التَّوكُّل، فلا يكُون لهُ قوَّة عَلَى دفع اعْتِقاد الْعَدْوى، فأُرِيد بِذلِك سدُّ بَاب اعتِقاد الْعَدْوى عنهُ، بِأن لا يُباشِر ما يكُون سببًا لإثباتها.
وقرِيب مِن هَذَا كراهِيته ﷺ الكيّ، مع إِذنه فِيهِ، وَقَدْ فَعَل هُو ﷺ كُلاً منْ الأمْرَيْنِ؛ لِيتَأسَّى بهِ كُلّ منْ الطَّائِفتينِ.
(ثَالِث المَسَالِك): قَالَ القاضي أبُو بَكْر الباقِلَّانِيّ: إِثبات الْعَدْوي فِي الجُذام ونَحْوه، مخصُوص منْ عُمُوم نفي العدوي، قَالَ: فيكُون معنِي قوله: "لا عَدْوَى": أي إِلا منْ الجُذام، والْبَرَص، والجرب مثلاً، قَالَ: فكأنَّهُ قَالَ: لا يُعْدِي شَيْء شيئًا، إِلَّا ما تقدَّم تَبْيِينِي لهُ أنَّ فِيهِ العَدْوي. وَقَدْ حَكَى ذَلِكَ ابن بطَّال.
(رابعها): أنّ الأمر بِالفِرارِ منْ المجذُوم، ليس منْ باب العدوي فِي شيْء، بل هُو لأمْرٍ طبِيعِيّ، وهُو انتِقال الدَّاء منْ جسد لِجسدٍ، بِواسِطةِ المُلامَسَة، والمُخَالطَة، وشمِّ الرَّائِحة، ولِذَلِك يقع فِي كثِير منْ الأمْراض فِي العَادَة، انتِقال الدَّاء منْ المرِيض إِلى الصَّحِيح، بكثرةِ المُخَالطة، وهذِهِ طرِيقة ابن قتيبة، فقال: المجذوم تشتدّ رائِحته، حَتَّى يُسقِم منْ أطال مُجالَسَته، ومُحادثته، ومُضَاجَعته، وكذا يقع كثِيرًا بالمرأةِ منْ الرَّجُل وعكسه، وينزع الولد إِليهِ، ولِهذا يأمُر الأطِباء بِتركِ مُخالطة المجذوم، لا عَلَى طرِيق العدوي، بل عَلَى طرِيق التَّأثُّر بِالرَّائِحةِ؛ لأنَّها تُسْقِم منْ واظب اشْتِمَامهَا، قَالَ: ومن ذَلِكَ قوله ﷺ : "لا يُورِد مُمْرض علىِ مُصِحّ"؛ لأنَّ الجرب الرَّطْب، قد يكُون بِالْبعِيرِ، فاِذا خالط الإبِل، أو حَكَّكَهَا، وأوى إِلى مبارِكها، وَصْل إِليْهَا بالماءِ الَّذِي يسِيل مِنْهُ، وكذا بِالنَّظرِ نحو ما بِهِ. قَالَ: وأمَّا قوله: "لا عدوى"، فَلهُ مَعْنًى آخر، وهُو أنْ يقع المَرَضْ بمكانٍ، كالطَّاعُونِ، فيفِرّ مِنْهُ مخافة أن يُصِيبهُ، لأنَّ فيهِ نوعًا منْ الفِرار، منْ قَدَر الله.
(المَسْلَك الخَامِس): أن المراد بِنفيِ العدوي، أنَّ شيئًا لا يُعدِي بطبعِهِ، نفيًا لِما كانت الجاهِليَّة تعتقِدهُ، أنَّ الأمراض، تُعدِي بِطبعِها منْ غير إِضافة إِلى الله، فأبطل النَّبِيّ ﷺ , اعتِقادهم ذَلِكَ، وأكل مع المجذوم؛ لِيُبيِّن لهُم أنَّ الله هُو الّذِي يُمرِض، وَيَشْفِي، وَنَهَاهُم عن الدُّنُو مِنه؛ لِيُبين لهُمْ أن هَذَا منْ الأسباب الَّتِي أجرى الله العادة بِأنَّها تُفْضِي إِلى مُسَبَّبَاتهَا، ففِي نهيه إِثبات الأسباب، وفِي فِعله إِشاِرة إِلى أنَّها لا تستقِل، بَلْ الله هُو الَّذِي إنْ شاء سلبها قُواها، فلا تُؤثِّر شيئًا، وإن شاء أبقاها، فأثَّرْت، وَيَحْتَمِل أيْضًا أنْ يَكُون أَكْله ﷺ مع الْمَجْذوم؛ أَنَّهُ كَانَ بِهِ أمر يَسيرٌ، لا يُعدِي مِثْله فِي العادة، إذْ لَيْسَ الْجَذْمَى كُلّهم سواء، ولا تَحصُل العدوَي منْ جميعهم، بَلْ لا يحصُل مِنْهُ فِي العادة عَدْوى أصْلا، كالذِي أصَابَهُ شَيْء منْ ذَلِكَ، وَوَقَف فَلَمْ يعُد بقِيَّة جِسمه، فلا يُعْدِي. وَعَلى الاحْتِمَال الأوَّل جَرَى أَكْثَر الشَّافِعِيَّة، قَالَ الْبَيْهقِيُّ بَعْد أن أوْرَدَ قَوْل الشَّافِعِيّ: ما
стр. 15927
نَصُّهُ: الجُذام، والبرص، يزعُم أهل العِلم بالطِّبِّ والتَّجارِب، أنَّهُ يُعدِي الزَّوج كثِيرًا، وهُو داء مانِع لِلْجِمَاعِ، لا يكاد نَفْس أحد تطِيب بِمُجامعةِ منْ هُو بِهِ، ولا نفس امرأة أن يُجامِعها منْ هُو بِهِ، وأمَّا الولد، فبيَّن أَنَّهُ إِذَا كَانَ منْ ولده الجذام، أو أبرص أنَّهُ قَلَّمَا يسلم، وإن سلِم أدرك نَسْله. قَالَ البيهقِيُّ: وأمَّا ما ثبت عن النَّبِيّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "لا عدوى"، فهُو عَلَى الوجه الَّذِي كانُوا يعتقِدُونهُ فِي الجاهِلِية، منْ إِضافة الفِعل إِلى غير الله تعالى. وَقَدْ يجعل الله بِمشِيئتِهِ، مُخالطة الصحِيح منْ بِهِ شَيْء منْ هذِهِ العُيُوب، سببًا لِحُدُوثِ ذَلِكَ، ولِهذا قَالَ ﷺ : "فِرَّ مِنْ المَجْذُوم فِرارك منْ الأسَد"، وَقَالَ: "لا يُورِد مُمْرِض عَلَى مُصِحّ"، وَقَالَ فِي الطاعُون: "منْ سمِع بِهِ بِأرْضٍ، فلا يَقْدَم عَلَيْهِ"، وكُلّ ذَلِكَ بِتقدِيرِ الله تعالى، وتبِعهُ عَلَى ذَلِكَ ابن الصَّلاح فِي الجمع بين الحدِيثينِ، ومن بعده، وطائِفة مِمَّن قبله.
(الْمَسْلَك السَّادِس): العمل بِنفي الْعَدْوَى أصلاً، ورأْسًا، وحمل الأمر بالمُجَانبةِ عَلَى حَسْم المادة، وَسَدّ الذَّريعة؛ لِئَلَّا يَحْدُث لِلمُخَالِطِ شيء منْ ذَلِكَ، فيظُنّ أَنَّهُ بِسببِ المُخالطة، فيُثبِت الْعَدْوَى الَّتِي نفاها الشَّارع، وإلى هَذَا القول ذهب أبُو عُبيد، وتبِعهُ جماعة، فقال أبُو عُبيد: ليْس فِي قوله: "لا يُورِد مُمرِض عَلَى مُصِحّ" إِثبات الْعَدْوَى، بل لأنَّ الصِّحاِح لو مرِضَتْ بتقدِيرِ الله تعالى، رُبَّما وقع فِي نفس صاحِبها، أنَّ ذَلِكَ منْ الْعَدْوَى، فيُفتَتَن، ويتشكَّك فِي ذَلِكَ، فأمر بِاجْتِنابهِ. قَالَ: وكان بعض النَّاس يذهب إِلى أنَّ الأمر بِالاجتِناب، إنَّمَا هُو لِلمخافةِ عَلَى الصَّحِيح منْ ذوات العاهة، قَالَ: وهذا شَرّ ما حُمِل عَلَيْهِ الْحدِيث؛ لأنَّ فِيهِ إِثبات الْعَدْوَى، الَّتِي نفاها الشَّارع، ولكِنَّ وجه الحديث عِنْدِي ما ذَكَرْته.
وأطنب ابن خُزيمة فِي هَذَا، فِي "كِتاب التَّوكُّل"، فإنَّهُ أورد حدِيث "لا عَدْوَى"، عن عِدَّة منْ الصحابة، وَحَدِيث "لا يُورِد مُمرِض عَلَى مُصِحّ"، منْ حدِيث أبي هريرة، وترجم لِلأولِ "التَّوكل عَلَى الله فِي نَفْي العَدْوَى"، ولِلثَّانِي "ذِكْر خبر غلِط فِي مَعْنَاهُ بعض العُلماء، وأثْبَتَ الْعَدْوَى الَّتِي نفاها النَّبِيّ ﷺ "، ثُمَّ ترجم: "الدَّليل عَلَى أن النَّبِيّ ﷺ ، لم يُرِد إِثبات الْعَدْوَى بِهذا القول"، فساق حدِيث أبي هريرة: "لا عدوى"، فقال أعْرابِيّ: فما بال الإبِل يُخالِطها الأجْرَب فتجرب؟، قَالَ: "فمن أعدى الأوَّل"، ثُمَّ ذكر طُرُقه عن أبي هريرة، ثُمَّ أخرجهُ منْ حدِيث ابن مَسْعُود، ثُمَّ ترجم "ذِكر خَبَر، رُوِي فِي الأمر بِالفِرارِ منْ الْمَجْذُوم، قَدْ يخطِر لِبعضِ النَّاس، أن فِيهِ إِثبات الْعَدْوَى، وليس كذلِك"، وساق حدِيث "فِرَّ منْ الْمَجْذُوم، فِرارك منْ الأسد"، منْ حدِيث أبي هريرة، ومن حدِيث عائِشة، وحدِيث عمرو بن الشَّرِيد، عن أبِيهِ، فِي أمر الْمَجْذُوم بِالرجُوعِ،
стр. 15928
وحدِيث ابن عبَّاس "لا تُدِيمُوا النَّظر إِلى المَجْذُومِين"، ثم قَالَ: إِنَّما أمرهُم ﷺ بِالفِرار منْ الْمَجْذُوم، كما نهاهُم أن يُورِد المُمْرِض عَلَى المُصِحّ، شفقة عليْهِمْ، وخشية أن يُصِيب بعض منْ يُخالِطهُ الْمَجْذُوم الْجُذامُ، والصَّحِيح منْ الماشِية الْجَرَب، فيسبق إِلى بعض المسلمِين، أنَّ ذَلِكَ منْ الْعَدْوَى، فيُثبِت الْعَدْوَى الَّتِي نفاها ﷺ ، فأمَرَهُم بِتجنُّبِ ذَلِكَ شفقة مِتهُ، وَرَحْمَةً؛ ليسلموا منْ التَّصْدِيق بِإِثباتِ الْعَدْوَى، وبين لهُم أنّهُ لا يُعْدِي شيء شيئًا. قَالَ: وُيؤيِّد هَذَا أكله ﷺ ، مع الْمَجْذُوم ثِقةٌ بِاللهِ، وتوكُّلاً عَلَيْهِ، وساق حدِيث جابِر فِي ذَلِكَ، ثم قَالَ: وأمَّا نهيه عن إِدامة النظر إِلى الْمَجْذُوم، فيحْتمِل أن يكُون لأنَّ المجذُوم يَغْتَم، ويكره إِدْمان الصَّحِيح نظره إِليهِ؛ لِأنَّهُ قَلَّ منْ يكُون بِهِ داء، إِلا وهُو يكره أن يُطَّلع عَلَيْهِ. انتهى.
قَالَ الحافظ: وهذا الَّذِي ذكرهُ احتِمالاً، سبقهُ إِليهِ مالِك، فإِنَّهُ سُئِل عن هَذَا الحديث، فقال: ما سمِعت فِيهِ بِكراهِيةٍ، وما أدرِي ما جاء منْ ذَلِكَ، إِلا مخافة أن يقع فِي نَفْس المُؤمِن شَيْء.
وَقَالَ الطَّبرِيُّ: الصَّوّاب عِندنا القول بِما صح بِهِ الخبر، وأن لا عَدْوَى، وأنَّهُ لا يُصِيب نفسًا، إِلا ما كُتِب عليها، وأمَّا دُنُو عليل منْ صحِيح، فغير مُوجِب انتِقال العِلَّة لِلصَّحِيح، إِلا أَنَّهُ لا ينبغِي لِذِي صِحَّة الدُّنُو منْ صاحِب العاهة، الَّتي يكرهها النَّاس، لا لِتحرِيم ذَلِكَ، بل لِخشيةِ أن يظُنّ الصَّحِيح، أَنَّهُ لو نزل بهِ ذَلِكَ الدَّاء، أَنَّهُ مِن جِهة دُنُوهُ منْ العليل، فيقع فِيما أبطلهُ النَّبِيّ ﷺ منْ الْعَدْوَى. قَالَ: وليس فِي أمره بِالْفِرَارِ منْ الْمَجْذُوم مُعارضة لِأكلِهِ معهُ؛ لأنَّهُ كَانَ يأمُر بِالأمرِ عَلَى سبِيل الإرشاد أحْيانًا، وعلى سبِيل الإباحة أُخْرى، وإنْ كَانَ أكثرُ الأوامِر عَلَى الإلزام، إِنَّما كَانَ يفعل ما نَهى عنهُ أحيانًا؛ لِبيانِ أنَّ ذَلِكَ ليْس حرامًا.
وَقَدْ سلك الطَّحَاوِيُّ فِي "معانِي الآثار" مسلك ابن خُزيمة فِيما ذكرهُ، فأورد حدِيث "لا يُورد مُمرِض عَلَى مُصِحّ"، ثم قَالَ: معناهُ أنَّ المُصِحّ قد يُصِيبهُ ذَلِكَ المَرَض، فيقُول الَّذِي أوردهُ، لو أنِّي ما أوردته عَلَيْهِ لم يُصِبهُ، منْ هَذَا المَرَض شَيْء، والواقِع أَنَّهُ لو لم يُورِدهُ لأصابهُ؛ لِكونِ الله تعالى قَدَّرَهُ، فنُهِي عَنْ إِيراده؛ لِهذِهِ العِلة الَّتِي لا يُؤمن غالِبًا منْ وُقُوعها فِي قلب المرء، ثم ساق الأحادِيث فِي ذَلِكَ، فأطْنَبَ، وجمع بَيْنَها بِنَحْوِ ما جَمعَ بهِ ابن خُزَيمة.
ولِذلِك قَالَ القُرطُبِيّ فِي "المُفْهِم": إنَّما نَهَى رسُول الله ﷺ عَنْ إِيراد الْمُمْرِض عَلَى المُصِحّ، مخافة الوُقُوع فِيما وقع فِيهِ أهْل الجَاهِليَّة، منْ اعتِقاد الْعَدْوَى، أوْ مَخَافَة تَشْوِيش النُّفُوس، وتأثير الأوهام، وهُوَ نحو قوله: "فِرَّ منْ الْمَجْذُوم فِرَارك منْ الأَسَد"،
стр. 15929
وَإِنْ كُنَّا نعتقِد أن الْجُذَام لا يُعْدِي، لكِنَّا نجِد فِي أنفُسنا نُفرة، وكراهِية لِمُخالطتِهِ، حَتَّى لو أكره إِنسان نفسه عَلَى القُرب مِنْهُ، وعلى مُجالسته لتأذَّت نفسه بِذلِك، فحِينئِذٍ فالأولى لِلمُؤمِنِ أن لا يَتَعرَّض إِلى ما يحتاج فِيهِ إِلى مُجَاهَدَة، فيجتنِب طُرُق الأوهام، وَيُباعِد أسباب الآلآم، مع أَنَّهُ يعتقِد أنّهُ لا يُنجِّي حَذَر منْ قَدْر، والله أعلم.
قَالَ الشَّيْخ أبُو مُحَمَّد بن أبِي جَمْرَة: الأمر بِالفِرِارِ منْ الأسَد، ليس لِلوُجُوب، بل لِلشَّفَقَةِ؛ لِأنَّهُ ﷺ كَانَ ينهى أُمَّته، عَنْ كُلّ ما فِيهِ ضَرَر، بِأيِّ وجه كَانَ، ويدُلّهُمْ عَلَى كُل ما فِيهِ خير. وَقَدْ ذكر بعض أهل الطِّبِّ، أنَّ الرَّوائِح تُحدِث فِي الأبدانِ خَلَلاً، فكان هَذَا وجه الأمْر بِالمُجَانبةِ، وَقَدْ أكل هُو مع الْمَجْذُوم، فلو كَانَ الأمر بمُجَانبتِهِ عَلَى الوُجُوب لِما فعلهُ. قَالَ: ويُمكِن الجمع بين فِعله وقوله، بِأنَّ القول هُو المَشْرُوع منْ أجل ضَعْف المُخاطبِين، وفِعله حقِيقة الإيمان، فمن فعل الأول أصاب السُّنَّة، وهِي أثر الحِكْمَة، ومن فعل الثَّانِي كَانَ أقوى يقِينًا؛ لِأن الأشياء كُلّها، لا تأثير لها، إِلّا بِمُقْتضى إِرادة الله تعالى وتَقْدِيره، كما قَالَ تعالى: ﴿وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٠٢]، فمن كَانَ قوِيّ الْيقِين، فَلَهُ أن يُتابِعهُ ﷺ فِي فِعلِهِ، ولا يضُرّهُ شَيْء، ومن وجد فِي نَفْسه ضَعْفًا، فليتبع أمرهُ فِي الفِرار؛ لِئلا يَدْخُل بِفِعْلِهِ فِي إِلقاء نفسه إِلى التَّهْلُكة.
فالحَاصِل أنَّ الأُمُور الَّتِي يُتوقَّع مِنها الضرر، وَقَدْ أباحت الحِكْمَة الرَّبَّانِيَّة الْحَذَر مِنها، فلا يَنْبَغِي لِلضُّعَفاءِ أن يقربُوها، وأمَّا أصحاب الصِّدْق واليقِين، فَهُمْ فِي ذَلِكَ بِالْخِيَارِ. قَالَ: وفِي الْحَديث أنَّ الحُكْم لِلأكْثَرِ؛ لِأنَّ الغالِب مِن النَّاس هُو الضَّعْف، فجاء الأمْر بِالْفِرَارِ بِحَسَب ذَلِكَ. انتهى (١).
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي الأرجحُ منْ هذه الأقوال هو الذي حققه أصحاب المسلك السادس، وهو الذي تقدم عن أبي عبيد، وابن خزيمة، والطبري، والطحاوي، والقرطبي، ولخصه الشيخ ابن أبي جمرة فِي كلامه الأخير. وخلاصته أن حديث "لا عدوى" عَلَى ظاهره، وأن الأمر بالفرار منْ الْمَجْذُوم محمول عَلَى الاستحباب؛ خشية أن يتفق له المرض، فيقع فِي سوء الظنّ بأنه إنما حدث له بمخالطته للمريض، وأما منْ كَانَ قويّ اليقين، وأنه لا يُصيبه إلا ما كتبه الله تعالى عليه، وأنه لا عدوى، فلا بأس بمخالطته، للمرضى، منْ المجذومين، وغيرهم، فبهذا تجتمع الآثار المختلفة فِي هَذَا الباب. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
стр. 15930
٢٠ - (بَيْعَةِ الْغُلَامِ)
٤١٨٥ - (أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ سَلاَّمٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ يُونُسَ، عَنْ عِكْرِمَةَ بْنِ عَمَّارٍ، عَنِ الْهِرْمَاسِ بْنِ زِيَادٍ، قَالَ: مَدَدْتُ يَدِي إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَأَنَا غُلَامٌ، لِيُبَايِعَنِي، فَلَمْ يُبَايِعْنِي).
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "عبد الرحمن بن محمّد بن سلّام" بتشديد اللام-: هو أبو القاسم البغداديّ، ثم الطَّرسُوسيّ، لا بأس به [١١] ١٧٢/ ١١٤١. و"عمر بن يونس": هو الحنفي، أبو حفص اليماميّ الجُرَشيّ، ثقة [٩] ١٢/ ١٦٢٥. و"عكرمة بن عَمّار": هو العجليّ، أبو عمّار اليماميّ، بصريّ الأصل، صدوقٌ، يَغلَط [٥]. ٥٧/ ١٢٩٩.
و"الْهِرْمَاس بن زياد" بن مالك بن عبد العزّي بن عامر بن ثعلبة بن غَنْم بن مالك بن أعصر، الباهليّ، أبو حُدير بمهملتين، مصغّرًا- البصريّ، صحابيّ، سكن اليمامة، وهو آخر منْ مات بها منْ الصحابة بعد المائة.
روى عن النبيّ صلّى الله تعالى عليه وسلم، وعنه ابنه القعقاع، وحنبل بن عبد الله، وعكرمة بن عمّار. وَقَالَ أبو زكريا بن منده: هو آخر منْ مات منْ الصحابة باليمامة. وَقَالَ العسكريّ: هو وأبوه منْ ساكني اليمامة. وَقَالَ عكرمة بن عمّار: لقيته سنة (١٠٢).
روى له المصنّف حديث الباب فقط، وأبو داود فرد حديث.
[تنبيه]: هَذَا السند منْ رباعيات المصنّف رحمه الله تعالى، وهو (١٩٢) منْ رباعيات الكتاب. والله تعالى أعلم.
وقوله: "فلم يبايعني" أي لما فيه منْ العهد، والإلزام، والصغير ليس أهلاً لذلك، بل لا يلزمه شيء إن ألزمه نفسه، فأيّ فائدة فِي البيعة معه؟. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: حديث الْهِرْمَاس بن زياد رضي الله تعالى عنه هَذَا صحيح، وهو منْ أفراد المصنّف، أخرجه هنا -٢٠/ ٤١٨٥ - وفي "الكبرى" ٢٤/ ٧٨٠٦. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
***
стр. 15931
٢١ - (بَيْعَةِ الْمَمَالِيكِ)
بفتح الميمِ: جمع مملوك، وهو العبد.
٤١٨٦ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: جَاءَ عَبْدٌ، فَبَايَعَ النَّبِيَّ ﷺ عَلَى الْهِجْرَةِ، وَلَا يَشْعُرُ النَّبِيُّ ﷺ أَنَّهُ عَبْدٌ، فَجَاءَ سَيِّدُهُ يُرِيدُهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "بِعْنِيهِ، فَاشْتَرَاهُ بِعَبْدَيْنِ أَسْوَدَيْنِ، ثُمَّ لَمْ يُبَايِعْ أَحَدًا، حَتَّى يَسْأَلَهُ، أَعَبْدٌ هُوَ؟ ").
رجال هَذَا الإسناد: أربعة:
١ - (قتيبة) بن سعيد الثقفيّ البغلانيّ، ثقة ثبت [١٠] ١/ ١.
٢ - (الليث) بن سعد الإِمام المصريّ الفقيه الحجة [٧] ٣١/ ٣٥.
٣ - (أبو الزبير) محمّد بن مسلم بن تَدْرُس المكيّ، صدوق يدلّس [٤] ٣١/ ٣٥.
٤ - (جابر) بن عبد الله بن عمرو بن حرام الصحابيّ ابن الصحابيّ رضي الله تعالى عنهما ٣١/ ٣٥.
لطائف هَذَا الإسناد:
(منها): أنه منْ رباعيات المصنّف رحمه الله تعالى، وهو (١٩٣) منْ رباعيات الكتاب. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أن فيه مصريين، وقتيبة دخل مصر، ومكيين، وجابر ممن سكن مكة. (ومنها): أن فيه جابرًا رضي الله تعالى عنه منْ المكثرين السبعة. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ جَابِرٍ) رضي الله تعالى عنه، أنه (قَالَ: جَاءَ عَبْدٌ، فَبَايَعَ النَّبِيَّ ﷺ عَلَى الْهِجْرَةِ) أي عَلَى أن يهاجر منْ بلده إلى المدينة (وَلا يَشْعُرُ) بضم العين المهملة، منْ باب نصر، أي لا يعلم (النَّبِىُّ ﷺ أَنَّهُ عَبْدٌ) إذ لو علم لم يبايعه إلا بإذن سيّده (فَجَاءَ سَيِّدُهُ يُرِيدُهُ) أي يريد أخذ ذلك العبد (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "بِعْنِيهِ) إنما طلب صلّى الله تعالى عليه وسلم بيعه له؛ كراهة أن يرُدّ العبد خائبًا عما قصده منْ الهجرة، وملازمة الصحبة، فاشتراه ليتم له ما أراد (فَاشْتَرَاهُ بِعَبْدَيْنِ أَسْوَدَيْنِ) قَالَ أبو العبّاس القرطبيّ رحمه الله تعالى: هَذَا إنما فعله النبيّ صلّى الله تعالى عليه وسلم عَلَى مقتضى مكارم أخلاقه، ورغبةً فِي تحصيل ثواب العتق، وكراهية أن يفسخ له عقد الهجرة، فحصل له العتق، وثبت له الولاء، فهذا
стр. 15932
المُعتقُ مولى للنبيّ صلّى الله تعالى عليه وسلم، غير أنه لا يُعرف اسمه. انتهى (١).
وَقَالَ النوويّ رحمه الله تعالى: هَذَا محمول علي أن سيّده كَانَ مسلمًا، ولهذا باعه بعبدين أسودين، والظاهر أنهما كانا مسلمين؛ إذ لا يجوز بيع العبد المسلم لكافر. ويحتمل أنه كَانَ كافرًا، أو أنهما كانا كافرين، ولابدّ منْ ثبوت ملكه للعبد الذي بايع عَلَى الهجرة، إما ببينة، وإما بتصديق العبد قبل إقراره بالحرّيّة. انتهى (٢).
وَقَالَ أبو العبّاس القرطبيّ رحمه الله تعالى: لم يرِد فِي شيء منْ طرقه أنه صلّى الله تعالى عليه وسلم طالب سيّده بإقامة بينة، فيحتمل أن يكون النبيّ ﷺ علِم صحّة ملكه له حين عرف سيّده. ويحتمل أن يكون اكتفى بدعواه، وتصديق العبد له، فإن العبد بالغٌ عاقلٌ، يُقبل إقراره عَلَى نفسه، ولم يكن للسيّد منْ يُنازعه، ولا يُستحلّف السيد، كما إذا ادّعى اللقطة، وعرف عفاصها، ووِكاءها، أخذها, ولم يُستحلَف؛ لعدم المنازع ليها. انتهى (٣).
(ثُمَّ لَمْ يُبَايِعْ) النبيّ صلّى الله تعالى عليه وسلم (أَحَدًا، حَتَّى يَسْأَلَهُ، أَعَبْدٌ هُوَ؟ ") يعني أنه لَمّا وقعت له هذه الواقعة أخذ بالحزم، والحذر، فكان يسأل منْ يرتاب فيها. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): فِي درجته:
حديث جابر رضي الله تعالى عنه هَذَا أخرجه مسلم.
(المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -٢١/ ٢١/ ٤١٨٦ وفي "البيوع" ٦٦/ ٤٦٢٣ - وفي "الكبرى" ٢٥/ ٧٨٠٧ و"البيوع" ٦٦/ ٦٢١٣. وأخرجه (م) فِي "المساقاة" ١٦٠٢ (د) فِي "البيوع" ٣٣٥٨ (ت) فِي "البيوع" ١٢٣٩ و"السير" ١٥٩٦ (ق) فِي "الجهاد" ٢٨٦٩ (أحمد) فِي "باقي مسند المكثرين" ١٤٣٥٨. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): فِي فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان حكم بيعة المماليك، وهو لا يجوز إلا أن يأذن له سيده. (ومنها): ما كَانَ عليه النبيّ صلّى الله تعالى عليه وسلم
стр. 15933
منْ مكارم الأخلاق، والإحسان العام، فإنه كره أن يرُد العبد خائبًا عما قصده، منْ الهجرة، ومصاحبته صلّى الله تعالى عليه وسلم، فاشتراه ليُتمّ له غرضه. (ومنها): جواز بيع عبد بعبدين، سواء كانت القيمة متّفقةً، أو مختلفةً، وهذا مجمع عليه، إذا بيع نقدًا، وكذا حكم سائر الحيوانات، فإن باع عبدًا بعبدين، أو بعيرًا ببعيرين إلى أجل، فمذهب الجمهور جوازه. وَقَالَ أبو حنيفة، والكوفيون: لا يجوز، وفيه مذاهب لغيرهم، سيأتي تحقيقها، مع أدلّتها فِي محلّها، منْ "كتاب البيوع"، إن شاء الله تعالى.
(ومنها): ما قاله القرطبيّ رحمه الله تعالى: فيه دليلٌ عَلَى أن الأصل فِي الناس الحرّيّة، ولذلك لم يسأله النبيّ صلّى الله تعالى عليه وسلم إذ حمله عَلَى ذلك الأصل، حيث لم يَظهر له ما يُخرجه عن ذلك، ولو لم يكن الأمر كذلك لتعيّن أن يسأله. وهذا أصل مالك فِي الباب، فكلُّ منْ ادّعى ملك أحد منْ بني آدم كَانَ مدفوعًا إلى بيان ذلك، لكن إذا ناكره المدّعى رقّه، وادّعَى الحرية، وسواء كَانَ ذلك المدّعى رقّه ممن كثُر ملك نوعه، أو لم يكن، فإن كَانَ فِي حوز المدّعِي لرقّه كَانَ القول قوله، إذا كَانَ حَوْز رقّ، فإن لم يكن، فالقول قول المدّعَى عليه مع يمينه. انتهى (١). (ومنها): أنه ﷺ لا يعلم منْ الغيب إلا ما أعلمه الله تعالى، حيث إنه بايع هَذَا العبد، ولم يعلم بحاله. (ومنها): الأخذ بالأحوط؛ لأنه صلّى الله تعالى عليه وسلم كَانَ بعد ذلك لا يبايع أحدًا حتى يسأل أهو عبدٌ؟. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
٢٢ - (اسْتِقَالَةِ الْبَيْعَةِ)
٤١٨٧ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّ أَعْرَابِيًّا بَايَعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلَى الإِسْلَامِ، فَأَصَابَ الأَعْرَابِيَّ وَعَكٌ بِالْمَدِينَةِ، فَجَاءَ الأَعْرَابِيُّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَقِلْنِي بَيْعَتِي، فَأَبَى، ثُمَّ جَاءَهُ، فَقَالَ: أَقِلْنِي بَيْعَتِي، فَأَبَى، فَخَرَجَ الأَعْرَابِيُّ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّمَا الْمَدِينَةُ كَالْكِيرِ، تَنْفِي خَبَثَهَا، وَتَنْصَعُ طَيِّبَهَا").
стр. 15934
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا غير مرّة.
و"مالك": هو ابن أنس إمام دار الهجرة. و"محمّد بن المنكدر" المدنيّ الثقة [٣] تقدم قريباً. والسند منْ رباعيّات المصنّف، كسابقيه، وهو (١٩٤) منْ رباعيّات الكتاب. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ) بن عمرو بن حَرَام رضي الله تعالى عنهما. ووقع عند البخاريّ فِي "الأحكام" تصريح محمّد بن المنكدر بالسماع منْ جابر، ولفظه: "سمعت جابرًا" (أَنَّ أَعْرَابِيًّا) قَالَ الحافظ: لم أقف عَلَى اسمه، إلا أن الزمخشريّ ذكر فِي "ربيع الأبرار" أنه قيس بن أبي حازم، وهو مشكلٌ؛ لأنه تابعيّ كبير مشهورٌ، صرّحوا بأنه هاجر، فوجد النبيّ صلّى الله تعالى عليه وسلم قد مات، فإن كَانَ محفوظًا، فلعلّه آخر، وافق اسمه، واسم أبيه، وفي الذيل لأبي موسى فِي الصحابة: قيس بن أبي حازم المنقريّ، فيحتمل أن يكون هو هَذَا. انتهى (١).
(بَايَعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلَى الإِسْلَامِ فَأَصَابَ الأَعْرَابِيَّ وَعَكٌ) بفتح الواو، وسكون المهملة، وَقَدْ تُفتح، بعدها كاف: الْحُمّى، وقيل: ألمها، وقيل: إرعادها. وَقَالَ الأصمعيّ: أصله شدّة الحرّ، فأُطلق عَلَى حرّ الحمّى، وشدّتها (بِالْمَدِينَةِ، فَجَاءَ الأَعْرَابِيُّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَقِلْنِي بَيْعَتِي) بفتح الهمزة، منْ الإقالة، أي ارفع عنّي البيعة التي بايعتنيها، يقال: أقال الله عَثْرته: إذا رفعه منْ سقوطه، ومنه الإقالة فِي البيع؛ لأنها رفع العقد، وقاله قَيْلاً، منْ باب باع لغةٌ. قاله الفيّوميّ. وهذا منْ الأعرابيّ سوء ظنّ، حيث توهّم أن ما أصابه منْ الوعك إنما هو بسبب ما فَعَل منْ البيعة، فتوهّم أنه صلّى الله تعالى عليه وسلم لو أقاله لَذَهب ما لحِقه منْ الوعك.
ثم إنّ ظاهره أنه سأل الإقالة منْ الإِسلام، وبه جزم القاضي عياض. وَقَالَ غيره: إنما استقاله منْ الهجرة، وإلا لكان قتله عَلَى الرّدّة.
(فَأَبَى) قَالَ ابن التين: إنما امتنع النبيّ صلّى الله تعالى عليه وسلم منْ إقالته؛ لأنه لا يُعين عَلَى معصية؛ لأن البيعة فِي أول الأمر كانت عَلَى أن لا يخرُج منْ المدينة إلا بإذنه، فخروجه عصيان، قَالَ: وكانت الهجرة إلى المدينة فرضًا قبل فتح مكة عَلَى كلّ منْ أسلم، ومن لم يهاجر لم يكن بينه وبين المؤمنين موالاةٌ؛ لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا﴾ [الأنفال: ٧٢]، فلمّا فُتحت مكة، قَالَ
стр. 15935
صلّى الله تعالى عليه وسلم: "لا هجرة بعد الفتح"، ففي هَذَا إشعارٌ بأن مبايعة الأعرابيّ المذكور كانت قبل الفتح.
(ثُمَّ جَاءَهُ، فَقَالَ: أَقِلْنِي بَيْعَتِي، فَأَبَى، فَخَرَجَ الأَعْرَابِيُّ) أي منْ المدينة قصدًا لإقالة أثر البيعة (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّمَا الْمَدِينَةُ كَالْكِيرِ) بكسر الكاف: زِقّ الْحَدّاد الذي يَنفُخ به، ويكون أيضاً منْ جِلْد غليظ، وله حافاتٌ، وجمعه كِيَرَةٌ، مثلُ عِنَبَة، وأَكيارٌ. وَقَالَ ابن السّكّيت: سمعتُ أبا عمرو يقول: الْكُورُ بالواو: المبنيّ منْ الطين، والكِير بالياء: الزِّقّ، والجمع أكيارٌ، مثلُ حِمْلٍ وأحمالٍ. قاله الفيّوميّ.
وَقَالَ أبو العبّاس القرطبيّ رحمه الله تعالى: هَذَا تشبيه واقعٌ؛ لأن الكبير لشدّة نفخه ينفي عن النار السُّخَام (١)، والدخان، والرماد، حتى لا يبقى إلا خالص الجمر والنار. هَذَا إن أراد بالكير المِنفَخ الذي تُنفخ به النار، وإن أراد به الموضع المشتمل عَلَى النار، وهو المعروف عند أهل اللغة، فيكون معناه: أن ذلك الموضع لشدة حرارته ينزع خَبَثَ الحديد، والذهب، والفضّة، ويُخرج خلاصة ذلك، والمدينة كذلك؛ لما فيها منْ شدّة العيش، وضيق الحال تخلّص النفس منْ شهواتها، وشرَهها، ومَيلها إلى اللذّات، والمستحسنات، فتتزكّى النفس عن أدرانها، وتبقى خلاصتها، فيظهر سرّ جوهرها، وتعُمّ بركاتها. انتهى.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: قوله: "لما فيها منْ شدّة العيش الخ" فيه نظر؛ إذ لو كَانَ لذلك لكان كلّ بلد فيه شدّة عيش، وخشونة حال أن يكون كذلك، فلا يكون للمدينة فضلٌ أصلاً، بل الحق أن ذلك لخصوصيّة المدينة، وما جعل الله تعالى فيها منْ السرّ العظيم، حيث كانت مُهاجَرَ رسول الله صلّى الله تعالى عليه وسلم، ومهبط وحيه، فتنفي الأشرار، وتبقي الأخيار. والله تعالى أعلم.
(تَنْفِي) بفتح أوله: أي تُخرج (خَبَثَهَا) بمعجمة، وموحّدة، مفتوحتين (وَتَنْصَعُ) بفتح أوله، وسكون النون، وبالمهملتين، منْ النُّصُوع، وهو الخلوص، والمعنى أنها إذا نفت الخبت تميّز الطيب، واستقرّ فيها (طِيبَهَا) قَالَ فِي "الفتح": ضبطه الأكثر بالنصب عَلَى المفعوليّة، وفي رواية الكشميهني بالتحتانيّة أوله، ورفع "طيبها" عَلَى الفاعليّة، و"طَيّبها" للجميع بالتشديد. وضبطه القزّاز بكسر أوله، والتخفيف، ثم استشكله، فقال: لم أر للنصوع فِي الطيب ذكراً، وإنما الكلام يتضوّع بالضاد المعجمة، وزيادة الواو الثقيلة، قَالَ: ويروى "وتنضخ" بمعجمتين. وأغرب الزمخشريّ فِي "الفائق"، فضبطه بموحّدة،
стр. 15936
وضاد معجمة، وعين، وَقَالَ: هو منْ أبضعه بضاعة: إذا دفعها إليه، يعني المدينة تُعطي طيبها لمن سكنها. وتعقّبه الصغانيّ بأنه خالف جميع الرواة فِي ذلك. وَقَالَ ابن الأثير: المشهور بالنون، والصاد المهملة. انتهى (١).
وَقَالَ القرطبيّ: قوله: "وينصع طيبها" أي يصفو، ويخلُص، يقال. طيبٌ ناصعٌ: إذا خلصت رائحته، وصَفَت مما ينقصها. وروينا "طيبها" هنا يعني "صحيح مسلم" بفتح الطاء، وتشديد الياء، وكسرها. وَقَدْ رويناه فِي "الموطّإ" هكذا، وبكسر الطاء، وتسكين الياء، وهو أليق بقوله: وينصع؛ لأنه يقال: نصع الطيب: إذا قويت رائحته. انتهى (٢).
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: الذي رأيته فِي كتب اللغة التي بين يديّ أن "نصع" لازم، ففي نصب "طيبها" به نظر لا يخفى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): فِي درجته:
حديث جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما هَذَا متَّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -٢٢/ ٤١٨٧ - وفي "الكبرى" ٢٦/ ٧٨٠٨. وأخرجه (خ) فِي "الحجّ ١٨٨٣ و"الأحكام" ٧٢٠٩ (م) فِي "الحجّ" ١٣٨٣ (ت) فِي "المناقب" ٣٩٢٠ (أحمد) فِي "باقي مسند المكثرين" ١٣٨٨٢ و١٣٨٨٨ و١٤٥٢٠ و١٤٧٩٥ (الموطأ) فِي "الجامع" ١٦٣٩. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): فِي فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو حكم استقالة البيعة، وهو التحريم، فلا يجوز لمن بايع عَلَى الإِسلام أن يترك الإِسلام، ولا لمن بايع عَلَى الهجرة إلى النبيّ صلّى الله تعالى عليه وسلم أن يترك الهجرة. (ومنها): بيان فضل المدينة، وهو أن الله جعلها كالكير تنفي أشرار الناس، وتخلّص أخيارها.
(ومنها): ما قاله ابن المنيّر رحمه الله تعالى: ظاهر الحديث ذمّ منْ خرج منْ المدينة، وهو مشكلٌ، فقد خرج منها جمع كثير، منْ الصحابة، وسكنوا غيرها منْ البلاد، وكذا منْ بعدهم منْ الفضلاء.
стр. 15937
والجواب أن المذموم منْ خرج عنها كراهةً لها، ورغبة عنها، كما فعل الأعرابيّ المذكور، وأما المشار إليهم، فإنما خرجوا لمقاصد صحيحة، كنشر العلم، وفتح بلاد الشرك، والمرابطة فِي الثغُور، وجهاد الأعداء، وهم مع ذلك عَلَى اعتقاد فضل المدينة، وفضل سكناها. انتهى (١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
٢٣ - (الْمُرْتَدِّ أَعْرَابِيًّا بَعْدَ الْهِجْرَةِ)
أي الذي يصير أعرابيًا، ساكنا بالبادية بعد أن يهاجر.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: الظاهر منْ هذه الترجمة أن المصنّف رحمه الله تعالى يرى تحريم الرجوع إلى البادية بعد الهجرة؛ لأنه سيأتي له فِي "كتاب الزينة" ٢٥/ ٥١٠٤ - بإسناد صحيح، منْ طريق الحارث بن عبد الله، عن عبد الله بن مسعود، قَالَ: "آكل الربا، وموكله، وكاتبه، إذا علموا ذلك، والواشمة، والموشومة للحسن، ولاوي الصدقة، والمرتد أعرابيا بعد الهجرة، ملعونون عَلَى لسان محمد ﷺ ، يوم القيامة". فترجمته هنا بلفظ الحديث يدلّ عَلَى عدم الجواز، وأيضاً تعنيف الحجّاج لسلمة بن الأكوع رضي الله تعالى عنه فِي حديث الباب، إلى أن أعلمه بأنه صلّى الله تعالى عليه وسلم أذن له فِي ذلك، يرشد إلى ذلك، وعلى هَذَا، فيُستثنى منْ أذن له النبيّ صلّى الله تعالى عليه وسلم.
ويحتمل أيضاً أن يكون هَذَا مقيّدًا بما إذا لم يكن هناك ضرر، وإلا فلا تحريم؛ لحديث أبي سعيد الخدريّ رضي الله تعالى عنه، مرفوعًا: "يوشك أن يكون خير مال المسلم غنمًا يتبع بها شعف الجبال، ومواقع القطر، يفرّ بدينه منْ الفتن". أخرجه البخاريّ، وأبو داود، والمصنّف، وسيأتي فِي "كتاب الإيمان" ٣٠/ ٥٠٣٨ - وابن ماجه.
ولهذا ترجم الإِمام البخاريّ رحمه الله تعالى فِي "كتاب الفتن" منْ "صحيحه" بقوله: "بَاب التَّعَرُّب فِي الْفِتْنَة". ثم أورد فيه حديث سلمة بن الأكوع المذكور فِي الباب، وحديث أبي سعيد الخدريّ رضي الله تعالى عنه هَذَا.
стр. 15938
قَالَ فِي "الفتح": "التعرّب": بِالْعَيْنِ الْمُهْمَلة، وَالرَّاء الثَّقِيلة: أيْ السُّكْنَى مَعَ الأَعْرَاب، بِفتحِ الألِف، وهُو أن ينتقِل المُهاجِر منْ البلد الَّتِي هاجر مِنها، فيسكُن البدو، فيرجِع بعد هِجرته أعرابِيًا، وكان إِذ ذاك مُحرَّمًا، إِلا إن أذِنَ لهُ الشَّارع فِي ذَلِكَ.
وقيَّدهُ بِالفِتنةِ، إِشارة إِلى ما ورد منْ الإذْنِ فِي ذَلِكَ، عِند حُلُول الفِتن. وقِيل: بِمنعِهِ فِي زمن الفِتنة؛ لِما يترتب عَلَيْهِ منْ خِذلان أهْل الحَقّ، ولكِن نظر السَّلف اخْتَلف فِي ذَلِكَ: فمِنهُم منْ آثر السَّلامة، واعتزل الْفِتن، كَسَعْدٍ، ومُحمَّد بن مَسْلمة، وابن عُمر، فِي طائفة. ومِنهُم منْ باشَرَ القِتَال، وهُم الْجُمْهُور.
قَالَ: وَوَقَع فِي رِواية كرِيمة "التَّعَزُّب" بِالزَّايِ، وَبَيْنَهُمَا عُمُومِ وخُصُوص، وَقَالَ صاحِب "المَطَالِع": وجدته بِخَطِّي فِي البُخارِيّ بالزَّاي، وأخْشَى أن يكُون وَهمًا، فإِنْ صَحَّ فمعناهُ: الْبُعْد، والاعْتِزال. انتهى (١). والله تعالى أعلم بالصواب.
٤١٨٨ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ، أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى الْحَجَّاجِ، فَقَالَ: يَا ابْنَ الأَكْوَعِ، ارْتَدَدْتَ عَلَى عَقِبَيْكَ، وَذَكَرَ كَلِمَةً، مَعْنَاهَا: وَبَدَوْتَ، قَالَ: لَا، وَلَكِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَذِنَ لِي فِي الْبُدُوِّ).
رجال هَذَا الإسناد: أربعة:
١ - (قتيبة) بن سعيد القفي، ثقة ثبت [١٠] ١/ ١.
٢ - (حاتم بن إسماعيل) الحارثيّ، أبو إسماعيل المدنيّ، صدوقٌ يهم، صحيح الكتاب [٨] ٢٤/ ٥٤٣.
٣ - (يزيد بن أبي عُبيد) الأسلميّ، مولى سلمة بن الأكوع المدنيّ، ثقة [٤] ٦٧/ ١٩٦١.
٤ - (سلمة بن الأكوع) هو سلمة بن عمرو بن الأكوع، نُسب لجدّه الصحابيّ المشهور رضي الله تعالى عنه ١٥/ ٧٦٥. والله تعالى أعلم.
لطائف هَذَا الإسناد:
(منها): أنه منْ رباعيات المصنّف رحمه الله تعالى، كأحاديث الأبواب الثلاثة الماضية، وهو (١٩٥). (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخه، والظاهر أنه دخلها. (ومنها): أن هَذَا الإسناد مما وافق فيه المصنّف الشيخين، فقد أخرجا هَذَا الحديث فِي "صحيحيهما" بنفس هَذَا الإسناد. والله تعالى أعلم.
стр. 15939
شرح الحديث
(عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ) رضي الله تعالى عنه (أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى الْحَجَّاجِ) هو ابن يوسف الثقفيّ الأمير المشهور، وكان ذلك لَمّا ولي الحجّاج إمرأة الحجاز بعد قتل ابن الزبير، فسار منْ مكة إلى المدينة، وذلك فِي سنة أربع وسبعين. قاله فِي "الفتح" (فَقَالَ) أي الحجّاج (يَا ابْنَ الأَكْوَعِ، ارْتَدَدْتَ عَلَى عَقِبَيْكَ) كأنه أشار إلى ما جاء منْ الحديث فِي ذلك، كما تقدّم عند عدِّ الكبائر، فإن منْ جملة ما ذُكر فِي ذلك: "منْ رجع بعد هجرته أعرابيًّا"، وسيأتي للمصنّف فِي "كتاب الزينة" ٢٥/ ٥١٠٤ - منْ حديث ابن مسعود، رفعه: "لعن الله آكل الربا، وموكله" الحديث، وفيه: "والمرتد أعرابيًّا بعد الهجرة ". قَالَ ابن الأثير فِي "النهاية": كَانَ منْ رجع بعد هجرته إلى موضعه منْ غير عذر يعدّونه كالمرتدّ. وَقَالَ غيره: كَانَ ذلك منْ جفاء الحجّاج، حيث يُخاطب هَذَا الصحابيّ الجليل بهذا الخطاب القبيح منْ قبل أن يستكشف عن عذره، ويقال: إنه أراد قتله، فبين الجهة التي يُريد أن يجعله مستحقًا للقتل بها. وَقَدْ أخرج الطبراني منْ حديث جابر بن سمُرة رضي الله تعالى عنهما، رفعه: "لعن الله منْ بدا بعد هجرته، إلا فِي الفتنة، فإن البدو خير منْ المقام فِي الفتنة" (وَذَكَرَ كَلِمَةً، مَعْنَاهَا: وَبَدَوْتَ) أي سكنت البادية. ولفظ البخاريّ: "ارتددت عَلَى عقبيك، تعرّبت" (قَالَ) سلمة رضي الله تعالى عنه (لَا) أي لم أسكن البادية رجوعًا عن هجرتي (وَلَكِنَّ) بتشديد النون، وتخفيفها (رَسُولَ اللهِ ﷺ ) بنصب "رسول" عَلَى أنه اسم "لكنّ"، ورفعه عَلَى الابتداء (أَذِنَ) بكسر الذال المعجمة، منْ باب علم (لِي فِي الْبَدْو) بفتح، فسكون: أي الخروج إلى البادية، فلا ينافي الخروجُ إليها الهجرة. وفي رواية حمّاد بن سلمة، عن يزيد بن أبي عُبيد، عن سلمة أنه استأذن رسول الله صلّى الله تعالى عليه وسلم فِي البداوة، فأذن له. أخْرَجَهُ الإسْمَاعِيليّ. وفِي لفظ لهُ: "اسْتأذَنْت النَّبيّ ﷺ ".
[تنبيه]: ذكر فِي "الفتح" أنه وقع لِسلمة فِي ذَلِكَ قِصَّة أُخرى، مع غير الحَجَّاج، فقد أخرج أحمد، منْ طرِيق سعِيد بن إِياس بن سلمة، أنَّ أباهُ حدثهُ، قَالَ: "قدِم سَلَمَة المدِينة، فلقِيهُ بُريدةُ بن الحُصَيب، فقال: ارتددت عن هِجْرتكِ، فقال: معاذ الله، إِنِّي فِي إِذْن منْ رسُول الله ﷺ ، سَمِعْته يَقُول: "ابدُوا، يا أسلم" -أي القبيلة المشهُورة الَّتِي مِنْها سَلَمة، وأبُو بَرْزة، وبُريدة المذكُور- قالُوا: إِنَّا نخاف أن يقدح ذَلِكَ فِي هِجْرتنَا، قَالَ: أنتُم مُهاجِرُون حيثُ كُنْتم". ولهُ شاهِد مِنْ رِواية عمرو بن عبد الرَّحمن بن جَرهَد، قَالَ: "سَمِعت رجُلًا، يقُول لِجابِرٍ: منْ بقِي منْ أصْحَاب رسُول الله ﷺ ؟، قَالَ: أنَس ابن مالِك، وَسَلَمة بن الأكْوَع، فقال رجُل: أمَّا سلمة، فقد ارتدَّ عن هِجرته، فَقال: لا
стр. 15940
تقُل ذَلِكَ، فإِنِّي سمِعت رسُول الله ﷺ يقُول لِأسْلَمَ: "ابدُوا" قالُوا: إِنَّا نخاف أن نرتدّ بعد هِجرتنا، قَالَ: أنتم مُهاجِرُون حيثُ كُنتُم". وسند كُلّ مِنهُما حسن. قاله فِي "الفتح" (١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): فِي درجته:
حديث سلمة بن الأكوع رضي الله تعالى عنه هَذَا متَّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -٢٣/ ٤١٨٨ - وفي "الكبرى" ٢٧/ ٧٨٠٩. وأخرجه (خ) فِي "الفتن" ٧٠٨٧ (م) فِي "الإمارة" ١٨٦٢ (أحمد) فِي "أول مسند المدنيين" ١٦٠٧٣. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): فِي فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان حكم المرتدّ أعرابيّا بعد الهجرة، وهو عدم الجواز إلا بإذن النبيّ صلّى الله تعالى عليه وسلم.
قَالَ القاضي عِياض رحمه الله تعالى: أجمعت الأمة عَلَى تحرِيم ترك المُهاجِر هِجرته، ورُجُوعه إِلى وطنه، وعلى أنَّ أرتِداد المُهاجِر أعْرابِيًا منْ الكبائِر، قَالَ: لِهذا أشار الحجَّاج إِلى أنْ أعلمهُ سلمة أنَّ خُرُوجه إِلى البادِية، إِنَّما هُو بإِذْنِ النَّبِيّ ﷺ ، قَالَ: ولعلهُ رجع إِلى غَير وطنه، أو لِأنَّ الغرض فِي مُلازمة المُهاجِر، أرضه الَّتِي هاجر إِليها، وفرْض ذَلِكَ عَلَيْهِ إِنَّما كَانَ فِي زمن النَّبِيّ ﷺ ؛ لِنُصرتِهِ، أو لِيكُون معهُ، أو لأنَّ ذَلِكَ إِنَّما كَانَ قبل فتح مكة، فَلمَّا كَانَ الفتح، وأظْهَر الله الإسلام عَلَى الدِّين كُلّه، وأذَلَّ الكُفْر، وأعَزَّ المسلِمِين، سقط فرض الهِجرة، فقال النَّبِيّ ﷺ : "لا هِجرة بعد الفتح"، وَقَالَ: "مضت الْهِجْرة لِأهلِها"، أيْ الَّذين هَاجرُوا منْ دِيارهم، وأموالهم، قبل فتح مكة؛ لِمُواساةِ النَّبِيّ ﷺ ، ومُؤَازَرته، ونُصْرة دِينه، وضبط شَرِيعَته.
قَالَ الْقَاضي: ولم يَخْتلِف العُلَمَاء فِي وُجُوب الهِجرة عَلَى أهل مَكَّة، قبل الْفَتْح، واخْتُلِف فِي غيرهم، فقِيل: لَمْ تكُن واجِبة عَلَى غيرهم، بَلْ كانت ندبًا، ذَكَرهُ أبُو عُبيد فِي "كتاب الأمْوَال"؛ لِأنَّهُ ﷺ لم يَأْمُر الوُفُود عَلَيْهِ، قبل الفتح بِالهِجرةِ، وقِيل: إِنَّمَا
стр. 15941
كانت واجِبة عَلَى منْ لم يُسلِم كُلّ أهل بلده؛ لِئلا يَبْقى فِي طوع أحكام الكُفَّار. انتهى (١).
(ومنها): ما كَانَ عليه سلمة بن الأكوع رضي الله تعالى عنه منْ الصبر، والتحمّل عَلَى ما لقيه منْ الحجّاج منْ الجراءة، والازدراء به. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): زاد فِي رواية البخاريّ بالسند المذكور: قوله: "وعن يزيد بن أبي عبيد، قَالَ: لما قُتل عثمان بن عفان خرج سلمة بن الأكوع، إلى الرَّبذة، وتزوج هناك امرأة، وولدت له أولادا، فلم يزل بها، حتى قبل أن يموت بليال، فنزل المدينة".
و"الرَّبَذَةُ" -بِفَتْحِ الرَّاء، والمُوحَّدة، بعْدها مُعْجَمَة-: موضع بِالبَادِيةِ، بين مَكَّة والمَدِينَة.
قَالَ الحافظ رحمه الله تعالى: ويُسْتفاد منْ هذِهِ الرِّواية، مُدّة سُكْنَى سَلَمة البَادِية، وهِي نحو الأربعِين سنة؛ لِأنَّ قتل عُثمان كَانَ فِي ذِي الحِجَّة، سنة خمس وثلاثِين، وموت سلمة سنة أربع وسبعِين، عَلَى الصَّحِيح.
قَالَ: وهذا يُشْعِر بِأنَّ سلمة لم يمُت بِالبادِيةِ، كما جزم بِهِ يحيى بن عبد الوَهَّاب بن مَنْدَهْ، فِي الجُزْء الَّذِي جمعهُ، فِي آخِر منْ مات منْ الصَّحابة، بل مات بِالْمدِينةِ، كَمَا تقتضِيه رِواية يزِيد بن أبِي عُبيد هَذِهِ، وبِذلِك جزم أبُو عبد الله بن مَنْدَهْ، فِي "معرِفة الصَّحابة".
وفِي الحديث أيضًا، ردّ عَلَى منْ أرَّخَ وفاة سلمة، سنة أربع وسِتِّين، فإِنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي آخِر خِلافة يزِيد بن مُعاوِية، ولم يكُنْ الحجَّاج يؤمئِذٍ أميرًا، ولا ذا أَمْر، ولا نَهي، وكذا فِيهِ رَدّ عَلَى الْهَيثم بن عَدِيّ، حيثُ زَعَم أَنَّهُ مات فِي آخِر خِلافة مُعاوِية، وهُو أشَدّ غلطًا منْ الأول، إِن أراد مُعاوية بن أبِي سُفيان، وإن أراد مُعاوِية بن يزِيد بن مُعاوِية، فهُو عين القول الَّذِي قَبْلهُ. وَقَدْ مَشَى الكرمانِيُّ عَلَى ظاهِره، فقال: مَاتَ سَنَة سِتِّين، وهِي السَّنة الَّتِي مات فِيها مُعاوِية بن أبِي سُفيان. كذا جزم بِهِ، والصَّواب خِلافه. وَقَدْ اعترض الذَّهبِيّ عَلَى منْ زعم أَنَّهُ عاش ثمانِين سنة، ومات سنة أربع وسبعِين؛ لِأنَّهُ يلزم مِنْهُ أن يكُون لهُ فِي الحُدَيبِية اثنتا عشرة سنةً، وهُو باطِل؛ لِأنَّهُ ثبت أَنَّهُ قاتل يؤمئِذٍ، وبايع.
قَالَ الحافظ: وهُوَ اعْتِراض مُتَّجِه، لكِنْ ينبغِي أن يَنْصرِف إِلى سَنَة وفاته، لا إِلَى
стр. 15942
مبلغ عُمره، فلا يلزم مِنْهُ رُجْحان قول مَنْ قَالَ: مات سنة أربع وسِتِّين، فاِنَّ حدِيث جابِر يدُلّ عَلَى أَنَّهُ تأخر عنها؛ لِقولِهِ: لم يبق منْ الصَّحابة إِلا أنس، وسَلَمة، وذلِك لائِق بِسَنَةِ أربع وسبعِين، فقد عاش جابِر بن عند الله بعد ذَلِكَ، إِلى سنة سبع وسبعِين، عَلَى الصَّحِيح. وقِيل: مات فِي الَّتِي بعدها، وقِيل قبل ذَلِكَ. انتهى كلام الحافظ رحمه الله تعالى (١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
٢٤ - (الْبَيْعَةِ فِيمَا يَسْتَطِيعُ الإِنْسَانُ)
٤١٨٩ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ ح وَأَخْبَرَنِي عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: كُنَّا نُبَايِعُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، ثُمَّ يَقُولُ: "فِيمَا اسْتَطَعْتَ".
وَقَالَ عَلِيٌّ: "فِيمَا اسْتَطَعْتُمْ").
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا غير مرة. و"سفيان": هو ابن عيينة. و"إسماعيل": هو ابن جعفر بن أبي كثير المدنيّ.
[تنبيه]: هَذَا السند منْ رباعيّات المصنّف، كأسانيد الأبواب الأربعة الماضية، وهو (١٩٦) منْ رباعيّات الكتاب. وشرح الحديث، وفوائده تقدّمت فِي شرح حديث جرير رضي الله تعالى عنه قبل أبواب.
وقوله: "وَقَالَ عليّ": يعني أن علي بن حجر ذكره فِي روايته بلفظ: "فيما استطعتم"، بدل ذكر قتيبة بلفظ: "فيما استطعت". والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): فِي درجته:
حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما هَذَا متَّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
стр. 15943
أخرجه هنا -٢٤/ ٤١٨٩ و٤١٩٠ - وفي "الكبرى" ٢٨/ ٧٨١٠ و٧٨١١. وأخرجه (خ) فِي "الأحكام" ٧٢٠٢ (م) فِي "الإمارة" ١٨٦٧ (د) فِي "الخراج" ٢٩٤٠ (ت) فِي "السير" ١٥٩٣ (أحمد) فِي "مسند المكثرين" ٤٥٥١ و٥٢٦٠ و٥٥٠٦ و٥٧٣٧ و٦٢٠٧ (الموطأ) فِي "الجامع" ١٨٤١. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤١٩٠ - (أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: كُنَّا حِينَ نُبَايِعُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، يَقُولُ لَنَا: "فِيمَا اسْتَطَعْتُمْ").
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد كلّهم منْ رجال الصحيح، وتقدّموا غير مرّة. و"الحسن بن محمد": هو الزعفرانيّ البغداديّ. و"حجّاجٌ": هو ابن محمّد الأعور المصّيصيّ. والسند أنزل منْ سابقه بدرجتين.
والحديث متَّفقٌ عليه، كما تقدّم الكلام عليه فِي الذي قبله. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤١٩٢ - (أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَيَّارٌ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: بَايَعْتُ النَّبِيَّ ﷺ عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، فَلَقَّنَنِي: "فِيمَا اسْتَطَعْتَ، وَالنُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ").
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "يعقوب بن إبراهيم": هو الدَّوْرَقي البغداديّ الحافظ، أحد مشايخ الستّة. و"هُشيم": هو ابن بشير. و"سيّار": هو ابن أبي سيّار ورد. و"الشعبيّ": هو عامر بن شَرَاحيل.
وقوله: "والنصح لكلّ مسلم": قَالَ السنديّ رحمه الله تعالى: الظاهر أنه بالنصب عطف عَلَى "فيما استطعت": أي فلقّنني هذين اللفظين. ويحتمل الجرّ عَلَى العطف عَلَى الموصول، وفيه بُعْدٌ، فإن النصح مما وقع عليه البيعة، كالسمع، والطاعة، وليس المراد السمع، والطاعة فِي المستطاع، وفي النصح، فليُتأمل. انتهى (١).
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: الوجه الذي ذكره للجر غير صحيح، بل الصواب أنه فِي حالة الجرّ عطف عَلَى السمع، والطاعة، والمعنى: بايعت رسول الله صلّى الله تعالى عليه وسلم عَلَى السمع، والطاعة، والنصح لكلّ مسلم، ثم إنه صلّى الله تعالى عليه وسلم رفقًا به لقّنه أن يقيّد التزامه للسمع والطاعة باستطاعته؛ لئلا يقع فِي الحرج،
يُزَحْزَحَ عَنِ النَّارِ، وَيُدْخَلَ الْجَنَّةَ، فَلْتُدْرِكْهُ مَوْتَتُهُ، وَهُوَ مُؤْمِنٌ بِاللَّهِ، وَالْيَوْمِ الآخِرِ، وَلْيَأْتِ إِلَى النَّاسِ، مَا يُحِبُّ أَنْ يُؤْتَى إِلَيْهِ، وَمَنْ بَايَعَ إِمَامًا، فَأَعْطَاهُ صَفْقَةَ يَدِهِ، وَثَمَرَةَ قَلْبِهِ، فَلْيُطِعْهُ مَا اسْتَطَاعَ، فَإِنْ جَاءَ أَحَدٌ يُنَازِعُهُ، فَاضْرِبُوا رَقَبَةَ الآخَرِ"، فَدَنَوْتُ مِنْهُ، فَقُلْتُ: سَمِعْتَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ هَذَا؟ قَالَ: نَعَمْ، وَذَكَرَ الْحَدِيثَ).
رجال هَذَا الإسناد: ستة:
١ - (هنّاد بن السريّ) بن مصعب التميميّ، أبو السريّ الكوفيّ، ثقة [١٠] ٢٣/ ٢٥.
٢ - (أبو معاوية) محمّد بن خازم الضرير البصريّ، ثقة، أثبت الناس فِي الأعمش، وَقَدْ يهم فِي حديث غيره، منْ كبار [٩] ٢٦/ ٣٠.
٣ - (الأعمش) سليمان بن مِهران الكوفيّ، ثقة ثبت ورعٌ، لكنه يدلّس [٥] ١٧/ ١٨.
٤ - (زيد بن وهب) الجهنيّ، أبو سليمان الكوفيّ، مخضرم ثقة جليل [٢] ٢٦/ ٣٠.
٥ - (عبد الرحمن بن عبد ربّ الكعبة) العائذيّ بمهملة، وتحتانية- وقيل: الصائديّ -بالصاد المهملة- كوفيّ ثقة [٣].
روى عن ابن مسعود، وعبد الله بن عمرو. وعنه زيد بن وهب، والشعبيّ، وعون ابن أبي شدّاد العُقيليّ. قَالَ العجليّ: تابعيّ ثقة. وذكره ابن حبّان فِي "الثقات". روى له الجماعة، سوى البخاريّ، والترمذيّ، وله عندهم حديث الباب فقط.
٦ - (عبد الله بن عمرو) بن العاص رضي الله تعالى عنهما ٨٩/ ١١١. والله تعالى أعلم.
لطائف هَذَا الإسناد:
(منها): أنه منْ سداسيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين. (ومنها): أن فيه ثلاثةٌ منْ التابعين، يروي بعضهم عن بعض: الأعمش، عن زيد، عن عبد الرحمن. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ رَبِّ الْكَعْبَةِ) العائذيّ، أنه (قَالَ: انْتَهَيْتُ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو) ابن العاص، وفي رواية مسلم: دخلت المسجد، فإذا عبد الله بن عمرو بن العاص جالس فِي ظلّ الكعبة" (وَهُوَ جَالِسٌ فِى ظِلِّ الْكَعْبَةِ) جملة فِي محل نصب عَلَى الحال، وكذا قوله (وَالنَّاسُ عَلَيْهِ مُجْتَمِعُونَ) فهما حالان متدخلان، أو مترادفان (قَالَ) عبد الرحمن (فَسَمِعْتُهُ) أي عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنهما (يقُولُ: بَيْنَا نَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِى سَفَرٍ إِذْ نَزَلْنَا مَنْزِلاً فَمِنَّا مَنْ يَضْرِبُ خِبَاءَهُ) وفي رواية مسلم: "فمنا منْ يُصلح خباءه" (وَمِنَّا مَنْ يَنْتَضِلُ) أي يرمي بالسهام تدرّبًا، ومدامةً، والمناضلة:
стр. 15946
المراماة بالسهام. قاله القرطبيّ (وَمِنَّا مَنْ هُوَ فِى جَشْرَتِهِ) هكذا وقع فِي النسخ المطبوعة، بإضافة "جشرة" إلى ضمير الغالب، وَقَالَ السنديّ فِي "شرحه": أي فِي إخراج الدوابّ إلى المرعى. ووقع فِي النسخة الهنديّة: "جشرة" بغير إضافة، ولفظ مسلم: "فِي جشره" بإضافة "جشر" إلى ضمير الغائب. قَالَ النوويّ فِي "شرحه": هو بفتح الجيم والشين: وهي الدّوابّ التي ترعى، وتبيت مكانها. انتهى.
وَقَالَ فِي "اللسان": وجشرُوا الخيلَ، وجَشَّرُوها: أرسلوها فِي الجشر، والْجَشْرُ: أن يخرجوا بخيلهم، فيرعوها أمام بيوتهم، وأصبحوا جَشْرًا أي بالسكون -وجشرًا أي بفتحتين-: إذا كانوا يبيتون مكانهم، لا يرجعون إلى أهليهم. وَقَالَ أيضًا وجَشَرنا دوابّنا: أخرجناها إلى المرعى نَجشُرُها جشرًا بالإسكان. قَالَ: وفي حديث عثمان رضي الله تعالى عنه، أنه قَالَ: "لا يغُرّنّكم جَشَرُكم منْ صلاتكم، فإنما يقصُر الصلاة منْ كَانَ شاخصًا، أو يحضره عدوّ. قَالَ أبو عبيد: الجشر القوم يخرجون بدوابّهم إلى المرعى، ويبيتون مكانهم، ولا يأوون إلى البيوت، وربّما رأوه سفرًا، فقصروا الصلاة، فنهاهم عن ذلك؛ لأن المقام فِي المرعَى، وإن طال فليس بسفر. انتهى المقصود منْ "اللسان" باختصار، وتصرّف.
وَقَالَ فِي "القاموس": "الْجَشْرُ" أي بالسكون-: إخراج الدوابّ للرعي، كالتجشير. قَالَ: وبالتحريك: المال الذي يرعى فِي مكانه، لا يرجع إلى أهله بالليل، والقوم يبيتون مع الإبل. انتهى باختصار.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: أفاد ما ذُكر أن الجشر إذا كَانَ مصدرًا بمعنى إخراج الدوابّ للرعي يُضبط بسكون الشين، وأما الجشر بالتحريك، فهي الإبل التي ترعى فِي مكانها، والمعنيان مناسبان هنا , ولعل التاء فِي "الجشرة" فِي رواية المصنّف للمرّة. والله تعالى أعلم.
(إِذْ نَادَى مُنَادِي النَّبِيِّ ﷺ "الصَّلَاةَ جَامِعَةً") قَالَ النوويّ: هو بنصب "الصلاة" عَلَى الإغراء، و"جامعةً" عَلَى الحال.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: هذه الجملة تحتمل أربعة أوجه: رفع الجزءين عَلَى الابتداء والخبر، ونصبهما عَلَى ما قاله النوويّ، ورفع الأول، ونصب الثاني، عَلَى أن الأول مبتدأ، حُذِف خبره، أي الصلاة محضورةٌ، والثاني منصوب عَلَى الحال، ونصب الأول علي الإغراء، ورفع الثاني علي تقدير مبتدإ، أي هي جامعةٌ. والله تعالى أعلم.
وَقَالَ القرطبيّ: "الصلاة جامعة" خبر بمعنى الأمر، كأنه قَالَ: اجتمعوا للصلاة، وكأنه كَانَ وقت صلاة، فلما جاؤوا صلّوا معه، وسكت الراوي عن ذلك، وإلا فمن
стр. 15947
المحال أن ينادي منادي الصادق بالصلاة، ولا صلاة. انتهى (١).
(فَاجْتَمَعْنَا فَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ فَخَطَبَنَا، فَقَالَ: "إِنَّهُ) الضمير للشأن، وهو الضمير الذي تفسّره الجملة بعده، وهي هنا قوله (لَمْ يَكُنْ نَبِيٌّ قَبْلِي، إِلاَّ كَانَ حَقًّا عَلَيْهِ) أي واجبًا عليه؛ لأن ذلك منْ طريق النصيحة، والاجتهاد فِي التبليغ، والبيان (أَنْ يَدُلَّ أُمَّتَهُ عَلَى مَا يَعْلَمُهُ خَيْرًا لَهُمْ) قَالَ السنديّ: منْ العلم: أي عَلَى شيء يعلم النبيّ ذلك الشيء خيرًا لهم انتهى (وَيُنْذِرَهُمْ مَا يَعْلَمُهُ شَرًّا لَهُمْ، وَإِنَّ أُمَّتَكُمْ هَذِهِ، جُعِلَتْ عَافِيَتُهَا) أي خلاصها عما يضرّ فِي الدين (فِي أَوَّلِهَا، وَإِنَّ آخِرَهَا سَيُصِيبُهُمْ بَلَاءٌ، وَأُمُورٌ يُنْكِرُونَهَا) قَالَ القرطبيّ رحمه الله تعالى: يعني بأول الأمة زمانه، وزمان الخلفاء الثلاثة إلى قتل عثمان، فهذه الأزمنة كانت أزمنة اتّفاق هذه الأمة، واستقامة أمرها، وعافية دينها، فلمّا قُتل عثمان رضي الله تعالى عنه ماجت الفتن، كموج البحر، وتتابعت كقطع الليل المظلم، ثم لم تزل، ولا تزال متواليةً إلى يوم القيامة. وعلى هَذَا فأول آخر هذه الأمة المعنيّ فِي هَذَا الحديث مقتل عثمان رضي الله تعالى عنه، وهو آخرٌ بالنسبة إلى ما قبله، منْ زمان الاستقامة والعافية. وَقَدْ دلّ عَلَى هَذَا قوله: "وأمورٌ تنكرونها"، والخطاب لأصحابه، فدلّ عَلَى أن منهم منْ يُدرك أوّل ما سمّاه آخرًا، وكذلك كَانَ. انتهى كلام القرطبيّ (٢).
(تَجِيءُ) وفي رواية مسلم: "وتجيء" بالواو (فِتَنٌ، فَيُدَقِّقُ بَعْضُهَا لِبَعْضٍ) هكذا فِي معظم النسخ: "فيدقق" بالدال المهملة، فقافين، الأولى مشددة مكسورة: أي يجعل بعضها بعضًا دقيقًا: أي خفيفًا. والظاهر أن اللام فِي "لبعض" زائدة. وفي بعض النسخ: "فيَدْفِقُ" بالفاء بدل القاف الأولى: أي يدفع، ويصبّ، قَالَ القرطبيّ: يعني أنها كموج البحر الذي يَدْفِق بعضه بعضًا.
وَقَالَ السنديّ: وفي بعض النسخ براء مهملة، موضع الدال: أي يُصَيِّرُ بعضها بعضًا رقيقًا خفيّا، والحاصل أن المتأخّرة منْ الفتن أعظم منْ المتقدّمة، فتصير المتقدّمة عندها دقيقةً رفيقةً. انتهى.
وفي رواية مسلم: "فيرقّق بعضها بعضًا". قَالَ النوويّ رحمه الله تعالى: هذه اللفظة رُويت عَلَى أوجه:
[أحدها]: وهو الذي نقله القاضي عن جمهور الرواة، يُرقّق بضمّ الياء، وفتح الراء، وبقافين أن يَصِير بعضها رقيقًا: أي خفيفًا؛ لعظم ما بعده، فالثاني يجعل الأول رقيقًا. وقيل: معناه: يشبه بعضها بعضًا. وقيل: يدور بعضها فِي بعض، ويذهب، ويجيء.
стр. 15948
وقيل: معناه: يسوق بعضها إلى بعض بتحسينها، وتسويلها. [والوجه الثاني]: فيَرْفُقُ بفتح الياء، وإسكان الراء، وبعدها فاء مضمومة. [والثالث]: فيَدْفِقُ بالدال المهملة الساكنة، وبالفاء المسكورة: أي يدفع، ويصبّ، والدفق. الصبّ. انتهى كلام النوويّ (١).
(فَتَجِيءُ الْفِتْنَةُ، فَيَقُولُ الْمُؤْمِنُ هَذِهِ مُهْلِكَتِي) يحتمل أن يكون بضم الميم، وكسر اللام، بصيغة اسم الفاعل، وأن يكون بفتح الميم، واللامِ، ظرفًا: أي هذه الفتنة محلّ هلاكي، أو زمانه (ثُمَّ تَنْكَشِفُ) أي تزول تلك الفتنة (ثُمَّ تَجِيءُ) أي فتنة أخرى (فَيَقُولُ: هَذِهِ مُهْلِكَتِي، ثُمَّ تَنْكَشِفُ، فَمَنْ أَحَبَّ مِنْكُمْ أَنْ يُزَحْزَحَ عَنِ النَّارِ) ببناء الفعل للمفعول: أي يُنحّى عنها، ويُؤخّر منها (وَيُدْخَلَ الْجَنَّةَ) ببناء الفعل للمفعول أيضًا (فَلْتُدْرِكْهُ مَوْتَتُهُ، وَهُوَ مُؤْمِنٌ بِاللَّهِ، وَالْيَوْمِ الآخِرِ، وَلْيَأْتِ إِلَى النَّاسِ، مَا يُحِبُّ أَنْ يُؤْتَى إِلَيْهِ) أي ليؤد إليهم، ويفعل بهم ما يُحبّ أن يُفعَل به. وَقَالَ القرطبيّ: أي يجيء إلى الناس بحقوقهم منْ النصح، والنيّة الحسنة بمثل الذي يُحب أن يُجاء إليه به، وهذا مثلُ قوله صلى الله تعالى عليه وسلم: "لا يؤمن أحدكم حتى يُحبّ لأخيه ما يُحبّ لنفسه". متَّفقٌ عليه. والناس هنا: الأئمة، والأمراء، فيجب عليه لهم منْ السمع، والطاعة، والنصرة، والنصيحة، مثل ما لو كَانَ هو الأمير لكان يُحبّ أن يُجاء له به. انتهى (٢).
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: قوله: "والناس هنا الأئمة الخ" فيه نظرٌ لا يخفى، بل الأولى كونه عَلَى عمومه، فالمراد بالناس جميع المسلمين، ومما يردّ عليه دعوى الخصوص هَذَا الحديث الذي مثّل هو به، فإنه صريح فِي العموم، فتبصّر. والله تعالى أعلم.
(وَمَنْ بَايَعَ إِمَامًا، فَأَعْطَاهُ صَفْقَةَ يَدِهِ) أي ضرب يده عَلَى يده عند المبايعة، وأصل الصفقة: الضرب بالكفّ عَلَى الكفّ، أو بأصبعين عَلَى الكفّ، وهو التصفيق (وَثَمَرَةَ قَلْبِهِ) أي خالص عهده، أو محبّته بقلبه (فَلْيُطِعْهُ مَا اسْتَطَاعَ، فَإِنْ جَاءَ أَحَدٌ يُنَازِعُهُ، فَاضْرِبُوا رَقَبَةَ الآخَرِ) قَالَ النوويّ رحمه الله تعالى: معناه: ادفعوا الثاني، فإنه خارج عَلَى الإِمام، فإن لم يندفع إلا بحرب، وقتال، فقاتِلُوه، فإن دعت المقاتلة إلى قتله جاز قتله، ولا ضمان فيه؛ لأنه ظالم مُعتدٍ فِي قتاله.
قَالَ عبد الرحمن بن عبد ربّ الكعبة (فَدَنَوْتُ مِنْهُ) أي قرُبتُ منْ عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنهما (فَقُلْتُ) زاد فِي رواية مسلم: "له" (سَمِعْتَ رسُولَ اللهِ ﷺ ,
стр. 15949
يَقُولُ هَذَا؟) وفي رواية مسلم: "أنشدك الله آنت سمعت هَذَا منْ رسول الله صلّى الله تعالى عليه وسلم؟ " (قَالَ) عبد الله (نَعَمْ) وفي رواية مسلم: "فأهوى إلى أُذنيه، وقلبه بيديه، وَقَالَ: سمعته أُذناي، ووعاه قلبي". وقوله (وَذَكَرَ الْحَدِيثَ) أشار به إلى أن الحديث مختصرٌ، وَقَدْ ساقه الإِمام مسلم رحمه الله تعالى بتمامه، فِي "صحيحه"، ولفظه: "فقلت له: هَذَا ابنُ عمّك معاوية، يأمرُنا أن نأكل أموالنا بيننا بالباطل، ونقتُل أنفسنا، واللهُ يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا (٢٩)﴾ [النِّساء: ٢٩] قَالَ: فسكت ساعة، ثم قَالَ: أطعه فِي طاعة الله، واعصه فِي معصية الله".
قَالَ القرطبيّ: رحمه الله تعالى: واستحلاف عبد الرحمن زيادةٌ فِي الاستيثاق، لا أنه كذّبه، ولا اتّهمه. وما ذكره عبد الرحمن عن معاوية رضي الله تعالى عنه إغياء فِي الكلام عَلَى حسب ظنّه، وتأويله، وإلا فمعاوية رضي الله تعالى عنه لم يُعرف منْ حاله، ولا منْ سيرته شيء مما قَالَ له، وإنما هَذَا كما قالت طائفة منْ الأعراب: إن ناساً منْ المصدّقين يظلموننا، فسَمَّوا أخذ الصدقة ظلمًا؛ حسب ما وقع لهم. انتهى (١).
وَقَالَ النوويّ رحمه الله تعالى: المقصودِ بهذا الكلام أن هَذَا القائل لما سمع كلام عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما، وذكر الحديث فِي تحريم منازعة الخليفة الأول، وأن الثاني يُقتل، فاعتقد هَذَا القائل هَذَا الوصف فِي معاوية؛ لمنازعته عليًّا رضي الله تعالى عنهما، وكانت قد سبقت بيعة عليّ، فرأى هَذَا أن نفقة معاوية علي أجناده، وأتباعه فِي حرب علي، ومنازعته، ومقاتلته إياه، منْ أكل المال بالباطل، ومن قتل النفس؛ لأنه قتال بغير حقّ، فلا يستحق أحد مالاً فِي مقاتلته. انتهى (٢). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): فِي درجته:
حديث عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنهما هَذَا أخرجه مسلم.
(المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -٢٥/ ٤١٩٤ - وفي "الكبرى" ٢٩/ ٧٨١٤. وأخرجه (م) فِي "الإمارة" ١٨٤٤ (د) فِي "الفتن والملاحم" ٤٢٤٨ (ق) فِي "الفتن" ٣٩٥٦ (أحمد) فِي "مسند
стр. 15950
المكثرين" ٦٤٦٥ و٦٧٥٤ و٦٧٧٦. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): فِي فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان ما يجب عَلَى منْ بايع الإِمام، وأعطاه صفقة يده، وثمرة قلبه، وذلك أن يوفّي بما التزمه منْ الطاعة ما استطاع، دمان جاء منْ ينازعه فِي خلافته، فليقاتله معه. (ومنها): بيان ما أوجب الله تعالى عَلَى أنبيائه تجاه أممهم، وهو إخلاص النصيحة لهم، فيدلّونهم، عَلَى ما هو خير لهم فِي معاشهم، ومعادهم، وينذرونهم عما هو شرّ لهم فِي دينهم، ودنياهم. (ومنها): ما كَانَ عليه النبيّ صلّى الله تعالى عليه وسلم منْ الأسوة بمن قبله منْ الأنبياء، فِي بيان الخير والشر لأمته، فلم يبق شيء منهما إلا بيّنه لها، ومن ذلك ما ذكره فِي هَذَا الحديث، مما سيحدث بعده منْ الفتن المتتابعة، والبلايا المتناسقة، بحيث تدع الحليم حيران، والعاقل سكران. (ومنها): أن سبب النجاة منْ النار، ودخول الجنّة التمسّك بالإيمان بالله، وباليوم الآخر إلى أن يأتيه الأجل. (ومنها): ما قاله النوويّ رحمه الله تعالى، عند قوله: "وليأت إلى الناس الخ": ما نصّه: هَذَا منْ جوامع كلمه صلّى الله تعالى عليه وسلم، وبديع حِكَمه، وهذه قاعدةٌ مهمةٌ، فينبغي الاعتناء بها، وأن الإنسان يلزمه أن لا يفعل مع الناس، إلا ما يُحبّ أن يفعلوه معه.
(ومنها): ما قاله القرطبيّ: إن قوله: "ومن بايع إمامًا، فأعطاه صفقة يده، وثمرة فؤاده" يدل عَلَى أن البيعة لا يُكتفى فيها بمجرد عقد اللسان فقط، بل لابدّ منْ الضرب باليد، كما قَالَ تعالى: ﴿نَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفتح: ١٠]، ولكن ذلك للرجال فقط، ولابد منْ التزام البيعة بالقلب، وترك الغشّ، والخديعة، فإنها منْ أعظم العبادات، فلابد فيها منْ النيّة والنصيحة. انتهى (١).
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: قوله: "بل لابدّ منْ الضرب باليد"، فيه نظرٌ، لا يخفى، فإن الحديث لا يدلّ عَلَى هَذَا، بل غاية ما فيه إيجاب الطاعة لمن بايع عَلَى هذه الصفة، وهذا لا ينفي جواز البيعة باللسان فقط، دون الضرب باليد، فتبصّر. والله تعالى أعلم.
(ومنها): أن فِي قول عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنهما: "أطعه فِي طاعة الله الخ" دليلٌ عَلَى وجوب طاعة المتولّين للإمامة بالقهر، منْ غير إجماع، ولا عهد. قاله النوويّ.
стр. 15951
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: الاستدلال المذكور محلّ بحث، فليُتأمّل. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
٢٦ - (الْحَضِّ عَلَى طَاعَةِ الإِمَامِ)
٤١٩٥ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ يَحْيَى بْنِ حُصَيْنٍ، قَالَ: سَمِعْتُ جَدَّتِي تَقُولُ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، يَقُولُ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ: "وَلَوِ اسْتُعْمِلَ عَلَيْكُمْ عَبْدٌ حَبَشِيٌّ، يَقُودُكُمْ بِكِتَابِ اللَّهِ، فَاسْمَعُوا لَهُ، وَأَطِيعُوا").
رجال هَذَا الإسناد: خمسة:
١ - (محمّد بن عبد الأعلى) الصنعانيّ، ثم البصريّ، ثقة [١٠] ٥/ ٥.
٢ - (خالد) بن الحارث الهُجيميّ، أبو عثمان البصريّ، ثقة ثبت [٨] ٤٢/ ٤٧.
٣ - (شعبة) بن الحجاج الإِمام الحافظ الحجة [٧] ٢٧/ ٢٤،
٤ - (يحيى بن حصين) الأحمسيّ، ثقة [٤] ٢٢/ ٣٠٦٠.
٥ - (جدته) أمّ الحصين بنت إسحاق، الأحمسيّة، صحابيّة، شهدت حجة الوداع، وروت خطبتها عن النبيّ صلّى الله تعالى عليه وسلم، وغير ذلك، وروى عنها ابن ابنها يحيى بن الحصين، والعيزار بن حُريث، تقدّمت فِي ٢٢/ ٣٠٦٠. والله تعالى أعلم.
لطائف هَذَا الإسناد:
(منها): أنه منْ خماسيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين. (ومنها): أن فيه رواية الراوي عن جدّته. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ يَحْيَى بْنِ حُصَيْنٍ) الأحمسيّ، أنه (قَالَ: سَمِعْتُ جَدَّتِي) رضي الله تعالى عنها (تَقُولُ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، يَقُولُ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ) وفي رواية لمسلم: "أنها سمعت رسول الله صلّى الله تعالى عليه وسلم بمنى، أو بعرفات" (وَلَوِ اسْتُعْمِلَ) بالبناء للمفعول
стр. 15952
(عَلَيْكُمْ عَبْدٌ حَبَشِيٌّ) زاد فِي رواية لمسلم: "مجدّع": أي مقطوع الأطراف، يقال: جدعت الأنف جدعًا، منْ باب نفع: قطعته، وكذا الأذنُ، واليدُ، والشفة. قاله الفيومي. (يَقُودُكُمْ بِكِتَابِ اللَّهِ) فيه إشارةٌ إلى أنه لا طاعة له فيما يُخالف حكم الله تعالى (فَاسْمَعُوا لَهُ، وَأَطِيعُوا") وَقَالَ النوويّ رحمه الله تعالى: المراد أخسّ العبيد: أي اسمعوا، وأطيعوا للأمير، وإن كَانَ دنيء النسب، حتى لو كَانَ عبدًا أسود، مقطوع الأطراف، فطاعته واجبة. وتتصوّر إمارة العبد إذا ولّاه بعض الأئمة، أو إذا تغلّب عَلَى البلاد بشوكته، وأتباعه، ولا يجوز ابتداءً عقد الولاية له، مع الاختيار، بل شرطها الحرّيّة. انتهى (١).
وَقَالَ القرطبيّ رحمه الله تعالى: هَذَا مبالغة فِي وصف العبد بالضّعةِ والخسّة، وذلك أن العبد إنما تنقطع أطرافه منْ كثرة العمل، والمشي حافيًا. وهذا منه صلّى الله تعالى عليه وسلم عَلَى جهة الإغياء عَلَى عادة العرب فِي تمكينهم المعاني، وتأكيدها، كما قَالَ النبيّ صلّى الله تعالى عليه وسلم: "منْ بني لله مسجدًا , ولو مثلَ مَفْحص قطاة، بني الله تعالى له بيتًا فِي الجنة" (٢). ومفحص القطاة لا يصلح لمسجد، وإنما هو تمثيلٌ للتصغير عَلَى جهة الإغياء، فكأنه قَالَ: أصغر ما يكون منْ المساجد، وعلى هَذَا التأويل لا يكون حجةٌ لمن استدل عَلَى جواز تأمير العبد فيما دون الإمامة الكبرى, وهم بعض أهل الظاهر فيما أحسب، فإنه قد اتّفق عَلَى أن الإِمام الأعظم لابدّ أن يكون حرّا، عَلَى ما نصّ أصحاب مالك أن القاضي لابدّ أن يكون حرًا. قَالَ: وأمير الجيش والحرب فِي معناه، فإنها مناصب دينيّةٌ، يتعلق بها تنفيذ أحكام شرعيّة، فلا يصلح لها العبد؛ لأنه ناقص بالرقّ، محجور عليه، لا يستقلّ بنفسه، ومسلوب أهليّة الشهادة والتنفيذ، فلا يصلح للقضاء، ولا للإمارة، وأظنّ أن جمهور علماء المسلمين عَلَى ذلك. انتهى كلام القرطبيّ (٣).
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: فيما قاله القرطبيّ منْ نفيه تولية العبد عَلَى الإطلاق، نظر لا يخفى، فإن التعليل الذي علّل به عدم الجواز غير لازم، فلو أذن له سيّده، أو كَانَ السيد هو الإِمام الأعظم، فولّاه زالت الموانع، لما عزاه إلى بعض أهل الظاهر إن صح عنهم هو الظاهر، فليُتأمل. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
стр. 15953
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): فِي درجته:
حديث أم الحصين رضي الله تعالى عنها هَذَا أخرجه مسلم.
(المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أحرجه معه:
أخرجه هنا -٢٦/ ٤١٩٥ - وفي "الكبرى" ٣٠/ ٧٨١٥. وأخرجه (م) فِي" الإمارة" ١٢٩٨ (ت) فِي "الجهاد" ١٧٠٦ (ق) فِي "الجهاد" ٢٨٦١ (أحمد) فِي "أول مسند المدنيين" ٢٨٦١ و"مسند القبائل" ٢٦٧١٥ و٢٦٧٢٣. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): فِي فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان الحضّ عَلَى طاعة الإِمام. (ومنها): أن الإِمام لا يشترط أن يكون حرا، فقد يتولّى العبد بإذن مولاه، فتجب طاعته. (ومنها): أن شرط وجوب طاعة الأمير أن يقول بكتاب الله تعالى، وأما إذا أمر بهواه، مخالفًا للكتاب والسنة، فلا طاعة له. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
٢٧ - (التَّرْغِيبِ فِي طَاعَةِ الإِمَامِ)
٤١٩٦ - (أَخْبَرَنَا يُوسُفُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، أَنَّ زِيَادَ بْنَ سَعْدٍ، أَخْبَرَهُ أَنَّ ابْنَ شِهَابٍ أَخْبَرَهُ، أَنَّ أَبَا سَلَمَةَ أَخْبَرَهُ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ أَطَاعَنِي فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ، وَمَنْ عَصَانِي فَقَدْ عَصَى اللَّهَ، وَمَنْ أَطَاعَ أَمِيرِي فَقَدْ أَطَاعَنِي، وَمَنْ عَصَى أَمِيرِي فَقَدْ عَصَانِي").
رجال هَذَا الإسناد: سبعة:
١ - (يوسف بن سعيد) بن مسلم المصّيصيّ، ثقة حافظ [١١] ١٣١/ ١٩٨.
٢ - (حجاج) بن محمّد الأعور المصيصيّ، ثقة ثبت، تغير فِي آخره [٩] ٢٨/ ٣٢.
٣ - (ابن جريج) هو عبد الملك بن عبد العزيز الأمويّ مولاهم المكيّ، ثقة فاضل يدلس ويرسل [٦] ٢٨/ ٣٢.
стр. 15954
٤ - (زياد بن سعد) بن عبد الرحمن الخراسانيّ، بزيل مكة، ثم اليمن، ثقة ثبت، منْ أثبت الناس فِي الزهريّ [٦] ٥١/ ٦٤.
٥ - (ابن شهاب) محمّد بن مسلم الزهريّ الإِمام الحجة الثبت [٤] ١/ ١.
٦ - (أبو سلمة) بن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ المدنيّ، ثقة فقيه [٣] ١/ ١.
٧ - (أبو هريرة) رضي الله تعالى عنه ١/ ١. والله تعالى أعلم.
لطائف هَذَا الإسناد:
(منها): أنه منْ سباعيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه منْ أفراده. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين منْ ابن شهاب. (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وفيه أبو سلمة منْ الفقهاء السبعة عَلَى بعض الأقوال، وفيه أبو هريرة ﵁ أحفظ منْ روى الحديث فِي دهره. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
عن أبي سلمة رحمه الله تعالى (أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ) رضي الله تعالى عنه (يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ أَطَاعَنِي فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ) قَالَ فِي "الفتح": هذه الجملة منتزعة منْ قوله تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ الآية [النِّساء: ٨٠]. أي لأني لا آمر إلا بما أمر الله تعالى به، فمن فعل ما آمره به، فإنما أطاع منْ أمرني أن آمره.
ويَحتمل أن يكون المعنى لأن الله تعالى أمر بطاعتي، فمن أطاعني، فقد أطاع أمر الله له بطاعتي، وفي المعصية كذلك. والطاعة هي الإتيان بالمأمور به، والانتهاء عن المنهي عنه، والعصيان بخلافه. انتهى (١).
(وَمَنْ عَصَانِي فَقَدْ عَصَى اللَّهَ، وَمَنْ أَطَاعَ أَمِيرِي فَقَدْ أَطَاعَنِي) قَالَ القرطبيّ رحمه الله تعالى: ووجهه أن أمير رسول الله صلّى الله تعالى عليه وسلم إنما هو منفّذ أمره، ولا يتصرّف إلا بأمره، فمن أطاعه فقد أطاع أمر رسول الله صلّى الله تعالى عليه وسلم، وعلى هَذَا فكلّ منْ اطاع أمير رسول الله صلّى الله تعالى عليه وسلم، فقد أطاع الرسول، ومن أطاع الرسول، فقد أطاع الله، فيُنتج أن منْ أطاع أمير رسول الله صلّى الله تعالى عليه وسلم، فقد أطاع الله، وهو حقّ، صحيحٌ، وليس هَذَا الأمر خاصًا بمن باشره رسول الله صلّى الله تعالى عليه وسلم بتولية الإمارة، بل هو عام فِي كلّ أمير للمسلمين عدلٍ، ويلزم منه نقيض ذلك فِي المخالفة والمعصية. انتهى كلام القرطبيّ (٢).
стр. 15955
وَقَالَ فِي "الفتح": وقع فِي رواية همّام، والأعرج، وغيرهما عند مسلم: "ومن أطاع الأمير". ويمكن ردّ اللفظين لمعنى واحد، فإن كلّ منْ يأمر بحقّ، وكان عادلاً، فهو أمير الشارع؛ لأنه تولّى بأمره، وبشريعته. ويؤيّده توحيد الجواب فِي الأمرين، وهو قوله: "فقد أطاعني": أي عمِل بما شرعته، وكأن الحكمة فِي تخصيص اميره بالذكر أنه المراد وقت الخطاب، ولأنه سبب ورود الحديث، وأما الحكم فالعبرة بعموم اللفظ، لا بخصوص السبب.
ووقع فِي رواية همّام أيضاً: "ومن يُطع الأمير، فقد أطاعني" بصيغة المضارعة، وكذا: "ومن يعص الأمير، فقد عصاني"، وهو أدخل فِي إرادة تعميم منْ خوطب، ومن جاء منْ بعد ذلك.
وذكر الإِمام الشافعيّ رحمه الله تعالى فِي "الأم" فِي بيان سبب نزول الآية الكريمة: كانت قُريشٌ، ومن يليها منْ العرب لا يعرفون الإمارة، فكانوا يمتنعون عَلَى الأمراء، فقال هَذَا القول يحثّهم عَلَى طاعة منْ يُؤمّرهم عليهم، والانقياد لهم إذا بَعَثهم فِي السرايا، وإذا ولّاهم البلاد، فلا يخرجون عليهم؛ لئلا تفترق الكلمة.
ووقع عند أحمد، وأبى يعلى، والطبرانيّ منْ حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: قَالَ: كَانَ رسول الله صلّى الله تعالى عليه وسلم فِي نفر منْ أصحابه، فقال: "ألستم تعلمون أن منْ أطاعني، فقد أطاع الله، وأن منْ طاعة الله طاعتي؟ "، قالوا: بلى نشهد، قَالَ: "فإن منْ طاعتي أن تطيعوا أُمراءكم"، وفي لفظ: "أئمّتكم".
(وَمَنْ عَصَى أَمِيرِي فَقَدْ عَصَانِي) تقدّم إيضاحه آنفًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): فِي درجته:
حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه هَذَا متَّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -٢٧/ ٤١٩٦ - وفي "الكبرى" ٣١/ ٧٨١٦. وأخرجه (خ) فِي "الأحكام" ٧١٣٧ (م) فِي "الإمارة" ٤٧٢٦ و٤٧٢٧. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): فِي فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان الترغيب فِي طاعة الإِمام.
(ومنها): أن وجوب طاعة الإِمام مقيد بما إذا أمر بغير المعصية، وإلا فلا طاعة له؛ لأنه لا طاعة لمخلوق فِي معصية الخالق. (ومنها): أن طاعة الأمراء طاعه لله تعالى، وطاعة
стр. 15956
لرسوله صلّى الله تعالى عليه وسلم؛ لأنهم ينفّذون أحكام الله . (ومنها): أن الحكمة فِي الأمر بطاعة الأمراء: هي المحافظة عَلَى اتفاق الكلمة؛ لما فِي الافتراق منْ الفساد، ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ [البقرة: ٢٠٥]. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
٢٨ - (قَولُهُ تَعَالَى: ﴿وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النِّساء: ٥٩])
٤١٩٧ - (أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ، قَالَ: قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي يَعْلَى بْنُ مُسْلِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ قَالَ: نَزَلَتْ فِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُذَافَةَ بْنِ قَيْسِ بْنِ عَدِيٍّ، بَعَثَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي سَرِيَّةٍ).
رجال هَذَا الإسناد: ستة:
١ - (الحسن بن محمّد) الزعفرانيّ، أبو عليّ البغداديّ، صاحب الشافعيّ، ثقة [١٠] ٢١/ ٤٢٧.
٢ - (يعلي بن مسلم) بن هُرمُز المكيّ، البصريّ الأصل، ثقة [٦] ٢/ ٤٠٠٥.
٣ - (سعيد بن جبير) الأسديّ مولاهم الكوفيّ، ثقة فقيه عابد [٣] ٢٨/ ٤٣٦.
٤ - (ابن عباس) عبد الله البحر رضي الله تعالى عنهما ٢٧/ ٣١، والباقيان تقدّما فِي الباب الماضي. والله تعالى أعلم.
لطائف هَذَا الإسناد:
(منها): أنه منْ سداسيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله عندهم رجال الصحيح. (ومنها): أن فيه ابن عباس رضي الله تعالى عنهما منْ العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) رضي الله تعالى عنهما ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا
стр. 15957
أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ [النِّساء: ٥٩] قَالَ نَزَلَتْ فِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُذَافَةَ بْنِ قَيْسِ بْنِ عَدِيٍّ، بَعَثَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي سَرِيَّةٍ) قَالَ فِي "الفتح": كذا ذكره مختصرًا، والمعنى نزلت فِي قصّة عبد الله بن حُذافة، والمقصود منها فِي قصّته قوله: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ الآية, وَقَدْ غفل الداوُدِي، عن هَذَا المُراد، فقال: هَذَا وهم عَلَى ابن عباس، فإِنَّ عند الله بن حُذافة، خرج عَلَى جيش، فغضب، فأوقد نارًا، وَقَالَ: اقتحِمُوها، فامْتنع بعض، وَهَمّ بعض أن يُفعل. قَالَ: فإِن كانت الآية نزلت قبلُ، فكيف يُخَصّ عند الله بن حُذافة بِالطَّاعةِ دُون غيره، وإِن كانت نزلت بعدُ فإِنَّما قِيل لهُم: "إِنَّما الطَّاعة فِي المعرُوف"، وما قِيل لهُم: لِم لم تُطِيعُوا؟ انتهى.
قَالَ الحافظ: وبِالحملِ الَّذِي قدمته يظهر المراد، وينتفي الإشْكال الَّذِي أبداه؛ لِأنَّهم تنازعُوا فِي امتِثال ما أمرهُم بِهِ، وسببه أنَّ الَّذين همُّوا أن يُطِيعُوهُ، وقفُوا عِند امتِثال الأمر بِالطَّاعةِ، والَّذِين امتنعُوا عارضهُ عِندهم الفِرار منْ النَّار، فناسب أن ينزِل فِي ذَلِكَ، ما يُرشِدهُم إِلى ما يَفْعلُونهُ عِند التنازُع، وهُو الرَّدّ إِلى الله وإلى رسُوله، أيّ إن تنازعتُم فِي جواز الشَّيْء، وعدم جوازه، فارْجِعُوا إِلى الكِتَاب والسُّنَّة (١). وسيأتي تمام البحث فِي قصّة عبد الله بن حُذافة رضي الله تعالى عنه بعد خمسة أبواب ٣٤/ ٤٢٠٦ إن شاء الله تعالى.
[تنبيه]: روى الطَّبَرِيّ فِي "تفسيرهِ": أنَّ هذِهِ الآية نزلت فِي قِصَّة جرت لِعَمَّارِ بن ياسِر، مع خالِد بن الولِيد، وكان خالِد أمِيرًا، فأجار عمَّارٌ رجُلاً، بِغيْرِ أمره، فتَخَاصَما، فنزلت. فيحتمل أن تكون الآية نزلت فِي القضيّتين. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): فِي درجته:
حديث ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما هَذَا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -٢٨/ ٤١٩٧ - وفي "الكبرى" ٣٢/ ٧٨١٧. وأخرجه (خ) فِي "التفسير" ٤٥٨٤ (م) فِي "الإمارة" ٣٤١٦ (د) فِي "الجهاد" ٢٦٢٤ (ت) فِي "الجهاد" ١٦٧٢. والله تعالى أعلم.
стр. 15958
(المسألة الثالثة): اختُلِف فِي المراد بِأُولي الأمر فِي الآية الكريمة، فعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، قَالَ: هُم الأمراء، أخرجهُ الطَّبرِيّ بِإِسنادِ صحِيح، وأخرج عن ميمُون بن مِهران وغيره نَحْوه، وعن جابِر بن عبد الله، قَالَ: هُم أهل الْعِلْم، والْخَيْر. وعن مُجاهِد، وعطاء، والْحَسَن، وأبِي العالِية: هُم الْعُلَمَاء. ومن وجه آخر أصَحّ مِنْهُ عن مُجاهِد، قَالَ: هُمْ الصَّحَابة، وهذا أخَصّ. وعن عِكرِمة، قَالَ: أبُو بكر وعُمر، وهذا أخَصّ منْ الَّذِي قَبْله. ورجح الشافِعِي الأول، واحتج لهُ بِأن قُريشًا، كانُوا لا يعرِفُون الإمارة، ولا ينقادُون إِلى أمِير، فأُمِرُوا بِالطَّاعةِ لِمن ولِي الأمر، ولِذلِك قَالَ ﷺ : "منْ أطاع أمِيرِي، فقد أطاعنِي" مُتفق عَلَيْهِ. واختار الطَّبريُّ حملها عَلَى العُمُوم، وإن نزلت فِي سبب خَاص، واللهُ أعلمُ. ذكره فِي "الفتح" (١).
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: هَذَا الذي رجحه ابن جرير رحمه الله تعالى منْ الحمل عَلَى العموم هو الأرجح عنديّ؛ لأن العبرة بعموم اللفظ، لا بخصوص السبب. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
٢٩ - (التَّشْدِيدِ فِي عِصْيَانِ الإِمَامِ)
٤١٩٨ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ بْنِ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا بَقِيَّةُ بْنُ الْوَلِيدِ، قَالَ: حَدَّثَنَا بَحِيرٌ، عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ، عَنْ أَبِي بَحْرِيَّةَ، عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: "الْغَزْوُ غَزْوَانِ، فَأَمَّا مَنِ ابْتَغَى وَجْهَ اللَّهِ، وَأَطَاعَ الإِمَامَ، وَأَنْفَقَ الْكَرِيمَةَ، وَاجْتَنَبَ الْفَسَادَ، فَإِنَّ نَوْمَهُ وَنُبْهَتَهُ، أَجْرٌ كُلُّهُ، وَأَمَّا مَنْ غَزَا رِيَاءً وَسُمْعَةً، وَعَصَى الإِمَامَ، وَأَفْسَدَ فِي الأَرْضِ، فَإِنَّهُ لَا يَرْجِعُ بِالْكَفَافِ").
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "بحِير" بفتح الموحّدة، وكسر الحاء المهملة-: هو ابن سَعْد السَّحُوليّ الحمصي. و"أبو بحريّة": هو عبد الله بن قيس السَّكُونيّ الحمصيّ المخضرم المشهور.
والحديث حسنٌ، وَقَدْ تقدّم فِي "كتاب الجهاد" ٤٦/ ٣١٨٩ - وتقدّم شرحه، وبيان
стр. 15959
مسائله هناك، فراجعه تستفد، واستدلال المصنّف رحمه الله تعالى به علي الترجمة واضح. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
٣٠ - (ذِكْرِ مَا يَجِبُ لِلإِمَامِ وَمَا يَجِبُ عَلَيْهِ)
٤١٩٩ - (أَخْبَرَنَا عِمْرَانُ بْنُ بَكَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَيَّاشٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعَيْبٌ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو الزِّنَادِ، مِمَّا حَدَّثَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ الأَعْرَجُ، مِمَّا ذَكَرَ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ، يُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: "إِنَّمَا الإِمَامُ جُنَّةٌ، يُقَاتَلُ مِنْ وَرَائِهِ، وَيُتَّقَى بِهِ، فَإِنْ أَمَرَ بِتَقْوَى اللَّهِ، وَعَدَلَ، فَإِنَّ لَهُ بِذَلِكَ أَجْرًا، وَإِنْ أَمَرَ بِغَيْرِهِ، فَإِنَّ عَلَيْهِ وِزْرًا").
رجال هَذَا الإسناد: ستة:
١ - (عِمْرَانُ بْنُ بَكَّارٍ) بن راشد الكلاعيّ الحمصيّ ثقة [١١] ١٧/ ١٥٤١.
٢ - (عليّ بن عيّاش) الألهانيّ الحمصيّ، الثقة الثبت [٩] ١٢٣/ ١٨٢.
٣ - (شُعيب) بن أبي حمزة الحمصيّ الثقة الثبت [٧] ٦٩/ ٨٥.
٤ - (أبو الزناد) عبد الله بن ذكران المدنيّ الثقة الفقيه [٥] ٧/ ٧.
٥ - (عبد الرحمن الأعرج) بن هُرْمز المدنيّ الثقة الثبت الفقيه [٣] ٧/ ٧.
٦ - (أبو هريرة) رضي الله تعالى عنه ١/ ١. والله تعالى أعلم.
لطائف هَذَا الإسناد:
(منها): أنه منْ سداسيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه منْ أفراده. (ومنها): أن نصفه الأول مسلسل بالحمصيين، والثاني بالمدنيين. (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
عن شعيب بن أبي حمزة، أنه (قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو الزِّنَادِ) عبد الله بن ذكران (مِمَّا حَدَّثَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ) بن هُرمُز (الأَعْرَجُ) أي منْ جملة الأحاديث التي حدّثه بها عبد الرحمن
стр. 15960
الأعرج، والجارّ والمجرور متعلّق بحال مقدر، أي حال كون الحديث كائنًا مما الخ (مِمَّا ذَكَرَ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ) أي مما ذكر الأعرج أنه سمع أبا هريرة رضي الله تعالى عنه، وإعرابه كسابقه (يُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ) أنه (قَالَ: "إِنَّمَا الإِمَامُ) المراد به كلّ قائم بأمور الناس (جُنَّةٌ) أي كالسترة؛ لأنه يمنع العدوّ منْ أذى المسلمين، ويمنع الناس بعضهم منْ بعض، ويحمي بيضة الإِسلام، ويتّقيه الناس، ويخافون سطوته (١).
وَقَالَ القرطبيّ رحمه الله تعالى: الْمِجَنّ، والْجُنّة، والجانّ، والجنّة، والجِنّةُ كله راجع إلى معنى الستر، والتوقّي. يعني أنه يُتّقَى بنظره، ورأيه فِي الامور العظام، والوقائع الخطيرة، ولا يتقدّم عَلَى رأيه، ولا ينفرد دونه بأمر مهم حتى يكون هو الذي يَشرَع فِي ذلك. انتهى (٢).
(يُقَاتَلُ مِنْ وَرَائِهِ) ببناء الفعل للمفعول: أي يُقاتل معه الكفّار، والبغاة، والخوارج، وسائر أهل الفساد، والظلم مطلقًا.
وَقَالَ القرطبيّ: معنى: "منْ ورائه" أي أمامه، ووراءُ منْ الأضداد، يقال بمعنى خلفُ، وبمعنى أمام، وعلى هَذَا حمل أكثر المفسّرين قوله تعالى: ﴿وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ﴾ الآية [الكهف: ٧٩] أي أمامهم، وأنشدوا قول الشاعر [منْ الطويل]:
أَتَرْجُو بَنُو مَرْوَانَ سَمْعِي وَطَاعَتِي … وَقَوْمِي تَمِيمٌ والْفَلاةُ وَرَائِيَا
وأصله أن كلّ ما توارى عنك، أي غاب، فهو وراء. وهذا خبرٌ منه صلّى الله تعالى عليه وسلم عن المشروعيّة، فكأنه قَالَ: الذي يجب، أو يتعيّن أن يُقاتل أمام الإِمام، ولا يُترك يُباشر القتال بنفسه؛ لما فيه منْ تعرّضه للهلاك، فيَهلِك كلُّ منْ معه، ويكفي دليلاً فِي هَذَا المعنى تغبيةُ (٣) رسول الله صلّى الله تعالى عليه وسلم أصحابُه يوم بدر وغيره، فإنه صلّى الله تعالى عليه وسلم كَانَ فِي العرِيش فِي القلب، والمقاتلة أمامه.
قَالَ: وَقَدْ تضمّن هَذَا اللفظ عَلَى إيجازه أمرين: كون الإِمام يُقتدى برأيه، ويُقاتل بين يديه، فهما خبران عن أمرين متغايرين، وهذا أحسن ما قيل فِي هَذَا الحديث, عَلَى أن ظاهره أنه يكون امام الناس فِي القتال وغيره، وليس الأمر كذلك، بل كما بيَّنَّاه. والله تعالى أعلم. انتهى ببعض تصرّف (٤).
стр. 15961
وَقَالَ السنديّ رحمه الله تعالى: قيل: المراد أنه يقاتل قُدّامه، فـ"وراءه" هاهنا بمعنى "أمام"، ولا يُترك يباشر القتال بنفسه؛ لما فيه منْ تعرّضه للهلاك، وفيه هلاك الكلّ. قَالَ: وهذا لا يناسب التشبيه بالجُنّة، مع كونه خلاف ظاهر اللفظ فِي نفسه، فالوجه أن المراد أنه يُقاتل عَلَى وفق رأيه، وأمره، ولا يُختلَف عليه فِي القتال. والله تعالى أعلم.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: هَذَا الذي قاله السنديّ فِي معنى "منْ ورائه" حسنٌ جدًا. والله تعالى أعلم.
(وَيُتَّقَى بِهِ) أي يُعتصم برأيه، أو يَلتجىء إليه منْ يَحتاج إلى ذلك. وَقَالَ النوويّ: التاء مبدلة منْ الواو؛ لأن أصلها منْ الوقاية. انتهى (فَإِنْ أَمَرَ بِتَقْوَى اللَّهِ وَعَدَلَ فَإِنَّ لَهُ بِذَلِكَ أَجْرًا) أي أجرًا عظيمًا، فالتنوين للتعظيم، وَقَالَ القرطبيّ: سكت عن الصفة للعلم بها، وَقَدْ دلّ عَلَى ذلك قوله صلّى الله تعالى عليه وسلم: "إن المقسطين عَلَى منابر منْ نور" الحديث، رواه مسلم، وقوله صلّى الله تعالى عليه وسلم فِي السبعة الذين يُظلّهم الله فِي ظلّه: "وإمام عادلٌ". متفقٌ عليه (وَإِنْ أَمَرَ بِغَيْرِهِ، فَإِنَّ عَلَيْهِ وِزْرًا) أي أمر بجور، كَانَ عليه الحظّ الأكبر منْ إثم الجور. وفي رواية مسلم: "كَانَ عليه منه" بـ"منْ"، قَالَ القرطبيّ: و"منْ" هنا للتبعيض، أي لا يختصّ هو بالإثم، بل المنفّذ لذلك الجور يكون عليه أيضًا حظّه منْ الإثم، والراضي به، فالكلّ يشتركون فِي إثم الجور، غير أن الإِمام أعظمهم حظًا منه؛ لأنه ممضيه، وحاملٌ عليه. انتهى (١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): فِي درجته:
حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه هَذَا متَّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -٣٠/ ٤١٩٩ - وفي "الكبرى" ٣٤/ ٧٨١٩. وأخرجه (خ) فِي "الجهاد" ٢٩٥٧ و"الأحكام" ٧١٣٧ (م) فِي "الإمارة" ٣٤٢٨ (د) فِي "الجهاد" ٢٧٥٧ (أحمد) فِي "باقي مسند المكثرين" ١٠٣٩٨. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): فِي فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان ما يجب للإمام، وما يجب
стр. 15962
عليه، فقد بيّن صلّى الله تعالى عليه وسلم أنه يجب أن يجعل جُنّةً يُستتر به منْ الشرِّ والفساد، وتنظيم أمور العباد، وأنه يجب أن يقاتل دونه، فلا يُترك عُرضة للهلاك، وأنه إن عدل فده الأجر العظيم، وإلا فعليه الوزر العظيم. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
٣١ - (النَّصِيحَةِ لِلإِمَامِ)
٤٢٠٠ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ: سَأَلْتُ سُهَيْلَ بْنَ أَبِي صَالِحٍ، قُلْتُ: حَدَّثَنَا عَمْرٌو، عَنِ الْقَعْقَاعِ، عَنْ أَبِيكَ، قَالَ: أَنَا سَمِعْتُهُ مِنَ الَّذِي حَدَّثَ أَبِي، حَدَّثَهُ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ، يُقَالُ لَهُ: عَطَاءُ بْنُ يَزِيدَ، عَنْ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّمَا الدِّينُ النَّصِيحَةُ"، قَالُوا: لِمَنْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: "لِلَّهِ، وَلِكِتَابِهِ، وَلِرَسُولِهِ، وَلأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ، وَعَامَّتِهِمْ").
رجال هَذَا الإسناد: خمسة:
١ - (محمّد بن منصور) الجوّاز المكيّ، ثقة [١٠] ٢١/ ٢٢.
٢ - (سفيان) بن عُيينة المكيّ الإِمام الحجة الثبت [٨] ١/ ١.
٣ - (سُهيل بن أبي صالح) ذكوان المدنيّ، صدوق تغير بآخره [٦] ٣٢/ ٨٢٠.
٤ - (عطاء بن يزيد) الليثي الجندعيّ المدنيّ، نزيل الشام، ثقة [٤] ٢٠/ ٢١.
٥ - (تميم الداريّ) هو تميم بن أوس بن حارثة، وقيل: خارجة بن سُود، وقيل: سواد بن جَذِيمة بن وداع، ويقال: ذراع بن عديّ بن الدار بن هانىء بن حبيب بن نُمارة ابن لَخْم، أبو رُقيّة الداريّ، مشهور فِي الصحابة، كَانَ نصرانيًا، وقدم المدينة، فأسلم، وذكر للنبيّ صلّى الله تعالى عليه وسلم قصّة الجسّاسة، والدجال، فحدّث النبيّ صلّى الله تعالى عليه وسلم عنه بذلك عَلَى المنبر، وعُدّ ذلك منْ مناقبه، ومن رواية الأكابر عن الأصاغر. قَالَ ابن السكن: أسلم سنة تسع هو، وأخوه نُعيم، ولهما صحبة. وَقَالَ ابن إسحاق: قدم المدينة، وغزا مع النبيّ صلّى الله تعالى عليه وسلم. وَقَالَ أبو نُعيم: كَانَ واهب أهل عصره، وعابد فلسطين. قَالَ يعقوب بن سفيان: لم يكن له ذَكَرٌ، وإنما كانت له ابنة، تُسمّى رُقيّة. وَقَالَ ابن سُميع: مات بالشام، ولا عقب له. وَقَالَ قتادة:
стр. 15963
كَانَ منْ علماء أهل الكتابين. وَقَالَ ابن سيرين: كَانَ يختم فِي ركعة، قام بآية حتى أصبح، وهي ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ﴾ الآية [الجاثية: ٢١]. رواه البغويّ فِي "الجعديّات" بإسناد صحيح إلى مسروق، قَالَ: قَالَ لي رجل منْ أهل مكة: هَذَا مقام أخيك تميم، فذكره. وهو أول منْ أسرج السراج فِي المسجد. رواه الطبرانيّ منْ حديث أبي هريرة، وأول منْ قصّ، وذلك فِي عهد عمر، رواه إسحاق بن راهويه، وابن أبي شيبة. وانتقل إلى الشام بعد قتل عثمان رضي الله تعالى عنه، وسكن فلسطين، وكان النبيّ صلّى الله تعالى عليه وسلم أقطعه بها قرية عينون، روي ذلك منْ طرق كثيرة. قيل: وُجد عَلَى قبره أنه مات سنة (٤٠). قَالَ ابن حبّان: مات بالشام، وقبره بيت جِبرين منْ بلاد فلسطين (١). علّق له البخاريّ، وروى له الباقون، وله عند المصنّف حديث الباب فقط (٢). والله تعالى أعلم.
لطائف هَذَا الإسناد:
(منها): أنه منْ خماسيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه منْ أفراده. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين منْ سهيل. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
عن سفيان بن عيينة، أنه (قَالَ: سَأَلْتُ سُهَيْلَ بْنَ أَبِى صَالِحٍ) اسم أبيه ذكران (قُلْتُ: حَدَّثَنَا عَمْرٌو) بن دينار، أبو محمّد الأثرم الْجُمَحيّ مولاهم المكيّ، ثقة ثبت [٤] ١١٢/ ١٥٤ (عَنِ الْقَعْقَاعِ) بن حكيم الكنانيّ المدنيّ، ثقة [٤] ٣٦/ ٤٠ (عَنْ أَبِيكَ) أبي صالح/ ذكرن السمّان الزّيّات، كَانَ يجلب الزيت إلى الكوفة، ثقة ثبت [٣] ٣٦/ ٤٠.
زاد فِي رواية مسلم: "ورجوت أن يُسقط عنّي رجلاً". والمعنى: أن سفيان أراد أن يحدّثه عن أبيه، فيعلو بدرجة، حيث إنه روى الحديث عن عمرو بن دينار، عن القعقاع ابن حكيم، عن أبي صالح، فبينه وبين أبي صالح واسطتان، فأراد أن يكون بينه وبينه واسطة واحدة، وهو سهيل. (قَالَ) سُهيل (أَنَا سَمِعْتُهُ مِنَ الَّذِى حَدَّثَ أَبِي) يعني أنه سمع هَذَا الحديث مع أبيه،
стр. 15964
فصار مشاركًا لأبيه فِي السماع عن عطاء بن يزيد، فحصل لسفيان أن أسقط عنه ثلاثة: عمرًا، والقعقاع، وأبا صالح، فصار عاليًا بدرجتين، حيث وصل إلى عطاء بواسطة واحدة، بدلاً منْ ثلاث وسائط (حَدَّثَهُ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ، يُقَالُ لَهُ: عَطَاءُ بْنُ يَزِيدَ) الليثي (عَنْ تَمِيمٍ) ابن أوس رضي الله تعالى عنه (الدَّارِيِّ) نسبة إلى أحد أجداده، وهو دار بن هانىء، كما تقدّم فِي نسبه (١) (قَالَ) تميم رضي الله تعالى عنه (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّمَا الدِّينُ النَّصِيحَةُ") تقدّم معنى النصيحة، واشتقاقها، وما قَالَ العلماء فيها فِي ٦/ ٤١٥٨ - فراجعه تستفد.
والْمَعْنَى أن عِمَادَ الدِّين، وقِوَامَهُ النَّصِيحةُ، كقولِهِ: "الْحَجُّ عَرَفَة": أيْ عِماده، ومُعْظَمه عَرَفَة. انتهى (٢).
(قالُوا) أي الصحابة الحاضرون عند النبيّ صلّى الله تعالى عليه وسلم حينما تكلّم بهذا الحديث (لِمَنْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟) أي النصيحة التي ذكرت أنها الدين كلّه لأي شخص تكون؟ (قَالَ) صلّى الله تعالى عليه وسلم (لِلَّهِ) معنى النصِيحة لِلَّهِ تعالى، مُنْصَرِفٌ إِلى الإيمان بِهِ، ونفيِ الشرِيكِ عنهُ، وتركِ الإلحاد فِي صفاته، ووصفِهِ بِصِفاتِ الكمال والجلال كُلّهَا، وتنزِيهه منْ جمِيع النَّقائِص، والقِيام بِطاعتِهِ، واجتِناب معصِيته، والحُبّ فِيهِ، والبُغْض فِيهِ، ومُوالاة منْ أطَاعَهُ، ومُعَادَاة منْ عصاهُ، وجِهَاد مَنْ كفر بِهِ، والِاعتِراف بِنِعمتِهِ، وشُكْره عَلَيْهَا، والإخْلاص فِي جَمِيع الأُمُور، والدُّعَاءُ إِلى جميع الأوصاف المَذْكُورة، والحَثّ عليها، والتَّلطُف فِي جمع النَّاس، أو منْ أمكن مِنهُم عليها. قَالَ الخَطَّابِيّ ﵀: وَحَقِيقةُ هذِهِ الإضَافَة، رَاجِعَة إِلى العبد فِي نُصْحه نفسه، فالله تعالى غنِيٌّ، عن نُصْحِ النَّاصِح. انتهى.
(وَلِكِتَابِهِ) معنى النصِيحة لِكِتابِهِ ، فهو الإيمان بِأنَّهُ كلام الله تعالى، وتنزِيله، غير مخلوق، ولا يُشْبِههُ شَيْءٌ منْ كلام الخلق، ولا يقدِر عَلَى مِثله أحد منْ الخلق، ثُمَّ تَعْظِيمه، وتِلاوته حَقّ تِلاوته، وتَحْسِينُها، والخُشُوع عِندها، وإِقامة حُرُوفه فِي التِّلاوة، والذَّب عنهُ لِتأْوِيلِ المُحَرِّفِين، وتعرُّض الطَّاعِنِين، والتَّصْدِيق بِما فِيهِ، والوُقُوف مع أحكامه، وتَفَهُّم عُلُومه وأمْثَاله، والِاعتِبار بِمواعِظِهِ، والتَّفكُر فِي عَجَائِبه، والعَمَل بِمُحْكَمِهِ، والتَّسْليم لِمُتَشَابهِهِ، والبَحْث عن عُمُومه وخُصُوصه، ونَاسِخه وَمَنْسُوخه، وَنَشْر عُلُومه، والدُّعَاء إِليهِ، وإلى ما ذَكَرْنا منْ نَصِيحَته.