← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 12888

ذخيرة العقبى في شرح المجتبى

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (19 271 стр.). Показаны 15681–15720 · переход к 15686.

стр. 15681

وذكر أصحاب السير والمغازي عن ابن عبّاس - رضي اللَّه تعالى عنهما - قال: هَجَت امرأة النبيّ - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم -، فقال: "من لي بها؟ " فقال رجلٌ من قومها: أنا، فنهض، فقتلها، فأُخبر النبيّ - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم -، فقال: "لا ينتطح فيها عنزان". وفي ذلك بضعة عشر حديثًا ما بين صحاح، وحسان، ومشاهير، وهو إجماع الصحابة - رضي اللَّه تعالى عنهم -. وقد ذكر حربٌ في "مسائله" عن مجاهد، قال: أتي عمر - رضي اللَّه تعالى عنه - برجل سبّ النبيّ - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم -، فقتله، ثم قال عمر - رضي اللَّه تعالى عنه -: من سبّ اللَّه ورسوله، أو سب أحدًا من الأنبياء، فاقتلوه. ثم قال مجاهد عن ابن عبّاس - رضي اللَّه تعالى عنهما -: أيما مسلم سبّ اللَّه ورسوله، أو سبّ أحدًا من الأنبياء، فقد كذب برسول اللَّه صلى اللَّه تعالى عليه وسلم -، وهي ردّة، يُستتاب منها، فإن رجع، وإلا قُتل، وأيّما معاهد عاند، فسبّ اللَّه، أو سبّ أحدًا من الأنبياء، أو جهر به، فقد نقض العهد، فاقتلوه. وذكر أحمد عن ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما - أنه مرّ به راهب، فقيل له: هذا يسبّ النبيّ - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم -، فقال ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما -: لو سمعته لقتلته، إنا لم نُعطهم الذمة على أن يسبوا نبينا. والآثار عن الصحابة بذلك كثيرة. وحكى غير واحد من الأئمة الإجماع على قتله. قال شيخنا يعني ابن تيمية -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: وهو محمول على إجماع الصدر الأول، من الصحابة، والتابعين. قال: وأما تركه - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم - قتل من قدح في عدله بقوله: "اعدِل، فإنك لم تعدل". أخرجه مسلم. وفي حكمه بقوله: "أن كان ابن عمّتك؟ "، متّفقٌ عليه. وفي قصده بقوله: "إن هذه قسمة ما أُريد بها وجه اللَّه"، أو في خلوته بقوله: "يقولون: إنك تنهى عن الغيّ، وتستخلي به (١)). وغير ذلك، فذلك أن الحقّ له، فله أن يستوفيه،

стр. 15682

وله أن يتركه، وليس لأمته ترك استيفاء حقّه - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم -. وأيضًا فإن هذا كان في أوّل الأمر، حيث كان - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم - مأمورا بالعفو والصفح. وأيضًا فإنه كان يعفو عن حقّه لمصلحة التأليف، وجمع الكلمة، ولئلّا يُنفّر الناس عنه، ولئلّا يتحدّثوا أنه يقتل أصحابه، وكل هذا مختصّ بحياته - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم -. انتهى كلام ابن القيّم -رحمه اللَّه تعالى-. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الذي قاله ابن القيّم -رحمه اللَّه تعالى- هو الحقّ عندي. وحاصله وجوب قتل من سبّه - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم - مطلقًا، سواء كان مسلمًا، أو ذميًّا؛ لحديث الباب، وغيره من الأدلة المتقدّمة، ولأنه إجماع الصدر الأول، كما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه اللَّه تعالى-. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٠٧٣٨٨ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ, قَالَ: حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ مُعَاذٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ, عَنْ تَوْبَةَ الْعَنْبَرِيِّ, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قُدَامَةَ بْنِ عَنَزَةَ, عَنْ أَبِي بَرْزَةَ الأَسْلَمِيِّ, قَالَ: أَغْلَظَ رَجُلٌ لأَبِى بَكْرٍ الصِّدِّيقِ, فَقُلْتُ: أَقْتُلُهُ, فَانْتَهَرَنِي, وَقَالَ: لَيْسَ هَذَا لأَحَدٍ, بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (عمرو بن عليّ) الفلاّس الصيرفيّ البصريّ، ثقة ثبت [١٠] ٤/ ٤. ٢ - (معاذ بن معاذ) العنبريّ، أبو المثنّى البصريّ الثقة الثبت، من كبار [٩] ٣٤/ ٣٨. ٣ - (شعبة) بن الحجاج الإمام الحجة الثبت [٧] ٢٤/ ٢٧. ٤ - (توبة) بن أبي الأسد كيسان بن راشد، أبو المُورّع البصريّ، ثقة [٤] ٣٣/ ٢١٧٦. ٥ - (عبد اللَّه بن قُدامة) بن عَنَزَة بفتح المهملة، والنون، والزاي -أبي السّوَّار العنبريّ البصريّ، والد سوار القاضي الأكبر، ثقة [٤]. روى عن أبي برزة. وعنه توبة العنبريّ. قال النسائيّ: ثقة. وذكره ابن حبّان في "الثقات". تفرد به المصنّف بهذا الحديث فقط. ٦ - (أبو برزة الأسلميّ) نَضْلة بن عُبيد الصحابيّ المشهور، أسلم - رضي اللَّه تعالى عنه - قبل الفتح، وغزا سبع غزوات، ثم نزل البصرة، وغزا خُراسان، ومات بها سنة (٦٥) على الصحيح، تقدّم في ٢/ ٤٩٥. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير عبد اللَّه بن قُدامة، فإنه من أفراده. (ومنها): أنه مسلسل

стр. 15683

بالبصريين. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ أَبِي بَرْزَةَ الأَسْلَمِيّ) - رضي اللَّه تعالى عنه -، أنه (قَالَ: أَغْلَظَ رَجُلٌ لِأَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ) يقال: أغلظ له في القول إغلاظا: إذا عنّفه، والمعنى أن رجلاً عنّف أبا بكر - رضي اللَّه تعالى عنه - على أمر، إما على قسمة شيء، كما قال ذلك المنافق للنبيّ - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم - حينما قسم الغنيمة: إن هذه قسمة ما أريد بها وجه، أو على أمر آخر. واللَّه تعالى أعلم. قال أبو برزة - رضي اللَّه تعالى عنه - (فَقُلْتُ: أَقْتُلُهُ) وفي الرواية الآتية: "ألا أضرب عنقه؟ "، وفي رواية: "قال: غضب أبو بكر على رجل غضبًا شديدا، حتى تغيّر لونه، قلت: يا خليفة رسول اللَّه، واللَّه لو أمرتني لأضربنّ عنقه، فكأنما صُبّ عليه ماء بارد، فذهب غضبه عن الرجل" (فَانْتَهَرَنِي) أي زجرني عن قتله (وَقَالَ: لَيْسَ هَذَا) أي قتل من أساء إلى وليّ الأمر، وأغضبه (لِأَحَدٍ، بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ) قال الإمام أحمد -رحمه اللَّه تعالى- مفسّرًا كلام أبي بكر - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا: أي لم يكن لأبي بكر أن يقتل رجلاً إلا بإحدى ثلاث التي قالها رسول اللَّه - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم -: "كُفرٌ بعد إيمان، أو زنًا بعد إحصان، أو قتل نفس بغير نفس"، وكان للنبيّ - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم - أن يقتل. انتهى. ذكره أبو داود في "سننه" (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث أبي بكر - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا صحيح. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-١٦/ ٤٠٧٣ و ١٧/ ٤٠٧٤ و ٤٠٧٥ و ٤٠٧٦ و ٤٠٧٧ و ٤٠٧٨ و ٤٠٧٩ - وفي "الكبرى" ١٦/ ٣٥٣٤ و ١٧/ ٣٥٣٥ و ٣٥٣٦ و ٣٥٣٧ و ٣٥٣٨ و ٣٥٣٩ و ٣٥٤٠. وأخرجه (د) في "الحدود" ٤٣٦١ (أحمد) في "مسند العشرة"، وصححه الحاكم في "مستدركه". واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة) في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان حكم من سبّ النبيّ - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم -، وهو القتل، ووجه الاستدلال أنّ قول أبي بكر - رضي اللَّه تعالى

стр. 15684

عنه - هذا يدلّ على أنه - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم - مختصّ بقتل من أغضبه، ومعلوم أن من سبه - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم - يُغضبه؛ لأن ذلك يعود إلى الطعن في رسالته، وذلك كفر باللَّه تعالى؛ لكونه اتهامًا في عصمته إياه مما يوجب سبّه، وعيبه. (ومنها): أن غيره - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم - من الولاة ونحوهم، ليس له أن يقتُل من أغضبه، وإن بلغ به الغضب ما بلغ؛ لأن سبّه لا يبلغ الطعن في اللَّه تعالى، كما كان في شأن النبيّ - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم -، وإنما لهم القتل فيما شرع اللَّه تعالى لهم به، كما في حديث: "لا يحلّ دم امرئ مسلم، إلا بإحدى ثلاث" كما سبق في كلام الإمام أحمد -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): ما كان عليه أبو بكر - رضي اللَّه تعالى عنه - من التحمّل والعفو فيمن اعتدى عليه. (ومنها): ما كان عليه أبو برزة - رضي اللَّه تعالى عنه - من طاعة أبي بكر - رضي اللَّه تعالى عنه -، وحبّه له، حيث غضب لغضبه، وطلب منه أن يؤدّب الذي أساء إليه الأدب، وينكل به، حتى لا يجتريء عليه أحد بعده. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. "إن أريد إلا الإصلاح، ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ١٧ - (ذِكْرُ الاخْتِلَافِ عَلَى الأَعْمَشِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ) قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: وجه الاختلاف المذكور أن أبا معاوية رواه عن الأعمش، عن عمرو بن مرّة، عن سالم بن أبي الجعد، عن أبي برْزَة، وخالفه يعلى بن عُبيد، فرواه عن الأعمش، عن أبي الْبَخْتَريّ، عن أبي برزة، وتابعه عليه أبو عوانة. والذي يظهر لي أن هذا الاختلاف، لا يضرّ؛ لإمكان حمله على أن الأعمش رواه عن كلّ من سالم بن أبي الجعد، وأبي البَخْتَريّ. وكان الأصل ترجيح رواية أبي معاوية على رواية يعلى وأبي عوانة؛ لأنه هو المقدّم من أصحاب الأعمش في الأعمش بعد سفيان الثوريّ، لكن اتفاقهما يقوّي حفظهما للحديث، فيكون الحديث ثابتًا بالطريقين. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.

стр. 15685

٤٠٧٤ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَا, قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ, عَنِ الأَعْمَشِ, عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ, عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ, عَنْ أَبِي بَرْزَةَ, قَالَ: تَغَيَّظَ أَبُو بَكْرٍ عَلَى رَجُلٍ, فَقُلْتُ مَنْ هُوَ؟ يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ, قَالَ: لِمَ؟ قُلْتُ: لأَضْرِبَ عُنُقَهُ, إِنْ أَمَرْتَنِي بِذَلِكَ, قَالَ: أَفَكُنْتَ فَاعِلاً؟ قُلْتُ: نَعَمْ, قَالَ: فَوَاللَّهِ, لأَذْهَبَ عِظَمُ كَلِمَتِي الَّتِي قُلْتُ غَضَبَهُ, ثُمَّ قَالَ: مَا كَانَ لأَحَدٍ بَعْدَ مُحَمَّدٍ ﷺ ). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا. و"محمد بن العلاء": هو أبو كُريب الْهَمْدانيّ الكوفيّ، أحد مشايخ الأئمة الستّة، ثقة حافظ [١٠] ٩٥/ ١١٧. و"أبو معاوية": هو محمد بن خازم الضرير. و"عمرو بن مُرّة": هو الْجَمَليّ المراديّ الكوفيّ، ثقة عابد [٥] ١٧١/ ٢٦٥. و"سالم بن أبي الجعد رافع الْغَطَفانيّ الأشجعيّ مولاهم الكوفيّ، ثقة [٣] ٦١/ ٧٧. وقوله: "فواللَّه لأذهب الخ" هذا من قول أبي برزة - رضي اللَّه تعالى عنه -، أي أن كلامي قد عظُم عند أبي بكر - رضي اللَّه تعالى عنه - حتى زال بسبب عظمته غضبه. وقوله: ثُمّ قال الخ" أي ثم قال أبو بكر - رضي اللَّه تعالى عنه - بعد أن ذهب غضبه بسبب كلامي الذي عظُمَ عنده. والحديث صحيح، وقد سبق شرحه وما يتعلّق به من المسائل في الباب الماضي. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٠٧٥ - (أَخْبَرَنَا أَبُو دَاوُدَ, قَالَ: حَدَّثَنَا يَعْلَى, قَالَ: حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ, عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ, عَنْ أَبِي الْبَخْتَرِيِّ, عَنْ أَبِي بَرْزَةَ, قَالَ: مَرَرْتُ عَلَى أَبِي بَكْرٍ, وَهُوَ مُتَغَيِّظٌ عَلَى رَجُلٍ, مِنْ أَصْحَابِهِ, فَقُلْتُ: يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ, مَنْ هَذَا الَّذِي تَغَيَّظُ عَلَيْهِ؟ قَالَ: وَلِمَ تَسْأَلُ؟ قُلْتُ: أَضْرِبُ عُنُقَهُ, قَالَ: فَوَاللَّهِ, لأَذْهَبَ عِظَمُ كَلِمَتِي غَضَبَهُ, ثُمَّ قَالَ: مَا كَانَتْ لأَحَدٍ بَعْدَ مُحَمَّدٍ ﷺ ). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه، أبي داود سليمان بن سيف الْحَرَّانيّ، فإنه من أفراده، وهو ثقة حافظ [١١] ١٠٣/ ١٣٦. و"يعلى": هو ابن عُبيد بن أمية الطنافسيّ الكوفيّ، ثقة، من كبار [٩] ١٠٥/ ١٤٠. و"أبو الْبَخْتَريّ" بفتح الموحّدة، والمثنّاة، بينهما معجمة ساكنة-: سعيد بن فيروز الطائي مولاهم الكوفيّ، ثقة ثبت، فيه تشيّع قليل، كثير الإرسال [٣] ٣٤/ ٢٤٨٦. والحديث صحيح، وقد سبق الكلام عليه في الباب الذي قبله. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.

стр. 15686

٤٠٧٦ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى, عَنْ يَحْيَى بْنِ حَمَّادٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ, عَنْ سُلَيْمَانَ, عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ, عَنْ أَبِي الْبَخْتَرِيِّ, عَنْ أَبِي بَرْزَةَ, قَالَ: تَغَيَّظَ أَبُو بَكْرٍ عَلَى رَجُلٍ, فَقَالَ: لَوْ أَمَرْتَنِي لَفَعَلْتُ, قَالَ: أَمَا وَاللَّهِ, مَا كَانَتْ لِبَشَرٍ بَعْدَ مُحَمَّدٍ ﷺ ). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا. و"يحيى بن حمّاد": هو الشيبانيّ البصريّ، خَتَنُ أبي عوانة، ثقة عابد، من صغار [٩] ٤٣/ ٢٢٢٥. و"أبو عوانة": هو الوضّاح بن عبد اللَّه اليَشْكُريّ الواسطيّ، ثقة ثبت [٧] ٤١/ ٤٦. و"سليمان": هو الأعمش المذكور قبله. والحديث صحيح، سبق تمام البحث فيه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٠٧٧ - (أَخْبَرَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ الأَشْعَرِيُّ, قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ, عَنْ زَيْدٍ, عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ, عَنِ أَبِي نَضْرَةَ, عَنْ أَبِي بَرْزَةَ, قَالَ: غَضِبَ أَبُو بَكْرٍ عَلَى رَجُلٍ, غَضَبًا شَدِيدًا, حَتَّى تَغَيَّرَ لَوْنُهُ, قُلْتُ: يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ, وَاللَّهِ لَئِنْ أَمَرْتَنِي لأَضْرِبَنَّ عُنُقَهُ, فَكَأَنَّمَا صُبَّ عَلَيْهِ مَاءٌ بَارِدٌ, فَذَهَبَ غَضَبُهُ عَنِ الرَّجُلِ, قَالَ: ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ أَبَا بَرْزَةَ, وَإِنَّهَا لَمْ تَكُنْ لأَحَدٍ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ: هَذَا خَطَأٌ, وَالصَّوَابُ أَبُو نَصْرٍ, وَاسْمُهُ حُمَيْدُ بْنُ هِلَالٍ, خَالَفَهُ شُعْبَةُ). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "معاوية بن صالح الأشعريّ": هو أبو عبيد اللَّه الدمشقيّ، صدوقٌ [١١] ٤٩/ ٢٧٢٥ من أفراد المصنّف. و"عبد اللَّه بن جعفر": هو القرشيّ مولاهم، أبو عبد الرحمن الرّقّيّ، ثقة، لكنه تغيّر بآخره، فلم يفحُش اختلاطه [١٠] ١٧٧/ ٢٨٠. و"عبيد اللَّه": هو ابن عمرو الرّقّيّ، أبو وهب الأسديّ، ثقة فقيه، ربّما وَهِمَ [٨] ١٧٧/ ٢٨٠. و"زيد": هو ابن أبي أُنيسة واسمه زيد الجزَريّ، أبو أسامة، كوفيّ الأصل، ثم سكن الرُّها، ثقة، له أفراد [٦] ١٩١/ ٣٠٦. وقوله: "عن أبي نضرة" خطأٌ، والصواب: "عن أبي نصر"، كما بيّنه المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، حيث قال (قال أبو عبد الرحمن) النسائيّ ﵀ تَعَالَي- (هذا خطأ) أي قوله: "عن أبي نضرة" -بالضاد المعجمة، وآخره تاء التأنيث- خطأ (والصَّوَابُ أَبُو نَصْر) بالصاد المهملة، بدون تاء التأنيث (وَاسْمُهُ حُمَيْدُ بْنُ هِلَالٍ) العدويّ البصريّ، ثقة عالمٌ، توقّف فيه ابن سيرين لدخوله في عمل السلطان [٣] ٤/ ٤. وإنما حكم المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- بالخطإ على هذا السند؛ لمخالفة شعبة، لزيد

стр. 15687

ابن أبي أُنيسة وهو أحفظ منه، وأتقن، فرواه عن عمرو بن مرّة، عن أبي نصر، وتؤيّده رواية يونس بن عبيد، حيث قال: "عن حُميد بن هلال"، وهو اسم أبي نصر. والحديث صحيح بالطرق الماضية، والآتية. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ثم أشار -رحمه اللَّه تعالى- إلى صواب الرواية" فقال (خَالَفَهُ شُعْبَةُ) أي خالف زيد بن أبي أُنيسة في روايته عن عمرو بن مرّة، قائلًا عن أبي نضرة بالضاد المعجمة، وهاء التأنيث، شعبةُ بْنُ الحجّاج، فرواه عن عمرو، وقال: "عن أبي نصر" بالصاد المهملة، بدون التاء، كما بيّنه بقوله: ٤٠٧٨ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى, عَنْ أَبِي دَاوُدَ, قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ, عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ, قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا نَصْرٍ, يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي بَرْزَةَ, قَالَ: أَتَيْتُ عَلَى أَبِي بَكْرٍ, وَقَدْ أَغْلَظَ لِرَجُلٍ, فَرَدَّ عَلَيْهِ, فَقُلْتُ أَلَا أَضْرِبُ عُنُقَهُ, فَانْتَهَرَنِي, فَقَالَ: إِنَّهَا لَيْسَتْ لأَحَدٍ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ: أَبُو نَصْرٍ حُمَيْدُ بْنُ هِلَالٍ, وَرَوَاهُ عَنْهُ يُونُسُ بْنُ عُبَيْدٍ, فَأَسْنَدَهُ). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "أبو داود": هو سليمان بن داود بن الجارود الطيالسيّ البصريّ، ثقة حافظ، غلِطَ في أحاديث [٩] ١٣/ ٣٤٣. وقوله: "يُحدّث عن أبي برزة الخ" ظاهره يدلّ على أنه رواه عنه مباشرة، وليس كذلك؛ لما سيأتي أن بينهما واسطة، وهو عبد اللَّه بن مطرف بن الشخير، كما سيبينه المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- في كلامه الآتي قريبًا، إن شاء اللَّه تعالى، وعليه فيكون معنى قول عمرو بن مرّة: "سمعت أبا نصر يُحدّث عن أبي برزة" سمعته يحدّث عن حديث أبي برزة، ولا يستلزم هذا أن يسمع من أبي برزة، كما لا يخفى. والحديث صحيح، كما سبق بيانه. وقوله (قَالَ أَبُو عَبْد الرَّحْمَنِ: أَبُو نَصْرٍ: حُمَيْدُ بْنُ هِلَالٍ) بيّن به أن أبا نصر الذي روى عنه عمرو بن مرّة في هذا الإسناد هو حُميد بن هلال الذي روى عنه يونس بن عُبيد في السند التالي. وقوله (وَرَوَاهُ عَنْهُ يُونُسُ بْنُ عُبَيْدٍ فَأَسْنَدَهُ) أشار به أن يونس بن عُبيد خالف عمرو بن مرّة في هذا الإسناد، وذلك أن عمرًا رواه منقطعًا، حيث لم يذكر الواسطة بين حميد بن هلال، وأبي برزة - رضي اللَّه تعالى عنه -، وخالفه يونس بن عُبيد، فأسنده، أي رواه متّصلًا بذكر الواسطة بين حميد بن هلال، وأبي برزة الأسلميّ، وهو عبد اللَّه بن مطرّف ابن الشخّير. واللَّه تعالى أعلم.

стр. 15688

[تنبيه]: أراد المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- بقوله: "فأسنده" الإسنادَ بمعنى الاتصال، وهو إطلاقٌ صحيح. وقد اختلف العلماء في معنى المسند، على أقوال، ذكرها في "التقريب"، مع شرحه "التدريب" فقال: قال الخطيب أبو بكر البغداديّ في "الكفاية": المسند عند أهل الحديث ما اتّصل سنده، من راويه إلى منتهاه، فشمل المرفوع، والموقوف، والمقطوع، وتبعه ابن الصبّاغ في "الْعُدّة"، والمراد اتّصال السند ظاهرًا، فيدخل ما فيه انقطاع خفيّ، كعنعنة المدلّس، والمعاصر الذي لم يثبت لُقيّه؛ لإطباق من خرّج المسانيد على ذلك. قال النوويّ كابن الصلاح: ولكن أكثر ما يُستعمل فيما جاء عن النبيّ - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم - دون غيره. وقال ابن عبد البرّ في "التمهيد": هو ما جاء عن النبيّ - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم - خاصة، متّصلًا كان، كما لك، عن نافع، عن ابن عمر، عن رسول اللَّه - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم -، أو منقطعًا، كمالك، عن الزهريّ، عن ابن عبّاس، عن رسول اللَّه - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم -، قال: فهذا مسندٌ؛ لأنه قد أُسند إلى رسول اللَّه - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم -، وهو منقطعٌ؛ لأن الزهريّ لم يسمع من ابن عبّاس. وعلى هذا القول يستوي المسند والمرفوع. وقال الحافظ: يلزم عليه أن يصدُق على المرسل، والمعضل، والمنقطع، إذا كان مرفوعًا، ولا قائل به. وقال الحاكم وغيره: لا يُستعمل إلا في المرفوع المتّصل، بخلاف الموقوف، والمرسل، والمعضل، والمدلَّس. وحكاه ابن عبد البرّ عن قوم من أهل الحديث، وهو الأصحّ، وليس ببعيد من كلام الخطيب، وبه جزم الحافظ في "النخبة"، فيكون أخصّ من المرفوع. قال الحاكم: من شرط المسند أن لا يكون في إسناده أُخبِرتُ عن فلان، ولا حُدثتُ عن فلان، ولا بلغني عن فلان، ولا أظنّه مرفوعًا، ولا رفعه فلان. انتهى ما في "التقريب" مع "التدريب" بتصرّف يسير (١). وإلى هذه الأقوال أشار السيوطيّ في "ألفيّة الأثر" بقوله: الْمُسْنَدُ الْمَرْفُوعُ ذَا اتِّصَالِ … وَقِيلَ أَوَّلٌ وَقِيلَ التَّالِي ثم ساق المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- رواية يونس بن عُبيد التي أشار إليها، فقال: ٤٠٧٩ - (أَخْبَرَنِي أَبُو دَاوُدَ, قَالَ: حَدَّثَنَا عَفَّانُ, قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ عُبَيْدٍ, عَنْ حُمَيْدِ بْنِ هِلَالٍ, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُطَرِّفِ بْنِ الشِّخِّيرِ, عَنْ أَبِي

стр. 15689

بَرْزَةَ الأَسْلَمِيِّ, أَنَّهُ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ, فَغَضِبَ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ, فَاشْتَدَّ غَضَبُهُ عَلَيْهِ جِدًّا, فَلَمَّا رَأَيْتُ ذَلِكَ, قُلْتُ: يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ, أَضْرِبُ عُنُقَهُ؟ فَلَمَّا ذَكَرْتُ الْقَتْلَ, أَضْرَبَ عَنْ ذَلِكَ الْحَدِيثِ أَجْمَعَ, إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ, مِنَ النَّحْوِ, فَلَمَّا تَفَرَّقْنَا, أَرْسَلَ إِلَيَّ, فَقَالَ: يَا أَبَا بَرْزَةَ, مَا قُلْتَ؟ , وَنَسِيتُ الَّذِي قُلْتُ, قُلْتُ: ذَكِّرْنِيهِ, قَالَ: أَمَا تَذْكُرُ مَا قُلْتَ؟ , قُلْتُ: لَا وَاللَّهِ, قَالَ: أَرَأَيْتَ حِينَ رَأَيْتَنِي غَضِبْتُ عَلَى رَجُلٍ, فَقُلْتَ: أَضْرِبُ عُنُقَهُ, يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ, أَمَا تَذْكُرُ ذَلِكَ؟ , أَوَكُنْتَ فَاعِلاً ذَلِكَ؟ قُلْتُ: نَعَمْ وَاللَّهِ, وَالآنَ إِنْ أَمَرْتَنِي فَعَلْتُ, قَالَ: وَاللَّهِ مَا هِيَ لأَحَدٍ, بَعْدَ مُحَمَّدٍ ﷺ . قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ: هَذَا الْحَدِيثُ أَحْسَنُ الأَحَادِيثِ, وَأَجْوَدُهَا, وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه، أبي داود، سليمان بن سيف الحرّانيّ، وهو ثقة، وقد تقدّم قبل ثلاثة أحاديث. و"عفّان": هو ابن مسلم الصفّار البصريّ الثقة الثبت، من كبار [١٠] ٢١/ ٤٢٧. و"يزيد بن زُيع": هو أبو معاوية البصريّ، كان يُقال له: ريحانة البصرة ثقة ثبت [٨] ٥/ ٥. و"يونس بن عُبيد": هو العبديّ، أبو عُبيد البصريّ، ثقة ثبت فاضلٌ ورعٌ [٥] ٨٨/ ١٠٩. و"عبد اللَّه بن مُطرِّف بن عبد اللَّه بن الشِّخِّير" بكسر المعجمة، وتشديد الخاء المعجمة، بعدها تحتانيّة ساكنة، ثم راء- العامريّ، أبو جَزْء بفتح الجيم، وسكون الزاي، بعدها همزة- البصريّ، صدوقٌ [٣]. روى عن أبي برزة. وعنه حُميد بن هلال، وكاتبه عطيّة السّرّاج. وقتادة. مات قبل أبيه. ذكره ابن حبّان في "الثقات". تفرد به المصنّف، وأبو داود بهذا الحديث فقط. وقوله: "أضرب عن ذلك الحديث": أي أعرض عنه، يقال: ضربت عن الأمر، وأضربت بالألف: أعرضت تركًا، أو إهمالًا. قاله الفيّوميّ. وقوله: "أجمع" توكيد لـ "ذلك الحديث". قال الفيّوميّ: وجاءوا بأجمعِهم بفتح الميم، وقد تُضمّ، حكاه ابن السِّكيت، وقبضتُ المال أجمعهُ، وجميعه، فتؤكّد به كلّ ما يصحّ افتراقه حِسًّا، أو حُكمًا. انتهى. وقوله: "إلى غير ذلك" متعلّق بحال محذوف، أي حال كونه منتقلًا إلى غير ذلك الحديث. وقوله: "من النحو": قال في "القاموس": النحو أي بفتح، فسكون-: الطريق، والجِهة، جمعه أنحاء، ونُحُو. انتهى. والمعنى هنا أنه أعرض عن ذلك الكلام الذي غضب من أجله، منتقلًا إلى غير ذلك من جهة الكلام. وقوله: "أو كنت فاعلًا" بفتح الواو، لا بسكونها: هي همزة الاستفهام، وواو العطف.

стр. 15690

وقوله: "قال أبو عبد الرحمن: هذا الحديث أحسن الأحاديث، وأجودها". الظاهر أنه أراد به أن الحديث بسند يونس بن عُبيد أجود منه بإسنادي عمرو بن مرّة، فإن رواية زيد بن أبي أُنيسة فيها غلط، وذلك قوله: "عن أبي نضرة"؛ لأن الصواب "عن أبي نصر"، ورواية شعبة عنه فيها انقطاع؛ لأنه لم يذكر عبد اللَّه بن مطرّف، وأما رواية يونس بن عُبيد فخالية عما ذُكر كلّه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح، ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ١٨ - (السِّحْرُ) قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هو -بكسر السين، وسكون الحاء المهملتين- قال ابن فارس: هو إخراج الباطل في صورة الحقّ، ويقال: هو الخدِيعة، وسحره بكلامه يسحرُهُ، بفتح عين المضارع فيهما: استماله برقّته، وحسن تركيبه. وقال الفخر الرازيّ: ولفظ السحر في عرف الشرع مُختصّ بكلّ أمر يخفى سببه، ويتخيل على غير حقيقته، ويَجري مَجرَى التمويه والخِدَاع، قال اللَّه تعالى: ﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾ [طه: ٦٦]، وإذا أُطلق ذُمَّ فاعله، وقد يُستعمل مقيّدًا فيما يُمدَح، ويُحمَد، نحو قوله - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم -: "إن من البيان لسحرا"، رواه البخاريّ، أي إن بعض البيان سحرٌ؛ لأن صاحبه يُوضّح الشيء المشكل، ويكشِف عن حقيقته بحسن بيانه، فيَستميل القلوب، كما تُستَمالُ بالسحر. وقال بعضهم: لما كان في البيان من إبداع التركيب، وغرابة التأليف ما يجذِب السامع، ويُخرجه إلى حدّ يكاد يشغله عن غيره شُبِّه بالسحر الحقيقي، وقيل: هو السحر الحلال. قاله الفيّوميّ (١). وسيأتي تمام البحث في ذلك في المسائل الآتية آخر الباب، إن شاء اللَّه تعالى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب. ٤٠٨٠ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ, عَنِ ابْنِ إِدْرِيسَ, قَالَ: أَنْبَأَنَا شُعْبَةُ, عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلِمَةَ, عَنْ صَفْوَانَ بْنِ عَسَّالٍ, قَالَ: قَالَ يَهُوديٌّ لِصَاحِبِهِ: اذْهَبْ بِنَا إِلَى هَذَا النَّبِيِّ, قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ: لَا تَقُلْ نَبِيٌّ, لَوْ سَمِعَكَ كَانَ لَهُ أَرْبَعَةُ أَعْيُنٍ, فَأَتَيَا رَسُولَ

стр. 15691

اللَّهِ ﷺ , وَسَأَلَاهُ عَنْ تِسْعِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ, فَقَالَ لَهُمْ: «لَا تُشْرِكُوا بِاللَّهِ شَيْئًا, وَلَا تَسْرِقُوا, وَلَا تَزْنُوا, وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ, إِلاَّ بِالْحَقِّ, وَلَا تَمْشُوا بِبَرِىءٍ إِلَى ذِي سُلْطَانٍ, وَلَا تَسْحَرُوا, وَلَا تَأْكُلُوا الرِّبَا, وَلَا تَقْذِفُوا الْمُحْصَنَةَ, وَلَا تَوَلَّوْا يَوْمَ الزَّحْفِ, وَعَلَيْكُمْ خَاصَّةً يَهُودُ, أَنْ لَا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ» , فَقَبَّلُوا يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ, وَقَالُوا: نَشْهَدُ أَنَّكَ نَبِيٌّ, قَالَ: «فَمَا يَمْنَعُكُمْ أَنْ تَتَّبِعُونِي؟» , قَالُوا: إِنَّ دَاوُدَ, دَعَا بِأَنْ لَا يَزَالَ مِنْ ذُرِّيَّتِهِ نَبِيٌّ وَإِنَّا نَخَافُ إِنِ اتَّبَعْنَاكَ, أَنْ تَقْتُلَنَا يَهُودُ). رجال هذا الإسداد: ستة: ١ - (محمد بن العلاء) الهمدانيّ، أبو كريب الكوفيّ، ثقة ثبت [١٠] ٩٥/ ١١٧. ٢ - (ابن إدريس) هو عبد اللَّه الأوديّ الكوفيّ، ثقة ثبت [٨] ٨٥/ ١٠٢. ٣ - (شعبة) بن الحجاج المذكور قريبًا. ٤ - (عمرو بن مرّة) بن عبد اللَّه بن طارق الْجَمَليّ المراديّ، أبو عبد اللَّه الكوفيّ الأعمى، ثقة عابد، ورمي بالإرجاء [٥] ١٧١/ ٢٦٥. ٥ - (عبد اللَّه بن سلمة) بكسر اللام -المراديّ الكوفيّ، صدوقٌ، تغيّر حفظه [٢] ١٧١/ ٢٦٥. ٦ - (صفوان بن عسّال) -بفتح العين وتشديد السين المهملتين- المراديّ الصحابيّ المشهور - رضي اللَّه تعالى عنه -، نزل الكوفة، وتقدم في "كتاب الطهارة" ٩٨/ ١٢٦. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير عبد اللَّه بن سَلِمة، فمن رجال الأربعة. (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين، غير شعبة، فإنه بصريّ. (ومنها): أن شيخه أحد التسعة الذين روى عنهم الجماعة بلا واسطة. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ صَفْوَانَ بْنِ عَسَّالٍ) - رضي اللَّه تعالى عنه -، أنه (قَالَ: قَالَ يَهُودِيٌّ لِصَاحِبهِ) أي ليهودي مثله (اذْهَبْ بِنَا) الباء للمصاحبة، أو التعدية. قاله السنديّ (إِلَى هَذَا النَّبِيِّ) يريد نبينا محمدًا - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم - (قال لهُ صاحِبُهُ) اليهودي (لَا تَقُلْ: نَبِيٌّ، لَوْ سَمِعَكَ) أي لو سمع قولك: إلى هذا النبيّ، وظهر له أنك تعتقده نبيًّا (كَانَ لَهُ أَرْبَعَةُ أَعْيُنِ) كناية عن زيادة الفرح، وفرط السرور؛ إذ الفرح يوجب قوّة الأعضاء، وتضاعفُ

стр. 15692

القُوَى يشبه تضاعف الأعضاء الحاملة لها (فَأَتَيَا رَسُول اللَّهِ ﷺ ، وَسَأَلَاهُ عَنْ تِسْعِ آيَاتٍ) جمع آية، وهي العلامة الظاهرة، تُستعمل في المحسوسات، كعلامة الطريق، وغيرها، كالحكم الواضح، والمراد بها في الحديث: إِما المعجزات التسع، كما هو المراد في قوله تعالى: ﴿وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ فِي تِسْعِ آيَاتٍ﴾ [النمل: ١٢]، وعلى هذا فالجواب في الحديث متروك، ترك ذكره الراوي، وقوله: "لا تُشركوا باللَّه شيئًا الخ" كلام مستأنف، ذُكر عقب الجواب. وإمّا الأحكام العامّة الشاملة للملل كلها، كما جُوّز ذلك في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ﴾ الآية [الإسراء: ١٠١]، وعلى هذا فالمذكور في الحديث هو الجواب، لكن زيد فيه ذِكْرُ: "وعليكم خاصّةً يهود الخ"؛ لزيادة الإفادة. قاله السنديّ (١). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قد وقع التصريح في رواية أحمد بأن هذه الآيات التسع هي المذكورة في هذا الحديث، ولفظه من طريق يزيد بن هارون، عن شعبة: "قال يهوديّ لصاحبه: اذهب بنا إلى هذا النبيّ حتى نسأله عن هذه الآيات: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ [الإسراء: ١٠١] " الحديث. فهذا صريح في كون المراد بها ما في الآية. وقال الإمام ابن كثير -رحمه اللَّه تعالى- في "تفسيره" بعد إيراد حديث الباب: ما نصّه: وهو حديث مشكل، وعبد اللَّه بن سَلِمَة في حفظه شيء، وقد تكلّموا فيه، ولعلّه اشتبه عليه التسع الآيات بالعشر الكلمات، فإنها وصايا في التوراة، لا تعلّق لها بقيام الحجة على فرعون. واللَّه أعلم. انتهى كلام ابن كثير (٢). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الذي يظهر أن قوله في هذا الحديث: "عن تسع آيات" خطأ أخطأ فيه عبد اللَّه بن سلمة لسوء حفظه، فلعلّه اشتبه عليه عشر كلمات بتسع آيات كما قاله ابن كثير -رحمه اللَّه تعالى- آنفًا، فالظاهر أنهما سألاه عن عشر كلمات، وهي التي ذُكرت في الحديث، وعاشرها قوله: "وعليكم خاصّةً يهود الخ". وأما التسع الآيات المذكورة في الآيتين الكريمتين، وهي التي أوتيها موسى ﵇ فغير العشر الكلمات التي ذُكرت في هذا الحديث، وهي أيضًا مذكورة في التوراة. واللَّه تعالى أعلم بالصواب. وقال ابن كثير أيضًا في بيان المراد بتسع آيات في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ الآية [الإسراء: ١٠١]: ما حاصله: وهي العصا، واليد، والسنين، والبحر، والطوفان، والجراد، والقُمّل، والضفادع، والدم آيات مفصّلات. قاله ابن

стр. 15693

عبّاس. وقال محمد بن كعب: هي اليد، والعصا، والخمس في "الأعراف"، والطمس، والحجر. وقال ابن عبّاس أيضًا، ومجاهد، وعكرمة، والشعبيّ، وقتادة: هي يده، وعصاه، والسنين، ونقص الثمرات، والطوفان، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم. وهذا القول ظاهر جلي، حسنٌ قويّ. وجعل الحسن البصريّ السنين ونقص الثمرات واحدة، وعنده التاسعة هي تلقّف العصا ما يأفكون. قال: فهذه الآيات التسع التي ذكرها هؤلاء الأئمة، هي المرادة ها هنا، وهي المعنيّة في قوله تعالى: ﴿فِي تِسْعِ آيَاتٍ إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ﴾ الآية [النمل: ١٢]. قال: وقد أوتي موسى ﵇ آيات أخر كثيرة، منها: ضربه الحجر بالعصا، وخروج الماء منه، ومنها تظليلهم بالغمام، وإنزال المنّ والسلوى، وغير ذلك مما أوتيه بنو إسرائيل بعد مفارقتهم بلاد مصر، ولكن ذكر ها هنا التسع آيات التي شاهدها فرعون وقومه، من أهل مصر، فكانت حجّة عليهم، فخالفوها، وعاندوها، كفرًا وجُحُودًا. انتهى المقصود من كلام ابن كثير -رحمه اللَّه تعالى-. وقوله (بَيِّنَاتٍ) صفة لـ "آيات"، أي واضحة قاطعة على صحّة النبوة، وصدق الرسالة (فَقَالَ: لَهُمْ) النبيّ - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم -، مجيبًا عن سؤالهم (لَا تُشْرِكُوا بِاللَّهِ شَيْئًا) نكره للتعميم، فالإشراك محرّم مطلقًا، سواء أشرك كثيرًا، أو قليلًا، كبيرًا، أو حقيرًا (وَلَا تَسْرقُوا) بفتح أوله، من باب ضرب (وَلَا تَزْنُوا، وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ، إِلَّا بِالْحَقِّ) أي إلا إذا ارتكبت ما يوجب قتلها، كأن تقتل نفسًا بغير حقّ، أو تزني محصنة (وَلَا تَمْشُوا بِبَرِيءٍ) الباء للتعدية (إِلَى ذِي سُلْطَانٍ) بضمّ، فسكون- يطلق على الشخص، وعلى الحجة والبرهان، وعلى الولاية، وهي المرادة هنا. قال الفيّوميّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: السلطان إذا أريد به الشخص مذكّرٌ، والسلطان: الحجة والبرهان، والسلطان: الولاية، والسلطنة، والتذكير أغلب عند الحُذّاق، وقد يؤنث، فيقال: قضتْ به السلطان: أي السَّلْطَنة. قاله ابن الأنباريّ، والزجّاج، وجماعةٌ. وقال أبو زيد: سمعتُ من أثق بفصاحته يقول: أتتنا سلْطَانٌ جائرة. والسُّلُطانُ بضمّ اللام للإتباع لُغةٌ، ولا نظير له. وقد يُطلق على الجمع، قال [من الرجز]: عَرَفْتُ وَالْعَقْلُ مِنَ الْعِرْفَانِ … أَنَّ الْغِنَى قَدْ سُدَّ بِالْحِيطَانِ إِنْ لَمْ يُغِثْنِي سَيِّدُ السُّلْطَانِ أي سيّد السلاطين، وهو الخليفة. ويقال: إنه ها هنا جمع سَلِيطٍ، مثلُ رَغِيفٍ ورُغْفان. انتهى كلام الفيّوميّ. والمعنى هنا: لا تتكلّموا بسوء فيمن ليس له ذنب عند ذي السلطنة، والحكم؛

стр. 15694

ليقتله، أو يؤذيه (وَلَا تَسْحَرُوا) بفتح الحاء المهملة، من باب قطع-: أي لا تفعلوا السّحر (وَلَا تَأْكُلُوا الرِّبَا) أي لا تتعاملوا بالربا، ولا تأخذوه (وَلَا تَقْذِفُوا) بكسر الذال المعجمة، من باب ضرب: أي لا ترموا بالزنا (الْمُحْصَنَةَ) بفتح الصاد المهملة، وكسرها -: أي المرأة العفيفة عن الزنا (وَلَا تَوَلَّوْا) -بفتح المثتاة الفوقية- أصله: تتولّوا، فحُذفت منه إحدى التاءين: أي لا تفرّوا (يَوْمَ الزَّحْفِ) بفتح الزاي، وسكون الحاء المهملة: أي يوم لقاء الجيش الكثير من العدوّ. (وَعَليْكُمْ خَاصَّةَ يَهُودُ) بحذف حرف النداء: أي يا يهود (أَنْ لَا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ) أي لا تتجاوزوا حد اللَّه تعالى فيه بالاصطياد (فَقَبَّلُوا يَدَيْه وَرِجْلَيْهِ) أي قتل اليهوديّان، ومن معهم يدي النبيّ - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم -، ورجليه، تعظيمًا، وإكرامًا له؛ لما ظهر لهم من دلائل نبوّته، وصدق رسالته (وَقَالُوا: نَشْهَدُ أَنَّكَ نَبِيٌّ، قَالَ) - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم - (فَمَا يَمْنَعُكُمْ أَنْ تَتَّبِعُونِي؟) أي فإذا علمتم، وتحقّق لديكم نبوّتي، فما الذي يمنعكم أن تدخلوا في دين الإسلام الذي تبيّن جئت به (قَالُوا: إِنَّ دَاوُدَ) ﵇ (دَعَا بِأَنْ لَا يَزَالَ مِنْ ذُرِّيَّتَهِ نَبِيٌّ) أي فنحن ننتظر ذلك النبيّ، لنتبعه. وهذا من أكاذيبهم، وأباطيلهم، فإن داود ﵇ يعلم بما أُوحي إليه أن محمدًا - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم سيكون خاتم الأنبياء، ولا يكون معه، ولا بعده نبي، وهو ليس من ذرّيّته، فلا يمكن أن يدعو بما زعموه، وعلى تقدير ثبوت ذلك منه، يُحمل على أنه دعا أن تكون النبوّة في ذريته في الزمان الذي قبل نبيّنا - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم -. وقال السنديّ -رحمه اللَّه تعالى-: وهذا منهم تكذيب لقولهم: نشهد أنك نبيٌّ, وأنهم ما قالوه عن صدق اعتقاد، ضرورة أنه - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم - كان يدّعي ختم النبوّة به - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم -، فالقول بأنه نبيّ يستلزم صدقه فيه، وانتظار نبيّ آخر ينافيه، فانظر إلى تناقضهم وكذبهم. انتهى. (وَإِنَّا نَخَافُ إِنْ اتَّبَعْنَاكَ، أَنْ تَقْتُلَنَا يَهُودُ) وهذا اعتذار آخر لتركهم الإيمان به صلى اللَّه تعالى عليه وسلم -، وهو أيضًا اعتذار باطل؛ لأنهم لو أسلموا لكانوا معه - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم -، ومع أصحابه - رضي اللَّه تعالى عنهم -، ولا تستطيع اليهود أن تقتلهم، كما لم يستطيعوا قتل عبد اللَّه بن سلام - رضي اللَّه تعالى عنه - حينما أسلم. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث صفوان بن عسّال - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا ضعيف، لسوء حفظ عبد اللَّه بن سَلِمة.

стр. 15695

(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-١٨/ ٤٠٨٠ - وفي "الكبرى" ١٨/ ٣٥٤١. وأخرجه (ت) في "الاستئذان" ٢٧٣٣ و"التفسير" ٣١٤٤ (ق) في "الأدب" ٣٧٠٥. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. [تنبيه]: زاد في "الكبرى" بعد إخراج هذا الحديث: ما نصّه: قال أبو عبد الرحمن: وهذا حديث منكر. قال أبو عبد الرحمن: حُكي عن شعبة قال: سألت عمرو بن مرّة، عن عبد اللَّه بن سلِمة؟ فقال: تعرِف، وتُنكر. قال أبو عبد الرحمن: وعبد اللَّه بن سلمة الأفطس متروك الحديث. قال أبو عبد الرحمن: كان هذا الأفطس يطلُبُ الحديث مع يحيى بن سعيد القطّان، وكان من أسنانه. انتهى (١). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: عبد اللَّه بن سَلِمَة الأفطس هذا ليس من رجال الكتب الستّة، وإنما ذكره المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- تمييزًا بينه وبين عبد اللَّه بن سَلِمَة المذكور في هذا السند، وقد أشار للفرق بينهما بشيئين: [أحدهما]: أن الذي في السند تعرِف، وتُنكِر، وأما الأفطس، فمترك الحديث. [والثاني]: أن الذي في السند متقدّم يروي عن صفوان بن عسّال، وغيره من الصحابة، والأفطس متأخّر، كان من أقران يحيى القطّان، وزملائه في طلب الحديث. ثم هذا الذي قاله المصنّف من تضعيف الأفطس، قاله غيره، فقال يحيى القطّان: ليس بثقة. وقال الفلّاس: كان وقّاعًا في الناس. وقال أحمد: ترك الناس حديثه، كان يجلس إلى أزهر، فيُحدّث أزهر، فيكتب على الأرض: كذب، كذب، وكان خبيث اللسان. وقال ابن المدينيّ: ذهب حديثه. وقال الفلّاس: سمعته يقول: حدّثني موسى ابن عُقبة، فذكرته ليحيى بن سعيد، فقال: لم يسمع منه، قدِم معنا المدينةَ، وقد مات موسى قبل ذلك. قال الفلاّس: وهو متروك الحديث. وقال أبو حاتم: متروك. وقال الساجيّ: كان يحيى ينسبه إلى الكذب. وقال أبو أحمد: سكتوا عنه. وقال سعيد بن عمرو الْبَرْدعيّ، عن أبي زرعة: كان صدوقًا، ولكنه كان يقع في يحيى بن سعيد القطّان، وعبد الواحد بن زياد. وقال ابن عديّ: مع ضعفه يُكتب حديثه. ذكر هذا كلّه في "لسان الميزان" (٢). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الثالثة): في بيان أقسام السحر: قال في "الفتح": قَال الرَّاغِب وَغَيْره: السّحْر يُطْلَق عَلَى مَعَانٍ:

стр. 15696

[أَحَدهَا]: مَا لَطُفَ وَدَقَّ، وَمِنْهُ سَحَرْتُ الصَّبِيَّ: خَادَعْته، وَاسْتَمَلْته، وَكُلّ مَن اسْتَمَالَ شَيْئًا فَقَدْ سَحَرَهُ، وَمِنْهُ إِطْلَاقَ الشُّعَرَاءَ سِحْر الْعُيُون، لِاسْتِمَالَتِهَا النُّفُوس، وَمِنْهُ قَول الأَطِبَّاء: الطَّبِيعَة سَاحِرَة، وَمِنْهُ قوله تعالى: ﴿بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ﴾ [الحجر: ١٥]: أَيْ مَصْرُوفُونَ عَنْ الْمَعْرِفَة، وَمِنْهُ حَدِيث: "إِنَّ مِنْ البَيَان لَسِحَرًا". [الثَّانِي]: مَا يَقَع بِخِدَاع، وَتَخَيِيلَات، لَا حَقِيقَة لَهَا، نَحْوَهَا مَا يَفْعَلَهُ الْمُشعْوِذ مِنْ صَرْف الأَبْصَار، عَمَّا يَتَعَاطَاهُ بِخِفَّةِ يَده، وَإِلَى ذَلِكَ الإشَارَة بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾ [طه: ٦٦]، وقوله تعالى: ﴿سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ﴾ [الأعراف: ١١٦]، وَمِنْ هُنَاكَ سَمَّوُا مُوسىَ سَاحِرا. وَقَدْ يَسْتَعِين فِي ذَلِكَ بِمَا يَكُون فِيهِ خَاصِّيَّة، كَالحَجَرِ الَّذِي يَجْذِبُ الحَدِيد الْمُسَمَّى الْمِغْنَطِيس. [الثَّالِث]: مَا يَحْصُل بمُعاونَةِ الشَّيَاطِين، بِضَرْب مِنْ التَّقَرُّب إلَيْهِمْ، وَإلَى ذَلِكَ الإِشَارَة بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ [البقرة: ١٠٢]. [الرَّابع]: مَا يَحْصُل بِمُخَاطَبَةِ الْكَوَاكِب، وَاسْتِنْزَال رُوحَانِيَّاتهَا بِزَعْمِهِمْ. قَالَ ابْن حَزْم: وَمِنْهُ مَا يُوجَد مِنْ الطَّلْسَمَات، كَالطَّابع المَنْقُوش فِيهِ صُورَة عَقْرَب، فِي وَقْت كَوْن الْقَمَر فِي الْعَقْرَب، فَيَنْفَع إِمْسَاكه مِنْ لَدْغَةَ الْعَقْرب. وَكَالمُشَاهَدِ بِبَعْضِ بِلَاد الغَرْب -وَهِيَ سَرْقَسْطَة- فَإِنَّهَا لَا يَدْخُلهَا ثُعْبَان قَطُّ، إِلَّا إِنْ كَانَ بِغَيْرِ إِرَادَته. وَقَدَ يَجْمَع بَعْضهمْ بَيْن الأَمْرَيْنِ الأَخِيرَيْنِ، كَالِاسْتِعَانةِ بِالشَّيَاطِينِ، وَمُخَاطَبَة الكَوَاكِب، فَيَكُون ذَلِكَ أَقْوَى بِزَعْمِهِمْ. قَالَ أَبُو بَكْر الرَّازِيُّ فِي "الأْحَكام" لهُ: كان أهل بابِل، قوما صابِئِين، يعبُدُون الكواكِب السَّبعة، ويُسمونها آلِهة، ويعتقِدُون أنها الفعَّالة لِكُل ما في العالم، وعمِلُوا أوثانا على أسمائِها، ولِكُل واحِد هيكل، فِيهِ صنمه، يتقرَّب إِليهِ بِما يُوافِقهُ بِزعمِهِمِ، من أدعِية، وبخُور، وهُم الذين بُعِث إِليهِم إِبراهِيمُ ﵇، وكانت علُومهم أحكام النجُوم، ومع ذلِك فكان السّحرة مِنهُم، يستعمِلُون سائِر وُجُوه السحر، وينسُبُونها إِلى فِعل الكواكِب؛ لِئلا يُبحث عنها، وينكشِف تموِيهُهُم. انتهى. ثُمَّ السِّحْر يُطلق، وُيراد بِهِ الآلة الَّتِي يُسحر بهِا، ويُطلق ويراد بِهِ فِعل السَّاحِر، والآلة تارة تكُون معنى من المعانِي فقط، كالرُّقى، والنَّفثِ في العُقد. وتارة تكُون بِالمحسُوساتِ، كتصوِيرِ الصُّورة على صُورة المسحُور. وتارة بِجمع الأمرينِ: الحِسِّيّ، والمعنويّ، وهُو أبلغ. انتهى ما في "الفتح" (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه

стр. 15697

المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في أن السحر، هل له حقيقة، أم لا؟: ذهبت طائفة إلى أن السحر تَخْيِيل، ولا حقِيقة لهُ، وهذا اختِيار أبِي جعْفر الإستِرباذِيّ، من الشَّافِعِيّة، وأبِي بكر الرَّازِيَّ، من الحنفِية، وابن حزْم الظَّاهِرِيّ، وطائفة. وذهبت طائفة إلى أن لهُ حقِيقة، قال النَّووِي: وهو الصحِيح وبِهِ قطع الجمهور، وعليهِ عامة العُلماء، ويدُل عليهِ الكِتاب، والسُّنَّة الصَّحِيحة المشهُورة. انتهى. قال الحافظ في "الفتح": لكِنْ محلّ النزاع، هك يقع بِالسِّحرِ انقِلاب عين، أوْ لا؟، فمن قال: إِنَّهُ تخيِيل فقط، منع ذلِك، ومن قال: إِنَّ لهُ حقِيقة، اختلفُوا، هل له تأثير فقط، بِحيثُ يُغير المزَاج، فيكُون نوْعًا من الأمراض، أوْ يتتهِي إِلى الإحالة، بِحيثُ يصِير الجماد حيوانا مثلاً، وعكسه؟: فالذِي عليهِ الجمهُور هُو الأوَّل. وذهبت طائِفة قييلة إِلى الثانِي. فإِن كان بِالنَّظرِ إِلى القُدْرة الإلهِيَّة، فمُسلم، وإن كان بالنظرِ إِلى الواقِع، فهُو محلّ الخلاف، فإن كثِيرًا مِمن يدعِي ذلِك، لا يستطِيع إِقامة البرهان عليهِ. ونقل الخطابِيّ أن قوْما أنكرُوا السحر مُطلقا، وكأنَّهُ عنى القائِلين بأنهُ تخيِيل فقط، وإلاَّ فهِي مُكابرة. وقال المازِرِيّ: جمُهُور العُلماء على إِثبات السحر، وأن لهُ حقيقة، ونفى بغضهم حقِيقته، وأضاف ما يقع مِتهُ إِلى خيالات باطِلة، وهُو مردُود؛ لِوُرُودِ النَّقل بإِثباتِ السِّحر، ولِأنَّ العقل لا يُنكِر أن اللَّه قدْ يخرِق العادة عِتد نُطق الساحِر بِكلام مُلفَّق، أوْ تركِيب أجسام، أوْ مزج بين قُوْى على ترتِيب مخصُوص، ونظِير ذلِك ما يقع من حُذَّاق الأطِباء، من مزج بعض العقاقِير بِبغض، حتّى ينْقلِب الضَّارّ مِتها بِمُفردِهِ بِالتَّرْكِيب نافِعا. وقِيل: لا يزِيد تأثِير السِّحْر على ما ذكر اللَّه تعالى في قوْله: ﴿يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ﴾ الآية [البقرة: ١٠٢]؛ لِكوْنِ المقام مقام تهوِيل، فلو جاز أن يقع بِهِ أكثر من ذلِك لذكرهُ. قال المازِرِيّ: والصحِيح من جِهة العقل، أنهُ يجُوز أن يقع بِهِ أكثر من ذلِك، قال: والآية ليست نصًّا في منع الزيادة، ولوْ قُلنا: إِنها ظاهِرة في ذلِكً. ثُمَّ قال: والفرق بين السحر، والمعجِزة، والكرامة، أنَّ السِّحر يكُون بمُعاناةِ أقوال وأفعال، حتَّى يتم لِلساحِرِ ما يُرِيد، والكرامة لا تحتاج إِلى ذلِك، بك إنَّما تقع غالِبا اتّفاقًا، وأمَّا المعجِزة، فتمتاز عن الكرامة بِالتَّحدَّي. ونقل إِمام الحرمينِ الإجماع على أنَّ السحر، لا يظهر إِلا من فاسِق، وأن الكرامة لا تظهر على فاسِق. ونقل النَّووِي في زِيادات، "الرَّوْضة" عن المتولِّي نحو ذلِك. ويتبغِي أن يُعتبر بِحالِ من يقع الخارِق مِنهُ،

стр. 15698

فإن كان مُتمسكا بِالشرِيعةِ، مُتجنبا لِلمُوبِقاتِ، فالذِي يظهر على يده، من الخوارِق كرامة، وإلاَّ فهُو سِحْر؛ لِأنة ينشأ عن أحد أنواعه، كإِعانةِ الشَّياطِين. وقال القُرطُبِيّ: السحر حِيل صِناعِيَّة، يُتوصَّل إِليها بِالاكتِساب، غير أنَّها لِدِقتِها، لا يُتوصل إِليها إِلا آحاد الناس، ومادَّته الوُقُوف على خواصّ الأشياء، والعِلم بِوُجُوهِ تركِيبها، وأوْقاته، وأكثرها تخييلات بغيرِ حقِيقة، وإيهامات بِغيرِ ثُبُوت، فيغظُم عند من لا يعرِف ذلِك، كما قال اللَّه تعالًى عن سحرة فِرْعوْن: ﴿وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾ [الأعراف: ١١٦]، مع أنَّ حِبالهم وعِصِيهم، لم تخرُج عن كوْنها حِبالا وعِصِيًّا. ثُمَّ قال: والحقّ أَنَّ لِبعض أصناف الصحر تأثيرًا في القُلُوب، كالحب والبُغض، وإلقاء الخير والشَّرّ، وفِي الأبدانِ بالألمِ والسَّقَم، وإنَّما المنكُور، أنَّ الجماد يتقلِب حيوانا، أوْ عكسه بسِحْرِ السّاحِر، أو نحْو ذلِك. انتهى ما "الفتح" (١). وهو بحث نفيسٌ جدا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): في حكم السحر: قال في " الفتح": ما حاصله: استُدِلَّ بقوله تعالى: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا﴾ الآية [البقرة: ١٠٢]- على أنَّ السِّحر كُفر، ومُتعلِّمه كافِر، وهُو واضِح في بعض أنواعه التِي قدَّمتها، وهُو التعبد لِلشياطِين، أوْ لِلكواكِب، وأمّا النَّوْع الآخر الذِي هُو من باب الشَّعودة، فلا يكفر بِهِ من تعلَّمهُ أصْلًا. قال النَّووِيّ: عمل السحر حرام، وهُو من الكبائِر بِالإجماعِ، وقد عدَّهُ النَّبِيّ ﷺ من السبع الموبقات، ومِنهُ ما يكُون كُفرًا، ومِنهُ ما لا يكُون كُفرا، بك معصِية كبِيرة، فإن كان فيهِ قوْل، أً وْ فِعل يقتضِي الكُفر، فهُو كُفر، وإلا فلا. وأما تعلُّمه، وتعليمه فحرام، فإن كان فِيهِ ما يقتضِي الكُفر كفر، واستُتِيب مِنهُ، ولا يُقتل، فإِن تاب قُبِلت توْبته، وإن لم يكُن فِيهِ ما يقتضِي الكُفر عُزر. وعق مالِك: السَّاحِر كافِر، يُقتل بِالسَّحرِ، ولا يستتاب، بك يتحتَّم قتله، كالزندِيقِ. قال عِياض: وبِقوْلِ مالِك قال أحمد، وجماعة من الصَّحابة، والتَّابِعِين. وقد أجاز بعض العُلماء، تعلم السِّحر لأحدِ أمرينِ: إما لِتميِيزِ ما فِيهِ كُفر من غيره، وإمَّا لإزالتِهِ علّق وقع فِيهِ: فأمَّا الأول: فلا محذُور فِيهِ، إِلا من جِهة الاعتِقاد، فإِذا سلِم الاعتِقاد، فمعرِفة الشيء بِمُجرَّدِهِ، لا تستلزِم منعًا، كمن يعرِف كيفِية عِبادة أهل الأوْثان لِلأوْثانِ؛ لِأنَّ

стр. 15699

كيفِية ما يعملهُ السَّاحِر، إِنما هِي حِكاية قوْل، أوْ فِعل، بِخِلافِ تعاطِيه، والعمل بِهِ. وأمَّا الثانِي: فإِن كان لا يتِمّ كما زعم بعضهم، إِلاَّ بِنوْع من أنواع الكُفر، أوْ الفِسق، فلا يحِل أصلا، وإلا جاز؛ لِلمعنى المذكور. وهذا فصلُ الخطاب في هذِهِ المسألة. قال الحافظ -رحمه اللَّه تعالى-. ما حاصله: وفِي إِيرإد البخاريّ، قوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا﴾ [البقرة: ١٠٢]، إشارة إِلى اختِياره الحكم بكُفرِ السَّاحِر؛ لِقوْلهِ فِيها: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْر﴾ [البقرة: ١٠٢]، فإن ظاهِرها أنهم كفرُوا بِذلِك، ولا يكفر بِتعليمِ الشيء، إِلا وذلِك الشيء كُفر، وْكذا قوْله في الآية على لِسان الملكينِ: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ﴾ [البقرة: ١٠٢]، فإن فِيهِ إِشارة إِلى أن تعلُّم السِّحر كُفر، فيكُون العملُ بِهِ كُفرا، وهذا كُلّه واضِح على ما قِرَّرْته مِن العمل بِبعْضِ أنواعه. وقذ زعم بعضهم أن السِّحر، لا يصِحّ إِلاَّ بِذلِك، وعلى هذا فتسمِيه- ما عدا ذلِك سِحرا مجاز، كإِطلاقِ السحر على القوْل البليغ. انتهى المقصود من كلام الحافظ -رحمه اللَّه تعالى- (١). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الذي ذكره الحافظ -رحمه اللَّه تعالى-، وقرره بحث نفيسٌ جدًّا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة السادسة): في اختلاف أهل العلم في قتل الساحر: قال الإمام ابن القيّم -رحمه اللَّه تعالى- في "زاد المعاد": أخرج الترمذيّ عنه - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم -: "حدّ الساحر ضربةٌ بالسيف"، والصحيح أنه موقوف على جندب بن عبد اللَّه. وصح عن عمر - رضي اللَّه تعالى عنه - أنه أمر بقتله، وصح عن حفصة - رضي اللَّه تعالى عنها - أنها قتلت مُدبّرةً سحرتها، فأنكر عليها عثمان، إذ فعلته دون أمره. وروي عن عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - أيضًا أنها قتلت مدبّرة سحرتها. وروي أنها باعتها. ذكره ابن المنذر وغيره. وقد صحّ أن رسول اللَّه - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم - لم يقتل من سحره من اليهود، فأخذ بهذا الشافعيّ، وأبو حنيفة --رحمهما اللَّه تعالى--، وأما مالك، وأحمد --رحمهما اللَّه تعالى-- فإنهما يقتلانه، ولكن منصوص أحمد -رحمه اللَّه تعالى- أن ساحر أهل الذمة لا يُقتل، واحتجّ بأن النبيّ - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم - لم يقتل لبيد بن الأعصم اليهوديّ حين سحره. ومن قال بقتل ساحرهم يُجيب عن هذا بأنه لم يُقرّ، ولم تقم عليه بيّنة، وبأنه خشي - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم - أن يُثير على الناس شرًّا بترك إخراج السحر من

стр. 15700

البئر، فكيف لو قتله. انتهى كلام ابن القيّم -رحمه اللَّه تعالى- (١). وقال في "الفتح": ما حاصله: اسْتُدِلَّ بِقصّة عائشة في سحر اليهوديّ له - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم -، على آن السَّاحِر لا يُقْتَل حدًّا، إِذا كان لهُ عهد، وأمَّا ما أخرجهُ التزمِذِي من حدِيث جُندُب، رفعهُ، قال: "حد السَّاحِر ضربه بِالسيفِ"، ففِي سنده ضعف، فلو ثبت لخُصّ مِنهُ من لهُ عهد، وتقدم فِي "الجِزية" من رِواية بجالة (٢): "أن عُمر كتب إِليهِم أن اقتُلُوا كُل ساحِر وساحِرة"، وزاد عند الرَّزَّاق، عن ابن جُريج، عن عمرو بن دِينار، في رِوايته عن بجالة. "فقتلنا ثلاث سواحِر"، أخرج البُخارِيّ أصل الحدِيث، دُون قِصَّة قتل السَّواحِر. قال ابن بطال: لا يُقتل ساحِر أهل الكِتاب، عِتد مالِك، والزهرِي، إِلا أن يقتُل بِسِحرِهِ فيُقتل، وهُو قوْل أبِي حنِيفة، والشَّافعِيّ، وعق مالِك إن أدخل بِسِحرِهِ ضررًا على مسلِم، لم يُعاهد عليهِ، نقض العهد بذلِك، فيحِلّ قتله. وانما لم يقتُل النبِي ﷺ لبِيد بن الأعصم؛ لأنةُ كان لا ينتقِم لِنفسِهِ، ولأنةُ خشي إذاً قتلهُ أن تثُور بِذلِك فِتنة، بين المسلِمِين وبين حُلفائهِ من الأنصار، وهُو من نمط ما راعاهُ، من تزك قتل المنافِقِين، سواء كان لبِيد يهُودِيَّا، أوْ مُنافِقا، على ما سيأتي من الِاختِلاف فِيهِ. قال: وعِند مالِك أن حُكم السَّاحِر، حُكم الزنْديق، فلا تُقبل توْبته، ويُقتل حداً، إِذا ثبت عليهِ ذلِك، وبِهِ قال أحمد. وقال الشافِعِي: لا يُقتل إِلا إٍ ن اعترف بِسِحرِهِ، فيُقتل بِهِ، فإن اغترف أن سِحرهُ قدْ يقتُل، وقد لا يقتُل، وأنهُ سحرهُ، وأنهُ مات لم يجِب عليهِ القِصاص، ووجبت الدِّية في ماله، لا على عاقِلته، ولا يُتصوْر القتل بِالصحرِ بِالبيِّنةِ، وادعى أبُو بكِر الرَّازِيُّ في "الأحكام" أن الشافِعِي تفرد بِقوْلِهِ: إِنَّ السَّاحِر يُقتل قِصاصًا، إِذا اعترف أنهُ قتلهُ بِسِحرِهِ. واللَّه أعلم. قال النووِي: إن كان الصحر قوْلاً أوْ فِعلا يقتضِي الكُفر، كفر السَّاحِر، وتُقبل توْبته إِذا تاب عندنا، واذا لم يكُن في سِحره ما يقتضِي الكُفر، عُزر، واستُتِيب. انتهى ما في "الفتح" (٣). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الذي يترجح عندي أن قتل الساحر مطلقًا هو الحقّ، إلا إذا ترتب على تركه مصلحة، كما ترك النبيّ - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم - لبيد بن الأعصم، كما سيأتي. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة السابعة): في حكم النُّشرة، وهي بضمّ النون، وسكون المعجمة-: حَلّ

стр. 15701

السَّحر عن المْسحُور. وقيل: هي ضرب من العلاج، يُعالج به من يُظن أن به سحرًا، أو مسَّا من الجن، سميت بذلك لأنةُ يُكشف بها عنهُ ما خالطهُ من الدَّاء. قال الإمام البخاريّ -رحمه اللَّه تعالى- في "صحيحه": "باب هل يُستخرج السحر". وقال قتادة: قلت لسعيد بن المسيّب: رجلٌ به طبٌّ، أو يؤخذ عن امرأته (١)، أيُحلّ عنه، أو يُنشر؟ قال: لا بأس به، إنما يريدون به الإصلاح، فأما ما ينفع، فلم يُنه عنه. انتهى. فقال في "الفتح": قوْله: "باب هل يُستخرج السحر؟ " كذا أوْرد الترجمة بِالاستِفهام، إِشارة إِلى الاختِلاف، وصدَّر بِما نقلهُ عن سعِيد بن المُسيب من الجواز، إِشارة إِلى ترْجِيحه. قوْله: "وقال قتادة: قُلت لِسعِيدِ بن المُسيَّب إِلخ" وصلهُ أبُو بكر الأثرم في "كِتاب السُّنن" من طرِيق أبان العطار، عن قتادة، ومِثله من طرِيق هِشام الدَّستُوائِي، عن قتادة، بِلقظِ: "يلتمِس من يُداوِيه، فقال: إِنما نهى اللَّه عمَّا يضر، ولم ينه عمَّا ينفع". وأخرجهُ الطبرِي في "التهذِيب" من طرِيق يزِيد بن زُريع، عن قتادة، عن سعِيد بن المُسيَّب، أنهُ كان لا يرى بأسّا، إِذا كان بِالرجُلِ سِحْر، أن يمْشِي إِلى من يُطلِق عنهُ، فقال: هُو صلاح. وُيوافِق قوْل سعِيد بن المُسيَّب هذا، ما في حدِيث جابِر - رضي اللَّه تعالى عنه -، عِند مسْلِم، مرفُوعّا: "من استطاع أن يتفع أخاهُ فليفعل". قال قتادة: وكان الحسنُ يكره ذلِك، يقُول: لا يعلم ذلِك إِلا ساحِر، قال: فقال سعِيد بن المُسيَّب: إِنما نهى اللَّه عمَّا يضر، ولم ينه عمَّا يتفع. وقد أخرج أبُو داوُد في "المراسِيل" عن الحسن، رفعهُ "النُّشرة من عمل الشيطان"، ووصلهُ أحمد، وأبُو داوُد بسند حسن، عن جابِر. قال ابن الجوزي: النُّشْرَة حل السحر عن المسْحُور، ولا يكاد يقدِر عليهِ إِلا من يعرِف السَّحر. وقد سُئل أحمد عمَّن يُطلِق السحر عن المسْحُور؟ فقال: لا بأس بِهِ. وهذا هُو المُعتمد. ويُجاب عن الحديث، والأثر بِأنَّ قوْله: "النُّشرة من عمل الشيطان" إِشارة إِلى أصلها، ويختلِف الحُكم بِالقصدِ، فمن قصد بها خيرًا، كان خيرًا، وإلا فهُو شرّ.

стр. 15702

ثُمّ الحصر المنقول عن الحسنُ، ليس على ظاهِره؛ لأنةُ قدْ ينحل بِالرُّقى، والأدْعِية، والتَّعْوِيذ، ولكِن يحتمِل أنْ تكُون النشرة نوْعينِ. انتهى. وُيوْيِّد مشرُوعِيَّة النشرة ما ثبت في "الصحيح" في حدِيث: "العينُ حقّ" من الأمر باغتِسال العائن لمن أصابه بعينه. وقد أخرج عند الرَّزاق من طرِيق الشعبِي قال: لا بأس بالنُّشرةِ العربيَّة، التِي إِذا وُطِئت لا تضرهُ، وهِي أن يخرُج الإنسان في موْضِع عِضاهٍ، فيأخُذ عن يمِينه، وعن شِماله، من كُل، ثُمَّ يدُقهُ، ويقرأ فِيهِ، ثُمَّ يغتسِل بِهِ. وذكر ابن بطال: أنَّ في كُتُب وهب بن مُنبه، أن يأخُذ سبع ورقات، من سِدْر أخضر، فيدُقهُ بين حجرينِ، ثُمَّ يضرِبهُ بِالماءِ، ويقرأ فِيهِ آية الكُرْسِي، والقواقِل، ثُمَّ يحسُو مِنهُ، ثلاث حسوات، ثُمَّ يغتسِل بِهِ، فإِنةُ يذهِب عنهُ كُلُّ ما بِهِ، وهُو جيد لِلرّجُلِ، إِذا حُبس عن أهله. ومِمن صرّح بِجوازِ النُّشرة المُزنيَّ، صاحِب الشَّافِعِي، وأبُو جعفر الطبرِي، وغيرهما. قال الحافظ -رحمه اللَّه تعالى-: ثُمَّ وقفت على صِفة النشرة، في "كِتاب الطبّ التبوِي"، لِجعفر المستغفِرِي، قال: وجدت في خط نصُوح بن واصِل، على ظهر جُزء مِن "تفسِير قُتيبة بنِ أخمد البخاريّ"، قال: قال قتادة لِسعِيدِ بن المُسيَّب: رجُل بِهِ طِبّ، أخِذ عن امرأته، أيحِل لهُ أن يُنشر؟ قال: لا بأس، وانما يُريد بِهِ الإصلاح، فأمَّا ما يتفع، فلم ينه عنهُ. قال نصُوح: فسألنِي حماد بن شاكِر: مأ الحل؟ وما النُّشرة؟ فلم أعرِفهُما، فقال: هُو الرجُل، إِذا لم يقدِر على مُجامعة أهله، وأطاق ما سِواها، فإِن المُنتلى بِذلِك، يأخذ خزمة قُضبان، وفأسًا ذا قِطارينِ، ويضعهُ في وسط تِلك الحزمة، ثُمِ يُؤجَّج نارًا، في تِلك الحزمة، حتى إِذا ما حمِي الفأس، استخرجهُ مِن النار، وبال على حرّه، فإِنَّه يبرأ بِإذنِ اللَّه تعالى. وأمَّا النُّشرة، فإِنَّه يجمع أيام الرَّبِيع، ما قدر عليهِ من وزد المُفارة، وورد البساتِين، ثُمَّ يُلقِيها في إِناء نظِيف، ويجعل فِيهِما ماء عذبًا، ثُمَّ يُغلي ذلِك الورْد، في الماء غليًا يسِيرّا، ثُمَّ يُمهِل، حتى إِذا فتر الماء، أفاضهُ عليهِ، فإِنة يبرأ بإِذنِ اللَّه تعالى. قال حاشِد: تعلَّمت هاتينِ الفائدتينِ بِالشام. قال الحافظ: وحاشِد هذا من رُواة "الصحيح" عن البخاريّ. انتهى المقصود من عبارة "الفتح" (١).

стр. 15703

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قد تبيّن مما سبق أن الأرجح جواز النّشرة بالأشياء المباحات، التي لا توْدّي إلى الشرك؛ ومن أقوى أدلّته ما أخرجه مسلم -رحمه اللَّه تعالى- في "صحيحه" من حديث جابر - رضي اللَّه تعالى عنه -، مرفوعًا: "من استطاع أن ينفع أخاه فليفعل". واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعتُ، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكّلتُ، وإليه أنيب". ١٩ - (الْحُكْمُ فِي السَّحَرَةِ) قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الحكم الذي دلّ عليه حديث الباب، وإن كان في صحته مقال، هو الشرك، وظاهره أن المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- يرى كفر الساحر، وهو ظاهر اختيار البخاريّ -رحمه اللَّه تعالى-، حيث استدلّ على الترجمة بقوله تعالى: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ الآية [البقرة: ١٠٢]، فإن ظاهره أنهم كفروا بذلك، ولا يكفر بتعليم الشيء، إلا وذلك الشيء كفر، وكذا قوله على لسان الملكين: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾ فإن فيه إشارة إلى أن تعلّم السحر كفرٌ، فيكون العمل به كفرّا، وقد تقدّم في المسائل المذكورة في الباب الماضي أن السحر أنواع، فمنه ما يكون كفرًا، ومنه ما لا يكون كفرًا، فالأولى تنزيل رأي البخاريّ، والمصنّف -رحمهما اللَّه تعالى- على ذلك التفصيل. واللَّه تعالى أعلم بالصواب. ٤٠٨١ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ,, قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ, قَالَ: حَدَّثَنَا عَبَّادُ بْنُ مَيْسَرَةَ الْمِنْقَرِيُّ, عَنِ الْحَسَنِ, عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ,, قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ عَقَدَ عُقْدَةً, ثُمَّ نَفَثَ فِيهَا, فَقَدْ سَحَرَ, وَمَنْ سَحَرَ فَقَدْ أَشْرَكَ, وَمَنْ تَعَلَّقَ شَيْئًا وُكِّلَ إِلَيْهِ»). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (عمرو بن عليّ) الفلّاس البصريّ، ثقة حافظ [١٠] ٤/ ٤. ٢ - (أبو داود) سليمان بن داود بن الجارود الطيالسيّ البصريّ، ثقة حافظ [٩] ١٣/ ٣٤٣. ٣ - (عبّاد بن مبسرة الْمنْقري) البصريّ المعلم، ليّن الحديث، عابد [٧].

стр. 15704

قال الأثرم: ضعّفه أحمد. وقال إسحاق بن منصور، عن ابن معين: ليس به بأس. وقال الدُّوريّ، عن ابن معين: عبّاد بن ميسرة، وعبّاد بن راشد، وعبّاد بن كثير، وعباد ابن منصور، كلّهم حديثهم ليس بالقوقي، ولكنه يُكتب. وقال أبو داود: عبّاد بن ميسرة ليس بالقوي. وقال إبراهيم بن بكر الشيبانيّ، عن الهيثم بن حَبيب: شهِد عبّاد بن ميسرة عند عبّاد بن منصور، فردّ شهادته، قال: لم رددت شهادتي؟ قال: لأنك تضرب اليتيم، وتأكل مال الأرملة. وذكره ابن حبّان في "الثقات"، وقال: كان من العبّاد. وقال ابن عدي: هو ممن يُكتب حديثه. روى المصنّف له حديث الباب فقط، وعلّق له الترمذيّ حديثًا في "العلم"، وأخرج له ابن ماجه في "التفسير". ٤ - (الحسن) بن أبي الحسن يسار، أبو سعيد البصريّ، ثقة فقيه فاضل، لكنه يدلّس، ويرسل كثيرًا [٣]. ٣٢/ ٣٦. ٥ - (أبو هريرة) - رضي اللَّه تعالى عنه - ١/ ١. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، سوى عباد، كما مرّ آنفًا، وفيه انقطاع على رأي الجمهور؛ لأن الحسن لم يسمع من أبي هريرة ﵁ عندهم، وقد تقدّم تحقيق ذلك، وأن الأصحّ أنه سمع منه. (ومنها): أن شيخه أحد التسعة الذين روى عنهم الجماعة بلا واسطة. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين، غير الصحابيّ، فمدنيّ. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) - رضي اللَّه تعالى عنه -، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (مَنْ عَقَدَ عُقْدَةً) قال الفيّوميّ: عقدتُ الحبل عقدًا، من باب ضرب، فانعقد، والعُقْدة -أي بضمّ، فسكون-: ما يُمسكه، ويُوثقه. انتهى. وقال السنديّ: دأب أهل السحر أن أحدهم يأخذ خيطًا، فيعقد عليه عُقْدةً، ويتكلّم عليه بالسحر بنفث، فمن أتى بذلك، فقد أتى بعمل من أعمال أهل السحر. انتهى. (ثُمَّ نَفَثَ فِيهَا) أي بزق في تلك العقدة، قال الفيّوميّ: نفثه من فيه نَفْثًا، من باب ضرب: رمى به. ونفَثَ: إذا بزَقَ. ومنهم من يقول: إذا بزَقَ، ولا ريق معه. ونفث في الْعُقدة عند الرُّقَى، وهو البُصاق اليسير. ونفثه نَفْثًا أيضًا: سحره، والفاعل نافثٌ، ونفّاثٌ مبالغة، والمرأة نافثةٌ، ونفّاثةٌ. انتهى (١).

стр. 15705

وقال ابن الأثير: ما معناه: النفْثُ شبيه بالنفخ، وهو أقلّ من التفل؛ لأن التفل لا يكون إلا معه شيء من الريق. انتهى (١). (فَقَدْ سَحَرَ) أي عمل بأعمال أهل السحر (وَمَنَ سَحَرَ فَقَدْ أَشْرَكَ) أي فقد أتى بفعل من أفعال المشركين، أو لأنه قد يُفضي إلى الشرك، إذا اعتقد أن له تأثيرًا حقيقةً. وقيل: المراد الشرك الخفيّ بترك التوكّل، والاعتماد على اللَّه . قاله السنديّ (٢). وقد تقدّم تحقيق البحث في السحر، وأنواعه، وأحكامه في المسائل المذكورة في الباب الماضي، بتوفيق اللَّه تعالى، وله الحمد والمنّة، والثناء الحسن. (وَمَنْ تَعَلَّقَ شَيْئًا) أي علّق شيئًا بعنقه، أو عنق صغير، من التعلّق بمعنى التعليق، يقال: تَعَلّقَ الشيء تعلُّقًا، وعلّقه تعليقًا: جعله مُعلَّقَا. أفاده في "القاموس" (وُكِلَ إِلَيْهِ) بالبناء للمفعول، يقال: وَكَلتُهُ إلى نفسه، من باب وَعَدَ وُكُولاً: لم أقم لامره، ولم أُعِنه. قاله الفيّوميّ. وهو هنا كناية عن عدم عون اللَّه له. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: حديث أبي هريرة - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا ضعيف؛ للانقطاع، فإن الجمهور على أن الحسن البصريّ لم يسمع من أبي هريرة - رضي اللَّه تعالى عنه -، وقد تقدّم البحث في ذلك؛ وأن الراجح ثبوت سماعه منه في الجملة، لكنه مدلس، وقد عنعنه هنا، ولأن في إسناده عبّاد بن ميسرة، وهو متكلّم فيه، كما سبق في ترجمته قريبًا. واللَّه تعالى أعلم. وهو من أفراد المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، أخرجه هنا-١٩/ ٤٥٨١ - وفي "الكبرى" ١٩/ ٣٥٤٢. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعتُ، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكّلتُ، وإليه أنيب". … ٢٠ - (سَحَرَةُ أَهْلِ الْكِتَابِ) ٤٠٨٢ - (أَخْبَرَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ, عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ, عَنِ الأَعْمَشِ, عَنِ ابْنِ حَيَّانَ -يَعْنِي يَزِيدَ - عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ, قَالَ: سَحَرَ النَّبِيَّ ﷺ , رَجُلٌ مِنَ الْيَهُودِ, فَاشْتَكَى لِذَلِكَ

стр. 15706

أَيَّامًا, فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ ﵇, فَقَالَ: إِنَّ رَجُلاً مِنَ الْيَهُودِ سَحَرَكَ, عَقَدَ لَكَ عُقَدًا, فِي بِئْرِ كَذَا وَكَذَا, فَأَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , فَاسْتَخْرَجُوهَا, فَجِيءَ بِهَا, فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , كَأَنَّمَا نُشِطَ مِنْ عِقَالٍ, فَمَا ذَكَرَ ذَلِكَ لِذَلِكَ الْيَهُودِيِّ, وَلَا رَآهُ فِي وَجْهِهِ قَطُّ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (هنّاد بن السريّ) بن مصعب، أبو السريّ الكوفيّ، ثقة [١٠] ٢٣/ ٢٥. ٢ - (أبو معاوية) محمد بن خازم الضرير الكوفيّ، ثقة أحفظ الناس لحديث الأعمش، وقد يهم في حديث غيره [٧] ٢٦/ ٣٠. ٣ - (الأعمش) سليمان بن مِهران الكوفيّ، ثقة ثبت ورع، لكنه يدلس [٥] ١٧/ ١٨. ٤ - (يزيد بن حيّان) التيميّ، أبو حيان الكوفيّ، عمّ أبي حيّان التيميّ، من قُدماء أهل الكوفة، ثقة [٤]. قال النسائيّ ثقة. وذكره ابن حبّان في "الثقات". روى له مسلم، وله عنده حديث واحد، وأبو داود، وله عنده حديث واحد أيضًا، والمصنّف، وله عنده في هذا الكتاب حديث الباب فقط. ٥ - (زيد بن أرقم) بن زيد بن قيس الأنصاريّ الخزرجيّ الصحابيّ المشهور، أول مثاهده الخندق، وأنزل اللَّه تعالى تصديقه في "سورة المنافقين"، مات سنة (٦) أو (٦٨)، تقدّم في ١٣/ ١٣. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعي. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ) - رضي اللَّه تعالى عنه -، أنه (قَالَ: سَحَرَ النَّبِيَّ ﷺ ، رَجُلٌ مِنْ الْيَهُودِ) هو لبيد بن الأعصم، فقد أخرج البخاريّ -رحمه اللَّه تعالى- في "صحيحه" من حديث عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها -، قالت: سحر رسول اللَّه - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم - رجل من بني زُريق، يقال له: لبيد بن الأعصم". و"لبيد" بفتح اللام، وكسر الموحّدة، بعدها تحتانيّة ساكنةٌ، ثم مهملة. و"الأعصم" بمهملتين، بوزن الأحمر. و"زُريق" بزاي قبل الراء، مصغر. وفي رواية للبخاريّ: "رجلٌ من بني زُريق، حَليف اليهود، وكان منافقًا". وفي رواية لمسلم: "سحر النبيّ - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم -

стр. 15707

يهوديّ، من يهود بني زُريق". قال الحافظ -رحمه اللَّه تعالى-: ويجمع بينهما بأن من أطلق عليه أنّه يهوديّ نظر إلى ما في نفس الأمر، ومن أطلق عليه مناففًا نظر إلى ما في ظاهر أمره. وقال ابن الجوزيّ: هذا يدلّ على أنه كان أسلم نفاقًا، وهو واضحٌ. وقد حكى عياض في "الشفا" أنه كان أسلم. ويحتمل أن يكون قيل له: يهوديّ لكونه كان من حُلفائهم، لا أنه كان على دينهم. وبنو زُريق بطنّ من الأنصار، مشهور من الخزرج، وكان بين كثير من الأنصار، وبين كثير من اليهود قبل الإسلام حِلفٌ، وإخاءٌ، ووُدّ، فلما جاء الإسلام، ودخل الأنصار فيه تبرّءوا منهم. وقد بيّن الواقديّ السنة التي وقع ليها السحر، أخرجه عنه ابن سعد بسند له إلى عمر ابن الحكم، مرسلٌ، قال: "لَمّا رجع رسول اللَّه - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم - من الحديبية، في ذي الحجة، ودخل المحرم، من سنة سبع، جاءت رؤساء اليهود إلى لَبيد ابن الأعصم وكان حليفًا في بني زُريق، وكان ساحرًا - فقالوا له: يا أبا الأعصم أنت أسحرنا، وقد سحرنا محمدًا، فلم نصنع شيئًا، ونحن نجعل لك جُعْلاً على أن تسحره لنا سحرّا ينكوْه، فجعلوا له ثلاثة دنانير". (فَاشْتَكَى لِذَلِكَ أَيَّامًا) قال في "الفتح": وقع في رواية أبي ضمرة، عند الإسماعيليّ: "فاقام أربعين ليلة"، وفي رواية وُهيب، عن هشام، عند أحمد: "ستّة أشهر". ويمكن الجمع بأن تكون الستّة أشهر من ابتداء تغيّر مزاجه، والأربعين يومًا من استحكامه. وقال السُّهيلي: لم أقف في شيء من الأحاديث المشهورة على قدر المدّة التي مكث النبيّ - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم - فيها في السحر، حتّى ظفرت به في "جامع معمر"، عن الزهريّ أنه لبث ستّة أشهر. قال الحافظ: كذا قال، وقد وجدناه موصولاً بالإسناد الصحيح، فهو المعتمد. انتهى (١). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: أراد الحافظ ما سبق في رواية أحمد أنه "ستة أشهر"، فإنه بسند البخاريّ، وهو موصول بذكر عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها -، بخلاف ما في " جامع معمر"، فإنه من مرسل الزهريّ. واللَّه تعالى أعلم. زاد حديث عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - عند الشيخين: "حتى كان رسول اللَّه - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم - يُخيَّل إليه أنه كان يفعل الشيء، وما فعله". قال المازري: أتكر المبتدعة هذا الحديث، وْزعمُوا أنهُ يحُط منصِب النُّبُوّة، وُيشكَّك

стр. 15708

فِيها، قالُوا: وكُل ما أدّى إِلى ذلِك فهُو باطِل، وزعمُوا أَنَّ تجوِيز هذا يُعدِم الثقة بِما شرعهُ من الشرائِع، إِذ يُحتمل على هذا أن يُخيل إِليهِ، أنّهُ يرى جِبرِيل، وليس هُو ثم، وأنهُ يُوحِي إِليهِ بِشيء، ولم يُوح إِليهِ بِشيء. قال المازري: وهذا كُله مردُود, لأن الدّلِيل قد قام على صِدق النبِي ﷺ ، فِيما يُبلغهُ عن اللَّه تعالى، وعلى عِصمته في التنليغ، والمعجِزات شاهِدات بِتصدِيقِهِ، فتجوِيز ما قام الدّلِيل على خِلافه باطِل. وأمّا ما يتعلّق بِبعضِ أُمُور الدنيا، التِي لم يُبعث لأجلِها, ولا كانت الرّسالة من أجلها، فهُو في ذلِك عُرضة لِما يعترِض البشر كالأمراضِ، فغير بعِيد أن يُخيَّل إِليهِ في أمر من أُمُور الدنيا، ما لا حقِيقة لهُ، مع عِصمته عن مِثل ذلِك في أُمُور الدّين. قال: وقد قال بعض الناس: إِنَّ المراد بِالحدِيِثِ، أنهُ كان ﷺ ، يخيل إِليهِ أنَّه وطِىء زوجاته، ولم يكُن وطِأهُنّ، وهذا كثِيرًا ما يقع تخيله، لِلإِنسانِ في المنام، فلا يبعُد أن يُخيل إِليهِ في اليقِظة. قال الحافظ: وهذا قد ورد صبريحًا في رِواية ابن عُيينة عند البخاريّ، ولفظه: "حتى كان يرى أنهُ يأتِي النساء، ولا يأتِيهِن". وفِي رِواية الحُميدِيّ: "أنّهُ يأتِي أهله، ولا يأتِيهِم". وفِي مُرسل يحيى بن يعمُر، عِتد عبد الززاق: "سُحِر النبِي ﷺ عن عائِشة، حتى أنكر بصره". وعِنده في مُرسل سعِيد بن المُسيّب: "حتى كاد يُنكِر بصره". قال عِياض: فظهر بهذا أنَّ السّحر، إِنّما تسلط على جسده، وظواهِر جوارِحه، لا على تميِيزه ومُعتقده. ووقع في مُرسل عبد الرحمن بن كعب، عند ابن سعد: "فقالت أُخت لبِيد بن الأعصم: إن يكُن نبِيا فسيُخبرُ، والأ فسيُذهِلُهُ هذا السَّحر، حتى يذهب عقله". قال الحافظ: فوقع الشق الأول، كما في هذا الحديث الصحِيح. وقذ قال بعض العُلماء: لا يلزم من أتهُ كان يظُت أنهُ فعل الشيء، ولم يكُن فعلهُ، أن يجزِم بِفِعلِهِ ذلِك. وإنما يكُون من جِنس الخاطر يخطُر، ولا يثبُت، فلا يبقى على هذا للملجد حُجَّة. وقال عِياض: يحتمِل أن يكُون المراد بالتخيِيلِ المذكور، أنهُ يظهر لهُ من نشاطه، ما ألِفهُ من سابِق عادته، من الاقتِدار على الوًطء، فإِذا دنا من المرأة، فتر عن ذلِك، كما هُو شأن المعقود، ويكُون قوله في الرواية الأخرى: "حتى كاد يُنكِر بصره": أي صار كالذِي أنكرَ بصره، بِحيثُ إِنَّهُ إذا رأى الشيء يُخيَّل أنهُ على غير صِفته، فإذا تأمَّلهُ عرف حقِيقته. وُيوئد جميع ما تقدّم، أنّهُ لم يُنقل عنهُ، في خبر من الأخبار، أنَّهُ قال قولاً:

стр. 15709

فكان بِجلافِ ما أخبر بِهِ. وقال المهلب: صوْن النَّبِيّ ﷺ من الشياطِين، لا يمنع إِرادتهم كيدهُ، فقد مضى في "الصحيحِ"، أن شيطانًا أراد أتى يُفسِد عليهِ صلاته، فأمكنهُ اللَّه مِنهُ، فكذلِك السحر ما نالهُ من ضرره، ما يُدخِل نفصا على ما يتعلّق بِالتبليغِ، بك هُو من جِنس ما كان ينالهُ، من ضرر سائِر الأمراض، مِن ضعف عن الكلام، أوْ عجز عن بعض الفِعل، أوْ حُدُوث تخيل لا يستمِرّ، بك يزُول، ويُبطِل اللَّه كيد الشياطِين. واشتدل ابن القصار على أنَّ الذِي أصابهُ، كان من جنس المرض، بقوْلِهِ في آخِر الحديث: "فأما أنا فقد شفاني اللَّه". وفِي الاستِدلال بِذلِك نظر، لكن يُؤيد المُدَّعى أن في رِواية عمرة، عن عائشة، عِبد البيهقِى في "الدَّلائل": "فكان يدُور ولا يدرِي ما وجعه". وفِي حدِيث ابن عبّاس، عِند ابن سعد: "مرِض النبيّ ﷺ ، وأُخِذ عن النساء، والطعام، والشَّراب، فهبط عليهِ ملكانِ … " الحدِيث. انتهى (١). (فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ ﵇ وفي حديث عائشة المذكور: "حتى إذا كان ذات يوم، أو ذات ليلة، وهو عندي، لكنه دعا، ودعا، ثم قال: "يا عائشة أشعرتِ أن اللَّه أفتاني فيما استفتيته فيه؟، أتاني رجلان، فقعد أحدهما عند رأسي، والآخر عند رجلي، فقال أحدهما لصاحبه: ما وجع الرجل؛ فقال: مطبوب، قال: من طبه؛ قال: لبيد بن الأعصم، قال: في أيّ شيء؛ قال: في مُشْط ومشاطة، وجُفّ طَلْع نخلةٍ ذكر، قال: وأين هو؟ قال: في بئر ذَرْوَان، فأتاها رسول اللَّه ﷺ في ناس من أصحابه، فجاء، فقال: "يا عائشة، كأن ماءها نُقَاعة الْحِنَّاء، أو كأن رءوس نخلها، رءوس الشياطين"، قلت: يا رسول اللَّه أفلا استخرجته؛ قال: قد عافاني اللَّه، فكرهت أن أُثير على الناس فيه شرا" فأمر بها فدفنت. قال الحافظ: وقع في رواية معمر عند أحمد، ومرجّا بن رجاء عند الطبرانيّ، كلاهما عن هشام: "أتاني ملكان"، وسمّاهما ابن سعد في رواية منقطعة: جبريل، وميكائيل. انتهى. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: لا تنافي بين حديث عائشة، وحديث زيد بن أرقم - رضي اللَّه تعالى عنهما -، حيث أفرد جبريل بالذكر؛ لإمكان الجمع بأن جبريل لَمّا كان هو المسؤول، ومكاثيل هو السائل، أفرده بالذكر؛ لفضله. واللَّه تعالى أعلم.

стр. 15710

(فَقَالَ) جبريل ﵇ (إِنَّ رجُلا مِنْ الْيَهُودِ سَحَرَكَ) تقدّم أنه لَبيد بن الأعصم، ثمّ بيّن كيفية، فقال (عَقَدَ لَكَ عُقْدًا) بضمّ المهملة، وسكون القاف جمع عُقدة، بضمّ، فسكون، وسيأتي أنها إحدى عشرة عُقدة (فِي بِئْرِ كَذَا وَكَذَا) أي ثم وضعه فيها، وفي رواية للبخاري من حديث عائشة: "قال: أين هي؟ قال: هو في بئر ذَرْوَان"، وفي رواية: "تحت راعوفةٍ في بئر ذَروان". و"الرَّاعُوفة": حجر يوضع على رأس البئر، لا يُستطاع قلعه، يقوم عليه المستقي، وقد يكون في أسفل البشر. قال أبو عُبيد: هي صخرة تنزل في أسفل البشر إذا حُفرت، يجلس عليها الذي يُنظف البئر، وهو حجر يوجد صلبًا، لا يُستطاع نزعه، فيُترك. و"ذرْوان " بفتح المعجمة، وسكون الراء، وحكى ابن التين فتحها، وأنه قرأه كذلك، ولكنه بالسكون أشبه. وفي رواية عند مسلم: "في بثر ذي أروان"، وهو اسم البئر. (فَأَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ) وفي حديث عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها -: "فأتاها رسول اللَّه - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم - في ناس من أصحابه". وفي حديث ابن عبّاس - رضي اللَّه تعالى عنهما -، عند ابن سعد: "فبعث إلى عليّ، وعمَّار، فأمرهما أن يأتيا البئر"، وعنده ير مرسل عمر بن الحكم: "فدعا جُبير بن إياس الزّرَقيّ، وهو ممن شَهِدَ على موضعه في بئر ذروان، فاستخرجه"، قال: ويقال: الذي استخرجه قيس بن محصن الزرقيّ. قال الحافظ: ويُجمع بأنه أعان جبيرًا على ذلك، وباشر بنفسه، فنُسب إليه. وعند ابن سعد أيضًا: أن الحارث بن قيس قال: يا رسول اللَّه ألا يهور البئر. فيمكن تفسير من أُبهم بهؤلاء، أو بعضهم، وأن النبيّ - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم - وجَهه أوّلًا، ثم توجّه، فشاهدها بنفسه. انتهى. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الحاصل أنه لا تنافي بين حديث زيد بن أرقم، وحديث عائشة - رضي اللَّه تعالى عنهما -؛ لإمكان الجمع بأنه - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم - أرسل أوْلاً بعض أصحابه، ثم توجه إليهم، فشاهدها بنفسه. واللَّه تعالى أعلم. (فَاسْتَخْرَجُوهَا) أي أخرجوا تلك العُقد من البشر (فَجِيءَ بِهَا) وفي بعض نسخ "الكبرى": فجيء بها إليه، فحللها". وفي حديث عائشة المذكور: "فأتى النبيّ - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم - البئر، حتى استخرجه، فقال: هذه البئر التي أُريتها، وكأن ماءها نُقاعة الحناء، وكأن نخلها رؤوس الشياطين، قال: فاستُخرج". قال في " الفتح": كذا وقع في رواية ابن عُيينة، وفي رواية عيسى بن يونس: "قلت: يا رسول اللَّه، أفلا استخرجته؟ ". وفي رواية وُهيب: "قلت: يا رسول اللَّه -، فأخرجه للناس". وفي رواية ابن نُمير: "أفلا أخرجت؟ قال: لا". قال ابن بطّال: ذكر المهلّب أن

стр. 15711

الرواة اختلفوا على هشام في إخراج السحر المذكور، فأثبته سفيان، وجعل سؤال عائشة عن النُّشرة، ونفاه عيسى بن يونس، وجعل سؤالها عن الاستخراج، ولم يذكر الجواب، وصرّح به أبو أسامة، قال: والنظر يقتضي ترجيح رواية سفيان؛ لتقدّمه في الضبط. ويؤيّده أن النَّشْرة لم تقع في رواية أبي أسامة، والزيادة من سفيان مقبولة؛ لأنه أثبتهم، ولا سيّما أنه كرّر استخراج السحر في روايته مرّتين، فيبعد من الوهم، وزاد ذكر النشرة، وجعل جوابه - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم - عنها بـ "لا" بدلاً عن الاستخراج. قال: ويحتمل وجهّا آخر، فذكر ما مُحصَّله: أن الاستخراج المنفيّ في رواية أبي أُسامة غير الاستخراج المثبت في رواية سفيان، فالمثبت هو استخراج الْجُفّ، والمنفيّ استخراج ما حواه. قال: وكأنّ السرّ في ذلك أن لا يراه الناس، فيتعلّمه من أراد استعمال السحر. قال الحافظ: وقع في رواية عمرة: (فاستخرج جُفّ طلعة، من تحت راعوفة"، وفي حديث زيد بن ارقم: "فأخرجوه، فرموا به"، وفي مرسل عمر بن الحكم أن الذي استخرج السحر قيس بن محصن. كلّ هذا لا يُخالف الحمل المذكور، لكن في آخر رواية عمرة، وفي حديث ابن عبّاس: أنهم وجدوا وَتَرًا، فيه عُقد، وأنها انحلّت عند قراءة المعوّذتين، ففيه إشعار باستكشاف ما كان داخل الْجُفّ، فلو كان ثابتًا لقدَح في الجمع المذكور، لكن لا يخلو إسناد كلّ منهما من الضعف. انتهى (١). (فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ) أي برىء من مرضه. وفي حديث عائشة - رضي اللَّه تعالى - عنها، من رواية عمرة عنها: أنه وجد في الطلعة تمثالأ من شمع، تمثال رسول اللَّه - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم -، وإذا فيه إِبَرٌ مغروزة، وإذا وَتَرٌ فيه إحدى عشر عُقدةً، فنزل جبريل بالمعوْذتين، فكلّما قرأ آيةً انحلّت عُقْدة، وكلّما نزع إبرة وجد لها ألمًا، ثم يجد بعدها راحة". وفي حديث ابن عبّاس - رضي اللَّه تعالى عنهما - نحوه. وفي حديث زيد بن أرقم - رضي اللَّه تعالى عنه - عند عبد بن حُميد وغيره: "فأتاه جبريل، فنزل عليه بالمعوّذتين"، وفيه: "فأمره أن يحُلّ العقد، ويقرأ آية، فجعل يقرأ، ويحُلّ، حتى قام كأنّما نشط من عقال". وعند ابن سعد من طريق عمر مولى غُفْرة، معضلاً: "فاستخرج السحر من الجنّة من تحت البئر، ثم نزعه، فحلّه،، فكُشِف عن رسول اللَّه - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم -. ذكره في "الفتح" (٢). (كَأنَّمَا نُشِطَ مِنْ عِقَالٍ) ببناء الفعل للمفعول: أي حُلّ من رِباطه. قال ابن الأثير في

стр. 15712

"النهاية": "كأنما أُنشط من عقال": أي حُلّ، قال: وكثيرًا ما يجيء في الرواية: "نشط"، وليس بصحيح، يقال: نَشَطتُ الْعُقْدة: إذا عقدتها، وأنشطتها، وانتشطتها: إذا حلّلتها. انتهى (١). وقال الفيّوميّ: نَشَطتُ الحبلَ نَشْطًا، من باب ضرب: عقدتُه بأُنشوطة، والأُنشُوطة بضمّ الهمزة-: ربطة، دون العُقدة، إذا مُدّت بأحد طرفيها، انفتحت، وأنشطتُ الأُنشوطة بالألف: حللتها، وأنشطتُ العِقال: حللتُهُ، وأنشطت البعير من عِقَاله: أطلقتُهُ. انتهى. ونحوه في "اللسان"، و"القاموس". قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قد تبيّن بما ذُكر أهل اللغة أن صواب الرواية: "كأنما أُنشِط من عِقال" رباعيًا مبنيًا للمفعول؛ لأن نَشَطَ ثلاثيًّا للربط، وأَنْشَطَ رباعيًّا للحلّ، فلا يقال: "كأنما نُشِط من عقاله"، وإنما يقال: "أُنشِط من عقاله"، كما قاله ابن الأثير في كلامه السابق. واللَّه تعالى أعلم. و"العِقَال" بكسر المهملة، وتخفيف القاف: الحبلُ، وجمعه عَقُلٌ، مثلُ كتاب وكُتُب. (فَمَا ذَكَرَ ذَلِكَ لِذَلِكَ الْيَهُودِيِّ) وفي رواية: "فما ذكر رسول اللَّه - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم - لذلك اليهودي شيئًا مما صنع به، ولا آه في وجهه". أي لم يذكر النبيّ - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم - لليهوديّ الساحر سحره الذي شاهده، والظاهر أنه أراد لم يعاتبه على ذلك، بل عفا عنه، كما هو هديه - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم - في العفو والصفح عمن اعتدى عليه، فلا يُنافي ما ورد أنه - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم - أخذه، فاعترف، فعفا عنه. وفي مرسل عمر بن الحكم: "فقال له: ما حملك على هذا؟ قال: حبّ الدنانير". وقوله (وَلَا رَآهُ فِي وَجْهِهِ قَطُّ) أي لم ير ذلك اليهوديّ الساحر في وجهه - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم - أثر فعله السيّء، من الكراهية، والغضب، وإرادة الانتقام منه، بل عامله بالبشر واللطف كغيره من المنافقين. وفي حديث عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها -: "قلت: يا رسول اللَّه، أفلا استخرجته؟ قال: قد عافاني اللَّه، فكرهت أن أُثير على الناس فيه شرًّا". والمراد بالناس التعميم في الموجودين. قال النوويّ: خشي من إخراجه، وإشاعته ضررًا على المسلمين، من تذكّر السحر، وتعلّمه، ونحو ذلك، وهو من باب ترك المصلحة خوف المفسدة. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: ويحتمل أن يكون معنى إثارة الشرّ هو أن الصحابة إذا انتشر بينهم هذا الأمر، ربمّا يقوم بعضهم، فينتقم لرسول اللَّه - صلى اللَّه تعالى عليه

стр. 15713

وسلم، فيقتل لبيد بن الأعصم، فتكون هناك فتنة. واللَّه تعالى أعلم. ووقع في رواية بلفظ: "على أمّتيُ" فقال الحافظ: وهو قابلُ أيضًا للتعميم؛ لأن الأمة تُطلق على أمة الإجابة، وأُمّة الدعوة على ما هو أعمّ، وهو يردّ على من زعم أن المراد بالناس هنا لبِيد بن الأعصم؛ لأنه كان منافقًا، فأراد - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم - أن لا يُثير عليه شرًّا؛ لأنه كان يؤثر الإغضاء عمن يُظهر الإسلام، ولو صدر منه ما صدر. وفي حديث عمرة، عن عائشة: "فقلت: يا رسول اللَّه لو قتلته، قال: ما وراءه من عذاب اللَّه أشدّ". وأخرج ابن سعد من مرسل عكرمة أنه لم يقتله. ونقل الواقديّ أن ذلك أصحّ من رواية من قال: إنه قتله. ومن ثمّ حكى عياضٌ في "الشفا" قولين: هل قُتل، أم لم يُقتل؟. قال القرطبيّ: لا حُجة على مالك من هذه الفضّة؛ لأن ترك قتل لبيد بن الاعصم كان لخشية أن يُثير قتله فتنةً، أو لئلّا يُنفر الناس عن الدخول في الإسلام، وهو من جنس ما راعاه النبيّ - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم - من منع قتل المنافقين، حيث قال: "لا يتحدّث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه". انتهى. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: تقدّم أن الأرجح قتل الساحر مطلقًا، ما لم يترتّب على تركه مصلحة راجحة، كالأمثلة التي ذكرها القرطبيّ في كلامه آنفًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب. [تنبيه] حديث زيد بن أرقم - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا صحيح، وهو من أفراد المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، أخرجه هنا-٢٠/ ٤٠٨٢ - وفي "الكبرى" ٢٠/ ٣٥٤٣. وأخرجه (أحمد) في "أول مسند الكوفيين" ١٨٧٨١. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعتُ، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلتُ، وإليه أنيب". … ٢١ - (مَا يَفْعَلُ مَنْ تُعُرَّضَ لِمَالِهِ) قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "ما" يحتمل أن تكون موصولة: أي هذا باب بيان الفعل الذي يفعله الشخص الذي تُعُرّض لأخذ ماله. ويحتمل أن تكون استفهاميّة، مفعولاً مقدّمًا و"يفعل": أي هذا باب أيَّ شيء يفعل الشخص الذي تُعُرّض لماله.

стр. 15714

و"يفعل" مبنيّ للفاعل، و"من" فاعله، و"تُعُرِّض" مبني للمفعول، ونائب فاعله الجارّ والمجرور. واللَّه تعالى أعلم بالصواب. ٤٠٨٣ - (أَخْبَرَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ. فِي حَدِيثِهِ عَنْ أَبِي الأَحْوَصِ. عَنْ سِمَاكٍ. عَنْ قَابُوسَ. عَنْ أَبِيهِ, قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ح وَأَخْبَرَنِي عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ. قَالَ: حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ تَمِيمٍ. قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الأَحْوَصِ. قَالَ: حَدَّثَنَا سِمَاكُ بْنُ حَرْبٍ. عَنْ قَابُوسَ بْنِ مُخَارِقٍ. عَنْ أَبِيهِ, قَالَ: وَسَمِعْتُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيَّ, يُحَدِّثُ بِهَذَا الْحَدِيثِ, قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: الرَّجُلُ يَأْتِينِي, فَيُرِيدُ مَالِي؟ , قَالَ: «ذَكِّرْهُ بِاللَّهِ» , قَالَ: فَإِنْ لَمْ يَذَّكَّرْ؟ , قَالَ: «فَاسْتَعِنْ عَلَيْهِ مَنْ حَوْلَكَ, مِنَ الْمُسْلِمِينَ» , قَالَ: فَإِنْ لَمْ يَكُنْ حَوْلِي أَحَدٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ؟ , قَالَ: «فَاسْتَعِنْ عَلَيْهِ بِالسُّلْطَانِ» , قَالَ: فَإِنْ نَأَى السُّلْطَانُ عَنِّي؟ , قَالَ: «قَاتِلْ دُونَ مَالِكَ, حَتَّى تَكُونَ مِنْ شُهَدَاءِ الآخِرَةِ, أَوْ تَمْنَعَ مَالَكَ»). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (هنّاد بن السريّ) المذكور في الباب الماضي. ٢ - (أبو الأحوص) سلام بن سُليم الحنفيّ الكوفيّ، ثقة متقنٌ [٧] ٧٩/ ٩٦. ٣ - (عليّ بن محمد بن عليّ) المِضيصي القاضي، ثقة [١١] ٨٣/ ٢٤١٥ من أفراد المصنّف. ٤ - (خلف بن تمِيم) أبو عبد الرحمن الكوفيّ، نزيل المِصِّيصة، صدوقٌ عابد [٩] ٨٣/ ٥٢٤١٥ ٥ - (سماك بن حرب) الذُّهْليّ البكريّ، أبو المغيرة الكوفيّ، صدوقٌ تغيّر بآخره، فربّما تلقّن [٤] ٢/ ٣٢٥. ٦ - (قابوس بن مُخارق) بضمّ الميم، بعدها معجمة خفيفة- ابن سُليم، ويقال: ابن أبي المخارق الشيبانيّ الكوفيّ، لا بأس به [٣]. روى عن أبيه، عن النبيّ - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم -، وعن أمّ الفضل بنت الحارث، وقيل: عن أبيه، عنها. وروى عنه سماك بن حرب. وذكر الذهبيّ أنه لم يرو عنه غيره. قال النساقي: ليس به بأس. وذكره ابن حبّان في "الثقات". وذكره ابن يونس فيمن قَدِمَ مع محمد بن أبي بكر مصر في خلافة عليّ - رضي اللَّه تعالى عنه -، فهو على هذا قديم، لا يمتنع إدراكه لأتم الفضل، وحديثه عنها في "صحيح ابن خزيمة". روى له المصنّف هذا الحديث فقط، وروى له أبو داود، وابن ماجه حديثًا واحدًا، حديث النّضح من بول الغلام. ٧ - (أبوه) مخارق بن سُليم، أبو قابوس الشيبانيّ. روى عن النبيّ - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم -، وعن ابن مسعود، وعمّار بن ياسر، وعليّ بن أبي طالب - رضي اللَّه تعالى -

стр. 15715

عنهم. وعنه ابناه قابوس، وعبد اللَّه. وذكره ابن حبّان في ثقات التابعين. ويقال: أبو المخارق بن سُليم، كذا وقع عند أبي نُعيم في الكنى من "الصحابة"، وقد ذكر له رواية عن أم الفضل. قال ابن عبد البرّ: فيه اختلافٌ؛ لأن من أهل الحديث طائفة يروون حديثه عن أبي قابوس بن مُخارق، عن أبيه، عن النبيّ - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم أتى أنم الفضل جاءت بالحسين، ومنهم من يرويه عن قابوس، عن أم الفضل، لا يذكر مُخارقا، وقد اختُلف فيه على سماك اختلافًا كثيرًا. تفرد به المصنّف بحديث الباب فقط. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى- بالنسبة للسند الأول، ومن سداسياته بالنسبة للثاني، فالثاني أنزل من الأول؛ لأن المصنّف وصل إلى أبي الأحوص في الأول بواسطة، بخلاف الثاني، فإنه وصل إليه بواسطتين. (ومنها): أن رجاله كلهم موثقون. (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ، والابن عن أبيه. (ومنها): أن صحابيه من المقلّين من الرواية، فليس له إلا هذا الحديث عند المصنّف فقط. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ قَابُوسَ بن مُخارق) الشيباني (عَنْ أَبِيهِ) مخارق بن سُليم الشيباني (قَالَ: وَسَمِعْتُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيَّ، يُحَدِّثُ بِهِذَا الْحَدِيثِ) هذا من كلام خلف بن تميم، كما نبه عليه في "تحُفة الأشراف" -٨/ ٣٦٧ - ومعنى الكلام أن خلفًا روى هذا الحديث أوّلًا، عن أبي الأحوص، ثم بيّن أنه سمعه أيضًا عن سفيان الثوريّ، وكلاهما يرويه عن سماك ابن حرب (قَالَ) مخارق (جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ) فاعله ضمير الرجل: أي قال الرجل الجائي إليه - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم - (الرَّجُلُ) مبتدأ، وخبره جمدة قوله (يَأْتِينِي) وقوله (فَيُرِيدُ مَالِي؟) أي ظلما، عطف على جملة الخبر، والجملة مقول القول، والمراد به السؤال عن حكم إعطائه ماله، فكأنه يقول: إذا أتاني الرجل مريدًا أخذ مالي ظلمًا، فهل أُدافع، أم ماذا؟ (قَالَ) - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم - مبيّنًا الطريق الأسلم، والأسهل (ذَكِّرْهُ بِاللهِ) فعل أمر من التذكير: أي عظه بذكر وعبد اللَّه تعالى دمن أخذ أموال الناس ظلما، فإنه إن كان له وازع ديني، سيرتدع بذلك (قال) الرجل السائل (فَإِنْ لَمْ يَذَّكَّرْ؟) بتشديد الذال المعجمة، أصله يتذكر، فأبدلت التاء ذالا، وأُدغمت في الذال (قَالَ) صلى اللَّه تعالى عليه وسلم - (فَاسْتَعِنْ عَلَيْهِ) يقال: استعان به، واستعانه، فيتعدّى بالباء،

стр. 15716

وبنفسه، كما قاله الفيّوميّ، وما هنا من الثاني (مَنْ حَوْلَكَ) منصوب على الظرفية، صِلَةُ "من"، يقال: قعدنا حَوْلَهُ بالنصب على الظرفية، أي في الجهات المحيطة به، وَحَوَالَيْهِ بمعناه. قاله الفيّوميّ. والمعنى: اطلب من الناس الذين يوجدون في الجهات المحيطة بك أن يعينوك على دفعه. وقوله (مِنْ الْمُسْلِمِينَ) بيان لـ "من" (قَالَ) الرجل (فَإنْ لَمْ يَكُنْ حَوْلِي أَحَدٌ مِنْ الْمُسْلمينَ؟) أي فماذا أفعل؟ (قال) - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم - (فَاسْتَعِنْ عَلَيْهِ بِالسُّلْطانِ) أي استعن عليه بمن له تسلط على الناس، من وُلاة الأمور (قَالَ) الرجل (فَإِنْ نَأَى) بألف، ثم همزة، أو بالعكس: أي بعُد (السُّلْطَانُ عَنِّي؟) أي من المحلّ الذي أنا فيه، فماذا أفعل؟ (قَالَ) - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم - (قَاتِلْ) فعل أمر من المقاتلة، والمراد به المدافعة بالأسهل فالأسهل، فإن كان يردعه إغلاظ القول، والتهديد اكتفى به، وإلا انتقل إلى الضرب، وإلا قتله (دُونَ مَالِكَ) أي عنده، أو من أجله، وسيأتي تحقيق معنى "دون" في الباب التالي، إن شاء اللَّه تعالى (حَتَّى تَكُونَ مِنْ شُهَدَاءِ الآخِرةِ) بأن تُقتل ظلمّا، فتنال أجر الشهداء في الآخرة، لا في الدنيا، فشهيد الآخرة هو الذي لا يكون له حكم شهداء الدنيا، من دفنه بدمه، ولباسه، وعدم غسله، إلا إذا كان جنبًا، وعدم الصلاة عليه عند من لا يقول به، كما تقدّم في بابه، وشهيد الدنيا هو الذي قُتل في المعركة، في سبيل اللَّه تعالى، وسيأتي بسط لذلك في المسألة الثانية، إن شاء اللَّه تعالى. (أَوْ تَمْنَعَ مَالَكَ) بأن يخشى أن تقتله، فيهرُب منك، فيسلم لك مالك. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث مخارق بن سُليم - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا صحيح. [فإن قلت]: لم يثبت كون مخارق صحابيًّا، كما تقدّم الخلاف فيه، فلا يثبت كونه متصلاً، فكيف يصحّ؟. [قلت]: يشهد له حديث أبي هريرة ﵁ الآتي بعده، وغيره من الأحاديث التي وردت في هذا المعنى. وهو من أفراد المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، أخرجه هنا- ٢١/ ٤٠٨٣ - وفي "الكبرى" ٢١/ ٣٥٤٤. وأخرجه (أحمد) في "باقي مسند الأنصار" ٢٢٥٠٧. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثانية): في فوائده:

стр. 15717

(منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان حكم من تعرّض له ظالم ليأخذ ماله، وهو جواز الدفاع عنه. (ومنها): أن الدفاع يكون بالأسهل، فالأسهل، فيبدأ بالتذكير بوعيد اللَّه تعالى لمن ظدم أخاه المسدم، فإن ارتدع، وإلا استعان بإخوانه المسلمين، فإن لم يجدهم استعدى عليه السلطان، فإن لم يجده قاتله، وليكن بالأسهل، فالأسهل أيضًا، بأن يبدأ بالتهديد، ثم بالضرب، ثم بالقتل، إن لم يجد بدًّا، فإن قتله، فدمه هدرٌ، وإن قُتل هو فهو شهيد. (ومنها): ما قال النوويّ -رحمه اللَّه تعالى-: فيه جواز قتل القاصِد لِأخْذِ المْال بِغَيْرِ حَقّ، سَوَاء كَانَ الْمَال قَلِيلًا، أَوْ كَثِيرًا؛ لِعُمُوم الْحَدِيث، وَهَذَا قَوْلٌ لِجَمَاهِير الْعُلَمَاء، وَقَالَ بَعض أصحاب مالك: لا يجُوز قتله، إِذا طلب شيئًا يسِيرًا، كالثوْبِ، والطَّعام، وهذا ليس بِشيء، والصَّواب ما قالهُ الجماهِير. وأمَّا المدافعة عن الحرِيم، فواجِبة بِلا خِلاف. وفِي المدافعة عن النفس بالقتلِ خِلاف في مذهبنا، ومذهب غيرنا، والمُدافعة عن المال جائزة، غير واجِبة. واللَّه أعلم. انتهى كلام النوويّ ببعض اختصار (١). (ومنها): أن فيه انقسام الشهداء، إلى شهداء الدنيا، وشهداء الآخرة. قال النوويّ في "شرح مسلم": واعلم أنَّ الشهِيد، ثلاثة أقسام: [أحدها]: المقتول في حرب بِسبب، من أسباب القِتال، فهذا لهُ حُكم الشُّهداء، في ثواب الأخِرة، وفِي أحكام الدنيا، وهُو أنهُ لا يُغسل، ولا يُصلَّى عليهِ. [والثاني]،: شهِيد في الثواب، دُون أحكام الدُّنيا، وهو المبطون، والمطعون، وصاحِب الهدم، ومن قُتل دُون مالِهِ، وغيرهم، مِمن جاءت الأحادِيث الصَّحِيحة بِتسمِيتِهِ شهِيدًا، فهذا يُغسل، ويُصلى عليهِ، ولهُ في الآخِرة ثواب الشُهداء، ولا يلزم أن يكُون مِثل ثواب الأول. [والثالِث]: من غلَّ في الغنِيمة وشِبهُه، ممن وردت الآثار بِنقي تسمِيته سهِيدًا، إِذا قُتِل في حرب الكُفار، فهذا لهُ حُكم الشُهداء، في الدنيا، فلا يُغسل، ولا يُصلى عليهِ، وليس لهُ ثوابهم الكامِل في الاخِرة. واللَّه أعلم. انتهى كلام النوويّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- (٢). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٠٨٤ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ, قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ, عَنِ ابْنِ الْهَادِ, عَنْ عَمْرِو بْنِ قُهَيْدٍ الْغِفَارِيِّ, عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ,

стр. 15718

أَرَأَيْتَ إِنْ عُدِيَ عَلَى مَالِي, قَالَ: «فَانْشُدْ بِاللَّهِ» , قَالَ: فَإِنْ أَبَوْا عَلَيَّ, قَالَ: «فَانْشُدْ بِاللَّهِ» , قَالَ: فَإِنْ أَبَوْا عَلَيَّ؟ قَالَ: «فَانْشُدْ بِاللَّهِ» , قَالَ: فَإِنْ أَبَوْا عَلَيَّ؟ قَالَ: «فَقَاتِلْ, فَإِنْ قُتِلْتَ فَفِي الْجَنَّةِ, وَإِنْ قَتَلْتَ فَفِي النَّارِ»). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (قتيبة) بن سعيد الثقفيّ البغلانيّ، ثقة ثبت [١٠] ١/ ١. ٢ - (الليث) سعد الإمام الحجة الثبت المصريّ [٧] ٣١/ ٣٥. ٣ - (ابن الهاد) يزيد بن عبد اللَّه بن أُسامة بن الهاد الليثيّ المدنيّ، ثقة مكثر [٥] ٧٣/ ٩٠. ٤ - (عمرو بن قُهيد) هكذا وقع في هذه الرواية، والصواب عمرو، عن قُهيد، وهو عمرو ابن أبي عمرو ميسرة، مولى المطّلب، أبو عثمان المدنيّ، ثقة ربّما وَهِمَ [٥] ٨١/ ٢٨٢٨. و"قُهَيد" - بالتصغير- ابن مطرف الغفاري، قيل: له صحبة. كذا في "التقريب"، وفي "تهذيب التهذيب": عمرو بن قُهيد بن مُطرّف الغفاريّ، حجازيّ. روى عن أبي هريرة حديث "أرأيت إن عُدي على مالي". وعنه يزيد بن الهاد. قال قُتيبة وغيره، عن الليث، عن يزيد. وقال شعيب بن الليث، عن أبيه، عن يزيد، عن قُهيد بن مطرّف. وفيه غير ذلك من الاختلاف، والصواب رواية عبد اللَّه بن صالح، عن الليث، عن يزيد بن الهاد، عن عمرو، وهو مولى المطّلب، عن قُهيد بن مُطرّف، عن أبي هريرة - رضي اللَّه تعالى عنه -. هكذا رواه ابن وهب، عن يحيى بن عبد اللَّه بن سالم، عن يزيد، عن عمرو (١). وقال في "تهذيب الكمال" في حرف القاف: قُهيد بن مُطرِّف الغفاريّ، وقيل: عمرو ابن قُهيد. روى عن أبي هريرة حديث: "أرأيت إن عُدِى على مالي". روى عنه يزيد بن عبد اللَّه بن الهاد، وعمرو بن أبي عمرو، مولى المطّلب، ومولاه المطّلب بن عبد اللَّه ابن حنطب. ذكره ابن حبّان في "الثقات"، قال: وقد قيل: قُهَيد بن عوف. وقد ذكرنا ما فيه من الخلاف في ترجمة عمرو بن قُهيد بن مُطرّف (٢). زاد الحافظ في "تهذيب التهذيب": ما نصّه: لكن فرّق بعضهم بين قُهيد بن مُطرّف، وبين عمرو بن قُهيد، فقال الأزديّ: إن قُهيدًا هذا تفرد بالرواية عنه المطّلب. وذكره ابن

стр. 15719

سعد في طبقة الخندقيين. وذكره أبو نُعيم في "الصحابة". وقال الدارقطنيّ: مختلفٌ في صحبته. وقال ابن حبّان في الصحابة: إن له صحبة. تفرّد به المصنّف بهذا الحديث فقط (١). ٥ - (أبو هريرة) - رضي اللَّه تعالى عنه - ١/ ١. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ أبِي هُرَيْرَة) - رضي اللَّه تعالى عنه -، أنه (قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ: يَا رَسُول اللَّهِ أَرَأَيْتَ) أي أخبِرني (إِنْ عُدِي عَلَى مَالِي) ببناء الفعل للمفعول، أي أخذ ظلمّا، يقال: عدا عليه يعدُو عدْوْا، وعُدُوْا، مثلُ فلس وفُلُوس، وعُدوانًا، وعَدَاءً بالفتح، والمدّ: ظَلَمَ، وتجاوز الحدَّ، وهو عاب، والجمعُ عادونَ، مثلُ قاضٍ وقاضون. قاله الفيّوميّ (قَالَ) - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم - (فَانْشُدْ بِاللَّهِ) أي ذكر به، يقال: نشدتك اللَّه، وباللَّه أنشُدك: ذكرتك به، واستعطفتك، أو سألتك به، مُقسمّا عليك (قَالَ) الرجل السائل (فَإِنْ أَبَوْا عَلَيَّ) أي امتنعوا عن قبول مناشدتي لهم (قَالَ) - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم - (فَانْشُدْ بِاللَّهِ"، قال: فإن أبوْا على؛ قال: (فَانْشُدْ بِاللَّهِ"، قَالَ: فَإِنْ أَبَوْا عَلَيَّ؟ قال: "فَقَاتِلْ) أي إذا لم يقبلوا مناشدتك باللَّه تعالى ثلاث مرّات، فدافع عن مالك بقتالهم (فَإنْ قُتِلْتَ) بالبناء للمفعول: أي إن قتلك هؤلاء المعتدون على مالك (فَفِي الْجَنَّةِ) أي فأنت في الجنّة، لاستهشادك في سبيل الدفاع عن مالك، كما سيأتي في الباب التالي قوله - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم -: "من قاتل دون ماله، فقُتل، فهو شهيد" (وَإِنْ قَتَلْتَ) بالبناء للفاعل، أي إن قتلت أنت هوْلاء الظلمة (فَفِي النَّارِ) أي فهم في نار جهنّم؛ لموتهم في سبيل الظلم. وفي رواية مسلم من طريق العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة - رضي اللَّه تعالى عنه -: جاء رجل إلى رسول اللَّه - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم -، فقال: يا رسول اللَّه، أرأيت إن جاء رجلٌ، يريد أخذ مالي؟ قال: "فلا تُعطه مالك"، قال: أرأيتَ إن قاتلني؛ قال: "قاتله"، قال: أرأيت إن قتلني؟ قال: "فأنت شهيد"، قال: أرأيتَ إن قتلته؟ قال: "هو في النار". قال النوويّ -رحمه اللَّه تعالى-: معنى قَوْله ﷺ : "فَلَا تُعْطِهِ" لا يَلْزَمَكَ أَنْ تُعْطِيَهُ، وَلَيْسَ الْمُرَاد تَحْرِيم الإِعْطَاء. قال: ومعنى قَوْله ﷺ : "هُوَ فِي النَّار" مَعْنَاهُ أَنَّهُ يَسْتَحِقّ ذَلِكَ. وَقَدْ يُجَازَى، وَقَدْ

стр. 15720

يُعْفَى عَنْهُ، إِلا أَنْ يَكُون مُسْتَحِلًّا لِذَلِكَ، بِغَيْرِ تَأْوِيل، فَإِنَّهُ يَكْفُر، وَلَا يُعْفَى عَنْهُ. وَاللَّه أَعْلَم. انتهى (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث أبي هريرة - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا أخرجه مسلم. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا- ٢١/ ٤٠٨٤ و ٤٠٨٥ - وفي "الكبرى" ٢١/ ٣٥٤٥ و ٣٥٤٦. وأخرجه (م) في (الإيمان " ١٤٠ (أحمد) في "باقي مسند الكوفيين"٨٢٧٠ و ٨٥٠٧. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٠٨٥ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ, عَنْ شُعَيْبِ بْنِ اللَّيْثِ, قَالَ: أَنْبَأَنَا اللَّيْثُ, عَنِ ابْنِ الْهَادِ, عَنْ قُهَيْدِ بْنِ مُطَرِّفٍ الْغِفَارِيِّ, عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, أَنَّ رَجُلاً جَاءَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ, أَرَأَيْتَ إِنْ عُدِيَ عَلَى مَالِي؟ , قَالَ: «فَانْشُدْ بِاللَّهِ» , قَالَ: فَإِنْ أَبَوْا عَلَيَّ؟ , قَالَ: «فَانْشُدْ بِاللَّهِ» , قَالَ: فَإِنْ أَبَوْا عَلَيَّ؟ , قَالَ: «فَانْشُدْ بِاللَّهِ» , قَالَ: فَإِنْ أَبَوْا عَلَيَّ؟ , قَالَ: «فَقَاتِلْ, فَإِنْ قُتِلْتَ فَفِي الْجَنَّةِ, وَإِنْ قَتَلْتَ فَفِي النَّارِ»). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "محمد بن عبد اللَّه بن عبد الحكم": هو المصريّ الفقيه الثقة [١١]. ١٢٠/ ١٦٦ من أفراد المصنّف. و"شعيب بن الليث": هو أبو عبد الملك المصريّ الفقيه النبيل الثقة، من كبار [١٠]. ١٢٠/ ١٦٦. وقوله: "وإن قتلت ففي النار" ببناء الفعل للفاعل: أي وإن قتلت هؤلاء الذين اعتدوا على مالك، فإنهم يدخلون النار؛ لكونهم ظالمين، وقد قال اللَّه تعالى: ﴿وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (٣١)﴾ [الإنسان: ٣١] والحديث أخرجه مسلم، وقد سبق شرحه، وتخريجه في الذي قبله. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". …
следующие страницы →