنه -، فالظاهر أنه المراد في سند المصنّف أيضًا. ويحتمل أن يكون هو ابن المعتمر؛ وهو الذي يؤيّده صنيع أصحاب كتب الرجال، كـ"تهذيب الكمال"، و"تهذيب التهذيب"، و"التقريب"؛ حيث إنهم لم يرمزوا للمصنّف في ترجمة منصور بن عبد الرحمن المذكور، بل رمزوا لمسلم، وأبي داود فقط. فيتأمّل. واللَّه تعالى أعلم.
٥ - (الشعبيّ) عامر بن شَراحيل الهمدانيّ، أبو عمرو الكوفيّ، ثقة فقيه فاضل [٣] ٦٦/ ٨٢.
٦ - (جرير) بن عبد اللَّه بن جابر البجليّ الأحمسيّ الصحابيّ المشهور، مات - رضي اللَّه تعالى عنه - سنة (٥١) وقيل: بعدها، تقدّم في ٤٣/ ٥١. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين غير شيخه، فبغداديّ، والشعبيّ، وجرير، فكوفيان. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ جَرِيرٍ) بن عبد اللَّه ﵁ أنه (قَالَ: قَالَ: رسُولُ اللَّهِ ﷺ : (إِذَا أَبَقَ الْعَبْدُ) بفتح الباء الموحّدة، وكسرها، قال الفيّوميّ: أَبق العبدُ أبقًا، من بابي تَعِبَ، وقَتَلَ في لغة، والأكثر من باب ضَرَب: إذا هرب من سيّده، من غير خوفٍ، ولا كدّ عملٍ، هكذا قيّده في "العين"، وقال الأزهريّ: الأَبْقُ: هُرُوب العبدِ من سيّده، والإباق بالكسر-: اسم منه، فهو آبقٌ، والجمعُ أُبَّاقٌ، مثلُ كافر وكُفّار. انتهى. وقال النوويّ: ويقال: أبق العبد، وأبِقَ بفتح الباء، وكسرها لغتان مشهورتان، الفتح أفصح، وبه جاء القرآن: ﴿إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾. انتهى (١).
وفي رواية مغيرة الآتية: "إذا أبق العبد إلى أرض الشرك، فلا ذمّة له"، وفي رواية أبي إسحاق الآتية: "أيما عبد أبق إلى أرض الشرك، فقد حلّ دمه"، وفي رواية له: "أيما عبد أبق من مواليه، ولَحِقَ بالعدوّ، فقد أحلّ بنفسه".
(لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلَاةٌ) قيل: القبول أخصّ من الإجزاء، فإن القبول هو أن يكون العملُ سببًا لحصول الأجر، والرضا، والقرب من اللَّه تعالى، والإجزاء كونه سببًا لسقوط التكليف عن الذّمّة، فصلاة العبد الآبق صحيحة مجزئة لسقوط التكليف عنه بها، لكن لا
стр. 15621
أجر له عليها، لكن باقي روايات الحديث تدلّ على أن المراد إذا أبق بقصد اللحاق بدار الحرب؛ إيثارًا لدينهم، ولا يخفى أنه حينئذ، يصير كافرًا، فلا تُقبل له صلاة، ولا تصحّ، لو فُرض أنها صلّاها. قاله السنديّ -رحمه اللَّه تعالى- (١).
وقال النوويّ في "شرح مسلم": أول الإمام المازريّ، وتبعه القاضي عياض -رحمهما اللَّه تعالى- هذا الحديث على أن ذلك محمول على المستحلّ للإباق، فيكفر، ولا تُقبل له صلاة، ولا غيرها، ونبّه بالصلاة على غيرها. وأنكر الشيخ أبو عمرو يعني ابن الصلاح- هذا التأويل، وقال: بل ذلك جارٍ في غير المستحلّ، ولا يلزم من عدم القبول عدم الصحّة، فصلاة الآبق صحيحة غير مقبولة، فعدم قبولها لهذا الحديث، وذلك لاقترانها بمعصية، وأما صحّتها، فلوجود شروطها، وأركانها المستلزمة صحّتها، ولا تناقض في ذلك، ويظهر أثر عدم القبول في سقوط الثواب، وأثر الصّحّة في سقوط القضاء، وفي أنه لا يُعاقب عقوبة تارك الصلاة. هذا آخر كلام الشيخ أبي عمرو -رحمه اللَّه تعالى-. قال النوويّ: وهو ظاهر لا شكّ في حسنه، وقد قال جماهير أصحابنا: إن الصلاة في الدار المغصوبة صحيحة، لا ثواب فيها، ورأيت في "فتاوى أبي نصر بن الصبّاغ" من أصحابنا التي نقلها عنه ابن أخيه الْقَاضِي أبُو مَنْصُور، قال: الْمَحْفُوظُ مِنْ كَلَام أَصْحَابنا بِالْعِرَاقِ، أَنَّ الصَّلَاةَ فِي الدَّار الْمَغْصُوبَةِ صَحِيحَة، يَسْقُط بِهَا الْفرْض، وَلَا ثَوَاب فِيها. قَالَ أبُو منْصُور: وَرَأَيْت أَصْحَابَنَا بِخُراسَان اخْتَلَفُوا؛ فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: لَا تصِحُّ الصَّلاة. قَالَ: وَذَكَرَ شَيْخُنَا فِي "الْكَامِل" أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ تَصِحَّ، ويَحْصُل الثَّوَاب على الْفِعْل، فيَكُون مُثَابًا عَلَى فِعْله، عاصِيًا بِالْمُقامِ فِي الْمَغْصُوب، فَإِذا لَمْ نَمْنَع مِنْ صِحَّتهَا، لَمْ نَمْنَع مِنْ حُصُول الثَّوَاب. قَالَ أبُو مَنْصُور: وهذا هُو الْقِيَاسُ عَلَى طَرِيق مَنْ صَحَّحَهَا. واللَّه أَعْلَم. انتهى كلام النوويّ.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الذي نقله النوويّ هذا من الشيخ أبي عمرو، واستظهره، وحسّنه فيه نظر لا يخفى، بل تأويل المازريّ، والقاضي عياض هو الواضح؛ لأن روايات حديث الباب تدلّ عليه، كقوله: "إلى أرض الشرك"، وقوله: "ولحق بالعدو"، فإن هذا ظاهر في كونه ارتدّ عن الإسلام، وهو رأي المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، حيث أورده في "كتاب المحاربين"، وترجم له بقوله: "العبد إلى أبق إلى أرض الشرك"، فالحقّ أن المراد بالآبق في حديث الباب هو الذي هرب إلى المشركين، ولحق بدار الحرب، فلو فرضنا أنه صلى الصلوات في تلك الحالة، فإنها لا تصحّ.
стр. 15622
وما ذكره من أن الصلاة في الدار المغصوبة تصحّ، مما لا دليل عليه، وقد خالف الإمام أحمد -رحمه اللَّه تعالى-، فقال: إنها لا تصحّ، ولا يسقط بها الطلب، وهو الأصحّ، كما ذكرته في "شرح الكوكب الساطع" في الأصول، عند قوله:
مُطْلَقُ الأَمْرِ عِنْدَنَا لَا يَشْمَلُ … كُرْهًا فِفِى الْوَقْتِ الصَّلَاةُ تَبْطُلُ
أَمَّا الَّذِي جِهَاتُهُ تَعَدَّدَا … مِثْلُ الصَّلاةِ فِي مَكَانٍ اعْتَدَى
فَإِنَّهَا تَصِحُّ عِنْدَ الأَكْثَرِ … وَلَا ثَوَابَ عِنْدَهُم فِي الأَشْهَرِ
وقِيلَ لَا تَصِحُّ لَكِنْ حَصَلَا … سُقُوطُهُ والْحَنْبَليّ لَا وَلَا
وقوله: "والحنبلي لا لا" أي قال الإمام أحمد ﵀: لا تصح الصلاة، ولا ثواب فيها، وهو الحقّ. واللَّه تعالى أعلم.
(حَتَّى يَرْجِعَ إِلَى مَوَالِيهِ) أي إلى يرجع إلى مواليه تائبًا، فإذا رجع تائبًا قُبلت توبته؛ لحديث ابن مسعود - رضي اللَّه تعالى عنه -، مرفوعًا: "التائب من الذنب كمن لا ذنب له"، أخرجه ابن ماجه (١).
[تنبيه]: زاد مسلم في روايته بعد تخريج طريق منصور بن عبد الرحمن، موقوفة على جرير-: ما نصّه: "قَالَ: مَنْصُور: قَدْ واللَّه، رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ ، وَلَكِنِّي أَكْرَه أن يُرْوَى عَنِّي هَاهُنَا بِالْبَصْرَةِ".
قال النوويّ في "شرحه": مَعْنَاهُ أنَّ مَنْصُورًا، رَوَى هَذَا الْحَدِيث عَنْ الشَّعْبِيِّ، عَنْ جَرِيرٍ، مَوْقُوفًا عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ منْصُورٌ- بَعْد رِوايته إِياهُ موقُوفًا -: واللَّه إِنَّهُ مَرْفُوعٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَاعْلَمُوهُ أَيُّها الْخَوَاصُّ الْحَاضِرُونَ، فإِنِّي أَكْرَه أَنْ أُصَرِّحَ بِرَفْعِهِ فِي لَفْظ رِوَايَتِي، فَيَشِيع عَنِّي فِي الْبَصْرَة، الَّتِي هِيَ مَمْلُوءَة مِنْ الْمُعْتَزِلَة، وَالْخَوَارج الَّذِين يَقُولُونَ بِتَخْلِيدِ أَهْل الْمَعَاصِي فِي النَّار، والْخَوَارجُ يَزِيدُونَ عَلَى التخليد، فَيَحْكُمُون بِكُفْرِهِ، وَلَهُمْ شُبْهَةٌ فِي التَّعَلُّق بِظَاهِرِ هَذَا الْحَدِيث، وَقَدْ قدَّمْنَا تَأْوِيلَهُ، وبُطْلَانَ مَذَاهِبِهِمْ، بِالدَّلائِلِ الْقَاطِعَةِ الْوَاضِحَةِ، الَّتِي ذَكَرْناها فِي مَوَاضِع مِنْ هَذَا الْكِتَاب. وَاللَّه أَعْلَم. انتهى كلام النوويّ (٢). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
стр. 15623
حديث جرير بن عبد اللَّه - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا أخرجه مسلم.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-١٢/ ٤٠٥١ و ٤٠٥٢ و ٤٠٥٣ و ١٣/ ٤٠٥٤ و ٤٠٥٥ و ٤٠٥٦ و ٤٠٥٧ و ٤٠٥٨ - وفي "الكبرى" ١٢/ ٣٥١٢ و ٣٥١٣ و ٣٥١٤ و ١٣/ ٣٥١٥ و ٣٥١٦ و ٣٥١٧ و ٣٥١٨ و ٣٥١٩. وأخرجه (م) في "الإيمان" ٦٨ و ٦٩ و ٧٠ (د) في "الحدود" ٤٣٦٠. واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان أن العبد إذا أبق إلى أرض الشرك، فهو في حكم المحارب، فيُقتل، كما فعله جرير - رضي اللَّه تعالى عنه -. (ومنها): أن صلاة الآبق غير مقبولة، إلى أن يرجع إلى مواليه. (ومنها): أن الرضى بالكفر كفر؛ لأن العبد الآبق لما هرب إلى دار الكفر راضيًا به، صار مرتدًّا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٠٥٢ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ قُدَامَةَ, عَنْ جَرِيرٍ, عَنْ مُغِيرَةَ, عَنِ الشَّعْبِيِّ, قَالَ: كَانَ جَرِيرٌ يُحَدِّثُ, عَنِ النَّبِيِّ ﷺ «إِذَا أَبَقَ الْعَبْدُ, لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلَاةٌ, وَإِنْ مَاتَ مَاتَ كَافِرًا» , وَأَبَقَ غُلَامٌ لِجَرِيرٍ فَأَخَذَهُ, فَضَرَبَ عُنُقَهُ).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه، فقد تفرّد به هو وأبو داود، وهو مِصّيصيّ ثقة. و"جرير": هو ابن عبد الحميد. و"مُغيرة ": هو ابن مِقْسم الضبّيّ الكوفيّ.
وقوله: "وإن مات مات كافرًا": أي لارتداده باللحوق بأرض الشرك راضيًا بالشرك، واللَّه أعلم.
والحديث صحيح. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٠٥٣ - (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ سُلَيْمَانَ, قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى, قَالَ: أَنْبَأَنَا إِسْرَائِيلُ, عَنْ مُغِيرَةَ, عَنِ الشَّعْبِيِّ, عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ, قَالَ: "إِذَا أَبَقَ الْعَبْدُ إِلَى أَرْضِ الشِّرْكِ, فَلَا ذِمَّةَ لَهُ").
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه من أفراده، وهو ثقة حافظ. و"عبيد اللَّه بن موسى": هو العبسيّ الكوفيّ، من كبار شيوخ البخاريّ. و"إسرائيل": هو ابن يونس بن أبي إسحاق السبيعيّ.
وقوله: "فلا ذمّة له"، وفي رواية مسلم: "فقد برئت منه الذمّة". قال القرطبيّ: أي
стр. 15624
ذمّة الإيمان وعهده، وخَفَارته، إن كان مستحلًّا للإباق، فيجب قتله بعد الاستتابة؛ لأنه مرتدّ، وإن لم يكن كذلك، فقد خرج عن حُرْمة المؤمنين وذمّتهم، فإنه تجوز عقوبته على إباقه، وليس لأحد أن يحول بين سيّده وبين عقوبته الجائزة، إذا شاءها السيّد. انتهى (١).
وقال النوويّ: قال الشيخ أبو عمرو -رحمه اللَّه تعالى-: الذمة هنا يجوز أن تكون هي الذّمّة المفسّرة بالذمام، وهي الحرمة. ويجوز أن يكون من قبيل ما جاء في قوله: "ذمّة اللَّه تعالى، وذمَّةُ رسوله - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم -": أي ضمانه، وأمانته، ورعايته، ومن ذلك أن الآبق كان مصونًا عن عقوبة السيّد له، وحبسه، فزال ذلك بإباقه. انتهى (٢).
والحديث صحيح مرفوعًا، كما سبق بيانه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعتُ، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكّلتُ، وإليه أُنيب".
…
١٣ - (الاخْتِلافُ عَلَى أَبِي إِسْحَاقَ)
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: وجه الاختلاف المذكور أن عبد الرحمن بن حُميد رواه عن أبي إسحاق السبيعيّ، عن الشعبيّ، عن جرير بن عبد اللَّه، عن النبيّ - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم -، مرفوعًا، وتابعه إسرائيل في رواية قاسم بن يزيد، وخالفه في رواية خالد بن عبد الرحمن الخراسانيّ، وأحمد بن خالد الوهبيّ، عنه، فجعله موقوفًا على جرير، وتابعه شريك بن عبد اللَّه النخعيّ.
لكن تقدّم في الباب الماضي أن الرفع هو الأرجح. واللَّه تعالى أعلمِ بالصواب.
٤٠٥٤ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ, قَالَ: حَدَّثَنَا حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ, عَنْ أَبِيهِ, عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ, عَنِ الشَّعْبِيِّ, عَنْ جَرِيرٍ, قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِذَا أَبَقَ الْعَبْدُ إِلَى أَرْضِ الشِّرْكِ, فَقَدْ حَلَّ دَمُهُ»).
стр. 15625
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، وتقدّموا. و"حميد بن عبد الرحمن": هو الرُّؤاسيّ، أبو عوف الكوفيّ، ثقة [٨] ٢/ ٤٩٧. و"أبو حميد": هو عبد الرحمن بن حُميد بن عبد الرحمن الرؤاسيّ الكوفيّ، ثقة [٧] ١٧/ ٧٩٨.
والحديث صحيح.
[فإن قيل]: كيف يصحّ، وفيه عنعنة أبي إسحاق؟.
[أجيب]: بأنه لم يتفرّد بروايته، بل تابعه المغيرة عن الشعبيّ، كما سبق في الباب الماضي. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٠٥٥ - (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَرْبٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا قَاسِمٌ, قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ, عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ, عَنِ الشَّعْبِيِّ, عَنْ جَرِيرٍ, عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِذَا أَبَقَ الْعَبْدُ إِلَى أَرْضِ الشِّرْكِ, فَقَدْ حَلَّ دَمُهُ»).
"أحمد بن حرب": هو الطائيّ الموصليّ، صدوقٌ [١٠] ١٠٢/ ١٣٥ من أفراد المصنّف.
و"قاسم": هو ابن يزيد الْجَرْميّ، أبو يزيد الْمَوصِليّ، ثقة عابد [٩] ١٠٢/ ١٣٥ من أفراد المصنّف أيضًا.
[تنبيه]: سقط عن هذا السند من نسخ "المجتبى" قوله: "عن الشعبيّ"، وهو غلطٌ فاحشٌ، والصواب إثباته، كما هو في "الكبرى" ٢/ ٣٠٠، و"تحفة الأشراف" ٢/ ٤٢٤ - ٤٢٥. فتنبّه. واللَّه تعالى أعلم.
والحديث صحيح، كما سبق بيانه في الذي قبله. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٠٥٦ - (أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ, قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ, عَنْ إِسْرَائِيلَ, عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ, عَنِ الشَّعْبِيِّ, عَنْ جَرِيرٍ قَالَ: "أَيُّمَا عَبْدٍ أَبَقَ إِلَى أَرْضِ الشِّرْكِ, فَقَدْ حَلَّ دَمُهُ").
"الربيع بن سليمان": هو المراديّ المؤذّن، صاحب الشافعيّ، أبو محمد المصريّ، ثقة [١٠] ١٩٥/ ٣١١.
و"خالد بن عبد الرحمن"، الْخُرَاسانيّ، أبو الْهَيْثم، ويقال: أبو محمد الْمرُّوذيّ، سكن ساحل دمشق، صدوقٌ، له أوهام [٩].
قال يزيد بن عبد الصمد، عن ابن معين: ثقة. وقال ابن صاعد: حدّثنا بحر بن نصر، ومحمد بن عبد اللَّه بن الحكم، قالا: حدّثنا خالد، وكان ثقة. وقال أبو زرعة،
стр. 15626
وأبو حاتم: لا بأس به، زاد أبو حاتم: كان ابن معين يُثني عليه خيرًا. وقال ابن عديّ: ليس بذاك. وقال العقيليّ: في حفظه شيء، ثم ذكر له حديثًا مُعلّلًا، رُوي على وجوه. قال الحافظ: ولعلّ الخطأ من غيره. تفرّد به المصنّف، وله عنده هذا الحديث فقط، وأبو داود، وله عنده حديث واحد.
[تنبيه]: وقع في النسخ المطبوعة من "المجتبى": "خالد عن عبد الرحمن"، وهو تصحيف فاحشٌ، تصحّفت على الناسخ كلمة "ابن" إلى "عن"، والصواب: "خالد بن عبد الرحمن"، وهو الذي في "النسخة الهنديّة" ٢/ ١٦٨، و"الكبرى" ٢/ ٣٠٠، و"تحفة الأشراف" ٢/ ٤٢٥. فتنبّه. واللَّه تعالى أعلم.
والحديث صحيح مرفوعًا، كما تقدّم، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٠٥٧ - (أَخْبَرَنِي (١) صَفْوَانُ بْنُ عَمْرٍو, قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ خَالِدٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ, عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ, عَنِ الشَّعْبِيِّ, عَنْ جَرِيرٍ قَالَ: "أَيُّمَا عَبْدٍ أَبَقَ إِلَى أَرْضِ الشِّرْكِ, فَقَدْ حَلَّ دَمُهُ").
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "صفوان بن عمرو": هو الحمصيّ الصغير (٢)، صدوقٌ [١١] ٦٧/ ٢٣٣٠ من أفراد المصنّف. و"أحمد بن خالد": هو الوهْبيّ الكنديّ، أبو سعيد، صدوقٌ [٩] ٥٦/ ٢٣٠٠.
والحديث صحيح، مرفوعًا، كما مرّ، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٠٥٨ - (أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا شَرِيكٌ, عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ, عَنْ عَامِرٍ, عَنْ جَرِيرٍ قَالَ: "أَيُّمَا عَبْدٍ أَبَقَ مِنْ مَوَالِيهِ, وَلَحِقَ بِالْعَدُوِّ, فَقَدْ أَحَلَّ بِنَفْسِهِ").
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "شريك": هو ابن عبد اللَّه النخعيّ الكوفيّ القاضي. و"عامر": هو الشعبيّ المذكور قبلُ.
وقوله: "لحِق" بكسر الحاء المهملة، من باب تَعِب-: أي أدرك الكفّارَ، والتجأ إليهم. وقوله: "فقد أحلّ بنفسه": أي قد أنزل على نفسه ما يستحقّ به العقوبة. واللَّه تعالى أعلم.
والحديث صحيح، كما سبق بيانه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
стр. 15627
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعتُ، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكّلتُ، وإليه أُنيب".
…
١٤ - (الْحُكْمُ فِي الْمُرْتَدِّ)
٤٠٥٩ - (أَخْبَرَنَا أَبُو الأَزْهَرِ, أَحْمَدُ بْنُ الأَزْهَرِ النَّيْسَابُورِيُّ, قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ سُلَيْمَانَ الرَّازِيُّ, قَالَ: أَنْبَأَنَا الْمُغِيرَةُ بْنُ مُسْلِمٍ, عَنْ مَطَرٍ الْوَرَّاقِ, عَنْ نَافِعٍ, عَنِ ابْنِ عُمَرَ, أَنَّ عُثْمَانَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ, إِلاَّ بِإِحْدَى ثَلَاثٍ: رَجُلٌ زَنَى بَعْدَ إِحْصَانِهِ, فَعَلَيْهِ الرَّجْمُ, أَوْ قَتَلَ عَمْدًا فَعَلَيْهِ الْقَوَدُ, أَوِ ارْتَدَّ بَعْدَ إِسْلَامِهِ, فَعَلَيْهِ الْقَتْلُ»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "أبو الأزهر، أحمد بن الأزهر النيسابوريّ": هو العبديّ، صدوقٌ، كان يحفظ، ثم كبر، فصار كتابه أثبت من حفظه [١١] ٦٦/ ١٨٠٢ من أفراد المصنّف، وابن ماجه.
و"إسحاق بن سليمان الرّازيّ": هو أبو يحيى كوفيّ الأصل، ثقة فاضل [٩] ١١/ ١٦٢٣.
و"المغيرة بن مسلم" الْقَسْملىّ بقاف، وميم، مفتوحتين، بينهما سين مهملة ساكنة- أبو سلمة السّرّاج بتشديد الراء- المدائنيّ، مروزيّ الأصل، صدوق [٦].
قال عبد اللَّه بن أحمد، عن أبيه: ما أرى به بأسًا. وقال ابن أبي خيثمة، عن ابن معين: صالحٌ. وقال الغلّابيّ، عن ابن معين: ثقة. وقال أبو حاتم: صالح الحديث، صدوقٌ. وقال العجليّ: ثقة. وقال الدارقطنيّ: لا بأس به. وقال يونس بن حبيب: حدّثنا أبو داود الطيالسيّ، حدّثنا المغيرة بن مسلم، وكان صدوقًا مسلمًا. وذكره ابن حبّان في "الثقات".
روى له البخاريّ في "الأدب المفرد"، والمصنّف، والترمذيّ، وابن ماجه، وله عند المصنّف ثلاثة أحاديث: حديث الباب، وحديث جابر - رضي اللَّه تعالى عنه - في "كتاب قطع السارق" ١٣/ ٤٩٧٧ وحديث معاوية - رضي اللَّه تعالى عنه - في "كتاب الزينة" ٤٠/ ٥١٥٤.
و"مطر": هو ابن طهمان السلميّ مولاهم، أبو رجاء الخراسانيّ، سكن البصرة، صدوقٌ كثير الخطأ، وحديثه عن عطاء ضعيف [٦] ٣٨/ ٣٢٧٦. و"نافعٌ": هو مولى ابن عمر. و"ابن عمر": هو عبد اللَّه بن عمر بن الخطّاب - رضي اللَّه تعالى عنهما -.
стр. 15628
وقوله: إلا بإحدى ثلاث": أي بسبب خصال ثلاث. وقوله: "رجل" يجوز جرّه على البدليّة، وقطعه إلى الرفع بتقدير مبتدأ: أي إحداها رجل، وهو على حذف مضاف، أي خصلة رجل الخ، أو النصب بتقدير فعل، ولا يمنع كونه بصورة المرفوع؛ لإمكان جعله على لغة ربيعة: أي أعني رجلًا. وقوله: "أو قتل الخ" صفة لرجل محذوف دلّ عليه ما قبله، أو رجل قتل الخ، وكذا قوله: "أو ارتدّ الخ".
والحديث صحيح، وهو بهذا السند من أفراد المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وقد سبق شرحه، وبيان مسائله في ٥/ ٤٠٢٠ - فراجعه تستفد. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٠٦٠ - (أَخْبَرَنَا مُؤَمَّلُ بْنُ إِهَابٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ, قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ جُرَيْجٍ, عَنْ أَبِي النَّضْرِ, عَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ, عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ, قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , يَقُولُ: «لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ, إِلاَّ بِثَلَاثٍ: أَنْ يَزْنِيَ بَعْدَ مَا أُحْصِنَ, أَوْ يَقْتُلَ إِنْسَانًا فَيُقْتَلُ, أَوْ يَكْفُرَ بَعْدَ إِسْلَامِهِ فَيُقْتَلُ»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "مؤمّل بن إهاب": هو الرَّبَعيّ العجليّ، أبو عبد الرحمن الكوفيّ، نزيل الرَّمْلَة، أصله من كرمان، صدوقٌ له أوهام [١١] ٤٥/ ٥٩٣. و"عبد الرزاق": هو ابن همّام الصنعانيّ. و"أبو النضر": هو سالم بن أبي أُميّة، مولى عمر بن عبيد اللَّه التيميّ المدنيّ، ثقة ثبت [٥] ٩٨/ ١٢١. و"بُسر بن سعيد": هو العابد المدنيّ، مولى ابن الحضرميّ، ثقة جليلٌ [٢] ١١/ ٥١٧.
والحديث في سنده انقطاعٌ على ما قيل، قال ابن أبي حاتم في "العلل": سمعت أبي يقول: بسر بن سعيد، عن عثمان مرسل. انتهى. ذكره الحافظ في "النكت الظراف" ٧/ ٢٤٧.
لكنه صحيح بشواهده، فإن الحديث الذي قبله يشهد له، وكذا ما تقدّم في ٥/ ٤٠١٨. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٠٦١ - (أَخْبَرَنَا عِمْرَانُ بْنُ مُوسَى, قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ, قَالَ: حَدَّثَنَا أَيُّوبُ, عَنْ عِكْرِمَةَ, قَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه عمران ابن موسى القزّاز الليثيّ، أبي عمرو البصريّ، وقد وثّقه هو وغيره. والسند مسلسلٌ بالبصريين، وفيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: أيوب السختيانيّ، عن عكرمة، وفيه ابن عبّاس - رضي اللَّه تعالى عنهما - أحد العبادلة الأربعة، وأحد المكثرين السبعة، وتقدّموا غير مرّة. واللَّه تعالى أعلم.
стр. 15629
شرح الحديث
(عَنْ عِكْرِمَةَ) مولى ابن عبّاس، أنه (قَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ بَدَّلَ دِينة فَاقْتُلُوهُ) "من" شرطيّة مبتدأ، وجوابها: "فاقتلوه"، وهو الخبر على الراجح. وهو عامّ يُخصّ منه من بدّل دينه في الباطن، ولم يثبت عليه ذلك في الظاهر، فإنه تُجرى عليه أحكام الظاهر، ويُستثنى منه أيضًا من بدّل دينه في الظاهر، مكرهًا. أفاده في "الفتح" (١).
وعمومه أيضًا يشمل الأنثى، ومنهم من خصّ الذكر؛ لما جاء من النهي عن قتل النساء في الحرب، والصحيح الأول، كما سيأتي تحقيقه في المسألة الثالثة، إن شاء اللَّه تعالى.
والمراد بالدين هو الدين الإسلام الذي هو الدين الحقّ الذي رضيه اللَّه تعالى لعباده، حيث قال تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ الآية، فلا يشمل عموم هذا الحديث كلّ الأديان، فمن انتقل من اليهوديّة، إلى النصرانيّة، أو غيرها من ملل الكفر، أو بالعكس، لا يقتل بذلك، وهذا الراجح، وفيه خلافٌ، سيأتي تحقيقه في المسألة الرابعة، إن شاء اللَّه تعالى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا أخرجه البخاريّ.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-١٤/ ٤٠٦١ و ٤٠٦٢ و ٤٠٦٣ و ٤٠٦٤ و ٤٠٦٥ و ٤٠٦٧ - وفي " الكبرى" ١٤/ ٣٥٢٢ و ٣٥٢٣ و ٣٥٢٤ و ٣٥٢٥ و ٣٥٢٦ و ٣٥٦٧ و ٣٦٥٨. وأخرجه (خ) في "الجهاد والسير" ٣٠١٧ و"استتابة المرتدّين" ٦٩٢٢ (د) في "الحدود" ٤٣٥١ (ت) في "الحدود" ١٤٥٨ (ق) في "الحدود" ٢٥٣٥ (أحمد) في "مسند بني هاشم" ١٨٧٤ و ٢٥٤٧ و ٢٩٦٠. واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في اختلاف أهل العلم في حكم المرتدّة:
قَالَ ابْن الْمُنْذِر: قَالَ الْجُمْهُور: تُقْتَل الْمُرْتَدَّة، وَقَالَ عَلِيّ: تُسْتَرَقّ، وَقَالَ عُمَر بْن
رَفَعَه: "مَنْ خَالَفَ دِينَهُ دِينَ الإسْلَام، فَاضْرِبُوا عُنُقه"، قاله في "الفتح".
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قد ظهر بهذا أن الحقّ أن المراد بالدين هو الإسلام، فقَتلُ من ارتدّ عن دينه خاصّ بالدين الإسلاميّ فقط. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٠٦٢ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ, قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو هِشَامٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ, قَالَ: حَدَّثَنَا أَيُّوبُ, عَنْ عِكْرِمَةَ, أَنَّ نَاسًا ارْتَدُّوا عَنِ الإِسْلَامِ, فَحَرَّقَهُمْ عَلِيٌّ بِالنَّارِ, قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَوْ كُنْتُ أَنَا لَمْ أُحَرِّقْهُمْ, قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا تُعَذِّبُوا بِعَذَابِ اللَّهِ أَحَدًا» , وَلَوْ كُنْتُ أَنَا لَقَتَلْتُهُمْ, قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا.
و"أبو هشام": هو المغيرة بن سلمة المخزوميّ البصريّ، ثقة ثبت، من صغار [٩] ٢٨/ ٨١٥. و"وُهيب": هو ابن خالد بن عجلان الباهليّ، أبو بكر البصريّ، ثقة ثبت، لكنه تغيّر قليلاً بآخره [٧] ٢١/ ٤٢٧ و"أيوب" هو السختيانيّ. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ عِكْرِمة، أنَّ نَاسًا ارْتَدُّوا عَنْ الإسْلَامِ، فَحَرَّقَهُمْ عَلِيِّ بِالنَّارِ) وفي رواية للبخاريّ: "أُتيّ بزنادقة، فأحرقهم"، وسيأتي قريبًا معنى الزنادقة، وفي رواية الْحُمَيْدِيّ، عَنْ سُفْيَان: "حَرَقَ الْمُرْتَدِّينَ". ورواه ابْن أبِي شَيْبَة من وجه آخر بلفظ: "كَانَ أُنَاس يَعْبُدُونَ الأَصْنَام فِي السِّرّ"، وَعِنْد الطَّبَرَانِيّ فِي "الأَوْسَط" مِنْ طَرِيق سُوَيْد بْن غَفَلَة: "أَنَّ عَليًّا بَلَغَهُ أَنَّ قَوْمًا، ارْتدُّوا عَنْ الإسْلَام، فَبَعَثَ إِلَيْهِمْ، فَأَطْعَمَهُمْ، ثُمَّ دَعَاهُم إِلَى الإسْلام، فَأَبَوْا، فَحَفَرَ حَفِيرَة، ثُمَّ أَتَى بهِمْ، فَضَرَبَ أَعْنَاقهمْ، وَرَمَاهُمْ فِيهَا، ثُمَّ أَلْقَى عَلَيْهِمْ الْحَطَب، فَأَحْرَقَهُم، ثُمَّ قَالَ: صَدَقَ اللَّه وَرَسُوله" (١).
وفي رواية لأحمد: "أن عليًّا أُتي بقوم من هؤلاء الزنادقة، ومعهم كتب، فأمر بنار، فأُجّجت، ثم أحرقهم وكتبهم". وروى ابن أبي شيبة من طريق عبد الرحمن بن عبيد، عن أبيه، قال: "كان ناس يعبدون الأصنام في السرّ، ويأخذون العطاء، فأُتي بهم عليّ، فوضعهم في السجن، واستشار الناس، فقالوا: اقتلهم، فقال: لا، بل أصنع بهم كما صُنع بأبينا إبراهيم، فحرّقهم بالنار" (٢).
وَزَعَمَ أَبُو الْمُظَفَّر الإسْفَرَايِنِيّ فِي "الْمِلَل والنِّحَل" أَنَّ الَّذِينَ أَحْرَقَهُمْ عَلِيّ طَائِفَة مِنْ
إِذَا مَا أَجّجُوا حَطَبًا وَنَارًا … هُنَاكَ الْمَوْت نَقْدًا غَيْر دَيْن
انتهى. قال الحافظ: وَكَأَنَّ عَمْرو بْن دِينَار، أَرَادَ بِذَلِكَ الرَّدّ عَلَى عمّار الدُّهْنِيّ، فِي إِنْكَاره أَصْل التَّحْرِيق.
قال: ثُمَّ وَجَدْت فِي الْجُزْء الثَّالِث مِنْ حَدِيث أَبِي طَاهِر الْمُخْلِص: "حَدَّثَنَا لُوَيْنٌ، حَدَّثَنَا سُفْيَان بْن عُيَيْنَةَ"، فَذَكَرَهُ عَنْ أَيُّوب وَحْده، ثُمَّ أَوْرَدَهُ عَنْ عَمَّار وَحْده، قال ابن عُيَيْنَةَ: فَذَكَرْته لِعَمْرِو بْن دِينَار، فَأَنْكَرَهُ، وَقَالَ: "فَأَيْنَ قَوْله: أَوْقَدْت نَارِي وَدَعَوْت قَنْبَرًا"، فَظَهَرَ بهِذَا صِحَّة مَا كُنْت ظَنَنْته. انتهى (١).
(قَالَ ابْنُ عَبَّاس) - رضي اللَّه تعالى عنهما -، لَمّا بلغه تحريق عليّ - رضي اللَّه تعالى عنه - لهم، وكان ابن عبّاس - رضي اللَّه تعالى عنهما - حينئذ أميرًا على البصرة من قبل عليّ - رضي اللَّه تعالى عنه - (لَوْ كُنْتُ أَنَا لَمْ أُحَرِّقْهُمْ) أي للنهي عن التحريق، كما بيّنه بقوله (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا تُعَذِّبُوا بِعَذَابِ اللَّهِ أَحَدًا") أي وهو التعذيب بالنار. قال في "الفتح": هذا يحتمل أن يكون مما سمعه ابن عباس من النبيّ - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم -، ويحتمل أن يكون سمعه من بعض الصحابة. انتهى.
وقد أخرج البخاريّ من حديث أبي هريرة ﵁، أنه قال: بعثنا رسول اللَّه ﷺ في بعث، فقال: "إن وجدتم فلانا وفلانا، فأحرقوهما بالنار"، ثم قال رسول اللَّه ﷺ ، حين أردنا الخروج: "إني أمرتكم أن تحرقوا فلانا وفلانا، وإن النار لا يعذب بها إلا اللَّه، فإن وجدتموهما فاقتلوهما".
(وَلَوْ كُنْتُ أَنَا لَقَتَلْتُهُمْ) أي لأمر النبيّ - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم - بذلك، كما بيّنه بقوله (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ") زاد إسماعيل ابن عليّة في روايته: "فبلغ ذلك عليًّا، فقال: وَيْحَ أم ابن عبّاس"، كذا عند أبي داود، وعند الدارقطنيّ بحذف "أُمّ"، وهو محتمل أنه لم يرض بما اعترض به، ورأى أن النهي للتنزيه، وهذا بناء على أن "ويح" كلمة رحمة، فتوجّع له؛ لكونه حمل النهي على ظاهره، فاعتقد التحريم مطلقًا، فأنكر. ويحتمل أن يكون قالها رضًا بما قال، وأنه حفظ ما نسيه، بناء على أحد ما قيل في تفسير "ويح" أنها تقال بمعنى المدح، والتعجّب، كما حكاه في "النهاية"، وكأنه أخذه من قول الخليل: هي في موضع رأفة، واستملاح، كقولك للصبيّ: ويحه ما أحسنه، حكاه الأزهريّ. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
ورواية ابن جُريج عنه من رواية الأكابر عن الأصاغر، فإن ابن جريج من شيوخه، كما ذكر ذلك في "تهذيب التهذيب" ١/ ١٤٠ - من ترجمة إسماعيل. "ومعمر": هو ابن راشد.
[تنبيه]: ذكر الحافظ المزّيّ -رحمه اللَّه تعالى- في "تحفة الأشراف" ٥/ ١٠٩ - عن المصنّف، أنه قال: "محمد بن بكر ليس بالقويّ في الحديث". ونقله أيضًا في "تهذيب التهذيب" في ترجمة محمد بن بكر، ونصّه: وقال النسائيّ في "كتاب المحاربة" من "سننه": ليس بالقويّ. انتهى.
قال الجامع: لم أر هذا الكلام في "كتاب المحاربين"، لا في "المجتبى"، ولا في "الكبرى"، فاللَّه تعالى أعلم.
ثم إن ما نُقل عن المصنّف في محمد بن بكر نقل نحوه عن ابن عمّار الموصليّ، فإنه قال: لم يكن صاحب حديث، تركناه، لم نسمع منه. لكن الجمهور على توثيقه، فقد وثّقه ابن معين، وأبو داود، والعجليّ، وابن قانع، وابن سعد وابن حبّان، وقال أحمد: صالح الحديث، وقال أبو حاتم: شيخٌ، محلّه الصدق (١).
والحديث صحيح. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٠٦٤ - (أَخْبَرَنِي هِلَالُ بْنُ الْعَلَاءِ, قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زُرَارَةَ, قَالَ: حَدَّثَنَا عَبَّادُ بْنُ الْعَوَّامِ, قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدٌ, عَنْ قَتَادَةَ, عَنْ عِكْرِمَةَ, عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ, قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "هلال بن العلاء": هو أبو عمرو الرَّقّيّ، صدوق [١١] ١٠/ ١١٩٩ من أفراد المصنّف.
و"إسماعيل بن عبد اللَّه بن زُرارة"، أبو الحسن الرقّيّ، صدوقٌ تكلّم فيه الأزديّ بلا حجّة [١٠].
روى عن حماد بن زيد، وشريك، وإسماعيل بن عيّاش، وشعيب بن صفوان، وعبّاد بن العوّام، وغيرهم. وعنه ابنه إبراهيم، وإسماعيل سمّويه، وأحمد بن يونس الضبّيّ، وعبد اللَّه بن أحمد بن حنبل، وهلال بن العلاء، وأبو شعيب الحرّاني، وأبو بكر الصغانيّ، وجماعة.
ذكره ابن حبّان في "الثقات". قال ابن عساكر: روى عنه ابن ماجه، وروى النسائيّ
стр. 15638
عن رجل عنه. قال الحافظ المزّيّ: فأما ابن ماجه فقد تبيّن أنه لم يرو إلا عن القرشيّ، وأما النسائيّ، فلم نقف على روايته عن رجل عنه. انتهى.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قد تبيّن في هذا الحديث أن النسائيّ روى عن هلال بن العلاء، عنه، والحمد للَّه، وقد ذكر جماعة من الحفاظ أيضًا بأن البخاريّ روى عنه، منهم الدارقطنيّ، والْبَرْقانيّ، والحاكم، وأبو إسحاق الحَبّال، وأبو عبد اللَّه بن منده، وأبو الوليد الباجيّ، وابن خلفون، وابن طاهر. انظر ترجمته في "تهذيب التهذيب" ١/ ١٥٦ - ١٥٧.
والحاصل أن رواية المصنّف له ثابتة، دون ريب، ولا شكّ، وكذا رواية البخاريّ عنه، على ما قاله هؤلاء الأئمة الحفّاظ، وهم القدوة في ذلك. واللَّه تعالى أعلم.
و"عبّاد بن العوّام": هو الكلابيّ، أبو سهل الواسطيّ، ثقة [٨] ٢/ ٣٩٠٧.
و"سعيد": هو ابن أبي عروبة.
والحديث صحيح. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٠٦٥ - (أَخْبَرَنَا مُوسَى بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ, قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدٌ, عَنْ قَتَادَةَ, عَنِ الْحَسَنِ, قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه، وهو الكنديّ المسروقيّ، أبو عيسى الكوفيّ، وهو ثقة، من كبار [١١] ٧٤/ ٩١.
و"محمد بن بشر": هو العبديّ، أبو عبد اللَّه الكوفيّ، ثقة حافظ [٩] ٥/ ٨٨٢.
و"سعيد": هو ابن أبي عروبة. و"الحسن": هو ابن أبي الحسن يسار البصريّ.
والحديث مرسلٌ، صحيح بما تقدّم.
وقوله (قَالَ أَبُو عَبْد الرَّحْمَنِ) النسائيّ (وَهَذَا أَوْلى بِالصَّوابِ، مِنْ حَدِيثِ عَبَّادٍ) يعني أن كونه من رواية سعيد، عن قتادة، عن الحسن، مرسلاً هو الصواب، من كونه عن سعيد، عن قتادة، عن عكرمة، عن ابن عبّاس موصولًا.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: إنما رجّح المصنّف الإرسال على الوصل؛ لأن محمد بن بشر أحفظ من عبّاد بن العوّام، فإنه وإن كان ثقة إلا أن في روايته عن سعيد بن أبي عروبة اضطرابًا، كما قاله الإمام أحمد -رحمه اللَّه تعالى-، فقد نقل في "تهذيب التهذيب" في ترجمته، عن الأثرم، عن أحمد أنه قال: مضطرب الحديث عن سعيد بن أبي عروبة. انتهى (١).
стр. 15639
لكن الحديث صحيحٌ موصولًا بما تقدّم من الأسانيد. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٠٦٦ - (أَخْبَرَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ عِيسَى, عَنْ عَبْدِ الصَّمَدِ, قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ, عَنْ قَتَادَةَ, عَنْ أَنَسٍ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ, قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا غير مرّة. و"الحسين بن عيسى": هو أبو عليّ البسطامي القومسيّ، نزيل نيسابور، صدوقٌ، صاحب حديث [١٠] ٦٩/ ٨٦.
و"عبد الصمد": هو ابن عبد الوارث بن سعيد العنبريّ مولاهم، أبو سهل البصريّ، صدوقٌ [٩] ١٢٢/ ١٧٤. و"هشام": هو ابن أبي عبد اللَّه الدستوائيّ البصريّ.
والحديث صحيح. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٠٦٧ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى, قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ, قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ, عَنْ قَتَادَةَ, عَنْ أَنَسٍ, أَنَّ عَلِيًّا أُتِيَ بِنَاسٍ مِنَ الزُّطِّ, يَعْبُدُونَ وَثَنًا, فَأَحْرَقَهُمْ, قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِنَّمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الإسناد هو الإسناد الماضي، وشيخ المصنّف هو أحد المشايخ التسعة الذين روى عنهم أصحاب الأصول بلا واسطة، وقد تقدّموا غير مرّة، والسند كله مسلسل بالبصريين.
وقوله: "أن عليًّا" هو ابن أبي طالب - رضي اللَّه تعالى عنه -. وقوله: "أُتي" بالبناء للمفعول. وقوله: "بناس من الزُّطّ" قال في "القاموس"، و"شرحه": "الزّطّ" بالضمّ: جِيلٌ من الناس، كما في "الصحاح"، وقد جاء ذكره في "البخاريّ" في صفة موسى ﵇: "كأنه من رجال الزُّطّ". واختُلف فيهم: فقيل: هم السيابجة، قومٌ من السند بالبصرة. وقال القاضي عياض: هم جنسٌ من السودان، طوال، ومثله في "التوشيح" للجلال، وزاد: "مع نحافة". ونقل الأزهريّ عن الليث: أنهم جِيلٌ من الهند، إليهم تُنسب الثياب الزُّطِّيَة، قال: وهو معرّب جَتّ بالفتح، بالهنديّة. قال الصاغانيّ: أما الليث، فلم يقل في كتابه هذا، وأما جَتْ بالهنديّة، فصحيحٌ، بفتح الجيم، وكذلك هو مضبوطٌ في نسخة صححها الأزهريّ، وعليها خطّه بفتح الجيم، وعلى هذا القياسُ يقتضي فتح مُعرَّبه أيضًا، وفي "الصحاح": الواحد زُطّيّ، كالروم والروميّ، والزنج والزنجيّ. وقال ابن دُريد: الزُّطّ: هذا الجِيلُ، وليس بعربيّ محضٍ، وقد تكلّمت به العرب، وأنشد [من الطويل]:
стр. 15640
فَجِئْنَا بِحَيِّ وَائِلٍ وَبِلَفِّهَا … وَجَاءَتْ تَمِيمٌ زُطُّهَا وَالأَسَاوِرُ
وقال أبو النجم [من الرجز]:
جَارِيةٌ إِحْدَى بَنَاتِ الزُّطّ … ذَاتُ جِهَادٍ مُضْغَطٍ مُلطٍّ
وكان خالد بن عبد اللَّه أعطى أبا النجم جاريةٌ من سبي الهند، وله فيها أرجوزةٌ، أوّلُها:
عَلِقْتُ خودًا مِنْ بَنَاتِ الزُّطِّ
انتهى "القاموس"، مع شرحه "تاج العروس" (١).
وقوله: "يعبدون وثنًا" أي بعد ما أسلموا. وقوله: "فأحرقهم" قال السنديّ: قالوا: كان ذلك منه عن رأي، واجتهاد، لا عن توقيف، ولهذا لمّا بلغه قول ابن عبّاس، استحسنه، ورجع إليه، كما تدلّ عليه الروايات. انتهى.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: يشير السنديّ بقوله هذا إلى ما تقدّم من قول عليّ، لما بلغه إنكار ابن عبّاس - رضي اللَّه تعالى عنهم -: "وَيْحَ أُمِّ ابْنِ عبَّاس"، وفي رواية: "ويح ابن عبّاس". لكن هذا الكلام ليس نصًّا في الاستحسان، بل هُو مُحْتَمَل له، ومحتملٌ للإنكار عليه، وقد تقدّم بيان ذلك، فلا تغفُل. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٠٦٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ, حَدَّثَنِي حَمَّادُ بْنُ مَسْعَدَةَ, قَالَ: حَدَّثَنَا قُرَّةُ بْنُ خَالِدٍ, عَنْ حُمَيْدِ بْنِ هِلَالٍ, عَنْ أَبِي بُرْدَةَ بْنِ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ, عَنْ أَبِيهِ, أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ , بَعَثَهُ إِلَى الْيَمَنِ, ثُمَّ أَرْسَلَ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ, بَعْدَ ذَلِكَ, فَلَمَّا قَدِمَ, قَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ, إِنِّي رَسُولُ رَسُولِ اللَّهِ إِلَيْكُمْ, فَأَلْقَى لَهُ أَبُو مُوسَى وِسَادَةً؛ لِيَجْلِسَ عَلَيْهَا, فَأُتِيَ بِرَجُلٍ, كَانَ يَهُودِيًّا فَأَسْلَمَ, ثُمَّ كَفَرَ, فَقَالَ مُعَاذٌ: لَا أَجْلِسُ حَتَّى يُقْتَلَ, قَضَاءُ اللَّهِ وَرَسُولِهِ, ثَلَاثَ مَرَّاتٍ, فَلَمَّا قُتِلَ قَعَدَ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (محمد بن بشّار) بُندار البصريّ، ثقة حافظ [١٠] ٢٤/ ٢٧.
٢ - (حماد بن مسعدة) التميميّ، أبو سعيد البصريّ، ثقة [٩] ٩٧/ ١٠٤٠.
[تنبيه]: وقع في نسخ "المجتبى" غلطٌ،، ونصّه: "حدّثنا محمد بن بشار، وحدّثني حماد بن مسعدة، قالا: حدثنا قرّة الخ"، بوا العطف في "وحدّثني"، وضمير التثنية في "قالا"، وهو غلط فاحش؛ لأن ظاهره أن حماد بن مسعدة شيخ ثان للمصنّف، وليس
стр. 15641
كذلك، وإنما هو شيخٌ لمحمّد بن بشّار، فهو من الطبقة التاسعة، مات سنة (٢٠٢) قبل ولادة المصنّف بأكثر من عشر سنين، وإنما يروي عنه محمد بن بشّار، والصواب ما في "الكبرى"، ونصّه: "حدّثنا محمد بن بشّار، حدّثني حماد بن مسعدة، قال: حدثني قرّة الخ"، فقائل: حدّثني حماد هو محمد بن بشّار، وقائل: "حدّثني قرّة" هو حماد بن مسعدة، فتنبّه. واللَّه تعالى أعلم.
٣ - (قُرّة بن خالد) السدُوسيّ البصريّ، ثقة ضابطٌ [٦] ٤/ ٤.
٤ - (حُميد بن هلال) أبو نصر العدويّ البصريّ، ثقة عالمٌ [٣] ٤/ ٤.
٥ - (أبو بُردة بن أبي موسى الأشعريّ) اسمه عامر، وقيل: الحارث، ثقة [٣] ٣/ ٣.
٦ - (أبوه) عبد اللَّه بن قيس بن سُليم بن حضّار، أبو موسى الأشعريّ الصحّابيّ المشهور، - رضي اللَّه تعالى عنه -، توفّي سنة (٥٠)، وقيل: بعدها، وتقدّمت ترجمته في ٣/ ٣. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين إلى أبي بردة، وهو كوفيّ، وأبوه كوفيّ بصريّ. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ، والابن عن أبيه. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ أَبِي بُرْدَةَ بْنِ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيّ، عَنْ أَبِيهِ) أبي موسى الأشعريّ رضي اللَّه تعالى عنه (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ، بَعَثَهُ إِلَى الْيَمَنِ) وقد تقدّم في "كتاب الطهارة" سبب بعث صلّى اللَّه تعالى عليه وسلم له، فقد رواه من طريق، يحيى القطّان، عن قرة بن خالد عن حميد بن هلال، قال: حدثني أبو بردة، عن أبي موسى، قال: أقبلت إلى النبي ﷺ ، ومعي رجلان من الأشعريين، أحدهما عن يميني، والآخر عن يساري، ورسول اللَّه ﷺ يستاك، فكلاهما سأل العمل، قلت: والذي بعثك بالحق نبيا، ما أطلعاني على ما في أنفسهما، وما شعرت أنهما يطلبان العمل، فكأني أنظر إلى سواكه تحت شفته قَلَصَت، فقال: "إنا لا، أو لن نستعين على العمل من أراده، ولكن اذهب أنت"، فبعثه على اليمن، ثم أردفه معاذ بن جبل ﵄.
وكان بعثه بعد الرجوع من غزوة تبوك؛ لأنه شهد غزوة تبوك مع النبيّ - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم -. واستُدلّ به على أن أبا موسى - رضي اللَّه تعالى عنه - كان عالمًا فطنًا
стр. 15642
حاذقًا، ولولا ذلك لم يُولّه النبيّ - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم - الإمارة، ولو كان فوّض الحكم لغيره لم يحتج إلى توصيته بما وصّاه به، حيث قال له، ولمعاذ: "يسّرا، ولا تُعسّرا، وبشّرا، ولا تُنفّرا، وتطاوعا"، ولذلك اعتمد عليه عمر، ثم عثمان، ثم عليّ. وأما الخوارج، والروافض، فطعنوا فيه، ونسبوه إلى الغفلة، وعدم الفطنة؛ لما صدر منه في التحكيم بصِفِّين. قال ابن العربيّ وغيره: والحقّ أنه لم يصدُر منه ما يقتضي وصفه بذلك، وغاية ما وقع منه أن اجتهاده أدّاه إلى أن يجعل الأمر شُورَى بين من بقي من أكابر الصحابة من أهل بدر، ونحوهم، لما شاهد من الاختلاف الشديد بين الطائفتين بصفّين، وآل الأمر إلى ما آل إليه. قاله في "الفتح" (١).
(ثُمَّ أَرْسَلَ مُعَاذَ بْنَ جَبَل) بن عمرو بن أوس الأنصاريّ الخزرجي، من أعيان الصحابة، شهد بدرًا وما بعدها، وكان إليه المنتهى في العلم بالأحكام والقرآن، مات - رضي اللَّه تعالى عنه - بالشام سنة (١٨) على المشهور، وتقدّمت ترجمته في ٤٢/ ٥٨٧ (بَعْدَ ذلِك) هذا نصّ في كون بعثه بعد أبي موسى الأشعريّ - رضي اللَّه تعالى - عهما، وظاهر رواية البخاريّ تقتضي أنهما أُرسلا معًا، ولفظه من طريق عبد الملك بن عُمير، عن أبي بردة، قال: بعث رسول اللَّه ﷺ ، أبا موسى ومعاذ بن جبل إلى اليمن، قال: وبعث كلّ واحد منهما على مِخْلاف (٢)، قال: واليمن مخلافان، ثم قال: "يسرا، ولا تعسرا، وبَشِّرا، ولا تنفّرا"، فانطلق كل واحد منهما إلى عمله، وكان كل واحد منهما، إذا سار في أرضه، كان قريبا من صاحبه، أحدث به عهدا، فسلم عليه، فسار معاذ في أرضه، قريبًا من صاحبه أبي موسى، فجاء يسير على بغلته، حتى انتهى إليه، وإذا هو جالس، وقد اجتمع إليه الناس، وإذا رجل عنده، قد جُمِعت يداه إلى عنقه، فقال له معاذ: يا عبد اللَّه بن قيس، أَيُّمَ هذا؟ قال: هذا رجل كفر بعد إسلامه، قال: لا أنزل حتى يُقتَل، قال: إنما جيء به لذلك، فأنزل، قال: ما أنزل حتى يُقتل، فأمر به، فقُتِل، ثم نزل، فقال: يا عبد اللَّه، كيف تقرأ القرآن؟ قال: أَتَفَوَّقُه تَفَوُّقًا، قال: فكيف تقرأ أنت يا معاذ؟ قال: أنام أول الليل، فأقوم، وقد قضيت جزئي من النوم، فأقرأ ما كتب اللَّه لي، فأحتسب نومتي، كما أحتسب قومتي.
وفي رواية للبخاري في "كتاب استتابة المرتدّين": "ثم أتبعه معاذ بن جبل"، فقال في "الفتح": ظاهره أنه ألحقه به بعد أن توجّه، قال: لكن تقدّم في "المغازي" بلفظ: "بعث
стр. 15643
النبيّ - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم - أبا موسى، ومعاذًا إلى اليمن، فقال: يسّرا، ولا تعسّرا" الحديث. ويُحمَل أنه أضاف معاذًا إلى أبي موسى بعد سبق ولايته، لكن قبل توجّهه، فوصّاهما عند التوجّه بذلك. ويمكن أن يكون المراد أنه أوصى كلًّا منهما، واحدًا بعد آخر. انتهى (١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الاحتمال الأخير هو الأقرب عندي؛ لأنه اختُلف في وقت بعث معاذ - رضي اللَّه تعالى عنه - إلى اليمن، فقيل: سنة عشر من الهجرة، قبل حجة النبيّ - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم -، كما ذكره البخاريّ في أواخر "كتاب المغازي". وقيل: كان ذلك في أواخر سنة تسع عند منصرفه - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم - من تبوك. رواه الواقديّ بإسناده إلى كعب بن مالك، وأخرجه ابن سعد في "الطبقات" عنه، ثم حكى ابن سعد أنه كان في ربيع الآخر سنة عشر. وقيل: بعثه عام الفتح سنة ثمان. واتفقوا على أنه لم يزل على اليمن إلى أن قَدِم في عهد أبي بكر - رضي اللَّه تعالى عنه -، ثم توجّه إلى الشام، فمات بها. واختُلف هل كان معاذٌ واليًا، أو قاضيًا؟، فجزم ابن عبد البرّ بالثاني، والغسّانيّ بالأول. قاله في "الفتح" (٢).
فالظاهر من هذا أنهما لم يذهبا إلى اليمن معًا، بل ذهب كلّ منهما وحده. واللَّه تعالى أعلم.
(فَلَمَّا قَدِمَ) أي معاذ - رضي اللَّه تعالى عنه - إلى اليمن (قَالَ: أَيُّها النَّاسُ، إِنِّي رَسُولُ رسُولِ اللَّهِ إِليْكُمْ) إنما ذكر لهم ذلك ليعرفوا له حقّه، ويستجيبوا دعوته؛ لأنهم إذا لم يعلموا ربّما لا يتساهلون في حقّه (فَأَلقَى لَهُ أَبُو مُوسَى) الأشعريّ (وِسَادَةً) بكسر الواو: المِخَذة، والجمع وِسادات، ووَسَائدُ، والوِسَاد بغير هاء: كلُّ ما يُتوسّد به، من قُماش، وتُراب، وغير ذلك. ويقال: الوِساد لغةٌ في الوسادة. قاله في "المصباح".
والمعنى أن أبا موسى فرش لمعاذ - رضي اللَّه تعالى عنهما - وسادة (لِيَجْلِسَ عَلَيْهَا) قال في "الفتح": وقد ذكر الباجيّ، والأصيليّ، فيما نقله عياضٌ عنهما أن المراد بقول ابن عبّاس: "فاضطجعتُ في عَرْض الوسادة": الفراشُ. وردّه النوويّ، فقال: هذا ضعيفٌ، أو باطلٌ، وإنما المراد بالوسادة ما يُجعل تحت رأس النائم، وهو كما قال، قال: وكانت عادتهم أن من أرادوا إكرامه، وضعوا الوسادة تحته مبالغة في إكرامه. وقد وقع في حديث عبد اللَّه بن عمرو: إن النبيّ - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم - دخل عليه، فألقى له وِسادةً"، كما تقدّم في "الصيام"، وفي حديث ابن عمر: أنه دخل على عبد اللَّه
стр. 15644
ابن مطيع، فطرح له وسادة، فقال له: ما جئتُ لأجلس". أخرجه مسلم، ولم أر في شيء من كتب اللغة أن الفراش يُسمّى وسادة. انتهى.
(فَأُتِي بِرَجُلِ) ببناء الفعل للمفعول: أي جيء أبو موسى - رضي اللَّه تعالى عنه - برجل (كَانَ يَهُودِيًّا فَأَسْلَمَ، ثُمَّ كَفَرَ) وفي رواية مسلم، وأبي داود: "ثم راجع دينه دين السوء"، ولأحمد من طريق أيوب، عن حُميد بن هلال، عن أبي بُردة، قال: "قَدِم معاذ بن جبلٍ على أبي موسى، فإذا رجلٌ عنده، فقال: ما هذا؟ "، فذكر مثله، وزاد: "ونحن نُريده على الإسلام منذ -أحسبه- شهرين"، وأخرج الطبرانيّ من وجه آخر، عن معاذ، وأبي موسى: "أن النبيّ - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم - أمرهما أن يعلّما الناس، فزاد معاذٌ أبا موسى، فإذا عنده رجلٌ، موثَقٌ بالحديث، فقال: يا أخي أوَ بُعِثت تُعذّب الناس، إنما بُعثنا نُعلّمهم دينهم، ونأمرُهم بما ينفعهم، فقال: إنه أسلم، ثم كفر، فقال: والذي بعث محمدًا بالحقّ، لا أبرح حتى أحرّقه بالنار" (١).
(فَقَالَ: مُعَاذٌ) - رضي اللَّه تعالى عنه - بعد أن سأل سبب قيده، ففي رواية البخاريّ المذكورة: "وإذا رجلٌ عنده، قد جُمِعت يداه إلى عُنُقه، فقال له معاذٌ: يا عبد اللَّه بن قيس، أَيُّمَ هذا؟، قال: هذا رجلٌ كفر بعد إسلامه، قال: لا أنزِل حتى يُقتل" الحديث (لَا أَجْلِسُ حَتَّى يُقْتَلَ) بالبناء للمفعول (قَضَاءُ اللَّهِ وَرَسُولِهِ) بالرفع على أنه خبر لمبتدأ محذوفٍ: أي هذا قضاء اللَّه تعالى، وقضاء رسوله صلى اللَّه تعالى عليه وسلم، ويجوز نصبه على أنه مفعول لفعل محذوف: أي اقضِ قضاء اللَّه تعالى، وقضاء رسوله صلّى اللَّه تعالى عليه وسلم (ثَلاثَ مَرَّاتٍ) أي قال معاذ هذا الكلام ثلاث مرّات. وفي رواية أبي داود أنهما كرّرا القول، أبو موسى يقول: اجلس، ومعاذ يقول: لا أجلس، فعلى هذا فقوله: "ثلاث مرّات" من كلام الراوي، لا تتمّة كلام معاذ. وزاد في رواية بعد قوله: "قضاء اللَّه، ورسوله: إن من رجع عن دينه أو قال-: "بدّل دينه، فاقتلوه".
(فَلَمَّا قُتِلَ قَعَدَ) وفي رواية: "فقال: واللَّه لا أقعد حتى تضربوا عنقه، فضُرب عنقه".
وفي رواية الطبرانيّ: "فأُتي بحطب، فألهب فيه النارُ، فكتفه، وطرحه فيها".
قال الحافظ: ويمكن الجمع بأنه ضَرَب عنقه، ثم ألقاه في النار. ويؤخذ منه أن معاذًا، وأبا موسى كانا يريان جواز التعذيب بالنار، وإحراق الميت بالنار، مبالغة في إهانته، وترهيبًا عن الاقتداء به. وأخرج أبو داود من طريق طلحة بن يحيى، ويزيد بن عبد اللَّه، كلاهما عن أبي بردة، عن أبي موسى، قال: "قَدِمَ عليّ معاذ"، فذكر قصّة
стр. 15645
اليهوديّ، وفيه: "فقال: لا أنزل عن دابّتي حتى يُقتل، فقُتل"، قال أحدهما: وكان قد استُتيب قبل ذلك. وله من طريق أبي إسحاق الشيبانيّ، عن أبي بُردة: "أُتي أبو موسى برجل قد ارتدّ عن الإسلام، فدعاه، فأبى عشرين ليلة، أو قريبًا منها، وجاء معاذ، فدعاه، فأبى، فضرب عنقه". قال أبو داود: رواه عبد الملك بن عُمير، عن أبي بُردة، فلم يذكر الاستتابة، وكذا ابن فُضيل، عن الشيبانيّ. وقال المسعوديّ، عن القاسم- يعني ابن عبد الرحمن- في هذه القصّة: "فلم ينزل حتى ضرب عنقه، وما استتابه".
قال الحافظ: وهذا يعارضه الرواية المثبتة أن معاذًا استتابه، وهي أقوى من هذه، والرواياتُ الساكتةُ عنها لا تعارضها، وعلى تقدير ترجِيح رواية المسعوديّ، فلا حجّة فيه لمن قال: يُقتل المرتدّ بلا استتابة؛ لأن معاذًا يكون اكتفى بما تقدّم من استتابة أبي موسى. انتهى كلام الحافظ (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث أبي موسى الأشعريّ - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-١٤/ ٤٠٦٨ - وفي "الكبرى" ١٤/ ٣٥٢٩. وأخرجه (خ) في "المغازي" ٤٣٤٢ و ٤٣٤٣ و ٤٣٤٥ (م) في "الإمارة" ١٨٢٤ (د) في "الحدود" ٤٣٥٤ و ٤٣٥٥ (أحمد) في "أول مسند الكوفيين" ١٩١٦٧. واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان حكم المرتدّ، وهو وجوب قتله، وهو مجمع عليه، وإنما الخلاف في حكم استتابته، وسيأتي البحث عنه في الباب التالي، إن شاء اللَّه تعالى. (ومنها): أنه ينبغي للشخص أن يُعرّف برتبته لمن لا يعرفه، حتّى يستفيد منه، ولا يُقصّر في حقّه، فإن معاذًا - رضي اللَّه تعالى عنه - لَمّا أتى قال: "أيها الناس، إني رسول رسول اللَّه إليكم". (ومنها): تزاور الإخوان، والأمراء، والعلماء. (ومنها): إكرام الضيف، حيث إن أبا موسى ألقى لمعاذ - رضي اللَّه تعالى عنهما - وسادة؛ إكرامًا له. (ومنها): المبادرة إلى إنكار المنكر. (ومنها): وجوب إقامة الحدّ على من وجب عليه. (ومنها): ما قاله القرطبيّ: أن ظاهره يدلّ على أنه - صلى اللَّه تعالى عليه
стр. 15646
وسلم - ولّى معاذًا على أبي موسى، ولم يَعزل أبا موسى، وعلى هذا يدلّ تنفيذ مُعاذ الحكم بقتل المرتدّ، وإمضاؤه. ويحتمل أن يكون - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم - ولّى كلّ واحد منهما على عمل غير عمل الآخر، فإما في الجهات، وإما في الأعمال، وهذا هو الصحيح بدليل ما وقع في "صحيح البخاريّ" أن النبيّ - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم - ولّى معاذًا على مِخْلاف من اليمن، وأبا موسى على مخلاف، والمِخْلافُ واحد المخاليف: وهي الْكُوَر. انتهى (١).
(ومنها): أن بعضهم استدلّ به على أن المرتدّ يُقتل، ولا يُستتاب. وتُعقّب بأنه تقدّم أن هذا اليهوديّ استتيب عدّة أيام، فلم يتب.
(ومنها): أن فيه حجة على أن لوُلاة الأمصار إقامةَ الحدود في القتل، والزنى، وغيرهما، قال القرطبيّ: وهو مذهب كافّة العلماء: مالك، والشافعيّ، وأبي حنيفة، وغيرهم. واختُلف في إقامة ولاة المياه، وأشباههم لذلك، فرأى أشهب ذلك، إذا جَعَل ذلك لهم الإمام. وقال ابن القاسم نحوه. وقال الكوفيّون: لا يُقيمه إلا فقهاء الأمصار، ولا يُقيمه عاملُ السواد.
واختُلف في القضاة إذا كانت ولايتهم مطلقةً، غير مقيّدة بنوع من الأحكام، فالجمهور على أن جميع ذلك لهم، من إقامة الحدود، وإثبات الحقوق، وتغيير المناكر، والنظر في المصالح، أكان الحقّ لآدميّ، أو للَّه تعالى، وحكمه عندهم حكم الوصيّ المطلق اليد في كلّ شيء، إلا ما يَختصّ بضبط بيضة الإسلام، من إعداد الجيوش، وجباية الخراج. واختلف أصحاب الشافعيّ، هل له نظر في مال الصدقات، والتقديم للجمع والأعياد، أم لا؟ على قولين. وذهب أبو حنيفة إلى أنه لا نظر له في إقامة حدّ، ولا في مصلحة إلا لطالب مُخاصم، وحكمه عندهم حكم الوكيل. انتهى كلام القرطبيّ (٢). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٠٦٩ - (أَخْبَرَنَا الْقَاسِمُ بْنُ زَكَرِيَّا بْنِ دِينَارٍ, قَالَ: حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ مُفَضَّلٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا أَسْبَاطُ, قَالَ: زَعَمَ السُّدِّيُّ, عَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ, عَنْ أَبِيهِ, قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ فَتْحِ مَكَّةَ, أَمَّنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ النَّاسَ, إِلاَّ أَرْبَعَةَ نَفَرٍ, وَامْرَأَتَيْنِ, وَقَالَ: «اقْتُلُوهُمْ, وَإِنْ وَجَدْتُمُوهُمْ, مُتَعَلِّقِينَ بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ» , عِكْرِمَةُ بْنُ أَبِي جَهْلٍ, وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ خَطَلٍ, وَمِقْيَسُ بْنُ صُبَابَةَ, وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعْدِ بْنِ أَبِي السَّرْحِ, فَأَمَّا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ خَطَلٍ, فَأُدْرِكَ
стр. 15647
وَهُوَ مُتَعَلِّقٌ بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ, فَاسْتَبَقَ إِلَيْهِ سَعِيدُ بْنُ حُرَيْثٍ, وَعَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ, فَسَبَقَ سَعِيدٌ عَمَّارًا, وَكَانَ أَشَبَّ الرَّجُلَيْنِ, فَقَتَلَهُ, وَأَمَّا مِقْيَسُ بْنُ صُبَابَةَ, فَأَدْرَكَهُ النَّاسُ فِي السُّوقِ, فَقَتَلُوهُ, وَأَمَّا عِكْرِمَةُ, فَرَكِبَ الْبَحْرَ, فَأَصَابَتْهُمْ عَاصِفٌ, فَقَالَ أَصْحَابُ السَّفِينَةِ: أَخْلِصُوا, فَإِنَّ آلِهَتَكُمْ, لَا تُغْنِي عَنْكُمْ شَيْئًا هَاهُنَا, فَقَالَ عِكْرِمَةُ: وَاللَّهِ لَئِنْ لَمْ يُنَجِّنِي مِنَ الْبَحْرِ, إِلاَّ الإِخْلَاصُ, لَا يُنَجِّينِي فِي الْبَرِّ غَيْرُهُ, اللَّهُمَّ إِنَّ لَكَ عَلَيَّ عَهْدًا, إِنْ أَنْتَ عَافَيْتَنِي مِمَّا أَنَا فِيهِ, أَنْ آتِيَ مُحَمَّدًا ﷺ , حَتَّى أَضَعَ يَدِي فِي يَدِهِ, فَلأَجِدَنَّهُ عَفُوًّا كَرِيمًا, فَجَاءَ, فَأَسْلَمَ, وَأَمَّا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعْدِ بْنِ أَبِي السَّرْحِ, فَإِنَّهُ اخْتَبَأَ عِنْدَ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ, فَلَمَّا دَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , النَّاسَ إِلَى الْبَيْعَةِ, جَاءَ بِهِ حَتَّى أَوْقَفَهُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ , قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ, بَايِعْ عَبْدَ اللَّهِ, قَالَ فَرَفَعَ رَأْسَهُ, فَنَظَرَ إِلَيْهِ ثَلَاثًا, كُلَّ ذَلِكَ يَأْبَى, فَبَايَعَهُ بَعْدَ ثَلَاثٍ, ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى أَصْحَابِهِ, فَقَالَ: «أَمَا كَانَ فِيكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ, يَقُومُ إِلَى هَذَا, حَيْثُ رَآنِي كَفَفْتُ يَدِي عَنْ بَيْعَتِهِ, فَيَقْتُلَهُ؟» , فَقَالُوا: وَمَا يُدْرِينَا, يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا فِي نَفْسِكَ؟ , هَلاَّ أَوْمَأْتَ إِلَيْنَا بِعَيْنِكَ؟ , قَالَ: «إِنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِنَبِيٍّ, أَنْ يَكُونَ لَهُ خَائِنَةُ أَعْيُنٍ»).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (القاسم بن زكريا بن دينار) أبو محمد الكوفيّ الطحّان، ثقة [١١] ٨/ ٤١٠.
٢ - (أحمد بن مفضّل (١)) القرشيّ الأمويّ، أبو عليّ الكوفيّ، الْحَفَريّ -بفتح المهملة، والفاء-، صدوقٌ شِيعيّ، في حفظه شيء [٩].
أثنى عليه أبو بكر بن أبي شيبة. وذكره ابن حبّان في "الثقات". وقال ابن إشكاب: حدثنا أحمد بن المفضّل، دلّني عليه ابن أبي شيبة، وأثنى عليه خيرًا. وقال الأزديّ: منكر الحديث. وقال ابن سعد: توفّي سنة (١٥) وقيل: (٢١٤). تفرّد به المصنّف، وأبو داود بهذا الحديث فقط.
٣ - (أسباط) بن نصر الْهَمْدانيّ، أبو يوسف، ويقال: أبو نصر الكوفيّ، صدوق، كثير الخطأ، يُغرِب [٨].
قال حربٌ: قلت لأحمد: كيف حديثه؟ قال: ما أدري، وكأنّه ضعّفه. وقال أبو حاتم: سمعت أبا نُعيم يُضعّفه، وقال: أحاديثه عامتها سَقَطٌ، مقلوبة الأسانيد. وقال
стр. 15648
النسائيّ: ليس بالقويّ. وقال البخاريّ في "تاريخه الأوسط": صدوقٌ. وذكره ابن حبّان في "الثقات". وقال ابن معين: ليس بشيء، وقال مرّة: ثقة. وقال موسى بن هارون: لم يكن به بأس. وقال الساجيّ في "الضعفاء": روى أحاديث لا يُتابع عليها عن سماك ابن حرب.
علّق له البخاريّ حديثًا واحدًا، وأخرج له الباقون، وله عند المصنّف في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث: هذا الحديث، وفي "كتاب القسامة" ٤٠/ ٤٨٣٠ - حديث ابن عبّاس - رضي اللَّه تعالى عنهما -، قال: "كانت امرأتان جارتان، كان بينهما صَخَبٌ، فرمت إحداهما" الحديث. وفي "كتاب قطع السارق" ٤/ ٤٨٨٦ - حديث صفوان بن أميّة - رضي اللَّه تعالى عنه -، قال: "كنت في المسجد نائمًا على خميصة لي، ثمنها ثلاثون درهمًا، فجاء رجلٌ، فاختلسها" الحديث.
٤ - (السُّدّي) إسماعيل بن عبد الرحمن بن أبي كَرِيمة، أبو محمد الكوفيّ، صدوق يَهِمُ، ورُمي بالتشيّع [٤] ١٠٠/ ٣٥٩.
٥ - (مصعب بن سعد) بن أبي وقّاص الزهريّ، أبو زُرارة المدنيّ، ثقة [٣] ٩١/ ١٠٣٢.
٦ - (أبوه) سعد بن أبي وقّاص مالك بن وُهيب بن عبد مناف بن زُهرة بن كلاب الزهريّ، أبو إسحاق، مات - رضي اللَّه تعالى عنه - بالعقيق سنة (٥٥) تقدّم في ٩٦/ ١٠٢١. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم موثّقون. (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ، والابن عن أبيه. (ومنها): أن صحابيّه أحد العشرة المبشَرين بالجنة، وهو آخر من مات منهم - رضي اللَّه تعالى عنهم -، وأول من رمى بسهم في سبيل اللَّه تعالى. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ مُصعَبِ بْنِ سَعْدٍ) -رحمه اللَّه تعالى- (عَنْ أَبِيهِ) سعد بن أبي وقّاص - رضي اللَّه تعالى عنه -، أنه (قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ فَتْحِ مَكَّةَ) "كان هنا تامّة، ولذا اكتفت بمرفوعها، أي لَمّا وقع يوم فتح مكة. ويحتمل أن تكون ناقصةٌ، ويقدّر لها الخبر، أي لَمّا كان يوم فتح مكة حاضرًا.
стр. 15649
وفتح مكة كان في رمضان من السنة الثامنة من الهجرة (أَمَّنَ) بتشديد الميم، من التأمين، ويحتمل أن يكون بمد الهمزة، وتخفيف الميم، أي الإيمان، يقال: آمنت الأسير بالمدّ: أعطيته الأمان، فأَمِنَ هو بالكسر (رَسُولُ اللَّهِ ﷺ النَّاسَ، إِلاَّ أَرْبَعَةَ نَفَرٍ) قال الفيّوميّ: -النفر بفتحتين-: جماعة الرجال، من ثلاثة إلى عشرة، وقيل: إلى سبعة، ولا يُقال: نفرٌ فيما زاد على العشرة. انتهى (وَامْرَأَتَيْنِ، وقال: (اقْتُلُوهُمْ) أي المذكورين من النفر الأربعة، والمرأتين، أعاد ضمير جمع الذكور عليهم تغليبًا للذكور (وَإِنْ وَجَدْتُمُوهُم، مُتَعَلِّقِينَ بِأَسْتَارِ الْكَعبَةِ"، عِكْرِمةُ بْنُ أَبِي جَهْلٍ) يجوز نصبه بدلًا من "أربعة"، ورفعه خبر لمحذوف: أي أحد النفر الأربعة عكرمة بن أبي جهل عمرو بن هشام بن المغيرة بن عبد اللَّه بن عُمَر بن مَخْزُوم القرشيّ المخزوميّ، كان كأبيه من أشدّ الناس على رسول اللَّه - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم -، ثم أسلم عام الفتح، وخرج إلى المدينة، ثم إلى قتال أهل الرّدّة، ووجّهه أبو بكر الصّدّيق إلى جيش نَعْمان، فظهر عليهم، ثم إلى اليمن، ثم رجع، فخرج إلى الجهاد عام وفاته، فاستُشهد. وذكر الطبريّ أن النبيّ - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم - استعمله على صدقات هوازن، عام وفاته، وأنه قُتل بأجنادين. وكذا قال الجمهور حتى قال الواقديّ: لا اختلاف بين أصحابنا في ذلك. وقال ابن إسحاق، والزبير بن بكّار: قُتِل يوم الْيَرْمُوك في خلافة عمر. وروى سيف في "الفتوح" بسند له، أنّ عكرمة نادى من يبايع على الموت؟ فبايعه عمّه الحارث، وضِرَار بن الأزور في أربعمائة من المسلمين، وكان أميرًا على بعض الكراديس (١)، وذلك سنة خمس عشرة في خلافة عمر، فقُتلوا كلّهم إلا ضرارًا. وقيل: قُتل يوم مرج الصُّفَّر (٢)، وذلك سنة ثلاث عشرة في خلافة أبي بكر - رضي اللَّه تعالى عنه -.
(وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ خَطَلٍ) وقد تقدّمت قصّة قتله في "كتاب الحجّ" في ١٠٧/ ٢٨٦٨ - "باب دخول مكة بغير إحرام"، فراجعها تستفد، واللَّه تعالى وليّ التوفيق
(وَمَقِيسُ بْنُ صُبَابَةَ) بالصاد المهملة، وموحّدتين، بينهما ألف، هذا هو المشهور، وضبطه المجد في "القاموس" بالحاء المهملة بدل الصاد، ونصّه، مع شرحه: و"مِقيس" -كمِنبر- ابن حُبَابة بالضمّ، من بني كلب بن عوف من الدِّيل، وهو أحد الأربعة الذين لو يؤمّنهم النبيّ - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم - يوم فتح مكّة. وذكر الجوهريّ مقيص بالصاد، وهو بالسين. انتهى (٣).
стр. 15650
(وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعْدِ بْنِ أَبِي السَّرْحِ) بن الحارث بن حُبيّب بالمهملة، مصغّرًا- ابن حُذافة بن مالك بن حِسل بن عامر بن لؤيّ القرشيّ العامريّ، يكنى أبا يحيى، وكان أخا عثمان بن عفّان - رضي اللَّه تعالى عنه - من الرضاعة، وكانت أمه أشعريّة. وقال ابن يونس: شهد فتح مصر، واختطّ بها، وكان صاحب الميمنة في الحرب مع عمرو بن العاص في فتح مصر، وله مواقف محمودةٌ في الفتوح، وأقرّه عثمان على مصر، ولما وقعت الفتنة سكن عسقلان، ولم يُبايع لأحد، ومات بها سنة ستّ وثلاثين. وقيل: كان قد سار من مصر إلى عثمان، واستخلف السائب بن هشام بن عمير، فبلغه قتله، فرجع، فغلب على مصر محمد بن أبي حذيفة، فمنعه من دخولها، فمضى إلى عسقلان، وقيل: إلى الرملة، وقيل: بل شهد صفّين، وعاش إلى سنة سبع وخمسين. وذكره ابن سعد في تسمية من نزل مصر من الصحابة، وهو الذي افتتح إفريقية زمن عثمان، وولي مصر بعد ذلك، وكانت ولايته مصر سنة خمس وعشرين، وكان فتح إفريقية من أعظم الفتوح، بلغ سهم الفارس فيه ثلاثة آلاف دينار، وذلك سنة ثمان، وأما الأساود، فكان فتحها سنة إحدى وثلاثين بالنوبة، وهو هادنهم الهُدنة الباقية بعده. وقال خليفة: وفي سنة سبع وعشرين عُزل عمرو عن مصر، وولي عبد اللَّه بن سعد، فغزا إفريقية، ومعه العبادلة، وأرّخ الليث عَزل عمرو سنة خمس وعشرين، وغَزَاةَ إفريقية سنة سبع وعشرين، وغزاة الأساود سنة إحدى وثلاثين، وذات الصواري سنة أربع وثلاثين. وقال ابن الْبَرقيّ في "تاريخه": حدثنا أبو صالح، عن الليث، قال: كان ابن أبي سرح على الصعيد في زمن عمر، ثمّ ضمّ إليه عثمان مصر كلّها، وكان محمودًا في ولايته، وغزا ثلاث غَزَوات: إفريقية، وذات الصواري، والأساود. وروى البغويّ بإسناد صحيح، عن يزيد بن أبي حبيب، قال: خرج ابن أبي سرح إلى الرملة، فلما كان عند الصبح، قال: اللَّهم اجعل آخر عملي الصبح، فتوضّأ، ثم صلّى، فسلّم عن يمينه، ثم ذهب يُسلّم عن يساره، فقبض اللَّه روحه، يرحمه اللَّه. وذكره البخاريّ من هذا الوجه. وأخرج السّرّاج عن عبد العزيز بن عمران، قال: مات ابن أبي سرح سنة تسع وخمسين في آخر عهد معاوية - رضي اللَّه تعالى عنهما -. ذكره في "الإصابة" (١).
(فَأَمَّا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ خَطَلٍ، فأُدْرِكَ) بالبناء للمفعول (وَهُوَ مُتَعَلِّقٌ بِأَسْتَارِ الكعبةِ، فاسْتَبَقَ إِلَيْهِ سَعِيدُ بْنُ حُرَيْثٍ) بن عمرو بن عثمان بن عبد اللَّه بن عُمر بن مخزوم القرشيّ المخزوميّ، له صحبةٌ. قال الواقديّ: يقولون: إنه شَهِد فتح مكة، وهو ابن (١٥) سنة.