← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 12888

ذخيرة العقبى في شرح المجتبى

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (19 271 стр.). Показаны 15891–15930 · переход к 15896.

стр. 15891

(المسألة الثالثة): فِي فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو مشروعيّة البيعة عَلَى الهجرة، ووجه الاستدلال بالحديث أنه صلى الله تعالى عليه وسلم إنما ترك مبايعة الرجل عَلَى الهجرة؛ لأجل أبويه، فلولاهما لبايعه. (ومنها): وجوب برّ الوالدين، والسعي فِي تحصيل رضاهما. (ومنها): تحريم عقوق الوالدين، وإدخال الحزن عليهما. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ١١ - (شَأْنُ الْهِجْرةِ) ٤١٦٦ - (أَخْبَرَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ حُرَيْثٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِيُّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ اللَّيْثِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، أَنَّ أَعْرَابِيًّا سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنِ الْهِجْرَةِ، فَقَالَ: "وَيْحَكَ، إِنَّ شَأْنَ الْهِجْرَةِ شَدِيدٌ، فَهَلْ لَكَ مِنْ إِبِلٍ؟ " قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: "فَهَلْ تُؤَدِّي صَدَقَتَهَا؟ "، قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: "فَاعْمَلْ مِنْ وَرَاءِ الْبِحَارِ، فَإِنَّ اللَّهَ لَنْ يَتِرَكَ مِنْ عَمَلِكَ شَيْئًا"). رجال هَذَا الإسناد: ستة: ١ - (الحسين بن حُريث) الخُزاعيّ، أبو عمّار المروزيّ، ثقة [١٠] ٤٤/ ٥٢. ٢ - (الوليد بن مسلم) القرشيّ مولاهم، أبو العبّاس الدمشقيّ، ثقة كثير التدليس والتسوية [٨] ٥/ ٤٥٤. ٣ - (الأوزاعيّ) عبد الرحمن بن عمرو، أبو عمرو الدمشقيّ، ثقة فقيه إمام [٧] ٤٥/ ٥٦. ٤ - (الزهريّ) محمّد بن مسلم المذكور قريباً. ٥ - (عطاء بن يزيد) الليثي الْجُنْدعيّ المدنيّ، نزيل الشام، ثقة [٣] ٢٠/ ٢١. ٦ - (أبو سعيد) سعد بن مالك بن سنان الأنصاريّ الخدريّ الصحابيّ ابن الصحابيّ رضي الله تعالى عنهما ١٦٩/ ٢٦٢. والله تعالى أعلم. لطائف هَذَا الإسناد: (منها): أنه من سداسيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم

стр. 15892

رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين منْ الزهريّ. (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وفيه أبو سعيد الخدريّ رضي الله تعالى عنه منْ المكثرين السبعة، روى (١١٧٠) حديثاً. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ) رضي الله تعالى عنه (أنَّ أعْرابِيًّا) قَالَ الحافظ: ما عرفت اسمه (سأل رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنْ الهِجْرةِ) أي ترك الوطن، والانتقال منْ بلده إلى المدينة، تأييدًا، وتقويةً للنبي صلى الله تعالى عليه وسلم والمسلمين، وإعانةً لهم عَلَى قتال الكفرة، وكانت فرضًا فِي أول الأمر، ثم صارت مندوبة، فلعلّ السؤال كَانَ فِي آخر الأمر، أو لعله صلّى الله تعالى عليه وسلم خاف عليه؛ لِما كَانَ عليه الأعراب منْ الضعف، حتى إن أحدهم ليقول إذا حصل له مرض فِي المدينة: أقلني بيعتك، ونحو ذلك، ولذلك قَالَ: "إن شأن الهجرة لشديد" (١). وَقَالَ فِي "الفتح": والهجرة المسئول عنها مفارقة دار الكفر إذ ذاك، والتزام أحكام المهاجرين مع النبيّ صلّى الله تعالى عليه وسلم، وكأن ذلك وقع بعد فتح مكة؛ لأنها كانت إذ ذاك فرض عين، ثم نُسخ ذلك بقوله صلّى الله تعالى عليه وسلم: "لا هجرة بعد الفتح". انتهى (٢). (فَقَالَ) صلى الله تعالى عليه وسلم (وَيْحَكَ) قَالَ فِي "النهاية": وَيْحَ كلمة ترحّم، وتوجّعٍ، تقال لمن وقع فِي هلكة، لا يستحقّها، وَقَدْ يقال بمعنى المدح والتعجّب، وهي منصوبة عَلَى المصدر، وَقَدْ تُرفع، وتضاف، ولا تُضاف، يقال: ويحَ زيد، وويحًا له، وويحٌ له. انتهى (٣) (إِنَّ شَأن الهِجْرةِ) "الشأن" بفتح الشين المعجمة، وسكون الهمزة: الخطب، والأمر (شَدِيدٌ) قَالَ القرطبيّ: سؤال الأعرابيّ عن الهجرة إنما هو عن وجوبها عليه، فأجابه النبيّ صلّى الله تعالى عليه وسلم بقوله: "إن شأنها لشديد" أي إن أمرها صعبٌ، وشروطها عظيمة، ثم أخبره بعد ذلك بما يدلّ عَلَى أنها ليست بواجبة عليه. ويحتمل أن يكون ذلك خاصًّا بذلك الأعرابيّ، لما علِم منْ حاله، وضعفه عن المقام بالمدينة، فأشفق عليه، ورحمه: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٤٣]. انتهى.

стр. 15893

وَقَالَ النوويّ: قَالَ العلماء: والمراد بالهجرة التي سأل عنها هَذَا الأعرابيّ، ملازمة المدينة مع النبيّ صلّى الله تعالى عليه وسلم، وترك أهله، ووطنه، فخاف عليه النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم أن لا يقوى لها، ولايقوم بحقوقها، وأن ينكُص عَلَى عقبيه، فقال له: إن شأن الهجرة التي سألت عنها لشديد، ولكن اعمل بالخير فِي وطنك، وحيث ما كنت، فهو ينفعك، ولا ينقصك الله منه شيئًا. والله أعلم. انتهى (١). (فَهَلْ لَكَ مِنْ إِبِلٍ؟ " قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: "فَهَلْ تُؤَدِّى صَدَقَتَهَا؟) أي زكاتها (قَالَ: نَعَمْ) زاد فِي رواية: "هل تحلُبها يوم وِرْدها" يعني أنهم كانوا إذا اجتمعوا عند ورود المياه، حَلَبُوا مواشيهم، فسقوا المحتاجين، والفقراء المجتمعين عَلَى المياه (قَالَ: "فَاعْمَلْ مِنْ وَرَاءِ الْبِحَارِ) أي فأت بالخيرات كلّها، وإن كنت وراء القرى، وسكنت أقصى الأرض، فلا يضرّك بُعدك عن المسلمين. قَالَ النوويّ: قَالَ العلماء: والمراد بالبحار هنا القرى، والعرب تسمّي القرى البحار، والقريةُ البحيرة. انتهى (٢). وَقَالَ فِي "الفتح": هَذَا مبالغة فِي إعلامه بأن عمله لا يضيع فِي أي موضع كَانَ (فَإِنَّ اللَّهَ لَنْ يَتِرَكَ) بفتح التحتانية، وكسر المثناة، ثم راء، وكاف: أي لن ينقُصك، يقال: وتره يتره، منْ باب وعد: إذا نقصه، فهو منْ التِّرَة، كالعِدَة، والكاف مفعول به. وَقَالَ السنديّ: ويحتمل أنه منْ الترك، فالكاف منْ الكلمة، أي لا يترك شيئًا منْ عملك، مهملاً، بل يُجازيك عَلَى جميع أعمالك، فِي أيّ محلّ فعلت. والله تعالى أعلم. انتهى (٣). قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: هَذَا الاحتمال الذي ذكره السنديّ رحمه الله تعالى، إن صحّت الرواية به، فذاك، وإلا فالضبط الأول متعيّنٌ. والله تعالى أعلم. (منْ عَمَلِكَ شيئًا) أي منْ ثواب عملك شيئاً، حيث كنت. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): فِي درجته: حديث أبي سعد الخدريّ رضي الله تعالى عنه هَذَا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -١١/ ٤١٦٦ - وفي "الكبرى" ١٤/ ٧٧٨٧. وأخرجه (خ) فِي "الزكاة"

стр. 15894

١٤٥٢ و"المناقب" ٣٩٢٣ و"الأدب" ٦١٦٥ (م) فِي "الإمارة" ١٨٦٥ (د) فِي "الجهاد" ٢٤٧٧ (أحمد) فِي "باقي مسند المكثرين" ١٠٧٢١ و١١٢٢٥. والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): فِي فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان شدّة شأن الهجرة، وأنها لا تصلح لكلّ أحد، فربما يقع الشخص فِي صعوبة أمر، فيندم عَلَى هجرته، كما سيأتي بعد عشرة أبواب أن أعرابيًّا بايع النبيّ صلّى الله تعالى عليه وسلم، ثم وُعِك -أي حُمَّ- فقال: يا رسول الله ﷺ أقلني بيعتي" الحديث. (ومنها): التنويه بشأن الهجرة، وأنها منْ أفضل الأعمال، ولذا كانت واجبة فِي أول الإِسلام، وسيأتي بعد بابين حديث: "عليك بالهجرة، فإنه لا مثل لها". (ومنها): فضل أداء زكاة الإبل، ومعادة إخراج حق الله تعالى منها لفضل الهجرة، فإن فِي الحديث إشارةً إلى أن استقراره بوطنه، إذا أدّى زكاة إبله يقوم مقام ثواب هجرته، وإقامته بالمدينة. قاله فِي "الفتح" (١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ١٢ - (هِجْرَةِ الْبَادِي) أي المقيم بالبادية. ٤١٦٧ - (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَكَمِ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، قَالَ: قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَبُّ الْهِجْرَةِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: "أَنْ تَهْجُرَ مَا كَرِهَ رَبُّكَ "، وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "الْهِجْرَةُ هِجْرَتَانِ: هِجْرَةُ الْحَاضِرِ، وَهِجْرَةُ الْبَادِي، فَأَمَّا الْبَادِي، فَيُجِيبُ إِذَا دُعِيَ، وَيُطِيعُ إِذَا أُمِرَ، وَأَمَّا الْحَاضِرُ، فَهُوَ أَعْظَمُهُمَا بَلِيَّةً، وَأَعْظَمُهُمَا أَجْرًا"). رجال هَذَا الإسناد: سبعة: ١ - (أحمد بن عبد الله بن الحكم) أبو الحسين البصريّ، المعروف بابن الكرديّ، ثقة [١٠] ٣٩/ ٥٨٣.

стр. 15895

٢ - (محمّد بن جعفر) المعروف بغندر البصريّ، ثقة، صحيح الكتاب [٩] ٢١/ ٢٢. ٣ - (شعبة) بن الحجاج الإِمام الحجة الثبت [٧] ٢٧/ ٢٤. ٤ - (عمرو بن مُرّة) بن عبد الله الجملي المرادي، أبو عبد الله الكوفيّ، ثقة عابد رمي بالإرجاء [٥] ١٧١/ ٢٦٥. ٥ - (عبد الله بن الحارث) الزبيديّ بضم الزاي -النجرانيّ بنون وجيم- الكوفيّ المعروف بالمكتّب، ثقة [٣]. قَالَ الدُّوريّ، عن ابن معين: ثبت. وَقَالَ النسائيّ: ثقة. وذكره ابن حبّان فِي "الثقات". روى له البخاريّ فِي "الأدب المفرد"، والباقون، وله فِي هَذَا الكتاب هَذَا الحديث فقط. ٦ - (أبو كثير) زُهير بن الأقمر، وقيل: عبد الله بن مالك، وقيل: جمهان، أو الحارث بن جمهان الزُّبيديّ بالتصغير- الكوفيّ، ثقة (١) [٣]. وقيل: إن زهير بن الأقمر غير عبد الله بن مالك، فالله أعلم. قَالَ العجليّ: كوفيّ تابعيّ ثقة. وَقَالَ النسائيّ: زهير بن الأقمر ثقة. وذكره ابن حبّان فِي "الثقات". روى له البخاريّ فِي "خلق أفعال العباد"، والمصنّف، وأبو داود، والترمذيّ، وله عند المصنّف فِي هَذَا الكتاب حديث الباب فقط. ٧ - (عبد الله بن عمرو) بن العاص رضي الله تعالى عنهما المذكور قبل باب. والله تعالى أعلم. لطائف هَذَا الإسناد: (منها): أنه منْ سباعيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال ثقات. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين إلى شعبة، والباقون كوفيون، والصحابيّ دخل الكوفة. (ومنها): أن فيه ثلاثةً منْ التابعين يروي بعضهم عن بعض: عمرو بن مرّة، عن عبد الله الحارث، عن أبي كثير. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو) رضي الله تعالى عنهما، أنه (قَالَ: قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ الْهِجْرَةِ أَفْضَلُ؟) أي أكثر ثوابًا (قَالَ: "أَنْ تَهْجُر) بضم الجيم، منْ باب نصر: أي تترك (مَا كَرِهَ) بكسر الراء، منْ باب تَعِبَ (رَبُّكَ ومعنى الحديث أن أفضل

стр. 15896

الهجرة أن تترك ما كرهه الله تعالى، منْ الأقوال، والأفعال، والأحوال، وفيه أن ترك المعاصي خير منْ ترك الوطن، فإن المقصود الأصليّ منْ ترك الوطن هو ترك المعاصي، فإذا تركه الإنسان، وهو فِي وطنه، فهو أفضل ممن هجر منْ وطنه؛ لأنه يقتدي به أهله، وعشيرته، فيكون سببًا لهداية كثير منْ الناس (وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "الْهِجْرَةُ هِجْرَتَانِ: هِجْرةُ الْحَاضِرِ) أي المقيم بالبلاد والقرى (وَهِجْرَةُ الْبَادِي) أي المقيم بالبادية (فَأَمَّا الْبَادِي فَيُجِيبُ) بضم أوله، منْ الإجابة (إِذَا دُعِيَ، ويُطِيعُ إِذَا أُمِرَ) والمراد أنه لا حاجة له إلى ترك وطنه، بل المطلوب منه أن يحضر عند الجهاد، إذا استنفره الإِمام، ويُطيع أميره، فإن ذلك يكفيه (وَأَمَّا الْحَاضِرُ، فَهُوَ أَعْظَمُهُمَا بَلِيَّةً) وذلك والله أعلم- لأنه يتحمّل كثيرًا منْ المسئولية، حيث يخرج فِي أول منْ يخرج إلى الغزو، وينزل عليه ضيوف الإِسلام، ويقوم بمساعدة الفقراء، والمساكين (وَأَعْظَمُهُمَا أَجْرًا) لأن عظم الأجر تابع لعظم النصب. والله تعالى أعلم بالصواب. قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: حديث عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنهما هَذَا صحيح، وهو منْ أفراد المصنّف رحمه الله تعالى، أخرجه هنا -١٢/ ٤١٦٧ - وفي "الكبرى" ١٥/ ٧٧٨٨ و"كتاب السير" ٨٢ "هجرة الحاضر" ٨٧٠٢. وأخرجه الحاكم فِي "مستدركه" ١/ ١١. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب". * * * ١٣ - (تَفْسِيرِ الْهِجْرَةِ) ٤١٦٨ - (أَخْبَرَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُبَشِّرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ حُسَيْنٍ، عَنْ يَعْلَى بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، وَأَبَا بَكْرٍ، وَعُمَرَ، كَانُوا مِنَ الْمُهَاجِرِينَ؛ لأَنَّهُمْ هَجَرُوا الْمُشْرِكِينَ، وَكَانَ مِنَ الأَنْصَارِ مُهَاجِرُونَ، لأَنَّ الْمَدِينَةَ كَانَتْ دَارَ شِرْكٍ، فَجَاءُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، لَيْلَةَ الْعَقَبَةِ). رجال هَذَا الإسناد: ستة: ١ - (الحسين منصور) أبو عليّ النيسابوريّ، ثقة فقيه [١٠] ٢٥/ ١٦٦٤.

стр. 15897

٢ - (مبشّر بن عبد الله) بن رزِين بفتح الراء، وكسر الزاي- ابن محمّد بن بُرْد السلميّ، أبو بكر النيسابوريّ، ثقة، منْ كبار [٩]. وثقه عليّ بن الحسين الذهلي، ومسلمة بن قاسم، وابن حبّان، وَقَالَ: مات سنة (٨) أو (١٨٩)، وكذا أرّخه البخاريّ. تفرّد به المصنّف، وله عنده فِي هَذَا الكتاب ثلاثة أحاديث: هَذَا الحديث، وفي "كتاب آداب القضاء" ٢١/ ٥٤١١ - حديث عباد بن شراحيل فِي استعدائه النبيّ صلّى الله تعالى عليه وسلم، و٣٢/ ٥٤٢٣ حديث أبي بكرة فِي قضاء القاضي، وهو غضبان. ٣ - (سفيان بن حسين) الواسطيّ، ثقة فِي غير الزهريّ باتفاقهم [٧] ٤١/ ١٧١٦. ٤ - (يعلي بن مسلم) المكيّ، بصري الأصل، ثقة [٦] ٢/ ٤٠٠٥. [تنبيه]: وقع فِي "الكبرى" منْ "السير" "معلّى بن مسلم" بدل "يعلي بن مسلم"، وهو تصحيف، والصواب "يعلى"، فتنبّه. والله تعالى أعلم. ٥ - (جابر بن زيد) أبو الشعثاء الأزديّ البصريّ، ثقة فقيه [٣] ١٤٦/ ٢٣٦. ٦ - (ابن عباس) عبد الله البحر رضي الله تعالى عنهما ٢٧/ ٣١. والله تعالى أعلم. لطائف هَذَا الإسناد: (منها): أنه منْ سداسيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم ثقات. (ومنها): أن فيه ابن عباس رضي الله تعالى عنهما منْ العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، روى (١٦٩٦) حديثًا. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ) الأزديّ، أنه (قَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) رضي الله تعالى عنهما (إِنَّ رسُولَ اللهِ ﷺ ، وأبَا بَكْرٍ، وَعُمَرَ) رضي الله تعالى عنهما، زاد فِي "الكبرى" فِي "السير": "وأصحاب النبيّ صلّى الله تعالى عليه وسلم" (كَانُوا مِنَ الْمُهَاجِرِينَ؛ لأَنَّهُمْ هَجَرُوا الْمُشْرِكِينَ) أي تركُوا مساكنتهم، ومعاملتهم (وَكَانَ مِنَ الأَنْصَارِ مُهَاجِرُونَ؛ لأَنَّ الْمَدِينَةَ كَانَتْ دَارَ شِرْكٍ، فَجَاءُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، لَيْلَةَ الْعَقَبَةِ) فيه أن ترك الوطن فِي الجملة، والعود إليه بإذنه صلّى الله تعالى عليه وسلم لا يضرّ بالهجرة. والله تعالى أعلم بالصواب. قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: حديث ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما هَذَا صحيح الإسناد، وهو منْ أفراد المصنّف رحمه الله تعالى، أخرجه هنا -١٣/ ٤١٦٨ - وفي "الكبرى" ١٦/ ٧٧٨٩ وفي "السير" ٨١/ ٨٧٠٠. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه

стр. 15898

المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ١٤ - (الْحَثِّ عَلَى الْهِجْرَةِ) ٤١٦٩ - (أَخْبَرَنِي هَارُونُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ بَكَّارِ بْنِ بِلَالٍ، عَنْ مُحَمَّدٍ -وَهُوَ ابْنُ عِيسَى بْنِ سُمَيْعٍ- قَالَ: حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ وَاقِدٍ، عَنْ كَثِيرِ بْنِ مُرَّةَ، أَنَّ أَبَا فَاطِمَةَ حَدَّثَهُ، أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، حَدِّثْنِي بِعَمَلٍ، أَسْتَقِيمُ عَلَيْهِ، وَأَعْمَلُهُ، قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "عَلَيْكَ بِالْهِجْرَةِ، فَإِنَّهُ لَا مِثْلَ لَهَا"). رجال هَذَا الإسناد: خمسة: ١ - (هارون بن محمّد بن بكّار بن بلال) العامليّ الدمشقيّ، صدوق [١١] ١٢٨/ ١٠٩١. ٢ - (محمّد بن عيسى بن سُميع) بالتصغير-: هو الأمويّ مولاهم، الدمشقيّ، صدوقٌ يُخطىء، ويُدلّس، ورمي بالقدر [٩] ٢٤/ ١٦٦٣. ٣ - (زيد بن واقد) القرشيّ الدمشقيّ، ثقة [٦] ٢٩/ ٩٢٠. ٤ - (كثير بن مُرّة) الحضرميّ الحمصيّ، ثقة [٢] ١/ ٦٨٨. ٥ - (أبو فاطمة) الليثيّ، ويقال: الأزديّ الدوسيّ، له صحبة، قيل: اسمه أُنيس، وقيل: عبد الله بن أُنيس، شهد فتح مصر، وسكن الشام. رَوَى عن النبيّ صلّى الله تعالى عليه وسلم، وعنه كثير بن قليب الصدفيّ، وكثير بن مرّة، وأبو عبد الرحمن الحبلي، ومسلمة بن عبد الله الجهنيّ، مرسلاً. ذكره ابن سُميع، وأبو زرعة الدمشقيّ فيمن نزل الشام منْ الصحابة. وَقَالَ المفضّل الغَلابيّ: أبو فاطمة الأزديّ قبره بالشام إلى جنب قبر فضالة بن عُبيد. وجعله أبو أحمد الحاكم اثنين، فقال: أبو فاطمة الليثيّ مصريٌّ، ثم قَالَ: أبو فاطمة الأزديّ شاميّ، وتبعه ابن عبد البرّ وغيره. روى له المصنّف، وأبو داود، وابن ماجه، وله عند المصنّف فِي هَذَا الكتاب حديث الباب فقط. والله تعالى أعلم. لطائف هَذَا الإسناد: (منها): أنه منْ خماسيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم

стр. 15899

ثقات. (ومنها): أنه مسلسل بالشاميين. (ومنها): أن صحابيّه منْ المقلّين منْ الرواية , فليس إلا هَذَا الحديث عند المصنّف، وأبي داود، وابن ماجه. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ كَثِيرِ بْنِ مُرَّةَ: أَنَّ أَبَا فَاطِمَةَ) رضي الله تعالى عنه (حَدَّثَهُ) أي حدّث كثير بن مرّة (أنّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، حَدِّثْنِي بِعَمَلٍ، أَسْتَقِيمُ عَلَيْهِ) أي أثبُت عليه (وَأَعْمَلُهُ) أي أداوم عليه، ولو بقاء، إذ الهجرة لا تكرّر (قَالَ لهُ رسُولُ اللهِ ﷺ : "عَلَيْكَ بِالْهِجْرَةِ فَإِنَّهُ) الضمير للشأن، أي فإن الأمر والشأن (لا مِثْلَ لَهَا) أي فِي ذلك الوقت، أو فِي حقّ ذلك الرجل. قاله السنديّ. [تنبيه]: هَذَا الحديث هنا، وفي "الكبرى" فِي هَذَا الموضع مختصرٌ، وَقَدْ ساقه فِي "السير" منْ "الكبرى"، مطوّلاً، بهذا السند، ولفظه: عن كثير بن مرّة، أن أبا فاطمة حدّثهم أنه قَالَ له رسول الله صلّى الله تعالى عليه وسلم: "عليك بالهجرة، فإنه لا مثل لها"، قَالَ: يا رسول الله ﷺ ، حدّثني بعمل أستقيم عليه، وأعمله، قَالَ: عليك بالصبر، فإنه لا مثل له، قَالَ: يا رسول الله ﷺ حدّثني بعلم (١) أستقيم عليه، وأعمله، قَالَ: "عليك بالسجود، فإنك لا تسجد لله سجدةً إلا رفعك الله بها درجة، وحطّ عنك بها خطيئة". انتهى (٢). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: حديث أبي فاطمة رضي الله تعالى عنه هَذَا صحيح، ومحمد بن عيسى، وإن كَانَ مدلّسًا، غير أنه صرّح بالتحديث هنا، وهو بهذا السياق منْ أفراد المصنّف رحمه الله تعالى، أخرجه هنا -١٤/ ٤١٦٩ - وفي "الكبرى" ١٧/ ٧٧٩٠ وفي "السير" ٨٠/ ٨٦٩٨. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب". …

стр. 15900

١٥ - (ذِكْرِ الاِخْتِلَافِ فِي انْقِطَاعِ الْهِجْرَةِ) ٤١٧٠ - (أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ اللَّيْثِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: حَدَّثَنِي عُقَيْلٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أُمَيَّةَ، أَنَّ أَبَاهُ أَخْبَرَهُ، أَنَّ يَعْلَى قَالَ: جِئْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، بِأَبِي يَوْمَ الْفَتْحِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، بَايِعْ أَبِي عَلَى الْهِجْرَةِ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أُبَايِعُهُ عَلَى الْجِهَادِ، وَقَدِ انْقَطَعَتِ الْهِجْرَةُ"). قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: هَذَا الحديث ضعيفٌ، وَقَدْ تقدّم قبل خمسة أبواب، وتقدّم تمام البحث فيه هناك، فراجعه تستفد، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤١٧١ - (أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ دَاوُدَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا وُهَيْبُ بْنُ خَالِدٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّهُمْ يَقُولُونَ: إِنَّ الْجَنَّةَ، لَا يَدْخُلُهَا إِلاَّ مُهَاجِرٌ، قَالَ: "لَا هِجْرَةَ بَعْدَ فَتْحِ مَكَّةَ، وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ، فَإِذَا اسْتُنْفِرْتُمْ فَانْفِرُوا"). رجال هَذَا الإسناد: ستة: ١ - (محمّد بن داود) أبو جعفر المصّيصيّ، ثقة فاضل [١١] ١١٢/ ٢٨٧٩. ٢ - (معلّى بن أسد) الْعَمّيّ، أبو الهيثم البصريّ، أخو بهز، ثقة ثبت، منْ كبار [١٠] ١٣٤/ ١٠٩٧. ٣ - (وُهيب بن خالد) أبو بكر الباهليّ البصريّ، ثقة ثبت، تغيّر بآخره قليلاً [٧] ٢١/ ٤٢٧. ٤ - (عبد الله بن طاوس) بن كيسان، أبو محمّد اليمانيّ، ثقة فاضل عابد [٦] ١١/ ٥١٤. ٥ - (أبوه) طاوس بن كيسان الحميريّ مولاهم اليمانيّ، ثقة فقيه فاضل [٣] ٢٧/ ٣١. ٦ - (صفوان بن أمية) بن خلف بن وهب بن قُدامة بن جُمَح القرشيّ الجُمحيّ المكيّ، صحابيّ، منْ المؤلفة قلوبهم، مات رضي الله تعالى عنه بالشام أيام قتل عثمان رضي الله تعالى عنه، وقيل: سنة (١) أو (٤٢) فِي أوائل خلافة معاوية رضي الله تعالى عنه. والله تعالى أعلم.

стр. 15901

لطائف هَذَا الإسناد: (منها): أنه منْ سداسيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فقد تفرّد به هو وأبو داود. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين. (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ) رضي الله تعالى عنه، أنه (قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّهُمْ يَقُولُونَ: إِنَّ الْجَنَّةَ، لَا يَدْخُلُهَا إِلاَّ مُهَاجِرٌ) يعني أن الناس يتحدّثون بأن الجنة مقصورة عَلَى منْ هاجر منْ وطنه إلى دار الإِسلام. وقوله: ("لَا هِجْرَةَ بَعْدَ فَتْحِ مَكَّةَ، وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ، فَإِذَا اسْتُنْفِرْتُمْ فَانْفِرُوا") سيأتي شرحه فِي الحديث التالي، إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب. قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: حديث صفوان بن أُميّة رضي الله تعالى عنه هَذَا صحيح، وهو منْ أفراد المصنّف رحمه الله تعالى، أخرجه هنا -١٥/ ٤١٧١ - وفي "الكبرى" ١٨/ ٧٧٩٢ وفي "السير" ٨٣/ ٨٧٠٤. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤١٧٢ - (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ سُفْيَانَ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَنْصُورٌ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ الْفَتْحِ: "لَا هِجْرَةَ، وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ، فَإِذَا اسْتُنْفِرْتُمْ فَانْفِرُوا"). رجال هَذَا الإسناد: سبعة: ١ - (إسحاق بن منصور) بن بهرام الكوسج، أبو يعقوب المروزي، ثقة ثبت [١١] ٧٢/ ٨٨. ٢ - (يحيى بن سعيد) القطّان البصريّ الإِمام الحجة الثبت [٩] ٤/ ٤. ٣ - (سفيان) بن سعيد الثوريّ الكوفيّ الإِمام الحجة الثبت [٧] ٣٣/ ٣٧. ٤ - (منصور) بن المعتمر السلميّ، أبو عتاب الكوفيّ، ثقة ثبت [٦] ٢/ ٢. ٥ - (مجاهد) بن جبر المخزوميّ، أبو الحجاج المكيّ، ثقة ثبت فقيه [٣] ٢٧/ ٣١. ٦ - (طاوس) بن كيسان المذكور فِي السند الماضي. ٧ - (ابن عباس) عبد الله البحر رضي الله تعالى عنهما ٢٧/ ٣١. والله تعالى أعلم.

стр. 15902

لطائف هَذَا الإسناد: (منها): أنه منْ سباعيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ ابْنِ عَبَّاسِ) رضي الله تعالى عنهما، أنه (قَالَ: قَالَ رسُولُ اللهِ ﷺ ، يَوْمَ الْفَتْحِ) أي فتح مكة (لَا هِجرة) قَالَ أبو العبّاس القرطبيّ رحمه الله تعالى: أي لا وجوب هجرة بعد فتح مكّة، وإنما سقط فرضها إذ ذاك؛ لقوّة المسلمين، وظهورهم عَلَى عدوّهم، ولعدم فتنة أهل مكة لمن كَانَ بها منْ المسلمين، بخلاف ما كَانَ قبل الفتح، فإن الهجرة كانت واجبةً؛ لأمور: سلامة دين المهاجرين منْ الفتنة، ونُصرة النبيّ صلّى الله تعالى عليه وسلم، وتعلّم الدين، وإظهاره. قَالَ: ولم يُختلف فِي وجوبها عَلَى منْ كَانَ بغيرها، فقيل: كانت واجبةً عَلَى كل منْ أسلم؛ تمسّكًا بمطلق الأمر بالهجرة، وذمّ منْ لم يهاجر، وببيعة النبيّ صلّى الله تعالى عليه وسلم عَلَى الهجرة، كما جاء فِي حديث مجاشع (١) وقيل: بل كانت مندوبًا إليها فِي حقّ غير أهل مكة. حكاه أبو عبيد. ويُستدلّ لهذا القول بقول النبيّ صلّى الله تعالى عليه وسلم للأعرابيّ الذي استشاره فِي الهجرة: "إن شأنها لشديد"، ولم يأمره بها، بل أذن له فِي ملازمة مكانه، وبدليل أنه لم يأمر الوفود عليه قبل الفتح بالهجرة. وقيل: إنما كانت واجبة عَلَى منْ لم يُسلم جميع أهل بلده؛ لئلا يبقى تحت أحكام الشرك، ويخاف الفتنة عَلَى دينه. قَالَ: ولا يُختلف فِي أنه لا يحلّ لمسلم المقام فِي بلاد الكفر مع التمكّن منْ الخروج منها؛ لجريان أحكام الكفر عليه، ولخوف الفتنة عَلَى نفسه، وهذا حكم ثابتٌ مؤبّدٌ إلى يوم القيامة، وعلى هَذَا، فلا يجوز لمسلم دخول بلاد الكفر لتجارة، أو غيرها، مما لا يكون ضروريًا فِي الدين كالرسل، وكافتكاك المسلم، وَقَدْ أبطل مالك رحمه الله تعالى شهادة منْ دخل بلاد الهند للتجارة. انتهى كلام القرطبيّ (٢). وَقَالَ فِي "الفتح": "لا هجرة بعد الفتح": أي بعد فتح مكة، أو المراد ما هو أعمّ منْ ذلك، إشارة إلى أن حكم غير مكة فِي ذلك حكمها، فلا تجب الهجرة منْ بلد قد فتحه

стр. 15903

المسلمون، أما قبل فتح البلد، فمن به منْ المسلمين أحد ثلاثة: [الأول]: قادر عَلَى الهجرة منها , لا يمكنه إظهار دينه، ولا أداء واجباته، فالهجرة منه واجبة. [الثاني]: قادرٌ لكنه يمكنه إظهار دينه، وأداء واجباته، فمستحبّةٌ؛ لتكثير المسلمين بها، ومعونتهم، وجهاد الكفّار، والأمن منْ غدرهم، والراحة منْ رؤية المنكر بينهم. [الثالث]: عاجزٌ يُعذر منْ أسر، أو مرض، أو غيرهما، فتجوز له الإقامة، فإن حمل عَلَى نفسه، وتكلّف الخروج منها أُجر. انتهى (١). وَقَالَ النوويّ رحمه الله تعالى: قَالَ أصحابنا وغيرهم منْ العلماء: الهجرة منْ دار الحرب إلى دار الإِسلام باقية إلى يوم القيامة، وتأوّلوا هَذَا الحديث تأويلين: [أحدهما]: لا هجرة بعد الفتح منْ مكة؛ لأنها صارت دار إسلام، فلا تتصوّر منها الهجرة. [والثاني]: وهو الأصحّ: أن معناه أن الهجرة الفاضلة المهمة المطلوبة التي يمتاز بها أهلها امتيازًا ظاهراً، انقطعت بفتح مكة، ومضت لأهلها الذين هاجروا قبل فتح مكة؛ لأن الإِسلام قوي، وعزّ بعد فتح مكة عزّا ظاهراً، بخلاف ما قبله. انتهى كلام النوويّ (٢). (وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ) أي لكن لكم طريقٌ إلى تحصيل الفضائل التي فِي معنى الهجرة، وذلك بالجهاد، ونيّة الخير فِي كلّ شيء. وَقَالَ الطيبيّ: كلمة "لكن" تقتضي مخالفة ما بعدها لما قبلها، أي المفارقة عن الأوطان المسمّاة بالهجرة المطلقة، انقطعت، لكن المفارقة بسبب الجهاد باقية مدى الدهر، وكذا المفارقة بسبب نيّة خالصةٍ لله تعالى، كطلب العلم، والفرار بدينه، ونحو ذلك. انتهى. وَقَالَ النوويّ: معناه: أن تحصيل الخير بسبب الهجرة قد انقطع بفتح مكة، ولكن حصّلوه بالجهاد، والنيّة الصالحة. انتهى. وَقَالَ القرطبيّ: قوله: "ولكن جهاد ونية" أي ولكن يبقى جهاد، ونية، أو جهاد ونية باقيان، أي نيّةٌ فِي الجهاد، أو فِي فعل الخيرات. انتهى (٣). (فَإِذَا اسْتُنْفِرْتُمْ) بالبناء للمفعول: أي طلب منكم الإِمام الخروج إلى الجهاد (فَانْفِرُوا)

стр. 15904

أي فأخرجوا وجوبًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): فِي درجته: حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما هَذَا متَّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -١٥/ ٤١٧٢ - وفي "الكبرى" ١٨/ ٧٧٩٣ وفي "السير" ٨٣/ ٨٧٠٣. وأخرجه (خ) فِي "جزاء الصيد" ١٨٣٤ و"الجهاد والسير" ٢٧٨٣ و٢٨٢٥ و٣٠٧٧ و٣١٨٩ (م) فِي "الحج"٤٤٥ و"الإمارة" ٤٨٠٦ و٤٨٠٧ (د) فِي "الجهاد" ٢٤٨٠ (ت) فِي "السير" ١٥٩٠. والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): فِي فوائده: (منها): بيان انقطاع الهجرة، ويُجمع بينه، وبين حديث: "لا تنقطع الهجرة" الآتي بأن المنقطعة هي التي كانت فرضًا فِي أول الإِسلام قبل فتح مكة، فلما فتحت، وصارت دار إسلام، انقطعت الهجرة، وأما الهجرة الباقية، فهي الهجرة منْ دار الحرب إلى دار الإِسلام، فِي أي عصر كَانَ، فإنها باقية إلى يوم القيامة. (ومنها): الحثّ عَلَى نية الخير مطلقاً، وأنه يثاب عَلَى النيّة. (ومنها): أن الإِمام إذا استنفر إلى الجهاد تعيّن عَلَى كلّ منْ استنفره، قَالَ القرطبيّ: وهو أمرٌ مجمع عليه. (ومنها): أنه استُدلّ به عَلَى أن الجهاد ليس فرض عين، بل هو فرض كفاية، إذا فعله منْ تحصل بهم الكفاية سقط الحرج عن الباقين، وإن تركوه كلّهم أثموا كلّهم. قَالَ النوويّ: قَالَ أصحابنا: الجهاد اليوم فرض كفاية، إلا أن ينزل الكفّار ببلد المسلمين، فيتعيّن عليهم الجهاد، فإن لم يكن فِي أهل ذلك البلد كفايةٌ، وجب عَلَى منْ يليهم تتميم الكفاية، وأما فِي زمن النبيّ صلّى الله تعالى عليه وسلم فالأصحّ عند أصحابنا أنه كَانَ أيضاً فرض كفاية. والثاني: أنه كَانَ فرض عين، واحتجّ القائلون بأنه كَانَ فرض كفاية بأنه كَانَ تغزو السرايا، وفيها بعضهم، دون بعض. انتهى (١). (ومنها): ما قاله القرطبيّ: إنه يدلّ عَلَى استمرار حكم الجهاد إلى يوم القيامة، وأنه لم يُنسخ، لكنه يجب عَلَى الكفاية، وإنما يتعيّن إذا دهم العدوّ بلدًا منْ بلاد المسلمين، فيتعين عَلَى كلّ منْ تمكن منْ نصرتهم. انتهى (٢). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه

стр. 15905

المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤١٧٣ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ يَحْيَى بْنِ هَانِىءٍ، عَنْ نُعَيْمِ بْنِ دِجَاجَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، يَقُولُ: لَا هِجْرَةَ بَعْدَ وَفَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ). قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "عمرو بن عليّ": هو الفلّاس. و"عبد الرحمن": هو ابن مهديّ. و"يحيى بن هانىء": هو أبو داود المراديّ الكوفيّ، ثقة [٥] ٣٣/ ٨٢١. و"نُعيم بن دجاجة" الأسديّ الكوفيّ، مقبولٌ [٢]. روى عن عمر، وعليّ، وأبي مسعود، وروى عنه المنهال بن عمرو الأسديّ، ويحيى بن هانىء المراديّ، وأبو حصين الأسديّ. ذكره مسلم، وابن سعد فِي الطبقة الأولى منْ الكوفيين. وذكره ابن حبّان فِي "الثقات". تفرد به المصنّف بهذا الحديث فقط. وقول عمر رضي الله تعالى عنه: لا هجرة بعد وفاة رسول الله صلّى الله تعالى عليه وسلم الظاهر أنه بمعنى قوله صلّى الله تعالى عليه وسلم: "لا هجرة بعد الفتح"، إذ وفاته صلّى الله تعالى عليه وسلم قريبٌ منْ زمن الفتح. والله تعالى أعلم. والحديث صحيح، ونعيم بن دجاجة قد روى عنه جماعة، ووثقه ابن حبّان. وهو منْ أفراد المصنّف رحمه الله تعالى، أخرجه هنا -١٥/ ٤١٧٣ - وفي "الكبرى" ١٨/ ٧٧٩٤ وفي "السير" ٨٣/ ٨٧٠٦. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤١٧٤ - (أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ مُسَاوِرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْعَلَاءِ بْنِ زَبْرٍ، عَنْ بُسْرِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ وَاقِدٍ السَّعْدِيِّ، قَالَ: وَفَدْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فِي وَفْدٍ كُلُّنَا يَطْلُبُ حَاجَةً، وَكُنْتُ آخِرَهُمْ دُخُولاً عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي تَرَكْتُ مَنْ خَلْفِي، وَهُمْ يَزْعُمُونَ أَنَّ الْهِجْرَةَ قَدِ انْقَطَعَتْ، قَالَ: "لَا تَنْقَطِعُ الْهِجْرَةُ، مَا قُوتِلَ الْكُفَّارُ"). رجال هَذَا الإسناد: ستة: ١ - (عيسى بن مُساور) أبو موسى الجوهريّ البغداديّ، صدوق، منْ صغار [١٠] ٧١/ ٢٣٧. ٢ - (الوليد) بن مسلم الدمشقيّ المذكور قريباً. ٣ - (عبد الله بن العلاء بن زَبْر) -بفتح الزاي، وسكون الموحّدة- الدمشقيّ الرَّبعيّ، ثقة [٧] ٩/ ١٣٧٩.

стр. 15906

٤ - (بُسر بن عبيد الله) الحضرميّ الشاميّ، ثقة حافظ [٤] ١١/ ٧٦٠. [تنبيه]: وقع فِي "الكبرى" فِي "السير" بشر بن عبيد الله" بالشين المعجمة، بدل "بسر" بالسين المهملة، وهو تصحيف، ومن الغريب أن المحقّق أثبت فِي الهامش لفظ "بسر" , ولم يشر إلى الخطأ، وهذه غفلة، فليُتنبّه لها. والله تعالى أعلم. ٥ - (أبو إدريس) عائذ الله بن عبد الله الخولانيّ، وُلد فِي حياة النبيّ ﷺ يوم حنين، وسمع منْ كبار الصحابة رضي الله تعالى عنهم، ومات سنة (٨٠) ثقة فقيه، قَالَ سعيد ابن عبد العزيز: كَانَ عالم الشام بعد أبي الدرداء ﵁[٢] ٧٢/ ٨٠. ٦ - (عَبْدِ اللهِ بْنِ وَقْدَان السّعديّ) بن عبد شمس بن عبد ودّ بن نصر بن مالك بن حِسْل بن عامر بن لُؤيّ القرشيّ العامري، أبو محمّد. وقيل: اسمه عمرو، وقيل: قُدَامة. وَقَالَ بعضهم: ابن الساعديّ. سكن عبد الله الأردنّ، منْ أرض الشام. و"السَّعْدِيَّ" -بفتح السين، وسكون العين المهملتين-: نسبة إلى بني سعد؛ قيل له ذلك؛ لأنه كَانَ مسترضعًا فِي بني سعد. روى عن النبيّ صلّى الله تعالى عليه وسلم، وعن عمر بن الخطاب حديث الْعُمَالة، وعن محمّد بن حبيب المصريّ، إن كَانَ محفوظًا. وروى عنه حُويطب بن عبد العزّى، والسائب بن يزيد، وعبد الله بن مُحيريز، ومالك بن يُخامر، وأبو إدريس، وبُسر بن سعيد، وحسّان بن الضَّمْريّ. قَالَ الواقديّ: توفي سنة (٥٧)، وَقَالَ ابن حبّان: مات فِي خلافة عمر، قَالَ ابن عساكر: لا أراه محفوظًا. روى له الجماعة، سوى الترمذيّ، وابن ماجه، وله عند المصنّف فِي هَذَا الكتاب حديث الباب فقط. لطائف هَذَا الإسناد: (منها): أنه منْ سداسيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله عندهم رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه منْ أفراده. (ومنها): أنه مسلسل بالشاميين. (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ وَقْدَانَ السَّعْدِيِّ) رضي الله تعالى عنه، أنه (قَالَ: وَفَدْتُ) بفتح الفاء، يقال: وفد إليه، وعليه يفِد وَفْدًا، منْ باب وعد، ووُفُودًا، ووِفَادةً، وإفادةً: إذا قدِمَ، وورد (إِلَى رسُولِ اللهِ ﷺ ، فِي وَفْدٍ) بفتح، فسكون جمع وافد، كصاحب وصحب (كُلُّنَا يَطْلُبُ حَاجَةً، وَكُنْتُ آخِرَهُمْ دُخُولاً) منصوب عَلَى التمييز (عَلَى رسُولِ اللهِ ﷺ ، فقُلتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي تَرَكْتُ مَنْ) بفتح الميم موصولة، مفعول "تركت" (خَلْفِي،

стр. 15907

وَهُمْ يَزْعُمُونَ) جملة حالية (أَنَّ الْهِجْرَةَ قَدِ انْقَطَعَتْ. قَالَ) صلّى الله تعالى عليه وسلم (لَا تَنْقَطِعُ الْهِجْرَةُ، مَا قُوتِلَ الْكُفَّارُ) ببناء الفعل للمفعول: أي مدّة مقاتلتهم، والمعنى: أن الهجرة باقية إلى يوم القيامة؛ لأن مقاتلة الكفّار مستمرّة إلى ذلك الوقت، فكلّ منْ لم يتمكن منْ إقامة دينه فِي وطنه لسيطرة الكفّار عليه، وجب عليه أن يهاجر إلى دار الإِسلام، إن تمكّن منْ الهجرة. ووجه الجمع بينه، وبين الحديث الذي قبله: "لا هجرة بعد الفتح" هو ما قاله الخطّابيّ رحمه الله تعالى: كانت الهجرة فِي أول الإِسلام مندوبًا إليها، غير مفروضة، وذلك قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً﴾ [النساء: ١٠٠]، نزل حين اشتدّ أذى المشركين عَلَى المسلمين، عند انتقال رسول الله صلّى الله تعالى عليه وسلم إلى المدينة، وأُمروا بالانتقال إلى حضرته؛ ليكونوا معه، فيتعاونوا، ويتظاهروا إن حزبهم أمرٌ، وليتعلّموا منه أمر دينهم، ويتفقّهوا فيه، وكان عُظمُ الخوف فِي ذلك الزمان منْ قُريش، وهم أهل مكة، فلما فُتحت مكة، ونَخَعَت بالطاعة، زال ذلك المعنى، وارتفع وجوب الهجرة، وعاد الأمر فيها إلى الندب، والاستحباب، فهما هجرتان، فالمنقطعة منهما هي الفرض، والباقية هي الندب. فهذا وجه الجمع بين الحديث. انتهى (١). وَقَالَ فِي "شرح السنة": يحتمل الجمع بأن يكون معنى قوله: "لا هجرة بعد الفتح" أي منْ مكة إلى المدينة، وقوله: "لا تنقطع" أي منْ دار الكفر فِي حق منْ أسلم إلى دار الإِسلام. انتهى. قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: هَذَا الذي قاله فِي "شرح السنّة" هو الذي يؤيّده حديث عبد الله وقدان السعديّ رضي الله تعالى عنه المذكور هنا، حيث قيّد النبيّ صلّى الله تعالى عليه وسلم بقاء الهجرة ببقاء قتال الكفار، فدلّ عَلَى أن المراد بالهجرة الهجرة المطلقة، فِي أي وقت، حيث لا يتمكن المسلم منْ إقامة دينه، فيجب عليه أن يهاجر، وإلا فيُستحبّ له عَلَى حسب الدواعي لذلك. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. وحديث عبد الله بن وقدان السعديّ رضي الله تعالى عنه هَذَا صحيح، ونقل فِي "الإصابة" عن أبي زرعة الدمشقيّ، أنه قَالَ: هَذَا الحديث عن عبد الله بن السعديّ حديث صحيح متقن، رواه الأثبات. انتهى (٢).

стр. 15908

وهو منْ أفراد المصنّف رحمه الله تعالى، أخرجه هنا -١٥/ ٤١٧٤ و٤١٧٥ - وفي "الكبرى" ١٨/ ٧٧٩٥ و٧٧٩٦ وفي "السير" ٨٣/ ٨٧٠٧ و٨٧٠٨، ٨٧٠٩. وأخرجه (أحمد) فِي "باقي مسند الأنصار" ٢١٨١٩. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤١٧٥ - (أَخْبَرَنَا مَحْمُودُ بْنُ خَالِدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَرْوَانُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْعَلَاءِ بْنِ زَبْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي بُسْرُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيِّ، عَنْ حَسَّانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الضَّمْرِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ السَّعْدِيِّ، قَالَ: وَفَدْنَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَدَخَلَ أَصْحَابِي، فَقَضَى حَاجَتَهُمْ، وَكُنْتُ آخِرَهُمْ دُخُولاً، فَقَالَ: حَاجَتُكَ؟، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَتَى تَنْقَطِعُ الْهِجْرَةُ؟، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا تَنْقَطِعُ الْهِجْرَةُ مَا قُوتِلَ الْكُفَّارُ"). قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "محمود بن خالد": هو السلميّ، أبو عليّ الدمشقيّ، ثقة، منْ صغار [١٠] ٤٥/ ٥٩٥. و"مروان بن محمد": هو الطاطّرِيّ، أبو محمد الدمشقيّ، ثقة [٩] ١٢٨/ ١٠٩١. و"حسّان بن عبد الله بن الضمريّ" الشاميّ، ثقة [٢]. قَالَ العجليّ: شاميّ ثقة. وذكره ابن حبّان فِي "الثقات". وَقَالَ النسائيّ: ليس بالمشهور. تفرّد به المصنّف بهذا الحديث فقط. وقوله: "حاجتك" يحتمل النصب عَلَى أنه مفعول لفعل مقدّر، أي اسأل حاجتك. ويحتمل الرفع، عَلَى أنه مبتدأ محذوف الخبر: أي ما حاجتك؟. والحديث صحيح، وَقَدْ سبق شرحه، وتخريجه فِي الذي قبله. [تنبيه]: الظاهر أن أبا إدريس سمع هَذَا الحديث أولاً عن حسّان بن عبد الله، ثم سمعه منْ عبد الله بن وقدان، أو سمعه منه، ثم ثبّته حسّان. والله تعالى أعلم. [تنبيه آخر]: أخرج هَذَا الحديث المصنّف فِي "السير" منْ: "الكبرى" منْ حديث محمّد بن حبيب المصريّ، ولفظه: أخبرني شعيب بن شعيب بن إسحاق، وأحمد بن يوسف، قالا: حدثنا أبو المغيرة، قَالَ: حدثني الوليد بن سليمان، قَالَ: حدثني بُسر بن عبيد الله، عن عبد الله بن محيريز، عن عبد الله بن السعديّ، عن محمّد بن حبيب المصريّ، قَالَ: أتينا رسول الله صلّى الله تعالى عليه وسلم فِي نفر، كلّنا ذو حاجة، فتقدّموا بين يديه، فقضى الله لهم عَلَى لسان نبيّه ما شاء، ثم أتيته، فقال لي رسول الله صلّى الله تعالى عليه وسلم: "ما حاجتك؟ " قلت: سمعت رجالاً منْ أصحابنا يقولون: قد انقطعت الهجرة، قَالَ: "لا تنقطع الهجرة ما قوتل الكفّار". واللفظ لأحمد.

стр. 15909

قَالَ أبو عبد الرحمن: محمّد بن حبيب هَذَا لا أعرفه. انتهى (١). وقوله: "المصريّ" هكذا بالميم، وَقَالَ فِي "الإصابة": محمّد بن حبيب النّصريّ بالنون، ويقال: المصريّ بكسر الميم، وهو الأشهر، ووقع عند أبي عمر بضمّ الميم، وفتح الضاد المعجمة، وَقَدْ قَالَ ابن منده: لا يُعرف فِي الشاميين، ولا فِي المصريين ذِكرُهُ فِي الصحابة. ثم قَالَ: وأخرج البغويّ وغيره منْ طريق الوليد بن سليمان، عن بُسر بن عبيد الله، فذكر الحديث المذكور، ثم قَالَ: وَقَالَ البغويّ: رواه غير واحد عن ابن مُحيريز، عن عبد الله بن السعديّ. انتهى (٢). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ١٦ - (الْبَيْعَةِ فِيمَا أَحَبَّ وَكَرِهَ) ٤١٧٦ - (أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ قُدَامَةَ، عَنْ جَرِيرٍ، عَنْ مُغِيرَةَ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، وَالشَّعْبِيِّ، قَالَا: قَالَ جَرِيرٌ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَقُلْتُ لَهُ: أُبَايِعُكَ عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، فِيمَا أَحْبَبْتُ، وَفِيمَا كَرِهْتُ، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "أَوَ تَسْتَطِيعُ ذَلِكَ، يَا جَرِيرُ؟ أَوَ تُطِيقُ ذَلِكَ؟، قَالَ: "قُلْ: فِيمَا اسْتَطَعْتُ"، فَبَايَعَنِي، "وَالنُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ"). قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: هَذَا الحديث متَّفقٌ عليه، وَقَدْ تقدّم فِي ٦/ ٤١٥٨ و٤١٥٩ ومضى شرحه، وبيان مسائله هناك، فراجعه تستفد. و"محمّد بن قُدامة": هو المصّيصيّ. و"جرير": هو ابن عبد الحميد. و"مغيرة": هو ابن مِقسَم الضبيّ. و"أبو وائل": هو شقيق بن سلمة. و"الشعبيّ": هو عامر بن شَرَاحيل. و"جرير": هو ابن عبد الله البجليّ الصحابيّ الجليل رضي الله تعالى عنه. وقوله: "أو تستطيع ذلك؟ " بفتح الواو، والهمزة للاستفهام، أي أتلتزم، وتستطيع ما ذكرته، منْ السمع والطاعة فِي كل محبوب ومكروه؟. وقوله: "أو تطيق ذلك؟ " بسكون الواو؛ لأن "أو" للشكّ منْ الراوي.

стр. 15910

وقوله: "فبايعني، والنصح لكلّ مسلم" متعلّق الفعل محذوفٌ، و"النصح" بالجرّ عطف عَلَى ذلك المحذوف، أي بايعني عَلَى ما ذُكر، والنصحِ لكل مسلم. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ١٧ - (الْبَيْعَةِ عَلَى فِرَاقِ الْمُشْرِكِ) قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: مفارقة المشركين، تكون بالهجرة منْ بين أظهرهم، إذا لم يستطع المسلم أن يقيم شعائر دينه فيهم، وتمكن منْ الهجرة، وإذا لم يستطع الهجرة، فيلزمه أن يفارقهم فِي عاداتهم وتقاليدهم الخاصّة بهم؛ لأن موافقتهم فِي ذلك تشبه بهم، وَقَدْ قَالَ صلّى الله تعالى عليه وسلم فيما أخرجه أبو داود بإسناد صحيح، منْ حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، مرفوعًا: "منْ تشبّه بقوم، فهو منهم". والله تعالى أعلم بالصواب. ٤١٧٧ - (أَخْبَرَنَا بِشْرُ بْنُ خَالِدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ سُلَيْمَانَ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ جَرِيرٍ، قَالَ: بَايَعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، عَلَى إِقَامِ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَالنُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ، وَعَلَى فِرَاقِ الْمُشْرِكِ). قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "بشر بن خالد": هو العسكريّ، أبو محمّد الفرائضيّ، نزيل البصرة. و"غندر": هو محمّد بن جعفر. و"سليمان": هو ابن مِهْران الأعمش. والحديث صحيح، وَقَدْ سبق القول فيه فِي الذي قبله. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤١٧٨ - (أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ الرَّبِيعِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الأَحْوَصِ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ أَبِي نُخَيْلَةَ، عَنْ جَرِيرٍ، قَالَ: أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرَ نَحْوَهُ). قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "محمّد بن يحيى بن محمّد": الحرّانيّ الكلبيّ الملقّب بلؤلؤ، ثقة صاحب حديث [١١] ٤/ ٤٠٣ منْ أفراد المصنّف. و"الحسن بن الربيع": هو أبو عليّ البُورانيّ الكوفيّ. و"أبو الأحوص": هو سلّام بن سُليم الحنفيّ الكوفيّ. و"أبو نُخَيلة" بالمعجمة، ويقال بالمهملة البجليّ، له صحبة عَلَى ما قاله الأكثرون.

стр. 15911

روى عن جرير بن عبد الله البجليّ. وعنه أبو وائل، فقال: عن أبي نُخيلة، رجلٍ منْ أصحاب النبيّ صلّى الله تعالى عليه وسلم. وذكره عبد الغنيّ بن سعيد بالحاء المهملة، وذكره غيره بالمعجمة. وَقَالَ أبو حاتم: ليست له صحبة، وأثبتها أبو أحمد الحاكم، وابن عبد البرّ، وابن منده، وأبو نعيم، وغيرهم. قاله فِي "تهذيب التهذيب" ٤/ ٥٩٧. وَقَالَ فِي "الإصابة": أبو نُحيلة بمهملة، مصغّرًا، كذا عند الدارقطنيّ وغيره. قَالَ الحافظ: ورأيته فِي نسخة معتمدة منْ الكنى لأبي أحمد بفتح أوله، والمعجمة، وذكره عبد الغنيّ بالتصغير، والحاء المهملة، وبالمهملة جزم إبراهيم الحربيّ، وزاد: هو رجلٌ صالح منْ بجِيلةَ، حكاه الدارقطنيّ، عن يحيى بن معين، وعن عليّ بن المدينيّ أن سفيان بن عيينة، قَالَ: إن أبا نخيلة له صحبة، قَالَ: وهو بالخاء المعجمة البجليّ. ذكره الطبرانيّ وغيره. وَقَالَ ابن المدينيّ، والبخاريّ، وأبو أحمد الحاكم: له صحبة. روى حديثه الثوريّ، عن منصور، عن أبي وائل، عن أبي نخيلة، رجلٍ منْ أصحاب النبيّ صلّى الله تعالى عليه وسلم أنه رُمي بسهم، فقيل له: انتزعه، فقال: اللَّهمّ انقص منْ الوجع، ولا تنقص منْ الأجر. وقيل: ادع الله، فقال: اللَّهم اجعلني منْ المقرّبين، واجعل أُمّي منْ الحور العين. وعند ابن منده فِي أوله: خرج غازيًا، فرُمي بحجر، فقال: اللَّهمّ انقص منْ الوجع، والباقي سواء. ونقل أبو عمر عن علي بن المدينيّ أنه قَالَ: قيل فيه: أبو نخيلة يعني بالمعجمة، والمعروف بالمهملة، قَالَ: وله رواية عن جرير البجليّ. انتهى (١). روى له البخاريّ فِي "الأدب المفرد"، والمصنّف، وله عنده فِي هَذَا الكتاب هَذَا الحديث فقط. وقوله: "فذكر نحوه" الضمير لأبي الأحوص، أي ذكر أبو الأحوص، عن الأعمش نحو رواية شعبة، عن سليمان الأعمش. والحديث صحيح، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤١٧٩ - (أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ قُدَامَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ أَبِي نُخَيْلَةَ الْبَجَلِيِّ، قَالَ: قَالَ جَرِيرٌ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ ، وَهُوَ يُبَايِعُ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ابْسُطْ يَدَكَ حَتَّى أُبَايِعَكَ، وَاشْتَرِطْ عَلَيَّ، فَأَنْتَ أَعْلَمُ، قَالَ: "أُبَايِعُكَ عَلَى أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ، وَتُقِيمَ الصَّلَاةَ، وَتُؤْتِيَ الزَّكَاةَ، وَتُنَاصِحَ الْمُسْلِمِينَ، وَتُفَارِقَ الْمُشْرِكِينَ"). "منصور": هو ابن المعتمر. والباقون تقدّموا قريباً. والحديث صحيح. والله تعالى

стр. 15912

أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤١٨٠ - (أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، قَالَ: أَنْبَأَنَا مَعْمَرٌ، قَالَ: أَنْبَأَنَا ابْنُ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ عُبَادَةَ بْنَ الصَّامِتِ، قَالَ: بَايَعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي رَهْطٍ، فَقَالَ: "أُبَايِعُكُمْ عَلَى أَنْ لَا تُشْرِكُوا بِاللَّهِ شَيْئًا، وَلَا تَسْرِقُوا، وَلَا تَزْنُوا، وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ، وَلَا تَأْتُوا بِبُهْتَانٍ، تَفْتَرُونَهُ بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَأَرْجُلِكُمْ، وَلَا تَعْصُونِي فِي مَعْرُوفٍ، فَمَنْ وَفَّى مِنْكُمْ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ، وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا، فَعُوقِبَ فِيهِ، فَهُوَ طَهُورُهُ، وَمَنْ سَتَرَهُ اللَّهُ، فَذَاكَ إِلَى اللَّهِ، إِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ، وَإِنْ شَاءَ غَفَرَ لَهُ"). قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: هَذَا الحديث متَّفقٌ عليه، وَقَدْ تقدّم فِي ٩/ ٤١٦٣ - وتقدم شرحه، وبيان مسائله هناك، فراجعه تستفد. و"يعقوب بن إبراهيم": هو الدَّورقيّ. و"معمر": هو ابن راشد. وموضع الدلالة عَلَى الترجمة قوله: "عَلَى أن لا تشركوا" لأن صحبة المشرك قد تؤدّي إلى الشرك، والبيعة عَلَى ترك الشرك تتضمّن البيعة عَلَى ترك ما يؤدّي إليه، فصارت متضمّنة للبيعة عَلَى ترك صحبة المشرك. هكذا قَالَ السنديّ. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ١٨ - (بَيْعَةُ النِّسَاءِ) ٤١٨١ - (أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ، قَالَتْ: لَمَّا أَرَدْتُ أَنْ أُبَايِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ امْرَأَةً، أَسْعَدَتْنِي فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَأَذْهَبُ، فَأُسْعِدُهَا، ثُمَّ أَجِيئُكَ، فَأُبَايِعُكَ، قَالَ: "اذْهَبِي، فَأَسْعِدِيهَا"، قَالَتْ: فَذَهَبْتُ، فَسَاعَدْتُهَا، ثُمَّ جِئْتُ، فَبَايَعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ). رجال هَذَا الإسناد: خمسة: ١ - (محمّد بن منصور) بن ثابت الخزاعيّ الجوّاز المكيّ، وهو ثقة [١٠] ٢٠/ ٢١. ٢ - (سفيان) بن عيينة المكيّ الإِمام الحجة الثبت [٨] ١/ ١.

стр. 15913

٣ - (أيوب) بن أبي تميمة كيسان السختيانيّ، أبو بكر البصريّ، ثقة ثبت فقيه عابد [٥] ٤٨/ ٤٢. ٤ - (محمّد) بن سيرين الأنصاريّ مولاهم أبو بكر البصريّ، ثقة ثبت عابد [٣] ٤٦/ ٥٧. ٥ - (أم عطيّة) نُسيبة بالتصغير، ويقال بفتح أولها- بنت كعب، ويقال: بنت الحارث الأنصاريّة الصحابيّة المشهورة، سكنت البصرة رضي الله تعالى عنها، تقدّمت فِي ٧/ ٣٦٧. والله تعالى أعلم. لطائف هَذَا الإسناد: (منها): أنه منْ خماسيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه منْ أفراده. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين، غير شيخه، وسفيان، فمكيّان. (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ) رضي الله تعالى عنها، أنها (قالت: لَمَّا أَرَدْتُ أَنْ أُبَايِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ) وفي الرواية التالية: أخذ علينا رسول الله صلّى الله تعالى عليه وسلم البيعة أن لا ننوح"، زاد فِي رواية البخاريّ: "أخذ علينا النبيّ صلّى الله تعالى عليه وسلم عند البيعة أن لا ننوح , فما وفت منّا امرأة غير خمس نسوة. أم سُليم، وأمّ العلاء، وابنة أبي سَبْرة: امرأة معاذ، وامرأتين، أو ابنة أبي سَبْرة، وامرأة معاذ، وامرأة أخرى". قَالَ القاضي عياض رحمه الله تعالى: معناه لم يف ممن بايع مع أم عطيّة فِي الوقت الذي بايعت فيه منْ النسوة إلا خمس، لا أنه لم يترك النياحة منْ المسلمات غير خمس. انتهى (١). (قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ امْرَأَةً أَسْعَدَتْنِي) الإسعاد هو قيام المرأة مع الأخرى فِي النياحة تُراسلها، وهو خاصّ بهذا المعنى، ولا يُستعمل إلا فِي البكاء، والمساعدة عليه، ويقال: إن أصل المساعدة وضع الرجل يده عَلَى ساعد الرجل صاحبه عند التعاون عَلَى ذلك. قاله فِي "الفتح" (٢). ومعنى ذلك: أنه كَانَ نساء الجاهلية يُسعد بعضهنّ بعضًا عَلَى النياحة، فحينما بايعهنّ النبيّ صلّى الله تعالى عليه وسلم علي ترك النياحة، قالت أمّ عطيّة: إنها ساعدتها امرأة

стр. 15914

فِي النياحة، فلابدّ لها منْ مساعدتها عَلَى ذلك، قضاءً لحقّها، ثم لا تعود، فرخّص لها النبيّ صلّى الله تعالى عليه وسلم فِي ذلك قبل المبايعة، ففعلت، ثم بايعت، وهذا الترخيص خاصّ بها رضي الله تعالى عنها عَلَى الراجح، كما يأتي قريبًا، إن شاء الله تعالى. (فِي الْجَاهِلِيَّةِ) أي فِي الايام التي كانت قبل الإِسلام (فَأَذْهَبُ، فَأُسْعِدُهَا) وفي رواية البخاريّ: فأريد أن أجزيها": أي أكافئها (ثُمَّ أَجِيئُكَ، فَأُبَايِعُكَ، قَالَ) صلّى الله تعالى عليه وسلم (اذْهبِي، فأسْعِدِيهَا) أي كافئيها (قَالَتْ) أم عطية رضي الله تعالى عنها (فَذَهَبْتُ، فَسَاعَدْتُهَا) أي كافأتها عَلَى ما سبق لها، وفي نسخة: "فأسعدتها" (ثُمَّ جِئْتُ، فَبَايَعْتُ رسُولَ اللهِ ﷺ ) هَذَا فيه تصريح بإذنه صلّى الله تعالى عليه وسلم لها بالإسعاد، فيُحمل عَلَى أنه منْ خصوصيّات أم عطيّة رضي الله تعالى عنها، كما أنه صلّى الله تعالى عليه وسلم استثنى بعض النساء كما سيأتي قريباً، إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): فِي درجته: حديث أم عطية رضي الله تعالى عنها هَذَا متَّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -١٨/ ٤١٨١ و٤١٨٢ - وفي "الكبرى" ٢١/ ٧٨٠٢ و٧٨٠٣. وأخرجه (خ) فِي "الجنائز" ١٣٠٦ (م) فِي "الجنائز" ٩٣٦ (د) فِي "الجنائز" ٣١٢٧ (أحمد) فِي "أول مسند البصريين" ٢٠٢٦٧. والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): فِي فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان مشروعيّة مبايعة النساء. (ومنها): تحريم النوح، وعظيم قبحه، والاهتمام بإنكاره، والزجر عنه؛ لأنه مُهَيْجٌ للحزن، ورافع للصبر، وفيه مخالفة التسليم للقضاء، والإذعان لأمر الله تعالى. (ومنها): تخصيص النبيّ صلّى الله تعالى عليه وسلم لأم عطيّة رضي الله تعالى عنها بالمساعدة بالنياحة، وكذا ثبت الترخيص لغيرها أيضاً، كما سيأتي فِي المسألة التالية، إن شاء الله تعالى. (ومنها): أن للشارع أن يخصّ بعض المكلّفين بترخيص بعض الأحكام فِي حقّه، كما ثبت أنه صلّى الله تعالى عليه وسلم رخّص لأبي بُردة بن نيار رضي الله تعالى عنه أن يُضحّي بجذعة، وَقَالَ: "لن تجزي عن أحد بعدك"، وكذا ثبت الترخيص لعقبة بن عامر رضي الله تعالى عنه، كما سيأتي تحقيقه فِي "كتاب الضحايا"،

стр. 15915

إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): فِي اختلاف العلماء فِي تأويل هَذَا الحديث: قَالَ النوويّ رحمه الله تعالى: هَذَا الحديث محمولٌ علي أن الترخيص لأمّ عطيّة فِي آل فلان خاصّة، ولا تحلّ النياحة لها، ولا لغيرها فِي غير آل فلان، كما هو ظاهر الحديث، وللشارع أن يخُصّ منْ العموم منْ شاء بما شاء، فهذا صواب الحكم فِي هَذَا الحديث. قَالَ الحافظ: كذا قَالَ، وفيه نظرٌ إلا أن ادّعى إن الذين ساعدتهم لم يكونوا أسلموا، وفيه بُعدٌ، وإلا فليدّع مشاركتهم لها فِي الخصوصية. قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: كونهم مشاركين لها فِي الخصوصية ظاهر، لا شكّ فيه، فإنه صلّى الله تعالى عليه وسلم لما أذن لها أن تساعدهم، لا يمكن ذلك إلا بجواز ذلك لهم معها. والله تعالى أعلم. ثم قَالَ النوويّ: واستشكل القاضي عياض، وغيره هَذَا الحديث، وقالوا فيه أقوالاً عجيبة، وَمَقْصُودِي التَّحْذِير منْ الاغْتِرار بها، فإِن بعض المالِكِيَّة قَالَ: النِّياحة ليْسَتْ بِحرامٍ، لِهذا الحديث، وإنَّمَا المُحرَّم ما كَانَ مَعَهُ شَيْء، منْ أفعال الجاهِليَّة، منْ شق جيب، وَخمْش خَدّ، ونحو ذَلِكَ، قَالَ: والصّواب ما ذكرناهُ أولاً، وأنَّ النياحة حَرَام مُطلقًا، وهُو مذهب العُلَمَاء كَافَّة. انتهى. قَالَ الحافظ: وَقَدْ نُقل عن غير هَذَا المالِكِيّ أيضًا أنَّ النِّياحَة ليْسَت بِحرامٍ، وهُو شَاذ مردُود. وَقَدْ ابْداهُ القُرْطُبِيّ احْتِمالا، وردهُ بالأحادِيثِ الْوَارِدَة فِي الوعِيد عَلَى النِّياحة، وهُو دَالّ عَلَى شِدَّة التَّحْرِيم، لَكِنْ لا يمتنِع أن يكُون النَّهْي أولاً ورد بِكَرَاهةِ التَّنْزيه، ثُمَّ لمَّا تَمَّتْ مُبايعة النِّسَاء، وقع التَّحرِيم، فيكُون الإذن لِمن ذُكِر وقع فِي الحالة الأولَى؛ لِبيانِ الجواز، ثُمَّ وَقَع التَّحريم، فورد حِينئِذٍ الوعِيد الشَّدِيد. وَقَدْ لخص القُرطُبِي بقِية الأقاوِيل الَّتِي أشَار إِليها النَّووِيّ: [مِنْهَا]: دعوى أنَّ ذَلِكَ قبل تحرِيم النياحة، قَالَ: وهُو فَاسِد لِمَسَاقِ حدِيث أم عطِية هَذَا، ولولا أنَّ أُم عطِية فهِمت التَّحْرِيم لما اسْتَثْنَتْ. قَالَ الحافظ: ويُؤيِّدهُ أيضًا أن أُم عطِيَّة صَرَّحَتْ بأنَّها منْ العِصيان فِي المعرُوف، وهذا وصْف المُحَرَّم. [وَمِنْهَا]: أنَّ قوله: "إِلا آل فُلان" لَيْسَ فِيهِ نَصّ عَلَى أنها تُسَاعِدهُم بِالنِّيَاحَةِ، فيُمْكِن أنَّها تُساعِدهُم بِاللِّقَاءِ، والبُكاء الَّذِي لا نِياحة معهُ. قَالَ: وَهَذَا أشْبَه مِمَّا قبله.

стр. 15916

قَالَ الحافظ: بل يرُدّ عَلَيْهِ وُرُود التصرِيح بِالنياحةِ، كما سأذكُرُهُ، ويرُد عَلَيْهِ أيضًا أنَّ اللِّقاء، والبُكاء المُجرَّد لم يدخُل فِي النَّهْي، فلو وقع الاقتِصار عَلَيْهِ، لم يحتجْ إِلى تأخِير المُبايعة حتَّى تفعلهُ. [ومِنها]: أنه يحتمِل أن يكُون أعاد "إِلَّا آل فُلان" عَلَى سبيل الإنْكار، كما قَالَ لِمن استأذن عَلَيْهِ، فقال لهُ: "منْ ذا؟ "، فقال: أنا. فقال: "أنا أنا". فأعاد عَلَيْهِ كلامه مُنْكِرًا عَلَيْهِ. وتُعقّب بأنه يرِدُ عَلَيْهِ ما ورد عَلَى الأوَّل. [ومِنها]: أنَّ ذَلِكَ خَاصّ بِأُمِّ عطِية، قَالَ: وَهُوَ فَاسِد، فإِنَّها لا تختص بِتَحْليلِ شَيْء منْ المُحرَّمَات. انتهى (١). قَالَ الحافظ: ويقدح فِي دعوى تَخْصِيصها أيضًا ثُبُوت ذَلِكَ لِغيرِها، ويُعْرَف مِنْهُ أيْضَا الْخَدْشِ فِي الأجْوِبة المَاضِيَة. فقد أخرج ابن مردويهِ، منْ حدِيث ابن عبَّاس، قَالَ: "لَمَّا أَخَذَ رسُول الله ﷺ عَلَى النِّساء، فبايعهُنَّ أن ﴿أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا﴾ الآية [الممتحنة: ١٢]، قالت خولة بِنت حكِيم: يا رسُول الله كَانَ أبِي وأخِي، ماتا فِي الجاهِلية، واِن فُلانة أسعدتنِي، وَقَدْ مات أخُوها" الحديث. وأخرج التِّرمِذِيّ منْ طرِيق شهر بن حوشب، عن أُم سلمة الأنْصارِيّة، وهِي أسماء بِنت يزِيد، قالت: "قُلت: يا رسُول الله، إِنَّ بنِي فُلان أسْعدُونِي عَلَى عَمِّي، ولابُدَّ منْ قضائِهِنَّ، فأبَى، قالت: فراجعته مِرارًا، فأذِن لي، ثُمَّ لَمْ أنُحْ بعد". وأخْرَجَ أحمد، والطَّبَريّ منْ طرِيق مُصعب ابن نُوح، قَالَ: "أَدْركت عجُوزًا لنا، كانت فِيمن بايع رسُول الله ﷺ ، قالت: فأخذ علينا: "ولا ينُحْنَ"، فقالت عجُوز: يا نبِيّ الله، إِنَّ ناساً كانُوا أسعدُونا عَلَى مصائب أصابتنا، وإِنَّهمْ قد أصابتهُم مُصِيبة، فَأنَا أُرِيد أن أُسعِدهُم، قَالَ: "فاذهبِي، فكافِئِيهِم"، قالت: فانطلقت فكافأتهم، ثُمَّ إِنَّها أتت فبايَعَتْهُ. قَالَ الحافظ: وظهر منْ هَذَا كُلّه أنَّ أقرب الأجْوِبة، أنها كانت مُباحة، ثُمَّ كُرِهت كراهة تتزِيه، ثُمَّ تَحريم. والله أعلم. انتهى كلام الحافظ رحمه الله تعالى (٢). قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: هَذَا الذي رجحه الحافظ أخيرًا حسن، ولكنّ ما تقدّم عن النوويّ رحمه الله تعالى أحسن منه، وخلاصته أنه صلّى الله تعالى عليه وسلم رخص لهؤلاء النساء: أم عطيّة، وغيرها، منْ اللاتي طلبن منه استثناء المساعدات مكافأة لما مضى، فخصّهنّ بذلك، فهذا جواب لا غبار عليه. وَقَدْ مرّ آنفًا أنه صلّى الله

стр. 15917

تعالى عليه وسلم رخّص لأبي بردة فِي التضحيّة بجذعة، وكذا لعقبة بن عامر، إن كَانَ محفوظًا، كما سيأتي تحقيقه فِي "كتاب الضحايا"، إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤١٨٢ - (أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الرَّبِيعِ، قَالَ: أَنْبَأَنَا حَمَّادٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ، قَالَتْ: أَخَذَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْبَيْعَةَ عَلَى أَنْ لَا نَنُوحَ). قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "الحسن بن أحمد" بن حبيب الكرماني، أبو عليّ، نزيل طرسوس، لا بأس به، إلا فِي حديث مسدّد، قاله النسائيّ [١٢]. قَالَ ابن المنادي فِي "الوفيات": سمع الناس منه "مسند مسدّد"، وغير ذلك، ثقة، صالحٌ، مذكور بالخير. وَقَالَ النسائيّ فِي "أسماء شيوخه": لا بأس به إلا فِي حديث مسدّد. وَقَالَ مسلمة: لا بأس به، يُخطىء فِي حديث مسدّد. قَالَ ابن عساكر: مات بطرسوس سنة (٢٩١) وكذا أرّخه القرّاب، وأرّخه ابن المنادي فِي رجب. تفرّد به المصنّف بحديثين: هَذَا الحديث، وحديث آخر فِي "كتاب آداب القضاء" ٢٣/ ٥٤١٤ - حديث أبي أُمامة بن سهل بن حنيف "أن النبيّ صلّى الله تعالى عليه وسلم أُتي بامرأة زنت" الحديث. [تنبيه]: وقع فِي نسخ "المجتبى"، و"الكبرى": "الحسن بن محمّد"، وهو غلط، والصواب "الحسن بن أحمد"، كما ترجمناه، راجع "تحفة الأشراف" ١٢/ ٥٠٤ - وَقَدْ أشار فِي هامش الهنديّة إلى أنه موجود فِي بعض النسخ علي الصواب، فتنبه. والله تعالى أعلم. و"أبو الربيع": هو سليمان بن داود العتكيّ الزهرانيّ البصريّ، نزيل بغداد، ثقة [١٠] ١٩/ ٢١٤٧. و"حمّاد": هو ابن زيد. والحديث متَّفقٌ عليه، وَقَدْ سبق القول فيه فِي الذي قبله. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤١٨٣ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ، عَنْ أُمَيْمَةَ بِنْتِ رُقَيْقَةَ، أَنَّهَا قَالَتْ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فِي نِسْوَةٍ مِنَ الأَنْصَارِ نُبَايِعُهُ، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، نُبَايِعُكَ عَلَى أَنْ لَا نُشْرِكَ بِاللَّهِ شَيْئًا، وَلَا نَسْرِقَ، وَلَا نَزْنِيَ، وَلَا نَأْتِيَ بِبُهْتَانٍ، نَفْتَرِيهِ بَيْنَ أَيْدِينَا وَأَرْجُلِنَا، وَلَا نَعْصِيَكَ فِي مَعْرُوفٍ، قَالَ: "فِيمَا اسْتَطَعْتُنَّ، وَأَطَقْتُنَّ"، قَالَتْ: قُلْنَا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَرْحَمُ بِنَا، هَلُمَّ نُبَايِعْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنِّي لَا أُصَافِحُ النِّسَاءَ، إِنَّمَا قَوْلِي لِمِائَةِ امْرَأَةٍ، كَقَوْلِي لاِمْرَأَةٍ

стр. 15918

وَاحِدَةٍ" أَوْ "مِثْلِ قَوْلِي لاِمْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ"). رجال هَذَا الإسناد: خمسة: ١ - (محمّد بن بشار) العبدي، أبو بكر بُندار البصريّ، ثقة حافظ [١٠] ٢٤/ ٢٧. (٢) - (عبد الرحمن) بن مهديّ العنبريّ موهم، أبو سعيد البصريّ، ثقة ثبت إمام [٩] ٤٢/ ٤٩. ٣ - (سفيان) بن سعيد الثوريّ الكوفيّ، ثقة ثبت حجة [٧] ٣٧/ ٣٣. ٤ - (محمّد بن المنكدر) بن عبد الله بن الهُدير التيميّ المدنيّ، ثقة فاضل [٣] ١٠٣/ ١٣٨. ٥ - (أميمة بنت رُقيقة) -بالتصغير فيهما- واسم أبيها عبد الله بجاد التيميّ، صحابية، لها حديثان، هَذَا، وحديثها فِي "كتاب الطهارة" ٢٨/ ٣٢ - "كَانَ للنبيّ صلّى الله تعالى عليه وسلم قدحٌ منْ عيدان يبول فيه، ويضعه تحت السرير"، وتقدّمت ترجمتها هناك، وهي غير أُميمة بنت رُقيقة الثقفيّة، تلك تابعيّة. والله تعالى أعلم. لطائف هَذَا الإسناد: (منها): أنه منْ خماسيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير الصحابية، فقد أخرج لها الأربعة .. (ومنها): أن شيخه أحد التسعة الذين روى عنهم الجماعة بلا واسطة. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ أُمَيْمَةَ بِنْتِ رُقَيْقَةَ) رضي الله تعالى عنها (أَنَّهَا قَالَتْ: أَتَيْتُ النَّبِىَّ ﷺ ، فِى نِسْوَةٍ مِنَ الأَنْصَارِ نُبَايِعُهُ) أي نعاهده (فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، نُبَايِعُكَ عَلَى أَنْ لَا نُشْرِكَ بِاللَّهِ شَيْئًا، وَلَا نَسْرِقَ، وَلَا نَزْنِي، وَلَا نَأْتِي بِبُهْتَانٍ، نَفْتَرِيهِ بَيْنَ أَيْدِينَا وَأَرْجُلِنَا، وَلَا نَعْصِيَكَ فِي مَعْرُوفٍ، قَالَ) صلّى الله تعالى عليه وسلم (فِيمَا اسْتَطَعْتُنَّ، وَأَطَقْتُنَّ) أي بايعوني علي ما قلتنّ فِي القدر المستطاع لكنّ، لئلا تقعن فِي الحرج (قَالَتْ: قُلْنَا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَرْحَمُ بِنَا) أي منْ أنفسنا؛ حيث أطلقن البيعة، فقيّده هو بالاستطاعة؛ رفقًا بنا؛ لئلا نقع فِي الحرج (هَلُمَّ) أي أَقبِل إلينا. قَالَ الفيّوميّ رحمه الله تعالى: "هَلُمّ" كلمة بمعنى الدعاء إلى الشيء، كما يقال: تعال، قَالَ الخليل: أصله لُمّ، منْ الضمّ والجمع، ومنه لَمَّ اللهُ شَعَثَهُ، وكأنّ المنادي أراد لُمَّ نفسك إلينا، و"ها" للتنبيه، وحُذفت الألف تخفيفًا؛ لكثرة الاستعمال، وجُعلا اسمًا واحداً. وقيل: أصلها: "هل أُمّ": أي قُصِد، فنُقلت حركة الهمزة إلى اللام، وسقطت، ثم جُعلا كلمة واحدة للدعاء، وأهل الحجاز يُنادون

стр. 15919

بها بلفظ واحد للمذكر والمؤنّث، والمفرد والجمع، وعليه قوله تعالى: ﴿وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا﴾ [الأحزاب: ١٨]، وفي لغة نجدٍ تلحقها الضمائر، وتطابِق، فيقال: هلُمّي، وهلُمّا، وهلُمّوا، وهلْمُمْنَ؛ لأنهم يجعلونها فعلاً، فيُلحقونها الضمائر، كما يُلحقونها قم، وقوما، وقوموا، وقمن. وَقَالَ أبو زيد: استعمالها بلفظ واحد للجميع منْ لغة عُقيل، وعليه فيسٌ بَعْدُ، وإلحاقُ الضمائر منْ لغة تميم، وعليه أكثر العرب، وتُستعمل لازمةً، نحوُ: ﴿هَلُمَّ إِلَيْنَا﴾: أي أقبِل، ومتعدّيةً، نحو: ﴿هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ﴾ [الأنعام: ١٥٠]: أي أحصروهم. انتهى كلام الفيّومي. (نُبَايِعْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ) بجزم الفعل بالطلب قبله، كما قَالَ ابن مالك فِي "خلاصته": وَبَعْدَ غَيْرِ النَّفْيِ جَزْماً اعْتَمِدْ … إنْ تَسْقُطِ الْفَا والْجَزَاءُ قد قُصِدْ ومرادهنّ بذلك أن يبايع كلّ واحدة منّا، مصافحةً باليد، عَلَى الانفراد، فإن البيعة باليد لا يتصوّر فيها بالاجتماع، ولذلك أجابهنّ صلّى الله تعالى عليه وسلم بنفي الأمرين، فقال: "إني لا أُصافح النساء"، أي باليد، "إنما قولي لمائة امرأة الخ"، فلا حاجة إلى الانفراد فِي البيعة القولية. (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنِّي لَا أُصَافِحُ النِّسَاءَ) المصافحة: الإفضاء باليد إلى اليد، يقال: صافحته مصافحة: إذا أفضيت بيدك إلى يده. قاله الفيّوميّ (إِنَّمَا قَوْلِي لِمِائَةِ امْرَأَةٍ، كَقَوْلِي لاِمْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ") يعني أنه صلّى الله تعالى عليه وسلم إذا أمر امرأة واحدة، فهو كأمره لمائة امراة، والمراد بالمائة الكثرة، فليس العدد مرادًا، والحاصل أن أمره صلّى الله تعالى عليه وسلم لشخص بأمر يعمّ جميع الأمة، وهذا فيما إذا لم يكن دليلٌ عَلَى الخصوصيّة لذلك الشخص، كما سبق أمره صلّى الله تعالى عليه وسلم لأبي بردة بأن يضحّي بالجذعة، قَالَ: "ولن تجزي عن أحد بعدك" (أو) للشكّ منْ الراوي (مِثْلِ قَوْلِي لاِمْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): فِي درجته: حديث أُميمة بنت رُقيقة رضي الله تعالى عنها هَذَا صحيح. (المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -١٨/ ٤١٨٣ و٢٤/ ٤١٩٢ - وفي "الكبرى" ٢٢/ ٧٨٠٤. وأخرجه (ت) فِي "السير" ١٥٩٧ (ق) فِي "الجهاد" ٢٨٧٤ (أحمد) فِي "باقي مسند الأنصار" ٢٦٤٦٦ (الموطأ) فِي "الجامع" ١٨٤٢. والله تعالى أعلم.

стр. 15920

(المسألة الثالثة): فِي فوائده: (منها): ما ترجم له له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان مشروعيّة بيعة النساء. (ومنها): أن مبايعة النبيّ صلّى الله تعالى عليه وسلم لأمته تختلف، فليست مبايعته للنساء كمبايعة الرجال، فإنه كَانَ يبايعهنّ عَلَى ما فِي الآية الكريمة فِي "سورة الممتحنة"، وكان يبايع الرجال أحيانًا بما يشمل البيعة عَلَى الجهاد، وغيرها مما يختصّ به الرجال، وأحيانًا يبايعهم عَلَى مبايعة النساء، كما سبق فِي حديث عبادة بن الصامت رضي الله تعالى عنه. (ومنها): ما كَانَ عليه النبيّ صلّى الله تعالى عليه وسلم، منْ كمال الرحمة، وشدّة الرأفة، فقد قالت أُميمة رضي الله تعالى عنها: "الله، ورسوله أرحم بنا منْ أنفسنا"، ورحمته صلّى الله تعالى عليه وسلم منْ رحمة الله تعالى، حيث جبله عليها، فهو كما وصفه الله ، بقوله: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨)﴾ [التوبة: ١٢٨]، وقولِهِ : ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (١٠٧)﴾ [الأنبياء: ١٠٧]. (ومنها): أن حكمه صلّى الله تعالى عليه وسلم لامرأة واحدة يعم جميع نساء أمته، وكذا حكم الرجال، ما لم يقترن بما يختص ذلك الشخص، عَلَى ما أسلفناه. (ومنها): أنه صلّى الله تعالى عليه وسلم كَانَ لا يصافح بيده النساء، ولو فِي محلّ الحاجة، كما فِي البيعة، وإنما يبايعهنّ بالقول فقط، كما بيّنه فِي هَذَا الحديث، وأخْرَجَهُ البخاريّ وَغَيرُهُ، منْ حديث عائشة رضي الله تعالى عنها: "واللهِ ما مست يدُهُ يد امرأةٍ قط، فِي المُبايعةِ، ما يُبايعُهُنَّ إِلا بِقولِهِ: "قد بايعتُك عَلَى ذَلِكَ". قَالَ الحافِظُ رحمه الله تعالى: قولُهُ: "قد بايعتُك كلامًا"، أي يقُولُ ذَلِكَ كلامًا فقطْ، لا مُصافحة بِاليدِ، كما جرت العادةُ بمُصافحةِ الرِّجالِ عِند المُبايعةِ، وكأنَّ عائِشة رضي الله تعالى عنها أشارت بِقولِها: "واللهِ ما مَسَّتْ إِلخ"، إِلى الرَّدِّ عَلَى ما جاء عن أم عطِيَّة، فعِند ابنِ خُزيمة، وابنِ حبَّان، والبزَّارِ، والطَّبرِيّ، وابنِ مردويهِ، مِن طرِيقِ إسماعيل بنِ عندِ الرحمن، عن جدتِهِ أُم عطِيّة، فِي قِصَّةِ المُبايعةِ، قالت: "فمدَّ يدهُ منْ خارجِ البيتِ، ومددنا أيدِينا منْ داخِلِ البيتِ، ثُمَّ قَالَ اللَّهُمّ اشْهَدْ"، وكذا الحدِيثُ الَّذِي بَعْدَهُ، حيثُ قالت فِيهِ: قبضت مِنَّا امرأةٌ يدها، فإِنَّهُ يُشعِرُ بأنَّهُنَّ كُنَّ يُبايِعنهُ بِأيدِيهِنَّ. وُيمكِنُ الجوابُ عن الأوَّلِ بِأنَّ مدّ الأيْدِي، منْ وراءِ الحِجاب، إِشارةٌ إِلى وُقُوع المُبايعةِ، وإن لم تقع مُصافحة، وَعَنْ الثَّانِي بِأنّ المُراد بِقبضِ اليدِ التَّأخُّرُ عن القبُولِ، أو كانت المُبايعةُ تَقَعُ بِحائِل، فقد روى أبُو داوُد فِي "المراسِيلِ" عن الشَّعبِيِّ: أنَّ النَّبيّ ﷺ -

стр. 15921

حِين بايع النِّساء، أُتِي بِبُرد قطرِيِّ، فوضعهُ فِي يدِهِ، وَقَالَ: "لا أُصافِحُ النِّساء". وعِند عبدِ الرَّزَّاقِ منْ طرِيقِ إِبراهِيم النَّخَعِيِّ، مُرسَلاً نحوُهُ، وعِنْدَ سعِيدِ بنِ مَنْصُور منْ طرِيقِ قيسِ بنِ أبِي حازِمِ كذلِك. وأخرج ابنُ إسحاق فِي "المغازِي" منْ رِوايةِ يُونُس بنِ بُكَيْرٍ، عنه، عن أبانُ بنُ صالِح، أَنَّهُ ﷺ كَانَ يغمِسُ يدهُ فِي إِناءٍ، وتغمِسُ المرأةُ يدها فِيهِ، ويحتمِلُ التَّعَدُّد. وَقَدْ أخْرج الطَّبرانِيُّ، أَنَّهُ بايعهُنَّ بِواسِطةِ عُمر، وَقَدْ جَاء فِي أخبارٍ أُخرى: أنَّهُنَّ كُنَّ يأخُذن بِيدِهِ عِند المُبايعةِ، منْ فوقِ ثوبٍ. أخرجهُ يحيى بنُ سَلامِ فِي تَفْسِيرِهِ، عن الشَّعبِيّ، وفِي "المغازِي" لابنِ إِسحاق، عن أبانِ بن صالِح، أَنَّهُ كَانَ يغمِسُ يدهُ فِي إِناءٍ، فيغمِسن أيدِيُهنَّ فِيهِ. انْتهى ما فِي "الفَتحِ". والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. [تنبيه]: قَالَ العلّامة المباركفوري رحمه الله تعالى فِي "تحفة الأحوذي": (اعلم): أنَّ السُّنَّة أن تكُون بيعةُ الرِّجالِ بِالمُصَافَحَةِ، والسُّنَّةُ فِي المُصافحةِ أن تكُون بِاليدِ اليُمنى، فقد روى مُسْلِمٌ فِي "صحِيحِهِ" عن عمرِو بنِ الْعَاصِ، قَالَ: أتَيْت النَّبِيَّ ﷺ ، فقُلت: اُبسُط يمِينك، فلأُبايِعْك، فبسط يمِينهُ الحديث. قَالَ القَارِي فِي شَرْح هَذَا الحديث: أيْ افتح يمِينك، ومُدَّهَا لِأضَعَ يمِينِي عَلَيْهَا، كما هُو العادةُ فِي البَيْعَةِ. انتهى. وفِي هَذَا الباب رِوايات أُخرى، صحِيحةٌ، صرِيحةٌ، وكذلِك السُّنَّةُ أن تكُون المصافحةُ باليد اليمني، عِند اللِّقاءِ أيضًا. وأمَّا المصافحة بِاليدين عِند اللِّقاء، أو عِند البيعةِ لم تثبُت بِحدِيثٍ، مرفُوعٍ صحِيحٍ صرِيحٍ. قَالَ: وَقَدْ حققنا هذِهِ المسألة فِي رِسالتِنا المُسمَّاةِ بـ"المقالةِ الحُسْنَى، فِي سُنِّيَّةِ المُصَافَحَةِ باليَد اليُمْنَى". انتهى كلام المباركفوريّ. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ١٩ - (بَيْعةُ مَنْ بِهِ عَاهَةٌ) قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "العاهة": الآفة، وهي فِي تقدير فَعَلة بفتح العين - والجمع عاهات، يقال: عِيه الزرع، منْ باب تَعِبَ: إذا أصابته العاهة، فهو مَعِيهٌ، ومَعُوهٌ، فِي لغة منْ باب الواو، يقال: أعوه القوم، وأعاهَ القومُ: إذا أصابت العاهةُ ما شيتهم. قاله الفيّوميّ. والله تعالى أعلم بالصواب.

стр. 15922

٤١٨٤ - (أَخْبَرَنَا زِيَادُ بْنُ أَيُّوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، عَنْ يَعْلَى بْنِ عَطَاءٍ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ آلِ الشَّرِيدِ، يُقَالُ لَهُ: عَمْرٌو، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: كَانَ فِي وَفْدِ ثَقِيفٍ، رَجُلٌ مَجْذُومٌ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ ، ارْجِعْ، فَقَدْ بَايَعْتُكَ). رجال هَذَا الإسناد: خمسة: ١ - (زياد بن أيوب) البغداديّ المعروف بدلّويه، ثقة حافظ [١٠] ١٠١/ ١٣٢. ٢ - (هُشيم) بن بشير السلميّ، أبو معاوية بن أبي خازم الواسطيّ، ثقة ثبت كثير التدليس والإرسال [٧] ٨٨/ ١٠٩. ٣ - (يعلي بن عطاء) العامريّ، أو الليثيّ الطائفيّ، ثقة [٤] ٤٠/ ٥٨٤. ٤ - (عمرو) بن الشرِيد بفتح المعجمة -ابن سُويد الثقفيّ، أبو الوليد الطائفيّ، ثقة [٣]. قَالَ العجليّ: حجازي تابعيّ ثقة. وذكره ابن حبّان فِي "الثقات". روى له الجماعة، سوى الترمذيّ، فروى له فِي "الشمائل". وله عند المصنّف فِي هَذَا الكتاب ستة أحاديث: هَذَا، وفي "كتاب الضحايا" -٤٢/ ٤٤٤٨ - حديث: "منْ قتل عصفورًا" الحديث. وفي "كتاب البيوع" ١٠٠/ ٤٦٩١ و٤٦٩٢ - حديث: "ليّ الواجد يُحلّ عرضه وعقوبته". و١٠٩/ ٤٧٠٤ و٤٧٠٥ - حديث: "الجار أحقّ بسقبه". ٥ - (أبوه) الشريد -بوزن الطويل- ابن سُويد" مصغّرًا الثقفيّ، صحابيّ، شهِد بيعة الرضوان، قيل: كَانَ اسمه مالكًا، تقدم رضي الله تعالى عنه فِي ٨/ ٣٦٨٠. والله تعالى أعلم. لطائف هَذَا الإسناد: (منها): أنه منْ خماسيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، والابن، عن أبيه. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ رَجُلٍ مِنْ آلِ الشَّرِيدِ، يُقَالُ لَهُ: عَمْرٌو) هو عمرو بن الشَّرِيد الثقفيّ الطائفيّ (عَنْ أَبِيهِ) الشريد بن سُويد رضي الله تعالى عنه، أنه (قَالَ: كَانَ فِي وَفْدِ ثَقِيفٍ، رَجُلٌ مَجْذُومٌ) أي أصابه مرض الجُذام، قَالَ المجد: و"الْجُذَام" كَغُرَاب: عِلّةٌ تَحدُث منْ انتشار السوداء فِي البدن كلّه، فيفسُد مِزاجُ الأعضاء، وهيآتُها، وربما انتهى إلى تأكّل الأعضاء، وسقوطها عن تقرّح، جُذِم كعُنِيَ، فهو مَجذومٌ، ومَجَذَّمٌ، وأجذم، ووهِمَ

стр. 15923

الجوهريّ فِي منعه. انتهى. وَقَالَ الفيّوميّ: الجذْمُ القطع، وهو مصدرٌ، منْ باب ضَرَب، ومنه يقال: جُذِم الإنسان بالبناء للمفعول: إذا أصابه الجُذام؛ لأنه يقطعُ اللحم، ويُسقطه، وهو مجذوم، قالوا: ولا يقال فيه منْ هَذَا المعنى: اجذم وِزانُ أحمر. انتهى. قَالَ الجامع: قد عرفت أن المجد خطأ الجوهريّ فِي هَذَا، وأثبت جواز أجذم. فتنبّه. والله تعالى أعلم. (فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ ، ارْجِعْ، فَقَدْ بَايَعْتُكَ) ولم يأخذ بيده عند المبايعة، تخفيفًا عن المجذوم والناس؛ لئلا يشقّ عليه الاقتحام معهم، فيتأذّي هو فِي نفسه، ويتأذّى به الناس. وَقَدْ روى الترمذيّ عن النبيّ صلّى الله تعالى عليه وسلم أنه أكل مع مجذوم، فقال: "باسم الله، توكّلاً علي الله"، وَقَدْ جاء عنه صلّى الله تعالى عليه وسلم أنه قَالَ: "فِرّ منْ المجذوم كما تفرّ منْ الأسد". رواه البخاريّ. وهذا الخطاب إنما هو لمن يجد فِي نفسه نفرة طبيعيّة، لا يقدر عَلَى الانتزاع منها، فأمره بالفرار؛ لئلا يتشوّش عليه، ويغلبه وهمه، وليس ذلك خوفاً لعدوى، فقد قَالَ صلّى الله تعالى عليه وسلم: "لا يُعدي شيءٌ شيئاً"، وَقَالَ: "لا عدوى"، وَقَالَ للأعرابيّ: "فمن أعدى الأول؟ ". قاله القرطبيّ (١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): فِي درجته: حديث الشَّرِيد بن سُوَيد رضي الله تعالى عنه أخرجه مسلم. (المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -١٩/ ٤١٨٤ - وفي "الكبرى" ٢٣/ ٧٨٠٥. وأخرجه (م) فِي "السلام" ٢٢٣١ (ق) فِي "الطبّ" ٣٥٤٤ (أحمد) فِي "أول مسند الكوفيين" ١٨٩٧٤ و١٨٩٨٠. والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): فِي فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان مشروعيّة بيعة المجذوم، وأنها تكون بالقول، دون المصافحة باليد. (ومنها): إباحة مباعدة أهل الأسقام الفادحة، المستكرهة، إذا لم يؤدّ ذلك إلى إضاعتهم، وإهمالهم. (ومنها): ما قاله بعض أهل العلم: فِي هَذَا الحديث، وما فِي معناه دليل عَلَى أنه يثبت للمراة الخيار فِي فسخ النكاح

стр. 15924

إذا وجدت زوجها مجذومًا، أو حدث به جُذامٌ. قَالَ النوويّ: واختلف أصحابنا، وأصحاب مالك في أن أمته هل لها منع نفسها منْ استمتاعه إذا أرادها؟. قَالَ القاضي: قالوا: وُيمنع منْ المسجد، والاختلاط بالناس. قَالَ: وكذلك اختلفوا فِي أنهم إذا كثُرُوا، هل يؤمرون أن يتخذوا لأنفسهم موضعاً منفردًا، خارجًا عن الناس، ولا يُمنعون منْ التصرّف فِي منافعهم، وعليه أكثر الناس، أم لا يلزمهم التنحّي. قَالَ: ولم يختلفوا فِي القليل منهم فِي أنهم لا يُمنعون. قَالَ: ولا يُمنعون منْ صلاة الجمعة مع الناس، ويُمنعون منْ غيرها. قَالَ: ولو استضرّ أهل قرية فيهم جَذْمَى بمخالطتهم فِي الماء، فإن قدروا عَلَى استنباط ماء بلا ضرر أُمرُوا به، وإلا استنبطه لهم الآخرون، أو أقاموا منْ يستقي لهم، وإلا فيُمنعون. انتهى (١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): فِي اختلاف الآثار الوارة فِي المجذوم، واختلاف أهل العلم فِي الجمع بينها: قَالَ عِياض رحمه الله تعالى: اختلفت الآثار فِي المجذُوم، فجاء عن جابِر "أنَّ النَّبِيّ ﷺ أكل مع مجذُوم، وَقَالَ: "ثِقةٌ بِاللهِ، وتوكُّلاً عَلَيْهِ"، قَالَ: فذهب عُمر، وجماعة منْ السلف إِلى الأكل معهُ، ورأوا أن الأمر بِاجتِنابهِ مَنْسُوخ. ومِمَّن قَالَ بذلِك عِيسى بن دِينار منْ المالِكِية، قَالَ: والصَّحِيح الَّذِي عَلَيْهِ الأكثر، ويتعيَّن المصِير إِليهِ، أنْ لا نَسْخ، بَلْ يجِب الْجَمْع بين الْحَدِيثَيْنِ، وَحَمْل الأمر بِاجْتِنابِهِ، والفِرار مِنْهُ عَلَى الاسْتِحْبَاب والِاحتِياط، والأَكْل مَعَهُ عَلَى بَيَان الْجَوَاز انتهى. هكذا اقتصر القاضِي ومن تبِعهُ عَلَى حِكاية هذينِ القولينِ، وحكى غيره قولاً ثالِثًا، وهُو التَّرجِيح، وَقَدْ سلكهُ فَرِيقانِ: (أحدهما): سلك ترجِيح الأخبار الدَّالَّة عَلَى نفي العدوى، وتزييف الأخبار الدَّالَّة عَلَى عكس ذَلِكَ، مِثل حدِيث "فرّ منْ المجذوم فرارك منْ الأسد"، فأعلوهُ بِالشُّذُوذِ، وبِأنَّ عائِشة رضي الله تعالى عنها، أنكرت ذَلِكَ، فأخرج الطَّبرِيّ عنها: "أن امرأة سألتها عنه، فقالت: ما قَالَ ذَلِكَ، ولكِنَّهُ قَالَ: "لا عدوى"، وَقَالَ: "فمن أعدى الأول؟ "، قالت: وكان لِي مَوْلى، بِهِ هَذَا الدَّاء، فكان يَأْكُل فِي صِحَافِي، وَيَشْرب فِي أقْدَاحِي، وينام عَلَى فِراشِي"، وبِأَنَّ أبا هُريرة رضي الله تعالى عنه، تَردَّد فِي هَذَا الحُكم، فيُؤْخَذ الحُكم منْ رِواية غَيْره، وبِأن الأخبار الوارِدة منْ رِواية غيره، فِي نفي العدوى كثِيرة

стр. 15925

شهِيرة، بِخِلافِ الأخبار المُرخِّصة فِي ذَلِكَ، ومِثل حدِيث "لا تُدِيمُوا النَّظر إِلى الْمَجْذُومِين"، وَقَدْ أخرجهُ ابن ماجة، وسنده ضعِيف، ومِثل حدِيث عبد الله بن أبِي أوْفَى، رفعهُ: "كَلِّمْ المَجْذُوم، وَبَيْنَك وبينه قَيْد رُمحينِ"، أخرجهُ أبُو نُعَيْم فِي "الطِّبّ"، بِسندٍ واهٍ، ومِثل ما أخرجهُ الطَّبَرِيّ، منْ طرِيق معمر، عن الزُّهرِيّ: "أنَّ عُمَر قَالَ لِمُعَيْقِيب: اجلِس مِني قيد رمح"، ومن طرِيق خارِجة بن زيد، كَانَ عُمر يقُول نحوه، وهُما أثرانِ مُنقطِعانِ. وأمَّا حدِيث الشَّرِيد الَّذِي أخرجهُ مُسلِم، فْليْسَ صرِيحًا فِي أنَّ ذَلِكَ بِسبب الْجُذَام. والجواب عِن ذَلِكَ أن طرِيق الترجِيح، لا يُصار إِليها إِلَّا مع تَعَذُّر الْجَمْع، وهُو مُمكِن، فهُو أولى. (الفرِيق الثَّانِي): سلكُوا فِي الترجِيح عكس هَذَا الْمَسْلَك، فردُّوا حدِيث "لا عَدْوَى" بِأَنَّ أبا هُريرة رَجَعَ عنهُ، إمَّا لِشَكِّهِ فِيهِ، وإمَّا لِثُبُوتِ عكسه عِنده، قالُوا: والأخبار الدَّالَّة عَلَى الاجتِناب أكثر مخارج، وأكثر طُرُقًا، فالمصِير إِليها أولى، قالُوا: وأمَّا حَدِيث جابِر: "أنَّ النَّبِيّ ﷺ ، أخذ بِيدِ مجذُوم، فوضعها فِي القَصْعة، وَقَالَ: كُلْ ثِقةٌ بِاللهِ، وتوكُّلاً عَلَيْهِ"، ففِيهِ نظر، وَقَدْ أخرجهُ التِّرمِذِيّ، وبين الاختِلاف فِيهِ عَلَى راوِيه، وَرَجَّحَ وقفه عَلَى عُمر، وعلى تقدِير ثُبُوته، فليس فِيهِ أَنَّهُ ﷺ ، أكل معهُ، وإِنَّما فِيهِ أَنَّهُ وَضَعَ يده فِي القَصْعة، قالهُ الْكَلابَاذِيّ فِي "مَعَانِي الأخْبَار". والجواب أنَّ طرِيق الجمع أَوْلى كَمَا تَقَدَّم، وأيضا فَحدِيث "لا عَدْوَى" ثبت منْ غَيْر طرِيق أبي هريرة، فَصَحَّ عن عائِشة، وابن عُمر، وسعْد بن أبِي وقَّاص، وجابِر، وغيرهم، فلا مَعْنى لِدعوى كونه مَعْلُولاً، والله أعلم. وفِي طرِيق الجمع مَسَالِك أُخْرى: (أحدها): نَفْي العَدْوى جملة، وحمل الأمْر بِالفِرارِ منْ المجذُوم، عَلَى رِعاية خاطِر الْمَجْذُوم؛ لِأنَّهُ إِذَا رأى الصَّحِيح البدن السَّليم منْ الآفة تعْظُم مُصِيبته، وتزداد حسرته، ونحوه حدِيث: "لا تُدِيمُوا النَّظَر إِلى المَجْذُومِين"، فإنَّهُ مَحْمُول عَلَى هَذَا الْمَعْنى. (ثانِيها): حَمْل الخِطاب بالنَّفْى والإثبات، عَلَى حَالتينِ مُخْتَلِفتينِ، فحيثُ جَاء "لا عَدْوَى" كَانَ المُخاطب بِذلك منْ قوِي يقِينه، وَصَحَّ توكُّله، بِحيثُ يستطِيع أن يدفع عن نفسه اعْتِقَاد الْعَدوى، كما يستطِيع أن يدفع التَّطيُّر الَّذِي يقع فِي نفس كُلّ أحد، لكِن القوِيّ اليقِين لا يتأثَّر بِهِ، وهذا مِثل ما تَدْفَع قوة الطَّبِيعة العِلَّة، فتُبطِلها، وعلى هَذَا يُحمل حدِيث جَابِر، فِي أكل الْمَجْذُوم منْ القَصْعة، وسائِر ما ورد منْ جِنسه، وَحَيْثُ جاء "فِرَّ منْ الْمَجْذُوم"، كَانَ المُخاطب بِذلِك مَنْ ضعُف يقِينه، ولم يتمكَّن منْ تَمَام

стр. 15926

التَّوكُّل، فلا يكُون لهُ قوَّة عَلَى دفع اعْتِقاد الْعَدْوى، فأُرِيد بِذلِك سدُّ بَاب اعتِقاد الْعَدْوى عنهُ، بِأن لا يُباشِر ما يكُون سببًا لإثباتها. وقرِيب مِن هَذَا كراهِيته ﷺ الكيّ، مع إِذنه فِيهِ، وَقَدْ فَعَل هُو ﷺ كُلاً منْ الأمْرَيْنِ؛ لِيتَأسَّى بهِ كُلّ منْ الطَّائِفتينِ. (ثَالِث المَسَالِك): قَالَ القاضي أبُو بَكْر الباقِلَّانِيّ: إِثبات الْعَدْوي فِي الجُذام ونَحْوه، مخصُوص منْ عُمُوم نفي العدوي، قَالَ: فيكُون معنِي قوله: "لا عَدْوَى": أي إِلا منْ الجُذام، والْبَرَص، والجرب مثلاً، قَالَ: فكأنَّهُ قَالَ: لا يُعْدِي شَيْء شيئًا، إِلَّا ما تقدَّم تَبْيِينِي لهُ أنَّ فِيهِ العَدْوي. وَقَدْ حَكَى ذَلِكَ ابن بطَّال. (رابعها): أنّ الأمر بِالفِرارِ منْ المجذُوم، ليس منْ باب العدوي فِي شيْء، بل هُو لأمْرٍ طبِيعِيّ، وهُو انتِقال الدَّاء منْ جسد لِجسدٍ، بِواسِطةِ المُلامَسَة، والمُخَالطَة، وشمِّ الرَّائِحة، ولِذَلِك يقع فِي كثِير منْ الأمْراض فِي العَادَة، انتِقال الدَّاء منْ المرِيض إِلى الصَّحِيح، بكثرةِ المُخَالطة، وهذِهِ طرِيقة ابن قتيبة، فقال: المجذوم تشتدّ رائِحته، حَتَّى يُسقِم منْ أطال مُجالَسَته، ومُحادثته، ومُضَاجَعته، وكذا يقع كثِيرًا بالمرأةِ منْ الرَّجُل وعكسه، وينزع الولد إِليهِ، ولِهذا يأمُر الأطِباء بِتركِ مُخالطة المجذوم، لا عَلَى طرِيق العدوي، بل عَلَى طرِيق التَّأثُّر بِالرَّائِحةِ؛ لأنَّها تُسْقِم منْ واظب اشْتِمَامهَا، قَالَ: ومن ذَلِكَ قوله ﷺ : "لا يُورِد مُمْرض علىِ مُصِحّ"؛ لأنَّ الجرب الرَّطْب، قد يكُون بِالْبعِيرِ، فاِذا خالط الإبِل، أو حَكَّكَهَا، وأوى إِلى مبارِكها، وَصْل إِليْهَا بالماءِ الَّذِي يسِيل مِنْهُ، وكذا بِالنَّظرِ نحو ما بِهِ. قَالَ: وأمَّا قوله: "لا عدوى"، فَلهُ مَعْنًى آخر، وهُو أنْ يقع المَرَضْ بمكانٍ، كالطَّاعُونِ، فيفِرّ مِنْهُ مخافة أن يُصِيبهُ، لأنَّ فيهِ نوعًا منْ الفِرار، منْ قَدَر الله. (المَسْلَك الخَامِس): أن المراد بِنفيِ العدوي، أنَّ شيئًا لا يُعدِي بطبعِهِ، نفيًا لِما كانت الجاهِليَّة تعتقِدهُ، أنَّ الأمراض، تُعدِي بِطبعِها منْ غير إِضافة إِلى الله، فأبطل النَّبِيّ ﷺ , اعتِقادهم ذَلِكَ، وأكل مع المجذوم؛ لِيُبيِّن لهُم أنَّ الله هُو الّذِي يُمرِض، وَيَشْفِي، وَنَهَاهُم عن الدُّنُو مِنه؛ لِيُبين لهُمْ أن هَذَا منْ الأسباب الَّتِي أجرى الله العادة بِأنَّها تُفْضِي إِلى مُسَبَّبَاتهَا، ففِي نهيه إِثبات الأسباب، وفِي فِعله إِشاِرة إِلى أنَّها لا تستقِل، بَلْ الله هُو الَّذِي إنْ شاء سلبها قُواها، فلا تُؤثِّر شيئًا، وإن شاء أبقاها، فأثَّرْت، وَيَحْتَمِل أيْضًا أنْ يَكُون أَكْله ﷺ مع الْمَجْذوم؛ أَنَّهُ كَانَ بِهِ أمر يَسيرٌ، لا يُعدِي مِثْله فِي العادة، إذْ لَيْسَ الْجَذْمَى كُلّهم سواء، ولا تَحصُل العدوَي منْ جميعهم، بَلْ لا يحصُل مِنْهُ فِي العادة عَدْوى أصْلا، كالذِي أصَابَهُ شَيْء منْ ذَلِكَ، وَوَقَف فَلَمْ يعُد بقِيَّة جِسمه، فلا يُعْدِي. وَعَلى الاحْتِمَال الأوَّل جَرَى أَكْثَر الشَّافِعِيَّة، قَالَ الْبَيْهقِيُّ بَعْد أن أوْرَدَ قَوْل الشَّافِعِيّ: ما

стр. 15927

نَصُّهُ: الجُذام، والبرص، يزعُم أهل العِلم بالطِّبِّ والتَّجارِب، أنَّهُ يُعدِي الزَّوج كثِيرًا، وهُو داء مانِع لِلْجِمَاعِ، لا يكاد نَفْس أحد تطِيب بِمُجامعةِ منْ هُو بِهِ، ولا نفس امرأة أن يُجامِعها منْ هُو بِهِ، وأمَّا الولد، فبيَّن أَنَّهُ إِذَا كَانَ منْ ولده الجذام، أو أبرص أنَّهُ قَلَّمَا يسلم، وإن سلِم أدرك نَسْله. قَالَ البيهقِيُّ: وأمَّا ما ثبت عن النَّبِيّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "لا عدوى"، فهُو عَلَى الوجه الَّذِي كانُوا يعتقِدُونهُ فِي الجاهِلِية، منْ إِضافة الفِعل إِلى غير الله تعالى. وَقَدْ يجعل الله بِمشِيئتِهِ، مُخالطة الصحِيح منْ بِهِ شَيْء منْ هذِهِ العُيُوب، سببًا لِحُدُوثِ ذَلِكَ، ولِهذا قَالَ ﷺ : "فِرَّ مِنْ المَجْذُوم فِرارك منْ الأسَد"، وَقَالَ: "لا يُورِد مُمْرِض عَلَى مُصِحّ"، وَقَالَ فِي الطاعُون: "منْ سمِع بِهِ بِأرْضٍ، فلا يَقْدَم عَلَيْهِ"، وكُلّ ذَلِكَ بِتقدِيرِ الله تعالى، وتبِعهُ عَلَى ذَلِكَ ابن الصَّلاح فِي الجمع بين الحدِيثينِ، ومن بعده، وطائِفة مِمَّن قبله. (الْمَسْلَك السَّادِس): العمل بِنفي الْعَدْوَى أصلاً، ورأْسًا، وحمل الأمر بالمُجَانبةِ عَلَى حَسْم المادة، وَسَدّ الذَّريعة؛ لِئَلَّا يَحْدُث لِلمُخَالِطِ شيء منْ ذَلِكَ، فيظُنّ أَنَّهُ بِسببِ المُخالطة، فيُثبِت الْعَدْوَى الَّتِي نفاها الشَّارع، وإلى هَذَا القول ذهب أبُو عُبيد، وتبِعهُ جماعة، فقال أبُو عُبيد: ليْس فِي قوله: "لا يُورِد مُمرِض عَلَى مُصِحّ" إِثبات الْعَدْوَى، بل لأنَّ الصِّحاِح لو مرِضَتْ بتقدِيرِ الله تعالى، رُبَّما وقع فِي نفس صاحِبها، أنَّ ذَلِكَ منْ الْعَدْوَى، فيُفتَتَن، ويتشكَّك فِي ذَلِكَ، فأمر بِاجْتِنابهِ. قَالَ: وكان بعض النَّاس يذهب إِلى أنَّ الأمر بِالاجتِناب، إنَّمَا هُو لِلمخافةِ عَلَى الصَّحِيح منْ ذوات العاهة، قَالَ: وهذا شَرّ ما حُمِل عَلَيْهِ الْحدِيث؛ لأنَّ فِيهِ إِثبات الْعَدْوَى، الَّتِي نفاها الشَّارع، ولكِنَّ وجه الحديث عِنْدِي ما ذَكَرْته. وأطنب ابن خُزيمة فِي هَذَا، فِي "كِتاب التَّوكُّل"، فإنَّهُ أورد حدِيث "لا عَدْوَى"، عن عِدَّة منْ الصحابة، وَحَدِيث "لا يُورِد مُمرِض عَلَى مُصِحّ"، منْ حدِيث أبي هريرة، وترجم لِلأولِ "التَّوكل عَلَى الله فِي نَفْي العَدْوَى"، ولِلثَّانِي "ذِكْر خبر غلِط فِي مَعْنَاهُ بعض العُلماء، وأثْبَتَ الْعَدْوَى الَّتِي نفاها النَّبِيّ ﷺ "، ثُمَّ ترجم: "الدَّليل عَلَى أن النَّبِيّ ﷺ ، لم يُرِد إِثبات الْعَدْوَى بِهذا القول"، فساق حدِيث أبي هريرة: "لا عدوى"، فقال أعْرابِيّ: فما بال الإبِل يُخالِطها الأجْرَب فتجرب؟، قَالَ: "فمن أعدى الأوَّل"، ثُمَّ ذكر طُرُقه عن أبي هريرة، ثُمَّ أخرجهُ منْ حدِيث ابن مَسْعُود، ثُمَّ ترجم "ذِكر خَبَر، رُوِي فِي الأمر بِالفِرارِ منْ الْمَجْذُوم، قَدْ يخطِر لِبعضِ النَّاس، أن فِيهِ إِثبات الْعَدْوَى، وليس كذلِك"، وساق حدِيث "فِرَّ منْ الْمَجْذُوم، فِرارك منْ الأسد"، منْ حدِيث أبي هريرة، ومن حدِيث عائِشة، وحدِيث عمرو بن الشَّرِيد، عن أبِيهِ، فِي أمر الْمَجْذُوم بِالرجُوعِ،

стр. 15928

وحدِيث ابن عبَّاس "لا تُدِيمُوا النَّظر إِلى المَجْذُومِين"، ثم قَالَ: إِنَّما أمرهُم ﷺ بِالفِرار منْ الْمَجْذُوم، كما نهاهُم أن يُورِد المُمْرِض عَلَى المُصِحّ، شفقة عليْهِمْ، وخشية أن يُصِيب بعض منْ يُخالِطهُ الْمَجْذُوم الْجُذامُ، والصَّحِيح منْ الماشِية الْجَرَب، فيسبق إِلى بعض المسلمِين، أنَّ ذَلِكَ منْ الْعَدْوَى، فيُثبِت الْعَدْوَى الَّتِي نفاها ﷺ ، فأمَرَهُم بِتجنُّبِ ذَلِكَ شفقة مِتهُ، وَرَحْمَةً؛ ليسلموا منْ التَّصْدِيق بِإِثباتِ الْعَدْوَى، وبين لهُم أنّهُ لا يُعْدِي شيء شيئًا. قَالَ: وُيؤيِّد هَذَا أكله ﷺ ، مع الْمَجْذُوم ثِقةٌ بِاللهِ، وتوكُّلاً عَلَيْهِ، وساق حدِيث جابِر فِي ذَلِكَ، ثم قَالَ: وأمَّا نهيه عن إِدامة النظر إِلى الْمَجْذُوم، فيحْتمِل أن يكُون لأنَّ المجذُوم يَغْتَم، ويكره إِدْمان الصَّحِيح نظره إِليهِ؛ لِأنَّهُ قَلَّ منْ يكُون بِهِ داء، إِلا وهُو يكره أن يُطَّلع عَلَيْهِ. انتهى. قَالَ الحافظ: وهذا الَّذِي ذكرهُ احتِمالاً، سبقهُ إِليهِ مالِك، فإِنَّهُ سُئِل عن هَذَا الحديث، فقال: ما سمِعت فِيهِ بِكراهِيةٍ، وما أدرِي ما جاء منْ ذَلِكَ، إِلا مخافة أن يقع فِي نَفْس المُؤمِن شَيْء. وَقَالَ الطَّبرِيُّ: الصَّوّاب عِندنا القول بِما صح بِهِ الخبر، وأن لا عَدْوَى، وأنَّهُ لا يُصِيب نفسًا، إِلا ما كُتِب عليها، وأمَّا دُنُو عليل منْ صحِيح، فغير مُوجِب انتِقال العِلَّة لِلصَّحِيح، إِلا أَنَّهُ لا ينبغِي لِذِي صِحَّة الدُّنُو منْ صاحِب العاهة، الَّتي يكرهها النَّاس، لا لِتحرِيم ذَلِكَ، بل لِخشيةِ أن يظُنّ الصَّحِيح، أَنَّهُ لو نزل بهِ ذَلِكَ الدَّاء، أَنَّهُ مِن جِهة دُنُوهُ منْ العليل، فيقع فِيما أبطلهُ النَّبِيّ ﷺ منْ الْعَدْوَى. قَالَ: وليس فِي أمره بِالْفِرَارِ منْ الْمَجْذُوم مُعارضة لِأكلِهِ معهُ؛ لأنَّهُ كَانَ يأمُر بِالأمرِ عَلَى سبِيل الإرشاد أحْيانًا، وعلى سبِيل الإباحة أُخْرى، وإنْ كَانَ أكثرُ الأوامِر عَلَى الإلزام، إِنَّما كَانَ يفعل ما نَهى عنهُ أحيانًا؛ لِبيانِ أنَّ ذَلِكَ ليْس حرامًا. وَقَدْ سلك الطَّحَاوِيُّ فِي "معانِي الآثار" مسلك ابن خُزيمة فِيما ذكرهُ، فأورد حدِيث "لا يُورد مُمرِض عَلَى مُصِحّ"، ثم قَالَ: معناهُ أنَّ المُصِحّ قد يُصِيبهُ ذَلِكَ المَرَض، فيقُول الَّذِي أوردهُ، لو أنِّي ما أوردته عَلَيْهِ لم يُصِبهُ، منْ هَذَا المَرَض شَيْء، والواقِع أَنَّهُ لو لم يُورِدهُ لأصابهُ؛ لِكونِ الله تعالى قَدَّرَهُ، فنُهِي عَنْ إِيراده؛ لِهذِهِ العِلة الَّتِي لا يُؤمن غالِبًا منْ وُقُوعها فِي قلب المرء، ثم ساق الأحادِيث فِي ذَلِكَ، فأطْنَبَ، وجمع بَيْنَها بِنَحْوِ ما جَمعَ بهِ ابن خُزَيمة. ولِذلِك قَالَ القُرطُبِيّ فِي "المُفْهِم": إنَّما نَهَى رسُول الله ﷺ عَنْ إِيراد الْمُمْرِض عَلَى المُصِحّ، مخافة الوُقُوع فِيما وقع فِيهِ أهْل الجَاهِليَّة، منْ اعتِقاد الْعَدْوَى، أوْ مَخَافَة تَشْوِيش النُّفُوس، وتأثير الأوهام، وهُوَ نحو قوله: "فِرَّ منْ الْمَجْذُوم فِرَارك منْ الأَسَد"،

стр. 15929

وَإِنْ كُنَّا نعتقِد أن الْجُذَام لا يُعْدِي، لكِنَّا نجِد فِي أنفُسنا نُفرة، وكراهِية لِمُخالطتِهِ، حَتَّى لو أكره إِنسان نفسه عَلَى القُرب مِنْهُ، وعلى مُجالسته لتأذَّت نفسه بِذلِك، فحِينئِذٍ فالأولى لِلمُؤمِنِ أن لا يَتَعرَّض إِلى ما يحتاج فِيهِ إِلى مُجَاهَدَة، فيجتنِب طُرُق الأوهام، وَيُباعِد أسباب الآلآم، مع أَنَّهُ يعتقِد أنّهُ لا يُنجِّي حَذَر منْ قَدْر، والله أعلم. قَالَ الشَّيْخ أبُو مُحَمَّد بن أبِي جَمْرَة: الأمر بِالفِرِارِ منْ الأسَد، ليس لِلوُجُوب، بل لِلشَّفَقَةِ؛ لِأنَّهُ ﷺ كَانَ ينهى أُمَّته، عَنْ كُلّ ما فِيهِ ضَرَر، بِأيِّ وجه كَانَ، ويدُلّهُمْ عَلَى كُل ما فِيهِ خير. وَقَدْ ذكر بعض أهل الطِّبِّ، أنَّ الرَّوائِح تُحدِث فِي الأبدانِ خَلَلاً، فكان هَذَا وجه الأمْر بِالمُجَانبةِ، وَقَدْ أكل هُو مع الْمَجْذُوم، فلو كَانَ الأمر بمُجَانبتِهِ عَلَى الوُجُوب لِما فعلهُ. قَالَ: ويُمكِن الجمع بين فِعله وقوله، بِأنَّ القول هُو المَشْرُوع منْ أجل ضَعْف المُخاطبِين، وفِعله حقِيقة الإيمان، فمن فعل الأول أصاب السُّنَّة، وهِي أثر الحِكْمَة، ومن فعل الثَّانِي كَانَ أقوى يقِينًا؛ لِأن الأشياء كُلّها، لا تأثير لها، إِلّا بِمُقْتضى إِرادة الله تعالى وتَقْدِيره، كما قَالَ تعالى: ﴿وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٠٢]، فمن كَانَ قوِيّ الْيقِين، فَلَهُ أن يُتابِعهُ ﷺ فِي فِعلِهِ، ولا يضُرّهُ شَيْء، ومن وجد فِي نَفْسه ضَعْفًا، فليتبع أمرهُ فِي الفِرار؛ لِئلا يَدْخُل بِفِعْلِهِ فِي إِلقاء نفسه إِلى التَّهْلُكة. فالحَاصِل أنَّ الأُمُور الَّتِي يُتوقَّع مِنها الضرر، وَقَدْ أباحت الحِكْمَة الرَّبَّانِيَّة الْحَذَر مِنها، فلا يَنْبَغِي لِلضُّعَفاءِ أن يقربُوها، وأمَّا أصحاب الصِّدْق واليقِين، فَهُمْ فِي ذَلِكَ بِالْخِيَارِ. قَالَ: وفِي الْحَديث أنَّ الحُكْم لِلأكْثَرِ؛ لِأنَّ الغالِب مِن النَّاس هُو الضَّعْف، فجاء الأمْر بِالْفِرَارِ بِحَسَب ذَلِكَ. انتهى (١). قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي الأرجحُ منْ هذه الأقوال هو الذي حققه أصحاب المسلك السادس، وهو الذي تقدم عن أبي عبيد، وابن خزيمة، والطبري، والطحاوي، والقرطبي، ولخصه الشيخ ابن أبي جمرة فِي كلامه الأخير. وخلاصته أن حديث "لا عدوى" عَلَى ظاهره، وأن الأمر بالفرار منْ الْمَجْذُوم محمول عَلَى الاستحباب؛ خشية أن يتفق له المرض، فيقع فِي سوء الظنّ بأنه إنما حدث له بمخالطته للمريض، وأما منْ كَانَ قويّ اليقين، وأنه لا يُصيبه إلا ما كتبه الله تعالى عليه، وأنه لا عدوى، فلا بأس بمخالطته، للمرضى، منْ المجذومين، وغيرهم، فبهذا تجتمع الآثار المختلفة فِي هَذَا الباب. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".

стр. 15930

٢٠ - (بَيْعَةِ الْغُلَامِ) ٤١٨٥ - (أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ سَلاَّمٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ يُونُسَ، عَنْ عِكْرِمَةَ بْنِ عَمَّارٍ، عَنِ الْهِرْمَاسِ بْنِ زِيَادٍ، قَالَ: مَدَدْتُ يَدِي إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَأَنَا غُلَامٌ، لِيُبَايِعَنِي، فَلَمْ يُبَايِعْنِي). قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "عبد الرحمن بن محمّد بن سلّام" بتشديد اللام-: هو أبو القاسم البغداديّ، ثم الطَّرسُوسيّ، لا بأس به [١١] ١٧٢/ ١١٤١. و"عمر بن يونس": هو الحنفي، أبو حفص اليماميّ الجُرَشيّ، ثقة [٩] ١٢/ ١٦٢٥. و"عكرمة بن عَمّار": هو العجليّ، أبو عمّار اليماميّ، بصريّ الأصل، صدوقٌ، يَغلَط [٥]. ٥٧/ ١٢٩٩. و"الْهِرْمَاس بن زياد" بن مالك بن عبد العزّي بن عامر بن ثعلبة بن غَنْم بن مالك بن أعصر، الباهليّ، أبو حُدير بمهملتين، مصغّرًا- البصريّ، صحابيّ، سكن اليمامة، وهو آخر منْ مات بها منْ الصحابة بعد المائة. روى عن النبيّ صلّى الله تعالى عليه وسلم، وعنه ابنه القعقاع، وحنبل بن عبد الله، وعكرمة بن عمّار. وَقَالَ أبو زكريا بن منده: هو آخر منْ مات منْ الصحابة باليمامة. وَقَالَ العسكريّ: هو وأبوه منْ ساكني اليمامة. وَقَالَ عكرمة بن عمّار: لقيته سنة (١٠٢). روى له المصنّف حديث الباب فقط، وأبو داود فرد حديث. [تنبيه]: هَذَا السند منْ رباعيات المصنّف رحمه الله تعالى، وهو (١٩٢) منْ رباعيات الكتاب. والله تعالى أعلم. وقوله: "فلم يبايعني" أي لما فيه منْ العهد، والإلزام، والصغير ليس أهلاً لذلك، بل لا يلزمه شيء إن ألزمه نفسه، فأيّ فائدة فِي البيعة معه؟. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: حديث الْهِرْمَاس بن زياد رضي الله تعالى عنه هَذَا صحيح، وهو منْ أفراد المصنّف، أخرجه هنا -٢٠/ ٤١٨٥ - وفي "الكبرى" ٢٤/ ٧٨٠٦. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب". ***
следующие страницы →