← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 12888

ذخيرة العقبى في شرح المجتبى

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (19 271 стр.). Показаны 15751–15790 · переход к 15756.

стр. 15751

على اعتِقاد فاسِد، ومنْ خرج يقطع الطُّرُق، ويُخِيف السَّبِيل، ويسعى في الأرْض بِالفسادِ. وأمَّا من خرج عن طاعة إِمام جائِر، أراد الغلبة على ماله، أوْ نفسه، أوْ أهْله، فهُو معذُور، ولا يحِل قِتاله، ولهُ أن يدفع عن نفسه، وماله، وأهله بِقدرِ طاقته. وقد أخرج الطبرِيُّ، بسند صحِيح، عن عبد اللَّه بن الحارِث، عن رجُل من بنِي نضر، عن علِيّ، وذكر الخوارج، فقال: إِنَّ خالفُوا إِمامًا عدْلا، فقاتِلُوهُم، وإن خالفُوا إِمامًا جائِرًا، فلا تُقاتِلُوهُم، فإِنَّ لهُم مقالا. قال الحافظ: وعلى ذَلِكَ يُحمل ما وقع لِلحُسينِ بن عليّ، ثُمَّ لأهلِ المدِينة في الحرَّة، ثُمّ لِعبدِ اللَّه بن الزبير، ثُمَّ لِلقُرَّاءِ الذِين خرجُوا على الحجاج، في قِصة عبد الرحمن بن مُحمّد بن الأشعث. واللَّه أعلمُ. (ومنها): ما قيل: إن فيه دم استئصال شعر الرَّأس، قال الحافظ: وفِيهِ نظرٌ لاحتِمالِ أن يكُون المراد بيان صِفتهم الواقِعة، لا لإرادةِ ذمها، وترْجم أبُو عوانة في "صحيحه" لِهذِهِ الأحادِيث: "بيان أنَّ سبب خُرُوج الخوارج، كان بسبب الأثرة في القِسمة، مع كوْنها كانت صوابا، فخفِي عنهُم ذَلِكَ". (ومنها): أن فيه إِباحة قِتال الخوارج بِالشُرُوطِ المتقَدَّمة، وقتلهم في الحرْب، وثُبُوت الأجر لِمن قتلهُم. (ومنها): أن فِيهِ أنَّ مِن المسُلِمِين من يخرُج من الدْين، من غير أن يقصِد الخرُوج مِنهُ، ومِن غير أن يختار دِينًا، على دِين الإسلام. (ومنها): ما قيل: أن الخوارج شرّ الفِرق المُبتدِعة، من الأُمَّة المحمَّديّة، ومِن اليهُود والنصارى. قال الحافظ: والأخِير مبنِيّ على القوْل بِتكفِيرهِم مُطلقًا. (ومنها): أنه فِيهِ منقبةً عظِيمة لِعُمر بن الخطاب، وخالد بن الوليد - رضي اللَّه تعالى عنهما -، حيث طلبا قتل ذلك الرجل، كما بين في حديث أبي سعيد - رضي اللَّه تعالى عنه -؛ وذلك لِشِدَّة غيرتِهما على الدَّين. (ومنها): أن فِيهِ أنَّهُ لا يُكتفى في التعدِيل بِظاهِرِ الحال، ولوْ بلغ المشهُودُ بِتعدِيلِهِ الغاية في العِبادة، والتقشُّف، والورع، حتى يُختبر باطِن حاله. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الثالثة): في اختلاف أهل العلم في تكفير الخوارج: قال النوويّ -رحمه اللَّه تعالى- في "شرح مسلم": وفِي هذِهِ الأحادِيث دلِيل لِمن يُكفِّرُ الخوارج. قال القاضِي عِياض -رحِمهُ اللَّه تعالى-: قال المازريّ: اختلف العُلماء في تكفِير الخوارِج، قال: وقد كادت هذِهِ المسألة تكُون أشدّ إِشكالا من سائِر المسائِل،

стр. 15752

ولقذ رأيت أبا المعالي، وقذ رغِب إِليه الفقيه عند الحقّ رحِمهُما اللَّه تعالى في الكلام عليها، فرهب لهُ من ذَلِكَ، واغتذر بِان الغلط فِيها يصْعُبُ موْقِعُهُ؛ لأن إِدْخال كافِر في الملَّة، واخراج مسلِم مِنها عظِيم في الدَّين، وقد اضطرب فِيها قوْل القاضِي أبِي بكر الباقِلانِي، وناهِيك بِهِ في علم الأُصُول، وأشار ابن الباقِلانِيّ إِلى أنها من المعوِّصات، لأن القوْم لم يُصرَّحُوا بالكُفرِ، وإنما قالُوا أقوالا تُؤدِّي إِليهِ، وأنا أكشِف لك نُكتة الخلاف، وسبب الإشكال، وذلِك أن المعتزليَّ مثلا يقُول: إِنَّ اللَّه تعالى عالِم، ولكِن لا عِلم لهُ، وحيٌّ ولا حياة لهُ، يُوقِع الالتِباس في تكفِيره، لأنَّا علِمْنا من دِين الأُمَّة ضرُورة، أنَّ من قال: إِنَّ اللَّه تعالى ليس بِحيٍّ، ولا عالِم كان كافِرًا، وقامت الحجَّة على استِحالة كوْن العالِم، لا عِلم لهُ، فهل نقُول: إِنَّ المعتزليَّ، إِذا نفى العِلم، نفى أنْ يكُون اللَّه تعالى عالِمًا، وذلِك كُفر بالإجماع، ولا ينفعُهُ اعتِرافُهُ بِأنهُ عالِم، مع نفيِهِ أصل العِلم، أوْ نقُول: قدْ اعترف بِأن اللَّه تعالى عالِم، وإنكاره العِلم لا يُكفرهُ، وإن كان يُوْدَّي إِلى أنهُ ليس بِعالِم، فهذا موْضِع الإشكال. هذا كلام المازريّ. ومذهب الشَّافِعِي، وجمًاهِير أصحابه العلماء، أن الخوارج لا يكفرُون، وكذلِك القدرِية، وجماهِير المعتزِلة، وساثِر أهل الأهواء. قال الشَّافِعِي رحِمهُ اللَّه تعالى: أقبلُ شهادة أهل الأهواء إِلا الخطَّابِيَّة، وهُم طائفة من الرَّافِضة، يشهدُون لِمُوافِقِيهِم في المذهب بِمُجرَّدِ قوْلهم، فردَّ شهادتُهم لِهذا، لا لِبِدْعتِهِم. واللَّه تعالى أعلم. انتهى كلام النوويّ -رحمه اللَّه تعالى- (١). وقال في "الفتح": استُدِلَّ بهِذا الحديث لِمن قال بِتكفِيرِ الخوارج. وهُو مُقتضى صنِيع البُخارِيّ، حيثُ قرنُهم بِاالملحِدِين، وأفرد عنهُم المتأوْلِين بترجمةٍ، وبِذلِك صرّح القاضِي أبو بكر بن العربِيّ، في شرح التزمِذِيّ، فقال: الصحِيح أنَّهم كُفَّار؛ لِقوْلِهِ ﷺ : "يمرُقون من الإسلام"، ولِقوْلِهِ: "لأقتُلنَّهُم قتل عاد"، وفِي لفظ: "ثمُود"، وكُلّ مِنهُما إِنما هلك بِالكُفرِ، وبِقوْلِهِ: "هُم شرُّ الخلق"، ولا يُوصف بِذلِك إِلا الكُفَّار، ولِقوْلِهِ: "إِنَّهُم أبغضُ الخلق إِلى اللَّه تعالى"، ولِحُكمِهِم على كُلّ من خالف مُعتقدهم بِالكُفرِ، والتخليد في النار، فكانُوا هم أحقَّ بِالاسم مِنْهُم. ومِمن جنح إِلى بعض هذا البحث الطبرِي، في "تهذِيبه"، فقال- بعد أن سرد أحادِيث الباب-: فِيهِ الرَّدّ على قوْل من قال: لا يخرُج أحد مِن الإسلام من أهل القِبلة بعد استِحقاقه حُكمهُ، إِلا بِقصدِ الخرُوج مِنهُ عالِمًا، فإِنةُ مُبطِل لِقوْلِهِ في الحديث: "يقُولُون

стр. 15753

الحقّ، ويقرءُون القُرْآن، ويمْرُقُون من الإسلام، ولا يتعلقُون مِنهُ بِشيء"، ومِن المعلوم أنهم لم يرْتكِبُوا استِحْلال دِماء المُسْلِمِين وأموالهم، إِلا بِخطأٍ مِنْهُم، فِيما تأوَّلُوهُ من آيِ القُرْآن، على غير المراد مِنهُ. ثُمَّ أخرج بِسندٍ صحِيح، عن ابن عبّاس، وذُكر عِنْده الخوارج، وما يلقوْن عِتد قِراءة القُرْآن، فقال: يُؤمِنُون بِمُحْكمِهِ، ويهلِكُون عِنْد مُتشابِهه. قال الحافظ: ويؤيِّد القوْل المذكُور؛ الأمرُ بِقتلِهم، مع ما تقدّم من حدِيث ابْن مسعُود: "لا يحِلّ قتل امْرئ مُسلِم، إِلا بِإِحْدى ثلاث" - وفِيهِ "التَّارِك لِدِينِهِ، المُفارِق لِلجماعةِ". قال القُرطُبِيّ في "المُفهِمِ": يُؤيَّد القوْل بِتكفِيرِهِم التَّمْثِيل المذكور في حدِيث أبِي سعِيد، فإِن ظاهِر مقصُوده أتُهم خرجُوا من الإسلام، ولم يتعلَّقُوا مِنهُ بِشيء، كما خرج السَّهْم من الرَّمِية؛ لِسُرْعتِهِ، وقُوّة رامِيه، بِحيثُ لم يتعلّق من الرَّمِيَّة بِشيء، وقد أشار إِلى ذَلِكَ بقوْلِهِ "سبق الفرْثَ والدَّم". وقال صاحِب "الشفاء" فِيهِ: وكذا نقطع بِكُفرِ كُل من قال قوْلاً، يُتوصَّل بِهِ إِلى تضليل الأُمَّة، أوْ تكفِير الصَّحابة، وحكاهُ صاحِب "الرَّوْضة" في "كِتاب الرَّدَّة" عنهُ، وأقرَّهُ. ومِمّن جنح إِلى ذَلِكَ، من أئمَّة المُتأخَّرِين، الشيخ تقِي الِدّين السُّبْكِيّ، فقال في فتاوِيه: احْتجَّ من كفَّر الخوارج، وغُلاة الرَّوافِض، بِتكفِيرِهِم أعْلام الصَّحابة؛ لِتضمُّنِهِ تكذِيب النَّبِيّ ﷺ ، في شهادته لهُم بِالجنَّة، قال: وهُو عِندِي احْتِجاج صحِيح، قال: واحْتجَّ من لم يُكفرهُم، بِأن الحُكْم بِتكفِيرِهِم، يستدْعِي تقدُّم عِلْمهم بِالشَّهادةِ المْذْكُورة، عِلمًا قطعِيًّا، وفِيهِ نظر؛ لأنَّا نعْلم تزكِية من كفَّرُوهُ عِلْمًا قطعِيًّا، إِلى حِين موْته، وذلِك كاف في اعتِقادنا تكفِير من كفَّرهُم، ويُؤيِّدهُ حدِيث: "من قال لأخِيهِ: كافِر، فقد باء بِهِ أحدهما"، وفِي لفظ مُسلِمِ: "من رمي مسْلِمًا بِالكُفرِ، أوْ قال: عدُوّ اللَّه، إِلا حار عليهِ"، قال: وهؤلاءِ قدْ تحقَّق مِنهُم، أنَّهم يرمُون جمًاعة بالكُفرِ، مِمن حصل عِندنا القطع بِإِيمانِهم، فيجِب أن يُحكم بِكُفرِهِم، بِمُتقضى خبر الشَّارع، وهُو نحو ما قالُوهُ، فِيمن سجد لِلصّنم ونحوِه، مِمن لا تصرِيح بِالجحُودِ فِيهِ، بعْد أن فسَّرُوا الكُفر بِالجُحُودِ، فإِن احتجُّوا بِقِيًام الإِجماع على تكفِير فاعِل ذَلِكَ، قُلنا: وهذِهِ الأخبار الوارِدة في حقّ هؤلاءِ، تقتضِي كُفرهُم، ولوْ لم يعتقِدُوا تزكِية من كفرُوهُ، عِلمًا قطعِيًّا ولا يُنجيهِم اعتِقادُ الإسلام إِجمالا، والعمل بِالواجِباتِ عن الحكم بِكُقرِهِم، كما لا يُنجَّي السَّاجِد لِلصَّنم ذَلِكَ. واللَّه تعالى أعلم. وذهب أكثًرُ أهل الأُصُول، من أهل السُّنَّة، إِلى أن الخوارج فُسَّاق، وأنَّ حُكم الإسلام يجرِي عليهِم؛ لِتلفُّظِهِم بِالشَّهادتين، ومُواظبتِهِم على أرْكان الإسلام، وإنَّمَا فُسَّقُوا بِتكفِيرِهِم المُسْلِمِين، مستنِدِين إِلى تأوِيل فاسِد، وجرَّهُم ذَلِكَ إِلى استِباحة دِماء

стр. 15754

مُخالِفِيهِم، وأموالهمِ، والشَّهادة عليهِم بِالكُفرِ والشًرْك. وقال الخطَّابيّ: أجمع عُلماء المُسلمِينَ، على أنَّ الخوارج مع ضلالتهم فِرْقة من فِرقِ المُسلمِينَ، وأجازُوا مُناكحتهم، وأكل ذبائحهمِ، وأنهُم لا يُكفَّرُون ما دامُوا مُتمسِّكِين بِأضلِ الإسلام. وقال عِياض: كادت هذِهِ المسْألة تكُون أشدّ إِشكالا عِتد المُتكلِّمِين من غيرها، حتّى سأل الفقِيهُ عبد الحقّ الإمام أبا المعالي عنها، فاعتذر بِأن إِدخال كافِر في الملة، وِإخراج مُسْلِم عنها عظِيم في الدين، قال: وقد توقَّف قبْله القاضِي أبُو بكر الباقِلانِي وقال: لم يُصرِّح القوْم بِالكُفرِ، وإِنما قالُوا أقوالا تُوْدِّي إِلى الكُفر. وقال الغزاليّ في كِتاب "التَّفرِقة بين الإيمان والزَّندقة": والذِي ينبغِي الاحتِراز عن التكفِير، ما وجد إِليهِ سبِيلا، فإنَّ استِباحة دِماء المُصلين المقرَّين بِالتوحِيدِ خطأ، والخطأ في ترْك ألف كافِر في الحياة، أهونُ مِن الخطأ في سفك دم لِمُسلِمِ واحِد. ومِمَّا احتج بِهِ من لم يُكفرهُم، قوْله في الحديث بعد وصفهم بِالمرُوقِ من الدَّين: "كمُرُوقِ السَّهم، فينظُر الرَّامِي إِلى سهمه"، إلى أن قال: "فيتمارى في الفُوقة، هل علِق بهِا شيء". قال ابن بطَّال: ذهب جُهُور العُلماء، إلى أنَّ الخوارج غير خارِجِين، عن جملة المُسلمِينَ؛ لِقوْلِهِ: "يتمارى في الْفُوق"؛ لأنَّ التَّمارِي من الشَّك، لمِاذا وقع الشَّكّ في ذَلِكَ، لم يُقطع عليهِم بِالخرُوجِ من الإسلام؛ لأنَّ من ثبت لهُ عقد الإسلام بِيقِينِ، لم يخرُج مِنهُ، إِلا بِيقِين، قال: وقد سُئِل علِي عن أهل النَّهر، هل كفرُوا؟ فقال: من الكُفر فرُّوا. قال الحافظ: وهذا إن ثبت عن عليّ، حُمِل على أنهُ لم يكُن اطَّلع على مُعتقدهم، الذِي أوْجب تكفِيرهم عِند من كفَّرهُم، وفِي احتِجاجه بِقوْلِهِ: "يتمارى في الفُوق" نظر، فإِنّ في بعض طُرُق الحديث المذكور: "لم يعلق مِنهُ بِشيء"، وفِي بعضها "سِبق الفرث والدم"، وطرِيق الجمع بينهما، أنَّهُ تردَّد هل في الفُوق شيء، أوْ لا؟ ثُمَّ تحقَّق أنَّهُ لم يعلق بِالسَّهم، ولا بِشيءِ مِنهُ من الرَّمِي بِشيءِ. ويُمكِن أن يُحمل الاختِلاف فِيهِ، على اختِلاف أشخاص مِنْهُم، ويكون في قوْله: "يتمارى" إِشارة إِلى أنَّ بعضهم، قدْ يبقى معهُ من الإسلام شيء. قال القُرطُبِيّ في "المفهم": والقوْل بِتكفِيرهِم أظهرُ في الحديث، قال: فعلى القوْل بِتكفِيرِهِم يُقاتِلُون، ويُقتلُون، وتُسبى أموالُهُم، وهُو قوْل طائِفة من أهل الحديث في أموال الخوارج، وعلى القوْل بِعدمِ تكفِيرهم، يُسلك بهم مسلك أهل البغي، إِذا شقُّوا العصا، ونصبُوا الحرْب، فأمَّا من استسرَّ مِنْهُم بِبِدعةٍ، فإِذا ظُهِر عليهِ، هل يُقتل بعْد

стр. 15755

الاستِتابة، أو لا يُقتل، بك يُجتهد في ردّ بِدْعته؟ اختُلِف فِيهِ، بِحسبِ الاختِلاف في تكفِيرهم، قال: وباب التكفِير باب خطِر، ولا نعْدِل بِالسلامةِ شيئًا. انتهى. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: عندي قول من قال بتكفير الخوارج أرجح؛ لقوّة أدلْته، ووُضوحها، فليُتأمّل. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤١٠٥ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَعْمَرٍ الْبَصْرِيُّ الْحَرَّانِيُّ, قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ, قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ, عَنِ الأَزْرَقِ بْنِ قَيْسٍ, عَنْ شَرِيكِ بْنِ شِهَابٍ, قَالَ: كُنْتُ أَتَمَنَّى أَنْ أَلْقَى رَجُلاً, مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ , أَسْأَلُهُ عَنِ الْخَوَارِجِ, فَلَقِيتُ أَبَا بَرْزَةَ, فِي يَوْمِ عِيدٍ, فِي نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِهِ, فَقُلْتُ لَهُ: هَلْ سَمِعْتَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , يَذْكُرُ الْخَوَارِجَ؟ , فَقَالَ: نَعَمْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِأُذُنِي, وَرَأَيْتُهُ بِعَيْنِي, أُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِمَالٍ, فَقَسَمَهُ فَأَعْطَى مَنْ عَنْ يَمِينِهِ, وَمَنْ عَنْ شِمَالِهِ, وَلَمْ يُعْطِ مَنْ وَرَاءَهُ شَيْئًا, فَقَامَ رَجُلٌ مِنْ وَرَائِهِ, فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ, مَا عَدَلْتَ فِي الْقِسْمَةِ, رَجُلٌ أَسْوَدُ, مَطْمُومُ الشَّعْرِ, عَلَيْهِ ثَوْبَانِ أَبْيَضَانِ, فَغَضِبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , غَضَبًا شَدِيدًا, وَقَالَ: «وَاللَّهِ لَا تَجِدُونَ بَعْدِي, رَجُلاً هُوَ أَعْدَلُ مِنِّي» , ثُمَّ قَالَ: «يَخْرُجُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ قَوْمٌ, كَأَنَّ هَذَا مِنْهُمْ, يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ, لَا يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ, يَمْرُقُونَ مِنَ الإِسْلَامِ, كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ, سِيمَاهُمُ التَّحْلِيقُ, لَا يَزَالُونَ يَخْرُجُونَ, حَتَّى يَخْرُجَ آخِرُهُمْ مَعَ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ, فَإِذَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاقْتُلُوهُمْ, هُمْ شَرُّ الْخَلْقِ وَالْخَلِيقَةِ». قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ, ﵀: شَرِيكُ بْنُ شِهَابٍ, لَيْسَ بِذَلِكَ الْمَشْهُورِ). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "محمد بن معمر البصريّ البحرانيّ": هو القيسيّ، صدوقٌ، من كبار [١١]. ٥/ ١٨٢٩ من مشايخ الأئمة الستّة، دون واسطة، وقد تقدّموا غير مرّة. [تنبيه]: وقع في معظم نسخ "المجتبى"، و"الكبرى" "الحرّانيّ" بدل "البحراني"، والصواب كما في النسخة "الهنديّة" -: "البحرانيّ" بفتح الموحّدة، وسكون الحاء المهملة، وتخفيف الراء: نسبة إلى البحرين، إقليم بين البصرة، وعُمان. قاله في "لب اللباب" ١/ ١٠٦. و"أبو داود الطيالسيّ": هو سليمان بن داود البصريّ. و"الأزرق بن قيس": هو الحارثيّ البصريّ، ثقة [٣] ٩/ ٤٦٧. و"شريك بن شهاب" الحازميّ البصريّ، مقبول [٤]. روى عن أبي برزة الأسلميّ - رضي اللَّه تعالى عنه -، وعنه الأزرق بن قيس. ذكره ابن

стр. 15756

حبّان في "الثقات". وتفرّد به المصنّف، أخرج له هذا الحديث فقط، وقال: ليس بذاك المشهور. و"أبو برزة": هو نَضْلة بن عُبيد الأسلميّ الصحابيّ المشهور - رضي اللَّه تعالى عنه -، تقدّم قبل سبعة أبواب. واللَّه تعالى أعلم. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: حديث أبي برزة الأسلميّ - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا ضعيف؛ لجهالة شريك بن شهاب؛ إذ لم يرو عنه إلا الأزرق بن قيس، وهو من أفراد المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وشرحه يُعلم من شرح حديث أبي سعيد، وعليّ - رضي اللَّه تعالى عنهما - الماضيين. وقوله: "أُتي" بالبناء للمفعول. وقوله: "من عن يمينه" بفتح ميم "من" موصولة، ويحتمل أن تكون بكسرها على أنها جازة، و"عن" اسم بمعنى الجانب، كما في قول الشاعر [من الكامل]: وَلَقَدْ أَرَانِي لِلرِّمَاحِ دَرِيئَةً … مِنْ عَنْ يَمِينِي تَارَةً وَأَمَامِي وكذا الحكم في قوله: "من عن شماله"، وقوله: "من وراءه"، وأما قوله: "فقام رجل من ورائه"، فبكسر الميم، لا غيرُ؛ لأنها جارّة فقط. وقوله:: "ما عدَلْت" بتخفيف الدال المهملة: أي ما سوّيت بين المستحقّين. وقوله: "مطموم الشعر": أي مجزوز الشعر، أو معقوصه، يقال: طَمّ شعره طمًّا، وطُمومًا، من باب ردّ: إذا جزّه، أو عَقَصَه. أفاده في "القاموس". وقوله: "سيماهم التحليق": السَّيما بالكسر-: العلامة، قال النوويّ: فيها ثلاث لغات: القصر، وهو الأفصح، وبه جاء القرآن، والمدّ، والثالثة السَّيمِيَاء بزيادة ياء، مع المدّ، لا غير، والمراد حلق الرأس، واستدلّ به بعض الناس على كراهة حلق الرأس، ولا دلالة فيه، وإنما هو علامة لهم، والعلامة قد تكون بحرام، وقد تكون بمباح، كما قال - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم -: "وآيتهم رجلٌ أسود، إحدى عضديه مثل ثدي المرأة"، ومعلوم أن هذا ليس بحرام، وقد ثبت في " سنن أبي داود" بإسناد على شرط البخاريّ ومسلم أنه - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم - رأى صبيًّا، قد حُلق بعض رأسه، فقال: "احلقوه كلّه، أو اتركوه كلّه"، وهذا صريح في إباحة حلق الرأس، لا يَحتمل تاويلًا. قال أصحابنا: حلقُ الرأس جائزٌ بكلّ حال، لكن إن شقّ عليه تعهّده بالدَّهْن والتسريح، استُحبّ حلقُهُ، وإن لم يشقّ استُحِبّ تركه. انتهى كلام النوويّ -رحمه اللَّه تعالى- (١).

стр. 15757

وقال القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى-: قوله: "سيماهم التحليق": أي جعلوا ذلك علامة لهم على رفضهم زينة الدنيا، وشِعارًا ليُعرفوا به، كما يفعل البعض من رُهبان النصارى يفحصون عن أوساط رؤوسهم، وقد جاء في وصفهم، مرفوعًا: "سيماهم التسبيد" (١) أي الحلق، يقال سبد رأسهُ: إذا حلقه، وهذا كله منهم جهل بما يُزهَد فيه، وما لا يُزهد فيه، وابتداعٌ منهم في دين اللَّه تعالى شيئًا، كان النبيّ - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم -، والخلفاء الراشدون، وأتباعهم على خلافه، فلم يُرْوَ عن أحد منهم أنهم اتّسموا بذلك، ولا حلقوا رؤوسهم في غير إحلال، ولا حاجة، وقد كان لرسول اللَّه - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم - شعرٌ، فتارةً فرقه، وتارة صيّره جُمّةً، وأخرى لِمّة. وقد رُوي عنه - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم - أنه قال: "من كانت شعرة، أو جُمّةٌ، فليُكرمها" (٢) وكره مالكٌ الحلاقَ في غير إحرام، ولا حاجة ضروريّة. انتهى كلام القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى- (٣). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: القول بكراهة الحلق محلّ نظر؛ بل هو جائزٌ؛ لما تقدّم من حديث: "احلقوه كلّه، أو اتركوه كلّه"، وإنما الأولى، والمستحبّ تركه؛ اتّباعا لهدي النبيّ - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم -، فإنه ما كان يحلقه إلا للنسك، فليُتنبّه. واللَّه تعالى أعلم. وقوله: "شرّ الخلق، والخليقة": "الخلق": الناس، و"الخليقة": البهائم، وقيل: هما بمعنًى واحد، ويريد بهما جميع الخلائق. قاله ابن الأثير (٤). وقوله: "قَالَ أَبُو عَبْد الرَّحْمَنِ) النسائيّ ﵀: شَرِيكُ بْنُ شِهَابٍ، لَيْسَ بِذَلِكَ الْمَشْهُورِ" أراد به تضعيف الحديث بجهالة شريك، فإنه مجهول عين؛ لأنه لم يرو عنه غير الأزرق بن قيس. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". …

стр. 15758

٢٧ - (قِتَالُ الْمُسْلِمِ) ٤١٠٦ - (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ, قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ, قَالَ: حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ, عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ, عَنْ عُمَرَ بْنِ سَعْدٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ, أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , قَالَ: «قِتَالُ الْمُسْلِمِ كُفْرٌ, وَسِبَابُهُ فُسُوقٌ»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْراهِيمَ) ابن راهويه الحنظليّ المروزيّ، ثقة ثبت [١٠] ٢/ ٢. ٢ - (عبد الرزّاق) بن همّام الصنعانيّ، ثقة حافظ مصنّف مشهور، تغيّر بآخره، وكان يتشيّع [٩] ٦١/ ٧٧. ٣ - (معمر) بن راشد، أبو عروة البصريّ، ثم اليمنيّ، ثقة ثبت [٧] ١٠/ ١٠. ٤ - (أبو إسحاق) عمرو بن عبد اللَّه السبيعيّ الهمدانيّ الكوفيّ، ثقة عابد اختلط بآخره [٣] ٣٨/ ٤٢. ٥ - (عمر بن سعد) بن أبي وقّاص الزهريّ، أبو حفص المدنيّ، نزيل الكوفة، صدوقٌ، لكنه مقته الناس؛ لكونه كان أميرًا على الجيش الذين قَتَلوا الحسين بن عليّ [٢]. قال العجليّ: كان يروي عن أبيه أحاديث، وروى الناس عنه، وهو تابعيٌّ ثقة، وهو الذي قتل الحسين. وذكر ابن أبي خيثمة بسند له أن ابن زياد بعث عمر بن سعد على جيش لقتال الحسين، وبعث شِمْر بن ذي الْجَوْشن، وقال له: اذهب معه، فإن قتله، وإلا فاقتله، وأنت على الناس. وقال ابن أبي خيثمة، عن ابن معين: كيف يكون من قتل الحسين ثقة؟. قال عمرو بن عليّ: سمعت يحيى بن سعيد يقول: حدّثنا إسماعيل، حدثنا العيزار، عن عمر بن سعد، فقال له موسى رجل من بني ضُبيعة: يا أبا سعيد، هذا قاتل الحسين، فسكت، فقال له: عن قاتل الحسين تُحدّثنا؟ فسكت. وروى ابن خِراش، عن عمرو بن عليّ لحو ذلك، وقال: فقال له رجل: أما تخاف اللَّه، تروي عن عمر بن سعد، فبكى، وقال: لا أعود. وقال الحميديّ: حدثنا سفيان، عن سالم، قال: قال عمر بن سعد للحسين: إن قومًا من السفهاء يزعمون أني أقتلُك، فقال حسين: ليسوا سفهاء، ثم قال: واللَّه إنك لا تأكل بُرّ العراق بعدي إلا قليلاً. وقال غيره: وُلد في عصر النبيّ - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم -. وأغرب ابن فتحون، فذكره في الصحابة، معتمِدًا على ما نقله عن "الفتوح" أن أباه

стр. 15759

أمّره على جيش في فتوح العراق. وقال ابن سعد: كان عبيد اللَّه بن زياد استعمل عمر ابن سعد على الرّيّ، وهمذان، فلما قَدِم الحسين العراق أمره ابن زياد أن يسير إليه، وندب معه أربعة آلاف من جنده، فأبى عمر ذلك، فقال له: إن لم تفعل عزلتك عن عملك، وهدمت دارك، فأطاعه، وخرج إلى الحسين، فقاتله حتى قُتل الحسين - رضي اللَّه تعالى عنه -، فلما غلب المختار على الكوفة قتل عمر بن سعد، وابنه حفصًا. وقال ابن أبي خيثمة، عن ابن معين: وُلد عام مات عمر - رضي اللَّه تعالى عنه -، وقُتل سنة سبع وستّين. وكذا قال يعقوب بن سُفيان. وقال خليفة: قتله المختار بن أبي عُبيد سنة (٦٦)، وقال في موضع آخر: سنة (٥). تفرّد به المصنّف بهذا الحديث فقط. ٦ - (سعد بن أي وقّاص) مالك بن وُهيب بن عبد مناف بن زُهرة بن كلاب، أبو إسحاق الزهريّ، ذو المناقب الجمّة، مات - رضي اللَّه تعالى عنه - بالعقيق سنة (٥٥) على المشهور، تقدّم في ٩٦/ ١٢١. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير عمر بن سعد، فإنه من أفراده. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ، والابن عن أبيه. (ومنها): أن صحابيه أحد العشرة المبشرين بالجنّة، وهو آخر من مات منهم - رضي اللَّه تعالى عنهم -، وأول من رمى بسهم في سبيل اللَّه، وكان - رضي اللَّه تعالى عنه - مجاب الدعوة. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ عُمَرَ بْنِ سَعْدٍ) بن أبي وقاص، أنه (قَالَ: حَدَّثَنَا سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ) - رضي اللَّه تعالى عنه - (أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: "قِتَالُ الْمُسْلِمِ) هذا هو المشهور في معظم الرواية، وسيأتي في حديث ابن مسعود - رضي اللَّه تعالى عنه - الآتي آخر الباب بلفظ: "قتال المؤمن" (كُفْرٌ) أي من أعمال أهل الكفر، فإنهم الذين يقصدون قتال المسلم، وأما تأويله بحمله على القتال مستحلًّا، فيؤدّي إلى عدم صحّة المقابلة؛ لكون السباب مستحلًّا كفرًا أيضًا (وَسِبَابُهُ) بكسر السين المهملة، وتخفيف الموحّدة: مصدر سبّ، يقال: سبّه يسبّه سبًا، وسِبَايًا: أي شتمه. وقال إبراهيم الحربيّ: السباب أشدّ من السبّ، وهو أن يقول الرجل ما فيه، وما ليس فيه، يريد بذلك عيبه. وقال غيره: السباب مثل القتال، فيقتضي المفاعلة. وهو من السبّ بالتشديد، وأصله القطع، وقيل: مأخوذ من السبّة، وهي حلقة الدبر، سُمّي الفاحش من القول بالفاحش من الجسد،

стр. 15760

فعلى الأول المراد قطع المسبوب، وعلى الثاني المراد كشف عورته؛ لأن من شأن السابّ إبداء عورة المسبوب. قاله في "الفتح" (١) (فُسُوقٌ) أي خروج عن الذي يجب من احترام المسلم، وحرمة عرضه، وسبّه. أو هو من أعمال أهل الفسوق. و"الفسق" في اللغة: الخروج، وفي الشرع: الخروج عن طاعة اللَّه تعالى، وطاعة رسوله - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم -، وهو في عرف الشرع أشدّ من العصيان، قال اللَّه تعالى: ﴿وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ﴾ الآية [الحجرات: ٧]. ولا متمسّك في هذا الحديث للخوارج الذين يُكفرون بالمعاصي؛ لأن ظاهره غير مراد؛ وإنما عبر بلفظ الكفر لكون القتال أشدّ من السباب؛ لأنه يفضي إلى إزهاق الروح، ولم يُرد حقيقة الكفر التي هي الخروج عن الملّة، بل أطلق عليه الكفر مبالغةً في التحذير، معتمدًا على ما تقرّر من القواعد أن مثل ذلك لا يُخرج عن الملّة، مثلُ حديث الشفاعة، ومثل قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا﴾ الآية [النساء: ٤٨]. أو أطلق عليه الكفر؛ لشبهه به؛ لأن قتال الموْمن من شأن الكافر. وقيل: المراد هنا الكفر اللغويّ، وهو التغطية؛ لأن حقّ المسلم على المسلم أن يُعينه، ويَنصره، ويكُفّ عنه أذاه، فلما قاتله كان كأنه غطّى على هذا الحقّ. وقيل: أراد بقوله "كفر" أي قد يؤول هذا الفعل بشؤمه إلى الكفر، وهذا بعيد، وأبعد منه حمله على المستحلّ لذلك؛ لأنه يلزم منه أن لا يحصُل التفريق بين السباب والفسوق، فإن مستحلّ لعن المسلم بغير تأويل يكفر أيضًا. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: أولى ما قيل في معنى هذا الحديث أنه أطلق عليه الكفر مبالغة في التحذير من ذلك؛ لينزجر السامع عن الإقدام عليه، أو أنه على سبيل التشبيه؛ لأن ذلك من فعل الكفّار (٢). ويأتي هذا في توله - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم -: "لا ترجعوا بعدي كُفّارًا يضرب بعضكم رقاب بعض"، كما سيأتي بيان الأقوال التي قيلت في تأويه، وهي عشرة أقوال، في الباب التالي، إن شاء اللَّه تعالى. ونظير هذا قوله تعالى: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ بعد قوله: ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ﴾ الآية [البقرة: ٨٥]، فدلّ على أن بعض الأعمال يُطلق عليه الكفر تغليظا. وأما قوله - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم - فيما رواه مسلم: "لعن المسلم كقتله"، فلا يُخالف هذا الحديث؛ لأن المشبّه به فوق المشبّه، والقدر الذي اشتركا فيه بلوغ

стр. 15761

الغاية في التأثير، هذا في الْعِرْض، وهذا في النفس. أفاده في "الفتح" (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث سعد بن أبي وقّاص - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا صحيح، إن سلم من عنعنة أبي إسحاق، فإنه مدلّس. [فإن قلت]: فيه عمر بن سعد، وقد عرفت كلام العلماء فيه، فكيف يصحّ؟. [قلت]: لم ينفرد به عمر، بل تابعه عليه أخوه محمد بن سعد بن أبي وقّاص، فقد أخرجه ابن ماجه في "الفتن"٣٩٤١ - من طريق أبي إسحاق، عنه، عن أبيه. وقد عزاه في "تحفة الأشراف" ٣/ ٣٥٦ - ٣٠٧ إلى المصنّف أيضًا، لكن لم أجده عنده، فاللَّه تعالى أعلم. [تنبيه]: قد اختلف في هذا الحديث على أبي إسحاق، فرواه شعبة، عنه، عن أبي الأحوص، وغيره، عن ابن مسعود - رضي اللَّه تعالى عنه -، كما في الرواية الآتية بعدُ. ورواه معمر، عنه، عن عمر بن سعد، عن أبيه، كما في هذه الرواية، ورواه إسرائيل، عنه، عن محمد بن سعد بن أبي وقّاص، عن أبيه، كما هو عند ابن ماجه، وقد ذكر البخاريّ -رحمه اللَّه تعالى- في، "التاريخ"١/ ٨٨ - : ما حاصله: أن كونه عن أبي إسحاق، عن محمد بن سعد، عن أبيه أصحّ، من كونه عن أبي إسحاق، عن عمر بن سعد، عن أبيه، وساقه من رواية زكريا بن أبي زائدة، عن أبي إسحاق، عن محمد به. [تنبيه آخر]: ذكر في "الفتح" أن لهذا الحديث سببًا، وهو ما أخرجه البغوي، والطبرانيّ من طريق أبي خالد الوالبيّ، عن عمرو بن النعمان بن مقرّن المزنيّ، قال: انتهى رسول اللَّه - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم - إلى مجلس من مجالس الأنصار، ورجلٌ من الأنصار كان عُرِف بالبذاء، ومشاتمة الناس، فقال رسول اللَّه ﷺ صلى اللَّه تعالى عليه وسلم: "سباب المسلم فسوقٌ، وقتاله كفر"، زاد البغويّ في روايته: "فقال الرجل: واللَّه لا أُسابّ رجلاً". انتهى. (٢). (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٢٧/ ٤١٠٦ - وفي "الكبرى" ٢٧/ ٣٥٦٧. وأخرجه (ق) في "الفتن"

стр. 15762

٣٩٤١. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان حكم قتال المسلم، وهو أنه كفرٌ، على ما تقدّم من بيان المراد بالكفر هنا. (ومنها): أن فيه تعظيم حقّ المسلم، والحكم على سبّه بغير حقّ بالفسق، وعلى من قاتله بالكفر. (ومنها): أن فيه الردّ على المرجئة القائلين بأن المعاصي لا تضرّ مع الإيمان، وفي "صحيح البخاريّ" من طريق شعبة، عن زُبيد، قال: سألت أبا وائل عن المرجئة؟ فقال: حدّثني عبد اللَّه يعني ابن مسعود - رضي اللَّه تعالى عنه -، أن النبيّ - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم - قال: "سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر"، يعني أن مذهبهم هذا باطلٌ، فكأنه قال: كيف يكون مذهبهم حقًّا، وقد خالف قول النبيّ - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم - هذا، فمراده إبطال رأيهم الفاسد المذكور. [فإن قيل]: هذا، وإن تضمّن الردّ على المرجئة، لكن ظاهره يقوّي مذهب الخوارج الذين يُكفّرون بالمعاصي. [أجيب]: بأن المبالغة في الرَّدّ على المبتدعة اقتضت ذلك، ولا متمسّك للخوارج فيه؛ لأن ظاهره غير مراد، لكن لَمّا كان القتال أشدّ من السباب؛ لأنه مفض إلى إزهاق الروح، عبر عنه بلفظ أشدّ من لفظ الفسق، وهو الكفر، ولم يُرِد به الكفر المخرج عن المقة، وإنما أراد المبالغة في الحديث، معتمدًا على ما تقرّر من القواعد أن مثله لا يُخرج عن الملّة، مثل أحاديث الشفاعة، وغيرها (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤١٠٧ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ, قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ, عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ, قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا الأَحْوَصِ, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ, قَالَ: "سِبَابُ الْمُسْلِمِ فُسُوقٌ, وَقِتَالُهُ كُفْرٌ"). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، وتقدّموا. و"عبد الرحمن": هو ابن مهديّ. و"أبو إسحاق": هو السبيعيّ المذكور في السند السابق. و"أبو الأحوص": هو عوف بن مالك بن نَضْلَة الْجُشَميّ الكوفيّ، ثقة [٣] ٥٠/ ٨٤٩. والحديث موقوفٌ صحيح، وهو من أفراد المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، أخرجه هنا- ٢٧/ ٤١٠٧ و ٤١٠٨ و ٤١٠٩ و ٤١١٤ - وفي "الكبرى" ٢٧/ ٣٥٦٨ و ٣٥٦٩ و ٣٥٧٠

стр. 15763

و ٣٥٧٨. وشرحه، وفوائده تقدّمت في الذي قبله. [تنبيه]: حديث ابن مسعود - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا أخرجه المصنّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- في هذا الباب من رواية أبي الأحوص، وأبي وائل، عنه، وقد رواه غيرهما عنه أيضًا، فقد أخرجه أبو يعلى في "مسنده" ٨/ ٤٠٨ - رقم ٤٩٩١ - من رواية أبي عمرو الشيباني، عن ابن مسعود، مرفوعًا، ولفظه: حدّثنا أبو بكر (١)، حدثنا معتمرٌ، عن أبيه، حدثنا أبو عمرو الشيبانيّ، عن عبد اللَّه، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "سباب المسلم فسوقٌ، وقتاله كفر". وهذا إسناد على شرط الشيخين، وأبو بكر هو ابن أبي شيبة. وأخرجه أبو نعيم في "الحلية" ٥/ ٢٣ - من رواية مسروق، عن ابن مسعود، مرفوعًا أيضًا، لكن في إسناده إسماعيل بن أبي عيّاش، وفيه ضَعْفٌ إذا روى عن غير أهل بلده، كما هنا، عن ليث بن أبي سليم، وهو مترك. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤١٠٨ - (أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ حَكِيمٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ, عَنْ شُعْبَةَ, عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ, عَنْ أَبِي الأَحْوَصِ, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ, قَالَ: "سِبَابُ الْمُسْلِمِ فِسْقٌ, وَقِتَالُهُ كُفْرٌ", فَقَالَ لَهُ أَبَانُ: يَا أَبَا إِسْحَاقَ, أَمَا سَمِعْتَهُ إِلاَّ مِنْ أَبِي الأَحْوَصِ, قَالَ: بَلْ سَمِعْتُهُ مِنَ الأَسْوَدِ, وَهُبَيْرَةَ). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه، يحيى ابن حكيم، وهو الْمُقَوِّم، أبو سعيد البصريّ، وهو ثقة حافظ، عابد، مصنّفٌ [١٠] ٥١/ ٦٢١. وقوله: "فقال له أبان الخ" الظاهر أنه أبان بن تغلب؛ لأنه الذي يروي عن أبي إسحاق، كما تقدّمت روايته عند المصنّف في "كتاب الحجّ" في ٥٤/ ٢٧٥١ - "كيفيّة التلبية". ثم وجدت الخطيب صرّح به في روايته في "تاريخ بغداد"١٠/ ٨٧ - ولفظه: أخبرنا الْبَرْقانيّ، قال: قرأنا على أبي الحسن الدارقطنيّ، حدثكم محمد بن مخلد بن حفص، حدّثنا عبد اللَّه بن محمد بن عبيدة، حدّثنا عليّ بن المدينيّ، حدّثنا عبد الرحمن بن مهديّ، عن شُعبة، قال: سمعت أبان بن تغلب يقول لأبي إسحاق: ممن سمعت حديث عبد اللَّه: "سباب المسلم فسوقٌ، وقتاله كفرٌ"، فقال: حدّثنيه الأسود،

стр. 15764

وأبو الأحوص، وهُبيرةُ عن عبد اللَّه، عن النبيّ - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم -. قال الدارقطنيّ: تفرّد به هذا الشيخ، عن عليّ بن المدينيّ، ولم نكتبه إلا عن ابن مخلد انتهى. قال الجامع: الظاهر أنه أراد بسؤاله هذا الاستزادةَ من شيوخ أبى إسحاق غير أبي الأحوص؛ للتأكيد، فأجابه بأنه سمعه أيضًا من الأسود بن يزيد، ومن هُبيرة بن يَرِيم. واللَّه تعالى أعلم. و"الأسود": هو ابن يزيد بن قيس النخعيّ، أبو يزيد الكوفيّ، ثقة مكثر فقيه مخضرم [٢] ٢٩/ ٣٣. و"هُبيرة" بن يَرِيم بوزن عظِيم- الشيبانيّ بمعجمة، ثمّ موحّدة خفيفة، ويقال: الخارفيّ بمعجمة، وفاء-، أبو الحارث الكوفيّ، لا بأس به، وقد عِيب بالتشيّع [٢]. روى عن عليّ، وطلحة، وابن مسعود، والحسن بن عليّ، وابن عبّاس. وعنه أبو إسحاق السبيعيّ، وأبو فاختة. قال الأثرم عن أحمد: لا بأس بحديثه، هو أحسن استقامةً من غيره يعني الذين تفرد أبو إسحاق بالرواية عنهم-. وقال عبد اللَّه بن أحمد: هُبيرة أحبّ إلينا من الحارث. وقال عيسى بن يونس: كان هُبيرة خال العالية زوجة أبي إسحاق السبيعيّ. وقال النسائيّ: ليس بالقويّ. وذكره ابن حبّان في "الثقات". وذكره ابن سعد في الطبقة الأولى، وقال: كانت منه هفوة أيام المختار، وكان معروفًا، وليس بذاك. وقال الساجيّ: قال يحيى بن معين: هو مجهول. وقال النسائيّ في "الجرح والتعديل": أرجو أن لا يكون به بأس، ويحيى، وعبد الرحمن لم يتركا حديثه، وقد روى غير حديث منكر. وقال ابن أبي حاتم، عن أبيه: شبيه بالمجهول. وقال الجوزجانيّ: كان مختاريًّا، كان يُجهز على الجرحى يوم الجازر. وقال ابن خراش: ضعيف. وقال ابن أبي عاصم: مات سنة (٦٦). روى له الأربعة، وله عند المصنّف في هذا الكتاب خمسة أحاديث: هذا الحديث، وحديث ابن مسعود في "كتاب الزينة" ١٠/ ٥٠٦٥ "لقد قرأت على رسول اللَّه - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم - بضعًا وسبعين سورة" الحديث، وفيه ٤٣/ ٥١٦٧ - حديث عليّ - رضي اللَّه تعالى عنه - "نهى رسول اللَّه - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم عن خاتم الذهب" الحديث، و ٥١٦٨ حديثه، "نهى رسول اللَّه - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم - عن خاتم الذهب " الحديث، و ٥١٦٩ حديثه "نهى رسول اللَّه ﷺ صلى اللَّه تعالى عليه وسلم - عن حلقة الذهب" الحديث. والحديث موقوف صحيح، وقد سبق تخريجه في الذي قبله. واللَّه تعالى أعلم

стр. 15765

بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤١٠٩ - (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَرْبٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ, عَنْ أَبِي الزَّعْرَاءِ, عَنْ عَمِّهِ أَبِي الأَحْوَصِ, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ, قَالَ: "سِبَابُ الْمُسْلِمِ فُسُوقٌ, وَقِتَالُهُ كُفْرٌ"). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "أحمد بن حرب": هو الطائيّ الْمَوْصليّ، ثقة [١٠] ١٠٢/ ١٣٥ من أفراد المصنّف. و"أبو الزعراء": عمرو بن عمرو، أو ابن عامر بن مالك ابن نَضْلة الْجُشَميّ الكوفيّ، ثقة [٦] ١٦/ ٣٨١٥. والحديث موقوف صحيحٌ. وقد سبق القول فيه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤١١٠ - (أَخْبَرَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ, قَالَ: حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي, قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ عُمَيْرٍ, يُحَدِّثُهُ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ, عَنْ أَبِيهِ, أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , قَالَ: «سِبَابُ الْمُسْلِمِ فُسُوقٌ, وَقِتَالُهُ كُفْرٌ»). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "محمود بن غيلان": هو أبو أحمد المروزيّ، نزيل بغداد، ثقة [١٠] ٣٣/ ٣٧. و"وهب بن جرير": أبو عبد اللَّه الأزديّ البصريّ، ثقة [٩] ١٩٦. و"أبوه": هو جرير بن حازم بن زيد، أبو النضر البصريّ، ثقة، إلا في قتادة، ففيه ضعف، وله أوهام إذا حدّث من حفظه [٦] ١٧٢/ ١١٤١ و"عبد الملك بن عُمير": اللَّخْميّ الكوفيّ، ويقال له: الْفَرَسيّ، نسبة لفرس له سابق، يقال له: الْقِبْطيّ، ثقة فقيه، تغيّر حفظه، وربّما دلّس [٣]. ٤١/ ٩٤٧ و"عبد الرحمن بن عبد اللَّه": هو ولد ابن مسعود - رضي اللَّه تعالى عنه -، وهو كوفيّ، ثقة، من صغار [٢]. ٤٨/ ٣١٩٤، وقد سمع من أبيه، لكن شيئًا يسيرًا. والحديث صحيح، أخرجه المصنّف هنا -٤١١٠/ ٢٧ - وفي "الكبرى" ٢٧/ ٣٥٧١ وأخرجه (ت) في "الإيمان" ٢٦٣٤ بلفظ: "قتال المسلم أخاه كفر، وسبابه فسوق"، ثم قال: حديث ابن مسعود حديث حسن صحيح، وقد روي عن عبد اللَّه بن مسعود من غير وجه. انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤١١١ - (أَخْبَرَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ, قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ, قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ, قَالَ: قُلْتُ لِحَمَّادٍ: سَمِعْتُ مَنْصُورًا, وَسُلَيْمَانَ, وَزُبَيْدًا, يُحَدِّثُونَ عَنْ أَبِي وَائِلٍ, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ, أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , قَالَ: «سِبَابُ الْمُسْلِمِ فُسُوقٌ, وَقِتَالُهُ كُفْرٌ» , مَنْ تَتَّهِمُ؟ أَتَتَّهِمُ مَنْصُورًا؟ , أَتَتَّهِمُ زُبَيْدًا؟ , أَتَتَّهِمُ سُلَيْمَانَ؟ , قَالَ: لَا, وَلَكِنِّي أَتَّهِمُ أَبَا وَائِلٍ).

стр. 15766

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "أبو داود": هو الطيالسيّ. و"منصور": هو ابن المعتمر. و"سليمان": هو الأعمش. و"زُبيد": هو الحارث اليامي. و"أبو وائل": هو شقيق بن سلمة. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الظاهر أن حمّادًا هنا هو ابن أبي سُليمان، وهو شيخٌ لشعبة، وكان مرجئًا، والظاهر أنه جرى بينه وبين شعبة النقاش في الإرجاء، فذكر له شعبة هذا الحديث محتجًّا عليه، ثم قال له: أتتّهم هؤلاء الرواة، إنهم حدّثوا بحديث غير ثابت عن النبيّ - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم -؟، فقال: لا أتهمهم، وإنما أتّهم شيخهم، أبا وائل. وإنما اتّهم أبا وائل؛ لأنه كان يردّ على هذا الرأي الباطل، ويذكر حديث ابن مسعود - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا احتجاجًا على إبطاله، فقد أخرج البخاريّ في "صحيحه" من طريق شعبة، عن زبيد، قال: سألت أبا وائل عن المرجئة؟ فقال: حدّثني عبد اللَّه أن النبيّ - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم - قال: "سباب المسلم فسوقٌ، وقتاله كفر". وفي رواية أبي داود الطيالسيّ، عن شعبة، عن زبيد، قال: لما ظهرت المرجئة، أتيت أبا وائل، فذكرت ذلك له". قال الحافظ -رحمه اللَّه تعالى-: فظهر من هذا أن سؤاله كان عن معتقدهم، وأن ذلك كان حين ظهورهم، وكانت وفاة أبي وائل سنة (٩٩)، وقيل: سنة (٨٢)، ففي ذلك دليلٌ على أن بدعة الإرجاء قديمة انتهى (١). ثمّ إن اتّهام حماد لأبي وائل بهذا الحديث اتّهام باطلٌ، وذلك لأن أبا وائل من العدول الثقات، الذين شهد لهم أهل عصرهم، ومن بعدهم بالعدالة، والصيانة، وبرّؤوهم من وصمة الاتهامات، فقال الأعمش، عن إبراهيم: عليك بشقيق، فإني أدركت الناس، وهم متوافرون، دهانهم ليعدّونه من خيارهم. وقال إسحاق بن منصور، عن ابن معين: ثقة، لا يُسأل عنه. وقال وكيع: كان ثقة. وقال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث. وقال ابن حبّان: سكن الكوفة، وكان من عُبّادها. وقال العجليّ: رجل صالح. وقال ابن عبد البرّ: أجمعوا على أنه ثقة (٢). وايضا، فلم ينفرد أبو وائل برواية هذا الحديث عن ابن مسعود - رضي اللَّه تعالى عنه -، فقد تابعه أبو الأحوص، وعبد الرحمن بن عبد اللَّه بن مسعود، كما تقدّم للمصنّف في هذا الباب، وأبو عمرو الشيبانيّ عند أبي يعلى في "مسنده"٤٩٩١ - والأسود، وهُبيرة

стр. 15767

ابن يَريم عند الخطيب البغداديّ في "تاريخه" ١٠/ ٨٦ - ٨٧ - ومسروق عند أبي نعيم في "الحلية" ٢٣/ ٥ ستتهم عن ابن مسعود - رضي اللَّه تعالى عنه -. والحاصل أن اتهام حماد لأبي وائل في هذا باطلٌ، وإنما حمله عيه هذا المذهب الباطل، واللَّه المستعان على المتّهِمِين أهلَ الحقّ بالباطل زورًا، وبُهتانًا. واللَّه تعالى أعلم. [تنبيه]: قال في "الفتح": قد تابع أبا وائل في رواية هذا الحديث عبد الرحمن بن عبد اللَّه بن مسعود، عن أبيه، أخرجه الترمذيّ، مصحّحًا، ولفظه: "قتال المسلم أخاه كفرٌ، وسبابه فسوقٌ"، ورواه جماعة عن عبد اللَّه بن مسعود، موقوفًا، ومرفوعًا، ورواه النسائيّ ٢٧/ ٤١٠٦ - من حديث سعد بن أبي وقّاص أيضًا، مرفوعًا، فانتفت بذلك دعوى من زعم أن أبا وائل تفرّد به. انتهى (١). والحديث متّفقٌ عليه، أخرجه المصنّف هنا ٢٧/ ٤١١١ و ٤١١٢ و ٤١١٣ و ٤١١٤ و ٤١١٥ - وفي "الكبرى" ٢٧/ ٣٥٧٤ و"٣٥٧ و ٣٥٧٦ و ٣٥٧٧ و ٣٥٧٨. وأخرجه (خ) في "الإيمان" ٤٨ و"الأدب" ٦٠٤٤ و"الفتن" ٧٠٧٦ (مسلم) في "الإيمان" ٦٤ (الترمذيّ) في "البرّ والصلة" ١٩٨٣ و"الإيمان " ٢٦٣٤ و٢٦٣٥ (ابن ماجه) في "المقدمة" ٦٩ و"الفتن" ٣٩٣٩ (أحمد) في "مسند المكثرين" ٣٦٣٩ و ٣٨٩٣ و ٣٩٤٧ و ٤١١٥ و ٤١٦٧ و ٤٢٥٠ و ٤٣٣٢ و٣٤٨٠. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ثم إن المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- أورد روايات زُبيد، ومنصور، والأعمش، متتالية، فقال: ٤١١٢ - (أَخْبَرَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ, قَالَ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ, قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ, عَنْ زُبَيْدٍ, عَنْ أَبِي وَائِلٍ, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ, قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «سِبَابُ الْمُسْلِمِ فُسُوقٌ, وَقِتَالُهُ كُفْرٌ» , قُلْتُ لأَبِي وَائِلٍ: سَمِعْتَهُ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ؟ قَالَ: نَعَمْ). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا غير مرّة. و"سفيان": هو الثوريّ. وقوله: "قلت لأبي وائل الخ" القائل هو زبيدٌ اليامي، كما صرّح به في رواية مسلم، ولفظه: (قال زبيد: فقدت لأبي وائل: أنت سمعته من عبد اللَّه يرويه عن رسول اللَّه - صلى اللَّه تعالى عيه وسلم؟ قال: نعم". انتهى.

стр. 15768

[تنبيه]: قد روى هذا الحديث شعبة أيضًا عن منصور بن المعتمر، كما عند البخاريّ في "الأدب"، وعن الأعمش، وهو عند مسلم، وقال ابن منده: لم يُختلف في رفعه عن زُبّيد، واختُلف على الآخَرَين. ورواه عن زبيد غيرُ شعبة أيضًا، عند مسلم، وغيره. أفاده في "الفتح" (١). والحديث متّفقٌ عليه، وتقدّم تخريجه في الذي قبله. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤١٢٨ - (أَخْبَرَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ, قَالَ: حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ, قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ, عَنْ مَنْصُورٍ, عَنْ أَبِي وَائِلٍ, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ, قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «سِبَابُ الْمُسْلِمِ فُسُوقٌ, وَقِتَالُهُ كُفْرٌ»). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "معاوية": هو ابن هشام القصّار، أبو الحسن الكوفيّ، صدوقٌ له أوهامٌ، من صغار [٩] ٣٩/ ١٧٠٤. والحديث متّفقٌ عليه، كما سبق آنفًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤١١٤ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ, عَنْ مَنْصُورٍ, عَنْ أَبِي وَائِلٍ, قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: "سِبَابُ الْمُسْلِمِ فُسُوقٌ, وَقِتَالُهُ كُفْرٌ"). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: " جرير": هو ابن عبد الحميد. والحديث موقوف صحيح، وقد سبق قبله مرفوعًا، وهو الأرجح؛ ولذا أخرجه البخاريّ في "صحيحه" من طريق شعبة، عن منصور. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤١١٥ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ, عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ, عَنِ الأَعْمَشِ, عَنْ شَقِيقٍ, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ, قَالَ: "قِتَالُ الْمُؤْمِنِ كُفْرٌ, وَسِبَابُهُ فُسُوقٌ"). "أبو معاوية": هو محمد بن خازم الضرير الكوفيّ. والحديث موقوف صحيح، وقد اقتصر المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- في رواية الأعمش على الموقوف فقط، وقد رواه أيضًا، مرفوعًا، وهو الأرجح، ولذا أخرجه البخاريّ في "صحيحه" من طريق حفص بن غياث، عن الأعمش. فتنبّه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".

стр. 15769

٢٨ - (التَّغْلِيظُ فِيمَنْ قَاتَلَ تَحْتَ رَايَةِ عِمَّيَّةِ) قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "الْعِمِّيّةُ" بالكسر، والضمّ، مشدّدتي الميم، والياء: الْكِبْرُ، أو الضلال. قاله في "القاموس". وقال ابن منظور في "اللسان": العميّة: الدعوة العمياء. وقيل: الفتنة، وقيل: الضلالة. قال: "ميتة عمّيّة": أي ميتة فتنة، وجهالة. انتهى باختصار. واللَّه تعالى أعلم بالصواب. ٤١١٦ - (أَخْبَرَنَا بِشْرُ بْنُ هِلَالٍ الصَّوَّافُ, قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ, قَالَ: حَدَّثَنَا أَيُّوبُ, عَنْ غَيْلَانَ بْنِ جَرِيرٍ, عَنْ زِيَادِ بْنِ رَبَاحٍ, عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ خَرَجَ مِنَ الطَّاعَةِ, وَفَارَقَ الْجَمَاعَةَ, فَمَاتَ مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً, وَمَنْ خَرَجَ عَلَى أُمَّتِي, يَضْرِبُ بَرَّهَا وَفَاجِرَهَا, لَا يَتَحَاشَى مِنْ مُؤْمِنِهَا, وَلَا يَفِي لِذِي عَهْدِهَا, فَلَيْسَ مِنِّي, وَمَنْ قَاتَلَ تَحْتَ رَايَةٍ عُمِّيَّةٍ, يَدْعُو إِلَى عَصَبِيَّةٍ, أَوْ يَغْضَبُ لِعَصَبِيَّةٍ, فَقُتِلَ فَقِتْلَةٌ جَاهِلِيَّةٌ»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (بشر بن هلال الصّوّاف) أبو محمد النُّميريّ البصريّ، ثقة [١٠] ١١٧/ ١٦٢. ٢ - (عبد الوارث) بن سعيد بن ذكران البصريّ، ثقة ثبتٌ [٨] ٦/ ٦. ٣ - (أبوب) بن أبي تميمة السختيانيّ البصريّ، ثقة فقيه حجة [٥] ٤٢/ ٤٨. ٤ - (غيلان بن جرير) الْمِعْوليّ الأزدي البصريّ، ثقة [٥] ١٢٤/ ١٠٨٢. ٥ - (زياد بن رِيَاح) -بكسر أوّله، ثم مثنّاة تحتانيّة خفيفة- أبو قيس البصريّ، أو المدنيّ، ثقة [٣]. روى عن أبي هريرة. وعنه الحسن البصريّ، وجرير بن غيلان. قال العجليّ: تابعيّ ثقة. وذكره ابن حبّان في "الثقات". أخرج له مسلم، والمصنّف، وابن ماجه هذا الحديث فقط، وله عند مسلم حديث آخر: "بادروا بالأعمال ستًّا" الحديث. [تنبيه]: وقع في معظم نسخ "المجتبى"، و"الكبرى" "زياد رباح" بالباء الموحّدة، وهو خطأ (١)، والصواب "ابن رياح" بالياء التحتانيّة، وهو الذي في "النسخة الهنديّة"،

стр. 15770

فتنبّه. واللَّه تعالى أعلم. - (أبو هريرة) - رضي اللَّه تعالى عنه - ١/ ١. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين، غير الصحابيّ، فمدنيّ. (ومنها): أن فيه ثلاثة من التابعين يروي بعضهم عن بعض: أيوب، عن غيلان، عن زياد، ورواية أيوب عن غيلان من رواية الأقران، وفيه أبو هريرة - رضي اللَّه تعالى عنه - أحفظ من روى الحديث في دهره. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) - رضي اللَّه تعالى عنه -، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (مَنْ خَرَجَ مِنْ الطَّاعَةِ) أي من طاعة وُلاة الأمور (وَفَارَقَ الْجَمَاعَةَ) أي جماعة المسلمين المجتمعين على إمام واحد، أو إجماع المسلمين على أمر واحد، ففيه تحريم مخالفة الإجماع (فَمَاتَ مَاتَ مِيتَةً) بكسر الميم: فِعلة للَّهيئة، وهي حالة الموت، كما قال ابن مالك في "الخلاصة": وَفَعْلة لِمَرَّة كَجَلْسَهْ … وَفِعْلةٌ لِهَيْئَةٍ كَجِلْسَهْ (جَاهِلِيَّةً) بالنصب صفة لـ"مِيتة" أي كمِيتة أهل الجاهليّة، من الضلال والفُرقة. قاله القرطبيّ. وقال النوويّ: أي على صفة موتهم من حيث إنهم فوضى، لا إمام لهم. انتهى. ويحتمل أن يكون مجرورًا بإضافة "مِيتة" إليه (وَمَنْ خَرَجَ عَلَى أُمَّتِي، يَضْرِبُ بَرَّهَا) بفتح الباء، وتشديد الراء: وهو التقيّ (وَفَاجِرَهَا) بالجيم: وهو المسيء (لَا يَتَحَاشَى مِنْ مُؤْمِنِهَا) من التحاشي، وهو المجانبة. قال النوويّ: معناه: لا يكترث بما يفعله فيها، ولا يَخاف وباله، وعُقوبته. انتهى. وفي لفظ عند مسلم: "ولا ينحاش" بالنون: أي لا يجانب، يقال: انحاش إلى كذا: أي انضتم إليه، ومال. قاله القرطبيّ. والمعنى أنه لا يترك أحدًا من الموْمنين إلا قتله (وَلَا يَفِى لِذِي عَهْدِهَا) أي لا يوفي بعهد الذّمّيّين الذين لهم عهد وأمان من المسلمين ذمّتهم، بل ينقضه، ويقتلهم، كما يقتل المسلمين، أو المعنى أنه لا يوفي بعهد البيعة، والولاية (فَلَيْسَ مِنِّي) زاد في رواية مسلم: "ولست منه". قال أبو العبّاس القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى-: هذا التبرّي أنه ليس بمسلم، وهذا صحيحٌ إن كان معتقدًا لحلّيّة ذلك، وإن كان معتقدًا لتحريمه، فهو عاصٍ من العصاة، مرتكب كبيرةً، فأمره إلى اللَّه تعالى،

стр. 15771

ويكون معنى التبرّي على هذا: أي ليست له ذمّة، ولا حرمة، بل إن ظُفِر به قُتل، أو عُوقب بحسب حاله، وجريمته. ويحتمل أن يكون معناه: ليس على طريقتي، ولستُ أرضى طريقته، كما تقدّم أمثالُ هذا. وهذا الذي ذكره في هذا الحديث هي أحوال المقاتلين على الملك، والأغراض الفاسدة، والأهواء الركيكة، وحميّة الجاهليّة، وقد أبعد من قال: إنهم الخوارج، فإنهم إنما حملهم على الخروج الْغَيْرة للدين، لا شيء من العصبيّة، والملك؛ لكنّهم اخطؤوا التأويل، وحرّفوا التنزيل. انتهى كلام القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى- (١). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الذي ذكره القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى- تحقيقٌ نفيسٌ جدًّا. واللَّه تعالي أعلم. (وَمَنْ قَاتَلَ تَحْتَ رَايَةٍ عُمَّيَّةٍ) بضمّ العين، وكسرها لغتان مشهورتان، والميم مكسورة، مشدّدة، والياء مشدّدة أيضًا، قالوا: هي الأمر الأعمى الذي لا يستبين وجهه. كذا قاله أحمد بن حنبل، والجمهور. وقال إسحاق بن راهوية: هذا كتقاتل القوم للعَصَبيّة. قاله النوويّ (٢). وقال القرطبيّ: قال بعضهم: العمّيّة: الضلالة. وقال أحمد بن حنبل: هو الأمر الأعمى، كالعصبيّة، لا يستبين ما وجهه؟. وقال إسحاق: هذا في تهارُج القوم، وقتل بعضهم بعضًا، كأنه من التعمية، وهو التلبيس. انتهى (٣). وقال ابن الأثير: العِمَّيّةٌ فِعّيلة، من العَمَاء: الضلالة، كالقتال في العَصَبيّة والأهواء. وحكَى بعضهم فيها ضمّ العين. انتهى (٤). (يَدْعُو إِلَى عَصَبِيَّة، أَوْ يَغْضَبُ لِعَصَبِيَّةٍ) قال في "النهاية": العصبيّة، والتعصّبُ: المحاماة، والمدافعة. والعَصَبيّ: من يُعين قومه على الظلم، وقال أيضًا: هو الذي يغضب لعَصَبته، ويُحامي عنهم. انتهى بتصرّف (٥). وقال القرطبيّ في "المفهم": قوله: "يغضب لعصبته، أو ينصر عصبته" هكذا رواية الجمهور بالعين، والصاد المهملتين، من التعصّب. وقد رواه العذريّ بالغين، والضاد المعجمتين، من الغضب، والأول أصحّ، وأبين، ويَعضِده تأويل أحمد بن حنبل

стр. 15772

المتقدِّم، ولرواية العذريّ وجهٌ، وهو أن يريد به الغضب الذي يحمل عليه التعصّب. انتهى (١). (فَقُتِلَ) بالبناء للمفعول (فَقِتْلَةٌ جَاهِلِيَّةٌ) بكسر القاف، هو مثل قوله: "فميتةٌ جاهليّة". واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المساله الأولى): في درجته: حديث أبي هريرة - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا أخرجه مسلم. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٢٨/ ٤١١٦ - وفي "الكبرى" ٢٨/ ٣٥٧٩. وأخرجه (م) في "الإمارة" ١٨٤٨ (ق) في "الفتن" ٣٩٤٨ (أحمد) في "باقي مسند المكثرين" ٧٨٨٤ و٨٠٠٠ و٩٩٦٠. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثه): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان التغليظ فيمن قاتل تحت راية عِمّيّة. (ومنها): أن فيه وجوب طاعة الإمام، ولزوم جماعة المسلمين. (ومنها): وجوب نصب الإمام. (ومنها): تحريم مخالفة إجماع المسلمين، وأنه واجب الاتّباع. (ومنها): ما قاله القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى-: ويَستَدِلّ بظاهره من كفّر بخرق الإجماع مطلقًا، والحقّ التفصيل، فإن كان الإجماع مقطوعًا به، فمخالفته، وإنكاره كفرٌ، وإن كان الإجماع مظنونًا، فإنكاره، ومخالفته معصيةٌ، وفُسوقٌ. انتهى (٢). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا التفصيل الذي ذكره القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى- حسنٌ حدًّا. وإلى الاختلاف في تكفير منكر الإجماع أشار في "الكوكب الساطع"، حيث قال: جَاحِدُ مُجْمَع عَلَيْهِ عُلِمَا … ضَرُورَةً فِي الدِّينِ لَيْسَ مُسْلِمَا قَطْعًا وفِي الأَظْهَرِ مَنْصُوصٌ شُهِرْ … وْالْخُلْفُ فِمَا لَمْ يُنَصَّ الْمُشْتَهِرْ أَصَحُّهُ تَكْفِيرُهُ خُصُوصَا … لَا جَاحِدُ الْخَفِي وَلَوْ مَنْصُوصَا (ومنها): أن من لم يدخل تحت طاعة إمام، فقد شابه أهل الجاهليّة في ذلك، فإن مات على تلك الحالة مات على مثل حالتهم، مرتكباً كبيرةً من الكبائر، ويُخاف عليه

стр. 15773

بسببها أن لا يموت على الإسلام. وهذا فيما إذا كانت للمسلمين جماعة، وامام، وأمكنه الدخول معهم، فتركه، فإن لم يكن أمرهم منتظمًا، بل كان فوضى، فلا شيء عليه، بل يلزم بيته، ويشتغل بأمر نفسه، ويدع أمر العامّة، فقد فصّل النبيّ - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم - هذا الأمر تفصيلاً، لم يبق معه التباس، وذلك في سؤالات حذيفة - رضي اللَّه تعالى عنه - في هذا الأمر، فقد أخرج الإمام البخاريّ -رحمه اللَّه تعالى- في "صحيحه"، فقال: حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا الوليد بن مسلم، حدثنا ابن جابر، حدثني بسر بن عبيد اللَّه الحضرمي، أنه سمع أبا إدريس الخولاني، أنه سمع حذيفة بن اليمان، يقول: كان الناس يسألون رسول اللَّه ﷺ عن الخير، وكنت أسأله عن الشر، مخافة أن يدركني، فقلت: يا رسول اللَّه ﷺ ، إنا كنا في جاهلية وشرّ، فجاءنا اللَّه بهذا الخير، فهل بعد هذا الخير من شر؟ قال: "نعم"، قلت: وهل بعد ذلك الشر من خير؟ قال: "نعم، وفيه دَخَنٌ"، قلت: وما دخنه؟ قال: "قوم يَهدُون بغير هدي، تَعرِف منهم وتنكر"، قلت: فهل بعد ذلك الخير من شر؟ قال: "نعم دُعاة على أبواب جهنم، من أجابهم إليها، قذفوه فيها"، قلت: يا رسول اللَّه، صفهم لنا، قال: "هم من جِلْدتنا، ويتكلمون بألسنتنا"، قلت: فما تأمرني إن أدركني ذلك؟ قال: "تلزم جماعة المسلمين وإمامهم"، قلت: فإن لم يكن لهم جماعة، ولا إمام؟ قال: "فاعتزِل تلك الفِرق كُلَّها، ولو أن تَعَضَّ بأصل شجرة، حتى يدركك الموت، وأنت على ذلك". فقد أوضح رسول اللَّه - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم - في هذا الحديث كيف يعيش المسلم في أيّ زمان، وفي أيّ مكان، ومع أيّ أناس، فما أشمل هذا النصّ، وأكمله، وأنبله، ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٣ - ٤]. (ومنها): أن فيه أن ارتكاب المعاصي والفجور، لا يُخرج عن الملّة، أيا كان نوعه، إلا بالارتداد عن الإسلام صريحًا، أعاذنا اللَّه تعالى من ذلك، ومن كلّ سوء، بمنّه، وكرمه، إنه جواد كريم، رؤوفٌ رحيم. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤١١٧ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى, عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ, قَالَ: حَدَّثَنَا عِمْرَانُ الْقَطَّانُ, عَنْ قَتَادَةَ, عَنْ أَبِي مِجْلَزٍ, عَنْ جُنْدُبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ, قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ قَاتَلَ تَحْتَ رَايَةٍ عُمِّيَّةٍ, يُقَاتِلُ عَصَبِيَّةً, وَيَغْضَبُ لِعَصَبِيَّةٍ, فَقِتْلَتُهُ جَاهِلِيَّةٌ». قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ: عِمْرَانُ الْقَطَّانُ, لَيْسَ بِالْقَوِيِّ). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "عبد الرحمن": هو ابن مهديّ. و"عمران القطّان":

стр. 15774

هو: عمران بن داود- بالراء- البصريّ، صدوقٌ يهم، ورمي برأي الخوارج [٧] ٩/ ٤٦٦. و"أبو مِجْلَز" بكسر الميم، وسكون الجيم، وفتح اللام، آخره زاي-: هو حُمَيد بن لاحق السدوسي البصريّ، ثقة، من كبار [٣] ١٨٨/ ٢٩٦. هذا الإسناد مسلسلٌ بالبصريين، كسابقه، ورجاله رجال الصحيح، غير عمران، فعلّق له البخاريّ فقط، وأخرج له الأربعة، وفيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، قتادة، عن أبي مجلز. والحديث أخرجه مسلم في "الإمارة" ١٨٥٠، وأخرجه المصنّف هنا -٢٨/ ٤١١٧ - وفي "الكبرى" ٢٨/ ٣٥٨٠. واللَّه تعالى أعلم. وقوله: (قَالَ أَبُو عَبْد الرَّحْمَنِ: عِمْرَانُ القَطَّانُ، لَيْسَ بِالْقَوِيِّ) أشار به إلى تضعيف الحديث بسبب ضعف عمران القطّان، وهذا الذي قاله المصنّف في عمران قاله غيره أيضًا، فقد نقل الدوريّ عن ابن معين: ليس بالقويّ. وقال مرّة: ليس بشيء، لم يرو عنه يحيى بن سعيد. وقال أبو داود مرّة: ضعيف. وقال البخاريّ: صدوق يهم. وقال الدارقطنيّ: كان كثير المخالفة والوهم. وأثنى عليه غيرهم، فعن أحمد، أنه قال: أرجو أن يكون صالح الحديث. وقال ابن عديّ: هو ممن يُكتب حديثه. وقال الساجيّ: صدوقٌ وثّقه عفّان. وقال العجليّ: بصريّ ثقة. وقال الحاكم: صدوق. وذكره ابن حبّان في "الثقات" (١). لكن الحديث لم ينفرد به عمران، بل تابعه سليمان بن طَرْخَان، عند مسلم، ولفظه: ١٨٥٠ - حدثنا هريم بن عبد الأعلى، حدثنا المعتمر، قال: سمعت أبي يحدث عن أبي مجلز، عن جندب بن عبد اللَّه البجلي، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "من قُتِل تحت راية عِمّية، يدعو عصبية، أو ينصر عصبية، فقِتْلة جاهلية". والحاصل أن حديث جندب بن اللَّه - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا صحيح. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". …

стр. 15775

٢٩ - (تَحْرِيمُ الْقَتْلِ) قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: المراد تحريم قتل المسلم الذي لم يرتكب ما يستحق به قتله. واللَّه تعالى أعلم. ٤١١٨ - (أَخْبَرَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ, قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ, عَنْ شُعْبَةَ, قَالَ: أَخْبَرَنِي مَنْصُورٌ, قَالَ: سَمِعْتُ رِبْعِيًّا, يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي بَكْرَةَ, قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِذَا أَشَارَ الْمُسْلِمُ عَلَى أَخِيهِ الْمُسْلِمِ بِالسِّلَاحِ, فَهُمَا عَلَى جُرُفِ جَهَنَّمَ, فَإِذَا قَتَلَهُ خَرَّا جَمِيعًا فِيهَا»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (محمود بن غيلان) العدويّ مولاهم، أبو أحمد المروزيّ، ثقة [١٠] ٣٣/ ٣٧. ٢ - (أبو داود) سليمان بن داود بن الجارود الطيالسيّ البصريّ، ثقة حافظ [٩] ١٣/ ٣٤٣. ٣ - (شعبة) بن الحجاج الإمام الحجة المشهور [٧] ٢٤/ ٢٧. ٤ - (منصور) بن المعتمر السلميّ، أبو عتاب الكوفيّ، ثقة ثبت [٦] ٢/ ٢. ٥ - (رِبعيّ) -بكسر أوله، وسكون الموحّدة-: هو ابن حِرَاش بكسر الحاء المهملة، وآخره شينٌ معجمةٌ- أبو مريم الْعَبْسيّ الكوفيّ، ثقة مخضرمٌ [٢] ٨/ ٥٠٨. ٦ - (أبو بكرة) نُفيع بن الحارث بن كَلَدَة بفتحتين- ابن عمرو الثّقفيّ، الصحابيّ المشهور بكيته، وقيل: اسمه مَسْرُوح بمهملات- أسلم بالطائف، ثمّ نزل البصرة، ومات - رضي اللَّه تعالى عنه - بها سنة (٥١) أو (٥٢) تقدّمت ترجمته في ٤١/ ٨٣٦. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين من منصور، وشيخه مروزي، ثم بغدادي، والباقيان بصريّان. (ومنها): أن صحابيّه ممن اشتهر بأبي بكرة، وهو لقب بصورة الكنية، كما تقدّم سبب تدقيبه غير مرّة، وكنيته أبو عبد الرحمن. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ أَبِي بَكْرَةَ) - رضي اللَّه تعالى عنه -، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِذَا أَشَارَ الْمُسْلِمُ عَلَى أَخِيهِ الْمُسْلِمِ بِالسِّلَاحِ" والمراد أن يُشير كلٌّ منهما على صاحبه، كما توضّحه الرواية الآتية قريبًا بلفظ: "إذا تواجه المسلمان بسيفيهما، كلٌّ منهما يريد قتل

стр. 15776

صاحبه (فَهُمَا عَلَى جُرُفِ جَهَنَّمَ) بضمّ الجيم، والراء، ويجوز تسكين الراء-: هو ما جزفته السيول، وأكلته من الأرض. أفاده في "المصباح". وقال السنديّ: هو مُستعارٌ من جُرُف النهر الطرف، كالسيل، وهو كناية عن قربهما من جهنّم. انتهى. (فَإِذَا قَتَلَهُ خَرًّا) أي سقط القاتل والمقتول (جَمِيعًا فِيهَا) أي جهنم. قال في "الفتح": قال العُلماء: مغنى كوْنهما في النار، أنهما يستحِقَّانِ ذَلِكَ، ولكِنَّ أمرهما إِلى اللَّه تعالى، إن شاء عاقبهُما، ثُمَّ أخرجهُما من النار، كسائِرِ الموحِّدِين، وإن شاء عفا عنهُما، فلم يُعاقِبهُما أصلا. وقِيل: هُو محمُول على من استحلّ ذَلِكَ، ولا حُجة فِيهِ لِلخوارِج، ومنْ قال من المعتزِلة، بِان أهل المعاصِي مُخلَّدُون في النار؛ لِأنَّه لا يلزم من قوْله: "فهُما في النار"، استِمرار بقائِهِما فِيها. واحتجّ بِهِ من لم ير القِتال في الفِتنة، وهُنم كُل من ترك القِتال مع عليّ، في حُرُوبه، كسعدِ بْن أبِي وقاص، وعبد اللَّه ابن عُمر، ومُحمد بْن مسلمة، وأبِي بكرة، وغيرهم، وقالُوا: يجِب الكف حتى لوْ أراد أحد قتله، لم يدْفعهُ عن نفسه: ومِتهُم: من قال: لا يدْخُل في الفِتنة، فإن أراد أحد قتله، دفع عن نفسه. وذهب جمُهُور الصحابة والتابِعِين إِلى وُجُوب نصر الحقّ، وقتال الباغِين، وحمل هؤُلاءِ الأحادِيث الوارِدة في ذَلِكَ، على من ضعُف عن القِتال، أوْ قصر نظرُهُ عن معرِفة صاحِب الحقّ. واتّفق أهل السُّنّة على وُجُوب منع الطّعن على أحد من الصحابة، بِسبب ما وقع لهُم من ذَلِكَ، ولوْ عُرِف المُحِقُّ مِنْهُم؛ لأنهُم لم يُقاتِلُوا في تِلك الحرُوب، إِلا عن اجتِهاد، وقد عفا اللَّه تعالى عن المُخطِئ في الاجتِهاد، بل ثبت أنهُ يُؤجر أجرًا واحِدًا، وأن المصِيب يُؤجر أجرين؛ لما أخرجه الشيخان من حديث عمرو بن العاص، أنه سمع رسول اللَّه ﷺ يقول: "إذا حكم الحاكم، فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد، ثم أخطأ فله أجر". وحمل هَؤُلاءِ الوعِيد المذكُور في الحديث، على من قاتل بِغيرِ تأوِيل سائِغ، بك بمُجرَّدِ طلب المُلك، ولا يرِد على ذَلِكَ منع أبِي بكرة الأخنف من القِتال، مع عليّ؛ لأن ذَلِكَ وقع عن اجتِهاد من أبِي بكرة، أذاهُ إِلى الامتِناع والمنع، احتِياطا لِنفسِهِ، ولِمن نصحهُ. قال الطّبرِيّ: لوْ كان الوْاجِب في كُل اختِلاف يقع بين المُسلمِينَ الهرب مِنهُ، بِلُزُومِ المنازِل، وكسر السيُوف، لما أُقِيم حد، ولا أُبطِل باطِل، ولوجد أهل الفُسُوق سبيلا إِلى ارْتِكاب المحرَّمات، من أخذ الأموال، وسفك الدَّماء، وسبي الحرِيم، بأنْ يُحارِبُوهُم، وْيكُف المُسْلِمُون أيدِيهم غنهُم، بِأن يقُولُوا: هذِهِ فتنة، وقد نهُينا عن القِتال فِيها، وهذا مُخالِف لِلأمْرِ بِالأخذِ على أيدِي السُّفهاء. انتهى.

стр. 15777

وقد أخرج البزَّار في حدِيث: "القاتِل والمقتُول في النَّار" زِيادة تُبيِّن المراد، وهِي: "إِذا اقتتلتُم على الدنيا، فالقاتِل والمقتُول في النَّار"، وُيؤيِّدهُ ما أخرجهُ مسلِم بِلفظِ: "لا تذهبُ الدُّنْيا حتى يأتِي على الناس زمان، لا يدْرِي القاتِل فِيم قتل، ولا المقتُول فِيم قُتِل"، فقِيل: كيف يكُون ذَلِكَ؛ قال: "الهرْج" القاتِل والمقتُول في النَّار". قال القُرْطُبِيّ: فبيَّن هذا الحديث أنَّ القِتال، إِذا كان على جهل من طلب الدنيا، أوْ اتَّباع هوْى، فهُو الذِي أُرِيد بِقوْلِهِ: "القاتِل والمقتُول في النَّار". قال الحافظ: ومِن ثمَّ كان الذين توقّفُوا عن القِتال في الجمل، وصفِّين أقلّ عددًا من الًذِين قاتلُوا، وكُلهم مُتأوِّل، مأجُور إن شاء اللَّه، بِخِلافِ من جاء بعدهُم مِمَّن قاتل على طلب الدُّنيا. انتهى (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهدا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث أبي بكرة - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا- ٤١١٨/ ٢٩ و ٤١١٩ و ٤١٢٢ و ٤١٢٣ و ٤١٢٤ و ٤١٢٥ - وفي "الكبرى" ٢٩/ ٣٥٨١ و ٣٥٨٢ و ٣٥٨٥ و ٣٥٨٦ و ٣٥٨٧ و ٣٥٨٨ و ٣٥٨٩.وأخرجه (خ) في "الإيمان" ٣١ و"الديات" ٦٨٧٥ و"الفتن" ٧٠٨٣ (م) في "الفتن"٢٨٨٨ (د) في "الفتن" ٤٢٦٨ (أحمد) في "مسند البصريين" ١٩٩٠٨ و ١٩٩٢٦ و ١٩٩٥٩ و ١٩٩٨٠ و ١٩٩٩٥. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان تحريم قتل المسلم ظلمًا. (ومنها): أن قتل المسلم ظلمًا كبيرة، من الكبائر، يستحق بها النار. (ومنها): أن العبد يؤاخذ بالعزم على المعصية، وسيجيء في المسألة التالية أقوال أهل العلم في ذلك، إن شاء اللَّه تعالى. (ومنها): أن أصحاب الكبائر لا يخرجون بارتكابها عن كونهم مؤمنين؛ لأن اللَّه سماهم مؤمنين، حيث قال: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ [الحجرات: ٩]. وسمّاهم النبيّ - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم - مسلمين في حديث أبي بكرة، وأبي موسى - رضي اللَّه تعالى عنهما -، حيث قال: "إذا تواجه المسلمان

стр. 15778

بسيفيهما" الحديث. وبهذه الآية الكريمة، والحديث المذكور يُرد على الخوارج، والمعتزلة. (ومنها): ما قيل: إن لفظ "في النار" مشعر بتصويب مذهب المعتزلة، حيث قالوا بوجوب عقاب العاصي. وأجيب بالمنع؛ لأن معناه أن يدخل النار، إن لم يَعْفُ اللَّه عنه، وقد يعفو؛ لسبب من الأسباب، كالشفاعة، ونحوها. (ومنها): ما قيل: لم أدخل الحرص على القتل وهو صغيرة، في سلك القتل، وهو كبيرة؟. وأجيب بأنه إنما أدخلهما في سلك واحد في مجرّد كونهما سببًا لدخول النار فقط، وإن تفاوتا صِغَرًا وكِبَرًا، وغير ذلك. (ومنها): ما قيل: إن ظاهر عموم الحديث يشمل القاتل والمقتول من الصحابة - رضي اللَّه تعالى عنهم -. وأجيب بأن عموم الحديث مخصوصٌ بعدم الاجتهاد، وعدم ظنّ أن فيه الصلاح الدينيّ، فأما إذا كان عن اجتهاد، وظنّ صلاح دينيّ، فالقاتل والمقتول مأجوران مثابان، من أصاب فله أجران، ومن أخطأ فله أجر، وما وقع بين الصحابة فهو من هذا القسم، فإنهم كلهم مجتهدون، فلا يعمّهم الحديث. واللَّه تعالى أعلم. (ومنها): ما قيل: إنما سمى اللَّه الطائفتين في الآية المذكورة مؤمنين، وسمّاهما النبيّ - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم - في هذا الحديث مسلمين، حال الالتقاء، لا حال القتال وبعده. وأجيب بأن دلالة الآية ظاهرة، فإن في قوله تعالى: ﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ الآية [الحجرات: ١٠]، سماهما اللَّه أخوين، وأمر بالإصلاح بينهما، ولأنهما عاصيان قبل القتال، وهو من حين سعيا إليه، وقصداه. وأما الحديث، فمحول على معنى الآية. أفاده العيني في "شرح البخاريّ" (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في المؤاخذة بالعزم: وقال في "الفتح": واستدلّ بِقوْلِهِ: "إِنَّهُ كان حرِيصًا على قتل صاحِبه" من ذهب إِلى المؤاخذة بِالعزْم، وإن لم يقع الفِعل، وأجاب من لم يقُل بذلِك أنّ في هذا فِعلا، وهُو المواجهة بِالسِّلَاحِ، ووُقُوع القِتال، ولا يلزم من كوْن القًاتِل رالمقتُول في النَّار، أن يكُونا في مرْتبة وْاحِدة، فالقاتِل يُعذب على القِتال والقتل، والمقتول يُعذب على القِتال فقط، فلم يقع التعذِيب على العزم المُجرَّد. قال: وقالوا في قوْله تعالى: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ [البقرة: ٢٨٦]، اختِيار باب الافتِعال في الشّرِّ؛ لِأنةُ يُشعِر بِانهُ لا بُد فِيهِ من المعالجة، بِخِلافِ الخير، فإنَّه يُثاب

стр. 15779

عليهِ بالنيةِ المُجرَّدة، وُيؤيّدهُ حدِيث: "إِنَّ اللَّه تجًاوز لأُمتِي ما حدّثت بِهِ أنفُسها، ما لم يتكلّمُوا بِهِ، أوْ يعملوا". والحاصِل أن المراتِب ثلاث: الهم المُجرَّد، وهُو يُثاب عليهِ، ولا يُؤاخذ بِهِ، واقتِران الفِعْل بالهمَّ، أوْ بِالعزمِ، ولا نِزاع في المُؤَاخذة بِهِ، والعزْم، وهُو أقوى من الهَمّ، وفِيهِ النزاع. انتهى (١). وقال في "كتاب الرقاق" عِند الكلام على حديث: "ومنْ همَّ بِسيِّئةٍ، فلم يعملها، كتبها اللَّه عنده حسنة كاملة": قال المازريّ: ذهب ابن الباقِلَّانيّ -يعني ومنْ تبِعهُ- إِلى أن من عزم على المعصية بِقلبِهِ، ووطَّن عليها نفسهُ، أنهُ يأثم، وحمل الأحادِيث الوارِدة في العفو عمن هَمَّ بِسيَّئةٍ، ولم يعملها على الخاطِرِ الذِي يمُرُّ بِالقلب، ولا يستقرّ. قال المازريّ: وخالفهُ كثير من الفُقهاء، والمحدِّثِين، والمُتكلِّمِين، ونقل ذَلِكَ عن نصّ الشّافِعِيِّ، وُيؤيدُهُ قوْله في حدِيث أبِي هُريرة، فِيما أخرجهُ مُسلم، من طرِيق همّام عنهُ، بِلفظِ: "فأنَا أغفِرُها لهُ ما لم يعملها"، فإِنّ الظّاهِر أن المراد بِالعملِ هُنا عمل الجارِحة بِالمعصِيةِ المهموم بِهِ. وتعقَّبهُ عِياض بِأن عامّة السلف، وأهل العِلم على ما قال ابْنِ الباقِلَّانِي؛ لاتفاقِهِم على المؤاخذة بِأعمالِ القُلُوِب، لكِنهُم قالُوا: إِنَّ العزم على السَّيّئة، يُكتب سيِّئة مُجرَّدة، لا السَّيِّئة التِي هم أن يعملها، كمن يأمر بِتحصِيلِ معصِية، ثُمَّ لا يفعلُها بعد حُصُولها، فإنَّه يأثم بِالأمرِ المذكور، لا بِالمعصِيةِ، ومِمّا يدُل على ذَلِكَ حدِيث: "إِذا التقى المسلِمانِ بِسيفيهِما، فالقاتِل والمقتُول في النَّار"، قِيل: هذا القاتِل، فما بالُ المقتُول؟ قال: إِنَّهُ كان حرِيصًا على قتل صاحِبهِ". قال الحافظ: والذِي يظهر أنهُ من هذا الجِنس، وهُو أنهُ يُعاقب على عزمه، بِمِقدارِ ما يستحِقّهُ، ولا يُعاقب عِقاب من باشر القتل حِسًّا. وهُنا قِسم آخرُ، وهُو من فعل المعصِية، ولم يتُب مِنها، ثُمَّ همَّ أن يعُود إِليها، فإنَّه يُعاقب على الإصرار، كما جزم بِهِ ابْنِ المبارك وغيره، في تفسِير قوْله تعالى: ﴿وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ١٣٥]، وُيؤيِّدهُ أن الإصرار معصِية اتفاقًا، فمن عزم على المعصِية، وصمَّم عليها، كُتِبت عليهِ سيِّئة، فإذا عمِلها كُتِبت عليهِ معصِية ثانِية. قال النّووِيّ: وهذا ظاهِرٌ حسنٌ، لا مزِيد عليهِ، وقد تظاهرت نُصُوص الشَّرِيعة

стр. 15780

بِالمؤاخذةِ على عزم القلب المستقر، كقوْلِهِ تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي﴾ الآية [النور: ١٩]، وقوْله: ﴿اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ﴾ [الحجرات: ١٢]، وغير ذَلِكَ. وقال ابنُ الجوزيّ: إِذا حدّث نفسه بالمعصِيةِ، لم يُؤاخذ، فإِن عزم، وصمّم، زاد على حدِيث النفس، وهُو من عمل القلب. قال: والدلِيل على التّفرِيق بين الهمّ والعزم، أن من كان في الصلاة، فوقع في خاطِرِهِ أن يقطعها، لم تنقطِع، فإِن صَمَّمَ على قطعها بطلت. وأُجِيب عن القوْل الأوَّل، بِان المؤاخذة على أعمال القُلُوب المسْتقِلَّة بِالمعصِيةِ، لا تستلزِم المُؤاخذة على عمل القلب، بِقصدِ معصِية الجارِحة، إِذا لم يعمل المقصُود؛ لِلفرقِ بين ما هُو بالقصْدِ، وما هُو بِالوسِيلةِ. وقَسَمَ بعضهم ما يقع في النفس أقسامّا، يظهر مِنها الجواب عن الثّانِي: أضعفُها أنْ يخطُر لهُ، ثُمَّ يذهب في الحال، وهذا من الوسوسة، وهُو معفُوْ عنهُ، وهُو دُون التّردُّد. وفوْقهُ أن يتردّد فِيهِ، فيهُم بِهِ، ثُمَّ ينفِر عنهُ، فيترُكهُ، ثُمَّ يَهُم بِهِ، ثُمَّ يترُك كذلِك، ولا يستمرُّ على قصْده. وهذا هُو التّردُّد، فيُعفى عنهُ أيضًا. وفوْقه أن يمِيل إِليهِ، ولا ينفِر عنهُ، لكِن لا يُصمّم على فِعله، وهذا هُو الهمّ, فيُعفى عنهُ أيضًا. وفوْقه أن يمِيل إِليهِ، ولا ينفِر مِنهُ، بل يُصمّم على فِعله، فهذا هُو العزمِ، وهُو مُتتهى الهمّ، وهُو على قِسمينِ: القِسم الأوَّل: أن يكُونُ من أعمال القُلُوب صِرْفًا، كالشَّك في الوحدانِيَّة، أوْ النُّبُوْة، أوْ البعث، فهذا كُفر، ويُعاقب عليهِ جزمّا. ودُونه المعصِية التِي لا تصِل إِلى الكُفر، كمن يُحِبّ ما يُبغِض اللَّه، ويُنغِض ما يُحِبّهُ اللَّه، ويُحِب لِلمسلِم الأذى بِغيرِ مُوجِب لِذلِك، فهذا يأثم، ويلتحِق بِهِ الكِبر، والعُجْب، والبغي، والمكر، واحسد، وفِي بعض هذا خِلاف، فعن الحسنِ البصرِيّ أن سُوء الظن بِالمسلِم، وحسدهُ معفُوّ عنهُ، وحملُوهُ على ما يقع في النَّفس، مِمّا لا يُقدر على دفعه. لكِن من يقع لهُ ذَلِكَ مأمُور بِمُجاهدتِهِ النفس على ترْكه. والقِسمِ الثانِي: أن يكُون من أعمال الجوارح، كالزِّنا والسَّرِقة فهُو الذِي وقع فِيهِ النزاع: فذهبت طائِفة إِلى عدم المؤاخذة بِذلِك أصلا، ونُقل عن نصّ الشّافِعِيّ، وُيؤيِّدهُ ما وقع في حدِيث خُريم بن فاتِك (١) فإِنَّه حيثُ ذكر الهمّ بِالحسنةِ، قال: "علِم اللَّه أنَّهُ

стр. 15781

أشعرها قلبه وحرص عليها"، وحيثُ ذكر الهمّ بالسيَّئةِ، لم يُقيد بِشيء، بل قال فِيهِ: "ومن همّ بِسيئةٍ لم تُكتب عليهِ"، والمقام مقام الفضل، فلايليق التَّحْجِير فِيهِ. وذهب كثِير من العُلماء إِلى المؤاخذة بِالعزمِ المصمم، وسأل ابنُ المُبارك سُفْيان الثورِي: أيُوْاخذُ العبد بما يَهُمُّ بِهِ؟ قال: إِذا جزم بذلِك. واستدلّ كثِير مِنهُم بِقوْلِهِ تعالى: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٥]، وحملُوا حدِيث أبِي هُريرة الصَّحِيح المرفُوع: "إِنَّ اللَّه تجاوز لِأُمَّتِي عمَّا حدّثت بِهِ أنفُسها، ما لم تعمل بِهِ، أو تكلَّم" على الخطرات. ثُمَّ افترق هؤُلاءِ، فقالت طائِفة: يُعاقب عليهِ صاحِبُهُ في الدّنيا خاصَّة، بِنحوِ الهمّ والغمّ، وقالت طائِفة: بل يُعاقب عليهِ يوْم القِيامة، لكِن بالعِتاب، لا بالعذاب، وهذا قول ابْنِ جُريج، والرَّبِيع بن أنسِ، وطائفة، ونُسِب ذَلِكَ إِلى ابْنِ عبّاس أيضًا، واستدلُّوا بِحدِيثِ النَّجوْى (١). واستثنى جمًاعة، مِمّن ذهب إِلى عدم مُؤاخذة من وقع مِنهُ الهم بالمعصِيةِ، ما يقع في الحرم المكيّ، ولوْ لم يُصمِّم، لِقوْلِهِ تعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحجّ: ٢٥]، ذكرهُ السُّدِّيّ في تفسِيره عن مُرّة، عن ابْنِ مسعُود، وأخرجهُ أحمد مِن طرِيقه مرفُوعًا. ومِنهُم من رجَّحهُ موْقُوفا، ويُوْيِّد ذَلِكَ أن الحرم يجِبُ اعتِقاد تعظِيمه، فمن همّ بِالمعصِيةِ فِيهِ، خالف الواجِب بِانتِهاكِ حُرمتِهِ. وتُعُقّب هذا البحث بِأنَّ تعظِيم اللَّه آكَدُ، مِن تعظِيمِ الحرم، ومع ذَلِكَ فمن هَمَّ

стр. 15782

بِمعصِيتِهِ، لا يُؤاخِذُهُ، فكيف يُؤاخذ بِما دُونه؟. وُيمكِن أن يُجاب عن هذا، بِأن اتتهاك حُرْمة الحرم بالمعصية، تستلزم انتهاك حُرْمة اللَّه، لأن تعظِيم الحرم من تعظِيم اللَّه، فصارت المعصية في الحرم، أشَدَّ من المعصية في غيره، وإن اشترك الجميع في ترْك تعظِيم اللَّه تعالى. نعم من هَمّ بالمعصية، قاصِدًا الاستِخفاف بالحرم عصى، ومنْ هَمّ بِمعصِيةِ اللَّه، قاصِدًا الاستِخفاف باللهِ كفر، وإنما المعفو عنهُ من هَمَّ بعصية، ذاهِلا عن قضد الاستِخفاف. قال الحافظ -رحمه اللَّه تعالى-: وهذا تفصِيل جيد، يتبغِي أن يُستحضر عِند شرحِ حدِيث "لا يزنِي الزانِي، وهُو مُوْمِن". وقال السُّبكِيّ الكبير: الهاجس لا يُؤاخذ بِهِ إِجماعًا، والخاطِر، وهُو جريان ذَلِكَ الهاجِس، وحدِيثُ النفس، لا يُؤاخذ بهِما؛ لِحدِيثِ المُشار إِليهِ، والهمّ، وهُو قصد فِعل المعصية مع التّردُّد، لا يُؤاخذ بِهِ؛ لحدِيث الباب، والعزم -وهُو قوة ذَلِكَ القصد أوْ الجزْم بِهِ، ورفع التَّردُّد- قال المُحقِّقُون: يُؤاخذ بِهِ، وقال بعْضهِم: لا، واحتجَّ بقوْلِ أهل اللّغة: هم بالشيءِ، عزم عليهِ، وهذا لا يكفِي. قال: ومِن أدِلّة الأوَّل حدِيث "إِذا التقى المسْلِمانِ بِسيفيهِما" الحدِيث، وفِيهِ أنَّهُ كان حرِيصًا على قتل صاحِبِهِ، فعُلِّل بِالحرْصِ. واحتجَّ بعضهم بأعمالِ القُلُوب، ولا حُجة معهُ؛ لِأنها على قِسمينِ: [أحدُهُما]: لا يتًعلق بفِعل خارِجِيَّ، وليس البحث فِيهِ. [والثاني]: يتعلّق بِالمُلتقِيَينِ، عزم كُل مِنهُما على قتل صاحِبِهِ، واقترن بِعزمِهِ فِعل بعض ما عزم عليهِ، وهُو شهر السِّلاح، وإشارته بِهِ إِلى الآخر، فهذا الفِعل يُؤاخذ بِهِ، سواء حضل القتل أم لا. انتهى (١). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا التفصيل الذي قاله السبكيّ -رحمه اللَّه تعالى- حسنٌ جدًّا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. [فائدة]: استثنى بعض العُلماء من حديث: "فإن هم بسيئة، فعملها، كُتبت له سيئة واحدة" وُقُوع المعصية في الحرم المكّيِّ. قال إِسحاق بن منصُور: قُلت لِأحمد: هل ورد في شيء من الحديث، أنّ السَّيئة تُكتب بأكثر من واحِدة؟ قال: لا، ما سمِعْت، إِلا بِمكة؛ لِتعظِيم البلد. والجمهُور على التعمِيم، في الأزمِنة والأمْكِنة، لكِن قدْ يتفاوتُ بِالعِظم. ولا يرِدُ على ذَلِكَ قوْله تعالى: ﴿مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ

стр. 15783

ضِعْفَيْنِ﴾ [الأحزاب: ٣٠]؛ لأن ذَلِكَ ورد تعظِيمًا لِحقّ النَّبِيّ ﷺ ؛ لأن وُقُوع ذَلِكَ من نِسائهِ، يقتضِي أمرًا زائِدًا على الفاحِشةِ، وهُو أذى النَّبِيّ ﷺ . أفاده في "الفتح" (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤١١٩ - (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ سُلَيْمَانَ, قَالَ: حَدَّثَنَا يَعْلَى, قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ, عَنْ مَنْصُورٍ, عَنْ رِبْعِيٍّ, عَنْ أَبِي بَكْرَةَ, قَالَ: "إِذَا حَمَلَ الرَّجُلَانِ الْمُسْلِمَانِ السِّلَاحَ, أَحَدُهُمَا عَلَى الآخَرِ, فَهُمَا عَلَى جُرُفِ جَهَنَّمَ, فَإِذَا قَتَلَ أَحَدُهُمَا الآخَرَ, فَهُمَا فِي النَّارِ"). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "أحمد بن سليمان": هو أبو الحسين الرُّهاويّ الثقة الحافظ [١١] من أفراد المصنّف. و"يعلى": هو ابن عُبيد ابن أُميّة الطنافسيّ، أبو يوسف الكوفيّ، ثقة، إلا في حديثه عن الثوريّ، ففيه ليّن، من كبار [٩] ١٠٥/ ١٤٠. و"سفيان": هو الثوريّ. والحديث بهذا السند موقوف، وقفه سفيان، عن منصور، وخالفه شعبة في روايته التي قبل هذه، فرفعه، وهو الأرجح؛ لموافقة روايته لرواية الأحنف بن قيس عن أبي بكرة الآتية، ولذا اتّفق الشيخان على تخريج الحديث مرفوعًا، فقد أخرجاه من رواية الأحنف، عن أبي بكرة - رضي اللَّه تعالى عنه -، وأخرجه مسلم من رواية ربعيّ، عن أبي بكرة - رضي اللَّه تعالى عنه -. والحاصل أن الحديث صحيح مرفوعًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤١٢٠ - (أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ, عَنْ يَزِيدَ, عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ, عَنِ الْحَسَنِ, عَنْ أَبِي مُوسَى, عَنِ النَّبِيِّ ﷺ , قَالَ: «إِذَا تَوَاجَهَ الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا, فَقَتَلَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ, فَهُمَا فِي النَّارِ» , قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ, هَذَا الْقَاتِلُ ,فَمَا بَالُ الْمَقْتُولِ؟ , قَالَ: «أَرَادَ قَتْلَ صَاحِبِهِ»). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "محمد بن إسماعيل": هو المعروف أبوه بابن عليّة، البصريّ، نزيل دمشق، وقاضيها، ثقة [١١]. ٢٢/ ٤٨٩ من أفراد المصنّف. و"يزيد": هو ابن هارون الواسطيّ الثقة الثبت العابد [٩] ١٥٣/ ٢٤٤. و"سليمان التيميّ": هو ابن طرخان، أبو المعتمر البصريّ، ثقة عابدٌ [٤]. ٨٧/ ١٠٧. و"الحسن": هو ابن أبي الحسن يسار البصريّ الإمام الثقة الحجة الفقيه [٤] ٣٢/ ٣٦. و"أبو موسى": هو عبد اللَّه بن قيس بن سُليم بن حضّار الأشعريّ الصحابيّ الشهير

стр. 15784

- رضي اللَّه تعالى عنه -، أمّره عمر، ثم عثمان، وهو أحد الحكمينِ بصِفّين، مات سنة (٥٠) وقيل: بعدها، وتقدّمت ترجمته في ٣/ ٣. وقوله: "هذا القاتل" قال الكرمانيّ: هو مبتدأ وخبر: أي هذا يستحق النار؛ لأنه قاتل، فالمقتول لِمَ يستحقّها؟ وهو مظلوم. قال العينيّ: الأولى أن يقال: "هذا" مبتدأ، و"القاتل" مبتدأ ثانٍ، وخبره محذوف، والجملة خبر المبتدإ الأول، والتقدير: هذا القاتل يستحقّ النار لكونه ظالمًا، فما بال المقتول؟ وهو مظلوم. ونظيره: هذا زيدٌ عالمٌ، وقد عُلم أن المبتدأ إذا اتحد بالخبر لا يحتاج إلى ضمير، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ الآية [الأعراف: ٢٦]، وقوله - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم -: "أفضل ما قلتُ أنا، والنبيّون من قبلي: لا إله إلا اللَّه". انتهى (١). وقوله: "أراد قتل صاحبه"، وفي رواية أبي بكرة الآتية: "إنه كان حريصًا على قتل صاحبه". والمراد أنه كان حريصًا على قتله، مع السعي في أسبابه؛ لأنه توجّه بسيفه، فليس هذا من باب المؤاخذة بمجرّد نيّة القلب بدون عمل، كما تقدّم تحقيقه. والحديث فيه انقطاع، فقد قال ابن المدينيّ: لم يسمع الحسن من أبي موسى، وقال أبو حاتم، وأبو زرعة: لم يره، انظر ترجمته في "تهذيب التهذيب"١/ ٣٩٠ - . والحاصل أن حديث أبي موسى هذا غير صحيح، وإنما الصحيح حديث أبي بكرة - رضي اللَّه تعالى عنه -، فقد أخرجه الشيخان، وغيرهما، كما تقدّم، ويأتي أيضًا. واللَّه تعالى أعلم. وهذا الحديث أخرجه المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- هنا -٢٩/ ٤١٢٠ و ٤١٢٠ و ٤١٢٦ - وفي "الكبرى" ٢٩/ ٣٥٨٣ و ٣٥٨٤ و ٣٥٨٩. وأخرجه ابن ماجه في "الفتن" ٣٩٦٤ و ١٩١٩٩. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤١٢١ - (أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ, قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ -وَهُوَ ابْنُ هَارُونَ- قَالَ: أَنْبَأَنَا سَعِيدٌ, عَنْ قَتَادَةَ, عَنِ الْحَسَنِ, عَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ, عَنِ النَّبِيِّ ﷺ , قَالَ: «إِذَا تَوَاجَهَ الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا, فَقَتَلَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ, فَهُمَا فِي النَّارِ, مِثْلَهُ سَوَاءً»). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "سعيد": هو ابن أبي عَرُوبة، و"قتادة": هو ابن دِعامة.

стр. 15785

وقوله: "مثله" منصوب على الحاليّة، أي كون الحديث مثله. يعني أن رواية سعيد، عن قتادة، عن الحسن، مثلُ رواية سليمان التيميّ، عن الحسن. وقوله: "سواءٌ" حال مؤكدة لـ "مثله"، إذ المراد بـ"مثله" أن لفظ حديث قتادة كلفظ حديث سليمان، لا تفاوت بينهما، وهذا هو معنى "سواء". وقد تقدّم البحث عن قول المحدّثين "مثله"، و"نحوه"، غير مرّة. والحديث فيه انقطاعٌ، كما سبق الكلام عليه في الذي قبله. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤١٢٢ - (أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الْمِصِّيصِيُّ, قَالَ: حَدَّثَنَا خَلَفٌ, عَنْ زَائِدَةَ, عَنْ هِشَامٍ, عَنِ الْحَسَنِ, عَنْ أَبِي بَكْرَةَ, عَنِ النَّبِيِّ ﷺ , قَالَ: «إِذَا تَوَاجَهَ الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا, كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يُرِيدُ قَتْلَ صَاحِبِهِ, فَهُمَا فِي النَّارِ» , قِيلَ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ, هَذَا الْقَاتِلُ, فَمَا بَالُ الْمَقْتُولِ؟ قَالَ: «إِنَّهُ كَانَ حَرِيصًا عَلَى قَتْلِ صَاحِبِهِ»). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "عليّ بن محمد بن عليّ المِصّيصيّ": هو ابن الْمَضَاء القاضي، ثقة [١١] من أفراد المصنّف. و"خلف": هو ابن تميم بن أبي عتّاب، أبو عبد الرحمن الكوفيّ، نزيل الْمِصّيصة، صدوقٌ، عابدٌ [٩] ٨٣/ ٢٤١٥. و"زائدة": هو ابن قُدامة. و"هشام": هو ابن حبّان القُرْدُوسيّ البصريّ. و"الحسن": هو البصريّ المتقدّم. والحديث فيه عنعنة الحسن، وهو مدلس، وقد اختُلف في سماعه من أبي بكرة - رضي اللَّه تعالى عنه -، فقد أنكر الدارقطنيّ سماعه من أبي بكرة - رضي اللَّه تعالى عنه -، وقال: بينهما الأحنف، لكن الصحيح أنه ثبت سماعه منه، ففي "صحيح البخاريّ" من طريق إسرائيل بن موسى، عن الحسن، قال: ولقد سمعت أبا بكرة، قال: "بينا النبيّ - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم - يخطب، جاء الحسن، فقال النبيّ ﷺ ﷺ : ابني هذا سيّدٌ، ولعلّ اللَّه يُصلح به بين فئتين من المسلمين". (١). ثم إنَّ الحسن، وإن قلنا بسماعه من أبي بكرة، لكنّه لم يصرح هنا بالسماع، إلا أن واسطته، ثقة مشهور، وهو الأحنف، فلا يضرّ، بصحّة الحديث. والحاصل أن حديث الحسن عن أبي بكرة - رضي اللَّه تعالى عنه - صحيح. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.

стр. 15786

٤١٢٣ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى, قَالَ: حَدَّثَنَا الْخَلِيلُ بْنُ عُمَرَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ, قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي, قَالَ: حَدَّثَنِي قَتَادَةُ, عَنِ الْحَسَنِ, عَنْ أَبِي بَكْرَةَ, قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِذَا الْتَقَى الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا, فَقَتَلَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ, فَالْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ فِي النَّارِ»). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "الخليل بن عُمر بن إبراهيم" العبديّ، أبو محمد البصريّ، صدوقٌ، ربّما خالف [٩]. قال يعقوب بن شيبة: ذكر عليّ بن المدينيّ الخليل يومًا، فقال: هو أحبّ إليّ من شاذ بن فيّاض. قال يعقوب: وقد كتبت عنهما، وهما ثقتان. غوقال يره عن عليّ بن المدينيّ: كان من أهل القرآن. وقال العقيليّ: يُخالفُ في بعض حديثه. وذكره ابن حبّان في " الثقات"، وقال: يُعتبر حديثه من روايته عن غير أبيه؛ لأن أباه كان واهيًا، والمناكير في أخباره من ناحية أبيه، فإذا سُبر ما روى عن غير أبيه، وُجد أشياء مُستقيمة. ذكره أبو القاسم بن أبي عبد اللَّه بن منده فيمن مات سنة (٢٢٠) روى له المصنّف هذا الحديث فقط، وأبو داود في "القدر". قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: في قول ابن حبّان: الآن أباه كان واهيًا، فيه نظر؛ لأنه ليس واهيًا، كما يتبيّن من ترجمة بعدُ، فتنبّه. واللَّه تعالى أعلم. و"ابوه" هو: عمر بن إبراهيم" العبديّ، أبو حفص البصريّ، صاحب الْهَرَويّ بفتح الهاء، والراء- صدوقٌ، في حديثه عن قتادة ضعف [٧]. قال حربٌ: قلت لأحمد: تعرفه؟ قال: نعم ثقة، لا أعلم إلا خيرًا. وقال يعقوب بن شيبة: سمعت أحمد سُئل عنه؟ قال: قال عبد الصمد: أخرج إلينا كتابًا في لوح، قال: وكان عبد الصمد يحمده. قال أحمد: وهو يروي عن قتادة أحاديث مناكير، يُخالف، قال: وقد روى عبّاد بن العوّام عنه حديثًا منكرًا. وقال إسحاق بن منصور، عن ابن معين: صالح. وقال عثمان الدارميّ، عن ابن معين: ثقة. وقال أبو حاتم: يُكتب حديثه، ولا يُحجّ به. وقال أحمد بن الدَّوْرقيّ، وعليّ بن مسلم، عن عبد الصمد: حدّثنا عمر بن إبراهيم، وكان ثقة، وفوق الثقة. وقال ابن عديّ: يروي عن قتادة أشياء لا يُوافق عليها، وحديثه خاصة عن قتادة مضطرب. وذكره ابن حبّان في "الثقات"، وقال: يُخطىء، ويُخالف. وذكره في "الضعفاء"، فقال: كان ممن ينفرد عن قتادة بما لا يُشبه حديثه، فلا يُعجبني الاحتجاج به إذا انفرد، فأما فيما رَوَى عن الثقات، فإن اعتبر به معتبر لم أر بذلك بأسًا. وقال البَرْقَاني، عن الدارقطنيّ: ليّن، يُترك. وقال أبو بكر البزّار: ليس بالحافظ. روى له المصنّف هذا الحديث فقط، وأبو داود في "القدر"، والترمذيّ، وابن ماجه.

стр. 15787

والحديث سبق الكلام فيه في الذي قبله. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤١٢٤ - (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ فَضَالَةَ, قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ, قَالَ: أَنْبَأَنَا مَعْمَرٌ, عَنْ أَيُّوبَ, عَنِ الْحَسَنِ, عَنِ الأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ, عَنْ أَبِي بَكْرَةَ, قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , يَقُولُ «إِذَا تَوَاجَهَ الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا, فَقَتَلَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ, فَالْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ فِي النَّارِ» , قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ, هَذَا الْقَاتِلُ, فَمَا بَالُ الْمَقْتُولِ؟ قَالَ: «إِنَّهُ أَرَادَ قَتْلَ صَاحِبِهِ» (١). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه، أحمد ابن فضالة -بفتح الفاء- أبي المنذر النسائيّ، فإنه من أفراده، وهو صدوقٌ، ربّما أخطأ [١١]. ٢٦/ ٢٦٦٤. و"عبد الرزّاق": هو ابن همّام الصنعانيّ. و"معمر": هو ابن راشد الصنعانيّ. و"أيوب": هو ابن أبي تمِيمة السختيانيّ. و"الأحنف": هو ابن قيس بن معاوية بن حُصين التميميّ السعديّ، اسمه الضحّاك، وقيل: صخر، ثقة مخضرم، وقد رأى النبيّ - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم -، لكن قبل إسلامه، وكان رئيس بني تميم في الإسلام، وبه يُضرب المثل في الحلم [٢] ٤٤/ ٣١٨٢. [تنبيه]: للأحنف بن قيس في هذا الحديث قصّة ساقها في "الصحيحين"، من طريق حمّاد بن زيد، عن أيوب، ويونس، عن الحسن، عن الأحنف بن قيس، قال: ذهبت لأنصر هذا الرجل، فلقيني أبو بكرة، فقال: أين تريد؟ قلت: أنصر هذا الرجل، قال: ارجع، فإني سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "إذا التقى المسلمان بسيفيهما، فالقاتل والمقتول في النار"، فقلت: يا رسول اللَّه ﷺ ، هذا القاتل، فما بال المقتول؟ قال: "إنه كان حريصا على قتل صاحبه". والمراد بقوله: هذا الرجل، عليّ بن أبي طالب - رضي اللَّه تعالى عنه -، ففي رواية لمسلم: "ذهبت نُصرة ابن عمّ رسول اللَّه - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم يعني عليّا". قال في "الفتح": وكان الأحنف أراد أن يخرُج بقومه إلى عليّ - رضي اللَّه تعالى عنه - ليقاتل معه يوم الجمل، فنهاه أبو بكرة، فرجع، وحمل أبو بكرة الحديث على عمومه في كلّ مسلمين التقيا بسيفيهما؛ حسمًا للمادّة، وإلا فالحقّ أنه محمول على ما إذا كان

стр. 15788

القتال منهما بغير تأويل سائغ، كما قدّمنا، ويُخصّ ذلك من عموم الحديث المتقدِّم بدليله الخاصّ في قتال أهل البغي، وقد رجع الأحنف عن رأي أبي بكرة في ذلك، وشهِد مع عدي باقي حروبه. انتهى (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (تتبيه آخر): ورد فراعتِزال الأخنفِ القِتال، في وقعة الجملِ سببٌ آخرُ، فأخرج الطَّبريّ بِسندٍ صحِيح، عن حُصينِ بن عبد الرَّحمن، عن عمرو بن جاوان، قال: "قُلت لهُ: أرأيت اعتِزال الأخنف ما كان؟ قال: سمِعت الأخنف قال: حججنا، فإِذا الناس مُجتمِعُون في وسط المسجد يعني النّبوِي- وفِيهِم عليّ، والزبير، وطلحة، وسعد، إِذ جاء عُثمان، فذكر قِصة مُناشدته لهُم في ذِكر مناقِبه، قال الأحنف: فلقِيت طلحة، والزُّبير، فقُلت: إِني لا أرى هذا الرجُل يعني عُثمان- إِلا مقتُولا، فمن تأمُرانِي بِهِ؟ قالا: عليّ، فقدِمنا مكة، فلقِيت عائشة، وقد بلغنا قتل عُثمان، فقُلت لها: من تأمُرِينِي بِهِ؟ قالت: عليّ، قال: فرجعنا إِلى المدِينة، فبايعت عَليًّا، ورجعت إِلى البصرة، فبينما نحنُ كذلِك، إِذ أتانِي آتٍ، فقال: هذِه عائِشة، وطلحة، والزبير، نزلُوا بِجانِب الخريبة، يستنصِرُون بِك، فأتيت عائِشة، فذكرْتها بِما قالت لي، ثُمَّ أتيت طلحة والزبير، فذكَّرتهما، فذكر القِصة وفِيها: قال: فقُلت: واللَّه لا أُقاتِلكُم، ومعكُم أُمّ المؤمِنِين، وحوارِيّ رسُول اللَّه ﷺ ، ولا أُقاتِل رجُلا أمرتُمُونِي بِبيعتِهِ، فاعتزل القِتال مع الفريقينِ. قال الحافظ -رحمه اللَّه تعالى-: ويُمكِن الجمع بِأئهُ هم بِالترْكِ، ثُمَّ بدا لهُ في القِتال مِع علِي، ثُمَّ ثبطهُ عن ذَلِكَ أبُو بكرة، أوْ هَمَّ بِالقِتالِ مع عليّ، فثبَّطهُ أبُو بكرة، وصادف مُراسلة عائشة لهُ، فرجح عِندهُ التَّرْك. وأخرج الطّبرِيُّ أيضًا من طرِيق قتادة، قال: نزل عليّ بِالزَّاوِيةِ، فأرسل إِليهِ الأحنف: إن شِئت أتيتُك، وإن شِئت كففت عنك أربعة آلاف سيف، فأرسل إِليهِ: كُفَّ من قدرت على كفه. انتهى (٢). والحديث متّفقٌ عليه، وقد تقدّم تخريجه أوّل الباب. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤١٢٥ - (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ, عَنْ حَمَّادٍ, عَنْ أَيُّوبَ, وَيُونُسَ, وَالْعَلَاءِ بْنِ زِيَادٍ, عَنِ الْحَسَنِ, عَنِ الأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ, عَنْ أَبِي بَكْرَةَ, قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِذَا الْتَقَى

стр. 15789

الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا, فَقَتَلَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ, فَالْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ فِي النَّارِ»). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "أحمد بن عبدة": هو الضبيّ، أبو عبد اللَّه البصريّ، ثقة رُمي بالنصب [١٠]. ٣/ ٣. و"حمّاد": هو ابن زيد. و"أيوب": هو السختيانيّ. و"يونس": هو ابن عُبيد. و"المعلى بن زياد" الْقُرْدوسيّ بقاف أبو الحسين البصريّ، صدوقٌ، قليل الحديث، زاهد، اختلف قول ابن معين فيه [٧]. قال إسحاق بن منصور، عن ابن معين، وأبو حاتم: ثقة. وعن أحمد بن سعيد بن أبي مريم، قال: سألت ابن معين، عن معلّى بن زياد؛ فقال: ليس بشيء، ولا يُكتب حديثه. وذكره ابن حبّان في "الثقات". وقال ابن عدي: هو معدود من زُهّاد أهل البصرة، ولا أرى بروايته بأسًا، ولا أدري من أين قال ابن معين: لا يُكتب حديثه. انتهى. وقال أبو بكر البزّار: ثقة. استشهد به البخاريّ، وأخرج له الباقون. [تنبيه]: في هذا السند غلط فاحش، في جميع نسخ "المجتبى" التي بين يديّ، حيث وقع فيه "العلاء بن زياد"، بدل "المعلّى بن زياد"، وهو تصحيفٌ فاحشٌ، والصواب: "المعلّى بن زياد"، كما في "الكبرى" ٢/ ٣١٦ - و"تحفة الأشراف" ٣٦ - ٣٧ - وهو الذي في "الصحيحين". فتنبّه. واللَّه تعالى أعلم. والحديث متّفقٌ عليه، كما سبق بيانه في الذي قبله. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤١٢٦ - (أَخْبَرَنَا مُجَاهِدُ بْنُ مُوسَى, قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ -وَهُوَ ابْنُ عُلَيَّةَ- عَنْ يُونُسَ, عَنِ الْحَسَنِ, عَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ, أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِذَا تَوَاجَهَ الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا, فَقَتَلَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ, فَالْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ فِي النَّارِ» , قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ, هَذَا الْقَاتِلُ, فَمَا بَالُ الْمَقْتُولِ؟ قَالَ: «إِنَّهُ أَرَادَ قَتْلَ صَاحِبِهِ»). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "مجاهد بن موسى": هو الْخُوَارَزميّ الْخُتَّليّ، أبو عليّ، نزيل بغداد، ثقة [١٠] ٨٥/ ١٠٢. و"يونس": هو ابن عُبيد. والحديث صحيحٌ، وقد سبق البحث فيه في ٤١٢٠ - فراجعه تستفد. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤١٢٧ - (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَكَمِ, قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ, عَنْ وَاقِدِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدٍ, أَنَّهُ سَمِعَ أَبَاهُ, يُحَدِّثُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ, عَنِ النَّبِيِّ ﷺ , قَالَ: «لَا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا, يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ»).

стр. 15790

رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (أحمد بن عبد اللَّه بن الحكم) المعروف بـ "ابن الْكُرْديّ"، أبو الحسين البصريّ، ثقة [١٠] ٣٩/ ٥٨٣ ٢ - (محمد بن جعفر) المعروف بـ "غندر"، أبو عبد اللَّه البصريّ، ثقة صحيح الكتاب [٩] ٢١/ ٢٢ ٣ - (شعبة) بن الحجاج الإمام الحجة المشهور [٧] ٢٧/ ٢٤. ٤ - (واقد بن محمد بن زيد) بن عبد اللَّه بن عمر العدويّ المدنيّ، ثقة [٦]. قال أحمد، وابن معين، وأبو داود: ثقة. وقال ابن معين مرّة أخرى: صالح الحديث. وقال أبو حاتم: لا بأس به، ثقة، يُحتجّ بحديثه. وذكره ابن حبّان في "الثقات". روى له الجماعة، سوى الترمذيّ، وابن ماجه، وله عند المصنّف في هذا الكتاب هذا الحديث فقط. ٥ - (أبوه) محمد بن زيد بن عبد اللَّه بن عمر بن الخطاب القرشيّ العدويّ المدنيّ، ثقة [٣]. قال أبو زرعة: ثقة. وقال ابن أبي حاتم، عن أبيه: ثقة، قال: قلت: يُحتجّ بحديثه؟ قال: نعم. وذكره ابن حبّان في "الثقات". روى له الجماعة، وله عند المصنّف في هذا الكتاب هذا الحديث فقط. ٦ - (ابن عمر) عبد اللَّه - رضي اللَّه تعالى عنهما - ١٢/ ١٢. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أن نصفه الأول مسلسل بثقات البصريين، والثاني بثقات المدنيين. (ومنها): أن فيه رواية الابن، عن أبيه، عن جدّه، وتابعي عن تابعيّ. (ومنها): أن فيه ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما - من العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، روى (٢٦٣٠) حديثًا. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ وَاقِدِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدٍ) العدويّ المدنيّ (أَنَّهُ سَمِعَ أَبَاهُ) محمد بن زيد (يُحَدِّثُ عَنْ ابْنِ عُمَرَ) بن الخطاب - رضي اللَّه تعالى عنهما - (عَنْ النَّبِيِّ ﷺ ) أنه (قَالَ: "لَا تَرْجِعُوا) أي لا تصيروا، قال ابن مالك: "رجع" هنا استُعمل استعمال "صار" معنًى، وعملاً: أي لا تصيروا بعدي كُفّارًا، فعلى هذا "كُفّارًا" منصوب؛ لأنه خبر "لا ترجعوا" (بَعْدِي) أي
следующие страницы →