← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 12888

ذخيرة العقبى في شرح المجتبى

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (19 271 стр.). Показаны 15821–15860 · переход к 15826.

стр. 15821

تعالى عليه وسلم - مرسلاً. وقيل: إنه رأى أبا بكر. ذكره ابن سعد في طبقة من أدرك النبيّ - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم -، ورآه، ولم يحفظ عنه شيئًا، قال: ويقولون: إنه ركب الخيل في الجاهليّة. قال: وكان قديمًا، ولكنه تأخّر إسلامه. وقال البخاريّ: قال بعضهم: له صحبة، ولا تصح. وقال أبو حاتم، وابن معين: لا تصحّ له صحبة. وقال عُقيل، عن الزهريّ: ذكرت لعروة حديث مالك بن أوس، فقال: صدق. وقال ابن خراش: ثقة. وذكره ابن حبّان في "الثقات"، وقال: من زعم أن له صحبة فقد وهم. وأثبت له الصحبة أحمد بن صالح المصريّ. وذكره ابن عبد البرّ، وقال: إنه روى عن العشرة. وقال أنس بن عياض، عن سلمة بن وردان، عن مالك بن أوس بن الحدثان، قال: كنّا عند النبيّ - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم -، فقال: "وجبت، وجبت" الحديث. ولكن سلمة ضعيف. وقال ابن منده: إن الصواب عن سلمة بن وردان، عن أنس بن مالك. وقال أبو القاسم البغويّ: يقال: إنه رأى النبيّ - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم -، ولم تثبت له عنه رواية. قال الواقديّ، وآخرون: مات سنة (٩٢). وقال يحيى بن بكير مرّة أخرى: مات سنة (٩١). روى له الجماعة، وله عند المصنّف في هذا الكتاب حديثان فقط: أحدهما: هذا، وسيعيده مطوّلًا آخر هذا الباب، والثاني: في "كتاب البيوع" ٤١/ ٣٥٦٠ - حديث عمر - رضي اللَّه تعالى عنه -، مرفوعًا: "الذهب بالذهب ربًا، إلا هاء وهاء" الحديث. وقوله: "مما أفاء اللَّه على رسوله" أي ردّها اللَّه إليه، وكانت في ملكه بعد أن خرجت عنه بوضع يد الكفرة عليها ظلمًا وعدوانا، كما دلّ عليه التعبير بالفيء الذي هو عود الظل إلى الناحية التي كان ابتدأ منها. ومعنى ذلك-كما قال بعضهم- أنّ هذا المال الذي استولى عليه الكفار كان حقيقًا بأن يكون له - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم -؛ لأن اللَّه تعالى خلق الناس لعبادته، وخلق ما خلق لهم ليتوصّلوا به إلى طاعته، فهو جدير بأن يكون للمطيعين، وهو - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم - رأسهم ورئيسهم، وبه أطاع من أطاع، فكان أحقّ به. انتهى (١). وقوله: "مما لم يوجف عليه المسلمون": أي لم يُسرع، ولم يُجْرِ، أي بلا حرب. وفي "المصباح": وَجَفَ الفرس والبعير وَجِيفًا: عدا، وأو جفته بالألف: أعديته، وهو الْعَنَقُ في السير، وقولهم: ما حصل بإيجاف: أي بإعمال الخيل والركاب في تحصيله انتهى.

стр. 15822

وقوله: "اولا ركاب": هي ما يركب من الإبل، غلب ذلك عليها من بين المركوبات، واحدها راحلةٌ، ولا واحد لها من لفظها. وقوله: "في الكراع " بضمّ الكاف: جماعة الخيل. وقوله: "عُدّة" بضمّ العين، وتشديد الدال المهملتين، جمعه عُدَدٌ، مثلُ غرفة وغُرَف: هو ما أعددته من مال، أو سلاح، أو غير ذلك". قاله الفيّوميّ. والحديث متّفقٌ عليه، وسيأتي تمام شرحه، وتخريجه آخر الباب، حيث يذكره المصنّف هناك مطولاً، إن شاء اللَّه تعالى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤١٤٣ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ يَحْيَى بْنِ الْحَارِثِ, قَالَ: حَدَّثَنَا مَحْبُوبٌ -يَعْنِي ابْنَ مُوسَى- قَالَ: أَنْبَأَنَا أَبُو إِسْحَاقَ - هُوَ الْفَزَارِيُّ- عَنْ شُعَيْبِ بْنِ أَبِي حَمْزَةَ, عَنِ الزُّهْرِيِّ, عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ, عَنْ عَائِشَةَ, أَنَّ فَاطِمَةَ, أَرْسَلَتْ إِلَى أَبِي بَكْرٍ, تَسْأَلُهُ مِيرَاثَهَا مِنَ النَّبِيِّ ﷺ , مِنْ صَدَقَتِهِ, وَمِمَّا تَرَكَ مِنْ خُمُسِ خَيْبَرَ, قَالَ أَبُو بَكْرٍ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَا نُورَثُ»). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (عمرو بن بن يحيى الحارث) الحمصيّ ثقة [١٢]. ٦٧/ ٢٣٢٩، من أفراد المصنّف. ٢ - (محبوب بن موسى). أبو صالح الأنطاكيّ الفرّاء، صدوقٌ [١٠] ١/ ٣٥٨٩ من أفراد المصنّف، وأبي داود. ٣ - (أبو إسحاق الفزاريّ) إبراهيم بن محمد بن الحارث الكوفيّ، ثم المصّيصيّ، ثقة حافظ ثبت [٨] ٥٨/ ٨٦٣. ٤ - (شُعيب بن أبي حمزة) دينار الأمويّ مولاهم، أبو بشر الحمصيّ، ثقة ثبت [٧] ٨٥/ ٦٩. ٥ - (الزهريّ) محمد بن مسلم الإمام الحافظ الحجة الثبت [٤] ١/ ١. ٦ - (عروة بن الزبير) بن العوّام الأسديّ، أبو عبد اللَّه المدنيّ، ثقة ثبت فقيه [٣] ٤٠/ ٤٤. ٧ - (عائشة) أم المؤمنين - رضي اللَّه تعالى عنها -٥/ ٥. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سباعيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فمن أفراده، ومحبوب، فقد تفرد به هو وأبو داود. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين من الزهريّ. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ، وفيه عروة من

стр. 15823

الفقهاء السبعة، وعائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - من المكثرين السبعة، روت (٢٢١٠) أحاديث. واللَّه تعالى أعلم. شرحِ الحديث (عَنْ عَائِشَةَ) - رضي اللَّه تعالى عنه - (أَنَّ فَاطِمَةَ) بنت رسول اللَّه - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم (أَرْسَلَتْ إِلَى أَبِي بَكْرٍ) الصديق - رضي اللَّه تعالى عنه -، وذلك في خلافته. وزاد في رواية للبخاريّ العباس - رضي اللَّه تعالى عنه -، ولفظه من طريق معمر، عن الزهريّ: أن فاطمة والعباس -﵉ أتيا أبا بكر، يلتمسان ميراثهما من رسول اللَّه ﷺ ، وهما حينئذ يطلبان أرضيهما من فدك، وسهمهما من خيبر" الحديث (تَسْأُلُهُ) جملة في محلّ نصب على الحال من فاعل "أرسلت" (مِيرَاثَهَا مِنْ النَّبِيِّ ﷺ ) أي مما تركه من المال، كما بيّنه بقوله (مِنْ صَدَقَتِهِ، وَمِمَّا تَرَكَ مِنْ خُمُسِ خَيْبَرَ) وفي رواية البخاريّ: "وكانت فاطمة تسأل أبا بكر نصيبها مما ترك رسول اللَّه - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم - من خيبر، وفدك، وصدقته بالمدينة ". وهذا كما قال في "الفتح" - يدلّ على أنها لم تطلب من جميع ما خلف، وإنما طلبت شيئًا مخصوصًا. فأما خيبر، ففي رواية معمر: "وسهمه من خيبر". وقد روى أبو داود بإسناد صحيح إلى سهل بن أبي حثمة، قال: قسم رسول اللَّه - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم - خيبر نصفين: نصفها لنوائبه، وحاجته، ونصفها بين المسلمين، قسمها بينهم على ثمانية عشر سهمًا"، ورواه بمعناه من طرُق أخرى عن بشِير بن يسار، مرسلاً، ليس فيه سهل. وأما فدك وهي بفتح الفاء، والمهملة، بعدها كاف-: بلد بينها وبين المدينة ثلاث مراحل، وكان من شأنها ما ذكر أصحاب المغازي قاطبة أن أهل فدك كانوا من يهود، فلما فُتحت خيبر أرسل أهل فدك يطلبون من النبيّ - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم - الأمان على أن يَتركوا البلد، ويرحلوا. وروى أبو داود من طريق ابن إسحاق، عن الزهريّ وغيره، قالوا: "بقيت بقيّةٌ من خيبر تحصّنوا، فسألوا النبيّ - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم - أن يحقِن دماءهم، ويُسيِّرهم، ففعل، فسمع بذلك أهل فدك، فنزلوا على مثل ذلك. وكانت لرسول اللَّه - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم - خاصّة". ولأبي داود أيضًا من طريق معمر، عن ابن شهاب: "صالح النبيّ - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم - أهل فدَك، وقرى سمّاها، وهو يُحاصر قوما آخرين"، يعني بقيّة أهل خيبر. وأما صدقته بالمدينة، فروى أبو داود من طريق معمر، عن الزهريّ، عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك، عن رجل من أصحاب النبيّ - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم -، فذكر قصّة بني النضير، فقال في آخره: "وكانت نخل بني النضير لرسول اللَّه - صلى اللَّه

стр. 15824

تعالى عليه وسلم - خاصّة أعطاها إياه، فقال: ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ﴾ الآية [الحشر: ٦]. قال: فأعطى أكثرها للمهاجرين، وبقي منها صدقة رسول اللَّه - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم - التي في أيدي بني فاطمة". وروى عمر بن شبّة من طريق أبي عون، عن الزهريّ، قال: "كانت صدقة النبيّ - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم - بالمدينة أموالًا لمُخيريق بالمعجمة، والقاف، مصغرًا- وكان يهوديًّا، من بقايا بني قينقاع، نازلاً ببني النضير، فشهد أحدًا، فقتل به، فقال النبيّ - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم -: "مُخيريقٌ سابق يهود، وأوصى مخيريقٌ بأمواله للنبيّ - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم -". ومن طريق الواقديّ بسنده عن عبد اللَّه بن كعب، قال: "قال مخيريقٌ إن أُصبتُ فأموالي لمحمد، يضعها حيث أراه اللَّه"، فهي عامّة صدقة رسول اللَّه - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم -، قال: وكانت أموال مخيريق في بني النضير. أفاده في "الفتح" (١). (قَالَ أَبُو بَكْرِ) - رضي اللَّه تعالى عنه - (إِنَّ رسُول اللَّهِ ﷺ قَالَ: "لَا نُوَرَثُ" هكذا الرواية في نسخ "المجتبى" مختصرة، وزاد في "الكبرى" - وهي رواية الشيخين، وغيرهما-: "ما تركنا صدقة"، ولعلها سقطت من بعض لساخ "المجتبى"، فإن الإسناد في الكتابين واحد. واللَّه تعالى أعلم. فقوله: "لا نورث" بفتح الراء في الرواية، ولو رُوي بالكسر لصحّ المعنى أيضًا. قاله في "الفتح" (٢). وقال السنديّ: "لا نورث " أي نحن، يريد معاشر الأنبياء، وهذا الخبر قد رواه غير أبي بكر أيضّا، وتكفي رواية أبي بكر لوجوب العمل به، ولا يرد أن خبر الآحاد كيف يُخضص عموم القرآن؛ لأن ذلك بالنظر إلى من بلغه الحديث بواسطة، وأما من أخذه بلا واسطة، فالحديث بالنظر إليه كالقرآن في وجوب العمل، فيصحّ به التخصيص، على أن كثيرًا من العلماء جوّز التخصيص بأخبار الآحاد، فلا غبار أصلاً. انتهى (٣). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الحقّ أن القول بجواز التخصيص بخبر الآحاد هو الصواب، وهو قول الجمهور، ومنهم الأئمة الأربعة، فيما حكاه ابن الحاجب، وقد أُجيب عن قول المانعين بأنه إن جاز يلزم ترك القطعي بالظنّي، بأن محل التخصيص دلالة العامّ، وهي ظنيّة، والعمل بالظننين أولى من إلغاء أحدهما. وإلى الأقوال في مسألة نسخ الكتاب بالسنّة وعكسه أشار في "الكوكب الساطع" حيث قال:

стр. 15825

وَجَازَ أَنْ يُخَصَّ في الصَّوَابِ … سُنَّتُهُ بِهَا وَبِالْكِتَابِ وَهْوَ بِهِ وَخَبَرِ التَّوَاتُرِ … وَخَبَرِ الْوَاحِدِ عِنْدَ الأَكْثَرِ وَقِيلَ إِنَّ خُصَّ بِقَاطِعٍ جَلِي … وَعَكْسُهُ وَقِيلَ بِالْمُنْفَصِلِ انظر ما كتبته على هذه الأبيات في "الجليس الصالح النافع، شرح الكوكب الساطع" ص ١٩٤ - ١٩٦. وقوله: "ما تركنا صدقة" برفع "صدقةٌ": أي المتروك عنّا صدقة. وادّعى الشيعة أنه بالنصب على أن "ما" نافيةٌ. ورُدّ عليهم بأن الرواية ثابتة بالرفع، وعلى التنزّل، فيجوز النصب على تقدير محذوف: أي ما تركنه مبذولٌ صدقةً. قاله ابن مالك. قال الحافظ: وينبغي الإضراب عنه، والوقوف مع ما ثبتت به الرواية. انتهى (١). [تنبيه]: قال في "الفتح": وأمَّا ما اشتهر في كُتُبِ أهلِ الأُصُولِ وغيرِهِم، بِلفظِ: "نحنُ مُعاشِر الأنبِياءِ لا نُورث"، فقد أنكرهُ جمًاعة من الأئِمَّة، وهُو كذلِك بِالنَّسْبةِ لِخُصُوصِ لفظ: "نحنُ"، لكِق أخرجهُ النَّسائيُّ من طرِيق ابن عُيينة، عن أبِي الزَّناد، بِلفظِ: "إِنا مُعاشِر الأنبِياءِ لا نُورث" الحدِيث، أخرجهُ عن مُحمّد بن منصُور، عن ابن عُيينة، عنهُ، وهُو كذلِك في "مُسْنَد الحُميدِيَّ"، عن ابن عُيينة، وهو من أتقن أصْحاب ابن عُيينة فِيهِ. وأوردهُ الهيثم بن كُليب في "مُسنده"، مِن حدِيث أبِي بكر الصَّدَّيق بِاللَّفْظِ المذكُور. وأخرجهُ الطبرانِيُّ في "الأوْسط" بِنحوِ اللقظ المذكور. وأخرجهُ الدَّارقُطنِيُّ في "العِلل" مِن رِواية أُمّ هانِىءٍ، عن فاطِمة ﵍، عن أبِي بكر الصَّدَّيق، بلفظِ: "إِنَّ الأنبِياء لا يُورثُون". انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث أبي بكر - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا- ١/ ٤١٤٣ - وفي "الكبرى" ١/ ٤٤٤٣. وأخرجه (خ) في "فرض الخمس" ٣٠٩٣ و"المناقب" ٣٧١٢ و"المغازي" ٤٠٣٦ و ٤٢٤١ و"الفرائض" ٦٧٢٥

стр. 15826

(م) في "الجهاد والسير" ١٧٥٩ (د) في " الخراج والإمارة والفيء" ٢٩٦٨ و ٢٩٧٦ (أحمد) في "مسند العشرة" ٢٦ (الموطأ) في "الجامع" ١٨٧٠. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): بيان أن الأنبياء ﵊ لا يورثون. (ومنها): أن الحكمة في كون الأنبياء ﵈ لا يورثون -واللهُ أعْلمُ- أن اللَّه بعثهُم مُبلغِين رِسالته، وأمرهُم أن لا يأخُذُوا على ذَلِكَ أجرا، كما قال تعالى: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ [الأنعام: ٩٠]، وقال نُوخ، وهُود، وغيرُهُما نحو ذَلِكَ، فكانت الحكمة في أن لا يُورثُوا؛ لِئلا يُظنَّ أنهُم جمًعُوا المال لِوارِثِهِنم. وقيل: الحِكمة في كوْن النبيّ لا يُورثُ، حسمُ المادَّةِ في تمنَّي الوارِث موْت المُورّثِ، من أجْلِ المال. وقِيل: لِكونِ النَّبِي كالأبِ لأُمَّتِهِ، فيكُون مِيراثه لِلجمِيع، وهذا معْنى الصَّدقة العامّة. واللَّه تعالى أعلم. (ومنها): أن الراجح أن المراد بالإرث الذي ذكره اللَّه تعالى، حكايته عن زكريا ﵇، بقوله: ﴿يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ﴾ الآية [مريم: ٦] هو إرث النبوّة والحكمة، لا إرث المال. وقد حكى ابن عبد البّر أن لِلعُلماءِ في ذَلِكَ قوْلينِ: وأن الأكثر على أن الأنبِياء لا يُورثُون. وقيل: إنهم يورثون، وممن ذُكِر أنه قال بذلِك مِن الفُقهاء، إِبراهِيم بن إِسماعِيل ابن عُلية، ونقلهُ عن اِلحسن البصرِي عِياضٌ في "شرحِ مُسلِم"، وأخرج الطبرِيُّ من طرِيق إِسماعِيل بْن ابِي خالِد، عن أبِي صالِح، في قوله تعًالى حِكاية عن زكرِيّا: ﴿وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ﴾ [مريم: ٥]، قال: انعصبة. ومِن قوله: ﴿فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا (٥) يَرِثُنِي﴾ [مريم: ٥، ٦] قال: يرِث مالي، ويرِث مِن آلِ يعقُوب النبُوْة. ومِق طرِيق قتادة، عن الحسنُ نخوه، لكِن لم يذكُر المال. ومِن طرِيق مُبارك بن فضالة، عن الحسنُ، رفعهُ مُرْسلا: "رحِم اللَّه اخِي زكرِيّا، ما كان عليهِ من يرِثُ مالهُ". قال الحافظ: وعلى تقدِير تسييم القوْل المذكُورِ، فلا مُعارِض من القُرآن لِقوْلِ نبيَّنا ﵊: "لا نُورث، ما تركنا صدقة"، فيكُون ذَلِكَ مِن خصائصه، التي أُكرِم بِها. وأمَّا عُمُوم قوْله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ الآية [النساء: ١١]، فأُجِيب عنها بِأنها عامَّة، فِيمن ترك شيئًا كان يملِكُهُ، وإِذا ثبت أنهُ وقفهُ قبل موْتِهِ، فلم يُخلف ما يُورث عنهُ، فلم يُورث. وعلى تقدِير أنهُ خلف شيئًا، مِمّا كان يملِكُهُ، فدُخُولُهُ في الخطاب قابِل لِلتَّخصِيصِ؛ لِما عُرِف من كثرةِ خصائِصِهِ ﷺ . وقد اشتهر عنهُ أنَّهُ لا

стр. 15827

يُورَث، فظهر تَخْصِيصُهُ بِذَلِكَ دُون النَّاس. أفاده في "الفتح" (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤١٤٤ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ يَحْيَى, قَالَ: حَدَّثَنَا مَحْبُوبٌ, قَالَ: أَنْبَأَنَا أَبُو إِسْحَاقَ (٢) , عَنْ زَائِدَةَ, عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ, عَنْ عَطَاءٍ, فِي قَوْلِهِ ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى﴾ [الأنفال: ٤١] , قَالَ: خُمُسُ اللَّهِ, وَخُمُسُ رَسُولِهِ وَاحِدٌ, كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , يَحْمِلُ مِنْهُ, وَيُعْطِي مِنْهُ, وَيَضَعُهُ حَيْثُ شَاءَ, وَيَصْنَعُ بِهِ مَا شَاءَ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (زائدة) بن قُدامة الثقفيّ، أبو الصلت الكوفيّ، ثقة ثبت، صاحب سنّة [٧] ٧٤/ ٩١. ٢ - (عبد الملك بن أبي سُليمان) واسمه ميسرة الْعَرْزَميّ الكوفيّ، صدوق، له أوهام [٥] ٧/ ٤٠٦. ٣ - (عطاء) بن أبي رباح أسلم القرشيّ مولاهم، أبو محمد الفقيه المكيّ، ثقة فقيه فاضل، لكنه كثير الإرسال، مات سنة (١١٤) على المشهور، وقيل: إنه تغيّر بآخره، ولم يكن ذلك منه، وتقدّم في ١١٢/ ١٥٤. والباقون ترجموا في السند الماضي. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ عَطَاءٍ) بن أبي رَباح -رحمه اللَّه تعالى- (في) معنى (قوْلِهِ : ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ الغنيمة في اللغة: ما يناله الرجل، أو الجماعة بسعي، ومن ذلك قول الشاعر [من الوافر]: وَقَدْ طَوَّفْتُ فِي الآفَاقِ حَتَّى … رَضِيتُ مِنَ الْغَنِيمَةِ بِالإيَابِ وقال آخر [من البسيط]: وَمَطْعَمُ الْغُنْمِ يَوْمَ الْغُنْمِ مَطْعَمُهُ … أَنِّى تَوَجَّهَ وَالْمَحْرُومُ مَحْرُومُ والمغنم، والغنيمة بمعنًى، يقال: غنِم الشيء يغنمه، من باب تَعِب غُنمًا بالضمّ، وغَنِيمة، وَمَغْنَمًا: إذا فاز به. وقال في "اللسان": الغُنم بالضمّ: الاسم، وبالفتح المصدر.

стр. 15828

قال القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى-: واعلم أن الاتفاق حاصل على أن المراد بقوله تعالى: ﴿غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنفال: ٤١] مال الكفّار، إذا ظفِر به المسلمون على وجه الغلبة والقهر، ولا تقتضي اللغة هذا التخصيص على ما بيّتّاه، ولكن عُرف الشرع قيّد اللفظ بهذا النوع. وسَمّى الشرع الواصل من الكفّار إلينا من الأموال باسمين: غنيمةً، وفيئًا، فالشيء الذي يناله المسلمون من عدوّهم بالسعي، وإيجاف الخيل والركاب، يُسمّى غنيمةً، ولزم الاسم هذا المعنى حتى صار عُرْفًا. والفيء مأخوذ من فاء يفيء: إذا رجع، وهو كلّ مال دخل على المسلمين من غير حرب، ولا إيجاف، كخراج الأرضِين، وجزية الجماجم (١)، وخمس الغنائم، ونحو هذا. قاله سفيان الثوريّ، وعطاء بن السائب. وقيل: إنهما واحدٌ، وفيهما الخمس. قاله قتادة. وقيل: الفيء عبارة عن كلّ ما صار للمسلمين من الأموال بغير قهر، والمعنى متقارب. انتهى كلام القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى- (٢). (﴿فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى﴾)، قال) عطاء (خُمُسُ اللَّهِ، وخُمُسُ رسُولِهِ واحدٌ) يريد أن ذكر اللَّه تعالى في قوله: ﴿لِلَّهِ﴾ للتبرّك والتعظيم (كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، يَحْمِلُ مِنْهُ) أي يحمل من ذلك الخمس الفقراء الذين لا يجدون ما يغزون عليه من الدوابّ (وَيُعْطِي مِنْهُ) أي يعطي من ذلك الخمس للمحتاجين وقوله (وَيَضَعُهُ حَيْثُ شَاءَ) تعميم بعد تخصيص. وقوله (وَيَصْنَعُ بِهِ مَا شَاءَ) من عطف التأكيد لما قبله. وحاصل تفسير عطاء -رحمه اللَّه تعالى- أن المراد بذكر اللَّه تعالى في الآية الكريمة للتبرّك، وأن الخمس الذي جعله اللَّه تعالى له فيها للرسول - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم -، يضمّ إلى خمسه، فيصنع به ما ذُكر. واللَّه تعالى أعلم. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: حديث عطاء -رحمه اللَّه تعالى- هذا مرسلٌ صحيح الإسناد، وهو من أفراد المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، أخرجه هنا- ١/ ٤١٤٤ - وفي "الكبرى" ١/ ٤٤٤٤. وأخرجه ابن جرير في "تفسير سورة الأنفال" ١٣/ ٥٤٨ رقم ١٦٠٩٣. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤١٤٥ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ يَحْيَى بْنِ الْحَارِثِ, قَالَ: حَدَّثَنَا مَحْبُوبٌ -يَعْنِي ابْنَ مُوسَى- قَالَ: أَنْبَأَنَا أَبُو إِسْحَاقَ -هُوَ الْفَزَارِيُّ- عَنْ سُفْيَانَ, عَنْ قَيْسِ بْنِ مُسْلِمٍ, قَالَ: سَأَلْتُ الْحَسَنَ بْنَ مُحَمَّدٍ, عَنْ قَوْلِهِ ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ

стр. 15829

خُمُسَهُ﴾ [الأنفال: ٤١] , قَالَ: هَذَا مَفَاتِحُ كَلَامِ اللَّهِ, الدُّنْيَا وَالآخِرَةُ لِلَّهِ, قَالَ: اخْتَلَفُوا فِي هَذَيْنِ السَّهْمَيْنِ, بَعْدَ وَفَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , سَهْمِ الرَّسُولِ, وَسَهْمِ ذِي الْقُرْبَى, فَقَالَ: قَائِلٌ سَهْمُ الرَّسُولِ ﷺ لِلْخَلِيفَةِ مِنْ بَعْدِهِ, وَقَالَ قَائِلٌ: سَهْمُ ذِي الْقُرْبَى لِقَرَابَةِ الرَّسُولِ ﷺ , وَقَالَ قَائِلٌ سَهْمُ ذِي الْقُرْبَى لِقَرَابَةِ الْخَلِيفَةِ, فَاجْتَمَعَ رَأْيُهُمْ عَلَى أَنْ جَعَلُوا هَذَيْنِ السَّهْمَيْنِ, فِي الْخَيْلِ وَالْعُدَّةِ, فِي سَبِيلِ اللَّهِ, فَكَانَا فِي ذَلِكَ, خِلَافَةَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ). رجال هذا الإسناد. ستة: ١ - (سفيان) بن سعيد الثوريّ الإمام الحجة الثبت الكوفيّ [٧] ٣٣/ ٣٧. ٢ - (عَنْ قَيْسِ بْنِ مُسْلِمٍ) الْجَدَليّ بفتح الجيم- أبي عمرو الكوفيّ، ثقة، رُمي بالإرجاء [٦] ٥٠/ ٢٧٣٨. ٣ - (الحسن بن محمد) بن عليّ بن أبي طالب الهاشميّ، أبو محمد المدنيّ، وأبوه هو المعروف بابن الحنفيّة، ثقة فقيه، يقال: إنه أول من تكلم في الإرجاء [٣] مات سنة مائة، أو قبلها [٣] ٧١/ ٣٣٦٦، والباقون تقدّموا قريبًا. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ قَيْسِ بْنِ مُسْلِمٍ) الْجَدَلِيّ -رحمه اللَّه تعالى-، أنه (قَالَ: سَأَلْتُ الْحَسَنَ بْنَ مُحَمَّدٍ) الهاشمي -رحمه اللَّه تعالى- (عَنْ) معنى (قَولِهِ : ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفال: ٤١]، قَالَ) الحسن (هَذَا) أي قوله تعالى: ﴿فإن للَّه خمسه﴾ (مَفَاتِحُ كَلَام اللَّهِ) أي ابتداء كلام اللَّه تعالى باسمه تبرّكا (الدُّنْيَا وَالآخِرَةُ لِلَّهِ) مبتدأ وخبر، ولفظ "الكبرى": للَّه الدنيا والآخرة ". يعني أن الأشياء كلّها للَّه ، لا خصوص الخمس، ففائدة ذكره هنا هو التبرّك (قَالَ) الحسن (اخْتَلَفُوا) ولفظ ابن جرير: "ثم اختلف الناس" (فِي هَذَيْنِ السَّهْمَيْنِ، بَعْدَ وَفَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، سَهْمِ الرَّسُولِ) بالجرّ على أنه بدل تفصيل للسهمين، ويجوز قطعه إلى الرفع، والنصب، بتَقدير مبتدإ، أي هو، وتقدير فعل، أي أعني، وكذا إعراب قوله (وَسَهْمِ ذِي القُرْبَى، فَقَالَ قَائِلٌ: سَهْمُ الرَّسُولِ ﷺ لِلْخَلِيفَةِ مِنْ بَعْدِهِ) أي لمن كان خليفة للرسول - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم - بعد وفاته. هكذا في رواية المصنّف، والذي عند ابن جرير في "تفسيره" من طريق عبد الرحمن بن مهديّ، عن سفيان: "سهم النبيّ - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم - لقرابة النبيّ - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم -" (وَقَالَ قَائِلٌ: سَهْمُ ذِي القُرْبى لِقَرَابَةِ الرَّسُولِ ﷺ ، وَقَالَ قَائِلٌ: سَهْمُ ذِي القُرْبى لِقَرَابةِ الْخَلِيفَةِ) يعني أنه يصرفه الخليفة لأقاربه، فمعنى "وذي القربى" في الآية الكريمة على هذا أقارب الخليفة، لا أقارب الرسول - صلى اللَّه

стр. 15830

تعالى عليه وسلم -، لكن الأرجح حمل القربى في الآية على أقاربه - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم -، وهو الذي رجحه ابن جرير الطبريّ في "تفسيره"، والمصنّف -رحمه اللَّه تعالى- في كلامه الآتي قريبًا، إن شاء اللَّه تعالى (فَاجْتَمَعَ رَأْيَهُمْ، عَلَى أَنْ جَعَلُوا هَذَيْنِ السَّهْمَيْنِ) أي سهم الرسول - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم -، وسهم ذي القربى (فِي الْخَيْلِ) أي في شراء الخيل (وَالْعُدَّةِ) بالضم: هو ما يُعد، ويهُيأ، من آلات الحرب، كالسلاح، ونحوه (فِي سِبِيلِ اللَّهِ) أي للجهاد لإعلاء كلمة اللَّه تعالى (فَكَانَا فِي ذَلِكَ) أي كان السهمان مصروفين في ذلك الأمر المذكور، من الخيل، والعُدّة. ولفظ "الكبرى": "فكان في ذلك"، ولفظ ابن جرير: "فكانا على ذلك" (خِلَافَةَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ) "خلافة" منصوب على الظرفية، على حذف مضاف، أي مُدّة خلافتهما - رضي اللَّه تعالى عنهما -. واللَّه تعالى أعلم بالصواب. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: حديث الحسن بن محمد هذا مرسلٌ صحيح الإسناد، وهو من أفراد المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، أخرجه هنا- ١/ ٤١٤٥ - وفي "الكبرى" ١/ ٤٤٤٥. وأخرجه ابن جرير في "تفسيره" ١٣/ ٥٥٧ رقم ١٦١٢١ - في "تفسير سورة الأنفال". واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. ٤١٤٦ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ يَحْيَى بْنِ الْحَارِثِ, قَالَ: حَدَّثَنَا مَحْبُوبٌ, قَالَ: أَنْبَأَنَا أَبُو إِسْحَاقَ (١) , عَنْ مُوسَى بْنِ أَبِي عَائِشَةَ, قَالَ: سَأَلْتُ يَحْيَى بْنَ الْجَزَّارِ, عَنْ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ﴾ [الأنفال: ٤١] قَالَ: قُلْتُ: كَمْ كَانَ لِلنَّبِيِّ ﷺ مِنَ الْخُمُسِ؟ قَالَ: خُمُسُ الْخُمُسِ). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "موسى بن أبي عائشة": هو الْهَمْدانيّ مولاهم، أبو الحسن الكوفيّ، ثقة عابدٌ [٥] ٤٠/ ٨٣٤. و"يحيى بن الْجَزّار": هو الْعُرَنيّ الكوفيّ، قيل: اسم أبيه زَبّان بزاي، ثم نون- وقيل: بل لقبه هو، صدوقٌ، رمي بالغلوّ في التشيّع [٣] ٢٩/ ١٧٠٧. والحديث مرسلٌ صحيح الإسناد، من أفراد المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، أخرجه هنا- ١/ ٤١٤٦ - وفي "الكبرى" ١/ ٤٤٤٦. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤١٤٧ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ يَحْيَى بْنِ الْحَارِثِ, قَالَ: حَدَّثَنَا مَحْبُوبٌ, قَالَ: أَنْبَأَنَا أَبُو إِسْحَاقَ (١) , عَنْ مُطَرِّفٍ, قَالَ: سُئِلَ الشَّعْبِيُّ, عَنْ سَهْمِ النَّبِيِّ ﷺ , وَصَفِيِّهِ؟ فَقَالَ: أَمَّا

стр. 15831

سَهْمُ النَّبِيِّ ﷺ , فَكَسَهْمِ رَجُلٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ, وَأَمَّا سَهْمُ الصَّفِيِّ, فَغُرَّةٌ تُخْتَارُ مِنْ أَىِّ شَيْءٍ شَاءَ). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: [مطرّف] بضمّ الميم، وتشديد الراء المكسورة-: هو ابن طريف الكوفيّ، ثقة فاضلٌ، من صغار [٦] ٢/ ٣٢٧. و"الشعبيّ": هو عامر بن شراحيل الهمدانيّ، أبو عمرو الكوفيّ الإمام الحجة الثبت الفقيه [٣] ٦٦/ ٨٢. وقوله: "وصفيّه": هو ما يأخذه رئيس الجيش، ويختاره لنفسه من الغنيمة قبل القسمة. قاله ابن الأثير (١). وقال الفيّوميّ: والصَّفيّ، والصفية: ما يصطفيه الرئيس لنفسه من المغنم قبل القسمة: أي يختاره، وجمع الصَّفِيّة صَفَايَا، مثلُ عطيّة وعَطَايَا، قال الشاعر (٢) [من الوافر]: لَكَ الْمِرْبَاعُ مِنْهَا وَالصَّفَايَا … وَحُكْمُكَ والنَّشِيطةُ وَالْفُضُولُ وقال ابن السِّكِّيت: قال الأصمعيّ: الصَّفَايَا: جمعُ صَفِيّ، وهو ما يَصطفيه الرئيس لنفسه دون أصحابه، مثلُ الفرس، وما لا يستقيم أن يُقسم على الجيش. والْمِرْباع: رُبع الغنيمة. والفُضُولُ: بقايا تبقى من الغنيمة، فلا تستقيم قسمته على الجيش؛ لقلّته، وكثرة الجيش. والنَّشِيطة: ما يغنَمُه القوم في طريقهم التي يمرّون بها، وذلك غير ما يقصدونه بالغزو. وقال أبو عُبيدة: كان رئيس القوم في الجاهليّة إذا غزا بهم، فغَنِم أخذ الْمِرباع من الغنيمة، ومن الأسرى، ومن السبي قبل القسمة على أصحابه، فصار هذا الربع خمساً في الإسلام، قال: والصَّفِيُّ: أن يصطفي لنفسه بعد الربع شيئًا، كالناقة، والفرس، والسيف، والجارية، والصفي في الإسلام على تلك الحال، وقد اصطفى رسول اللَّه - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم - سيف مُنَبِّه بن الحجّاج يوم بدر، وهو ذو الفقار، واصطفى صفيّة بنت حُيّيّ. انتهى كلام الفيّوميّ. كوله: "فغُرّة" بضمّ الغين المعجمة، وتشديد الراء-: هي خيار الشيء، ونفيسه. [تنبيه]: وقع في "الكبرى": "فغده" بالدال بدل الراء، وهو تصحيف، فليُنتبّه. واللَّه تعالى أعلم. وقوله: "تختار من أيّ شيء شاء" ببناء الفعل للمفعول، أي تختار له - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم - من أيّ نوع أراد أن يُختار له من الغنيمة. والحديث مرسل صحيح، أخرجه المصنّف هنا - ١/ ٤١٤٧ - وفي "الكبرى" ١/

стр. 15832

٤٤٤٧. وأخرجه أبو داود في "الخراج والإمارة والفيء" ٢٩٩١. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤١٤٨ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ يَحْيَى, قَالَ: حَدَّثَنَا مَحْبُوبٌ, قَالَ: أَنْبَأَنَا أَبُو إِسْحَاقَ (١) , عَنْ سَعِيدٍ الْجُرَيْرِيِّ, عَنْ يَزِيدَ بْنِ الشِّخِّيرِ, قَالَ: بَيْنَا أَنَا مَعَ مُطَرِّفٍ بِالْمِرْبَدِ, إِذْ دَخَلَ رَجُلٌ مَعَهُ قِطْعَةُ أُدْمٍ, قَالَ: كَتَبَ لِي هَذِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , فَهَلْ أَحَدٌ مِنْكُمْ يَقْرَأُ, قَالَ: قُلْتُ: أَنَا أَقْرَأُ, فَإِذَا فِيهَا: «مِنْ مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ ﷺ , لِبَنِي زُهَيْرِ بْنِ أُقَيْشٍ, أَنَّهُمْ إِنْ شَهِدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ, وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ, وَفَارَقُوا الْمُشْرِكِينَ, وَأَقَرُّوا بِالْخُمُسِ فِي غَنَائِمِهِمْ, وَسَهْمِ النَّبِيِّ ﷺ , وَصَفِيِّهِ, فَإِنَّهُمْ آمِنُونَ بِأَمَانِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (سعيد الجريريّ) -بضمّ الجيم- ابن إياس، أبو مسعود البصريّ، ثقة، تغيّر قبل موته بثلاث سنين [٥] ٣٢/ ٦٧٢. ٢ - (يزيد بن الشِّخِّير) -بكسر الشين المعجمة، وكسر الخاء المشدّدة المعجمة- هو يزيد ابن عبد اللَّه بن الشخير -نُسب لجدّه- العامري، أبو العلاء البصريّ، ثقة، مات سنة (١١١) أو قبلها، وكان مولده في خلافة عمر - رضي اللَّه تعالى عنه -، فوهم من زعم أن له رؤية [٢] ٣٢/ ٦٧٢، والباقون تقدّموا قريبًا. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ يَزِيدَ بْنِ الشِّخِّيرِ) العامري، أنه (قَالَ: بَيْنَا أَنَا مَعَ مُطَرِّفٍ) هو أخوه، أكبر منه، وهو ابن عبد اللَّه بن الشخير العامري، أبو عبد اللَّه البصريّ، ثقة عابدٌ فاضل، مات سنة (٩٥) [٢] ٥٣/ ٦٧) (بِالْمِرْبَدِ) بكسر الميم، وسكون الراء، وفتح الموحّدة- وزان مِنبر: المحبسُ، والجرينُ، وموضع بالبصرة. قاله في "القاموس"، وفي "المصباح": "الْمِرْبد" وزان مِقود، وهو موقف الإبل، ومِربد النعم: موضع بالمدينة، يقال: على نحو من ميل. والمربد أيضًا: موضع التمر، ويقال له: أيضًا: مِسْطَح. انتهى. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: المراد بالمربد هنا كما قال المنذريّ- محلّة بالبصرة، من أشهر محالّها، وأطيبها. (إِذْ دَخَلَ رَجُلٌ مَعَهُ قِطْعَةُ) بكسر القاف، وسكون الطاء المهملة (أَدَمٍ) بفتحتين، وبضمتين، وهو القياس، مثلُ بَرِيد وبُرُد: هو الجلد المدبوغ. قاله في "المصباح"، وفي

стр. 15833

"القاموس": والأدِيم" الجلد، أو أحمره، أو مدبوغه، جمعه آدِمةٌ أي بالمد-، وأُدُمٌ أي بضمتين- وآدام أي بالمد- و"الأَدَمُ" أي بالتحريك- اسم للجمع. انتهى. وفي رواية أبي داود من طريق قُرّة، عن يزيد بن عبد اللَّه بن الشخّير، قال: "كنّا بالمربد، فجاء رجل، أشعث الرأس، بيده قطعة أديم أحمر، فقلنا: كأنك من أهل البادية؟ قال: أجل، قلنا: ناولنا هذه القطعة الأديم التي في يدك، فناولناها، فقرأنا ما فيها، فإذا فيها: "من محمد رسول اللَّه - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم - إلى بني زُهير بن أقيش" الحديث. قال الحافظ المنذريّ: ورواه بعضهم عن يزيد بن عبد اللَّه، وسمّى الرجل النَّمِر بن تَوْلَب، الشاعر، صاحب رسول اللَّه - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم -، ويقال: إنه ما مدح أحدًا، ولا هجا أحدًا، وكان جوادًا، لا يكاد يُمسك شيئًا، وأدرك الإسلام، وهو كبير. (قَالَ: كَتَبَ) أي أمر بكتابه (لِي هَذِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَهَلْ أَحَدٌ مِنْكُمْ يَقْرَأُ، قَالَ) يزيد (قُلْتُ: أَنَا أَقَرَأُ، فَإِذَا فِيهَا) أي في تلك القطعة (مِنْ مُحَمَّدٍ النَّبِيّ) بالجرّ على البدليّة ( ﷺ ، لِبَنِي زُهيرِ بْنِ أُقيْشِ) بضمّ الهمزة، مصغّرًا: حي من عُكل (أَنَّهُمْ إِنَّ شَهِدُوا أَنْ لَا إِلَه إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ) ولفظ أبي داود في الرواية المذكورة: "إنكم إن شهدتم أن لا إله إلا اللَّه، وأن محمدا رسول اللَّه ﷺ ، وأقمتم الصلاة، وآتيتم الزكاة، وأديتم الخمس من المغنم، وسهم النبيّ ﷺ الصفي, أنتم آمنون بأمان اللَّه ورسوله" الحديث. (وَفَارَقُوا الْمُشْرِكينَ) أي فارقوا دينهم، وعاداتهم (وَأَقَرُوا بِالخُمُسِ فِي غَنَائِمِهِمْ، وَسَهْمِ النَّبِيِّ ﷺ ) قال السنديّ: ظاهره أن سهمه - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم - زائدٌ على الخمس. انتهى. وقال المنذريّ -رحمه اللَّه تعالى-: قوله: "وسهم النبيّ - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم -": السهم في الأصل واحد السهام التي يُضرب بها في الميسر، وهي القداح، ثم سُمّي ما يفوز به الفالج (١) سهما، ثم كثُر حتى سُمّي كلّ نصيب سهمًا. انتهى (٢). (وَصَفِيَّهِ) أي ما يختاره - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم - من الغنيمة قبل القسمة، وقد تقدّم البحث عنه قريبًا. وقال الخطّابيّ -رحمه اللَّه تعالى-: أما سهم النبيّ - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم -، فإنه كان كسهم رجل ممن يشهد الوقعة، حضرها رسول اللَّه - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم -، أو

стр. 15834

غاب عنها. وأما الصفي، فهو ما يصطفيه من عُرْض الغنيمة، من شيء قبل أن يخمس، عبد، أو جارية، أو فرس، أو سيف، أو غيرها، كان النبيّ - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم - مخصوصًا بذلك مع الخمس الذي له خاصّة. انتهى (١). وقال المنذريّ: قيل: كان للنبيّ - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم - سهم رجل، شهد الوقعة، أو غاب عنها. والصفيّ: هو ما اصطفاه من عرض المغنم قبل القسمة، من فرس، أو غلام، أو سيف، أو ما أحبّ، وخمس الخمس، خُصّ بهذه الثلاثة، عوضًا من الصدقة التي حرّمت عليه. انتهى (٢). (فَإِنَّهُمْ آمِنُون بِأَمَانِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ) أي بسبب إعطاء اللَّه تعالى، ورسوله - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم - الأمان لهم، فأما أمان اللَّه، فبقوله : ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ [التوبة: ٥]، وقوله : ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ الآية. وأما أمانه - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم -، فبكتابته لهم الكتاب المذكور؛ عملاً بما أمره اللَّه تعالى في كلامه المذكور. واللَّه تعالى أعلم. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: حديث يزيد بن الشِّخِّير، عن رجل من بني زُهير بن أُقيش هذا صحيح، أخرجه المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- هنا - ١/ ٤١٤٨ - وفي "الكبرى" ١/ ٤٤٤٨. وأخرجه (د) في "الخراج، والإمارات، والفيء" ٢٩٩٩. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤١٤٩ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ يَحْيَى بْنِ الْحَارِثِ, قَالَ: أَنْبَأَنَا مَحْبُوبٌ, قَالَ: أَنْبَأَنَا أَبُو إِسْحَاقَ, عَنْ شَرِيكٍ, عَنْ خُصَيْفٍ, عَنْ مُجَاهِدٍ, قَالَ: الْخُمُسُ الَّذِي لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ, كَانَ لِلنَّبِيِّ ﷺ وَقَرَابَتِهِ, لَا يَأْكُلُونَ مِنَ الصَّدَقَةِ شَيْئًا, فَكَانَ لِلنَّبِيِّ ﷺ , خُمُسُ الْخُمُسِ, وَلِذِى قَرَابَتِهِ خُمُسُ الْخُمُسِ, وَلِلْيَتَامَى مِثْلُ ذَلِكَ, وَلِلْمَسَاكِينِ مِثْلُ ذَلِكَ, وَلِابْنِ السَّبِيلِ مِثْلُ ذَلِكَ). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "أبو إسحاق": هو إبراهيم بن محمد الفَزَاريّ المذكور في الأسانيد الماضية. و"شريك": هو ابن عبد اللَّه النخعيّ القاضي الكوفيّ، صدوقٌ يُخطىء كثيرًا، وتغيّر حفظه منذ ولي القضاء بالكوفة [٨] ٢٥/ ٢٩. و"خُصيف" بالخاء المعجمة، والصاد المهملة-: هو ابن عبد الرحمن الجزريّ، صدوقٌ سيء الحفظ، وخلط بآخره [٥] ٩٥/ ١٣٥٣. و"مجاهد": هو ابن جبر الإمام الحجة

стр. 15835

المشهور. واللَّه تعالى أعلم بالصواب. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الحديث مرسل ضعيف الإسناد؛ لضعف شريك، وخُصيف، وهو من أفراد المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، أخرجه هنا- ١/ ٤١٤٩ - وفي "الكبرى" ١/ ٤٤٤٩. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ: قَالَ: اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِى الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ وَقَوْلُهُ : ﴿لِلَّهِ﴾ ابْتِدَاءُ كَلَامٍ؛ لأَنَّ الأَشْيَاءَ كُلَّهَا لِلَّهِ , وَلَعَلَّهُ إِنَّمَا اسْتَفْتَحَ الْكَلَامَ, فِي الْفَىْءِ وَالْخُمُسِ بِذِكْرِ نَفْسِهِ, لأَنَّهَا أَشْرَفُ الْكَسْبِ, وَلَمْ يَنْسُبِ الصَّدَقَةَ إِلَى نَفْسِهِ , لأَنَّهَا أَوْسَاخُ النَّاسِ, وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ وَقَدْ قِيلَ: يُؤْخَذُ مِنَ الْغَنِيمَةِ شَيْءٌ, فَيُجْعَلُ فِي الْكَعْبَةِ, وَهُوَ السَّهْمُ الَّذِي لِلَّهِ . وَسَهْمُ النَّبِيِّ ﷺ إِلَى الإِمَامِ, يَشْتَرِي الْكُرَاعَ مِنْهُ وَالسِّلَاحَ, وَيُعْطِي مِنْهُ مَنْ رَأَى, مِمَّنْ رَأَى فِيهِ غَنَاءً, وَمَنْفَعَةً لأَهْلِ الإِسْلَامِ, وَمِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَالْعِلْمِ وَالْفِقْهِ وَالْقُرْآنِ. وَسَهْمٌ لِذِى الْقُرْبَى, وَهُمْ بَنُو هَاشِمٍ وَبَنُو الْمُطَّلِبِ, بَيْنَهُمُ الْغَنِيُّ مِنْهُمْ وَالْفَقِيرُ, وَقَدْ قِيلَ: إِنَّهُ لِلْفَقِيرِ مِنْهُمْ دُونَ الْغَنِيِّ, كَالْيَتَامَى, وَابْنِ السَّبِيلِ, وَهُوَ أَشْبَهُ الْقَوْلَيْنِ بِالصَّوَابِ عِنْدِي -وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ- وَالصَّغِيرُ وَالْكَبِيرُ, وَالذَّكَرُ وَالأُنْثَى سَوَاءٌ, لأَنَّ اللَّهَ , جَعَلَ ذَلِكَ لَهُمْ, وَقَسَّمَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِيهِمْ, وَلَيْسَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّهُ فَضَّلَ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ, وَلَا خِلَافَ نَعْلَمُهُ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ, فِي رَجُلٍ لَوْ أَوْصَى بِثُلُثِهِ لِبَنِي فُلَانٍ, أَنَّهُ بَيْنَهُمْ, وَأَنَّ الذَّكَرَ وَالأُنْثَى فِيهِ سَوَاءٌ, إِذَا كَانُوا يُحْصَوْنَ, فَهَكَذَا كُلُّ شَيْءٍ صُيِّرَ لِبَنِي فُلَانٍ, أَنَّهُ بَيْنَهُمْ بِالسَّوِيَّةِ, إِلاَّ أَنْ يُبَيِّنَ ذَلِكَ الآمِرُ بِهِ, وَاللَّهُ وَلِىُّ التَّوْفِيقِ. وَسَهْمٌ لِلْيَتَامَى مِنَ الْمُسْلِمِينَ, وَسَهْمٌ لِلْمَسَاكِينِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ, وَسَهْمٌ لاِبْنِ السَّبِيلِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ, وَلَا يُعْطَى أَحَدٌ مِنْهُمْ سَهْمُ مِسْكِينٍ وَسَهْمُ ابْنِ السَّبِيلِ, وَقِيلَ لَهُ: خُذْ أَيَّهُمَا شِئْتَ, وَالأَرْبَعَةُ أَخْمَاسٍ, يَقْسِمُهَا الإِمَامُ بَيْنَ مَنْ حَضَرَ الْقِتَالَ, مِنَ الْمُسْلِمِينَ الْبَالِغِينَ). قوله: (قَالَ أَبُو عَبْد الرَّحْمَنِ) أي النسائيّ -رحمه اللَّه تعالى-، مفسّرًا الآية الكريمةَ، ومبيّنًا مُختاره فيما يتعلّق في تأويلها (قَالَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾، وَقَوْلُهُ : ﴿للَّه﴾ ابْتِدَاءُ كَلَامٍ) أي استفتاح كلام (لِأَنَّ الَأشْيَاء كُلَّهَا لِلَّهِ ) أي فلا مفهوم

стр. 15836

لتخصيص الخمس للَّه تعالى، وإنما فائدة ذكره الاستفتاح باسمه تعالى تبرّكًا (وَلَعَلَّهُ إِنَّمَا اسْتَفْتَحَ الْكَلَامَ، فِي الْفَيْءِ وَالْخُمُسِ بِذِكْرِ نَفْسِهِ؛ لِأَنَّهَا أَشْرَفُ الْكَسْبِ) أي لكون الغنيمة أفضل مكاسب المسلم، فناسب ذكره تعالى معها (وَلَمْ يَنْسِبِ الصَّدَقَةَ إِلَى نَفْسِهِ ) أي في آية الصدقة، فإنه ذكر المستحقّين لها، دون أن يستفتح بذكر اسمه ، حيث قال: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ الآية [التوبة: ٦٠]، (لِأَنَّهَا أَوْسَاخُ النّاسِ) كما بيّنه - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم - فيما أخرجه مسلم، وأبو داود، والمصنّف: "إن هذه الصدقة لا تنبغي لمحمد، ولا لآل محمد، إنما هي أوساخ الناس" (وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ). (وَقَدْ قِيلَ: يُؤخَذُ مِنْ الْغَنِيمَةِ شَيْءٌ، فَيُجْعَلُ فِي الْكَعْبَةِ) أي في مصالحها (وَهُوَ السَّهْمُ الَّذِي لِلهِ ) وهذا القول مرويّ عن أبي العالية، فقد أخرج ابن جرير في "تفسيره" من طريق الربيع بن أنس، عنه، قال: كان رسول اللَّه - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم - يُؤتى بالغنيمة، فيقسمها على خمسة، تكون أربعة أخماس لمن شهدها، ثم يأخذ الخمس، فيضرب بيده فيه، فيأخذ منه الذي قبض كفه، فيجعله في الكعبة، وهو سهم اللَّه، ثم يقسم ما بقي على خمسة أسهم، فيكون سهم للرسول، وسهم لذي القربى، وسهم لليتامى، وسهم للمساكين، وسهم لابن السبيل. انتهى (١). (وَسَهْمُ النَّبِيّ ﷺ إِلَى الإِمَامِ، يَشْتَرِي الكُراَعَ) بالضم: أي الخيل (مِنْهُ وَالسِّلَاحَ، وَيُعْطِي مِنْهُ مَنْ رَأَى) أي من علم أنه مستحق للعطاء بسبب نفعه لعموم المسلمين، كما أوضحه بقوله (مِمَّنْ رَأَى فِيهِ غَنَاءً) بالفتح، والمدّ: الكفايةُ: أي ممن كان في وجوده كفاية للمسلمين، يكفيهم بشجاعته في الحرب مثلاً (وَمَنْفَعَةً) بفتح الميم، والفاء: أي نفعًا (لِأَهْلِ الإِسْلَامِ) وقوله (وَمِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَالْعِلْمِ وَالْفِقْهِ وَالقُرْآنِ) من عطف الخاصّ على العامّ. (وَسَهْمٌ لِذِي القُرْبَى، وَهُمْ بَنُو هَاشِمٍ وَبَنُو الْمُطَّلِبِ، بَيْنَهُمْ الْغَنِيُّ مِنْهُمْ وَالْفَقِيرُ) يعني أنه لا يختصّ به الفقير، بل يشترك فيه الغني والفقير (وَقَدْ قِيلَ: إِنَّهُ لِلْفَقِيرِ مِنْهُمْ دُونَ الغَنِيِّ، كَالْيَتَامَى، وَابْنِ السَّبِيلِ) يعني أن بعضهم خصّ به الفقير، دون الغني، وهذا القول هو الذي ماله إليه المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، حيث قال (وَهُوَ أَشْبَهُ الْقَوْلَيْنِ بِالصَّوَابِ عِنْدِي- واللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ-) لكن ظاهر النصّ العموم، فيحتاج تخصيصه بالفقير إلى دليل، فالظاهر حمله على عمومه. واللَّه تعالى أعلم.

стр. 15837

(وَالصَّغِيرُ وَالْكَبِيرُ، وَالذَّكَرُ وَالأُنْثَى سَوَاءٌ) يعني أنه يستوي في سهم ذي القربى صغيرهم، وكبيرهم، وذكرهم، وأنثاهم، ثم استدلّ على ذلك بثلاثة أدلة، أولها ما أشار إليه بقوله (لِأَنَّ اللَّهَ ، جَعَلَ ذَلِكَ لَهُمْ) يعني أن اللَّه جعل سهم ذي القربى لهم من غير تخصيص لبعضهم. والثاني ما أشار إليه بقوله (وَقَسَّمَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِيهِمْ، وَلَيْسَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّهُ فَضَّلَ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ) والثالث ما أشار إليه بقوله (وَلَا خِلَافَ نَعْلَمُهُ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ، فِي رَجُلٍ لَوْ أَوْصَى بِثُلُثِهِ لِبَنِي فُلَانِ، أَنَّهُ بَيْنَهُمْ، وَأَنَّ الذَّكَرَ وَالأُنْثَى فِيهِ سَوَاءٌ، إِذَا كَانُوا يُحْصَوْنَ) بالبناء للمفعول (فَهَكَذَا كُلُّ شَيْءٍ صُيِّرَ" بتشديد الياء التحتانيّة، مبنيا للمفعول: أي جُعل (لِبَنِي فُلَانِ، أَنَّهُ بَيْنَهُمْ بِالسَّويَّة، إِلَّا أَنْ يُبَيِّنَ ذَلِكَ الآمِرُ بِهِ) يعني أنه إذا بين ذلك الموصي أن يفضل بين الذكر والأنثى، فيُنقذ ذلك على ما ما قاله (وَاللَّهُ وَلِيُّ التَّوْفِيقِ) وحاصل ما أشار إليه -رحمه اللَّه تعالى- من الأدلّة أن اللَّه تعالى جعل سهم ذوي القربى بينهم من غير تفضيل بعضهم على بعض، ثم إن رسول اللَّه - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم - قسم ذلك بينهم بالسوية، وأن العلماء اتفقوا على أنه إذا أوصى شخص لبني فلان، أنه يقسم المال بينهم بالسوية، من غير تفضيل الذكور على الإناث، إلا إذا فضّلهم الموصي، فعند ذلك يُعمل به. واللَّه تعالى أعلم. (وَسَهْمٌ لِليَتَامَى مِنْ الْمُسْلِمِينَ، وَسَهْمٌ لِلْمَسَاكِينِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، وَسَهْمٌ لِابْنِ السَّبِيل مِنْ الْمُسْلِمِينَ، وَلَا يُعْطَى أَحَدٌ مِنْهُمْ سَهْمُ مِسْكِينِ وَسَهْمُ ابْنِ السَّبِيلِ، وَقِيلَ لَهُ: خُذْ أَيُّهُمَا شِئْتَ) يعني أنه لا يُعطى الشخص الواحد إذا كان مسكينا، وابن سبيل سهمين بهما، وإنما يُخير أن يأخد أحد السهمين فقط (وَالأَرْبَعَةُ أَخْمَاسٍ) ولفظ "الكبرى": "والأربعة الأخماس" بتعريف الجزأين، وهو الجاري على القاعدة. (يَقْسِمُها الإِمَامُ بَيْنَ مَنْ حَضَرَ القِتَالَ) فيه أنه لا يستحق الغنيمة من غاب عنها، وسيأتي تحقيق ذلك، في مسائل الحديث التالي، إن شاء اللَّه تعالى (مِنْ الْمُسْلِمِينَ) خرج الكافر، فلو حضر بإذن الإمام، وقاتل مع المسلمين، ففي الإسهام له خلاف بين العلماء، سيأتي تحقيقه أيضًا، إن شاء اللَّه تعالى. (الْبَالِغِينَ) وأما الصبيان، فلا يسهم لهم بل يرضخ لهم على الصحيح، وقيل: يسهم لهم، وقيل: إن قاتلوا يسهم لهم، وإلا فلا، وسيأتي تمام البحث في ذلك قريبًا، إن شاء اللَّه تعالى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤١٥٠ - (أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ -يَعْنِي ابْنَ إِبْرَاهِيمَ- عَنْ أَيُّوبَ, عَنْ عِكْرِمَةَ بْنِ خَالِدٍ, عَنْ مَالِكِ بْنِ أَوْسِ بْنِ الْحَدَثَانِ, قَالَ: جَاءَ الْعَبَّاسُ وَعَلِيٌّ,

стр. 15838

إِلَى عُمَرَ, يَخْتَصِمَانِ, فَقَالَ الْعَبَّاسُ: اقْضِ بَيْنِي وَبَيْنَ هَذَا, فَقَالَ النَّاسُ: افْصِلْ بَيْنَهُمَا, فَقَالَ عُمَرُ: لَا أَفْصِلُ بَيْنَهُمَا, قَدْ عَلِمَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَا نُورَثُ, مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ» , قَالَ: فَقَالَ الزُّهْرِيُّ: وَلِيَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , فَأَخَذَ مِنْهَا قُوتَ أَهْلِهِ, وَجَعَلَ سَائِرَهُ سَبِيلَهُ سَبِيلَ الْمَالِ, ثُمَّ وَلِيَهَا أَبُو بَكْرٍ بَعْدَهُ, ثُمَّ وُلِّيتُهَا بَعْدَ أَبِي بَكْرٍ, فَصَنَعْتُ فِيهَا الَّذِي كَانَ يَصْنَعُ, ثُمَّ أَتَيَانِي, فَسَأَلَانِي أَنْ أَدْفَعَهَا إِلَيْهِمَا عَلَى أَنْ يَلِيَاهَا, بِالَّذِي وَلِيَهَا بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , وَالَّذِي وَلِيَهَا بِهِ أَبُو بَكْرٍ, وَالَّذِي وُلِّيتُهَا بِهِ, فَدَفَعْتُهَا إِلَيْهِمَا, وَأَخَذْتُ عَلَى ذَلِكَ عُهُودَهُمَا, ثُمَّ أَتَيَانِي يَقُولُ هَذَا: اقْسِمْ لِي بِنَصِيبِي مِنِ ابْنِ أَخِي, وُيَقُولُ هَذَا: اقْسِمْ لِي بِنَصِيبِي مِنِ امْرَأَتِي, وَإِنْ شَاءَا أَنْ أَدْفَعَهَا إِلَيْهِمَا عَلَى أَنْ يَلِيَاهَا, بِالَّذِي وَلِيَهَا بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , وَالَّذِي وَلِيَهَا بِهِ أَبُو بَكْرٍ, وَالَّذِي وُلِّيتُهَا بِهِ, دَفَعْتُهَا إِلَيْهِمَا, وَإِنْ أَبَيَا كُفِيَا ذَلِكَ, ثُمَّ قَالَ: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [الأنفال: ٤١] , هَذَا لِهَؤُلَاءِ, ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [التوبة: ٦٠] هَذِهِ لِهَؤُلَاءِ, ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ﴾ [الحشر: ٦] , قَالَ الزُّهْرِيُّ: هَذِهِ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ خَاصَّةً, قُرًى عَرَبِيَّةً فَدَكُ كَذَا وَكَذَا, فَـ ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [الحشر: ٧] , وَ ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ﴾ [الحشر: ٨] , ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [الحشر: ٩] , ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ [الحشر: ١٠] , فَاسْتَوْعَبَتْ هَذِهِ الآيَةُ النَّاسَ, فَلَمْ يَبْقَ أَحَدٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ إِلاَّ لَهُ فِي هَذَا الْمَالِ حَقٌّ, أَوْ قَالَ: حَظٌّ, إِلاَّ بَعْضَ مَنْ تَمْلِكُونَ مِنْ أَرِقَّائِكُمْ, وَلَئِنْ عِشْتُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ, لَيَأْتِيَنَّ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ حَقُّهُ, أَوْ قَالَ: حَظُّهُ (١)). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (عليّ بن حُجر) السعديّ المروزيّ، ثقة حافظ، من صغار [٩] ١٣/ ١٢. ٢ - (إسماعيل بن إبراهيم) ابن عليّة، أبو بشر البصريّ، ثقة ثبت [٨] ١٨/ ١٩. ٣ - (أيوب) بن أبي تميمة كيسان، أبو بكر البصريّ، ثقة ثبت حجة [٥] ٤٢/ ٤٨. ٤ - (عكرمة بن خالد) بن العاص بن هشام بن المغيرة بن عبد اللَّه بن عمر بن مخزوم القرشيّ، المخزوميّ المكيّ، ثقة [٣] ٣٧/ ٩٤٠. ٥ - (مالك بن أوس بن الْحَدَثَان) -بفتح المهملتين والمثلّثة- النصري -بفتح النون،

стр. 15839

وسكون الصاد المهملة- أبو سعيد المدنيّ، له رؤية، مات سنة (٩٢)، وقيل: (٩١). ٦ - (عمر) بن الخطّاب بن نوفل العدويّ الخلفية الراشد - رضي اللَّه تعالى عنه - ٦٠/ ٧٥. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أن فيه ثلاثة من التابعين يروي بعضهم عن بعض: أيوب، عن عكرمة، عن مالك بن أوس. (ومنها): أن صحابيه أحد الخلفاء الراشدين الأربعة، وأحد العشرة المبشّرين بالجنّة، جمّ المناقب - رضي اللَّه تعالى عنهم - أجمعين. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عن عِكرِمة بنِ خالِد) المخزومي القرشيّ -رحمه اللَّه تعالى-. [تنبيه]: هذه الرواية ترد على من زعم أن الزُّهرِيّ تفرَّد بِرِوايةِ هذا الحدِيثِ، عن مالك بن أوس، قال أبُو علِيّ الكرابيسِيّ: أنكرهُ قومٌ، وقالُوا: هذا مِن مُستنكرِ ما رواهُ ابن شِهاب، قال: فإن كانُوا علِمُوا أنهُ ليس بِفردٍ، فهيهات، وإِن لم يعلمُوا، فهُو جهل، فقد رواهُ عن مالِك بن أوس عِكرِمةُ بن خالِد، وأيوب بن خالِد، ومُحمد بن عمرو بن عطاء، وغيرهم. أفاده في "الفتح" (١). واللَّه تعالى أعلم. (عَنْ مَالِكِ بْنِ أَوْسِ بْنِ الْحَدَثَانِ) بفتحتات النصريّ -رحمه اللَّه تعالى-، أنه (قَالَ: جَاءَ الْعَبَّاسُ) بن عبد المطّلب، عم رسول اللَّه - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم -، - رضي اللَّه تعالى - عنه (وَعَلِيّ) بن أبي طالب - رضي اللَّه تعالى عنه - (إِلَى عُمَرَ) بن الخطاب - رضي اللَّه تعالى - عنه (يَخْتَصِمَانِ) حديث هذه القصّة، قد ساقها البخاريّ -رحمه اللَّه تعالى- في "صحيحه" مطولة، فقال: ٣٠٩٤ - حدثنا إسحاق بن محمد الفَرْوي، حدثنا مالك بن أنس، عن ابن شهاب، عن مالك بن أوس بن الحَدَثَان، وكان محمد بن جبير ذكر لي ذِكْرًا من حديثه ذلك، فانطلقت حتى أدخلَ على مالك بن أوس، فسألته عن ذلك الحديث؟ فقال مالك: بينا أنا جالس في أهلي، حين مَتَعَ النهار (٢) إذا رسول عمر بن الخطاب يأتيني، فقال: أجب أمير المؤمنين، فانطلقت معه، حتى أدخل على عمر، فإذا هو جالس على رِمَال سرير،

стр. 15840

ليس بينه وبينه فراش، متكئ على وسادة من أَدَم، فسلمت عليه، ثم جلست، فقال: يا مال، إنه قَدِمَ علينا من قومك أهل أبيات، وقد أمرت فيهم برَضْخٍ، فاقبضه، فاقسمه بينهم، فقلت: يا أمير المؤمنين، لو أمرت به غيري، قال: اقبضه أيها المرء، فبينا أنا جالس عنده، أتاه حاجبه يَرْفًا، فقال: هل لك في عثمان، وعبد الرحمن بن عوف، والزبير، وسعد بن أبي وقّاص، يستأذنون؟، قال: نعم، فأذن لهم، فدخلوا، فسلموا، وجلسوا، ثم جلس يرفا يسيرًا، ثم قال: هل لك في عليّ وعباس؟ قال: نعم، فأذن لهما، فدخلا، فسلما، فجلسا، فقال عبّاس: يا أمير المؤمنين، اقض بيني وبين هذا، وهما يختصمان فيما أفاء اللَّه على رسوله ﷺ من مال بني النضير، فقال الرهط: عثمان، وأصحابه: يا أمير المؤمنين، اقض بينهما، وأرح أحدهما من الآخر، قال عمر: تَيدَكُم (١) أنشدكم باللَّه الذي بإذنه تقوم السماء والأرض، هل تعلمون أن رسول اللَّه ﷺ ، قال: "لا نورث، ما تركنا صدقة"؟، يريد رسولُ اللَّه ﷺ نفسه، قال: الرهط: قد قال ذلك، فأقبل عمر على عليّ وعباس، فقال: أنشدكما اللَّه، أتعلمان أن رسول اللَّه ﷺ ، قد قال ذلك, قالا: قد قال ذلك، قال عمر: فإني أحدّثكم عن هذا الأمر، إن اللَّه قد خَصَّ رسوله ﷺ ، في هذا الفيء بشيء، لم يعطه أحدا غيره، ثم قرأ: ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ﴾ إلى قوله: ﴿قَدِيرٌ﴾ [الحشر: ٦] , فكانت هذه خالصة لرسول اللَّه ﷺ ، واللَّه ما احتازها (٢) دونكم، ولا استأثر بها عليكم، قد أعطاكموها، وبَثّها فيكم، حتى بقي منها هذا المال، فكان رسول اللَّه ﷺ ، ينفق على اهله نفقة سنتهم، من هذا المال، ثم يأخذ ما بقي، فيجعله مجعل مال اللَّه، فعمل رسول اللَّه ﷺ بذلك حياته، أنشدكم باللَّه، هل تعلمون ذلك؟ قالوا: نعم، ثم قال لعلي وعباس: أنشدكما باللَّه، هل تعلمان ذلك؟ قال عمر: ثم تَوَفَّى اللَّهُ نبيه ﷺ ، فقال أبو بكر: أنا ولي رسول اللَّه ﷺ فقبضها أبو بكر، فعمل فيها بما عمل رسول اللَّه ﷺ ، واللَّه يعلم إنه فيها لصادق بارّ راشد تابع للحق، ثم توفي اللَّه أبا بكر، فكنت أنا ولي أبي بكر، فقبضتها سنتين من إمارتي، أعمل فيها بما عمل رسول اللَّه ﷺ ، وما عمل فيها أبو بكر، واللَّه يعلم إني فيها لصادق بار راشد تابع للحق، ثم جئتماني تكلماني، وكلمتكما واحدة، وأمركما واحد، جئتني يا عبّاس، تسألني نصيبك من ابن أخيك، وجاءني هذا يريد عليا- يريد نصيب امرأته من أبيها، فقلت لكما: إن رسول اللَّه ﷺ ، قال: "لا نورث، ما تركنا صدقةٌ"، فلما بدا لي أن أدفعه إليكما، قلت: إن شئتما دفعتها إليكما

стр. 15841

على أن عليكما عهد اللَّه وميثاقه، لَتَعمَلان فيها بما عمل فيها رسول اللَّه ﷺ ، وبما عمل فيها أبو بكر، وبما عملت فيها منذ وليتها، فقلتما: ادفعها إلينا، فبذلك دفعتها إليكما، فأنشدكم باللَّه، هل دفعتها إليهما بذلك؟ قال الرهط: نعم، ثم أقبل على علي وعباس، فقال: أنشدكما باللَّه، هل دفعتها إليكما بذلك؟ قالا: نعم، قال: فتلتمسان مني قضاء غير ذلك؟، فواللَّه الذي بإذنه تقوم السماء والأرض، لا أقضي فيها قضاءً غير ذلك، فإن عجزتما عنها، فادفعاها إلى، فإني أكفيكماها. انتهى (١). (فَقَالَ الْعَبَّاسُ) - رضي اللَّه تعالى عنه - (اقْضِ بَيْنِي وَبَيْنَ هَذَا) زاد شعيب، ويونس عن ابن شهاب عند البخاريّ: "فاستبّ عليّ وعبّاسٌ"، وفي رواية عقيل، عن ابن شهاب عنده: "اقض بيني، وبين هذا الظالم، استبّا"، وفي رواية جويرية: "وبين هذا الكاذب الآثم الغادر الخائن"، قال الحافظ -رحمه اللَّه تعالى-: ولم أر في شيء من الطرق أنه صدر من عليّ في حقّ العباس شيء، بخلاف ما يُفهم من قوله في رواية عقيل: "استبّا". واستصوب المازري صنيع من حذف هذه الألفاظ من هذا الحديث، وقال: لعلّ بعض الرواة وَهِمَ فيها، وإن كانت محفوظة، فأجود ما تُحمل عليه أن العبّاس قالها، دلالاً على عليّ؛ لأنه كان عنده بمنزلة الولد، فأراد ردْعه عما يعتقد أنه يُخطىء فيه، وأن هذه الأوصاف يتّصف بها لو كان يفعل عن عمد، قال: ولا بدّ من هذا التأويل لوقوع ذلك بمحضر الخليفة، ومن ذُكر معه، ولم يصدر منهم إنكارٌ لذلك، مع ما عُلم من تشدّدهم في إنكار المنكر. انتهى (٢). (فَقَالَ النَّاسُ) المراد عثمان، وعبد الرحمن بن عوف، والزبير، وسعد بن أبي وقّاص - رضي اللَّه تعالى عنهم -. وفي رواية معمر، عن الزهريّ في "مسند ابن أبي عمر": "فقال الزبير بن العوّام: اقض بينهما"، فيحتمل أنه باشر السؤال، ورضي الباقون به، فنُسب إليهم، واللَّه تعالى أعلم (افْصِلْ بَيْنَهُمَا) وزاد في رواية مسلم: "فقال مالك بن أوس: يُخيّل إليّ أنهم قد كانوا قدّموهم لذلك" (فَقَالَ عُمَرُ) - رضي اللَّه تعالى عنه - (لَا أَفْصِلُ بَيْنَهُمَا) أي لا أقض بينهما على ما يريدانه، من قسمة مال بني النضير، ولس المراد أنه يتركهما يتخاصمان دائماً (قَدْ عَلِمَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قال: "لَا نُورَثُ، مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ") تقدّم شرحه في شرح حديث عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - السابق في هذا الباب (قَالَ) الراوي، وهو عكرمة بن خالد (فَقَالَ الزُّهْرِيُّ) ظاهر هذا أن الكلام الآتي لم يروه أيوب عن عكرمة بن خالد، عن مالك بن أوس، وإنما رواه عن الزهريّ، عن مالك بن أوس،

стр. 15842

فلذلك صرح بنسبته إليه. لكنه ثبت من رواية أيوب، عن خالد أيضًا، فقد أخرجه ابن جرير الطبريّ في تفيسره بإسناد صحيح، من طريق معمر، عن أيوب، عن عكرمة بن خالد، عن مالك بن أوس ابن الحدثان، قال: قال عمر بن الخطّاب - رضي اللَّه تعالى عنه -: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ حتى بلغ ﴿عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: ٦٠] ثم قال: هذه لهؤلاء، ثم قال: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى﴾ الآية [الأنفال: ٤١]، ثم قال: هذه الآية لهؤلاء، ثم قرأ: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ حتي بلغ ﴿لِلفُقَرَاءِ﴾ , ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ﴾ , ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ [الحشر: ٧ - ١٠] , ثم قال: استوعبت هذه الآية المسلمين عامة، فليس أحدٌ إلا له حقّ، ثم قال: لئن عشتُ ليأتينّ الراعي، وهو بسرو حِمير (١) نصيبه، لم يعرّق فيها جبينه. انتهى (٢). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: بهذا يتبيّن أن الحديث ثابت بالطريقين: طريق أيوب، عن الزهريّ، عن مالك بن أوس، وطريق أيوب، عن عكرمة بن خالد، عن مالك، وليس كما يوهمه ظاهر صنيع المصنّف، من كونه عن طريق الزهريّ فقط. واللَّه تعالى أعلم. وأما رواية الزهريّ، فقد أخرجها أبو داود في "سننه"، فقال: حدثنا مسدد، حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، أخبرنا أيوب، عن الزهريّ، قال: قال عمر: ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ﴾ [الحشر: ٦]، قال الزهريّ: قال عمر. هذه لرسول اللَّه ﷺ خاصة، قرى عرينة، وفدك، وكذا وكذا، ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ , و ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ﴾ , ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ , ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ [الحشر:٧ - ١٠] , فاستوعبت هذه الآية الناس، فلم يبق أحد من المسلمين إلا له فيها حقّ، قال أيوب: أو قال: حظ، إلا بعض من تملكون من أرقائكم. انتهى.

стр. 15843

قال المنذريّ: وهذا منقطع، الزهريّ لم يسمع من عمر. انتهى. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: لكن تقدّم عند ابن جرير متصلاً من رواية عكرمة بن خالد، عن مالك بن أوس، فهو صحيح. واللَّه تعالى أعلم. (وَلِيَهَا) بفتح الواو، وكسر اللام، أي تولى شأنها، ويحتمل أن يكون بتشديد اللام، مبنيا للمفعول، أي ولّاه اللَّه، وأعطاه إياها، والضمير المنصوب للأموال التي كانا يختصمان فيها، وهي أموال بني النضير، ففي رواية البخاريّ السابقة: "وهما يختصمان فيما أفاء اللَّه على رسوله من مال بني النضير" (رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَأَخَذَ مِنْهَا قُوتَ أَهْلِهِ) وفي رواية عمرو بن دينار، عن ابن شهاب عند البخاريّ في "التفسير": كانت أموال بني النضير مما أفاء اللَّه على رسوله، فكانت خالصةً، وكان يُنفق على أهله منها نفقة سنة، ثم يجعل ما بقي في السلاح، والكراع، عُدّةً في سبيل اللَّه". وفي رواية سفيان، عن معمر، عن الزهريّ عنده في "النفقات": "كان النبيّ - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم - يبيع نخل بني النضير، ويَحبس لأهله قوت سنتهم". أي ثمر النخل. وفي رواية أبي داود من طريق أُسامة بن زيد، عن ابن شهاب: "كانت لرسول اللَّه - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم - ثلاث صَفَايَا: بنو النضير، وخيبر، وفَدَك، فأما بنو النضير، فكانت حَبْسًا لنوائبه، وأما فدك، فكانت حبسًا لابناء السبيل، وأما خيبر فجزأها بين المسلمين، ثم قسم جزءًا لنفقة أهله، وما فضل منه جعله في فقراء المهاجرين". قال الحافظ -رحمه اللَّه تعالى-: ولا تعارض بينهما؛ لاحتمال أن يقسم في فقراء المهاجرين، وفي مشترى السلاح والكراع، وذلك مفسّرٌ لرواية معمر عند مسلم: "ويجعل ما بقي منه مَجْعل مال اللَّه". وزاد أبو داود في رواية أبي البختري: "وكان يُنفق على أهله، ويتصدّق بفضله"، وهذا لا يعارض حديث عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها -: "أنه - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم - توفّي، ودرعه مرهونة على شعير"؛ لأنه يُجمع بينهما بأنه كان يدّخر لأهله قوت سنتهم، ثم في طول السنة يحتاج لمن يطرُقه إلى إخراج شيء منه، فيُخرجه، فيحتاج إلى أن يعوّض من يأخذ منها عوضه، فلذلك استدان. انتهى كلام الحافظ -رحمه اللَّه تعالى- (١). وهو كلام نفيسٌ. (وَجَعَلَ سَائِرَهُ) أي ما بقي منه (سَبِيلَهُ) بالنصب بدل مما قبله، أي طريقه (سَبِيلَ الْمَالِ) بالنصب أيضًا على أنه مفعول ثان لـ " جعل" , يعني أنه يجعل ما فضل عن قوت أهله كسائر مال الصدقة، يصرفه في مصالح المسلمين، وهو بمعنى رواية مسلم

стр. 15844

المذكورة: "ويجعل ما بقي منه مجعل مال اللَّه" (ثُمَّ وَلِيَهَا) تقدّم ضبطه (أَبُو بَكْرٍ) الصديق - رضي اللَّه تعالى عنه - (بَعْدَهُ) أي فعمل بما عمل به النبيّ - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم -، ففيه اختصارٌ، ففي رواية البخاريّ المذكورة: "ثم توفّى اللَّه نبيّه - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم -، فقال أبو بكر: أنا وليّ رسول اللَّه - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم -، فقبضها أبو بكر، فعمِل فيها بما عمل رسول اللَّه - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم -" (ثُمَّ وَلِيتُهَا) تقدّم ضبطه (بَعْدَ أَبِي بَكْرٍ) - رضي اللَّه تعالى عنه - (فَصَنَعْت فِيهَا الَّذِي كَانَ يَصْنَعُ) أي يفعله أبو بكر - رضي اللَّه تعالى عنه - (ثُمَّ أَتَيَانِي) أي عبّاس، وعليّ - رضي اللَّه تعالى عنهما - (فَسَأَلَانِي أَنْ أَدْفَعَهَا إِلَيْهِمَا عَلَى أَنْ يَلِيَاهَا، بِالذِي وَلِيَهَا بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ) أي على أن يعملا بمثل الذي عمل به رسول اللَّه ﷺ صلى اللَّه تعالى عليه وسلم - (وَالَّذِي وَلِيَهَا بِهِ أَبُو بَكْرِ) أي ويلياها بمثل ولايته، ويعملا بمثل عمله (وَالَّذي وُلِّيتُها بِهِ، فَدَفَعْتُهَا إِلَيْهِمَا، وَأَخَذْتُ عَلَى ذَلِكَ عُهُودَهُمَا) أي أيمانهما (ثُمَّ أَتَيَانِي يَقُولُ هَذَا) أي العباس - رضي اللَّه تعالى عنه - (اقْسِمْ لِي بِنَصِيبِي مِنْ ابْنِ أَخِي) يريد النبيّ - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم - (وَيَقُولُ هَذَا) أي عليّ - رضي اللَّه تعالى عنه - (اقْسِمْ لِي بِنَصِيبِي مِنْ امْرَأَتِي) أي فاطمة - رضي اللَّه تعالى عنها -. وفي رواية مسلم: "فجئتما تطلب ميراثك من ابن أخيك، ويطلب ميراث امرأته من أبيها، فقال أبو بكر: قال رسول اللَّه - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم -: "لا نورث، ما تركنا صدقة"، فرأيتماه كاذبًا آثمًا، غادرًا، خائنًا". قال في "الفتحِ": وكأن الزهريّ كاد يحدث بِهِ تارة، فيُصرِّحُ، وتارة فيُكني، وكذلِك مالِك، وقد حُذِف ذَلِكَ في رِوايةِ بِشر بن عُمر عنهُ، عِند الإسماعِيلِيِّ وغيره، وهُو نظِيرُ ما سبق من قولِ العباس لِعلِيٍّ. قال في "الفتح": وهذِهِ الزيادة من رِوايةِ عُمر عن أبِي بكر، حُذِفت من رِوايةِ إِسحاق الفروِي شيخ البخاريّ، وقد ثبت أيضًا في رِوايةِ بِشر بن عُمر عنهُ، عِند أصحاب "السُّننِ"، والإسماعِيلِيّ، وعمرو بن مرزُوق، وسعِيد بن داوُد، كِلاهُما عِند الدَّارقطنيّ، عن مالِكٍ، على ما قال جُويرِية، عن مالِكٍ، واجتِماعُ هؤُلاءِ عن مالِكِ، يدُلُّ على أنهم حفِظُوهُ، وهذا القدر المحذُوفُ من رِوايةِ إسحاق ثبت من رِوايتِهِ في موضع آخر من الحديث، لكِن جعل القصة فِيهِ لِعُمر، حيثُ قال: " جِئتنِي يا عبّاس، تسألُنِي نصِيبك من ابن أخِيك"، وفِيهِ: "فقُلت لكُما: إِنَّ رسُول اللَّهِ ﷺ قال: "لا نُورثُ"، فاشتمل هذا الفضلُ على مُخالفةِ إسحاق لِبقِيَّةِ الرُّواةِ عن مالِكٍ، في كونهِم جعلُوا القصّة عِند أبِي بكر، وجعلُوا الحديث المرفُوع من حدِيث أبِي بكر، من رِوايةِ عُمر عنهُ، وإسحاق الفروي جعل القصة عِند عُمر، وجعل الحديث المرفوع من رِوايتِهِ، عن النّبِي ﷺ ، بِغيرِ

стр. 15845

وَاسِطَةِ أبِي بَكْر، وقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ شُعَيْب، عَنْ ابْن شِهَاب نَظِير مَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ إسحاق الْفَرْوِيّ سَوَاءً. وَكَذَلِكَ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ يُونُسَ، عَنْ ابْن شِهَاب، عِنْد عُمَر بنْ شَبَّة، وَأَمَّا رِوَايَة عُقَيل عند البخاريّ في "الْفَرَائِضِ"، فاقْتَصَرَ فِيهَا عَلَى أَنَّ الْقِصَّةَ وَقَعَتْ عِنْد عُمَرَ، بِغَيْرِ ذِكْرِ الْحَدِيثِ الْمَرْفُوع أَصْلًا. قال الحافظ: وَهَذا يُشْعِرُ بِأنَّ لِسِياق إِسْحَاق الْفَرْوِيّ أصْلا، فَلَعَلَّ القِصَّتَيْنِ مَحْفُوظَتَانِ، واقْتَصَرَ بَعْض الرُّواةِ على مَا لَمْ يَذكُرهُ الآخَرُ، وَلَمْ يَتَعَرَّضْ أَحَدٌ مِنْ الشُّرَّاحِ لِبَيَانِ ذَلِكَ. وفِي ذَلِكَ إِشْكَال شَدِيد، وهُوَ أَنَّ أَصْلَ الْقِصَّةِ صَرِيح فِي أَنَّ الْعَبَّاس وَعَليًّا، قَدْ عَلِمَا بِأَنَّهُ ﷺ ، قَالَ: "لا نُورَثُ"، فَإِنْ كَانَا سَمِعَاهُ مِنْ النَّبيِّ ﷺ ، فَكَيْفَ يَطْلُبَانِهِ مِنْ أبِي بَكْرِ؟ وَإِنْ كَانَا إِنَّمَا سَمِعَاهُ مِنْ أبِي بَكْر، أَوْ فِي زَمَنِهِ، بِحَيْثُ أَفَادَ عِنْدَهُمَا الْعِلْم بِذَلِكَ، فَكَيْفَ يَطْلُبَانِهِ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْ عُمَر؟. والجواب والله أعْلَمُ حَمْلُ الأمْر فِي ذَلِكَ عَلَى أَنَّ كُلا مِنْ عَلِيّ، والْعَبَّاس، ومثلهما فاطمة رضي الله تعالى عنهم اعْتَقَدُوا أنَّ عُمُوم قولِهِ: "لا نُورَثُ"، مَخْصُوص ببَعْضِ مَا يَخْلُفُهُ دُون بَعْض، وَلِذَلِك نَسَبَ عُمَر إِلَى عَليّ وَعَبَّاس رضي الله تعالى عنهما أنَّهُمَا كَانَا يَعْتقِدَانِ ظُلْم مَنْ خَالَفْهُمَا فِي ذَلِك. وَأَمَّا مُخَاصَمَةُ عَلِيّ وَعَبَّاس بَعْدَ ذَلِكَ ثَانِيًا، عِنْدَ عُمر، فَقَال إسْمَاعِيل الْقَاضِي -فِيمَا رَوَاهُ الدَّارَقُطنِيّ مِنْ طَرِيقِهِ-: لَمْ يَكُنْ فِي الْمِيرَاثِ، إِنَّمَا تنَازَعَا فِي ولايةِ الصَّدَقَةِ، وَفِي صَرْفِهَا كَيْفَ تُصْرفُ؟ كَذَا قَالَ، لَكِنّ رِوَايَة النَّسائيّ هنا، تدُلُّ عَلَى أنَّهُمَا أرَادَا أَنْ يُقسَّم بَيْنَهُمَا عَلَى سَبِيلِ الْمِيرَاثِ، حيث قال عمر رضي الله تعالى عنه: "ثُمَّ أتيانِي، يقول هذا: اقسم لي بنَصِيبِي مِنْ ابْنِ أَخِي، وَيَقُولُ هَذَا: اقسم لي بنَصِيبِي مِنْ امْرَأتِي". وفِي "سُنَنِ أبِي دَاوُد"، وَغَيْرِهِ: "أرَادَا أنَّ عُمَرَ يُقسِّمُها لِيَنْفَرِد كُلّ مِنْهُما بِنَظَرِ مَا يَتَوَلاهُ، فَامْتَنَعَ عُمَر مِنْ ذَلِكَ، وَأَرَاَدَ أَنْ لا يَقَعَ عَلَيْهَا اسْمُ قَسْمٍ، ولِذَلِكَ أَقْسَمَ عَلَى ذَلِكَ"، وعَلَى هَذَا اقْتَصَر أَكْثَر الشُّرَّاحِ، واسْتَحْسَنُوهُ. قال الحافظ: وفِيهِ من النَّظَرِ مَا تَقَدَّمَ، وأعْجَب مِنْ ذَلِكَ جَزْم ابْن الْجَوْزِيّ، ثُمَّ الشَّيْخ مُحْيي الدِّين، بِأنَّ عليًّا وعبَّاسًا، لَمْ يَطْلُبا مِنْ عُمَرَ إِلا ذَلِك، مَعَ أنَّ السِّيَاقَ صَرِيحِ فِي أنَّهُمَا جَاءَاهُ مَرَّتَيْنِ، فِي طَلَبِ شَيْءٍ وَاحِدٍ، لَكِنَّ الْعُذْرَ لابْنِ الْجَوْزيِّ، والنَّووِيّ أنَّهُمَا شَرَحَا اللَّفْظَ الْوَارِدَ في مُسْلِم، دُونَ اللَّفْظِ الْوَارِدِ فِي الْبُخَاري، واللهُ أَعْلَمُ. وَأَمَّا قَولُ عمَر: "جِئْتَنِي يا عَبَّاس، تَسْأَلُنِي نَصِيبك مِنْ ابْنِ أخِيك"، فَإِنَّمَا عَبَّرَ بِذَلِكَ لِبَيَان قِسْمَة الْمِيرَاثِ، كَيْفَ يُقسَمُ؟ أنْ لَوْ كَانَ هُنَاكَ مِيرَاث، لا أنَّهُ أَرَادَ الْغَضَّ مِنْهُمَا بِهَذَا الْكَلامِ.

стр. 15846

وزاد عِند عُمر بن شَبَّة فِي آخِرِهِ: "فَأَصْلِحا أمْرَكُمَا، وَإلَّا لَمْ يَرجِعْ واللهِ إِلَيْكُمَا، فَقَامَا، وَتَرَكَا الخُصُومَة، وأُمْضِيَتْ صَدَقَة". وَزَاد شُعَيْب فِي آخِرِهِ: "قَالَ ابْن شِهَاب: فَحَدَّثت بِهِ عُرْوَة، فَقَالَ: صَدَقَ مَالِك بن أوس، أنا سَمِعْت عَائِشَة تقُولُ، فَذَكَر حدِيثًا، قَالَ: "وَكَانَتْ هَذِهِ الصَّدَقَة بِيَدِ عَلِيّ، مَنَعهَا عَبَّاسًا، فَغَلبَهُ عَليهَا، ثُمَّ كَانَتْ بِيَدِ الْحَسَنِ، ثُمّ بِيَدِ الْحُسَيْن، ثُمَّ بيدِ عَلِيّ بْن الحُسَيْن، والْحَسَن بْن الْحَسَنُ، ثُمَّ بِيَدِ زيْد بْن الْحَسَنُ، وهِيَ صَدَقَة رسُول اللهِ ﷺ حَقًّا". وَرَوَى عَبْد الرَّزَّاق، عَنْ مَعْمَرِ، عَنْ الزَّهْريِّ مِثْلَهُ، وَزَادَ فِي آخِرِهِ: قَالَ معمَر: ثُمَّ كَانَتْ بِيد عَبْد الله بْن حَسَن، حَتَّى وَلِيَ هَؤُلاءِ -يَعْنِي بنِي الْعَبَّاس فقَبَضُوهَا. وَزَادَ إِسْمَاعِيلُ الْقَاضِي: أَنَّ إِعْراض الْعَبَّاس عَنْهَا، كَانَ فِي خِلافَةِ عُثْمَان، قَالَ عُمَر بْن شَبَّة: سمِعْت أبا غَسَّان -هُو مُحَمَّد بن يَحْيَى المدنِيُّ- يقُولُ: إِنَّ الصَّدَقَةَ الْمَذْكُورَةَ الْيَوْم بِيَدِ الْخليفةِ، يَكْتُبُ فِي عَهْدِهِ، يُولِّي عَلَيْهَا مِنْ قِبَلِهِ مَنْ يقْبِضُها، ويُفرِّقُها فِي أهْلِ الْحَاجَةِ، مِنْ أهْلِ الْمَدِينَةَ. قال الحافظ: كَانَ ذَلِكَ عَلَى رَأْسِ الْمِائَتَيْنِ، ثُمَّ تَغَيَّرتْ الأُمُورُ، واللهُ الْمُسْتَعَانُ. انتهى (١). (وَإِنْ شَاءَا أَنْ أَدْفَعَهَا إِلَيْهِمَا عَلَى أَنْ يَلِيَاهَا، بِالَّذِي وَلِيَهَا بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَالَّذِي وَلِيَهَا بِهِ أَبُو بَكْرٍ، وَالَّذِي وُلِّيتُهَا بِهِ، دَفَعْتُهَا إِلَيْهِمَا، وَإِنْ أَبَيَا) أي امتنعا من أخذها على الوجه المذكور (كُفِيَا ذَلِكَ) ببناء الفعل للمفعول، أي يردّانها إلى من يكفيهما ذلك، وهو وليّ الأمر، وهو عمر رضي الله تعالى عنه. (ثُمَّ قَالَ) عمر رضي الله تعالى عنه في هذه الآية الكريمة (﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾، هذا) إشارة إلى ما غنموه (لِهؤُلاءِ) يعني أن الغنيمة لهؤلاء الذين ذُكروا في هذه الآية الكريمة، لا يجوز لأحد ممن ليس منهم أن يُنازعهم فيها (﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنفال: ٤١] هذِهِ) أي الصدقة (لِهؤُلاءِ) أي مستحَقة للمذكورين في هذه الآية الكريمة، لا تجوز لغيرهم (﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ﴾، قال الزُّهْرِيُّ) وهذا أيضاً مما لم يروه أيوب عن عكرمة بن خالد، عن مالك بن أوس، وإنما رواه عن الزهريّ، كما تقدّم في رواية أبي داود.

стр. 15847

(هَذِهِ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ خَاصَّةً) منصوب على الحال، أي حال كونها مخصوصة به، لا يشاركه في استحقاقها غيره. وقوله (قُرًى عَرَبِيَّةً) يحتمل النصب على الحال، والرفع على أنه خبر لمبتدإ محذوف، أي هي قرى. وقوله: "عربيّة" هكذا عند المصنّف في "المجتبى"، و"الكبرى"، وهي نسبة إلى العرب. ووقع في هامش "الهندية" الإشارة إلى أن في بعض النسخ: "قرى عُرينة" بصيغة التصغير، وهو الذي في "سنن أبي داود"، ولعل قبيلة عُرينة تسكنها. وفي "عون المعبود": و"عُرينة" بالنون بعد الياء التحتانية، تصغير عرنة: موضع به قُرى، كأنه بنواحي الشام. كذا في "مراصد الاطّلاع" (١). وقوله (فَدَكُ) خبر لمحذوف: أي هي فَدَكٌ بفتحتين، بلدة بينها وبين المدينة يومان، وبينها وبين خيبر دون مرحلة. قاله الفيّوميّ. وفي رواية أبي داود المذكورة: "قُرَى عُرينة، فدك، وكذا وكذا". وقوله (كذا وكذا) وفي "الكبرى" بالواو في الموضعين، وهو إشارة إلى القرى الأخرى، كخيبر، وبني النضير، وقال ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما في قوله تعالى: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ [الحشر: ٧] هي قُريظة، والنضير، وهما بالمدينة، وفَدَك، وهي على ثلاثة أميال من المدينة، وخيبر،، وقُرى عُينة، وينبع (٢). (فـ ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ﴾) هكذا في "المجتبى" بالفاء، وفي "الكبرى" بدونها، وهو الذي في أبي داود أيضًا، وهو الموافق للتلاوة (﴿عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [الحشر: ٧]، و ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ﴾ [الحشر: ٨]) أي فلهم الحقّ في الفيء (﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [الحشر: ٩]، أي فلهم الحق فيه أيضاً (﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾) أي فلهم الحق فيه أيضاً (فَاسْتَوْعَبَتْ هَذِهِ الآيَةُ) يعني الآية الأخيرة، أي مع ما تقدّمها من الآيات، أو المراد بالآية الآيات الأربع كلّها، وإنما أفردها، باعتبار جنس الآية. والله أعلم (النَّاسَ) أي جميع المسلمين (فَلَمْ يَبْقَ أَحَدٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ إِلاَّ لَهُ فِي هَذَا الْمَالِ حَقٌّ، أَوْ) للشكّ من الراوي (قال) ولفظ أبي داود: "قال أيوب"، فتبين أن الشكّ من أيوب السختياني الراوي عن الزهري (حَظٌّ) مكان قوله: "حقّ" (إِلاَّ بَعْضَ مَنْ تَمْلِكُونَ مِنْ أَرِقَّائِكُمْ) بنصب "بعض" على الاستثناء، و"الأرقّاء" بفتح الهمزة جميع رقيق، أي إلا بعض عبيدكم، فإنه لا حق لهم في هذا الفيء, لأنهم تحت سيّدهم، وفي ملكم. ثم إن تقييده ببعض، يقتضي أن بعضهم له حقّ، قال ابن الأثير رحمه الله تعالى:

стр. 15848

قيل: أراد عمر رضي الله تعالى عنه عبيدا مخصوصين، وذلك أن عمر رضي الله تعالى عنه كان يُعطي ثلاثة مماليك لبني غفار، شهدوا بدرًا، لكل واحد منهم في كلّ سنة ثلاثة آلاف درهم، فأراد بهذا الاستثناء هؤلاء الثلاثة. وقيل: أراد جميع المماليك، وإنما استثنى من جملة المسلمين بعضاً من كل، فكان ذلك منصرفًا إلى جنس المماليك، وقد يوضع البعض موضع الكلّ، حتى قيل: إنه من الأضداد. انتهى (١). (وَلَئِنْ عِشْتُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، لَيَأْتِيَنَّ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ حَقُّهُ، أَوْ قَالَ: حَظُّهُ) يعني أن كلّ مسلم يصل إليه حقّه بدون تعب. وفي رواية ابن جرير المتقدّمة: "ثم قال: لئن عِشتُ ليأتينّ الراعي، وهو بِسَرْوِ حِمْيَر (٢) نصيبه، لم يَعْرَق فيها جبينه". والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث عمر رضي الله تعالى عنه هذا متَفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -١/ ٤١٥٠ - وفي "الكبرى" ٢/ ٤٤٥٠. وأخرجه (خ) في "الجهاد" ٢٩٠٤ و"فرض الخمس" ٣٠٩٤ و"المغازي" ٤٠٣٤ و"التفسير" ٤٨٨٥ و"النفقات" ٥٣٥٧ و٥٣٥٨ و"الفرائض" ٦٧٢٨ و"الاعتصام بالكتاب والسنّة" ٧٣٠٥ (م) في "الجهاد" ١٧٥٧ (د) في "الخراج" ٢٩٦٣ و٢٩٦٥ و٢٩٦٦ و٢٩٧٥ (ت) في "الجهاد" ١٧١٩. والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): الشفاعة عِنْدَ الحاكم في إِنْفَاذ حُكْم، وَتَبْيِين الْحَاكِم وَجْه حُكْمِهِ. (ومنها): أن فِيهِ إِقامةُ الإمام مَنْ يَنظُرُ عَلَى الْوَقْفِ نِيابَة عَنْهُ، والتَّشْرِيك بَيْنَ الاثْنَيْنِ فِي ذَلِكَ. (ومِنْها): أنه يُؤخَذ منه جَوَاز أكْثَرَ مِن الاثنين بِحَسَبِ المَصْلَحَة. (ومنها): أن فِيهِ جَوَاز الادِّخار، خِلافًا لقِولِ من أنْكَرهُ، مِنْ مُتشَدِّدِي المُتَزَهِّدِين، وأنَّ ذَلِك لا يُنَافِي التَّوكُّل. (ومنها): جَوَازُ اتِّخَاذِ العَقَارِ، واسْتِغْلال مَنْفَعَته، وَيُؤْخَذُ مِنْهُ جَوَاز اتِّخَاذِ غَيْر ذَلِك، من الأمْوَالِ الَّتِي يَحْصُلُ بِهَا النَّمَاءُ, والمَنْفَعةُ، مِنْ زِرَاعةٍ، وتِجَارَةٍ، وَغَيْر ذَلِكَ. (ومنها): أَنَّ الإمَامَ إِذَا قَامَ عِنْدهُ الدَّلِيلُ صَارَ إِلَيْهِ، وَقَضَى بِمُقْتَضَاهُ، وَلَمْ يَحْتَجْ إِلى أخْذِهِ مِنْ غَيْرِهِ.

стр. 15849

(ومنها): أنه يُؤْخذُ مِنْهُ جوازُ حُكْم الْحَاكِمِ بِعِلمِهِ. (ومنها): أنه اسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ لا يَمْلِكُ شَيْئًا منْ الْفَيْءِ، ولا خُمُس الغَنِيمةِ، إِلا قَدْر حاجتِهِ، وَحَاجَة مَنْ يمُونُهُ، وَمَا زاد عَلَى ذَلِك، كَانَ لهُ فِيهِ التَّصَرُّف بالْقَسْمِ، والْعَطِيةِ. وَقَالَ آخَرُون: لَمْ يَجْعَلْ الله لِنبِيهِ صلّى الله تعالى عليه وسلم مِلْكَ رَقَبَةَ مَا غَنِمهُ، وإِنَّمَا ملكهُ مَنَافِعه، وجعل لهُ مِنْهُ قَدْر حَاجتِهِ، وَكَذلِك القَائِم بِالأمْرِ بَعْدَهُ. وَقَالَ ابْن الْبَاقِلانِيّ فِي الرَّدِّ عَلَى منْ زَعَمَ أنَّ النَّبيَّ ﷺ يُوَرثُ: احْتَجُّوا بِعُمُوم قَوْلِهِ تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ [النساء: ١١]، قَالَ: أمَّا مَنْ أنْكَر العُمُوم، فَلا اسْتِغْرَاَق عِنْدَهُ لِكُلِّ مَنْ مَاتَ أنَّهُ يُورَثُ، وأمَّا مَنْ أثْبَتَهُ، فَلا يُسَلِّمُ دُخُول النَّبِيِّ ﷺ فِي ذلِك، ولو سلم دُخُولهُ لوَجَبَ تَخْصِيصُهُ، لِصِحَّةِ الْخَبَرِ، وَخَبرُ الآحادِ يُخَصِّصُ، وِإنْ كَانَ لا يَنْسَخُ، فَكَيْف بالْخَبَرِ إِذَا جَاءَ مِثْلَ مَجِيءِ هَذَا الْخَبَرِ، وهُو: "لا نُوَرثُ". ذكره فِي "الفتح" (١). قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: قول الباقلّاني: "وإن كان لا يَنسَخ"، فيه أن الحقّ جواز نسخ الكتاب بخبر الآحاد، وانظر ما كتبته عَلَى "الكوكب الساطع" ص ٢٣٢ - ٢٣٣. فِي الأصول. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): فِي اخْتَلاف أهل العلم فِي مَصْرِف الْفَيْء: ذهب مَالِك رحمه الله تعالى إلى أن الْفَيَء والخُمُس سَوَاءٌ، يُجْعَلانِ فِي بَيْتِ المَالِ، وَيُعْطِي الإمَامُ أقَارِب النَّبيّ ﷺ ، بِحَسَب اجْتِهَاده. وذهب الجُمْهُور إلى الفرق بين خُمُسِ الْغنِيمَةِ، وَبَيْن الْفَيَءِ، فَقَالوا: الْخُمُسُ مَوْضُوع فِيمَا عَيَّنَهُ الله فِيهِ، منْ الأصنَافِ المُسَمَّيْن فِي آيةِ الْخُمُسِ، مِنْ "سُورةِ الأنْفَالِ"، لا يُتعَدَّى بِهِ إِلَى غَيْرِهِمْ. وأمَّا الْفَيْءُ، فَهُوَ الَّذِي يَرْجِعُ النَّظرُ فِي مَصْرِفِهِ إِلَى رَأْي الإِمَامِ، بِحَسَب الْمَصْلَحَة. وانْفَردَ الشَّافِعِيّ -كَمَا قَالَ ابْن الْمُنْذِر وَغَيرُهُ- بأَنَّ الْفَيْء يُخَمَّسُ، وأَنَّ أَرْبَعَة أَخْمَاسه لِلنَّبِيِّ ﷺ ، ولَهُ خُمُسُ الخُمُسِ، كَمَا فِي الغنِيمة، وأرْبَعَة أخْمَاسِ الخُمُسِ لِمُسْتَحِقِّ نظِيرِها منْ الْغَنِيمَةِ. وَقَالَ الْجُمْهُور: مَصْرِف الْفَيْء كُلّه إِلَى رسُولِ اللهِ ﷺ ، واحْتَجُّوا بِقَوْلِ عُمَر: "فَكَانَتْ هَذِهِ لِرسُولِ اللهِ ﷺ خَاصَّة"، وتَأوَّلَ الشَّافِعِي قَوْل عُمَر الْمَذْكُور بأنَّهُ يُرِيدُ الأخْمَاس الأرْبَعَة. قاله فِي "الفتح" (٢).

стр. 15850

وَقَالَ الإِمام ابن القيم رحمه الله تعالى فِي "الهدي": وقد اختلف الفقهاء فِي الفيء، هل كان ملكاً لرسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، يتصرّف فيه كيف يشاء، أو لم يكن ملكاً له؟ عَلَى قولين فِي مذهب أحمد وغيره. والذي تدلّ عليه سننه، وهديه أنه كان يتصرّف فيه بالأمر، فيضعه حيث أمره الله، ويقسمه عَلَى منْ أُمر بقسمته عليهم، فلم يكن يتصرف فيه تصرف المالك بشهوته، وإرادته، يُعطي منْ أحبّ، ويمنع منْ أحبّ، وإنما كان يتصرّف فيه تصرف العبد المأمور، يُنفّذ ما أمره به سيّده ومولاه، فيُعطي منْ أمر بإعطائه، ويمنع منْ أمر بمنعه، وقد صَرَّحَ رسول الله صلّى الله تعالى عليه وسلم بهذا، فقال: "والله إني لا أعطي أحدًا، ولا أمنعه، إنما أنا قاسم أضع حيث أُمرت"، فكان عطاؤه ومنعه وقسمه بمجرّد الأمر، فإن الله سبحانه خيّره بين أن يكون عبدًا رسولا، وبين أن يكون مَلِكًا رسولاً، فاختار أن يكون عبداً رسولا. والفرق بينهما أن العبد الرسول لا يتصرف إلا بأمر سيّده ومُرسله، والملِك الرسول له أن يُعطي منْ يشاء، ويَمنع منْ يشاء، كما قَالَ تعالى للملك الرسول سليمان ﵇: ﴿هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [ص: ٣٩]. أي أعط منْ شئت، وامنع منْ شئت، لا نُحاسبك، وهذه المرتبة التي عُرِضت عَلَى نبيّنا صلى الله تعالى عليه وسلم، فرغِب عنها إلى ما هو أعلى منها، وهي مرتبة العبودية المحضة التي تصرف صاحبها فيها مقصورٌ عَلَى أمر السيّد فِي كلّ دقيق وجليل. والمقصود أن تصرفه فِي الفيء بهذه المثابة، فهو ملك يُخالف حكم غيره منْ المالكين، ولهذا كان يُنفق مما أفاء الله عليه، مما لم يوجِف المسلمون عليه بخيل، ولا ركاب عَلَى نفسه، وأهله نفقة سنتهم، ويجعل الباقي فِي الكُرَاع والسلاح، عُدّة فِي سبيل الله ، وهذا النوع منْ الأموال هو السهم الذي وقع فيه بعده فيه منْ النزاع ما وقع إلى اليوم. فأما الزكوات، والغنائم، وقسمة المواريث، فإنها مُعيَّنَةٌ لأهلها, لا يشركهم غيرهم فيها، فلم يُشكل عَلَى ولاة الأمر بعده منْ أمرها ما أشكل عليهم منْ الفيء، ولم يقع فيها منْ النزاع ما وقع فيه، ولولا إشكال أمره عليهم، لما طَلَبت فاطمة بنت رسول الله ﷺ ميراثها منْ تركته، وظنت أنه يورث عنه ما كان ملكاً له كسائر المالكين، وخفي عليها رضي الله تعالى عنها حقيقة الملك الذي ليس مما يورث عنه، بل هو صدقةٌ بعده، ولما علِم ذلك خليفته الراشد البارّ الصّدّيق، ومن بعده منْ الخلفاء الراشدين، لم يجعلوا ما خلفه منْ الفيء ميراثًا يُقسم بين ورثته، بل دفعوه إلى عليّ والعبّاس، يعملان فيه عملَ رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، حتى تنازعا

стр. 15851

فيه، وترافعا إلى أبى بكر الصديق وعمر رضي الله تعالى عنهم، ولم يقسِم أحدٌ منهما ذلك ميراثا، ولا مكّنا منه عبّاسًا وعليّا، وقد قَالَ الله تعالى: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ إلى قوله: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ [الحشر: ٧ - ١٠]، فأخبر سبحانه أن ما أفاء الله عَلَى رسوله صلّى الله تعالى عليه وسلم بجملته لمن ذُكر فِي هذه الآيات، ولم يخصّ منه خمسه بالمذكورين، بل عمّم، وأطلق، واستوعب، ويُصرف عَلَى المصارف الخاصّة، وهم أهل الخمس، ثم عَلَى المصارف العامة، وهم المهاجرون والأنصار، وأتباعهم إلى يوم الدين، فالذي عمِل به هو، وخلفاؤه الراشدون هو المراد منْ هذه الآيات، ولذلك قَالَ عمر بن الخطّاب رضي الله تعالى عنه فيما رواه أحمد رحمه الله تعالى وغيره عنه: "ما أحد أحقّ بهذا المال منْ أحد، وما أنا أحقّ به منْ أحد، والله ما منْ المسلمين أحدٌ إلا وله فِي هذا المال نصيبٌ، إلا عبد مملوك، ولكنّا عَلَى منازلنا منْ كتاب الله، وقسمنا منْ رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، فالرجل وبلاؤه فِي الإِسلام، والرجل وقِدَمه فِي الإِسلام، والرجل وغَنَاؤه فِي الإِسلام، والرجل وحاجته، ووالله لئِّن بقِيتُ لهم ليأتينّ الراعي بجبل صنعاء حظّه منْ هذا المال، وهو يرعى مكانه" (١). فهؤلاء المسمّون فِي آية الفيء هم المسمّون فِي آية الخمس؛ لأنهم المستحقّون لجملة الفيء، وأهل الخمس لهم استحقاقان: استحقاقٌ خاص منْ الخمس، واستحقاق عام منْ جملة الفيء، فإنهم داخلون فِي النصيبين. وكما أن قسمته منْ جملة الفيء بين منْ جعل له ليس قسمةَ الأملاك التي يشترك فيما المالكون، كقسمة المواريث، والوصايا، والأملاك المطلقة، بل بحسب الحاجة، والنفع، والغناء فِي الإِسلام، والبلاء فيه، فكذلك قسمة الخمس فِي أهله، فإن مخرجهما واحد فِي كتاب الله، والتنصيص عَلَى الأصناف الخمسة يُفيد تحقيق إدخالهم، وأنهم لا يخرجون منْ الفيء بحال، وأن الخمس لا يعدوهم إلى غيرهم، كأصناف الزكاة لا تعدوهم إلى غيرهم، كما أن الفيء العام فِي آية الحشر للمذكورين فيها , لا يتعداهم إلى غيرهم، ولهذا أفتى أئمة الإِسلام، كمالك، وأحمد، وغيرهما أن الرافضة لا حق لهم فِي الفيء؛ لأنهم ليسوا منْ المهاجرين، ولا منْ الأنصار، ولا منْ الذين جاؤوا منْ بعدهم يقولون: ربّنا اغفر لنا, ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان, وهذا مذهب أهل المدينة، واختيار شيخ الإِسلام ابن تيمية، وعليه يدلّ القرآن، وفِعلُ رسول الله صلَّى الله تعالى عليه وسلم، وخلفائه الراشدين.

стр. 15852

وقد اختلف الناس فِي آية الزكاة، وآية الخمس، فقال الشافعيّ: تجب قسمة الزكاة والخمس عَلَى الأصناف كلها، ويُعطي منْ كلّ صنف منْ يُطلق عليه اسم الجمع. وَقَالَ مالك، وأهل المدينة: بل يُعطي فِي الأصناف المذكورة فيهما، ولا يعدوهم إلى غيرهم، ولا تجب قسمة الزكاة، ولا الفيء فِي جميعهم. وَقَالَ أحمد، وأبو حنيفة بقول مالك رحمهم الله تعالى فِي آية الزكاة، وبقول الشافعيّ رحمه الله تعالى فِي آية الخمس. ومن تأمّل النصوص، وعَمَلَ رسول الله صلّى الله تعالى عليه وسلم، وخلفائه، وجده يدلّ عَلَى قول أهل المدينة، فإن الله ، جعل أهل الخمس هم أهل الفيء، وعيّنهم اهتمامًا بشأنهم، وتقديما لهم، ولما كانت الغنائم خاصّةً بأهلها, لا يشركهم فيها سواهم، نصّ عَلَى خمسها لأهل الخمس، ولما كان الفيء لا يختص بأحد، دون أحد، جعل جملته لهم، وللمهاجرين والأنصار، وتابعيهم، فسوّى بين الخمس، وبين الفيء فِي المصرف، وكان رسول الله صلّى الله تعالى عليه وسلم يصرِف سهم الله، وسهمه فِي مصالح الإِسلام، وأربعة أخماس الخمس فِي أهلها، مقدّمًا الأهمّ، فالأهمّ، والأحوج، فالأحوج، فيُزوّج منه عزابهم، ويَقضي منه ديونهم، ويُعين ذا الحاجة منهم، وُيعطي عزبهم حظًا، ومتزوّجهم حظّين، ولم يكن هو، ولا أحدٌ منْ خلفائه يجمعون اليتامى، والمساكين، وأبناء السبيل، وذوي القربى، ويقسمون أربعة أخماس الفيء بينهم عَلَى السوية، ولا عَلَى التفضيل، كما لم يكونوا يفعلون ذلك فِي الزكاة، فهذا هديه، وسيرته صلّى الله تعالى عليه وسلم، وهو فصل الخطاب، ومحض الصواب. انتهى كلام ابن القيّم رحمه الله تعالى (١). قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي حققه ابن القيّم رحمه الله تعالى تحقيقٌ حسنٌ جدُّا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): قَالَ أبو عبد الله القرطبيّ رحمه الله تعالى: لم يختلف العلماء أن قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ الآية ليس عَلَى عمومه، وأنه يدخله التخصيص، فمما خصّصوه بإجماع أن قالوا: سلب المقتول لقاتله، إذا نادى به الإِمام، وكذلك الأسارى، الخيرة فيهم إلى الإِمام بلا خلاف. ومما خُصّ منه أيضًا الأرض، والمعنى: ما غنِمتم منْ ذهب وفضّة، وسائر الأمتعة، والسبي. وأما الأرض فغير داخلة فِي عموم هذه الآية؛ لما روى أبو داود عن عمر بن الخطّاب رضي الله تعالى عنه أنه

стр. 15853

قَالَ: لولا آخر الناس ما فتحت قريةً إلا قسمتها كما قسم رسول الله صلّى الله تعالى عليه وسلم خيبر. ومما يُصحّح هَذَا المذهب ما رواه مسلم فِي "صحيحه" عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، عن النبيّ صلّى الله تعالى عليه وسلم، قَالَ: "منعت العراق قفيزها، ودرهمها، ومَنَعت الشام مُدّها، ودينارها" الحديث. قَالَ الطحاويّ: "منعت" بمعنى ستمنع، فدلّ ذلك عَلَى أنها لا تكون للغانمين؛ لأن ما ملكه الغانمون لا يكون فيه قفيزٌ، ولا درهم، ولو كانت الأرض تُقسم ما بقي لمن جاء بعد الغانمين شيء، والله تعالى يقول: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ [الحشر: ١٠] بالعطف عَلَى قوله: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ﴾ [الحشر: ٨]. قَالَ: وإنما يُقسم ما يُنقل منْ موضع إلى موضع. وَقَالَ الشافعيّ: كل ما حصل منْ الغنائم منْ أهل الحرب منْ شيء، قل، أو كثر منْ دار، أو أرض، أو متاع، أو غير ذلك، قُسم، إلا الرجال البالغين، فإن الإِمام فيهم مخيّرٌ أن يمُنّ، أو يقتُل، أو يسبي، وسبيل ما أُخذ منهم، وسُبي سبيل الغنيمة، واحتجّ بعموم الآية، قَالَ: والأرض مغنومة، لا مَحالَة، فوجب أن تُقسم كسائر الغنائم، وَقَدْ قسم رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ما افتتح عَنْوةً منْ خيبر. قالوا: ولو جاز أن يُدّعى الخصوص فِي الأرض جاز أن يُدّعى فِي غير الأرض، فيبطل حكم الآية. وأما آية الحشر، فلا حجة فيها؛ لأن ذلك إنما هو فِي الفيء، لا فِي الغنيمة، وقوله: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ [الحشر: ١٠] استئناف كلام بالدعاء لمن سبقهم بالإيمان, لا لغير ذلك. قالوا: وليس يخلو فعل عمر فِي توقيفه الأرض منْ أحد وجهين: إما أن تكون غنيمة استطاب أنفس أهلها، وطابت بذلك، فوقفها، وكذلك روى جرير أن عمر استطاب أنفس أهلها. وكذلك صنع رسول الله صلّى الله تعالى عليه وسلم فِي سبي هَوَازن لَمّا أتوه استطاب أنفس أصحابه عما كَانَ فِي أيديهم. وإما أن يكون ما وقفه عمر فيئًا، فلم يحتج إلى مُراضاة أحد. وذهب الكوفيّون إلى تخيير الإِمام فِي قسمها، أو إقرارها، وتوظيفب الخراج عليها، وتصير ملكاً لهم كأرض الصلح. قَالَ أبو العبّاس القرطبيّ: وكأنّ هَذَا جَمْعٌ بين الدليلين، ووسطٌ بين المذهبين، وهو الذي فهمه عمر رضي الله تعالى عنه قطعاً، ولذلك قَالَ: "لولا آخر الناس"، فلم يُخبر بنسخ فعل النبيّ صلّى الله تعالى عليه وسلم، ولا بتخصيصه بهم، غير أن الكوفيين زادوا عَلَى ما فعل عمر، فإنه إنما وقفها عَلَى مصالح المسلمين، ولم يملكها لأهل الصلح، وهم قالوا: للإمام أن يملّكها لأهل الصلح. انتهى (١).

стр. 15854

قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي الأرجح هو القول بأن الرأي الإمام فِي قسم الأراضي، أو توقيفها، كما فعل عمر رضي الله تعالى عنه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة السادسة): فِي اختلاف أهل العلم فِي كيفية قسم الخمس: اختلفوا فِي ذلك عَلَى ستّة أقوال: [الأول]: ذهبت طائفة إلى أنه يقسم الخمس عَلَى ستّة، فيُجعل سدسه للكعبة، وهو الذي لله سبحانه. والثاني: لرسول الله صلّى الله تعالى عليه وسلم. والثالث: لذوي القربى. والرابع: لليتامى. والخامس: للمساكين. والسادس: لابن السبيل. وَقَالَ بعض أصحاب هذا القول: يردّ السهم الذي لله عَلَى ذوي الحاجة. [القول الثاني]: قَالَ أبو العالية، والربيع: تقسم الغنيمة عَلَى خمسة، فيُعزل منها سهم واحد، وتقسم الأربعة عَلَى الناس، ثم يضرب الإِمام بيده عَلَى السهم الذي عزله، فما قبض عليه منْ شيء جعله للكعبة، ثم يقسم بقية السهم الذي عزله عَلَى خمسة: سهم للنبيّ صلّى الله تعالى عليه وسلم، وسهم لذوي القربى، وسهم لليتامى، وسهم للمساكين، وسهم لابن السبيل. [القول الثالث]: قَالَ المنهال بن عمرو: سألت عبد الله بن محمد بن عليّ، وعليّ بن الحسين، عن الخمس؟ فقالا: هو لنا، قلت لعليّ: إن الله تعالى يقول: ﴿وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [الأنفال: ٤١] فقالا: أيتامنا، ومساكيننا. [القول الرابع]: قَالَ الشافعيّ: يقسم عَلَى خمسة، وراى أن سهم الله ورسوله واحد، وأنه يُصرف فِي مصالح المسلمين، والأربعة الأخماس عَلَى الأربعة الأصناف المذكورين فِي الآية. [الخامس]: قَالَ أبو حنيفة: يقسم عَلَى ثلاثة: اليتامى، والمساكين، وابن السبيل، وارتفع عنده حكم قرابة رسول الله صلّى الله تعالى عليه وسلم بموته، كما ارتفع حكم سهمه، قالوا: ويبدأ منْ الخمس بإصلاح القناطر، وبناء المساجد، وأرزاق القضاة والجند. وروي نحو هذا عن الشافعيّ أيضًا. [السادس]: قَالَ مالكٌ: هو موكولٌ إلى نظر الإِمام واجتهاده، فيأخذ منه منْ غير تقدير، ويُعطي منه القرابة باجتهاده، ويصرف الباقي فِي مصالح المسلمين، وبه قَالَ الخلفاء الأربعة، وبه عملوا، وعليه يدلّ قوله صلى الله تعالى عليه وسلم: "ما لي مما أفاء الله عليكم إلا الخمس، والخمس مردود عليكم"، فإنه لم يقسمه أخماسًا, ولا أثلاثًا، وإنما ذكر فِي الآية منْ ذكر عَلَى وجه التنبيه عليهم؛ لأنهم منْ أهمّ منْ يُدفع إليه.

стр. 15855

قَالَ الزجّاج محتجًا لمالك: قَالَ الله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [البقرة: ٢١٥]، وللرجل جائز بالإجماع أن يُنفق فِي غير هذه الأصناف إذا رأى ذلك. وقد تقدّم عند النسائيّ، قول عطاء: خمس الله، وخمس رسوله واحد، كان رسول الله صلّى الله تعالى عليه وسلم يَحمل منه، ويُعطي منه، ويضعه حيث شاء، ويصنع به ما شاء. ذكره القرطبيّ فِي "تفسيره" (١). قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: أرجح الأقوال عندي هو ما ذهب إليه الإِمام مالك رحمه الله تعالى؛ لأنه الذي كان هدي النبيّ صلّى الله تعالى عليه وسلم، وسيرته عليه، واقتدى به فِي ذلك الخلفاء الراشدون، كما تقدّم فِي كلام ابن القيم رحمه الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ٣٨ - (كِتَابِ الْبَيْعَةِ) وفي "الهنديّة": "كتاب البيعة منْ "المجتبى". قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: مناسبة هذا الكتاب لما قبله أن قسم الفيء، يحتاج إلى منْ يقوم به، وهو الإِمام، فيكون نصب إمام يكون مرجع أمور المسلمين، منْ جهاد، وصلح مع الكفّار، وغير ذلك إليه، واجبًا عليهم، وهذا لا يكون إلا بمبايعة منْ هو أهل لذلك، ممن يستحقّ أن يكون واليًا عَلَى المسلمين. والله تعالى أعلم. و"البيعة" بفتح، فسكون-: فِي الأصل الصَّفقة عَلَى إيجاب البيع، وجمعها بَيْعَات بالسكون-، وتحُرك فِي لغة هُذيل، وهو عَلَى خلاف القياس؛ لأن القاعدة أن قياس فَعْلَة بفتح الفاء، وسكون العين- عَلَى فَعْلات، ساكن العين أيضًا، إن كان معتلّ العين، نحو: ﴿فِي رَوْضَاتِ الْجَنَّاتِ﴾ [الشورى: ٢٢]، و ﴿ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ﴾ [النور: ٥٨]، هذا لغة عامة العرب، وتفتحها هُذيل إتباعًا للفاء (٢).

стр. 15856

ثم تُطلق البيعة عَلَى المبايعة، والطاعة، وهو المراد هنا. قَالَ فِي "الفتح": المبايعة: عبارة عن المعاهدة، سُمّيت بذلك تشبيها لها بالمعاوضة الماليّة، كما فِي قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ الآية [التوبة: ١١١] انتهى (١). وَقَالَ فِي "النهاية": ما معناه: المبايعة عَلَى الإِسلام: عبارة عن المعاقدة عليه، والمعاهدة، كأن كلّ واحد منهما باع ما عنده منْ صاحبه، وأعطاه خالصة نفسه، وطاعته، ودَخِيلةَ أمره. انتهى (٢). وَقَالَ القاضي عياض رحمه الله تعالى: ما حاصله: اختُلف فِي اشتقاق البيعة، فقيل: أصله منْ البيع؛ لأن المتبايعين يمُدّ كلّ واحد منهما يده إلى صاحبه، ولما كان الأمراء عند التوثيق بمن يأخذون عليه العهد، يأخذون بيده، شُبّه بذلك، فسُمّيت مبايعة. وقيل: بل كانوا يضربون بأيدي بعضهم عَلَى بعض عند التبايع، ولهذا سمّيت صفقةً؛ لصفق الأيدي عندها، فسُمّيت بها. وقيل: بل سُمّيت مبايعة؛ لما فيها منْ المعاوضة، تشبيهًا بالبيع أيضاً؛ لما وعدهم الله منْ الجزاء، والثواب عَلَى الإِسلام، وطاعة الرسول صلّى الله تعالى عليه وسلم، قَالَ الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ الآية [التوبة: ١١١] انتهى كلام القاضي عياض رحمه الله تعالى (٣). وَقَالَ أبو العبّاس القرطبيّ رحمه الله تعالى: البيعة مأخوذة منْ البيع، وذلك أن المبايع للإمام يلتزم أن يقيه بنفسه وماله، فكأنه قد بذل نفسه، وماله لله تعالى، وقد وعده الله تعالى عَلَى ذلك بالجنّة، فكأنه قد حصلت له المعاوضة، فصدق عَلَى ذلك اسم البيع، والمبايعة، والشراء، كما قَالَ تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ إلى أن قَالَ: ﴿فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ﴾ [التوبة: ١١١]. وعلى نحو منْ هذا قَالَ النبيّ صلّى الله تعالى عليه وسلم لصهيب: "ربِحَ البيع أبا يحيى" (٤). وكانت قريش تبعته لتردّه عن هجرته، فبذل لهم ماله فِي تخليص نفسه ابتغاء ثواب الله تعالى، فسمّاه النبيّ صلّى الله تعالى عليه وسلم بيعًا، وهذا أحسن ما قيل فِي المبايعة. ثم هي واجبة عَلَى كلّ مسلم؛ لقوله صلّى الله تعالى عليه وسلم: "منْ مات وليس

стр. 15857

فِي عنقه بيعة، مات ميتةً جاهليّة. رواه مسلم. غير أنه منْ كان منْ أهل الحلّ والعقد، والشهرة، فبيعته بالقول، والمباشرة باليد، إن كان حاضرًا، أو بالقول والإشهاد عليه، إن كان غائبًا، ويكفي منْ لا يؤبه له، ولا يُعرف أن يعتقد دحوله تحت طاعة الإِمام، ويسمع، ويُطيع له فِي السرّ والجهر، ولا يعتقد خلاف ذلك، فإن أضمره، فمات مات ميِتَةً جاهلية؛ لأنه لم يجعل فِي عنقه بيعة. انتهى كلام القرطبيّ رحمه الله تعالى (١). قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: قوله: واجبة عَلَى كلّ مسلم الخ" هذا إذا كان للمسلمين إمام، أما إذا لم يكن لهم إمام، وكانوا فوضَى، فلا وجوب؛ لحديث حذيفة رضي الله تعالى عنه المتّفق عليه، واللفظ للبخاريّ، قَالَ: كان الناس يسألون رسول الله ﷺ عن الخير، وكنت أسأله عن الشر، مخافة أن يُدركني، فقلت: يا رسول الله ﷺ ، إنا كنا فِي جاهلية وشر، فجاءنا الله بهذا الخير، فهل بعد هذا الخير منْ شر؟، قَالَ: "نعم" قلت: وهل بعد ذلك الشر منْ خير؟ قَالَ: "نعم، وفيه دَخَنٌ"، قلت: وما دخنه؟ قَالَ: "قوم يَهدُون بغير هديي، تعرف منهم وتنكر" قلت: فهل بعد ذلك الخير منْ شر؟ قَالَ: "نعم دُعاة إلى أبواب جهنم، منْ أجابهم إليها، قذفوه فيها"، قلت: يا رسول الله، صِفْهم لنا، فقال: "هم منْ جِلْدَتنا، ويتكلمون بألسنتنا"، قلت: فما تأمرني إن أدركني ذلك؟ قَالَ: "تلزم جماعة المسلمين، وإمامهم" قلت: فإن لم يكن لهم جماعة، ولا إمام؟ قَالَ: "فاعتزل تلك الفرق كلها, ولو أن تَعَضّ بأصل شجرة، حتى يُدركك الموت، وأنت عَلَى ذلك". فهذا الحديث صريح فِي أن وجوب لزوم الجماعة إنما يكون إذا وُجدت الجماعة، وكان لها إمام، وأما إذا لم يكن كذلك، فالواجب اعتزال الفرق كلها، فرارًا بدينه، كما أمره به النبيّ صلّى الله تعالى عليه وسلم. والله تعالى أعلم بالصواب. ١ - (الْبَيْعَةِ عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ) ٤١٥١ - (أَخْبَرَنَا الإِمَامُ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ النَّسَائِيُّ، مِنْ لَفْظِهِ، قَالَ: أَنْبَأَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الْوَلِيدِ بْنِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، قَالَ: بَايَعْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلَى السَّمْعِ، وَالطَّاعَةِ، فِي الْيُسْرِ وَالْعُسْرِ، وَالْمَنْشَطِ وَالْمَكْرَهِ، وَأَنْ لَا نُنَازِعَ الأَمْرَ أَهْلَهُ، وَأَنْ نَقُومَ بِالْحَقِّ حَيْثُ كُنَّا لَا نَخَافُ لَوْمَةَ لَائِمٍ").

стр. 15858

رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (قتيبة) بن سعيد الثقفيّ، أبو رجاء البغلاني، ثقة ثبت [١٠] ١/ ١. ٢ - (الليث) بن سعد، أبو الحارث الفهميّ المصريّ، ثقة ثبت إمام [٧] ٣١/ ٣٥. ٣ - (يحيى بن سعيد) بن قيس الأنصاريّ، أبو سعيد المدنيّ القاضي، ثقة ثبت [٥] ٢٢/ ٢٣. ٤ - (عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت) الأنصاريّ المدنيّ، ويقال له: عبد الله، ثقة [٤] ٥٣/ ٣٤٩٨. ٥ - (عبادة بن الصامت) بن قيس الأنصاريّ الخزرجيّ، أبو الوليد المدنيّ الصحابيّ البدريّ المشهور، وهو أحد النقباء ليلة العقبة، مات بالرملة سنة (٣٤)، وله (٧٢) سنة، وقيل: عاش إلى خلافة معاوية رضي الله تعالى عنهما، تقدّم فِي ٦/ ٤٦١ والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه منْ خماسيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين منْ يحيى، والباقيان مصريّان. (ومنها): أن فيه رواية الواوي عن جدّه، وتابعي عن تابعيّ. والله تعالى أعلم. [تنبيه]: القائل: "أخبرنا الإِمام أبو عبد الرحمن النسائيّ" هو الراوي عن المصنّف، والظاهر أنه ابن السنّيّ, لأنه المشهور برواية "المجتبى"، وقوله: "منْ لفظه" يعني أنهم سمعوه منْ لفظ النسائيّ، لا أنه قرأ عليه قارىء، وإنما بيّنه؛ لئلا يُظنّ أنه سمع قارئًا عَلَى الشيخ، حيث إن الغالب فِي استعمال المحدّثين لفظة "أخبرنا" إذا سمع الطالب قارئًا يقرأ عَلَى الشيخ، ولكن ليس هذا واجبًا عندهم، بل هو مستحسن، كما قَالَ السيوطيّ فِي "ألفية الحديث": واسْتَحْسَنُوا لِمُفْرَدٍ "حَدَّثَنِي" … وَقَارِىءٍ بِنَفْسِهِ "أَخْبَرَنِي" وَإِنْ يُحَدِّثْ جُمْلَةً "حَدَّثَنَا" … وَإِنْ سَمِعْتَ قَارِئًا "أَخْبَرَنَا" [تنبيه آخر]: سقط منْ هذا السند بعد ذكر عبادة بن الوليد ذكر لفظة "عن أبيه" منْ جميع نسخ "المجتبى"، وكذا منْ نسخة "الكبرى"، لكن الذي ذكره الحافظ المزّيّ فِي "تحفة الأشراف" جـ ٤/ ٢٦٠ أنه ثابت فِي رواية أبي الحسن بن حيويه، ولعله لاختلاف النسخ. والله تعالى أعلم.

стр. 15859

شرح الحديث (عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ) رضي الله تعالى عنه، أنه (قَالَ: بَايَعْنَا) تقدّم معنى البيعة فِي شرح الترجمة (رَسُولَ اللهِ ﷺ ) وكانت تلك المبايعة ليلة العقبة، كما قاله فِي "الفتح". قَالَ أبو العبّاس القرطبيّ: هذه البيعة تُسمّى بيعة الأمراء، وسُمّيت بذلك؛ لأن المقصود بها تأكيد السمع والطاعة عَلَى الأمراء. وقد كان عبادة رضي الله تعالى عنه بايع رسول الله صلّى الله تعالى عليه وسلم بيعة النساء، وسميت بذلك؛ لأنه لم يكن فيها ذكر حرب، ولا قتال. وقد بايع النبيّ صلّى الله تعالى عليه وسلم أصحابه بيعة الرضوان، وسمّيت بذلك لقول الله تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ [الفتح: ١٨] انتهى (١). (عَلَى السَّمْعِ، وَالطَّاعَةِ) متعلّق بـ"بايعنا"، و"عَلَى" بمعنى اللام، أو بتضمين "بايعنا" معنى العهد، أي عاهدناه عَلَى أن نسمع كلامه، ونطيع أمره، وكذا منْ يقوم بعده مقامه منْ الخلفاء (فِي الْيُسْرِ وَالْعُسْرِ) وفي رواية إسماعيل بن عُبيد عند أحمد: "وعلى النفقة فِي العسر واليسر" (وَالْمَنْشَطِ) بفتح الميم، والمعجمة، وسكون النون بينهما: أي فِي حالة نشاطنا (وَالْمَكْرَهِ) بضبط ما قبله: أي فِي الحالة التي نكون فيها عاجزين عن العمل بما نؤمر به. ونقل ابن التين عن الداوديّ أن المراد الأشياء التي يكرهونها. قَالَ ابن التين: والظاهر أنه أراد فِي وقت الكسل والمشقة فِي الخروج؛ ليطابق قوله: "فِي المنشط"، ويؤيّده ما وقع فِي رواية إسماعيل بن عُبيد بن رفاعة، عن عبادة، عند أحمد: "فِي النشاط والكسل". قاله فِي "الفتح". وَقَالَ السنديّ: الْمَنشَطُ، والْمَكْره: مَفْعلٌ بفتح الميم والعين، منْ النشاط، والكراهة، وهما مصدران، أي فِي حالة النشاط والكراهة، أي حالة انشراح صدورنا، وطيب قلوبنا، وما يُضادّ ذلك. أو اسما زمان، والمعنى واضح. أو اسما مكان: أي فيما فيه نشاطهم، وكراهتهم. كذا قيل، ولا يخفى أن ما ذكره منْ المعنى عَلَى تقدير كونهما اسمي مكان مجازيّ، وكذا قَالَ بعضهم: كونهما اسمي مكان بعيد. انتهى (٢). زاد فِي الآتية: "وأَثَرَة علينا" بفتح الهمزة، والمثلّثلة: أي تفضيل غيرنا علينا فِي الفيء، أو فِي غيره. والمراد أن طواعيتهم لمن يتولّى عليهم لا تتوقّف عَلَى إيصالهم حقوقهم إليهم، بل عليهم الطاعة، ولو منعوهم حقّهم.

стр. 15860

(وَأَنْ لَا نُنَازِعَ الأَمْرَ) أي الملك والإمارة، أو كلّ الأمور (أَهْلَهُ) الضمير للأمر، أي إذا وُكل الأمر إلى منْ هو أهل له، فليس لنا أن نجرّه إلى غيره، سواء كان ذلك الغير أهلاً، أم غير أهل. زاد فِي رواية أحمد: "وإن رأيت أن لك"، أي وإن اعتقدتَ أن لك فِي الأمر حقًا، فلا تعمل بذلك الظنّ، بل اسمع، وأطع إلى أن يَصِل إليك بغير خروج عن الطاعة. وزاد فِي رواية حبان أبي النضر، عن جنادة عند ابن حبّان أحمد: "وإن أكلوا مالك، وضربوا ظهرك". (وَأَنْ نَقُومَ بِالْحَقِّ) أي بإظهاره، وتبليغه للناس (حَيْثُ كُنَّا) أي فِي موضع وُجدنا (لَا نَخَافُ لَوْمَةَ لَائِمٍ) أي لا نترك قول الحق لأجل خوف ملامة اللائمين علينا. وَقَالَ النوويّ: معناه: نأمر بالمعروف، وننهى عن المنكر فِي كلّ زمان ومكان، الكبار والصغار، لا نُداهن فيه أحدًا، ولا نخافه، ولا نلتفت إلى اللائمين. انتهى (١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): فِي درجته: حديث عبادة بن الصامت رضي الله تعالى عنه هذا متّفقٌ عليه، لكن منْ رواية الوليد ابن عبادة، عن عبادة ﵁، كما فِي الروايات الآتية، وأما منْ رواية عبادة بن الوليد، عن عبادة، فمن أفراد المصنّف، فَلْيُتَنَبّهْ. والله تعالى أعلم. (المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -١/ ٤١٥١ و٤١٥٢ و٢/ ٤١٥٣ و٣/ ٤١٥٤ و٤/ ٤١٥٥ و٥/ ٤١٥٦ - وفي "الكبرى" ١/ ٧٧٧٠ و٧٧٧١ و٢/ ٧٧٧٢ و٣/ ٧٧٧٣ و ٤/ ٧٧٧٤ و٥/ ٧٧٧٥. وأخرجه (خ) فِي "الفتن" ٧٠٥٦ و"الأحكام" ٧١٩٩. (م) فِي "الإمارة" ٤٧٤٥ و٤٧٤٦ و٤٧٤٧ و٤٧٤٨ (ق) فِي "الجهاد" ٢٨٦٦ (أحمد) فِي "باقي مسند الأنصار" ٢٢١٧٠ و٢٢١٩٢ و٢٢٢٠٩ و٢٢٢١٨ و٢٢٢٢٩ (الموطأ) فِي "الجهاد" ٩٧٧. والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): فِي فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان مشروعيّة بيعة الإِمام عَلَى السمع والطاعة. (ومنها): وجوب سمع كلام الأمراء، وطاعة أوامرهم. (ومنها): أن وجوب الطاعة لا يختلف باختلاف الأحوال منْ العسر واليسر، والنشاط والكره، فيجب عَلَى المسلم طاعتهم فِي كلّ أحواله، قدر استطاعته. (ومنها): أنه لا يجوز منازعة وليّ الأمر فِي شأن الولاية، ولا فِي غيرها، إلا أن يكون معصية، إذ لا طاعة للمخلوق فِي
следующие страницы →