وَقَالَ السنديّ رحمه الله تعالى: قيل: المراد أنه يقاتل قُدّامه، فـ"وراءه" هاهنا بمعنى "أمام"، ولا يُترك يباشر القتال بنفسه؛ لما فيه منْ تعرّضه للهلاك، وفيه هلاك الكلّ. قَالَ: وهذا لا يناسب التشبيه بالجُنّة، مع كونه خلاف ظاهر اللفظ فِي نفسه، فالوجه أن المراد أنه يُقاتل عَلَى وفق رأيه، وأمره، ولا يُختلَف عليه فِي القتال. والله تعالى أعلم.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: هَذَا الذي قاله السنديّ فِي معنى "منْ ورائه" حسنٌ جدًا. والله تعالى أعلم.
(وَيُتَّقَى بِهِ) أي يُعتصم برأيه، أو يَلتجىء إليه منْ يَحتاج إلى ذلك. وَقَالَ النوويّ: التاء مبدلة منْ الواو؛ لأن أصلها منْ الوقاية. انتهى (فَإِنْ أَمَرَ بِتَقْوَى اللَّهِ وَعَدَلَ فَإِنَّ لَهُ بِذَلِكَ أَجْرًا) أي أجرًا عظيمًا، فالتنوين للتعظيم، وَقَالَ القرطبيّ: سكت عن الصفة للعلم بها، وَقَدْ دلّ عَلَى ذلك قوله صلّى الله تعالى عليه وسلم: "إن المقسطين عَلَى منابر منْ نور" الحديث، رواه مسلم، وقوله صلّى الله تعالى عليه وسلم فِي السبعة الذين يُظلّهم الله فِي ظلّه: "وإمام عادلٌ". متفقٌ عليه (وَإِنْ أَمَرَ بِغَيْرِهِ، فَإِنَّ عَلَيْهِ وِزْرًا) أي أمر بجور، كَانَ عليه الحظّ الأكبر منْ إثم الجور. وفي رواية مسلم: "كَانَ عليه منه" بـ"منْ"، قَالَ القرطبيّ: و"منْ" هنا للتبعيض، أي لا يختصّ هو بالإثم، بل المنفّذ لذلك الجور يكون عليه أيضًا حظّه منْ الإثم، والراضي به، فالكلّ يشتركون فِي إثم الجور، غير أن الإِمام أعظمهم حظًا منه؛ لأنه ممضيه، وحاملٌ عليه. انتهى (١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): فِي درجته:
حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه هَذَا متَّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -٣٠/ ٤١٩٩ - وفي "الكبرى" ٣٤/ ٧٨١٩. وأخرجه (خ) فِي "الجهاد" ٢٩٥٧ و"الأحكام" ٧١٣٧ (م) فِي "الإمارة" ٣٤٢٨ (د) فِي "الجهاد" ٢٧٥٧ (أحمد) فِي "باقي مسند المكثرين" ١٠٣٩٨. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): فِي فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان ما يجب للإمام، وما يجب
стр. 15962
عليه، فقد بيّن صلّى الله تعالى عليه وسلم أنه يجب أن يجعل جُنّةً يُستتر به منْ الشرِّ والفساد، وتنظيم أمور العباد، وأنه يجب أن يقاتل دونه، فلا يُترك عُرضة للهلاك، وأنه إن عدل فده الأجر العظيم، وإلا فعليه الوزر العظيم. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
٣١ - (النَّصِيحَةِ لِلإِمَامِ)
٤٢٠٠ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ: سَأَلْتُ سُهَيْلَ بْنَ أَبِي صَالِحٍ، قُلْتُ: حَدَّثَنَا عَمْرٌو، عَنِ الْقَعْقَاعِ، عَنْ أَبِيكَ، قَالَ: أَنَا سَمِعْتُهُ مِنَ الَّذِي حَدَّثَ أَبِي، حَدَّثَهُ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ، يُقَالُ لَهُ: عَطَاءُ بْنُ يَزِيدَ، عَنْ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّمَا الدِّينُ النَّصِيحَةُ"، قَالُوا: لِمَنْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: "لِلَّهِ، وَلِكِتَابِهِ، وَلِرَسُولِهِ، وَلأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ، وَعَامَّتِهِمْ").
رجال هَذَا الإسناد: خمسة:
١ - (محمّد بن منصور) الجوّاز المكيّ، ثقة [١٠] ٢١/ ٢٢.
٢ - (سفيان) بن عُيينة المكيّ الإِمام الحجة الثبت [٨] ١/ ١.
٣ - (سُهيل بن أبي صالح) ذكوان المدنيّ، صدوق تغير بآخره [٦] ٣٢/ ٨٢٠.
٤ - (عطاء بن يزيد) الليثي الجندعيّ المدنيّ، نزيل الشام، ثقة [٤] ٢٠/ ٢١.
٥ - (تميم الداريّ) هو تميم بن أوس بن حارثة، وقيل: خارجة بن سُود، وقيل: سواد بن جَذِيمة بن وداع، ويقال: ذراع بن عديّ بن الدار بن هانىء بن حبيب بن نُمارة ابن لَخْم، أبو رُقيّة الداريّ، مشهور فِي الصحابة، كَانَ نصرانيًا، وقدم المدينة، فأسلم، وذكر للنبيّ صلّى الله تعالى عليه وسلم قصّة الجسّاسة، والدجال، فحدّث النبيّ صلّى الله تعالى عليه وسلم عنه بذلك عَلَى المنبر، وعُدّ ذلك منْ مناقبه، ومن رواية الأكابر عن الأصاغر. قَالَ ابن السكن: أسلم سنة تسع هو، وأخوه نُعيم، ولهما صحبة. وَقَالَ ابن إسحاق: قدم المدينة، وغزا مع النبيّ صلّى الله تعالى عليه وسلم. وَقَالَ أبو نُعيم: كَانَ واهب أهل عصره، وعابد فلسطين. قَالَ يعقوب بن سفيان: لم يكن له ذَكَرٌ، وإنما كانت له ابنة، تُسمّى رُقيّة. وَقَالَ ابن سُميع: مات بالشام، ولا عقب له. وَقَالَ قتادة:
стр. 15963
كَانَ منْ علماء أهل الكتابين. وَقَالَ ابن سيرين: كَانَ يختم فِي ركعة، قام بآية حتى أصبح، وهي ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ﴾ الآية [الجاثية: ٢١]. رواه البغويّ فِي "الجعديّات" بإسناد صحيح إلى مسروق، قَالَ: قَالَ لي رجل منْ أهل مكة: هَذَا مقام أخيك تميم، فذكره. وهو أول منْ أسرج السراج فِي المسجد. رواه الطبرانيّ منْ حديث أبي هريرة، وأول منْ قصّ، وذلك فِي عهد عمر، رواه إسحاق بن راهويه، وابن أبي شيبة. وانتقل إلى الشام بعد قتل عثمان رضي الله تعالى عنه، وسكن فلسطين، وكان النبيّ صلّى الله تعالى عليه وسلم أقطعه بها قرية عينون، روي ذلك منْ طرق كثيرة. قيل: وُجد عَلَى قبره أنه مات سنة (٤٠). قَالَ ابن حبّان: مات بالشام، وقبره بيت جِبرين منْ بلاد فلسطين (١). علّق له البخاريّ، وروى له الباقون، وله عند المصنّف حديث الباب فقط (٢). والله تعالى أعلم.
لطائف هَذَا الإسناد:
(منها): أنه منْ خماسيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه منْ أفراده. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين منْ سهيل. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
عن سفيان بن عيينة، أنه (قَالَ: سَأَلْتُ سُهَيْلَ بْنَ أَبِى صَالِحٍ) اسم أبيه ذكران (قُلْتُ: حَدَّثَنَا عَمْرٌو) بن دينار، أبو محمّد الأثرم الْجُمَحيّ مولاهم المكيّ، ثقة ثبت [٤] ١١٢/ ١٥٤ (عَنِ الْقَعْقَاعِ) بن حكيم الكنانيّ المدنيّ، ثقة [٤] ٣٦/ ٤٠ (عَنْ أَبِيكَ) أبي صالح/ ذكرن السمّان الزّيّات، كَانَ يجلب الزيت إلى الكوفة، ثقة ثبت [٣] ٣٦/ ٤٠.
زاد فِي رواية مسلم: "ورجوت أن يُسقط عنّي رجلاً". والمعنى: أن سفيان أراد أن يحدّثه عن أبيه، فيعلو بدرجة، حيث إنه روى الحديث عن عمرو بن دينار، عن القعقاع ابن حكيم، عن أبي صالح، فبينه وبين أبي صالح واسطتان، فأراد أن يكون بينه وبينه واسطة واحدة، وهو سهيل. (قَالَ) سُهيل (أَنَا سَمِعْتُهُ مِنَ الَّذِى حَدَّثَ أَبِي) يعني أنه سمع هَذَا الحديث مع أبيه،
стр. 15964
فصار مشاركًا لأبيه فِي السماع عن عطاء بن يزيد، فحصل لسفيان أن أسقط عنه ثلاثة: عمرًا، والقعقاع، وأبا صالح، فصار عاليًا بدرجتين، حيث وصل إلى عطاء بواسطة واحدة، بدلاً منْ ثلاث وسائط (حَدَّثَهُ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ، يُقَالُ لَهُ: عَطَاءُ بْنُ يَزِيدَ) الليثي (عَنْ تَمِيمٍ) ابن أوس رضي الله تعالى عنه (الدَّارِيِّ) نسبة إلى أحد أجداده، وهو دار بن هانىء، كما تقدّم فِي نسبه (١) (قَالَ) تميم رضي الله تعالى عنه (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّمَا الدِّينُ النَّصِيحَةُ") تقدّم معنى النصيحة، واشتقاقها، وما قَالَ العلماء فيها فِي ٦/ ٤١٥٨ - فراجعه تستفد.
والْمَعْنَى أن عِمَادَ الدِّين، وقِوَامَهُ النَّصِيحةُ، كقولِهِ: "الْحَجُّ عَرَفَة": أيْ عِماده، ومُعْظَمه عَرَفَة. انتهى (٢).
(قالُوا) أي الصحابة الحاضرون عند النبيّ صلّى الله تعالى عليه وسلم حينما تكلّم بهذا الحديث (لِمَنْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟) أي النصيحة التي ذكرت أنها الدين كلّه لأي شخص تكون؟ (قَالَ) صلّى الله تعالى عليه وسلم (لِلَّهِ) معنى النصِيحة لِلَّهِ تعالى، مُنْصَرِفٌ إِلى الإيمان بِهِ، ونفيِ الشرِيكِ عنهُ، وتركِ الإلحاد فِي صفاته، ووصفِهِ بِصِفاتِ الكمال والجلال كُلّهَا، وتنزِيهه منْ جمِيع النَّقائِص، والقِيام بِطاعتِهِ، واجتِناب معصِيته، والحُبّ فِيهِ، والبُغْض فِيهِ، ومُوالاة منْ أطَاعَهُ، ومُعَادَاة منْ عصاهُ، وجِهَاد مَنْ كفر بِهِ، والِاعتِراف بِنِعمتِهِ، وشُكْره عَلَيْهَا، والإخْلاص فِي جَمِيع الأُمُور، والدُّعَاءُ إِلى جميع الأوصاف المَذْكُورة، والحَثّ عليها، والتَّلطُف فِي جمع النَّاس، أو منْ أمكن مِنهُم عليها. قَالَ الخَطَّابِيّ ﵀: وَحَقِيقةُ هذِهِ الإضَافَة، رَاجِعَة إِلى العبد فِي نُصْحه نفسه، فالله تعالى غنِيٌّ، عن نُصْحِ النَّاصِح. انتهى.
(وَلِكِتَابِهِ) معنى النصِيحة لِكِتابِهِ ، فهو الإيمان بِأنَّهُ كلام الله تعالى، وتنزِيله، غير مخلوق، ولا يُشْبِههُ شَيْءٌ منْ كلام الخلق، ولا يقدِر عَلَى مِثله أحد منْ الخلق، ثُمَّ تَعْظِيمه، وتِلاوته حَقّ تِلاوته، وتَحْسِينُها، والخُشُوع عِندها، وإِقامة حُرُوفه فِي التِّلاوة، والذَّب عنهُ لِتأْوِيلِ المُحَرِّفِين، وتعرُّض الطَّاعِنِين، والتَّصْدِيق بِما فِيهِ، والوُقُوف مع أحكامه، وتَفَهُّم عُلُومه وأمْثَاله، والِاعتِبار بِمواعِظِهِ، والتَّفكُر فِي عَجَائِبه، والعَمَل بِمُحْكَمِهِ، والتَّسْليم لِمُتَشَابهِهِ، والبَحْث عن عُمُومه وخُصُوصه، ونَاسِخه وَمَنْسُوخه، وَنَشْر عُلُومه، والدُّعَاء إِليهِ، وإلى ما ذَكَرْنا منْ نَصِيحَته.
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): فِي درجته:
حديث تميم الداري رضي الله تعالى عنه هَذَا أخرجه مسلم.
(المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -٣١/ ٤٢٠٠ و٤٢٠١ - وفي "الكبرى" ٣٥/ ٧٨٢٠ و٧٨٢١. وأخرجه (م) فِي "الإيمان" ٨٢ (د) فِي "الأدب" ٤٩٤٤ (أحمد) فِي "مسند الشاميين" ١٦٤٩٣. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): فِي فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو وجوب النصيحة للإمام، وَقَدْ تقدم آنفًا معنى النصيحة للأئمة. (ومنها): ما قاله النوويّ رحمه الله تعالى: هَذَا حدِيث عظِيم الشَّأن، وعليهِ مدار الإسلام، وأما ما قالهُ جماعات، منْ العُلماء: إنهُ أحد أرباع الإسلام، أي أحد الأحادِيث الأربعة، الَّتِي تَجمع أمُور الإسلام، فليس كما قالُوهُ، بل المدارُ عَلَى هَذَا وحدهُ.
(ومنها): ما قاله ابنُ بطال ﵀ فِي هَذَا الحديث: أنَّ النَّصِيحة تُسَمَّى دِينًا، وإسلامًا، وأنَّ الدِّين يقع عَلَى العمل كما يقع عَلَى القَوْل. قَالَ: والنَّصِيحة فرضٌ يُجْزِي فِيهِ منْ قام بِهِ، ويسقُط عن الباقِين. قَالَ: والنصِيحة لازِمة عَلَى قَدْر الطَّاقة، إِذَا عَلِمَ النَّاصِحُ أنَّهُ يُقبل نُصحه، ويُطاع أمرُهُ، وأمِن عَلَى نَفْسه المكرُوه، فإِن خَشِي عَلَى نفسه أذًى، فهُو فِي سَعَةٍ. والله أعْلم. انتهى (١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٢٠١ - (حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّمَا الدِّينُ النَّصِيحَةُ"، قَالُوا: لِمَنْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: "لِلَّهِ، وَلِكِتَابِهِ، وَلِرَسُولِهِ، وَلأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ، وَعَامَّتِهِمْ").
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا غير مرّة.
و"يعقوب بن إبراهيم": هو الدَّوْرقيّ. و"عبد الرحمن": هو ابن مهديّ. و"سفيان": هو الثوريّ.
стр. 15967
وشرح الحديث، وبيان مسائله، تقدما فِي الذي قبله. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٢٠٢ - (أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعَيْبُ بْنُ اللَّيْثِ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنِ ابْنِ عَجْلَانَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنِ الْقَعْقَاعِ بْنِ حَكِيمٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: "إِنَّ الدِّينَ النَّصِيحَةُ، إِنَّ الدِّينَ النَّصِيحَةُ، إِنَّ الدِّينَ النَّصِيحَةُ"، قَالُوا: لِمَنْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: "لِلَّهِ، وَلِكِتَابِهِ، وَلِرَسُولِهِ، وَلأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ، وَعَامَّتِهِمْ").
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا، غير مرّة. "والربيع بن سليمان": هو المراديّ المؤذّن المصريّ. و"ابن عجلان": هو محمّد مولى أبي فاطمة المدنيّ.
وقوله صلّى الله تعالى عليه وسلم: "إن الدين النصيحة"، وكرّره ثلاثاً، تأكيدًا، وتنويهًا بعلوّ شأن النصيحة.
وحديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه هَذَا صحيح، أخرجه المصنّف هنا -٣١/ ٤٢٠٢ و٤٢٣ - وفي "الكبرى" ٣٥/ ٧٨٢٢ و٧٨٢٣. وأخرجه (ت) فِي "البرّ والصلة" ١٩١٦. وشرحه، وفوائده تعلم مما سبق فِي حديث تميم الداريّ رضي الله تعالى عنه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٢٠٣ - (أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْقُدُّوسِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْكَبِيرِ بْنِ شُعَيْبِ بْنِ الْحَبْحَابِ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَهْضَمٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنِ ابْنِ عَجْلَانَ، عَنِ الْقَعْقَاعِ بْنِ حَكِيمٍ، وَعَنْ سُمَيٍّ، وَعَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مِقْسَمٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "الدِّينُ النَّصِيحَةُ"، قَالُوا: لِمَنْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: "لِلَّهِ، وَلِكِتَابِهِ، وَلِرَسُولِهِ، وَلأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ، وَعَامَّتِهِمْ").
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا، غير:
١ - (عبد القدّوس) بن محمّد بن عبد الكبير بن شُعيب بن الْحَبْحاب، أبو بكر الحبحابيّ المِعوليّ العطّار البصريّ، صدوق [١١].
قَالَ أبو حاتم: صدوقٌ. وَقَالَ النسائيّ: ثقة. وذكره ابن حبّان فِي "الثقات". وَقَالَ مسلمة: لا بأس به. روى عنه الجماعة، سوى مسلم، وأبي داود، روى عنه البخاريّ أربعة أحاديث، وروى عنه المصنّف فِي هَذَا الكتاب هَذَا الحديث فقط.
стр. 15968
و"محمّد بن جهضم": هو الثقفيّ، أبو جعفر البصريّ، خراسانيّ الأصل، صدوقٌ [١٠] ٦٠/ ١٧٧٠. و"إسماعيل بن جعفر": هو ابن أبي كثير الأنصاريّ المدنيّ، ثقة ثبت [٨] ١٦/ ١٧. و"سُميّ": هو مولى أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام المدنيّ، ثقة [٦] ٢٢/ ٥٤٠. و"عبيد الله بن مِقسم": هو المدنيّ، ثقة مشهور [٤] ٦٦/ ١٩٢٢.
والحديث صحيح، وَقَدْ سبق البحث فيه فِي الذي قبله. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
٣٢ - (بِطَانَةِ الإِمَامِ)
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "بِطانة" الرجل -بكسر الباء الموحدة، وتخفيف الطاء المهملة-: صاحب سرّه، وداخلةُ أمره الذي يُشاوره فِي أحواله. قاله فِي "اللسان".
وَقَالَ الإِمام البخاريّ رحمه الله تعالى فِي "صحيحه": البطانة الدُّخَلاءُ. انتهى. قَالَ فِي " الفتح": هَذَا قول أبي عُبيدة، قَالَ فِي قوله تعالى: ﴿لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا﴾ الآية [آل عمران: ١١٨]: البطانة الدُّخلاء، والخبال الشرّ. انتهى. والدُّخَلاءُ بضمّ، ثم فتح: جمع دَخِيل: وهو الذي يدخل عَلَى الرئيس فِي مكان خلوته، ويُفضي إليه بسرّه، ويصدقه فيما يُخبره به، مما يخفى عليه منْ أمر رعيّته، ويَعمل بمقتضاه. انتهى (١).
وَقَالَ الزجّاج: البطانة الدُّخَلاء الذين يُنبسط إليهم، ويُستبطنون، يقال: فلانٌ بطانة لفلان: أي مداخلٌ له مؤانسٌ، والمعنى أن المؤمنين نهُوا أن يتّخذوا المنافقين خاصّتهم، وأن يُفضوا إليهم أسرارهم. ذكره فِي "اللسان". والله تعالى أعلم بالصواب.
٤٢٠٤ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُعَمَّرُ بْنُ يَعْمَرَ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُعَاوِيَةُ بْنُ سَلاَّمٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي الزُّهْرِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَا مِنْ وَالٍ، إِلاَّ وَلَهُ بِطَانَتَانِ: بِطَانَةٌ تَأْمُرُهُ
стр. 15969
بِالْمَعْرُوفِ، وَتَنْهَاهُ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَبِطَانَةٌ لَا تَأْلُوهُ خَبَالاً، فَمَنْ وُقِيَ شَرَّهَا، فَقَدْ وُقِيَ، وَهُوَ مِنَ الَّتِي تَغْلِبُ عَلَيْهِ مِنْهُمَا").
رجال هَذَا الإسناد: ستة:
١ - (محمّد بن يحيى بن عبد الله) بن خالد الذُّهْليّ النيسابوريّ، ثقة حافظ جليل [١١] ١٩٦/ ٣١٤.
٢ - (مُعَمّر -بتشديد الميم الثانية، بوزن محمّد- ابن يعمر) -بِفَتْحِ أوَّله، وَسُكُون المُهملة- الليثيّ، أبو عامر الدمشقيّ، مقبول، منْ كبار [١٠].
روى عن معاوية بن صالح. وعنه العبّاس بن الوليد بن صبح الخلال، ومحمد بن خلف الداريّ، وأحمد بن يوسف السلميّ، ومحمد بن يحيى الذهليّ. ذكره ابن حبّان فِي "الثقات"، وَقَالَ: يغرب. وَقَالَ ابن القطّان: مجهول الحال. تفرد به المصنّف بهذا الحديث فقط.
٣ - (معاوية بن سلّام) -بتشديد اللام- ابن أبي سلّام، أبو سلّام الدمشقيّ، وكان يسكن حمص، ثقة [٧] ١٣/ ١٤٧٩.
٤ - (الزهريّ) محمّد بن مسلم الإِمام المدنيّ الحافظ الحجة الثبت [٤] ١/ ١.
٥ - (أبو سلمة بن عبد الرحمن) بن عوف الزهريّ المدنيّ، ثقة فقيه [٣] ١/ ١.
٦ - (أبو هريرة) رضي الله تعالى عنه ١/ ١. والله تعالى أعلم.
لطائف هَذَا الإسناد:
(منها): أنه منْ سداسيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير مُعَمَّر، فإنه منْ أفراده، كما سبق آنفًا. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين منْ الزهريّ. (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وفيه أبو هريرة ﵁ منْ المكثرين السبعة، روى (٥٣٧٤) حديثًا. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رضي الله تعالى عنه، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَا مِنْ) زائدة (وَالٍ) وفي حديث أبي سعيد الآتي بعد هَذَا: "ما بعث الله منْ نبيّ، ولا استخلف منْ خليفة" (إِلاَّ وَلَهُ بِطَانَتَانِ) البطانة بكسر الموحدة: اسم جنس، يشمل الواحد، والجماعة، والمراد منْ يَطَّلِعُ عَلَى باطن حال الكبير، منْ أتباعه (بِطَانَةٌ تَأْمُرُهُ بِالْمَعْرُوفِ، وَتَنْهَاهُ عَنِ الْمُنْكَرِ) هَذَا تفسير لما يأتي فِي حديث أبي سعيد الخدريّ رضىِ الله تعالى عنه بعد هَذَا بلفظ: "بطانة تأمره بالخير" (وَبِطَانَةٌ لَا تَأْلُوهُ) أي تقصّر فيه، منْ باب عدا،
стр. 15970
وسَمَا، يقال: ألا فِي الأمر: إذا قصّر فيه، ثم استُعمل معدّى إلى مفعولين فِي قولهم: لا آلوك نصحًا، ولا آلوك جُهدًا عَلَى تضمين معنى المنع والنقص (١) (خَبَالاً) بفتح الخاء المعجمة، وهو الفساد، وأصله ما يلحق الحيوان منْ مرض، وفُتور، فيورثه فسادًا، واضطرابًا، يقال: خبَله، منْ باب ضرب، وخبّله، بالتشديد، فهو خابل، ومُخبّل، وذاك مخبولٌ، ومُخبّل. قاله السمين الحلبيّ. وهو منصوب عَلَى التمييز: أي لا تُقصّر له منْ جهة الفساد فِي أمره، يعني أنها لا تقصّر فِي إفساد أمره لعمل مصلحتهم، وقيل: كلّ منْ الضمير، و"خبالاً" منصوب بنزع الخافض، الأول باللام، والثاني بـ"فِي": أي لا يأن له فِي الخبال، وذلك لأن هذه المادّة لازمة، فلا يتعدّى الفعل إليها إلا بواسطة تضمينه المنع. انتهى (٢). والجملة صفة لـ"بطانة"، قَالَ فِي "الفتح": هو اقتباس منْ قوله تعالى: ﴿لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا﴾ [آل عمران: ١١٨].
ونقل ابن التين عن أشهب أنه ينبغي للحاكم أن يتّخذ منْ يستكشف له أحوال الناس فِي السرّ، وليكن ثقةً مأمونا، فطِنًا، عاقلاً؛ لأن المصيبة إنما تدخل عَلَى الحاكم المأمون منْ قبوله قول منْ لا يوثق به، إذا كَانَ هو حسن الظنّ به، فيجب عليه أن يتثبّت فِي مثل ذلك. انتهى.
(فَمَنْ وُقِيَ) بالبناء للمفعول. وقوله (شَرَّهَا) منصوب عَلَى المفعوليّة: أي حُفِظَ شرّ هذه البطانة التي لا تألوه خبالاً (فَقَدْ وُقِيَ) بالبناء للمفعول أيضاً: أي حُفظ منْ كلّ بلاء (وَهُوَ) أي ذلك الوالي الذي له بطانتان موصوفتان بالوصين المذكورين (مِن) الطائفة (الَّتِي تَغْلِبُ عَلَيْهِ مِنْهُمَا) يعني أنه منْ جنس الطائفة التي تغلب عليه، فإن غلبت عليه بطانة الخير، فهو منْ أهل الخير، وإن غلبت عليه بطانة الشرّ، فهو منْ أهل الشرّ. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه هَذَا صحيح، أخرجه المصنّف رحمه الله تعالى هنا -٣٢/ ٤٢٠٤ - وفي "الكبرى" ٣٦/ ٧٨٢٤ وفي "السير" ١٠٧/ ٨٧٥٦. وأخرجه (خ) تعليقًا فِي "كتاب الأحكام" ٧١٩٨. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٢٠٥ - (أَخْبَرَنَا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ أَخْبَرَنِي
стр. 15971
يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "مَا بَعَثَ اللَّهُ مِنْ نَبِيٍّ، وَلَا اسْتَخْلَفَ مِنْ خَلِيفَةٍ، إِلاَّ كَانَتْ لَهُ بِطَانَتَانِ: بِطَانَةٌ تَأْمُرُهُ بِالْخَيْرِ، وَبِطَانَةٌ تَأْمُرُهُ بِالشَّرِّ، وَتَحُضُّهُ عَلَيْهِ، وَالْمَعْصُومُ مَنْ عَصَمَ اللَّهُ ").
رجال هَذَا الإسناد: ستة:
١ - (يونس بن عبد الأعلى) بن ميسرة الصدفيّ، أبو موسى المصريّ، ثقة، منْ صغار [١٠] ١/ ٤٤٩.
١ - (ابن وهب) عبد الله القرشيّ مولاهم، أبو محمّد المصريّ، ثقة ثبت عابد [٩] ٩/ ٩.
٣ - (يونس) بن يزيد الأيليّ، أبو يزيد، ثقة [٧] ٩/ ٩.
٤ - (أبو سعيد) سعد بن مالك بن سنان الأنصاريّ الخدريّ الصحابيّ ابن الصحابيّ رضي الله تعالى عنهما ١٦٩/ ٢٦٢. والباقيان تقدما فِي السند الماضي. والله تعالى أعلم.
لطائف هَذَا الإسناد:
(منها): أنه منْ سداسيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أن نصفه الأول مسلسل بالمصريين، والثاني بالمدنيين. (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ. (ومنها): أن فيه أبا سعيد الخدريّ ﵁ منْ المكثرين السبعة، روى (١١٧٠) حديثَا. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ أَبِي سَعِيدٍ) الخدريّ رضي الله تعالى عنه (عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ) أنه (قَالَ: "مَا بَعَثَ اللهُ مِنْ) زائدة (نَبِيٍّ، وَلَا اسْتَخْلَفَ مِنْ خَلِيفَةٍ) وفِي رِواية صفوان بن سُلَيْم: "مَا بعث الله منْ نبِيّ، ولا بعدهُ منْ خَليفَة"، والمُراد بِبعثِ الْخَليفة استِخلافه، فهذه الرواية تبين المراد منه. وفي حديث أبى هريرة الماضي: "مَا مِنْ وَالٍ" وهِي أَعَمّ.
(إِلاَّ كَانَتْ لَهُ بِطَانَتَانِ: بِطَانَةٌ تَأْمُرُهُ بِالْخَيْرِ) وفِي رِواية البخاريّ: "بِطانة تأمُرهُ بِالْمَعْرُوفِ، وتحضّه عليه"، وفي رواية: "تأمره بالمعروف، وَتَنْهاهُ عن الْمُنْكر"، وهِي تُفَسِّر الْمَراد بِالخيرِ (وَبِطَانَةٌ تَأْمُرُهُ بِالشَّرِّ، وَتَحُضُّهُ عَلَيْهِ) بالحاءِ المُهملة، وَضَاد مُعْجَمَة ثقِيلة، أيْ تُرغِّبهُ فِيهِ"، وتُؤكِّدُهُ عَلَيْهِ.
قَالَ الحافظ رحمه الله تعالى: وَقَدْ اسْتَشْكِل هَذَا التَّقسِيمُ، بِالنِّسبةِ لِلنَّبِيّ؛ لِأنَّهُ وإن جاز عقلاً، أن يكُون فِيمن يُداخِلهُ منْ يكُون منْ أهْل الشَّرِّ؛ لكِنهُ لا يُتصوَّر مِنْهُ أن يُصْغِي إِليهِ، ولا يعمل بِقَوْلِه؛ لوُجُودِ العِصْمة.
стр. 15972
وأُجِيب بأنَّ فِي بقِيَّة الحديث الإشَارة إِلى سَلامة النَّبِيّ منْ ذَلِكَ، بقولِهِ: "فالمَعْصُوم منْ عصم الله تعالي"، فلا يلزم منْ وُجُود منْ يُشِير عَلَى النَّبِيّ بِالشَّرِّ، أنْ يَقبل مِنْهُ. وقِيل: المراد بـ"البِطَانتين" فِي حقّ النَّبِيّ ﷺ المَلَك، والشَّيْطَان، وإلَيْهِ الإشَارة بِقَوْلِهِ ﷺ : "وَلَكِنَّ الله أعَانَنِي عَلَيْهِ، فأسْلَمَ". انتهى (١).
(وَالْمَعْصُومُ مَنْ عَصَمَ اللَّهُ ") وفِي رِواية بعضهم "منْ عَصَمَهُ الله" بِزِيادةِ الضَّمِير، وهُو مُقدَّر فِي الرواية الأخْرَى. والمُراد بهِ إِثْبَات الأمُور كُلّها لِلّهِ تعالى، فهُو الَّذِي يعصِم منْ شَاءَ مِنهُم، فالمعصُوم منْ عصمهُ الله، لا مَنْ عصمتهُ نَفْسه، إِذْ لا يُوجَد منْ تَعْصِمهُ نَفْسه حَقِيقَة، إِلَّا إنْ كَانَ الله عَصَمَهُ.
وفِيهِ إِشارة إِلى أنَّ ثَمَّ قِسْمًا ثَالِثًا، وهُو أنَّ منْ يلِي أمُور النَّاس، قد يقبل منْ بِطانة الخير، دُون بِطانة الشَّرِّ دائِمًا، وهذا اللائِق بِالنَّبِيّ، ومِن ثمَّ عبَّر فِي آخِر الحَديث بِلفظةِ "الْعِصْمَة". وَقَدْ يقبل منْ بِطانة الشَّرِّ، دُون بِطانةِ الخير، وهذا قَدْ يُوجد، ولا سِيَّمَا مِمَّنْ يكُون كافِرًا، وَقَدْ يَقْبَل منْ هؤُلاءِ تَارَة، ومن هؤُلاءِ تَارَة، فإِن كَانَ عَلَى حَد سَوَاء، فلَمْ يَتَعرَّض لهُ فِي الحديث؛ لِوُضُوحِ الحال فِيهِ، وإن كَانَ الأغْلب عَلَيْهِ القبُول منْ أحَدهمَا، فهُو مُلحق بِهِ، إن خيرًا فَخَير، وإِن شرًّا فَشَرّ.
وفِي معنى حدِيث الباب، حدِيث عائِشة رضي الله تعالى عنها، مَرْفُوعًا: "مَنْ وَلِيَ مِنْكُمْ عَمَلاً، فأراد الله بِهِ خَيرًا، جعل لهُ وزِيرًا صَالِحًا، إنْ نَسِيَ ذَكَّرهُ، وَإنْ ذَكَرَ أَعَانَهُ" (٢).
قَالَ ابْن التِّين رحمه الله تعالى: يَحْتمِل أن يكُون المراد بـ"البِطَانَتَيْنِ" الْوَزيرَيْنِ، وَيَحْتمِل أن يكُون الملك والشَّيْطان. وَقَالَ الْكَرْمانِيُّ رحمه الله تعالى: يَحْتَمِل أنْ يَكُون المُراد بـ "البِطَانَتَيْنِ" النَّفْس الأمَّارة بِالسُّوءِ، والنَّفْس اللَّوَّامة المُحَرِّضة عَلَى الْخَيْر؛ إِذْ لِكُلٍّ مِنْهُمَا قُوَّة مَلَكِيَّة، وقُوَّة حَيَوانِيَّة. انتهى.
قَالَ الحافظ رحمه الله تعالى: والْحَمْل عَلَى الْجَمِيع أَوْلَى، إِلَّا أَنَّهُ جَائِز، أَنْ لا يكُون لِبعْضِهِمْ إِلَّا البعض. وَقَالَ المُحِبّ الطَّبرِيُّ رحمه الله تعالى: الْبِطَانَة: الأوْلِيَاء والأصْفِياء، وَهُوَ مَصْدرٌ وُضِعَ مَوْضِع الِاسْم، يَصْدُق عَلَى الْوَاحِد، والِاثْنَيْنِ، والْجَمْع، مُذَكَّرًا، وَمُؤَنَّثًا. انتهى (٣). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
стр. 15973
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): فِي درجته:
حديث أبي سعيد الخدريّ رضي الله تعالى عنه هَذَا أخرجه البخاريّ.
(المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -٣٢/ ٤٢٠٥ - وفي "الكبرى" ٣٦/ ٧٨٢٥. وأخرجه (خ) فِي "القدر" ٦٦١١ و"الأحكام" ٧١٩٨ (أحمد) فِي "باقي مسند المكثرين" ١٠٩٤٩ و١١٤٢٤. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): فِي الاختلاف الواقع فِي سند هَذَا الحديث:
(اعلم): أنه اختُلف فِي هَذَا الحديث، فقد روي منْ حديث أبي سعيد الخدريّ، ومن حديث أبي هريرة، ومن حديث أبي أيوب رضي الله تعالى عنهم، وكلها أخرجها المصنّف رحمه الله تعالى، وَقَدْ أشار الإِمام البخاريّ رحمه الله تعالى فِي "صحيحه" إلى هذه الاختلافات، بعد أن أخرجه منْ حديث أبي سعيد رضي الله تعالى عنه، وهاك نصّه:
حدثنا أصبغ, أخبرنا ابن وهب، أخبرني يونس، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة، عن أبي سعيد الخدريّ، عن النبيّ ﷺ ، قَالَ: "ما بعث الله منْ نبي، ولا استخلف منْ خليفة، إلا كانت له بطانتان: بطانة تأمره بالمعروف، وتَحُضُّه عليه، وبطانة تأمره بالشر، وتحضه عليه، فالمعصوم منْ عصم الله تعالى".
وَقَالَ سليمان، عن يحيى: أخبرني ابن شهاب بهذا، وعن ابن أبي عتيق، وموسى، عن ابن شهاب مثله. وَقَالَ شعيب، عن الزهريّ، حدثني أبو سلمة، عن أبي سعيد قوله.
وَقَالَ الأوزاعي، ومعاوية بن سلام: حدثني الزهريّ، حدثني أبو سلمة، عن أبي هريرة، عن النبيّ ﷺ .
وَقَالَ ابن أبي حسين، وسعيد بن زياد، عن أبي سلمة، عن أبي سعيد قوله.
وَقَالَ عبيد الله بن أبي جعفر: حدثني صفوان، عن أبي سلمة، عن أبي أيوب، قَالَ سمعت النبيّ ﷺ . انتهى.
فقال فِي "الفتح": قوله: "وَقَالَ شُعَيْب": هُو ابن أبِي حمزة، عن الزُّهريّ إِلَخْ. وقوله: "قوله" يعني أَنَّهُ لم يرفعهُ، بَلْ جعلهُ منْ كلام أبِي سعِيد، وهُو بِالنَّصْب عَلَى نَزْع الخَافِض، أي منْ قوله. ورِواية شُعيب هذِهِ الموقُوفة، وصَلهَا الذُّهلِيُّ، فِي جمعه حدِيث الزُّهريّ، وَقَالَ الإسْماعِيليّ: لم تقع بِيَدِي. قَالَ الحافظ: وَقَدْ رَوَيْناها فِي فَوائِد عَلِيّ بن مُحَمَّد الجِكَّانِيّ -بِكسرِ الجِيم، وَتَشْدِيد الْكَاف، ثُمَّ نُون، عن أبِي اليَمَان، مَرْفُوعَة.
стр. 15974
وقَوْله: "وَقَالَ الأوْزاعِيُّ، ومُعاوِية بن سَلَّام: حدَّثني الزُّهرِيّ، حَدَّثني أبُو سَلَمَة، عن أبي هريرة": يُرِيد أنَّهُما خالفا منْ تقدَّم، فَجَعلاهُ، عن أبي هريرة، بَدَل أبي سعِيد، وخالفا شُعيبًا أيضًا فِي وقفه، فَرَفَعاهُ، فأمَّا رِواية الأوْزَاعِيِّ، فوَصلَهَا أحمد، وابن حِبَّان، والحاكِم، والإسْمَاعيليّ، منْ رِواية الوليد بن مُسلم، عنهُ، وأخرجهُ الإسْماعيليّ أيضًا، مِن رِواية عبد الحمِيد بن حبِيب، عَنْ الأوزاعِيِّ، فقال: عن الزُّهْريّ، وَيَحْيَى بن أبِي كثِير، عن أبِي سَلَمَة، عن أبي هُريرة. قَالَ الحافظ: فَعَلى هَذَا، فلعلَّ الولِيد حَمَل رِواية الزُّهريّ، عَلَى رِوَاية يَحْيى، فكأنَّهُ عِنْد يَحْيى، عن أبِي سلمة، عَنْ أبي هُريْرة، وعِند الزُّهرِيِّ، عن يحيى، عن أبِي سَعِيد، فلعلَّ الأوْزاعيِّ حدَّث بِهِ مَجْمُوعًا، فظنَّ الرَّاوِي عنهُ، أَنَّهُ عِنْدهُ عَنْ كُل مِنْهُما بِالطَّرِيقينِ، فَلمَّا أفرد أحد الطَّرِيقينِ، انْقَلبَتْ عَلَيْهِ، لكِنَّ رِواية معمر الَّتِي بعدها، قد تدفع هَذَا الِاحْتِمَال، وُيقرِّب أَنَّهُ عِند الزُّهرِيّ، عن أبِي سَلَمَة عنْهُما جَميعًا.
وَقَدْ قِيل عن الأوزاعيِّ، عن الزُّهريّ، عن حُميدِ بن عبد الرَّحْمن، بدل أبِي سَلَمة، أخرجهُ إسْحَاق فِي "مُسْنَده" منْ طرِيق الفَضْل بن يُونُس، عن الأوْزاعِيِّ، والفَضْل صَدُوق، وَقَالَ ابن حِبَّان -لَمَّا ذكرهُ فِي "الثِّقات"-: رُبَّما أخْطَأ، فكان هَذَا مِنْ ذَاك.
وأمَّا رِواية مُعَاوية بنِ سَلَّام -وهُو بتَشْدِيدِ اللَّام- فوصلها النَّسائِيُّ، والإسْماعيليّ، منْ رِواية معمر، حَدَّثنا مُعَاوِية بن سَلَّام، حَدَّثَنا الزُّهرِيّ، حَدَّثني أبُو سَلَمَة، أنَّ أَبَا هُرَيْرة، قَالَ فَذَكَرهُ.
قَوْله: "وَقَالَ ابْن أبِي حُسَيْن، وَسَعِيد بْن زِياد، عن أبِي سَلَمة، عن أبِي سَعِيد، قَوْله": أيْ وقَفَاهُ أيْضًا. وابْن أبِي حُسَيْن: هُو عبد الله بن عبد الرَّحمن بن أبِي حُسَين، النَّوْفلِيُّ المَكِّيّ، وسعِيد بن زِياد: هُو الأنصارِيّ المدنِيّ منْ صِغار التَّابِعِين، رَوَى عنْ جابِر، وحدِيثه عنهُ، عِند أبِي داوُد، والنَّسائِيِّ، وما لهُ راوٍ، إِلا سعِيد بن أبِي هِلال، وَقَدْ قَالَ فِيهِ أبُو حاتِم الرَّازِيُّ: مَجْهُول، وما لهُ فِي البُخاريّ ذِكر، إِلَّا فِي هَذَا الموضِع.
قوله: "وَقَالَ عُبَيْد الله بن أبِي جَعْفر: حدَّثني صَفْوان، عن أبِي سَلَمَة، عن أبِي أيُّوب": أمَّا عُبيد الله فَهُو الْمِصْرِيّ، واسم أبِي جعفر: يَسَار بِتَحْتَانِية، ومُهملة خفِيفة- وعُبيد الله تابِعِيّ صَغِير، وَقَدْ وصل هذِهِ الطَّرِيق النَّسائِيُّ (١)، والإسْماعيليّ، منْ طَريق اللَّيْث، عن عُبيدِ الله بْن أبِي جَعْفر: حَدَّثنا صَفْوان بن سُليم -هُوَ الْمَدَنِيّ- عن أبِي سَلَمَة، عن أبِي أيُّوب الأنْصَارِيّ، فَذكَرهُ.
قَالَ الْكَرْمَانِيُّ: مُحَصَّل ما ذكرهُ البُخَاريّ، أنَّ الحديث مَرْفُوع، منْ رِواية ثَلاثَة
стр. 15975
أَنْفُس، منْ الصَّحَابة انْتَهَى.
قَالَ الحافظ: وَهَذا الَّذِي ذكرهُ، إِنَّمَا هُو بِحسب صُورة الْوَاقِعة، وأما عَلَى طرِيقة المُحدِّثِين، فهُو حدِيث وَاحِد، واختُلِف عَلَى التَّابِعِيّ، فِي صَحَابِيه، فَأمَّا صَفْوَان، فَجَزَم بِأنهُ عن أبِي أيُّوب، وأما الزُّهرِيّ، فاخْتُلِف عَلَيْهِ، هَلْ هُو أبُو سَعِيد، أوْ أبُو هُريرة. وأمَّا الِاخْتِلاف فِي وَقْفه ورفعه، فلا تَأثِير لهُ؛ لِأنَّ مِثله لا يُقال مِنْ قِبل الاجتِهاد، فالرِّواية المَوْقُوفة لفظًا، مَرْفُوعة حُكْمًا، وُيرجَّح كونه عن أبِي سعِيد، مُوَافَقَة ابن أبِي حُسَيْن، وسعِيد بْن زِياد لِمن قَالَ: عن الزُّهريّ، عن أبِي سلمة، عَنْ أبِي سعِيد، وإذا لم يبق إِلا الزُّهرِيّ، وصفوان، فالزُّهرِيّ أحفظ منْ صَفْوان بِدَرَجاتٍ، فمِن ثَمَّ يَظْهَر قُوَّة نظر البُخَاريّ، فِي إِشارته إِلى ترجِيح طرِيق أبِي سعِيد، فلِذلِك سَاقَهَا موصُولة، وأورد البقِيَّة بِصِيغِ التَّعْليق، إِشَارَة إِلى أنَّ الخِلاف المَذْكُور لا يَقْدَح فِي صِحَّة الحديث، إمَّا عَلَى الطَّرِيقة الَّتِي بيَّنتها منْ التَّرجِيح، وإمَّا عَلَى تجوِيز أن يكُون الحدِيث عِند أبِي سَلَمَة، عَلَى الأوجُه الثَّلاثة، ومع ذَلِكَ فطرِيق أبِي سعِيد أرْجَح. والله أعلم.
قَالَ: وَوَجَدْت فِي "الأدب المُفْرَد" لِلبُخَارِيّ ما يَتَرَجَّح بِهِ رِواية أبِي سلمة، عَنْ أبِي هُرَيْرة، فإنَّهُ أخْرجهُ منْ طرِيق عَبْد الملِك بن عُمير، عن أبِي سلمة، كذلِك فِي آخِر حدِيث طوِيل. انتهى كلام الحافظ رحمه الله تعالى (١).
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: هَذَا التحقيق الذي ذكره الحافظ مفسّرًا ما أشار إليه الإِمام البخاريّ رحمهما الله تعالى فِي الاختلاف الواقع فِي إسناد هَذَا الحديث تحقيقٌ نفيسٌ جدًا، وخلاصة ما مال إليه الحافظ ترجيح رواية أبي سعيد رضي الله تعالى عنه، كما هو ظاهر صنيع البخاريّ رحمه الله تعالى.
والحاصل أن الحديث صحيح بطرقه الثلاثة، وإنما الكلام فِي الترجيح، فظاهر صنيع البخاريّ ترجيح كونه منْ مسند أبي سعيد الخدريّ، ومال إليه الحافظ، لكن كونه منْ مسند أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أيضًا وجد مرجّحًا، كما ذكر الحافظ فِي آخر كلامه، فبقيت رواية صفوان عن أبي أيوب مرجوحة، فليُتأمل. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): فِي فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو أن الإِمام له بطانتان: بطانة تأمره بالخير، وتحضّه عليه، وبطانة تأمره بالشرّ، وتحضّه عليه، فينبغي له أن يكون عَلَى
стр. 15976
حَذَر فِي أموره، حتى لا يوافق بطانة السوء، فيقع فِي السوء، ويكون منْ حزبه.
(ومنها): أن الله تعالى هو المستحقّ ليعصم عباده منْ مكاره الدنيا والآخرة، فلا عاصم منْ أمره إلا هو، ولا معصوم إلا منْ عصمه، فالواجب عَلَى المؤمن أن يتوجّه بقلبه، وقالبه إليه ، ويخضع، ويذلّ له بجملته حتى تشمله عنايته تعالى شمولاً كليًّا، كما قَالَ تعالى فِي الحديث القدسيّ الذي أخرجه البخاريّ رحمه الله تعالى فِي"صحيحه" منْ طريق شريك بن عبد الله بن أبي نمر، عن عطاء، عن أبي هريرة ﵁، قَالَ: قَالَ رسول الله ﷺ : "إن الله قَالَ: منْ عادى لي وليًا، فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إلى عبدي بشيء، أحب إلى مما افترضت عليه، وما يزال عبدي يتقرب إلى بالنوافل، حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وإن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه، وما ترددت عن شيء، أنا فاعله، ترددي عن نفس المؤمن، يكره الموت، وأنا أكره مساءته" انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٢٠٦ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ، عَنْ شُعَيْبٍ، عَنِ اللَّيْثِ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنْ صَفْوَانَ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ، أَنَّهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ" "مَا بُعِثَ مِنْ نَبِيٍّ، وَلَا كَانَ بَعْدَهُ مِنْ خَلِيفَةٍ، إِلاَّ وَلَهُ بِطَانَتَانِ: بِطَانَةٌ تَأْمُرُهُ بِالْمَعْرُوفِ، وَتَنْهَاهُ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَبِطَانَةٌ لَا تَأْلُوهُ خَبَالاً، فَمَنْ وُقِيَ بِطَانَةَ السُّوءِ فَقَدْ وُقِيَ").
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه منْ أفراده، وهو مصريّ فقيه ثقة.
و"شُعيب": هو ابن الليث بن سعد المصريّ الثقة النبيل الفقيه، منْ كبار [١٠]. و"عبيد الله بن أبي جعفر" يسار: هو أبو بكر المصريّ الفقيه الثقة [٥]. و"صفوان": هو ابن سُليم، أبو عبد الله الزهريّ مولاهم، أبو عبد الله المدنيّ، ثقة مفتٍ عابد، رُمي بالقدر [٤] ٤٧/ ٥٩. و"أبو أيّوب": هو خالد بن زيد بن كُليب الأنصاريّ، منْ كبار الصحابة، شهد بدرًا، ونزل عليه النبيّ صلّى الله تعالى عليه وسلم حين قدم المدينة، مات رضي الله تعالى عنه غازيًا بالروم سنة (٥٠) وقيل: بعدها، تقدّمت ترجمته فِي ٢٠/ ٢٠.
والحديث صحيح، وَقَدْ تقدّم تمام البحث فيه فِي الحديث الذي قبله، وهو منْ أفراد
стр. 15977
المصنّف رحمه الله تعالى، أخرجه هنا -٣٢/ ٤٢٠٦ - وفي "الكبرى" ٣٦/ ٧٨٢٦ وفي "السير" ١٠٧/ ٨٧٥٧. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
٣٣ - (وَزِيرِ الإِمَامِ)
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "الوزير" بفتح الواو، منْ وزَرَ للسلطان، منْ باب وعد، فهو وزير، والجمع وُزراء، والوزارة بالكسر؛ لأنها وِلايةٌ، وحُكي الفتح، قَالَ ابن السّكّيت: والكلام بالكسر. واشتقاق الوزير منْ الوِزر بكسر، فسكون- وهو الثِّقَل، وسمي الوزير به لأنه يحِمل عن الملك (١) ثقل التدبير. ذكره الفيّوميّ.
وَقَالَ فِي "اللسان": الوزير حَبَأُ الملك الذي يَحمِل ثِقْله، ويُعينه برأيه، قَالَ: والوزير فِي اللغة اشتقاقه منْ الوَزَر -بفتحتين- وهو الجبل الذي يُعتصم به ليُنجَى منْ الهلاك، وكذلك وزرير الخليفة معناه: الذي يعتمد عَلَى رأيه فِي أموره، ويَلتجىء إليه. وقيل: إنما قيل لوزير السلطان وزيرٌ؛ لأنه يزِر عن السلطان أثقال ما أُسند إليه منْ تدبير المملكة، أي يحمِل ذلك. انتهى ببعض تصرّف. والله تعالى أعلم.
٤٢٠٧ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا بَقِيَّةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ، عَنِ ابْنِ أَبِي حُسَيْنٍ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، قَالَ: سَمِعْتُ عَمَّتِي، تَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ وَلِيَ مِنْكُمْ عَمَلاً، فَأَرَادَ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا، جَعَلَ لَهُ وَزِيرًا صَالِحًا، إِنْ نَسِيَ ذَكَّرَهُ، وَإِنْ ذَكَرَ أَعَانَهُ").
رجال هَذَا الإسناد: ستة:
١ - (عمرو بن عثمان) بن سعيد القرشيّ مولاهم، أبو حفص الحمصيّ، صدوق [١٠] ٢١/ ٥٣٥.
٢ - (بقية) الوليد بن صائد الكلاعيّ، أبو يُحْمد الحمصيّ، صدوق، كثير التدليس
стр. 15978
عن الضعفاء [٨] ٤٥/ ٥٥.
٣ - (ابن المبارك) عبد الله الحنظليّ، أبو عبد الرحمن المروزيّ الإِمام الحجة الحافظ الثبت [٨] ٣٢/ ٣٦.
٤ - (ابن أبي حُسين) هو عمر بن سعيد بن أبي حُسين النوفليّ المكيّ، ثقة [٦] ١٠٤/ ١٣٦٥.
٥ - (القاسم بن محمّد) بن أبي بكر الصدّيق التيميّ، أحد الفقهاء السبعة المشهورين بالمدينة الثقة المثبت، قَالَ أيوب: ما رأيت أفضل منه، منْ كبار [٣] مات سنة (١٠٦) عَلَى الصحيح، وتقدّم فِي ١٢٠/ ١٦٦.
٦ - (عمته) هي: عائشة بنت أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنهما، أم المؤمنين ٥/ ٥. والله تعالى أعلم.
لطائف هَذَا الإسناد:
(منها): أنه منْ سداسيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فقد تفرد به هو وأبو داود، وابن ماجه، وبقية علّق له البخاريّ، وأخرج له مسلم متابعة. (ومنها): أن فيه رِوايَةَ الراوي عن عمّته، وفيه أحد الفقهاء السبعة، وهو القاسم، وفيه عائشة رضي الله تعالى عنها منْ المكثرين السبعة، روت (٢٢١٠) أحاديث. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ) أنه (قَالَ: سَمِعْتُ عَمَّتِي) عائشة بنت أبي بكر الصدّيق، أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها (تقُولُ: قَالَ رسُولُ اللهِ ﷺ : مَنْ وَلِيَ) بكسر اللام، يقال: ولِيت الأمر أَليه وِلايةً بالكسر: إذا تولّيته (مِنْكُمْ عَمَلاً، فَأَرَادَ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا، جَعَلَ لَهُ وَزِيرًا صَالِحًا) أي معينًا وملجأ ذا رشد (إِنْ نَسِيَ ذَكَّرَهُ) بتشديد الكاف، منْ التذكير، أي إن نسي الوالي أمراً يتعين عليه القيام به ذكره ذلك الوزير؛ لما يتّصف به منْ الصلاح (وَإِنْ ذَكَرَ) بتخفيف الكاف (أَعَانَهُ) أي ذكر الوالي أمرًا فيه صلاح رعيته، ورعايته أعانه ذلك الوزير بمقتضى ما اتّصف به منْ الصلاح أيضاً.
وأخرج الحديث أبو داود مطولاً، ولفظه:
٢٩٣٢ - حدثنا موسى بن عامر المري، حدثنا الوليد، حدثنا زهير بن محمّد، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة، قالت: قَالَ رسول الله ﷺ : "إذا أراد
стр. 15979
الله بالأمير خيرا، جَعَلَ له وزير صدق، إن نسي ذكّره، وإن ذَكَرَ أعانه، وإذا أراد الله به غير ذلك، جعل له وزير سُوء، إن نسي لم يذكّره، وإن ذَكَر لم يُعِنه". والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): فِي درجته:
حديث عائشة رضي الله تعالى عنها هَذَا صحيح.
[فإن قلت]: كيف يصحّ، وفي إسناده بقيّة بن الوليد، وهو مشهور بتدليس التسوية؟.
[قلت]: إنما صحّ؛ بمتابعة الوليد بن مسلم، عن زهير بن محمّد فِي رواية أبي داود المذكور، وأيضاً صرح بقيّة هنا بالتحديث عن شيخه.
[فإن قلت]: طريق أبي داود أيضاً فيها زهير بن محمّد، وهو متكلّم فيه، ولاسيّما فِي رواية الشاميين عنه، وهذا منها؟.
[قلت]: إنما صحّ الحديث بمجموع الطريقين؛ لأنهما، وإن طُعن فِي كلّ منهما بمفرده، إلا أن أحدهما يقوي الآخر، ونظائر هَذَا فِي الروايات كثيرة (١). والله تعالى أعلم.
(المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -٣٣/ ٤٢٠٧ - وفي "الكبرى" ٣٧/ ٧٨٢٧ وفي "السير" ١٠٥/ ٨٧٥٢. وأخرجه أبو داود فِي "الخراج والإمارة، والفيء" ٢٩٣٢. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): فِي فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان مشروعيّة اتخاذ الإِمام الوزير؛ ليستعين به عَلَى مهمات الإمارة. (ومنها): أن بعض الأمراء يريد الله به خيرًا، فيجعل له وزير صدق، إن ذكر أعانه، وإن نسي ذكّره، وهذا فضلٌ منْ الله تعالى، ﴿وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (١٠٥)﴾ [البقرة: ١٠٥]. (ومنها): أنه لا ينبغي للإمام أن يستبدّ برأيه، وينفرد بسياسة أمور رعيّته؛ لأن ذلك يضيّع حقوقًا كثيرة، بل عليه أن يستعين بالوزراء الذين يثق بدينهم، وأمانتهم، فإن الله أمر نبيّه صلّى الله تعالى عليه وسلم أن يشاور الصحابة رضي الله تعالى عنهم فِي أموره، فقال تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ الآية [آل عمران: ١٥٩]، فإن كَانَ صلّى الله تعالى
стр. 15980
عليه وسلم، وهو مؤيّدٌ بوحي السماء، أُمر بالمشاورة، فكيف بغيره، ممن يغلبه هواه، وتستولي عليه نفسه الأمّارة بالسوء، وَقَدْ قَالَ تعالى: ﴿إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ الآية [يوسف: ٥٣]، فيجب عَلَى الإِمام أخذ الحذر، والاحتياط فِي أمور رعيته، فلا يوجّه إليهم أمرًا، أو نهيًا، إلا بمشورة أهل العلم والخير. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
٣٤ - (جَزَاءِ مَنْ أُمِرَ بِمَعْصِيَةٍ فَأَطَاعَ)
٤٢٠٨ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ زُبَيْدٍ الإِيَامِيِّ، عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَلِيٍّ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعَثَ جَيْشًا، وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ رَجُلاً، فَأَوْقَدَ نَارًا، فَقَالَ: ادْخُلُوهَا، فَأَرَادَ نَاسٌ أَنْ يَدْخُلُوهَا، وَقَالَ الآخَرُونَ: إِنَّمَا فَرَرْنَا مِنْهَا، فَذَكَرُوا ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ لِلَّذِينَ أَرَادُوا أَنْ يَدْخُلُوهَا: "لَوْ دَخَلْتُمُوهَا، لَمْ تَزَالُوا فِيهَا، إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ"، وَقَالَ لِلآخَرِينَ: "خَيْرًا". وَقَالَ أَبُو مُوسَى فِي حَدِيثِهِ: "قَوْلاً حَسَنًا"، وَقَالَ: "لَا طَاعَةَ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ، إِنَّمَا الطَّاعَةُ فِي الْمَعْرُوفِ").
رجال هَذَا الإسناد: ثمانية:
١ - (محمّد بن المثنّى) العنزيّ، أبو موسى البصريّ المعروف بالزمِنِ، ثقة ثبت [١٠] ٦٤/ ٨٠.
٢ - (محمّد بن بشار) العبديّ بُندار، أبو بكر البصريّ، ثقة حافظ [١٠] ٢٤/ ٢٧.
٣ - (محمّد) بن جعفر الهذليّ، أبو عبد الله البصريّ المعروف بغندر، ثقة صحيح الكتاب [٩] ٢١/ ٢٢.
٤ - (شعبة) بن الحجاج الإِمام الحجة الشهير [٧] ٢٧/ ٢٤.
٥ - (زُبيد) بن الحارث الإياميّ، أبو عبد الرحمن الكوفيّ، ثقة ثبت عابد [٦] ٣٧/ ١٤٢٠.
стр. 15981
[تنبيه]: قوله: "الإيامي" -بكسر الهمزة، وتخفيف الياء، ويقال فيه: الياميّ بحذف الهمزة: نسبة إلى إيام بطن منْ همدان. أفاده فِي "اللباب" ١/ ٩٦.
٦ - (سعد بن عُبيدة) السلميّ، أبو حمزة الكوفيّ، ثقة [٣] ٧٧/ ١٠٠٨.
٧ - (أبو عبد الرحمن) عبد الله بن حبيب السُّلَميّ الكوفيّ القارىء المشهور، مشهورٌ بكنيته، ولأبيه صحبة، ثقة ثبت [٢] ١١٢/ ١٥٢.
٨ - (عليّ) بن أبي طالب الهاشميّ، أبو الحسن الخليفة الراشد رضي الله تعالى عنه ٧٤/ ٩١ والله تعالى أعلم.
لطائف هَذَا الإسناد:
(منها): أنه منْ سباعيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين إلى شعبة، وبعده مسلسل بالكوفيين. (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ. (ومنها): أن صحابيّه ابن عم المصطفى ﷺ ، وزوج ابنته، واحد الخلفاء الراشدين، والعشرة المبشّرين رضي الله تعالى عنهم، له مناقب جمّة. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن عَلِيّ) رضي الله تعالى عنه (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعَثَ جَيْشًا، وَأَمَّرَ) بتشديد الميم، منْ التأمير (عَلَيْهِمْ رَجُلاً) قَالَ النوويّ رحمه الله تعالى: هَذَا الذي فعله هَذَا الأمير قيل: أراد امتحانهم، وقيل: كَانَ مازحًا، قيل: إن هَذَا الرجل عبد الله بن حُذافة السهميّ، وهذا ضعيفٌ؛ لأنه قَالَ فِي الرواية الأخرى: "إنه رجل منْ الأنصار"، فدلّ عَلَى أنه غيره. انتهى (١).
وَقَالَ أبو العبّاس القرطبيّ رحمه الله تعالى: قوله: "رجلاً منْ الأنصار" ظاهرٌ فِي أنه ليس عبد الله بن حذافة، فإنه مهاجريّ، وذلك أنصاريّ، فافترقا. وقضية عبد الله بن حُذافة هي التي ذكر منها ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما طرفًا، كما تقدّم، فلا معنى لقول منْ قَالَ: إن هَذَا الذي حكى عنه عليّ بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه هو عبد الله بن حُذافة، وكذلك لا معنى لقول منْ قَالَ: إن ذلك الأمير إنما أمرهم بدخول النار ليختبر طاعتهم له، وَقَدْ قَالَ فِي هذه الرواية: إنهم أغضبوه، وَقَالَ: وسكن غضبه
стр. 15982
عليهم، فأراد عقوبتهم بذلك. وهذه نصوصٌ فِي أنه إنما حمله عَلَى ذلك غضبه عليهم. انتهى كلام القرطبيّ (١).
واستظهر الحافظ رحمه الله تعالى فِي "الفتح" تعدد القصة، وَقَالَ: ما حاصله: أن التعدّد هو الذي يظهر لي؛ لاختلاف سياقهما، واسم أميرهما، والسبب فِي أمره بدخولهم النار. قَالَ: ويحتمل الجمع بينهما بضرب منْ التأويل، ويُبعده وصف عبد الله ابن حُذافة السهميّ القرشيّ المهاجريّ بكونه أنصاريًّا. قَالَ: ويَحتمل الحمل عَلَى المعنى الأعمّ، أي أنه نصر رسول الله صلّى الله تعالى عليه وسلم فِي الجملة. وإلى التعدّد جنح ابن القيم. وأما ابن الجوزيّ، فقال: قوله: "منْ الأنصار" وَهَمٌ منْ بعض الرواة، وإنما هو سهميّ. قَالَ الحافظ: ويؤيّده حديث ابن عباس عند أحمد فِي قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ الآية [النِّساء: ٥٩]، نزلت فِي عبد الله بن حُذافة بن قيس بن عديّ، بعثه رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فِي سريّة. انتهى (٢).
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: قد اتَّضح بما ذُكر كلّه أن الأرجح تعدد الواقعة، وأن الرجل المبهم فِي حديث عليّ رضي الله تعالى عنه المذكور فِي الباب ليس هو عبد الله ابن حُذافة، وإنما هو رجلٌ آخر منْ الأنصار رضي الله تعالى عنهم. والله تعالى أعلم.
(فَأَوْقَدَ نَارًا، فَقَالَ: ادْخُلُوهَا) وفي رواية البخاريّ: "بعث النبيّ صلّى الله تعالى عليه وسلم سرية، فاستعمل رجلاً منْ الأنصار، وأمرهم أن يُطيعوه، فغضب عليهم، فقال: أليس أمركم النبيّ صلّى الله تعالى عليه وسلم أن تُطيعوني؟ قالوا: بلى، قَالَ: فاجمعوا لي حطبًا، فجمعوا له، فقال: أو قدوا لي نارًا، فأوقدوها، فقال: "ادخلوها" الحديث.
وفي رواية مسلم: "فأغضبوه فِي شيء"، وفي رواية للبخاري: "فقال: "عزمت عليكم لَمّا جمعتم حطبًا، وأوقدتم نارًا، ثم دخلتم".
وهذا يخالف حديث أبي سعيد الخدريّ رضي الله تعالى عنه (٣)، فإن فيه: "فأوقد القوم نارًا؛ ليصنعوا شيئاً صنيعًا لهم، أو يصطلون، فقال لهم: ألست عليكم السمع
стр. 15983
والطاعة؟ قالوا: بلى، قَالَ: أعزم عليكم بحقّي، وطاعتي لَمّا توثبتم فِي هذه النار".
(فَأَرَادَ نَاسٌ أَنْ يَدْخُلُوهَا) وفي رواية البخاريّ: "فهمّوا، وجعل بعضهم يمسك بعضًا"، وفي رواية: "فلما همّوا بالدخول فيها، فقاموا ينظر بعضهم إلى بعض"، وفي رواية عند ابن جرير: "فقال لهم شابّ منهم: لا تعجلوا بدخولها" (وَقَالَ الآخَرُونَ: إِنَّمَا فَرَرْنَا مِنْهَا) أي منْ النار بالإيمان، فكيف ندخلها؟. وزاد فِي رواية البخاريّ: "فما زالوا حتى خَمَدت النار، فسكن غضبه"، وفي رواية: "فبينما هم كذلك إذ خمدت النار". و"خمد" بفتح الميم، وحكى المطرّزيّ كسرها (١) -: أي طفىء لهبها.
وقوله: "فسكن غضبه" هَذَا أيضًا يخالف حديث أبي سعيد الخدريّ، فإن فيه "أنه كانت به دُعَابة، وفيه أنهم تحجّزوا حتى ظنّ أنهم واثبون فيها، فقال: احبسوا أنفسكم، فإنما كنت أضحك معكم". وهذا كلّه يؤيّد تعدد الواقعة. والله تعالى أعلم.
(فَذَكَرُوا ذَلِكَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ ) وفي رواية: "فلما رجعوا ذكروا ذلك لرسول الله صلّى الله تعالى عليه وسلم" (فَقَالَ لِلَّذِينَ أَرَادُوا أن يَدْخُلُوهَا: "لَوْ دَخَلْتُمُوهَا، لَمْ تَزَالُوا فِيهَا، إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ) قَالَ النوويّ رحمه الله تعالى: هَذَا مما علمه صلّى الله تعالى عليه وسلم بالوحي، وهذا التقييد بيوم القيامة مبيّن للرواية المطلقة بأنهم لا يخرجون منها لو دخلوها.
وَقَالَ الحافظ رحمه الله تعالى: يَعْنِي أَنَّ الدُّخُول فِيهَا مَعْصِيَة، وَالْعَاصِي يَسْتَحِقّ النَّار. وَيَحْتمِل أن يَكُون المُرَاد: لَوْ دَخَلُوهَا مُستَحِلِّينَ، لَمَا خَرَجُوا مِنْهَا أَبَدًا. وَعَلَى هَذَا فَفِي العِبَارَة نَوْع منْ أَنْوَاع الْبَدِيع، وَهُوَ الِاسْتِخْدَامِ؛ لِأَنَّ الضَّمِير فِي قَوْله: "لَوْ دَخَلُوهَا" لِلنَّارِ الَّتِي أَوْقَدُوهَا، وَالضَّمِير فِي قَوْله: "مَا خرَجُوا مِنْهَا أَبَدًا" لِنَارِ الآخِرَة؛ لِأَنَّهُمْ ارتَكَبُوا مَا نُهوا عَنْهُ منْ قَتْل أَنْفُسهمْ.
وَيُحْتَمَل -وَهُوَ الظَّاهِر- أَنَّ الضَّمِير لِلنَّارِ الَّتِي أُوقِدَت لَهُمْ، أَيْ ظَنُّوا أنَّهُمْ إِذَا دَخَلُوا، بِسَبَبِ طَاعَة أَمِيرهمْ، لَا تَضُرّهُمْ، فَاَخبَرَ النَّبِيّ ﷺ ، أنَّهُمْ لَوْ دَخَلُوا فِيهَا لَاحْتَرَقُوا فَمَاتُوا،
стр. 15984
فَلَمْ يَخْرُجُوا. انتهى (١).
وَقَالَ فِي "الفتح" أيضاً فِي "كتاب الأحكام": قوله: "لو دخلوها ما خرجوا منها" قَالَ الدَّاوُدِيُّ: يُرِيد تِلْكَ النَّار؛ لِأَنَّهُمْ يَمُوتُون بتَحْرِيقِهَا، فَلَا يَخْرُجُونَ مِنْهَا أَحْيَاء، قَالَ: وَلَيْسَ الْمُرَاد بِالنَّارِ نَار جَهَنَّم، وَلَا أَنَّهُمْ مُخَلَّدُونَ فِيهَا؛ لِأَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ فِي حَدِيث الشَّفَاعَة: "يَخرُج منْ النَّار مَن كَانَ فِي قَلْبه مِثْقَال حَبَّة منْ إِيمَان"، قَالَ: وَهَذَا منْ الْمَعَارِيض الَّتِي فِيهَا مَنْدُوحَة. يُرِيد أَنَّهُ سِيقَ مَسَاق الزَّجْر وَالتَّخْوِيف؛ ليَفْهَمَ السَّامِع أَنَّ مَن فَعَلَ ذَلِكَ خُلِّدَ فِي النَّار، وَلَيسَ ذَلِكَ مُرَادًا، وَاِنَّمَا أُرِيدَ بهِ الزَّجْر وَالتَّخْوِيف.
وَقَدْ قِيلَ: إِنَّه لَمْ يَقْصِد دُخُولهمْ النَّار حَقِيقةً، وَانَّمَا أَشَارَ لَهُمْ بذَلِكَ إِلَى أَنَّ طَاعَة الأمِير وَاجِبَة، وَمَن تَرَكَ الْوَاجب دَخَلَ النَّار، فَإِذَا شَقَّ عَلَيكُمْ دُخُولَ هَذِهِ النَّار، فَكَيف بِالنَّارِ الْكُبْرَى، وَكَأَنَّ قَصْده أَنَّهُ لَوْ رَأَى مِنْهُمْ الْجِدّ فِي وُلُوجهَا لَمَنَعَهُمْ. انتهى (٢).
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: أحسن التأويلات عندي ما استظهره الحافظ فيما سبق، منْ أنه صلّى الله تعالى عليه وسلم إنما أخبرهم بأنهم لو دخلوها ظانين بأن طاعة أميرهم يُنجيهم منها، وأنها لا تضرّهم، لما نفعهم ذلك، بل يحترقون، ويموتون، فلا يرجعون إلى الدنيا إلى يوم القيامة. والله تعالى أعلم.
(وَقَالَ لِلآخَرِينَ: "خَيْرًا") أي أثنى عَلَى الذين قالوا: إنما فررنا منها، حيث إنهم أصابوا الحقّ. (وَقَالَ أَبُو مُوسَى) هو محمد بن المثنّى شيخه الأول (فِي حَدِيثِهِ: "قَوْلًا حَسَنًا") أي بدل قول محمد بن بشّار: "خيرًا" (وَقَالَ) صلّى الله تعالى عليه وسلم (لَا طَاعَةَ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ، إِنَّمَا الطَّاعَةُ فِي الْمَعْرُوفِ) وفي حديث أبي سعيد: "منْ أمركم منهم بمعصية، فلا تطيعوه". قَالَ أبو العبّاس القرطبيّ رحمه الله تعالى: "إنما" هذه للتحقيق والحصر، فكأنه قَالَ: لا تكون الطاعة إلا فِي المعروف، ويعني بالمعروف هنا ما ليس بمنكر، ولا معصية، فيدخل فيها الطاعة الواجبة، والمندوب إليها، والأمور الجائزة شرعًا، فلو أمر بجائز لصارت طاعته واجبةً، ولَمّا حلّت مخالفته، فلو أمر بما زجر الشرع عنه زجر تنزيه، لا تحريم، فهذا مشكلٌ، والأظهر جواز المخالفة؛ تمسّكًا بقوله: "إنما الطاعة فِي المعروف"، وهذا ليس بمعروف، إلا بأن يخاف عَلَى نفسه منه، فله أن يمتثل. والله تعالى أعلم. انتهى كلام القرطبيّ (٣).
стр. 15985
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: قوله: "فهذا مشكل" فيه نظرٌ لا يخفى؛ إذ هو منكرٌ شرعًا؛ لأن الشارع لا يزجر إلا عن منكر، فكيف يشكل هَذَا؟، فتبصّر. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): فِي درجته:
حديث عليّ رضي الله تعالى عنه هَذَا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -٣٤/ ٤٢٠٨ - وفي "الكبرى" ٣٨/ ٧٨٢٨ وفى "السير" ٩٣/ ٨٧٢١.
وأخرجه (خ) فِي "المغازي" ٤٣٤٠ و"الأحكام" ٧١٤٥ و"أخبار الآحاد" ٧٢٥٧ (م) فِي "الإمارة" ٣٤٢٤ و٣٤٢٥ (د) فِي "الجهاد" ٢٦٢٥ (أحمد) فِي "مسند العشرة" ٦٢٣ و٧٢٦ و١٠٢١. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): فِي فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان جزاء منْ أطاع منْ أمره بمعصية، وهو أنه يستحقّ النار. (ومنها): أَنَّ حُكْم الأمير فِي حَال الْغَضَب، يَنْفُذ مِنْهُ مَا لا يُخالِف الشَّرْع. (ومنها): أَنَّ الْغَضَب يُغَطِّي عَلَى ذَوِي الْعُقُول عقولهم. (ومنها): أَنَّ الْإيمَان بِاللَّهِ يُنَجِّي منْ النَّار لِقَوْلِهِمْ: "إِنَّمَا فررْنا إِلى النَّبِيّ ﷺ مِنْ النَّار". (ومنها): أن الْفِرَار إِلى النَّبِيّ ﷺ ، فِرَار إِلى الله، وَالْفِرَار إِلى الله، يُطْلَق عَلَى الْإيمَان، قَالَ الله تعالى: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠)﴾ [الذاريات: ٥٠]. (ومنها): أَنَّ الْأَمْر المُطْلَق لا يعُمّ الأحْوال؛ لِأَنَّهُ ﷺ ، أمَرَهُمْ أنْ يُطِيعُوا الأمِير، فَحَمَلُوا ذَلِكَ علي عُمُوم الْأحْوالِ، حَتَّى فِي حَال الْغَضَب، وفِي حال الْأَمْر بِالْمَعْصِيةِ، فبَيَّنَ لهُمْ ﷺ ، أنَّ الْأَمْر بِطاعتِهِ، مَقْصُور عَلَى ما كَانَ مِنْهُ فِي غَيْر مَعْصِيَة.
(ومنها): أنه اسْتَنْبَطَ مِنْ هَذَا الحديث الشَّيْخ أبُو مُحَمَّد بْن أَبِي جْمَرَة، أَنَّ الْجَمْع مِنَ هذِهِ الأمة، لا يَجْتمِعُونَ عَلَى خطأ؛ لِانْقِسَام السَّرِيَّة قِسْمَيْنِ: مِنْهُمْ مَنْ هان عَلَيْهِ دُخُول النَّار، فَظَنَّهُ طَاعَة، ومِنْهُمْ منْ فهِم حَقِيقَة الْأَمْر، وَأَنَّهُ مقصُور عَلَى مَا لَيْسَ بِمَعْصِيَةٍ، فكان اخْتِلَافهمْ سبَبًا لِرَحْمَةِ الْجَمِيع. قَالَ: وفِيهِ أَنَّ منْ كَانَ صَادِق النِّيَّة، لا يقع إِلَّا فِي خَيْر، وَلَوْ قَصَدَ الشَّرّ، فَإِنَّ الله يَصْرِفهُ عَنْهُ، ولِهذا قَالَ بعْض أهْل الْمَعْرفَة: منْ صَدَقَ مَعَ اللَّهِ، وقَاهُ اللَّهُ، ومن تَوَكَّل عَلَى اللَّهِ، كفاهُ اللَّهُ. ذكره فِي "الفتح" (١). والله تعالى
стр. 15986
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): قَالَ أبو العبّاس القرطبيّ رحمه الله تعالى: هَذَا الحديث يرُدّ حكايةً، حُكيت عن بعض مشايخ الصوفيّة، وذلك أن مريدًا له قَالَ له يوماً: قد حَمِي التنّور، فما أصنع؟ فتغافل عنه، فأعاد عليه القول، فقال له: ادخل فيه، فدخل المزيد فِي التنّور، ثم إن الشيخ تذكّر، فقال: الحقوه، كَانَ قد عقد عَلَى نفسه أن لا يُخالفني، فلحقوه، فوجدوه فِي التنّور لم تضرّه النار. وهذه الحكاية أظنّها منْ الكذب الذي كُذب به عَلَى هذه الطائفة الفاضلة، فكم قد كَذَبَ عليها الزنادقة، وأعداء الدين (١).
وبيان ما يُحقّق ذلك أن هَذَا الشيخ إما أن يكون قاصدًا لأمر ذلك المزيد بدخول التنّور، أو لا، فإن كَانَ قاصدًا كَانَ قصده ذلك معصيةً، ولا طاعة فيها بنصّ النبيّ صلّى الله تعالى عليه وسلم، ويكون امتثال المزيد لذلك معصيةً، وكيف تظهر الكرامات عَلَى العصاة فِي حال معصيتهم؟، فإن الكرامة تدلّ عَلَى حسن حال منْ ظهرت عَلَى يديه، وأنه مطيع لله تعالى فِي تلك الحالة مع جواز أمر آخر يكون فِي المستقبل.
وإن كَانَ ذلك الشيخ غير قاصد لذلك، ولا شاعر بما صدر عنه، فكيف يحلّ للمريد أن يُلقي نفسه فِي النار بأمر غلَط، لا حقيقة له، ثم هَذَا المريد عاص بذلك الفعل، ولا يظهر عَلَى العاصي كرامة فِي حال ملابسته للمعصية، ولو جاز ذلك لجاز للزناة، وشَرَبَة الخمر، والفَسَقَة أن يدّعوا الكرامات، وهم ملابسون لفسقهم، هَذَا ما لا يجوز إجماعًا، وإنما تُنسب الكرامات لأولياء الله، وهم أهل طاعته، لا أولياء الشيطان، وهم أهل الفسق والعصيان. والأولى فِي هذه الحكاية، وأشباهها مما لا يليق بأحوال الفضلاء، والعلماء الطعن علي الناقل، لا عَلَى المنقول عنه. والله تعالى أعلم.
[فإن قيل]: إن الشيخ لم يكن قاصدًا لإدخال المزيد نفسه النار، وإنما صدر ذلك منه عَلَى جهة التأديب والتغليظ؛ لكونه أكثر عليه منْ السؤال، فكأنه قطعه عما كَانَ أولى به فِي ذلك الحال، والمريد لصحّة اعتقاده فِي شيخه، وللوفاء بما جعل له عليه منْ الطاعة، وترك المخالفة، ولاعتقاده أنه لا يأمره إلا بما فيه مصلحةٌ دينيّةٌ، ثم إنه قد صحّ توكّل هَذَا المريد عَلَى الله تعالى، وصدقه فِي حاله، فحصل له منْ مجموع ذلك أن اللى تعالى ينجيه من النار، ويجعل له فِي ذلك مخرجًا.
стр. 15987
[فالجواب]: أن يقول منْ يُجوّز الإقدام عَلَى تلك الحالة بتلك القيود المذكورة، يلزمه أن يُجوّز ما هو مُحرّم إجماعًا. بيان ذلك أنه لو قَالَ له عَلَى تلك الحال بتلك القيود: اقتل فلانًا المسلم، أو ازن بفلانة، أو اشرب الخمر، لم يجُز الإقدام عَلَى شيء منْ ذلك بالإجماع، ولو كانت له تلك القيود كلّها، ولافرق بين صورة الحكاية المذكورة، وبين هذه الصور التي ذكرناها، إذ الكلّ محرّمٌ قطعًا، وإن جُوّز انخراق العادة فِي أن النار لا تحرق، والسيف لا يحُزّ الرقبة، والْمُدْية لا تقطع الحلق، لكنّ هذه التجويزات لا يُلتفت إليها، ولا تَهُدّ القواعد الشرعيّة لأجلها، فلو أقدم عَلَى شيء منْ تلك الأمور لأجل أمر هَذَا الشيخ، لكان عاصيًا، فكذلك إذا ألقى نفسه فِي النار، ولا فرق.
ثم نقول: إن التوكّل عَلَى الله لا يصحّ مع المخالفة والمعصية، وذلك أن التوكّل عَلَى الله تعالى هو الاعتماد عليه، والتفويض إليه فيما يجوز الإقدام عليه، أو فيما يُخاف وقوعه، أو يُرتجى حصوله، وَقَدْ يُفضي التوكّل بصاحبه إلى أن لا يخاف شيئًا إلا الله، ولا يرجو سواه؛ إذ لا فاعل عَلَى الحقيقة إلا هو، وهذه الحالة إنما تثمرها المعرفة بالله تعالى، وباحكامه، وملازمة الطاعة والتقوى، والتوفيق الخاصّ الإلهيّ، وعلى هَذَا فمن المحال حصول هذه الحالة مع المعصية والمخالفة، والصحيح ما قاله رسول الله صلّى الله تعالى عليه وسلم: "لو دخلوها ما خرجوا منها"، وهذا هو الحقّ المبين، ولو كره أكثر الجاهلين.
ومن نوع هذه الحكاية حكاية أبي حمزة الذي وقع فِي البئر، ثم جاء قومٌ، وغطّوا البئر، وهو فِي قعره ساكت، لم يتكلّم، متوكّلًا عَلَى الله تعالى إلى أن غطّوا البئر، وانصرفوا. وللكلام فِي هَذَا موضع آخر. انتهى كلام القرطبيّ رحمه الله تعالى (١).
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: هَذَا الذي ذكره القرطبيّ رحمه الله تعالى كلام نفيسٌ جدًا، فإن مثل هذه الحكايات كثيرة فِي هذه الطائفة، ومن يُطالع "طبقات الأولياء" للشعرانيّ يرى العجب العجاب، فتنبّه أيها العاقل، ولا تغترّ بمثل هَذَا، وهذا هو الحقّ الأبلج، ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ﴾، نسأل الله تعالى أن يهدينا الصراط المستقيم، اللَّهم أرنا الحقّ حقاً، وارزقنا اتّباعه، وأرنا الباطل باطلًا، وارزقنا اجتنابه. آمين آمين آمين. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٢٠٨ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِى جَعْفَرٍ، عَنْ نَافِعٍ
стр. 15988
عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "عَلَى الْمَرْءِ الْمُسْلِمِ السَّمْعُ وَالطَّاعَةُ، فِيمَا أَحَبَّ وَكَرِهَ، إِلاَّ أَنْ يُؤْمَرَ بِمَعْصِيَةٍ، فَإِذَا أُمِرَ بِمَعْصِيَةٍ، فَلَا سَمْعَ، وَلَا طَاعَةَ").
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا. و"الليث": هو ابن سعد إمام أهل مصر. و"عُبيد الله بن أبي جعفر": هو أبو بكر الفقيه الثقة المصريّ، تقدّم قبل باب.
وقوله: "إلا أن يؤمر الخ" ذكر السنديّ أن فِي بعض النسخ بلفظ "أن لا يؤمر" -أي بفتح همزة "أن"-، قَالَ: أي حين لا يؤمر، أو كلمة "إن" شرطيّة، وفي كثير منْ النسخ إلا أن يؤمر بمعصية، وهو الظاهر. انتهى.
وشرح الحديث واضحٌ، وهو حديث صحيح، منْ أفراد المصنّف رحمه الله تعالى، أخرجه هنا -٣٤/ ٤٢٠٨ - وفي "الكبرى" ٣٨/ ٧٨٢٩ وفي، "السير" ٩٣/ ٨٧٢٠. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
٣٥ - (ذِكْرِ الْوَعِيدِ لِمَنْ أَعَانَ أَمِيرًا عَلَى الظُّلْمِ)
٤٢٠٩ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ أَبِي حَصِينٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ عَاصِمٍ الْعَدَوِيِّ، عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ، قَالَ: خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَنَحْنُ تِسْعَةٌ، فَقَالَ: "إِنَّهُ سَتَكُونُ بَعْدِي أُمَرَاءُ، مَنْ صَدَّقَهُمْ بِكَذِبِهِمْ، وَأَعَانَهُمْ عَلَى ظُلْمِهِمْ، فَلَيْسَ مِنِّي، وَلَسْتُ مِنْهُ، وَلَيْسَ بِوَارِدٍ عَلَيَّ الْحَوْضَ، وَمَنْ لَمْ يُصَدِّقْهُمْ بِكَذِبِهِمْ، وَلَمْ يُعِنْهُمْ عَلَى ظُلْمِهِمْ، فَهُوَ مِنِّي، وَأَنَا مِنْهُ، وَهُوَ وَارِدٌ عَلَيَّ الْحَوْضَ").
رجال هَذَا الإسناد: سبعة:
١ - (عمرو بن عليّ) الفلّاس الصيرفيّ، أبو حفص البصريّ، ثقة ثبت [١٠] ٤/ ٤.
٢ - (يحيى) بن سعيد القطان، أبو سعيد البصريّ الإِمام الحجة الثبت [٩] ٤/ ٤.
٣ - (سفيان) بن سعيد الثوريّ، أبو عبد الله الكوفيّ الإِمام الحجة الثبت [٧] ٣٣/ ٣٧.
стр. 15989
٤ - (أبو حَصِين) -بفتح الحاء، والصاد المهملتين- عثمان بن عاصم الأسديّ الكوفيّ، ثقة ثبت سنّيّ، وربما دلّس [٤] ١٠٢/ ١٥٢.
٥ - (الشعبيّ) عامر بن شَرَاحيل الهمدانيّ، أبو عمرو الكوفيّ، ثقة ثبت فقيه [٣] ٦٦/ ٨٢.
٦ - (عاصم العدويّ) الكوفيّ، ثقة [٣].
روى عن كعب بن عُجْرة هَذَا الحديث فقط، وعنه الشعبيّ، وأبو إسحاق السبيعيّ، قَالَ النسائيّ: ثقة. وذكره ابن حبّان فِي "الثقات". تفرّد به المصنّف، والترمذيّ بحديث الباب فقط.
٧ - (كعب بن عُجْرة) الأنصاريّ المدنيّ، أبو محمد الصحابيّ المشهور، مات رضي الله تعالى عنه بعد الخمسين، وله نيّفٌ وسبعون سنة، تقدّم فِي ٨٦/ ١٠٤. والله تعالى أعلم.
لطائف هَذَا الإسناد:
(منها): أنه منْ سباعيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن شيخه أحد مشايخ الجماعة بلا واسطة. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير عاصم العدويّ، كما مرّ آنفًا. (ومنها): أن شيخه ويحيى بصريان، والصحابي مدني، والباقون كوفيون. (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ) بضم العين المهملة، وسكون الجيم- رضي الله تعالى عنه، أنه (قَالَ: خَرَجَ عَلَيْنَا رسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَنَحْنُ تِسْعَةٌ) زاد فِي الرواية التالية: "خمسة، وأربعة، أحد العددين منْ العرب، والآخر منْ العجم" (فقال: "إِنَّهُ) الضمير للشأن، وهو الضمير الذي تفسّره الجملة بعده، وفي رواية أحمد: "إنها"، بضمير المؤنّثة، وتسمّى ضمير القصّة (سَتَكُونُ) بالتاء، وفي رواية الترمذيّ بالياء (بَعْدِي) أي بعد موتي (أُمَرَاءُ، مَنْ صَدَّقَهُمْ) بتشديد الدال المهملة، منْ التصديق (بِكَذِبِهمْ) الباء بمعنى "فِي" أي أنهم يكذبون فِي الكلام، فمن صدّقهم فِي كلامهم ذلك، وَقَالَ لهم: صدقتم، تقرّبًا بذلك إليهم (وَأَعَانَهُمْ عَلَى ظُلْمِهِمْ) أي بالإفتاء ونحوه (فَلَيْسَ مِنِّي، وَلَسْتُ مِنْهُ) أي بيني وبينهم براءة، ونقض عهد (وَلَيْسَ بِوارِدٍ عَلَيَّ) بتشديد الياء، هي ياء المتكلّم مجرورة بـ "عَلَى" (الْحَوْضَ) بفتح الحاء المهملة، وسكون الواو- قَالَ فِي "اللسان": هو مُجتَمَعُ الماء، معروف، والجمع أحواضٌ، وحِيَاضٌ، وحوضُ الرسول صلّى الله تعالى عليه وسلم الذي يَسقي منه أمته يوم القيامة، حكَى أبو زيد: سقاك الله بحوض الرسول،
стр. 15990
ومنه. انتهى.
يعني أنه شارب يَوْمَ الْقِيَامَةِ منْ الحوض الذي منْ شرب منه شَرْبة لا يظمأ بعدها أبدًا (وَمَنْ لَمْ يُصّدِّقْهُمْ بكَذِبِهمْ، وَلَمْ يُعِنْهُمْ عَلَى ظُلْمِهِمْ) أي اتقاءً، وتورّعًا، وهذا لا يكون إلا للمتديّن، فلذلك قَالَ صلّى الله تعالى عليه وسلم: "فهو منّي، وأنا منه". ويحتمل أن يكون مجرّد الصبر عن صحبتهم فِي ذلك الزمان، مع الإيمان مفضيًا إلى هذه الرتبة العليّة، أو منْ صبر يوفّق لأعمالٍ تُفضيه إلى ذلك. والله تعالى أعلم. قاله السنديّ (فهُو مِنِّي) أي منْ أهل سنّتي ومحبتي (وَأَنَا مِنْهُ) أي منْ محبته، والشفاعة له (وَهُوَ وَارِدٌ عَلَيَّ الْحَوْضَ) أي شارب منه.
وأخرج أحمد بإسناد صحيح منْ طريق عبد الرحمن بن سابط، عن جابر بن عبد الله، أن النبيّ ﷺ ، قَالَ لكعب بن عجرة: "أعاذك الله منْ إمارة السفهاء"، قَالَ: وما إمارة السفهاء؟ قَالَ: "أمراء يكونون بعدي، لا يقتدون بهديي، ولا يَستنّون بسنتي، فمن صدقهم بكذبهم، وأعانهم عَلَى ظلمهم، فأولئك ليسوا مني، ولست منهم، ولا يَرِدوا على حوضي، ومن لم يصدقهم بكذبهم، ولم يعنهم عَلَى ظلمهم، فأولئك مني، وأنا منهم، وسَيَرِدوا علي حوضي، يا كعب بن عجرة، الصوم جنة، والصدقة تطفىء الخطيئة، والصلاة قربان، أو قَالَ برهان، يا كعب بن عجرة، إنه لا يدخل الجنة لحم نبت منْ سُحْت، النار أولى به، يا كعب بن عجرة، الناس غاديان: فمبتاع نفسه فمعتقها، وبائع نفسه فموبقها".
وأخرج أحمد أيضًا بإسناد رجاله ثقات، عن حذيفة رضي الله تعالى عنه، عن النبيّ ﷺ ، قَالَ: "إنها ستكون أمراء يكذبون، ويظلمون، فمن صدّقهم بكذبهم، وأعانهم عَلَى ظلمهم، فليس منا، ولست منه، ولا يرد عليّ الحوض، ومن لم يصدقهم بكذبهم، ولم يعنهم عَلَى ظلمهم، فهو مني وأنا منه، وسيرد علي الحوض". والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): فِي درجته:
حديث كعب بن عُجْرة رضي الله تعالى عنه هَذَا صحيح.
(المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -٣٥/ ٤٢٠٩ و٣٦/ ٤٢١٠ - وفي "الكبرى" ٣٩/ ٧٨٣٠ و٤٠/ ٧٨٣١. وأخرجه (ت) فِي "الفتن" ٢٢٥٩. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): فِي فوائده:
стр. 15991
(منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان الوعيد لمن أعان أميرًا عَلَى ظلمه. (ومنها): أن هذه الإعانة منْ الكبائر؛ لأنها ترتّب عليه تبرّي النبيّ صلّى الله تعالى عليه وسلم منْ فاعلها. (ومنها): فضل الابتعاد عن الأمراء، واتخاذ الحذر منهم؛ لأنه لا يسلم منْ اقترب منهم، إما فِي دينه، إن سكت عَلَى ما هم عليه منْ الفساد والظلم، أو دنياه، إن تكلم فِي ذلك، فالخلاص منهم لا يكون إلا بالبعد عنهم، ولذا كَانَ كثير منْ السلف شديد الحذر منْ غشيانهم، ومجالستهم، خوفًا عَلَى دينهم. (ومنها): إثبات الحوض لنبيّنا محمد صلّى الله تعالى عليه وسلم، وأنه ترده عليه أمته، اللهم اجعلنا منْ الواردين عليه، بمنك، وكرمك، يا أكرم الأكرمين، ويا أرحم الراحمين، آمين آمين آمين. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
٣٦ - (مَنْ لَمْ يُعِنْ أَمِيرًا عَلَى الظُّلْمِ)
٤٢١٠ - (أَخْبَرَنَا هَارُونُ بْنُ إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ -يَعْنِي ابْنَ عَبْدِ الْوَهَّابِ- قَالَ: حَدَّثَنَا مِسْعَرٌ، عَنْ أَبِي حَصِينٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ عَاصِمٍ الْعَدَوِيِّ، عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ، قَالَ: خَرَجَ إِلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَنَحْنُ تِسْعَةٌ، خَمْسَةٌ وَأَرْبَعَةٌ، أَحَدُ الْعَدَدَيْنِ مِنَ الْعَرَبِ، وَالآخَرُ مِنَ الْعَجَمِ، فَقَالَ: "اسْمَعُوا، هَلْ سَمِعْتُمْ أَنَّهُ سَتَكُونُ بَعْدِي أُمَرَاءُ، مَنْ دَخَلَ عَلَيْهِمْ، فَصَدَّقَهُمْ بِكَذِبِهِمْ، وَأَعَانَهُمْ عَلَى ظُلْمِهِمْ، فَلَيْسَ مِنِّي، وَلَسْتُ مِنْهُ، وَلَيْسَ يَرِدُ عَلَيَّ الْحَوْضَ، وَمَنْ لَمْ يَدْخُلْ عَلَيْهِمْ، وَلَمْ يُصَدِّقْهُمْ بِكَذِبِهِمْ، وَلَمْ يُعِنْهُمْ عَلَى ظُلْمِهِمْ، فَهُوَ مِنِّي، وَأَنَا مِنْهُ، وَسَيَرِدُ عَلَيَّ الْحَوْضَ").
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "هارون بن إسحاق": هو الْهَمْدانيّ، أبو القاسم الكوفيّ، صدوقٌ، منْ صغار [١٠] ١٣/ ٣٤٦.
و"محمد بن عبد الوهّاب" القنّاد بالقاف، والنون -أبو يحيى الكوفيّ، ويقال له: السُّكّريّ أيضًا، ثقة عابد [٩].
قَالَ عبد الله بن أحمد، عن أبيه: ثقة، لا بأس به، وَقَالَ أبو حاتم: ثقة. وَقَالَ الترمذيّ: حدثنا هارون بن إسحاق الهمدانيّ، حدثنا محمد بن عبد الوهّاب الكوفيّ، شيخٌ ثقة. وَقَالَ الحسن بن الربيع البجليّ: حدثنا محمد بن عبد الوهّاب الثقة المسلم.
стр. 15992
وَقَالَ فضيل بن عبد الوهّاب: سمعت أبا أُسامة يحلف مجتهدًا أنه ما رأى أورع منْ محمّد بن عبد الوهّاب. وَقَالَ العجليّ: كَانَ منْ أفاضل أهل الكوفة، وكان عَسِرًا فِي الحديث. وذكره ابن حبّان فِي "الثقات". وَقَالَ السرّاج: حدثنا هارون بن إسحاق، قَالَ: كَانَ منْ افضل الناس، مات سنة (٢١٢) وكذا أرّخه النسائيّ، وابن حبّان. وقيل: مات سنة (٢٠٩)، روى له المصنّف، والترمذيّ، وابن ماجه، وله فِي هَذَا الكتاب هَذَا الحديث فقط.
و"مسعر": هو ابن كِدّام الحافظ المشهور.
وقوله: "يرِد" بفتح أوله، وكسر ثانيه، مضارع ورد، منْ باب وعد، يقال: ورد البعير، وغيره الماء يرِده وُرُودًا: إذا بلغه، ووافاه منْ غير دخول، وَقَدْ يحصل الدخول فيه. قاله فِي "المصباح"، والمعنى الأخير هو المراد هنا، فمعناه يدخل الحوض، ويشرب منه.
والحديث صحيح، وَقَدْ سبق شرحه، ومسائله فِي الباب الماضي. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
٣٧ - (فَضْلُ منْ تَكَلَّمَ بِالْحَقِّ عِنْدَ إِمَامٍ جَائِرٍ)
٤٢١١ - (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ مَرْثَدٍ، عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ، أَنَّ رَجُلاً سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ ، وَقَدْ وَضَعَ رِجْلَهُ فِي الْغَرْزِ، أَيُّ الْجِهَادِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: "كَلِمَةُ حَقٍّ، عِنْدَ سُلْطَانٍ جَائِرٍ").
رجال هَذَا الإسناد: خمسة:
١ - (إسحاق بن منصور) بن بَهْرَام الكوسج، أبو يعقوب المروزيّ، ثقة ثبت [١١] ٧٢/ ٨٨.
٢ - (عبد الرحمن) بن مهديّ العنبريّ مولاهم البصريّ الإمام الحجة الثبت [٩] ٤٢/ ٤٩.
стр. 15993
٣ - (سفيان) الثوريّ المذكور قبل باب.
٤ - (علقمة بن مرثد) بفتح الميم، وسكون الراء، بعدها مثلّثة-: الحضرميّ، أبو الحارث الكوفيّ، ثقة [٦] ١٠٣/ ٢٠٤٠.
٥ - (طارق بن شهاب) البجليّ الأحمسيّ، أبو عبد الله الكوفيّ، رأى النبيّ صلّى الله تعالى عليه وسلم، ولم يسمع منه، مات سنة (٢) أو (٨٣) ٢٠٤/ ٣٢٤. والله تعالى أعلم.
لطائف هَذَا الإسناد:
(منها): أنه منْ خماسيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، إلا أنه مرسل؛ لأن طارقًا لم يسمع منْ النبيّ ﷺ . (ومنها). أنه مسلسل بالكوفيين منْ سفيان. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(ععَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ) البجليّ الأحمسيّ (أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ ، وَقَدْ وَضَع رِجْلَهُ فِي الْغَرْزِ) -بفتح الغين المعجمة، وسكون الراء، آخره زاي-: هو ركاب كُورِ الجمل، إذا كَانَ منْ جلد، أو خشب، وقيل: هو الْكُورُ مطلقًا، مثلُ الركاب للسرج. قاله ابن الأثير (١). والجملة فِي محلّ نصبٍ عَلَى الحال، أي والحال أنه صلّى الله تعالى عليه وسلم وضع رجله عَلَى الركاب ليركب دابّته (أَيُّ الْجِهَادِ أَفْضَلُ؟) مبتدأ وخبر، أي أنواع الجهاد أفضل ثوابًا عند الله تعالى (قَالَ) صلّى الله تعالى عليه وسلم (كَلِمَةُ حَقٍّ) خبر لمبتدإ محذوف: أي هو كلمة حقّ، وفي حديث أبي سعيد الخدريّ عند أبي داود، وغيره: "كلمة عدل"، والمعنى أن هَذَا منْ افضل الجهاد، لا أنه أفضله مطلقًا، بدليل رواية الترمذيّ: "إن منْ أعظم الجهاد كلمة عدل الخ". والمراد بالكلمة: ما أفاد أمرًا بمعروف، أو نهيًا عن منكر، منْ لفظ، أو ما فِي معناه، ككتابة، ونحوها (عِنْدَ سُلْطَانٍ جَائِرٍ) أَيْ ظَالِم، وِإنَّمَا صَارَ ذَلِكَ أَفْضَل الْجِهَاد؛ لِأَنَّ منْ جاهد الْعَدُوّ، كَانَ مُتَرَدِّدًا، بَيْن رَجَاء وَخَوْف، لا يدْرِي هَلْ يَغْلِب، أَوُ يُغْلَب، وَصَاحِب السُّلْطَان مَقْهُور فِي يده، فهُو إِذَا قَالَ الحَقّ، وَأَمَرَهُ بِالْمَعْرُوفِ، فَقَدْ تَعَرَّضَ لِلتَّلَفِ، وَأَهْدَفَ نَفْسه لِلْهَلَاكِ، فصار ذَلِكَ أَفْضَل أَنْوَاع الْجِهَاد، مِنْ أَجْل غَلَبَة الْخَوْف. قَالَهُ الْخَطَّابِيُّ وَغَيْره. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: حديث طارق بن شهاب هَذَا حديث صحيح، وهو منْ
стр. 15994
أفراد المصنّف رحمه الله تعالى، أخرجه هنا -٣٧/ ٤٢١١ - وفي "الكبرى" ٤١/ ٧٨٣٤.
[فإن قلت]: كيف يصحّ هَذَا الحديث، وطارق، لم يسمع منْ النبيّ صلّى الله تعالى عليه وسلم، فهو فِي عداد التابعين منْ حيث الرواية، فيكون مرسلاً؟.
[قلت]: هو مرسلٌ، لكن له شواهد، منْ حديث أبي أمامة الباهليّ عند أحمد ٥/ ٢٥١ و٢٥٦ - ، وابن ماجه ٤٠١٢ - بإسناد صحيح (١) منْ طريق أبي غالب، عن أبي أمامة رضي الله تعالى عنه، قَالَ: عرض لرسول الله ﷺ رجل، عند الجمرة الأولى، فقال: يا رسول الله، أيُّ الجهاد أفضل؟ فسكت عنه، فلما رَمَى الجمرة الثانية سأله، فسكت عنه، فلما رمى جمرة العقبة، وضع رجله فِي الغرز ليركب، قَالَ: "أين السائل؟ " قَالَ: أنا يا رسول الله ﷺ ، قَالَ: "كلمة حقّ، عند ذي سلطان جائر". ومن حديث أبي سعيد الخدريّ، عند أبي داود، والترمذيّ، وابن ماجه، وفيه عطيّة العوفيّ، وهو ضعيف، وأخرجه أحمد، والحاكم، وغيرهما منْ طريق عليّ بن زيد بن جدعان، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد، مرفوعًا، وعليّ بن زيد فيه ضعف، لكنه يصلح فِي المتابعة والشواهد (٢).
والحاصل أن حديث طارق بن شهاب صحيح لغيره. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
٣٨ - (ثَوَابِ مَنْ وَفَّى بِمَا بَايَعَ عَلَيْهِ)
٤٢١٢ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيِّ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، قَالَ: كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فِي مَجْلِسٍ، فَقَالَ: "بَايِعُونِي عَلَى أَنْ لَا تُشْرِكُوا بِاللَّهِ شَيْئًا، وَلَا تَسْرِقُوا، وَلَا تَزْنُوا، وَقَرَأَ عَلَيْهِمُ الآيَةَ، فَمَنْ وَفَّى مِنْكُمْ، فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ، وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا، فَسَتَرَ اللَّهُ عَلَيْهِ، فَهُوَ إِلَى اللَّهِ ، إِنْ شَاءَ
стр. 15995
عَذَّبَهُ، وَإِنْ شَاءَ غَفَرَ لَهُ").
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا غير مرّة. و"سفيان": هو ابن عيينة. و"أبو إدريس": هو عائذ الله بن عبد الله.
ودلالة الحديث عَلَى الترجمة واضحة، وهو حديث متّفقٌ عليه، وَقَدْ تقدّم فِي ٩/ ٤١٦٣ - وَقَدْ استوفيت شرحه، وبيان مسائله هناك، فراجعه تستفد. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
٣٩ - (مَا يُكْرَهُ مِنَ الْحِرْصِ عَلَى الإِمَارَةِ)
٤٢١٣ - (أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ آدَمَ بْنِ سُلَيْمَانَ، عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ، عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: "إِنَّكُمْ سَتَحْرِصُونَ عَلَى الإِمَارَةِ، وَإِنَّهَا سَتَكُونُ نَدَامَةً وَحَسْرَةً، فَنِعْمَتِ الْمُرْضِعَةُ، وَبِئْسَتِ الْفَاطِمَةُ").
رجال هَذَا الإسناد: خمسة:
١ - (محمد بن آدم بن سليمان) الجهنيّ الميصيصيّ، صدوقٌ [١٠] ٩٣/ ١١٥.
٢ - (ابن المبارك) عبد الله الحنظليّ المروزيّ الإمام الحجة الثبت [٨] ٣٢/ ٣٦.
٣ - (ابن أبي ذئب) هو محمد بن عبد الرحمن بن المغيرة بن الحارث بن أبي ذئب القرشيّ العامريّ، أبو الحارث المدنيّ، ثقة فقيه فاضل [٧] ٤١/ ٦٨٥.
٤ - (سعيد) بن أبي سعيد كيسان المقبريّ، أبو سَعْد المدنيّ، ثقة تغيّر قبل موته بأربع سنين [٣] ٩٥/ ١١٧.
٥ - (أبو هريرة) رضي الله تعالى عنه ١/ ١. والله تعالى أعلم.
لطائف هَذَا الإسناد:
(منها): أنه منْ خماسيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فقد تفرّد به هو وأبو داود. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخه، فمصِّيصِيٌّ، وابن المبارك، فمروزيّ. (ومنها): أن فيه أبا هريرة
стр. 15996
رضي الله تعالى عنه أحفظ منْ روى الحديث فِي دهره. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رضي الله تعالى عنه (عَنْ النَّبِيِّ ﷺ ) قَالَ فِي "الفتح": هَكَذَا رَوَاهُ ابْن أبِي ذِئْب، مَرْفُوعًا، وَأَدْخَلَ عَنَد الْحَمِيد بْن جَعْفَر، بَيْنَ سَعِيد وأبِي هُرَيْرَة رَجُلًا، وَلَمْ يَرْفَعهُ، وَابْن أبِي ذِئْب أَتْقَن منْ عَبْد الْحَمِيد، وَأَعْرَف بِحَدِيثِ الْمَقْبُرِيِّ مِنْهُ، فَرِوَايتَه هِيَ الْمُعْتَمَدَة، وَعَقَّبَهُ الْبُخَارِيّ بِطرِيقِ عَبْد الْحَمِيد، إِشَارَة مِنْهُ إِلى إِمْكَان تَصْحِيح الْقَوْلَيْنِ، فَلَعَلَّهُ كَاَنَ عِنْد سَعِيد، عَنْ عُمَر بْن الْحَكَم، عَنْ أبِي هُرَيْرَة مَوْقُوفًا، عَلَى ما رواهُ عَنْهُ عَبْد الْحَمِيد، وَكَانَ عِنْده عن أبِي هُرَيْرَة، بِغَيْرِ وَاسِطَة، مَرْفُوعًا، إِذ وُجِدَتْ عِنْدَ كُلّ مِنْ الرَّاوِيَيْنِ، عن سَعِيد زِيَادَة، ورِواية الْوَقْف، لَا تُعارِض رِوَايَة الرَّفْع؛ لِأَنَّ الرَّاوِي قَدْ يَنْشَط، فيُسْنِد، وَقَدْ لَا يَنَشَط، فَيَقِف. انتهى (١).
(قَالَ) صلّى الله تعالى عليه وسلم (إِنَّكُمْ سَتَحْرِصُونَ) بكسر الراء، ويجوز فتحها، قَالَ فِي "الفتح": ووقع فِي رواية شبابة، عن ابن أبي ذئب: "ستعرضون" بالعين المهملة، وأشار إلى أنها خطأ. انتهى (عَلَى الْإمَارَةِ) دَخَل فِيهِ الإمَارَة الْعُظْمَى، وَهِيَ الْخِلَافَة، وَالصُّغْرَى، وَهِيَ الْوِلَايَة عَلَى بَعْض الْبِلَاد، وَهَذَا إِخْبَار مِنْهُ ﷺ بِالشَّيْءِ، قَبْلَ وُقُوعه، فَوَقَع كَمَا أَخْبَرَ.
(وَإِنَّهَا سَتَكُونُ نَدَامَةً) زاد فِي رواية البخاريّ: "يَوْمَ الْقِيامَة": أَيْ لِمَنْ لَمْ يَعْمَل فِيهَا بِمَا يَنْبَغِي (وَحَسْرَةً) وَيُوَضِّح معنى ما ذُكر مَا أَخْرَجَهُ الْبَزَّار، وَالطَّبَرَانِيُّ، بِسَنَدٍ صَحِيح، عَنَ عَوْف بْن مالِك، بِلَفْظِ: "أَوَّلهَا مَلَامَة، وَثَانِيهَا نَدَامَة، وَثَالِثهَا عَذَاب يَوْمَ الْقِيَامَة، إِلَّا مَنْ عَدَلَ". وَللطَّبَرَانِيِّ فِي "الأوْسَط"، مِنْ رِوَايَة شَرِيك، عَنْ عَبْد الله بن عِيسَى، عَنْ أبِي صَالِح، عَنْ أبِي هُرَيْرَة، قَالَ شَرِيك: لَا أَدْرِي، رَفَعَهُ، أَمْ لَا؟، قَالَ: "الْإمَارَة أَوَّلهَا نَدَامَة، وَأَوْسَطهَا غَرَامَة، وَآخِرهَا عَذَاب يَوْم الْقِيَامَة"، ولهُ شَاهِد مِنْ حَدِيث شَدَّاد بْن أوْس رَفَعَهُ، بِلفْظِ: "أَوَّلهَا مَلَامَة، وَثَانِيهَا نَدَامَة". أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ، وعِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيث زَيْد بن ثَابِت رَفَعَهُ: "نِعْمَ الشَّيْء الإمَارَة، لِمَنْ أخَذَهَا بِحَقِّهَا، وَحِلِّهَا، وَبِئْسَ الشَّيْء الْإمَارَة، لِمَنْ أَخَذَهَا بِغَيْرِ حَقِّهَا، تَكُون عَلَيْهِ حَسْرَة، يَوْم الْقِيَامَة". وَهَذَا يُقَيِّد مَا أُطْلِقَ فِي الَّذِي قَبْلَهُ، وَيُقَيِّدهُ أيْضًا مَا أَخْرَجَ مُسْلِم، عَنْ أبِي ذَرّ رضي الله تعالى عنه، قَالَ: "قُلْت: يَا رَسُول الله، أَلَا تَسْتَعْمِلُنِي؟ قَالَ: إِنَّك ضَعِيف، وَإِنَّها أَمَانَة، وَإِنَّهَا يَوْم الْقِيَامَة خِزْي وَنَدَامَة، إِلَّا مَنْ أَخَذَهَا بِحَقِّهَا، وَأَدَّى الَّذِي عَلَيْهِ فِيهَا".
стр. 15997
قَالَ النَّوَوِيّ: هَذَا الحديث أَصْل عَظِيم فِي اجْتِنَاب الْوِلَايَات، وَلَا سِيَّمَا لِمَنْ كَانَ فِيهِ ضَعْف عن القيام بوظائف تلك الولاية، وَأما الخزي، والندامة فهُوَ فِي حَقّ مَنْ لم يكن أهلاً لها، أو كَانَ أهلًا، ولم يعدل فيها، فيُخزيه الله تعالى يوم القيامة، ويَفضحه، ويَندم عَلَى ما فرّط. وَأَمَّا مَنْ كَانَ أَهْلًا للولاية، وَعَدَلَ فِيهَا، فَله فضلٌ عَظِيم، تَظَاهَرَتْ بِهِ الأحاديث "الصحيحة" كحديث: "سبعة يُظلّهم الله" الحديث متّفقٌ عليه، وحديث: "إن المقسطين عَلَى منابر منْ نور" رواه مسلم، وغير ذلك، وإجماع المسلمين منعقد عليه، ومع هَذَا فلكثرة الخطر فيها حذّر صلّى الله تعالى عليه وسلم منها، وكذا حذّر العلماء، وامتنع منها خلائق منْ السلف، وصبروا عَلَى الأذى حين امتنعوا. انتهى (١).
(فَنِعْمَتِ الْمُرْضِعَةُ، وَبِئْسَتِ الْفَاطِمَةُ") قَالَ فِي "النهاية": ضرب المرضعة مثلًا للإمارة، وما توصله إلى صاحبها منْ المنافع، وضرب الفاطمة مثلًا للموت الذي يَهدِمُ عليه لذّاته، ويقطع منافعها دونه. انتهى (٢).
وقَالَ الدَّاوُدِيّ رحمه الله تعالى: نِعْم الْمُرْضِعَة: أَيْ فِي الدُّنْيَا، وَبِئْسَتْ الْفَاطِمَة: أَيْ بَعْدَ الْمَوْت؛ لِأَنَّهُ يَصِير إِلَى الْمُحَاسَبَة عَلَى ذَلِكَ، فَهُوَ كَاَلَّذِي يُفْطَم قَبْلَ أَنْ يَسْتَغْنِي، فَيَكُون فِي ذَلِكَ هَلَاكه. وَقَالَ غَيْره: نِعْمَ الْمُرْضِعَة؛ لِمَا فِيها مَنْ حُصُول الْجَاه وَالْمَال، وَنَفَاذ الْكَلِمَة، وَتَحصِيل اللَّذَّات الْحِسِّيَّة والْوَهْمِيَّة، حَال حُصُولهَا، وَبِئْسَتْ الْفَاطِمْة عِنْدَ الانْفِصَال عَنْهَا، بِمَوْتٍ أَوْ غَيْره، وَمَا يَتَرَتَّب عَلَيْهَا مَنْ التَّبِعَات فِي الآخِرَة.
[تَنْبِيهٌ]: وقع فِي رواية البخاريّ: "نعم المرضعة، وبئست الفاطمة" بدون تاء التأنيث، فِي "نعم"، وإثباتها فِي "بئس". فقال فِي "الفتح": أُلْحِقَتْ التَّاء فِي "بِئْسَ"، دُون نِعْمَ، والْحَكْم فِيهِمَا، إِذَا كَانَ فَاعِلهمَا مُؤَنَّثًا، جَوَاز الْإلْحَاق وَتَرْكه، فَوَقَعَ التَّفَنُّن فِي هَذَا الْحَدِيث بِحَسَبِ ذَلِكَ.
وَقَالَ الطَّيبِيُّ: إِنَّمَا لَمْ يُلْحِقهَا بِـ"نِعْمَ"؛ لِأنَّ الْمُرْضِعَة مُسْتَعَارة لِلْإِمَارَةِ، وَتَأْنِيثَها غير حَقِيقِيّ، فَتَرَكَ إلْحَاق التَّاء بِها، وَإِلْحَاقهَا "بِئْسَ" نَظَرًا إِلَى كَوْن الْإمَارَة حِينَئِذٍ دَاهِيةَ دَهْيَاء. قَاَل: وَإنَّمَا أُتِيَ بالتَّاءِ فِي "الْفَاطِمَة"، و"الْمُرْضِعَة" إِشَارَة إِلَى تَصْوِير تَيْنِك الْحَالَتَيْنِ الْمُتَجَدِّدَتَيْنِ فِي الْإرْضَاع وَالْفِطَام. انتهى.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: هَذَا الذي ذكروه منْ عدم لحاق التاء بـ"نعم"، ولحاقها بـ"بئس" عَلَى رواية البخاريّ، وهو الذي فِي "الكبرى" للمصنّف، وأما عَلَى ما فِي نسخ "المجتبى"، فقد لحقت بكليهما، ولعل هَذَا الاختلاف منْ تصرّف الرواة.
стр. 15998
[تنبيه]: القاعدة فِي "نعم"، و"بئس" إذا كَانَ فاعلها مؤنّثًا، وإن كَانَ حقيقيًا جواز إلحاق التاء بهما، وتركها، كنعم المرأة هند، وبئست المرأه سعد، وإنما جاز ذلك؛ لأن فاعلهما مقصود به استغراق الجنس، فعومل معاملة جمع التكسير فِي جواز إثبات التاء، وحذفها؛ لشبهه فِي أن المقصود به متعدّد. وإلى هَذَا أشار ابن مالك رحمه الله تعالى فِي "خلاصته"، حيث قَالَ:
والْحَذْف فِي "نِعْمَ الْفَتَاةُ" اسْتَحْسَنُوا … لأنَّ قَصْدَ الْجِنْسِ فِيهِ بَيِّنُ.
[تنبيه آخر]: قَالَ الإمام البخاريّ رحمه الله تعالى بعد إخراج هَذَا الحديث، منْ طريق ابن أبي ذئب، مرفوعًا: ما نصّه: وَقَالَ محمد بن بشار: حدثنا عبد الله بن حُمْران، حدثنا عبد الحميد بن جعفر، عن سعيد المقبري، عن عمر بن الحكم، عن أبي هريرة، قَوْلَهُ.
قَالَ فِي "الفتح": قَوْله: "وَقَالَ مُحَمَّد بْن بَشَّار": هُوَ بِنْدَارٌ، وَوَقَعَ فِي "مُسْتَخْرَج أَبِي نُعيم" أَنَّ الْبُخَارِيّ قَالَ: "حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن بَشَّار". وَعَبْد الله بْن حِمْران: هُوَ بَصْرِيّ صَدُوق، وَقَدْ قَالَ ابْن حِبَّان فِي "الثِّقَات": يُخْطِىء، وَمَا لَهُ فِي "الصَّحِيح" إِلَّا هَذَا الْمَوْضِع. وَعَبْد الْحَمِيد بْن جَعْفَر: هُوَ الْمَدَنِيّ، لَمْ يُخَرِّج لَهُ الْبُخَارِيّ، إِلَّا تَعْليقًا. وعُمر بن الْحَكم: أَيْ ابْن ثَوْبَانَ، مَدَنِيّ ثِقَة، أَخْرَجَ لهُ الْبُخَارِيّ، فِي غَيْر هَذَا الْمَوْضِع، تَعْلِيقًا، كَمَا تَقَدَّمَ فِي الصِّيَام. قَوْلُهُ: "عَنْ أَبِي هُرَيْرَة": أيْ مَوْقُوفًا عَلَيْهِ. انتهى (١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): فِي درجته:
حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه هَذَا أخرجه البخاريّ.
(المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -٣٩/ ٤٢١٣ - وفي "الكبرى" ٤٣/ ٧٨٣٦. وأخرجه (خ) فِي "الأحكام" ٧١٤٨ (أحمد) فِي "باقي مسند المكثرين" ٩٤٩٩ و٩٨٠٦. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): فِي فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو كراهة الحرص عَلَى الإمارة.
(ومنها): أن الذي يناله المتولّي منْ النعماء، والسرّاء، دون ما يناله منْ البأساء والضرّاء،
стр. 15999
إما بالعزل فِي الدنيا، فيصير خاملًا، وإما بالمؤخذة فِي الآخرة، وذلك أشدّ نسأل الله تعالى العفو والعافية- قَالَ القاضي البيضاويّ: فلا ينبغي لعاقل أن يفرح بلذّة، يعقبها حسرة. (ومنها): ما قاله المهلّب رحمه الله تعالى: الحرص عَلَى الولاية هو السبب فِي اقتتال الناس عليها، حتّى سُفكت الدماء، واستبيحت الأموال والفروج، وعظم الفساد فِي الأرض بذلك، ووجه الندم أنه قَدْ يُقْتل، أَوْ يُعْزَل، أَوُ يَمُوت، فَيَنْدَم عَلَى الدُّخُول فِيهَا؛ لِأنَّهُ يُطَالَب بِالتَّبِعَاتِ الَّتِي ارْتَكَبَهَا، وَقَدْ فَاَتَهُ مَا حَرَصَ عَلَيْهِ بِمُفَارَقَتِهِ، قَالَ: وَيَسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ مَنْ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ، كَأَنْ يَمُوت الْوالِي، ولا يُوجَد بَعَده منْ يَقُوم بِالْأَمْرِ غَيْره، وَإِذَا لَمْ يَدْخُل فِي ذَلِكَ، يَحْصُل الْفَسَاد بِضَيَاع الْأحْوَال.
قَالَ الحافظ رحمه الله تعالى: وَهَذَا لَا يُخَالِف مَا فُرِضَ فِي الْحَدِيث الَّذِي قَبْلَهُ يعني حديث أبي هريرة المذكور فِي هَذَا الباب- منْ الْحُصُول بِالطَّلَبِ، أَوْ بِغَيْرِ طَلَب، بَلْ فِي التَّعْبِير بِالْحَرْصِ، إِشَارَة إِلَى أنَّ مَنْ قَامَ بِالْأَمْر، عِنْد خَشْيَة الضَّيَاع، يَكُون كَمَنْ أُعْطِيَ بِغَيْرِ سُؤَال؛ لِفَقْدِ الْحِرْص غَالِبًا عَمَّنْ هَذَا شَأْنه، وَقَدْ يُغْتَفَر الْحِرْص فِي حَقّ مَنْ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ؛ لِكَوْنِهِ يَصِير وَاجبًا عَلَيْهِ، وتوْلِيَة، الْقَضَاء عَلَى الْإمَام فَرْض عَيْن، وَعَلَى الْقَاضِي فَرْض كِفَايَة، إِذَا كَانَ هُنَاكَ غَيْره. انتهى (١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلتُ، وإليه أنيب".
…
стр. 16000
٣٩ - (كِتَابُ الْعَقِيقَةِ)
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: كَانَ الأولى للمصنّف رحمه الله تعالى أن يذكر هَذَا الكتاب بعد "كتاب الضحايا"، كما فعل فِي "الكبرى"؛ للمناسبة الواضحة بينهما.
قَالَ الإِمام الحافظ أبو عمر ابن عبد البرّ رحمه الله تعالى فِي "التمهيد": وأما العقيقة فِي اللغة، فزعم أبو عبيد، عن الأصمعيّ وغيره أن أصلها الشعر الذي يكون عَلَى رأس الصبيّ حين يولد، قَالَ: وإنما سمّيت الشاة التي تُذبح عنه عقيقةً؛ لأنه يُحلق عنه ذلك الشعر عند الذبح. قَالَ: ولهذا قيل فِي الحديث: "وأميطوا عنه الأذى" يعني بالأذى ذلك الشعر. قَالَ أبو عبيد: وهذا مما قلت لك: إنهم ربّما سمّوا الشيء باسم غيره، إذا كَانَ معه، أو منْ سببه، فسُمّيت الشاة عقيقةً لعقيقة الشعر، وكذلك كلُّ مولود منْ البهائم، فإن الشعر الذي يكون عليه حين يولد عقيقة، وعقّةٌ، قَالَ زُهير يذكر حمار وحش [منْ الوافر]:
أذَلِكَ أمْ شَتِيمُ الْوَجْهِ جَأْبُ (١) … عَلَيْهِ مِنْ عَقِيقَتِهِ عَفَاءُ
يعني صغار الوبر. وَقَالَ ابن الرقاع فِي الْعِقّة، يصف حمارًا [منْ البسيط]:
تَحسَّرَتْ عِقَّةٌ عَنْهُ فَأَنْسَلَهَا … وَاجْتَابَ أُخْرَى جَدِيدًا بَعْدَمَا ابْتَقَلَا
مُوَلَّعٍ بِسَوَادٍ فِي أَسَافِلِهِ … مِنْهُ احْتَذَى وِبِلَوْنٍ مِثْلِهِ اكْتَحَلَا
فجعل العقيقة الشعر، لا الشاة، يقول: لمّا تربّع، وأكل بُقُول الربيع، أنسل الشعر المولود معه، وأنبت الآخر، فاجتابه: أي اكتساه. قَالَ أبو عُبيد: العِقّةُ والعقيقة فِي الناس، والحمُر، ولم يُسمع فِي غير ذلك.
قَالَ أبو عمر: وَقَدْ أنكر أحمد بن حنبل تصير أبي عُبيد هَذَا للعقيقة، وما ذكره عن الأصمعيّ، وغيره فِي ذلك، وَقَالَ: إنما العقيقة: الذبح نفسه. قَالَ: ولا وجه لما قَالَ أبو عبيد. واحتجّ بعض المتأخّرين لأحمد بأن قَالَ ما قَالَ أحمد منْ ذلك، فمعروفٌ فِي اللغة؛ لأنه يقال: عقّ: إذا قطع، ومنه يقال: عقّ والديه: إذا قطعهما. قَالَ أبو عمر: يشهد لقول أحمد قول الشاعر [منْ الطويل]:
بِلَادٌ بَهِا عَقَّ الشَّبَابُ تَمَائِمِي … وَأَوَّلُ أرْضٍ مَسَّ جِلْدِي تُرَابَهُا