وبنفسه، كما قاله الفيّوميّ، وما هنا من الثاني (مَنْ حَوْلَكَ) منصوب على الظرفية، صِلَةُ "من"، يقال: قعدنا حَوْلَهُ بالنصب على الظرفية، أي في الجهات المحيطة به، وَحَوَالَيْهِ بمعناه. قاله الفيّوميّ.
والمعنى: اطلب من الناس الذين يوجدون في الجهات المحيطة بك أن يعينوك على دفعه. وقوله (مِنْ الْمُسْلِمِينَ) بيان لـ "من" (قَالَ) الرجل (فَإنْ لَمْ يَكُنْ حَوْلِي أَحَدٌ مِنْ الْمُسْلمينَ؟) أي فماذا أفعل؟ (قال) - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم - (فَاسْتَعِنْ عَلَيْهِ بِالسُّلْطانِ) أي استعن عليه بمن له تسلط على الناس، من وُلاة الأمور (قَالَ) الرجل (فَإِنْ نَأَى) بألف، ثم همزة، أو بالعكس: أي بعُد (السُّلْطَانُ عَنِّي؟) أي من المحلّ الذي أنا فيه، فماذا أفعل؟ (قَالَ) - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم - (قَاتِلْ) فعل أمر من المقاتلة، والمراد به المدافعة بالأسهل فالأسهل، فإن كان يردعه إغلاظ القول، والتهديد اكتفى به، وإلا انتقل إلى الضرب، وإلا قتله (دُونَ مَالِكَ) أي عنده، أو من أجله، وسيأتي تحقيق معنى "دون" في الباب التالي، إن شاء اللَّه تعالى (حَتَّى تَكُونَ مِنْ شُهَدَاءِ الآخِرةِ) بأن تُقتل ظلمّا، فتنال أجر الشهداء في الآخرة، لا في الدنيا، فشهيد الآخرة هو الذي لا يكون له حكم شهداء الدنيا، من دفنه بدمه، ولباسه، وعدم غسله، إلا إذا كان جنبًا، وعدم الصلاة عليه عند من لا يقول به، كما تقدّم في بابه، وشهيد الدنيا هو الذي قُتل في المعركة، في سبيل اللَّه تعالى، وسيأتي بسط لذلك في المسألة الثانية، إن شاء اللَّه تعالى.
(أَوْ تَمْنَعَ مَالَكَ) بأن يخشى أن تقتله، فيهرُب منك، فيسلم لك مالك. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث مخارق بن سُليم - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا صحيح.
[فإن قلت]: لم يثبت كون مخارق صحابيًّا، كما تقدّم الخلاف فيه، فلا يثبت كونه متصلاً، فكيف يصحّ؟.
[قلت]: يشهد له حديث أبي هريرة ﵁ الآتي بعده، وغيره من الأحاديث التي وردت في هذا المعنى.
وهو من أفراد المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، أخرجه هنا- ٢١/ ٤٠٨٣ - وفي "الكبرى" ٢١/ ٣٥٤٤. وأخرجه (أحمد) في "باقي مسند الأنصار" ٢٢٥٠٧. واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثانية): في فوائده:
стр. 15717
(منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان حكم من تعرّض له ظالم ليأخذ ماله، وهو جواز الدفاع عنه. (ومنها): أن الدفاع يكون بالأسهل، فالأسهل، فيبدأ بالتذكير بوعيد اللَّه تعالى لمن ظدم أخاه المسدم، فإن ارتدع، وإلا استعان بإخوانه المسلمين، فإن لم يجدهم استعدى عليه السلطان، فإن لم يجده قاتله، وليكن بالأسهل، فالأسهل أيضًا، بأن يبدأ بالتهديد، ثم بالضرب، ثم بالقتل، إن لم يجد بدًّا، فإن قتله، فدمه هدرٌ، وإن قُتل هو فهو شهيد.
(ومنها): ما قال النوويّ -رحمه اللَّه تعالى-: فيه جواز قتل القاصِد لِأخْذِ المْال بِغَيْرِ حَقّ، سَوَاء كَانَ الْمَال قَلِيلًا، أَوْ كَثِيرًا؛ لِعُمُوم الْحَدِيث، وَهَذَا قَوْلٌ لِجَمَاهِير الْعُلَمَاء، وَقَالَ بَعض أصحاب مالك: لا يجُوز قتله، إِذا طلب شيئًا يسِيرًا، كالثوْبِ، والطَّعام، وهذا ليس بِشيء، والصَّواب ما قالهُ الجماهِير. وأمَّا المدافعة عن الحرِيم، فواجِبة بِلا خِلاف. وفِي المدافعة عن النفس بالقتلِ خِلاف في مذهبنا، ومذهب غيرنا، والمُدافعة عن المال جائزة، غير واجِبة. واللَّه أعلم. انتهى كلام النوويّ ببعض اختصار (١).
(ومنها): أن فيه انقسام الشهداء، إلى شهداء الدنيا، وشهداء الآخرة. قال النوويّ في "شرح مسلم": واعلم أنَّ الشهِيد، ثلاثة أقسام:
[أحدها]: المقتول في حرب بِسبب، من أسباب القِتال، فهذا لهُ حُكم الشُّهداء، في ثواب الأخِرة، وفِي أحكام الدنيا، وهُو أنهُ لا يُغسل، ولا يُصلَّى عليهِ.
[والثاني]،: شهِيد في الثواب، دُون أحكام الدُّنيا، وهو المبطون، والمطعون، وصاحِب الهدم، ومن قُتل دُون مالِهِ، وغيرهم، مِمن جاءت الأحادِيث الصَّحِيحة بِتسمِيتِهِ شهِيدًا، فهذا يُغسل، ويُصلى عليهِ، ولهُ في الآخِرة ثواب الشُهداء، ولا يلزم أن يكُون مِثل ثواب الأول.
[والثالِث]: من غلَّ في الغنِيمة وشِبهُه، ممن وردت الآثار بِنقي تسمِيته سهِيدًا، إِذا قُتِل في حرب الكُفار، فهذا لهُ حُكم الشُهداء، في الدنيا، فلا يُغسل، ولا يُصلى عليهِ، وليس لهُ ثوابهم الكامِل في الاخِرة. واللَّه أعلم. انتهى كلام النوويّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- (٢). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٠٨٤ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ, قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ, عَنِ ابْنِ الْهَادِ, عَنْ عَمْرِو بْنِ قُهَيْدٍ الْغِفَارِيِّ, عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ,
стр. 15718
أَرَأَيْتَ إِنْ عُدِيَ عَلَى مَالِي, قَالَ: «فَانْشُدْ بِاللَّهِ» , قَالَ: فَإِنْ أَبَوْا عَلَيَّ, قَالَ: «فَانْشُدْ بِاللَّهِ» , قَالَ: فَإِنْ أَبَوْا عَلَيَّ؟ قَالَ: «فَانْشُدْ بِاللَّهِ» , قَالَ: فَإِنْ أَبَوْا عَلَيَّ؟ قَالَ: «فَقَاتِلْ, فَإِنْ قُتِلْتَ فَفِي الْجَنَّةِ, وَإِنْ قَتَلْتَ فَفِي النَّارِ»).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (قتيبة) بن سعيد الثقفيّ البغلانيّ، ثقة ثبت [١٠] ١/ ١.
٢ - (الليث) سعد الإمام الحجة الثبت المصريّ [٧] ٣١/ ٣٥.
٣ - (ابن الهاد) يزيد بن عبد اللَّه بن أُسامة بن الهاد الليثيّ المدنيّ، ثقة مكثر [٥] ٧٣/ ٩٠.
٤ - (عمرو بن قُهيد) هكذا وقع في هذه الرواية، والصواب عمرو، عن قُهيد، وهو عمرو ابن أبي عمرو ميسرة، مولى المطّلب، أبو عثمان المدنيّ، ثقة ربّما وَهِمَ [٥] ٨١/ ٢٨٢٨.
و"قُهَيد" - بالتصغير- ابن مطرف الغفاري، قيل: له صحبة. كذا في "التقريب"، وفي "تهذيب التهذيب": عمرو بن قُهيد بن مُطرّف الغفاريّ، حجازيّ. روى عن أبي هريرة حديث "أرأيت إن عُدي على مالي". وعنه يزيد بن الهاد. قال قُتيبة وغيره، عن الليث، عن يزيد. وقال شعيب بن الليث، عن أبيه، عن يزيد، عن قُهيد بن مطرّف. وفيه غير ذلك من الاختلاف، والصواب رواية عبد اللَّه بن صالح، عن الليث، عن يزيد بن الهاد، عن عمرو، وهو مولى المطّلب، عن قُهيد بن مُطرّف، عن أبي هريرة - رضي اللَّه تعالى عنه -. هكذا رواه ابن وهب، عن يحيى بن عبد اللَّه بن سالم، عن يزيد، عن عمرو (١).
وقال في "تهذيب الكمال" في حرف القاف: قُهيد بن مُطرِّف الغفاريّ، وقيل: عمرو ابن قُهيد. روى عن أبي هريرة حديث: "أرأيت إن عُدِى على مالي". روى عنه يزيد بن عبد اللَّه بن الهاد، وعمرو بن أبي عمرو، مولى المطّلب، ومولاه المطّلب بن عبد اللَّه ابن حنطب. ذكره ابن حبّان في "الثقات"، قال: وقد قيل: قُهَيد بن عوف. وقد ذكرنا ما فيه من الخلاف في ترجمة عمرو بن قُهيد بن مُطرّف (٢).
زاد الحافظ في "تهذيب التهذيب": ما نصّه: لكن فرّق بعضهم بين قُهيد بن مُطرّف، وبين عمرو بن قُهيد، فقال الأزديّ: إن قُهيدًا هذا تفرد بالرواية عنه المطّلب. وذكره ابن
стр. 15719
سعد في طبقة الخندقيين. وذكره أبو نُعيم في "الصحابة". وقال الدارقطنيّ: مختلفٌ في صحبته. وقال ابن حبّان في الصحابة: إن له صحبة. تفرّد به المصنّف بهذا الحديث فقط (١).
٥ - (أبو هريرة) - رضي اللَّه تعالى عنه - ١/ ١. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ أبِي هُرَيْرَة) - رضي اللَّه تعالى عنه -، أنه (قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ: يَا رَسُول اللَّهِ أَرَأَيْتَ) أي أخبِرني (إِنْ عُدِي عَلَى مَالِي) ببناء الفعل للمفعول، أي أخذ ظلمّا، يقال: عدا عليه يعدُو عدْوْا، وعُدُوْا، مثلُ فلس وفُلُوس، وعُدوانًا، وعَدَاءً بالفتح، والمدّ: ظَلَمَ، وتجاوز الحدَّ، وهو عاب، والجمعُ عادونَ، مثلُ قاضٍ وقاضون. قاله الفيّوميّ (قَالَ) - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم - (فَانْشُدْ بِاللَّهِ) أي ذكر به، يقال: نشدتك اللَّه، وباللَّه أنشُدك: ذكرتك به، واستعطفتك، أو سألتك به، مُقسمّا عليك (قَالَ) الرجل السائل (فَإِنْ أَبَوْا عَلَيَّ) أي امتنعوا عن قبول مناشدتي لهم (قَالَ) - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم - (فَانْشُدْ بِاللَّهِ"، قال: فإن أبوْا على؛ قال: (فَانْشُدْ بِاللَّهِ"، قَالَ: فَإِنْ أَبَوْا عَلَيَّ؟ قال: "فَقَاتِلْ) أي إذا لم يقبلوا مناشدتك باللَّه تعالى ثلاث مرّات، فدافع عن مالك بقتالهم (فَإنْ قُتِلْتَ) بالبناء للمفعول: أي إن قتلك هؤلاء المعتدون على مالك (فَفِي الْجَنَّةِ) أي فأنت في الجنّة، لاستهشادك في سبيل الدفاع عن مالك، كما سيأتي في الباب التالي قوله - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم -: "من قاتل دون ماله، فقُتل، فهو شهيد" (وَإِنْ قَتَلْتَ) بالبناء للفاعل، أي إن قتلت أنت هوْلاء الظلمة (فَفِي النَّارِ) أي فهم في نار جهنّم؛ لموتهم في سبيل الظلم.
وفي رواية مسلم من طريق العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة - رضي اللَّه تعالى عنه -: جاء رجل إلى رسول اللَّه - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم -، فقال: يا رسول اللَّه، أرأيت إن جاء رجلٌ، يريد أخذ مالي؟ قال: "فلا تُعطه مالك"، قال: أرأيتَ إن قاتلني؛ قال: "قاتله"، قال: أرأيت إن قتلني؟ قال: "فأنت شهيد"، قال: أرأيتَ إن قتلته؟ قال: "هو في النار".
قال النوويّ -رحمه اللَّه تعالى-: معنى قَوْله ﷺ : "فَلَا تُعْطِهِ" لا يَلْزَمَكَ أَنْ تُعْطِيَهُ، وَلَيْسَ الْمُرَاد تَحْرِيم الإِعْطَاء.
قال: ومعنى قَوْله ﷺ : "هُوَ فِي النَّار" مَعْنَاهُ أَنَّهُ يَسْتَحِقّ ذَلِكَ. وَقَدْ يُجَازَى، وَقَدْ
стр. 15720
يُعْفَى عَنْهُ، إِلا أَنْ يَكُون مُسْتَحِلًّا لِذَلِكَ، بِغَيْرِ تَأْوِيل، فَإِنَّهُ يَكْفُر، وَلَا يُعْفَى عَنْهُ. وَاللَّه أَعْلَم. انتهى (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث أبي هريرة - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا أخرجه مسلم.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا- ٢١/ ٤٠٨٤ و ٤٠٨٥ - وفي "الكبرى" ٢١/ ٣٥٤٥ و ٣٥٤٦. وأخرجه (م) في (الإيمان " ١٤٠ (أحمد) في "باقي مسند الكوفيين"٨٢٧٠ و ٨٥٠٧. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٠٨٥ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ, عَنْ شُعَيْبِ بْنِ اللَّيْثِ, قَالَ: أَنْبَأَنَا اللَّيْثُ, عَنِ ابْنِ الْهَادِ, عَنْ قُهَيْدِ بْنِ مُطَرِّفٍ الْغِفَارِيِّ, عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, أَنَّ رَجُلاً جَاءَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ, أَرَأَيْتَ إِنْ عُدِيَ عَلَى مَالِي؟ , قَالَ: «فَانْشُدْ بِاللَّهِ» , قَالَ: فَإِنْ أَبَوْا عَلَيَّ؟ , قَالَ: «فَانْشُدْ بِاللَّهِ» , قَالَ: فَإِنْ أَبَوْا عَلَيَّ؟ , قَالَ: «فَانْشُدْ بِاللَّهِ» , قَالَ: فَإِنْ أَبَوْا عَلَيَّ؟ , قَالَ: «فَقَاتِلْ, فَإِنْ قُتِلْتَ فَفِي الْجَنَّةِ, وَإِنْ قَتَلْتَ فَفِي النَّارِ»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "محمد بن عبد اللَّه بن عبد الحكم": هو المصريّ الفقيه الثقة [١١]. ١٢٠/ ١٦٦ من أفراد المصنّف. و"شعيب بن الليث": هو أبو عبد الملك المصريّ الفقيه النبيل الثقة، من كبار [١٠]. ١٢٠/ ١٦٦.
وقوله: "وإن قتلت ففي النار" ببناء الفعل للفاعل: أي وإن قتلت هؤلاء الذين اعتدوا على مالك، فإنهم يدخلون النار؛ لكونهم ظالمين، وقد قال اللَّه تعالى: ﴿وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (٣١)﴾ [الإنسان: ٣١]
والحديث أخرجه مسلم، وقد سبق شرحه، وتخريجه في الذي قبله. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
стр. 15721
٢٢ - (مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ)
أي هذا باب ذكر الأحاديث الدّالّة على حكم من قُتل دون ماله، ويحتمل أن يكون التقدير: ما حكمه؟. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
٤٠٨٦ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى, قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ, قَالَ: حَدَّثَنَا حَاتِمٌ, عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو, قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ قَاتَلَ دُونَ مَالِهِ, فَقُتِلَ فَهُوَ شَهِيدٌ»).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (محمد بن عبد الأعلى) الصنعانيّ، ثم البصريّ، ثقة [١٠] ٥/ ٥.
٢ - (خالد) بن الحارث الْهُجَيميّ البصريّ، ثقة ثبت [٨] ٤٢/ ٤٧.
٣ - (حاتم) بن أبي صَغِيرة (١)، أبو يونس البصريّ، ثقة [٦] ٦٦/ ١٨٠٠.
٤ - (عمرو بن دينا) الأثرم الْجُمحيّ مولاهم، أبو محمد المكيّ، ثقة ثبت [٤] ١١٢/ ١٥٤.
٥ - (عبد اللَّه بن عمرو) بن العاص - رضي اللَّه تعالى عنهما - ٨٩/ ١١١. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا االإسناد:
(منها): أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين، إلى عمرو. واللَّه تعالى أعلم.
[تنبيه]: في هذا السند أن خالد بن الحارث روى هذا الحديث، عن حاتم بن أبي صغيرة، عن عمرو بن دينار، عن عبد اللَّه بن عمرو، وخالفه بشر بن المفضل، فرواه عن حاتم، عن عمرو، عن عبد اللَّه بن صفوان، عن عبد اللَّه بن عمرو، فأدخل واسطة، بين عمرو بن دينار، وبين عبد اللَّه بن عمرو.
والظاهر أن السندين كلاهما صحيحان؛ فيُحمل على أن عمرًا رواه عن عبد اللَّه بن صفوان أوّلاً، ثم لقي عبد اللَّه بن عمرو فسمعه منه، أو سمعه منه، فثبّته ابن صفوان، وقد ذكر الحافظ المزنيّ -رحمه اللَّه تعالى- في "تحفة الأشراف" -٦/ ٣٧٠ - ٣٧١. أن
стр. 15722
حماد بن زيد، رواه عن عمرو بن ديار، عن عبد اللَّه بن عمرو، كما رواه حاتم بن أبي صغيرة هنا، فتكون روايته متابعة لرواية خالد. فتنبّه. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرو) بن العاص - رضي اللَّه تعالى عنهما -، أنه (قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يقُولُ: "مَنْ قَاتَلَ دُونَ مَالِهِ" أي عنده، أو من أجله. قال أبو العبّاس القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى-: "دون" أصلها ظرف مكان، بمعنى "أسفل"، و"تحت"، وهو نقيض "فوقُ"، وقد استعملت مي هذا الحديث بمعنى "لأجل" السببيّة، وهو مجازٌ، وتوسّعٌ، ووجهه أن الذي يُقاتل على ماله إنما يجعله خلفه، أو تحته، ثم يقاتل عليه. انتهى (١).
(فقُتل) بالبناء للمفعول (فَهُوَ شَهِيدٌ) قال النَّضر بن شُميل: سُمي شهيداً؛ لِأنَّهُ حَيّ؛ لأَنَّ أَرْوَاحهمْ شَهدَت دَار السَّلام، وأرْواح غيرهم لا تشهدها إِلا يوْم القِيامة. وقال ابن الأتبارِيّ: لأن اللَّه تعالى، وملائِكته ﵈، يشهدُون لهُ بِالجنَّةِ. فمعْنى شهِيد: مشهُود لهُ. وقِيل: سُمي شهِيدًا لأنةُ يشهد عِتد خُرُوج رُوحه، ما لهُ من الثواب، والكرامة، كما قال اللَّه تعالى: ﴿فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [آل عمران: ١٧٠]. وقِيل: لأنَّ ملائكة الرَّحمْة يشهدُونهُ، فيأخُذُون رُوحه. وقِيل: لأنَّهُ شُهِد لهُ الإيمان، وخاتِمة الخير بِظاهِرِ حاله. وقِيل: لأن عليهِ شاهِدًا، يشهد بِكوْنِهِ شهِيدًا، وهُو دمه، فإِنَّهُ يُبعث وجُرْحه يثعبُ دمًا. وحكى الأزهرِيّ، وغيره قوْلاً آخر، أنهُ سُمي شهِيدًا؛ لِكوْنِهِ مِمن يشهد يوْم القِيامة على الأُمم، وعلى هذا القوْل لا اختصاص لهُ بهذا السبب. (٢).
وفي الحديث قصّة بيّنها مسلم في"صحيحه" من طريق سليمان الأحول، أن ثابتا هو ابن عياض- مولى عمر بن عبد الرحمن أخبره، أنه لَمّا كان بين عبد اللَّه بن عمرو، وبين عنبسة بن أبي سفيان ما كان، تَيَسّرُوا (٣) للقتال، فركِب خالد بن العاص، إلى عبد اللَّه ابن عمرو، فوعظه خالد، فقال عبد اللَّه بن عمرو: أما علمت أن رسول اللَّه ﷺ قال: "من قُتِل دون ماله، فهِو شهيد". انتهى.
قال في "الفتح": وأشار بِقوْلِهِ: "ما كان" إِلى ما بيَّنهُ حيوة في رِوايتِهِ المُشار إِليها (٤)، فإِن أوَّلها: "أنَّ عامِلا لِمُعاوِية، أجرى عينًا من ماء؛ لِيسْقِي بهِا أرْضا، فدنا من حائِط
стр. 15723
لآلِ عمرِو بن العاص، فأراد أن يُخرِجهُ؛ لِيجْري العين مِنهُ إِلى الأرْضِ، فأقبل عبد اللَّه ابن عمرو، ومواليه، بِالسَّلاحِ، وقالُوا: واللهِ لا تخرِقُون حائطنا، حتى لا يبقى مِنَّا أحد"، فذكر الحديث.
والعامِل المذكُور، هُو عنبسة بن أبِي سُفيان، كما ظهر من رِوايةِ مُسْلِم، وكان عامِلا لِأخِيهِ على مكة، والطَّائف، والأرْض المْذْكُورة، كانت بِالطَّائفِ، وامْتِناع عبد اللَّه بن عمرو من ذَلِكَ؛ لِما يدْخُلُ عليهِ من الضَّررِ، فلا حُجَّة فِيهِ لِمن عارض بِهِ، حدِيث أبِي هُريرة، فِيمنْ أراد أن يضع جِذعة على جِدار جاره. واللهُ أعلمُ (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهدا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث عبد اللَّه بن عمرو - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٢٢/ ٤٠٨٦ و ٤٠٨٧ و ٤٠٨٨ و ٤٠٨٩ و٤٠٩٠و٤٠٩١ - وفي "الكبرى" ٢٢/ ٣٥٤٧ و ٣٥٤٨ و ٣٥٤٩ و ٣٥٥٠ و ٣٥٥١و ٣٥٥٣. وأخرجه (خ) في "المظالم والغصب"٢٤٨٠ (م) في "الإيمان"١٤١ (د) في "السنّة"٤٧٧١ (ت) في "الديات" ١٤١٩ و ١٤٢٠ (أحمد) في "مسند المكثرين" ٦٤٨٦ و ٦٧٧٧ و ٦٧٨٤ و ٦٨٨٣ وه ٦٩٧ و٦٩٩١و ٧٠١٥. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان حكم من قُتل دون ماله، وهو كونه شهيدًا. (ومنها): تحريم مال المسلم، كدمه؛ لأنه ما أُبيح له قتل المسلم إذا أخذ ماله بغير رضاه، إلا لكونه محرّمًا عليه. (ومنها): ما قاله النَّووِيّ: وهو أن فِيهِ جواز قتلِ من قصد أخذ المال بِغيرِ حن، سواء كان المْالُ قليلا، أوْ كثِيرًا، وهُو قوْلُ الجمهور، وشذَّ من أوْجبهُ. وقال بعض المالِكِيَّةِ: لا يجُوزُ إِذا طلب الشَّيء الخفِيف.
قال القرْطُبِي: سببُ الخلافِ عِنْدنا، هل الإذنُ في ذَلِكَ، من باب تغيِيرِ المنْكرِ، فلا يفترِقُ الحال بين القليلِ والكثِيرِ، أوْ من باب دفع الضَّررِ، فيختلِفُ الحَالُ؟. وحكى ابن المْنْذِر، عن الشَّافِعِيَّ، قال: من أُرِيد ماله، أو نفسه، أوْ حرِيمه فلهُ الاختيارُ، أن
стр. 15724
يُكلّمهُ، أوْ يستغِيث، فإن مُنِع، أوْ امتنع لم يكُن لهُ قِتاله، والا فلهُ أن يدْفعهُ عن ذَلِكَ، ولوْ أتى على نفسِهِ، وليس عليهِ عقل، ولا دِية، ولا كفَّارة، لكِن ليس لهُ عمدُ قتله. قال انن المْنْذِر: والّذِيِ عليهِ أهل العِلم، أنَّ لِلرَّجُلِ أن يدْفع عمَّا ذُكِر، إِذا أُرِيد ظُلْمًا، بِغيرِ تفصِيل، إِلا أن كُل من يُحْفظُ عنهُ، من عُلماءِ الحديث المُجْمِعِينَ على استِثناءِ السُّلطانِ، للآثارِ الوارِدةِ بِالأمرِ بِالصبرِ على جوْرِهِ، وترْك القِيام عليهِ.
وفرَّق الأوْزاعي بين الحال التِي لِلنَّاسِ فِيها جماعة وإمام، فحمل الحديث عليها، وأمَّا في حال الاختِلاف والفُرْقة، فلْيسْتَسْلم، ولا يُقاتِل أحدًا.
ويردُّ عليهِ ما وقع في حدِيث أبِي هُريرة، عِند مُسْلِم، بِلفظ: "أرأيت إن جاء رجُل يُريدُ أخذ مالي؟ قال: "فلا تُعْطِهِ"، قال: أرأيت إنْ قاتلنِي؟ قال: "فاقتُلهُ"، قال: أرأيت إن قتلنِي؟ قال: "فأنت شهِيد"، قال: أرأيت إن قتلته؟ قال: "فهُو في النَّارِ" (١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: عندي القول بالإطلاق، كما هو رأي الجمهور هو الأرجح؛ لإطلاق النص. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٠٨٧ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَزِيعٍ (٢) , قَالَ: حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ, عَنْ أَبِي يُونُسَ الْقُشَيْرِيِّ, عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صَفْوَانَ, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو, قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ «مَنْ قَاتَلَ دُونَ مَالِهِ, فَقُتِلَ, فَهُوَ شَهِيدٌ»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا، و"محمد بن عبد اللَّه بن بزِيع": هو البصريّ الثقة [١٠]. ٤٣/ ٥٨٨. و"بِشر بن المفَضَّل": هو أبو إسماعيل البصريّ، الثقة الثبت العابد [٨]. ٦٦/ ٨٢. و"أبو يونس القُشيريّ": هو حاتم بن أبي صغِيرة المذكور في السند الماضي.
و"عبد اللَّه بن صفوان": أبو صفوان الْجُمَحِيّ المكيّ، وُلد في عهد النبيّ - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم -، ولأبيه صحبة مشهورة، وقُتل مع ابن الزبير، وهو متعلّقٌ بأستار الكعبة سنة (٧٣)، وذكره ابن سعد في الطبقة الأولى من التابعين، وله عند المصنّف حديثان فقط: هذا الحديث، وفي "كتاب الحجّ" ١١٢/ ٢٨٨٠ حديث حفصة بنت عمر - رضي اللَّه تعالى عنها -، مرفوعًا: "ليؤمّنّ هذا البيت جيش، يغزوه" الحديث، وتقدّمت ترجمته بالرقم المذكور.
والحديث متّفقٌ عليه، وتقدم شرحه، وبيان مسائله في الذي قبله. واللَّه تعالى أعلم
стр. 15725
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٠٨٨ - (أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ فَضَالَةَ (١) بْنِ إِبْرَاهِيمَ النَّيْسَابُورِيُّ, قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ اللَّهِ, قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدٌ, قَالَ: أَنْبَأَنَا أَبُو الأَسْوَدِ, مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ, عَنْ عِكْرِمَةَ, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ, أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , قَالَ: «مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ مَظْلُومًا, فَلَهُ الْجَنَّةُ»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه من أفراده، وهو نساني، ثقة ثبت [١١] ١٧٠/ ٨٩٨. و"عبد اللَّه": هو ابن يزيد المكيّ، أبو عبد الرحمن المقرئ، البصريّ الأصل، أو الأهواز، ثقة فاضل، أقرأ القرآن نيّفًا وسبعين سنة، من كبار شيوخ البخاريّ [٩] ٤/ ٧٤٦.
و"سعيد": هو ابن أبي أيّوب/ مِقلاص الْخُزَاعيّ مولاهم، أبو يحيى المصريّ، ثقة ثبت [٧] ٢٧/ ١٨٨٠. و"أبو الأسود، محمد بن عبد الرحمن": هو المدنيّ المعروف بيتيم عروة، ثقة [٦] ٤/ ٧٤٦. و"عكرمة": هو مولى ابن عبّاس.
وقوله: "من قُتل دون ماله مظلومًا الخ" هكذا في رواية المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- بهذا اللفظ، وهو اللفظ المشهور بهذا السند، ورواه البخاريّ، عن المقرئ، بسند المصنّف، بلفظ: "من قُتل دون ماله، فهو شهيد". فقال الإسْمَاعِيليّ: وكذا أخرجهُ البُخارِي، وكأنَّة كتبهُ من حِفظه، أوْ حدّث بِهِ المُقرئُ من حِفظه، فجاء بِهِ على اللفظِ المشهور، وإِلا فقد رواهُ الجماعة، عن المُقرئ بِلفظ: "من قُتِل دُون مالِهِ مظلُومًا، فلهُ الجنَّة"، قال: ومنْ أتى بِهِ على غيرِ اللفظِ الذِي اعْتِيد، فهُو أوْلى بِالحفظِ، ولا سِيَّما، وفِيهِم مِثلُ دُحيم. وكذلِك ما زِادُوهُ، من قوْلِهِ: "مظلُومًا"، فإِنة لا بُدّ من هذا القيدِ. وساقهُ مِن طرِيق دُحيم، وابن أبِي عُمر، وعبد العزِيز بن سلام.
قُال الحافظ: وكذلِك أخرجهُ النساثِي، عن عُبيدِ اللَّهِ بنِ فضالة، عن المُقرئ، وكذلِك رواهُ حيوة بن شُريح، عن أبِي الأسودِ، بِهذا اللفظِ، أخرجهُ الطَّبرِيّ.
نعم لِلحدِيثِ طرِيق أُخرى، عن عِكرِمة، أخرجها النَّسائِي بِاللفْظِ المشهور.
قال الجامع: هي الرواية التالية لهذه الرواية. قال: وأخرجهُ مسْلِم كذلِك، من طريقِ ثابِت بن عِياض، عن عند اللَّه بن عمرو. وفِي رِوايتِهِ قصَّة، قال: "لمَّا كان بين عبد اللَّه بن عَمْرو، وبين عنبسة بن أبِي سُفْيان، ما كان -يُشِيرُ لِفقِتالِ- فركِب خالِد بن العاصِ، إِلى عبد اللَّه بن عمرو، فوعظهُ، فقال عند اللَّه بن عمرو: أما علِمت .. "فذكر الحديث.
стр. 15726
وأخرجه النسائيّ من وجهين آخرين (١)، وأبو داود، والترمذيّ من وجه آخر، كلهم عن عبد اللَّه بن عمرو باللفظ المشهور، وفي رواية لأبي داود، والترمذيّ: "من أُريد ماله بغير حقّ، فقاتل، فقُتل فهو شهيد" (٢)، ولابن ماجه من حديث ابن عُمر - رضي اللَّه تعالى عنهما - نحوه. قال: وروى الترمذيّ، وبقيّة أصحاب السنن (٣) من حديث سعيد بن زيد - رضي اللَّه تعالى عنه - نحوه، وليه ذكر الأهل، والدم، والدِّين. وفي حديث أبي هريرة - رضي اللَّه تعالى عنه - عند ابن ماجه: "من أُريد ماله ظلمًا، فقُتل فهو شهيد". انتهى كلام الحافظ -رحمه اللَّه تعالى- (٤).
والحديث متّفقٌ عليه، كما سبق بيانه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٠٨٩ - (أَخْبَرَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْهُذَيْلِ, قَالَ: حَدَّثَنَا عَاصِمُ بْنُ يُوسُفَ, قَالَ: حَدَّثَنَا سُعَيْرُ بْنُ الْخِمْسِ, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ, عَنْ عِكْرِمَةَ, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو, قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ, فَهُوَ شَهِيدٌ»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، "محمد بن جعفر ابن الْهُذَيل": هو الكوفيّ، سبط أبي أُسامة، ثقة صاحب حديث [١١]. ٢/ ٣٦٥٠.
و"عاصم بن يوسف": هو الْيَربوعيّ، أبو عمرو الخيّاط الكوفيّ، ثقة، من كبار [١٠] ٦٧/ ٢٣٢٢.
و"سُعَير" آخره راء، مُصغرًا - ابن الخِمس" بكسر المعجمة، وسكون الميم،، آخره مهملة- التميميّ، أبو مالك، ويقال: أبو الأحوص، صدوقٌ [٧].
قال عثمان الدارميّ، عن ابن معين: ثقة. وقال أبو حاتم: صالح الحديث، يُكتب حديثه، ولا يُحتجّ به. وذكره ابن حبّان في "الثقات". وقال عبد اللَّه بن داود الْخُرَيبيّ: شَهِدتُ سُعير بن الخِمس، وقُرَّب إلى قبره لَيُدفنَ، فتحرّك عضوٌ من أعضائه، فكُشف الثوب عن وجهه، فإذا نَفَسه، فرُدّ إلى منزله، فوُلد له مالك بن سُعير بعد ذلك. وقال الترمذيّ: ثقة عند أهل الحديث. وقال ابن سعد: كان صاحب سنّة، وعنده أحاديث.
وقال الدارقطنيّ: ثقة. وقال أبو الفضل بن عمّار الشهيد: أخطأ في غير ما حديث، مع
стр. 15727
قلّة ما روى. روى له مسلم حديثًا واحدًا في الوسوسة، رفعه هو، وأرسله غيره، وروى له المصنّف هذا الحديث فقط. وروى له الترمذيّ حديثين: هذا الحديث، وحديث: "بُني الإسلام على خمس" الحديث.
و"عبد اللَّه بن الحسن" بن الحسن بن عليّ بن أبي طالب الهاشميّ، أبو محمد المدنيّ، وأمه فاطمة بنت الحسين بن عليّ، ثقة جليل القدر [٥].
وثّقه ابن معين، وأبو حاتم، والنسائيّ. وذكره ابن حبّان في "الثقات". وقال يحيى ابن المغيرة الرازيّ، عن جرير: كان مغيرة إذا ذُكر له الرواية عن عبد اللَّه بن الحسن، قال: هذه الرواية الصادقة. وقال مصعبٌ الزبيري: ما رأيت أحدًا من علمائنا يُكرمون أحدًا ما يُكرمونه. وقال محمد بن سعد: عن محمد بن عمر: كان من الْعُبّاد، وكان له شَرَفٌ، وعارضةٌ، وهيبةٌ، ولسانٌ شديد. وقال محمد بن سلام الجمحيّ: كان ذا منزلة من عمر بن عبد العزيز. قال ابنه موسى: تُوفّي في حبس أبي جعفر، وهو ابن (٧٥) سنة. وقال الواقديّ: كان موته قبل قتل ابنه بأشهر، وكان قتل محمد في رمضان، سنة (١٤٥). روى له الأربعة، وله عند المصنّف في هذا الكتاب حديث الباب فقط.
والحديث متّفقٌ عليه، كما سبق بيانه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٠٩٠ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ, قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ, قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حَسَنٍ, عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ طَلْحَةَ, أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو, يُحَدِّثُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ , قَالَ: «مَنْ أُرِيدَ مَالُهُ بِغَيْرِ حَقٍّ, فَقَاتَلَ, فَقُتِلَ فَهُوَ شَهِيدٌ».
قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ: هَذَا خَطَأٌ, وَالصَّوَابُ حَدِيثُ سُعَيْرِ بْنِ الْخِمْسِ).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "عمرو بن عليّ": هو الفلاّس. و"يحيى بن سعيد": هو القطّان. و"سفيان": هو ابن سعيد الثوريّ.
و"إبراهيم بن محمد بن طلحة" بن عُبيد اللَّه التيميّ، أبو إسحاق المدنيّ، وقيل: الكوفيّ، ثقة [٣].
قال يعقوب بن شيبة: ثقة. وقال العجليّ: ثقة رجلٌ صالح. وقال ابن سعد: كان شريفًا، صارمًا، له عارضة وإقدامٌ، وكان قليل الحديث. وقال النسائيّ: كان أحد النبلاء. وذكره ابن حبّان في "الثقات". وقال مصعبٌ الزبيريّ: استعمله ابن الزبير على خراج الكوفة، وبقي حتى أدرك هشام بن عبد الملك. مات سنة (١١٠)، ومولده سنة (٣٦)، فروايته عن عمر مرسلة. روى له البخاريّ في "الأدب المفرد"، والباقون، وله عند المصنّف في هذا الكتاب حديث الباب فقط.
стр. 15728
وقولُهُ "من أُرِيد مالُهُ" بِالرَّفع: أي الإنسانُ الذِي أراد إِنسان آخرُ أن يأخُذ مالهُ. وقوله: "بِغيرِ حقّ": أي ظُلْمًا. وقوله: "فقاتل": أي ذَلِكَ الإنسانُ الّذِي هُو مالِكُ المال، دُون مالِهِ وقوله: "فقُتِل" بصِيغةِ المجهول، أيْ مالِكُ المال. وقوله: "فهُو شهِيدٌ": أفي مالِكُ المالِ المقتُولُ، أيْ في حُكم الآخِرةِ.
وقول المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-: "هذا خطأ، والصواب حديث سُعير بن الخِمْس"، أراد به أن الصواب كون حديث عبد اللَّه بن الحسن، عن عكرمة، عن عبد اللَّه بن عمرو، كما رواه سُعير بن الخمس، لا عن عبد اللَّه بن الحسن، عن إبراهيم بن محمد ابن طلحة، عن عبد اللَّه بن عمرو، كما رواه سفيان الثوريّ، هذا الذي يظهر من كلامه -رحمه اللَّه تعالى-.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: لكن لم يظهر لي وجه تصويبه رواية سُعير بن الْخمس السابقة، وتخطئته رواية سفيان هذه، فإن كان لموافقتها لرواية محمد بن عبد الرحمن السابقة، حيث إنه رواها عن عكرمة، عن عبد اللَّه بن عمرو، بخلاف رواية سفيان، فإنه خالفه في ذلك، فجعله عن عبد اللَّه بن حسن، عن إبراهيم بن محمد، عن عبد اللَّه بن عمرو، فهذا لا يضرّ، فإن سفيان إمام ثقة حافظ متقنٌ، ومع ذلك لم ينفرد به، بل تابعه عليه عبد العزيز بن المطّلب، وهو صدوقٌ، فقد أخرجه الترمذيّ، عن بندار، عن أبي عامر العقديّ، عن عبد العزيز بن المطّلب، عن عبد اللَّه بن حسن، عن إبراهيم بن محمد، عن عبد اللَّه بن عمرو - رضي اللَّه تعالى عنه -، ثم قال الترمذيّ: حسن صحيح (١).
فالذي يظهر أن الحديث صحيح، من كلتا الطريقين.
وله أيضًا طريق آخر، فقد أخرجه ابن ماجه في "الحدود" عن بندار، بسند الترمذيّ، لكنه قال: عن عبد اللَّه بن الحسن، عن الأعرج، عن أبي هريرة - رضي اللَّه تعالى عنه -. قال الحافظ في "النكت الظراف": فكأنّ لعبد اللَّه بن الحسن فيه شيخان. انتهى.
والحاصل أن الحديث صحيح. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٠٩١ - (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ سُلَيْمَانَ, قَالَ: حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ هِشَامٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ, عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ طَلْحَةَ, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو, قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ, فَهُوَ شَهِيدٌ»).
стр. 15729
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "أحمد بن سليمان": هو أبو الحسين الرُّهاويّ، ثقة حافظ [١١]. ٣٨/ ٤٢ من أفراد المصنّف.
و"معاوية بن هشام": هو القصّار، أبو الحسن الكوفيّ، صدوقٌ، له أوهامٌ، من صغار [٩] ٣٩/ ١٧٥٤.
وقوله: "عن محمد بن إبراهيم بن طلحة" خطأٌ، والصواب: "عن إبراهيم بن محمد ابن طلحة"، كما تقدّم في السند الماضي، وقد أشار المصنّف إلى هذا في "الكبرى" حيث قال بعد إحراجه بهذا السند: ما نصّه: "قال أبو عبد الرحمن: هذا خطأ، والصواب الذي قبله". انتهى. يعني رواية يحيى بن سعيد القطّان التي في السند السابق، حيث سمّى الراوي "إبراهيم بن محمد بن طلحة". والخطأ فيه من معاوية بن هشام، حيث قلب "إبراهيم بن محمد" إلى "محمد بن إبراهيم" (١).
[تنبيه]: تخطئة المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- هنا غير تخطئته في السند الماضي، فإنه هناك خطأ كون الحديث من رواية عبد اللَّه بن حسن، عن إبراهيم بن محمد بن طلحة، عن عبد اللَّه بن عمرو، وصوّب كونه من رواية عبد اللَّه بن حسن، عن عكرمة، عن عبد اللَّه بن عمرو، وقد سبق ما فيه.
وأما تخطئته هنا فهو تخطئة قلب اسم إلى اسم آخر، فخطّأ قوله: "محمد بن إبراهيم"، وقال: الصواب: "إبراهيم بن محمد"، فتنبّه. واللَّه تعالى أعلم.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد سبق بيانه قريبًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٠٩٢ - (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ, وَقُتَيْبَةُ, وَاللَّفْظُ لإِسْحَاقَ, قَالَا: أَنْبَأَنَا سُفْيَانُ, عَنِ الزُّهْرِيِّ, عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَوْفٍ, عَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ, عَنِ النَّبِيِّ ﷺ , قَالَ: «مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ, فَهُوَ شَهِيدٌ»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "إسحاق بن إبراهيم": هو ابن راهويه. و"سفيان": هو ابن عُيينة. و"طلحة بن عبد اللَّه بن عوف": هو الزهريّ المدنيّ القاضي، الملقّب طلحة النَّدَى، ثقة مكثر فقيه [٣] ٧٧/ ١٩٨٧.
و"سعيد بن زيد"بن عمرو بن نُفيل العدويّ، أبو الأعور، أحد العشرة. روى عن النبيّ - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم -، وعنه ابنه هشام، وابن عمر، وعمرو بن حُريث، وأبو الطُّفيل، وقيس بن أبي حازم، وغيرهم. ذكر عروة بن الزبير أنه ممن ضرب رسول
стр. 15730
اللَّه - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم - سهمه، وأجره في بدر، هو وطلحة، وكان بعثهما يتجسّسان له أمر عِير قُريش، فلم يحضُرا بدرًا. وقال ابن عبد البرّ: كان إسلامه قديمًا قبل عمر، وبسبب زوجته كان إسلام عمر، وهاجر هو وامرأته فاطمه بنت الخطّاب.
وقال قيس بن أبي حازم: قال سعيد بن زيد: لقد رأيتني، وإن عمر لموثقي على الإسلام. ودعا سعيد على أروى بنت أويس لَمّا استعدت عليه، وادّعت أنه غصبها أرضها، فقال: اللَّهمّ إن كانت ظالمةً، فأَعم بصرَها، واجعل قبرها في بئرها، فعَمِيت أروى، ثم وقعت في البئر، فماتت، وخبرها مشهور، ورواه الزبير بن بكّار في "كتاب النسب" بسند صحيح. وقال الواقديّ: توفّي بالعقيق، فحُمل إلى المدينة، فدُفن بها، وذلك سنة (٥٠)، أو (٥١)، وكان يوم مات ابن بضع وسبعين سنة، وكان رجلاً طُوَالاً، آدم، أشعر. وقال: وهذا أثبت عندنا، لا خلاف فيه بين أهل البلد، وأهل العلم، وروى أهل الكوفة أنه مات عندهم. وقال يحيى بن بُكير، وخليفة،: مات سنة (٥١)، وقال عبد اللَّه بن سعيد الزهريّ: مات سنة (٥٢).
روى له الجماعة، وله عند المصنّف هذا الحديث فقط، كرّره أربع مرّات، في هذا الباب، والبابين بعده.
وشرح الحديث تقدّم في حديث عبد اللَّه بن عمرو - رضي اللَّه تعالى عنهما -، وفيه مسألتان تتعلّقان به:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث سعيد بن زيد - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا صحيح.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٢٢/ ٤٠٩٢ و ٢٣/ ٤٠٦ و ٤٠٩٧/ ٢٤ - وفي "الكبرى"٢٢/ ٣٥٥٤ و ٢٣/ ٣٥٥٧ و ٢٤/ ٣٥٥٨. وأخرجه (د) في "السنّة" ٤٧٧٢ (ت) في "الديات" ١٤١٨ و١٤٢١ (ق) في "الحدود" ٢٥٨٠ (أحمد) في "مسند العشرة" ١٦٣١ و ١٦٣٦ و ١٦٥٢. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٠٩٣ - (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ, قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدَةُ, قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ, عَنِ الزُّهْرِيِّ, عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَوْفٍ, عَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ, عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ قَاتَلَ دُونَ مَالِهِ, فَهُوَ شَهِيدٌ»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، و"عبدة": هو ابن سليمان الكلابيّ. و"محمد بن إسحاق": هو المطّلبي، إمام المغازي.
والحديث صحيح، كما سبق بيانه في الذي قبله. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه
стр. 15731
المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٠٩٤ - (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ نَصْرٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا الْمُؤَمَّلُ, عَنْ سُفْيَانَ, عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ مَرْثَدٍ, عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بُرَيْدَةَ, عَنْ أَبِيهِ, قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ, فَهُوَ شَهِيدٌ»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "أحمد بن نصر": هو النيسابوريّ الزاهد المقرئ، أبو عبد اللَّه بن أبي جعفر، ثقة فقيه حافظ [١١]. ٦٠/ ١٧٨٢ من أفراد المصنّف، والترمذيّ.
و"المؤمّل" بهمزة، بوزن محمد- بن إسماعيل العدويّ، مولى آل الخطاب، وقيل: مولى بني بكر، أبو عبد الرحمن البصريّ، نزيل مكّة، صدوقٌ سيّء الحفظ، من صغار [٩].
قال ابن أبي خيثمة، عن ابن معين: ثقة. وقال عثمان الدارميّ: قلت لابن معين: أيّ شيء حاله؟ فقال: ثقة، قلت: هو أحبّ إليك، أو عُبيد اللَّه يعني ابن موسى؟ فلم يُفضّل. وقال أبو حاتم: صدوق، شديدٌ في السنّة، كثير الخطإ. وقال البخاريّ: منكر الحديث. وقال الآجرّي: سألت أبا داود عنه؟ فعظّمه، ورفع مى شأنه، إلا أنه يَهِم في الشيء. وقال يعقوب بن سفيان: مؤمّل أبو عبد الرحمن شيخٌ جليلٌ سُنّيّ، سمعت سليمان بن حرب يُحسن الثناء عليه، كان مشيختنا يُوصُون به، إلا أن حديثه لا يُشبه حديث أصحابه، وقد يجب على أهل العلم أن يقِفوا عن حديثه، فإنه يروي المناكير عن ثقات شيوحه، وهذا أشدّ، فلو كانت هذه المناكير عن الضعفاء لكنّا نجعل له عُذرًا. وقال الساجيّ: صدوقٌ كثير الخطإ، وله أوهامٌ يطول ذكرها. وقال ابن سعد: ثقة كثير الغلط. وقال ابن قانع: صالحٌ يُخطىء. وقال إسحاق بن راهويه: حدثنا مؤمّل بن إسماعيل ثقة. وقال محمد بن نصر المروزيّ: المؤمّل إذا انفرد بحديث وجب أن يُتوقّف، ويُتثتت فيه؛ لأنه كان سيّء الحفظ، كثير الغلط. وذكره ابن حبّان في "الثقات"، وقال: ربّما أخطأ، مات يوم الأحد لسبع عشرة ليلة، خلت من شهر رمضان، سنة (٢٠٦) وهكذا أرّخه البخاريّ، عن ابن أبي بزّة. قال البخاريّ: أما ابنه، فقال: نحن من صليبة كنانة، قال: وحدّثني من أثق به أنه مولى لبني بكر.
علّق له البخاريّ، وأخرج له المصنّف، وأبو داود في" القدر"، والترمذيّ، وابن ماجه، وله عند المصنّف حديثان فقط: هذا الحديث، وفي "كتاب البيوع" ٥١/ ٤٥٨٧ - حديث ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما -، أنه كان لا يرى بأسًا في قبض الدراهم من الدنانير، والدنانير من الدراهم".
стр. 15732
و"سفيان": هو الثوريّ. و"علقمة بن مَرْثَد": الحضرميّ، أبو الحارث الكوفيّ، ثقة [٦] ١٠٣/ ٢٠٤٠. و"سليمان بن بُريدة": هو الأسلميّ المروزيّ، قاضيها، ثقة [٣] ١٠١/ ١٣٣. و"أبوه": هو بُريدة بن الْحُصيب، أبو سهل الأسلميّ، صحابيّ، أسلم قبل بدر، ومات - رضي اللَّه تعالى عنه - سنة (٦٣) ١٠١/ ١٣٣.
والحديث من أفراد المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو صحيح بالأسانيد الماضية، وأما بهذا السند، فضعيف، كما سيأتي الكلام عليه في الذي بعده. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٠٩٥ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى, قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ, قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ, عَنْ عَلْقَمَةَ, عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ, قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ قُتِلَ دُونَ مَظْلَمَتِهِ, فَهُوَ شَهِيدٌ». قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ: حَدِيثُ الْمُؤَمَّلِ خَطَأٌ, وَالصَّوَابُ حَدِيثُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "عبد الرحمن": هو ابن مهديّ. و"سفيان": هو الثوريّ. وأبو جعفر": هو محمد بن عليّ بن الحسين المدنيّ المعروف بالباقر، ثقة فاضلٌ [٤] ١٢٣/ ١٨٢.
وقوله: "دون مظلمته" بفتح الميم، وكسر اللام-: أي دون من أراد ظلمه بأخذ شيء من ماله، أو نحوه. قال المجد في "القاموس": والْمَظْلِمَةُ بكسر اللام، وكثُمَامة: ما تظلَّمه الرجل. انتهى. وقال الفيّوميّ في "المصباح": الظُّلْم أي بضمّ، فسكون-: اسم من ظَلَمَهُ ظَلْمًا، من باب ضرب، ومَظْلِمَةً بفتح الميم، وكسر اللام- وتُجعَلُ الْمَظْلِمَة اسمًا لما تَطْلُبُهُ عند الظالم. انتهى. وقال ابن منظور في "اللسان": والظُّلَامَةُ، والظَّليمَة، والْمَظلِمَةُ: ما تَطْلُبُهُ عند الظالم، وهو اسمُ ما أُخِذ منك. وفي "التهذيب": الظُّلَامة: اسم مَظْلِمَتِك التي تطلُبُها عند الظالم. انتهى.
وقوله: "قال أبو عبد الرحمن: حديث المؤمّل خطأ الخ" أشار به إلى أن حديث بُريدة بن الحُصيب المذكور قبله، من طريق المؤمّل موصولاً خطأ، والصواب حديث أبي جعفر مرسلاً، وإنما رتجح -رحمه اللَّه تعالى- المرسل على الموصول؛ لمخالفة المؤمّل وقد تكلّم فيه الأكثرون؛ لسوء حفظه، وكثرة أوهامه، كما سبق قرينًا في ترجمته- عبد الرحمن بن مهديّ، وهو إمام حافظ متقن، فتكون روايته محفوظة، وسيأتي حديث أبي جعفر موصولاً عن سُويد بن مقرّن - رضي اللَّه تعالى عنه - بعد بابين، إن شاء اللَّه تعالى.
والحاصل أن الحديث صحيح. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
стр. 15733
٢٣ - (مَنْ قَاتَلَ دُونَ أَهْلِهِ)
٤٠٩٦ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ, قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ, قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ, عَنْ أَبِيهِ, عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ مُحَمَّدٍ, عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَوْفٍ, عَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ, عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ قَاتَلَ دُونَ مَالِهِ, فَقُتِلَ فَهُوَ شَهِيدٌ, وَمَنْ قَاتَلَ دُونَ دَمِهِ, فَهُوَ شَهِيدٌ, وَمَنْ قَاتَلَ دُونَ أَهْلِهِ, فَهُوَ شَهِيدٌ»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "إبراهيم بن سعد": هو الزهريّ، أبو إسحاق المدنيّ، نزيل بغداد، ثقة حجة [٨]. ١٩٦/ ٣١٤. و"أبوه": هو سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف المدنيّ، قاضيها، ثقةٌ فاضلٌ، عابد [٥]. ١١/ ٥١٨. و"أبو عُبيدة بن محمد" بن عمّار بن ياسر، أخو سلمة، وقيل: هو هو، ثقة (١) [٤] ٢/ ٣٩٢٧. والباقون تقدّموا في الباب الماضي.
وقولُهُ: "من قاتل دُون مالِهِ": أيْ عِند دفْعِهِ من يُرِيدُ أخذ مالِهِ ظُلمًا. وقوله: "دون دمِهِ": أي في الدفعِ عن نفسِهِ. وقوله: "دُون دِينِهِ": أفي في نُصرةِ دِينِ اللَّهِ، والذبَّ عنهُ. وقال السنديّ: أي من أراده أحدٌ ليفتنه في دينه، وإلا يُريد قتله، فقبِل القتل، أو قاتل عليه، حتى قُتل، فهو شهيد، وجُوّز له إظهار كلمة الكفر، مع ثبوت القلب على الإيمان، والأولى الصبر على القتل. واللَّه تعالى أعلم.
وقوله: "دُون أهلِهِ": أيْ في الدَّفعِ عن زوجته، أوْ قرِيبتِهِ.
وقوله: "فهُو شهِيدٌ": أي لأنَّه مات في سبيل طلب الحقّ، والدفاع عن الحقّ؛ لأن المُوْمِن مُحتَرَمٌ، ذاتا، ودمّا، وأهلا، ومالا، فإذا أُرِيد مِنهُ أخذ شيءِ مِن ذَلِكَ، جاز لهُ الدَّفعُ عنهُ، فإِذا قُتِل بِسببِهِ، فهُو شهِيد، ينال أجر الشهيد في الآخرة، كما سبق بيانه.
والحديث صحيح، تقدّم تخريجه في الباب الماضي. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
…
стр. 15734
٢٤ - (مَنْ قَاتَلَ دُونَ دِينِهِ)
٤٠٩٧ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ, وَمُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ, قَالَا: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ -يَعْنِي ابْنَ دَاوُدَ الْهَاشِمِيُّ- قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ, عَنْ أَبِيهِ, عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ, عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَوْفٍ, عَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ, قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ, فَهُوَ شَهِيدٌ, وَمَنْ قُتِلَ دُونَ أَهْلِهِ, فَهُوَ شَهِيدٌ, وَمَنْ قُتِلَ دُونَ دِينِهِ, فَهُوَ شَهِيدٌ, وَمَنْ قُتِلَ دُونَ دَمِهِ, فَهُوَ شَهِيدٌ»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "محمد بن رافع": هو القشيريّ النيسابوريّ، ثقة عابدٌ [١١]. ٩٢/ ١١٤. و"محمد بن إسماعيل ابن إبراهيم": هو المعروف أبوه بابن علية البصريّ، نزيل دمشق، وقاضيها، ثقة [١١] ٢٢/ ٤٨٩. و"سليمان بن داود الهاشميّ": هو أبو أيوب البغداوديّ الفقيه، ثقة جليل، قال أحمد: يصلح للخلافة [١٠]. ٦٨/ ١٣١٦. والباقون تقدّموا في الباب الماضي، وقبله.
والحديث صحيح، تقدّم تخريجه قبل باب. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٥ - (مَنْ قُتِل دُونَ مَظْلِمَتهِ)
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "المظلمة" بفتح الميم، وكسر اللام، بمعنى الظلم، وهو وضع الشيء في غير محلّه، والمراد به أن من قُتل عند قصد قاصد له بالظلم، فله أجر شهيد. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
٤٠٩٨ - (أَخْبَرَنَا الْقَاسِمُ بْنُ زَكَرِيَّا بْنِ دِينَارٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَمْرٍو الأَشْعَثِيُّ, قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْثَرٌ, عَنْ مُطَرِّفٍ, عَنْ سَوَادَةَ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ, عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ, قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا عِنْدَ سُوَيْدِ بْنِ مُقَرِّنٍ, فَقَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ قُتِلَ دُونَ مَظْلَمَتِهِ, فَهُوَ شَهِيدٌ»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "القاسم بن زكريّا": هو القرشيّ، أبو محمد الكوفيّ الطّحّان، ثقة [١١] ٨/ ٤١٠. و"سعيد بن عمرو الأشعثيّ": هو أبو عثمان الكنديّ الكوفيّ، ثقة [١٠]. ٥٤/ ٢٢٨٨. و"عَبْثَر" بفتح المهملة، وسكون الموحّدة-: هو
стр. 15735
القاسم الزُّبيديّ بالضم-، أبو زُبيد الكوفيّ، ثقة [٨] ١٩٠/ ١١٦٤. و"مطرّف": هو ابن طرِيف الكوفيّ، ثقة فاضلٌ، من صغار [٦] ٢/ ٣٢٧.
و"سوادة بن أبي الجعد"، أو ابن الجعد الجعفيّ، مقبول [٦].
روى عن أبي جعفر، وروى عنه مطرّف بن طَرِيف. قال أبو حاتم: سوادة بن الجعد هو أخو عمران، وإبراهيم. وقال البخاريّ في "التاريخ الكبير": سوادة بن أبي الجعد روى عن أبي جعفر، مرسلٌ، يقال: هو أخو عمران، وإبراهيم. وذكره ابن حبّان في "الثقات". تفرد به المصنّف بحديث الباب فقط.
و"أبو جعفر" قال في "التقريب" ص ٣٩٩: "أبو جعفر" شيخٌ لسوادة بن أبي الجعد مجهول، من الثالثة، وقيل: هو محمد الباقر. انتهى. وقال في "تهذيب "التهذيب" ٤/ ٥٠٤ - : "أبو جعفر" عن سُويد بن مُقرّن حديث "من دون مظلمته، فهو شهيد"، وعنه سوادة بن أبي الجعد. ورواه علقمة بن مرثد، عن أبي جعفر مرسلاً، يحتمل أن يكون أبو جعفر هذا هو محمد بن عليّ بن الحسين الباقر. انتهى.
و"سُويد بن مُقرّن" بن عائذ المزنيّ، أبو عديّ، ويقال: أبو عمرو الكوفيّ، أخو النعمان. روى عن النبيّ - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم -، وعنه ابنه معاوية، ومولاه أبو سعيد، وهلال بن يساف، وأبو جعفر شيخ لسوادة بن الأسود، وأبو مصعب هلال ابن يزيد المازنيّ، ويقال: الشيبانيّ. انتهى. روى له البخاريّ في "الأدب المفرد"، ومسلم، وأبو داود، والترمذيّ، والمصنّف، وله عنده في هذا الكتاب حديث الباب فقط.
والحديث وإن كان في سنده أبو جعفر، وهو مجهول، إلا أنه صحيح بما تقدّم، وهو من أفراد المصنّف أخرجه هنا-٢٥/ ٤٠٩٨ - . واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
стр. 15736
٢٦ - (مَنْ شَهَرَ سَيْفهُ، ثُمَّ وَضَعَهُ فِي النَّاسِ)
٤٠٩٩ - (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ, قَالَ: أَنْبَأَنَا الْفَضْلُ بْنُ مُوسَى, قَالَ: حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ, عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ, عَنْ أَبِيهِ, عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ, عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , قَالَ: «مَنْ شَهَرَ سَيْفَهُ, ثُمَّ وَضَعَهُ, فَدَمُهُ هَدَرٌ»).
رجال هذا الإسناد؛ ستة:
١ - (إسحاق بن إبراهيم) ابن راهويه الحنظليّ المروزيّ، ثقة ثبت [١٠] ٢/ ٢.
٢ - (الفضل بن موسى) السَّينانيّ، أبو عبد اللَّه المروزيّ، ثقة ثبت ربما أغرب، من كبار [٩] ٨٣/ ١٠٠.
٣ - (معمر) بن راشد الأزدي مولاهم، أبو عروة البصريّ، نزيل اليمن، ثقة ثبت [٧] ١٠/ ١٠.
٤ - (ابن طاوس) هو عبد اللَّه اليمانيّ، أبو محمد، ثقة فاضل عابد [٦] ١١/ ٥١٤.
٥ - (أبوه) طاوس بن كيسان الحميريّ موهم الفارسي، أبو عبد الرحمن اليمانيّ، يقال: اسمه ذكران، وطاوس لقبه، ثقة فقيه فاضل [٣] ٢٧/ ٣١.
٦ - (ابن الزبير) هو عبد اللَّه بن الزبير بن العوّام القرشيّ الأسديّ، أبو بكر، وأبو خُبيب، ولي الخلافة تسع سنين، وقُتل في ذي الحجة سنة (٧٣)، تقدّم في ١٨٩/ ١١٦١ واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أن فيه رواية الابن، عن أبيه. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ) عبد اللَّه (بْنِ الزُّبَيْرِ) بن العوّام - رضي اللَّه تعالى عنهما - (عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ) أنه (قال: "مَنْ) شرطية مبتدأ، وجوابها قوله: "فدمه هدرٌ" (شَهَرَ سَيْفَهُ) بتخفيف الهاء، وتشديدها: أي من أخرجه من غِمّده للقتال. قال الفيّوميّ: شَهَرَ الرجلُ سيفَهُ شَهْرًا، من باب نَفَعَ: إذا سلّه. وقال المجد: وشَهَرَ سيفه، كَمَنَعَ، وشَهَّره يعني بالتضعيف-: انتضاه، فرفعه على الناس. انتهى. وفي الرواية الآتية: "من رَفَعَ السلاح"، وهو بمعناه،
стр. 15737
وفي حديث ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما -: "من حمل علينا السلاح" (ثُمَّ وَضَعَهُ) أي في الناس، يعني أنه ضربهم به (فَدَمُهُ هَدَرٌ) بفتحتين: أي باطل، يعني أنه لا دية له، ولا قصاص بقتله. قال الفيّوميّ: هَدَرَ الدمُ هَدْرًا، من بأبي ضرب، وقَتَل: بطل، وأَهدَرَ بالألف لغة، وهَدَرتَهُ، من باب قتل، وأهدرته: أبطلته، يستعملان متعذيين أيضًا، والْهَدَرُ بفتحتين اسم منه، وذهب دمُهُ هَدْرًا بالسكون، وبالتحريك: أي باطلا، لا قَوَدَ فيه. انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: حديث عبد اللَّه بن الزبير - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا ضعيف؛ لمخالفة الفضل بن موسى لعبد الرزاق، وقد تابعه أبو عاصم، عن ابن جريج، فرووه موقوفًا، وهو الأصحّ، وهو من أفراد المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، أخرجه هنا-٢٦/ ٤٠٩٩ و ٤١٠٠ و ٤١٠١ وفي "الكبرى" ٢٦/ ٣٥٦٠ و ٣٥٦١ و ٣٥٦٢. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤١٠٠ - (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ, قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ, بِهَذَا الإِسْنَادِ, مِثْلَهُ, وَلَمْ يَرْفَعْهُ).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قوله: "ولم يرفعه" يعني أن عبد الرزاق بن همام الصنعاني رواه عن معمر موقوفًا، فخالف فيه الفضل بن موسى، وتابعه عليه أبو عاصم، عن ابن جريج، كما في الرواية التالية. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤١٠١ - (أَخْبَرَنَا أَبُو دَاوُدَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ, عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ, عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ, عَنْ أَبِيهِ, عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ, قَالَ: "مَنْ رَفَعَ السِّلَاحَ, ثُمَّ وَضَعَهُ, فَدَمُهُ هَدَرٌ").
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه، أبي داود/ سليمان بن سيف الحرّانيّ، فإنه من أفراده، وهو ثقة. و"أبو عاصم": هو الضحّاك بن مخلد النبيلُ. و"ابن جُريج": هو عبد العزيز بن عبد الملك بن جُريج. والحديث موقوف صحيح. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤١٠٢ - (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ السَّرْحِ, قَالَ: أَنْبَأَنَا ابْنُ وَهْبٍ, قَالَ: أَخْبَرَنِي مَالِكٌ, وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ, وَأُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ, وَيُونُسُ بْنُ يَزِيدَ, أَنَّ نَافِعًا أَخْبَرَهُمْ, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ, أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مَنْ حَمَلَ عَلَيْنَا السِّلَاحَ, فَلَيْسَ مِنَّا»).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (أحمد بن عمرو بن السرح) هو أحمد بن عمرو بن عبد اللَّه بن عمرو بن
стр. 15738
السرح، أبو الطاهر المصريّ، ثقة [١٠] ٣٥/ ٣٩.
٢ - (ابن وهب) هو عبد اللَّه القرشيّ مولاهم، أبو محمد المصريّ، ثقة حافظ عابد [٩] ٩/ ٩.
٣ - (مالك) بن أنس، إمام دار الهجرة الحجة الثبت الفقيه [٧] ٧/ ٧.
٤ - (عبد اللَّه بن عمر) بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب، أبو عبد الرحمن العمريّ المدنيّ، ضعيف [٧] ٨/ ٤٠٢٩.
٥ - (أسامة بن زيد) الليثيّ مولاهم، أبو زيد المدنيّ، صدوق يهم [٧] ٣٣/ ٢١٧٧.
٦ - (يونس بن يزيد) الأمويّ مولاهم، أبو يزيد الأيليّ، سكن مصر، ثقة [٧] ٩/ ٩.
٧ - (نافع) العدويّ مولى ابن عمر، أبو عبد اللَّه المدنيّ، ثقة ثبت فقيه [٣] ١٢/ ١٢.
٨ - (ابن عمر) عبد اللَّه - رضي اللَّه تعالى عنهما - ١٢/ ١٢. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أن شيخه، وابن وهب، ويونس مصريون، والباقون مدنيون. (ومنها): أن فيه ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما - من العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، ومن المشهورين بالفتوى من الصحابة - رضي اللَّه تعالى عنهم -. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ) - رضي اللَّه تعالى عنهما - (أَنَّ النَّبِيّ ﷺ ، قَالَ: (مَنْ حَمَلَ عَلَيْنَا) أي المسلمين، وترك ذكر الذميين، والمستأمنين للمقايسة، أو المراد بـ "علينا" كلُّ من كان أهل أمن, أو حرام الدم بالإيمان، أو الذمّة، أو الاستئمان. قاله السنديّ (١) (السَّلَاحَ) وفي حديث سلمة بن الأكوع عند مسلم: "من سلّ علينا السيف".
قال أبو العبّاس القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى-: يعني بذلك النبيّ - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم نفسه وغيره من المسلمين، ولا شكّ في كفر من حارب النبيّ - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم -، وعلى هذا فيكون قوله - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم -: "فليس منّا" أي ليس بمسلم، بل هو كافر، وأما من حارب غيره من المسلمين، متعمّدًا، مستحلاً من غير تأويل، فهو أيضًا كافرٌ كالأول، وأما من لم يكن كذلك، فهو صاحب كبيرة إن لم يكون
стр. 15739
متأولاً تاويلًا مسوّغًا بوجه. انتهى (١).
وقال في "الفتح": معنى الحديث حمل السلاح على المسلمين لقتالهم به بغير حقّ؛ لما في ذلك من تخويفهم، وإدخال الرعب عليهم، لا من حمله لحراستهم مثلا، فإنه يحمله لهم، لا عليهم (٢).
قال: وكأنه كنى بالحمل عن المقاتلة، أو القتل للملازمة الغالبة. قال ابن دقيق العيد -رحمه اللَّه تعالى-: يحتمل أن يراد بالحمل ما يُضادّ الوضع، ويكون كنايةً عن القتال به، ويحتمل أن يُراد بالحمل حملها؛ إرادة القتال به لقرينة قوله: "علينا". ويحتمل أن يكون المراد حمله للضرب به، وعلى كلّ حال ففيه دلالة على تحريم قتال المسلمين، والتشديد فيه. وقال الحافظ -رحمه اللَّه تعالى-: جاء الحديث بلفظ: "من حمل علينا السلاح"، أخرجه البزّار، من حديث أبي بكرة، ومن حديث سمُرة، ومن حديث عمرو ابن عوف، وفي سند كلّ منها لينٌ، لكنّها يعضد بعضها بعضًا. وعند أحمد من حديث أبي هريرة بلفظ: "من رمانا بالنبل، فليس منّا" "، وهو عند الطبرانيّ في "الأوسط"، بلفظ: "الليل" بدل "النبل"، وعند البزّار من حديث بُريدة مثله. انتهى (٣).
(فَلَيْسَ مِنَّا) قال القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى-: مذهب أهل الحقّ أنه لا يُكفّر أحدٌ من المسلمين بارتكاب كبيرة ما عدا الشرك، وعدى هذا فيُحمل قوله - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم: "ليس منّا" في حن مِثلِ هذا على معنى: ليس على طريقتنا، ولا على شريعتنا، إذ سنّة المسلمين، وشريعتهم التواصل، والتراحم، لا التقاطع، والتقاتل، ويَجري هذا مَجرى قوله - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم -: "من غشّنا، فليس منّا"، ونظائره، وتكون فائدته الردع، والزجر عن الوقوع في مثل ذلك، كما يقول الوالد لولده إذا سلك غير سبيله: لستُ منك، ولستَ مني، كما قال الشاعر:
إِذَا حَاوَلْتَ فِي أَسَدٍ فُجُورًا … فِإنِّي لَسْتُ مِنْكَ وَلَسْتَ مِنِّي
انتهى كلام القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى- (٤).
وقال النوويّ -رحمه اللَّه تعالى- في "شرح مسلم": مذهب أهل السنّة والفقهاء أن من حمل السلاح على المسلمين بغير حقّ، ولا تأويل، ولم يستحلّه، فهو عاص، ولا يكفر بذلك، فإن استحلّه كفر. فأما تأويل الحديث، فقيل: هو محمولٌ على المستحلّ بغير
стр. 15740
تأويل، فيكفر، ويخرُج من الملّة. وقيل: معناه ليس على سيرتنا الكاملة، وهدينا. وكان سفيان بن عُيينة -رحمه اللَّه تعالى- يَكرَه قول من يُفسّره بـ "ليس على هدينا"، ويقول: بئس هذا القول، يعني بل يُمسَك عن تأويله؛ ليكون أوقع في النفوس، وأبلغ لي الزجر. انتهى (١).
وقال في "الفتح": قوله: "فليس منّا": أي ليس على طريقتنا، أو ليس متّبعًا لطريقتنا؛ لأن من حقّ المسلم على المسلم أن ينصُره، ويُقاتل دونه، لا أن يُرعبه يحمل السلاح عليه لإرادة قتاله، أو قتله، ونظيره: "من غشّنا فليس منّا"، و"ليس منّا من ضرب الخدود، وشقّ الجيوب". وهذا في حقّ من لا يستحلّ ذلك، فأما من يستحقه، فإنه يكفر باستحلال المحرّم بشرطه، لا مُجرّد حمل السلاح. والأولى عند كثير من السلف إطلاق لفظ الخبر من غير تعزض لتأويله؛ ليكون أبلغ في الزجر. وكان سفيان بن عُيينة يُنكر على من يصرفه عن ظاهره، فيقول: معناه ليس على طريقتنا، ويرى أن الإمساك عن تأويله أولى لما ذكرناه. والوعيد المذكور لا يتناول من قاتل البغاة من أهل الحقّ، فيُحمل على البغاة، وعلى من بدأ بالقتال ظالمًا. قاله في "الفتح" (٢) واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المساله الأولى): في درجته:
حديث ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٢٦/ ٤١٠٢ - وفي "الكبرى" ٢٦/ ٣٥٦٣. وأخرجه (خ) في "الديات" ٦٨٧٤ و"الفتن" ٧٠٧٠ (م) في "الإيمان" ٩٨ (ق) في "الحدود" ٢٥٧٦ (أحمد) "في مسند المكثرين"٤٤٥٣ و ٤٦٣٥ و ٥١٢٧ و ٦٢٤١ و٦٣٤٥. واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان حكم من شهر سيفه على المسلمين، وهو أنه ليس له حرمتهم، بل يقتل. (ومنها): تحريم حمل السلاح على المسلمين من غير حقّ؛ لما فيه من ترويعهم، وتخويفهم، بغير سبب شرعيّ. (ومنها): عظم حرمة المسلمين عند اللَّه تعالى، فلا يحلّ لأحد أن يتعرض لهم بأذى؛ إلا بما
стр. 15741
شرعه اللَّه تعالى عليهم، من الحدود. (ومنها): خطر حمل السلاح على من لا يستحقّه، فقد حكم الشارع عليه بأنه ليس من المسلمين، وهذا وإن كان فيه التفصيل السابق، إلا أنه خطر عظيم، أعاذنا اللَّه من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، إنه جواد كريم، رؤوفٌ رحيم. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤١٠٣ - (أَخْبَرَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ, قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ, قَالَ: أَنْبَأَنَا الثَّوْرِيُّ, عَنْ أَبِيهِ, عَنِ ابْنِ أَبِي نُعْمٍ, عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ, قَالَ: بَعَثَ عَلِيٌّ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ , وَهُوَ بِالْيَمَنِ, بِذُهَيْبَةٍ فِي تُرْبَتِهَا, فَقَسَمَهَا بَيْنَ الأَقْرَعِ بْنِ حَابِسٍ الْحَنْظَلِيِّ, ثُمَّ أَحَدِ بَنِي مُجَاشِعٍ, وَبَيْنَ عُيَيْنَةَ بْنِ بَدْرٍ الْفَزَارِيِّ, وَبَيْنَ عَلْقَمَةَ بْنِ عُلَاثَةَ الْعَامِرِيِّ, ثُمَّ أَحَدِ بَنِي كِلَابٍ, وَبَيْنَ زَيْدِ الْخَيْلِ الطَّائِيِّ, ثُمَّ أَحَدَ بَنِي نَبْهَانَ, قَالَ: فَغَضِبَتْ قُرَيْشٌ, وَالأَنْصَارُ, وَقَالُوا: يُعْطِي صَنَادِيدَ أَهْلِ نَجْدٍ, وَيَدَعُنَا, فَقَالَ: «إِنَّمَا أَتَأَلَّفُهُمْ» , فَأَقْبَلَ رَجُلٌ, غَائِرَ الْعَيْنَيْنِ, نَاتِئَ الْوَجْنَتَيْنِ, كَثَّ اللِّحْيَةِ, مَحْلُوقَ الرَّأْسِ, فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ اتَّقِ اللَّهَ, قَالَ: «مَنْ يُطِعِ اللَّهَ إِذَا عَصَيْتُهُ, أَيَأْمَنُنِي عَلَى أَهْلِ الأَرْضِ, وَلَا تَأْمَنُونِي» , فَسَأَلَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ قَتْلَهُ, فَمَنَعَهُ, فَلَمَّا وَلَّى, قَالَ: «إِنَّ مِنْ ضِئْضِئِ هَذَا, قَوْمًا يَخْرُجُونَ, يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ, لَا يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ, يَمْرُقُونَ, مِنَ الدِّينِ مُرُوقَ السَّهْمِ مِنَ الرَّمِيَّةِ, يَقْتُلُونَ أَهْلَ الإِسْلَامِ, وَيَدَعُونَ أَهْلَ الأَوْثَانِ, لَئِنْ أَنَا أَدْرَكْتُهُمْ, لأَقْتُلَنَّهُمْ قَتْلَ عَادٍ»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا.
و"والد سفيان": هو سعيد بن مسروق الثوريّ الكوفيّ، ثقة [٦] ١٥٦/ ١١٢١. و"ابن أبي نُعْم" بضمّ النون، وسكون المهملة-: هو عبد الرحمن بن أبي نُعم البجليّ أبو الحكم الكوفيّ، صدوق عابد [٣]. ٧٩/ ٢٥٧٨.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد تقدّم في "كتاب الزكاة"، وتقدم شرحه، وبيان مسائله، وإنما أتكلّم على إيضاح بعض الغرائب من ألفاظه.
فقوله: "وهو باليمن" أي واليًا على السنن. وقوله: "بذُهيبة" تصغير ذَهَبٍ، وأُلحقت بها هاء التأنيث؛ لأن الذهب يؤنّث، والمؤنّث الثلاثي إذاً صُغّر أُلحق تاء التأنيث، كعُيينة، تصغير عين، وأذينة تصغير أذن. وقيل: هو تصغير ذهبة على معنى قِطعة من الذهب، فصغّروها على لفظها.
وقوله: "في تُربتها" أي مخلوطة بترابها، بمعنى أنها لم تُميّز من تراب معدنها.
وقوله: "صناديد قُريش" جمع صِنديد، وهو الرئيس. وقوله: "غائر العينين" أي داخلهما إلى القعر. وقوله: "ناتىء الوجنتين بالهمز-: أي مرتفعهما، والوجنتان، تثنية
стр. 15742
وجنة، وهو ما ارتفع من الخدّ. وقوله: "كثّ اللحية" بفتح الكاف، وتشديد المثلّثة: أي كبيرهما، وكثيفهما.
وقوله: "من يُطع اللَّه إذا عصيته": قال السنديّ -رحمه اللَّه تعالى-: إذ الخلقُ مأمورون باتّباعه - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم -، فإذا عصى يتبعونه فيه، فمن يُطيعه؟. و"من" في "من يطع" استفهاميّةٌ، لا شرطيّةٌ، فالوجه إثبات الياء، أي من يطيعُ اللَّه؟، كما في "الكبرى".انتهى (١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: كون "من" استفهامية هو الصواب؛ لأن كونها شرطيّة لا يستقيم به المعنى، وعلى هذا فـ"يُطيع" مرفوعٌ، لا مجزومٌ، لكن الموجود في نسخ "المجتبى" هنا محذوف الياء التي هي عين الكلمة بصيغة المجزوم، وما ذكره السنديّ من أنه في "الكبرى" بإثبات الياء، فلعله وجد نسخة منه كما ذكره، وإلا فنسخة "الكبرى" التي بين يدي مثل نسخ "المجتبى"، محذوفة الياء. فليُحرّر
وقد تقدّم في "كتاب الزكاة" مرفوعًا، ولفظه: "فمن يُطيع اللَّه ، إن عصيته الخ". واللَّه تعالى أعلم.
وقوله: "أيامنني" أي اللَّه تعالى، فالفاعل ضمير اللَّه تعالى. وقوله: "على أهل الأرض" أي على تبليغ الوحي، وأداء الرسالة إليهم.
وقوله: "فسأل رجل من القوم قتله" هو خالد بن الوليد، وقيل: عمر بن الخطاب، ويحتمل أن كلًّا منهما طلب قتله. وقوله: "فلما ولىّ" أي أدبر الرجل القائل له - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم -: يا محمد اتّق اللَّه. وقوله: "قال: إن من ضِئضىء هذا" بكسر الضادين، وسكون الهمزة الأولى: أي قال - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم -: إن من نسل وعقب هذا الرجل.
وقوله: "يخرجون": أي يظهرون.
وقوله: "لا يُجاوز حناجرهم" جمع حنجرة، وهي رأس الْغَلْصَمة، حيث تراه ناتئًا من خارج. قيل: معناه: لا تفهمه قلوبهم، ولا ينتفعون بما يتلون. وقيل: لا يصعد لهم عمل، ولا تلاوة، ولا يُتقبّل منهم.
وقوله: "يمرقون من الدين" من باب قعد: أي يخرجون منه. وقوله: "كما يمرق السهم من الرَّميّة": أي كما يخرج السهم من الصيد المرميّ، شبّه مروقهم من الإسلام بالسهم الذي يُصيب الصيد، فيدخل فيه، ويخرُج منه، ومن شدّة سرعة خروجه لقوة
стр. 15743
الرامي، لا يَعْلَق به من جسد الشي شيء. قاله في " الفتح" (١).
وقوله: "قتل عاد" أي قتلاً عامًّا، مستأصلاً، كما قال اللَّه تعالى في شأن هلاك عاد: ﴿فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٨]. وقد تقدّم شرح هذا الحديث مستوفًى في "كتاب الزكاة" ٧٩/ ٢٥٧٨ - فراجعه تستفد. وباللَّه تعالى التوفيق.
[فائدة]: ذكر في "الفتح" أنه جاء عن أبِي سعِيد الخُدْرِي قِصّة أُخرى، تتعلَّق بِالخوارجِ، فِيها ما يُخالِف هذِهِ الرَّواية، وذلِك فِيما أخرجهُ اخمدُ بِسندٍ جيَّد، عن أبِي سعِيد، قال: "جاء أبُو بكر إِلى رسُول اللَّه ﷺ ، فقال: يا رسُول اللَّه، إِني مررْت بِوادِي كذا، فإِذا رجُل حسن الهيئة، مُتخشِّع، يُصلِّي فِيهِ، فقال: (اذهب إِليهِ، فاقتُلهُ". قال: فذهب إِليهِ أبُو بكر، فلمّا رآهُ يُصلي، كرِه أن يقتُلهُ، فرجع، فقال النبِي ﷺ لِعُمر: "اذهت إِليهِ، فاقتُلْهُ"، فذهب، فرآهُ على تِلك الحالة، فرجع، فقال: "يا علِي، اذهب إِليهِ فاقتُلهُ"، فذهب عليّ، فلم يرهُ، فقال النَّبِيّ ﷺ : "إِنَّ هذا وأصحابه، يقرءُون القرْآن، لا يُجاوِز تراقِيهم، يمرُقُون من الذين، كما يفرُق السَّهْم من الرَّميَّة، ثُمَّ لا يعُودُون فِيهِ، فاقتُلُوهُم، هُم شرّ البريَّة".
ولهُ شاهِد من حدِيث جابِر، أخرجهُ أبُو يعلى، ورِجاله ثِقات.
قال الحافظ: ويُمْكِن الجمع، بِأنْ يكُون هذا الرجُل هُو الأوَّل، وكانت قِصَّته هذِهِ الثانِية، مُتراخِية عن الأولى، وأذِن ﷺ في قتله، بعد أن منع مِنهُ، لِزوالِ عِلة المنع، وهِي التألُف، فكأنهُ استعني عنهُ، بغد انتِشار الإسلام كما نهُي عن الصَّلاة على من يُتسب إِلى النَّفاق، بغد أن كان يُجرى عليهِم أحكام الإسْلام قبل ذَلِكَ، وكان أبا بكر وعُمر، تمسَّكا بالنَّهي الأوْل عن قتل المُصلِّين، وحملا الأمر هُنا على قيد أن لا يكُون لا يُصلي، فلِذلِك علَّلا عدم القتل بِوُجُودِ الصَّلاة، أوْ غلَّبا جانِب النَّهْىِ.
ثُمَّ وجدت في "مغازِي الأُموِي"، من مُرْسل الشَّعبِي، في نحو أصل القِصَّة: "ثُمَّ دعا رِجالا، فأعطاهُم، فقامِ رجُل، فقال: إِنك لتقسِم، وما نرى عدْلا، قال: إِذنْ لا يعدِل أحد بعدِي. ثمَّ دعا أبا بكر، فقال: اذهب، فاقتُلهُ، فذهب، فلم يجِدهُ، فقال: "لوْ قتلته لرجوْت أن يكُون أوْلهم وآخِرهم". فهذا يُوْيّد الجمع الذِي ذكرته، لِما يدُل عليهِ، "ثُمَّ" من التَّراخِي، واللَّه أعلمُ. انتهى (٢).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الذي ذكره الحافظ من وجه الجمع حسنٌ، وقد تقدّمت المسائل المتعلّقة بهذا الحديث في "كتاب الزكاة"، فراجعها تستفد. واللَّه تعالى
стр. 15744
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤١٠٤ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ, قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ, عَنِ الأَعْمَشِ, عَنْ خَيْثَمَةَ, عَنْ سُوَيْدِ بْنِ غَفَلَةَ, عَنْ عَلِيٍّ, قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , يَقُولُ: «يَخْرُجُ قَوْمٌ فِي آخِرِ الزَّمَانِ, أَحْدَاثُ الأَسْنَانِ, سُفَهَاءُ الأَحْلَامِ, يَقُولُونَ مِنْ خَيْرِ قَوْلِ الْبَرِيَّةِ, لَا يُجَاوِزُ إِيمَانُهُمْ حَنَاجِرَهُمْ, يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ, كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ, فَإِذَا لَقِيتُمُوهُمْ, فَاقْتُلُوهُمْ, فَإِنَّ قَتْلَهُمْ أَجْرٌ لِمَنْ قَتَلَهُمْ, يَوْمَ الْقِيَامَةِ»).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (محمد بن بشار) العبدي، أبو بكر البصريّ، بُندار، ثقة حافظ [١٠]. ٢٤/ ٢٧.
٢ - (عبد الرحمن) بن مهديّ بن حسّان البصريّ، ثقة ثبت حجة [٩] ٤٢/ ٤٩.
٣ - (سفيان) بن سعيد الثوريّ الكوفيّ الإمام الثبت الحجة [٧] ٣٣/ ٣٧.
٤ - (الأعمش) سليمان بن مهران الكوفيّ، ثقة ثبت فاضل، يدلّس [٥] ١٧/ ١٨.
٥ - (خيثمة) بفتح الخاء المعجمة، والمثلّثة، بينهما تحتانيّةٌ ساكنة- ابن عبد الرحمن ابن أبي سَبْرَة بفتح المهملة، وسكون الموحّدة- الجعفيّ الكوفيّ، ثقة، وكان يرسل، ولأبيه، وجدّه صحبة [٣]. ١١٤/ ٢٠٥٦.
٦ - (سويد بن غَفَلَة) بفتح المعجمة، والفاء-: هو أبو أُميّة الجعفيّ، ثقة مخضرم، من كبار التابعين، قَدِم المدينة يوم دُفن النبيّ - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم -، وكان مسلمًا في حياته، ثم نزل الكوفة، ومات بها سنة (٨٠)، وله (١٣٠) سنة تقدّم ٦٣/ ١٦٨٦.
[فائدة]: قال الدارقطنيّ -رحمه اللَّه تعالى-: لم يصحّ لسُويد بن غفلة عن عليّ - رضي اللَّه تعالى عنه - مرفوعٌ إلا هذا الحديث. وقال الحافظ: -رحمه اللَّه تعالى-: وما له في الكتب الستة، ولا عند أحمد غيره، وله في "المستدرك" من طريق الشعبيّ عنه، قال: "خطب عليّ بنت أبي جهل"، أخرجه من طريق أحمد، عن يحيى بن أبي زائدة، عن زكريا، عن الشعبيّ، وسنده جيد، لكنه مرسلٌ، لم يقل فيه: "عن عليّ". انتهى (١).
٧ - (عليّ) بن أبي طالب الهاشميّ الخليفة الراشد - رضي اللَّه تعالى عنهما - ٧٤/ ٩١. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سباعيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين، غير شيخه، وشيخ شيخه، فبصريان.
стр. 15745
(ومنها): أن فيه ثلاثة من التابعين الثقات يروي بعضهم عن بعض: الأعمش، عن خيثمة، عن سُويد. (ومنها): أن صحابيّه ﵁ أحد الخلفاء الراشدين، والعشرة المبشّرين بالجنّة، صاحب المناقب الجمّة - رضي اللَّه تعالى عنهم - أجمعين. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن عَليّ) بن أبي طالب - رضي اللَّه تعالى عنه -، أنه (قَالَ) في رواية الشيخين، وغيرهما: "قال عليّ - رضي اللَّه تعالى عنه -: إذا حدّثتكم عن رسول اللَّه - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم - حديثًا، فو اللَّه لأن أخرّ من السماء أحبّ إليّ من أن أكذب عليه، وإذا حدّثتكم فيما بيني وبينكم، فإن الحرب خُدْعةٌ" (سَمِعْتُ رسُول اللَّهِ ﷺ ، يقُولُ: يَخْرُجُ قَوْمٌ فِي آخِرِ الزَّمَانِ) كذا وقع في هذه الرواية، وفي حديث أبي برزة الآتي بعد هذا: "يخرج في آخر الزمان قومٌ"، وهذا قد يُخالف حديث أبي سعيد المذكور قبل هذا، فإن فيه عند الشيخين وغيرهما: "يخرجون على حين فُرقة من الناس"، ومقتضى هذا أنهم خرجوا في خلافة عليّ، وكذا أكثر الأحاديث الواردة في أمرهم.
وأجاب ابن التين بأن المراد زمان الصحابة. قال الحافظ: وفيه نظر؛ لأن آخر زمان الصحابة كان على رأس المائة، وهم قد خرجوا قبل ذلك بأكثر من ستّين سنة. ويمكن الجمع بأن المراد بآخر الزمان زمان خلافة النبوّة، فإن في حديث سفينة - رضي اللَّه تعالى - عنه المخرّج في "السنن"، و"صحيح ابن حبّان"، وغيره، مرفوعًا: "الخلافة بعدي ثلاثون سنة، ثم تفسير مُلْكًا"، وكانت قصّة الخوارج، وقتلهم بالنهروان في أواخر خلافة عليّ - رضي اللَّه تعالى عنه - سنة ثمان وعشرين بعد موت النبيّ ﷺ بدون الثلاثين بنحو سنتين.
(أَحْدَاثُ الأَسْنَانِ) -بفتح الهمزة- جمع حدث بفتحتين، وهو الصغير السنّ، و"الأسنان" بفتح الهمزة أيضًا: جمع سنّ، والمراد به العمر، وهو كناية عن كونهم شبابًا (سُفَهَاءُ الأَحْلَامِ) بفتح الهمزة: جمع حِلْم بكسر، فسكون، والمراد العقل، والمعنى أن عقولهم رديئة.
قال النوويّ: يُستفاد منه أن التثبّت، وقوّة البصيرة تكون عند كمال السنّ، وكثرة التجارِب، وقوّة العقل. وتعقّبه الحافظ بأنه لم يظهر له وجه الأخذ منه، فإن هذا معلوم بالعادة، لا من خصوص كون هؤلاء كانوا بهذه الصفة. انتهى.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: عندي لا وجه لتعقّب الحافظ لكلام النوويّ، فإن استنباطه - فيما يظهر- صحيح، فليُتأمّل. واللَّه تعالى أعلم.
стр. 15746
(يَقُولُون مِنْ خَيْرِ قَوْلِ الْبَرِيَّةِ) أي يتكلمون ببعض الأقوال التي هي من خيار أقوال الناس. قال النوويّ: أي في الظاهر، مثلُ "إن الحكم إلا للَّه"، ونظائره، كدعائهم إلى كتاب اللَّه. انتهى. وقال في "الفتح": هو من المقلوب، والمراد من "قول خير البريّة"، أي من القرآن. قال: ويحتمل أن يكون على ظاهره، والمراد القول الحسن في الظاهر، وباطنه على خلاف ذلك، كقولهم: "لا حكم إلا للَّه" في جواب عليّ - رضي اللَّه تعالى - عنه. وقد وقع في رواية طارق بن زياد عند الطبريّ، قال: "خرجنا مع عليّ فذكر الحديث، وفيه- "يخرج قوم يتكلّمون كلمة الحقّ، لا تُجاوز حلقهم"، وفي حديث أنس، عن أبي سعيد - رضي اللَّه تعالى عنهما -، عند أبي داود، والطبرانيّ: "يُحسنون القول، وُيسيئون الفعل"، ونحوه في حديث عبد اللَّه بن عمر، عند أحمد، وفي حديث مسلم عن عليّ: "يقولون الحقّ، لا يُجاوز هذا، وأشار إلى حلقه" (١)
(لَا يُجَاوِزُ إِيمَانُهمْ حَنَاجِرَهُمْ) وفي رواية عند البخاريّ: "لا يجوز"، والحناجر بالحاء المهملة، والنون، ثم الجيم- جمع حنجرة، بوزن قسورة، وهي الحلقوم، والبلعوم، وكلّه يُطلق على مجرى النفَسِ، وهو طرف المريء، مما يلي الفم. ووقع في رواية مسلم من رواية زيد بن وهب، عن عليّ - رضي اللَّه تعالى عنه -: "لا تُجاوز صلاتهم تراقيهم"، فكأنه أطلق الإيمان على الصلاة. وله في حديث أبي ذرّ - رضي اللَّه تعالى - عنه: "لا يُجاوز إيمانهم حلاقيمهم"، والمراد أنهم يؤمون بالنطق، لا بالقلب (يَمْرُقُونَ) بضمّ الراء، من باب قعد: أي يخرجون (مِنْ الدَّينِ) وتقدّم في حديث أبي سعيد بلفظ: "من الإسلام" (كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنْ الرَّمِيَّةِ) بفتح الراء، وتشديد الياء التحتانيّة: أي الصيد المرميّ. شبه مروقهم من الدين بالسهم الذي يُصيب الصيد، فيدخل فيه، ويخرُج منه، ومن شدّة سُرعة خروجه لقوّة الرامي لا يعلَق به من جسد الصيد شيء ﴿فَإِذَا لَقِيتُموهُمْ، فَاقْتُلُوهُمْ﴾ هذا تصريح بوجوب قتال الخوارج، والبغاة، وهو إجماع العلماء، كما سيأتي البحث عنه قريبًا، إن شاء اللَّه تعالى (فَإِنَّ قَتْلَهُمْ أَجْرٌ) أي ذو أجر وثواب، فهو على حذف مضاف، وفي رواية للبخاريّ: "فإن في قتلهم أجرًا" لِمَنْ قَتَلَهُم، يَوْمَ الْقِيَامةِ) ظرف متعلّق بـ "أجر"؛ لكونه مصدرًا يعمل عمل فعله.
وفي رواية زيد بن وهب عند البخاريّ: "لو يعلم الجيش الذين يُصيبونهم ما قُضي لهم على لسان نبيّهم - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم - لنَكَلُوا عن العمل"، ولمسلم في رواية عبِيدة بن عمرو، عن عليّ - رضي اللَّه تعالى عنه -: "لولا أن تَبْطَرُوا لحدّثتكم بما وعد اللَّه
стр. 15747
الذين يقتلونهم على لسان محمد - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم -، قال عَبيدة: قلت لعليّ: أنت سعته؟ قال: إي وربّ الكعبة ثلاثًا"، وله في رواية زيد بن وهب قصّة قتل الخوارج: "أن عليًّا لَمّا قتدهم، قال: صدق اللَّه، وبلّغ رسوله - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم، فقام إليه عَبيدة، فقال: يا أمير المؤمنين اللَّه الذي لا إله إلا هو، فقد سمعتَ هذا من رسول اللَّه - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم -؟ قال: إي واللَّه الذي لا إله إلا هو، حتّى استحلفه ثلاثًا".
قال النوويّ: إنما استحلفه ليؤكّد الأمر عند السامعين، ولتظهر معجزة النبيّ - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم -، وأن عليًّا، ومن معه على الحقّ. وقال الحافظ: وليطمئنّ قلب المستحلف لإزالة توهّم ما أشار إليه عليّ أن الحرب خدعة، فخشي أن يكون لم يسمع في ذلك شيئًا منصوصًا، وإلى ذلك يُشير قول عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - لعبد اللَّه بن شدّاد: "ما قال عدي حيئذ؟، قال: سمعته يقول: صدق اللَّه ورسوله، قالت: رحم اللَّه عليًّا، إنه كان لا يرى شيئًا يُعجبه، إلا قال: صدق اللَّه ورسوله، فيذهب أهل العراق، فيكذبون عليه، ويزيدونه". فمن هذا أراد عَبيدة بن عمرو التثبّت في هذه القصّة بخصوصها، وأن فيها نقلاً منصوصًا، مرفوعًا.
وأخرج أحمد نحو هذا الحديث عن عليّ - رضي اللَّه تعالى عنه -، وزاد في آخره: "قتالهم حقّ على كلّ مسلم". ووقع سبب تحديث عدي - رضي اللَّه تعالى عنه - بهذا الحديث في رواية عُبيد اللَّه بن أبي رافع، فيما أخرجه مسلم من رواية بُسْر بن سعيد، عنه، قال: "أن الحروريّة لَمّا خرجت، وهو مع عليّ، قالوا: لا حكم إلا للَّه تعالى، فقال عليّ: كلمة حقّ أريد بها باطلٌ، إن رسول اللَّه - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم - وَصَفَ ناسًا، إني لأعرف صفتهم في هؤلاء يقولون الحقّ بألسنتهم، ولا يُجاوز هذا منهم، وأشار إلى حلقه، من أبغض خدق اللَّه إليه". الحديث (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث عليّ - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٢٦/ ٤١٠٤ - وفي "الكبرى" ٢٦/ ٣٥٦٣. وأخرجه (خ) في "المناقب"
стр. 15748
٣٦١١ و"فضائل القرآن " ٥٠٥٧ و"استتابة المرتدّين" ٦٩٣٠ (م) في "الزكاة" ١٠٦٦ (٢) في "السنّة" ٤٧٦٧ و ٤٧٦٨ (أحمد) في "مسند العشرة" ٦١٧. واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده: (١):
(فمنها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- هنا، وهو بيان حكم من شهر سيفه، ووضعه على المسلمين ظلمًا، وهو قتله، وذلك لأن الخوارج الذين ذُكروا في هذا الحديث قد وُصفوا بأنهم يقتلون أهل الإسلام، ويدعون أهل الأوثان، وقد أمر النبيّ - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم - بقتلهم لذلك.
قال النوويّ عند قوله: "فإذا لقيتهم، فاقتلوهم الخ: هذا تصريح بوجوب قتل الخوارج، والبغاة، وهو إجماع العلماء، قال القاضي: أجمع أهل العلم على أن الخوارج، وأشباههم من أهل الباع، والبغي، متى خرجوا على الإمام، وخالفوا رأي الجماعة، وشقّوا العصا، وجب قتالهم بعد إنذارهم، والإعذار إليهم، قال اللَّه تعالى: ﴿فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ الآية [الحجرات: ٩]، لكن لا يُجهّز على جريحهم، ولا يتّبع منهزمهم، ولا يُقتل أسيرهم، ولا تباح أموالهم، وما لم يخرُجوا عن الطاعة، وينتصبوا للحرب لا يُقاتلون، بل يُوعظون، وُيستتابون من بدعتهم،
стр. 15749
وباطلهم، وهذا كلّه ما لم يُكفروا ببدعتهم، فإن كانت بدعة مما يُكفّرون بها، جرت عليهم أحكام المرتدّين.
وأما البغاة الذين لا يُكفّرون، فيرثون، ويورثون، ودمهم في حال القتال هدَرٌ، وكذا أموالهم التي تتلَف في القتال، والأصح أنهم لا يُضمَّنون أيضًا ما أتلفوا على أهل العدل في حال القتال، من نفس، ومال، وما أتلفوا في غير حال القتال، من نفس، ومال، ضمنوه، ولا يحلّ الانتفاع بشيء من دوابهم، وسلاحهم في حال الحرب عند الجمهور، وجوّزه أبو حنيفة. انتهى كلام النوويّ -رحمه اللَّه تعالى- (١).
(ومنِها): أن فِيهِ الكفَّ عن قتل من يعتقِد الخرُوج على الإمام، ما لم ينصِب لِذلِك حرْبا، اوْ يستعد لِذلِك؛ لِقوْلِهِ في بعض طرقه: "فإِذَا خرجُوا فاقتُلُوهُم". وحكى الطَّبرِيُّ الإجماع على ذَلِكَ في حقّ من لا يُكفَّر باعتِقادِهِ، وأسند عن عُمر بْن عبد العزِيز أنَّهُ كتب في الخوارج بِالكفِّ عنهُم، ما لم يسفِكُوا دمّا حرامًا، أوْ يأخُذُوا مالا، فإِن فعلُوا فقاتِلُوهُم، ولوْ كانُوا وُلدِي. ومِن طريق ابن جُريج: قُلت لِعطاء: ما يحِلّ في قِتال الخوارج؟ قال: إِذا قطعُوا السبِيل، وأخافُوا الأمن. وأسند الطبرِيُّ، عن الحسنُ، أنهُ سُئِل عن رجُل، كان يرى رأي الخوارج، ولم يخرُج؟ فقال: العمل أمْلكُ بِالنَّاسِ من الرَّأي. قال الطبرِي: ويُؤيَّدهُ أن النبيّ ﷺ ، وصف الخوارج بِأنهُم يقُولُون الحقّ بِألسِنتِهِم، ثُمَّ أخبر أن قوْلهم ذَلِكَ، وِإن كان حقًّا من جِهة القوْل، فإِنَّه قوْل، لا يُجاوِز حُلُوقهُم. ومِنهُ قوْله تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠]، أخبر أن العمل الصَّالِح الموافِق لِلقوْلِ الطيب، هُو الذِي يرْفع القوْل الطيب، قال: وفِيهِ أنهُ لا يجُوز قِتال الخوارج، وقتلهم، إِلا بعْد إِقامة الحجَّة عليهِم، بِدُعائِهِم إِلى الرُّجُوع إِلى الحقّ، والإعذار إِليهِم.
(ومنها): أن فيه منقبة عظيمة لعليّ - رضي اللَّه تعالى عنه -، وأنه كان الإمام الحقّ، وأنه كان على الصواب في قتال من قاتله في حروبه، في الجَمَلِ، وصِفّين، وغيرهما؛ لقوله - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم -: "تمرق مارقةٌ عند فُرْقة من المسلمين، يقتلها أولى الطائفتين بالحقّ"، فقد قتلهم عليّ - رضي اللَّه تعالى عنه -.
(ومنها): أن الحصر الآتي في "كتاب القسامة" في قول عليّ - رضي اللَّه تعالى عنه - عند ما سأله أبو جحيفة - رضي اللَّه تعالى عنه -: هل عهِد إليك نبيّ اللَّه - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم شيئًا، لم يَعهَده إلى الناس عامّة؟، قال: لا، إلا ما كان في كتابي هذا الخ،
стр. 15750
محمول على المقيّد بالكتابة، لا أنه ليس عنده عن النبيّ - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم - شيء، مما أطلعه اللَّه عليه من الأحوال الآتية، إلا ما في كتابه، فقد اشتملت طرق هذا الحديث على أشياء كثيرة، كان عنده عن النبيّ - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم - علم بها، مما يتعلّق بقتال الخوارج، وغير ذلك، وقد ثبت عنه أنه كان يُخبر بأنه سيقتله أشقى القوم، فكان ذلك، في أشياء كثيرة.
ويحتمل أن يكون النفي مقيّدًا باختصاصه بذلك، فلا يرد حديث الباب؛ لأنه شاركه فيه جماعة، وإن كان عنده زيادة عليهم؛ لأنه صاحب القصّة، فكان أشدّ عناية بها من غيره. أفاده في "الفتح" (١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: عندي أن الاحتمال الثاني هو الأقرب؛ لدلالة قول أبي جُحيفة - رضي اللَّه تعالى عنه - عليه، حيث قال: "هل عهِد إليك نبيّ اللَّه - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم - شيئًا، لم يعهده إلى الناس عامّة؟، فإنه طاهر في أن السؤال عما خصّه به النبيّ - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم -، دون غيره مِن الناس. واللَّه تعالى أعلم.
(ومنها): أن فيه علمًا من أغلام النُّبُوْة، حيثُ أخبر - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم - بِما وقع قبلِ أن يقع، وذلِك أنَّ الخوارج لما حكمُوا بِكُفرِ من خالفهُم، استباحُوا دِماءهُم، وتركُوا أهل الذِّمّة، فقالُوا نفِي لهُم بِعهدِهِم، وتركُوا قِتال المشرِكِين، واشتغلُوا بِقِتالِ المسْلِمِين، وهذا كُلّه من آثار عِبادة الجهَّال، الذِين لم تنشرِح صُدُورهم بنُورِ العِلم، ولم يتمسكُوا بِحبل وثِيق من العِلم، وكفى أنَّ رأْسَهُم ردّ على رسُول اللَّه ﷺ أمْرهُ، ونسبهُ إِلى الجوْر، نسأل اللَّه السَّلامة.
(ومنها): أن فيه أن قِتال الخوارج أوْلى من قِتال المُشرِكِين، والحكمة فِيهِ أنَّ في قِتالهم، حِفظ رأس قال الإسلام، وفِي قِتال أهل الشرْك طلب الرَّبْح، وحِفظ رأس المال أوْلى من طلب الربح.
(ومنها): أن فِيهِ الزَّجْر عن الأخذ بظواهِر جميع الآيات القابِلة لِلتأوِيلِ، الَّتِي يُفضِي القوْل بِظواهِرِها، إِلى مُخالفة إِجماع السَّلف.
(ومنها): التَّحْذِيرُ من الغُلُوْ في الدَّيانة، والتُّنطُعِ فِيِ العِبادة، بِالحمْلِ على النَّفْس فِيما لم يأذن فِيهِ الشَّرْع، وقد وصف الشَّارع الشرِيعة بِأنها سهلة سمْحة، وإنَّما ندب إِلى الشدَّة على الكُفَّار، والى الرَّأفة بِالمؤْمِنِين، فعكس ذَلِكَ الخوارجُ، كما تقدَّم بيانه.
(ومنها): جوازُ قِتال من خرج عن طاعة الإمام العادِل، ومنْ نصب الحرْب، فقاتل
стр. 15751
على اعتِقاد فاسِد، ومنْ خرج يقطع الطُّرُق، ويُخِيف السَّبِيل، ويسعى في الأرْض بِالفسادِ. وأمَّا من خرج عن طاعة إِمام جائِر، أراد الغلبة على ماله، أوْ نفسه، أوْ أهْله، فهُو معذُور، ولا يحِل قِتاله، ولهُ أن يدفع عن نفسه، وماله، وأهله بِقدرِ طاقته.
وقد أخرج الطبرِيُّ، بسند صحِيح، عن عبد اللَّه بن الحارِث، عن رجُل من بنِي نضر، عن علِيّ، وذكر الخوارج، فقال: إِنَّ خالفُوا إِمامًا عدْلا، فقاتِلُوهُم، وإن خالفُوا إِمامًا جائِرًا، فلا تُقاتِلُوهُم، فإِنَّ لهُم مقالا.
قال الحافظ: وعلى ذَلِكَ يُحمل ما وقع لِلحُسينِ بن عليّ، ثُمَّ لأهلِ المدِينة في الحرَّة، ثُمّ لِعبدِ اللَّه بن الزبير، ثُمَّ لِلقُرَّاءِ الذِين خرجُوا على الحجاج، في قِصة عبد الرحمن بن مُحمّد بن الأشعث. واللَّه أعلمُ.
(ومنها): ما قيل: إن فيه دم استئصال شعر الرَّأس، قال الحافظ: وفِيهِ نظرٌ لاحتِمالِ أن يكُون المراد بيان صِفتهم الواقِعة، لا لإرادةِ ذمها، وترْجم أبُو عوانة في "صحيحه" لِهذِهِ الأحادِيث: "بيان أنَّ سبب خُرُوج الخوارج، كان بسبب الأثرة في القِسمة، مع كوْنها كانت صوابا، فخفِي عنهُم ذَلِكَ".
(ومنها): أن فيه إِباحة قِتال الخوارج بِالشُرُوطِ المتقَدَّمة، وقتلهم في الحرْب، وثُبُوت الأجر لِمن قتلهُم.
(ومنها): أن فِيهِ أنَّ مِن المسُلِمِين من يخرُج من الدْين، من غير أن يقصِد الخرُوج مِنهُ، ومِن غير أن يختار دِينًا، على دِين الإسلام. (ومنها): ما قيل: أن الخوارج شرّ الفِرق المُبتدِعة، من الأُمَّة المحمَّديّة، ومِن اليهُود والنصارى.
قال الحافظ: والأخِير مبنِيّ على القوْل بِتكفِيرهِم مُطلقًا. (ومنها): أنه فِيهِ منقبةً عظِيمة لِعُمر بن الخطاب، وخالد بن الوليد - رضي اللَّه تعالى عنهما -، حيث طلبا قتل ذلك الرجل، كما بين في حديث أبي سعيد - رضي اللَّه تعالى عنه -؛ وذلك لِشِدَّة غيرتِهما على الدَّين.
(ومنها): أن فِيهِ أنَّهُ لا يُكتفى في التعدِيل بِظاهِرِ الحال، ولوْ بلغ المشهُودُ بِتعدِيلِهِ الغاية في العِبادة، والتقشُّف، والورع، حتى يُختبر باطِن حاله. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الثالثة): في اختلاف أهل العلم في تكفير الخوارج:
قال النوويّ -رحمه اللَّه تعالى- في "شرح مسلم": وفِي هذِهِ الأحادِيث دلِيل لِمن يُكفِّرُ الخوارج. قال القاضِي عِياض -رحِمهُ اللَّه تعالى-: قال المازريّ: اختلف العُلماء في تكفِير الخوارِج، قال: وقد كادت هذِهِ المسألة تكُون أشدّ إِشكالا من سائِر المسائِل،
стр. 15752
ولقذ رأيت أبا المعالي، وقذ رغِب إِليه الفقيه عند الحقّ رحِمهُما اللَّه تعالى في الكلام عليها، فرهب لهُ من ذَلِكَ، واغتذر بِان الغلط فِيها يصْعُبُ موْقِعُهُ؛ لأن إِدْخال كافِر في الملَّة، واخراج مسلِم مِنها عظِيم في الدَّين، وقد اضطرب فِيها قوْل القاضِي أبِي بكر الباقِلانِي، وناهِيك بِهِ في علم الأُصُول، وأشار ابن الباقِلانِيّ إِلى أنها من المعوِّصات، لأن القوْم لم يُصرَّحُوا بالكُفرِ، وإنما قالُوا أقوالا تُؤدِّي إِليهِ، وأنا أكشِف لك نُكتة الخلاف، وسبب الإشكال، وذلِك أن المعتزليَّ مثلا يقُول: إِنَّ اللَّه تعالى عالِم، ولكِن لا عِلم لهُ، وحيٌّ ولا حياة لهُ، يُوقِع الالتِباس في تكفِيره، لأنَّا علِمْنا من دِين الأُمَّة ضرُورة، أنَّ من قال: إِنَّ اللَّه تعالى ليس بِحيٍّ، ولا عالِم كان كافِرًا، وقامت الحجَّة على استِحالة كوْن العالِم، لا عِلم لهُ، فهل نقُول: إِنَّ المعتزليَّ، إِذا نفى العِلم، نفى أنْ يكُون اللَّه تعالى عالِمًا، وذلِك كُفر بالإجماع، ولا ينفعُهُ اعتِرافُهُ بِأنهُ عالِم، مع نفيِهِ أصل العِلم، أوْ نقُول: قدْ اعترف بِأن اللَّه تعالى عالِم، وإنكاره العِلم لا يُكفرهُ، وإن كان يُوْدَّي إِلى أنهُ ليس بِعالِم، فهذا موْضِع الإشكال. هذا كلام المازريّ.
ومذهب الشَّافِعِي، وجمًاهِير أصحابه العلماء، أن الخوارج لا يكفرُون، وكذلِك القدرِية، وجماهِير المعتزِلة، وساثِر أهل الأهواء. قال الشَّافِعِي رحِمهُ اللَّه تعالى: أقبلُ شهادة أهل الأهواء إِلا الخطَّابِيَّة، وهُم طائفة من الرَّافِضة، يشهدُون لِمُوافِقِيهِم في المذهب بِمُجرَّدِ قوْلهم، فردَّ شهادتُهم لِهذا، لا لِبِدْعتِهِم. واللَّه تعالى أعلم. انتهى كلام النوويّ -رحمه اللَّه تعالى- (١).
وقال في "الفتح": استُدِلَّ بهِذا الحديث لِمن قال بِتكفِيرِ الخوارج. وهُو مُقتضى صنِيع البُخارِيّ، حيثُ قرنُهم بِاالملحِدِين، وأفرد عنهُم المتأوْلِين بترجمةٍ، وبِذلِك صرّح القاضِي أبو بكر بن العربِيّ، في شرح التزمِذِيّ، فقال: الصحِيح أنَّهم كُفَّار؛ لِقوْلِهِ ﷺ : "يمرُقون من الإسلام"، ولِقوْلِهِ: "لأقتُلنَّهُم قتل عاد"، وفِي لفظ: "ثمُود"، وكُلّ مِنهُما إِنما هلك بِالكُفرِ، وبِقوْلِهِ: "هُم شرُّ الخلق"، ولا يُوصف بِذلِك إِلا الكُفَّار، ولِقوْلِهِ: "إِنَّهُم أبغضُ الخلق إِلى اللَّه تعالى"، ولِحُكمِهِم على كُلّ من خالف مُعتقدهم بِالكُفرِ، والتخليد في النار، فكانُوا هم أحقَّ بِالاسم مِنْهُم.
ومِمن جنح إِلى بعض هذا البحث الطبرِي، في "تهذِيبه"، فقال- بعد أن سرد أحادِيث الباب-: فِيهِ الرَّدّ على قوْل من قال: لا يخرُج أحد مِن الإسلام من أهل القِبلة بعد استِحقاقه حُكمهُ، إِلا بِقصدِ الخرُوج مِنهُ عالِمًا، فإِنةُ مُبطِل لِقوْلِهِ في الحديث: "يقُولُون
стр. 15753
الحقّ، ويقرءُون القُرْآن، ويمْرُقُون من الإسلام، ولا يتعلقُون مِنهُ بِشيء"، ومِن المعلوم أنهم لم يرْتكِبُوا استِحْلال دِماء المُسْلِمِين وأموالهم، إِلا بِخطأٍ مِنْهُم، فِيما تأوَّلُوهُ من آيِ القُرْآن، على غير المراد مِنهُ. ثُمَّ أخرج بِسندٍ صحِيح، عن ابن عبّاس، وذُكر عِنْده الخوارج، وما يلقوْن عِتد قِراءة القُرْآن، فقال: يُؤمِنُون بِمُحْكمِهِ، ويهلِكُون عِنْد مُتشابِهه. قال الحافظ: ويؤيِّد القوْل المذكُور؛ الأمرُ بِقتلِهم، مع ما تقدّم من حدِيث ابْن مسعُود: "لا يحِلّ قتل امْرئ مُسلِم، إِلا بِإِحْدى ثلاث" - وفِيهِ "التَّارِك لِدِينِهِ، المُفارِق لِلجماعةِ". قال القُرطُبِيّ في "المُفهِمِ": يُؤيَّد القوْل بِتكفِيرِهِم التَّمْثِيل المذكور في
حدِيث أبِي سعِيد، فإِن ظاهِر مقصُوده أتُهم خرجُوا من الإسلام، ولم يتعلَّقُوا مِنهُ بِشيء، كما خرج السَّهْم من الرَّمِية؛ لِسُرْعتِهِ، وقُوّة رامِيه، بِحيثُ لم يتعلّق من الرَّمِيَّة بِشيء، وقد أشار إِلى ذَلِكَ بقوْلِهِ "سبق الفرْثَ والدَّم".
وقال صاحِب "الشفاء" فِيهِ: وكذا نقطع بِكُفرِ كُل من قال قوْلاً، يُتوصَّل بِهِ إِلى تضليل الأُمَّة، أوْ تكفِير الصَّحابة، وحكاهُ صاحِب "الرَّوْضة" في "كِتاب الرَّدَّة" عنهُ، وأقرَّهُ.
ومِمّن جنح إِلى ذَلِكَ، من أئمَّة المُتأخَّرِين، الشيخ تقِي الِدّين السُّبْكِيّ، فقال في فتاوِيه: احْتجَّ من كفَّر الخوارج، وغُلاة الرَّوافِض، بِتكفِيرِهِم أعْلام الصَّحابة؛ لِتضمُّنِهِ تكذِيب النَّبِيّ ﷺ ، في شهادته لهُم بِالجنَّة، قال: وهُو عِندِي احْتِجاج صحِيح، قال: واحْتجَّ من لم يُكفرهُم، بِأن الحُكْم بِتكفِيرِهِم، يستدْعِي تقدُّم عِلْمهم بِالشَّهادةِ المْذْكُورة، عِلمًا قطعِيًّا، وفِيهِ نظر؛ لأنَّا نعْلم تزكِية من كفَّرُوهُ عِلْمًا قطعِيًّا، إِلى حِين موْته، وذلِك كاف في اعتِقادنا تكفِير من كفَّرهُم، ويُؤيِّدهُ حدِيث: "من قال لأخِيهِ: كافِر، فقد باء بِهِ أحدهما"، وفِي لفظ مُسلِمِ: "من رمي مسْلِمًا بِالكُفرِ، أوْ قال: عدُوّ اللَّه، إِلا حار عليهِ"، قال: وهؤلاءِ قدْ تحقَّق مِنهُم، أنَّهم يرمُون جمًاعة بالكُفرِ، مِمن حصل عِندنا القطع بِإِيمانِهم، فيجِب أن يُحكم بِكُفرِهِم، بِمُتقضى خبر الشَّارع، وهُو نحو ما قالُوهُ، فِيمن سجد لِلصّنم ونحوِه، مِمن لا تصرِيح بِالجحُودِ فِيهِ، بعْد أن فسَّرُوا الكُفر بِالجُحُودِ، فإِن احتجُّوا بِقِيًام الإِجماع على تكفِير فاعِل ذَلِكَ، قُلنا: وهذِهِ الأخبار الوارِدة في حقّ هؤلاءِ، تقتضِي كُفرهُم، ولوْ لم يعتقِدُوا تزكِية من كفرُوهُ، عِلمًا قطعِيًّا ولا يُنجيهِم اعتِقادُ الإسلام إِجمالا، والعمل بِالواجِباتِ عن الحكم بِكُقرِهِم، كما لا يُنجَّي السَّاجِد لِلصَّنم ذَلِكَ. واللَّه تعالى أعلم.
وذهب أكثًرُ أهل الأُصُول، من أهل السُّنَّة، إِلى أن الخوارج فُسَّاق، وأنَّ حُكم الإسلام يجرِي عليهِم؛ لِتلفُّظِهِم بِالشَّهادتين، ومُواظبتِهِم على أرْكان الإسلام، وإنَّمَا فُسَّقُوا بِتكفِيرِهِم المُسْلِمِين، مستنِدِين إِلى تأوِيل فاسِد، وجرَّهُم ذَلِكَ إِلى استِباحة دِماء
стр. 15754
مُخالِفِيهِم، وأموالهمِ، والشَّهادة عليهِم بِالكُفرِ والشًرْك.
وقال الخطَّابيّ: أجمع عُلماء المُسلمِينَ، على أنَّ الخوارج مع ضلالتهم فِرْقة من فِرقِ المُسلمِينَ، وأجازُوا مُناكحتهم، وأكل ذبائحهمِ، وأنهُم لا يُكفَّرُون ما دامُوا مُتمسِّكِين بِأضلِ الإسلام. وقال عِياض: كادت هذِهِ المسْألة تكُون أشدّ إِشكالا عِتد المُتكلِّمِين من غيرها، حتّى سأل الفقِيهُ عبد الحقّ الإمام أبا المعالي عنها، فاعتذر بِأن إِدخال كافِر في الملة، وِإخراج مُسْلِم عنها عظِيم في الدين، قال: وقد توقَّف قبْله القاضِي أبُو بكر الباقِلانِي وقال: لم يُصرِّح القوْم بِالكُفرِ، وإِنما قالُوا أقوالا تُوْدِّي إِلى الكُفر. وقال الغزاليّ في كِتاب "التَّفرِقة بين الإيمان والزَّندقة": والذِي ينبغِي الاحتِراز عن التكفِير، ما وجد إِليهِ سبِيلا، فإنَّ استِباحة دِماء المُصلين المقرَّين بِالتوحِيدِ خطأ، والخطأ في ترْك ألف كافِر في الحياة، أهونُ مِن الخطأ في سفك دم لِمُسلِمِ واحِد.
ومِمَّا احتج بِهِ من لم يُكفرهُم، قوْله في الحديث بعد وصفهم بِالمرُوقِ من الدَّين: "كمُرُوقِ السَّهم، فينظُر الرَّامِي إِلى سهمه"، إلى أن قال: "فيتمارى في الفُوقة، هل علِق بهِا شيء".
قال ابن بطَّال: ذهب جُهُور العُلماء، إلى أنَّ الخوارج غير خارِجِين، عن جملة المُسلمِينَ؛ لِقوْلِهِ: "يتمارى في الْفُوق"؛ لأنَّ التَّمارِي من الشَّك، لمِاذا وقع الشَّكّ في ذَلِكَ، لم يُقطع عليهِم بِالخرُوجِ من الإسلام؛ لأنَّ من ثبت لهُ عقد الإسلام بِيقِينِ، لم يخرُج مِنهُ، إِلا بِيقِين، قال: وقد سُئِل علِي عن أهل النَّهر، هل كفرُوا؟ فقال: من الكُفر فرُّوا.
قال الحافظ: وهذا إن ثبت عن عليّ، حُمِل على أنهُ لم يكُن اطَّلع على مُعتقدهم، الذِي أوْجب تكفِيرهم عِند من كفَّرهُم، وفِي احتِجاجه بِقوْلِهِ: "يتمارى في الفُوق" نظر، فإِنّ في بعض طُرُق الحديث المذكور: "لم يعلق مِنهُ بِشيء"، وفِي بعضها "سِبق الفرث والدم"، وطرِيق الجمع بينهما، أنَّهُ تردَّد هل في الفُوق شيء، أوْ لا؟ ثُمَّ تحقَّق أنَّهُ لم يعلق بِالسَّهم، ولا بِشيءِ مِنهُ من الرَّمِي بِشيءِ. ويُمكِن أن يُحمل الاختِلاف فِيهِ، على اختِلاف أشخاص مِنْهُم، ويكون في قوْله: "يتمارى" إِشارة إِلى أنَّ بعضهم، قدْ يبقى معهُ من الإسلام شيء.
قال القُرطُبِيّ في "المفهم": والقوْل بِتكفِيرهِم أظهرُ في الحديث، قال: فعلى القوْل بِتكفِيرِهِم يُقاتِلُون، ويُقتلُون، وتُسبى أموالُهُم، وهُو قوْل طائِفة من أهل الحديث في أموال الخوارج، وعلى القوْل بِعدمِ تكفِيرهم، يُسلك بهم مسلك أهل البغي، إِذا شقُّوا العصا، ونصبُوا الحرْب، فأمَّا من استسرَّ مِنْهُم بِبِدعةٍ، فإِذا ظُهِر عليهِ، هل يُقتل بعْد
стр. 15755
الاستِتابة، أو لا يُقتل، بك يُجتهد في ردّ بِدْعته؟ اختُلِف فِيهِ، بِحسبِ الاختِلاف في تكفِيرهم، قال: وباب التكفِير باب خطِر، ولا نعْدِل بِالسلامةِ شيئًا. انتهى.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: عندي قول من قال بتكفير الخوارج أرجح؛ لقوّة أدلْته، ووُضوحها، فليُتأمّل. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤١٠٥ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَعْمَرٍ الْبَصْرِيُّ الْحَرَّانِيُّ, قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ, قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ, عَنِ الأَزْرَقِ بْنِ قَيْسٍ, عَنْ شَرِيكِ بْنِ شِهَابٍ, قَالَ: كُنْتُ أَتَمَنَّى أَنْ أَلْقَى رَجُلاً, مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ , أَسْأَلُهُ عَنِ الْخَوَارِجِ, فَلَقِيتُ أَبَا بَرْزَةَ, فِي يَوْمِ عِيدٍ, فِي نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِهِ, فَقُلْتُ لَهُ: هَلْ سَمِعْتَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , يَذْكُرُ الْخَوَارِجَ؟ , فَقَالَ: نَعَمْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِأُذُنِي, وَرَأَيْتُهُ بِعَيْنِي, أُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِمَالٍ, فَقَسَمَهُ فَأَعْطَى مَنْ عَنْ يَمِينِهِ, وَمَنْ عَنْ شِمَالِهِ, وَلَمْ يُعْطِ مَنْ وَرَاءَهُ شَيْئًا, فَقَامَ رَجُلٌ مِنْ وَرَائِهِ, فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ, مَا عَدَلْتَ فِي الْقِسْمَةِ, رَجُلٌ أَسْوَدُ, مَطْمُومُ الشَّعْرِ, عَلَيْهِ ثَوْبَانِ أَبْيَضَانِ, فَغَضِبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , غَضَبًا شَدِيدًا, وَقَالَ: «وَاللَّهِ لَا تَجِدُونَ بَعْدِي, رَجُلاً هُوَ أَعْدَلُ مِنِّي» , ثُمَّ قَالَ: «يَخْرُجُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ قَوْمٌ, كَأَنَّ هَذَا مِنْهُمْ, يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ, لَا يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ, يَمْرُقُونَ مِنَ الإِسْلَامِ, كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ, سِيمَاهُمُ التَّحْلِيقُ, لَا يَزَالُونَ يَخْرُجُونَ, حَتَّى يَخْرُجَ آخِرُهُمْ مَعَ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ, فَإِذَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاقْتُلُوهُمْ, هُمْ شَرُّ الْخَلْقِ وَالْخَلِيقَةِ».
قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ, ﵀: شَرِيكُ بْنُ شِهَابٍ, لَيْسَ بِذَلِكَ الْمَشْهُورِ).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "محمد بن معمر البصريّ البحرانيّ": هو القيسيّ، صدوقٌ، من كبار [١١]. ٥/ ١٨٢٩ من مشايخ الأئمة الستّة، دون واسطة، وقد تقدّموا غير مرّة.
[تنبيه]: وقع في معظم نسخ "المجتبى"، و"الكبرى" "الحرّانيّ" بدل "البحراني"، والصواب كما في النسخة "الهنديّة" -: "البحرانيّ" بفتح الموحّدة، وسكون الحاء المهملة، وتخفيف الراء: نسبة إلى البحرين، إقليم بين البصرة، وعُمان. قاله في "لب اللباب" ١/ ١٠٦.
و"أبو داود الطيالسيّ": هو سليمان بن داود البصريّ. و"الأزرق بن قيس": هو الحارثيّ البصريّ، ثقة [٣] ٩/ ٤٦٧.
و"شريك بن شهاب" الحازميّ البصريّ، مقبول [٤].
روى عن أبي برزة الأسلميّ - رضي اللَّه تعالى عنه -، وعنه الأزرق بن قيس. ذكره ابن