ثم تُطلق البيعة عَلَى المبايعة، والطاعة، وهو المراد هنا.
قَالَ فِي "الفتح": المبايعة: عبارة عن المعاهدة، سُمّيت بذلك تشبيها لها بالمعاوضة الماليّة، كما فِي قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ الآية [التوبة: ١١١] انتهى (١).
وَقَالَ فِي "النهاية": ما معناه: المبايعة عَلَى الإِسلام: عبارة عن المعاقدة عليه، والمعاهدة، كأن كلّ واحد منهما باع ما عنده منْ صاحبه، وأعطاه خالصة نفسه، وطاعته، ودَخِيلةَ أمره. انتهى (٢).
وَقَالَ القاضي عياض رحمه الله تعالى: ما حاصله: اختُلف فِي اشتقاق البيعة، فقيل: أصله منْ البيع؛ لأن المتبايعين يمُدّ كلّ واحد منهما يده إلى صاحبه، ولما كان الأمراء عند التوثيق بمن يأخذون عليه العهد، يأخذون بيده، شُبّه بذلك، فسُمّيت مبايعة. وقيل: بل كانوا يضربون بأيدي بعضهم عَلَى بعض عند التبايع، ولهذا سمّيت صفقةً؛ لصفق الأيدي عندها، فسُمّيت بها. وقيل: بل سُمّيت مبايعة؛ لما فيها منْ المعاوضة، تشبيهًا بالبيع أيضاً؛ لما وعدهم الله منْ الجزاء، والثواب عَلَى الإِسلام، وطاعة الرسول صلّى الله تعالى عليه وسلم، قَالَ الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ الآية [التوبة: ١١١] انتهى كلام القاضي عياض رحمه الله تعالى (٣).
وَقَالَ أبو العبّاس القرطبيّ رحمه الله تعالى: البيعة مأخوذة منْ البيع، وذلك أن المبايع للإمام يلتزم أن يقيه بنفسه وماله، فكأنه قد بذل نفسه، وماله لله تعالى، وقد وعده الله تعالى عَلَى ذلك بالجنّة، فكأنه قد حصلت له المعاوضة، فصدق عَلَى ذلك اسم البيع، والمبايعة، والشراء، كما قَالَ تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ إلى أن قَالَ: ﴿فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ﴾ [التوبة: ١١١]. وعلى نحو منْ هذا قَالَ النبيّ صلّى الله تعالى عليه وسلم لصهيب: "ربِحَ البيع أبا يحيى" (٤). وكانت قريش تبعته لتردّه عن هجرته، فبذل لهم ماله فِي تخليص نفسه ابتغاء ثواب الله تعالى، فسمّاه النبيّ صلّى الله تعالى عليه وسلم بيعًا، وهذا أحسن ما قيل فِي المبايعة.
ثم هي واجبة عَلَى كلّ مسلم؛ لقوله صلّى الله تعالى عليه وسلم: "منْ مات وليس
стр. 15857
فِي عنقه بيعة، مات ميتةً جاهليّة. رواه مسلم. غير أنه منْ كان منْ أهل الحلّ والعقد، والشهرة، فبيعته بالقول، والمباشرة باليد، إن كان حاضرًا، أو بالقول والإشهاد عليه، إن كان غائبًا، ويكفي منْ لا يؤبه له، ولا يُعرف أن يعتقد دحوله تحت طاعة الإِمام، ويسمع، ويُطيع له فِي السرّ والجهر، ولا يعتقد خلاف ذلك، فإن أضمره، فمات مات ميِتَةً جاهلية؛ لأنه لم يجعل فِي عنقه بيعة. انتهى كلام القرطبيّ رحمه الله تعالى (١).
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: قوله: واجبة عَلَى كلّ مسلم الخ" هذا إذا كان للمسلمين إمام، أما إذا لم يكن لهم إمام، وكانوا فوضَى، فلا وجوب؛ لحديث حذيفة رضي الله تعالى عنه المتّفق عليه، واللفظ للبخاريّ، قَالَ: كان الناس يسألون رسول الله ﷺ عن الخير، وكنت أسأله عن الشر، مخافة أن يُدركني، فقلت: يا رسول الله ﷺ ، إنا كنا فِي جاهلية وشر، فجاءنا الله بهذا الخير، فهل بعد هذا الخير منْ شر؟، قَالَ: "نعم" قلت: وهل بعد ذلك الشر منْ خير؟ قَالَ: "نعم، وفيه دَخَنٌ"، قلت: وما دخنه؟ قَالَ: "قوم يَهدُون بغير هديي، تعرف منهم وتنكر" قلت: فهل بعد ذلك الخير منْ شر؟ قَالَ: "نعم دُعاة إلى أبواب جهنم، منْ أجابهم إليها، قذفوه فيها"، قلت: يا رسول الله، صِفْهم لنا، فقال: "هم منْ جِلْدَتنا، ويتكلمون بألسنتنا"، قلت: فما تأمرني إن أدركني ذلك؟ قَالَ: "تلزم جماعة المسلمين، وإمامهم" قلت: فإن لم يكن لهم جماعة، ولا إمام؟ قَالَ: "فاعتزل تلك الفرق كلها, ولو أن تَعَضّ بأصل شجرة، حتى يُدركك الموت، وأنت عَلَى ذلك".
فهذا الحديث صريح فِي أن وجوب لزوم الجماعة إنما يكون إذا وُجدت الجماعة، وكان لها إمام، وأما إذا لم يكن كذلك، فالواجب اعتزال الفرق كلها، فرارًا بدينه، كما أمره به النبيّ صلّى الله تعالى عليه وسلم. والله تعالى أعلم بالصواب.
١ - (الْبَيْعَةِ عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ)
٤١٥١ - (أَخْبَرَنَا الإِمَامُ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ النَّسَائِيُّ، مِنْ لَفْظِهِ، قَالَ: أَنْبَأَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الْوَلِيدِ بْنِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، قَالَ: بَايَعْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلَى السَّمْعِ، وَالطَّاعَةِ، فِي الْيُسْرِ وَالْعُسْرِ، وَالْمَنْشَطِ وَالْمَكْرَهِ، وَأَنْ لَا نُنَازِعَ الأَمْرَ أَهْلَهُ، وَأَنْ نَقُومَ بِالْحَقِّ حَيْثُ كُنَّا لَا نَخَافُ لَوْمَةَ لَائِمٍ").
стр. 15858
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (قتيبة) بن سعيد الثقفيّ، أبو رجاء البغلاني، ثقة ثبت [١٠] ١/ ١.
٢ - (الليث) بن سعد، أبو الحارث الفهميّ المصريّ، ثقة ثبت إمام [٧] ٣١/ ٣٥.
٣ - (يحيى بن سعيد) بن قيس الأنصاريّ، أبو سعيد المدنيّ القاضي، ثقة ثبت [٥] ٢٢/ ٢٣.
٤ - (عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت) الأنصاريّ المدنيّ، ويقال له: عبد الله، ثقة [٤] ٥٣/ ٣٤٩٨.
٥ - (عبادة بن الصامت) بن قيس الأنصاريّ الخزرجيّ، أبو الوليد المدنيّ الصحابيّ البدريّ المشهور، وهو أحد النقباء ليلة العقبة، مات بالرملة سنة (٣٤)، وله (٧٢) سنة، وقيل: عاش إلى خلافة معاوية رضي الله تعالى عنهما، تقدّم فِي ٦/ ٤٦١ والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه منْ خماسيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين منْ يحيى، والباقيان مصريّان. (ومنها): أن فيه رواية الواوي عن جدّه، وتابعي عن تابعيّ. والله تعالى أعلم.
[تنبيه]: القائل: "أخبرنا الإِمام أبو عبد الرحمن النسائيّ" هو الراوي عن المصنّف، والظاهر أنه ابن السنّيّ, لأنه المشهور برواية "المجتبى"، وقوله: "منْ لفظه" يعني أنهم سمعوه منْ لفظ النسائيّ، لا أنه قرأ عليه قارىء، وإنما بيّنه؛ لئلا يُظنّ أنه سمع قارئًا عَلَى الشيخ، حيث إن الغالب فِي استعمال المحدّثين لفظة "أخبرنا" إذا سمع الطالب قارئًا يقرأ عَلَى الشيخ، ولكن ليس هذا واجبًا عندهم، بل هو مستحسن، كما قَالَ السيوطيّ فِي "ألفية الحديث":
واسْتَحْسَنُوا لِمُفْرَدٍ "حَدَّثَنِي" … وَقَارِىءٍ بِنَفْسِهِ "أَخْبَرَنِي"
وَإِنْ يُحَدِّثْ جُمْلَةً "حَدَّثَنَا" … وَإِنْ سَمِعْتَ قَارِئًا "أَخْبَرَنَا"
[تنبيه آخر]: سقط منْ هذا السند بعد ذكر عبادة بن الوليد ذكر لفظة "عن أبيه" منْ جميع نسخ "المجتبى"، وكذا منْ نسخة "الكبرى"، لكن الذي ذكره الحافظ المزّيّ فِي "تحفة الأشراف" جـ ٤/ ٢٦٠ أنه ثابت فِي رواية أبي الحسن بن حيويه، ولعله لاختلاف النسخ. والله تعالى أعلم.
стр. 15859
شرح الحديث
(عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ) رضي الله تعالى عنه، أنه (قَالَ: بَايَعْنَا) تقدّم معنى البيعة فِي شرح الترجمة (رَسُولَ اللهِ ﷺ ) وكانت تلك المبايعة ليلة العقبة، كما قاله فِي "الفتح".
قَالَ أبو العبّاس القرطبيّ: هذه البيعة تُسمّى بيعة الأمراء، وسُمّيت بذلك؛ لأن المقصود بها تأكيد السمع والطاعة عَلَى الأمراء. وقد كان عبادة رضي الله تعالى عنه بايع رسول الله صلّى الله تعالى عليه وسلم بيعة النساء، وسميت بذلك؛ لأنه لم يكن فيها ذكر حرب، ولا قتال. وقد بايع النبيّ صلّى الله تعالى عليه وسلم أصحابه بيعة الرضوان، وسمّيت بذلك لقول الله تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ [الفتح: ١٨] انتهى (١).
(عَلَى السَّمْعِ، وَالطَّاعَةِ) متعلّق بـ"بايعنا"، و"عَلَى" بمعنى اللام، أو بتضمين "بايعنا" معنى العهد، أي عاهدناه عَلَى أن نسمع كلامه، ونطيع أمره، وكذا منْ يقوم بعده مقامه منْ الخلفاء (فِي الْيُسْرِ وَالْعُسْرِ) وفي رواية إسماعيل بن عُبيد عند أحمد: "وعلى النفقة فِي العسر واليسر" (وَالْمَنْشَطِ) بفتح الميم، والمعجمة، وسكون النون بينهما: أي فِي حالة نشاطنا (وَالْمَكْرَهِ) بضبط ما قبله: أي فِي الحالة التي نكون فيها عاجزين عن العمل بما نؤمر به. ونقل ابن التين عن الداوديّ أن المراد الأشياء التي يكرهونها. قَالَ ابن التين: والظاهر أنه أراد فِي وقت الكسل والمشقة فِي الخروج؛ ليطابق قوله: "فِي المنشط"، ويؤيّده ما وقع فِي رواية إسماعيل بن عُبيد بن رفاعة، عن عبادة، عند أحمد:
"فِي النشاط والكسل". قاله فِي "الفتح".
وَقَالَ السنديّ: الْمَنشَطُ، والْمَكْره: مَفْعلٌ بفتح الميم والعين، منْ النشاط، والكراهة، وهما مصدران، أي فِي حالة النشاط والكراهة، أي حالة انشراح صدورنا، وطيب قلوبنا، وما يُضادّ ذلك. أو اسما زمان، والمعنى واضح. أو اسما مكان: أي فيما فيه نشاطهم، وكراهتهم. كذا قيل، ولا يخفى أن ما ذكره منْ المعنى عَلَى تقدير كونهما اسمي مكان مجازيّ، وكذا قَالَ بعضهم: كونهما اسمي مكان بعيد. انتهى (٢).
زاد فِي الآتية: "وأَثَرَة علينا" بفتح الهمزة، والمثلّثلة: أي تفضيل غيرنا علينا فِي الفيء، أو فِي غيره. والمراد أن طواعيتهم لمن يتولّى عليهم لا تتوقّف عَلَى إيصالهم حقوقهم إليهم، بل عليهم الطاعة، ولو منعوهم حقّهم.
стр. 15860
(وَأَنْ لَا نُنَازِعَ الأَمْرَ) أي الملك والإمارة، أو كلّ الأمور (أَهْلَهُ) الضمير للأمر، أي إذا وُكل الأمر إلى منْ هو أهل له، فليس لنا أن نجرّه إلى غيره، سواء كان ذلك الغير أهلاً، أم غير أهل. زاد فِي رواية أحمد: "وإن رأيت أن لك"، أي وإن اعتقدتَ أن لك فِي الأمر حقًا، فلا تعمل بذلك الظنّ، بل اسمع، وأطع إلى أن يَصِل إليك بغير خروج عن الطاعة. وزاد فِي رواية حبان أبي النضر، عن جنادة عند ابن حبّان أحمد: "وإن أكلوا مالك، وضربوا ظهرك".
(وَأَنْ نَقُومَ بِالْحَقِّ) أي بإظهاره، وتبليغه للناس (حَيْثُ كُنَّا) أي فِي موضع وُجدنا (لَا نَخَافُ لَوْمَةَ لَائِمٍ) أي لا نترك قول الحق لأجل خوف ملامة اللائمين علينا.
وَقَالَ النوويّ: معناه: نأمر بالمعروف، وننهى عن المنكر فِي كلّ زمان ومكان، الكبار والصغار، لا نُداهن فيه أحدًا، ولا نخافه، ولا نلتفت إلى اللائمين. انتهى (١).
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): فِي درجته:
حديث عبادة بن الصامت رضي الله تعالى عنه هذا متّفقٌ عليه، لكن منْ رواية الوليد ابن عبادة، عن عبادة ﵁، كما فِي الروايات الآتية، وأما منْ رواية عبادة بن الوليد، عن عبادة، فمن أفراد المصنّف، فَلْيُتَنَبّهْ. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -١/ ٤١٥١ و٤١٥٢ و٢/ ٤١٥٣ و٣/ ٤١٥٤ و٤/ ٤١٥٥ و٥/ ٤١٥٦ - وفي "الكبرى" ١/ ٧٧٧٠ و٧٧٧١ و٢/ ٧٧٧٢ و٣/ ٧٧٧٣ و ٤/ ٧٧٧٤ و٥/ ٧٧٧٥. وأخرجه (خ) فِي "الفتن" ٧٠٥٦ و"الأحكام" ٧١٩٩. (م) فِي "الإمارة" ٤٧٤٥ و٤٧٤٦ و٤٧٤٧ و٤٧٤٨ (ق) فِي "الجهاد" ٢٨٦٦ (أحمد) فِي "باقي مسند الأنصار" ٢٢١٧٠ و٢٢١٩٢ و٢٢٢٠٩ و٢٢٢١٨ و٢٢٢٢٩ (الموطأ) فِي "الجهاد" ٩٧٧. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): فِي فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان مشروعيّة بيعة الإِمام عَلَى السمع والطاعة. (ومنها): وجوب سمع كلام الأمراء، وطاعة أوامرهم. (ومنها): أن وجوب الطاعة لا يختلف باختلاف الأحوال منْ العسر واليسر، والنشاط والكره، فيجب عَلَى المسلم طاعتهم فِي كلّ أحواله، قدر استطاعته. (ومنها): أنه لا يجوز منازعة وليّ الأمر فِي شأن الولاية، ولا فِي غيرها، إلا أن يكون معصية، إذ لا طاعة للمخلوق فِي
стр. 15861
معصية الخالق. (ومنها): وجوب قول الحقّ، منْ الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وعدم المداهنة فيه للناس، ولا الالتفات إلى لوم لائمهم، بل يغيّر المنكر بكلّ ما يقدر عليه، منْ فعل، أو قول، ما لم يخشَ إثار فتنة، وتسبب منكر أشدّ منه.
قَالَ النوويّ: وأجمع العلماء عَلَى أن الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر فرض كفاية، فإن خاف منْ ذلك عَلَى نفسه، أو ماله، أو عَلَى غيره، سقط الإنكار بيده، ولسانه، ووجبت كراهته بقلبه. هذا مذهبنا، ومذهب الجماهير. وحكى القاضي هنا عن بعضهم أنه ذهب إلى الإنكار مطلقًا فِي هذه الحالة، وغيرها. انتهى (١).
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: قول الجماهير هو الحقّ؛ لحديث أبي سعيد الخدريّ رضي الله تعالى عنه، قَالَ: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "منْ رأى منكم منكرا، فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان". رواه مسلم.
فقد رخّص الشارع فِي هذا النصّ فِي ترك الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر فعلاً، أو قولاً عند عدم الاستطاعة، فالقول بالوجوب مطلقًا مخالف لهذا النصّ.
لكن لو أخذ أحد بالعزيمة، فواجه منْ يخافه بذلك، لكان أفضل؛ لما سيأتي للمصنّف ٣٧/ ٤٢١١ - بإسناد صحيح، عن طارق بن شهاب، أن رجلاً سأل النبي ﷺ ، وقد وضع رجله فِي الْغَرْز: أيُّ الجهاد أفضل؟ قَالَ: "كلمة حق، عند سلطان جائر". والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): زاد فِي رواية الشيخين: "إلا أن تروا كُفرًا بواحًا، عندكم منْ الله فيه بُرهان".
فقَوْله: "بَوَاحًا" -بِمُوَحَّدةٍ ومُهْمَلة- قَالَ الخطَّابِيّ: مَعْناه قوله: ظَاهِرًا بَادِياً، مِنْ قَوْلهمْ: بَاحَ بِالشَّيْءِ يبُوح بِهِ بَوْحًا، وَبَوَاحًا: إِذا أذَاعَهُ، وأظْهَرَهُ. وأنْكَرَ ثَابِتْ فِي "الدَّلائِل" بَوَاحًا وَقَالَ: إِنَّمَا يجُوز "بَوْحًا" بِسُكُونِ الْوَاو، و"بُؤَاحًا" بِضَمِّ أَوَّله، ثُمَّ هَمْزَة مَمْدُودَة. وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: مَنْ رَوَاهُ بِالرَّاء , فَهُوَ قَرِيب منْ هَذَا الْمَعْنَى، وَأَصْل الْبَرَاح: الأرض الفقراء الَّتِي لا أَنِيس فِيهَا، ولا بِنَاء. وقِيلَ: البَرَاح الْبَيَان، يُقَال: بَرَحَ الْخَفَاء: إِذَا ظَهَر. وَقَالَ النَّووِيّ: هُوَ فِي مُعْظَم النُّسَخ مِنْ مُسْلِم بِالْواوِ، وفِي بَعْضهَا بِالرَّاءِ.
قَالَ الحافظ: وَوَقَع عِنْدَ الطَّبَرانِيّ، منْ رِواية أحْمَد بْن صَالِح، عَنْ ابن وَهْب، فِي هَذَا الْحَدِيث: "كُفْرًا صُرْاحًا"، بِصَادٍ مُهْمَلَة مَضْمُومَة، ثُمَّ رَاء. وَوَقَع فِي رِوايَة حِبَّان أبِي النَّضْر الْمَذْكُورَة: "إِلا أَنْ يَكُون مَعْصِية لِلَّهِ بَوَاحًا"، وعِنْد أحْمَد، مِنْ طرِيق عُمَيْر بن
стр. 15862
هَانِىء، عَنْ جُنَادَةَ: "مَا لَمْ يأمُرُوك بِإِثْم بَوَاحًا". وفِي رِوَايَة إسْمَاعيل بْن عُبَيْد، عِنْدَ أَحْمَد، والطَّبرانِيِّ، والحَاكِم، مِنْ رِوَايَته (١)، عَنْ أبِيهِ، عَنْ عُبَادَة: "سَيَلِي أُمُورَكُمْ مِنْ بَعْدِي رِجَال، يُعرِّفُونَكُمْ ما تُنْكِرُون، ويُنْكِرُون عَلَيْكُمْ مَا تَعْرِفُونَ، فَلا طَاعَة لِمَنْ عَصَى الله". وعِنْدَ أَبِي بَكْر بْن أبِي شَيْبَة، مِنْ طرِيق أَزْهر بْن عَبْد الله، عَنْ عُبادة، رَفَعَهُ: "سيكُونُ عَلَيكُمْ أُمَراء، يأمُرُونَكُمْ بِمَا لا تَعْرِفُون، وَيَفْعَلُونَ مَا تُنْكِرُون، فَلَيْسَ لِأُولَئِكَ عَلَيْكُمْ طَاعَة".
وَقَوْله: "عِنْدكُمْ مِنْ الله فِيهِ بُرْهَان": أيْ نَصّ آية، أو خَبَر صَحِيح، لا يَحْتمِل التَّأوِيل. ومُقْتَضَاهُ أنَّهُ لا يجُوز الخُرُوج عَليْهِمْ، مَا دَامَ فِعلهم يَحْتَمِل التَّأوِيل.
قَالَ النَّووِيّ: المُراد بِالْكُفرِ هُنَّا الْمَعْصِية، وَمَعْنَى الْحَديث: لا تُنازِعُوا وُلاة الأُمُور فِي وِلايَتهمْ، ولا تَعْتَرِضُوا عَلَيْهِم، إِلَّا أنْ تَرَوْا مِنْهُم مُنْكرًا مُحَقَّقًا، تَعْلمُونهُ مِنْ قواعِد الإسْلام، فَإِذَا رأيتُم ذَلِكَ فَأنكِرُوا عَليْهِم، وقُولُوا بِالْحَقِّ، حَيْثُما كُنْتُمْ. انْتَهَى.
وَقَالَ غَيْره: الْمُرَاد بِالإثْمِ هُنَا الْمَعْصِيَة والْكُفْر، فَلا يُعتَرض عَلَى السُّلْطَان، إِلا إِذَا وَقَعَ فِي الكُفْر الظَّاهِر.
قَالَ الحافظ: والَّذِي يَظْهَر حَمْل رِواية الْكُفْر، عَلَى مَا إِذَا كَانَتْ المُنَازَعة فِي الْوِلاية، فلا يُنازِعهُ بِمَا يَقْدَح فِي الوِلايَة، إِلا إِذَا ارْتكَبَ الْكُفْر، وَحَمْل رِواية الْمَعْصِية، عَلَى مَا إِذَا كَانَتْ المُنازعة، فِيمَا عدا الْوِلاية، فَإِذَا لَمْ يُقدَح فِي الوِلاية، نَازَعَهُ فِي المعصِيَة، بِأنْ يُنكِر عَلَيْهِ بِرِفْقٍ، ويتوصَّل إِلى تثبيت الْحَقّ لهُ بِغَيْرِ عُنْف. وَمَحَلّ ذَلِكَ إِذَا كَانَ قادِرًا. ذكره فِي "الفتح" (٢). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): فِي اختلاف أهل العلم فِي حكم الخروج عَلَى الأئمة لظلمهم:
قَالَ النوويّ رحمه الله تعالى فِي "شرح مسلم": ما حاصله: أجمع المسلمون عَلَى أن الخُرُوج عَلَى الأئمة، وقِتالهِمْ حرام، وإن كانُوا فسقة، ظالِمِين، وقد تظاهرت الأحادِيث بِمعنى ما ذكرته، وأجمعَ أهْل السُّنَّة أنَّهُ لا ينْعزِل السُّلطان بالْفِسْقِ، وأما الوجه المذكُور فِي كُتُب الفِقه لِبعضِ أصحابنا أنَّهُ ينعزِل، وحُكِي عن المُعتزلة أيضًا، فغلط منْ قائِله، مُخالِف لِلإِجماعِ.
قَالَ العُلماء: وسبب عدم انعِزاله، وتحرِيم الخُرُوح عليهِ، ما يترتَّب عَلَى ذَلِكَ مِنْ الفِتن، وإِراقة الدِّماء، وفساد ذات الْبَيْن، فتِكُون المَفْسَدَة فِي عزله أكثر مِنها فِي بقائهِ.
قَالَ القاضِي عِيَاض: أجْمَعَ العُلَمَاء عَلَى أنَّ الإِمَامَة لا تَنْعَقِد لِكَافِرٍ، وعلى أَنَّهُ لَوْ طرأ
стр. 15863
عَلَيْهِ الكُفر انعزل، قَالَ: وكذا لو ترك إِقامة الصَّلوات، والدُّعاء إِليْها، قَالَ: وكَذلِك عِنْد جُمهُورهم البدعةُ، قَالَ: وَقَالَ بعض البَصْرِيين: تنعقِد لهُ، وتُسْتَدام لهُ؛ لأنَّه مُتأوِّل، قَالَ القَاضِي: فَلوْ طرأ عَلَيْهِ كُفْر، وَتغيِير لِلشَّرع، أو بدْعة، خَرَجَ عَنْ حُكْم الوِلاية، وسقطت طاعته، ووجب عَلَى الْمُسلِمِين القِيام عَلَيهِ، وخَلْعه، ونَصْب إِمَام عَادِل، إنْ أمكنهُم ذَلِكَ، فإِن لم يقع ذَلِكَ إِلا لِطائِفةٍ، وجب عليهِم القِيام بِخلعِ الكافِر، ولا يَجِب فِي المبتدع، إِلا إِذَا ظَنُّوا القُدْرة عَلَيْهِ، فإِن تَحقَّقُوا العجز، لم يَجِب القِيام، ولْيُهَاجِر المُسلِم عن أرْضه إِلى غيرها، وَيَفِرّ بِدِينِهِ، قَالَ: ولا تنعقِد لِفاسِقٍ ابتِداء، فلو طرأ عَلَى الخليفة فِسْق، قَالَ بَعْضهم: يجِب خلعه، إِلا أَنْ تترتَّب عَليهِ فِتنة وَحَرْب، وَقَالَ جماهِير أهْل السُّنَّة، مِن الفُقَهَاء، والمُحَدِّثِين، والمُتكلِّمِين: لا يَنْعزِل بِالْفِسْقِ، والظُّلم، وَتَعْطِيل الحُقُوق، ولا يُخْلع، ولا يَجُوز الخُرُوج عَليْهِ بذلِك، بَلْ يجِب وَعْظه، وَتخوِيفه؛ للأحادِيثِ الوارِدة فِي ذَلِكَ.
قَالَ القاضِي: وَقَدْ ادَّعى أبُو بَكْر بن مُجاهِد، فِي هَذَا الإجماع، وَقَدْ ردَّ عَلَيْهِ بعضهم هَذَا، بِقِيامِ الحسنُ، وابن الزبير، وأَهْل المدِينة عَلَى بنِي أُميّة، وبِقِيام جماعة عظمِيَّة منْ التَّابِعِين، والصَّدْر الأوَّل عَلَى الحَجَّاج، مع ابْن الأشْعَث، وتأول هَذَا القائِل قوله: "أَلَّا نُنَازع الأمْر أهْله" فِي أئِمَّة العدل.
وحُجَّة الجُمهُور أَنَّ قِيامهم عَلَى الْحَجَّاج، ليس بِمُجرَّدِ الفِسْق، بل لمَّا غَيَّر منْ الشَّرع، وظاهر الكُفر؛ لبيعه الأحرار، وتفضيله الخليفة عَلَى النبيّ صلّى الله تعالى عليه وسلم، وقوله المشهور المنكر فِي ذلك. قَالَ القَاضِي: وقِيل: إِنَّ هَذَا الخِلاف، كَانَ أوَّلا، ثُمَّ حصل الإجماع عَلَى مَنْع الخُرُوج عَليْهِمْ. والله أعْلَم. انتهى (١).
وَقَالَ فِي "الفتح": ونقل ابن التِّين، عن الدَّاوُدِيِّ، قَالَ: الَّذِي عَلَيْهِ العُلماء فِي أُمَرَاء الْجَوْر، أَنَّهُ إنْ قَدَر عَلَى خلعه بِغيْرِ فِتْنة، ولا ظُلم وَجَبَ، وإِلا فالْواجِب الصَّبر. وعَنْ بعضهم: لا يَجُوز عَقْد الوِلاية لِفاسِقٍ ابتِداء، فإِنْ أحدثَ جورًا بَعْدَ أنْ كَانَ عَدْلا، فاختلفُوا فِي جواز الخُرُوج عَليْهِ، والصَّحِيح المَنْع، إِلَّا أنْ يَكفُر، فيجِب الخُرُوج عَلَيْهِ. انتهى (٢).
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: هَذَا القول الأخير المصحح عندي هو الحقّ، وحاصله أنه لا يجوز الخروج عَلَى الأئمة بأي نوع منْ أنواع الفسق، والظلم، إلا بصريح الكفر، وأما ما عداه، فإن امكن إزالته بغير خروج عليه، فذاك، وإلا فلا يجوز
стр. 15864
الخروج عليه، وهذا هو الذي أوضحه النبيّ صلّى الله تعالى عليه وسلم بقوله: "إلا أن تروا كفراً بواحًا، عندكم منْ الله فيه برهان". والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤١٥٢ - (أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ حَمَّادٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الْوَلِيدِ بْنِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ عُبَادَةَ بْنَ الصَّامِتِ، قَالَ: بَايَعْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، فِي الْعُسْرِ وَالْيُسْرِ، وَذَكَرَ مِثْلَهُ).
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "عيسى بن حمّاد": هو أبو موسى التُّجِيبيّ المصريّ، الملقّب زُغْبَةَ، ثقة [١٠] ١٣٥/ ٢١١.
و"أبو عبادة": هو الوليد بن عبادة بن الصامت الأنصاريّ المدنيّ، وُلد فِي عهد النبيّ صلّى الله تعالى عليه وسلم، وهو ثقة، منْ كبار [٢].
قَالَ ابن سعد: تُوُفّي فِي خلافة عبد الملك بن مروان، وكان ثقة، قليل الحديث. وذكره ابن حبان فِي "الثقات". وَقَالَ العجليّ: شاميّ تابعيّ ثقة. روى له الجماعة، سوي أبي داود، وله عند المصنّف هَذَا الحديث، وَقَدْ كرّره أربع مرّات.
وقوله: "وذكر مثله" الضمير لعيسى بن حماد. والحديث تقدم تمام الكلام فيه فِي الذي قبله. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
٢ - (بَابُ الْبَيْعَةِ عَلَى أَنْ لَا نُنَازِعَ الأَمْرَ أَهْلَهُ)
٤١٥٣ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، وَالْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ، قِرَاءَةً عَلَيْهِ، وَأَنَا أَسْمَعُ، عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عُبَادَةُ بْنُ الْوَلِيدِ بْنِ عُبَادَةَ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ عُبَادَةَ، قَالَ: بَايَعْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، فِي الْيُسْرِ وَالْعُسْرِ، وَالْمَنْشَطِ وَالْمَكْرَهِ، وَأَنْ لَا نُنَازِعَ الأَمْرَ أَهْلَهُ، وَأَنْ نَقُولَ، أَوْ نَقُومَ بِالْحَقِّ، حَيْثُمَا كُنَّا، لَا نَخَافُ لَوْمَةَ لَائِمٍ).
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد رجال الصحيح، غير الحارث،
стр. 15865
وهو ثقة حافظ. و"محمّد بن سلمة": هو المرادي الجَمَليّ، أبو الحارث المصريّ، الثقة المثبت. و"مالك": هو ابن أنس إمام دار الهجرة.
والحديث متّفق عليه، وَقَدْ سبق البحث عنه فِي الباب الماضي. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
٣ - (بَابُ الْبَيْعَةِ عَلَى الْقَوْلِ بِالْحَقِّ)
٤١٥٤ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ أَيُّوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِدْرِيسَ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الْوَلِيدِ بْنِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: بَايَعْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، فِي الْعُسْرِ وَالْيُسْرِ، وَالْمَنْشَطِ وَالْمَكْرَهِ، وَأَنْ لَا نُنَازِعَ الأَمْرَ أَهْلَهُ، وَعَلَى أَنْ نَقُولَ بِالْحَقِّ حَيْثُ كُنَّا).
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه، وهو مروزيّ ثقة حافظ. و"عبدُ الله بن إدريس": هو الأوديّ الكوفيّ. و"ابن إسحاق": هو محمّد، إمام المغازي.
والحديث متّفقٌ عليه، وَقَدْ سبق القول فيه قبل باب. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
٤ - (الْبَيْعَةِ عَلَى الْقَوْلِ بِالْعَدْلِ)
٤١٥٥ - (أَخْبَرَني (١) هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، قَالَ: حَدَّثَنِي الْوَلِيدُ بْنُ كَثِيرٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي عُبَادَةُ بْنُ الْوَلِيدِ، أَنَّ أَبَاهُ الْوَلِيدَ حَدَّثَهُ، عَنْ جَدِّهِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، قَالَ: بَايَعْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، فِي عُسْرِنَا وَيُسْرِنَا،
стр. 15866
وَمَنْشَطِنَا وَمَكَارِهِنَا، وَعَلَى أَنْ لَا نُنَازِعَ الأَمْرَ أَهْلَهُ، وَعَلَى أَنْ نَقُولَ بِالْعَدْلِ أَيْنَ كُنَّا، لَا نَخَافُ فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ).
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد كلهم رجال الصحيح. و"هارون بن عبد الله": هو أبو موسى الحمّال البغداديّ. و"أبو أسامة": هو حماد بن أُسامة الكوفيّ. و"الوليد بن كثير": هو المخزوميّ، أبو محمّد المدنيّ، ثم الكوفيّ، صدوقٌ عارفٌ بالمغازيّ، ورمي برأي الخوارج [٦] ٤٤/ ٥٢.
والحديث متفق عليه، وَقَدْ مرّ قريباً. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
٥ - (الْبَيْعَةِ عَلَى الأَثَرَةِ)
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "الأثرة": -بفتحتين"-: اسم من الاستئثار، فمعنى: "وأَثَرَة علينا" أي تفضيل غيرنا علينا.
[فإن قيل]: إن البيعة عَلَى الأَثَرَة، ليس فعلاً لهم، فكيف يبايعون عليه؟، وأيضاً ليس هو بأمر مطلوب فِي الدين، بحيث يُبايَع عليه، وأيضاً عمومه يرفعه منْ أصله؛ لأن كلّ مسلم إذا بايع عَلَى أن يفضل عليه غيره، فلا يوجد ذلك الغير الذي يفضّل، فما وجه هذه المبايعة؟.
[أُجيب]: بأن المراد بالبيعة عليه البيعة عَلَى الصبر إذا حصل لهم ذلك، فإذا أُوثر عليهم غيرهم فِي الفيء، أو العطايا، أو الولايات، أو فِي أيّ حقّ منْ حقوقهم صبروا عليه، ولم ينازعوا الولاة فيه.
ثم قيل: الضمير فِي "علينا" كناية عن جماعة الأنصار، أو عام لهم ولغيرهم، والأول أوجه، فإنه صلّى الله تعالى عليه وسلم أوصى إلى الأنصار: "ستكون بعدي أَثَرَةٌ، فاصبروا عليها" يعني أن الأمراء ستفضّل عليكم غيركم فِي العطايا، والولايات، والحقوق، وَقَدْ وقع ذلك فِي عهد الأمراء بعد الخلفاء الراشدين، فصبروا. أفاده السنديّ.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي الأوجه عمومه للأنصار ولغيرهم، فإنه وإن كَانَ الخطاب فِي هَذَا الحديث لهم، إلا أن المراد العموم، بدليل أنه صلّى الله تعالى
стр. 15867
عليه وسلم بايع هذه المبايعة لغير الأنصار أيضًا، كما سيأتي فِي حديث أبي هريرة، وجرير، وغيرهم رضي الله تعالى عنهم، فتبصّر. والله تعالى أعلم بالصواب.
٤١٥٦ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْوَلِيدِ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سَيَّارٍ، وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، أَنَّهُمَا سَمِعَا عُبَادَةَ بْنَ الْوَلِيدِ، يُحَدِّثُ عَنْ أَبِيهِ، أَمَّا سَيَّارٌ، فَقَالَ: "عَنْ أَبِيهِ"، وَأَمَّا يَحْيَى، فَقَالَ: عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: بَايَعْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، فِي عُسْرِنَا وَيُسْرِنَا، وَمَنْشَطِنَا وَمَكْرَهِنَا، وَأَثَرَةٍ عَلَيْنَا، وَأَنْ لَا نُنَازِعَ الأَمْرَ أَهْلَهُ، وَأَنْ نَقُومَ بِالْحَقِّ حَيْثُمَا كَانَ، لَا نَخَافُ فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ.
قَالَ شُعْبَةُ: سَيَّارٌ لَمْ يَذْكُرْ هَذَا الْحَرْفَ، "حَيْثُمَا كَانَ"، وَذَكَرَهُ يَحْيَى، قَالَ شُعْبَةُ: إِنْ كُنْتُ زِدْتُ فِيهِ شَيْئًا، فَهُوَ عَنْ سَيَّارٍ، أَوْ عَنْ يَحْيَى).
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد كلهم رجال الصحيح. و"محمد ابن الوليد": هو الْبُسْريّ البصريّ، يلقّب حمدان. و"محمّد": هو ابن جعفر غندر. و"سيّار": هو ابن أبي سيّار وَرْدان، أبو الحكم الْعَنَزيّ الكوفيّ.
وقوله: " أما سيّار، فقال: عن أبيه" الخ، ولفظ "الكبرى": "أما سيّار، فقال: "عن أبيه القاضي (١)، عن النبيّ صلّى الله تعالى عليه وسلم الخ"، يعني أن سيّارًا قَالَ: "عن أبيه، عن النبيّ صلّى الله تعالى عليه وسلم"، فأرسله، وأما يحيى، فقال: "عن أبيه، عن جده، فوصله، وهو المحفوظ؛ فإن جمهور الرواة، رووه هكذا، كما سبق فِي الروايات السابقة.
وقوله: "سيّار لم يذكر هَذَا الحرف" يعني أن قوله: "حيثما كَانَ" إنما ذكره يحيى بن سعيد، وأما سيار، فلم يذكر إلا قوله: "وأن نقول بالحقّ".
والحديث متفقٌ عليه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤١٥٧ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "عَلَيْكَ بِالطَّاعَةِ، فِي مَنْشَطِكَ وَمَكْرَهِكَ، وَعُسْرِكَ وَيُسْرِكَ، وَأَثَرَةٍ عَلَيْكَ").
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد كلّهم رجال الصحيح، وتقدّموا غير مرّة. و"يعقوب": هو ابن عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله بن عبد القاريّ المدنيّ، نزيل الإسكندرية، ثقة [٨] ٤٥/ ٧٣٩.
و"أبو حازم": هو سلمة بن دينار التمّار الأعرج المدنيّ القاص الثقة العابد [٥] ٤٠/ ٤٤.
стр. 15868
و"أبو صالح": هو ذكوان السمّان الزيّات المدنيّ الثقة المثبت [٣] ٣٦/ ٤٠. وحديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه هَذَا أخرجه المصنّف هنا -٥/ ٤١٥٧ - وفي "الكبرى" ٥/ ٧٧٧٦. وأخرجه (م) فِي "الإمارة" ١٨٣٦ (أحمد) فِي "مسند المكثرين" ٨٧٣٠. وشرحه، وسائر مسائله تقدمت فِي الكلام عَلَى حديث عبادة بن الصامت رضي الله تعالى عنه الماضي. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
٦ - (الْبَيْعَةِ عَلَى النُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ)
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "النُّصْح" بضمّ، فسكون-: مصدرٌ، يقال: نَصَحتُ لزيد أَنْصَحُ نُصْحًا، ونَصِيحةً، هذه هي اللغة الفصيحة، وعليها قوله تعالى: ﴿إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ﴾ [هود: ٣٤]، وفي لغة يتعدّى بنفسه، فيقال: نصحته، وهو الإخلاص، والصدقُ والمَشُورَةُ، والعمل، والفاعل ناصحٌ، ونَصِيحٌ، والجمعُ نُصَحاءُ. قاله الفيّوميّ.
وَقَالَ المازَريّ رحمه الله تعالى: النصيحة مشتقّةٌ منْ نصحت العسل: إذا صفّيته منْ الشَّمَع، يقال: نصح الشيُ: إذا خلص، ونصح له القول: إذا أخلصه له، شبهوا تخليص القول منْ الغشّ بتخليص العسل منْ الخلط. أو مشتقّة منْ النَّصْح بفتح، فسكون-: وهي الخياطة بالمِنْصحة، وهي الإبرة، يقال: نصح الرجل ثوبه: إذا خاطه، فشبهوا فعل الناصح فيما يتحرّاه منْ صلاح المنصوح له بما يسدّه منْ خلل الثوب. والمعنى أنه يلُمّ شعث أخيه بالنصح، كما تلمّ المِنصَحة. ومنه التوبة النَّصُوح، كأن الذنب يمزّق الدين، والتوبة تَخِيطه. انتهى. كلام المازريّ بزيادة منْ كلام غيره.
وَقَالَ الخطّابيّ رحمه الله تعالى: النصيحة كلمة جامعة، معناها حيازة الحظّ للمنصوح له، قَالَ: ويقال: هي منْ وجيز الأسماء، ومختصر الكلام، وليس فِي كلام العرب كلمة مفردة تُستَوفَى بها العبارة عن معنى هذه الكلمة، كما قالوا فِي الفلاح: ليس فِي كلام العرب كلمة أجمع لخير الدنيا والآخرة منه. قَالَ: وقيل: النصيحة مأخوذة منْ نصح الرجل ثوبه إذا خاطه، فشبهوا فعل الناصح فيما يتحراه منْ صلاح المنصوح له بما
стр. 15869
يسده منْ خلل الثوب. قَالَ: وقيل: إنها مأخوذة منْ نصحت العسل إذا صَفّيته منْ الشمع، شبهوا تخليص القول منْ الغش بتخليص العسل منْ الخلط. قَالَ: ومعنى الحديث: عمادُ الدين وقِوَامه النصحية، كقوله: "الحج عرفة": أي عماده ومعظمه عرفة. انتهى (١). والله تعالى أعلم بالصواب.
٤١٥٨ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ زِيَادِ بْنِ عِلَاقَةَ، عَنْ جَرِيرٍ، قَالَ: بَايَعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، عَلَى النُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ).
رجال هَذَا الإسناد: أربعة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ) أبويحيى المكيّ، ثقة [١٠] ١١/ ١١.
٢ - (سفيان) بن عيينة الإِمام الحجة الثبت المكيّ [٨] ١/ ١.
٣ - (زياد بن عِلاقة) -بكسر العين المهملة- كوفيّ ثقة رُمي بالنصب [٣] ٤٣/ ٩٥٠.
٤ - (جرير) بن عبد الله بن جابر البجليّ الأحمسيّ الصحابيّ المشهور، مات رضي الله تعالى عنه سنة (٥١) أو بعدها، تقدّم فِي ٤٣/ ٥١. والله تعالى أعلم.
لطائف هَذَا الإسناد:
(منها): أنه منْ رباعيات المصنّف رحمه الله تعالى، وهو (١٨٩) منْ رباعيّات الكتاب. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فقد تفرد به هو، وابن ماجه. (ومنها): أن فيه مكيين، شيخه، وسفيان، وكوفيين، زياد، وجرير، فإنه ﵁ ممن نزل الكوفة. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ جَرِيرٍ) بن عبد الله رضي الله تعالى عنه، أنه (قَالَ: بَايَعْتُ) أي عاهدت، وعاقدت (رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، عَلَى النُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ) تقدم معنى النصح، والنصحية أول الباب. وفي الرواية التالية: "عَلَى السمع والطاعة، وان انصح لكل مسلم"، وفي ١٦/ ٤١٧٦ - منْ طريق أبي وائل، والشعبيّ كلاهما، عنه: "أتيت النبيّ صلّى الله تعالى عليه وسلم، فقلت له: أبايعك عَلَى السمع والطاعة فيما أحببت، وفيما كرهت، قَالَ النبيّ صلّى الله تعالى عليه وسلم: "أو تستطيع ذلك يا جرير، أو تطيق ذلك، قَالَ: قل: فيما استطعت، فبايعني، والنصح لكلّ مسلم"، وفي ١٧/ ٤١٧٩ - منْ طريق أبي وائل، عنه: "أتيت النبيّ صلّى الله تعالى عليه وسلم، وهو يبايع، فقلت: يا رسول الله، ابسُط يدك
стр. 15870
حتى أبايعك، واشترط عليّ، فأنت أعلم، قَالَ: أبايعك عَلَى أن تعبد الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتناصح المسلمين، وتفارق المشركين". ورواه ابن حبّان منْ طريق أبي زرعة بن عمرو بن جرير، عن جدّه، وزاد فيه: "فكان جرير إذا اشترى شيئاً، أو باع يقول لصاحبه: أعلم أن ما أخذنا منك أحب إلينا مما أعطيناكه، فاختر". وروى الطبرانيّ فِي ترجمته: "أن غلامه اشترى له فرسًا بثلاثمائة، فلما رآه جاء إلى صاحبه، فقال: إن فرسك خير منْ ثلاثمائة، فلم يزل يزيده حتى أعطاه ثمانمائة".
قَالَ القرطبيّ: كانت مبايعة رسول الله صلّى الله تعالى عليه وسلم لأصحابه مرّات متعددة فِي أوقات مختلفة بحسب ما كَانَ يحتاج إليه، منْ تجديد عهد، أو توكيد أمر، فلذلك اختلفت ألفاظها، كما دلّت عليه الأحاديث الآتية. انتهى (١).
وَقَالَ القاضي عياض: اقتصر عَلَى الصلاة والزكاة؛ لشهرتهما, ولم يذكر الصوم وغيره لدخول ذلك فِي السمع والطاعة.
وقوله: "فيما استطعت" قَالَ القرطبيّ: رويناه بفتح التاء عَلَى مخاطبته إياه، وعلى هَذَا فيكون قوله: "فيما استطعت" منْ قول النبيّ صلّى الله تعالى عليه وسلم، مخاطبًا له به، فلا يحتاج إلى التلفّظ بهذا القول. ورويناه بضمّ التاء للمتكلّم، وعلى هَذَا فيكون النبيّ صلّى الله تعالى عليه وسلم أمره أن ينطق بهذا اللفظ، فكأنه قَالَ له: قل: فيما استطعت، وعليه فيحتاج جرير إلى النطق بذلك امتثالاً للأمر، وعلى الوجهين، فمقصود هَذَا القول التنبيه عَلَى أن اللازم منْ الأمور المبايع عليها هو ما يُطاق، ويُستطاع، كما هو المشترط فِي أصل التكليف، كما قَالَ الله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، ويُشعر الأمر بقول ذلك اللفظ فِي حال المبايعة بالعفو عن الهفوة، والسقطة، وما وقع عن خطأ، أو تفريط. انتهى كلام القرطبيّ.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: يؤيّد رواية ضمّ التاء ما تقدّم منْ رواية أبي وائل، والشعبيّ، عن جرير بلفظ: "قل: فيما استطعتُ". والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): فِي درجته:
حديث جرير رضي الله تعالى عنه هَذَا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
стр. 15871
أخرجه هنا -٦/ ٤١٥٨ و٤١٥٩ و١٦/ ٤١٧٦ و١٧/ ٤١٧٧ و٤١٧٩ و٢٤/ ٤١٨٠/ ٤١٩١ - وفي "الكبرى" ٦/ ٧٧٧٧ و٧٧٧٨ و١٩/ ٧٧٩٧ و٢٠/ ٧٧٩٨ و٧٨٠٠ و٢٨/ ٧٨١٢. وأخرجه (خ) فِي "الإيمان" ٥٧ و٥٨ و"مواقيت الصلاة" ٥٢٤ و"الزكاة" ١٠٤١ و"البيوع " ٢١٥٧ و"الشروط" ٢٧١٤ و٢٧١٥ و"الأحكام" ٧٢٠٤ (م) فِي "الإيمان" ٥٦ (ت) فِي "البر والصلة" ١٩٢٢٥ (أحمد) فِي "مسند الكوفيين" ١٨٦٧١ و١٨٦٨٠ و١٨٧٠٠ و١٨٧٣٤ و١٨٧٥٣ (الدارمي) فِي "البيوع" ٢٥٤٠. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): فِي فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو مشروعية البيعة عَلَى النصح لكلّ مسلم. (ومنها): وجوب النصيحة لكلّ مسلم. (ومنها): تحريم الغشّ، والخديعة، بل يجب عَلَى الإنسان أن يُعامل الآخرين بما يحبّ أن يعاملوه به. (ومنها): بيان مكانة النصح فِي الإِسلام، حيث اعتنى به الشارع، فكان يبايع عليه، وأنه ملاك الأمر كلّه، حيث قَالَ صلّى الله تعالى عليه وسلم فيما سيأتي منْ حديث تميم الداريّ رضي الله تعالى عنه: "الدين النصيحة"، فجعله عين الدين كلّه. (ومنها): أن الوفاء بالمبايعة إنما يجب عَلَى الإنسان فيما استطاع، فلا يكلّف غير طاقته، كما نفاه الله تعالى فِي قوله: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ الآية [البقرة: ٢٨٦]. (ومنها): ما كَانَ عليه الصحابة رضي الله تعالى عنهم منْ قوة الإيمان, وكمال الاتّباع، ويتمثّل ذلك فِي مدى التزام هَذَا الصحابيّ جرير بن عبد الله رضي الله تعالى عنه لهذا العهد العظيم، فقد أثّر فِي سلوكه، حيَاتَهُ كلّها، فلا يبايع أحداً، إلا واجتهد فِي بذل النصح له، كما أوضحته رواية ابن حبان، "فكان جرير إذا اشترى، أو باع يقول: أعلم أن ما أخذنا منك أحبّ إلينا مما أعطيناك، فاختر". جعلنا الله تعالى ممن يستمعون القول، فيتّبعون أحسنه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤١٥٩ - (أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ، عَنْ يُونُسَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ جَرِيرٍ، قَالَ جَرِيرٌ: بَايَعْتُ النَّبِيَّ ﷺ عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، وَأَنْ أَنْصَحَ لِكُلِّ مُسْلِمٍ).
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا. وشيخه هو الدورقيّ، أبو يوسف البغداديّ، أحد مشايخ الأئمة الستّة بلا واسطة، ثقة حافظ [١٠] ٢١/ ٢٢. و"يونس": هو ابن عُبيد بن دينار العبديّ البصريّ، ثقة ثبت فاضل ورعٌ [٥] ٨٨/ ١٠٩. و"عمرو بن سعيد": هو القرشيّ، أو الثقفيّ مولاهم،
стр. 15872
أبو سعيد البصريّ، ثقة [٥] ٣٩/ ٣٢٧٩. "وأبو زرعة بن عمرو بن جرير": هو البجليّ الكوفيّ، حفيد جرير الصحابيّ رضي الله تعالى عنه، قيل: اسمه هَرِم، وقيل: عمرو، وقيل: عبد الله، وقيل: عبد الرحمن، وقيل: جرير، ثقة [٣] ٤٣/ ٥٠.
والحديث متَّفقٌ عليه، وتقدّم تمام البحث فيه فِي الذي قبله. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب،
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
٧ - (الْبَيْعَةِ عَلَى أَنْ لَا نَفِرَّ)
٤١٦٠ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، سَمِعَ جَابِرًا، يَقُولُ: لَمْ نُبَايِعْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلَى الْمَوْتِ، إِنَّمَا بَايَعْنَاهُ عَلَى أَنْ لَا نَفِرَّ).
رجال هَذَا الإسناد: أربعة:
١ - (قتيبة) بن سعيد الثقفيّ البغلانيّ، ثقة ثبت [١٠] ١/ ١.
٢ - (سفيان) بن عيينة المذكور فِي الباب الماضي.
٣ - (أبو الزبير) محمّد بن مسلم بن تَدْرُس المكيّ، صدوق، يدلّس [٤] ٣١/ ٣٥.
٤ - (جابر) بن عبد الله بن عمرو بن حرام الأنصاريّ السَّلَميّ الصحابيّ ابن الصحابيّ رضي الله تعالى عنهما، غزا تسع عشرة غزوة، ومات بالمدينة بعد السبعين، وهو ابن أربع وتسعين سنة. والله تعالى أعلم.
لطائف هَذَا الإسناد:
(منها): أنه منْ رباعيات المصنّف رحمه الله تعالى، وهو (١٩٠) منْ رباعيّات الكتاب. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمكيين، غير شيخه، فبغلانيّ، وجابر ﵁ سكن مكة. (ومنها): أن فيه جابرًا رضي الله تعالى عنه منْ المكثرين السبعة، روى (١٥٤٠) حديثا. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ) محمّد بن مسلم رحمه الله تعالى، أنه (سَمِعَ جَابِرًا) رضي الله تعالى عنه (يَقُولُ: لَمْ نُبَايِعْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلَى الْمَوْتِ) أي لأنه ليس فِي اختيار أحد، فالبيعة عليه غير مفيدة، لعدم دخولها تحت وسع المكلّف (إِنَّمَا بَايَعْنَاهُ عَلَى أَنْ لَا نَفِرَّ) أي لا نفرّ
стр. 15873
عند ملاقاة العدوّ، وإن كَانَ يؤدّي إلى الموت، وإنما بايعوه عَلَى هَذَا؛ لكونه فِي مقدور المكلّفين، يستطيعون الوفاء به.
وهذه المبايعة كانت يوم الحديبية، كما صرّح به فِي رواية مسلم، منْ طريق الليث بن سعد، عن أبي الزبير، عن جابر، قَالَ: كنا يوم الحديبية ألفا وأربع مائة، فبايعناه، وعمر آخذ بيده تحت الشجرة، وهي سَمُرة، وَقَالَ: بايعناه عَلَى أن لا نفر، ولم نبايعه عَلَى الموت.
قَالَ أبو العبّاس القرطبيّ رحمه الله تعالى: قوله: "لم نبايعه عَلَى الموت" مخالفٌ لما قاله سلمة بن الأكوع أنهم بايعوه فِي ذلك اليوم عَلَى الموت، وكذلك قَالَ عبد الله بن زيد، وهذا خلافٌ لفظيّ، وأما المعنى فمتّفقٌ عليه؛ لأن منْ بايع عَلَى أن لا يفرّ حتى يفتح الله عليه، أو يُقتل، فقد بايع عَلَى الموت، فكأن جابرًا لم يسمع لفظ الموت، وأخذ غيره الموت منْ المعنى، فعبّر عنه، ويشهد لما ذكرته أنه قد رُوي عن ابن عمر فِي غير كتاب مسلم أن البيعة كانت عَلَى الصبر (١) وكان هَذَا الحكم خاصًا بأهل الحديبية، فإنه مخالفٌ لما فِي فِي كتاب الله تعالى، منْ إباحة الفرار عند مثلي العدد، كما نصّ عليه فِي سورة الأنفال، وعلى مقتضى بيع الحديبية لا فرار أصلاً، فهذا حكم خاصّ بهم والله تعالى أعلم - ولذلك قَالَ عبد الله بن زيد: لا أبايع عَلَى هَذَا أحداً بعد رسول الله صلّى الله تعالى عليه وسلم (٢).
ثم إن الناس اختلفوا فِي العدد المذكور فِي آيتي الأنفال، فحمله جمهور العلماء عَلَى ظاهره منْ غير اعتبار للقوّة والضعف، والشجاعة والجبن. وحكى ابن حبيب، عن مالك، وعبد الملك أن المراد بذلك القوّة، والتكافؤ، دون تعيين العدد. وَقَالَ ابن حبيب: والقول الأول أكثر، فلا تفرّ المائة منْ المائتين، وإن كانوا أشدّ جلدًا، وأكثر سلاحًا. قَالَ القرطبيّ: وهو الظاهر منْ الآية. قَالَ عياضٌ: ولم يُختلف أنه متى جُهل منزلة بعضهم عَلَى بعض فِي مراعاة العدد لم يجز الفرار. انتهى كلام القرطبيّ (٣).
стр. 15874
وَقَالَ النوويّ فِي "شرح مسلم": قوله فِي رِوَاية جَابِر، ورِواية مَعْقِل بن يَسَار. "بَايَعناهُ يوم الْحُدَيْبِية عَلَى ألا نفِرَّ، وَلَمْ نبايِعهُ عَلَى الْمَوْت"، وفِي رِواية سَلَمَة: "أنَّهُم بايعُوهُ يَؤمئِذٍ عَلَى الْمَوْت"، وهُو معنى رِواية عند الله بن زيد بن عاصِم. وفِي رِواية مُجاشِع بْن مَسْعُود: "البيعة عَلَى الهِجرة، والبيعة عَلَى الإسْلام، والْجِهَاد"، وفِي حَدِيث ابْن عُمَر، وَعُبَادَةَ: "بايعنا عَلَى السَّمْع والطَّاعَة، وألا نُنَازع الأمْر أَهْله"، وفِي رِواية عن ابْن عُمَر فِي غير "صحِيح مُسلم": "الْبَيْعَة عَلَى الصَّبْر".
قَالَ العُلماء: هذِهِ الرِّواية تجمع المعانِي كُلّهَا، وتُبينُ مقصُود كُلّ الرِّوايات، فالبيعة "عَلَى ألَّا نَفِرّ" مَعْنَاهُ: الصَّبْر حَتَّى نظفر بِعدُوِّنَا، أو نُقْتَل، وهُو معنى البيعة عَلَى الموت، أي: نصبِر، وإِن آل بِنا ذَلِكَ إِلى الموت، لا أنَّ الْمَوت مقْصُود فِي نفسه، وكذا البيعة عَلَى الجِهاد، أيْ والصَّبْر فِيهِ. والله أعلم.
وكان فِي أوّل الإسلام يجِب عَلَى العشرة منْ المُسلِمِين، أن يصبِرُوا لِمِائةٍ منْ الكُفَّار، ولا يفِرُّوا مِنْهُم، وعلى المِائة الصَّبْر لِألْفِ كَافِر، ثُمَّ نُسِخ ذَلِكَ، وصار الواجِب مُصابرة المِثْلَيْنِ فَقَطْ، هَذَا مَذْهبنا، ومذهب ابن عَبَّاس، وَمَالِك، والجُمْهُور، أنَّ الآية منسُوخة، وَقَالَ أبُو حنِيفة، وطائفة: ليست بِمنسُوخةٍ، واختلفُوا فِي أنَّ المُعْتبر مُجرَّد الْعَدد، منْ غَير مُراعاة القُوَّة والضَّعْف، أم يُراعى؟ والجُمهُور عَلَى أَنَّهُ لا يُراعى لِظاهِرِ القُرآن.
وأمَّا حدِيث عُبَادَة: "بايعنا رسُول الله ﷺ عَلَى ألا تُشرِكُوا بِاللهِ شيئًا، ولا تسرِقُوا إِلى آخره"، فإنَّما كَانَ ذَلِكَ فِي أوَّل الأمْر، فِي ليلة العقبة، قبل الهِجرة مِن مَكَّة، وقبل فَرْض الجِهَاد. انتهى كلام النوويّ (١).
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن بما ذُكر أن قول جابر رضي الله تعالى عنه: "لم نبايع رسول الله صلّى الله تعالى عليه وسلم عَلَى الموت"، إنما هو حكاية للّفظ الذي صدر منه، حين المبايعة، فلا ينفي صدور لفظ الموت منْ غيره، كما فِي حديث سلمة بن الأكوع رضي الله تعالى عنه الآتي فِي الباب التالي، إن شاء الله تعالى، وأنه لا اختلاف فِي المعنى، إذ المقصود مصابرة العدوّ، ولو أدّى ذلك إلى الموت. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): فِي درجته:
стр. 15875
حديث جابر رضي الله تعالى عنه هَذَا أخرجه مسلم.
(المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -٧/ ٤١٦٠ - وفي "الكبرى" ٧/ ٢٧٧٩. وأخرجه (م) فِي "الإمارة" ١٨٥٦ (ت) فِي "السير" ١٥٩١ و١٥٩٤ (أحمد) فِي "باقي مسند المكثرين" ١٣٧٠٠ و١٤٤٠٩ و١٤٦٦٠ و١٤٨٣٥ (الدارمي) فِي "السير" ٢٤٥٤. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلتُ، وإليه أنيب".
…
٨ - (الْبَيْعَةِ عَلَى الْمَوْتِ)
٤١٦١ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ، قَالَ: قُلْتُ لِسَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ: عَلَى أَىِّ شَيْءٍ بَايَعْتُمُ النَّبِيَّ ﷺ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ؟ قَالَ: عَلَى الْمَوْتِ).
رجال هَذَا الإسناد: أربعة:
١ - (قتيبة) المذكور فِي الباب الماضي.
٢ - (حاتم بن إسماعيل) أبو إسماعيل الحارثيّ مولاهم، المدنيّ، كوفيّ الأصل، صدوق يَهِم، صحيح الكتاب [٨] ٢٤/ ٥٤٣.
٣ - (يزيد بن أبي عُبيد) الأسلميّ، مولى سلمة بن الأكوع، ثقة [٤] ٦٧/ ١٩٦١.
٤ - (سلمة بن الأكوع) هو سلمة بن عمرو بن الأكوع، نُسب لجدّه الأسلميّ، أبو مسلم، وأبو إياس الصحابيّ الشهير، شهد بيعة الرضوان، ومات رضي الله تعالى عنه سنة (٦٤)، تقدّم فِي ١٥/ ٧٦٥. والله تعالى أعلم.
لطائف هَذَا الإسناد:
(منها): أنه منْ رباعيات المصنّف رحمه الله تعالى، وهو (١٩١) منْ رباعيّات الكتاب. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخه، فبغلانيّ. والله تعالى أعلم.
[تنبيه]: هَذَا الحديث بهذا الإسناد أخرجه الشيخان، فأخرجه البخاريّ فِي "كتاب الجهاد" "باب غزوة الحديبية" الحديث: ٤١٦٩ - وأخرجه مسلم فِي "كتاب الإمارة"
стр. 15876
الحديث ٤٧٩٩. والله تعالي أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ) مولى سلمة، أنه (قَالَ: قُلْتُ لِسَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ) رضي الله تعالى عنه (عَلَى أَيِّ شَيْءٍ بَايَعْتُمُ النَّبِيَّ ﷺ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ؟ قَالَ: عَلَى الْمَوْتِ) أي بايعناه عَلَى الموت، والمراد أنهم بايعوه عَلَى الصبر، ولو أدى ذلك إلى الموت، وَقَدْ تقدّم فِي الباب الماضي وجه الجمع بينه وبين قول جابر رضي الله تعالى عنه: "لم نبايع رسول الله صلّى الله تعالى عليه وسلم عَلَى الموت، إنما بايعناه عَلَى أن لا نفرّ". والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): فِي درجته:
حديث سلمة بن الأكوع رضي الله تعالى عنه هَذَا متَّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -٨/ ٤١٦١ - وفي "الكبرى" ٨/ ٧٧٨٠. وأخرجه (خ) فِي "الجهاد والسير" ٢٩٦٠ و"المغازي" ٤١٦٩ و"الأحكام" ٧٢٠٦ و٧٢٠٨ (م) فِي "الإمارة" ١٨٦٠ و (ت) فِي "السير" ١٥٩٢ (أحمد) فِي "أول مسند المدنيين" ١٦٠٧٤ و١٦٠٨٣ و١٦٠٩٨ و٢٧٧٥٨١. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
٩ - (الْبَيْعَةِ عَلَى الْجِهَادِ)
٤١٦٢ - (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ السَّرْحِ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَنَّ عَمْرَو بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أُمَيَّةَ، ابْنِ أَخِي يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ حَدَّثَهُ، أَنَّ أَبَاهُ أَخْبَرَهُ، أَنَّ يَعْلَى بْنَ أُمَيَّةَ، قَالَ: جِئْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِأَبِي، أُمَيَّةَ يَوْمَ الْفَتْحِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، بَايِعْ أَبِي عَلَى الْهِجْرَةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أُبَايِعُهُ عَلَى الْجِهَادِ، وَقَدِ انْقَطَعَتِ الْهِجْرَةُ").
رجال هَذَا الإسناد: سبعة:
١ - (أحمد بن عمرو بن السرح) أبو الطاهر المصريّ، ثقة [١٠] ٣٥/ ٣٩.
стр. 15877
٢ - (ابن وهب) هو عبد الله المصريّ الحافظ، ثقة عابد [٩] ٩/ ٩.
٣ - (عمرو بن الحارث) بن يعقوب الأنصاريّ، أبو أيوب المصريّ، ثقة ثبت فقيه [٧] ٦٣/ ٧٩.
٤ - (ابن شهاب) محمّد بن مسلم الزهريّ الإِمام الحجة الثبت [٤] ١/ ١.
٥ - (عمرو بن عبد الرحمن بن أُميّة) التميميّ، مقبول [٣].
روى عن أبيه، عن يعلي بن أمية، وعنه الزهريّ. ذكره ابن حبّان فِي "الثقات"، ونسبه ثقفيًا. وَقَالَ الذهبيّ: لا يُعرف. تفرّد به المصنّف بحديث الباب، وَقَدْ أعاده فِي ١٥/ ٤١٧٠ - "ذكر الاختلاف فِي انقطاع الهجرة".
٦ - (أبوه) عبد الرحمن بن أُميّة الثقفيّ، ويقال: ابن يعلي بن أُميّة، مقبول [٣].
روى عن يعلي بن أُميّة، وعنه ابن عمرو. قَالَ أبو حاتم: لا يُعرف. وذكره ابن حبّان فِي "الثقات"، وَقَالَ: روى عن أبيه يعلي بن أُمية. وَقَالَ البخاريّ فِي "تاريخه": عبد الرحمن بن أميّة، عن أخيه يعلى. انتهى. تفرّد به المصنّف بحديث الباب فقط، وأعاده فِي ١٥/ ٤١٧٠ - "ذكر الاختلاف فِي انقطاع الهجرة".
٧ - (يعلي بن أمية) بن أبي عبيدة بن همّام التميميّ، حليف قريش، وهو يعلى بن مُنية بضمّ الميم، وسكون النون، بعدها تحتانية مفتوحةٌ- وهي أمّه، صحابيّ مشهور، مات رضي الله تعالى عنه سنة بضع وأربعين، وتقدّمت ترجمته فِي ٧/ ٤٠٦. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
عن عبد الرحمن بن أمية رحمه الله تعالى (أَنَّ) أخاه (يَعْلَى بْنَ أُمَيَّةَ) رضي الله تعالى عنه (قَالَ: جِئْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِأَبِي، أُمَيَّةَ) بدل منْ "أبي" (يَوْمَ الْفَتْحِ) أي يوم فتح مكة، وهو منصوب عَلَى الظرفيّة، متعلق بـ"جئت" (فقُلتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ بَايِعْ أَبِي عَلَى الْهِجْرَةِ) أي عَلَى أن يهاجر منْ دار قومه، وهي مكة إلى المدينة، وذلك لأنه كَانَ واجبًا فِي أول الإِسلام (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أُبَايِعُهُ عَلَى الْجِهَادِ) أي عَلَى أن يجاهد فِي سبيل الله تعالى، ثم بيّن ترك مبايعته له عَلَى الهجرة بقوله (وَقَدِ انْقَطَعَتِ الْهِجْرَةُ) أي انقطع وجوبها. والمراد الهجرة منْ مكة إلى المدينة؛ لصيرورتها بعد الفتح دار إسلام، أو إلى المدينة منْ أيّ موضع كَانَ؛ لظهور عزّة الإِسلام فِي كلّ ناحية، وفي المدينة بخصوصها بحيث ما بقي لها حاجة إلى هجرة الناس إليها، فما بقيت هذه الهجرة فرضًا، وأما الهجرة منْ دار الحرب إلى دار الإِسلام ونحوها، فهي واجبة عَلَى الدوام. قاله
стр. 15878
السنديّ (١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: حديث يعلي بن أمية رضي الله تعالى عنه هَذَا ضعيف؛ لجهالة عمرو بن عبد الرحمن، وأبيه، كما سبق فِي ترجمتهما. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤١٦٣ - (أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَمِّي، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيُّ، أَنَّ عُبَادَةَ بْنَ الصَّامِتِ، قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ، وَحَوْلَهُ عِصَابَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، تُبَايِعُونِي عَلَى أَنْ لَا تُشْرِكُوا بِاللَّهِ شَيْئًا، وَلَا تَسْرِقُوا، وَلَا تَزْنُوا، وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ، وَلَا تَأْتُوا بِبُهْتَانٍ تَفْتَرُونَهُ بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَأَرْجُلِكُمْ، وَلَا تَعْصُونِي فِي مَعْرُوفٍ، فَمَنْ وَفَّى فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ، وَمَنْ أَصَابَ مِنْكُمْ شَيْئًا، فَعُوقِبَ بِهِ، فَهُوَ لَهُ كَفَّارَةٌ، وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا، ثُمَّ سَتَرَهُ اللَّهُ، فَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ، إِنْ شَاءَ عَفَا عَنْهُ، وَإِنْ شَاءَ عَاقَبَهُ".
خَالَفَهُ أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ).
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: لا مناسبة بين حديث عبادة بن الصامت رضي الله تعالى عنه وبين الترجمة؛ لأنه لا ذكر للجهاد فيه؛ بل فيه أنه صلّى الله تعالى عليه وسلم بايعهم عَلَى بيعة النساء، ومعلوم أنه لا جهاد عَلَى النساء، فالأولى ما صنعه المصنّف رحمه الله تعالى فِي "الكبرى" حيث ترجم لهذا الحديث بقوله: "البيعة عَلَى ترك عصيان الإِمام". ويمكن أن الترجمة المذكورة كانت فِي "المجتبى" أيضًا، إلا أنها سقطت منْ النسّاخ سهوًا، والله تعالى أعلم.
ورجال هَذَا الإسناد: سبعة:
١ - (عبيد الله بن سعد) الزهريّ، أبو الفضل البغداديّ، قاضى أصبهان، ثقة [١١] ١٧/ ٤٨٠.
٢ - (عمّه) يعقوب بن إبراهيم بن سعد الزهريّ، أبو يوسف المدنيّ، نزيل بغداد، ثقة فاضلٌ، منْ صغار [٩] ١٩٦/ ٣١٤.
٣ - (أبوه) إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ، أبو إسحاق المدنيّ، نزيل بغداد، ثقة حجة [٨] ١٩٦/ ٣١٤.
٤ - (صالح) بن كيسان الغفاريّ، أبو محمّد المدنيّ، ثقة ثبت فقيه [٤] ١٩٦/ ٣١٤.
стр. 15879
٥ - (ابن شهاب) الزهريّ المذكور فِي السند الماضي.
٦ - (أبو إدريس الْخولانيّ) عائذ الله بن عبد الله، وُلد فِي حياة النبيّ صلّى الله تعالى عليه وسلم يوم حُنين، وسمع منْ كبار الصحابة، وكان عالم الشام بعد أبي الدرداء، مات سنة (٨٠)، وأبوه عبد الله بن عمرو الخولانيّ، صحابيّ [٢] ٧٢/ ٨٠.
٧ - (عبادة بن الصامت) الأنصاريّ رضي الله تعالى عنه، تقدّم قريبًا. والله تعالى أعلم.
لطائف هَذَا الإسناد:
(منها): أنه منْ سباعيّات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أن فيه ثلاثة منْ التابعين يروي بعضهم عن بعض: صالح، عن ابن شهاب، عن أبي إدريس. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمّد بن مسلم الزهريّ، أنه (قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيُّ) بفتح الخاء المعجمة، وسكون الواو: نسبة إلى خولان، قبيلة نزلت الشام (١) (أَنَّ عُبَادَةَ بْنَ الصَّامِتِ) رضي الله تعالى عنه. زاد فِي رواية للبخاريّ: "وكان شهد بدرًا، وهو أحد النقباء ليلة العقبة" (قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ، وَحَوْلَهُ) منصوب عَلَى الظرفية متعلّق بمحذوف خبر لقوله (عِصَابَةٌ) بكسر العين المهملة: الجماعة منْ العشرة إلى الأربعين، ولا واحد لها منْ لفظها، وجمعها عصائب، وعُصُب (مِنْ أَصْحَابِهِ تُبَايِعُونِي) ومعنى المبايعة: المعاهدة، سُمّيت بذلك تشبيهًا لها بالمعاوضة الماليّة، وتقدم هَذَا بأتمّ منْ هَذَا (عَلَى أَنْ لَا تُشْرِكُوا بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا تَسْرِقُوا وَلَا تَزْنُوا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ) قَالَ محمّد بن إسماعيل التيميّ وغيره: خصّ القتل بالأولاد؛ لأنه قتلٌ، وقطيعة رحم، فالعناية بالنهي عنه آكد، ولأنه كَانَ شائعًا فيهم، وهو وأد البنات، وقتل البنين، خشية الإملاق، أو خصّهم بالذكر؛ لأنهم بصدد أن لا يدفعوا عن أنفسهم (وَلَا تَأْتُوا بِبُهْتَانٍ) أي بكذب عَلَى أحد، فالبهتان هو الكذب الذي يُبهِت سامعه (تَفْتَرُونَهُ) أي تختلقونه (بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَأَرْجُلِكُمْ) وخصّ الأيدي والأرجل بافتراء؛ لأن معظم الأفعال تقع بهما، إذ كانت هي العوامل، والحوامل للمباشرة والسعي، وكذا يسمّون الصنائع الأيادي، وَقَدْ يُعاقب الرجل بجناية قوليّة، فيقال: هَذَا بما كسبت يداك. ويحتمل أن يكون المراد: لا تبهتوا الناس كفاحًا، وبعضكم يُشاهد بعضًا، كما يقال: قلت بين يدي فلان. قاله
стр. 15880
وفيه نظر؛ لذكر الأرجل. وأجاب الكرمانيّ بأن المراد الأيدي، وذكر الأرجل تأكيدًا. ومُحَصّله أن ذكر الأرجل إن لم يكن مقتضيًا، فليس بمانع.
ويحتمل أن يكون المراد بما بين الأيدي والأرجل القلب؛ لأنه هو الذي يترجم اللسان عنه، فلذلك نسب إليه الافتراء، كأن المعنى: لا ترموا أحداً بكذب، تُزوّرونه فِي أنفسكم، ثم تبهتون صاحبه بألسنتكم. وَقَالَ أبو محمّد بن أبي جمرة: يحتمل أن يكون قوله: "بين أيديكم" أي فِي الحال، وقوله: "وأرجلكم" أي فِي المستقبل؛ لِأنَّ السَّعْي منْ أفعال الأرْجُل، وَقَالَ غيره: أصْل هَذَا كَانَ فِي بيعة النِّساء، وكَنَّى بِذَلِك كما قَالَ الهَروِيّ فِي "الغرِيبين" -عَنْ نِسْبة الْمَرْأة الْوَلَد، الَّذِي تزنِي بهِ، أو تلتقِطهُ إِلى زوجها، ثُمَّ لما استعمل هَذَا اللَّفْظ فِي بيعة الرِّجال، احْتِيجَ إِلى حمله عَلَى غَيْر ما ورد فِيهِ أوَّلا. والله أعلم.
وَقَالَ الشيخ عز الدين ابن عبد السلام رحمه الله تعالى: هَذَا الحديث إشارة إلى ما فِي قوله تعالى: ﴿وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ﴾ [الممتحنة: ١٢]، وهذا مشكلٌ؛ لأن الذي ذكره المفسّرون فِي الآية لا يجيء هنا؛ لأنهم قالوا: كانت المرأة يكون لها الزوج ذو المال، وليس له ولدٌ، فتخاف عَلَى ماله بعد موته، فتلتقط ولدًا، وتقول: ولدته، فقوله: ﴿بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ﴾ [الممتحنة: ١٢] إشارة إلى الولادة، ووصفه بذلك باعتبار زعمهنّ فِي قولهنّ، كَانَ هَذَا معنى الآية، لا يكون ذلك فِي حق الرجال. قَالَ: والجواب أن هَذَا منْ باب نسبة الفعل إذا صدر منْ الواحد إلى الجماعة، كقوله تعالى: ﴿وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا﴾ [فاطر: ١٢]، فإن الرجال لا يلبسون الحلية. انتهى (١).
(وَلَا تَعْصُونِي فِى مَعْرُوفٍ) المعرُوف ما عُرِف منْ الشَّارع حُسْنه نَهْيًا، وأمْرًا.
[فإن قيل]: إن أمره صلّى الله تعالى عليه وسلم كلّه معروف، ولا يُتصوّر منه خلاف ذلك، فما معنى قوله: "فِي معروف"؟.
[قيل]: المراد منه التنبيه عَلَى علّة وجوب الطاعة، وعلى أنه لا طاعة للمخلوق فِي غير المعروف، وعلى أنه ينبغي اشتراط الطاعة فِي المعروف فِي البيعة، لا مطلقًا. أفاده السنديّ رحمه الله تعالى (٢).
وَقَالَ النَّووِيّ: يحْتمِل أن يكُون المعنى: ولا تَعْصُونِي، ولا أَحَد أُولى الأمر عليكُم، فِي المعرُوف، فيكُون التَّقيِيد بِالْمَعرُوفِ، مُتعلِّقًا بِشَيْءٍ بعده. وَقَالَ غيره: نَبَّهَ بِذلِك عَلَى
стр. 15881
أنَّ طاعة المخلُوق، إِنَّما تَجب فِيما كَانَ غَيْر معصِية لله، فهِي جدِيرة بالتَّوقِّي فِي معصِية الله (فَمَنْ وَفَّى) زاد فِي رواية البخاريّ": "منكم": أي منْ ثبت عَلَى العهد. وَوَفَى بِالتَّخْفِيفِ، وفِي رِواية بِالتَّشْدِيدِ، وَهُمَا بِمعْنَى (فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ) أطلق هَذَا عَلَى سبِيل التَّفْخِيم؛ لِأنَّه لَمَّا أن ذكر المُبايعة المُقتضِية لِوُجُودِ العِوضَيْنِ، أثبت ذِكْر الأجْر فِي موضع أحَدهمَا. وَقَدْ أفْصَحَ فِي رِواية الصُّنَابِحِيّ، عن عُبَادَةَ، فِي هَذَا الحديث، فِي "الصَّحِيحَيْنِ" بِتَعْيِينِ العِوَض، فقال: "الْجَنَّة"، وَعَبَّر هُنا بلَفْظِ "عَلَى" لِلْمُبالَغَةِ فِي تحقق وُقُوعه، كالْواجِباتِ، ويتعيَّن حمله عَلَى غَيْر ظَاهِره؛ لِلأدِلةِ الْقَائِمة عَلَى أنّهُ لا يَجِب عَلَى الله شَيْء.
[فإِن قِيل]: لِمَ اقتصر عَلَى المنهِيات، ولم يذكُر المأمُورات؟.
[فالجواب]: أنّهُ لم يُهمِلها، بل ذكرها عَلَى طرِيق الإجمال فِي قوله: "ولا تَعْصُوا"، إِذ الْعِصْيان مُخَالَفَة الأمْر.
والْحِكْمَة فِي التَّنصِيص عَلَى كثِير منْ الْمَنْهِيات، دُون المَأْمُورات، أن الكف أيسر منْ إِنشاء الفِعل؛ لِأنَّ اجْتِناب المَفَاسِد مُقدَّم عَلَى اجْتِلاب الْمَصَالِح، والتَّخَلِّي عن الرَّذائِل قبل التَّحَلِّي بالفَضَائِلِ. قوله: (وَمَنْ أَصَابَ مِنْكُمْ شَيْئًا) أي مما سوى الشرك، إذ لا كفّارة للشرك، سوى التوبة عنه، فهو عام مخصوص (فعُوقِبَ به) أي بسبب ما أصابه منْ المخالفة (فهُو) أيْ العِقاب (له كَفَّارة) زاد فِي رواية معمر، عن ابن شهاب الآتية ١٧/ ٤١٨٠ - "فهو طهُوره".
قَالَ النووِي: عُمُوم هَذَا الحدِيث مَخْصُوص بِقولِهِ تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء: ٤٨]، فالمُرتد إِذَا قُتِل عَلَى ارتِداده، لا يكُون القتل لهُ كَفَّارة.
قَالَ الحافظ: وهذا بِناء عَلَى أنَّ قوله: "مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا" يتناول جِميع ما ذُكِرَ، وَهُوَ ظَاهِر، وَقَدْ قِيل: يَحتَمِلُ أن يكُون المُراد ما ذُكِر بعد الشرك؛ بِقرِينةِ أنَّ المُخاطب بِذلِك المسلِمُون، فَلا يَدْخُل حتى يحتاج إِلى إِخراجه، وُيؤيدهُ رِواية مُسلِم منْ طرِيق أبِي الأشْعَث، عن عُبادة، فِي هَذَا الْحَديث: "وَمَنْ أتى مِنْكُم حَدًّا"، إِذ القتل عَلَى الشِّرْك، لا يُسَمَّى حَدًّا. لكِنْ يَعكُر عَلَى هَذَا الْقَائِل، أنَّ الفاء فِي قوله: "فَمَنّ" لِترتِيبِ ما بعدها عَلَى ما قبلها، وخِطاب المُسلِمِين بِذلِك، لا يَمْنع التَّحْذِير منْ الإشْرَاك، وما ذُكِر فِي الحدّ عُرْفِيّ حَادِث، فالصَّوَاب ما قَالَ النَّووِيّ.
وَقَالَ الطِّيبِيّ: الحق أنَّ المُراد بِالشِّركِ الشِّرْك الأصْغَر، وهُو الرِّياء، ويدُلّ عَلَيْهِ تنكِير "شيئًا" أي شِركًا أيًّا مَا كَانَ.
وَتُعُقِّبَ بِأنَّ عُرْف الشَّارع، إِذَا أطلق الشِّرْك، إِنَّما يرِيد بِهِ ما يُقابِل التَّوحِيد، وَقَدْ
стр. 15882
تكرّر هَذَا اللفظ فِي الكِتاب، والأَحَادِيث، حَيْثُ لا يُراد بِهِ إِلَّا ذَلِكَ.
ويُجاب بِأنَّ طلب الْجَمْع، يقتضِي ارتِكاب المجاز، فما قالهُ مُحتمِلٌ، وإن كَانَ ضعِيفًا. ولكِن يعكُر عَلَيْهِ أيْضًا، أَنَّهُ عقِب الإصَابة بِالعُقُوبةِ فِي الدُّنْيَا، والرياء لا عُقُوبة فِيهِ، فوضح أنَّ المُراد الشِّرْك، وأنَّهُ مَخْصُوص.
وَقَالَ القاضِي عِياض: ذهب أكثر العُلَمَاء، أن الحُدُود كَفَّارات، واستدلُّوا بهِذا الحدِيث، ومِنْهُمْ منْ وَقَفَ؛ لِحدِيثِ أبِي هُرَيْرَة: أنَّ النَّبِيّ ﷺ ، قَالَ: "لا أدْرِي، الْحُدُود كَفَّارة لِأهْلِها، أمْ لا؟ "، لكِن حدِيث عُبادة أصحّ إِسنادًا.
ويُمكِن يعني عَلَى طرِيق الجمع بينهما -أن يكُون حدِيث أبي هُريرة، ورد أولاً قبل أن يُعلِمهُ الله، ثم أعلمهُ بعد ذَلِكَ.
قَالَ الحافظ: حدِيث أبِي هُريرة، أخْرَجهُ الْحَاكِم، فِي "المُسْتَدْرك"، و"البزَّار" مِن رِواية معمر، عن ابن أبِي ذِئب، عن سعِيد المقبُرِيّ، عن أبِي هُريرة، وهُو صحِيح، عَلَى شرط الشيخينِ. وَقَدْ أخْرَجهُ أحمد، عن عَبْد الرَّزَّاق، عن معمر. وذكر الدَّارقُطنِيّ، أنَّ عَبْد الرَّزَّاق، تفرَّد بِوصْلِهِ، وأنَّ هِشام بن يُوسُف، رواهُ عن معمر، فأرسلهُ.
قَالَ الحافظ: وَقَدْ وصلهُ آدم بن أبِي إِياس، عن ابن أبِي ذِئب، وأخْرَجهُ الْحَاكِم أيضًا، فقوِيت رِواية معمر، وإِذا كَانَ صحِيحًا، فالجمع -الذِي جمع بِهِ القاضي- حسن، لكِنَّ القاضِي، ومن تبعهُ، جَازِمُون بِأن حدِيث عُبادة هَذَا، كَانَ بِمكة، ليلة العقبة، لما
بايع الأنصارُ رسُول الله ﷺ ، البيعة الأُولى بِمِنى، وأبُو هُريرة، إِنَّما أسلم بعْد ذَلِكَ بِسبعِ سِنِين، عام خَيبر، فكيف يكُون حدِيثه مُتقدِّمًا؟ وقالُوا فِي الجواب عنهُ: يُمكِن أن يكُون أبُو هُريرة، ما سمِعهُ مِن النَّبِيّ ﷺ ، وإِنَّما سمِعهُ منْ صحابِيّ آخر، كَانَ سمِعهُ منْ النَّبِيّ ﷺ قدِيمًا، ولَمْ يسمع منْ النَّبِيّ ﷺ ، بعد ذَلِكَ أنَّ الحُدُود كَفَّارة، كما سمِعهُ عُبادة.
وفِي هَذَا كما قَالَ الحافظ -تعسُّف، ويُبطِلهُ أنَّ أبا هُريرة صَرَّح بسماعِهِ، وأنَّ الحُدُود لم تكُنْ نزلت إِذْ ذاك، والْحَقّ عِندِي أنَّ حدِيث أبِي هُريرة صحِيح، وهُو ما تقدَّم عَلَى حدِيث عُبادة، والمُبايعة الْمَذْكُورة فِي حدِيث عُبَادَة، عَلَى الصِّفة المذكُورة، لم تقع ليلة العقبة، وإنما كَانَ ليلة العقبة، ما ذكر ابن إسحاق وغيره، منْ أهل الْمَغَازِي، أنَّ النَّبِيّ ﷺ ، قَالَ لِمن حضر مِن الأنْصار: "أُبايعكُم عَلَى أن تَمنعُونِي، مِمّا تمنعُون مِنْهُ نِساءكُم وأبناءكُم"، فبايعُوهُ عَلَى ذَلِكَ، وعلى أن يرحل إِليهِم هُو وأصحابه.
وَقَدْ تقدّم فِي هَذَا الباب منْ حدِيث عُبَادَة أيْضًا قَالَ: بايعنا رسُول الله ﷺ ، عَلَى السَّمْع والطَّاعة، فِي العُسْر واليُسْر، والمَنْشَط والمَكْرَه … " الحديث. وَأَصْرَح منْ
стр. 15883
ذَلِكَ فِي هَذَا المُراد، ما أخرجهُ أحمد، والطبرانِيّ منْ وجه آخر، عن عُبادةَ، أَنَّهُ جَرَتْ لهُ قِصَّة مع أبِي هُريرة، عِنْد مُعاوِية بِالشَّامِ، "فقال: يا أبا هُريرة، إِنَّك لم تكُنْ معنا، إِذْ بايعنا رسُول الله ﷺ ، عَلَى السَّمع والطَّاعة، فِي النَّشاط والكسل، وعلى الأمر بِالمعرُوفِ، والنَّهي عن المُنْكر، وعلى أن نقُول بالحقِّ، ولا نخاف فِي الله لومة لائِم، وعلى أن ننصُر رسُول الله ﷺ ، إِذَا قدِم علينا يثرب، فنمنعهُ مِمَّا نمنع مِنْهُ أنفُسنا، وأزواجنا، وأبناءنا، ولنا الجَنَّة، فهذِهِ بيعة رسُول الله ﷺ التِي بايعناهُ عليها. فذكر بقِية الحديث. وعِند الطَّبرانِيّ لهُ طرِيق أُخْرى، وألفاظ قريبة منْ هذِهِ. وَقَدْ وَضَحَ أنَّ هَذَا هُو الذِي وقع فِي البيعة الأولى، ثُمَّ صدرت مُبايعات أُخْرى، مِنها: هذِهِ البيعة فِي حدِيث الباب، فِي الزَّجر عن الفَواحِش المذكُورة. والَّذِي يُقوِّي أنَّها وقعت بعد فتح مَكَّة، بعد أنْ نزلت الآية الَّتِي فِي المُمْتحِنة، وهِي قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ﴾ [الممتحنة: ١٢] ونُزُولُ هذِهِ الآية مُتأخِّر، بعد قِصة الحُديبِية بِلا خِلاف، والدَّلِيل عَلَى ذَلِكَ، ما عِنْد البُخَارِيّ فِي "كِتَاب الحُدُود" منْ طرِيق سُفيان بن عُيينة، عن الزُّهرِيّ، فِي حدِيث عُبادة هَذَا، أنَّ النَّبِيّ ﷺ ، لَمَّا بايعهُنم قرأ الآية كُلها، وعِنده فِي "تفْسِير المُمْتَحِنَة" منْ هَذَا الوجه، قَالَ: "قرأ آية النِّسَاء"، ولِمُسْلِم منْ طرِيق معمر، عن الزُّهريّ، قَالَ: "فتلا علينا آية النساء، قَالَ: أن لا تُشْرِكنَ باللهِ شيئًا"، ولِلمصنّف فِي الرواية التالية: أَنَّ رسُول الله ﷺ ، قَالَ: "ألا تُبايِعُونَنِي عَلَى ما بايع عَلَيْهِ النِّساءُ، أن لا تُشرِكُوا باللهِ شيئاً" الحديث. ولِلطَّبرانِيّ منْ وجه آخر، عَنْ الزُّهرِيّ بهذا السَّنَد: "بايعنا رسُول الله ﷺ ، عَلَى مَا بَايع عَلَيْهِ النِّسَاء يوم فتح مَكَّة". ولِمسلِم منْ طرِيق أبِي الأشْعَث، عن عُبَادَة فِي هَذَا الْحَديث: "أَخَذَ علينا رسُول الله ﷺ ، كما أخذ عَلَى النِّسَاء".
قَالَ الحافظ رحمه الله تعالى: فهذِهِ أدِلَّة ظاهِرة فِي أنَّ هذِهِ البيعة، إِنما صدرت بعد نُزُول الآية، بل بعد صُدُور البيعة، بل بعد فتح مكة، وذلِك بعد إِسلام أبِي هُريرة بِمُدةٍ. وُيؤيِّد هَذَا ما رواهُ ابن أبِي خيثمة، فِي "تارِيخه" عن أبِيهِ، عن مُحمَّد بن عبد الرَّحْمن الطُّفاوِيّ، عن أيُّوب، عن عمرو بن شُعيب، عَنْ أبِيهِ، عن جده، قَالَ: قَالَ رسُول الله ﷺ : "أُبَايِعكم عَلَى أن لا تُشْرِكُوا بِاللهِ شَيئًا"، فذكر نحو حدِيث عُبادة، ورِجاله ثِقات. وَقَدْ قَالَ إسحاق بن راهويهِ: إِذَا صَحَّ الإسْنَاد إِلى عمرو بن شُعَيْب، فهُو كأيُّوب، عن نافِع، عن ابْن عُمر. اهـ.
وَإذَا كَانَ عند الله بن عمرو، أَحَد مَنْ حضر هذِهِ الْبَيْعة، وَلَيْسَ هُوَ منْ الأنْصَار، ولا مِمن حضر بيعتهم، وإنَّما كَانَ إِسلامه قُرب إِسلام أبِي هُريرة، وضَحَ تغايُر الْبَيْعَتَينِ:
стр. 15884
بيعة الأنصار، ليلة العقبة، وهِي قبل الهِجرة إِلى المدِينة، وبيعة أُخرى، وقعت بعد فتح مكّة، وشهِدها عبد الله بن عمرو، وكان إِسلامه بعد الهِجرة بِمُدةٍ طوِيلة. ومِثل ذَلِكَ ما رواهُ الطبرانِي، منْ حدِيث جرِير، قَالَ: "بايعنا رسُول الله ﷺ عَلَى مِثل ما بايع عَلَيْهِ النِّساء"، فذكر الحديث، وكان إسلام جرير، مُتأخِّرًا عن إسلام أبي هريرة عَلَى الصَّواب، واِنما حصل الالتِباس منْ جِهة أن عُبادة بن الصامِت، حضر البيعتينِ معًا، وكانت بيعة العقبة منْ أجَلّ ما يُتمدَّح بِهِ، فَكَان يذكُرها إِذَا حدَّث تنوِيها بِسابِقِيَّتِهِ، فلمّا ذكر هذِهِ البيعة الَّتِي صدرت، عَلَى مِثل بيعة النِّسَاء، عقِب ذَلِكَ توهَّم منْ لم يقِف عَلَى حقِيقة الْحال، أن البيعة الأُولى وقعت عَلَى ذَلِكَ.
ونظِيره ما أخرجهُ أحمد، منْ طرِيق مُحمّد بن إسحاق، عن عُبادة بن الولِيد بن عُبادة ابن الصَّامِت، عن أبِيهِ، عن جده -وكان أحد النُّقَباء- قَالَ: "بايعنا رسُول الله ﷺ بيعة الْحَرْب"، وكان عُبادة منْ الاثني عشر، الذين بايعُوا فِي العقبة الأولى: "عَلَى بيعة النِّسَاء، وعلى السَّمْع والطَّاعة، فِي عُسرنا ويُسرنا" الحدِيث، فإِنه ظاهِر فِي اتحاد البيعتينِ، ولكِنَّ الحديث فِي "الصَّحِيحينِ"، ليس فِيهِ هذِهِ الزِّيادة، وهُو منْ طرِيق مالِك، عن يحيي بن سعِيد الأنصارِيّ، عن عُبادة بن الوليد. والصَّوَاب أنَّ بيعة الحرب بعد بيعة العقبة؛ لِأن الحرب إِنَّما شُرع بعد الهِجرة.
ويُمكِن تأوِيل رِواية ابْن إسْحاق، وردّها إِلى ما تقدَّم، وَقَدْ اشْتَمَلتْ رِوايته عَلَى ثَلاث بيعات: بيعة العقبة، وَقَدْ صرَّح أنَّها كانت قبل أن تُفرض الحرب، فِي رِواية الصُّنابِحِيّ، عن عُبادة، عِند أحمد. والثَّانية: بيعة الحرب وأنَّها كانت عَلَى عدم الفِرار. والثَّالِثة: بيعة النِّساء، أي الِّتِي وقعت عَلَى نظِير بيعة النِّساء. والراجِح أنَّ التَّصرِيح بِذلِك وهْمٌ منْ بعض الرُّواة، والله أعلم.
قَالَ الحافظ: ويعكُر عَلَى ذَلِكَ التَّصرِيح فِي رِواية ابن إسحاق، منْ طرِيق الصَّنابِحِيّ، عن عُبادة، أن بيعة ليلة العقبة، كانت عَلَى مِثل بيعة النِّساء، واتَّفق وُقُوع ذَلِكَ قبل أن تنزِل الآية، وإنَّما أُضِيفت إِلى النِّساء؛ لِضبطِها بِالقُرآنِ.
ونظِيره ما وقع فِي "الصحِيحين" أيْضًا منْ طرِيق الصُّنابِحِيّ، عن عُبادة، قَالَ: "إنّي منْ النُّقباء الذين بايعُوا رسُول الله ﷺ "، وَقَالَ: "بايعناهُ عَلَى أن لا نُشرِك باللهِ شيئاً" الحديث. فظاهِر هَذَا اتحاد البيعتينِ؛ ولكِن المُراد ما قرَّرته أنَّ قوله: "إِنِّي منْ النقباء الذين بايعُوا" -أي ليلة العقبة- عَلَى الإيواء والنَّصْر، وما يتعلَّق بِذلِك. ثُمَّ قَالَ: بايعناهُ إِلَخْ أي: فِي وقت آخر، ويُشِير إِلى هَذَا الإتيانُ بِالواوِ الْعَاطِفة فِي قوله: "وَقَالَ: بايعناهُ".
قَالَ: وَعَليْك بِردِّ ما أتى منْ الرِّوايات، مُوهِمًا بِأنَّ هذِهِ البيعة، كانت ليلة العقبة، إِلى
стр. 15885
هَذَا التَّأوِيل الَّذِي نهجت إِليهِ، فيرتفِع بِذلِك الإشكال، ولا يبقى بين حدِيثي أبي هريرة، وعُبادة تعارُض، ولا وجه بعد ذَلِكَ لِلتوقفِ فِي كون الحُدُود كَفَّارة.
[واعلم]: أنَّ عُبادة بن الصَّامِت، لم يتفرِد بِرِوايةِ هَذَا الْمَعْنَى، بَلْ روى ذَلِكَ عليّ بن أبِي طالِب رضي الله تعالى عنه، وهُو فِي التِّرمِذِيّ، وصحَّحهُ الحاكِم، وفِيهِ: "منْ أصاب ذنبا، فعُوقِب بِهِ فِي الدُّنيا، فالله اكرم منْ أن يُثنِّي العُقُوبة عَلَى عبده فِي الآخِرة"، وهُو عِند الطَّبرانِيّ بِإِسْنادٍ حسن، منْ حدِيث أبي تمِيمة الْهُجيمِيّ. ولِأحمد منْ حدِيث خُزيمة بن ثابِت، بِإِسنادٍ حسن، ولفظه: "منْ أصاب ذنبًا، أُقِيم عَلَيْهِ ذَلِكَ الذَّنْب، فهُو كَفَّارة لهُ". ولِلطَّبرانِيّ عن ابن عمرو مرفُوعًا: "ما عُوقِب رجُل عَلَى ذنب، إِلا جعلهُ الله كَفَّارة لِما أصاب، منْ ذَلِكَ الذَّنْب".
قَالَ الحافظ: وإِنما أطلت فِي هَذَا الموضِع؛ لِأننِي لم أر منْ أزال اللبس فِيهِ عَلَى الوجه المرضِي، والله الهادِي. انتهى كلام الحافظ رحمه الله تعالى، وهو تحقيقٌ نفيسٌ جداً، أجاد فيه، وأفاد، فجزاه الله تعالى عليه أحسن الجزاء.
وقوله أيضًا (فعُوقِبَ بِهِ) قَالَ ابن التين: يُرِيد بِهِ القطع فِي السَّرِقة، والجلد، أو الرَّجْم فِي الزِّنا. قَالَ: وأمَّا قتل الولد، فليس لهُ عُقُوبة معلُومة، إِلا أن يُرِيد قتل النَّفس، فكنَّى عنهُ. قَالَ الحافظ. وفِي رِواية الصُّنابِحِيّ، عن عُبادة، فِي هَذَا الحدِيث: "ولا تقتُلُوا النَّفْس الَّتِي حرّم الله إِلا بالحقِّ"، ولكِن قوله فِي حدِيث الْبَاب: "فعُوقِب بهِ"، أَعَمّ منْ أن تكُون العُقُوبة حدًّا، أو تعزِيرًا. قاله فِي "الفتح".
وَقَالَ القرطبيّ: قوله: "كفّارة له": هَذَا حجة واضحة لجمهور العلماء عَلَى أن الحدود كفارات، فمن قتل، فاقتُصّ منه لم يبق عليه طلبة فِي الآخر؛ لأن الكفّارات ماحيةٌ للذنوب، ومُصيِّرةٌ لصاحبها كأن ذنبه لم يكن، وَقَدْ ظهر ذلك فِي كفارة اليمين والظهار، وغير ذلك، فإن بقي مع الكفارة شيء منْ آثار الذنب لم يصدُق عليها ذلك الاسم. وَقَدْ سمعنا منْ بعض علماء مشايخنا أن الكفّارة إنما تكفّر حق الله تعالى، ويبقى عَلَى القاتل حقّ المقتول، يطلبه به يوم القيامة، وتطّرد هذه الطريقة فِي سائر حقوق الآدميين. قَالَ القرطبيّ: وهذا ليس بصحيح؛ لأنه تخصيص لعموم ذلك الحديث بغير دليل، وما ذكره منْ اختلاف الحقوق صحيحٌ، غير أنه لما أباح الله دم القاتل بسبب جريمته، وقُتل، فقد فُعل به مثلُ ما فعل، منْ إيلام نفسه، واستباحة دمه، فلم يبق عليه شيء، وهذا معنى القصاص. انتهى كلام القرطبيّ (١).
стр. 15886
وَقَالَ فِي "الفتح": قَالَ ابن التين: وحُكِي عن القاضِي إسماعيل وغيره، أنَّ قتل القاتِل إِنَّما هُو رادِع لِغيرِهِ، وأمَّا فِي الآخِرة، فالطلب لِلمقتُولِ قائِم؛ لِأنَّهُ لم يصل إِليهِ حق.
قَالَ الحافظ: بل وصل إِليهِ حق، أي حق، فإنَّ المقتُول ظُلمًا، تُكفَّر عنهُ ذُنُوبه بِالقتلِ، كما ورد فِي الخبر الذِي صححهُ ابن حِبَّان وغيره: "إِنَّ السَّيف مَحَّاء لِلخطايا"، وعنْ ابن مسعُود رضي الله تعالى عنه، قَالَ: "إِذَا جاء القتل محا كُلّ شيء"، رواهُ الطَّبرانِيّ، ولهُ عن الحسنُ بن عليّ نحوه، ولِلبزَّارِ عن عائِشة رضي الله تعالى عنها مرفُوعًا: "لا يمُر القتل بِذنْب، إِلَّا مَحَاهُ"، فلولا القتل ما كُفِّرت ذُنُوبه، وأيّ حَقّ يصل إِليهِ أعظم منْ هَذَا؟، ولوْ كَانَ حد القتل إِنَّمَا شُرع لِلرَّدعِ فقط، لم يُشْرع العفو عن الْقَاتِل. انتهى.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبين بهذا أن الأرجح ما قاله الجمهور، منْ أن القصاص مكفّر لجريمة القتل. والله تعالى أعلم
وَقَالَ فِي "الفتح" أيضاً: وهل تَدْخُل فِي الْعُقُوبة المذكُورةِ المصائِب الدُّنيوِيَّة، منْ الآلام والأسْقَام، وغيرها؟ فِيهِ نظر. ويدُلّ لِلمَنْع قوله: "ومن أصاب منْ ذَلِكَ شيئاً، ثُمَّ سترهُ الله"، فإِنَّ هذِهِ المصائِب لا تنُافِي السَّتْر، ولكِنْ بيّنت الأحادِيث الكثِيرة، أَنَّ المصائِب تُكفِّر الذنُوب، فيحتمِلُ أن يُراد أنَّها تكفر ما لا حَدّ فِيهِ. والله أعلم.
(وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا، ثُمَّ سَتَرَهُ اللَّهُ) زاد فِي رِواية سفيان، عن الزهريّ الآتية: ٣٨/ ٤٢١٢ - : "عَلَيْهِ" (فَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ) زاد فِي رواية سفيان المذكورة: " ".
قَالَ المازريّ: فِيهِ رَدّ عَلَى الخَوارج الذين يُكفِّرُون بِالذُّنُوب، ورد عَلَى المُعتزِلة الَّذين يُوجِبُون تغذِيب الفاسِق، إِذَا مات بِلا توبة؛ لِأنَّ النَّبيّ ﷺ أخْبر بِأنهُ تَحت المشِيئة، ولم يقُل: لابُدّ أن يُعذِّبهُ. وَقَالَ الطّيبِيّ: فِيهِ إِشارة إِلى الْكَفّ عن الشهادة بِالنَّارِ عَلَى أحد، أو بِالجنَّةِ لِأحدِ، إِلّا منْ ورد النَّصّ فِيهِ بِعينِهِ. قَالَ الحافظ: أما الشِّق الأوّل فواضِح، وأمَّا الثَّانِي فالإشارة إِليهِ إِنَّما تُستفاد منْ الحمل عَلَى غير ظاهِر الحدِيث، وهُو مُتعيَّن (إِنْ شَاءَ عَفَا عَنْهُ وَإِنْ شَاءَ عَذّبهُ) يشمل منْ تاب منْ ذَلِكَ، ومن لم يتُب، وَقَالَ بِذلِك طائِفة، وذهب الجُمهُور إِلى أن منْ تاب لا يبقى عَلَيْهِ مُؤاخذة، ومع ذَلِكَ فلا يأمن مكر الله؛ لِأنَّهُ لا اطلاع لهُ، هل قُبِلت توبته أو لا. وقِيل: يُفرَّق بين ما يجِب فِيهِ الحد، وما لا يجِب. واختُلِف فِيمن أتى ما يُوجِب الحَدّ، فقِيل: يجُوز أن يتُوب سِرًّا، ويكفِيه ذَلِكَ. وقِيل: بَلْ الأفضل أن يأتِي الإِمام، ويعترِفِ بِهِ، ويسألهُ أنْ يُقِيم عَلَيْهِ الحدّ، كما وقع لِماعِزٍ، والْغَامِدِيَّةِ. وَفَصَل بعض العُلماء بين أن يكُون مُعلِنًا بِالفُجُورِ، فيُستحبّ أَنْ
стр. 15887
يُعلِن بِتوبتِهِ، وإِلَّا فلا.
(تتبِيه): زاد فِي رِواية الصُّنابحِيّ، عن عُبادة، فِي هَذَا الحديث: "ولا ينتهِب"، وهُو مِمّا يُتمسَّك بِهِ فِي أن البيعة مُتأخِّرة؛ لِأن الجِهاد عِتد بيعة العقبة، لم يكُن فُرِض، والْمُراد بالانتِهاب ما يقع بعد الْقِتال فِي الغنائِم. وزاد فِي رِوايته أيْضاً: "ولا يَعْصِي، بالجنَّةِ (١)، إن فعلنا ذَلِكَ، فإِنْ غشِينا منْ ذَلِكَ شيئاً ما، كَانَ قضاء ذَلِكَ إِلى الله"، أخرجهُ البخاريّ فِي "باب وُفُود الأنْصَار" عن قُتيبة، عن الليث، ووقع عِنده: "ولا يقضِي" بِقافٍ، وضاد مُعجمة، قَالَ الحافظ: وهُو تَصْحِيف، وَقَدْ تكلف بعض النَّاس فِي تخرِيجه، وَقَالَ: إِنَّهُ نَهَاكُم عن وِلاية القضاء، وُيبطِلهُ أنَّ عُبادة ﵁ ولى قضاء فِلسطِين، فِي زمن عُمر ﵁. وقِيل: إِنَّ قوله: "بالجنة" مُتعلِّق بِـ"يقضِي"، أي لا يقضِي بِالجنَّةِ لِأحدٍ مُعيَّن. لكِن يبقى قوله: "إن فعلنا ذَلِكَ" بِلا جواب، ويكفِي فِي ثُبُوت دعوى التَّصْحِيف فِيهِ، رِواية مُسلِم عن قُتَيْبة، بِالعينِ والصَّاد المُهملتينِ، وكذا الإسْمَاعِيليّ عن الحسنُ بنِ سُفْيان، ولِأبِي نُعَيْم منْ طرِيق مُوسى بن هارُون، كِلاهُما عن قُتيبة، وكذا هُو عِنْد البخاريّ أيضاً، فِي هَذَا الحديث فِي "الدِّيَات" عن عبد الله بن يُوسُف، عن اللَّيْث، فِي مُعظم الرِّوايات، لكِن عند الكُشْمِيهنِيّ بِالْقَافِ والضَّاد أيضاً، وهُو تَصْحِيف، كما بَيَّنَّاهُ.
وقؤله: "بالجنة" إِنما هُو مُتعلِّق بِقولِهِ فِي أوَّله: "بايعنا". والله أعلم. قاله فِي "الفتح" (٢). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): فِي درجته:
حديث عبادة بن الصامت رضي الله تعالى عنه هَذَا متَّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -٩/ ٤١٦٣ و٤١٦٤ و١٧/ ٤١٨٠ و"كتاب الإيمان" ١٤/ ٥٠٠٤ - وفي "الكبرى" ١٢/ ٧٧٨٤ و٧٧٨٥ و٢٠/ ٧٨٠١ و"كتاب الإيمان" ١٤/ ١١٧٣٣. وأخرجه (خ) فِي "الإيمان" ١٨.
أخرجه هنا -١/ ٤١٥١ و٤١٥٢ و٢/ ٤١٥٣ و٣/ ٤١٥٤ و٤/ ٤١٥٥ و٥/ ٤١٥٦
стр. 15888
و٩/ ٤١٦٣ و٤١٦٤ و١٧/ ٤١٨٠ و٤٢١٢ و"كتاب الإيمان" ١٤/ ٥٠٠٥ - وفي "الكبرى" ١/ ٧٧٧٠ و٧٧٧١ و٢/ ٧٧٧٢ و٣/ ٧٧٧٣ و٤/ ٧٧٧٤ و٥/ ٧٧٧٥ و١٢/ ٧٧٨٤ و"كتاب الإيمان" ١٤/ ١١٧٣٣. وأخرجه (خ) فِي "الإيمان" ١٨ و"مناقب الأنصار" ٣٨٩٢ و"المغازي" ٣٩٩٩ و"التفسير" ٤٨٩٤ و"الحدود" ٦٧٨٤ و٦٨٠١ و"الأحكام" ٧٢١٣ و"التوحيد" ٧٤٦٨. (م) فِي "الحدود" ٤٤٣٦ و٤٤٣٧ و٤٤٣٨ و ٤٤٣٩ (ت) فِي "الحدود" ١٤٣٩. (أحمد) فِي "باقي مسند الأنصار" ٢٢١٧٠ و٢٢١٩٢ و٢٢٢٠٩ و٢٢٢١٨ و٢٢٢٢٩ (الموطأ) فِي "الجهاد" ٩٧٧. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): فِي فوائده:
(منها): مشروعية المبايعة عَلَى الأمور المذكورة فِي الحديث. (ومنها): أن إِقامة الحدّ كفَّارة لِلذَّنبِ، ولو لم يتُب المحدُود، وهُو قول الجُمهُور. وقِيل: لابُد منْ التوبة، وبِذلِك جزم بعض التابِعِين، وهُو قول لِلمُعتزِلةِ، ووافقهُم ابن حزم، ومن المفسرِين البغوِيّ، وطائِفة يسِيرة، واستدلُوا بِاسْتِثَناءِ منْ تاب فِي قوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ [المائدة: ٣٤].
والجواب فِي ذَلِكَ أَنَّهُ فِي عُقُوبة الدنيا، ولِذلِك قُيدت بالقُدرةِ عَلَيْهِ. قاله فِي "الفتح" (١).
(ومنها): أن هذه البيعة تُسمّى بيعة النساء، كما يأتي فِي الحديث التالي؛ لأنه ليس فيها ذكر الجهاد. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وقوله. (خَالَفَهُ أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ) يعني أنه خالف أحمدُ بنُ سعيد عبيد الله بن سعد فِي روايته لهذا الحديث عن عمّه، متّصلاً، فرواه منقطعًا، حيث أسقط أبا إدريس الخولانيّ بين ابن شهاب، وبين عبادة رضي الله تعالى عنه، ونصّه فِي "الكبرى": خالفه أحمد بن سعيد، رواه عن يعقوب، عن أبيه، عن أبي صالح، عن الحارث بن فُضيل، عن الزهريّ، عن عبادة، مرسلاً". انتهى.
وقوله: "عن أبي صالح" غلط، والصواب "عن صالح"، وهو صالح بن كيسان. والله تعالى أعلم.
ثم ذكر رواية أحمد بن سعيد بقوله:
стр. 15889
٤١٦٤ - (أَخْبَرَنِي أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ، عَنِ الْحَارِثِ بْنِ فُضَيْلٍ، أَنَّ ابْنَ شِهَابٍ حَدَّثَهُ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "أَلَا تُبَايِعُونِي عَلَى مَا بَايَعَ عَلَيْهِ النِّسَاءُ، أَنْ لَا تُشْرِكُوا بِاللَّهِ شَيْئًا، وَلَا تَسْرِقُوا، وَلَا تَزْنُوا، وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ، وَلَا تَأْتُوا بِبُهْتَانٍ، تَفْتَرُونَهُ بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَأَرْجُلِكُمْ، وَلَا تَعْصُونِي فِي مَعْرُوفٍ"، قُلْنَا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَبَايَعْنَاهُ عَلَى ذَلِكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "فَمَنْ أَصَابَ بَعْدَ ذَلِكَ شَيْئًا، فَنَالَتْهُ عُقُوبَةٌ فَهُوَ كَفَّارَةٌ، وَمَنْ لَمْ تَنَلْهُ عُقُوبَةٌ، فَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ، إِنْ شَاءَ غَفَرَ لَهُ، وَإِنْ شَاءَ عَاقَبَهُ").
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "أحمد بن سعيد": هو الرباطيّ الأشقر، أبو عبد الله المروزيّ، ثقة حافظٌ [١١] ٩٠/ ١٠٣٠.
و"الحارث بن فُضيل" الأنصاريّ الخطميّ، أبو عبد الله المدنيّ، ثقة [٦] ١٦/ ١٦.
والحديث فيه انقطاع؛ لأن الزهريّ لم يسمع منْ عبادة بن الصامت رضي الله تعالى عنه، لكنه صحيح بما قبله، وتقدّم شرحه، ومسائله فِي الذي قبله. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
١٠ - (الْبَيْعَةِ عَلَى الْهِجْرَةِ)
٤١٦٥ - (أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ حَبِيبِ بْنِ عَرَبِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، أَنَّ رَجُلاً أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: إِنِّي جِئْتُ أُبَايِعُكَ عَلَى الْهِجْرَةِ، وَلَقَدْ تَرَكْتُ أَبَوَيَّ يَبْكِيَانِ، قَالَ: "ارْجِعْ إِلَيْهِمَا، فَأَضْحِكْهُمَا، كَمَا أَبْكَيْتَهُمَا").
رجال هَذَا الإسناد: خمسة:
١ - (يحيى بن حبيب بن عربي) البصريّ، ثقة [١٠] ٦٠/ ٧٥.
٢ - (حمّاد بن زيد) أبو إسماعيل البصريّ، ثقة ثبت فقيه، منْ كبار [٨] ٣/ ٣.
٣ - (عطاء بن السائب) الثقفيّ الكوفيّ، صدوقٌ، اختلط [٥] ١٥٢/ ٢٤٣.
٤ - (أبوه) السائب بن مالك، أو ابن يزيد الكوفيّ، ثقة [٢] ٦٢/ ١٣٠٥.
стр. 15890
٥ - (عبد الله بن عمرو) بن العاص بن وائل بن هاشم بن سُعَيد بن سَعْد بن سَهْم السهميّ، أبو محمد الصحابيّ ابن الصحابيّ رضي الله تعالى عنهما، مات فِي ذي الحجة ليالي الحَرّة عَلَى الأصحّ بالطائف عَلَى الراجح، تقدّم فِي ٨٩/ ١١١. والله تعالى أعلم.
لطائف هَذَا الإسناد:
(منها): أنه منْ خماسيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم ثقات. (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه، وتابعي عن تابعى. (ومنها): أن صحابيّه منْ العبادلة الأربعة. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو) رضي الله تعالى عنهما (أَنَّ رَجُلاً أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: إِنِّي جِئْتُ أُبَايِعُكَ عَلَى الْهِجْرَةِ، وَلَقَدْ تَرَكْتُ أَبَوَيَّ) أصله أبوين لي، فحذفت النون، واللام للإضافة، ثمّ أُدغمت الياء فِي الياء، وفُتحت ياء المتكلّم (يَبْكِيَانِ) أي عَلَى فراقه لهما (قَالَ) صلّى الله تعالى عليه وسلم (ارْجِعْ إِلَيْهِمَا) الظاهر أن ذلك بعد أن انقطعت فريضة الهجرة (فَأَضْحِكْهُمَا) بقطع الهمزة، منْ الإضحاك، أي أضحكهما بدوام صحبتك لهما (كَمَا أَبْكَيْتَهُمَا) بفراقك إياهما. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): فِي درجته:
حديث عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنهما هَذَا صحيح.
[فإن قلت]: كيف يصح، وفيه عطاء بن السائب، وهو مختلط؟.
[قلت]: إنما صحّ لأنه من طريق من روى عن عطاء قبل اختلاطه، وهو حماد بن زيد، وأيضاً إذا روى عطاء عن أبيه، فهو صحيح، كما ذكره الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى فِي "شرح علل الترمذيّ" ص ٣١١ (١). والله تعالى أعلم.
(المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -١٠/ ٤١٦٥ - وفي "الكبرى" ١١/ ٧٧٨٦. وأخرجه (د) فِي "الجهاد" ٢٥٢٨ (ق) فِي "الجهاد" ٢٧٨٢. والله تعالى أعلم.
стр. 15891
(المسألة الثالثة): فِي فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو مشروعيّة البيعة عَلَى الهجرة، ووجه الاستدلال بالحديث أنه صلى الله تعالى عليه وسلم إنما ترك مبايعة الرجل عَلَى الهجرة؛ لأجل أبويه، فلولاهما لبايعه. (ومنها): وجوب برّ الوالدين، والسعي فِي تحصيل رضاهما. (ومنها): تحريم عقوق الوالدين، وإدخال الحزن عليهما. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
١١ - (شَأْنُ الْهِجْرةِ)
٤١٦٦ - (أَخْبَرَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ حُرَيْثٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِيُّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ اللَّيْثِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، أَنَّ أَعْرَابِيًّا سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنِ الْهِجْرَةِ، فَقَالَ: "وَيْحَكَ، إِنَّ شَأْنَ الْهِجْرَةِ شَدِيدٌ، فَهَلْ لَكَ مِنْ إِبِلٍ؟ " قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: "فَهَلْ تُؤَدِّي صَدَقَتَهَا؟ "، قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: "فَاعْمَلْ مِنْ وَرَاءِ الْبِحَارِ، فَإِنَّ اللَّهَ لَنْ يَتِرَكَ مِنْ عَمَلِكَ شَيْئًا").
رجال هَذَا الإسناد: ستة:
١ - (الحسين بن حُريث) الخُزاعيّ، أبو عمّار المروزيّ، ثقة [١٠] ٤٤/ ٥٢.
٢ - (الوليد بن مسلم) القرشيّ مولاهم، أبو العبّاس الدمشقيّ، ثقة كثير التدليس والتسوية [٨] ٥/ ٤٥٤.
٣ - (الأوزاعيّ) عبد الرحمن بن عمرو، أبو عمرو الدمشقيّ، ثقة فقيه إمام [٧] ٤٥/ ٥٦.
٤ - (الزهريّ) محمّد بن مسلم المذكور قريباً.
٥ - (عطاء بن يزيد) الليثي الْجُنْدعيّ المدنيّ، نزيل الشام، ثقة [٣] ٢٠/ ٢١.
٦ - (أبو سعيد) سعد بن مالك بن سنان الأنصاريّ الخدريّ الصحابيّ ابن الصحابيّ رضي الله تعالى عنهما ١٦٩/ ٢٦٢. والله تعالى أعلم.
لطائف هَذَا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم
стр. 15892
رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين منْ الزهريّ. (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وفيه أبو سعيد الخدريّ رضي الله تعالى عنه منْ المكثرين السبعة، روى (١١٧٠) حديثاً. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ أَبِي سَعِيدٍ) رضي الله تعالى عنه (أنَّ أعْرابِيًّا) قَالَ الحافظ: ما عرفت اسمه (سأل رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنْ الهِجْرةِ) أي ترك الوطن، والانتقال منْ بلده إلى المدينة، تأييدًا، وتقويةً للنبي صلى الله تعالى عليه وسلم والمسلمين، وإعانةً لهم عَلَى قتال الكفرة، وكانت فرضًا فِي أول الأمر، ثم صارت مندوبة، فلعلّ السؤال كَانَ فِي آخر الأمر، أو لعله صلّى الله تعالى عليه وسلم خاف عليه؛ لِما كَانَ عليه الأعراب منْ الضعف، حتى إن أحدهم ليقول إذا حصل له مرض فِي المدينة: أقلني بيعتك، ونحو ذلك، ولذلك قَالَ: "إن شأن الهجرة لشديد" (١).
وَقَالَ فِي "الفتح": والهجرة المسئول عنها مفارقة دار الكفر إذ ذاك، والتزام أحكام المهاجرين مع النبيّ صلّى الله تعالى عليه وسلم، وكأن ذلك وقع بعد فتح مكة؛ لأنها كانت إذ ذاك فرض عين، ثم نُسخ ذلك بقوله صلّى الله تعالى عليه وسلم: "لا هجرة بعد الفتح". انتهى (٢).
(فَقَالَ) صلى الله تعالى عليه وسلم (وَيْحَكَ) قَالَ فِي "النهاية": وَيْحَ كلمة ترحّم، وتوجّعٍ، تقال لمن وقع فِي هلكة، لا يستحقّها، وَقَدْ يقال بمعنى المدح والتعجّب، وهي منصوبة عَلَى المصدر، وَقَدْ تُرفع، وتضاف، ولا تُضاف، يقال: ويحَ زيد، وويحًا له، وويحٌ له. انتهى (٣) (إِنَّ شَأن الهِجْرةِ) "الشأن" بفتح الشين المعجمة، وسكون الهمزة: الخطب، والأمر (شَدِيدٌ) قَالَ القرطبيّ: سؤال الأعرابيّ عن الهجرة إنما هو عن وجوبها عليه، فأجابه النبيّ صلّى الله تعالى عليه وسلم بقوله: "إن شأنها لشديد" أي إن أمرها صعبٌ، وشروطها عظيمة، ثم أخبره بعد ذلك بما يدلّ عَلَى أنها ليست بواجبة عليه. ويحتمل أن يكون ذلك خاصًّا بذلك الأعرابيّ، لما علِم منْ حاله، وضعفه عن المقام بالمدينة، فأشفق عليه، ورحمه: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٤٣]. انتهى.
стр. 15893
وَقَالَ النوويّ: قَالَ العلماء: والمراد بالهجرة التي سأل عنها هَذَا الأعرابيّ، ملازمة المدينة مع النبيّ صلّى الله تعالى عليه وسلم، وترك أهله، ووطنه، فخاف عليه النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم أن لا يقوى لها، ولايقوم بحقوقها، وأن ينكُص عَلَى عقبيه، فقال له: إن شأن الهجرة التي سألت عنها لشديد، ولكن اعمل بالخير فِي وطنك، وحيث ما كنت، فهو ينفعك، ولا ينقصك الله منه شيئًا. والله أعلم. انتهى (١).
(فَهَلْ لَكَ مِنْ إِبِلٍ؟ " قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: "فَهَلْ تُؤَدِّى صَدَقَتَهَا؟) أي زكاتها (قَالَ: نَعَمْ) زاد فِي رواية: "هل تحلُبها يوم وِرْدها" يعني أنهم كانوا إذا اجتمعوا عند ورود المياه، حَلَبُوا مواشيهم، فسقوا المحتاجين، والفقراء المجتمعين عَلَى المياه (قَالَ: "فَاعْمَلْ مِنْ وَرَاءِ الْبِحَارِ) أي فأت بالخيرات كلّها، وإن كنت وراء القرى، وسكنت أقصى الأرض، فلا يضرّك بُعدك عن المسلمين. قَالَ النوويّ: قَالَ العلماء: والمراد بالبحار هنا القرى، والعرب تسمّي القرى البحار، والقريةُ البحيرة. انتهى (٢). وَقَالَ فِي "الفتح": هَذَا مبالغة فِي إعلامه بأن عمله لا يضيع فِي أي موضع كَانَ (فَإِنَّ اللَّهَ لَنْ يَتِرَكَ) بفتح التحتانية، وكسر المثناة، ثم راء، وكاف: أي لن ينقُصك، يقال: وتره يتره، منْ باب وعد: إذا نقصه، فهو منْ التِّرَة، كالعِدَة، والكاف مفعول به. وَقَالَ السنديّ: ويحتمل أنه منْ الترك، فالكاف منْ الكلمة، أي لا يترك شيئًا منْ عملك، مهملاً، بل يُجازيك عَلَى جميع أعمالك، فِي أيّ محلّ فعلت. والله تعالى أعلم. انتهى (٣).
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: هَذَا الاحتمال الذي ذكره السنديّ رحمه الله تعالى، إن صحّت الرواية به، فذاك، وإلا فالضبط الأول متعيّنٌ. والله تعالى أعلم.
(منْ عَمَلِكَ شيئًا) أي منْ ثواب عملك شيئاً، حيث كنت. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): فِي درجته:
حديث أبي سعد الخدريّ رضي الله تعالى عنه هَذَا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -١١/ ٤١٦٦ - وفي "الكبرى" ١٤/ ٧٧٨٧. وأخرجه (خ) فِي "الزكاة"
стр. 15894
١٤٥٢ و"المناقب" ٣٩٢٣ و"الأدب" ٦١٦٥ (م) فِي "الإمارة" ١٨٦٥ (د) فِي "الجهاد" ٢٤٧٧ (أحمد) فِي "باقي مسند المكثرين" ١٠٧٢١ و١١٢٢٥. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): فِي فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان شدّة شأن الهجرة، وأنها لا تصلح لكلّ أحد، فربما يقع الشخص فِي صعوبة أمر، فيندم عَلَى هجرته، كما سيأتي بعد عشرة أبواب أن أعرابيًّا بايع النبيّ صلّى الله تعالى عليه وسلم، ثم وُعِك -أي حُمَّ- فقال: يا رسول الله ﷺ أقلني بيعتي" الحديث. (ومنها): التنويه بشأن الهجرة، وأنها منْ أفضل الأعمال، ولذا كانت واجبة فِي أول الإِسلام، وسيأتي بعد بابين حديث: "عليك بالهجرة، فإنه لا مثل لها". (ومنها): فضل أداء زكاة الإبل، ومعادة إخراج حق الله تعالى منها لفضل الهجرة، فإن فِي الحديث إشارةً إلى أن استقراره بوطنه، إذا أدّى زكاة إبله يقوم مقام ثواب هجرته، وإقامته بالمدينة. قاله فِي "الفتح" (١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
١٢ - (هِجْرَةِ الْبَادِي)
أي المقيم بالبادية.
٤١٦٧ - (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَكَمِ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، قَالَ: قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَبُّ الْهِجْرَةِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: "أَنْ تَهْجُرَ مَا كَرِهَ رَبُّكَ "، وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "الْهِجْرَةُ هِجْرَتَانِ: هِجْرَةُ الْحَاضِرِ، وَهِجْرَةُ الْبَادِي، فَأَمَّا الْبَادِي، فَيُجِيبُ إِذَا دُعِيَ، وَيُطِيعُ إِذَا أُمِرَ، وَأَمَّا الْحَاضِرُ، فَهُوَ أَعْظَمُهُمَا بَلِيَّةً، وَأَعْظَمُهُمَا أَجْرًا").
رجال هَذَا الإسناد: سبعة:
١ - (أحمد بن عبد الله بن الحكم) أبو الحسين البصريّ، المعروف بابن الكرديّ، ثقة [١٠] ٣٩/ ٥٨٣.
стр. 15895
٢ - (محمّد بن جعفر) المعروف بغندر البصريّ، ثقة، صحيح الكتاب [٩] ٢١/ ٢٢.
٣ - (شعبة) بن الحجاج الإِمام الحجة الثبت [٧] ٢٧/ ٢٤.
٤ - (عمرو بن مُرّة) بن عبد الله الجملي المرادي، أبو عبد الله الكوفيّ، ثقة عابد رمي بالإرجاء [٥] ١٧١/ ٢٦٥.
٥ - (عبد الله بن الحارث) الزبيديّ بضم الزاي -النجرانيّ بنون وجيم- الكوفيّ المعروف بالمكتّب، ثقة [٣].
قَالَ الدُّوريّ، عن ابن معين: ثبت. وَقَالَ النسائيّ: ثقة. وذكره ابن حبّان فِي "الثقات". روى له البخاريّ فِي "الأدب المفرد"، والباقون، وله فِي هَذَا الكتاب هَذَا الحديث فقط.
٦ - (أبو كثير) زُهير بن الأقمر، وقيل: عبد الله بن مالك، وقيل: جمهان، أو الحارث بن جمهان الزُّبيديّ بالتصغير- الكوفيّ، ثقة (١) [٣].
وقيل: إن زهير بن الأقمر غير عبد الله بن مالك، فالله أعلم.
قَالَ العجليّ: كوفيّ تابعيّ ثقة. وَقَالَ النسائيّ: زهير بن الأقمر ثقة. وذكره ابن حبّان فِي "الثقات". روى له البخاريّ فِي "خلق أفعال العباد"، والمصنّف، وأبو داود، والترمذيّ، وله عند المصنّف فِي هَذَا الكتاب حديث الباب فقط.
٧ - (عبد الله بن عمرو) بن العاص رضي الله تعالى عنهما المذكور قبل باب. والله تعالى أعلم.
لطائف هَذَا الإسناد:
(منها): أنه منْ سباعيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال ثقات. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين إلى شعبة، والباقون كوفيون، والصحابيّ دخل الكوفة. (ومنها): أن فيه ثلاثةً منْ التابعين يروي بعضهم عن بعض: عمرو بن مرّة، عن عبد الله الحارث، عن أبي كثير. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو) رضي الله تعالى عنهما، أنه (قَالَ: قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ الْهِجْرَةِ أَفْضَلُ؟) أي أكثر ثوابًا (قَالَ: "أَنْ تَهْجُر) بضم الجيم، منْ باب نصر: أي تترك (مَا كَرِهَ) بكسر الراء، منْ باب تَعِبَ (رَبُّكَ ومعنى الحديث أن أفضل