٤١٢٣ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى, قَالَ: حَدَّثَنَا الْخَلِيلُ بْنُ عُمَرَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ, قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي, قَالَ: حَدَّثَنِي قَتَادَةُ, عَنِ الْحَسَنِ, عَنْ أَبِي بَكْرَةَ, قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِذَا الْتَقَى الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا, فَقَتَلَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ, فَالْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ فِي النَّارِ»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "الخليل بن عُمر بن إبراهيم" العبديّ، أبو محمد البصريّ، صدوقٌ، ربّما خالف [٩].
قال يعقوب بن شيبة: ذكر عليّ بن المدينيّ الخليل يومًا، فقال: هو أحبّ إليّ من شاذ بن فيّاض. قال يعقوب: وقد كتبت عنهما، وهما ثقتان. غوقال يره عن عليّ بن المدينيّ: كان من أهل القرآن. وقال العقيليّ: يُخالفُ في بعض حديثه. وذكره ابن حبّان في " الثقات"، وقال: يُعتبر حديثه من روايته عن غير أبيه؛ لأن أباه كان واهيًا، والمناكير في أخباره من ناحية أبيه، فإذا سُبر ما روى عن غير أبيه، وُجد أشياء مُستقيمة. ذكره أبو القاسم بن أبي عبد اللَّه بن منده فيمن مات سنة (٢٢٠) روى له المصنّف هذا الحديث فقط، وأبو داود في "القدر".
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: في قول ابن حبّان: الآن أباه كان واهيًا، فيه نظر؛ لأنه ليس واهيًا، كما يتبيّن من ترجمة بعدُ، فتنبّه. واللَّه تعالى أعلم.
و"ابوه" هو: عمر بن إبراهيم" العبديّ، أبو حفص البصريّ، صاحب الْهَرَويّ بفتح الهاء، والراء- صدوقٌ، في حديثه عن قتادة ضعف [٧].
قال حربٌ: قلت لأحمد: تعرفه؟ قال: نعم ثقة، لا أعلم إلا خيرًا. وقال يعقوب بن شيبة: سمعت أحمد سُئل عنه؟ قال: قال عبد الصمد: أخرج إلينا كتابًا في لوح، قال: وكان عبد الصمد يحمده. قال أحمد: وهو يروي عن قتادة أحاديث مناكير، يُخالف، قال: وقد روى عبّاد بن العوّام عنه حديثًا منكرًا. وقال إسحاق بن منصور، عن ابن معين: صالح. وقال عثمان الدارميّ، عن ابن معين: ثقة. وقال أبو حاتم: يُكتب حديثه، ولا يُحجّ به. وقال أحمد بن الدَّوْرقيّ، وعليّ بن مسلم، عن عبد الصمد: حدّثنا عمر بن إبراهيم، وكان ثقة، وفوق الثقة. وقال ابن عديّ: يروي عن قتادة أشياء لا يُوافق عليها، وحديثه خاصة عن قتادة مضطرب. وذكره ابن حبّان في "الثقات"، وقال: يُخطىء، ويُخالف. وذكره في "الضعفاء"، فقال: كان ممن ينفرد عن قتادة بما لا يُشبه حديثه، فلا يُعجبني الاحتجاج به إذا انفرد، فأما فيما رَوَى عن الثقات، فإن اعتبر به معتبر لم أر بذلك بأسًا. وقال البَرْقَاني، عن الدارقطنيّ: ليّن، يُترك. وقال أبو بكر البزّار: ليس بالحافظ. روى له المصنّف هذا الحديث فقط، وأبو داود في "القدر"، والترمذيّ، وابن ماجه.
стр. 15787
والحديث سبق الكلام فيه في الذي قبله. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤١٢٤ - (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ فَضَالَةَ, قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ, قَالَ: أَنْبَأَنَا مَعْمَرٌ, عَنْ أَيُّوبَ, عَنِ الْحَسَنِ, عَنِ الأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ, عَنْ أَبِي بَكْرَةَ, قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , يَقُولُ «إِذَا تَوَاجَهَ الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا, فَقَتَلَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ, فَالْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ فِي النَّارِ» , قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ, هَذَا الْقَاتِلُ, فَمَا بَالُ الْمَقْتُولِ؟ قَالَ: «إِنَّهُ أَرَادَ قَتْلَ صَاحِبِهِ» (١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه، أحمد ابن فضالة -بفتح الفاء- أبي المنذر النسائيّ، فإنه من أفراده، وهو صدوقٌ، ربّما أخطأ [١١]. ٢٦/ ٢٦٦٤.
و"عبد الرزّاق": هو ابن همّام الصنعانيّ. و"معمر": هو ابن راشد الصنعانيّ. و"أيوب": هو ابن أبي تمِيمة السختيانيّ.
و"الأحنف": هو ابن قيس بن معاوية بن حُصين التميميّ السعديّ، اسمه الضحّاك، وقيل: صخر، ثقة مخضرم، وقد رأى النبيّ - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم -، لكن قبل إسلامه، وكان رئيس بني تميم في الإسلام، وبه يُضرب المثل في الحلم [٢] ٤٤/ ٣١٨٢.
[تنبيه]: للأحنف بن قيس في هذا الحديث قصّة ساقها في "الصحيحين"، من طريق حمّاد بن زيد، عن أيوب، ويونس، عن الحسن، عن الأحنف بن قيس، قال: ذهبت لأنصر هذا الرجل، فلقيني أبو بكرة، فقال: أين تريد؟ قلت: أنصر هذا الرجل، قال: ارجع، فإني سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "إذا التقى المسلمان بسيفيهما، فالقاتل والمقتول في النار"، فقلت: يا رسول اللَّه ﷺ ، هذا القاتل، فما بال المقتول؟ قال: "إنه كان حريصا على قتل صاحبه".
والمراد بقوله: هذا الرجل، عليّ بن أبي طالب - رضي اللَّه تعالى عنه -، ففي رواية لمسلم: "ذهبت نُصرة ابن عمّ رسول اللَّه - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم يعني عليّا".
قال في "الفتح": وكان الأحنف أراد أن يخرُج بقومه إلى عليّ - رضي اللَّه تعالى عنه - ليقاتل معه يوم الجمل، فنهاه أبو بكرة، فرجع، وحمل أبو بكرة الحديث على عمومه في كلّ مسلمين التقيا بسيفيهما؛ حسمًا للمادّة، وإلا فالحقّ أنه محمول على ما إذا كان
стр. 15788
القتال منهما بغير تأويل سائغ، كما قدّمنا، ويُخصّ ذلك من عموم الحديث المتقدِّم بدليله الخاصّ في قتال أهل البغي، وقد رجع الأحنف عن رأي أبي بكرة في ذلك، وشهِد مع عدي باقي حروبه. انتهى (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(تتبيه آخر): ورد فراعتِزال الأخنفِ القِتال، في وقعة الجملِ سببٌ آخرُ، فأخرج الطَّبريّ بِسندٍ صحِيح، عن حُصينِ بن عبد الرَّحمن، عن عمرو بن جاوان، قال: "قُلت لهُ: أرأيت اعتِزال الأخنف ما كان؟ قال: سمِعت الأخنف قال: حججنا، فإِذا الناس مُجتمِعُون في وسط المسجد يعني النّبوِي- وفِيهِم عليّ، والزبير، وطلحة، وسعد، إِذ جاء عُثمان، فذكر قِصة مُناشدته لهُم في ذِكر مناقِبه، قال الأحنف: فلقِيت طلحة، والزُّبير، فقُلت: إِني لا أرى هذا الرجُل يعني عُثمان- إِلا مقتُولا، فمن تأمُرانِي بِهِ؟ قالا: عليّ، فقدِمنا مكة، فلقِيت عائشة، وقد بلغنا قتل عُثمان، فقُلت لها: من تأمُرِينِي بِهِ؟ قالت: عليّ، قال: فرجعنا إِلى المدِينة، فبايعت عَليًّا، ورجعت إِلى البصرة، فبينما نحنُ كذلِك، إِذ أتانِي آتٍ، فقال: هذِه عائِشة، وطلحة، والزبير، نزلُوا بِجانِب الخريبة، يستنصِرُون بِك، فأتيت عائِشة، فذكرْتها بِما قالت لي، ثُمَّ أتيت طلحة والزبير، فذكَّرتهما، فذكر القِصة وفِيها: قال: فقُلت: واللَّه لا أُقاتِلكُم، ومعكُم أُمّ المؤمِنِين، وحوارِيّ رسُول اللَّه ﷺ ، ولا أُقاتِل رجُلا أمرتُمُونِي بِبيعتِهِ، فاعتزل القِتال مع الفريقينِ.
قال الحافظ -رحمه اللَّه تعالى-: ويُمكِن الجمع بِأئهُ هم بِالترْكِ، ثُمَّ بدا لهُ في القِتال مِع علِي، ثُمَّ ثبطهُ عن ذَلِكَ أبُو بكرة، أوْ هَمَّ بِالقِتالِ مع عليّ، فثبَّطهُ أبُو بكرة، وصادف مُراسلة عائشة لهُ، فرجح عِندهُ التَّرْك.
وأخرج الطّبرِيُّ أيضًا من طرِيق قتادة، قال: نزل عليّ بِالزَّاوِيةِ، فأرسل إِليهِ الأحنف: إن شِئت أتيتُك، وإن شِئت كففت عنك أربعة آلاف سيف، فأرسل إِليهِ: كُفَّ من قدرت على كفه. انتهى (٢).
والحديث متّفقٌ عليه، وقد تقدّم تخريجه أوّل الباب. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤١٢٥ - (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ, عَنْ حَمَّادٍ, عَنْ أَيُّوبَ, وَيُونُسَ, وَالْعَلَاءِ بْنِ زِيَادٍ, عَنِ الْحَسَنِ, عَنِ الأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ, عَنْ أَبِي بَكْرَةَ, قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِذَا الْتَقَى
стр. 15789
الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا, فَقَتَلَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ, فَالْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ فِي النَّارِ»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "أحمد بن عبدة": هو الضبيّ، أبو عبد اللَّه البصريّ، ثقة رُمي بالنصب [١٠]. ٣/ ٣.
و"حمّاد": هو ابن زيد. و"أيوب": هو السختيانيّ. و"يونس": هو ابن عُبيد.
و"المعلى بن زياد" الْقُرْدوسيّ بقاف أبو الحسين البصريّ، صدوقٌ، قليل الحديث، زاهد، اختلف قول ابن معين فيه [٧].
قال إسحاق بن منصور، عن ابن معين، وأبو حاتم: ثقة. وعن أحمد بن سعيد بن أبي مريم، قال: سألت ابن معين، عن معلّى بن زياد؛ فقال: ليس بشيء، ولا يُكتب حديثه. وذكره ابن حبّان في "الثقات". وقال ابن عدي: هو معدود من زُهّاد أهل البصرة، ولا أرى بروايته بأسًا، ولا أدري من أين قال ابن معين: لا يُكتب حديثه. انتهى. وقال أبو بكر البزّار: ثقة. استشهد به البخاريّ، وأخرج له الباقون.
[تنبيه]: في هذا السند غلط فاحش، في جميع نسخ "المجتبى" التي بين يديّ، حيث وقع فيه "العلاء بن زياد"، بدل "المعلّى بن زياد"، وهو تصحيفٌ فاحشٌ، والصواب: "المعلّى بن زياد"، كما في "الكبرى" ٢/ ٣١٦ - و"تحفة الأشراف" ٣٦ - ٣٧ - وهو الذي في "الصحيحين". فتنبّه. واللَّه تعالى أعلم.
والحديث متّفقٌ عليه، كما سبق بيانه في الذي قبله. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤١٢٦ - (أَخْبَرَنَا مُجَاهِدُ بْنُ مُوسَى, قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ -وَهُوَ ابْنُ عُلَيَّةَ- عَنْ يُونُسَ, عَنِ الْحَسَنِ, عَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ, أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِذَا تَوَاجَهَ الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا, فَقَتَلَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ, فَالْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ فِي النَّارِ» , قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ, هَذَا الْقَاتِلُ, فَمَا بَالُ الْمَقْتُولِ؟ قَالَ: «إِنَّهُ أَرَادَ قَتْلَ صَاحِبِهِ»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "مجاهد بن موسى": هو الْخُوَارَزميّ الْخُتَّليّ، أبو عليّ، نزيل بغداد، ثقة [١٠] ٨٥/ ١٠٢.
و"يونس": هو ابن عُبيد.
والحديث صحيحٌ، وقد سبق البحث فيه في ٤١٢٠ - فراجعه تستفد. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤١٢٧ - (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَكَمِ, قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ, عَنْ وَاقِدِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدٍ, أَنَّهُ سَمِعَ أَبَاهُ, يُحَدِّثُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ, عَنِ النَّبِيِّ ﷺ , قَالَ: «لَا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا, يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ»).
стр. 15790
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (أحمد بن عبد اللَّه بن الحكم) المعروف بـ "ابن الْكُرْديّ"، أبو الحسين البصريّ، ثقة [١٠] ٣٩/ ٥٨٣
٢ - (محمد بن جعفر) المعروف بـ "غندر"، أبو عبد اللَّه البصريّ، ثقة صحيح الكتاب [٩] ٢١/ ٢٢
٣ - (شعبة) بن الحجاج الإمام الحجة المشهور [٧] ٢٧/ ٢٤.
٤ - (واقد بن محمد بن زيد) بن عبد اللَّه بن عمر العدويّ المدنيّ، ثقة [٦].
قال أحمد، وابن معين، وأبو داود: ثقة. وقال ابن معين مرّة أخرى: صالح الحديث. وقال أبو حاتم: لا بأس به، ثقة، يُحتجّ بحديثه. وذكره ابن حبّان في "الثقات". روى له الجماعة، سوى الترمذيّ، وابن ماجه، وله عند المصنّف في هذا الكتاب هذا الحديث فقط.
٥ - (أبوه) محمد بن زيد بن عبد اللَّه بن عمر بن الخطاب القرشيّ العدويّ المدنيّ، ثقة [٣].
قال أبو زرعة: ثقة. وقال ابن أبي حاتم، عن أبيه: ثقة، قال: قلت: يُحتجّ بحديثه؟ قال: نعم. وذكره ابن حبّان في "الثقات". روى له الجماعة، وله عند المصنّف في هذا الكتاب هذا الحديث فقط.
٦ - (ابن عمر) عبد اللَّه - رضي اللَّه تعالى عنهما - ١٢/ ١٢. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أن نصفه الأول مسلسل بثقات البصريين، والثاني بثقات المدنيين. (ومنها): أن فيه رواية الابن، عن أبيه، عن جدّه، وتابعي عن تابعيّ. (ومنها): أن فيه ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما - من العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، روى (٢٦٣٠) حديثًا. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ وَاقِدِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدٍ) العدويّ المدنيّ (أَنَّهُ سَمِعَ أَبَاهُ) محمد بن زيد (يُحَدِّثُ عَنْ ابْنِ عُمَرَ) بن الخطاب - رضي اللَّه تعالى عنهما - (عَنْ النَّبِيِّ ﷺ ) أنه (قَالَ: "لَا تَرْجِعُوا) أي لا تصيروا، قال ابن مالك: "رجع" هنا استُعمل استعمال "صار" معنًى، وعملاً: أي لا تصيروا بعدي كُفّارًا، فعلى هذا "كُفّارًا" منصوب؛ لأنه خبر "لا ترجعوا" (بَعْدِي) أي
стр. 15791
بعد موتي، أو بعد مجلسي هذا.
وقال العينيّ -رحمه اللَّه تعالى-: قال الطبريّ: أي بعد فراقي في موقفي هذا. وقال غيره: خلافي، أي لا تخلفوني في أنفسكم بعد الذي أمرتكم به. ويحتمل أنه - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم - عَلِم أن هذا لا يكون في حياته، فنهاهم عنه بعد وفاته. وقال المظهري: يعني إذا فارقت الدنيا، فأثبتوا بعدي على ما أنتم عليه من الإيمان والتقوى، وِلا تُحاربوا المسلمين، ولا تاخذوا أموالهم بالباطل. وقال يحيى السنّة: أي لا تكن أفعالكم شبيهةً بأفعال الكفّار في ضرب رقاب المسلمين. انتهى كلام العيني -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- (١).
وقوله (كُفَّارًا) ذكر في "الفتح" جملة ما قيل في معناه، وهي عشرة أقوال:
[أحدها]: قول الخوارج: إنه على ظاهره.
[ثانيها]: هو في المستحلّ.
[ثالثها]: المعنى كُفّارًا بحرمة الدماء، وحرمة المسلمين، وحقوق الدين.
[رابعها]: تفعلون فعل الكفّار في قتل بعضهم بعضًا.
[خامسها]: لابسين السلاحِ، يقال: كَفَرَ دِرْعه: إذا لبس فوقها ثوبا.
[سادسها]: كُفّارًا بنعمة اللَّه.
[سابعها]: المراد الزجر عن الفعل، وليس ظاهره مرادًا.
[ثامنها]: لا يُكَفِّر بعضكم بعضًا، كان يقول أحد الفريقين للآخر: يا كافر، فَيَكْفُرُ أحدهما (٢).
[تاسعها]: المراد سَتْرُ الحقّ، والكفر لغةً الستر؛ لأن حقّ المسلم على المسلم أن ينصره، ويُعينه، فلما قاتله كأنه غطّى على حقّه الثابت له عليه.
[عاشرها]: أن الفعل المذكور يُفضي إلى الكفر؛ لأن من اعتاد الهُجُوم على كبار المعاصي جرّه شؤم ذلك إلى أشدّ منها، فيُخشى أن لا يُختَم له بخاتمة الإسلام.
قال: واستشكل بعض الشرّاح غالب هذه الأجوبة بأنّ راوي الخبر، وهو أبو بكرة، فَهِم خلاف ذلك.
والجواب أن فهمه ذلك إنما يُعرف من توقفه عن القتال، واحتجاجه بهذا الحديث، فيحتمل أن يكون توقّفه بطريق الاحتياط؛ لما يحتمله ظاهر اللفظ، ولا يلزم أن يكون يعتقد حقيقة كفر من باشر ذلك. ويؤيّده أنه لم يمتنع من الصلاة خلفهم، ولا امتثال
стр. 15792
أوامرهم، ولا غير ذلك، مما يدلّ على أنه يعتقد فيهم حقيقته. انتهى (١).
(يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ) بجزم "يضرب" على أنه جواب النهي، وبرفعه على الاستئناف، أو يُجعل حالاً، فعلى الأول يُقوّي الحمل على الكفر الحقيقيّ، ويحتاج إلى التأويل بالمستحلّ مثلاً، وعلى الثاني لا يكون متعلّقًا بما قبله. ويحتمل أن يكون متعلّقًا، وجوابه ما تقدّم. قاله في "الفتح" (٢).
وقال العينيّ -رحمه اللَّه تعالى-: قوله: "يضرب" برفع الباء (٣)، وهو الصواب، وهو الرواية التي رواها المتقدّمون والمتأخّرون، وفيه وجوه:
[أحدها]: أن يكون صفة لكفّار: أي لا ترجعوا بعدي كُفّارًا، متّصفين بهذه الصفة القبيحة، يعني ضرب بعضكم رقاب بعض.
[والثاني]: أن يكون حالاً من ضمير "لا ترجعوا": أي لا ترجعوا بعدي كُفّارًا حال ضرب بعضكم رقاب بعض.
[والثالث]: أن يكون جملة استئنافيةً، كأنه قيل: كيف يكون الرجوع كفّارًا؟ فقال: يضرب بعضكم رقاب بعض.
فعلى الأول يجوز أن يكون معناه: لا ترجعوا عن الدين بعدي، فتصيروا مرتدّين، مقاتلين، يضرب بعضكم رقاب بعض بغير حقّ على وجه التحقيق، وأن يكون لا ترجعوا كالكفّار المقاتل بعضكم بعضًا على وجه التشبيه بحذف أداته.
وعلى الثاني يجوز أن يكون معناه: لا تكفروا حال ضرب بعضكم رقاب بعض لأمر يعرِض بينكم؛ لاستحلال القتل بغير حقّ، وأن يكون لا ترجعوا حال المقاتلة لذلك كالكفّار في الانهماك في تهييج الشرِّ، وإثارة الفتن بغير إشفاق منكم بعضكم على بعض في ضرب الرقاب.
وعلى الثالث: يجوز أن يكون معناه: لا يضرب بعضكم رقاب بعض بغير حقّ، فإنه فعل الكفّار، وأن يكون "لا يضربُ بعضكم رقاب بعض"، كفعل الكفّار على ما تقدّم.
وجوّز ابن مالك، وأبو البقاء جزم الباء على أنه بدل من "لا ترجعوا"، وأن يكون جزاءً لشرط مقدّر على مذهب الكسائيّ: أي فإن رجعتم يضرب بعضكم رقاب بعض. وقيل: يجوز الجزم بأن يكون جوابَ النهي على مذهب من يُجوّز "لا تكفرْ، تدخلِ النار".
стр. 15793
وقال القاضي عياض: رواه من لم يضبط "يضرب" بالإسكان، وهو إحالة للمعنى، والصواب ضمّ الباء، نهاهم عن التشبه بالكفّار، فتشبّهوا بهم في حالة قتل بعضهم بعضًا، ومُحاربة بعضهم لبعضٍ. وهذا أولى ما يتأوّل عليه الحديث. ويؤيّده ما رُوي (١) مما جرى بين الأنصار بمحاولة يهود، وتذكيرهم أيامهم، ودخولهم في الجاهليّة، حتى ثار بعضهم إلى بعض في السلاح، فنزلت: ﴿وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ﴾ الآية [آل عمران: ١٠١]. أي تفعلون فعل الكفّار، أو نهاهم عن إظهار جحد ما أمرهم به، من تحريم دمائهم، وكفرهم في ذلك بقتالهم، لا بقولهم، واعتقادهم، أو أن يَتكفّروا في السلاح يقتل بعضهم بعضًا، أو عن كفر نعمة اللَّه بتأليف قلوبهم، وتودّدهم، وتراحمهم الذي به صلاحهم بأن رجعوا إلى ضدّ ذلك.
وعلى سكون الباء فإنها نهي عن الكفر مجرّدًا، ثم يجيء ضرب الرقاب جواب النهي، ومجازات الكفر، ومساق الخبر، ومفهومه يدلّ على النهي عن ضرب الرقاب، والنهي عفا قبله بسببه. وقال الخطّابيّ: معناه: لا يُكفّر بعضكم بعضًا، فتستحلّوا قتال بعضكم بعضًا.
انتهى كلام القاضي عياض -رحمه اللَّه تعالى- (٢). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث عبد اللَّه بن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا- ٢٩/ ٤١٢٧ و ٤١٢٨ وفي "الكبرى" ٢٩/ ٣٥٩٠ و٣٥٩١ وأخرجه (خ) في "الأدب" ٦١٦٦ و"الديات" ٦٨٦٨ و"الفتن" ٧٠٧٧ (م) في "الإيمان" ٦٥ و ٦٦ (د) في "السنّة ٤٦٨٦ (ق) في "الفتن" ٣٩٤٣ (أحمد) في "مسند المكثرين" ٥٥٥٣ و ٥٥٧٢ و ٥٧٧٥. واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان تحريم دم المسلم.
(ومنها): أن فيه تحذير الأمّة من وقوع ما يحذر منه. (ومنها): ما قاله القرطبيّ ﵀
стр. 15794
تَعَالَى -: وفيه ما يدلّ على أن النبيّ - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم - كان يعلم ما يكون بعده في أمّته من الفتن، والتقاتل، ويدلّ أيضًا على قرب وقوع ذلك من زمانه، فإنه خاطب بذلك أصحابه، وظاهره أنه أرادهم؛ لأنه بهم أعنى، وعليهم أحنَى، ويحتمِلُ غير ذلك. انتهى (١).
(ومنها): ما قاله المازريّ -رحمه اللَّه تعالى-: أنه تعلق بهذا الحديث من أنكر حجيّة الإجماع، من أهل البدع، قال: لأنه نهى الأمة بأسرها عن الكفر، ولولا جواز اجتماعها عليه، لما نهاها عنه، هاذا جاز اجتماعها على الكفر، فغيره من الضلالات أولى، وإذا كان ممنوعًا اجتماعها عليه لم يصحّ النهي عنه.
وهذا الذي قاله خطأ؛ لأنّا إنما نشترط في التكليف أن يكون ممكنًا متأتّيًا من المكلّف، هذا أيضًا على رأي من منع تكليف ما لا يُطاق، واجتماع الأمة على الكفر، وإن كان ممتنعًا، فإنه لم يمتنع من جهة أنه لا يمكن، ولا يتأتّى، ولكن من جهة خبر الصادق عنه أنه لا يقع، وقد قال اللَّه تعالى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ الآية [الزمر: ٦٥] والشرك قد عُصم منه النبيّ - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم -، وبعد هذا نزل عليه مثل هذا، على أن المراد بهذا الخطاب كلّ واحد في عينه، أو جمهور الناس، وهذا لا يُنكر أحدٌ أن يكون مما يصحّ حمل هذا الخطاب عليه. انتهى المقصود من كلام القاضي (٢). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤١٢٨ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ الزُّبَيْرِيُّ, قَالَ: حَدَّثَنَا شَرِيكٌ, عَنِ الأَعْمَشِ, عَنْ أَبِي الضُّحَى, عَنْ مَسْرُوقٍ, عَنِ ابْنِ عُمَرَ, قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا, يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ, لَا يُؤْخَذُ الرَّجُلُ بِجِنَايَةِ أَبِيهِ, وَلَا جِنَايَةِ أَخِيهِ».
قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ: هَذَا خَطَأٌ, وَالصَّوَابُ مُرْسَلٌ).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "أبو أحمد الزبيري": هو محمد بن عبد اللَّه بن الزبير الكوفيّ، ثقة ثبت، [٩] ٣٤/ ٢٢٣٩.
[تنبيه]: "الزبيريّ" بضمّ الزاي، مصغّرًا: نسبة إلى زبير جدّه، ووقع في "الكبرى" "الزُّبيديّ" بالدل المهملة، بدل الزاي، وهو تصحيف فاحشٌ، فتنبّه. واللَّه تعالى أعلم.
و"شريك": هو ابن عبد اللَّه النخعيّ الكوفيّ القاضي.
стр. 15795
و"أبو الضّحى": هو مسلم بن صُبيح الكوفيّ، ثقة فاضلٌ [٤] ٩٦/ ١٢٣.
والسند مسلسل بالكوفيّين، غير شيخه، فنيسابوريّ، وفيه ثلاثة من التابعين، يروي بعضهم عن بعض: الأعمش، عن أبي الضّحى، عن مسروق.
وقوله: "لا يؤخذ الرجل بجناية أبيه الخ" يعني أنه لا يجوز أن يؤاخذ أحدٌ بسبب جناية أبيه، أو أخيه، بأن يجب عليهما القصاص، أو الحدّ، أو يُتلفا شيئًا، فلا يُقتصّ منه، ولا يقام عليه الحدّ، ولا يضمن ما أتلفا، هذا في العمد، وأما الخطأ، فإن العاقلة تتحمّل الدية عن الجاني.
ويحتمل أن يكون المراد المؤاخذة في الآخرة، فلا يعاقب أحدٌ بسبب جناية أبيه، أو أخيه.
[فإن قيل]: إنه قد يُعاقب بسببهما، وذلك إذا تركهما يفعلان الجناية، وهو يقدر على الأخذ بأيديهما.
[أجيب]: بأن هذه المعاقبة بفعل نفسه، لا فعلهما، حيث ترك واجب الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر. واللَّه تعالى أعلم.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: حديث ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا من أفراد المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، أخرجه هنا ٢٩/ ٤١٢٩ و٤١٣٠و٤١٣١ - وفي "الكبرى" ٢٩/ ٣٥٩١ و ٣٥٩٢ و ٣٥٩٣ و ٣٥٩٤. وهو ضعيف؛ لأن في سنده شريكًا النخعيّ القاضي، وهو كثير الخطإ، وتغيّر حفظه، وقد خالف في وصله غيره من حفّاظ أصحاب الأعمش، كما سيشير المصنّف إلى ذلك، في قولِهِ: (قَالَ: أَبُو عَبْد الرَّحْمَنِ) النسائيّ -رحمه اللَّه تعالى- (هَذَا خَطَأٌ، وَالصَّوَابُ مُرْسَلٌ) يعني أن رواية هذا الحديث متّصلاً خطأٌ، وإنما الصواب فيه الإرسال؛ وذلك لأن شريكًا، وهو كثير الخطإ، خالف فيه أبا معاوية، وهو أثبت أصحاب الأعمش ما عدا الثوريّ، فقد رواه مرسلاً، وتابعه عليه أيضًا يعلي بن عبيد.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: كان الأولى للمصنّف تأخير هذا الكلام عن الحديث التالي؛ لأنه متعلّق به أيضًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤١٢٩ - (أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ يَعْقُوبَ, قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ, قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ, عَنِ الأَعْمَشِ, عَنْ مُسْلِمٍ, عَنْ مَسْرُوقٍ, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ, قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا, يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ, وَلَا يُؤْخَذُ الرَّجُلُ بِجَرِيرَةِ أَبِيهِ, وَلَا بِجَرِيرَةِ أَخِيهِ»).
стр. 15796
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "إبراهيم بن يعقوب": هو الْجُوزجانيّ الحافظ. و"أحمد بن يونس": هو ابن عبد اللَّه بن يونس التميميّ اليربوعيّ الكوفيّ، نُسب لجدّه. و"مسلم": هو ابن صُبيح، أبو الضُّحى المذكور في السند الماضي. و"عبد اللَّه": هو ابن مسعود - رضي اللَّه تعالى عنه -.
وقوله: "بجريرة أبيه" -بفتح الجيم، وكسر الراء الأولى-: هو ما يجرّه الإنسان من ذنب، فعِيلة بمعنى مفعولة. أفاده في "المصباح". وقال في "اللسان": الْجَرِيرَة: الذنب، والجناية يَجنِيها الرجلُ، وقد جرّ على نفسه، وغيره جريرةً يجُرّها جَرًّا: أي جنىِ عليهم جنايةً، قال الشاعر [من الطويل]:
إِذَا جَرَّ مَوْلَانَا عَلَيْنَا جَرِيرَةً … صَبَرْنَا لَهَا إِنَّا كِرَامٌ دَعَائِمُ (١)
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: حديث عبد اللَّه بن مسعود - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا من أفراد المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو ضعيف أيضًا؛ لمخالفة أبي بكر بن عيّاش بوصله، لأبي معاوية، وهو أثبت في الأعمش، حيث أرسله، وقد تابعه يعلي بن عُبيد عليه، كما سيأتي قريبًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤١٣٠ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ, قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ, عَنِ الأَعْمَشِ, عَنْ مُسْلِمٍ, عَنْ مَسْرُوقٍ, قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا أُلْفِيَنَّكُمْ تَرْجِعُونَ بَعْدِي كُفَّارًا, يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ, لَا يُؤْخَذُ الرَّجُلُ بِجَرِيرَةِ أَبِيهِ, وَلَا بِجَرِيرَةِ أَخِيهِ». هَذَا الصَّوَابُ).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "محمد بن العلاء": هو أبو كريب. والسند مسلسل بالكوفيين.
وقوله: "لا أُلفينّكم" بضمّ الهمزة، من ألفيته: إذا وجدتّه، أي لا أجدنّكم. قال السنديّ -رحمه اللَّه تعالى-: والنهي ظاهرًا يتوجّه إلى المتكلّم، والمراد توجيهه إلى المخاطب: أي لا تكونوا بعدي كذلك، فإنهم إذا كانوا كذلك يجدهم كذلك.
[فإن قلت]: كيف يجدهم بعده؟.
[قلت]: بعد موتهم، أو تُعرض حالهم عليه، أو يوم القيامة. واللَّه تعالى أعلم. انتهى (٢).
والحديث صحيح، وهو من أفراد المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، أخرجه هنا-٢٩/ ٤١٣٠ و ٤١٣١ - وفي "الكبرى" ٢٩٣٥٩٣ و ٣٥٩٤.
стр. 15797
[فإن قلت]؛ كيف يصحّ، وهو مرسلٌ، كما صوّبه المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، والمرسل من قسم الضعيف؟.
[قلت]: إنما صحّ بشواهده، فيشهد لجزئه الأول حديث ابن عمر - رضي اللَّه تعالى - عنهما المتقدِّم، وحديث جرير بن عبد اللَّه الآتي، ولجزئه الأخير ما يأتي للمصنّف في "القسامة" من حديث أبي رِمْثة ٤١/ ٤٨٣٥ - رضي اللَّه تعالى عنه -، عن النبيّ - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم -: "أما إنك لا تجني عليه، ولا يجني عليك". و٤١/ ٤٨٣٦ - من حديث ثعلبة بن زهدم اليربوعيّ - رضي اللَّه تعالى عنه -، عن النبيّ - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم -: "ألا لا تجني نفس على أخرى".
وما أخرجه ابن ماجه في "سننه" من طريق شَبِيب بن غَرْقدة، عن سليمان بن عمرو ابن الأحوص، عن أبيه، قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ ، يقول في حجة الوداع: (ألا لا يجني جان إلا على نفسه، لا يجني والد على ولده، ولا مولود على والده". ورجاله رجال الصحيح، غير سليمان بن عمرو، وقد وُثق، وقال عنه في "التقريب": مقبول. فمثله يصلح للاستشهاد.
وأخرج أيضًا من طريق عمران القطّان، عن محمد بن جُحادة، عن زياد بن عِلاقة، عن أسامة بن شريك، - رضي اللَّه تعالى عنه -، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "لا تجني نفس على أخرى". ورجاله رجال الصحيح، غير عمران القطّان، فقد تُكلّم فيه من جهة حفظه، إلا أنه لا بأس به في المتابعة.
والحاصل أن الحديث صحيح بهذه الشواهد. واللَّه تعالى أعلم.
وقوله: "هذا الصواب": يعني أن كونه مرسلاً هو الصواب من كونه موصولاً؛ لأن أبا معاوية مُقدّم في الأعمش على غيره؛ لكونه أحفظ، ولا سيّما مثل شريك سيّىء الحفظ، وأبي بكر بن عيّاش، وقد ساء حفظه في آخره، وأيضًا فقد تابعه يعلي بن عبيد، كما في الرواية التالية. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، لوإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤١٣١ - (أَخْبَرَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ يَعْقُوبَ, قَالَ: حَدَّثَنَا يَعْلَى, قَالَ: حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ, عَنْ أَبِي الضُّحَى, عَنْ مَسْرُوقٍ, قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا». مُرْسَلٌ).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "يعلى": هو ابن عُبيد بن أميّة الطنافسيّ، أبو يوسف الكوفيّ، ثقة، إلا في حديثه عن الثوريّ، ففيه لينٌ، من كبار [٩] ١٠٥/ ١٤٠.
وقوله: "مرسل" خبر لمحذوف، أي هذا الحديث مرسل، حيث إن مسروقًا تابعيّ،
стр. 15798
وهو مرسل صحيح الإسناد، وقد سبق تمام البحث فيه في الذي قبله. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤١٣٢ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ زُرَارَةَ, قَالَ: أَنْبَأَنَا إِسْمَاعِيلُ, عَنْ أَيُّوبَ, عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ, عَنْ أَبِي بَكْرَةَ, عَنِ النَّبِيِّ ﷺ , قَالَ: «لَا تَرْجِعُوا بَعْدِي ضُلاَّلاً, يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح. و"عمرو بن زُرارة": هو أبو محمد النيسابوريّ، ثقة ثبت [١٠] ٧/ ٣٦٨. و"إسماعيل": هو ابن عُلية. و"أيوب": هو السختيانيّ.
وقوله: "ضُلّالًا" بضمّ المعجمة- جمع ضالّ، وهو بمعنى قوله: "لا ترجعوا بعدي كفّارًا"، وقد سبق البحث فيه مستوفًى قريبًا، فارجع إليه تزدد علمًا.
والحديث صحيح، تفرد به المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، أخرجه هنا-٢٩/ ٤١٣٢ - وفي "الكبرى" ٢٩/ ٣٥٩٥. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤١٣٣ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ, قَالَا: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ, عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُدْرِكٍ, قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا زُرْعَةَ بْنَ عَمْرِو بْنِ جَرِيرٍ, عَنْ جَرِيرٍ, أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ: اسْتَنْصَتَ النَّاسَ, قَالَ: «لَا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا, يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ»).
قال الجامع عفا اللَّه تعافى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا. و"محمد" شيخ ابن بشّار: هو ابن جعفر، غندر. و"عبد الرحمن": هو ابن مهدي. و"عليّ ابن مُدرك": هو النخعيّ، أبو مدرك الكوفيّ، ثقة [٤] ١٦٨/ ٢٦١ و"أبو زرعة بن عمرو ابن جرير": هو البجليّ، حفيد جرير بن عبد اللَّه الصحابيّ - رضي اللَّه تعالى عنه -، راوي الحديث، قيل: اسمه هرِم، وقيل: عبد اللَّه، وقيل: عبد الرحمن، وقيل: جرير، ثقة [٣] ٤٣/ ٥٠. و"جرير": هو ابن عبد اللَّه بن جابر البجليّ الصحابيّ الشهير، مات - رضي اللَّه تعالى عنه - سنة (٥١) وقيل: بعدها، تقدّمت ترجمته في ٤٣/ ٥١.
وقوله: "في حجة الوداع" سمّيت بذلك؛ لأن النبيّ - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم - ودّع الناس فيها، وعلّمهم في خطبته فيها أمر دينهم، وأوصاهم بتبليغ الشرع فيها إلى من غاب عنها، فقال - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم -: "ليُبلّغ الشاهد منكم الغائب". والمعروف في الرواية "حَجّةُ الوداع" بفتح الحاء، وقال الهرويّ وغيره، من أهل اللغة: المسموع من العرب في واحدة الْحِجَج حِجة بكسر الحاء، قالوا: والقاس فتحها؛ لكونها اسمًا
стр. 15799
للمرة الواحد، وليست عبارة عن الهيئة حتى تُكسر، قالوا: فيجوز الكسر بالسماع، والفتح بالقياس. ذكره النوويّ (١).
وقوله: "اسْتَنْصَتَ الناسَ" بصيغة الماضي: أي طلب منهم الإنصات، وهو السكوت، ليمكنهم الاستماع لخطبته. ولفظ الشيخين: "اسْتَنْصِتِ الناسَ" بصيغة الأمر، وهي الرواية التالية للمصنّف، وهو أمر لجرير - رضي اللَّه تعالى عنه - أن يأمر الناس بالإنصات.
قال النوويّ في "شرح مسلم": معناه: مُرْهُمْ بالإنصات؛ ليسمعوا هذه الأمور المهمّة، والقواعد التي سأقرّرها لكم، وأُحمّلكموها. انتهى (٢).
وقال العينيّ في "شرح البخاريّ": أمرٌ من الاستنصات، استفعال من الإنصات، ومثله قليلٌ، إذ الغالب أن الاستفعال يُبنَى من الثلاثي، ومعناه طلب السكوت، وهو متعدّ، والإنصات جاء لازمًا، ومتعدّيا. قال: يعني استُعمِل أنصتوه، وأنصتوا له، لا أنه جاء بمعنى الإسكات. انتهى (٣).
وفيه أن الإنصاف للعلماء لازم للمتعلّمين؛ لأن العلماء ورثة الأنبياء، وقوله - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم - هذا لجرير كان في حجة الوداع، وذلك أنه أراد أن يخطب الناس، وكان الجمع كثيرًا جدًّا، وكان اجتماعهم لرمي الجمار، وغير ذلك من أمور الحجّ، وقد قال لهم: "خُذُوا عنّي مناسككم"، كما ثبت في "صحيح مسلم"، فلما خطبهم ليعلّمهم ناسب أن يأمرهم بالإنصات.
وقد وقع التفريق بين الإنصاف والاستماع في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾، ومعناهما مختلفٌ، فالإنصات هو السكوت، وهو يحصل ممن يستمع، وممن لا يستمع، كأن يكون مفكّرًا في أمر آخر، وكذلك الاستماع قد يكون مع السكوت، وقد يكون مع النطق بكلام آخر، لا يشغل الناطق به عن فهم ما يقول الذي يستمع منه.
وقد قال سفيان الثوريّ وغيره: أوّل العلم الاستماع، ثم الإنصاف، ثم الحفظ، ثم العمل، ثم النشر. وعن الأصمعيّ تقديم الإنصاف على الاستماع. وقد ذكر عليّ بن المدينيّ أنه قال لابن عُيينة: أخبرني معتمر بن سليمان، عن كهمس، عن مُطرّف، قال: الإنصات من العينين. فقال ابن عيينة: وما ندري كيف ذلك؟، قال: إذا حدّثت رجلاً،
стр. 15800
فلم ينظر إليك لم يكن منصتا. انتهى. وهذا محمول على الغالب. ذكره لى "الفتح" (١).
والحديث متّفقٌ عليه، أخرجه المصنّف هنا ٢٩/ ٤١٣٣ و ٤١٣٤ - وفي "الكبرى" ٢٩/ ٣٥٩٦ و ٣٥٩٧. وأخرجه (خ) في "العل"١٢١ و"المغازي" ٤٤٠٥ و"الديات" ٦٨٦٩ و"الفتن" ٧٠٨٠ (م) في "الإيمان" ٦٥ (ق) في "الفتن" ٣٩٤٢ (أحمد) في "مسند الكوفيين" ١٨٦٨٦ و ١٨٧٣٢ و ١٨٧٧٤ (الدارمي) في "المناسك" ١٩٢١. وشرحه، وفوائده تقدّمت قريبًا، فأرجع إليها تزدد علمًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤١٣٤ - (أَخْبَرَنَا أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ أَبِي السَّفَرِ, قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ, عَنْ قَيْسٍ, قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّ جَرِيرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «اسْتَنْصِتِ النَّاسَ» , ثُمَّ قَالَ: «لَا أُلْفِيَنَّكُمْ بَعْدَ مَا أَرَى, تَرْجِعُونَ بَعْدِي كُفَّارًا, يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "أبو عُبيدة بن أبي السّفَر": هو أحمد بن عبد اللَّه بن محمد بن عبد اللَّه بن أبي السّفَر بفتح الفاء- سعيد بن يُحْمِد بضمّ التحتانيّة، وكسر الميم- الْهَمْدَانيّ الكوفيّ، صدوقٌ يَهِم [١١].
قال أبو حاتم: شيخ. وقال النسائيّ: ليس بالقويّ. وذكره ابن حبّان في "الثقات". قال مطيّن: مات سنة (٢٥٨). روى عنه المصنّف، والترمذيّ، وابن ماجه، وله عند المصنّف حديثان فقط: هذا الحديث، وفي "كتاب الزينة" ٣١/ ٥١١٨ - حديث محمد ابن عليّ، سألت عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها -، أكان رسول اللَّه - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم يتطيب؟ قالت: نعم، بذِكارة الطيب: المسك، والعنبر".
وباقي رجال الإسناد رجال الصحيح، وقد تقدّموا غير مرّة، وهو مسلسل بثقات الكوفيين. و"إسماعيل": هو ابن أبي خالد. و"قيس": هو ابن أبي حازم.
وقوله: "أن جرير بن عبد اللَّه، قال: قال لي رسول اللَّه - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم - الخ" قال في "الفتح": فيه دليلٌ على وهم من زعم أن إسلام جرير كان قبل موت النبيّ - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم - بأربعين يومًا؛ لأن حجة الوداع كانت قبل وفاته - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم - بأكثر من أربعين يومًا، وقد ذكر جرير أنه حجّ مع النبيّ - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم - حجة الوداع (٢).
стр. 15801
وقال قبل ذلك في "كتاب العلم": ادّعى بعضهم أن لفظ "له" يعني في قوله: "أن النبيّ - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم - قال له" -زيادة؛ لأن جريرًا إنما أسلم بعد حجة الوداع بنحو من شهرين، فقد جزم ابن عبد البرّ بأنه أسلم قبل موت النبيّ - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم بأربعين يومًا. وما جزم به يعارضه قول البغويّ، وابن حبّان: إنه أسلم في رمضان، سنة عشر. قال: ووقع في روايه البخاريّ لهذا الحديث في "باب حجة الوداع" بلفظ أن النبيّ - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم - قال لجرير وهذا لا يحتمل التأويل، فيقوَى ما قال البغويّ. انتهى (١).
وقوله: "لا أُلفينّكم" بضمّ الهمزة: أي لا أجدنّكم. وقوله: "بعد ما أرى" أي بعد الذي أراه منكم، وهو كونهم متحابّين، متصافين، غير متخالفين، ولا متخاذلين.
والحديث فيه انقطاع؛ يقول قيس: بلغني، لكنه صحيح بما قبه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب" (٢).
…
٣٧ - (كِتَابُ قَسْمِ الْفَيْءِ)
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: أراد -رحمه اللَّه تعالى- بالفيء هنا الخمس، كما صرّح به في ترجمة "الكبرى".
ثم إنه كان الأولى له أن يقدم هذا الكتاب، فيذكره عقب "كتاب الجهاد"؛ للمناسبة الواضحة بينهما، وهو الذي صنعه في "الكبرى" حيث ذكر عقب "كتاب الجهاد" "كتاب الخيل"، ثم أتبعه بهذا الكتاب، وترجم له بـ"كتاب الخمس"، فكان ترتيبه فيه على ما يليق.
و"القسم" بفتح، فسكون- مصدر قَسَم الشيء قَسْمًا، من باب ضرب: إذا فَرَزَه، وجعله أجزاءً، والفاعل قاسم، والقَسّام مبالغة فيه، والموضع مَقْسِم، مثلُ مَسْجِدٍ، والاسم الْقِسْم بالكسر، ثم أُطلق على الحصّة والنَّصيب، فيقال: هذا قِسْمي: أي حظّي، والجمع أقسامٌ، مثلُ حِمْلٍ وأحمالٍ, واقتسموا المالَ بينهم، والاسم القِسْمة،
стр. 15802
وأُطلقت على النصيب أيضًا، وجمعها قِسَم، مثلُ سِدْرة وسِدَرٍ. أفاده في "المصباح المنيّر" (١).
و"الْفَيْءُ" بفتح الفاء، وسكون التحتانيّة-: الْخَرَاج، والغنيمة، وهو بالهمز، ولا يجوز الإبدال والإدغام، وباب ذلك الزائد، مثلُ الخطيئة، ولا يكون في الأصليّ على الأكثر، إلا في الشعر. قاله الفيّوميّ -رحمه اللَّه تعالى-.
وفي "المغرب": "الفىء: هو ما نِيل من الكفّار بعد ما تضع الحرب أوزارها، وتصير الدار دار الإسلام، وذكروا في حكمه أنه لعامّة المسلمين، ولا يُخمس، ولا يُقسم كالغنيمة، والمراد هنا ما يعمّ الغنيمة، أو الغنيمةُ. ذكره السنديّ (٢).
وقال ابن الأثير -رحمه اللَّه تعالى-: قد تكرّر ذكر "الفيء" في الحديث على اختلاف تصرّفه، وهو ما حصل للمسلمين من أموال الكفّار، من غير حرب، ولا جهاد، وأصل الفيء: الرجوع، يقال: فاء يفِيء فِئَةً، وفُيُوءًا، كأنه كان في الأصل لهم، فرجع إليهم، ومنه قيل للظلّ الذي يكون بعد الزوال: فَيْءٌ؛ لأنه يرجع من جانب الغرب إلى جانب الشرق. انتهى (٣).
وقال في "اللسان" نقلاً عن "تهذيب الأزهري": الفيءُ: ما ردّ اللَّه تعالى على أهل دينه من أموال من خالف دينه، بلا قتال، إمّا بأن يُجْلَوْا عن أوطانهم، ويُخَلُّوها للمسلمين، أو يُصالحوا على جزية يؤدّونها عن روْوسهم، أو مالٍ غير الجزية، يَفتدون به من سَفْك دمائهم، فهذا المال هو الفيءُ في كتاب اللَّه، قال اللَّه تعالى: ﴿فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ﴾ [الحشر: ٦]: أي لم تُوجفوا عليه خيلً، ولا ركابًا، نزلت في أموال بني النضير، حين نقضوا العهد، وجُلُوا (٤) عن أوطانهم إلى الشام، فقسم رسول اللَّه - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم - أموالهم، من النخيل، وغيرها في الوجوه التي أراده اللَّه تعالى أن يقسمها فيه. وقسمة الفيء غير قسمة الغنيمة التي أوجف اللَّه عليها بالخيل والرجاب. وأصل الفيء: الرجوع؛ سمّي هذا المال فيئًا؛ لأنه رجع إلى المسلمين من أموال لكفّار عَفْوًا، بلا قتال. وكذلك قوله تعالى في قتال أهل البغي: ﴿حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الحجرات: ٩]: أي ترجع إلى طاعة اللَّه تعالى. انتهى (٥)
стр. 15803
واللَّه تعالى أعلم. بالصواب.
٤١٣٥ - (أَخْبَرَنَا هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْحَمَّالُ, قَالَ: حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ, عَنْ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ, عَنِ الزُّهْرِيِّ, عَنْ يَزِيدَ بْنِ هُرْمُزَ, أَنَّ نَجْدَةَ الْحَرُورِيَّ, حِينَ خَرَجَ فِي فِتْنَةِ ابْنِ الزُّبَيْرِ, أَرْسَلَ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ, يَسْأَلُهُ عَنْ سَهْمِ ذِي الْقُرْبَى, لِمَنْ تُرَاهُ؟ قَالَ: هُوَ لَنَا, لِقُرْبَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , قَسَمَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَهُمْ, وَقَدْ كَانَ عُمَرُ عَرَضَ عَلَيْنَا شَيْئًا, رَأَيْنَاهُ دُونَ حَقِّنَا, فَأَبَيْنَا أَنْ نَقْبَلَهُ, وَكَانَ الَّذِي عَرَضَ عَلَيْهِمْ, أَنْ يُعِينَ نَاكِحَهُمْ, وَيَقْضِىَ عَنْ غَارِمِهِمْ, وَيُعْطِىَ فَقِيرَهُمْ, وَأَبَى أَنْ يَزِيدَهُمْ عَلَى ذَلِكَ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (هارون بن عبد اللَّه الحمّال) أبو موسى البغداديّ، ثقة [١٠] ٥٠/ ٦٢.
٢ - (عثمان بن عمر) العبديّ البصريّ، بخاريّ الأصل، ثقة [٩] ١٥١/ ١١١٨.
٣ - (يونس بن يزيد) الأمويّ مولاهم، أبو يزيد الأيليّ، ثقة [٧] ٩/ ٩.
٤ - (الزهريّ) محمد بن مسلم الإمام الحجة الشهير المدنيّ [٤] ١/ ١.
٥ - (يريد بن هُرمز) المدنيّ، والد عبد اللَّه، مولى بني ليث، وقيل: عفّان، وقيل: آل ذئاب، وقيل: إنه يزيد الفارسيّ، والصحيح أنه غيره، ثقة [٣].
قال ابن سعد: كان على الموالي يوم الحرّة، ومات بعد ذلك، وكان ثقة، إن شاء اللَّه تعالى. وقال ابن معين، وأبو زرعة: ثقة. وقال محمد بن إسحاق، عن الزهريّ: حدّثني يزيد بن هُزمُز، وكان من الثقات. وقال العجليّ: مدنيّ تابعيّ ثقة. وقال ابن أبي حاتم: اختلفوا، هل هو يزيد الفارسيّ، أو غيره، فقال ابن مهديّ، وأحمد: هو ابن هرمز. وأنكر يحيى بن سعيد القطّان أن يكونا واحدًا. وسمعت أبي يقول: يزيد بن هرمز هذا ليس بيزيد الفارسيّ، هو سواه، فأما ابن هرمز فهو والد عبد اللَّه بن يزيد بن هرمز، وكان من أبناء الفرس الذين جالسوا أبا هريرة، وليس بحديثه بأس. انتهى.
وذكره ابن حبّان في "الثقات"، وقال: مات في خلافة عمر بن عبد العزيز. روى له مسلم، وأبو داود، والترمذيّ، والمصنّف، وله عنده في هذا الكتاب حديث الباب فقط.
٦ - (ابن عبّاس) عبد اللَّه البحر - رضي اللَّه تعالى عنهما - ٢٧/ ٣١. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين من الزهريّ. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ. (ومنها): أن فيه ابن عبّاس - رضي اللَّه تعالى عنهما - من العبادلة
стр. 15804
الأربعة، والمكثرين السبعة، روى (١٦٩٦) حديثًا، ومن المشهورين بالفتيا. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ يَزِيدَ بْنِ هُرْمُزَ) المدنيّ (أَنَّ نَجْدَةَ) -بفتح النون، وسكون الجيم، بعدها دالٌ مهملة، ثم هاء- ابن عامر الحنفيّ، من بني حنيفة، خارجيّ من اليمامة، وأصحابه النجدات، محرّكةٌ، وهم قومٌ من الحروريّة، ويقال لهم أيضًا: النَّجْديّة. قاله في "القاموس"، و"شرحه" (١).
(الْحَرُورِيَّ) بفتح الحاء المهملة، نسبة إلى حَرُوراه، وهي موضع بقرب الكوفة، خرج منه الخوارج على عليّ - رضي اللَّه تعالى عنه -، وفيها قُتلوا، وكان نجدة هذا منهم، وعلى رأيهم؛ لذلك استثقل ابن عبّاس مجاوبته، وكرهها، لكنه أجابه مخافة جهل يَقَع له، فيُفتي، ويعمل به. قاله القرطبيّ (٢).
(حِينَ خَرَجَ فِي فِتْنَةِ) عبد اللَّه (بْنِ الزُّبَيْرِ) - رضي اللَّه تعالى عنهما -، وسبب فتنبّه رضي اللَّه تعالى عنه أنه لما أراد أن يبايع معاوية - رضي اللَّه تعالى عنه - لولده يزيد بن معاوية امتنع ابن الزبير، وتحوّل إلى مكة، وعاذ بالحرم، فارسل إليه يزيدُ سليمانَ أن يُبايع له، فأبى، ولقّب نفسه عائذ اللَّه، فلما كانت وقعة الحرّة، وفَتَك أهل الشام بأهل المدينة، ثم تحوّلوا إلى مكة، فقاتلوا ابن الزبير، واحترقت الكعبة أيام ذلك الحصار، ففجعهم الخبر بموت يزيد بن معاوية، فتوادعوا، ورجع أهل الشام، وبايع الناس عبد اللَّه بن الزبير بالخلافة، وأرسل إلى أهل الأمصار يُبايعهم إلا بعض أهل الشام، فسار مروان، فغلب على بقيّة الشام، ثم على مصر، ثم مات، فقام عبد الملك بن مروان، فغلب على العراق، وقَتل مصعب بن الزبير، ثم جهّز الْحَجّاجَ بن يوسف إلى ابن الزبير، فقاتله إلى أن قَتَلَ ابن الزبير في جمادى الأولى، سنة (٧٣) من الهجرة، وهذا هو المحفوظ، وهو قول الجمهور. وقيل: غير ذلك في سنة قتله. ذكره في "الإصابة" (٣).
(أَرَسَلَ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ) - رضي اللَّه تعالى عنهما - (يَسْأَلُهُ عَنْ سَهْمِ ذِي الْقُرْبَي) اختصر المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- من مسائل نجدة الحروريّ لابن عبّاس - رضي اللَّه تعالى عنهما - على مسألة واحدة، وهي خمس مسائل، وقد ساق مسلم -رحمه اللَّه تعالى- في
стр. 15805
"صحيحه" الحديث بطوله، فذكرها، فقد أخرجه من طريق جعفر بن محمد، عن أبيه، عن يزيد بن هرمز، أن نجدة كتب إلى ابن عبّاس، يسأله عن خمس خلال، فقال ابن عبّاس: لولا أن أكتم علما، ما كتبت إليه (١)، كتب إليه نجدة: أما بعدُ فأخبرني هل كان رسول اللَّه ﷺ يغزو بالنساء؟، وهل كان يضرب لهن بسهم؟، وهل كان يقتل الصبيان؟، ومتى ينقضي يُتمُ اليتيم؟، وعن الخمس لمن هو؟ فكتب إليه ابن عبّاس، كتبت تسألني هل كان رسول اللَّه ﷺ ، يغزو بالنساء؟ وقد كان يغزو بهن، فيداوين الجرحى، ويُحذَين (٢) من الغنيمة، وأما بسهم فلم يضرب لهن، وإن رسول اللَّه ﷺ ، لم يكن يقتل الصبيان، فلا تقتل الصبيان، وكتبت تسألني متى ينقضي يُتمُ اليتيم، فلعمري إن الرجل لتنبت لحيته، وإنه لضعيف الأخذ لنفسه، ضعيف العطاء منها، فإذا أخذ لنفسه، من صالح ما يأخذ الناس، فقد ذهب عنه اليتم، وكتبت تسألني عن الخمس لمن هو؟ وإنا كنا نقول هو لنا، فأبى علينا قومنا ذاك.
وأخرجه من طريق قيس بن سعد، عن يزيد بن هرمز، قال: كتب نجدة بن عامر إلى ابن عبّاس، قال: فشهدت ابن عبّاس حين قرأ كتابه، وحين كتب جوابه، وقال ابن عبّاس: واللَّه لولا أن أرده عن نَتْنٍ يقع فيه (٣)، ما كتبت إليه، ولا نُعْمَةَ عينٍ، قال: فكتب إليه: إنك سألت عن سهم ذي القربى، الذي ذكر اللَّه، من هم؟ وإنا كنا نَرَى أن قرابة رسول اللَّه ﷺ هم نحن، فأبى ذلك علينا قومنا، وسألت عن اليتيم متى ينقضي يتمه؟، وإنه إذا بلغ النكاح، وأُونس منه رشد، ودُفع إليه ماله، فقد انقضى يتمه، وسألت هل كان رسول اللَّه ﷺ يقتل من صبيان المشركين أحد؟ فإن رسول اللَّه ﷺ ، لم يكن يقتل منهم أحدا، وأنت فلا تقتل منهم أحدا، إلا أن تكون تعلم منهم ما علم الخضر من الغلام، حين قتله، وسألت عن المرأة والعبد هل كان لهما سهم معلوم، إذا حضروا البأس؟ فإنهم لم يكن لهم سهم معلوم، إلا أن يُحذَيا من غنائم القوم.
فقوله (عَنْ سَهْمِ ذِي الْقُرْبَى) -بضمّ، فسكون، فُعْلَى، أي القرابة، وهو مصدر قرُب، ككَرُمَ، يقال: قرُب الشيء منّا قُرْبًا، وقَرَابةً، وقُرْبَةٌ، وقُرْبَى، ويقال: القُرْب في المكان، والقُرْبة في المنزلة، والقُرْبى، والقَرَابة في الرَّحِم. قاله الفيّوميّ.
وأراد بالسهم السهم الذي ذكره اللَّه تعالى في كتابه في آية الغنيمة: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى﴾ الآية [الأنفال: ٤١].
стр. 15806
وفي رواية مسلم المذكورة: "كتبت تسألني عن الخمس لمن هو؟، فأبى علينا قومنا".
قال القرطبيّ: هذا الخمس المسؤول عنه هو خمس الخمس، لا خمس الغنيمة، ولا يقول ابن عبّاس، ولا غيره: إن خمس الغنيمة يُصرف في القرابة، وإنما يُصرف إليهم خمس الخمس، على قول من يقسم الغنيمة على خمسة أخماس، وهو مذهب الشافعيّ، وأحمد بن حنبل. انتهى ببعض تصرّف (١).
وقال النوويّ: قوله: "أبى علينا قومنا ذاك": أي رأوا أنه لا يتعيّن صرفه إلينا، بل يصرفونه في المصالح، وأراد بقومه ولاة الأمر من بني أمية، قال: وقد قال الشافعيّ -رحمه اللَّه تعالى-: يجوز أن ابن عبّاس أراد بقوله: "أبى ذاك علينا قومنا" من بعد الصحابة، وهم يزيد بن معاوية. واللَّه أعلم. انتهى (٢).
(لِمَنْ تَرَاهُ؟) أي لمن تعتقده، لقربى رسول اللَّه - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم -، أم يصرف الإمام في مصالح المسلمين؟. وقال السنديّ: وكأنه تردّد أنه لقربى الإمام، أو لقربى الرسول - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم -، فبيّن له ابن عبّاس - رضي اللَّه تعالى عنهما - أن المراد الثاني، لكن الدليل الذي استدلّ به على ذلك، لا يتمّ؛ لجواز أن النبيّ - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم - قسم لهم ذلك؛ لكونه هو الإمام، فقرابته قرابة الإمام، لا لكون المراد قرابة الرسول - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم -، إلا أن يُقال: المراد قسم لهم مع قطع النظر عن كونه إمامًا، والمتبادر من نظم القرآن، هو قرابة الرسول - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم، مع قطع النظر عن هذا الدليل، فليتأمّل. واللَّه تعالى أعلم. انتهى (٣).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الاحتمال الذي ذكره السنديّ، من جواز أنه - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم - إنما قسم لهم لكونه هو الإمام الخ، بعيدٌ جدًّا عن سياق الآية، كما اعترف به هو في آخر كلامه، حيث قال: والمتبادر من نظم القرآن الخ، ودعواه عدم استدلال ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما - على ما قاله بقسم رسول اللَّه - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم - لهم، غير صحيح، فإن رسول اللَّه - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم إنما قسم لهم عملاً بما في الآية، وقد اعترف نفسه بأن المتبادر نظم الآية هو المعنى الثاني، وهو المتبادر أيضًا من فعده - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم -، فاستدلال ابن عبّاس - رضي اللَّه تعالى عنهما - تامٌ، فتبصّر، ولا تتحيّر، واللَّه تعالى أعلم.
стр. 15807
(قَالَ) ابن عبّاس - رضي اللَّه تعالى عنهما - (هُوَ لَنَا، لقُرْبَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فـ"لقربى" بدل من "لنا". وقوله (قَسَمَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَهُمْ) جمدة تعليليّة؛ أي لأنه - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم - قسمه لذوي القربى، فنحن أحقّ به (وَقَدْ كَانَ عُمَرُ) بن الخطاب رضي اللَّه تعالى عنه (عرض) بفتح الراء، من باب ضرب (عَلَيْنَا شَيْئًا) أي أنه كان يُعطينا شيئًا من الخمس (رَأَيْنَاهُ دُونَ حَقِّنَا) قال السنديّ: لعده مبني على أن عمر - رضي اللَّه تعالى عنه - رآهم مصارف، فجوّز الصرف إلى بعض كما في الزكاة عند الجمهور، وهو مذهب مالك هاهنا، والمختار من مذهب الحنفيّة أنّ الخيار للإمام، إن شاء قسم بينهم بما يرى، وإن شاء أعطى بعضا، دون بعض، حسبما تقتضيه المصلحة، وابن عبّاس - رضي اللَّه تعالى عنهما - رآهم مستحقّين لخمس الخمس، كما يقول الشافعيّ ههنا وفي الزكاة، فقال ابن عبّاس بناء على ذلك: إنه عرض عليهم دون حقّهم. واللَّه تعالى أعلم. انتهى (١).
(فَأَبَيْنَا أَنْ نَقْبَلَهُ) أي امتنعنا من قبوله. ثم بيّن الذي عرضه عليهم عمر - رضي اللَّه تعالى عنه - بقوله (وَكَانَ الَّذِي عَرَضَ عَلَيْهِمْ، أَن يُعِينَ) بضمّ أوّله، من الإعانة (نَاكِحَهُمْ) أي في مؤن النكاح، من المهر وغيره (وَيَقْضِي) بفتح أوّله من القضاء، أي يؤدي (عَنْ غَارِمِهِمْ) أي مدِينهم (وَيُعطِيَ) بضمّ أوله، من الإعطاء (فَقِيرَهُمْ، وَأَبَى أَنْ يَزِيدَهُمْ عَلَى ذَلِكَ) أي امتنع عمر - رضي اللَّه تعالى عنه - أن يعطيهم أكثر مما يسدّ حاجتهم؛ لأنه لا يراهم مستحقّين أكثر من ذلك. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث ابن عبّاس - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا أخرجه مسلم.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-١/ ٤١٣٥ و ٤١٣٦ - وفي "الكبرى" ١/ ٤٤٣٥ و ٤٤٣٦. وأخرجه (م) في "الجهاد والسير" ١٨١٢ (د) في "الخراج" ٢٩٨٢ (أحمد) في "مسند بني هاشم" ١٩٦٨و ٢٨٠٧ و ٢٩٣٥ (الدارمي) "في "السير" ٢٤٧١. واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان قسم الفيء. (ومنها): جواز
стр. 15808
أخذ العلم بالمكاتبة، والمراسلة. (ومنها): إفتاء العالم لأهل البدع إذا كان فيه مصلحة، أو خاف مفسدة، لولم يُفتِهِم، فإن ابن عبّاس - رضي اللَّه تعالى عنهما - قال: "فلولا أن يقع في أُحموقة ما كتبت إليه " (ومنها): حلّ الغنائم. (ومنها): أن لقربى رسول اللَّه - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم - سهمًا خاصًا بهم، يستحقّونه، وهو خمس الخمس، كما قال ابن عبّاس - رضي اللَّه تعالى عنهما - هنا، وبهذا قال الشافعيّ -رحمه اللَّه تعالى-، وسيأتي تحقيق الخلاف في ذلك، إن شاء اللَّه تعالى. وذوو القربى هم عند الشافعيّ، والأكثرين بنو هاشم، وبنو المطّلب. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيلِ.
٤١٣٦ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ, قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ -وَهُوَ ابْنُ هَارُونَ- قَالَ: أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ, عَنِ الزُّهْرِيِّ, وَمُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ, عَنْ يَزِيدَ بْنِ هُرْمُزَ, قَالَ: كَتَبَ نَجْدَةُ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ, يَسْأَلُهُ عَنْ سَهْمِ ذِي الْقُرْبَى, لِمَنْ هُوَ؟ قَالَ يَزِيدُ بْنُ هُرْمُزَ: وَأَنَا كَتَبْتُ كِتَابَ ابْنِ عَبَّاسٍ إِلَى نَجْدَةَ, كَتَبْتُ إِلَيْهِ, كَتَبْتَ تَسْأَلُنِي عَنْ سَهْمِ ذِي الْقُرْبَى, لِمَنْ هُوَ؟ وَهُوَ لَنَا, أَهْلَ الْبَيْتِ, وَقَدْ كَانَ عُمَرُ, دَعَانَا إِلَى أَنْ يُنْكِحَ مِنْهُ أَيِّمَنَا, وَيُحْذِىَ مِنْهُ عَائِلَنَا, وَيَقْضِيَ مِنْهُ عَنْ غَارِمِنَا, فَأَبَيْنَا إِلاَّ أَنْ يُسَلِّمَهُ لَنَا, وَأَبَى ذَلِكَ, فَتَرَكْنَاهُ عَلَيْهِ).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا غير مرّة. و"عمرو بن عليّ": هو الفلاّس البصريّ الحافظ الثبت [١٠]. و"يزيد بن هارون": هو أبو خالد الواسطيّ الثقة الحافظ العابد [٩]. و، محمد بن إسحاق": هو أبو بكر المطّلبيّ مولاهم المدنيّ، إمام المغازي، صدوقٌ يُدلّس، من صغار [٥]. و"محمد بن عليّ": هو أبوجعفر الباقر المدنيّ، ثقة فاضل [٤].
وقوله: "ومحمد بن عليّ " بالجرّ عطفًا على "الزهريّ"، فابن إسحاق يروي عن كلٍّ من الزهريّ ومحمد بن عليّ. واللَّه تعالى أعلم.
وقوله: "كتبت إليه كتبت الخ" الأول بضمّ التاء؛ لأنه ضمير للمتكلّم، وهو يزيد، والثاني بفتحها؛ لأنه ضمير للمخاطب، وهو نجدة، والمعنى أن يزيد بن هُرمز كتب إلى نجدة بأمر ابن عبّاس - رضي اللَّه تعالى عنهما - كتابًا، نصُّهُ: "كتبت تسألني الخ".
وقوله: "أن يُنكح" بضمّ أوله، من الإنكاح. وقوله: "أيّمنا" -بفتح الهمزة، وتشديد التحتانيّة اللَّهُمَّ: قال الفيّوميّ: الأَيَم: الْعَزَبُ، رجلاً كان، أو امرأةً، قال الصغانيّ: وسواءٌ تزوّج من قبلُ، أو لم يتزوّج، فيُقال: رجلٌ أيّمٌ، وامرأةٌ أيمٌ، قال الشاعر [من الطويل]:
فَأُبْنَا وَقَدْ آبَتْ نِسَاءٌ كَثِيرَةٌ … وَنِسَاءُ سَعْدٍ لَيْسَ فِيهِنَّ أَيِّمُ
وقال ابْنِ السّكّيت أيضًا: فلانةٌ أَيّمٌ، إذا لم يكن لها زوجٌ، بكرًا كانت، أو ثيّبًا، ويقال أيضًا أَيِّمَةٌ للأنثى. انتهى.
стр. 15809
وقوله: "ويُحْذي " بضمّ أوّله، يقال: أحذيته أُحذِيه إِحذاء: إذا أعطيته، وهي الحُذيا، والحذِيّةُ. أفاده ابن الأثير (١). وقوله: "عائلنا": أي فقيرنا. وقوله: "عن غارمنا": أي مديوننا.
وقوله: "إلا أن يسلّمه لنا" من التسليم: أي يدفع سهم ذوي القربى لنا. والمراد أنهم أرادوا أن يدفعه كلّه لهم، وعمر - رضي اللَّه تعالى عنه - لم ير ذلك، بل حقّهم بحسب حاجتهم فقط.
والحديث أخرجه مسلم مطوّلاً من رواية جعفر بن محمد، عن أبيه، كما سبق بيانه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤١٣٧ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ يَحْيَى, قَالَ: حَدَّثَنَا مَحْبُوبٌ -يَعْنِي ابْنَ مُوسَى- قَالَ: أَنْبَأَنَا أَبُو إِسْحَاقَ -وَهُوَ الْفَزَارِيُّ- عَنِ الأَوْزَاعِيِّ, قَالَ: كَتَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ, إِلَى عُمَرَ بْنِ الْوَلِيدِ كِتَابًا, فِيهِ: وَقَسْمُ أَبِيكَ لَكَ الْخُمُسُ كُلُّهُ, وَإِنَّمَا سَهْمُ أَبِيكَ, كَسَهْمِ رَجُلٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ, وَفِيهِ حَقُّ اللَّهِ, وَحَقُّ الرَّسُولِ, وَذِى الْقُرْبَى, وَالْيَتَامَى, وَالْمَسَاكِينِ, وَابْنِ السَّبِيلِ, فَمَا أَكْثَرَ خُصَمَاءَ أَبِيكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ, فَكَيْفَ يَنْجُو مَنْ كَثُرَتْ خُصَمَاؤُهُ, وَإِظْهَارُكَ الْمَعَازِفَ, وَالْمِزْمَارَ بِدْعَةٌ فِي الإِسْلَامِ, وَلَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ أَبْعَثَ إِلَيْكَ مَنْ يَجُزُّ جُمَّتَكَ, جُمَّةَ السُّوءِ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (عمرو بن يحيى) الحمصيّ، ثقة [١٢]. ٦٧/ ٢٣٢٩ من أفراد المصنّف-
٢ - (محبوب بن موسى) أبو موسى الأنطاكيّ الفرّاء، صدوقٌ [١٠] ١/ ٣٥٨٩.
٣ - (أبو إسحاق الفزاريّ) إبراهيم بن محمد بن الحارث الإمام الحافظ الثقة، صاحب التصانيف [٨]. ٥٨/ ٨٦٣.
٤ - (الأوزاعيّ) أبو عمرو عبد الرحمن بن عمرو، الدمشقيّ، الإمام الحجة الفقيه الثبت [٧] ٤٥/ ٥٦.
٥ - (عمر بن عبد العزيز) بن مروان بن الحكم بن أبي العاص الأمويّ الخليفة
الراشد، والإمام الزاهد، أمه أم عاصم بنت عاصم بن عمر بن الخطّاب، ولي إمرة
المدينة للوليد، وكان مع سليمان كالوزير، وولي الخلافة بعده، فعُدّ مع الخلفاء
الراشدين، مات في رجب سنة (١٠١)، وله (٤٠) سنة، ومدّة خلافته سنتان ونصفٌ
[٤] ١٢٢/ ١٧١. واللَّه تعالى أعلم.
стр. 15810
شرح الحديث
(عَنْ الأَوْزَاعِيِّ) أنه (قَالَ: كَتَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ) الخليفة الراشد (إِلَى عُمَرَ بْنِ الْوَلِيدِ) الظاهر أنه ولد الوليد بن عبد الملك بن مروان. ولم أجد ترجمته (كِتابًا فِيهِ) أي في ذلك الكتاب (وَقَسْمُ أَبِيكَ لَكَ الْخُمُسُ كُلُّهُ) الظاهر أن "قسم" مبتدأٌ، مضاف إلى "أبيك"، وخبره قوله: "لك": أي وَحَظُّ أبيك كائن لك، وقوله: "الخمس كلّه" خبر لمحذوف: أي وهو الخمس كله، والظاهر أنه أراد توبيخه على أخذه الخمس كلّه، راضيا بفعل أبيه، مع أنه يتعلّق به حقوق غيره، كما بيّنه في قوله: "وفيه حقّ اللَّه الخ". وقال السنديّ: قوله: "وقسم أبيك" هكذا في نسختنا "أبيك" بالياء، والظاهر أن الجملة فعليةٌ، فالأظهر "أبوك" بالواو، إلا أن يُجعل "أُبَيَّكَ" تصغير "أَبٍ"، إما لأن المقام يُناسب التحقير، أو لأن اسم "الوليد" يُنبىء عن الصغر، فصغّره لذلك.
ويحتمل أن يكون "قسم" بفتح، فسكون، مصدر "قَسَمَ"، مبتدأ، والخبر مقدّرٌ، أي "غير مستقيم"، أو"غير لائق"، أو نحو ذلك، أو "الخمس كلّه"، على أن القسم بمعنى المقسوم. انتهى كلام السنديّ -رحمه اللَّه تعالى- (١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: لا حاجة لجعله جملة فعليّة؛ لأنه تكلّف لا يُساعده تركيب الجملة، وإنما الأقرب عندي أن يكون جملة اسميّة، على الوجه الذي قدّمته. واللَّه تعالى أعلم.
[تنبيه]: وقع في "الكبرى" بلفظ: "وقسم أباك لك الخ" فيحتمل أن يكون على لغة من يستعمل الأسماء الستّة بالألف مقصورة. واللَّه تعالى أعلم.
(وَإنَّمَا سَهْمُ أَبِيكَ، كَسَهْمِ رَجُلٍ مِنْ الْمُسْلِمِين) يعني أنه لا يستحقّ من الفيء أكثر من سهم رجل من المسلمين، فضلاً عن أن يستأثر بالخمس كلّه، ففيه ذمّه على أخذه ما لا يستحقّه؛ لأن الخمس قد بيّن اللَّه تعالى من يستحقّه في كتابه، حيث قال: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ الآية [الأنفال: ٤١]، هالى هذا المعنى أشار عمر بن عبد العزيز -رحمه اللَّه تعالى- بقوله (وفِيهِ) أي في الخمس الذي أخذه عبد الملك، واستأثر به (حَقُّ اللَّهِ) تعالى (وَحَقُّ الرَّسُولِ) - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم - (وَذِي الْقُرْبَى، وَالْيَتَامَى، والْمَسَاكِينِ، وَابْنِ السَّبَيلِ) أي كما بيّنته الآية المذكورة (فَمَا) تعجّبية (أَكْثَرَ خُصَمَاءَ أَبِيكَ) هكذا نسخ "المجتبى" بلفظ "أبيك"، وهو الصواب، ووقع في "الكبرى": فما أكثر خصماء ابنك " بلفظ "ابنك"، وهو تصحيف. واللَّه تعالى أعلم (يَوْمَ الْقِيَامَةِ) حيث منع
стр. 15811
المستحقين من حقوقهم، مستأثرًا بها (فَكَيْفَ يَنْجُو مَنْ كَثُرَتْ خُصَمَاؤُهُ) أي لأنهم يستوفون حقوقهم من حسناته، فإن لم تف حسناته، حُمَّل خطاياهم، فدخل النار، كما أخرجه مسلم في "صحيحه" من حديث أبي هريرة - رضي اللَّه تعالى عنه -، أن رسول اللَّه ﷺ قال: "أتدرون ما المفلس؟ "، قالوا: المفلس فينا من لا درهم له، ولا متاع، فقال: "إن المفلس من أمتي، يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي قد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا، فيُعطَى هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته قبل أن يُقْضَى ما عليه، أُخذ من خطاياهم، فطُرِحت عليه، ثم طرح في النار".
وقال السنديّ: قوله: "من كثرت خصماؤه" الظاهر من جهة الخطّ والسَّوْق أن "من" بفتح الميم، موصولة، فاعل "ينجو". ويحتمل على بُعْد أن فاعل "ينجو" ضمير أبيه، و"من" جارّة، فيتأمّل. انتهى.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الاحتمال الذي ذكره السنديّ بعيد عن سياق الحديث، فلا ينبغي ارتكابه. واللَّه تعالى أعلم.
(وَإِظْهَارُكَ الْمَعَازِفَ) بعين مهمدة، وزاي معجمة، وفاء: أي آلات اللَّهو. قال المجد: و"المعازف":الملاهي، كالعُود، والطُّنبور، الواحد عزفٌ، أو مِعرْفٌ، كمِنبر، ومِكنسة. انتهى. وقال الفيّوميّ: عرّف عزفًا، من باب ضرب، وعزِيفًا: لعِب بالمعازف، وهي آلات يُضرب بها، الواحد عزْف، مثلُ فلس، على غير قياس. قال الأزهري: وهو نقلٌ عن العرب، قال: وإذا قيل: المعزفُ بكسر الميم- فهو نوع من الطَّنابير، يتّخذه أهل اليمن، قال: وغير الليث يجعل العُود مِعزفًا. وقال الجوهري: المعازف: الملاهي. انتهى.
(وَالْمِزْمَارَ) بكسر الميم: آلة الزَّمرِ، أي الغناء، يقال: زمر يزمر، من بابي نصر، وضرب، زمرًا، وزمِيرًا، وزمَّر تزميرا: إذا غنّى في القصب. قاله في "القاموس" (بدْعةٌ في الإسلام) أي مُحدث فيه، حيث إن الشارع ذمّه، بل نهى عنه، فقد أخرج البخاريّ في "صحيحها" من طريق الرحمن بن غنم الأشعريّ، قال: حدثني أبو عامر، أو أبو مالك الأشعريّ، واللَّه ما كذبني، سمع النبيّ ﷺ يقول: "ليكوننّ من أمتي أقوام، يستحلون الحِر، والحرير، والخمر، والمعازف، ولينزلنّ أقوام إلى جنب علم، يرُوح عليهم بسارحة لهم، يأتيهم -يعني الفقير لحاجة- فيقودون: ارجع إلينا غدا، فيُبيِّتهم اللَّه، ويضعِ العلم، ويمسخ آخرين قردة وخنازير، إلى يوم القيامة".
(وَلَقَدْ هَمَمْتُ) بفتح الميم: أي قصدت، يقال: هممتُ بالشيء همّا، من باب قتل: إذا أردته، ولم تفعله. قاله الفيّوميّ (أَنْ أَبْعَثَ إِلَيْكَ مَنْ يَجُزُّ) بجيم، وزاي مشدّدة، من باب نصر: أي يقطع (جُمَّتَكَ) بضمّ الجيم، وتشديد الميم: مُجتمع شعر الرأس، قاله المجد. وقال الفيّوميّ: والجُمة من الإنسان: مُجتمع شعر ناصيته، يقال: هي التي تبلُغ
стр. 15812
المنكبين، والجمع جمُم، مثلُ غُرْفة وغُرف. انتهى. وقوله (جُمَّةَ السَّوءِ) بالنصب بدل من " جمتك". و"السَّوءُ" بالفتح، ويُضم، قال الفيّوميّ: هو رجُلُ سوءٍ بالفتح والإضافةِ، وعملُ سوْءِ، فإن عرّفت الأول قلت: الرجلُ السَّوْءُ، والعملُ السَّوْءُ على النعت. انتهى وقال في "القاموس": ساءهُ سوْءًا وسواءً وسواءَةً وسوايةً وسوائيةً ومساءَةً ومسائيةً: فعل به ما يكرهُ، فاستاء هو، والسُّوءُ بالضم الاسم منه، ويقال: "لا خير في قولِ السوْءِ" بالفتح والضم، إذا فتحت فمعناه: في قولٍ قبيح، وإذا ضممت فمعناه: في أن تقول سُوءًا، وقُرِئ "عليهم دائرة السوء" بالوجهين: أي الهزيمةُ، والشرُّ، والرَّدى، والفسادُ، وكذا "أُمطِرت مطر السَّوْءِ"، أو المضموم الضرر، والمفتوح الفساد. انتهى باختصار. فأفادت عبارة "القاموس" أن "السوء" في قوله: " جمة السوء" يجوز فتح سينه وضمها. واللَّه تعالى أعلم. قال السنديّ -رحمه اللَّه تعالى-: ولا كراهة في اتّخاذ الجُمّة، فلعله كرهها؛ لأنه يتبختر بها، فلذلك أضافها إلى السوء. انتهى (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: أثر عمر بن عبد العزيز هذا مقطوع صحيح الإسناد، وهو من أفراد المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، أخرجه هنا-١/ ٤١٣٧ - وفي "الكبرى" ٤٤٣٧.
ومناسبته للباب واضحة، حيث إن عمر بن عبد العزيز -رحمه اللَّه تعالى- يرى أن الخمس يقسم على من ذكرهم اللَّه تعالى في كتابه، من الأصناف، ولا حقّ فيه لغيرهم، فما يفعله بعض الملوك، والأمراء من الاستبداد به، فإنه ظلم، وأكل بالباطل لأموال الناس. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤١٣٨ - (أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ, قَالَ: حَدَّثَنَا شُعَيْبُ بْنُ يَحْيَى, قَالَ: حَدَّثَنَا نَافِعُ بْنُ يَزِيدَ, عَنْ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ, عَنِ ابْنِ شِهَابٍ, قَالَ: أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ, أَنَّ جُبَيْرَ بْنَ مُطْعِمٍ حَدَّثَهُ, أَنَّهُ جَاءَ هُوَ, وَعُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ, رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , يُكَلِّمَانِهِ فِيمَا قَسَمَ مِنْ خُمُسِ حُنَيْنٍ, بَيْنَ بَنِي هَاشِمٍ, وَبَنِي الْمُطَّلِبِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ, فَقَالَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ, قَسَمْتَ لإِخْوَانِنَا بَنِي الْمُطَّلِبِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ, وَلَمْ تُعْطِنَا شَيْئًا, وَقَرَابَتُنَا مِثْلُ قَرَابَتِهِمْ, فَقَالَ لَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنَّمَا أَرَى هَاشِمًا وَالْمُطَّلِبَ شَيْئًا وَاحِدًا» , قَالَ جُبَيْرُ بْنُ مُطْعِمٍ: وَلَمْ يَقْسِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِبَنِي عَبْدِ شَمْسٍ, وَلَا لِبَنِي نَوْفَلٍ, مِنْ ذَلِكَ الْخُمُسِ شَيْئًا, كَمَا قَسَمَ لِبَنِي هَاشِمٍ, وَبَنِي الْمُطَّلِبِ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (عبد الرحمن بن عبد اللَّه بن عبد الحكم) أبو القاسم المصريّ، ثقة [١١] ١٥٢/
стр. 15813
٢٩٤٤ في أفراد المصنّف.
٢ - (شعيب بن يحيى) بن السائب التُّجِيبيّ العباديّ، أبو يحيى المصريّ، صدوقٌ عابدٌ [١٠].
قال أبو حاتم: شيخٌ، ليس بالمعروف. وذكره ابن حبّان في "الثقات"، وقال: إنه مستقيم الحديث. واحتجّ به ابن خُزيمة في "صحيحه". وقال ابن يونس: كان رجلًا صالحًا، غَلَبت عليه العبادة، توفّي سنة (١١)، وقيل: (٢١٥). تفرد به المصنّف بهذا الحديث فقط.
٣ - (نافع بن يزيد) الْكَلَاعيّ، أبو يزيد المصريّ، ثقة عابد [٧] ٣/ ٢٠٩٨.
٤ - (يونس) بن يزيد الأيليّ المذكور أول الباب.
٥ - (ابن شهاب) محمد بن مسلم الإمام المذكور أول الباب أيضًا.
٦ - (سعيد بن المسيّب) بن حزن المخزوميّ، أبو محمد المدنيّ الفقيه، ثقة ثبت فاضل، من كبار [٣] ٩/ ٩.
٧ - (جُبير بن مطعم) بن عديّ بن نوفل بن عبد مناف القرشيّ النوفليّ، الصحابيّ، مات سنة ثمان، أو تسع وخمسين، وتقدّمت ترجمته في ١٥٨/ ٢٥٠. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سباعيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه من أفراده. (ومنها): أنه مسلسل بثقات المصريين إلى يونس، فإنه سكن مصر أيضًا، وبعده بثقات المدنيين. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ. (ومنها): أن فيه ابن المسيّب من الفقهاء السبعة. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
عن ابن المسيّب -رحمه اللَّه تعالى- (أَنَّ جُبَيْرَ بْنَ مُطْعِم) - رضي اللَّه تعالى عنه - أنه (حَدَّثَهُ) أي حدث سعيدًا (أَنَّهُ جَاءَ هُوَ، وَعُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ) بن أبي العاص بن أميّة بن عبد شمس الأمويّ، أمير المؤمنين، وأحد الخلفاء الأربعة، والمبشّرين بالجنة، استُشهد - رضي اللَّه تعالى عنه - في ذي الحجة، بعد عيد الأضحى سنة (٣٥)، وكانت خلافته اثنتي عشرة سنة، وعمره ثمانون، وقيل: أكثر، وقيل: أقلّ، وتقدّمت ترجمته في ٦٨/ ٨٤.
وإنما اختصّ جبير، وعثمان بالمجيء؛ لأن عثمان من بني عبد شمس، وجبير بن مطعم من بني نوفل، وعبدُ شمس، ونوفلٌ، وهاشم، والمطّلب سواء، الجميعُ بنو عبد مناف، وهذا معنى قولهما: "وقرابتنا مثل قرابتهم".
(رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ) بنصب "رسول " على المفعوليّة لـ"جاء" (يُكَلِّمَانِهِ فِيمَا قَسَمَ مِنْ
стр. 15814
خُمُسِ حُنَينٍ) أي خُمُسِ الغنيمة التي حصلت من غزوة حُنين، بصيغة التصغير: واد بين مكة والطائف، وهو مذكر منصرفٌ، وقد يؤنّث على معنى البقعة.
وقصّة حُنين أن النبيّ - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم - فتح مكة في رمضان سنة ثمان، ثم خرج منها لقتال هوازن، وثَقِيف، وقد بقيت أيام من رمضان، فسار إلى حنين، فلما التقى الجمعان، أنكشف المسلمون، ثم أمدّهم اللَّه بنصره، فعطفوا، وقاتلوا المشركين، فهزموهم، وغنِموا أموالهم، وعيالهم، ثم صار المشركون إلى أوطاس، فمنهم من سار على نَخلَةَ اليمانيّة، ومنهم من سلك الثنايا، وتبِعت خيلُ رسول اللَّه - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم - من سلك نخلة. ويقال: إنه - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم - أقام عليها يومًا وليلةً، ثم صار إلى أوطاس، فاقتتلوا، وانهزم المشركون إلى الطائف، وغنِم المسلمون منها أيضًا أموالهم وعيالهم، ثم صار إلى الطائف، فقاتلهم بقيّة شوّال، فلما أهل ذو القعدة ترك القتال؛ لأنه شهرٌ حرامٌ، ورحل راجعاً، فنزل الجعرانة، وقسم بها غنائم أوطاس، وحُنين، ويقال: كانت ستة آلاف سبيّ. واللَّه تعالى أعلم.
(بَينِ بَنِي هَاشِمٍ، وَبَنِي الْمُطَّلِبِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ، فَقَالَا: يَا رَسُول اللَّهِ، قَسَمْتَ لإِخْوَانِنَا بَنِي الْمُطَّلِبِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ، وَلَمْ تُعْطِنَا شَيْئًا، وَقَرَابَتُنَا مِثْلُ قَرَابَتِهِمْ) حيث إنهم كلهم أولاد عبد مناف. وفي الرواية التالية: "فقلنا: يا رسول اللَّه ﷺ هؤلاء بنو هاشم، لا ننكر فضلهم، لمكانك الذي جعلك اللَّه به منهم، أرأيت بني المطّلب أعطيتهم، ومنعتنا، فإنما نحن وهم منك بمنزلة" (فَقَالَ لَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّمَا أَرَى هَاشِمًا وَالْمُطَّلِبَ شَيْئًا وَاحِدًا") وفي نسخة: "كشيء واحد". والمراد بهاشم، والمطّلب أولادهما، أي هم لكمال الاتحّاد بينهم في الجاهليّة والإِسلام كشيء واحد، كما أوضحه في الرواية التالية، حيث قال: "إنهم لم يفارقوني في جاهليّة، ولا إسلام، إنما بنو هاشم، وبنو المطّلب شيء واحد، وشبّك بين أصابعه".
[تنبيه]: قوله: "إنما أرى الخ" هكذا نسخ "المجتبى"، ووقع في "الكبرى" بدله: "إنما أبناء هاشم والمطّلب واحد". ووقع عند أكثر رواة البخاريّ: "إنما بنو المطّلب، وبنو هاشم شيء واحد"، بالشين المعجمة المفتوحة، والهمزة. قال الحافظ: ووقع في رواية الحمويّ "سِيٌّ (١) واحدٌ" بكسر المهملة، وتشديد التحتانيّة، وكذلك كان يرويه يحيى بن معين وحده. قال الخطّابيّ: هو أجود في المعنى. ووقع في رواية أبي زيد المروزيّ: "شيء أحدٌ" بغير واو، وبهمز الألف، فقيل: هما بمعنى. وقيل: الأحد الذي ينفرد بشيء لا يشاركه فيه غيره، والواحد أول العدد. وقيل: الأحد المنفرد بالمعنى، والواحد المنفرد بالذات. وقيل: الأحد لنفي ما يُذكر معه من العدد، والواحد
стр. 15815
اسم لمفتاح العدد من جنسه. وقيل: لا يقال: أحد إلا للَّه تعالى. حكى جميع هذا عياض. ونقله في "الفتح".
(قَالَ جُبَيْرُ بْنُ مُطْعِمٍ: وَلَمْ يَقْسِمْ) بفتح أوْله (رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِبنِي عَبْدِ شَمْسٍ، وَلَا لِبَنِي نَوْفَلِ، مِنْ ذَلِكَ الْخُمُسِ شَيْئًا، كَمَا قَسَمَ لِبَنِي هَاشِمٍ، وَبَنِي الْمُطَّلِبِ) زاد في رواية أبي داود: "وكان أبو بكر يقسم الخمس نحو قسم رسول اللَّه - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم، غير أنه لم يكن يُعطي قربى رسول اللَّه - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم -، وكان عمر يُعطيهم منه، وعثمان بعده".
قال في "الفتح": وهذه الزيادة بيّن الذهليّ في " جمع حديث الزهريّ" أنها مدرجة من كلام الزهريّ، وأخرج ذلك مفصّلاً من رواية الليث، عن يونس، وكأنّ هذا هو السرّ في حذف البخاريّ هذه الزيادة، مع ذكره لرواية يونس. انتهى (١).
[فائدة]: ذكر البخاريّ -رحمه اللَّه تعالى- عقب الحديث المذكور: ما نصّه: وقال ابن إسحاق: عبد شمس، وهاشم، والمطّلب إخوة لأمّ، وأمّهم عاتكة بنت مرّة، وكان نوفل أخاهم لأبيهم. انتهى. قال في "الفتح": وصله في "التاريخ". وقوله: عاتكة بنت مرّة" أي ابن هلال، من بني سليم. وقوله: "وكان نوفلٌ أخاهم لأبيهم" لم يُسمّ أمه، وهي واقدة بالقاف- بنت عديّ، واسمه نوفل بن عُبادة، من بني مازن بن صعصعة. وذكر الزبير بن بكّار في "النسب" أنه كان يقال لهاشم والمطّلب: البدران، ولعبد شمس ونوفل: الأبهران. وهذا يدلّ على أن بني هاشم والمطّلب ائتلافًا، سرى في أولادهما من بعدهمالأولهذا لَمّا كتبت قريش الصحيفة بينهم وبين بني هاشم، وحصروهم في الشّعب، دخل بنو المطّلب مع بني هاشم، ولم تدخل بنو نوفل، وبنو عبد شمس. انتهى (٢). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث جبير بن مطعم - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا أخرجه البخاريّ.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-١/ ٤١٣٨ و ٤١٣٩ - وفي "الكبرى" ١/ ٤٤٣٨ و ٤٤٣٩. وأخرجه (خ)
стр. 15816
في "فرض الخمس" ٣١٤٠ و"المناقب" ٣٥٠٣ و"المغازي" ٤٢٢٩ (د) في "الخراج والإمارة والفيء" ٢٩٧٨ و ٢٩٧٩ و ٢٩٨٠ (ق) في "الجهاد" ٢٨٨١ (أحمد) في "أول مسند المدنيين" ١٦٢٩٩ و ١٦٣٢٧ و ١٦٣٤١. واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان أن قسم الفيء، حيث قسم النبيّ - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم - خمس الخمس على بني هاشم والمطّلب، عملًا بما في الآية الكريمة. (ومنها): أن في الحديث حجة للشافعيّ، ومن وافقه أن سهم ذوي القربى لبني هاشم، والمطّلب، دون بقية قرابة رسول اللَّه - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم - من قريش. وعن عمر بن عبد العزيز: هم بنو هاشم خاصّة، وبه قال زيد بن أرقم، وطائفة من الكوفيين، وهذا الحديث يدلّ لإلحاق بني المطّلب بهم. وقيل: هو قريش كلها، لكن يُعطي الإمام منهم من يراه، وبهذا قال أصبغ، وهذا الحديث حجة عليه. (ومنها): أن فيه توهين قول من قال: إن النبيّ - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم - إنما أعطاهم بعلّة الحاجة، إذ لو أعطاهم بعلة الحاجة لم يخصّ قومًا دون قوم، والحديث ظاهر في أنه أعطاهم بسبب النصرة، وما أصابهم بسبب الإسلام من بقيّة قومهم الذين لم يُسلموا، والملخّص أن الآية نصّت على استحقاق قربى النبيّ - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم، وهي متحقّقة في بني عبد شمس؛ لأنه شقيق، وفي بني نوفل، إذا لم تُعتبر قرابة الأمّ.
واختلف الشافعيّة في سبب إخراجهم، فقيل: العلّة القرابة مع النصرة، فلذلك دخل بنو هاشم، وبنو المطّلب، ولم يدخل بنو عبد شمس، وبنو نوفل؛ لفقدان جزء العلة، أو شرطها. وقيل: الاستحقاق بالقرابة، ووُجد ببني عبد شمس، ونوفل مانع؛ لكونهم انحازوا عن بني هاشم، وحاربوهم.
(ومنها): ما قاله ابن بطال: وفيه ردّ لقول الشافعيّ: إن خمس الخمس يُقسم بين ذوي القربى، لا يُفضل غني على فقير، وإنه يقسم بينهم للذكر مثل حظ الأنثيين. وتعقّبه الحافظ بأنه لا حجة فيه لما ذكر، لا إثباتًا، ولا نفيًا:
أما الأول، فليس في الحديث إلا أنه قسم خمس الخمس بين بني هاشم والمطّلب، ولم يتعرّض لتفضيل، ولا عدمه، وإذا لم يتعرض، فالأصل في القسمة إذا أُطلقت التسوية والتعميم، فالحديث إذًا حجة للشافعيّ، لا عليه. ويمكن التوصّل إلى التعميم بأن يأمر الإمام نائبه في كلّ إقليم بضبط من فيه، ويجوز النقل من مكان إلى مكان للحاجة. وقيل: لا، بل يختصّ كلّ ناحية بمن فيها.
стр. 15817
وأما الثاني فليس فيه تعرّض لكيفيّة القسم، لكن ظاهره التسوية، وبها قال المزنيّ، وطائفة، فيحتاج من جعل سبيله الميراث إلى دليل.
وذهب الأكثر إلى تعميم ذوي القربى في قسمة سهمهم عليهم، بخلاف اليتامى، فيخص الفقراء منهم عند الشافعيّ، وأحمد. وعن مالك يعمّهم في الإعطاء. وعن أبي حنيفة يخصّ الفقراء من الصنفين. وحجة الشافعيّ أنهم لما منعوا الزكاة عُمّوا بالسهم، ولأنهم أُعطوا بجهة القرابة، إكرامًا لهم، بخلاف اليتامى، فإنهم أعطوا لسدّ الخلّة. ذكر هذا كلّه في "الفتح" (١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: القول بالتعميم هو الذي يرتجحه المصنّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- في كلامه الآتي، لكنه يخصّه بالفقراء، وسيأتي البحث في ذلك عند ذكر المصنّف له، إن شاء اللَّه تعالى.
(ومنها): أنه استُدلّ به على جواز تأخير البيان عن وقت الخطاب إلى وقت الحاجة، فإن ذوي القربى لفظٌ عامّ، خُصّ ببني هاشم، والمطلب. قال ابن الحاجب: ولم يُنقل اقتران إجماليّ، مع أن الأصل عدمه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤١٣٩ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى, قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ, قَالَ: أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ, عَنِ الزُّهْرِيِّ, عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ, عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ, قَالَ: لَمَّا قَسَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , سَهْمَ ذِي الْقُرْبَى, بَيْنَ بَنِي هَاشِمٍ وَبَنِي الْمُطَّلِبِ, أَتَيْتُهُ أَنَا, وَعُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ, فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ, هَؤُلَاءِ بَنُو هَاشِمٍ, لَا نُنْكِرُ فَضْلَهُمْ, لِمَكَانِكَ الَّذِي جَعَلَكَ اللَّهُ بِهِ مِنْهُمْ, أَرَأَيْتَ بَنِي الْمُطَّلِبِ, أَعْطَيْتَهُمْ وَمَنَعْتَنَا, فَإِنَّمَا نَحْنُ وَهُمْ مِنْكَ بِمَنْزِلَةٍ, فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنَّهُمْ لَمْ يُفَارِقُونِي فِي جَاهِلِيَّةٍ, وَلَا إِسْلَامٍ, إِنَّمَا بَنُو هَاشِمٍ, وَبَنُو الْمُطَّلِبِ شَيْءٌ وَاحِدٌ» , وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا غير مرّة.
وقوله: "لمكانك" أي لمكانتك، وفضلك، أي لا ننكر فضلهم بسبب فضلك الذي جعلك اللَّه مقرونًا به، أي بذلك الفضل، حال كونك منهم، فحصل لهم بذلك فضلٌ أَيْ شرفٌ.
وقوله: "بمنزلة" أي بدرجة واحدة في النسب والفضل.
стр. 15818
والحديث صحيح، وقد تقدّم تخريجه في الحديث الذي قبله. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤١٤٠ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ يَحْيَى بْنِ الْحَارِثِ, قَالَ: حَدَّثَنَا مَحْبُوبٌ -يَعْنِي ابْنَ مُوسَى- قَالَ: أَنْبَأَنَا أَبُو إِسْحَاقَ -وَهُوَ الْفَزَارِيُّ- عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَيَّاشٍ, عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ مُوسَى, عَنْ مَكْحُولٍ, عَنْ أَبِي سَلاَّمٍ, عَنْ أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ, عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ, قَالَ: أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ حُنَيْنٍ وَبَرَةً, مِنْ جَنْبِ بَعِيرٍ, فَقَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ, إِنَّهُ لَا يَحِلُّ لِي, مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ قَدْرَ هَذِهِ, إِلاَّ الْخُمُسُ, وَالْخُمُسُ مَرْدُودٌ عَلَيْكُمْ».
قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ: اسْمُ أَبِي سَلاَّمٍ: مَمْطُورٌ وَهُوَ حَبَشِيٌّ, وَاسْمُ أَبِي أُمَامَةَ, صُدَيُّ بْنُ عَجْلَانَ, وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ).
رجال هذا الإسناد: تسعة:
١ - (عبد الرحمن بن عيّاش) بتحتانيّة ثقيلة، ومعجمة-: هو عبد الرحمن بن الحارث ابن عبد اللَّه بن عيّاش بن أبي ربيعة، واسمه عمرو بن المغيرة بن عبد اللَّه بن عُمر بن مخزوم المخزوميّ، أبو الحارث المدنيّ، نُسب إلى جدّه الأعلى، صدوق، له أوهام [٧].
قال ابن أبي خيثمة، عن ابن معين: صالح. وقال أبو حاتم: شيخ. وقال النسائيّ: ليس بالقويّ. وقال العجليّ: مدنيّ ثقة. وقال عثمان الدارميّ، عن ابن معين: ليس به بأس. وقال أحمد: متروك. وضعّفه عليّ بن المدينيّ. وقال ابن نمير: لا أقدم على ترك حديثه. وذكره ابن حبّان في "الثقات"، وقال: كان من أهل العلم. وقال ابن سعد: كان ثقة، وتوفّي في أول خلافة أبي جعفر. وقال غيره: وُلد في عام الْجُحَاف (١) سنة (٨٠)، ومات سنة (١٤٣). روى له البخاريّ في "الأدب المفرد"، والأربعة، وله عند المصنّف في هذا الكتاب هذا الحديث فقط،
٢ - (سليمان بن موسى) الأمويّ الدمشقيّ الأشدق، صدوق فقيه، في حديثه بعض لين، وخولط قبل موته بقليل [٥] ٧/ ٥٠٤.
٣ - (مكحول) أبو عبد اللَّه الشاميّ، ثقة فقيةٌ، كثير الإرسال، مشهور [٥] ٤/ ٦٣٠.
٤ - (أبو سلّام) ممطور الأسود الحبشيّ، ثقة، يرسل [٣] ٢/ ١٣٧٠.
٥ - (أبو أمامة الباهليّ) صُديّ بصيغة التصغير- ابن عجلان الصحابيّ المشهور، سكن الشام، ومات بها - رضي اللَّه تعالى عنه - سنة (٨٦) تقدّمت ترجمته في ١٠٨/ ١٤٧.
стр. 15819
٦ - (عبادة بن الصامت) بن قيس الأنصاريّ الخزرجيّ، أبو الوليد المدنيّ، أحد النقباء، البدريّ المشهور، مات - رضي اللَّه تعالى عنه - بالرملة، سنة (٣٤)، وله (٧٢) سنة، وقيل: عاش إلى خلافة معاوية، تقدّمت ترجمته في -٦/ ٤٦١، والباقون ترجموا قبل حديثين. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من تساعيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-، فهو من أنزل الأسانيد له، فإن أعلاها الرباعيّات، وأنزلها الْعُشاريّات، كما مرّ بيانه في مقدمة هذا الشرح. (ومنها): أن رجاله كلهم ثقات. (ومنها): أنه مسلسل بالشاميين من عبد الرحمن بن عيّاش. (ومنها): أن فيه ثلاثةً من التابعين يروي بعضهم، عن بعض: سليمان، عن مكحول، عن أبي سلام. (ومنها): أن فيه رواية صحابيّ, عن صحابيّ. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ) - رضي اللَّه تعالى عنه -، أنه (قَالَ: أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، يَوْمَ حُنَيْنِ) أي يوم قسمه الغنائم التي حصلت للمسلمين في غزوة حنين، وقد تقدّم بيانها قبل حديث (وَبَرَةً) بفتحات-: واحدة الْوَبَر، كقَصَبَة وقَصَب، وهو للبعير كالصوف للغنم، وهو في الأصل مصدرٌ، من باب تعِب، وبعيرٌ وَبِرٌ بالكسر: كثير الوَبَر، وناقةٌ وَبِرَةٌ، والجمع أوبار، مثلُ سبب وأسباب. قاله الفيّوميّ (مِنْ جَنْبِ بَعِيرٍ، فَقَالَ: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّهُ لَا يَحِلُّ لِي، مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ) أي رجعه اللَّه من أموال الكفار على المسلمين، ورزقهم إياه، وفيه تنبيه على أنهم هو المستحقون للأموال أصالة، وإن الكفّار متغلبون على حقوق المسلمين (قَدْرُ هَذِهِ) برفع "قدرُ" على الفاعلية لـ"لا يحلّ" (إِلاَّ الْخُمُسُ) بالرفع على أنه بدل من "قدر"؛ إذ الاستثناء مفرّغ (وَالْخُمُسُ مَرْدُودٌ عَلَيْكُمْ) أي مصروف في مصالحكم، وذلك أنه - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم - كان يقسم الغنالم على خمسة اقسام، فأربعة أخماسه بين الغانمين، لا يشاركهم فيه أحد غيرهم، ثم يقسم الخمس خمسة أقسام، له خمسه، ومثله لذوي القربى، ولكلّ من اليتامى، والمساكين، وابن السبيل مثل ذلك، على ما في آية الغنيمة، ثم يصرف ما فضل عن أهله في مصالح المسلمين، وسيأتي تمام البحث في هذا عند ذكر المصنّف له، إن شاء اللَّه تعالى.
(قَالَ أَبُو عَبْد الرَّحْمَنِ) النسائيّ -رحمه اللَّه تعالى- (اسْمُ أَبِي سَلَّام) بتشديد اللام (مَمْطُورٌ) بصيغة اسم مفعول "مَطَرَ" (وَهُوَ حَبَشِيٌّ) أي منسوب إلى الحبشة الجيل
стр. 15820
المعروف (وَاسْمُ أَبِي أُمَامَةَ) بضمّ الهمزة (صُدَيُّ) بضمّ الصاد، وفتح القال المهملتين بصيغة التصغير (ابْنُ عَجْلَانَ) بفتح العين المهملة، وسكون الجيم.
ودلالة الحديث على الترجمة من حيث إن الخمس حقّ للنبيّ أنه - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم -، فكان يعطيه مستحقيه، وما بقي منه كان يصرف الخمس في مصالح المسلمين، فلا يستأثر به دونهم. واللَّه تعالى أعلم.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: حديث عبادة بن الصامت - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا صحيح، وهو من أفراد المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، أخرجه هنا- ١/ ٤١٤٠ - وفي "الكبرى" ١/ ٤٤٤٠. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤١٤١ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ يَزِيدَ, قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ, قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ, عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ, عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ, عَنْ أَبِيهِ, عَنْ جَدِّهِ, أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَتَى بَعِيرًا, فَأَخَذَ مِنْ سَنَامِهِ وَبَرَةً بَيْنَ إِصْبَعَيْهِ, ثُمَّ قَالَ: «إِنَّهُ لَيْسَ لِي مِنَ الْفَىْءِ شَيْءٌ, وَلَا هَذِهِ, إِلاَّ الْخُمُسُ, وَالْخُمُسُ مَرْدُودٌ فِيكُمْ»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -. "ابن أبي عديّ": هو محمد بن إبراهيم.
وقوله: "من سنامه" بفتح السين المهملة: هو ما ارتفع من ظهر الجمل.
وقوله: إصبيعيه" بكسر الهمزة أفصح، وفيها عشر لغات: تثليث الهمزة، مع تثليث الباء، والعاشرة: أُصبوع، بوزن أُسبوع.
والحديث صحيح، وقد تقدّم مطولًا في "كتاب الهبة" ١/ ٧١٥ - وقد سبق شرحه، وتخريجه هناك، وقد سبق وجه استدلال المصنّف به في الذي قبله. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤١٤٢ - (أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ, عَنْ عَمْرٍو -يَعْنِي ابْنَ دِينَارٍ- عَنِ الزُّهْرِيِّ, عَنْ مَالِكِ بْنِ أَوْسِ بْنِ الْحَدَثَانِ, عَنْ عُمَرَ, قَالَ: كَانَتْ أَمْوَالُ بَنِي النَّضِيرِ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ, مِمَّا لَمْ يُوجِفِ الْمُسْلِمُونَ عَلَيْهِ, بِخَيْلٍ, وَلَا رِكَابٍ, فَكَانَ يُنْفِقُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْهَا قُوتَ سَنَةٍ, وَمَا بَقِيَ جَعَلَهُ فِي الْكُرَاعِ, وَالسِّلَاحِ, عُدَّةً فِي سَبِيلِ اللَّهِ).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح. و"عبيد اللَّه ابن سعيد": هو أبو قُدامة السرخسيّ. و"سفيان": هو ابن عيينة.
و"مالك بن أوس بن الحدثان" بفتح المهملتين، والمثلّثة- ابن سعد بن يَرْبُوع النَّصْريّ بالنون-، أبو سعيد المدنيّ، مختلف في صحبته. روى عن النبيّ - صلى اللَّه
стр. 15821
تعالى عليه وسلم - مرسلاً. وقيل: إنه رأى أبا بكر. ذكره ابن سعد في طبقة من أدرك النبيّ - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم -، ورآه، ولم يحفظ عنه شيئًا، قال: ويقولون: إنه ركب الخيل في الجاهليّة. قال: وكان قديمًا، ولكنه تأخّر إسلامه. وقال البخاريّ: قال بعضهم: له صحبة، ولا تصح. وقال أبو حاتم، وابن معين: لا تصحّ له صحبة. وقال عُقيل، عن الزهريّ: ذكرت لعروة حديث مالك بن أوس، فقال: صدق. وقال ابن خراش: ثقة. وذكره ابن حبّان في "الثقات"، وقال: من زعم أن له صحبة فقد وهم. وأثبت له الصحبة أحمد بن صالح المصريّ. وذكره ابن عبد البرّ، وقال: إنه روى عن العشرة. وقال أنس بن عياض، عن سلمة بن وردان، عن مالك بن أوس بن الحدثان، قال: كنّا عند النبيّ - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم -، فقال: "وجبت، وجبت" الحديث. ولكن سلمة ضعيف. وقال ابن منده: إن الصواب عن سلمة بن وردان، عن أنس بن مالك. وقال أبو القاسم البغويّ: يقال: إنه رأى النبيّ - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم -، ولم تثبت له عنه رواية. قال الواقديّ، وآخرون: مات سنة (٩٢). وقال يحيى بن بكير مرّة أخرى: مات سنة (٩١). روى له الجماعة، وله عند المصنّف في هذا الكتاب حديثان فقط: أحدهما: هذا، وسيعيده مطوّلًا آخر هذا الباب، والثاني: في "كتاب البيوع" ٤١/ ٣٥٦٠ - حديث عمر - رضي اللَّه تعالى عنه -، مرفوعًا: "الذهب بالذهب ربًا، إلا هاء وهاء" الحديث.
وقوله: "مما أفاء اللَّه على رسوله" أي ردّها اللَّه إليه، وكانت في ملكه بعد أن خرجت عنه بوضع يد الكفرة عليها ظلمًا وعدوانا، كما دلّ عليه التعبير بالفيء الذي هو عود الظل إلى الناحية التي كان ابتدأ منها. ومعنى ذلك-كما قال بعضهم- أنّ هذا المال الذي استولى عليه الكفار كان حقيقًا بأن يكون له - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم -؛ لأن اللَّه تعالى خلق الناس لعبادته، وخلق ما خلق لهم ليتوصّلوا به إلى طاعته، فهو جدير بأن يكون للمطيعين، وهو - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم - رأسهم ورئيسهم، وبه أطاع من أطاع، فكان أحقّ به. انتهى (١).
وقوله: "مما لم يوجف عليه المسلمون": أي لم يُسرع، ولم يُجْرِ، أي بلا حرب. وفي "المصباح": وَجَفَ الفرس والبعير وَجِيفًا: عدا، وأو جفته بالألف: أعديته، وهو الْعَنَقُ في السير، وقولهم: ما حصل بإيجاف: أي بإعمال الخيل والركاب في تحصيله انتهى.
стр. 15822
وقوله: "اولا ركاب": هي ما يركب من الإبل، غلب ذلك عليها من بين المركوبات، واحدها راحلةٌ، ولا واحد لها من لفظها.
وقوله: "في الكراع " بضمّ الكاف: جماعة الخيل. وقوله: "عُدّة" بضمّ العين، وتشديد الدال المهملتين، جمعه عُدَدٌ، مثلُ غرفة وغُرَف: هو ما أعددته من مال، أو سلاح، أو غير ذلك". قاله الفيّوميّ.
والحديث متّفقٌ عليه، وسيأتي تمام شرحه، وتخريجه آخر الباب، حيث يذكره المصنّف هناك مطولاً، إن شاء اللَّه تعالى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤١٤٣ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ يَحْيَى بْنِ الْحَارِثِ, قَالَ: حَدَّثَنَا مَحْبُوبٌ -يَعْنِي ابْنَ مُوسَى- قَالَ: أَنْبَأَنَا أَبُو إِسْحَاقَ - هُوَ الْفَزَارِيُّ- عَنْ شُعَيْبِ بْنِ أَبِي حَمْزَةَ, عَنِ الزُّهْرِيِّ, عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ, عَنْ عَائِشَةَ, أَنَّ فَاطِمَةَ, أَرْسَلَتْ إِلَى أَبِي بَكْرٍ, تَسْأَلُهُ مِيرَاثَهَا مِنَ النَّبِيِّ ﷺ , مِنْ صَدَقَتِهِ, وَمِمَّا تَرَكَ مِنْ خُمُسِ خَيْبَرَ, قَالَ أَبُو بَكْرٍ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَا نُورَثُ»).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (عمرو بن بن يحيى الحارث) الحمصيّ ثقة [١٢]. ٦٧/ ٢٣٢٩، من أفراد المصنّف.
٢ - (محبوب بن موسى). أبو صالح الأنطاكيّ الفرّاء، صدوقٌ [١٠] ١/ ٣٥٨٩ من أفراد المصنّف، وأبي داود.
٣ - (أبو إسحاق الفزاريّ) إبراهيم بن محمد بن الحارث الكوفيّ، ثم المصّيصيّ، ثقة حافظ ثبت [٨] ٥٨/ ٨٦٣.
٤ - (شُعيب بن أبي حمزة) دينار الأمويّ مولاهم، أبو بشر الحمصيّ، ثقة ثبت [٧] ٨٥/ ٦٩. ٥ - (الزهريّ) محمد بن مسلم الإمام الحافظ الحجة الثبت [٤] ١/ ١.
٦ - (عروة بن الزبير) بن العوّام الأسديّ، أبو عبد اللَّه المدنيّ، ثقة ثبت فقيه [٣] ٤٠/ ٤٤.
٧ - (عائشة) أم المؤمنين - رضي اللَّه تعالى عنها -٥/ ٥. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سباعيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فمن أفراده، ومحبوب، فقد تفرد به هو وأبو داود. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين من الزهريّ. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ، وفيه عروة من
стр. 15823
الفقهاء السبعة، وعائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - من المكثرين السبعة، روت (٢٢١٠) أحاديث. واللَّه تعالى أعلم.
شرحِ الحديث
(عَنْ عَائِشَةَ) - رضي اللَّه تعالى عنه - (أَنَّ فَاطِمَةَ) بنت رسول اللَّه - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم (أَرْسَلَتْ إِلَى أَبِي بَكْرٍ) الصديق - رضي اللَّه تعالى عنه -، وذلك في خلافته. وزاد في رواية للبخاريّ العباس - رضي اللَّه تعالى عنه -، ولفظه من طريق معمر، عن الزهريّ: أن فاطمة والعباس -﵉ أتيا أبا بكر، يلتمسان ميراثهما من رسول اللَّه ﷺ ، وهما حينئذ يطلبان أرضيهما من فدك، وسهمهما من خيبر" الحديث (تَسْأُلُهُ) جملة في محلّ نصب على الحال من فاعل "أرسلت" (مِيرَاثَهَا مِنْ النَّبِيِّ ﷺ ) أي مما تركه من المال، كما بيّنه بقوله (مِنْ صَدَقَتِهِ، وَمِمَّا تَرَكَ مِنْ خُمُسِ خَيْبَرَ) وفي رواية البخاريّ: "وكانت فاطمة تسأل أبا بكر نصيبها مما ترك رسول اللَّه - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم - من خيبر، وفدك، وصدقته بالمدينة ". وهذا كما قال في "الفتح" - يدلّ على أنها لم تطلب من جميع ما خلف، وإنما طلبت شيئًا مخصوصًا.
فأما خيبر، ففي رواية معمر: "وسهمه من خيبر". وقد روى أبو داود بإسناد صحيح إلى سهل بن أبي حثمة، قال: قسم رسول اللَّه - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم - خيبر نصفين: نصفها لنوائبه، وحاجته، ونصفها بين المسلمين، قسمها بينهم على ثمانية عشر سهمًا"، ورواه بمعناه من طرُق أخرى عن بشِير بن يسار، مرسلاً، ليس فيه سهل.
وأما فدك وهي بفتح الفاء، والمهملة، بعدها كاف-: بلد بينها وبين المدينة ثلاث مراحل، وكان من شأنها ما ذكر أصحاب المغازي قاطبة أن أهل فدك كانوا من يهود، فلما فُتحت خيبر أرسل أهل فدك يطلبون من النبيّ - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم - الأمان على أن يَتركوا البلد، ويرحلوا. وروى أبو داود من طريق ابن إسحاق، عن الزهريّ وغيره، قالوا: "بقيت بقيّةٌ من خيبر تحصّنوا، فسألوا النبيّ - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم - أن يحقِن دماءهم، ويُسيِّرهم، ففعل، فسمع بذلك أهل فدك، فنزلوا على مثل ذلك. وكانت لرسول اللَّه - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم - خاصّة". ولأبي داود أيضًا من طريق معمر، عن ابن شهاب: "صالح النبيّ - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم - أهل فدَك، وقرى سمّاها، وهو يُحاصر قوما آخرين"، يعني بقيّة أهل خيبر.
وأما صدقته بالمدينة، فروى أبو داود من طريق معمر، عن الزهريّ، عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك، عن رجل من أصحاب النبيّ - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم -، فذكر قصّة بني النضير، فقال في آخره: "وكانت نخل بني النضير لرسول اللَّه - صلى اللَّه
стр. 15824
تعالى عليه وسلم - خاصّة أعطاها إياه، فقال: ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ﴾ الآية [الحشر: ٦]. قال: فأعطى أكثرها للمهاجرين، وبقي منها صدقة رسول اللَّه - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم - التي في أيدي بني فاطمة". وروى عمر بن شبّة من طريق أبي عون، عن الزهريّ، قال: "كانت صدقة النبيّ - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم - بالمدينة أموالًا لمُخيريق بالمعجمة، والقاف، مصغرًا- وكان يهوديًّا، من بقايا بني قينقاع، نازلاً ببني النضير، فشهد أحدًا، فقتل به، فقال النبيّ - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم -: "مُخيريقٌ سابق يهود، وأوصى مخيريقٌ بأمواله للنبيّ - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم -". ومن طريق الواقديّ بسنده عن عبد اللَّه بن كعب، قال: "قال مخيريقٌ إن أُصبتُ فأموالي لمحمد، يضعها حيث أراه اللَّه"، فهي عامّة صدقة رسول اللَّه - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم -، قال: وكانت أموال مخيريق في بني النضير. أفاده في "الفتح" (١).
(قَالَ أَبُو بَكْرِ) - رضي اللَّه تعالى عنه - (إِنَّ رسُول اللَّهِ ﷺ قَالَ: "لَا نُوَرَثُ" هكذا الرواية في نسخ "المجتبى" مختصرة، وزاد في "الكبرى" - وهي رواية الشيخين، وغيرهما-: "ما تركنا صدقة"، ولعلها سقطت من بعض لساخ "المجتبى"، فإن الإسناد في الكتابين واحد. واللَّه تعالى أعلم.
فقوله: "لا نورث" بفتح الراء في الرواية، ولو رُوي بالكسر لصحّ المعنى أيضًا. قاله في "الفتح" (٢).
وقال السنديّ: "لا نورث " أي نحن، يريد معاشر الأنبياء، وهذا الخبر قد رواه غير أبي بكر أيضّا، وتكفي رواية أبي بكر لوجوب العمل به، ولا يرد أن خبر الآحاد كيف يُخضص عموم القرآن؛ لأن ذلك بالنظر إلى من بلغه الحديث بواسطة، وأما من أخذه بلا واسطة، فالحديث بالنظر إليه كالقرآن في وجوب العمل، فيصحّ به التخصيص، على أن كثيرًا من العلماء جوّز التخصيص بأخبار الآحاد، فلا غبار أصلاً. انتهى (٣).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الحقّ أن القول بجواز التخصيص بخبر الآحاد هو الصواب، وهو قول الجمهور، ومنهم الأئمة الأربعة، فيما حكاه ابن الحاجب، وقد أُجيب عن قول المانعين بأنه إن جاز يلزم ترك القطعي بالظنّي، بأن محل التخصيص دلالة العامّ، وهي ظنيّة، والعمل بالظننين أولى من إلغاء أحدهما. وإلى الأقوال في مسألة نسخ الكتاب بالسنّة وعكسه أشار في "الكوكب الساطع" حيث قال:
стр. 15825
وَجَازَ أَنْ يُخَصَّ في الصَّوَابِ … سُنَّتُهُ بِهَا وَبِالْكِتَابِ
وَهْوَ بِهِ وَخَبَرِ التَّوَاتُرِ … وَخَبَرِ الْوَاحِدِ عِنْدَ الأَكْثَرِ
وَقِيلَ إِنَّ خُصَّ بِقَاطِعٍ جَلِي … وَعَكْسُهُ وَقِيلَ بِالْمُنْفَصِلِ
انظر ما كتبته على هذه الأبيات في "الجليس الصالح النافع، شرح الكوكب الساطع" ص ١٩٤ - ١٩٦.
وقوله: "ما تركنا صدقة" برفع "صدقةٌ": أي المتروك عنّا صدقة. وادّعى الشيعة أنه بالنصب على أن "ما" نافيةٌ. ورُدّ عليهم بأن الرواية ثابتة بالرفع، وعلى التنزّل، فيجوز النصب على تقدير محذوف: أي ما تركنه مبذولٌ صدقةً. قاله ابن مالك. قال الحافظ: وينبغي الإضراب عنه، والوقوف مع ما ثبتت به الرواية. انتهى (١).
[تنبيه]: قال في "الفتح": وأمَّا ما اشتهر في كُتُبِ أهلِ الأُصُولِ وغيرِهِم، بِلفظِ: "نحنُ مُعاشِر الأنبِياءِ لا نُورث"، فقد أنكرهُ جمًاعة من الأئِمَّة، وهُو كذلِك بِالنَّسْبةِ لِخُصُوصِ لفظ: "نحنُ"، لكِق أخرجهُ النَّسائيُّ من طرِيق ابن عُيينة، عن أبِي الزَّناد، بِلفظِ: "إِنا مُعاشِر الأنبِياءِ لا نُورث" الحدِيث، أخرجهُ عن مُحمّد بن منصُور، عن ابن عُيينة، عنهُ، وهُو كذلِك في "مُسْنَد الحُميدِيَّ"، عن ابن عُيينة، وهو من أتقن أصْحاب ابن عُيينة فِيهِ. وأوردهُ الهيثم بن كُليب في "مُسنده"، مِن حدِيث أبِي بكر الصَّدَّيق بِاللَّفْظِ المذكُور. وأخرجهُ الطبرانِيُّ في "الأوْسط" بِنحوِ اللقظ المذكور. وأخرجهُ الدَّارقُطنِيُّ في "العِلل" مِن رِواية أُمّ هانِىءٍ، عن فاطِمة ﵍، عن أبِي بكر الصَّدَّيق، بلفظِ: "إِنَّ الأنبِياء لا يُورثُون". انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث أبي بكر - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا- ١/ ٤١٤٣ - وفي "الكبرى" ١/ ٤٤٤٣. وأخرجه (خ) في "فرض الخمس" ٣٠٩٣ و"المناقب" ٣٧١٢ و"المغازي" ٤٠٣٦ و ٤٢٤١ و"الفرائض" ٦٧٢٥