ومما احتجوا به أن السلف اختلفوا فيمن وجد من الماء بعض ما يكفيه لطهارته هل يستعمله، ثم يتيمم للباقي، أم يتمم ويتركه، ولم يقل أحد يستعمله ثم يجمعه ثم يستعمله في بقية الأعضاء، ولو كان مطهرا لقالوه.
فإن قيل: لأنه لا يتجمع منه شيء، فالجواب: لا نسلم ذلك بل الحال في ذلك مختلف كما قدمته قريبا.
وأما الجواب عن احتجاجهم بالآية: فمن وجهين:
أحدهما: لا نسلم أن فعولا يقتضي التكرار مطلقا، بل منه ما هو كذلك، ومنه غيره، وهذا مشهور لأهل العربية. والثاني: المراد بطهور المطهر والصالح للتطهير، والمُعَدُّ لذلك. وأما قولهم: "توضأ النبي ﷺ فمسح رأسه بفضل ماء كان في يده" فهذا الحديث رواه هكذا أبو داود في سننه، وإسناده عن عبد الله بن محمَّد بن عَقيل، عن الرُّبيِّع بنت مُعَوِّذ ﵂. وروى مسلم وأبو داود وغيرهما عن عبد الله بن زيد ﵁ أنه رأى النبي ﷺ "توضأ" فذكر صفة الوضوء إلى أن قال: "ومسح برأسه بماء غير فضل يديه، وغسل رجليه" وهذا هو الموافق لروايات الأحاديث الصحيحة في أنه ﷺ أخذ لرأسه ماء جديدا. فإذا ثبت هذا فالجواب عن الحديث من أوجه:
أحدها: أنه ضعيف فإن راويه عبد الله بن محمَّد ضعيف عند الأكثرين، وإذا كان ضعيفا لم يحتج بروايته ولو لم يخالفه غيره، ولأن الحديث مضطرب عن عبد الله بن محمَّد: قال البيهقي: قد رَوَى شريك عن عبد الله في هذا الحديث فأخذ ماء جديدا فمسح رأسه مقدمه ومؤخره
الجواب الثاني: لو صح لحمل على أنه أخذ ماء جديدا وصب بعضه ومسح رأسه ببقيته ليكون موافقًا لسائر الروايات، وعلى هذا تأوله البيهقي على تقدير صحته.
стр. 1612
الثالث: يحتمل أن الفاضل في يده من الغسلة الثالثة لليد، ونحن نقول به على الصحيح، وكذا في سائر نفل الطهارة.
وأما قولهم: مسح رأسه ببلل لحيته: فجوابه من وجهين:
أحدهما: أنه ضعيف.
والثاني: حمله على بلل الغسلة الثانية والثالثة، وهو مطهر على الصحيح.
وأما قولهم: اغتسل وترك لمعة ثم عصر عليها شعرا فجوابه من أوجه:
أحدها: أنه ضعيف، وقد بين الدارقطني، ثم البيهقي ضعفه، قال البيهقي: وإنما هو من كلام النخعي.
الثاني: لو صح لحمل على بلل باق من الغسلة الثالثة.
الثالث: أن حكم الاستعمال إنما يثبت بعد الانفصال عن العضو، وهذا لم ينفصل، وبدن الجنب كعضو واحد، ولهذا لا ترتيب فيه. وأما قياسهم على ما غسل به ثوب وعلى تجديد الوضوء: فجوابه: أنه لم يؤد
به فرض. وأما قياسهم على تيمم الجماعة: فجوابه: أن المستعمل ما علق بالعضو أو سقط عنه على الأصح، وأما الباقي بالأرض فغير مستعمل قطعا فليس هو كالماء.
وأما طعام الكفارة: فإنما جاز أداء الفرض به مرة أخرى لتجدد عود الملك فيه فنظيره تجدد الكثرة في الماء ببلوغه قلتين، ونحن نقول به على الصحيح، وأما الثوب فلم يتغير من صفته شيء فلا يسمى مستعملا بخلاف الماء، وتغير الصفات مؤثر فيما أدي به الفرض كالعبد يعتقه عن كفارة.
وأما قولهم: لو لم تجز الطهارة به لامتنعت الخ: فجوابه أنا لا نحكم بالاستعمال مادام مترددا على العضو بلا خلاف فلا يؤدي إلى مفسدة ولا حرج. والله أعلم. اهـ كلام النووي في المجموع ببعض تصرف ج ١ ص ١٥١/ ١٥٦.
стр. 1613
وقال العلامة الشوكاني رحمه الله تعالى ما نصه: وقد ذهب إلى أن الماء المستعمل غير مطهر أكثر العترة، وأحمد بن حنبل، والليث، والأوزاعي، والشافعي، ومالك في إحدى الروايتين عنهما، وأبو حنيفة في رواية عنه.
واحتجوا بهذا الحديث -يعني حديث أبي هريرة في نهي الجنب عن الاغتسال في الماء الدائم- وبحديث النهي عن التوضؤ بفضل وضوء المرأة، واحتج لهم في البحر بما روي عن السلف من تكميل الطهارة
بالتيمم عند قلة الماء، لا بما تساقط منه.
وأجيب عن الاستدلال بحديث الباب بأن علة النهي ليست كونه يصير مستعملا، بل مصيره مستخبثا بتوارد الاستعمال فيبطل نفعه، ويوضح ذلك قول أبي هريرة يتناوله تناولا، وباضطراب متنه، وبأن الدليل أخص من الدعوى؛ لأن غاية ما فيه خروج المستعمل للجنابة، والمدعَى خروج كل مستعمل عن الطهورية. وعن حديث النهي عن التوضؤ بفضل وضوء المرأة بمنع كون الفضل مستعملا، ولو سلم فالدليل أخص من الدعوى لأن المدعى خروج كل مستعمل عن الطهورية، لا خصوص هذا المستعمل، وبالعارضة بما أخرجه مسلم، وأحمد من حديث ابن عباس: "أن رسول الله ﷺ كان يغتسل بفضل ميمونة" وأخرجه أحمد أيضا، وابن ماجه بنحوه من حديثه، وأخرجه أحمد أيضا، وأبو داود، والنسائي، والترمذي، وصححه من حديثه بلفظ "اغتسل بعض أزواج النبي ﷺ في جفنة، فجاء النبي ﷺ ليتوضأ منها، أو يغتسل، فقالت له: يا رسول الله إني كنت جنبا، فقال: إن الماء لا يجنب"، وأيضا حديث النهي عن التوضؤ بفضل وضوء المرأة فيه مقال.
وعن الاحتجاج بتكميل السلف للطهارة بالتيمم لا بما تساقط بأنه لا
стр. 1614
يكون حجة إلا بعد تصحيح النقل عن جميعهم، ولا سبيل إلى ذلك، لأن القائلين بطهورية المستعمل منهم، كالحسن البصري، والزهري، والنخعي، ومالك، والشافعي، وأبي حنيفة، في إحدى الروايات عن الثلاثة المتأخرين، ونسبه ابن حزم إلى عطاء، وسفيان الثوري، وأبي ثور، وجميع أهل الظاهر، وبأن المتساقط قد فني؛ لأنهم لم يكونوا يتوضئون إلى إناء، والملتصق بالأعضاء حقير لا يكفي بعض عضو من أعضاء الوضوء، وبأن سبب الترك بعد تسليم صحته عن السلف، وإمكان الانتفاع بالبقية هو الاستقذار.
وبهذا يتضح عدم خروج المستعمل عن الطهورية، وتحتم البقاء على البراءة الأصلية، لا سيما بعد اعتضادها بكليات وجزئيات من الأدلة، كحديث "خلق الماء طهورا" وحديث "مسحه ﷺ رأسه بفضل ماء كان بيده". وغيرهما. اهـ كلام الشوكاني في نيله ج ١ ص ٤٥/ ٤٦.
قال الجامع عفا الله عنه:
وهذا الذي قاله الشوكاني هو التحقيق الذي لا يحتاج إلى التعليق عليه.
ولقد تكلم على هذه المسألة العلامة المجتهد أبو محمَّد ابن حزم في كتابه البديع "المحلى" فأفاد، وأجاد، وأسهب، وأعاد، ولولا بشاعة عباراته التي يرمي بها خصومه في رد أقوالهم، وتفنيد آرائهم من دون أن يفرق بين فلان، وفلان، وذلك غَيرَةً على النصوص، حسبما رآه هو، وإن كانوا كلهم يريدون الخير، وخدمةَ النصوص بقدر المستطاع، ولا يألون جهدا، فربما أصابوا، وربما أخطأوا، والكل مأجورون، لنقلت عبارته برمتها. فارجع إليه ج ١ ص ١٨٣ - ١٩١.
فالحاصل أن المذهب الراجح: هو مذهب من يقول: بطهورية الماء المستعمل، وطهارته لوضوح أدلته، والله أعلم.
стр. 1615
١٠٤ - بَابُ فَرْضِ الوُضُوءِ
أي هذا باب ذكر الحديث الدال على كون الوضوء فرضا لا تصح الصلاة إلا به، قال في المصباح: وفرض الله الأحكام فرضا: أوجبها، فالفرض: المفروض، جمعه فروض، مثل فلس وفلوس اهـ.
ج ٢ ص ٤٦٩. وقال السندي: الإضافة بيانية، أي المفروض من الوضوء، أو الوضوء المفروض فالإضافة من إضافة الصفة للموصوف عند من يجيزها اهـ.
وقال ابن منظور: والفرض: السنة، فرض رسول الله ﷺ . أي سن. وقيل: فرض رسول الله ﷺ ، أي أوجب وجوبا لازما، قال: وهذا هو الظاهر. والفرض: ما أوجبه الله ، سمي بذلك لأن له معالم وحدودا. وفرض الله علينا كذا وكذا، وافترض: أي أوجب. وقول الله : ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ﴾ [البقرة: ١٩٧] أي أوجبه على نفسه بإحرامه، وقال ابن عرفة: الفرض: التوقيت، وكل مؤقت فهو مفروض. اهـ لسان ج ٧ ص ٢٠٢.
١٣٩ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي الْمَلِيحِ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَا يَقْبَلُ اللهُ صَلَاةً بِغَيْرِ طُهُورٍ، وَلَا صَدَقَةً مِنْ غُلُولٍ".
رجال الإسناد: خمسة
١ - (قتيبة) بن سعيد أبو رجاء الثقفي البغلاني ثقة. ثبت من [١٠]، تقدم في ١/ ١.
стр. 1616
٢ - (أبو عوانة) وَضَّاح بن عبد الله اليَشْكُري الواسطي البزاز، مشهور بكنيته، ثقة ثبت، من السابعة، مات سنة خمس -أو ست- وسبعين ومائة. (ع) تقدم في ٤١/ ٤٦.
٣ - (قتادة) بن دعامة بن قتادة السدوسي، أبو الخطاب، البصري، ثقة ثبت، يقال: ولد أكمه، وهو رأس الطبقة الرابعة، مات سنة بضع عشرة ومائة. (ع) تقدم في ٣٠/ ٣٤.
٤ - (أبو المليح) بن أسامة بن عمير، الهُذَلي، اسمه عامر، وقيل: زيد، وقيل: زياد، ثقة، من الثالثة، مات سنة ٩٨. وقيل: ١٠٨ وقيل: بعد ذلك (ع).
٥ - (أسامة بن عمير) بن عامر بن الأقيشر الهذلي، صحابي، تفرد ولده عنه. (ع) وقال في الإصابة ج ١ ص ٤٧.: أسامة بن عمير بن عمر ابن الأقيشر بن عبد الله بن حبيب بن يسار بن ناجية بن عمرو بن الحارث ابن كثير بن هند بن طابخة بن لحيان بن هذيل الهذلي، والد أبي المليح. قال البخاري: له صحبة، روى حديثه أصحاب السنن، وأحمد، وأبو عوانة، وابن خزيمة، وابن حبان، والحاكم في صحاحهم، ومن حديثه "أصابتنا السماء، ونحن مع رسول الله ﷺ يوم حنين". قال خليفة: نزل البصرة، ولم يرو عنه إلا ولده. قاله جماعة من الحفاظ. اهـ كلام الحافظ في الإصابة. وفي الخلاصة: صحابي له سبعة أحاديث.
لطائف الإسناد
منها: أنه من خماسيات المصنف.
ومنها: أن رواته كلهم ثقات، وكلهم بصريون، إلا قتيبة فبغلاني، وأبا عوانة فواسطي.
ومنها: أن فيه رواية الراوي عن أبيه.
стр. 1617
ومنها: أن فيه رواية تابعي، عن تابعي: قتادة، عن أبي المليح.
ومنها: أن الرواة ممن اتفقوا على التخريج لهم، إلا أسامة فأخرج له الأربعة.
ومنها: أن صحابيه من المقلين في الرواية وهي كما تقدم سبعة أحاديث.
شرح الحديث
(عن أبي المليح) بن أسامة بن عمير (عن أبيه) أسامة بن عمير رضي الله، أنه (قال: قال رسول الله: لا يقبل الله) قال السندي قبول الله تعالى رضاه به وثوابه عليه، فعدم القبول أن لا يثيبه عليه. اهـ ج ١ ص ٨٨.
قال الجامع عفا الله عنه: الصواب تفسير القبول على ظاهره، على الوجه الذي يليق به، ففيه إثبات صفة القبول لله ، وأما تفسيره بالرضا ونحوه فهو تفسير باللازم وليس معنى حقيقيًا، فتنبه.
(صلاة) نكرها ليعم الفرض والنفل، أفاده في المنهل.
(بغير طهور) بضم الطاء فعل الطهارة، وهو المراد هنا، وبفتحها اسم للماء، أو التراب، وقيل: بالفتح يطلق على الفعل والماء، فههنا يجوز الوجهان، والمعنى بلا طهور، وليس المعنى صلاة ملتبسة بشيء مغاير للطهور، إذ لابد من ملابسة الصلاة بما يغاير الطهور ضد الطهور، حملا لمطلق المغايرة على الكامل، وهو الحدث. قاله السندي ج ١ ص ٨٨.
وقال ابن منظور: قال ابن الأثير: الطهور بالضم التطهر، وبالفتح: الماء الذي يتطهر به، كالوُضوء، والوَضوء، والسُّحور، والسَّحور، وقال سيبويه: الطهور بالفتح يقع على الماء، والمصدر معا، قال: فعلى هذا يجوز أن يكون الحديث بفتح الطاء وضمها، والمراد بها التطهر. اهـ لسان ج ٤ ص ٥٠٥.
стр. 1618
وقال في المنهل: والطهور بضم الطاء المهملة المراد به الفعل وهو التطهر على قول الأكثرين، وقيل: يجوز فتحها، وهو بعمومه يتناول التطهر بالماء، والتراب، ثم قال بعد نقل كلام ابن الأثير المتقدم: وهذا إذا لم تعلم الرواية، وإلا اتبعت، وضبطه ابن سيد الناس بضم الطاء لا غير. اهـ المنهل ج ١ ص ٢٠٨ وقال النووي: قال جمهور أهل اللغة: يقال: الطهور، والوضوء بضم أولهما: إذا أريد به الفعل الذي هو المصدر، ويقال: الطهور والوضوء بفتح أولهما: إذا أريد به الماء الذي يتطهر به، هكذا نقله ابن الأنباري، وجماعات من أهل اللغة، وغيرهم عن أكثر أهل اللغة، وذهب الخليل، والأصمعي، وأبو حاتم السجستاني وجماعة إلى أنه بالفتح فيهما. انتهى، ونقله المباركفوري ج ١ ص ٢٣.
وقال الحافط: المراد بالطهور ما هو أعم من الوضوء والغسل، قال: والمراد بالقبول هنا ما يوافق الصحة وهو الإجزاء، وحقيقة القبول ثمرة وقوع الطاعة مجزئة رافعة لما في الذمة. ولما كان الإتيان بشروطها مظنة الإجزاء الذي القبول ثمرته عبر عنه بالقبول مجازا، وأما القبول المنفي في مثل قوله ﷺ "من أتى عرافا لم تقبل له صلاة" فهو الحقيقي؛ لأنه قد يصح العمل ويتخلف القبول لمانع، ولهذا كان بعض السلف يقول: لأن تقبل لي صلاة واحدة أحب إلى من جميع الدنيا، قاله ابن عمر. قال: لأن الله تعالى قال: "إنما يتقبل الله من المتقين".اهـ فتح ج ١ ص ٢٨٣.
وقال العلامة العيني: والتحقيق ها هنا أن القبول يراد به شرعا حصول الثواب، وقد يتخلف عن الصحة بدليل صحة صلاة العبد الآبق، وشارب الخمر مادام في جسده شيء منها، والصلاة في الدار المغصوبة على الصحيح عند الشافعية أيضا. وأما ملازمة القبول للصحة في قوله ﵊ "لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار" والمراد بالحائض من بلغت سن الحيض، فإنها لا تقبل صلاتها إلا بالسترة، ولا
стр. 1619
تصح ولا تقبل مع انكشاف العورة. والقبول يفسر بترتب الفرض المطلوب من الشيء على الشيء، فقوله ﵊ "لا يقبل الله صلاة من أحدث حتى يتوضأ" عام في عدم القبول في جميع المحدثين في جميع أنواع الصلاة، والمراد بالقبول وقوع الصلاة مجزأة بمطابقتها للأمر، فعلى هذا يلزم من القبول الصحة ظاهرا وباطنا، وكذلك العكس. ونقل عن بعض المتأخرين أن الصحة عبارة عن ترتب الثواب، والدرجات على العبادة، والإجزاء عبارة عن مطابقة الأمر، فهما متغايران، أحدهما أخص من الآخر، ولا يلزم من نفي الأخص نفي الأعم، فالقبول على هذا التفسير أخص من الصحة، فكل مقبول صحيح ولا عكس. اهـ عمدة القاري ج ٢ ص ٢٢١/ ٢٢٢.
وقال السندي: وغرض المصنف ﵀ أن الحديث يدل على افتراض الوضوء للصلاة، ونوقش بأن دلالة الحديث على المطلوب يتوقف على دلالته على انتفاء صحة الصلاة بلا طهور، ولا دلالة عليه، بل على انتفاء القبول، والقبول أخص من الصحة، ولا يلزم من انتفاء الأخص انتفاء الأعم، ولذا ورد انتفاء القبول في مواضع مع ثبوت الصحة كصلاة العبد الآبق، وقد يقال: الأصل في عدم القبول هو عدم الصحة، وهو يكفي في المطلوب، إلا إذا دل دليل على أن عدم القبول لأمر آخر سوى عدم الصحة ولا دليل ها هنا. اهـ كلام السندي ج ١ ص ٨٨.
قال الجامع عفا الله عنه: كون القبول بمعنى الصحة هو الأوضح هنا كما تقدم في كلام الحافظ، والعلامة العيني، والله أعلم.
(ولا صدقة) هي العطية التي يريد صاحبها الثواب من الله تعالى، وهي نكرة في سياق النفي فتعم الفرض، والنفل، والغرض منها طهارة النفس من رذيلة البخل، والقسوة، وعود البركة على المال، قال الله
стр. 1620
تعالى ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة: ١٠٣]، قاله في النهل ج ١ ص ٢٥٧ (من غلول) بضم الغين المعجمة مصدر غَلَّ، يَغُلُّ من باب قعد: السرقة من مال الغنيمة قبل القسمة، ويطلق أيضا على أخذ مال الغير خفية مطلقا، من غنيمة، أو غيرها، والمراد به هنا مطلق المال الحرام أخذ خفية أم لا، وسمي غلولا لأن الأيدي يجعل فيها الغُلّ بسببه، والغُلّ: الحديدة التي تجمع يد الأسير إلى عنقه.
والحاصل: أن كل مال يأخذه الشخص من غير حل ثم يتصدق به لا يقبل منه، وكذلك إن نوى التصدق عن صاحبه، ولا تسقط عنه تبعته اللهم إلا إذا رضي صاحبه، وجعله في حل من ذلك.
ويدخل فيه صدقة المرأة من مال زوجها بغير رضاه (١) وصدقة العبد من مال سيده بغير إذنه، وصدقة الوكيل من مال موكله، والشريك من مال شريكه، والوصي الذي وكل إليه التصدق بمال فأنفقه على نفسه، أو أخرجه في غير مصرفه، ونظار الأوقاف الذين يتناولون من ريعها من غير استحقاق، ثم يتصدقون بها، أو يصرفون ريعها في غير مصرفه. ومن هذا قالوا: إن من أخذ مال غيره بلا وجه شرعي لزمه رده لصاحبه إن كان حيا، وإلا رده على ورثته فإن لم يكن له ورثة يتصدق به عنه ويُرجى له الخلاص يوم القيامة، وكذا إذا لم يدر صاحبه، أو استولى عليه بعقد فاسد، ولم يتمكن من فسخه فإنه يتصدق به على الفقراء تخلصا من الحرام لا طمعا في الثواب. وهذا، ينافي الحديث، ولا قوله تعالى: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ [البقرة: ٢٢٧] لأنهما يدلان على
стр. 1621
حرمة التصدق بالبال الحرام طمعا في الأجر والثواب. اهـ المنهل ج ١ ص ٢٠٧ - ٢٠٨. وبالله التوفيق، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بحديث الباب
المسألة الأولى في درجته: حديث أبي المليح عن أبيه حديث صحيح.
المسألة الثانية: في مواضعه من هذا الكتاب: أخرجه المصنف في موضعين: في هذا الباب، وفي الزكاة ٤٨ عن الحسين بن محمَّد الذَّرَّاع البصري، عن يزيد بن زريع- وعن إسماعيل بن مسعود، عن بشر بن
المفضل- كلاهما عن شعبة، عن قتادة، عن أبي المليح، عن أبيه.
المسألة الثالثة في ذكر من أخرجه معه من أصحاب الأصول وغيرهم: أخرجه (د ق) فأخرجه (د) في الطهارة -٣١ - عن مسلم بن إبراهيم، عن شعبة، عن قتادة، عن أبي المليح، عن أبيه.
وأخرجه (ق) في الطهارة: ٢/ ١ عن بندار عن يحيى بن سعيد، وغندر، وفي -٢/ ١ - عن أبي بشر بكر بن خلف، عن يزيد بن زريع، وفي ٢/ ٢ عن أبي بكر بن أبي شيبة عن عُبيد بن سعيد وشبابة بن سوار خمستهم عن شعبة، عن قتادة، عن أبي المليح، عن أبيه.
وأخرجه (م ت) من حديث ابن عمر، وأخرجه أيضا البيهقي، والطبراني.
المسألة الرابعة في فوائده: من فوائده وجوب الطهارة للصلاة، وأنه لا تصح بدونها، ولا فرق في ذلك بين صلاة الجنازة وغيرها، خلافا لما حكي عن الشعبي، والطبري من أنهما أجازا صلاة الجنازة بلا طهارة، فإنه باطل، لعموم هذا الحديث، وإجماع العلماء على خلافه، فلو صلَّى محدثا متعمدا بلا عذر، أثم، ولا يكفر عند الجمهور. وحكي عن أبي حنيفة أنه يكفر لتلاعبه.
стр. 1622
أما المعذور كمن لم يجد ماء، ولا ما يقوم مقامه كالتراب: فالأقوى دليلا وجوب الصلاة عليه بلا إعادة. أما الوجوب فلحديث "وما أمرتكم بأمر فافعلوا منه ماستطعتم" رواه مسلم وغيره. وأما عدم الإعادة فلأنها إنما تجب بأمر جديد، والأصل عدمه، وهو قول أحمد، واختاره المزني من الشافعية. ويجب عليه (١) أن يقتصر في صلاته على ما لا تصح إلا به. وقيل: بوجوب الصلاة في الوقت ووجوب الإعادة عند التمكن من الطهارة، وهو مشهور مذهب الشافعية، وقول لبعض المالكية، والمعتمد عندهم سقوط الصلاة أداء وقضاء، وقيل باستحباب الصلاة، ووجوب القضاء. وقيل بحرمة الصلاة في الحال ووجوب القضاء عند التمكن، وبه قال أبو حنيفة، وقال أبو يوسف: يتشبه بالمصلي، فلا ينوي، ولا يقرأ، ويركع، ويسجد ويعيد الصلاة متى قدر على إحدى الطهارتين. قاله في المنهل ج ١ ص ٢٠٩.
قال الجامع عفا الله عنه: الراجح عندي وجوب الصلاة حالًا، ولا إعادة لقوة دليله، كما ذكرناه، والله أعلم.
المسألة الخامسة في مذاهب العلماء في وجوب الطهارة للصلاة:
قال النووي في شرح مسلم: وقد أجمعت الأمة على أن الطهارة شرط في صحة الصلاة. قال القاضي عياض: واختلفوا متى فرضت الطهارة للصلاة: فذهب ابن الجهم إلى أن الوضوء في أول الإسلام كان
سنة، ثم نزل فرضه في آية التيمم.
وقال الجمهور: بل كان قبل ذلك فرضا. قال: واختلفوا في أن الوضوء فرض على كل قائم إلى الصلاة، أم على المحدث خاصة؟
стр. 1623
فذهب ذاهبون من السلف إلى أن الوضوء لكل صلاة فرض بدليل قوله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ الآية [المائدة: ٦].
وذهب قوم إلى أن ذلك قد كان ثم نسخ، وقيل: الأمر به لكل صلاة على الندب، وقيل: بل لم يشرع إلا لمن أحدث، ولكن تجديده لكل صلاة مستحب، وعلى هذا أجمع أهل الفتوى بعد ذلك، ولم يبق بينهم فيه خلاف. ومعنى الآية عندهم إذا كنتم محدثين. هذا كلام القاضي رحمه الله تعالى. واختلف أصحابنا في الموجب للوضوء على ثلاثة أوجه:
(أحدها) أنه يجب بالحدث وجوبا موسعا. (والثاني) لا يجب إلا عند القيام إلى الصلاة. (والثالث) يجب بالأمرين، وهو الراجح عند أصحابنا. اهـ كلام النووي في شرح مسلم ج ٣ ص ١٠٢/ ١٠٣.
وقال المباركفوري: وقد أجمعت الأمة على أن الطهارة شرط في صحة الصلاة، وأجمعت على تحريم الصلاة بغير طهارة من ماء، أو تراب، ولا فرق بين الصلاة المفروضة، والنافلة، والحديث دليل على
وجوب الطهارة لصلاة الجنازة أيضا؛ لأنها صلاة، قال النبي ﷺ : "من
صلى على الجنازة"، وقال: "صلوا على صاحبكم"، وقال "صلوا على النجاشي"، قال الإمام البخاري: سماها صلاة، وليس فيها ركوع، ولا سجود، ولا يُتكلم فيها، وفيها تكبير، وتسليم. وكان ابن عمر لا يصلي عليها إلا طاهرا انتهى تحفة الأحوذي ج ١ ص ٢٣، ٢٤ وقال الحافظ: ونقل ابن عبد البر الاتفاق على اشتراط الطهارة لها -يعني صلاة الجنازة- إلا عن الشعبي، قال ووافقه إبراهيم (١) بن علية، وهو ممن يرغب عن كثير من قوله. ونقل غيره أن ابن جرير الطبري وافقهما على ذلك، وهو مذهب شاذ. انتهى. اهـ فتح ج ٣ ص ٢٢٨.
стр. 1624
قال الإمام البخاري في صحيحه: إذ أحدث يوم العيد أو عند الجنازة يطلب الماء ولا يتيمم اهـ. قال الحافظ: وقد ذهب جمع من السلف إلى أنه يجزئ لها التيمم لمن خاف فواتها -يعني صلاة الجنازة- لو تشاغل بالوضوء وحكاه ابن المنذر عن عطاء، وسالم، والزهري، والنخعي، وربيعة، والليث، والكوفيين، وهي رواية عن أحمد، وفيه حديث مرفوع عن ابن عباس رواه ابن عدي وإسناده ضعيف. اهـ فتح جـ ٣ ص ٢٢٨.
قال الجامع: الراجح القول الأول؛ لأنها صلاة، وقد دلت النصوص على اشتراط الوضوء للصلاة عند وجود الماء، فلا يخص العموم إلا بدليل، والله أعلم.
المسألة السادسة: الحكمة في جمعه ﷺ بين الصلاة، والصدقة في هذا الحديث أن العبادة نوعان: بدني، ومالي، فاختار من البدني الصلاة، لكونها تالية الإيمان في الكتاب، والسنة، ولكونها عماد الدين، والفارقة بين الإسلام والكفر، واختار من المالي الصدقة لكثرة نفعها، وعموم خيرها، ولكون كل منهما محتاجا إلى الطهارة، أما الصلاة فلاحتياجها إلى طهارة الثوب والبدن والمكان، وأما الصدقة فلاحتياجها إلى طهارة المال. أفاده في المنهل ج ١ ص ٢٠٩.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
ولما بين في هذا الباب أن الصلاة لا تقبل بغير طهور، وأنها غير معتد بها فلربما حمل بعضَ الناس شدةُ الاحتياط والعناية بالمحافظة على الاعتداء في الوضوء ومجاوزة الحد ذكر باب الاعتداء فيه بعده تنبيها، وإرشادا إلى سلوك طريق السداد، وهو المتابعة لما صح عنه ﷺ ، فقال:
стр. 1625
١٠٥ - الاعْتِدَاءُ فِي الوُضُوءِ
أي هذا باب في ذكر الحديث الدال على منع تجاوز الحد المشروع في الوضوء. والاعتداء: افتعال من العدوان، وهو تجاوز الحد.
قال ابن منظور: وعدا الأمرَ، وَتعدَّاه كلاهما: تجاوزه. وعدا طوره وقَدْرَه: جاوزه على المَثَل. ويقال: فلان ما يعدو أمرك، أي ما يجاوزه والتعدي: مجاوزة الشيء إلى غيره، يقال: عديته فتعدى، أي تجاوز وقوله تعالى: "فلا تعتدوها" أي لا تجاوزوها إلى غيرها، وكذلك قوله: ﴿وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩] أي يجاوزها.
وقوله : ﴿فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ [المعارج: ٣١]: أي المجاوزون ما حُدَّ لهم وأمروا به. وقوله : ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ﴾ [البقرة: ١٧٣]: أي غير مجاوز لما يُبَلِّغُه ويُغْنيه من الضرورة.
وأصل هذا كله مجاوزة الحد والقدر والحق. يقال: تعديت الحق، واعتديته، وعدوته: أي جاوزته. وقد قالت العرب: اعتدى فلان عن الحق، واعتدى فوق الحق، كأنّ معناه جاز عن الحق إلى الظلم. وعدى عن الأمر: جازه إلى غيره، وتركه. اهـ لسان ج ١٥ ص ٣٣/ ٣٤.
١٤١ - أَخْبَرَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ، حَدَّثَنَا يَعْلَى، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ مُوسَى بْنِ أَبِي عَائِشَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، قَالَ جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ يَسْأَلُهُ عَنِ الْوُضُوءِ فَأَرَاهُ الْوُضُوءَ ثَلَاثًا ثَلَاثًا، ثُمَّ قَالَ: "هَكَذَا الْوُضُوءُ، فَمَنْ زَادَ عَلَى هَذَا، فَقَدْ أَسَاءَ، وَتَعَدَّى، وَظَلَمَ".
стр. 1626
رجال الإسناد: سبعة
١ - (محمود بن غيلان) العدوي مولاهم، أبو أحمد المروزي، نزيل بغداد، ثقة، من العاشرة مات سنة ٢٣٩. وقيل بعد ذلك. (خ م س ق) تقدم في ٣٣/ ٣٧.
٢ - (يعلى) بن عبيد بن أبي أمية الكوفي، أبو يوسف، الطنافسي، ثقة إلا في حديثه عن الثوري، ففيه لين، من كبار التاسعة، مات سنة بضع ومائتين، وله (٩٠) سنة (ع).
٣ - (سفيان) بن سعيد الثوري ثقة حجة من ٧. تقدم في ٣٣/ ٣٧.
٤ - (موسى بن أبي عائشة) الهمداني بسكون الميم مولاهم، أبو الحسن الكوفي ثقة عابد، من الخامسة، وكان يرسل (ع).
٥ - (عمرو بن شعيب) بن محمَّد بن عبد الله بن عمرو بن العاص، صدوق، من الخامسة، مات سنة - ١١٨. (ز ٤).
٦ - (شعيب) بن محمَّد المذكور صدوق، ثَبَتَ سماعه من جده، من الثالثة (ز ٤).
٧ - (عبد الله) بن عمرو بن العاص بن وائل بن هاشم بن سعيد، بالتصغير- بن سعد بن سهم السهمي، أبو محمَّد، وقيل: أبو عبد الرحمن، أحد السابقين المكثرين من الصحابة، وأحد العبادلة الفقهاء، مات في ذي الحجة ليالي الحرة على الأصح، بالطائف، على الراجح. (ع). تقدم في ٨٩/ ١١١.
لطائف الإسناد
منها: أنه من سباعيات المصنف.
ومنها: أن رواته ثقات، إلا عمرا، وأباه فهما مختلف فيهما: فممن وثق عَمْرا المصنفُ، كما في الخلاصة، وممن وثق شعيبا ابنُ حبان
стр. 1627
كما في الخلاصة أيضا. وسيأتي الكلام على هذا السند في المسائل الآتية إن شاء الله تعالى.
ومنها: أنهم ما بين مروزي وهو شيخه، وكوفيين: وهم الثلاثة الأولون، ومدنيين، وهم الباقون.
ومنها: أن شيخه ممن أخرج له البخاري، ومسلم، وابن ماجه، وأن يعلى، وسفيان، وموسى، وعبد الله بن عمرو ممن اتفق عليهم، وأن عمرا، وشعيبا ممن أخرج له البخاري في جزء القراءة، والأربعةُ.
ومنها: أن فيه رواية الراوي عن أبيه عن جده.
شرح الحديث
(عن عمرو بن شعيب، عن أبيه) شعيب (عن جده) عبد الله بن عمرو ﵄، فالضمير لشعيب، فيكون الحديث متصل الإسناد صحيحًا، وهذا قول الأكثرين وهو الصحيح، وقيل الضمير لعمرو لما يلزم على الأول من تشتيت الضمائر، فيكون منقطعا؛ لأن محمدًا جد عمرو تابعي، ولأن شعيبا لم يسمع من جده عبد الله، وقال في المنهل: ويحتمل أن يعود الضمير على عمرو بن شعيب، فيكون المراد جده الأعلى الصحابي، وهو الظاهر، لما يلزم على الأول من تشتيت الضمائر. اهـ ج ١ص ٧٣. وسيأتي تمام البحث في المسائل الآتية إن شاء الله تعالى. أنه (قال: جاء أعرابي) أي بدوي، قال ابن منظور والأعرابي: البدوي، وهم الأعراب، والأعاريب: جمع الأعراب، وجآء في الشعر الفصيح الأعاريب، وقيل: ليس الأعراب جمعا لعرب كما كان الأنباط جمعا لنَبَط، وإنما العرب اسم جنس. والنسب إلى الأعراب: أعرابي، قال سيبويه: إنما قيل في النسب إلى الأعراب: أعرابي؛ لأنه لا واحد له على هذا المعنى، ألا ترى أنك تقول: العرب فلا يكون على هذا المعنى، فهذا يقويه. وعربي: بين العُرُوبة والعُرُوبية وهما من المصادر التي لا
стр. 1628
أفعال لها. وحكى الأزهري: رجل عربي إذا كان نسبه في العرب ثابتا، وإن لم يكن فصيحا، وجمعه العرب، كما يقال: رجل مجوسي، ويهودي، والجمع بحذف ياء النسبة لليهود، والمجوس. ورجل معرب إذا كان فصيحا، وإن كان عجمي النسب ورجل أعرابي بالألف إذا كان بدويا صاحب نُجْعة (١) وانتواء، وارتياد للكلاء، وتتبع لمساقط الغيث، سواء كان من العرب أو من مواليهم.
والأعرابي إذا قيل له ياعربي فرح بذلك وهَشَّ له، والعربي إذا قيل له يا أعرابي غضب له. فمن نزل البادية، أو جاور العبادتين، وظعن بظَعنهم، وانتوى با نتوائهم: فَهُم أعراب، ومن نزل بلاد الريف، واستوطن المدن والقرى العربية وغيرها ممن ينتمي إلى العرب: فهم عرب، وإن لم يكونوا فصحاء. اهـ كلام ابن منظور. ج ١ ص ٥٨٦.
(إلى النبي ﷺ ) متعلق بجاء (يسأله) الجملة صفة لأعرابي أو حال منه أي حال كونه سائلا (عن الوضوء) بضم الواو، أي عن كيفيته، ولأبي داود: فقال: يا رسول الله كيف الطهور؟ (فأراه) النبي ﷺ الوضوء (ثلاثا ثلاثا) مفعول مطلق، أو نعت لمصدر محذوف: أي توضأ توضؤًا ثلاثًا. وعند أبي داود، "فدعا بماء في إناء، فغسل كفيه ثلاثا، ثم غسل وجهه ثلاثا، ثم غسل ذراعيه ثلاثا، ثم مسح برأسه، فأدخل أصبعيه السباحتين في أذنيه، ومسح بإبهاميه على ظاهر أذنيه، وبالسباحتين باطن أذنيه، ثم غسل رجليه ثلاثا ثلاثا".
وقال السندي: قوله: فأراه ثلاثا أي غير المسح، فقد جاء في هذا الحديث أن المسح كان مرة في رواية سعيد بن منصور ذكره الحافظ ابن حجر. اهـ كلام السندي ج ١ ص ٨٨. (ثم قال) ﷺ للأعرابي السائل
стр. 1629
(هكذا) أي مثل ما رأيت (الوضوء) الكامل، وإنما بين له بالفعل؛ لأنه أبلغ، وأتم في الإرشاد (فمن زاد على هذا) الذي رأيته مني بأن زاد على عدد الغسلات، أو غسل عضوا غير الأعضاء المشروع غسلها. أو مسحه (فقد أساء) أي في مراعاة آداب الشرع (وتعدى) أي جاوز الحد (وظلم) نفسه بما نقصها من الثواب ووقع في رواية أبي داود: "فمن زاد على هذا، أو نقص فقد أساء وظلم".
فاستشكل زيادة لفظ "ونقص" لأن ذلك ينافي ما ثبت أنه ﷺ توضأ مرتين، مرتين، ومرة مرة، وأجمع العلماء من أهل الحديث، والفقه، على جواز الاقتصار على واحدة إذا عمت.
وأجيب بأن الظلم والإساءة في النقصان حيث إنه ظلم نفسه بما فوتها من الثواب الذي يحصل بالتثليث، وأساء إليها بتركه السنة لأن تارك السنة مسيء. أفاده الشوكان في النيل، قال: وأما الاعتداء في النقصان فمشكل فلابد من توجيهه إلى الزيادة، ولهذا لم يجتمع ذكر الاعتداء والنقصان في شيء من روايات الحديث اهـ كلام الشوكاني ج ١ ص ٢٦٠.
وقال في المنهل: قوله: "فمن زاد علي هذا أو نقص" الخ، أي من زاد علي فعله ﷺ كان زاد في الغسل على الثلاث، أو غسل عضوا غير الأعضاء المشروع غسلها، أو نقص عن ذلك الفعل، كأن اقتصر في الغسل على مرة أو مرتين، أو ترك عضوا من أعضاء الوضوء، أو بعضه فقد أساء إلى نفسه، وظلمها بمخالفة النبي ﷺ ، وبأنه أتْعَب نفسه فيما
زاد على الثلاثة من غير حصول ثواب له، وأتلف الماء بلا فائدة، وأما في النقص فقد أساء بترك الأكمل، وظلم نفسه بنقص ثوابها إذا نقص العدد، أو بعدم الاعتداد به إذا ترك عضوا من الأعضاء، أو بعضه، وإنما ذمه ﷺ إظهارا لشدة النكير عليه، وزجرا له.
стр. 1630
واستشكل نسبة الإساءة والظلم إلى من نقص عن الثلاث بأنه قد ثبت أنه ﷺ توضأ مرتين مرتين، ومرة مرة، وأجمع أئمة الحديث والفقه على جواز الاقتصار على واحدة إذا عمت.
وأجيب: بأنه ﷺ اقتصر على المرة والمرتين في بعض الأوقات لبيان الجواز، والثلاث هي الأكمل لمواظبته ﷺ عليها، والإساءة والظلم لمن اقتصر على المرة أو المرتين منظور فيها لمن فعل الثلاث، فهي نسبية، على أن رواة الحديث لم يتفقوا على ذكر النقص فيه، فقد اقتصر النسائي، وابن ماجه في روايتهما على قوله: "من زاد" فقط.
وذهب جماعة إلى تضعيف زيادة "أو نقص"، قال ابن حجر: عَدَّهُ مسلم في جملة ما أنكروه على عمرو بن شعيب؛ لأن ظاهره ذم النقص عن الثلاثة، والنقص عنها جائز فَعَلَهُ ﷺ كيف يعبر عنه بأساء. وقال ابن الموّاق: إن لم يكن اللفظ شكا من الراوي فهو من الأوهام البينة التي
لا خفاء لها، إذ الوضوء مرة ومرتين لا خلاف في جوازه. والآثار في ذلك صحيحة، والوهم فيه من أبي عوانة، وهو وإن كان من الثقات فإن الوهم لا يسلم منه بشر إلا من عصم. اهـ.
وقال العيني: "فقد أساء" أي في الأدب بتركه السنة والتأدب بآداب الشرع "وظلم" نفسه بما نقصها من الثواب بزيادة المرات في الوضوء. وقيل: معناه: زاد على الثلاث معتقدا أن السنة لا تحصل بالثلاث، أو نقص معتقدا أن الثلاث خلاف السنة، فإن قلت: كيف يكون ظالما في النقصان، وقد ورد في الأحاديث مرة ومرتين؟.
قلت: الجواب عن ذلك من ثلاثة أوجه: (الأول): أن المعنى يكون ظالما لنفسه في تركه الفضيلة والكمال، وإن كان يجوز مرة مرة، أو مرتين، مرتين. (والثاني): إنما يكون ظلما إذا اعتقد خلاف السنة في
стр. 1631
الثلاث (والثالث) أن هذا الحديث فيه مقال من جهة عمرو بن شعيب. اهـ
وقال الحافظ في التلخيص: يجوز أن تكون الإساءة، والظلم، وغيرهما مما ذكر مجموعا لمن نقص، ولمن زاد، ويجوز أن يكون على التوزيع، فالإساءة في النقص، والظلم في الزيادة، وهذا أشبه بالقواعد والأول أشبه بظاهر السياق. اهـ
وقال في المرقات: قال الإمام النسفي: هذا إذا زاد معتقدًا أن السنة هذا، فأما لو زاد لطمأنينة القلب عند الشك، أو نية وضوء آخر، فلا بأس؛ لأنه ﵊ أمر بترك ما يريبه إلى ما لا يريبه اهـ. (قلت) أما قوله: لطمأنينة القلب عند الشك ففيه أن الشك بعد التثليث لا وجه له، والعمل بمقتضاه يفتح بابا عظيما للوسوسة، ولهذا أخذ ابن المبارك بظاهره، فقال: لا آمن إذا زاد على الثلاث أن يأثم. وقال أحمد، وإسحاق: لا يزيد عليها إلا مبتلى -يعني مجنونا- لمظنة أنه بالزيادة يحتاط لدينه. وقال ابن حجر: ولقد شاهدنا من الموسوسين من يغسل يده فوق المئين، وهو مع ذلك يعتقد أن حدثه لم يرتفع. وأما قوله: أو بنية وضوء آخر، ففيه أنه لا يتصور التجديد إلا بعد تمام الوضوء لا في الأثناء وعلى فرض أن الشك وقع بعد تمام الوضوء، فلا يستحب التجديد قبل صلاة تؤدى بهذا الوضوء، وأما قوله: لأنه أمر بترك ما يريبه الخ ففيه أن غسل المرة الأخرى مما يريبه، فينبغي تركه إلى ما لا يريبه
وهو ما عينه الشارع ليتخلص عن الريبة، والوسوسة. اهـ المنهل ج ٢ ص ٧٤/ ٧٥.
قال الجامع عفا الله عنه: وفي قوله: "فلا يستحب التجديد قبل صلاة تؤدى" نظر؛ لأنه لا دليل عليه، بل الراجح جواز التجديد من دون أداء صلاة، لإطلاق النص، وقد تقدم البحث عنه في ب ١٠٠/ ح ١٣٠.
стр. 1632
وقال بعض المحققين: فيه -يعني قوله: "أو نقص" - حذف تقديره من نقص شيئا من غسلة واحدة بأن ترك لمعة في الوضوء مرة. ويؤيده ما رواه نعيم بن حماد بن معاوية من طريق المطلب بن حنطب مرفوعا: "الوضوء مرة مرة، وثلاثا، فإن نقص من واحدة، أو زاد على ثلاثة فقد أخطأ"، وهو مرسل لأن المطلب تابعي صغير، ورجاله ثقات، ففيه بيان ما أجمل في حديث عمرو بن شعيب. اهـ عون المعبود ج ١ ص ٢٢٩
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته: حديث الباب حديث صحيح.
المسألة الثانية: في بيان مواضعه عند المصنف: أخرجه المصنف هنا-١٠٥/ ١٤٠ وأخرجه في الكبرى ٦٤/ ١ عن أحمد بن سليمان الرهاوي، عن يعلي بن عبيد، عن سفيان بالسند المذكور.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه من أصحاب الأصول، وغيرهم.
أخرجه (د ق) فأخرجه (د) في الطهارة -٥١ - عن مسدد، عن أبي عوانة، عن موسى بن أبي عائشة، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه.
وأخرجه (ق) فيه عن علي بن محمَّد، عن يعلى بن عبيد، عن سفيان، عن موسى بن أبي عائشة، الخ. وأخرجه أحمد، والبيهقي، والطحاوي، وابن خزيمة في صحيحه، وصححه غيره. قاله في المنهل
ج ٢ ص ٧٦.
المسألة الرابعة: في فوائده:
منها: سؤال الشخص عما لا يعلمه من أمر دينه قال تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٢].
ومنها: أن التعليم يكون بالفعل، كما يكون بالقول، بل هو أبلغ منه.
стр. 1633
ومنها: التثليث في الوضوء.
ومنها: أنه يطلب من المتوضئ أن يتبع الوارد، فلا يزيد عليه، ولا ينقص منه، وأن من خرج عن الوارد عَرَّض نفسه للوقوع في الوبال والظلم، فينبغي للمسلم أن يتبع الوارد، ويحرص عليه.
المسألة الخامسة: في اختلاف العلماء في عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده. قال الحافظ في تهذيب التهذيب ج ٨ ص ٤٨: عمرو بن شعيب ابن محمَّد بن عبد الله بن عمرو بن العاص القرشي السهمي، أبو إبراهيم، ويقال: أبو عبد الله المدني، ويقال: الطائفي، وقال أبو حاتم: سكن مكة، وكان يخرج إلى الطائف.
روى عن أبيه، وجل روايته عنه، وعمته زينب بنت محمَّد، وزينب بنت أبي سلمة ربيبة النبي ﷺ ، والربيع بنت معوذ، وطاوس وسليمان ابن يسار، ومجاهد، وعطاء، والزهري، وسعيد المقبري، وعطاء بن سفيان الثقفي، وجماعة.
وعنه عطاء، وعمرو بن دينار، وهما أكبر منه، والزهري، ويحيى ابن سعيد، وهشام بن عروة، وثابت البناني، وعاصم الأحول، وقتادة ومكحول، وحميد الطويل، وإبراهيم بن ميسرة، وأيوب السختياني
وحريز بن عثمان، والزبير بن عدي، وأبو إسحاق الشيباني، وأبو الزبير المكي، ويحيى بن أبي كثير، ويزيد بن أبي حبيب، وغيرهم من التابعين ومنهم أيضا الأوزاعي، وابن جرير (١)، ومحمد بن إسحاق، وحسين المعلم، والحكم بن عتيبة، وابن عون، وداود بن أبي هند، وعمرو بن الحارث المصري، ومطر الوراق، ويزيد بن الهاد، وعبد الله بن طاوس ويزيد بن الحمصي، وحجاج بن أرْطَاة، وسليمان بن موسى،
стр. 1634
وعبد الرحمن بن حرملة، وعمارة بن غزية والمثنى بن الصباح، وابن لهيعة، وآخرون.
قال صدقة بن الفضل: سمعت يحيى بن سعيد القطان يقول: إذا روى عنه الثقات، فهو ثقة يحتج به. وقال علي بن المديني، عن يحي ابن سعيد حديثه عندنا واه. وقال علي عن ابن عيينة: حديثه عند الناس
فيه شيء. وقال أبو عمرو بن العلاء: كان يعاب على قتادة، وعمرو ابن شعيب أنهما كانا لا يسمعان شيئا إلا حدثا به. وقال الميموني: سمعت أحمد بن حنبل يقول: له أشياء مناكير، وإنما يكتب حديثه يعتبر
به، فأما أن يكون حجة فلا. وقال الأثرم عن أحمد: أنا أكتب حديثه، وربما احتججنا به، وربما وجس في القلب منه شيء، ومالك يروي عن رجل عنه. وقال أبو داود عن أحمد بن حنبل: أصحاب الحديث إذا شاءوا احتجوا بحديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، وإذا شاءوا تركوه، وقال البخاري: رأيت أحمد بن حنبل، وعلي بن المديني، وإسحاق بن راهويه، وأبا عبيدة، وعامة أصحابنا يحتجون بحديث عمرو ابن شعيب، عن أبيه، عن جده، ما تركه أحد من المسلمين، قال البخاري: مَن الناسُ بعدهم (١)؟ وقال إسحاق بن منصور، عن يحيى ابن معين: إذا حدث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، فهو كتاب ومن هنا جاء ضعفه، وإذا حدث عن سعيد بن المسيب، أو سليمان بن
يسار، أو عروة فهو ثقة عن هؤلاء. وقال الدوري، ومعاوية بن صالح عن ابن معين: ثقة. وقال أبو حاتم: سألت ابن معين فقال: ما أقول؟ روى عنه الأئمة. وقال ابن أبي خيثمة عن ابن معين: ليس بذاك. وقال
стр. 1635
أبو زرعة: روى عنه الثقات، وإنما أنكروا عليه كثرة روايته عن أبيه، عن جده، وقال: إنما سمع أحاديث يسيرة، وأخذ صحيفة كانت عنده، فرواها، وعامة المناكير تروى عنه إنما هى عن المثنى بن الصباح، وابن لهيعة، والضعفاء وهو ثقة في نفسه، إنما تكلم فيه بسبب كتاب عنده وما أقل ما نصيب عنه مما روى عن غير أبيه، عن جده من المنكر، وقال ابن أبي حاتم: سئل أبي عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، وبهز بن حكيم، عن أبيه، عن جده؟ فقال: عمرو أحب إلى، وقال محمَّد بن علي الجوزجاني: قلت لأحمد: عمرو سمع من أبيه شيئا؟ قال: يقول: حدثني أبي. قلت: فأبوه سمع من عبد الله بن عمرو؟ قال: نعم أراه قد سمع منه. وقال الآجري: قلت لأبي داود: عمرو ابن شعيب عندك حجة؟ قال: لا، ولا نصف حجة. وقال جرير: كان مغيرة لا يعبأ بصحيفة عبد الله بن عمرو. وقال الحسن بن سفيان عن إسحاق بن راهويه: إذا كان الرواي عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده ثقة فهو كأيوب، عن نافع، عن ابن عمر. وقال أيوب بن سويد، عن الأوزاعي: ما رأيت قرشيا أفضل، وفي رواية أكمل من عمرو بن شعيب. وقال العجلي، والنسائي: ثقة، وقال أبو جعفر أحمد بن سعيد الدارمي: عمرو بن شعيب ثقة، رَوَى عنه الذين نظروا في الرجال، مثل أيوب، والزهري، والحكم. واحتج أصحابنا بحديثه، وسمع أبوه من عبد الله بن عمرو، وعبد الله بن عُمر، وعبد الله بن عباس. وقال أبو بكر بن زياد النيسابوري: صح سماع عمرومن أبيه، وصح سماع شعيب من جده وقال أبو الحسن الدارقطني: لعمرو بن شعيب ثلاثة أجداد: الأدنى منهم محمَّد، والأوسط عبد الله، والأعلى عمرو، وقد سمع -يعني شعيب- من الأدنى محمَّد، ومحمد لم يدرك النبي ﷺ ،
وسمع من جده عبد الله، فإذا بينه، وكشفه، فهو صحيح حينئذ، ولم
стр. 1636
يترك حديثه أحد من الأئمة ولم يسمع من جده عمرو (١). وقال الدارقطني أيضا: قال النقاش: عمرو بن شعيب ليس من التابعين، وقد روى عنه عشرون من التابعين، قال الدارقطني: فتتبعتهم فوجدتهم أكثر من عشرين. قال المزي: كأن الدارقطني وافق النقاش على أنه ليس من التابعين، وليس كذلك فقد سمع من زينب بنت أبي سلمة، والرُّبيِّع بنت مُعَوِّذ، ولهما صحبة. وقال ابن عدي: روى عنه أئمة الناس وثقاتهم وجماعة من الضعفاء إلا أن أحاديثه عن أبيه عن جده مع احتمالهم إياه لم يدخلوها في صحاح ما أخرجوا، وقال هي صحيفة، قال خليفة وغيره: مات سنة ثماني عشرة ومائة.
قال الحافظ: قلت: عمرو بن شعيب ضعفه قوم مطلقا، ووثقه الجمهور، وضعفه بعضهم في روايته عن أبيه عن جده فحسب، ومن ضعفه مطلقا فمحمول على روايته عن أبيه عن جده، فأما رواياته عن أبيه فربما دلس ما في الصحيفة بلفظ عن، فإذا قال: حدثني أبي، فلا ريب في صحتها كما يقتضيه كلام أبي زرعة المتقدم، وأما رواية أبيه عن جده فإنما يعني بها الجد الأعلى عبد الله بن عمرو، لا محمد بن عبد الله، وقد صرح شعيب بسماعه من عبد الله في أماكن، وصح سماعه منه كما تقدم، وكما روى حماد بن سلمة عن ثابت البناني عن شعيب، قال قال: سمعت عبد الله بن عمرو، فذكر حديثا، أخرجه أبو داود من هذا الوجه، وفي رواية عمرو فمن ذلك رواية حسين المعلم، عن عمرو، عن أبيه، عن جده، قال: قال: "رأيت رسول الله ﷺ يصلي حافيًا ومنتعلًا" رواه أبو داود، وبهذا السند: "رأيت رسول الله ﷺ يشرب قائما وقاعدا" رواه الترمذي. وبه: "رأيت رسول الله ﷺ ينفتل عن
стр. 1637
يمينه وعن يساره في الصلاة"، رواه ابن ماجه. ومن ذلك هشام بن الغاز عن عمرو، عن أبيه، عن جده، قال: "أقبلنا مع رسول الله ﷺ من ثنية أذاخر" الحديث، رواه ابن ماجه، ومن ذلك محمَّد بن إسحاق، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: "سمعت رسول الله ﷺ يأمر بكلمات من الفزع" الحديث. رواه أبو داود والنسائي والترمذي، وغيرهم، وهذه قطعة من جملة أحاديث تصرح بأن الجد هو عبد الله بن عمرو، لكن هل سمع منه جميع ما روى عنه، أم سمع بعضها والباقي صحيفة؟ والثاني أظهر عندي، وهو الجامع لاختلاف الأقوال فيه، وعليه ينحط كلام الدارقطني، وأبي زرعة، وأما اشتراط بعضهم أن يكون الراوي عنه ثقة فهذا الشرط معتبر في جميع الرواة، لا يختص به عمرو، وأما قول ابن عدي: لم يدخلوها في صحاح ما خرّجوا فيرد عليه إخراج ابن خزيمة له في صحيحه، والبخاري في جزء القراءة خلف الإمام على سبيل الاحتجاج، وكذلك النسائي، وكتابه عند ابن عدي معدود في الصحاح، ولكن ابن عدي عَنَى غير (١) الصحيحين فيما أظن فليس فيهما لعمرو شيء.
وقد أنكر جماعة أن يكون شعيب سمع من عبد الله بن عمرو، وذلك مردود بما تقدم. ومن ذلك قال محمَّد بن عثمان بن أبي شيبة: سألت علي بن المديني عن عمرو بن شعيب؟ فقال: ما روى عنه أيوب، وابن جريج فذاك كله صحيح، وما روى عن أبيه عن جده فهو كتاب وَجَدَهُ فهو ضعيف. وقال ابن عدي: عمرو بن شعيب في نفسه ثقة إلا أنه إذا روى عن أبيه عن جده يكون مرسلا لأن جده محمدا لا صحبة له. وقال ابن حبان في الضعفاء إذا روى عمرو، عن طاوس، وسعيد بن المسيب، وغيرهما من الثقات فهو ثقة يجوز الاحتجاج به، وإذا روى عن أبيه عن
стр. 1638
جده فإن شعيبا لم يلق عبد الله فيكون منقطعا. وإن أراد بجده محمدًا فهو لا صحبة له فيكون مرسلا. والصواب أن يحول عمرو إلى كتاب الثقات، فأما المناكير في روايته فتترك. وقال الدارقطني لما حكى كلام ابن حبان: هذا خطأ، قد روى عبيد الله بن عمر العمري وهو من الأئمة عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، قال: كنت عند عبد الله بن عمرو فجآء رجل فاستفتاه في مسألة فقال لي يا شعيب امض معه إلى ابن عباس فذكر الحديث.
قال الحافظ: قلت: وقد أسند ذلك الدارقطني في السنن، قال: حدثنا أبو بكر بن زياد النيسابوري، ثنا محمَّد بن يحيى الذهلي، وغيره قالوا: ثنا محمَّد بن عبيد، ثنا عبيد الله بن عمر. ورواه الحاكم أيضا من هذا الوجه. وقال أبو بكر بن أبي خيثمة: سمعت هارون بن معروف، يقول: لم يسمع عمرو من أبيه شيئا إنما وجده في كتاب أبيه، قال ابن أبي خيثمة: قلت ليحيى بن معين: أليس قد سمع من أبيه؟ قال: بلى قلت إنهم ينكرون ذلك، فقال: قال أيوب: حدثني عمرو، فذكر أبًا عن أب إلى جده قد سمع من أبيه، ولكنهم قالوا حين مات عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده إنما هذا كتاب.
قال الحافظ: يشير ابن معين بذلك إلى حديث إسماعيل بن علية، عن أيوب: حدثني عمرو بن شعيب، حدثني أبي، عن أبيه، حتى ذكر عبد الله بن عمرو فذكر حديث "لا يحل سلف وبيع" أخرجه أبو داود، والترمذي من رواية ابن علية، عن أيوب. ورواه النسائي من حديث ابن طاوس، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن أبيه محمَّد بن عبد الله ابن عمرو، وقال مرة عن أبيه، وقال مرة عن جده في النهي عن لحوم الحمر الأهلية، ولم يأت التصريح بذكر محمَّد بن عبد الله بن عمرو في حديث إلا في هذين الحديثين فيما وقفت عليه، وذلك نادر، لا تعويل
стр. 1639
عليه، ولكن استدل ابن معين بذلك على صحة سماع عمرو من أبيه في الجملة. وقال ابن شاهين في الثقات: قال أحمد بن صالح، يعني المصري: عمرو سمع من أبيه عن جده وكله سماع، عمرو يثبت أحاديثه مقام التثبت. وقال الساجي: قال ابن معين: هو ثقة في نفسه وما روى عن أبيه عن جده لا حجة فيه، وليس بمتصل، وهو ضعيف من قبيل أنه مرسل، وَجَدَ شُعَيْبٌ عبد الله بن عمرو فكان يرويها عن جده إرسالا، وهي صحاح عن عبد الله بن عمرو غير أنه لم يسمعها.
قال الحافظ: فإذا شهد له ابن معين أن أحاديثه صحاح غير أنه لم يسمعها وصح سماعه لبعضها فغاية الباقي أن يكون وجادة صحيحة وهو أحد وجوه التحمل. والله أعلم. وقال يعقوب بن شيبة: ما رأيت أحدا من أصحابنا ممن ينظر في الحديث، وينتقي الرجال يقول في عمرو بن شعيب شيئا، وحديثه عندهم صحيح، وهو ثقة ثبت، والأحاديث التي أنكروا من حديثه إنما هي لقوم ضعفاء رووها عنه، وما روى عنه الثقات فصحيح، قال: وسمعت علي بن المديني يقول: قد سمع أبوه شعيب من جده عبد الله بن عمرو، وقال علي بن المديني: وعمرو بن شعيب عندنا ثقة، وكتابه صحيح. وقال الشافعي فيما أسنده البيهقي في المعرفة عنه يخاطب الحنفية حيث احتجوا عليه بحديث لعمرو بن شعيب: عمرو بن شعيب قد روى أحكامًا توافق أقاويلنا، وتخالف أقاويلكم عن الثقات فرددتموها، ونسبتموه إلى الغلط، فأنتم محجوجون إن كان ممن ثبت حديثه فأحاديثه التي وافقناها، وخالفتموها، أو أكثرها، وهي نحو ثلاثين حكمًا حجة عليكم، وإلا فلا تحتجوا به، ولا سيما إن كانت الرواية عنه لم تثبت. وقال الذهبي: كان أحد علماء زمانه قيل: إن محمدًا والد شعيب مات في حياة أبيه فرباه جده. اهـ تهذيب التهذيب ج ٨/ ص ٤٨، ٥٥.
стр. 1640
قال الجامع عفا الله عنه: قال الذهبي بعد نقل كلام ابن حبان المتقدم ما نصه: قلت: قد أجبنا عن روايته عن أبيه عن جده بأنها ليست بمرسلة ولا منقطعة. أما كونها وجادة، أو بعضها سماع وبعضها وجادة فهذا محل نظر. ولسنا نقول: إن حديثه من أعلى أقسام الصحيح، بل هو من قبيل الحسن. اهـ كلام الذهبي في ميزان الاعتدال ج ٣ ص ٢٦٨.
وقال في سير أعلام النبلاء ج ٥ ص ١٧٥ بعد ذكر أن ابن حبان تحير وتردد في عمرو بن شعيب، فذكره في كتاب الضعفاء ثم أداه اجتهاده فقال: والصواب في عمرو بن شعيب أن يحول من هنا إلى كتاب الثقات لأن عدالته قد تقدمت، فأما المناكير في حديثه إذا كانت في روايته عن أبيه عن جده فحكمه حكم الثقات إذا رووا المقاطيع، والمراسيل بأن يترك من حديثهم المرسل والمقطوع، ويحتج بالخبر الصحيح.
قال الذهبي: فهذا يوضح لك أن الآخر من الأمرين عند ابن حبان أن عَمْرًا ثقة في نفسه، وأن روايته عن أبيه عن جده، إما منقطعة، أو مرسلة، ولا ريب أن بعضها من قبيل المسند المتصل، وبعضها يجوز أن تكون روايته وجادة أو سماعا فهذا محل نظر واحتمال، ولسنا ممن نعد نسخة عَمرو، عن أبيه، عن جده، من أقسام الصحيح الذي لا نزاع فيه من أجل الوجادة، ومن أجل أن فيها مناكير، فينبغي أن يتأمل حديثه ويتحايد ما جاء منه منكرا، ويُروى ما عدا ذلك في السنن والأحكام محسنين لإسناده، فقد احتج به أئمة كبار، ووثقوه في الجملة، وتوقف فيه آخرون قليلا، وما علمت أحدا تركه. اهـ كلام الذهبي في سيره.
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الكلام نفيس جدًا، جامع لأشتات الآراء والأقوال التي طال فيها النزاع والخصام، فنقول: حديثه حسن يحتج به، كما يحتج بالصحيح ولا نقول هو صحيح بحت، والله أعلم.
стр. 1641
١٠٦ - الأمرُ بِإسْبَاغِ الوُضُوءِ
أي هذا باب ذكر الأحاديث الدالة على الأمر بإسباغ الوضوء.
والأمر هنا معناه الطلب. قال في المصباح: الأمر بمعنى الحال، جمعه أمور، وعليه قوله تعالى: ﴿وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾ [هود: ٩٧﴾ والأمر بمعنى الطلب، جمعه أوامر، فرقا بينهما. وجمعُ الأمر: أوامرُ هكذا يتكلم به الناس، ومن الأئمة من يصححه ويقول في تأويله: إن الأمر مأمور به، ثم حول المفعول إلى فاعل، كما قيل أمر عارف، وأصله معروف، وعيشة راضية، والأصل مرضية إلى غير ذلك، ثم جمع
فاعل على فواعل، فأوامر جمع مأمور.
وإذا أمرت من هذا الفعل، ولم يتقدمه حرف عطف حذفت الهمزة على غير قياس، وقلت: مُرْه بكذا، ونظيره كُلْ وخُذْ، وإن تقدمه حرف عطف فالمشهور رد الهمزة على القياس، فيقال: وامُرْ بكذا، ولا يعرف في كل وخُذ إلا التخفيف مطلقا، وفي أمرته لغتان: المشهور في الاستعمال قصر الهمزة، والثانية مدها، قال أبو عبيد: وهما لغتان جيدتان. اهـ المصباح ج ١/ ص ٢١.
وإلى حذف همزة الأفعال الثلاثة في الأمر أشار ابن مالك في لاميته فقال (من البسيط):
وَشَذَّ بالحَذْف مُرْ وَخُذْ وكُلْ وَفَشَا … وَامُرْ وَمُسْتَنْدَرٌ تَتْميمُ خُذْ وَكُلَا
والإسباغ: المبالغة والإتمام. قال ابن منظور: شيء سابغ أي كامل وَاف، وسَبَغَ الشيءُ يسبُغ سُبُوغا: طال إلى الأرض، واتسع، وأسبغه هو، وسبغ الشَّعْر، سبوغا، وسبغت الدرع، وكل شيء طال إلى الأرض، فهو سابغ، وقد أسبغ فلان ثوبه، أي أوسعه، وسبغت النعمة تسبغ بالضم سبوغا: اتسعت، وإسباغ الوضوء: المبالغة فيه وإتمامه. اهـ
стр. 1642
كلام ابن منظور في اللسان ج ٨ ص ٤٣٢، ٤٣٣، وبابه قَعَد كما في المصباح.
ثم إن الإسباغ يكون من حيثُ الكَمُّ، ومن حيث الكيفُ: فأما الكم فأن يبالغ في عدد الغسلات بأن يغسل الأعضاء ثلاثا ثلاثا، وأما الكيف فأن يبالغ في صفة الغسل بأن يعمم محل الفرض ويتجاوزه، فيطيل الغرة والتحجيل، والأمر على كليهما للندب.
١٤٢ - أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ حَبِيبِ بْنِ عَرَبِيٍّ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، حَدَّثَنَا أَبُو جَهْضَمٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: كُنَّا جُلُوسًا إِلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ، فَقَالَ: وَاللهِ مَا خَصَّنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ بِشَيْءٍ دُونَ النَّاسِ إِلاَّ بِثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ: فَإِنَّهُ أَمَرَنَا أَنْ نُسْبِغَ الْوُضُوءَ، وَلَا نَأْكُلَ الصَّدَقَةَ، وَلَا نُنْزِىَ الْحُمُرَ عَلَى الْخَيْلِ.
رجال الإسناد: خمسة
١ - (يحيى بن حبيب بن عربي) البصري، ثقة، من العاشرة، مات سنة ٢٤٨ وقيل بعدها (م ٤) تقدم في ٦٠/ ٧٥
٢ - (حماد) بن زيد بن درهم الجهضمي، أبو إسماعيل البصري الثقة تقدم في ٣/ ٣.
٣ - (أبو جهضم) موسى بن سالم مولى آل العباس البصري، صدوق من السادسة (٤) قال أحمد: ليس به بأس قيل له: ثقة؟ قال: نعم ووثقه ابن معين، وأبو زرعة، وقال أبو حاتم: صالح الحديث، وصدوق
стр. 1643
وذكره ابن حبان في الثقات، وقال ابن عبد البر: لم يختلفوا في أنه ثقة.
٤ - (عبد الله بن عبيد الله بن عباس) بن عبد المطلب بن هاشم الهاشمي المدني. روى عن أبيه، وعمه. وعنه أبو جهضم موسى بن سالم، ويحيى بن سعيد الأنصاري. قال أبو زرعة والنسائي: ثقة. وقال ابن سعد: كان ثقة، وله أحاديث. وذكره ابن حبان في الثقات. روى له الأربعة حديث الباب فقط، وفي "ت": ثقة من الرابعة.
٥ - (عبد الله بن عباس) البحر الحبر أحد العبادلة وأحد المكثرين، ﵁. تقدم في ٢٧/ ٣١.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من خماسيات المصنف.
ومنها: أن رواته ثقات، إلا أبا جهضم فهو صدوق.
ومنها: أنهم بصريون، إلا عبد الله بن عبيد الله فمدني.
ومنها: أن صحابيه هو أحد العبادلة الأربعة، وأحد المكثرين السبعة، روى -١٦٩٦ - حديثا، وقد تقدم غير مرة.
ومنها: أن شيخه ممن أخرج له (م ٤) وأبا جهضم وعبد الله من رجال الأربعة، وحمادا وابن عباس من رجال الجماعة.
شرح الحديث
(عن عبد الله بن عبيد الله بن عباس) الهاشمي المدني (قال: كنا جلوسا) جمع جالس (إلى عبد الله بن عباس) أي عنده، وللمصنف في كتاب الخيل، قال: كنت عند ابن عباس.
ولأبي داود: "دخلت على ابن عباس في شباب من بني هاشم" (فقال) ابن عباس بعد أن سألوه عن قراءة رسول الله ﷺ في الظهر والعصر، ففي هذه الرواية اختصار يبينه ما عند المصنف في الخيل، وأبي داود في الصلاة، ولفظ الصنف قال "كنت عند ابن عباس، فسأله رجل، ولفظ أبي داود "دخلت على ابن عباس في شباب من بني هاشم،
стр. 1644
فقلنا لشاب منا: سل ابن عباس، أكان رسول الله ﷺ يقرأ، في الظهر والعصر؟ فقال: لا، فقيل له لعله كان يقرأ في نفسه، قال: خمشا (١) هذه أشد من الأولى، إن رسول الله ﷺ عبد أمره الله تعالى بأمره فبلغه (والله ما) نافية (خصنا رسول الله ﷺ بشيء دون الناس إلا بثلاثة أشياء) لعل ابن عباس ﵁ فهم من حال السائل أنه ﷺ كان يخص آل البيت ببعض المسائل الدينية، فقال: ذلك. قاله في المنهل ج ٥ ص ٢٣١ (فإنه) ﷺ (أمرنا أن نسبغ الوضوء) أي نتمه، ولا نترك شيئا من فروضه، وسننه (ولا نأكل) بالنصب عطفا على نسبغ (الصدقة) أي وخصنا بمنع أكل الصدقة، وفي صحيح مسلم عن عبد المطلب بن ربيعة مرفوعا "إن هذه الصدقة إنما هى أوساخ الناس، وإنها لا تحل لمحمد ولا لآل محمَّد"، وروى الطبراني مرفوعا "إنه لا يحل لكم أهلَ البيت من الصدقات شيء، وإنما هي أوساخ الأيدي، وإن لكم من خمس الخمس ما يغنيكم". قاله في المنهل ج ٥ ص٣٢١.
وهل الصدقة هي الزكاة أم تشمل التطوع؟ فيه خلاف للعلماء وسيأتي تحقيقه، إن شاء الله تعالى.
(ولا ننزى الحمر على الخيل) أي لا نحمله عليها للنسل، قال الفيومي: نزا الفحلُ نَزْوًا من باب قتل، ونَزَوَانا -أي بالتحريك- وثب والاسم: النُّزَاء مثل كتاب، وغُراب، يقال ذلك في الحافر، والظلف،
والسباع، ويتعدى بالهمزة والتضعيف، فيقال: أنزاه صاحبه، وَنزَّاه تنزية. اهـ المصباح.
стр. 1645
ثم إنه استشكل اختصاص آل البيت بالأمر بإسباغ الوضوء، وبالنهي عن إنزاء الحمر على الخيل، والناس كلهم في ذلك سواء. وأجيب بأن الإسباغ في حقهم للوجوب وفي حق غيرهم للندب، وبأن النهي عن إنزاء الحمر على الخيل في حقهم للتحريم، وفي حق غيرهم للكراهة، وإنما شدد عليهم لمزيد شرفهم، ولأنه يُقْتَدَى بهم.
والحكمة في النهي عن ذلك كما قال الخطابي: أن الحمر إذا حملت على الخيل قل عددها، وانقطع نماؤها، وتعطلت منافعها، والخيل يحتاج إليها للركوب والركض، والجهاد، وإحراز الغنائم، وغير ذلك من المنافع، وليس للبغال شيء من هذه، فأحب أن يكثر نسلها ليكثر الانتفاع بها. اهـ. كلام الخطابي. ونقله في المنهل ج ٥ ص ٢٣١.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته: حديث ابن عباس حديث صحيح.
المسألة الثانية: في ذكر مواضعه عند النسائي: أخرجه النسائي في موضعين: هنا بالسند المذكور، وفي الخيل -١٠/ ٢ - عن حميد بن مسعدة، عن حماد، عن أبي جهضم، الخ.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه من أصحاب الأصول وغيرهم:
أخرجة (د ت ق) فأما (د) فأخرجه في الصلاة -١٣٢/ ٤ - عن مسدد، عن عبد الوارث، عن أبي جهضم موسى بن سالم، عن عبد الله بن عبيد الله بن عباس ﵁. وأما (ت) فأخرجه في الجهاد -٤٩ - عن أبي كريب، عن إسماعيل بن إبراهيم، عن أبي جهضم به. وقال: حسن صحيح، وقد روى الثوري عن أبي جهضم هذا، فقال: عن عبيد الله بن عبد الله. وسمعت محمدا يقول: حديث الثوري غيرمحفوظ- وهم فيه الثوري.
стр. 1646
وأما (ق) فأخرجه في الطهارة -٤٩/ ١ - عن أحمد بن عبدة الضبي، عن حماد بن زيد، عن أبي جهضم به. قال أبو الحجاج المزي: رواه حماد بن سلمة، عن أبي جهضم مثل رواية الثوري، وكذلك رواه محمَّد بن عيسى بن الطباع وغيره، عن حماد بن زيد. اهـ تحفة الأشراف ج ٥ ص ٤٢. وأخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار بدون قوله: وما اختصنا. قاله في المنهل ج ٥ ص ٢٣٢.
المسألة الرابعة: في فوائده:
فها: الأمر بإسباغ الوضوء، والمراد به الإنقاء كما فسره به ابن عمر عند البخاري، واستكمال الأعضاء والحرص على أن يتوضأ وُضُوءًا يصح عند الجميع، وغسل كل عضو ثلاث مرات، هكذا قيل.
قال الشوكاني: فإذا كان التثليث مأخوذا في مفهوم الإسباغ فليس بواجب لحديث أنه ﷺ توضأ مرة ومرتين، وإن كان مجرد الإنقاء والاستكمال فلا نزاع في وجوبه. اهـ كلام الشوكاني ج ١ ص ٢٢٠.
وتقدم البحث عنه في باب -٧٢ -
قال الجامع عفا الله عنه:
لكن اختصاص أهل البيت بالأمر به يدل على استحبابه لغيرهم، وعلى أن المقصود بالإسباغ هو الأمر الزائد على القدر المفروض، من التثليث، وإطالة الغرة والتحجيل، وإلا فإكمال محل الفرض لا يخص
أهل البيت فقط.
وقال السندي: عند قوله "أمرنا": أي أمر إيجاب، أو ندب مؤكد، وإلا فمطلق الندب عام، والوجه العمل على الندب المؤكد إذ لم يقل أحد بوجوب الإسباغ في حق الموجودين من أهل البيت إلا أن يقال: كان الأمر مَخْصُوصًا في حق الموجودين في وقته ﷺ اهـ كلام السندي ج ٦ ص ٢٢٥.
стр. 1647
قال الجامع عفا الله عنه:
وفي كلامه نظر لا يخفى، بل الظاهر أنه للوجوب عليهم مطلقًا.
ومنها: تحريم أكل الصدقة عليهم، والظاهر أنه على الإطلاق، وسيأتي اختلاف العلماء فيه قريبا إن شاء الله تعالى.
ومنها: تحريم إنزاء الحمر على الخيل عليهم، وسيأتي أقوال العلماء في حق غيرهم إن شاء الله تعالى.
المسألة الخامسة: في مذاهب العلماء في أهل البيت الذين تحرم عليهم الصدقة، من هم؟ وما هي الصدقة التي تحرم عليهم؟
اختلف العلماء في المراد بآل البيت هنا، فقال الشافعي وجماعة إنهم بنو هاشم وبنو المطلب. واستدلوا بأن النبي ﷺ أشرك بني المطلب مع بني هاشم في سهم ذوي القربى، ولم يعط أحدا من قبائل قريش غيرهم، وتلك العطية عوض عوضوه بدلا عما حرموه من الصدقة كما أخرج
البخاري من حديث جبير بن مطعم قال: مشيت أنا وعثمان بن عفان إلى النبي ﷺ فقلنا: يا رسول الله أعطيت بني المطلب من خمس خيبر، وتركتنا ونحن وهم بمنزلة واحدة، فقال رسول الله ﷺ : " إنما بنو المطلب وبنو هاشم شيء واحد". وأجيب عن ذلك بأنه إنما أعطاهم ذلك لموالاتهم لا عوضا عن الصدقة. وقال أبو حنيفة ومالك والهادوية: هم بنو هاشم فقط، وعن أحمد في بني المطلب روايتان، وعن المالكية فيما بين هاشم وغالب بن فهو قولان: فعن أصبغ منهم: هم بنو قصي، وعن غيره بنو غالب بن فهو كذا في الفتح. والمراد ببني هاشم آل علي، وآل عقيل، وآل جعفر، وآل العباس، وآل الحارث، ولم يدخل في ذلك آل أبي لهب، لما
قيل من أنه لم يسلم أحد منهم في حياته ﷺ ، ويرده ما في جامع الأصول
أنه أسلم عتبة، ومعتب ابنا أبي لهب عام الفتح، وسُرَّ رسول الله ﷺ -
стр. 1648
بإسلامهما، ودعا لهما، وشهدا معه حنينا والطائف، ولهما عقب عند أهل النسب.
قال ابن قدامة: لا نعلم خلافا في أن بني هاشم لا تحل لهم الصدقة المفروضة، وكذا قال أبو طالب من أهل البيت، وحكى ذلك عنه في البحر، وكذا حكى الإجماع ابن رسلان، وقد نقل الطبري الجواز عن أبي حنيفة، وقيل عنه تجوز لهم إذا حرموا سهم ذوي القربي حكاه الطحاوي، ونقله بعض المالكية عن الأبهري منهم، قال في الفتح: وهو وجه لبعض الشافعية، وحكي فيه أيضا عن أبي يوسف أنها تحل من بعضهم لبعض لا من غيرهم، وحكاه في البحر عن زيد بن علي، والمرتضى، وأبي العباس، والإمامية، وحكاه في الشفاء عن ابن الهادي والقاسم العياني. قال الحافظ وعند المالكية في ذلك أربعة أقوال مشهورة: الجواز، والمنع، وجواز التطوع دون الفرض، عكسه. والأحاديث الدالة على التحريم على العموم ترد على الجميع. وقد قيل: إنها متواترة تواترا معنويا، ويؤيد ذلك قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ [الشورى: ٢٣]، وقوله: ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ﴾ [ص: ٨٦] ولو أحلها لآله أو شك أن يطعنوا فيه، ولقوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة: ١٠٣]، وثبت عنه ﷺ أن الصدقة أوساخ الناس كما رواه مسلم. قاله الشوكاني في النيل ج ٥ ص ٢٢٦، ٢٢٨.
وأما نوع الصدقة التي تحرم عليهم فظاهر النصوص العموم.
قال الشوكاني: واعلم أن ظاهر قوله: "لا تحل لنا الصدقة" عدم حل صدقة الفرض والتطوع، وقد نقل جماعة منهم الخطابي الإجماع على تحريمهما عليه ﷺ ، وتعقب بأنه قد حكى غير واحد عن الشافعي في
стр. 1649
التطوع قولا، وكذا في رواية عن أحمد، وقال ابن قدامة: ليس ما نقل عنه من ذلك بواضح الدلالة.
وأما آل النبي ﷺ فقال أكثر الحنفية وهو المصحح عند الشافعية والحنابلة
وكئير من الزيدية: إنها تجوز لهم صدقة التطوع دون الفرض، قالوا: لأن المحرم عليهم إنما هي أوساخ الناس، وذلك هو الزكاة لا صدقة التطوع، وقال في البحر: إنه خصصَ صدقةَ التطوع القياسُ على الهبة والهدية والوقف، وقال أبو يوسف وأبو العباس: إنها تحرم عليهم كصدقة الفرض؛ لأن الدليل لم يفصل اهـ. نيل الأوطار ج ٥ ص ٢٢٩.
قال الجامع عفا الله عنه:
وقول من عمم هو الراجح عندي لظهور دليله، والله أعلم. وسيأتي مزيد بسط للمسالة في محلها من كتاب الزكاة، إن شاء الله تعالى.
المسألة السادسة: في حكم إنزاء الحمر على الخيل واختلاف أهل العلم في ذلك: قال الحافظ أبو جعفر الطحاوي ﵀ في شرح معاني الآثار بعد ذكر حديث ابن عباس المذكور في الباب، وحديث علي ﵁ قال: "أهديت لرسول الله ﷺ بغلة فركبها، فقال علي: لو حملنا
الحمير على الخيل، فكانت لنا مثل هذه، قال رسول الله ﷺ : "إنما يفعل
ذلك الذين لا يعلمون" ورواه أبو داود أيضا، قال الطحاوي ما لفظه: ذهب قوم إلى هذا فكرهوا إنزاء الحمر على الخيل، وحرموا ذلك ومنعوا منه، واحتجوا بهذه الآثار، وخالفهم في ذلك آخرون، فلم يروا بذلك بأسا، وكان من الحجة لهم في ذلك أن ذلك لو كان مكروها لكان ركوب البغال مكروهًا؛ لأنه لولا رغبة الناس في البغال وركوبهم إياها لَمَا أنزئت الحمر على الخيل، ألا ترى أنه لما نهى عن خصاء بني آدم كره بذلك الخصيان، لأن في اتخاذهم ما يحمل من تحضيضهم على إخصائهم
стр. 1650
لأن الناس إذا تحاموا اتخاذهم لم يرغب أهل الفسق في إخصائهم، ثم ذكر بسنده عن العلاء بن عيسى الذهبي أنه قال: أتي عمر بن عبد العزيز بخصي فكره أن يبتاعه، وقال: ما كنت لأعين على الخصاء، فكل شيء في ترك كسبه ترك لبعض أهل المعاصي لمعصيتهم فلا ينبغي كسبه، فلما أجمع على إباحة اتخاذ البغال وركوبها دل ذلك على أن النهي الذي في الأثر الأول لم يرد به التحريم ولكنه أريد به معنى آخر، ثم ذكر أحاديث ركوبه ﷺ على البغال، ثم قال: فإن قال قائل: فما معنى قول النبي ﷺ : "إنما يفعل ذلك الذين لا يعلمون"، قيل له: قد قال أهل العلم في ذلك: معناه أن الخيل قد جاء في ارتباطها واكتسابها وعلفها الأجر، ليس ذلك في البغال، فقال النبي ﷺ : "إنما ينزو فَرَسٌ على فرس حتى يكون عنهما ما فيه الأجر، ويَحمِل حمارا على فرس فيكون عنهما بغل لا أجر فيه الذين لا يعلمون، أي لأنهم يتركون بذلك إنتاج ما في ارتباطه الأجر وينتجون ما لا أجر في ارتباطه، ثم ذكر أحاديث فضل ارتباط الخيل، ثم
قال: فإن قال قائل: فما معنى اختصاص النبي ﷺ بني هاشم بالنهي عن
إنزاء الحمير على الخيل؟ قيل له: لما حدثنا ابن أبي داود قال: حدثنا أبو عمر الحوضي، قال: حدثنا المرَجَّا هو ابن رجاء، قال: حدثنا أبو جهضم، قال: حدثني عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس، قال: ما اختصنا رسول الله ﷺ إلا بثلاث: "أن لا نأكل الصدقة وأن نسبغ الوضوء وأن لا ننزي حمارا على فرس"، قال عبد الله بن الحسن وهو يطوف بالبيت فحدثته، فقال: صدق، كانت الخيل قليلة في بني هاشم، فأحب أن تكثر فيهم، فبين عبد الله بن الحسن بتفسيره هذا المعنى الذي له اختص رسول الله ﷺ بني هاشم أن لا تنزوا الحمار على فرس، وأنه لم يكن للتحريم، وإنما كانت العلة قلة الخيل فيهم، فإذا ارتفعت تلك العلة وكثرت الخيل في أيديهم صاروا في ذلك كغيرهم. وفي اختصاص النبي ﷺ إياهم بالنهي