← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 12888

ذخيرة العقبى في شرح المجتبى

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (19 271 стр.). Показаны 15646–15685 · переход к 15651.

стр. 15646

وسلم - ولّى معاذًا على أبي موسى، ولم يَعزل أبا موسى، وعلى هذا يدلّ تنفيذ مُعاذ الحكم بقتل المرتدّ، وإمضاؤه. ويحتمل أن يكون - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم - ولّى كلّ واحد منهما على عمل غير عمل الآخر، فإما في الجهات، وإما في الأعمال، وهذا هو الصحيح بدليل ما وقع في "صحيح البخاريّ" أن النبيّ - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم - ولّى معاذًا على مِخْلاف من اليمن، وأبا موسى على مخلاف، والمِخْلافُ واحد المخاليف: وهي الْكُوَر. انتهى (١). (ومنها): أن بعضهم استدلّ به على أن المرتدّ يُقتل، ولا يُستتاب. وتُعقّب بأنه تقدّم أن هذا اليهوديّ استتيب عدّة أيام، فلم يتب. (ومنها): أن فيه حجة على أن لوُلاة الأمصار إقامةَ الحدود في القتل، والزنى، وغيرهما، قال القرطبيّ: وهو مذهب كافّة العلماء: مالك، والشافعيّ، وأبي حنيفة، وغيرهم. واختُلف في إقامة ولاة المياه، وأشباههم لذلك، فرأى أشهب ذلك، إذا جَعَل ذلك لهم الإمام. وقال ابن القاسم نحوه. وقال الكوفيّون: لا يُقيمه إلا فقهاء الأمصار، ولا يُقيمه عاملُ السواد. واختُلف في القضاة إذا كانت ولايتهم مطلقةً، غير مقيّدة بنوع من الأحكام، فالجمهور على أن جميع ذلك لهم، من إقامة الحدود، وإثبات الحقوق، وتغيير المناكر، والنظر في المصالح، أكان الحقّ لآدميّ، أو للَّه تعالى، وحكمه عندهم حكم الوصيّ المطلق اليد في كلّ شيء، إلا ما يَختصّ بضبط بيضة الإسلام، من إعداد الجيوش، وجباية الخراج. واختلف أصحاب الشافعيّ، هل له نظر في مال الصدقات، والتقديم للجمع والأعياد، أم لا؟ على قولين. وذهب أبو حنيفة إلى أنه لا نظر له في إقامة حدّ، ولا في مصلحة إلا لطالب مُخاصم، وحكمه عندهم حكم الوكيل. انتهى كلام القرطبيّ (٢). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٠٦٩ - (أَخْبَرَنَا الْقَاسِمُ بْنُ زَكَرِيَّا بْنِ دِينَارٍ, قَالَ: حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ مُفَضَّلٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا أَسْبَاطُ, قَالَ: زَعَمَ السُّدِّيُّ, عَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ, عَنْ أَبِيهِ, قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ فَتْحِ مَكَّةَ, أَمَّنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ النَّاسَ, إِلاَّ أَرْبَعَةَ نَفَرٍ, وَامْرَأَتَيْنِ, وَقَالَ: «اقْتُلُوهُمْ, وَإِنْ وَجَدْتُمُوهُمْ, مُتَعَلِّقِينَ بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ» , عِكْرِمَةُ بْنُ أَبِي جَهْلٍ, وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ خَطَلٍ, وَمِقْيَسُ بْنُ صُبَابَةَ, وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعْدِ بْنِ أَبِي السَّرْحِ, فَأَمَّا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ خَطَلٍ, فَأُدْرِكَ

стр. 15647

وَهُوَ مُتَعَلِّقٌ بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ, فَاسْتَبَقَ إِلَيْهِ سَعِيدُ بْنُ حُرَيْثٍ, وَعَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ, فَسَبَقَ سَعِيدٌ عَمَّارًا, وَكَانَ أَشَبَّ الرَّجُلَيْنِ, فَقَتَلَهُ, وَأَمَّا مِقْيَسُ بْنُ صُبَابَةَ, فَأَدْرَكَهُ النَّاسُ فِي السُّوقِ, فَقَتَلُوهُ, وَأَمَّا عِكْرِمَةُ, فَرَكِبَ الْبَحْرَ, فَأَصَابَتْهُمْ عَاصِفٌ, فَقَالَ أَصْحَابُ السَّفِينَةِ: أَخْلِصُوا, فَإِنَّ آلِهَتَكُمْ, لَا تُغْنِي عَنْكُمْ شَيْئًا هَاهُنَا, فَقَالَ عِكْرِمَةُ: وَاللَّهِ لَئِنْ لَمْ يُنَجِّنِي مِنَ الْبَحْرِ, إِلاَّ الإِخْلَاصُ, لَا يُنَجِّينِي فِي الْبَرِّ غَيْرُهُ, اللَّهُمَّ إِنَّ لَكَ عَلَيَّ عَهْدًا, إِنْ أَنْتَ عَافَيْتَنِي مِمَّا أَنَا فِيهِ, أَنْ آتِيَ مُحَمَّدًا ﷺ , حَتَّى أَضَعَ يَدِي فِي يَدِهِ, فَلأَجِدَنَّهُ عَفُوًّا كَرِيمًا, فَجَاءَ, فَأَسْلَمَ, وَأَمَّا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعْدِ بْنِ أَبِي السَّرْحِ, فَإِنَّهُ اخْتَبَأَ عِنْدَ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ, فَلَمَّا دَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , النَّاسَ إِلَى الْبَيْعَةِ, جَاءَ بِهِ حَتَّى أَوْقَفَهُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ , قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ, بَايِعْ عَبْدَ اللَّهِ, قَالَ فَرَفَعَ رَأْسَهُ, فَنَظَرَ إِلَيْهِ ثَلَاثًا, كُلَّ ذَلِكَ يَأْبَى, فَبَايَعَهُ بَعْدَ ثَلَاثٍ, ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى أَصْحَابِهِ, فَقَالَ: «أَمَا كَانَ فِيكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ, يَقُومُ إِلَى هَذَا, حَيْثُ رَآنِي كَفَفْتُ يَدِي عَنْ بَيْعَتِهِ, فَيَقْتُلَهُ؟» , فَقَالُوا: وَمَا يُدْرِينَا, يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا فِي نَفْسِكَ؟ , هَلاَّ أَوْمَأْتَ إِلَيْنَا بِعَيْنِكَ؟ , قَالَ: «إِنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِنَبِيٍّ, أَنْ يَكُونَ لَهُ خَائِنَةُ أَعْيُنٍ»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (القاسم بن زكريا بن دينار) أبو محمد الكوفيّ الطحّان، ثقة [١١] ٨/ ٤١٠. ٢ - (أحمد بن مفضّل (١)) القرشيّ الأمويّ، أبو عليّ الكوفيّ، الْحَفَريّ -بفتح المهملة، والفاء-، صدوقٌ شِيعيّ، في حفظه شيء [٩]. أثنى عليه أبو بكر بن أبي شيبة. وذكره ابن حبّان في "الثقات". وقال ابن إشكاب: حدثنا أحمد بن المفضّل، دلّني عليه ابن أبي شيبة، وأثنى عليه خيرًا. وقال الأزديّ: منكر الحديث. وقال ابن سعد: توفّي سنة (١٥) وقيل: (٢١٤). تفرّد به المصنّف، وأبو داود بهذا الحديث فقط. ٣ - (أسباط) بن نصر الْهَمْدانيّ، أبو يوسف، ويقال: أبو نصر الكوفيّ، صدوق، كثير الخطأ، يُغرِب [٨]. قال حربٌ: قلت لأحمد: كيف حديثه؟ قال: ما أدري، وكأنّه ضعّفه. وقال أبو حاتم: سمعت أبا نُعيم يُضعّفه، وقال: أحاديثه عامتها سَقَطٌ، مقلوبة الأسانيد. وقال

стр. 15648

النسائيّ: ليس بالقويّ. وقال البخاريّ في "تاريخه الأوسط": صدوقٌ. وذكره ابن حبّان في "الثقات". وقال ابن معين: ليس بشيء، وقال مرّة: ثقة. وقال موسى بن هارون: لم يكن به بأس. وقال الساجيّ في "الضعفاء": روى أحاديث لا يُتابع عليها عن سماك ابن حرب. علّق له البخاريّ حديثًا واحدًا، وأخرج له الباقون، وله عند المصنّف في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث: هذا الحديث، وفي "كتاب القسامة" ٤٠/ ٤٨٣٠ - حديث ابن عبّاس - رضي اللَّه تعالى عنهما -، قال: "كانت امرأتان جارتان، كان بينهما صَخَبٌ، فرمت إحداهما" الحديث. وفي "كتاب قطع السارق" ٤/ ٤٨٨٦ - حديث صفوان بن أميّة - رضي اللَّه تعالى عنه -، قال: "كنت في المسجد نائمًا على خميصة لي، ثمنها ثلاثون درهمًا، فجاء رجلٌ، فاختلسها" الحديث. ٤ - (السُّدّي) إسماعيل بن عبد الرحمن بن أبي كَرِيمة، أبو محمد الكوفيّ، صدوق يَهِمُ، ورُمي بالتشيّع [٤] ١٠٠/ ٣٥٩. ٥ - (مصعب بن سعد) بن أبي وقّاص الزهريّ، أبو زُرارة المدنيّ، ثقة [٣] ٩١/ ١٠٣٢. ٦ - (أبوه) سعد بن أبي وقّاص مالك بن وُهيب بن عبد مناف بن زُهرة بن كلاب الزهريّ، أبو إسحاق، مات - رضي اللَّه تعالى عنه - بالعقيق سنة (٥٥) تقدّم في ٩٦/ ١٠٢١. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم موثّقون. (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ، والابن عن أبيه. (ومنها): أن صحابيّه أحد العشرة المبشَرين بالجنة، وهو آخر من مات منهم - رضي اللَّه تعالى عنهم -، وأول من رمى بسهم في سبيل اللَّه تعالى. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ مُصعَبِ بْنِ سَعْدٍ) -رحمه اللَّه تعالى- (عَنْ أَبِيهِ) سعد بن أبي وقّاص - رضي اللَّه تعالى عنه -، أنه (قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ فَتْحِ مَكَّةَ) "كان هنا تامّة، ولذا اكتفت بمرفوعها، أي لَمّا وقع يوم فتح مكة. ويحتمل أن تكون ناقصةٌ، ويقدّر لها الخبر، أي لَمّا كان يوم فتح مكة حاضرًا.

стр. 15649

وفتح مكة كان في رمضان من السنة الثامنة من الهجرة (أَمَّنَ) بتشديد الميم، من التأمين، ويحتمل أن يكون بمد الهمزة، وتخفيف الميم، أي الإيمان، يقال: آمنت الأسير بالمدّ: أعطيته الأمان، فأَمِنَ هو بالكسر (رَسُولُ اللَّهِ ﷺ النَّاسَ، إِلاَّ أَرْبَعَةَ نَفَرٍ) قال الفيّوميّ: -النفر بفتحتين-: جماعة الرجال، من ثلاثة إلى عشرة، وقيل: إلى سبعة، ولا يُقال: نفرٌ فيما زاد على العشرة. انتهى (وَامْرَأَتَيْنِ، وقال: (اقْتُلُوهُمْ) أي المذكورين من النفر الأربعة، والمرأتين، أعاد ضمير جمع الذكور عليهم تغليبًا للذكور (وَإِنْ وَجَدْتُمُوهُم، مُتَعَلِّقِينَ بِأَسْتَارِ الْكَعبَةِ"، عِكْرِمةُ بْنُ أَبِي جَهْلٍ) يجوز نصبه بدلًا من "أربعة"، ورفعه خبر لمحذوف: أي أحد النفر الأربعة عكرمة بن أبي جهل عمرو بن هشام بن المغيرة بن عبد اللَّه بن عُمَر بن مَخْزُوم القرشيّ المخزوميّ، كان كأبيه من أشدّ الناس على رسول اللَّه - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم -، ثم أسلم عام الفتح، وخرج إلى المدينة، ثم إلى قتال أهل الرّدّة، ووجّهه أبو بكر الصّدّيق إلى جيش نَعْمان، فظهر عليهم، ثم إلى اليمن، ثم رجع، فخرج إلى الجهاد عام وفاته، فاستُشهد. وذكر الطبريّ أن النبيّ - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم - استعمله على صدقات هوازن، عام وفاته، وأنه قُتل بأجنادين. وكذا قال الجمهور حتى قال الواقديّ: لا اختلاف بين أصحابنا في ذلك. وقال ابن إسحاق، والزبير بن بكّار: قُتِل يوم الْيَرْمُوك في خلافة عمر. وروى سيف في "الفتوح" بسند له، أنّ عكرمة نادى من يبايع على الموت؟ فبايعه عمّه الحارث، وضِرَار بن الأزور في أربعمائة من المسلمين، وكان أميرًا على بعض الكراديس (١)، وذلك سنة خمس عشرة في خلافة عمر، فقُتلوا كلّهم إلا ضرارًا. وقيل: قُتل يوم مرج الصُّفَّر (٢)، وذلك سنة ثلاث عشرة في خلافة أبي بكر - رضي اللَّه تعالى عنه -. (وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ خَطَلٍ) وقد تقدّمت قصّة قتله في "كتاب الحجّ" في ١٠٧/ ٢٨٦٨ - "باب دخول مكة بغير إحرام"، فراجعها تستفد، واللَّه تعالى وليّ التوفيق (وَمَقِيسُ بْنُ صُبَابَةَ) بالصاد المهملة، وموحّدتين، بينهما ألف، هذا هو المشهور، وضبطه المجد في "القاموس" بالحاء المهملة بدل الصاد، ونصّه، مع شرحه: و"مِقيس" -كمِنبر- ابن حُبَابة بالضمّ، من بني كلب بن عوف من الدِّيل، وهو أحد الأربعة الذين لو يؤمّنهم النبيّ - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم - يوم فتح مكّة. وذكر الجوهريّ مقيص بالصاد، وهو بالسين. انتهى (٣).

стр. 15650

(وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعْدِ بْنِ أَبِي السَّرْحِ) بن الحارث بن حُبيّب بالمهملة، مصغّرًا- ابن حُذافة بن مالك بن حِسل بن عامر بن لؤيّ القرشيّ العامريّ، يكنى أبا يحيى، وكان أخا عثمان بن عفّان - رضي اللَّه تعالى عنه - من الرضاعة، وكانت أمه أشعريّة. وقال ابن يونس: شهد فتح مصر، واختطّ بها، وكان صاحب الميمنة في الحرب مع عمرو بن العاص في فتح مصر، وله مواقف محمودةٌ في الفتوح، وأقرّه عثمان على مصر، ولما وقعت الفتنة سكن عسقلان، ولم يُبايع لأحد، ومات بها سنة ستّ وثلاثين. وقيل: كان قد سار من مصر إلى عثمان، واستخلف السائب بن هشام بن عمير، فبلغه قتله، فرجع، فغلب على مصر محمد بن أبي حذيفة، فمنعه من دخولها، فمضى إلى عسقلان، وقيل: إلى الرملة، وقيل: بل شهد صفّين، وعاش إلى سنة سبع وخمسين. وذكره ابن سعد في تسمية من نزل مصر من الصحابة، وهو الذي افتتح إفريقية زمن عثمان، وولي مصر بعد ذلك، وكانت ولايته مصر سنة خمس وعشرين، وكان فتح إفريقية من أعظم الفتوح، بلغ سهم الفارس فيه ثلاثة آلاف دينار، وذلك سنة ثمان، وأما الأساود، فكان فتحها سنة إحدى وثلاثين بالنوبة، وهو هادنهم الهُدنة الباقية بعده. وقال خليفة: وفي سنة سبع وعشرين عُزل عمرو عن مصر، وولي عبد اللَّه بن سعد، فغزا إفريقية، ومعه العبادلة، وأرّخ الليث عَزل عمرو سنة خمس وعشرين، وغَزَاةَ إفريقية سنة سبع وعشرين، وغزاة الأساود سنة إحدى وثلاثين، وذات الصواري سنة أربع وثلاثين. وقال ابن الْبَرقيّ في "تاريخه": حدثنا أبو صالح، عن الليث، قال: كان ابن أبي سرح على الصعيد في زمن عمر، ثمّ ضمّ إليه عثمان مصر كلّها، وكان محمودًا في ولايته، وغزا ثلاث غَزَوات: إفريقية، وذات الصواري، والأساود. وروى البغويّ بإسناد صحيح، عن يزيد بن أبي حبيب، قال: خرج ابن أبي سرح إلى الرملة، فلما كان عند الصبح، قال: اللَّهم اجعل آخر عملي الصبح، فتوضّأ، ثم صلّى، فسلّم عن يمينه، ثم ذهب يُسلّم عن يساره، فقبض اللَّه روحه، يرحمه اللَّه. وذكره البخاريّ من هذا الوجه. وأخرج السّرّاج عن عبد العزيز بن عمران، قال: مات ابن أبي سرح سنة تسع وخمسين في آخر عهد معاوية - رضي اللَّه تعالى عنهما -. ذكره في "الإصابة" (١). (فَأَمَّا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ خَطَلٍ، فأُدْرِكَ) بالبناء للمفعول (وَهُوَ مُتَعَلِّقٌ بِأَسْتَارِ الكعبةِ، فاسْتَبَقَ إِلَيْهِ سَعِيدُ بْنُ حُرَيْثٍ) بن عمرو بن عثمان بن عبد اللَّه بن عُمر بن مخزوم القرشيّ المخزوميّ، له صحبةٌ. قال الواقديّ: يقولون: إنه شَهِد فتح مكة، وهو ابن (١٥) سنة.

стр. 15651

مات بالكوفة. وهو أخو عمرو، وكان أسنّ منه. وقال الزبير بن بكّار: قُتل بظهر الحِيرة (وَعمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ) بن عامر بن مالك الْعَنْسيّ، مولى بني مخزوم، أبو الْيقْظان الصحابيّ المشهور، من السابقين الأولين، بدريّ قُتل بصفّين مع عليّ - رضي اللَّه تعالى عنهما - سنة (٣٧)، وتقدّمت ترجمته في ١٩٥/ ٣١٢ (فَسَبَقَ سَعِيدٌ عَمَّارًا، وَكَانَ أَشَبَّ الرَّجُلَيْنِ) أي أحدثهما سنًّا، وأجلدهما، وأقواهما؛ لكونه في أوائل شبابه (فَقَتَلَهُ) وقيل: إن الذي قتله هو أبو برزة الأسلميّ، وقيل: قتله سعيد بن ذؤيب، وقيل: قتله الزبير بن العوّام، وتقدّم كلّ هذا في "كتاب الحجّ" في ١٠٧/ ٢٨٦٨ - "باب دخول مكة بغير إحرام". (وَأَمَّا مَقِيسُ بْنُ صُبَابَةَ، فَأَدْرَكَهُ النَّاسُ فِي السُّوقِ) أي سوق مكة (فَقَتَلُوهُ، وَأَمَّا عِكْرِمةُ) بن أبي جهل (فَرَكِبَ الْبَحْرَ، فَأَصَابَتْهُمْ عَاصِفٌ) أي ريح شديدة، يقال: عصفت الريح عَصفًا، من باب ضرب، وعُصُوفًا: اشتدّت، فهي عاصفٌ، وعاصفةٌ، وجمع الأولى عَوَاصف، والثانية عاصفات، ويقال: أعصفت، ويقال: أعصفت بالهمزة أيضًا، فهي مُعصفةٌ، ويُسند الفعل إلى اليوم والليلة؛ لوقوعه فيهما، فيقال: يومٌ عاصفٌ، كما يقال: باردٌ؛ لوقوع البرد فيه. قاله الفيّوميّ (فَقَالَ أَصْحَابُ السَّفِينَةِ: أَخْلِصُوا) توحيدكم للَّه تعالى (فإِنَّ آلِهَتَكُمْ، لَا تُغْنِي عَنْكُمْ شَيْئًا هَاهُنَا) أي في هذا الموضع الذي ماج فيه البحر، واضطرب، وكادت تغرق فيه السفينة، فلا منجي إلا اللَّه تعالى (فَقَالَ عِكْرِمَةُ: واللَّهِ لَئِنْ لَمْ يُنَجِّنِي) بتشديد الجيم، من التنجية، أو تخفيفها، من الإنجاء (مِنْ الْبَحْرِ، إِلاَّ الإخْلَاصُ) أي إخلاص التوحيد للَّه (لا يُنَجِّيني فِي الْبَرِّ غَيْرُهُ) أي لأن البرّ والبحر في تصرّفه وحده لا شريك له (اللَّهُمَّ إِنَّ لَكَ عَلَيَّ عَهْدًا) أي ميثاقًا (إِنَّ أَنْتَ عَافَيْتَني) أي خلّصتني، وأخرجتني (مِمَّا أَنَا فِيهِ) من شدّة الخوف من الغرق (أَنْ آتِيَ مُحَمَّدًا ﷺ ،) "أَنْ" بفتح الهمزة، مصدريّة، والفعل في تأويل المصدر مجرور بحرف محذوف قياسًا: أي بإتيان محمد - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم - (حَتَّى أَضَعَ يَدِي فِي يَدِهِ) كناية عن مبايعته على الإسلام (فَلأَجِدَنَّهُ عَفُوًّا كَرِيمًا) يريد أن يؤكّد لنفسه ما عزمت به من الإتيان إليه - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم - بأن خلُقه - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم - العفو، والصفح، والكرم، فمن كان مجبولًا على هذا الأخلاق الكريمة يحقّ لمن عاداه أن يأتي إليه تائبًا، وينال من كرمه العظيم العميم (فَجَاءَ، فَأَسْلَمَ) فأبلى في الإسلام بلاء حسنًا، حتى استُشهد في خلافة عمر، وقيل: في خلافة أبي بكر - رضي اللَّه تعالى عنهم -. (وَأَمَّا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعْدِ بْنِ أَبِي السَّرْحِ، فَإنَّهُ اخْتَبَأَ) بالهمز: أي اختفى، واستتر خوفًا من القتل (عِنْدَ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ) لأنه أخوه من الرضاعة، كما سبق (فَلَمَّا دَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، النّاسَ إِلَى البَيْعَةِ) بعد أن استقرّ الحال في مكة، وقُتل من قُتل ممن أمر النبيّ - صلى

стр. 15652

اللَّه تعالى عليه وسلم - بقتله (جَاءَ بِهِ) أي جاء عثمان بعبد اللَّه بن أبي سرح (حَتَّى أَوْقَفَهُ عَلَى النَّبيِّ ﷺ ، قال) عثمان (يَا رَسُولَ اللَّهِ، بَايعْ عَبْدَ اللَّهِ) أي ابن أبي سرح (قَالَ فَرَفَعَ) - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم - (رَأْسَهُ، فَنَظَرَ إِلَيْهِ ثَلَاثًا) أي فعل ذلك ثلاث مرّات (كُلَّ ذَلِكَ) منصوب على الظرفية، متعلّق بـ (يَأْبَي) أي يمتنع النبيّ - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم - في كلّ مرّة من المرّات الثلاث أن يبايع ابن أبي سرح؛ لعظم جريمته؛ لأنه كان كاتب الوحي، فسيأتي للمصنّف في الباب التالي، عن ابن عبّاس - رضي اللَّه تعالى عنهما -، أن عبد اللَّه بن سعد بن أبي سرح، كان يكتب لرسول اللَّه - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم -، فأزلّه الشيطان، فلحق بالكفّار الحديث. وذكر ابن عبد البرّ -رحمه اللَّه تعالى- في "الاستيعاب" أنه أسلم قبل الفتح، وهاجر، وكان يكتب الوحي لرسول اللَّه - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم -، ثم ارتدّ مشركًا، وصار إلى قريش بمكة، فقال لهم: إني كنت أصرّف محمدًا حيث أريد، كان يُملي عليّ: "عزيز حكيم"، فأقول: أو عليم حكيم، فيقول: نعم، كلٌّ صواب، فلما كان يوم الفتح أمر رسول اللَّه - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم - بقتله" (١) (فَبَايَعَهُ) - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم - (بَعْدَ ثَلاثٍ) أي بعد مرّات، لا بعد ثلاث ليال (ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى أَصْحَابِهِ، فَقَالَ: "أَمَا) بفتح الهمزة، وتخفيف الميم-: أداة استفتاح، وتنبيه، مثلُ "ألا" (كَانَ فِيكُم رَجُلٌ رَشِيدٌ) الرُّشدُ: الصلاح، وهو خلاف الغَيّ والضلال، وهو إصابة الصواب، يقال: رشِد رَشَدًا، من باب تَعِبَ، ورَشَدَ يَرْشُدُ، من باب قتل، فهو راشدٌ، والاسم الرَّشَاد، ويتعدّى بالهمز. قاله الفيّوميّ. والمعنى هنا: رجلٌ فطنٌ لصواب الحكم (يقُومُ إِلَى هَذَا، حَيْثُ رَآنِي كَفَفْتُ) من باب نصر: أي منعت (يَدِي عَنْ بَيْعَتِهِ، فَيَقْتُلُهُ؟ ") فيه أنه إنما أمهله، وامتنع ثلاث مرّات لأجل ذلك، فقد أخرج ابن سعد عن ابن المسيّب، قال: كان رجل من الأنصار نذر إن رأى ابن أبي سَرْح أن يقتله. (فَقَالُوا: وَمَا يُدْرِينَا، يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا فِي نَفْسِكَ، هَلَّا أَوْمَأْتَ إِلَيْنَا بِعَيْنِكَ؟) أي أشرت إلينا بأن نقتله (قال: "إِنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِنَبِيٍّ، أَنْ يَكُونَ لَهُ خَائِنَةُ أَعْيُنٍ) أي أن يُضمر في نفسه غير ما يُظهره للناس، فإن كفّ لسانه، وأومأ بعينه إلى ذلك، فقد خان، ولكون ظهور تلك الخيانة من قِبَل العين سُمّيت خائنة الأعين، ومنه قوله تعالى: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ﴾ [غافر: ١٩]: أي ما يخونون فيه من مسارقة النظر إلى ما لا يحلّ، والخائنة

стр. 15653

بمعنى الخِيانة، وهي من المصادر التي جاءت على لفظ الفاعل، كالعافية. أفاده ابن الأثير. (١). وقال الفيّوميّ: خائنة الأعين: قيل: هي كسر الطَّرْف بالإشارة الخفيّة. وقيل: هي النظرة الثانية عن تعمّد، وفرّقوا بين الخائن، والسارق، والغاصب، بأن الخائن هو الذي خان ما جُعل عليه أمينًا، والسارق من أخذ خُفيةً من موضع كان ممنوعًا من الوصول إليه، وربّما قيل: كلُّ سارق خائنٌ، دون عكس، والغاصب من أخذ جهارًا، معتمِدًا على قوّته. انتهى (٢). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث سعد بن أبي وقّاص - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا صحيح. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-١٤/ ٤٠٦٩ - وفي "الكبرى" ١٤/ ٣٥٣٠. وأخرجه (د) في "الجهاد" ٢٦٨٣ و ٤٣٥٩. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان حكم المرتدّ، وهو وجوب قتله. (ومنها): جواز إقامة الحدّ في الحرم، وقد تقدّم اختلاف العلماء في ذلك في "كتاب الحجّ". (ومنها): أن إخلاص التوحيد، والالتجاء إلى اللَّه تعالى هو الذي ينجي العبد من مكاره الدنيا والآخرة. (ومنها): بيان ما كان عليه النبيّ - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم - من مكارم الأخلاق، من العفو، والصفح، والكرم، حتى شهد له بذلك أعداؤه، فهذا عكرمة من أشدّ أعدائه له بعد أبيه أبي جهل، فقد وصفه بقوله: فلأجدنّه عفُوًّا كريمًا، وهذا مصداق قوله : ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤]، وقوله: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨]، وقد قال اللَّه تعالى له: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٩]، فكان كما أمره اللَّه تعالى به، وقال - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم -: "بُعثت لأتمّم صالح الأخلاق". رواه أحمد في "مسنده" بإسناد صحيح.

стр. 15654

(ومنها): تأنّيه - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم - في مبايعته عبد اللَّه بن سعد؛ لشدّة جريمته، كما سبق بيانها، فأراد أن ينفّذ عليه القتل، إلا أن اللَّه تعالى أراد له الخير، فبايعه. (ومنها): جواز العمل بالقرائن القويّة؛ لأنه - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم - لامهم على عدم قتله مع قيام القرينة القويّة على حلّ قتله، حيث أعلن بإهدار دمه سابقًا، ثم لما شفع له أخوه عثمان - رضي اللَّه تعالى عنه -، أمهل الصحابة ثلاث مرّات لعلهم ينتبهون لإشارته بسكوته أن يقتلوه. (ومنها): أدب الصحابة - رضي اللَّه تعالى عنهم -، حيث أمسكوا عن قتله؛ تأدّبًا معه - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم - حتى يأذن لهم صريحًا؛ عملا بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ الآية [الحجرات: ١]. (ومنها): أن فيه: أَنَّ التوبة من الكفر في حياته - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم - كانت موقوفة على رضاه - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم -، وأن الذي ارتدّ، وآذاه - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم - إذا آمن سقط قتله، وهذا ربّما يؤيّد القول أن قتل سابّ النبيّ - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم - للارتداد، لا للحدّ. قاله السنديّ -رحمه اللَّه تعالى-. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: سيأتي بيان الاختلاف في حكم من سبّ النبيّ - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم - بعد باب، إن شاء اللَّه تعالى. (ومنها): أن شأن الأنبياء أرفع، وأنبل من أن يعاملوا أممهم معاملة الملوك والأمراء، وسائر الناس، حيث تكون لهم خائنة الأعين، ويعاملون الناس بالطرق الخفيّة التي لا يهتدي إليها إلا بعض الحذّاق، والنبهاء. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". … قال الجامع الفقير إلى مولاه الغنيّ القدير، محمد ابن الشيخ عليّ بن آدم بن موسى الإِتيُوبيّ الولّويّ، نزيل مكة المكرّمة، - عفا اللَّه تعالى عنه - وعن والديه ومشايخه آمين: قد انتهيت من كتابة الجزء الحادي والثلاثين من شرح سنن الإمام الحافظ الحجة أبي عبد الرحمن النسائيّ -رحمه اللَّه تعالى-، المسمّى "ذخيرةَ العُقْبَى في شرح المجتبى"، أو "غاية المنى في شرح المجتنى". وذلك بحيّ الزهراء، مخطّط الأمير طلال، في مكة المكرمة زادها اللَّه تعالى تشريفًا وتعظيمًا، وجعلني من خيار أهلها حيًّا وميتًا، وأَعْظِمْ به تكريمًا. وأخر دعوانا ﴿أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.

стр. 15655

﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾. ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. "اللهم صلّ عليّ محمد، وعلى آل محمد، كما صلّيت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد. اللهم بارك على محمد، وعلى آل محمد، كما باركت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد". "السلام عليك أيها النبيّ، ورحمة اللَّه، وبركاته". ويليه -إن شاء اللَّه تعالى- الجزء الثاني والثلاثون مفتتحًا بالباب ١٥ "توبة المرتد" الحديث رقم ٤٠٧٠. "سبحانك اللهمّ، وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك، وأتوب إليك".

стр. 15656

شرح سنن النسائي المسمَّى ذخيرة العقبى في شرح المجتبى لجامعه الفقير إلى مولاه الغني القدير محمد ابن الشيخ العلامة علي بن آدم بن موسى الأيتوبي الوَلَّوي المدرس بدار الحديث الخيرية بمكة المكرمة عفا اللَّه عنه وعن والديه آمين الجزء الحادي والثلاثون دار آل بروم للنشر والتوزيع

стр. 15657

جميع الحقوق محفوظة الطبعة الأولى ١٤٢٤هـ - ٢٠٠٣م دار آل بروم للنشر والتوزيع المملكة العربية السعودية - مكة المكرمة - المكتب الرئيسي التنعيم ص ب: ٤١٤٥ - (تلفاكس ٥٢١١٥٧٦ - جوّال ٠٥٥٥٤١٠٢٦)

стр. 15658

شرح سنن النسائي

стр. 15659

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 15660

١٥ - (تَوْبَةُ الْمُرْتَدِّ) ٤٠٧٠ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَزِيعٍ. قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ -وَهُوَ ابْنُ زُرَيْعٍ- قَالَ: أَنْبَأَنَا دَاوُدُ, عَنْ عِكْرِمَةَ, عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ, قَالَ: كَانَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ أَسْلَمَ, ثُمَّ ارْتَدَّ, وَلَحِقَ بِالشِّرْكِ, ثُمَّ تَنَدَّمَ, فَأَرْسَلَ إِلَى قَوْمِهِ, سَلُوا لِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , هَلْ لِي مِنْ تَوْبَةٍ؟ , فَجَاءَ قَوْمُهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , فَقَالُوا: إِنَّ فُلَانًا قَدْ نَدِمَ, وَإِنَّهُ أَمَرَنَا أَنْ نَسْأَلَكَ, هَلْ لَهُ مِنْ تَوْبَةٍ؟ , فَنَزَلَتْ: ﴿كَيْفَ يَهْدِى اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾». فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ, فَأَسْلَمَ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (محمد بن عبد اللَّه بن بَزيع) بفتح الباء الموحّدة، وكسر الزاي، آخره عين مهملة- البصريّ، ثقة [١٠] ٤٣/ ٥٨٨. ٢ - (يزيد بن زُريع) أبو معاوية البصريّ، ثقة ثبت [٨] ٥/ ٥. ٣ - (داود) بن أبي هند القشيريّ مولاهم البصريّ، ثقة متقنٌ، كان يهم بآخره [٥] ٢١/ ٥٣٨. ٤ - (عكرمة) مولى ابن عبّاس، أبو عبد اللَّه المدنيّ، ثقة ثبت فقيه [٣] ٢/ ٣٢٥. ٥ - (ابن عبّاس) عبد اللَّه البحر - رضي اللَّه تعالى عنهما - ٢٧/ ٣١. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ: داود، عن عكرمة. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ) - رضي اللَّه تعالى عنهما -، أنه (قَالَ: كان رَجُلٌ مِنْ الأَنْصَارِ) هو الحارث ابن سُويد الأنصاريّ، فقد أخرج الإمام ابن جرير في "تفسيره" بسنده عن مجاهد، قال: جاء الحارث بن سُويد، فأسلم مع النبيّ - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم -، ثم كفر الحارث، فرجع إلى قومه، فأنزل اللَّه فيه القرآن: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ﴾ إلى قوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [آل عمران: ٨٦ - ٨٩]، قال: فحملها إليه رجلٌ من قومه، فقرأها عليه، فقال الحارث: إنك واللَّه ما علمتُ

стр. 15661

لصدُوقٌ، وإن رسول اللَّه - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم - لأصدق منك، وإن اللَّه لأصدق الثلاثة، قال: فرجع الحارث، فأسلم، فحسُن إسلامه. وأخرج أيضًا بسنده عن السّدّيّ: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ﴾ [آل عمران: ٨٦]، قال: أُنزلت في الحارث بن سُويد الأنصاريّ، كفر بعد إيمانه، فأنزل اللَّه فيه هذه الآيات إلى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾ [آل عمران: ٨٨]، ثم تاب، وأسلم، فنسخها اللَّه عنه، فقال: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [آل عمران: ٨٩]. وأخرج أيضًا عن ابن جُريج، عن مجاهد، قال: هو رجلٌ من بني عمرو بن عوف، كفر بعد إيمانه، قال ابن جريج: أخبرني عبد اللَّه بن كثير، عن مجاهد، قال: لحق بأرض الروم، فتنصّر، ثم كتب إلى قومه: "أرسلوا، هل لي من توبة؟ "، قال: فحسبت أنه آمن، ثم رجع. قال ابن جريج، قال عكرمة: نزلت في أبي عامر الراهب، والحارث بن سُويد بن الصامت، ووَحْوَح بن الأسلت، في اثني عشر رجلًا، رجعوا عن الإسلام، ولحقوا بقريش، ثم كتبوا إلى أهلهم: هل لنا من توبة؟، فنزلت: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾ الآيات [آل عمران: ٨٩]. (أَسْلَمَ، ثُمَّ ارْتَدَّ) أي رجع عن الإسلام إلى الكفر نعوذ باللَّه تعالى منه- (وَلَحِقَ بِالشِّرْكِ) أي بأهله (ثُمَّ تَنَدَّمَ) أي ندم على ارتداده، والتندّم تفعّل من الندم للمبالغة (فأرسل إِلى قومِهِ) قائلًا (سَلُوا لِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، هَلْ لِي مِنْ تَوْبَةٍ؟، فَجَاءَ قَوْمُهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالُوا: إِنَّ فُلانًا قَدْ نَدِمَ) بكسر الدال، من باب تَعِبَ (وَإِنَّهُ أَمَرَنَا أَنْ نَسأَلَكَ، هَلْ لَهُ مِنْ تَوْبَةِ؟، فَنَزَلَتْ: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ﴾ إِلى قَوْلِهِ: ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [آل عمران: ٨٦ - ٨٩]، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ، فَأَسْلَمَ). وقيل: نزلت هذه الآية في أهل الكتاب، فقد أخرج ابن جرير بإسناده عن ابن عبّاس - رضي اللَّه تعالى عنهما -، قال: هم أهل الكتاب عرفوا محمد - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم -، ثم كفروا به. وأخرج عن الحسن قال: هم أهل الكتاب من اليهود والنصارى، رأوا نعت محمد - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم - في كتابهم، وأقرّوا به، وشهدوا أنه حقّ، فلما بعث من غيرهم حسدوا العرب على ذلك، فأنكروه، وكفروا بعد إقرارهم؛ حسدًا للعرب، حين بُعث من غيرهم. وعنه قال: هم أهل الكتاب، كانوا يجدون محمدًا - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم - في كتابهم، ويستفتحون به، فكفروا بعد إيمانهم. قال ابن جرير بعد ذكر القولين: وأشبه القولين بظاهر التنزيل ما قال الحسن، من أن هذه الآية معنيٌّ بها أهلُ الكتاب على ما قال، غير أن الأخبار بالقول الآخر أكثر، والقائلين به أعلم بتأويل القرآن، وجائز أن يكون اللَّه أنزل هذه الآيات بسبب القوم الذين ذُكر أنهم كانوا ارتدّوا عن الإسلام، فجمع قصّتهم، وقصّة من كان سبيله

стр. 15662

سبيلَهم في ارتداده عن الإيمان بمحمد - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم - في هذه الآيات، ثم عرّف عباده سنّته فيهم، فيكون داخلًا في ذلك كلُّ من كان مؤمنًا بمحمد - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم - قبل أن يُبعَث، ثم كفر به بعد أن يُبعث، وكلّ من كان كافرًا، ثم أسلم على عهده - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم -، ثم ارتدّ، وهو حيّ عن إسلامه، فيكون معنيًّا بالآية جميعُ هذين الصنفين، وغيرهما ممن كان بمثل معناهما، بل ذلك كذلك إن شاء اللَّه. فتأويل الآية إذًا: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ﴾ [آل عمران: ٨٦ - ٨٩] يعني كيف يرشد اللَّه للصواب، ويوفّق للإيمان قومًا جحدوا نبوّة محمد - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم - ﴿بَعْدَ إِيمَانِهِمْ﴾ أي بعد تصديقهم إياه، وإقرارهم بما جاءهم به من عند ربّه ﴿وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ﴾ يقول: وبعد أن أقرّوا أن محمدًا رسول اللَّه - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم - إلى خلقه حقًا ﴿وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ يعني وجاءهم الْحُجَج من عند اللَّه، والدلائل بصحّة ذلك؟ ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ يقول: واللَّه لا يوفّق للحقّ، والصواب الجماعة الظَّلَمة، وهم الذين بدّلوا الحقّ إلى الباطل، فاختاروا الكفر على الإيمان. ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ يعني هؤلاء الذين كفروا بعد إيمانهم، وبعد أن شهدوا أن الرسول حقّ ﴿جَزَاؤُهُمْ﴾ ثوابهم من عملهم الذي عملوه ﴿أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ﴾ يعني أن يحلّ بهم من اللَّه الإقصاء والبعد، ومن الملائكة، والناس الدعاء بما يسوؤهم من العقاب ﴿أَجْمَعِينَ﴾ يعني من جميعهم، لا من بعض من سمّاه جلّ ثناؤه من الملائكة، والناس، ولكن من جميعهم، وإنما جعل ذلك جلّ ثناؤه ثواب عملهم؛ لأن عملهم كان باللَّه كفرًا. ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ يعني ماكثين فيها يعني في عقوبة اللَّه ﴿لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ﴾: لا يُنقصون من العذاب شيئًا في حال من الأحوال، ولا يُنفّسون فيه ﴿وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾: يعني: ولا هم يُنظرون لمعذرة يعتذرون، وذلك كلّه عين الخلود في العقوبة في الآخرة. ثم استثنى جلّ ثناؤه الذين تابوا من هؤلاء الذين كفروا بعد إيمانهم، فقال تعالى ذكرُهُ: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا﴾ يعني: إلا الذين تابوا من بعد ارتدادهم عن إيمانهم، فراجعوا الإيمان باللَّه، وبرسوله، وصدّقوا بما جاءهم به نبيّهم - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم - من عند ربّهم، ﴿وَأَصْلَحُوا﴾ يعني: وعملوا الصالحات من الأعمال ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ يعني: فإن اللَّه لمن فَعَلَ ذلك بعد كفره "غفورٌ" يعني ساتر عليه ذنبه الذي كان منه من الردّة، فتاركٌ عقوبته عليه، وفضيحته به يوم القيامة، غير مؤاخذه به إذا مات على التوبة منه "رحيم" متعطّفٌ عليه بالرحمة. انتهى كلام ابن جرير -رحمه اللَّه تعالى-. انتهى (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.

стр. 15663

مسائل تتعلّق بهدا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث ابن عبّاس - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا صحيح. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-١٥/ ٤٠٧٠ - وفي "الكبرى" ١٥/ ٣٥٣١. وأخرجه (د) في "الجهاد" ٢٦٨٣ و ٤٣٥٩. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان حكم توبة المرتدّ، وهو القبول. (ومنها): بيان سبب نزول هذه الآيات الكريمات. (ومنها): أن الرّدّة تُبطل الأعمال الصالحة. (ومنها): أن التوبة النصوح تمحو ما قبلها من الذنوب أيًّا كان نوعه. (ومنها): بيان سعة فضل اللَّه تعالى، ووافر كرمه، حيث يَقبَل من أعرض عنه، إذا تاب إليه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في استتابة المرتد: قَالَ ابْن بَطَّال: اخْتُلِفَ فِي اسْتِتَابَة الْمُرْتَدّ، فَقِيلَ: يُسْتَتَاب، فَإِنَّ تَابَ، وَإلَّا قُتِلَ، وَهُوَ قَوْل الْجُمْهُور. وَقِيلَ: يَجِب قَتْله فِي الحَال، جَاءَ ذَلِكَ عَنْ الحَسَنُ، وَطَاوُس، وبِهِ قَالَ أَهْل الظَّاهِر. وَنَقَلَهُ ابْن الْمُنْذِر عَنْ مَعَاذ، وَعُبَيْد بْن عُمَيْر، قال الحافظ: وَعَلَيْهِ يدُلّ تَصَرُّف الْبُخَارِيّ، فإِنَّهُ اسْتَظْهَرَ بِالآيَاتِ الَّتِي لَا ذِكْر فِيهَا لِلِاسْتِتَابةِ، وَالَّتِى فِيهَا أَنَّ التَّوْبَة لَا تَنْفَع، وَبِعُمُوم قَوْله ﷺ : "مَنْ بَدَّلَ دِينه فَاقْتُلُوهُ"، وبِقِصّةِ مَعَاذ الَّتِي بَعْدهَا (١)، وَلَمْ يَذْكُر غَيْر ذَلِكَ. قَالَ الطحاوِيُّ: ذَهَبَ هَؤُلَاءِ إِلَى أنَّ حُكْم مَنْ ارتَدَّ عَنْ الإسْلَام، حُكْم الْحَرْبِيّ الَّذِي بَلَغَتْهُ الدَّعْوَة، فَإِنَّهُ يُقَاتَل مِنْ قَبْل أَنْ يُدْعَى، قَالُوا: وَإنَّمَا تُشْرَع الاسْتِتَابَة لِمَنْ خَرَجَ عَنْ الإسْلَام، لا عَنْ بَصِيرَة، فَأَمَّا مَنْ خَرَجَ عَنْ بَصِيرَة فَلا. ثُمَّ نَقَلَ عَنْ أَبِي يُوسُف مُوافَقَتهمْ، لَكِنْ قَالَ: إِنْ جَاءَ مُبَادِرًا بالتَّوْبةِ، خَلَّيْتُ سَبِيله، وَوَكَلْتُ أَمْره إِلَى اللَّه تَعَالَى. وَعَنْ ابْن عَبَّاس، وَعَطَاء: إنْ كَانَ أَصْله مُسْلِمًا لَمْ يُسْتَتَتْ، وَإِلَّا اسْتُتِيبَ. وَاسْتَدَلَّ ابْن الْقَصَّار لِقَوْلِ الْجُمْهُور بِالإجْمَاعِ -يَعْنِي السُّكُوتِيّ- لِأَنَّ عُمَر كَتَبَ فِي أَمْر الْمُرْتَدِّ: "هَلّا حَبَسْتُمُوهُ ثَلاثَة أيَّام، وَأَطْعَمْتُمُوهُ فِي كُلّ يَوْم رَغِيفًا، لَعَلَّهُ يَتُوب، فَيَتُوب اللَّه عَلَيْهِ؟ "، قَالَ: وَلَمْ يُنْكِر ذَلِكَ أَحَد مِنْ الصَّحَابَة، كَأَنَّهُم فَهِمُوا مِنْ قَوْله ﷺ : "مَنْ بَدَّلَ دِينه فَاقْتُلُوهُ"، أَيْ إِنَّ لَمْ يَرْجِع، وَقْدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ

стр. 15664

فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ٥]. وَاخْتَلَفَ الْقَائِلُون بِالاسْتِتَابةِ، هَلْ يُكْتَفَى بِالْمَرَّةِ، أَوْ لَا بُدّ من ثَلَاث؟، وَهَل الثَّلَاث فِي مَجْلِس، أَوْ فِي يَوْم، أَوْ فِي ثَلَاثَة أَيَّام؟، وَعَنْ عَلِيّ: يُسْتَتَاب شَهْرًا، وَعَنْ النَّخَعِيِّ: يُسْتَتَاب أَبَدًا، كَذَا نُقِلَ عَنْهُ مُطْلَقًا، وَالتَّحْقِيق أَنَّهُ فِيمَنْ تَكَرَّرَتْ مِنْهُ الرِّدَّة. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الأرجح عندي قول الجمهور بأن المرتدّ يستتاب؛ لوضوح أدلّته. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في استتابة الزنديق: ذهب بعضهم إلى قتل الزِّنْدِيق، مِن غير استِتابة، مستدلًا بحديث عليّ - رضي اللَّه تعالى عنه - المتقدّم في الباب الماضي. وتُعُقِّب بِأَنَّ فِي بَعْض طُرُقه: أَنَّ عَليًّا اسْتَتَابَهُمْ، وَقَدْ نَصَّ الشَّافِعِي عَلَى الْقَبُول مُطْلَقًا، وَقَالَ: يُسْتَتَاب الزِّنْدِيق، كَمَا يُسْتَتَاب الْمُرْتَدِّ، وَعَنْ أَحْمَدَ، وَأَبِي حَنِيفَة، رِوَايَتَانِ: إِحْدَاهُمَا: لَا يُسْتَتَاب، وَالأُخْرَى إِنْ تَكَرَّرَ مِنْهُ، لَمْ تُقْبَل تَوْبَته، وَهُوَ قَوْل اللَّيْث، وَإسْحَاق، وحُكِيَ عَنْ أَبِي إِسْحَاق الْمَرْوَزِيِّ، مِنْ أَئِمَّة الشَّافِعِيَّة، وَلَا يَثْبُت عَنْهُ، بَلْ قِيلَ: إِنَّهُ تَحْرِيف مِنْ إِسْحَاق بْن رَاهْوَيْه، وَالأَوَّل هُوَ المَشْهُور عِنْد الْمَالِكِيَّة، وحُكي عَنْ مَالِك: إِنْ جَاءَ تَائِبًا يُقْبَل مِنْهُ، وَإلَّا فَلا، وَبِهِ قَالَ أبُو يُوسُف، وَاخْتَارَهُ الأُسْتَاذَانِ: أَبُو إِسْحَاق الإسْفَرَايِنِيّ، وَأَبُو مَنْصُور الْبَغْدَادِيّ. وَعَنْ بَقِيَّة الشَّافِعِيَّة أَوْجُه، كَالْمَذَاهِبِ الْمَذْكُورَة، وَخَامِس يُفْصَلُ بَيْن الداعِية، فَلَا يُقْبَل مِنْهُ، وتُقْبَل تَوْبَة غَيْر الدَّاعِيَة. وَأَفْتَى ابْن الصَّلَاح بِأَنَّ الزِّنْدِيق، إِذَا تَابَ تُقْبَل تَوْبَته، ويُعَزَّر، فَإنْ عَادَ بَادَرْنَاهُ بِضَرْبِ عُنُقه، وَلَمْ يُمْهَل. وَاسْتَدَلَّ مَنْ مَنَعَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا﴾ [النور: ٥]، فَقَالَ: الزِّنْدِيق لَا يُطَّلَع عَلَى صَلَاحه؛ لِأَنَّ الْفَسَاد إِنَّمَا أَتَى مِمَّا أَسَرَّهُ، فَإِذَا اطُّلِع عَلَيْهِ، وَأَظْهَرَ الإقْلَاع عَنْهُ، لَمْ يَزِدْ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ، وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ﴾ الآية [النساء: ١٣٧]. وَأُجِيبَ: بِأَنَّ الْمُرَاد مَنْ مَاتَ مِنْهُمْ عَلَى ذَلِكَ، كَمَا فَسَّرَهُ ابْن عبّاس، فِيمَا أَخْرَجَهُ ابْن أَبِي حَاتِم وَغَيْره. وَاسْتَدَلَّ لِمالِك بِأَنَّ تَوْبَة الزِّنْدِيق لَا تُعْرَف، قَالَ: وَإنَّمَا لَمْ يَقْتُل النَّبِيّ ﷺ المُنافِقِينَ؛ لِلتَّأْليفِ، ولِأَنَّهُ لَوْ قَتَلَهُمْ لَقَتَلَهُمْ بِعِلْمِهِ، فَلَا يُؤمَن أَنْ يَقُول قَائِل: إِنَّمَا قَتَلَهُم لِمَعْنًى آخَر. وَمِنْ حُجَّة مَنْ اسْتَتَابَهُم: قَوْله تَعَالَى: ﴿اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً﴾ الآية [المجادلة: ١٦]، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ إِظْهَار الإيمَان يُحْصَّنُ مِنْ الْقَتْل، وكُلّهمْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ أَحْكَام الدُّنْيَا عَلَى الظَّاهِر، واللَّه يَتَوَلَّى السَّرَائِر، وقد قال ﷺ لِأُسَامَة: "هَلَّا شَقَقَت عَنْ قَلْبه"، وَقَالَ لِلَّذِي

стр. 15665

سَارَّهُ فِي قَتْل رَجُل: "أَلَيْس يُصَلِّي؟ "، قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: "أُولئِك الَّذِين نُهِيت عَنْ قَتْلهم". وقد جاء في بَعْض طُرُق حدِيث أبِي سعِيد الخدريّ - رضي اللَّه تعالى عنه -، أَنَّ خَالِد بْن الْوَلِيد، لَمَّا اسْتَأْذَنَ فِي قَتْل الَّذِي أَنْكَرَ الْقِسْمَة، وَقَالَ: كَمْ مِنْ مُصَلِّ، يَقُول بلِسَانِهِ، مَا لَيْسَ فِي قَلْبه؟، فَقَالَ: ﷺ : "إِنِّي لَمْ أُومَرْ، أَنْ أَنْقُبَ عَنْ قُلُوب النَّاس"، أَخْرَجَهُ مُسْلِم، والأَحَادِيث فِي ذَلِكَ كَثِيرَة. قاله في "الفتح" (١). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: عندي أن القول بأن الزنديق لا يُقتل حتى يستتاب، كالمرتدّ أرجح؛ لظهور أدلّته. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٠٧١ - (أَخْبَرَنَا زَكَرِيَّا بْنُ يَحْيَى, قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ, قَالَ: أَنْبَأَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ وَاقِدٍ, قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي, عَنْ يَزِيدَ النَّحْوِيِّ, عَنْ عِكْرِمَةَ, عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ, قَالَ: فِي سُورَةِ النَّحْلِ: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ﴾ [النحل: ١٠٦] , إِلَى قَوْلِهِ ﴿لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ , فَنُسِخَ, وَاسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ, فَقَالَ: ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل: ١١٠] , وَهُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعْدِ بْنِ أَبِي سَرْحٍ, الَّذِي كَانَ عَلَى مِصْرَ, كَانَ يَكْتُبُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ , فَأَزَلَّهُ الشَّيْطَانُ, فَلَحِقَ بِالْكُفَّارِ, فَأَمَرَ بِهِ أَنْ يُقْتَلَ يَوْمَ الْفَتْحِ, فَاسْتَجَارَ لَهُ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ, فَأَجَارَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (زكريا بن يحيى) السجزيّ، أبو عبد الرحمن نزيل دمشق المعروف بخيّاط السنّة، ثقة حافظ [١٢] ١٨٩/ ١١٦١. ٢ - (إسحاق بن إبراهيم) الحنظليّ ابن راهويه المروزيّ، ثقة ثبت [١٠] ٢/ ٢. ٣ - (عليّ بن الحسين بن واقد) المروزيّ، صدوقٌ يهم [١٠] ٥٤/ ٣٥٢٦. ٤ - (أبوه) الحسين بن واقد، أبو عبد اللَّه المروزيّ، ثقة له أوهام [٧] ٥/ ٤٦٣. ٥ - (يزيد النحويّ) ابن أبي سعيد، أبو الحسن القرشيّ مولاهم المروزيّ، ثقة عابد [٦] ٥٤/ ٣٥٢٦، والباقيان ترجما في الباب الماضي. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سباعيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه من أفراده. (ومنها): أنه مسلسل بالمراوزة. واللَّه تعالى أعلم.

стр. 15666

شرح الحديث (عَنْ ابْنِ عبّاسٍ) - رضي اللَّه تعالى عنهما -، أنه (قَالَ: فِي سُورَةِ النَّحْلِ) أي في تفسير الآية المذكورة في، "سورة النحل"، وهي قوله ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ﴾ [النحل: ١٠٦] يجوز في إعراب "من" خمسة أوجه: [الأول]: أن تكون شرطيّة مبتدأ، حذف جوابها؛ لدلالة جواب "من شرح" عليه، كأنه قيل: من كفر باللَّه من بعد إيمانه، فعليهم غضبٌ من اللَّه. [الثاني]: أن تكون بدلًا من قوله: ﴿الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ على أن يُجعل قوله: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ اعتراضًا بين البدل والمبدل منه، والمعنى: إنما يفتري الكذب من كفر باللَّه من بعد إيمانه، واستثنى منهم المكره، فدم يدخل تحت حكم الافتراء، ثم قال: ﴿وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ﴾ الآية. [الثالث]: أن تكون بدلًا من المبتدأ الذي هو: ﴿وَأُولَئِكَ﴾، أي من كفر باللَّه من بعد إيمانه هو الكاذبون. [الرابع]: أن تكون بدلًا من الخبر الذي هو ﴿الْكَاذِبُونَ﴾، أي وأولئك هم من كفر باللَّه من بعد إيمانه. [الخامس]: انتصابها على الذّمّ، أذُمّ من كفر باللَّه من بعد إيمانه. أفاده النسفيّ في "تفسيره" (١). ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ﴾ إِلى قَوْلِهِ: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ وهو قوله: ﴿وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ وقوله: ﴿وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ أي ساكنٌ به. وقوله: ﴿وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا﴾ أي طاب به نفسًا، واعتقده، قاله النسفيّ (٢). وقال القرطبيّ: أي وسّعه لقبول الكفر، ولا يقدر أحدٌ على ذلك إلا اللَّه، فهو يردّ على القدريّة، و ﴿صَدْرًا﴾ نُصب على المفعول به. وقوله ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ وهو عذاب جهنّم. انتهى (٣). (فَنسخَ) بالبناء للفاعل، أي نسخ اللَّه تعالى حكمه بأن من شرح بالكفر صدرًا له عذاب عظيم في حقّ من تاب من ذلك. وقوله (وَاسْتَثنَى مِنْ ذَلِكَ) أشار به إلى النسخ المذكور ليس على إطلاقه، بل في حقّ من تاب. والمعنى أنه أخرج من

стр. 15667

الحكم المذكور التائب (فَقَالَ) ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا﴾ أي انتقدوا من دار الكفر إلى المدينة تائبين ﴿مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا﴾ بالارتداد ﴿ثُمَّ جَاهَدُوا﴾ الكفّار مع النبيّ صلّى اللَّه تعالى عليه وسلم - ﴿وَصَبَرُوا﴾ على ما يلقونه من البأساء والضرّاء في سبيل اللَّه تعالي ﴿إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا﴾ أي من بعد هذه الخصال المذكورة، من التوبة، والهجرة، والجهاد، والصبر ﴿لَغَفُورٌ﴾ لهم بمحو ما سبق لهم من الجرائم ﴿رَحِيمٌ﴾ بهم بإدخالهم الجنّة. (وَهُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعْدِ بْنِ أَبِي سَرْحٍ) هذا الكلام من تتِمّة كلام ابن عبّاس - رضي اللَّه تعالى عنهما -، كما هو ظاهر السياق هنا، وعند ابن جرير الطبريّ في "تفسيره" -١٧/ ٣٠٨ - فقد أخرجه بسنده عن يحيى بن واضح، عن الحسين بن واقد، بسند المصنّف، ومتنه، فما وقع في نسخة "صحيح النسائيّ" للشيخ الألباني-٣/ ٨٥٣ - من زيادة قوله: "قال أبو عبد الرحمن"، قبل قوله: "وهو عبد اللَّه بن سعد بن أبي سرح" غلط صريح، فإن هذا الكلام ليس للنسائيّ، وإنما هو من تَتِمّة كلام ابن عبّاس - رضي اللَّه تعالى عنهما - بيانًا لسبب نزول الآية، فتنبّه. واللَّه تعالى أعلم. (الَّذِي كَانَ عَلَى مِصْرَ) أي كان واليًا عليها بعد موت النبيّ - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم - في خلافة عثمان - رضي اللَّه تعالى عنهما -، كما تقدّم بيانه (كَانَ يَكْتُبُ) الوحي (لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَأَزَلَّهُ الشَّيْطَانُ) أي حمله على الزلل، وهو الخطأ والذنب. قاله ابن الأثير (١) (فَلَحِقَ بِالْكُفَّارِ) بكسر الحاء المهملة، من باب تعب لَحَاقًا، ولُحُوقًا: أي التجأ إليهم، ولاذ بهم (فَأَمَرَ) - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم - (بِهِ أَنْ يُقْتَلَ) بالبناء للمفعول (يَوْمَ الْفَتْحِ) ظرف لـ"أمر" (فَاسْتَجَارَ لَهُ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ) أي طلب عثمان - رضي اللَّه تعالى عنه - من النبيّ - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم - أن يُجيره من القتل (فَأَجَارَهُ رسُولُ اللَّهِ ﷺ ) وقد تقدّم تفصيل قصّته في الباب الماضي. وقيل في سبب نزول هذه الآية الكريمة، غير ما ذُكر، فقد أخرج الإمام ابن جرير الطبريّ -رحمه اللَّه تعالى- في "تفسيره" عن ابن عبّاس - رضي اللَّه تعالى عنهما - قال: إن المشركين أصابوا عمّار بن ياسر، فعذّبوه، ثم تركوه، فرجع إلى رسول اللَّه - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم -، فحدّثه بالذي لقي من قُريش، والذي قال، فأنزل اللَّه تعالى عذره: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ﴾، إلى قوله: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النحل: ١٠٦]. وأخرج عن قتادة، قال: ذُكر لنا أنها نزلت في عمّار بن ياسر، أخذه بنو المغيرة، فغطّوه

стр. 15668

في بئر ميمون، وقالوا: اكفر بمحمد - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم -، فتابعهم على ذلك، وقلبه كاره، فأنزل اللَّه تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ﴾ الآية. وأخرج عن أبي عُبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر، قال: أخذ المشركون عمار بن ياسر، فعذّبوه، حتى باراهم في بعض ما أرادوا، فشكا ذلك إلى النبيّ - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم -، فقال النبيّ - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم -: "كيف تجد قلبك" قال: مطمئنًّا بالإيمان، قال النبيّ - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم -: "فإن عادوا فعد". وأخرج عن الشعبيّ، قال: لَمّا عُذّب الأعبد أعطوهم ما سألوا، إلا خبّاب بن الأرتّ - رضي اللَّه تعالى عنه -، كانوا يُضجعونه على الرَّضف، فلم يستقلّوا منه شيئًا. قال ابن جرير: فتأويل الآية إذن: من كفر باللَّه من بعد إيمانه إلا من أُكره على الكفر، فنطق بكلمة الكفر بلسانه، وقلبه مطمئنّ بالإيمان، موقنٌ بحقيقته، صحيحٌ عليه عزمه، غير مفسوح الصدر بالكفر، لكن من شرح بالكفر صدرًا، فاختاره، وآثره على الإيمان، وباح به طائعًا، ﴿فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾. ثم أخرج عن ابن عبّاس - رضي اللَّه تعالى عنهما - نحو هذا المعنى، ثمّ قال: فأما من أكره، فتكلّم به لسانه، وخالفه قلبه بالإيمان؛ لينجو من عدوّه، فلا حرج عليه؛ لأن اللَّه سبحانه إنما يأخذ العباد بما عقدت عليه قلوبهم. انتهى (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث ابن عبّاس - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا صحيح. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أحرجه معه: أخرجه هنا-١٥/ ٤٠٧١ - وفي "الكبرى" ١٥/ ٣٥٣٢. وأخرجه (د) في "الحدود" ٤٣٥٨ مختصرًا. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان حكم توبة المرتدّ، وهو القبول. (ومنها): أن للَّه تعالى الحكمة البالغة في تشريعه، فيحكم بما يريد، ثم ينسخه إذا يريد. (ومنها): جواز النسخ ووقوعه في الشرع، وهو إجماع للمسلمين، وما حكي عن أبي مسلم الأصفهانيّ من المعتزلة أنه سمّاه تخصيصًا، فهو خلاف في التسمية، لا

стр. 15669

في وقوع النسخ. وإنما يخالف في ذلك اليهود، بعضهم في الجواز، وبعضهم في الوقوع، قال في "الكوكب الساطع"، مشيرًا إلى هذا: النَّسْخُ عِنْدَ الْمُسْلِمِينَ وَاقِعُ … وَقَائِلُ التَّخْصِيصِ لَا يُنَازعُ (ومنها): أنه لَمّا سمح اللَّه تعالى بالكفر به، وهو أصل الشريعة، عند الإكراه، ولم يؤاخذ به، حمل العلماء عليه فروع الشريعة كلّها، فإذا وقع الإكراه عليها لم يُؤاخذ به، وَلَمْ يترتّب عليه حكم، وبه جاء الأثر المشهور عن النبيّ - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم -: "إنّ اللَّه وضع عن أُمّتي الخطأ والنسيان، وما استُكرهوا عليه" (١). رواه ابن ماجه، وابن حبّان في "صحيحه"، والداقطنيّ، والحاكم في "المستدرك"، وصححه، ووافقه الذهبيّ، وقال عبد الحقّ الإشبيليّ: صحيح الإسناد، كما نقله عنه القرطبيّ في "تفسيره" -١٠/ ١٨٢. (ومنها): مكانة عثمان - رضي اللَّه تعالى عنه - عند النبيّ - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم -، حيث قبل شفاعته فيمن استحلّ دمه، وأمر بقتله في الحلّ والحرم. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): أجمع العلماء على أن من أُكره على الكفر حتى خشِي على نفسه القتل أنه لا إثم عليه إن كفر، وقلبه مطمئنّ بالإيمان، ولا تَبين منه زوجته، ولا يُحكم عليه بحكم الكفر. هذا قول مالك، والكوفيين، والشافعيّ، غير محمد بن الحسن، فإنه قال: إذا أظهر الشرك كان مرتدًّا في الظاهر، وفيما بينه وبين اللَّه تعالى على الإسلام، وتبين منه امرأته، ولا يُصلّى عليه إن مات، ولا يرث أباه إن مات مسلمًا. قال ابن بطّال: وهذا قول تغني حكايته عن الرّدّ عليه؛ لمخالفته النصوص. وقال أبو عبد اللَّه القرطبيّ: وهذا قولٌ يردّه الكتاب والسنّة، قال اللَّه تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ﴾ الآية [النحل: ١٠٦]، وقال: ﴿إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا﴾ الآية [آل عمران: ٢٨]، وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ﴾ الآية [النساء:٩٧]، وقال: ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ﴾ الآية [النساء:٩٨]، فعذر اللَّه المستضعفين الذين يمتنعون من ترك ما أمر اللَّه به، والمكره لا يكون إلا مستضعفًا، غير ممتنع من فعل ما أُمر به. قاله البخاريّ (٢). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

стр. 15670

(المسألة الخامسة): ذهبت طائفة من أهل العلم إلى أن الرخصة إنما جاءت في القول، وأما في الفعل فلا رُخصة فيه، مثل أن يُكره على السجود لغير اللَّه، أو الصلاة لغير القبلة، أو قتل مسلم، أو ضربه، أو أكل ماله، أو الزنى، وشرب الخمر، وأكل الربا. يُروى هذا عن الحسن البصريّ، وهو قول الأوزاعيّ، وسُحنُون من المالكيّة. وقال محمد بن الحسن: إذا قيل للأسير: اسجُد لهذا الصنم، وإلا قتلتك، فقال: إن كان الصنم مقابل القبلة، فليسجُد، وتكون نيّته للَّه تعالى، وإن كان لغير القبلة فلا يسجد، وإن قتلوه. والصحيح أنه يسجد، وإن كان لغير القبلة، وما أحراه بالسجود حينئذ؛ ففي "الصحيح" عن ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما - قال: "كان رسول اللَّه - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم - يصلّي، وهو مقبلٌ من مكة إلى المدينة على راحلته، حيث كان وجهه، قال: وفيه نزلت: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾، الآية [البقرة: ١١٥]. وفي رواية: "ويوتر عليها، غير أنه لا يصلي عليها المكتوبة". فإذا كان هذا مباحًا في السفر في حالة الأمن؛ لتعب النزول عن الدّابّة للتنفّل، فكيف بهذا؟. واحتجّ من قصر الرخصة على القول بقول ابن مسعود - رضي اللَّه تعالى عنه -: ما من كلام يدرأ عنّي سوطين من ذي سلطان، إلا كنت متكلّمًا به. فقصر الرخصة على القول، ولم يذكُر الفعل، وهذا لا حجّة فيه؛ لأنه يحتمل أن يجعل الكلام مثالًا، وهو يريد أن الفعل في حكمه. وقالت طائفة: الإكراه في الفعل والقول سواء، إذا أسرّ الإيمان. رُوي ذلك عن عمر ابن الخطّاب، ومكحول، وهو قولُ مالك، وطائفة من أهل العراق. روى ابن القاسم عن مالك أن من أُكره على شرب الخمر، وترك الصلاة، أو الإفطار في رمضان، أن الإثم عنه مرفوع. ذكره القرطبيّ (١). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا القول هو الحقّ؛ لدلالة النصوص السابقة عليه، وأما الاحتجاج بأثر ابن مسعود - رضي اللَّه تعالى عنه - المذكور، ففيه نظر لا يخفى؛ لأن أثر الصحابة لا تكون حجةً يُدفع بها ما يدلّ عليه ظاهر الكتاب والسنة، فتبصّر. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة السادسة): أجمع العلماء على أن من أُكره على قتل غيره أنه لا يجوز له الإقدام على قتله، ولا انتهاك حرمته بجَلد، أو غيره، ويَصبر على البلاء الذي نزل به،

стр. 15671

ولا يحلّ له أن يَفدي نفسه بغيره ويسأل اللَّه تعالى العافية في الدنيا والآخرة. واختُلف في الزنا، فقال مطرّفٌ، وأصبغ، وابن عبد الحكم، وابن الماجشون: لا يفعل أحدٌ ذلك، وإن قُتل لم يفعله، فإن فعله فهو آثم، ويلزمه الحدّ، وبه قال أبو ثور، والحسن. قال ابن العربيّ: الصحيح أنه يجوز الإقدام على الزنى، ولا حدّ عليه؛ خلافًا لمن ألزمه ذلك؛ لأنه رأى أنها شهوة خِلقيّة، لا يُتصوّر الإكراه عليها، وغفل عن السبب في باعث الشهوة، وهو الإلجاء إلى ذلك، وهو الذي أسقط حكمه، وإنما يجب الحدّ على شهوة بَعَث عليها سبب اختياريّ، فقاس الشيء على ضدّه، فلم يحلّ بصواب من عنده. وقال ابن خُوَيز مَنْدَاد في "أحكامه": اختلف أصحابنا يعني المالكيّة- متى أُكره الرجل على الزنى، فقال بعضهم: عليه الحدّ؛ لأنه إنما يفعل ذلك باختياره. وقال بعضهم: لا حدّ عليه. قال ابن خُويز منداد: وهو الصحيح. وقال أبو حنيفة: إن أكرهه غير السلطان حُدّ، وإن أكرهه السلطان، فالقياس أن لا يُحدّ، ولكن أستحسن ألا يُحدّ، وخالفه صاحباه، فقالا: لا حدّ عليه في الوجهين. ولم يُراعوا الانتشار، وقالوا: متى علم أنه يَتخلّص من القتل بفعل الزنى جاز أن ينتشر. قال ابن المنذر: لا حدّ عليه، ولا فرق بين السلطان في ذلك، وغير السلطان. انتهى. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الذي قاله ابن المنذر هو الصحيح عندي، كما سبق تصحيح ابن العربيّ، وابن خُويز منداد له. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة السابعة): اختلف أهل العلم في طلاق المكره، وعتقه، فقال الشافعيّ وأصحابه: لا يلزمه شيء. وذكر ابن وهب عن عمر، وعليّ، وابن عبّاس - رضي اللَّه تعالى عنهم - أنهم كانوا لا يرون طلاقه شيئًا. وذكره ابن المنذر عن ابن الزبير، وابن عمر، وابن عبّاس، وعطاء، وطاوس، والحسن، وشُريح، والقاسم، وسالم، ومالك، والأوزاعيّ، وأحمد، وإسحاق، وأبي ثور. وأجازت طائفة طلاقه، روي ذلك عن الشعبيّ، والنخعيّ، وأبي قلابة، والزهريّ، وقتادة، وهو قول الكوفيين، قال أبو حنيفة: طلاق المكره يلزم؛ لأنه لم يُعدَم فيه أكثرُ من الرضا، وليس وجوده بشرط في الطلاق كالهازل. وهذا قياسٌ باطلٌ، فإن الهازل قاصدٌ إلى إيقاع الطلاق، راضٍ به، والمكره غير راض، ولا نيّة له في الطلاق، وقد قال - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم -: "إنما الأعمال بالنيّات". وفي "صحيح البخاريّ": وقال ابن عبّاس، فيمن يُكرهه اللصوص، فيُطلّق: ليس بشيء، وبه قال ابن عمر، وابن

стр. 15672

الزبير، والشعبيّ، والحسن. وقال الشعبيّ: إن أكرهه اللصوص، فليس بطلاق، وإن أكرهه السلطان فهو طلاق. وفسّره ابن عيينة، فقال: إن اللصّ يُقدِمُ على قتله، والسلطان لا يقتله. ذكره القرطبيّ. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: عندي أَنَّ قول الجمهور في هذا هو الحقّ؛ لحديث: "إن اللَّه وضع عن أمتي الخطأ، والنسيان، وما استُكرهوا عليه". رواه ابن ماجه، وغيره، وهو حديث صحيح، كما تقدّم بيانه، وقوله - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم -: "لا طلاق، ولا عَتاق في إغلاق"، رواه أحمد، وأبو داود، وهو حديث حسنٌ. ومعنى الإغلاق: الإكراه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الثامنة): بيع المكره، إن كان لأجل حقّ وجب عليه جائزٌ، ماضٍ عليه، لا رجوع له فيه عند الفقهاء؛ لأنه يلزمه أداء ذلك الحقّ، فلما لم يفعل كان بيعه اختيارًا منه، فلزمه. وأما إذا كان الإكراه ظلمًا، وقهرًا، فلا يجوز ذلك البيع، وهو أولى بمتاعه، يأخذه بلا ثمن، ويتّبع المشتري بالثمن ذلك الظالم، فإن فات المتاع رجع بثمنه، أو بقيمته بالأكثر من ذلك على الظالم، إذا كان المشتري غير عالم بظلمه. قال سُحنون: أجمع أصحابنا يعني المالكيّة- وأهل العراق على أن بيع المكره على الظلم والجور لا يجوز. وقال الأبهريّ: إنه إجماع. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة التاسعة): في اختلاف العلماء في نكاح المكره: قال سحنون: أجمع المالكيّة على إبطال نكاح المكره والمكرهة، وقالوا: لا يجوز المقام عليه؛ لأنه لم ينعقد. قال محمد بن سُحنون: وأجاز أهل العراق نكاح المكره، وقالوا: لو أكره على أن ينكح امرأة بعشرة آلاف درهم، وصداق مثلها ألف درهم، أن النكاح جائز، وتلزمه الألف، ويبطل الفضل. قال: فكما أبطلوا الزائد على الألف، فكذلك يلزمهم إبطال النكاح بالإكراه، وقولهم خلاف السنّة الثابتة في حديث خنساء بنت خِذَام الأنصاريّة، ولأمره - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم - بالاستثمار في أبضاعهنّ، فلا معنى لقولهم. ذكره القرطبيّ. وهو تحقيق حسن، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة العاشرة): إذا استُكرهت المرأة على الزنى، فلا حدّ عليها؛ لقوله: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ﴾، وقوله - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم -: "إن تجاوز عن أمتي الخطأ، والنسيان، وما استُكرهوا عليه"؛ ولقوله تعالى: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، يريد الفتيات. وبهذا المعنى حكم عمر في الوليدة التي استكرهها العبد، فلم يحدّها. والعلماء متّفقون على أنه لا حدّ على امرأة مستكرهة. وقال مالك: إذا وُجدت المرأة

стр. 15673

حاملًا، وليس لها زوجٌ، فقالت: استُكرهت، فلا يُقبل ذلك منها، وعليها الحدّ، إلا أن تكون لها بيّنة، أو جاءت تَدْمِي على أنها أُوتيت، أو ما أشبه ذلك، واحتجّ بحديث عمر بن الخطاب - رضي اللَّه تعالى -عنه أنه قال: "الرجم في كتاب اللَّه حقّ على من زنى من الرجال والنساء، إذا أُحصن، إذا قامت البيّنة، أو كان الحبل، أو الاعتراف". قال ابن المنذر -رحمه اللَّه تعالى-: وبالقول الأول أقول. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: وأنا أيضًا به أقول؛ لأن زناها لم يثبت ببيّنة، ولا باعتراف، بل ادّعت الإكراه، فلا حدّ عليها. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الحادية عشرة): إذا أُكره الرجل أن يسلم زوجته لمن لا تحلّ له جاز له تسليمها، ولا يقتل نفسه دونها، ولا تحمّل أذيّة في تخليصها، والأصل في ذلك ما أخرجه البخاريّ في "صحيحه" من حديث أبي هريرة ﵁، قال: قال النبي ﷺ : "هاجر إبراهيم ﵇ بسارة، فدخل بها قرية، فيها ملك من الملوك"، أو " جبار من الجبابرة، فقيل: دخل إبراهيم بامرأة، هي من أحسن النساء، فأرسل إليه، أن يا إبراهيم من هذه التي معك؟ قال: أختي، ثم رجع إليها، فقال: لا تكذّبي حديثي، فإني أخبرتهم أنك أختي، واللَّه إن على الأرض مؤمن غيري وغيرك، فأرسل بها إليه، فقام إليها، فقامت توضأ وتصلي، فقالت: اللهم إن كنتُ آمنت بك وبرسولك، وأحصنت فرجي، إلا على زوجي، فلا تسلط عليّ الكافر، فغُطَّ، حتى رَكَضَ برجله" الحديث. فهذا الحديث دليلٌ على ما قلناه، ودليلٌ أيضًا على أنه لا لوم على المستكرهة، ولا حد عليها. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الثانية عشرة): أجمع العلماء على أن من أُكره على الكفر، فاختار القتل أنه أعظم أجرًا عند اللَّه ممن اختار الرخصة. واختلفوا فيمن أكره على غير القتل من فعل ما لا يحلّ له، فقال أصحاب مالك: الأخذ بالشدّة في ذلك، واختيار القتل، والضرب أفضل عند اللَّه من الأخذ بالرخصة. ذكره ابن حبيب، وسُحنون. وذكر ابن سُحنون عن أهل العراق أنه إذا تُهُدّد بقتل، أو قطع، أو ضرب، يخاف منه التلف، فله أن يفعل ما أُكره عليه، من شرب خمر، أو أكل خنزير، فإن لم يفعل حتى قُتل خِفنا أن يكون آثمًا؛ لأنه كالمضطرّ. وقد أخرج البخاريّ من حديث خباب بن الأرت - رضي اللَّه تعالى عنه -، قال: شكونا إلى رسول اللَّه ﷺ ، وهو متوسد بردة له، في ظل الكعبة، قلنا له: ألا تستنصر لنا؟ ألا

стр. 15674

تدعو اللَّه لنا؟ قال: "كان الرجل فيمن قبلكم يُحفر له في الأرض، فيُجعل فيه، فيجاء بالمنشار، فيوضع على رأسه، فيُشق باثنتين، وما يَصُدُّه ذلك عن دينه، ويُمشط بأمشاط الحديد، ما دون لحمه، من عظم، أو عَصَب، وما يصدّه ذلك عن دينه، واللَّه ليَتِمَّنَّ هذا الأمر، حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت، لا يخاف إلا اللَّه، أو الذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون". فوصفه - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم - هذا عن الأمم السالفة على جهة المدح لهم، والصبر على المكروه في ذات اللَّه، وأنهم لم يكفروا في الظاهر، وتبطّنوا الإيمان؛ ليدفعوا العذاب عن أنفسهم. وهذه حجة من آثر الضرب، والقتل، والْهَوَان، على الرخصة، والمقام بدار الجنان. ذكره القرطبيّ (١). وهو تحقيق حسن. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الثالثة عشرة): في اختلاف أهل العلم في حدّ الإكراه: قال في "الفتح": أخرج عبد بن حُميد بسند صحيح عن عمر - رضي اللَّه تعالى عنه - قال: "ليس الرجل بأمين على نفسه، إذا سُجن، أو أُوثق، أو عُذب". ومن طريق شُريح نحوه، وزيادة، ولفظه: "أربع كلّهنّ كره: السجن، والضرب، والوعيد، والقيد". وعن ابن مسعود - رضي اللَّه تعالى عنه - قال: "ما كلام يدرأ عنّي سوطين إلا كنت متكلّما به". وهو قول الجمهور. انتهى (٢). وقال أبو عبد اللَّه القرطبيّ بعد ذكر نحو ما تقدّم: وقال الحسن: التقية جائزة للمؤمن إلى يوم القيامة، إلا أن اللَّه ﵎ ليس يجعل في القتل تقيّة. وقال النخعيّ: القيد إكراه، والسجن إكراه. وهذا قول مالك، إلا أنه قال: والوعيد المخوّف إكراه، وإن لم يقع، إذا تحقّق ظلم ذلك المتعدّي، وإنفاذه لما يتوعّد به، وليس عند مالك وأصحابه في الضرب والسجن توقيت، إنما هو ما كان يؤلم من الضرب، وما كان من سجن يدخُل منه الضيق على المكره. وإكراه السلطان وغيره عند مالك إكراه. وتناقض الكوفيّون، فلم يجعلوا السجن، والقيد إكراهًا على شرب الخمر، وأكل الميتة؛ لأنه لا يُخاف منهما التلف، وجعلوهما إكراهًا في إقراره لفلان عندي ألف درهم. قال ابن سُحنون: وفي إجماعهم على أن الألم، والوجع الشديد إكراه ما يدلّ على أن الإكراه يكون من غير تلف نفس. وذهب مالك إلى أن من أُكره على يمين بوعيد، أو سجن، أو ضرب أنه يحلف، ولا حِنث عليه، وهو قول الشافعيّ، وأحمد،

стр. 15675

وأبي ثور، وأكثر العلماء (١). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الذي عليه أكثر العلماء هو الحقّ عندي؛ لما سبق من الأدلة. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ١٦ - (الْحُكْمُ فِيمَنْ سَبَّ النَّبِيَّ ﷺ -) ٤٠٧٢ - (أَخْبَرَنَا عُثْمَانُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ, قَالَ: حَدَّثَنَا عَبَّادُ بْنُ مُوسَى, قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ, قَالَ: حَدَّثَنِي إِسْرَائِيلُ, عَنْ عُثْمَانَ الشَّحَّامِ, قَالَ: كُنْتُ أَقُودُ رَجُلاً أَعْمَى, فَانْتَهَيْتُ إِلَى عِكْرِمَةَ, فَأَنْشَأَ يُحَدِّثُنَا, قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ عَبَّاسٍ, أَنَّ أَعْمَى كَانَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , وَكَانَتْ لَهُ أُمُّ وَلَدٍ, وَكَانَ لَهُ مِنْهَا ابْنَانِ, وَكَانَتْ تُكْثِرُ الْوَقِيعَةَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ , وَتَسُبُّهُ, فَيَزْجُرُهَا فَلَا تَنْزَجِرُ, وَيَنْهَاهَا فَلَا تَنْتَهِي, فَلَمَّا كَانَ ذَاتَ لَيْلَةٍ, ذَكَرْتُ النَّبِيَّ ﷺ , فَوَقَعَتْ فِيهِ, فَلَمْ أَصْبِرْ أَنْ قُمْتُ إِلَى الْمِغْوَلِ, فَوَضَعْتُهُ فِي بَطْنِهَا, فَاتَّكَأْتُ عَلَيْهِ, فَقَتَلْتُهَا, فَأَصْبَحَتْ قَتِيلاً, فَذُكِرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ , فَجَمَعَ النَّاسَ, وَقَالَ: «أَنْشُدُ اللَّهَ رَجُلاً لِي عَلَيْهِ حَقٌّ, فَعَلَ مَا فَعَلَ إِلاَّ قَامَ» , فَأَقْبَلَ الأَعْمَى يَتَدَلْدَلُ, فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ, أَنَا صَاحِبُهَا كَانَتْ أُمَّ وَلَدِي, وَكَانَتْ بِي لَطِيفَةً رَفِيقَةً, وَلِي مِنْهَا ابْنَانِ, مِثْلُ اللُّؤْلُؤَتَيْنِ, وَلَكِنَّهَا كَانَتْ تُكْثِرُ الْوَقِيعَةَ فِيكَ, وَتَشْتُمُكَ, فَأَنْهَاهَا فَلَا تَنْتَهِي, وَأَزْجُرُهَا فَلَا تَنْزَجِرُ, فَلَمَّا كَانَتِ الْبَارِحَةَ ذَكَرْتُكَ, فَوَقَعَتْ فِيكَ, فَقُمْتُ إِلَى الْمِغْوَلِ, فَوَضَعْتُهُ فِي بَطْنِهَا, فَاتَّكَأْتُ عَلَيْهَا, حَتَّى قَتَلْتُهَا, فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَلَا اشْهَدُوا, أَنَّ دَمَهَا هَدَرٌ»). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (عثمان بن عبد اللَّه) بن محمد بن خُرَّزاد (٢): هو أبو عمرو البصريّ، نزيل أنطاكية، ثقة، من صغار [١١] ١١٢/ ١٥٥ من أفراد المصنّف. ٢ - (عباد بن موسى) الْخُتَّليّ (٣) أبو محمد الأبناويّ، سكن بغداد، ثقة [١٠].

стр. 15676

قال ابن معين، وأبو زرعه، وصالح بن محمد: ثقة. وقال ابن معين مرّةً: ليس به بأس. وقال الدارقطنيّ: صدوقٌ. وقال ابن قانع: صالح. وقال ابن أبي حاتم، عن أبي زُرعة: ثقة. قال أحمد بن عليّ الأَبّار، وغيره: مات بطَرَسُوس سنة (٢٢٧). وقال ابن حبّان في "الثقات": مات سنة (٣٠). وقال ابن قانع: مات سنة (٢٩)، وقيل: سنة (٣٠) وهو أصحّ عندي. روى له الجماعة، سوى الترمذيّ، وابن ماجه، وله عند المصنّف في هذا الكتاب حديثان فقط: هذا الحديث، وفي "كتاب الزينة" ٤٧/ ٥١٩٩ - حديث أنس رضي اللَّه تعالى عنه: "كان لرسول اللَّه صلى اللَّه تعالى عليه وسلم - خاتم فضة" الحديث. ٣ - (إسماعيل بن جعفر) بن كثير: هو الأنصاريّ الزُّرقيّ المدنيّ القارئ، ثقة ثبت [٨] ١٦/ ١٧. ٤ - (إسرائيل) بن يونس بن أبي إسحاق السَّبيعيّ الكوفيّ، ثقة [٧] ٧٥/ ١٤١٠. ٥ - (عثمان الشَّحّام) العدويّ، أبو سلمة البصريّ، يقال: اسم أبيه ميمون، أو عبد اللَّه، لا بأس به [٦] ٩٠/ ١٣٤٧، والباقيان ترجما قريبًا. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سباعيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه من أفراده. (ومنها): أن فيه ابن عبّاس - رضي اللَّه تعالى - عنهما من المكثرين السبعة، والعبادلة الأربعة. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ عُثْمَانَ الشَّحَّام) بتشديد الحاء المهملة: هو كما في "لبّ اللباب" نسبة إلى بيع الشحم، أنه (قَالَ: كُنْتُ أَقُودُ رَجُلًا أَعْمَى، فَانْتَهَيْتُ) أي بلغت (إِلَى عِكْرِمَةَ) أي إلى موضع عكرمة مولى ابن عبّاس (فَأَنْشَأَ) أي شرع، وأخذ (يُحَدِّثُنَا، قَالَ) عكرمة (حَدَّثَنِي ابْنُ عَبَّاسٍ) - رضي اللَّه تعالى عنهما - (أَنَّ أَعْمَى) لم أعرف اسمه (كَانَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَكَانَتْ لَهُ أُمُّ وَلَدٍ) أي غير مسلمة، ولذلك كانت تجرىء على ذلك الأمر الشنيع (وَكَانَ لَهُ مِنْهَا ابْنَانِ، وَكَانَتْ تُكْثِرُ الْوَقِيَعَةَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ) "الوقيعة" -بفتح الواو، وكسر القاف: الذّمّ، والعيب، يقال: وقع فلانٌ في فلان وُقُوعًا، ووقِيعة: إذا سبّه، وثَلَبَه. قاله الفيّوميّ (وَتَسُبُّهُ) صلى اللَّه تعالى عليه وسلم -، وهو من باب قتل (فَيَزْجُرُهَا) من باب قتل أيضًا: أي يمنعها من ذلك (فَلَا تَنْزَجِرُ) أي لا تمتنع، ولا تترك ذلك، وقوله (وَيَنْهَاهَا فَلَا تَنْتَهِي) مؤكد لما قبله (فَلَمَّا كَانَ ذَاتَ لَيْلَةٍ) وقال السنديّ -رحمه اللَّه تعالى-: يمكن

стр. 15677

رفعه على أنه اسم "كان"، ونصبه على أنه خبرها: أي كان الزمان، أو الوقت ذات ليلة. وقيل: يجوز نصبه على الظرفية: أي كان الأمر في ذات ليلة، ثم "ذات ليلة" قيل: معناه: ساعة من ليلة. وقيل: معناه: ليلة من الليالي، و"ذات" مقحمة. انتهى (١) (ذَكَرْتُ) بضمّ التاء، فهو ضمير المتكلّم، والكلام من قوله: "فلما كان ذات ليلة الخ" لذلك الأعمى (النَّبِيَّ) بالنصب مفعول "ذكرت" ( ﷺ ، فَوَقَعَتْ فِيهِ) قال السنديّ: قيل: تعدى بـ "في" لتضمينه معنى الطعن، يقال: وقع فيه: إذا عابه، وذمّه انتهى (فَلَمْ أَصْبِرْ) بكسر الباء (أَنْ قُمْتُ) الفعل في تأويل المصدر مجرور بحرف جرّ محذوف قياسًا، كما قال ابن مالك في "خلاصته": وَعَدِّ لَازِمًا بِحَرْفِ جَرّ … وَإِنْ حُذِفْ فَالنَّصْبُ لِلمُنْجَرِّ نَقْلًا وَفِي "أَنَّ" و"أَنْ" يَطَّرِدُ … مَعْ أَمْنِ لَبْسٍ كَـ "عجِبْتُ أَنْ يَدُو" والتقدير هنا: فلم أصبر عن القيام (إِلَى الْمِغْوَلِ) متعلّق بـ "قمتُ"، و"الْمِغْول" بكسر الميم، وسكون الغين المعجمة-: شبه سيفٍ قصير، يشتمل به الرجل تحت ثيابه، فيغطيه. وقيل: حديدة دقيقة، لها حدٌّ ماض، وقَفًا. وقيل: هو سَوْطٌ في جوفه سيف دقيقٌ يَشُدّه الفاتك على وسطه؛ ليغتال به الناس. قاله في "النهاية" (٢). (فَوَضَعْتُهُ فِي بطنِها، فَاتَّكَأْتُ عَلَيْهِ) أي اعتمدت على ذلك الْمِغْوَل (فَقَتَلْتُهَا، فَأَصْبَحَتْ قَتِيلًا) إنما لم يقل: قتيلة؛ لأن فعيلًا بمعنى مفعول يستوي فيه المذكّر والمؤنث. وفي رواية أبي داود: "فقتلها، فوقع بين رجليها طفلٌ، فَلَطَخَت ما هُناك بالدم". (فَذُكِرَ) بالبناء للمفعول (ذلِك) أي كونها مقتولة (لِلنَّبِيِّ ﷺ ) وفي رواية أبي داود: "فلما أصبح ذُكر ذلك للنبيّ صلى اللَّه تعالى عليه وسلم - (فَجَمَعَ النَّاسَ، وَقَالَ: "أَنْشُدُ اللَّهَ رَجُلًا) أي أسال رجلاً مُقسمًا باللَّه تعالى، يقال: نشدتك اللَّه، وباللَّه، أنشُدُك، من باب نصر: ذكّرتك به، واستعطفتك، أو سألتك به مُقسمًا عليه. أفاده الفيّوميّ. والمناسب هنا المعنى الأخير. وقوله (لي عَلَيْهِ حَقٌّ) جملة من مبتدإ وخبر، في محلّ نصب صفة لـ "رجلاً"، والمعنى: أسأل باللَّه تعالى رجلاً مسلما تجب عليه طاعتي، وإجابة دعوتي، وإنما ناشد بهذا الأسلوب تأكيدًا؛ لعظم الأمر. وقوله (فَعَلَ مَا فَعَلَ) "ما" اسم موصول: أي الفعل الذي فعله، من قتل هذه الجارية، والجملة صفة لـ"رجلًا" بعد صفة، أو حال منه (إِلَّا قَامَ) أي من مجلسه حتى يعترف بأنه القاتل لها (فَأَقْبَلَ

стр. 15678

الأَعْمَى يَتَدَلْدَلُ) بدالين مهملين، ولامين: أي يضطرب في مشيه. وفي رواية أبي داود: "فقام الأعمى يتخطّى رقاب الناس، وهو يتزلزل، حتّى قعد بين يدي النبيّ - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم -" (فَقَالَ: يَا رَسُول اللَّهِ، أَنَا صَاحِبُهَا) أي صاحب تلك الجارية المقتولة (كَانَتْ أُمَّ وَلَدِي، وَكَانَتْ بِي لَطِيفَةٌ) فعلية بمعنى فاعلة، كـ (رَفِيقَةً) وزناً ومعنًى (وَلِي مِنْهَا ابْنَانِ، مِثْلُ اللُّؤْلُؤتَيْنِ) أي في الحسن، والبهاء، وصفاء اللون (وَلَكِنَّهَا كَانَتْ تُكْثِرُ الْوَقيعَةَ فِيكَ، وَتَشْتُمُكَ) من بابي ضرب، وقتل كما في "القاموس" (فَأَنْهَاهَا فَلَا تَنْتَهِي، وَأَزْجُرُهَا فَلْا تَنْزَجِرُ، فَلمَّا كَانَتْ الْبَارِحَةُ) "كانت" هنا تامّة، و"البارحة" فاعلها، أي جاءت البارحة، ويحتمل أن تكون ناقصة، واسمها ضمير يعود إلى الوقت المفهوم، و"البارحة" بالنصب على أنه خبرها و"البارحة" هي الليلة الماضية، تقول العرب قبل الزوال: فعلنا الليلة كذا؛ لقربها من وقت الكلام، وتقول بعد الزوال: فعلنا البارحة، مشتقّ من برح الشيء يبرحُ، من باب تعِب براحًا: إذا زال من مكانه. أفاده الفيّوميّ (ذَكَرَتُكَ، فَوَقَعَتْ فِيكَ، فَقُمْتُ إِلَى الْمِغْولِ، فَوَضَعْتُهُ فِي بَطْنِهَا، فَاتَّكَأْتُ عَلَيْهَا، حَتَّى قَتَلْتُهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ : "أَلا) بالتخفيف: أداة استفتاح وتنبيه (اشْهدُوا، أَنَّ دَمَهَا هَدَرٌ) بفتحين: أي باطل، لا قصاص فيه، يقال: هدر الدمُ هَدْرًا، من بابي ضرب، وقتل: بَطَلَ، وأَهدَرَ بالألف لغة، وهَدَرتُهُ، من باب قتل، وأهدرته: أبطلته، يُستعملان متعدّيين أيضًا، والْهَدَرُ بفتحتين -اسم منه، وذهب دمه هَدْرًا بالسكون، والتحريك: أي باطلاً، لا قود فيه. قاله الفيّوميّ. والظاهر أن النبيّ - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم - علم بالوحي صدقه، فأهدر دمها. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث ابن عبّاس - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا صحيح. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-١٦/ ٤٠٧٢ - وفي "الكبرى" ١٦/ ٣٥٣٣. وأخرجه (د) في "الحدود" ٤٣٦١. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان حكم من سبّ النبيّ - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم -، وهو قتله. (ومنها): أن الذميّ إذا لم يكفّ لسانه عن اللَّه تعالى، أو عن رسوله صلى اللَّه تعالى عليه وسلم -، ينتقض عهده، فلا ذمّة له. (ومنها): أن من

стр. 15679

سبّ النبيّ - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم - يُقتلُ، وقد قيل: لا خلاف في أن سابّه من المسلمين يجب قتله، وإنما الخلاف إذا كان ذميًّا، وسيأتي تحقيق الخلاف في المسألة التالية إن شاء اللَّه تعالى. (ومنها): أنه صلى اللَّه تعالى عليه وسلم - كان أحيانًا لا يطلب البينة، بل يحكم بقول المدعي؛ لثبوت صدقه لديه وحيًا، وهذا لا يسع أحدًا غيره، كما سيأتي قول أبي بكر الصديق - رضي اللَّه تعالى عنه - في الباب التالي: "ما كان لأحد بعد محمد - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم -". واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم من سبّ النبيّ - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم -: نَقَلَ ابْن الْمُنْذِر -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- الاتِّفَاق عَلَى أَنَّ مَنْ سَبّ النَّبيّ ﷺ صَرِيحًا، وَجَبَ قَتْله. وَنَقَلَ أَبُو بَكْر الفَارِسِيّ أَحَد أَئِمة الشَّافِعِيَّة، فِي "كِتَاب الإجْماَع" أَنَّ مَنْ سَبَّ النَّبِيّ ﷺ ، مِمَّا هُوَ قذفٌ صَرِيح، كَفَرَ بِاتِّفَاقِ العُلَمَاء، فَلَوْ تَابَ لَمْ يَسْقُط عَنْهُ الْقَتْل؛ لأَنَّ حَدَّ قَذْفه الْقَتْل، وَحَدّ الْقَذْف لا يَسْقُط بِالتَّوْبَةِ. وَخَالَفَهُ القَفَّال، فَقَالَ: كَفَرَ بِالسَّبِّ، فَيَسْقُط الْقَتْل بِالإسْلام. وَقَالَ الصَّيْدَلَانِيّ: يَزُول القَتْل، وَيَجِب حَدّ الْقَذْف. وَضَعَّفَهُ الإمَام. فَإِنْ عَرَّضَ، فَقَالَ الخَطَّابِي: لَا أَعْلَمُ خِلافًا في وُجُوب قَتْله، إِذَا كَانَ مُسْلمًا. وقال ابن بطّال -رحمه اللَّه تعالى-: اختلف العلماء فيمن سبّ النبيّ - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم، فأما أهل العهد والذمّة، كاليهود، فقال ابن القاسم، عن مالك: يُقتل من سبّه صلى اللَّه تعالى عليه وسلم - منهم، إلا أن يُسلم، وأما المسلم، فيُقتل بغير استتابة. ونقل ابن المنذر عن الليث، والشافعيّ، وأحمد، وإسحاق مثله في حقّ اليهودي ونحوه. وروي عن الأوزاعيّ، ومالك في المسلم أنها ردّة، يُستتاب منها. وعن الكوفيين: إن كان ذِميًّا عُزِّر، وإن كان مسلما فهي ردّةٌ. وحكى عياضٌ خلافًا، هل كان ترك من وقع منه ذلك لعدم التصريح، أو لمصلحة التأليف. ونقل عن بعض المالكيّة أنه إنما لم يقتل اليهود الذين كانوا يقولون: السام عليك؛ لأنهم لم تقُم عليهم البينة بذلك، ولا أقرّوا به، فلم يَقض فيهم بعلمه. وقيل: إنهم لما لم يُظهروه، ولووْه بألسنتهم ترك قتلهم. وقيل: إنه لم يحمل ذلك منهم على السبّ، بل على الدعاء بالموت الذي لا بدّ منه، ولذلك قال في الردّ عليهم: "وعليكم"، أي الموت نازلٌ علينا وعليكم، فلا معنى للدعاء به. أشار إلى ذلك القاضي عياض. وكذا من قال السأم بالهمز بمعنى السآمة، هو دعاء بأن يملّوا الدين، وليس بصريح في السبّ. وعلى القول بوجوب قتل من وقع منه ذلك، من ذميّ، أو معاهد، فترك لمصلحة التأليف، هل ينتقض بذلك عهده؟ محلّ تأمّل. واحتجّ الطحاويّ لأصحابه بحديث أنس - رضي اللَّه تعالى عنه -، قال: مرّ يهودي

стр. 15680

برسول اللَّه ﷺ ، فقال: السامُ عليك، فقال رسول اللَّه ﷺ : "وعليك"، فقال رسول اللَّه ﷺ : "أتدرون ما يقول؟ "، قال: "السام عليك"، قالوا: يا رسول اللَّه، ألا نقتله؟، قال: "لا، إذا سلّم عليكم أهل الكتاب، فقولوا: وعليكم". رواه البخاريّ. وَأَيَّدَهُ بِأَنَّ هَذَا الْكَلَام لَوْ صَدَرَ مِنْ مُسْلِم، لَكَانَ رِدَّة، وَأَمَّا صُدُوره مِنْ اليَهُود، فَالَّذِي هُمْ عَلَيْهِ مِنْ الكُفْر، أَشَدّ مِنهُ، فَلِذَلِكَ لَمْ يَقْتُلهُم النَّبِيّ ﷺ . وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ دِمَاءهُم لَمْ تُحقَن إلا بِالْعَهْدِ، وَلَيْسَ فِي الْعَهْد أَنَّهُم يَسُبُّون النَّبِيّ ﷺ ، فَمَنْ سَبَّهُ مِنْهُم، تَعَدَّى الْعَهْد، فَيَنْتَقِض، فَيَصِير كَافِرًا بِلا عَهْد، فَيُهْدَر دَمه، إِلا أَنْ يُسْلِم. قال في "الفتح": وَيُؤيِّدهُ أَنَّهُ لَوْ كَانَ كُلّ مَا يَعْتَقِدُونَهُ، لا يُؤَاخَذُون بِهِ، لَكَانُوا لَوْ قَتَلُوا مُسْلمًا، لَمْ يُقْتَلُوا؛ لَأَنَّ مِنْ مُعْتَقَدهمْ حِلَّ دِمَاء الْمُسْلِمِينَ، وَمَعَ ذَلِكَ لَوْ قَتَلَ مِنْهُمْ أَحَدٌ مُسْلِمًا قُتِلَ. فَإِنْ قِيلَ: إِنَّمَا يُقْتَل بِالْمُسْلِمِ قِصَاصًا، بِدَلِيلِ أَنَّهُ يُقْتَل بِهِ، وَلَوْ أَسْلَمَ، وَلَوْ سَبَّ، ثُمَّ أَسْلَمَ، لَمْ يُقْتَل. قُلْنَا: الْفَرْق بَيْنهمَا أَنَّ قَتْل الْمُسْلِم، يَتَعَلَّق بِحَقِّ آدَمِيٍّ، فَلَا يُهْدَر، وَأَمَّا السَّبّ فَإِنَّ وُجُوب الْقَتْل بِهِ، يَرْجِع إِلَى حَقّ الدِّين، فَيَهْدِمهُ الإسْلام. وَالَّذِي يَظْهر، أَنَّ تَرْك قَتْل الْيَهُود إِنَّمَا كَانَ لِمَصْلَحةِ التَّأْليف، أَوْ لِكَوْنِهمْ لَمْ يُعلِنُوا بِهِ، أَوْ لَهُمَا جَمِيعًا، وَهُوَ أَوْلَى، وَاللَّه أَعْلَمُ. انتهى. ما في "الفتح" (١). وقال الإمام ابن القيّم -رحمه اللَّه تعالى-: ثبت عنه صلى اللَّه تعالى عليه وسلم - أنه قضى بإهدار دم أم ولد الأعمى، لمّا قتلها مولاها على السبّ. وقتل جماعة من اليهود على سبّه وأذاه، وأمّن الناس يوم الفتح إلا نفرًا ممن كان يؤذيه، ويهجوه، وهم أربعة رجال، وامرأتان. وقال: "مَن لكعب بن الأشرف؟، فإنه قد آذى اللَّه ورسوله"، وأهدر دمه، ودم أبي رافع. وقال أبو بكر الصّدّيق - رضي اللَّه تعالى عنه - لأبي برزة الأسلميّ - رضي اللَّه تعالى - عنه، وقد أراد قتل من سبّه: ليس لأحد بعد رسول اللَّه - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم -، فهذا قضاؤه صلى اللَّه تعالى عليه وسلم -، وقضاء خلفائه من بعده، ولا مخالف لهم من الصحابة، وقد أعاذهم اللَّه تعالى من مخالفة هذا الحكم. وقد روى أبو داود في "سننه" عن عليّ - رضي اللَّه تعالى عنه - أن يهوديّة كانت تشتم النبيّ - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم -، وتقع فيه، فخنقها رجلٌ حتى ماتت، فأبطل رسول اللَّه صلى اللَّه تعالى عليه وسلم - دمها (٢).

стр. 15681

وذكر أصحاب السير والمغازي عن ابن عبّاس - رضي اللَّه تعالى عنهما - قال: هَجَت امرأة النبيّ - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم -، فقال: "من لي بها؟ " فقال رجلٌ من قومها: أنا، فنهض، فقتلها، فأُخبر النبيّ - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم -، فقال: "لا ينتطح فيها عنزان". وفي ذلك بضعة عشر حديثًا ما بين صحاح، وحسان، ومشاهير، وهو إجماع الصحابة - رضي اللَّه تعالى عنهم -. وقد ذكر حربٌ في "مسائله" عن مجاهد، قال: أتي عمر - رضي اللَّه تعالى عنه - برجل سبّ النبيّ - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم -، فقتله، ثم قال عمر - رضي اللَّه تعالى عنه -: من سبّ اللَّه ورسوله، أو سب أحدًا من الأنبياء، فاقتلوه. ثم قال مجاهد عن ابن عبّاس - رضي اللَّه تعالى عنهما -: أيما مسلم سبّ اللَّه ورسوله، أو سبّ أحدًا من الأنبياء، فقد كذب برسول اللَّه صلى اللَّه تعالى عليه وسلم -، وهي ردّة، يُستتاب منها، فإن رجع، وإلا قُتل، وأيّما معاهد عاند، فسبّ اللَّه، أو سبّ أحدًا من الأنبياء، أو جهر به، فقد نقض العهد، فاقتلوه. وذكر أحمد عن ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما - أنه مرّ به راهب، فقيل له: هذا يسبّ النبيّ - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم -، فقال ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما -: لو سمعته لقتلته، إنا لم نُعطهم الذمة على أن يسبوا نبينا. والآثار عن الصحابة بذلك كثيرة. وحكى غير واحد من الأئمة الإجماع على قتله. قال شيخنا يعني ابن تيمية -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: وهو محمول على إجماع الصدر الأول، من الصحابة، والتابعين. قال: وأما تركه - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم - قتل من قدح في عدله بقوله: "اعدِل، فإنك لم تعدل". أخرجه مسلم. وفي حكمه بقوله: "أن كان ابن عمّتك؟ "، متّفقٌ عليه. وفي قصده بقوله: "إن هذه قسمة ما أُريد بها وجه اللَّه"، أو في خلوته بقوله: "يقولون: إنك تنهى عن الغيّ، وتستخلي به (١)). وغير ذلك، فذلك أن الحقّ له، فله أن يستوفيه،

стр. 15682

وله أن يتركه، وليس لأمته ترك استيفاء حقّه - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم -. وأيضًا فإن هذا كان في أوّل الأمر، حيث كان - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم - مأمورا بالعفو والصفح. وأيضًا فإنه كان يعفو عن حقّه لمصلحة التأليف، وجمع الكلمة، ولئلّا يُنفّر الناس عنه، ولئلّا يتحدّثوا أنه يقتل أصحابه، وكل هذا مختصّ بحياته - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم -. انتهى كلام ابن القيّم -رحمه اللَّه تعالى-. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الذي قاله ابن القيّم -رحمه اللَّه تعالى- هو الحقّ عندي. وحاصله وجوب قتل من سبّه - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم - مطلقًا، سواء كان مسلمًا، أو ذميًّا؛ لحديث الباب، وغيره من الأدلة المتقدّمة، ولأنه إجماع الصدر الأول، كما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه اللَّه تعالى-. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٠٧٣٨٨ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ, قَالَ: حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ مُعَاذٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ, عَنْ تَوْبَةَ الْعَنْبَرِيِّ, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قُدَامَةَ بْنِ عَنَزَةَ, عَنْ أَبِي بَرْزَةَ الأَسْلَمِيِّ, قَالَ: أَغْلَظَ رَجُلٌ لأَبِى بَكْرٍ الصِّدِّيقِ, فَقُلْتُ: أَقْتُلُهُ, فَانْتَهَرَنِي, وَقَالَ: لَيْسَ هَذَا لأَحَدٍ, بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (عمرو بن عليّ) الفلاّس الصيرفيّ البصريّ، ثقة ثبت [١٠] ٤/ ٤. ٢ - (معاذ بن معاذ) العنبريّ، أبو المثنّى البصريّ الثقة الثبت، من كبار [٩] ٣٤/ ٣٨. ٣ - (شعبة) بن الحجاج الإمام الحجة الثبت [٧] ٢٤/ ٢٧. ٤ - (توبة) بن أبي الأسد كيسان بن راشد، أبو المُورّع البصريّ، ثقة [٤] ٣٣/ ٢١٧٦. ٥ - (عبد اللَّه بن قُدامة) بن عَنَزَة بفتح المهملة، والنون، والزاي -أبي السّوَّار العنبريّ البصريّ، والد سوار القاضي الأكبر، ثقة [٤]. روى عن أبي برزة. وعنه توبة العنبريّ. قال النسائيّ: ثقة. وذكره ابن حبّان في "الثقات". تفرد به المصنّف بهذا الحديث فقط. ٦ - (أبو برزة الأسلميّ) نَضْلة بن عُبيد الصحابيّ المشهور، أسلم - رضي اللَّه تعالى عنه - قبل الفتح، وغزا سبع غزوات، ثم نزل البصرة، وغزا خُراسان، ومات بها سنة (٦٥) على الصحيح، تقدّم في ٢/ ٤٩٥. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير عبد اللَّه بن قُدامة، فإنه من أفراده. (ومنها): أنه مسلسل

стр. 15683

بالبصريين. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ أَبِي بَرْزَةَ الأَسْلَمِيّ) - رضي اللَّه تعالى عنه -، أنه (قَالَ: أَغْلَظَ رَجُلٌ لِأَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ) يقال: أغلظ له في القول إغلاظا: إذا عنّفه، والمعنى أن رجلاً عنّف أبا بكر - رضي اللَّه تعالى عنه - على أمر، إما على قسمة شيء، كما قال ذلك المنافق للنبيّ - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم - حينما قسم الغنيمة: إن هذه قسمة ما أريد بها وجه، أو على أمر آخر. واللَّه تعالى أعلم. قال أبو برزة - رضي اللَّه تعالى عنه - (فَقُلْتُ: أَقْتُلُهُ) وفي الرواية الآتية: "ألا أضرب عنقه؟ "، وفي رواية: "قال: غضب أبو بكر على رجل غضبًا شديدا، حتى تغيّر لونه، قلت: يا خليفة رسول اللَّه، واللَّه لو أمرتني لأضربنّ عنقه، فكأنما صُبّ عليه ماء بارد، فذهب غضبه عن الرجل" (فَانْتَهَرَنِي) أي زجرني عن قتله (وَقَالَ: لَيْسَ هَذَا) أي قتل من أساء إلى وليّ الأمر، وأغضبه (لِأَحَدٍ، بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ) قال الإمام أحمد -رحمه اللَّه تعالى- مفسّرًا كلام أبي بكر - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا: أي لم يكن لأبي بكر أن يقتل رجلاً إلا بإحدى ثلاث التي قالها رسول اللَّه - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم -: "كُفرٌ بعد إيمان، أو زنًا بعد إحصان، أو قتل نفس بغير نفس"، وكان للنبيّ - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم - أن يقتل. انتهى. ذكره أبو داود في "سننه" (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث أبي بكر - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا صحيح. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-١٦/ ٤٠٧٣ و ١٧/ ٤٠٧٤ و ٤٠٧٥ و ٤٠٧٦ و ٤٠٧٧ و ٤٠٧٨ و ٤٠٧٩ - وفي "الكبرى" ١٦/ ٣٥٣٤ و ١٧/ ٣٥٣٥ و ٣٥٣٦ و ٣٥٣٧ و ٣٥٣٨ و ٣٥٣٩ و ٣٥٤٠. وأخرجه (د) في "الحدود" ٤٣٦١ (أحمد) في "مسند العشرة"، وصححه الحاكم في "مستدركه". واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة) في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان حكم من سبّ النبيّ - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم -، وهو القتل، ووجه الاستدلال أنّ قول أبي بكر - رضي اللَّه تعالى

стр. 15684

عنه - هذا يدلّ على أنه - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم - مختصّ بقتل من أغضبه، ومعلوم أن من سبه - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم - يُغضبه؛ لأن ذلك يعود إلى الطعن في رسالته، وذلك كفر باللَّه تعالى؛ لكونه اتهامًا في عصمته إياه مما يوجب سبّه، وعيبه. (ومنها): أن غيره - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم - من الولاة ونحوهم، ليس له أن يقتُل من أغضبه، وإن بلغ به الغضب ما بلغ؛ لأن سبّه لا يبلغ الطعن في اللَّه تعالى، كما كان في شأن النبيّ - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم -، وإنما لهم القتل فيما شرع اللَّه تعالى لهم به، كما في حديث: "لا يحلّ دم امرئ مسلم، إلا بإحدى ثلاث" كما سبق في كلام الإمام أحمد -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): ما كان عليه أبو بكر - رضي اللَّه تعالى عنه - من التحمّل والعفو فيمن اعتدى عليه. (ومنها): ما كان عليه أبو برزة - رضي اللَّه تعالى عنه - من طاعة أبي بكر - رضي اللَّه تعالى عنه -، وحبّه له، حيث غضب لغضبه، وطلب منه أن يؤدّب الذي أساء إليه الأدب، وينكل به، حتى لا يجتريء عليه أحد بعده. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. "إن أريد إلا الإصلاح، ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ١٧ - (ذِكْرُ الاخْتِلَافِ عَلَى الأَعْمَشِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ) قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: وجه الاختلاف المذكور أن أبا معاوية رواه عن الأعمش، عن عمرو بن مرّة، عن سالم بن أبي الجعد، عن أبي برْزَة، وخالفه يعلى بن عُبيد، فرواه عن الأعمش، عن أبي الْبَخْتَريّ، عن أبي برزة، وتابعه عليه أبو عوانة. والذي يظهر لي أن هذا الاختلاف، لا يضرّ؛ لإمكان حمله على أن الأعمش رواه عن كلّ من سالم بن أبي الجعد، وأبي البَخْتَريّ. وكان الأصل ترجيح رواية أبي معاوية على رواية يعلى وأبي عوانة؛ لأنه هو المقدّم من أصحاب الأعمش في الأعمش بعد سفيان الثوريّ، لكن اتفاقهما يقوّي حفظهما للحديث، فيكون الحديث ثابتًا بالطريقين. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.

стр. 15685

٤٠٧٤ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَا, قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ, عَنِ الأَعْمَشِ, عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ, عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ, عَنْ أَبِي بَرْزَةَ, قَالَ: تَغَيَّظَ أَبُو بَكْرٍ عَلَى رَجُلٍ, فَقُلْتُ مَنْ هُوَ؟ يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ, قَالَ: لِمَ؟ قُلْتُ: لأَضْرِبَ عُنُقَهُ, إِنْ أَمَرْتَنِي بِذَلِكَ, قَالَ: أَفَكُنْتَ فَاعِلاً؟ قُلْتُ: نَعَمْ, قَالَ: فَوَاللَّهِ, لأَذْهَبَ عِظَمُ كَلِمَتِي الَّتِي قُلْتُ غَضَبَهُ, ثُمَّ قَالَ: مَا كَانَ لأَحَدٍ بَعْدَ مُحَمَّدٍ ﷺ ). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا. و"محمد بن العلاء": هو أبو كُريب الْهَمْدانيّ الكوفيّ، أحد مشايخ الأئمة الستّة، ثقة حافظ [١٠] ٩٥/ ١١٧. و"أبو معاوية": هو محمد بن خازم الضرير. و"عمرو بن مُرّة": هو الْجَمَليّ المراديّ الكوفيّ، ثقة عابد [٥] ١٧١/ ٢٦٥. و"سالم بن أبي الجعد رافع الْغَطَفانيّ الأشجعيّ مولاهم الكوفيّ، ثقة [٣] ٦١/ ٧٧. وقوله: "فواللَّه لأذهب الخ" هذا من قول أبي برزة - رضي اللَّه تعالى عنه -، أي أن كلامي قد عظُم عند أبي بكر - رضي اللَّه تعالى عنه - حتى زال بسبب عظمته غضبه. وقوله: ثُمّ قال الخ" أي ثم قال أبو بكر - رضي اللَّه تعالى عنه - بعد أن ذهب غضبه بسبب كلامي الذي عظُمَ عنده. والحديث صحيح، وقد سبق شرحه وما يتعلّق به من المسائل في الباب الماضي. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٠٧٥ - (أَخْبَرَنَا أَبُو دَاوُدَ, قَالَ: حَدَّثَنَا يَعْلَى, قَالَ: حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ, عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ, عَنْ أَبِي الْبَخْتَرِيِّ, عَنْ أَبِي بَرْزَةَ, قَالَ: مَرَرْتُ عَلَى أَبِي بَكْرٍ, وَهُوَ مُتَغَيِّظٌ عَلَى رَجُلٍ, مِنْ أَصْحَابِهِ, فَقُلْتُ: يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ, مَنْ هَذَا الَّذِي تَغَيَّظُ عَلَيْهِ؟ قَالَ: وَلِمَ تَسْأَلُ؟ قُلْتُ: أَضْرِبُ عُنُقَهُ, قَالَ: فَوَاللَّهِ, لأَذْهَبَ عِظَمُ كَلِمَتِي غَضَبَهُ, ثُمَّ قَالَ: مَا كَانَتْ لأَحَدٍ بَعْدَ مُحَمَّدٍ ﷺ ). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه، أبي داود سليمان بن سيف الْحَرَّانيّ، فإنه من أفراده، وهو ثقة حافظ [١١] ١٠٣/ ١٣٦. و"يعلى": هو ابن عُبيد بن أمية الطنافسيّ الكوفيّ، ثقة، من كبار [٩] ١٠٥/ ١٤٠. و"أبو الْبَخْتَريّ" بفتح الموحّدة، والمثنّاة، بينهما معجمة ساكنة-: سعيد بن فيروز الطائي مولاهم الكوفيّ، ثقة ثبت، فيه تشيّع قليل، كثير الإرسال [٣] ٣٤/ ٢٤٨٦. والحديث صحيح، وقد سبق الكلام عليه في الباب الذي قبله. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
следующие страницы →