← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 12888

ذخيرة العقبى في شرح المجتبى

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (19 271 стр.). Показаны 15996–16035 · переход к 16001.

стр. 15996

رضي الله تعالى عنه أحفظ منْ روى الحديث فِي دهره. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رضي الله تعالى عنه (عَنْ النَّبِيِّ ﷺ ) قَالَ فِي "الفتح": هَكَذَا رَوَاهُ ابْن أبِي ذِئْب، مَرْفُوعًا، وَأَدْخَلَ عَنَد الْحَمِيد بْن جَعْفَر، بَيْنَ سَعِيد وأبِي هُرَيْرَة رَجُلًا، وَلَمْ يَرْفَعهُ، وَابْن أبِي ذِئْب أَتْقَن منْ عَبْد الْحَمِيد، وَأَعْرَف بِحَدِيثِ الْمَقْبُرِيِّ مِنْهُ، فَرِوَايتَه هِيَ الْمُعْتَمَدَة، وَعَقَّبَهُ الْبُخَارِيّ بِطرِيقِ عَبْد الْحَمِيد، إِشَارَة مِنْهُ إِلى إِمْكَان تَصْحِيح الْقَوْلَيْنِ، فَلَعَلَّهُ كَاَنَ عِنْد سَعِيد، عَنْ عُمَر بْن الْحَكَم، عَنْ أبِي هُرَيْرَة مَوْقُوفًا، عَلَى ما رواهُ عَنْهُ عَبْد الْحَمِيد، وَكَانَ عِنْده عن أبِي هُرَيْرَة، بِغَيْرِ وَاسِطَة، مَرْفُوعًا، إِذ وُجِدَتْ عِنْدَ كُلّ مِنْ الرَّاوِيَيْنِ، عن سَعِيد زِيَادَة، ورِواية الْوَقْف، لَا تُعارِض رِوَايَة الرَّفْع؛ لِأَنَّ الرَّاوِي قَدْ يَنْشَط، فيُسْنِد، وَقَدْ لَا يَنَشَط، فَيَقِف. انتهى (١). (قَالَ) صلّى الله تعالى عليه وسلم (إِنَّكُمْ سَتَحْرِصُونَ) بكسر الراء، ويجوز فتحها، قَالَ فِي "الفتح": ووقع فِي رواية شبابة، عن ابن أبي ذئب: "ستعرضون" بالعين المهملة، وأشار إلى أنها خطأ. انتهى (عَلَى الْإمَارَةِ) دَخَل فِيهِ الإمَارَة الْعُظْمَى، وَهِيَ الْخِلَافَة، وَالصُّغْرَى، وَهِيَ الْوِلَايَة عَلَى بَعْض الْبِلَاد، وَهَذَا إِخْبَار مِنْهُ ﷺ بِالشَّيْءِ، قَبْلَ وُقُوعه، فَوَقَع كَمَا أَخْبَرَ. (وَإِنَّهَا سَتَكُونُ نَدَامَةً) زاد فِي رواية البخاريّ: "يَوْمَ الْقِيامَة": أَيْ لِمَنْ لَمْ يَعْمَل فِيهَا بِمَا يَنْبَغِي (وَحَسْرَةً) وَيُوَضِّح معنى ما ذُكر مَا أَخْرَجَهُ الْبَزَّار، وَالطَّبَرَانِيُّ، بِسَنَدٍ صَحِيح، عَنَ عَوْف بْن مالِك، بِلَفْظِ: "أَوَّلهَا مَلَامَة، وَثَانِيهَا نَدَامَة، وَثَالِثهَا عَذَاب يَوْمَ الْقِيَامَة، إِلَّا مَنْ عَدَلَ". وَللطَّبَرَانِيِّ فِي "الأوْسَط"، مِنْ رِوَايَة شَرِيك، عَنْ عَبْد الله بن عِيسَى، عَنْ أبِي صَالِح، عَنْ أبِي هُرَيْرَة، قَالَ شَرِيك: لَا أَدْرِي، رَفَعَهُ، أَمْ لَا؟، قَالَ: "الْإمَارَة أَوَّلهَا نَدَامَة، وَأَوْسَطهَا غَرَامَة، وَآخِرهَا عَذَاب يَوْم الْقِيَامَة"، ولهُ شَاهِد مِنْ حَدِيث شَدَّاد بْن أوْس رَفَعَهُ، بِلفْظِ: "أَوَّلهَا مَلَامَة، وَثَانِيهَا نَدَامَة". أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ، وعِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيث زَيْد بن ثَابِت رَفَعَهُ: "نِعْمَ الشَّيْء الإمَارَة، لِمَنْ أخَذَهَا بِحَقِّهَا، وَحِلِّهَا، وَبِئْسَ الشَّيْء الْإمَارَة، لِمَنْ أَخَذَهَا بِغَيْرِ حَقِّهَا، تَكُون عَلَيْهِ حَسْرَة، يَوْم الْقِيَامَة". وَهَذَا يُقَيِّد مَا أُطْلِقَ فِي الَّذِي قَبْلَهُ، وَيُقَيِّدهُ أيْضًا مَا أَخْرَجَ مُسْلِم، عَنْ أبِي ذَرّ رضي الله تعالى عنه، قَالَ: "قُلْت: يَا رَسُول الله، أَلَا تَسْتَعْمِلُنِي؟ قَالَ: إِنَّك ضَعِيف، وَإِنَّها أَمَانَة، وَإِنَّهَا يَوْم الْقِيَامَة خِزْي وَنَدَامَة، إِلَّا مَنْ أَخَذَهَا بِحَقِّهَا، وَأَدَّى الَّذِي عَلَيْهِ فِيهَا".

стр. 15997

قَالَ النَّوَوِيّ: هَذَا الحديث أَصْل عَظِيم فِي اجْتِنَاب الْوِلَايَات، وَلَا سِيَّمَا لِمَنْ كَانَ فِيهِ ضَعْف عن القيام بوظائف تلك الولاية، وَأما الخزي، والندامة فهُوَ فِي حَقّ مَنْ لم يكن أهلاً لها، أو كَانَ أهلًا، ولم يعدل فيها، فيُخزيه الله تعالى يوم القيامة، ويَفضحه، ويَندم عَلَى ما فرّط. وَأَمَّا مَنْ كَانَ أَهْلًا للولاية، وَعَدَلَ فِيهَا، فَله فضلٌ عَظِيم، تَظَاهَرَتْ بِهِ الأحاديث "الصحيحة" كحديث: "سبعة يُظلّهم الله" الحديث متّفقٌ عليه، وحديث: "إن المقسطين عَلَى منابر منْ نور" رواه مسلم، وغير ذلك، وإجماع المسلمين منعقد عليه، ومع هَذَا فلكثرة الخطر فيها حذّر صلّى الله تعالى عليه وسلم منها، وكذا حذّر العلماء، وامتنع منها خلائق منْ السلف، وصبروا عَلَى الأذى حين امتنعوا. انتهى (١). (فَنِعْمَتِ الْمُرْضِعَةُ، وَبِئْسَتِ الْفَاطِمَةُ") قَالَ فِي "النهاية": ضرب المرضعة مثلًا للإمارة، وما توصله إلى صاحبها منْ المنافع، وضرب الفاطمة مثلًا للموت الذي يَهدِمُ عليه لذّاته، ويقطع منافعها دونه. انتهى (٢). وقَالَ الدَّاوُدِيّ رحمه الله تعالى: نِعْم الْمُرْضِعَة: أَيْ فِي الدُّنْيَا، وَبِئْسَتْ الْفَاطِمَة: أَيْ بَعْدَ الْمَوْت؛ لِأَنَّهُ يَصِير إِلَى الْمُحَاسَبَة عَلَى ذَلِكَ، فَهُوَ كَاَلَّذِي يُفْطَم قَبْلَ أَنْ يَسْتَغْنِي، فَيَكُون فِي ذَلِكَ هَلَاكه. وَقَالَ غَيْره: نِعْمَ الْمُرْضِعَة؛ لِمَا فِيها مَنْ حُصُول الْجَاه وَالْمَال، وَنَفَاذ الْكَلِمَة، وَتَحصِيل اللَّذَّات الْحِسِّيَّة والْوَهْمِيَّة، حَال حُصُولهَا، وَبِئْسَتْ الْفَاطِمْة عِنْدَ الانْفِصَال عَنْهَا، بِمَوْتٍ أَوْ غَيْره، وَمَا يَتَرَتَّب عَلَيْهَا مَنْ التَّبِعَات فِي الآخِرَة. [تَنْبِيهٌ]: وقع فِي رواية البخاريّ: "نعم المرضعة، وبئست الفاطمة" بدون تاء التأنيث، فِي "نعم"، وإثباتها فِي "بئس". فقال فِي "الفتح": أُلْحِقَتْ التَّاء فِي "بِئْسَ"، دُون نِعْمَ، والْحَكْم فِيهِمَا، إِذَا كَانَ فَاعِلهمَا مُؤَنَّثًا، جَوَاز الْإلْحَاق وَتَرْكه، فَوَقَعَ التَّفَنُّن فِي هَذَا الْحَدِيث بِحَسَبِ ذَلِكَ. وَقَالَ الطَّيبِيُّ: إِنَّمَا لَمْ يُلْحِقهَا بِـ"نِعْمَ"؛ لِأنَّ الْمُرْضِعَة مُسْتَعَارة لِلْإِمَارَةِ، وَتَأْنِيثَها غير حَقِيقِيّ، فَتَرَكَ إلْحَاق التَّاء بِها، وَإِلْحَاقهَا "بِئْسَ" نَظَرًا إِلَى كَوْن الْإمَارَة حِينَئِذٍ دَاهِيةَ دَهْيَاء. قَاَل: وَإنَّمَا أُتِيَ بالتَّاءِ فِي "الْفَاطِمَة"، و"الْمُرْضِعَة" إِشَارَة إِلَى تَصْوِير تَيْنِك الْحَالَتَيْنِ الْمُتَجَدِّدَتَيْنِ فِي الْإرْضَاع وَالْفِطَام. انتهى. قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: هَذَا الذي ذكروه منْ عدم لحاق التاء بـ"نعم"، ولحاقها بـ"بئس" عَلَى رواية البخاريّ، وهو الذي فِي "الكبرى" للمصنّف، وأما عَلَى ما فِي نسخ "المجتبى"، فقد لحقت بكليهما، ولعل هَذَا الاختلاف منْ تصرّف الرواة.

стр. 15998

[تنبيه]: القاعدة فِي "نعم"، و"بئس" إذا كَانَ فاعلها مؤنّثًا، وإن كَانَ حقيقيًا جواز إلحاق التاء بهما، وتركها، كنعم المرأة هند، وبئست المرأه سعد، وإنما جاز ذلك؛ لأن فاعلهما مقصود به استغراق الجنس، فعومل معاملة جمع التكسير فِي جواز إثبات التاء، وحذفها؛ لشبهه فِي أن المقصود به متعدّد. وإلى هَذَا أشار ابن مالك رحمه الله تعالى فِي "خلاصته"، حيث قَالَ: والْحَذْف فِي "نِعْمَ الْفَتَاةُ" اسْتَحْسَنُوا … لأنَّ قَصْدَ الْجِنْسِ فِيهِ بَيِّنُ. [تنبيه آخر]: قَالَ الإمام البخاريّ رحمه الله تعالى بعد إخراج هَذَا الحديث، منْ طريق ابن أبي ذئب، مرفوعًا: ما نصّه: وَقَالَ محمد بن بشار: حدثنا عبد الله بن حُمْران، حدثنا عبد الحميد بن جعفر، عن سعيد المقبري، عن عمر بن الحكم، عن أبي هريرة، قَوْلَهُ. قَالَ فِي "الفتح": قَوْله: "وَقَالَ مُحَمَّد بْن بَشَّار": هُوَ بِنْدَارٌ، وَوَقَعَ فِي "مُسْتَخْرَج أَبِي نُعيم" أَنَّ الْبُخَارِيّ قَالَ: "حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن بَشَّار". وَعَبْد الله بْن حِمْران: هُوَ بَصْرِيّ صَدُوق، وَقَدْ قَالَ ابْن حِبَّان فِي "الثِّقَات": يُخْطِىء، وَمَا لَهُ فِي "الصَّحِيح" إِلَّا هَذَا الْمَوْضِع. وَعَبْد الْحَمِيد بْن جَعْفَر: هُوَ الْمَدَنِيّ، لَمْ يُخَرِّج لَهُ الْبُخَارِيّ، إِلَّا تَعْليقًا. وعُمر بن الْحَكم: أَيْ ابْن ثَوْبَانَ، مَدَنِيّ ثِقَة، أَخْرَجَ لهُ الْبُخَارِيّ، فِي غَيْر هَذَا الْمَوْضِع، تَعْلِيقًا، كَمَا تَقَدَّمَ فِي الصِّيَام. قَوْلُهُ: "عَنْ أَبِي هُرَيْرَة": أيْ مَوْقُوفًا عَلَيْهِ. انتهى (١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): فِي درجته: حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه هَذَا أخرجه البخاريّ. (المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -٣٩/ ٤٢١٣ - وفي "الكبرى" ٤٣/ ٧٨٣٦. وأخرجه (خ) فِي "الأحكام" ٧١٤٨ (أحمد) فِي "باقي مسند المكثرين" ٩٤٩٩ و٩٨٠٦. والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): فِي فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو كراهة الحرص عَلَى الإمارة. (ومنها): أن الذي يناله المتولّي منْ النعماء، والسرّاء، دون ما يناله منْ البأساء والضرّاء،

стр. 15999

إما بالعزل فِي الدنيا، فيصير خاملًا، وإما بالمؤخذة فِي الآخرة، وذلك أشدّ نسأل الله تعالى العفو والعافية- قَالَ القاضي البيضاويّ: فلا ينبغي لعاقل أن يفرح بلذّة، يعقبها حسرة. (ومنها): ما قاله المهلّب رحمه الله تعالى: الحرص عَلَى الولاية هو السبب فِي اقتتال الناس عليها، حتّى سُفكت الدماء، واستبيحت الأموال والفروج، وعظم الفساد فِي الأرض بذلك، ووجه الندم أنه قَدْ يُقْتل، أَوْ يُعْزَل، أَوُ يَمُوت، فَيَنْدَم عَلَى الدُّخُول فِيهَا؛ لِأنَّهُ يُطَالَب بِالتَّبِعَاتِ الَّتِي ارْتَكَبَهَا، وَقَدْ فَاَتَهُ مَا حَرَصَ عَلَيْهِ بِمُفَارَقَتِهِ، قَالَ: وَيَسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ مَنْ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ، كَأَنْ يَمُوت الْوالِي، ولا يُوجَد بَعَده منْ يَقُوم بِالْأَمْرِ غَيْره، وَإِذَا لَمْ يَدْخُل فِي ذَلِكَ، يَحْصُل الْفَسَاد بِضَيَاع الْأحْوَال. قَالَ الحافظ رحمه الله تعالى: وَهَذَا لَا يُخَالِف مَا فُرِضَ فِي الْحَدِيث الَّذِي قَبْلَهُ يعني حديث أبي هريرة المذكور فِي هَذَا الباب- منْ الْحُصُول بِالطَّلَبِ، أَوْ بِغَيْرِ طَلَب، بَلْ فِي التَّعْبِير بِالْحَرْصِ، إِشَارَة إِلَى أنَّ مَنْ قَامَ بِالْأَمْر، عِنْد خَشْيَة الضَّيَاع، يَكُون كَمَنْ أُعْطِيَ بِغَيْرِ سُؤَال؛ لِفَقْدِ الْحِرْص غَالِبًا عَمَّنْ هَذَا شَأْنه، وَقَدْ يُغْتَفَر الْحِرْص فِي حَقّ مَنْ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ؛ لِكَوْنِهِ يَصِير وَاجبًا عَلَيْهِ، وتوْلِيَة، الْقَضَاء عَلَى الْإمَام فَرْض عَيْن، وَعَلَى الْقَاضِي فَرْض كِفَايَة، إِذَا كَانَ هُنَاكَ غَيْره. انتهى (١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلتُ، وإليه أنيب". …

стр. 16000

٣٩ - (كِتَابُ الْعَقِيقَةِ) قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: كَانَ الأولى للمصنّف رحمه الله تعالى أن يذكر هَذَا الكتاب بعد "كتاب الضحايا"، كما فعل فِي "الكبرى"؛ للمناسبة الواضحة بينهما. قَالَ الإِمام الحافظ أبو عمر ابن عبد البرّ رحمه الله تعالى فِي "التمهيد": وأما العقيقة فِي اللغة، فزعم أبو عبيد، عن الأصمعيّ وغيره أن أصلها الشعر الذي يكون عَلَى رأس الصبيّ حين يولد، قَالَ: وإنما سمّيت الشاة التي تُذبح عنه عقيقةً؛ لأنه يُحلق عنه ذلك الشعر عند الذبح. قَالَ: ولهذا قيل فِي الحديث: "وأميطوا عنه الأذى" يعني بالأذى ذلك الشعر. قَالَ أبو عبيد: وهذا مما قلت لك: إنهم ربّما سمّوا الشيء باسم غيره، إذا كَانَ معه، أو منْ سببه، فسُمّيت الشاة عقيقةً لعقيقة الشعر، وكذلك كلُّ مولود منْ البهائم، فإن الشعر الذي يكون عليه حين يولد عقيقة، وعقّةٌ، قَالَ زُهير يذكر حمار وحش [منْ الوافر]: أذَلِكَ أمْ شَتِيمُ الْوَجْهِ جَأْبُ (١) … عَلَيْهِ مِنْ عَقِيقَتِهِ عَفَاءُ يعني صغار الوبر. وَقَالَ ابن الرقاع فِي الْعِقّة، يصف حمارًا [منْ البسيط]: تَحسَّرَتْ عِقَّةٌ عَنْهُ فَأَنْسَلَهَا … وَاجْتَابَ أُخْرَى جَدِيدًا بَعْدَمَا ابْتَقَلَا مُوَلَّعٍ بِسَوَادٍ فِي أَسَافِلِهِ … مِنْهُ احْتَذَى وِبِلَوْنٍ مِثْلِهِ اكْتَحَلَا فجعل العقيقة الشعر، لا الشاة، يقول: لمّا تربّع، وأكل بُقُول الربيع، أنسل الشعر المولود معه، وأنبت الآخر، فاجتابه: أي اكتساه. قَالَ أبو عُبيد: العِقّةُ والعقيقة فِي الناس، والحمُر، ولم يُسمع فِي غير ذلك. قَالَ أبو عمر: وَقَدْ أنكر أحمد بن حنبل تصير أبي عُبيد هَذَا للعقيقة، وما ذكره عن الأصمعيّ، وغيره فِي ذلك، وَقَالَ: إنما العقيقة: الذبح نفسه. قَالَ: ولا وجه لما قَالَ أبو عبيد. واحتجّ بعض المتأخّرين لأحمد بأن قَالَ ما قَالَ أحمد منْ ذلك، فمعروفٌ فِي اللغة؛ لأنه يقال: عقّ: إذا قطع، ومنه يقال: عقّ والديه: إذا قطعهما. قَالَ أبو عمر: يشهد لقول أحمد قول الشاعر [منْ الطويل]: بِلَادٌ بَهِا عَقَّ الشَّبَابُ تَمَائِمِي … وَأَوَّلُ أرْضٍ مَسَّ جِلْدِي تُرَابَهُا

стр. 16001

يريد أنه لَمّا شبّ، قُطعت عنه تمائمه. ومثل هَذَا قول ابن ميادة، واسمه الرماح [منْ الطويل]: بِلَادٌ بِهَا نِيطَتْ عَلَيَّ تَمَائِمِي … وَقُطِعْنَ عَنَّي حِينَ أدْرَكَنِي عَقْلِي قَالَ: وقول أحمد فِي معنى العقيقة فِي اللغة أولى منْ قول أبي عُبيد، وأقرب، وأصوب. والله تعالى أعلم. انتهى كلام الحافظ أبي عمر رحمه الله تعالى (١). وَقَالَ الإِمام ابن قُدامة رحمه الله تعالى: العقيقة: الذبيحة التي تُذبح عن المودود. وقيل: هو الطعام الذي يُصنع، ويُدعى إليه منْ أجل المولود. قَالَ أبو عُبيد: الأصل فِي العقيقة الشعرُ الذي عَلَى المولود، وجمعها عَقائقُ، ومنها قول امرىء القيس [منْ المتقارب]: أَيَا هِنْدُ لا تَنْكِحِي بُوهَةً … عَلَيْهِ عَقِيقتُهُ أحْسَبَا (٢) ثم إن العرب سمّت الذبيحة عند حلق شعره عقيقة، عَلَى عادتهم فِي تسمية الشيء باسم سببه، أو ما جاوره، ثم اشتهر ذلك حتى صار منْ الأسماء العرفيّة، وصارت الحقيقة مغمورة فيه، فلا يُفهم منْ العقيقة عند الإطلاق إلا الذبيحة. وَقَالَ ابن عبد البرّ: أنكر أحمد هَذَا التفسير، وَقَالَ: إنما العقيقة الذبح نفسه. ووجهه أن أصل العقّ: القطعُ، ومنه عقّ والديه. إذا قطعهما، والذبح قطع الحلقوم، والمريء، والودجين. انتهى كلام ابن قدامة (٣). وَقَالَ فِي "الفتح": "العقيقة" بِفَتْحِ الْعَيْن الْمُهْمَلَة، وَهُوَ اسْم لِمَا يُذْبَح عن الْمَوْلُود. وَاخْتُلِفَ فِي اشْتِقَاقهَا، فَقَالَ أَبُو عُبَيْد، وَالْأَصْمَعِيّ: أَصْلهَا الشَّعْر الَّذِي يخْرُج عَلَى رَأْس الْمَوْلُود، وَتَبِعهُ الزَّمَخْشَرِيّ وَغَيْره، وسُمِّيَتْ الشَّاة الَّتِي تُذْبِح عَنْهُ، فِي تِلْكَ الْحَالَة عَقِيقَة؛ لِأَنَّهُ يُحْلَق عَنْهُ ذَلِك الشَّعْر عِنْد الذَّبْح. وَعَنَ أَحْمَد أنَّها مَأْخُوذَة مِن الْعَقِّ، وَهُوَ الشَّقّ وَالْقَطْع. وَرَجَّحَهُ ابْن عَبْد الْبَرّ، وَطَائِفَة. قَالَ الْخَطَّابِيُّ: الْعَقِيقَة اسْم الشَّاة الْمَذْبُوحَة عَنْ الْوَلَد، سُمِّيتْ بِذَلِكَ؛ لِأنَّها تُعَقّ مَذَابِحهَا: أَيْ تُشَقّ، وَتَقْطَع. قَالَ: وَقِيلَ: هِيَ الشَّعْر الَّذِي يُحْلَق. وقَالَ ابْن فَارِس: الشَّاة الَّتِي تُذبَح، والشَّعْر كُلّ مِنْهُمَا يُسَمَّى عَقِيقَة، يُقَال: عَقَّ يَعُقّ: إِذَا حَلَقَ عَنْ ابْنه عَقِيقَته، وَذَبَحَ لِلْمَسَاكِينِ شَاة. وَقَالَ الْقَزَّاز: أَصْل الْعَقِّ: الشَّقّ، فَكَأَنَّها قِيل لَهَا عَقِيقَة: بِمَعْنَى مَعْقُوقَة، وَسُمِّيَ شَعْر الْمَوْلُود عَقِيقَة، بِاسْمِ ما يِعُقّ عَنْهُ. وَقِيلَ: بِاسْم الْمَكَان الَّذِي انْعَقَّ عَنْهُ فِيهِ، وَكُلّ مَوْلُود مِنْ الْبَهَائِم، فَشَعْره عَقِيقَة، فَإِذَا سَقَطَ وَبَر الْبَعِير، ذَهَب عَقّه. وَيُقَال: أَعْقَتِ الْحَامِلُ نَبَتَتْ

стр. 16002

عَقِيقَة وَلَدهَا فِي بَطْنهَا. ومِمَّا وَرَد فِي تَسْمِيَة الشَّاة عَقِيقَة: مَا أَخْرَجَهُ الْبَزَّار، مِنْ طَرِيق عَطَاء، عَنْ ابْن عَبَّاس، رَفَعَهُ: "لِلْغُلَامِ عَقِيقَتَانِ، وَلِلْجَارِيةِ عَقِيقَة"، وَقَالَ: لَا نَعْلَمهُ بِهذَا اللَّفْظ، إِلَّا بَهِذَا الْإِسْنَاد انتهى. وَوَقَعَ فِي عِدَّة أَحَادِيث: "عَنْ الْغُلَام شَاتَانِ، وَعَنْ الْجَارِيَة شَاة". انتهى (١). قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن مما ذُكر أن العقيقة تطلق عَلَى الشعر، وعلى الذبح، وعلى الشاة، وأظهر ما تُطلق عليه: هي الشاة المذبوحة عن المولود. والله تعالى أعلم بالصواب. ٤٢١٤ - (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ قَيْسٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، عَنِ الْعَقِيقَةِ؟ فَقَالَ: "لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْعُقُوقَ"، وَكَأَنَّهُ كَرِهَ الاِسْمَ، قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ : إِنَّمَا نَسْأَلُكَ، أَحَدُنَا يُولَدُ لَهُ، قَالَ: "مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَنْسُكَ عَنْ وَلَدِهِ، فَلْيَنْسُكْ عَنْهُ، عَنِ الْغُلَامِ شَاتَانِ، مُكَافَأَتَانِ، وَعَنِ الْجَارِيَةِ شَاةٌ". قَالَ دَاوُدُ: سَأَلْتُ زَيْدَ بْنَ أَسْلَمَ، عَنِ الْمُكَافَأَتَانِ؟ قَالَ: الشَّاتَانِ الْمُشَبَّهَتَانِ، تُذْبَحَانِ جَمِيعًا). قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: كَانَ الأولى للمصنّف رحمه الله تعالى أن يترجم هنا للباب الأول، كما فعل فِي "الكبرى" بقوله: "باب استحباب العقيقة". والله تعالى أعلم. رجال هَذَا الإسناد: ستة: ١ - (أحمد بن سليمان) أبو الحسين الرُّهاويّ، ثقة حافظ [١١] ٣٨/ ٤٢ منْ أفراد المصنّف. ٢ - (أبو نُعيم) الفضل بن دُكين/ عمرو بن حمّاد الكوفيّ، ثقة ثبت [٩] ١١/ ٥١٦. ٩٣ (داود بن قيس) الْفَرّاء الدّبّاغ، أبو سليمان القرشيّ مولاهم المدنيّ، ثقة فاضل [٥] ٩٦/ ١٢٠. ٤ - (عمرو بن شُعيب) بن محمد المدنيّ، أو الطائفيّ، صدوقٌ [٥] ١٠٥/ ١٤٠. ٥ - (أبوه) شعيب بن محمد الطائفيّ، صدوق، ثبت سماعه منْ جدّه [٣] ١٠٥/ ١٤٠.

стр. 16003

٦ - (جده) عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما ٨٩/ ١١١. والله تعالى أعلم. لطائف هَذَا الإسناد: منها: أنه منْ سداسيات المصنّف رحمه الله تعالى، وأن رواته عندهم موثّقون، وفيه رواية الراوي عن أبيه، عن جدّه، وتابعيّ عن تابعيّ. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ) شعيب بن محمّد (عَنْ جِدِّهِ) عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما، أنه (قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الْعَقِيقَةِ؟) أي عن حكمها، أوصفتها (فَقَالَ) صلّى الله تعالى عليه وسلم (لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْعُقُوقَ، وَكَأَنَّهُ كَرِهَ الاِسْمَ) يريد أنه ليس فيه توهينٌ لأمر العقيقة، ولا إسقاطٌ لمشروعيّتها، وإنما استبشع الاسم، وأحبّ أن يسمّيه بأحسن منه، كالنسيكة، والذبيحة، ولذلك قَالَ: "منْ أحبّ أن يَنسُك عن ولده": بضم السين: أي يذبح. قَالَ التُّورِبِشتِيُّ: هَذَا الْكَلَام، وَهُوَ: "كَأَنَّهُ كَرِهَ الاسْم"، غَيْر سَدِيد، أُدْرِجَ فِي الْحَدِيث، مِنْ قَوْل بَعْض الرُّوَاة، وَلَا يُدْرَى مَنْ هُوَ؟، وَبِالْجُمْلَةِ فَقَدْ صَدَرَ عَنْ ظَنّ، يَحْتمِل الْخَطَأ وَالصَّوَاب، وَالظَّاهِر أَنَّهُ هَاهُنَا خَطَأ؛ لِأَنَّهُ صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَكَر الْعَقِيقَة، فِي عِدَّة أَحَادِيث، وَلَوْ كَانَ يَكْرَهُ الاسْم، لَعَدَلَ عَنْهُ إِلَى غَيْره، وَمِنْ سُنَّته تَغْيِير الاسْم، إِذَا كَرِههُ، وَالْأَوجه أن يُقال: يَحْتمِلُ أَنَّ السَّائِل ظَنَّ أَنَّ اشْتَرَاك الْعَقِيقَة، مَعَ الْعُقُوق فِي الاشْتِقَاق، مِمَّا يُوهِنُ أَمْرهَا، فَأعْلَم النَّبِيّ صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَنَّ الَّذِي كَرِهَهُ الله تَعَالَى منْ هَذَا الْبَاب، هُوَ الْعُقُوقُ، لا الْعَقِيقَة. وَيَحْتَمِلُ أَنَّ الْعُقُوق هَاهُنَا، مُسْتَعَار لِلْوَالِدِ، بِتَرْكِ الْعَقِيقة، أَيْ لا يُحبّ أَنْ يَتْرُك الْوَالِدُ، حَقَّ الْوَلَدِ الَّذِي هُو الْعَقِيقَة، كَمَا لَا يُحِبُّ أَنَ يَتْرُكَ الْوَلَدُ، حَقَّ الْوَالِد الَّذِي، هُوَ حَقِيقَة الْعُقُوق. وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْمُخَاطَب مَا يفهم هَذَا الْمَعْنَى منْ الْجَوَاب، وَلِذَلِكَ أَعَادَ السُّؤَال، فَقَالَ: إِنَّمَا نَسْأَلُك إِلَخْ، فَالْوَجْه أَنْ يُقَالَ: إِنَّهُ أطلق الاسْم أَوَّلًا، ثُمَّ كرِههُ، إمَّا بِالْتِفَاتٍ مِنْهُ صلَّى الله عَلَيْهِ تعالى وَسَلَّمَ إِلَى ذَلِكَ، أَوْ بِوَحْيٍ، أَوْ إِلْهَام مِنْهُ تعالى إِلَيْهِ. وَاَللَّه تَعَالَى أَعْلَم. ذكره السنديّ (١). (قَالَ) السائل (لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِنَّمَا نَسْأَلُكَ أَحَدُنَا يُولَدُ لَهُ) أي فماذا عليه لهذا

стр. 16004

الولد؟. ولفظ أحمد: "إنما نسألك عن أحدنا يولد له" (قَالَ) صلّى الله تعالى عليه وسلم (مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَنْسُكَ) بضمّ السين، يقال: نسك لله ينسُك، منْ باب قتل: تطوّع بقربة، والنُّسُك -بضمّتين-: اسم منه، وفي التنزيل: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي﴾، والْمَنْسك -بفتح السين، وكسرها- يكون زمانًا، ومصدرًا، ويكون اسم المكان الذي تُذْبح فيه النسيكة، وهي الذبيحة وزنًا ومعنًى. وفي التنزيل: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا﴾ الآية [الحج: ٣٤] بالفتح والكسر، قرىء فِي السبعة. ومناسك الحجّ: عباداته، وقيل: مواضع العبادات. ومن فعل كذا، فعليه نُسُك: أي دمٌ يُريقه. وتنسّك: تزهّد؛ وتعبّد، فهو ناسكٌ، والجمع نُسّاكٌ، مثلُ عابد وعُبّاد. قاله الفيّوميّ (عَنْ وَلَدِهِ، فَلْيَنْسُكْ عَنْهُ) أي فليذبح عن ولده؛ شكرًا لما أولاه الله تعالى منْ نعمة الولد. (عَنِ الْغُلَامِ شَاتَانِ) مُبْتَدَأ وَخَبَر، وَالْجُمْلَة جَوَاب لِمَا يُقَال: مَاذَا يَنْسُكُ؟، أَوْ مَاذَا يُجْزِىءُ؟، وَيَحْسُن؟، وَنَحَوه (مُكَافِئَتَانِ) بِالهَمْزَةِ، أَيْ مُسَاوِيَتَانِ فِي السِّنّ، بِمَعْنَى أَنْ لا يَنْزِل سِنّهمَا، عَنْ سِنّ أدْنَى ما يجزىء فِي الْأُضْحِيَّة. وَقِيلَ: مُسَاوِيَتَانِ، أَوْ مُتَقَارِبَتَانِ، وَهُوَ بكَسرِ الْفَاء، مِنْ كَافأهُ: إِذَا سَاوَاهُ. قَالَ الْخَطَّابِيُّ: والمُحَدِّثُون يَفْتَحُونَ الْفَاءَ، وَأُرَاهُ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ يُرِيدُ شَاتَيْنِ، قَدْ سَوَّى بَيْنَهُما، وَأَمَّا بِالْكَسْرِ، فَمَعْنَاهُ مُسَاوِيانِ، فَيَحْتَاج إِلَى شَيْء آخر، يُسَاوِيَانِهِ، وَأَمَّا لَوْ قِيلَ: مُتَكَافِئَتَانِ، لَكَانَ الْكَسْر أَوْلَى. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لَا فَرْقَ بَيْن الْفَتْح وَالْكَسْر؛ لِأَنَّ كُلّ وَاحِدَة، إِذَا كَافَأَتْ أخْتهَا، فَقَدْ كُوفِئَتْ، فَهِيَ مُكَافِئَة، ومُكَافَأَة، أو يكُونُ مَعْنَاهُ: مُعَادِلَتَانِ لِما يجِبُ فِي الْأُضْحِيَّة، مِنْ الْأَسْنَان. وَيُحْتَمَل مَعَ الْفَتْح، أَنْ يُراد مَذْبُوحَتَانِ، مِنْ كَافَأَ الرَّجُل بَيْن بَعِيرَيْنِ: إِذَا نَحَرَ هَذَا، ثُمَّ هَذَا مَعًا، مِنْ غَيْر تَفْرِيق، كَأَنَّهُ يُرِيدُ شَاتَيْنِ تَذْبَحهُمَا مَعًا. قَالَ السنديّ: مُرًاد الِزَّمَخْشرِيّ، إِنَّ كُلاًّ منْ الْفَتْح والْكَسْر، يَقْتَضِي بِظَاهِرِهِ اعْتِبَار شَيْء ثَالِث، يُسَاويَانِهِ، أَوْ يُسَاوِيهِمَا، وَإِنْ اكْتُفِى بِمُساواةِ كُلّ وَاحِدَة مِنْهُمَا صَاحِبَتهَا، صَحَّ الْفَتْح وَالْكَسْر. فَلْيُتأمَّلْ. وَالَلَّه تَعَالَى أعْلَم. انتهى. (وَعَنْ الْجَارِيَةِ شَاةٌ) مبتدا وخبر أيضاً، فالجارّ والمجرور خبر مقدّم، و"شاة" مبتدأ موخّرٌ. يعني أنه يجزىء عن المولود الأنثى أن تُذبح شاةٌ واحدة. وقوله (قَالَ دَاوُدُ) هو ابن قيس الراوي عن عمرو بن شُعيب (سَألتُ زَيْدَ بْنَ أَسْلَمَ) العدويّ، مولى عمر بن الخطاب، أبا عبد الله، أو أبا أُسامة المدنيّ، ثقة عالم، وكان يُرسل [٣] مات سنة (١٣٦) وتقدمت ترجمته فِي ٦٤/ ٨٠ (عَنْ الْمُكَافِأَتَانِ؟) أي عن معناهما (قَالَ) زيد (الشَّاتَانِ) خبر لمحذوف: أي هما الشاتان (الْمُشَبَّهَتَانِ) بصيغة اسم المفعول: أي متماثلتان (تُذْبَحَانِ) بالبناء للمفعول (جَمِيعًا) أَيْ لَا يُؤَخَّر ذَبْح إِحْدَاهُمَا عَنْ

стр. 16005

الأُخْرَى. وَحَكَى أبُو دَاوُد، عن أحمد الْمُكَافِئَتَانِ الْمُتَقَارِبَتَانِ. قَالَ الْخَطَّابِيُّ: أَيْ فِي السِّنّ. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: مَعْنَاهُ مُتَعَادِلَتَانِ لِمَا يَجْزِي فِي الزَّكَاة، وفِي الأضْحِيَّة. قَالَ الحافظ: وأوْلى مِن ذَلِكَ كُلّه ما وقع فِي رِواية سعِيد بن منْصُور، فِي حدِيث أُمّ كُرْز، منْ وجه آخر، عن عُبيد الله بن أبِي يزِيد بلَفْظِ: "شَاتَانِ مِثْلانِ". ووقع عِنْد الطَّبَرانِيّ فِي حدِيث آخر "قِيلَ: ما الْمُكافِئتانِ؟ قال الْمِثْلانِ" وَمَا أشار إِليهِ زَيْد بْن أسْلَمْ، مِنْ ذَبْح إِحْداهُما، عقِب الأُخْرى حَسَن، وَيَحتمِل الحَمْل عَلَى المعْنَيَيْنِ معًا. انتهى (١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): فِي درجته: حديث عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنهما هَذَا صحيح. (المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -١/ ٤٢١٤ - وفي "الكبرى" ١/ ٤٥٣٨. وأخرجه (د) فِي "الأضاحي" ٢٨٤٢ و (أحمد) فِي "مسند المكثرين" ٦٦٧٤ و (الحاكم) فِي "المستدرك" ٤/ ٢٣٨ (البيهقي) فِي "السنن الكبرى" ٩/ ٣٠٠٦٧٨٣. والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): فِي فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان مشروعية العقيقة. (ومنها): التفرقة بين الغلام والجارية، فيعقّ عنه شاتان، وعنها شاة واحدة. (ومنها): كون الشاتين متماثلتين فِي السنّ. (ومنها): أنه اسْتُدَلَّ بِإِطلاقِ الشَّاة والشَّاتَيْنِ، عَلَى أنَّهُ لا يُشْتَرَط فِي الْعَقِيقَة مَا يُشْتَرَط فِي الْأُضْحِيَّة، وَفيهِ وَجْهانِ لِلشَّافِعِيَّةِ، وَأَصَحّهمَا يُشْتَرَط، وهُو بِالْقِياسِ، لَا بِالْخَبرِ. قاله فِي "الفتح". وَقَالَ ابن قُدامة رحمه الله تعالى: حكم العقيقة حكم الأضحيّة فِي سنّها، وأنه يُمنع فيها منْ العيب ما يُمنع فيها، ويُستحبّ فيها منْ الصفة ما يُستحبّ فيها، وكانت عائشة رضي الله تعالى عنها تقول: ائتوني به أعين، أقرن. وَقَالَ عطاء: الذكر أحبّ إليّ منْ الأنثى، والضأن أحبّ إليّ منْ المعز. فلا يُجزىء فيها أقلّ منْ الجذع منْ الضأن، والثنيّ منْ العز. ولا تجوز العوراء البيّن عورها، والعرجاء البيّن ظَلَعها، والمريضة البيّن مرضها، والعجفاء التي لا تُنقي، والعضباء التي ذهب أكثر منْ نصف أذنها وقرنها، قَالَ: ويستحبّ استشراف العين والأذن، كما ذكرنا فِي الأضحيّة سواءً؛ لأنها تُشبهها، فتقاس

стр. 16006

عليها. انتهى كلام ابن قدامة (١). قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن اشتراط عدم العيب فِي العقيقة، بحيث لا يُجزىء إلا ما أجزأ فِي الأضحية محلّ نظر؛ إذ الظاهر أن هَذَا منْ باب الاستحباب، لا منْ باب الوجوب؛ إذ النصّ أطلق الشاة، فما يقع عليه اسم الشاة، فهو مجزىء، إلا أن الأفضل اجتناب المعيبة، وَقَدْ حقّق هذه المسألة ابن حزم فِي "المحلّى" (٢)، فراجعه. والله تعالى أعلم. (ومنها): أن ذكر الشَّاة والْكَبْش يدلّ عَلَى أَنَّهُ يتعيَّن الْغنَم لِلْعقِيقةِ، وبِهِ تَرْجَمَ أبُو الشَّيْخ الأصْبِهانِي، ونقلهُ ابن المُنْذِر، عن حفصة بِنت عبد الرَّحْمَن بن أبِي بكر. وَقَالَ الْبنْدنِيجِيُّ منْ الشَّافِعِيَّة: لا نصَّ لِلشَّافِعِيّ فِي ذَلِكَ، وعِنْدِي أنَّهُ لا يُجزىءُ غيرها، والجمهور عَلَى إجزاء الإِبِل، والْبَقَر أيضًا، وفِيهِ حدِيث عِنْد الطَّبرانِيّ، وأبِي الشيخ، عن أنس رضي الله تعالى عنه، رفعهُ: "يعُقّ عَنْهُ منْ الإبِل، والْبَقَر، والْغَنَمْ". ونصّ أحْمَد عَلَى اشْتِراط كَامِلَة، وذَكَرَ الرَّافِعِي بحثًا أنَّها تتأدَّى بِالسَّبُع، كما فِي الأُضْحِيَّة. واللهُ أعلم. قاله فِي "الفتح" (٣). قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن القول بكون العقيقة شاةً، كما ثبت ذلك فِي النصّوص الصحيحة، كالأحاديث التي ساقها المصنّف، وغيره، هو الأرجح؛ عملًا بالنصوص، وَقَدْ اخرج الطحاويّ والبيهقيّ، منْ طريق عبد الجبّار بن ورد المكيّ، سمعت ابن أبي مليكة يقول: نُفس لعبد الرحمن بن أبي بكر غلام، فقيل لعائشة: يا أم المؤمنين: عُقّي عنه جزورًا، فقالت: معاذ الله، ولكن ما قَالَ رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: "شاتان مكافئتان". وإسناده حسن، وعبد الجبّار قَالَ عنه الذهبيّ: ثقة. وفي "التقريب": صدوقٌ يهم. وأما الحديث الذي عزاه الحافظ إلى الطبرانيّ، وأبي الشيخ فِي إجزاء الإبل، والبقر، فهو حديث واه؛ لأن فِي سنده مسعدة بن اليسع، قَالَ الذهبيّ: كذبه أبو داود، وَقَالَ أحمد: حرّقنا حديثه منذ دهر، وَقَالَ أبو حاتم: هو منكر ذاهبٌ الحديث، لا يُشتغل به، يكذب عَلَى جعفر بن محمد (٤). والحاصل أن إجزاء غير الشياه لم يرد به نصّ صحيح، فتفطّن. والله تعالى أعلم

стр. 16007

بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): فِي اختلاف أهل العلم فِي حكم العقيقة: قَالَ الإِمام الحافظ أبو عمر رحمه الله تعالى: ذهب أهل الظاهر إلى أن العقيقة واجبة فرضًا، منهم: داود بن عليّ، وغيره، واحتجّوا لوجوبها بأن رسول الله صلّى الله تعالى عليه وسلم أمر بها، وفعلها، وكان بُريدة الأسلميّ يوجبها، وشبّهها بالصلاة، فقال: الناس يُعرضون يوم القيامة عَلَى العقيقة، كما يُعرضون عَلَى الصلوات الخمس. وكان الحسن البصريّ يذهب إلى أنها واجبة عن الغلام يوم سابعه، فإن لم يُعقّ عنه، عَقّ عن نفسه. وَقَالَ الليث بن سعد: يُعقّ عن المولود فِي أيام سابعه فِي أيّها شاء، فإن لم تتهيّأ لهم العقيقة فِي سابعه، فلا بأس أن يُعقّ عنه بعد ذلك، وليس بواجب أن يُعقّ عنه بعد سبعة أيام، وكان الليث يذهب إلى أنها واجبة فِي السبعة الأيام. وكان مالكٌ يقول: هي سنّةٌ واجبة يجب العمل بها، وهو قول الشافعيّ، وأحمد بن حنبل، وإسحاق، وأبي ثور، والطبريّ. قَالَ مالكٌ: لا يُعقّ عن الكبير، ولا يُعقّ عن المولود إلا يوم سابعه ضحوةً، فإن جاوز يوم السابع لم يُعقّ عنه. وَقَدْ رُوي عنه أنه يُعقّ عنه فِي السابع الثاني. قَالَ: وُيعقّ عن اليتيم، ويعُقّ العبد المأذون له فِي التجارة عن ولده، إلا أن يمنعه سيّده. قَالَ مالك: ولا يُعدّ اليوم الذي وُلد فيه، إلا أن يولد قبل الفجر منْ ليلة ذلك اليوم. ورُوي عن عطاء: إن أخطاهم أمر العقيقة يوم السابع، أحببت أن يؤخّره إلى يوم السابع الآخر. وروي عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنهما قالت: إن لم يُعقّ عنه يوم السابع، ففي أربع عشرة، فإن لم يكن ففي إحدى وعشرين، وبه قَالَ إسحاق بن راهويه، وهو مذهب ابن وهب، قَالَ ابن وهب: قَالَ مالك بن أنس: إن لم يُعقّ عنه فِي يوم السابع عُقّ عنه فِي السابع الثاني. وَقَالَ ابن وهب: ولا بأس أن يعقّ عنه فِي السابع الثالث. وَقَالَ مالك: إن مات قبل السابع لم يُعقّ عنه. ورُوي عن الحسن مثلُ ذلك. وَقَالَ الليث بن سعد فِي المرأة تلد ولدين فِي بطن واحد: إنه يُعقّ عن كلّ واحد منهما. قَالَ أبو عمر: ما أعلم عن أحد منْ فقهاء الأمصار خلافا فِي ذلك، والله أعلم. وَقَالَ الشافعيّ: لا يَعُقّ المأذون له المملوك عن ولده، ولا يُعقّ عن اليتيم، كما لا يُضحّى عنه. وَقَالَ الثوريّ: لست العقيقة بواجبة، وإن صُنعت فحسن. وَقَالَ محمد بن الحسن: هي تطوّعٌ، كَانَ المسلمون يفعلونها، فنسخها ذبح الأضحى، فمن شاء فعل، ومن شاء لم يفعل. وَقَالَ أبو الزناد: العقيقة منْ أمر المسلمين الذين كانوا يكرهون تركه. قَالَ أبو عمر: الآثار كثيرة مرفوعة عن الصحابة، والتابعين، وعلماء المسلمين فِي

стр. 16008

استحباب العمل بها، وتأكيد سنيّتها، ولا وجه لمن قَالَ: إن ذبح الأضحى نسخها. انتهى كلام ابن عبد البرّ رحمه الله تعالى (١). وَقَالَ الإِمام ابن قُدامة رحمه الله تعالى: العقيقة سنّة فِي قول عامّة أهل العلم، منهم: ابن عبّاس، وابن عمر، وعائشة، وفقهاء التابعين، وأئمّة الأمصار، إلا أصحاب الرأي، قالوا: ليست سنّةً، وهي منْ أمر الجاهليّة. قَالَ: وَقَالَ الحسن، وداود: هي واجبةٌ. وروي عن بُريدة: أن الناس يُعرضون عليها، كما يُعرضون عَلَى الصلوات الخمس. قَالَ: وَقَالَ أبو الزناد: العقيقة منْ أمر الناس، كانوا يَكرهون تركه. وَقَالَ أحمد: العقيقة سنّةٌ عن رسول الله صلّى الله تعالى عليه وسلم قد عقّ عن الحسن، والحسين، وفعله أصحابه، وَقَالَ النبيّ صلّى الله تعالى عليه وسلم: "الغلام مرتَهنٌ بعقيقته". وهو إسناد جيّدٌ، يرويه أبو هريرة رضي الله تعالى عنه، عن النبيّ صلّى الله تعالى عليه وسلم. وجعلها أبو حنيفة منْ أمر الجاهليّة، وذلك لقلّة علمه، ومعرفته بالأخبار. وأما بيان كونها غير واجبة، فدليله ما احتجّ به أصحاب الرأي منْ الخبر، وما رروه محمولٌ عَلَى تأكيد الاستحباب، جمعًا بين الأخبار، ولأنها ذبيحة لسرور حادث، فلم تكن واجبة، كالوليمة، والنقيعة. قَالَ: والعقيقة أفضل منْ الصدقة بقيمتها، نصّ عليه أحمد، وَقَالَ: إذا لم يكن عنده ما يعُقّ، فاستقرض، رجوتُ أن يُخلف الله عليه؛ إحياء سنّته. قَالَ ابن المنذر: صدق أحمد، إحياء السنن، واتّباعها أفضل. وَقَدْ ورد فيها منْ التأكيد فِي الأخبار التي رويناها ما لم يرد فِي غيرها، ولأنها ذبيحةٌ أمر النبيّ صلّى الله تعالى عليه وسلم بها، فكانت أولى، كالوليمة، والأضحيّة. انتهى كلام ابن قُدامة رحمه الله تعالى (٢). وَقَالَ فِي "الفتح": قَالَ الشَّافِعِيّ: أفرط فِيها رجُلانِ، قَالَ أحَدهمَا: هِيَ بِدعَة، والآخِر قَالَ: وَاجِبة. وأشَارَ بِقائِلِ الوُجُوب إِلى اللَّيْث بْن سَعْد، ولم يَعْرِف إِمام الحرمين الوُجُوب إِلَّا عن داوُد، فقال: لَعَلَّ الشَّافِعِي أراد غير داوُد، إِنَّمَا كَانَ بعده. وتُعُقب بِأنَّهُ ليْسَ لِلَعَلَّ هُنَا مَعْنَى، بل هُو أمر مُحقَّق، فإِنَّ الشَّافِعِي مَاتَ، ولِداوُد أرْبَع سِنين. وَقَدْ جَاءَ الوُجُوب أيضًا عن أبِي الزِّناد، وهِي رِواية عن أحمد. والَّذِي نُقِل عَنْهُ أنَّها بدْعة أبُو حنِيفة، قَالَ ابْن المُنْذِر: أنكر أصحاب الرَّأي، أَنْ تَكُون سُنَّة، وَخَالفُوا فِي ذلِكَ الآثَار الثَّابِتة. واسْتَدَلَّ بعْضهم بِمَا رَوَاهُ مالِك فِي "المُوطَّإ"، عن زيد بن أسْلَمَ، عن رجُل مِنْ بَنِي

стр. 16009

ضَمْرَة، عن أبِيهِ، سَألَ النَّبِيّ ﷺ عن العقِيقة؟، فقال: "لا أُحِبّ الْعُقُوق" كأنَّهُ كَرِهَ الِاسْم، وَقَالَ: "منْ وُلِد لهُ ولد، فأحبّ أن ينسك عنهُ فليفعل". وفِي رِواية سعِيد بن منصُور، عن سُفيان، عن زيد بن أسْلَمَ، عن رجُل منْ بني ضَمْرَة، عن عمه، سمِعت رسُول الله ﷺ ، يُسأل عن العقِيقة؛ وهُو عَلَى المِنبر، بِعرفة، فذكرهُ. ولهُ شاهِد منْ حدِيث عمرو بن شُعَيْب، عن أبِيهِ، عن جَدّه، أخرجهُ أبُو داوُد، -يعني حديث الباب- وَيَقوى أَحَدُ الحدِيثينِ بِالآخرِ. قَالَ أبُو عُمر: لا أعْلَمَهُ مرفوعًا، إِلّا عَنْ هَذَيْنِ. قَالَ الحافظ: وَقَدْ أخرجهُ البزّار، وأبُو الشَّيْخ، فِي "الْعَقِيقَة" مِنْ حَدِيث أبِي سَعِيد، ولا حُجَّة فِيهِ لِنَفْي مَشْرُوعِيّتها، بَلْ آخِرُ الحدِيث يُثْبِتها، وإِنَّما غَايته أنْ يُؤخَذْ مِنْهُ أن الأولى، أن تُسمَّى نَسِيكَة، أو ذَبِيحَة، وأن لا تُسَمَّى عقِيقة. وَقَدْ نقلهُ ابن أبِي الدَّم، عن بعض الأصْحاب، قَالَ: كَمَا فِي تسمِية العِشَاء عَتَمَة. وادّعى مُحمّد بن الْحَسَنُ نَسْخَها بِحدِيثِ "نسخ الأضْحى كُلّ ذَبْح"، أَخْرجهُ الدَّارقُطنِيُّ، منْ حدِيث عَلِيّ، وَفِي سنده ضَعْف. وأمَّا نَفْي ابن عبد البرّ، وُرُوده فمُتعقَّب، وعلى تَقْدِير أن يثبُت، أنَّها كَانتْ وِاجِبة، ثُمَّ نُسِخ وُجُوبها، فَيَبقَى الاسْتِحْباب، كَمَا جَاء فِي صَوْم عَاشُوراء، فَلا حُجَّة فِيهِ أيضًا لِمَنْ نَفَى مَشْرُوعِيتها. انتهى ما فِي "الفتح" (١). قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن بما ذُكر أن القول الراجح فِي هذه المسألة قول منْ قَالَ باستحباب العقيقة، وهو الذي عليه الجمهور، ودليل الاستحباب قوله صلّى الله تعالى عليه وسلم فِي حديث الباب: "منْ أحبّ أن ينسك … " الحديث، فقد فوّضه إلى اختيار الشخص، وهذا صارف للأمر عن الوجوب إلى الاستحباب. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٢١٥ - (أَخْبَرَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ حُرَيْثٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْفَضْلُ، عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ وَاقِدٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، عَقَّ عَنِ الْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ"). قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد رجال الصحيح. و"الحسين بن حُريث": هو أبو عمّار الخُزَاعيّ مولاهم المروزيّ، ثقة [١٠] ٤٤/ ٥٢. و"الفضل": هو ابن موسى السِّينانيّ، أبو عبد الله المروزيّ، ثقة ثبت، ربما أغرب، منْ كبار [٩] ٨٣/ ١٠٠. و"الحسين بن واقد": هو أبو عبد الله القاضي المروزي، ثقة له أوهام [٧] ٥/ ٤٦٣. و"عبد الله بن بُريدة": هو الأسلميّ، أبو سهل المروزيّ، قاضيها، ثقة [٣] ٢٥/ ٣٩٣. و"بُريدة بن الْحُصيب" الأسلميّ الصحابيّ الشهير رضي

стр. 16010

الله تعالى عنه، أسلم قبل بدر، ومات سنة (٦٣)، وتقدم فِي ١٠١/ ١٣٣. وحديث بُريدة بن الحصيب رضي الله تعالى عنه هَذَا صحيحٌ، وهو منْ أفراد المصنّف رحمه الله تعالى، أخرجه هنا -١/ ٤٢١٥ - وفي "الكبرى" ١/ ٤٥٣٩. وأخرجه (أحمد) فِي "باقي مسند الأنصار" ٢٢٤٩٢ و٢٢٥٤٩. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ٢ - (الْعَقِيقَةِ عَنِ الْغُلَامِ) ٤٢١٦ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا عَفَّانُ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، وَحَبِيبٌ، وَيُونُسُ، وَقَتَادَةُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ سَلْمَانَ بْنِ عَامِرٍ الضَّبِّيِّ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "فِي الْغُلَامِ عَقِيقَةٌ، فَأَهْرِيقُوا عَنْهُ دَمًا، وَأَمِيطُوا عَنْهُ الأَذَى"). رجال هَذَا الإسناد: تسعة: ١ - (محمد بن المثنى) أبو موسى الْعَنَزي البصريّ، ثقة ثبت [١٠] ٦٤/ ٨٠. ٢ - (عفّان) بن مسلم الصفّار البصريّ، ثقة ثبت، منْ كبار [١٠] ٢١/ ٤٢٧. ٣ - (حماد بن سلمة) أبو سلمة البصريّ، ثقة عابد [٨] ١٨١/ ٢٨٨. ٤ - (أيوب) بن أبي تميمة السختيانيّ المصريّ، ثقة ثبت فقيه [٥] ٤٢/ ٤٨. ٥ - (حبيب) بن الشهيد الأزديّ، أبو محمد البصريّ ثقة ثبت [٥]. قَالَ أحمد: كَانَ ثبتًا ثقةً، وهو عندهم يقوم مقام يونس، وابنِ عون، وكان قليل الحديث. وَقَالَ ابن معين، وأبو حاتم، وابن المدينيّ، والنسائيّ، والعجليّ، والدارقطنيّ: ثقة. وَقَالَ ابن سعد: كَانَ ثقة، إن شاء الله. وَقَالَ أبو أسامة: كَانَ منْ رُفعاء الناس، وإنما روى مائة حديث. وذكره ابن حبّان فِي "الثقات". وَقَالَ الآجرّيّ: قيل لأبي داود: أيّما أحبّ إليك، هشام بن حسّان، أو حبيب بن الشهيد؛ فقال: حبيب. وحكى ابن شاهين فِي "الثقات" أن شعبة قَالَ لإبراهيم: لم يكن أبوك أقلّهم حديثا، ولكنه كَانَ شديد الاتّقاء. قَالَ إبراهيم بن حبيب بن الشهيد: مات فِي ذي الحجة سنة (١٤٥) عن (٦٦) سنة. روى له الجماعة، وله فِي هَذَا الكتاب هَذَا الحديث،

стр. 16011

وحديث الحسن عن سمرة الآتي بعد بابين، إن شاء الله تعالى. ٦ - (يونس) بن عُبيد بن دينار العبدي البصريّ، ثقة ثبت فاضل ورع [٥] ٨٨/ ١٠٩. ٧ - (قتادة) بن دعامة السدوسي البصريّ، ثقة ثبت يدلس، رأس [٤] ٣٠/ ٣٤. ٨ - (محمد بن سيرين) الأنصاريّ مولاهم البصريّ، ثقة ثبت فقيه [٣] ٤٦/ ٥٧. ٩ - (سَلْمَانُ بْنُ عَامِرِ) بن أوس بن حجر بن عمرو بن الحارث الضَّبِّيِّ، صحابيّ سكن البصرة، وتقدّمت ترجمته رضي الله تعالى عنه فِي ٨٣/ ٢٥٨٢. والله تعالى أعلم. لطائف هَذَا الإسناد: منها: أنه منْ سداسيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين منْ أوله إلى آخره. (ومنها): أن شيخه أحد مشايخ الجماعة بلا واسطة. (ومنها): أن فيه رواية تابعيين عن تابعيّ. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ سَلْمَانَ بْنِ عَامِرٍ) رضي الله تعالى عنه (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "فِي الْغُلَامِ عَقِيقَةٌ) مبتدأ وخبر، وكلمة "فِي" بمعنى "مع"، كما صُرّح بها فِي رواية البخاريّ: "مع الغلام عقيقة"، ومعنى كون العقيقة مع الغلام أنه سبب لها. قَالَ فِي "الفتح": تمسّك بمفهومه الحسن، وقتادة، فقالا: يُعَقّ عن الصبيّ، ولا يُعقّ عن الجارية، وخالفهم الجمهور، فقالوا: يُعقّ عن الجارية أيضًا، وحجّتهم الأحاديث المصرّحة بذكر الجارية، كما سيأتي. فلو وُلد اثنان فِي بطن استُحبّ عن كلّ واحد عقيقة. ذكره ابن عبد البرّ، عن الليث، وَقَالَ: لا أعلم عن أحد منْ العلماء خلافه. انتهى (١) (فَأَهْرِيقُوا عَنْهُ دَمًا) قَالَ فِي "الفتح": كذا أبهم ما يُهراق فِي هَذَا الحدِيث، وكذا فِي حدِيث سمُرة -يعني الآتي بعد بابين- وَقَدْ فُسِّر ذَلِكَ فِي عِدَّة أحادِيث مِنها: حدِيث عائِشة، أخرجهُ الترمِذِي، وصحَّحهُ منْ رِواية يُوسُف بن مَاهَك، "أنَّهُم دَخَلُوا عَلَى حفصة بنت عبد الرحمن -أي ابن أبِي بكر الصِّدِّيق- فسألُوها عن العقِيقة؟ فأخبرتهم أنَّ النَّبِيّ ﷺ أمرهُم عن الغُلام شاتانِ، مُكافِئتانِ، وعن الجارِية شاة". وأخرجهُ أصحاب السُّنن الأربعة منْ حدِيث أُمْ كُرز -يعني الآتي بعد هَذَا- أنَّها سألت النَّبِيّ ﷺ عن العقِيقة؟ فقال: "عن الغُلام شاتانِ، وعن الجارِية شاة واحِدة، ولا يضُرّكُم ذُكرانًا كُنَّ،

стр. 16012

أو إِناثًا". قَالَ التِّرمِذِيّ: صحِيح. وأخرجهُ أبُو داوُد، والنَّسَائيُّ منْ رِواية عمرو بن شُعيب، عن أبِيهِ، عن جده، رفعهُ أثناء حدِيث، قَالَ: "مَنْ أحَبَّ أن ينسُك عن ولده فليفعل، عن الغُلام شَاتَان مُكافِئتانِ، وعن الجارِية شاة". وروى البزَّار وأبُو الشَّيخ منْ حدِيث أبِي هُريرة رفعهُ: "أنَّ اليهُود تَعُقّ عن الغُلام كَبْشًا، ولا تعُقّ عن الجارِية، فعُقُّوا عن الغُلام كبشينِ، وعن الجارِية كبشًا". وعِند أحمد منْ حدِيث أسماء بِنْت يزِيد، عن النَّبيّ ﷺ : "العقِيقة حقّ عَنْ الغُلام شَاتَانِ مُكافِئتانِ، وعن الجارِية شاة". وعن أبِي سعِيد نحو حدِيث عمرو بن شُعيب أخْرجهُ أبُو الشَّيْخِ. (وَأَمِيطُوا) أي أزِيلُوا وزنًا ومَعْنًى (عَنْهُ الأَذَى) والمعنى: أزيلوا عنه الأذى بحلق رأسه. وقيل: هو نهي عما كانوا يفعلونه منْ تلطيخ رأس المولود بالدم. وقيل: الختان. وقع عِند أبِي داوُد، منْ طرِيق سعِيد بن أبِي عرُوبة، وابن عون، عن مُحمَّد بن سِيرِين، قَالَ: "إنْ لمْ يكُن الأذى حلق الرَّأس، فلا أدْرِي ما هُو؟ ". وأَخْرَجَ الطَّحَاوِيُّ منْ طرِيق يزِيد بن إِبراهِيم، عن مُحَمَّد بن سِيرِين، قَالَ: "لَمْ أجِد منْ يُخْبِرنِي عن تفسِير الأذَى". انتهى. وَقَدْ جَزَم الأصْمعِيّ بِأنَّهُ حلق الرَّأس. وأخرجهُ أبُو داوُد بِسندٍ صحِيح عن الْحَسَنُ كَذلِكَ. وَوَقع فِي حدِيث عائِشة عِند الحاكِم: "وأَمَر أَنْ يُمَاط عن رُءُوسهمَا الأذَى"، ولكِنْ لا يتعيَّن ذَلِكَ فِي حَلق الرَّأْس، فقد وقع فِي حدِيث ابن عبّاس عِنْد الطَّبرانِيّ: "وَيُمَاط عنهُ الأذى، ويُحْلَق رأسِه"، فعطفهُ عَلَيْهِ، فالأولى حَمْل الأذَى عَلَى ما هُوَ أعَمّ، منْ حَلْق الرَّأس، وُيوْيِّد ذَلِكَ أنَّ فِي بعض طُرُق حَدِيث عَمْرو بن شُعَيْب: "وَيُمَاط عَنْهُ أقْذَاره". رواهُ أبُو الشَّيْخ. قاله فِي "الفتح" (١). قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: الحاصل أن الأولى حمل الأذى عَلَى المعنى الأعمّ، فيدخل فيه حلق الرأس، والختان، وغير ذلك، مما هو أذى للمولود. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): فِي درجته: حديث سلمان بن عامر الضبّيّ رضي الله تعالى عنه هَذَا أخرجه البخاريّ. (المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -٢/ ٤٢١٦ - وفي "الكبرى" ٢/ ٤٥٤٠. وأخرجه (خ) فِي "العقيقة" ٥٤٧١ (د) فِي "الضحايا" ٢٨٣٩ (ت) فِي "الأضاحي" ١٥١٥ (ق) فِي "الذبائح" ٣١٦٤

стр. 16013

(أحمد) فِي "أول مسند المدنيين" ٢٧٥٤٢ و١٥٧٩٧ و١٧٤١٥ و١٧٤٢٩ (الدارمي) فِي "الأضاحي" ١٩٦٧. وفوائد الحديث تقدّمت فِي الباب الماضي. والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): أنه اختُلف فِي طرق حديث سلمان بن عامر الضبيّ رضي الله تعالى عنه هَذَا، وفي رفعه، ووقفه، وَقَدْ أشار الإِمام البخاريّ رحمه الله تعالى فِي "صحيحه" إلى ذلك، ودونك نصّه، مع شرح الحافظ رحمه الله تعالى له، قَالَ رحمه الله تعالى: [باب إماطة الأذى عن الصبيّ فِي العقيقة]. حدثنا أبو النعمان، حدثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن محمد، عن سلمان بن عامر، قَالَ: "مع الغلام عقيقة". وَقَالَ حجاج: حدثنا حماد، أخبرنا أيوب، وقتادة، وهشام، وحبيب، عن ابن سيرين، عن سلمان، عن النبيّ ﷺ . وَقَالَ غير واحد: عن عاصم، وهشام، عن حفصة بنت سيرين، عن الرَّبَاب، عن سلمان بن عامر الضبيّ، عن النبيّ ﷺ . ورواه يزيد بن إبراهيم، عن ابن سيرين، عن سلمان، قولَهُ. وَقَالَ أصبغ: أخبرني ابن وهب، عن جرير بن حازم، عن أيوب السختياني، عن محمد بن سيرين، حدثنا سلمان بن عامر الضبي، قَالَ: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "مع الغلام عقيقة، فأهريقوا عنه دمًا، وأميطوا عنه الأذى". قَالَ فِي "الفتح": قوله: "عن محمد": هو ابن سيرين. قوله: "عَنْ سَلْمَان بن عَامِر" هُوَ الضَّبِّيّ، وهُو صَحَابِيّ، سكن البصرة، ما لهُ فِي البُخارِيّ غير هَذَا الْحدِيث، وَقَدْ أخْرَجَهُ منْ عِدَّة طُرُق، موقُوفًا، ومرفُوعًا، موصُولًا منْ الطَّرِيق الأولَى، لكِنَّهُ لم يُصرِّح بِرفْعِهِ فِيها، ومُعلَّقًا منْ الطُّرُق الأخْرَى، صَرَّح فِي طَرِيق مِنْهَا بِوَقْفِهِ، وما عَدَاهَا مَرْفُوع. قَالَ الإسماعِيلي: لم يُخرج البُخارِيّ فِي الباب حدِيثًا صحِيحًا، عَلَى شَرْطه، أمَّا حدِيث حَمَّاد بن زيد -يعني الَّذِي أوردهُ موصُولاً- فجاء بِهِ موقُوفًا، وليس فِيهِ ذِكْر إِمَاطَة الأَذَى، الَّذِي تَرْجم بِهِ، وأمَّا حدِيث جرِير بْن حازِم، فذكرهُ بِلا خَبَر، وأمَّا حَدِيث حَمَّاد ابن سَلَمة، فَليْسَ منْ شَرْطه فِي الِاحْتِجَاج. قَالَ الحافظ: أمَّا حدِيث حَمَّاد بن زيد، فهُو المُعْتمد عَلَيْهِ عِند البُخارِيّ، لكِنَّهُ أوردهُ مُختصرًا، فَكأنَّهُ سَمِعَهُ كَذَلِكَ منْ شيخه، أبي النُّعْمَان، واكْتَفَى بِهِ كَعَادتِهِ، فِي الإِشَارة إِلَى ما ورد فِي بَعْض الْحَدِيث الَّذِي يُورِدهُ، وَقَدْ أَخْرجهُ أحْمَد، عن يُونُس بن مُحَمَّد، عن حَمَّاد بْن زَيْد، فَزَادَ فِي الْمَتْن: "فأهْرِيقُوا عَنْهُ دمًا، وَأَمِيطُوا عنهُ الأَذَى"، وَلَمْ يُصَرِّح

стр. 16014

بِرفعِهِ. وأخرجهُ أيضًا، عن يُونُس بن مُحمَّد، عن حَمَّاد بن زيد، عن هِشام، عن مُحَمَّد ابن سِيرِين، فَصرَّح بِرفعِهِ. وأخْرَجهُ أيضًا، عن عبد الوهَّاب، عن ابن عون، وَسَعِيد، عن مُحَمَّد بن سِيرِين، عن سَلْمَان، مرفُوعًا. وأخْرَجهُ الإسْمَاعِيليّ، منْ طرِيق سُلَيْمَان ابن حَرْب، عن حَمَّاد بن زيد، عن أيُّوب، فقال فيهِ: رَفَعَهُ. وأمَّا حدِيث جَرِير بن حَازِم، وقوله: إنَّهُ ذكرهُ بِلا خبر -يعني لم يقُل فِي أوَّل الإِسناد: أنبأنا أصْبَغ، بل قَالَ: قَالَ أصبغ، لكِنَّ أصبغ منْ شُيُوخ البُخَارِيّ، قد أكثر عنهُ فِي "الصَّحِيح"، فَعَلى قَوْل الأكثر، هُو مَوْصُول، كما قَرَّرهُ ابن الصَّلاح فِي "عُلُوم الْحَدِيث"، وعلى قول ابن حزم، هُو مُنْقطِع، وهذا كلام الإسْمَاعِيليّ، يُشِير إِلى مُوافَقَته، وَقَدْ زَيَّفَ النَّاس كلام ابْن حزم فِي ذَلِكَ، وأمَّا كون (١) حَمَّاد بنِ سَلَمَة عَلَى شرطه فِي الاحتِجاج فَمُسَلَّم، لكِنْ لا يضُرهُ إِيراده لِلاسْتِشْهَادِ، كعادتِهِ. قوله: (وَقَالَ حَجَّاج) هُو ابن مُنْهَال، وَحَمَّاد هُو ابن سَلَمَة، وَقَدْ وصلهُ الطّحاوِيُّ، وابن عبد البرّ، والبيهقِيّ، منْ طرِيق إِسماعِيل بن إِسْحَاق القَاضِي، عن حَجَّاج بن مِنْهَال: "حدثنا حَمَّاد بن سلمة بِهِ". وَقَدْ أخْرَجَهُ النَّسائِيُّ، منْ رِواية عَفَّانَ، والإِسماعِيلِيّ منْ طرِيق حِبّان بْن هِلال، وَعَبْدِ الأعْلَى بن حَمَّاد، وإِبراهِيم بنِ الحَجَّاج، كُلُّهمْ عن حَمَّاد بن سَلَمَة، فزادُوا مع الأربعة الَّذين ذكرهُم البُخارِيّ -وَهُم أيُّوب، وقتادة، وهِشام، وهُو ابْن حَسَان، وَحَبِيب، وهُو ابن الشَّهِيد- يُونُس، وهُو ابن عُبيد، ويحيى بْن عتِيق، لكِنْ ذكر بعضهم عن حَمَّاد، ما لم يذكُر الآخر، وَسَاقَ المَتْن كُلّه عَلَى لفظ حِبّان، وصرّح بِرفعِهِ، ولفظه: "فِي الغُلام عَقِيقة، فأهْرِقُوا عنهُ الدَّم، وأمِيطُوا عَنْهُ الأذَى". قَالَ الإسْمَاعِيليّ: وَقَدْ رواهُ الثورِيّ موصولاً، مُجردًا، ثُمَّ ساقهُ منْ طرِيق أبِي حُذيفة، عن سُفْيان، عن أيُّوب كذلِك، فاتفق هؤُلاءِ عَلَى أَنَّهُ مِن حدِيث سلمان بن عامِر، وخالفهُم وُهَيب، فقال: عن أيُّوب، عن مُحَمَّد، عن أُمّ عطِيَّة، قالت: سَمِعْت رسُول الله ﷺ ، يقُول: "مع الغُلام"، فَذَكر مِثله سواء، أخرجهُ أبُو نُعيم، فِي "مُسْتَخْرجه" منْ رِواية حَوثرة بن مُحَمَّد بن أبِي هِشام، عن وُهَيْب بهِ، ووُهيب مِنْ رِجال "الصَّحِيحَيْن"، وأبُو هِشام اسْمه الْمُغِيرة بْن سلمة، احْتَجَّ بِهِ مُسْلِم، وأَخْرَجَ لهُ البُخَارِيّ تَعْليقاً، وَوَثَّقهُ ابن الْمَدِينِيّ، والنَّسائِيُّ، وَغَيْرهما، وَحَوْثَرَة -بِحاءٍ مُهملة، ومُثلَّثة، وزن جوهرة- بصرِيّ، يُكنَّى أَبَا الأزهر، احْتَجَّ بهِ ابْن خُزَيْمَة فِي "صَحِيحه"، وأَخْرَجَ عنهُ منْ السِّتَّة ابن مَاجَهْ، وذكر أبُو عَلِيّ الجَيَّانيّ: أنَّ أبَا داوُد روى عنهُ، فِي "كِتَاب بَدْء الْوَحْي"

стр. 16015

خَارج "السُّنَن"، وذكره ابْن حِبَّان فِي "الثِّقات"، فالإِسناد قوِيّ، إِلا أنّهُ شَاذّ، والمَحْفُوظ عن مُحمَّد بن سِيرِينَ، عن سَلْمَان بن عَامِر، فَلعَلَّ بَعْض رُواته دخل عَلَيْهِ حدِيث فِي حَدِيث. وقَوله: (وَقَالَ غير واحِد عَنْ عاصِم، وَهِشام، عَنْ حفصة بِنت سِيرِين، عن الرَّبَاب، عن سَلْمَان بن عَامِر الضَّبِّيّ، عن النَّبِيّ ﷺ ) منْ الَّذين أبهمهُم عن عَاصِم: سُفْيَان بن عُيينة، أخْرجهُ أحمد عنهُ بهِذا الإِسناد، فصرَّح بِرفعِهِ، وذكر المتن المذْكُور، وَحَدِيثينِ آخرينِ: أحَدهمَا فِي الفِطر عَلَى التَّمْر، والثَّانِي فِي الصَّدَقة عَلَى ذِي القَرَابة، وأخْرَجَهُ التِّرمِذِيّ، مِن طرِيق عبد الرَّزَّاق، والنَّسائِىِّ، عن عبد الله بن مُحَمَّد الزُّهرِيّ، كِلاهُما عن ابن عُيينة، بِقِصَّةِ العقِيقة، حَسْب، وَقَالَ النَّسائِيُّ فِي رِوايته: عن الرَّبَاب، عن عَمَّها، سَلْمَان بِهِ، والرَّبَاب -بِفتحِ الرَّاء، وبمُوحَّدتينِ، مُخفّفًا- مَا لَهَا فِي البُخَارِيّ غير هَذَا الْحَدِيث. ومِمَّن رواهُ عن هِشَام بن حَسَّان، عبد الرّزّاق، أخْرَجَهُ أحمد عنهُ، عن هِشَام، بِالأحادِيثِ الثَّلاثة، وأخْرجهُ أبُو داوُد، والتِّرمِذِيّ، منْ طرِيق عبد الرَّزَّاق. ومِنهُم عبد الله بن نُمير، أخْرَجَهُ ابن مَاجَه، منْ طرِيقه، عن هِشَام بهِ، وأخْرَجهُ أحمد أيضًا، عن يحيى القطّان، ومُحَمَّد بن جعفر، كِلاهُما عَن هِشام، لكنْ لمْ يذكُر الرَّبَاب فِي إِسناده، وكذا أخرجهُ الدَّارِمِيٌّ، عن سعِيد بْن عامِر، والْحَارِثُ بنُ أبِي أُسَامَة، عن عبد الله بن بُكَيْر السَّهْمِيّ، كِلاهُما عَنْ هِشَام. وقوله: (وَرَوَاهُ يَزِيد بن إِبْراهِيم، عن ابْن سِيرِينَ، عَنْ سَلْمَان، قَوْلَهُ) وَصَلهُ الطَّحاوِيُّ فِي "بيان المُشْكِل"، فقال: "حَدَّثنا مُحَمَّد بن خُزيمة، حَدَّثنا حَجَّاج بن مِنْهَال، حدّثنا يزِيد ابن إِبراهِيم، بِهِ موقُوفًا". وقوله: (وَقَالَ أصْبَغ: أخْبَرنِي ابْن وَهْب إِلَخْ) وصَلهُ الطَّحاوِيُّ، عن يُونُس بن عبد الأعلى، عن ابن وهب بِهِ، قَالَ الإسْمَاعيليّ: ذكر البُخارِيّ ابن وهب، بِلا خَبَر، وَقَدْ قَالَ أحمد بن حنبل: حدِيث جرِير بن حازِم، كَأنَّهُ عَلَى التَّوهُّم، أَوْ كَمَا قَالَ. قَالَ الحافظ: لفظ الأثرم عن أحمد: حدَّث بِالوَهْم بِمِصْرَ، ولمْ يَكُنْ يَحْفَظ، وكذا ذكر السَّاجِيُّ انتهى. وهذا مِمَّا حَدَّث بِهِ جرِير بِمِصْرَ، لكِنْ قد وافقهُ غيره عَلَى رفعه، عن أيُّوب، نعم قوله: عن مُحَمَّد: "حدَّثنا سَلْمَان بْن عَامِر"، هُو الَّذِي تَفرَّدَ بِهِ. وبِالجُملةِ فهذهِ الطُّرُق، يُقوي بعضها بعضًا، والحدِيث مرفُوع، لا يَضُرّهُ رِواية منْ وقفهُ. انتهى كلام الحافظ رحمه الله تعالى، وهو تحقيقٌ نفيسٌ جدًّا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): فِي اختلاف أهل العلم فِي التفرقة بين الغلام والجارية فِي العقيقة:

стр. 16016

قَالَ الحافظ أبو عمر رحمه الله تعالى: اختلفوا فِي عدد ما يُذبح عن المولود منْ الشياه فِي العقيقة عنه، فقال مالك: يذبح عن الغلام شاة واحدة، وعن الجارية شاة، الغلام والجارية فِي ذلك سواء، وبه قَالَ أبو جعفر محمد بن عليّ الباقر. والحجّة لمالك، ومن قَالَ بقوله فِي ذلك حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: أن رسول الله صلّى الله تعالى عليه وسلم عقّ عن الحسن والحسين كبشًا كبشًا. وَقَالَ الشافعيّ، وأحمد، إسحاق، وأبو ثور: يُعقّ عن الغلام شاتان، وعن الجارية شاة، وهو قول ابن عباس، وعائشة، وعليه جماعة أهل الحديث، وحجّتهم فِي ذلك حديث أم كُرز رضي الله تعالى عنها -يعني الآتي بعد هَذَا-، وحديث عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنهما -يعني المذكور فِي الباب الماضي-. قَالَ: وانفرد الحسن وقتادة بقولهما: إنه لا يُعقّ عن الجارية بشيء، وإنما يُعقّ عن الغلام فقط بشاة، وأظنّهما ذهبا إلى ظاهر حديث سلمان: "مع الغلام عقيقته"، وإلى ظاهر حديث سمرة: "الغلام مرتَهنٌ بعقيقته". وكذلك انفرد الحسن، وقتادة أيضًا بأن الصبيّ يُمسّ رأسه بقطنة، قد غُمِست فِي دم العقيقة. انتهى كلام ابن عبد البرّ باختصار، وتصرّف (١). وَقَالَ فِي "الفتح": وهذِهِ الأحادِيث حُجَّة لِلجُمهُورِ، فِي التَّفْرِقَة بين الغُلامِ والْجَارِية، وعن مالِك هُمَا سَوَاء، فيعُقّ عَنْ كُلّ واحِد مِنْهُما شَاة، واحتُجَّ لهُ بِما جَاءَ: "أنَّ النَّبيّ ﷺ عَقَّ عنْ الحَسَنُ والحُسَيْن كبشًا كبشًا"، أخْرجهُ أبُو داوُد. ولا حُجَّة فِيهِ، فَقَدْ أخرجهُ أبُو الشَّيْخ مِن وَجْه آخر، عن عِكْرِمة، عن ابن عَبَّاس بِلفظِ: "كَبْشَيْنِ، كَبْشَينِ". وأخرج أيْضًا منْ طَرِيق عَمْرو بن شُعَيْب، عَنْ أبِيهِ، عَنْ جَدّه مِثله. وعلى تَقْدِير ثُبُوت رِواية أبِي دَاوُد، فَلَيْسَ فِي الحدِيث مَا يُرَدّ بِهِ الأحَادِيث المُتَوَارِدة فِي التَّنْصِيص عَلَى التَّثنِية لِلْغُلامِ، بَلْ غَايته أن يَدُلّ عَلَى جَوَاز الِاقْتِصَار، وهُوَ كَذَلِك، فإِنَّ العَدَد لَيْسَ شَرطًا، بل مُستَحَبّ. انتهى. قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: الأرجح عندي هو ما ذهب إليه الجمهور، منْ التفرقة بين الغلام والجارية، فيُعقّ عنه بشاتين، وعنها بشاة واحدة؛ لصحّة الأحاديث بذلك، وما احتجّ به القائلون بعدم التفرقة منْ النصوص المطلقة، يُحْمَلُ عَلَى هذه النصوص المقيّدة؛ عملاً بكلتيهما. والله تعالى أعلم بالصواب. [تنبيه]: ذكر الحليمِيّ: أنَّ الحِكمة فِي كون الأنْثَى عَلَى النِّصْف منْ الذَّكَر، أنَّ المقصُود اسْتِبقَاء النَّفْس، فأشْبَهَتْ الدِّيَة، وَقَوَّاهُ ابن الْقيِّمِ بِالْحَدِيثِ الْوَارِد، فِي أنَّ منْ

стр. 16017

أعتق ذكرًا، أعتق عُضو مِنْهُ، ومن أعتقَ جارِيتينِ كَذلِكَ، إِلى غير ذَلِكَ، مِمَّا وَرَدَ. ويحتمِلُ أن يكُون فِي ذَلِكَ الوقت ما تَيسَّر العَدَد. قاله فِي "الفتح". والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٢١٧ - (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَفَّانُ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ قَيْسِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ عَطَاءٍ، وَطَاوُسٍ، وَمُجَاهِدٍ، عَنْ أُمِّ كُرْزٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: "فِي الْغُلَامِ شَاتَانِ مُكَافَأَتَانِ، وَفِى الْجَارِيَةِ شَاةٌ"). قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: ترجم فِي "الكبرى" هنا بقوله: [باب كم يُعقّ عن الغلام؟]. وكان الأولى للمصنّف أن يترجم بمثله هنا، عَلَى نسق ما يأتي له فِي الجارية، فإنه ترجم أوّلاً بقوله: [العقيقة عن الجارية]، ثم ترجم بعده بقوله: [كم يُعقّ عن الجارية؟] فتأمّل، فالله تعالى أعلم. و"أحمد بن سليمان" تقدم فِي الباب الماضي. و"عفّان": هو ابن مسلم المذكور فِي السند الماضي. و"حَمَّاد،: هو ابن سلمة، وليس ابن زيد؛ لأن الراوي عنه عفّان، وَقَدْ ذكر السيوطيّ رحمه الله تعالى فِي "ألفية الحديث" بعض ما يفرّق به بينهما، فَقَالَ: وَتَارَةَ فِي اسْمِ فَقَطْ ثُمَّ السِّمَة … حَمَّادُ لابْنِ زَيْدِ وَابْنِ سَلَمَهْ فَإِنَ أَتَى عَنِ ابْنِ حَرْبٍ مُهْمَلا … أَوْ عَارِمِ فَهوَ ابْنُ زَيْدٍ جُعِلا أَوْ هُدْبَةٍ أوِ التَّبُوذَكِيِّ أَوْ … حَجَّاجٍ أَوْ عَفَّانَ فَالثَّانِي رَأَوْا و"قيس بن سعد": هو الحبشيّ، أبو عبد الملك، أو أبو عبد الله المكيّ، ثقة [٦] ١١٥/ ١٠٦٦. و"عطاء": هو ابن أبي رباح، و"طاوس": هو "ابن كيسان"، و"مجاهد": هو ابن جبر. و"أمّ كُرز" -بضمّ الكاف، وسكون الراء، بعدها زايٌ- الخُزَاعيّة، ثم الكعبيّة المكيّة، صحابيّة، لها أحاديث. روت عن النبيّ صلّى الله تعالى عليه وسلم، وروى عنها عطاء، وطاوسٌ، ومجاهد، وسِباع بن ثابت، وعُروة بن الزبير، وغيرهم. واختُلف فِي حديثها عَلَى عطاء، فقيل: عن قتادة، عنه، عن ابن عبّاس، عنها. وقيل: عن ابن جُريج، ومحمد بن إسحاق، وعمرو بن دينار، ثلاثتهم عن عطاء، عن قتيبة بن ميسرة بن أبي حبيب، عنها. وقيل: عن حجّاج بن أرطاة، عن عطاء، عن عُبيد ابن عُمير، عنها. وقيل: عن حجاج، عن عطاء، عن ميسرة بن أبي حبيب، عنها. وقيل: عن أبي الزبير، ومنصور بن زاذان، وقيس بن سعد، ومطر الورّاق، أربعتهم عن

стр. 16018

عطاء، بلا واسطة، وزاد حماد بن سلمة، عن قيس، عن عطاء، طاوسًا، ومجاهدًا، ثلاثتهم عن أم كُرز، ولم يذكر الواسطة. وقيل: عن قيس بن سعد، عن عطاء، عن أم عثمان بن خُثيم، عن أم كرز. وقيل: عن يزيد بن أبي زياد، عن عطاء، عن سُبيعة بنت الحارث. وقيل: عن عبد الكريم ابن أبي الْمُخَارق، عن عطاء، عن جابر. وقيل: عن محمد بن أبي حُميد، عن عطاء، عن جابر. وأقواها رواية ابن جريج، ومن تابعه، وصحَحها ابن حبّان، ورواية حَمَّاد بن سلمة، عبد النسائيّ رواها عُبيد الله بن أبي يزيد، عن سباع بن ثابت، عنها نحوه. وأخرجه أبو داود، والنسائي، وابن ماجه. ووقع عبد إسحاق بن راهويه، عن عبد الرزّاق، عن ابن جُريج بسنده، فقال: عن أم بني كُرز الكعبيين، وكذا أخرجه ابن حبّان منْ طريقه. قَالَ الحافظ رحمه الله تعالى: ويمكن الجمع بأنها كانت تُكنى أم كُرز، وكان زوجها يسمّى كرزًا، والمراد ببني كرز بنو ولدها كرز، وكانوا يُنسبون إلى جدّتهم هذه، فالله أعلم. ولها حديث آخر منْ رواية عبد الله بن أبي يزيد، عن سباع بن ثابت، عن أم كرز، قالت: أتيت النبيّ صلّى الله تعالى عليه وسلم، وهو بالحديبية، أسأله عن لحوم الهدي، فسمعته يقول: "أقِرُّوا الطير عَلَى مصافّها"، أخرجه النسائيّ بتمامه (١)، وأبو داود مختصرًا، وهذا الطحاويّ، وصححه ابن حبّان، وزاد بعضهم فِي السند: عن عبيد الله بن أبي يزيد، عن أبيه. وأخرج ابن ماجه بهذا السند عنها حديث "ذهبت النبوّات، وبقيت المبشّرات"، وصححه ابن حبّان أيضًا. ذكره فِي "الإصابة" (٢). وَقَدْ ذكر الحافظ أبو الحجاج المزّيّ رحمه الله تعالى فِي "تحفة الأشراف" ١٣/ ٩٩ - ١٠٠ - اختلافًا أكثر مما ذُكر، فراجعه تستفد. روى لها الأربعة، ولها عند المصنّف فِي هَذَا الكتاب هَذَا الحديث فقط، كرّره أربع مرّات. وقوله: "عن الغلام شاتان" أي تجزىء فِي عقيقة الغلام شاتان. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): فِي درجته:

стр. 16019

حديث أم كُرز رضي الله تعالى عنها هَذَا صحيح. (المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -٢/ ٤٢١٧ و٣/ ٤٢١٨ و٤/ ٤٢١٩ و٤٢٢٠ - وفي "الكبرى" ٣/ ٤٥٤١ و٤/ ٤٥٤٢ و٥/ ٤٥٤٣ و٤٥٤٤. وأخرجه (د) فِي "الضحايا" ٢٨٣٤ و٢٨٣٥ و٢٨٣٦ (ت) فِي "الأضاحي" ١٥١٦ (ق) فِي "الذبائح" ٣١٦٢ (الدارمي) فِي "الأضاحي" ١٩٦٦. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلتُ، وإليه أنيب". … ٣ - (الْعَقِيقَةِ عَنِ الْجَارِيَةِ) ٤٢١٨ - (أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ: قَالَ عَمْرٌو، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ حَبِيبَةَ بِنْتِ مَيْسَرَةَ، عَنْ أُمِّ كُرْزٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "عَنِ الْغُلَامِ شَاتَانِ مُكَافَأَتَانِ، وَعَنِ الْجَارِيَةِ شَاةٌ"). "حبيبة بنت ميسرة" بن أبي خُثيم، أم حَبيب، الفهريّة، منْ موالي بني فهر مقبولة [٤]. روت عن أم كرز. وعنها مولاها عطاء بن أبي رباح، وروى عن أم حبيب بنت ميسرة، عن أم كرز. ذكرها ابن حبّان فِي "الثقات". تفرّد بها المصنّف، وأبو داود، ولها عندهما هَذَا الحديث فقط. وباقي رجال الإسناد رجال الصحيح. و"سفيان": هو ابن عيينة. و"عمرو": هو ابن دينار. و"عطاء": هو ابن أبي رباح. والحديث صحيح، وتقدّم تخريجه فِي الباب الماضي، ودلالته عَلَى الترجمة واضحة. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلتُ، وإليه أنيب". ***

стр. 16020

٤ - (كَمْ يَعِقُّ عَنِ الْجَارِيَةِ) ٤٢١٩ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ -وَهُوَ ابْنُ أَبِي يَزِيدَ- عَنْ سِبَاعِ بْنِ ثَابِتٍ، عَنْ أُمِّ كُرْزٍ، قَالَتْ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ بِالْحُدَيْبِيَةِ، أَسْأَلُهُ عَنْ لُحُومِ الْهَدْي، فَسَمِعْتُهُ، يَقُولُ: عَلَى الْغُلَامِ شَاتَانِ، وَعَلَى الْجَارِيَةِ شَاةٌ، لَا يَضُرُّكُمْ ذُكْرَانًا كُنَّ، أَمْ إِنَاثًا؟ "). قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "سفيان": هو ابن عينة. و"عُبيد الله بن أبي يزيد": هو المكيّ مولى آل قارظ بن شيبة، ثقة كثير الحديث [٤] ٧٠/ ٢٣٧٠. و"سِباع" -بكسر أوله، ثم موحّدة- ابن ثابت" حليف بني زُهرة، قَالَ أدركت الجاهليّة، وعدّه البغويّ، وغيره فِي الصحابة، وابن حبّان فِي ثقات التابعين. وَقَالَ ابن سعد: كَانَ قليل الحديث. روى له الأربعة حديث الباب، وله عند ابن ماجه حديث آخر. وقوله: "عن لحوم الهدي". الظاهر أنها سألته صلّى الله تعالى عليه وسلم أن يعطيها منْ لحوم الهدي، حَتَّى تأكله، أو نحو ذلك، كما تدلّ عليه رواية أحمد، ولفظه: "وذهبت أطلب منْ اللحم". وقوله: "عَلَى الغلام" كلمة "عَلَى" بمعنى "فِي"، كما تقدّم فِي الروايات الماضة، ويحتمل أن يكون المراد عَلَى أبي الغلام، أو لَمّا كَانَ الغلام سببًا لوجوب العقيقة جُعل كأن العقيقة واجبة عليه، وعلى الوجهين يستقيم إلا عَلَى مذهب منْ يقول بوجوب العقيقة، بل بوجوب الشاتين فِي عقيقة الغلام، والجمهور عَلَى خلافه. قاله السنديّ. قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: لا يلزم منه الوجوب، فإن "عَلَى" تستعمل للمندوب إذا كَانَ موْكّدًا، كما لا يخفى ذلك عَلَى منْ تتبّع نصوص الشرع. فتنبّه. والله تعالى أعلم. وقوله: "ذُكرانًا كُنّ الخ" أي شياه العقيقة، وفيه دليلٌ عَلَى أنه لا فرق فِي العقيقة بين ذكور الشياه وإناثها. والحديث صحيح، وَقَدْ سبق تمام البحث فيه قريبًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٢٢٠ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي يَزِيدَ، عَنْ سِبَاعِ بْنِ ثَابِتٍ، عَنْ أُمِّ كُرْزٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ -

стр. 16021

قَالَ: "عَنِ الْغُلَامِ شَاتَانِ، وَعَنِ الْجَارِيَةِ شَاةٌ، لَا يَضُرُّكُمْ ذُكْرَانًا كُنَّ أَمْ إِنَاثًا"). قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "عمرو بن عليّ": هو الفلّاس. و"يحيى": هو ابن سعيد القطّان. والحديث صحيح، وَقَدْ سبق القول فيه قريبًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٢٢١ - (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَفْصِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ -هُوَ ابْنُ طَهْمَانَ- عَنِ الْحَجَّاجِ بْنِ الْحَجَّاجِ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: "عَقَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، عَنِ الْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ ﵄ بِكَبْشَيْنِ كَبْشَيْنِ"). قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا. و"الحجّاج بن الحجّاج": هو الباهليّ البصريّ الأحول، ثقة [٦] ٥٣/ ٦١٤. قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: حديث ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما هَذَا صحيح، وهو منْ أفراد المصنّف رحمه الله تعالى، أخرجه هنا -٤/ ٤٢٢١ - وفي "الكبرى" ٥/ ٤٥٤٥. وكان الأولى للمصنّف أن يورده قبل باب، تحت ترجمة [العقيقة عن الغلام]؛ لأنه لا مطابقة بينه وبين هذه الترجمة [كم يُعقّ عن الجارية]، فتأمل. [فإن قلت]: أخرج هذ الحديث أبو داود فِي سننه بإسناد صحيح، منْ طريق أيوب، عن عكرمة، بلفظ: "عَقَّ عن الحسن والحسين، كبشًا كبشًا"، فكيف التوفيق بينهما؟. [قلت]: ترجّح رواية الكبشين بأمرين: [أحدهما]: تضمّنها زيادة، وزيادة الثقة مقبولة، ولاسيّما إذ جاءت منْ طرق مختلفة المخارج، كما هو الشأن هنا، كما حقّقه، وطوّل البحث فيه الشيخ الألبانيّ رحمه الله تعالى فِي كتابه "إرواء الغليل" ٤/ ٣٧٩ - ، فراجعه تستفد. [والثاني]: موافقتها للأحاديث الأخرى التي نصّ النبيّ صلّى الله تعالى عليه وسلم فيها بشاتين، حيث يقول: "عن الغلام شاتان مكافئتان". والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلتُ، وإليه أنيب". ***

стр. 16022

٥ - (مَتَى يَعِقُّ؟) ٤٢٢٢ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى، قَالَا: حَدَّثَنَا يَزِيدُ -وَهُوَ ابْنُ زُرَيْعٍ- عَنْ سَعِيدٍ، أَنْبَأَنَا قَتَادَةُ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "كُلُّ غُلَامٍ رَهِينٌ بِعَقِيقَتِهِ، تُذْبَحُ عَنْهُ يَوْمَ سَابِعِهِ، وَيُحْلَقُ رَأْسُهُ، وَيُسَمَّى"). رجال هَذَا الإسناد: سبعة: ١ - (عمرو بن علي) الفلاس البصريّ، ثقة ثبت [١٠] ٤/ ٤. ٢ - (محمد بن عبد الأعلى) الصنعاني البصريّ، ثقة [١٠] ٥/ ٥. ٣ - (يزيد بن زريع) العيشي، أبو معاوية البصريّ، ثقة ثبت [٨] ٥/ ٥. ٤ - (سعيد) بن أبي عروبة مِهران اليشكري، أبو النضر البصريّ، ثقة حافظ، اثبت النَّاس فِي قتادة، لكنه يدلس، واختلط بآخره [٦] ٣٤/ ٣٨. ٥ - (قتادة) بن دعامة تقدم قريبًا. ٦ - (الحسن) بن أبي الحسن/ يسار البصريّ الإِمام الحجة، يدلس [٣] ٣٢/ ٣٦. ٧ - (سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ) بن هلال الفزاريّ، حليف الأنصار، صحابيّ مشهورٌ، له أحاديث، مات رضي الله تعالى عنه بالبصرة، سنة (٥٨)، وتقدّمت ترجمته فِي ٢٥/ ٣٩٣. والله تعالى أعلم. لطائف هَذَا الإسناد: منها: أنه منْ سداسيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين. (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ) رضي الله تعالى عنه (عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ) أنه (قَالَ: "كُلُّ غُلَامٍ) أراد به مطلق المولود، ذكرًا كَانَ، أو أنثى (رَهِينٌ بِعَقِيقَتِهِ) "رَهِين": فَعِيل بمعنى مفعول: أي مرهون بها، وللناس فيه كلام، فعن أحمد: هَذَا فِي الشفاعة، يريد أنه إذا لم يُعقّ عنه، فمات طفلاً، لم يشفع فِي والديه. وفي "النهاية": أن العقيقة لازمة له، لابدّ منها، فشبّه المولود فِي لزومها له، وعدم انفكاكه منها بالرهن فِي يد المرتهن. وَقَالَ التوربشتيّ: أي إنه كالشيء المرهون، لا يتمّ الانتفاع به، دون فكّه، والنعمة إنما تتمّ

стр. 16023

عَلَى المنعم عليه بقيامه بالشكر، ووظيفته، والشكر فِي هذه النعمة ماسنّه النبيّ صلّى الله تعالى عليه وسلم، وهو أن يُعقّ عن المولود، شكرًا لله تعالى، وطلبًا لسلامة المولود. ويحتمل أنه أراد بذلك أن سلامة المولود، ونشوه عَلَى النعت المحمود رهينة بالعقيقة. انتهى. وَقَالَ فِي "الفتح": قَالَ الخَطَّابِيّ: اختلف النَّاس فِي هَذَا، وأجود ما قِيل فِيهِ، ما ذهب إِليهِ أحمد بن حنبل، قَالَ: هَذَا فِي الشَّفاعة، يُرِيد أَنَّهُ إِذَا لم يُعقّ عَنهُ، فَمَاتَ طِفلاً، لم يشفع فِي أبويهِ. وقِيل: معناهُ أنَّ العقِيقة لازِمة، لَا بُدَّ مِنها، فشبّه المولُود فِي لُزُومها، وعدم انفِكاكه مِنها، بِالرَّهن فِي يد المُرتهِن، وهذا يُقوِّي قول منْ قَالَ بِالوُجُوب. وقِيل: المعنى أَنَّهُ مرهُون بأذى شعره، ولِذلِك جاء: "فَأمِيطُوا عنهُ الأَذَى" انتهى. والَّذِي نُقِلَ عن أحمد، قالهُ عطاء الخُرَاسَانيّ، أسندهُ عنهُ البَيْهقِيُّ، وأخْرَجَ ابن حَزْم، عن بُريدة الأسْلمِيّ، قَالَ: "إِنَّ النَّاس يُعرضُون يوم القِيامة عَلَى العَقِيقة، كما يُعرضُون عَلَى الصَّلوات الْخَمْس"، وهذا لَوْ ثبت لكان قولاً آخر، يَتَمسَّك بهِ منْ قَالَ بِوُجُوبِ العقِيقة، قَالَ ابن حَزْم: وَمِثْله عن فاطِمة بِنْتِ الحُسَيْن. قاله فِي "الفتح" (١). (تُذْبَحُ) بالبناء للمفعول، وفيه دليلٌ عَلَى أنه لا يتعيّن الذابح، وفيه خلاف، سيأتي تحقيقه قريبًا، إن شاء الله تعالى (عَنْهُ يَوْمَ سَابِعِهِ) أي منْ يوم الولادة، وهل يُحسب يوم الولادة؟ قَالَ ابن عبد البرّ نصَّ مالِك عَلَى أنَّ أوَّل السَّبعة اليوم الَّذي يلِي يَوْم الوِلادة، إِلَّا إِن وُلِد قبل طُلوع الفجر، وكذا نقلهُ البُويطِيّ عن الشَّافِعِيَ، ونقل الرَّافِعِيُّ وجْهَيْنِ، ورجّح الحُسبان، واختلف ترجِيح النَّووِيّ. قاله فِي "الفتح" (٢). قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: الذي يظهر لي أن يوم الولادة محسوب فِي السبعة. والله تعالى أعلم. (وَيُحْلَقُ رَأْسُهُ، وَيُسَمَّى) ببناء الفعلين للمفعول. و"يُسمّى" بالسين المهملة، منْ التسمية، وسيأتي الاختلاف فِي هذه اللفظة، هل هي "يسمى" بالسين، أو "يُدَمّى" بالدال مفصّلًا فِي المسألة الخامسة، إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): فِي درجته:

стр. 16024

حديث سمرة بن جندب رضي الله تعالى عنه هَذَا صحيح. (المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -٥/ ٤٢٢٢ و٤٢٢٣ - وفي "الكبرى" ٦/ ٤٥٤٦ و٤٥٤٧. وأخرجه (د) فِي "الضحايا" ٢٨٣٧ و٢٨٣٨ (ت) فِي "الأضاحي" ١٥٢٢ (ق) فِي "الذبائح" ٣١٦٥ (أحمد) فِي "أول مسند البصريين" ١٩٥٧٩ و٢٧٧٠٩ و١٩٦٧٦ و١٩٧٤٣ (الدارمي) فِي "الأضاحي" ١٩٦٩. والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): فِي فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان وقت العقيقة، وأنه اليوم السابع، وسيأتي اختلاف العلماء فيه فِي المسألة التالية، إن شاء الله تعالى. (ومنها): تأكّد مشروعيّة العقيقة، وأنها لازمة لكل مولود، كلزوم المرتهن الرهن فِي يده، لا ينفك عنه إلا بأداء الدين. (ومنها): استحباب حلق رأس المولود عبد ذبح العقيقة. (ومنها): استحباب تسميته عبد الذبح أيضًا. (ومنها): أنه تمسَّك بهِذا الحديث منْ قَالَ: إِنّ العقِيقة مُوقَّتة بِاليومِ السَّابع، وأنَّ منْ ذبح قبله، لم يقع المَوْقِع، وأنَّها تفُوت بعده، وهُو قول مالِك. وذهبت الشافعية إلى أن اعتبار الأسابيع للاختيار، لا للتعيين، وللحنابلة فِي ذلك روايتان، وسيأتي تحقيق الاختلاف فِي ذلك قريبًا، إن شاء الله تعالى. (ومنها): أن قوله: "يُذْبَح" بِالضَّمِّ عَلَى البِناء لِلمجهُولِ، فيه دلالة عَلَى أنَّه لا يتعيَّن الذَّابح، وعِند الشَّافِعِيَّة يتعيَّنُ منْ تلزمهُ نفقة المولُود، وعن الحنابلة يتعينُ الأب، إِلَّا إنْ تعذَّر بِموتِ، أو امتِناع. قَالَ الرَّافِعِيّ: وكَأنَّ الحدِيث، أنَّهُ ﷺ عَقَّ عن الحسنِ والحُسين مُؤَوَّل. قَالَ النَّووِيّ: يحتمِل أن يكُونُ أبَوَاهُ حِينئِذٍ كَانا مُعْسِرينِ، أو تبرَّع بِإِذْنِ الأب، أو قوله: "عَقَّ": أيْ أمر، أو هُوَ مِنْ خصائِصه ﷺ ، كما ضَحَّى عَمَّن لم يُضَحِّ منْ أُمته، وَقَدْ عَدَّهُ بعْضهم منْ خصائِصه، ونَصَّ مالِك عَلَى أَنَّهُ يُعَقّ عن اليتِيم منْ مَالِهِ، وَمَنَعَهُ الشَّافِعِيّة. قاله فِي "الفتح". قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن عدم تعيّن الذابح هو الأظهر؛ عملاً بظاهر قوله: "تُذبح عنه"، حيث لم يُعيّن أباه، ولا غيره، وأيضًا أنه صلّى الله تعالى عليه وسلم عقّ عن الحسن، والحسين، ودعوى الخصوصية تحتاج إلى دليل. والله تعالى أعلم. (ومنها): أن قوله: "تذْبَح، وَيُحْلَق رأسه، وَيُسَمَّى" بِالْوَاوِ يدلّ عَلَى أنَّهُ لا يُشْتَرَط التَّرتيب بني ذَلِكَ، قَالَ الحافظ: وَقَدْ وَقَعَ فِي رِواية لِأبِي الشَّيْخ، فِي حَدِيث سَمُرَة: "يُذْبح يَوْم سَابِعه، ثُمَّ يُحْلق"، وأخْرَجَ عبد الرَّزَّاق، عن ابن جُريج: يَبْدأ بِالذَّبحِ قَبْل

стр. 16025

الحلق. وحكى عن عطاء عكسه، ونقلهُ الرُّويانِيّ عن نَصّ الشَّافِعِيّ. وَقَالَ الْبغوِي فِي "التَّهْذِيب": يُستحبّ الذَّبْح قبل الْحَلْق، وصَحَّحهُ النَّووِيّ فِي "شَرْح المُهذَّب". واللهُ أعلمُ. قاله فِي "الفتح". قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: إن صحّ ما فِي رواية أبي الشيخ، تعيّن الترتيب، وإلا فلا دليل عَلَى الترتيب، بل يفعل كيف تيسّر. والله تعالى أعلم. (ومنها): أن قوله: "ويُحلق رأسه" يدلُّ عَلَى أنه يُحلق جَمِيعه، لا بعضه؛ لِثُبُوتِ النَّهْي عن الْقَزَع. وحكى المَاوَرْدِي كراهة حلق رأس الجارِية. وعن بعض الحنابلة: يُحلق. قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: القول بكراهة حلق رأس الجارية ضعيفٌ؛ لمخالفته عموم النصّ، فقوله صلّى الله تعالى عليه وسلم: "كلُّ مولود رَهِينٌ بعقيقته، تُذبح عنه يوم سابعه، ويُحلق رأسه، ويُسمّى" عام فِي كلّ مولود، ذكرًا كَانَ أو أنثى، دون استثناء شيء، فتبصّر. والله تعالى أعلم. وفِي حدِيث عليّ رضي الله تعالى عنه، عِند التِّرمِذِيّ، والحاكِم فِي حدِيث العقِيقة، عن الحسنِ والحُسين: "يا فاطِمة احْلِقِي رأسه، وتَصَدَّقِي بِزِنَةِ شعره، قَالَ: فَوزَنَّاهُ، فكان دِرْهمًا، أو بَعْض دِرهم". وأخرج أحمدُ، منْ حدِيث أبِي رافِع: "لَمَّا ولدت فاطِمة حسنًا، قالَتْ: يا رسُول الله، ألا أعُقَّ عن ابنِي بِدَم؟، قَالَ: "لا، ولكِن احلِقِي رأسه، وتَصَدَّقِي بِوزنِ شَعْره فِضَّة، ففعلت، فلمَّا ولدت حُسَينًا، فعلت مِثل ذَلِكَ". قَالَ الحافظِ العراقيّ: فِي "شرح التِّرمِذِيّ": يُحمل عَلَى أنَّهُ ﷺ ، كَانَ عَقّ عنهُ، ثُمّ استأذنتهُ فاطِمة أن تعُقّ هِيَ عنهُ أيضًا، فمنعها. قَالَ الحافظ: ويحتمِل أن يكُون منعها؛ لضِيق ما عِندهم حِينئِذ، فأرشدها إِلى نوع منْ الصَّدقة أخَفّ، ثُمَّ تَيسَّر لهُ عن قُرب ما عَقَّ بِهِ عنهُ، وعلى هَذَا فقد يُقال: يختصّ ذَلِكَ بِمن لم يُعَقَّ عنهُ، لكِنْ أخرج سعِيد بنِ منصُور، منْ مُرسل أبِي جَعْفَر الباقِر صحِيحًا: "إِنَّ فاطِمة كَانَتْ إِذا ولدت ولدًا، حلقت شعره، وتصدَّقت بِزِنتِهِ ورِقًا". ذكره فِي "الفتح" (١). قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: حديث: "يا فاطمة احلقي رأسه، وتصدّقي الخ" ضعيف؛ لانقطاعه، كما بينه الترمذيّ، وله شاهد منْ حديث عبد الله بن محمد بن عقيل، وفيه ضعف، وَقَدْ حسنّه الشيخ الألبانيّ لأجل الشاهد؛ انظر "إرواءه" ٤/ ٤٠٢ - ٤٠٦.

стр. 16026

والحاصل أن مثل هَذَا يصلح للعمل به فِي مثل هذه الفضائل، فينبغي أن يحلق رأس المولود، وُيتصدّق بوزنه درهمًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): فِي اختلاف أهل العلم فِي وقت العقيقة: قَالَ العلامة ابن قُدامة رحمه الله تعالى: قَالَ أصحابنا: السنّة أن تُذبح يوم السابع، فإن فات ففي أربعة عشر، فإن فات ففي أحد وعشرين، وُيروى هَذَا عن عائشة رضي الله تعالى عنها، وبه قَالَ إسحاق. وعن مالك فِي الرجل يريد أن يَعُقّ عن ولده، فقال: ما علمت هَذَا منْ أمر النَّاس، وما يُعجبني. ولا نعلم خلافًا بين أهل العلم القائلين بمشروعيّتها فِي استحباب ذبحها يوم السابع. والأصل فيه حديث سمرة، عن النبيّ صلّى الله تعالى عليه وسلم -يعني حديث الباب- وأما كونه فِي أربع عشرة، ثم فِي أحد وعشرين، فالحجة فيه قول عائشة رضي الله تعالى عنها، وهذا تقدير، والظاهر أنها لا تقوله إلا توقيفًا. وإن ذبح قبل ذلك، أو بعده أجزأه؛ لأن المقصود يحصل، وإن تجاوز أحدًا وعشرين، احتمل أن يُستحبّ فِي كلّ سابع، فيجعله فِي ثمانية وعشرين، فإن لم يكن ففي خمسة وثلاثين، وعلى هَذَا، قياسًا عَلَى ما قبله. واحتمل أن يكون فِي كلّ وقت؛ لأن هَذَا قضاء فائت، فلم يتوقّف، كقضاء الأضحية وغيرها، وإن لم يعُقّ أصلاً، فبلغ الغلام، وكسب فلا عقيقة عليه؛ لأنها مشروعة فِي حقّ الوالد، فلا يفعلها غيره، كالأجنبيّ، وكصدقة الفطر. وسُئل أحمد عن هذه المسألة، فقال: ذلك عَلَى الوالد. يعني لا يعُقّ عن نفسه؛ لأن السنّة فِي حقّ غيره. وَقَالَ عطاء، والحسن: يعُقّ عن نفسه؛ لأنها مشروعة عنه، ولأنه مرتَهنٌ بها، فينبغي أن يُشَرَع له فَكَاك نفسه. انتهى كلام ابن قُدامة ببعض تغيير (١). وَقَالَ فِي "الفتح": ما حاصله: تمسَّك بِقوله: "تُذبح عنه يوم السابع" مَنْ قَالَ: إِنَّ العقِيقة مُوقَّتة بِاليوم السَّابع، وأنَّ منْ ذبح قبله لم يقع الموقِع، وأنَّها تفُوت بعده، وهُو قول مَالِك. وَقَالَ أيضًا: إِن منْ مات قبل السَّابع سقطت العقِيقة. وفِي رِواية ابنِ وهب، عن مَالِك: أن منْ لم يُعَقّ عنهُ فِي السابع الأول، عُقَّ عنهُ فِي السَّابع الثَّانِي، قَالَ ابن وَهْب: ولا بأس أن يُعقّ عنهُ فِي السَّابع الثَّالِث. ونقل التِّرمِذِيّ عن أهل العِلم: أَنَّهم يستحبُّون أن تُذبح العقِيقة يوم السَّابع، فإِن لم يتهيَّأ فَيَوْم الرَّابع عَشَر، فإِنْ لم يَتَهَيَّأ عَقَّ عنهُ يوم أَحَد وعِشْرِينَ. قَالَ الحافظ: وَلَمْ أرَ هَذَا صرِيحًا إِلَّا عن أبِي عبد الله الْبُوشَنْجِيّ، ونقلهُ صَالِح بْن أَحْمَد، عَنْ أبِيهِ. وورد فِيهِ حدِيث، أَخْرَجهُ الطَّبرانِيُّ منْ

стр. 16027

رِواية إِسماعِيلِ بن مُسلِم، عن عبد الله بن بُريدة، عن أبِيهِ، وإسماعِيل ضعِيف، وذكر الطَّبرانِيّ أنّهُ تفرَّد بِهِ. وَعِنْد الحنابلة فِي اعتِبار الأسابِيع بعْد ذلك رِوايتانِ، وعِند الشَّافِعِيَّة أن ذِكر الأسَابِيع لِلاخْتِيارِ، لا لِلتَّعيِينِ، فنقل الرَّافِعِيّ، أَنَّهُ يدخُل وقْتَهَا بِالوِلادةِ، قَالَ: وذِكرُ السَّابع فِي الْخَبَر بِمَعْنَى أن لا تُؤَخَّر عنهُ اخْتِيارًا، ثُمّ قَالَ: والاخْتِيار أَنْ لا تُؤَخَّر عن الْبُلُوغ، فإِنْ أُخِّرت عن البُلُوغ سقطت، عَمَّنْ كَانَ يُرِيد أن يعُقّ عنهُ، لَكِنْ إِنْ أرَادَ أنْ يعُقّ عَنْ نفْسه فَعَلَ. وأخرج ابنُ أبِي شيبة، عن مُحَمَّد بن سِيرِين، قَالَ: لو أعلمُ أنِّي لِم يُعقّ عنِّي، لعققتُ عن نفسِي. واختارهُ القَفَّال. ونقل عن نصَّ الشَّافِعِيّ فِي البُوَيطِيّ، أنَّهُ لاِ يُعقّ عن كبِير، وليْس هَذَا نصًّا فِي منع أن يعُقّ الشَّخْص عن نفسه، بل يَحْتَمِل أن يُرِيد أن لا يَعُقّ عن غيره إِذَا كبِر. وكَأنَّهُ أشَار بِذلِك إِلى أنَّ الحدِيث الَّذِي ورد أن النَّبِيّ ﷺ ، عَقَّ عن نفسه بعد النُّبُوَّة، لا يثبُت، وهُو كذلِك، فقد أخرجهُ البزَّار منْ رِواية عبد الله بن مُحرّر -وهُو بِمُهملاتِ- عن قتادة، عن أنسٍ، قَالَ البزَّار: تفرَّد بِهِ عبد الله، وَهُوَ ضَعِيف. انتهى. وأَخْرَجهُ أبُو الشَّيْخ منْ وجْهَينِ آخَرينِ: أحدُهُما منْ رواية إِسماعِيل بن مُسْلِم، عن قتادة، وإسماعِيل ضعِيف أيْضًا، وَقَدْ قَالَ عبد الرَّزَّاق: إنَّهم تركُوا حدِيث عبد الله بن مُحرَّر، منْ أجل هَذَا الحدِيث، فَلَعلَّ إِسْمَاعِيل سَرَقَهُ مِنْهُ. ثَانِيهمَا منْ رِواية أبِي بكر الْمُسْتَمْلي، عن الهيثم بن جميل، وداوُد بن المُحبَّر، قالا: حدَّثنا عبد الله بن المثنى، عن ثُمَامَة، عن أنَسٍ، وداوُد ضَعِيف، لَكِنَّ الْهَيْثم ثِقَة، وعبد الله منْ رِجال الْبُخَارِي، فالحدِيث قوِيّ الإِسْناد، وَقَدْ أخرجهُ مُحَمَّد بن عبد الملِك بن أيْمَن، عن إِبراهِيم بن إِسْحاق السَّرَّاج، عن عمرو النَّاقِد، وأخرجهُ الطَّبرانِيُّ فِي "الأوسط"، عن أحمد بن مَسْعُود، كِلاهُما عن الهيثم بن جَميل، وَحْده بِهِ، فَلَوْلا مَا فِي عبد الله بن المُثَنَّى منْ المَقَال، لَكَانَ هَذَا الحدِيث صحِيحًا، لكِن قَدْ قَالَ ابنُ معِين: ليس بِشَيْءٍ، وَقَالَ النَّسائِيُّ: لَيْسَ بِقوِيٍّ، وَقَالَ أبُو داوُد: لا أُخْرِجُ حدِيثه، وَقَالَ السَّاجِيُّ: فِيهِ ضَعْف لم يَكُنْ منْ أَهْل الْحَدِيث، روى مَنَاكِير، وَقَالَ العُقَيْليّ: لا يُتَابَع عَلَى أَكْثَرِ حدِيثه، قَالَ ابن حَبَّان فِي "الثِّقات": رُبَّما أخْطَأ، وَوَثَّقهُ العِجلِيُّ، والتِّرْمِذِيّ، وَغَيرهما، فَهَذَا منْ الشُّيُوخ الَّذين إِذَا انْفَرد أَحَدُهُمْ بِالحَدِيثِ، لم يكُنْ حُجَّة، وَقَدْ مَشَى الْحَافِظ الضَّيَاء عَلَى ظَاهِرِ الإِسْنَاد، فَأَخْرَجَ هَذَا الْحَدِيث، فِي "الأَحَادِيث الْمُخْتَارَة، مِمَّا

стр. 16028

لَيْسَ فِي الصَّحِيحَيْنِ". ويحتمِل أن يُقال: إنْ صَحَّ هَذَا الخبر، كَانَ منْ خَصَائِصه ﷺ ، كما قالُوا فِي تَضْحِيته عمَّن لم يُضَحِّ منْ أُمّته. وعِند عبد الرَّزَّاق، عن معمر، عَنْ قَتَادَة: "مَنْ لَمْ يَعُقّ عنهُ أَجْزَأته أُضْحِيَّته"، وعِند ابنِ أبِي شيبة، عن مُحَمَّد بن سِيرِين، والحسنِ: "يُجزِىء عن الغُلام الأضْحِيَّة منْ الْعَقِيقَة". انتهى (١). قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: قد اتضح بما ذُكر أن الارجح تقييد العقيقة باليوم السابع، كما هو نصّ الشارع، فلا تشرع قبله، وتفوت بفواته، فإن قضاها بعد ذلك كَانَ حسنًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): فِي اختلاف الحفاظ فِي قوله: "وَيُسَمَّى"، هل هو بالسين، أم بالدال المهملة؟: قَالَ الحافظ رحمه الله تعالى: قد اختلف فِيها أصحاب قتادة، فقال أكثرُهُم: "يُسَمَّى" بالسِّينِ، وَقَالَ هَمَّام، عن قتادة: "يُدَمَّى" بالدَّالِ. قَالَ أبُو داوُد: خُولِفَ همَّام، وهُو وَهمٌ مِنْهُ، ولا يُؤْخذ بِهِ، قَالَ: "وَيُسَّمَى" أصَحُّ. ثُمَّ ذكرهُ منْ رِواية غير قتادة بِلفظِ: "وَيُسَمَّى"، واستُشكِل ما قالهُ أبُو داوُد بِما فِي بقِيَّة رِواية همَّام عِنده، أنهم سألُوا قتادة عن الدَّم، كيف يُصنعِ بِهِ؟، فقال: إِذَا ذُبِحت العقِيقة، أُخِذتْ مِنها صُوفَة، واسْتُقبلت بِهِ أوْدَاجُها، ثُمَّ تُوضع عَلَى يَافُوخ الصَّبيّ، حَتَّى يَسِيل عَلَى رَأْسه، مِثْل الْخَيط، ثُمَّ يَغْسِل رأسه بعدُ، ويُحْلقُ. فيبعُدُ مع هَذَا الضَّبْط، أن يُقال: إِنَّ همَّامًا وهِم عن قتادة، فِي قوله: "وَيُدَمَّى"، إِلا أن يُقال إِن أصل الحدِيث: "وَيُسَمَّى"، وأنَّ قتادة ذكر الدَّم حاكِيًا عمَّا كَانَ أهل الجَاهِلِيَّة يَصْنعُونهُ، ومِن ثَمَّ قَالَ ابنُ عبد البرّ: لا يُحْتمل هَمَّامٌ فِي هَذَا الَّذِي انفرد بِهِ، فإنْ كَانَ حفِظهُ، فهُو مَنْسُوخ. انتهى. وَقَدْ رجَّح ابن حزمِ رِواية هَمَّام، وَحَمَل بَعْض المُتَأَخِّرِين قوله: "وَيُسَمَّى" عَلَى التَّسمِية عِند الذَّبح، لِما أخرج ابن أبِي شيبة، منْ طرِيق هِشَام، عن قتادة، قَالَ: يُسَمَّى عَلَى العقِيقة، كما يُسَمَّى عَلَى الأضْحِيَّة: "بِسْمِ الله عَقِيقَة فُلان"، ومِن طريق سعِيد، عَنْ قتادة نَحْوه، وزاد: "اللَّهُمَّ مِنْك، وَلَك، عَقِيقَة فُلان، بِسْمِ الله والله أكبر، ثُمَّ ذَبَح". وروى عبد الرَّزَّاق، عن معمر، عن قتادة: يُسَمَّى يوم يُعَقّ عنهُ، ثُمَّ يُحْلق، وكان يقُول: يُطْلى رأسه بِالدَّمِ. وَقَدْ وَرَدَ مَا يدُلّ عَلَى النَّسخ فِي عِدَّة أحادِيث، مِنها: ما أخرجهُ ابن حِبَّان، فِي "صَحِيحه" عن عَائِشَة، قالت: "كَانُوا فِي الجَاهِليَّة، إِذَا عَقُّوا عن الصَّبيّ، خَضَّبُوا قُطْنَة بِدَمِ الْعَقِيقَة، فَإِذَا حَلَقُوا رأس الصَّبِيّ، وَضَعُوها عَلَى رَأْسه، فَقَالَ النَّبِيّ ﷺ : "اجْعَلُوا

стр. 16029

مكان الدَّم خلُوقًا"، زاد أبُو الشَّيْخ: "وَنَهَى أنْ يُمَسّ رَأْس الْمَوْلُود بِدَم". وأَخْرَجَ ابن مَاجَه، منْ رِواية أيُّوب بن مُوسي، عن يزِيد بنِ عبد الله المُزنِيِّ، أَنَّ النَّبِيّ ﷺ ، قَالَ: "يُعَقّ عن الغُلام، ولا يُمَسّ رأسه بِدَمِ"، وهذا مُرسل، فإِنَّ يزِيد لا صُحْبة لَهُ. وَقَدْ أَخْرجهُ البزَّار منْ هَذَا الْوَجْه، فَقَالَ: "عَنْ يزِيد بن عبد الله الْمُزَنِيِّ، عن أبِيهِ، عن النَّبِيّ ﷺ "، وَمَعَ ذَلِكَ، فقالُوا إِنَّه مُرْسَل. ولِأبِي دَاوُدَ، والْحَاكِم، مِنْ حَدِيث عبد الله بن بُرَيْدة، عن أبيهِ، قَالَ: "كُنَّا فِي الجَاهِلِيَّة"، فذكر نَحْو حدِيث عَائِشَة، ولم يُصَرِّح بِرفعِهِ، قَالَ: "فَلمَّا جَاء الله بِالإِسلامِ، كُنَّا نَذْبَح شَاة، ونَحْلِق رأْسه، ونُلطِّخهُ بِزَعْفرانِ"، وهذا شَاهِدٌ لِحدِيثِ عائِشة، ولِهذا كَرِه الجُمهُور التَّدْمِية. ونَقَلَ ابن حزم اسْتِحْبَاب التَّدْمِية، عن ابنِ عُمر، وَعَطَاء، ولَمْ ينقُل ابن المُنْذِر اسْتِحْبَابَهَا، إِلَّا عن الْحَسَنِ، وقتادة، بل عِند ابْنِ أبِي شيبة، بِسندٍ صحِيح، عن الْحَسَنِ، أنَّهُ كَرِه التَّدْمِية. ذكره في "الفتح" (١). وَقَالَ الحافظ ابن عبد البرّ رحمه الله تعالى: ما حاصله: حجة منْ كره التدمية قول رسول الله صلّى الله تعالى عليه وسلم فِي حديث سلمان بن عامر الضبّيّ رضي الله تعالى عنه: "وأميطوا عنه الأذى"، قَالَ: فكيف يجوز أن يؤمر بإماطة الأذى عنه، وأن يُحمل عَلَى رأسه الأذى. قَالَ: وقوله صلّى الله تعالى عليه وسلم: "أميطوا عنه الأذى ناسخ لما كَانَ عليه أهل الجاهليّة منْ تخضيب رأس الصبيّ بدم العقيقة. انتهى (٢). قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن بما ذُكر أن ما ذهب إليه الجمهور منْ كراهة تدمية رأس الصبيّ هو الأرجح؛ لأن الراجح أن رواية "ويُدمّى" منْ وَهَم همّام بن يحيى العوذيّ، وإنما المحفوظ: "وَيُسَمَّى"، كما هو رواية الجمهور، وعلى تقدير صحة روايته، فإنها منسوخة بحديث عائشة رضي الله تعالى عنها المذكور آنفًا، وهو صحيح، وبحديث عبد الله بن بُريدة، عن أبيه، رضي الله تعالى عنه، قَالَ: "كنا فِي الجاهليّة إذا وُلد لأحدنا غلام ذبح شاةً، ولطخ رأسه بدمها، فلما جاء الله بالإِسلام، كنا نذبح شاةً، ونحلق رأسه، ونلطّخه بزعفران". رواه أبو داود، والطحاويّ، والحاكم، والبيهقيّ، وَقَالَ الحاكم: صحيح عَلَى شرط الشيخين، ووافقه الذهبيّ، وهو صحيح كما قَالَ، لكنه عَلَى شرط مسلم؛ لأن الحسين بن واقد لم يخرج له البخاريّ إلا تعليقًا. وعن يزيد ابن عبد المزنيّ، عن أبيه: أن رسول الله صلّى الله تعالى عليه وسلم قَالَ: "يُعقّ عن الغلام، ولا يُمسّ رأسه بدم". أخرجه الطبرانيّ، والطحاويّ، ورجاله ثقات، غير يزيد

стр. 16030

ابن عبد، فلم يرو عنه غير أيوب بن موسى، ولم يوثّقه غير ابن حبّان (١). وأيضًا أنه صلّى الله تعالى عليه وسلم أمر بأن يُماط عنه الأذى، والدم منْ الأذى، فكيف يأمر بالتدمية. والحاصل أنه لا يُشرع التدمية أصلاً. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٢٢٣ - (أَخْبَرَنَا هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا قُرَيْشُ بْنُ أَنَسٍ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ الشَّهِيدِ، قَالَ لِي مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ: سَلِ الْحَسَنَ، مِمَّنْ سَمِعَ حَدِيثَهُ فِي الْعَقِيقَةِ، فَسَأَلْتُهُ عَنْ ذَلِكَ؟ فَقَالَ: سَمِعْتُهُ مِنْ سَمُرَةَ). قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا، غير: ١ - (قُريش بن أنس) الأنصاريّ، ويقال: الأمويّ مولاهم، أبو أنس البصريّ، صدوق تغيّر بآخره، قدر ستّ سنين [٩]. قَالَ ابن المدينيّ: كَانَ ثقة. وَقَالَ أبو حاتم: لا بأس به، إلا أنه تغيّر. وَقَالَ النسائيّ: ثقة. وَقَالَ أبو داود: سمعت إسحاق بن إبراهيم بن حبيب بن الشهيد يقول: إنه تغيّر. وكذا ذكر البخاريّ عن إسحاق الشهيديّ، وزاد: إنه اختلط ست سنين فِي البيت، ومات سنة (٢٠٩). وَقَالَ أبو داود، عن محمد بن عمر المُقَدَّميّ: مات فِي رمضان سنة (٢٠٨) قبل سعيد بن عامر بثمانية أيام. قَالَ الحافظ: سماع المتأخّرين عنه بعد اختلاطه، مثل ابن أبي الْعَوّام، ويزيد بن سنان البصريّ، وبكّار القاضي، وأبي قلابة، والكديميّ. وَقَالَ ابن حبّان: اختلط، فظهر فِي حديثه مناكير، فلم يجز الاحتجاج بأفراده. وَقَالَ أبو حاتم الرازيّ يقال: إنه تغيّر عقله، وكان سنة (٢٠٣) صحيح العقل، ومات سنة (٢٠٨). وَقَالَ الحافظ فِي "الفتح": قُريش بن أنس، بصرِيّ ثِقة، يُكنَّى أبا أَنَس، كَانَ قد تَغَيَّرَ سنة ثلاث ومِائتينِ، واسْتَمرَّ عَلَى ذَلِكَ سِتّ سِنِينَ، فَمَنْ سَمِعَ مِنْهُ قبل ذَلِكَ فَسَمَاعه صحِيح. قَالَ: وَقَدْ توقَّف البرزنجِيّ فِي صِحَّة هَذَا الحدِيث، منْ أجْل اخْتِلاط قُرَيْش، وَزَعَمَ أنَّهُ تفرَّد بِهِ، وأنَّهُ وَهِمَ، وكَأنَّهُ تَبعَ فِي ذَلِكَ ما حَكَاهُ الأثْرَم، عن أحمد، أَنَّهُ ضَعَّفَ حدِيث قُرَيْش هَذَا، وَقَالَ: ما أَرَاهُ بِشَيْءٍ.

стр. 16031

لكِنْ وجَدْنا لهُ مُتابِعًا، أخْرَجَهُ أبُو الشَّيْخ، والبزَّار عن أبِي هُرَيْرة، وأيضًا فَسَماَع عليٍّ ابن المدِينِيّ، وأَقْرانه منْ قُرَيْش، كَانَ قَبْل اخْتِلاطه، فَلعَلَّ أَحْمَد إِنَّما ضَعَّفهُ؛ لِأنَّهُ ظَنَّ أَنَّهُ إِنَّما حَدَّث بِهِ بَعْد الاختِلاط. انتهى ما فِي "الفتح". روى له الجماعة، سوى ابن ماجه. له عبد البخاريّ، والترمذيّ، والمصنّف حديث الباب، وَعَبْد مسلم، والمصنّف حديث عمران بن حصين: "عضّ رجل يد رجل … " الحديث، وسيأتي للمصنف فِي "كتاب القسامة" ١٨/ ٤٧٦٠ - إن شاء الله تعالى. و"هارون بن عبد الله": هو أبو موسى الحمّال البغداديّ الحافظ [١٠]. و"حبيب بن الشهيد" تقدّم قبل بابين. وقوله: "سل الحسن ممن سمع حديثه فِي العقيقة"، إنما أمر ابن سرين رحمه الله تعالى بسؤال الحسن عمن سمعه؛ تثبيتًا، وتأكيدًا؛ لأنه روى هَذَا الحديث عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، فقد أخرج البزَّار، وأبُو الشَّيخ فِي "كِتَاب العَقِيقَة" منْ رِواية إِسرائيل، عن عبد الله بن المُخْتَار، عن مُحَمَّد بن سِيرِين، عن أبِي هُريرة رضي الله تعالى عنه، مثل رواية الحسن، عن سمرة. قَالَ الحافظ رحمه الله تعالى: ورِجاله ثِقات، فَكأنَّ ابن سِيرِين، لَمَّا كَانَ الحدِيث عِنده، عن أبِي هُريرة، وبلغهُ أنَّ الحسنُ يُحدِّث بهِ، احْتمل عِنده، أن يكُون يَرْوِيه، عَنْ أبِي هُريرة أيْضًا، وعن غيره، فَسَأَلَ، فأخْبَر الْحَسَن أنَّهُ سَمِعهُ منْ سَمُرة، فَقَوي الحْدِيث بِرِوايةِ هذينِ التَّابِعِيَّيْنِ الْجَليلينِ، عن الصَّحَابِيَّيْنِ. انتهى (١). [تنبيه]: هَذَا الرواية صريحة فِي سماع الحسن البصريّ عن سمرة بن جندب رضي الله تعالى عنه، وَقَدْ اختُلف فيه، قَالَ فِي "تهذيب التهذيب": وأما رواية الحسن عن سمرة، ففي "صحيح البخاريّ"، سماعه منه لحديث العقيقة، وَقَدْ روى عنه نسخة كبيرة، غالبها فِي "السنن الأربعة"، وعنْد عليّ بن المديني أن كلّها سماع، وكذا حكى الترمذي عن البخاريّ. وَقَالَ يحيى القطّان، وآخرون: هي كتاب، وذلك لا يقتضي الانقطاع. وفي "مسند أحمد": حدثنا هُشيم، عن حميد الطويل، وَقَالَ: جاء رجلٌ إلى الحسن، فقال: إن عبدا له أَبَقَ، وأنه نذر إن يقدر عليه أن يقطع يده، فقال الحسن: حدثنا سمرة، قَالَ: قلّما خطبنا رسول الله صلّى الله تعالى عليه وسلم خُطبةً إلا أمر فيها بالصدقة، ونهى عن المثلة. وهذا يقتضي سماعه منه لغير حديث العقيقة. وَقَالَ أبو داود عقب حديث سليمان بن سمرة، عن أبيه فِي الصلاة: دلّت هذه الصحيفة عَلَى أن

стр. 16032

الحسن سمع منْ سمرة. قَالَ الحافظ: ولم يظهر لي وجه الدلالة بعدُ. انتهى (١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلتُ، وإليه أنيب". … ٤٠ - (كِتَابُ الْفَرَعِ، والْعَتِيرةِ) قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: الْفَرَع، والْفَرَعةُ -بفتح الراء-: أولُ نِتَاج الإبل والغنم، وكان أهل الجاهلية يذبحون لآلهتهم يتبرّكون بذلك، فنُهي عنه المسلمون، وجمعُ الفرع فَرُعُ -أي بضمّتين- أنشد ثعلبٌ [منْ الرمل]: كَغَرِيّ (٢) أجْسَدَتْ رَأْسَهُ … فَرُعٌ بَيْنَ رِئَاسٍ وَحَامِ رئاسٌ وحَامٌ: فحلان. وفي الحديث: "لا فرع، ولا عَتِيرة، تقول: أفرع القومُ: إذا ذبحوا أوّلَ ولد تُنتجُهُ الناقةُ (٣) لآلهتهم، وأفرعوا: نُتِجُوا. والفرعُ والْفَرَعَةُ: ذَبْحٌ كَانَ يُذبح، إذا بلغت الإبل ما يتمنّاه صاحبها، وجمعها فِرَاعٌ. والفرَعُ: بعيرٌ كَانَ يُذبح فِي الجاهليّة، إذا كَانَ للإنسان مائة بعير، نَحَر منها بَعيرًا كلّ عام، فأطعم النَّاسَ، ولا يذوقه هو، ولا أهله. وقيل: إنه كَانَ إذا تمّت له إبله مائةً قدّم بَكْرًا، فنحره لصنمه، وهو الفرَعُ، قَالَ الشاعر [منْ البسيط]: إِذْ لا يَزَالُ قَتِيلٌ تَحتَ رَايَتِنَا … كَمَا تَشَحَّطَ سَقْبُ النَّاسِكِ الْفَرَعُ وقيل: الْفَرَعُ طعامٌ يُصنع لنتاج الإبل، كالْخَرْسِ لولادة المرأة. قاله فِي "اللسان" (٤). و"الْعَتِيرَةُ" -بفتح العين المهملة، وكسر التاء-: هي الشَّاة تُذْبح عن أهل بَيْت فِي رَجَب. وَقَالَ أبُو عُبيد: الْعتِيرَة: هِي الرَّجبِيَّة، ذَبِيحَة كانُوا يَذْبَحُونها فِي الْجَاهِليّة فِي رَجَب، يتقرَّبُون بها لِأصْنَامِهِم. وَقَالَ غيره: الْعتِيرَة نَذْر كَانُوا يُنذَرُونهُ، منْ بَلَغَ ماله

стр. 16033

كذا، أن يذبح مِن كُلّ عشرة مِنها رأسًا فِي رجب. وذكر ابن سِيدَهْ: أنَّ العتِيرة أنَّ الرَّجُل كَانَ يقُول فِي الجاهِليَّة: إن بلغ إِبِلِي مِائة عَتَرَتُ مِنْهَا عَتِيرَة، زاد فِي "الصِّحَاح": فِي رَجَب. ونقل أبُو داوُد تَقْييدها بالعَشْرِ الأول منْ رَجَب، ونقل النَّووِيّ الاتِّفاق عَلَيْهِ. قَالَ الحافظ: وفِيهِ نظرٌ (١). وذكر ابن منظور فِي "اللسان": أن العرب فِي الجاهليّة كانت إذا طلب أحدهم أمرًا نذر، لئن ظفِر به ليذبحنّ منْ غنمه فِي رجب كذا وكذا، وهي العتائر أيضًا، فإذا ظفِر به، فربّما ضاقت نفسه عن ذلك، وضنّ بغنمه، وهي الرَّبِيض، فيأخذ عددها ظباء، فيذبحها فِي رجب مكان تلك الغنم، فكأن تلك عتائره. انتهى باختصار. وَقَالَ النوويّ فِي "شرح مسلم": الْفَرَع: أوَّل النِّتَاج كَانَ يُنْتَج لهُمْ فيذبحُونهُ. قَالَ أهل اللُّغة وغيرهم: الْفَرَع بِفَاءٍ، ثُمّ راءٍ مفتُوحَتَيْنِ، ثُمَّ عين مُهْمَلة، وُيقال فِيهِ: الْفَرَعَة بِالهاءِ. والْعتِيرَة -بِعينِ مُهملة مَفْتُوحة، ثُمَّ تَاء مُثَنَّاة منْ فَوْق، قَالُوا: والْعَتِيرة: ذَبِيحَة كانُوا يَذْبحُونَهَا فِي العشر الأُول مِنْ رَجَب، وَيُسَمُونها الرَّجَبِيَّة أيضًا، واتَّفَق العُلَمَاء عَلَى تَفْسِير العَتِيرة بِهذا. قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تقدم فِي كلام الحافظ أن دعواه الاتفاق فيه نظر. قَالَ: وأمَّا الفرع، فَقَدْ فَسَّرهُ هُنا بِأنَّهُ أوَّل النِّتاح، كانُوا يذْبحُونهُ، قَالَ الشَّافِعِيّ، وأصْحابه، وآخَرُون: هُوَ أوَّل نِتاج الْبَهِيمة، كَانُوا يَذْبحُونهُ، ولا يَمْلِكُونهُ، رَجَاء الْبرَكَة فِي الأُمّ، وكَثْرة نسلها، وهكذا فسَّرهُ كثِيرُون منْ أهل اللُّغة وغيرهم. وَقَالَ كَثِيرُون مِنهُم: هُو أوَّل النِّتاج، كانُوا يذبحُونهُ لِآلِهتِهِم، وهِي طَوَاغِيتهمْ، وكذا جاء هَذَا التَّفسِير فِي "صحِيح الْبُخَارِي"، و"سُنَن أبِي داوُد". وقِيل: هُو أوَّل النِّتاج لِمنْ بَلَغَتْ إِبله مِائَة، يَذْبحُونهُ. وَقَالَ شَمِر: قَالَ أبُو مَالِك: كَانَ الرَّجُل، إِذَا بلغت إِبِله مِائة، قَدَّم بِكرًا، فنحرهُ لِصَنَمِهِ، ويُسمُّونهُ الْفَرَع. انتهى كلام النوويّ (٢). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٢٢٤ - (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا فَرَعَ، وَلَا عَتِيرَةَ"). قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: ترجم المصنّف رحمه الله تعالى فِي "الكبرى" قبل هَذَا الحديث بقوله: "باب "لا فرع، ولا عتيرة".

стр. 16034

رجال هَذَا الإسناد: خمسة: ١ - (إسحاق بن إبراهيم) ابن رهويه الإمام الحجة [١٠] ٢/ ٢. ٢ - (سفيان) بن عيينة الإمام الحجة الثبت [٨] ١/ ١. ٣ - (الزهريّ) محمد بن مسلم المدنيّ الإمام الحجة الثبت [٤] ١/ ١. ٤ - (سعيد) بن المسيب الإمام الفقيه الحجة الثبت، منْ كبار [٣] ٩/ ٩. ٥ - (أبو هريرة) رضي الله تعالى عنه ١/ ١. والله تعالى أعلم. لطائف هَذَا الإسناد: (منها): أنه منْ خماسيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أن فيه رواية تابعيين عن تابعيّ. (ومنها): أن فيه سعيدًا أحد الفقهاء السبعة، وفيه أبو هريرة رضي الله تعالى عنه منْ المكثرين السبعة. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عن أبِي هُريرة) رضي الله تعالى عنه، أنه (قَالَ: قَالَ رسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا فَرَعَ) بفتحين، وقع تفسير الفرَع، والعتيرة فِي رواية الشيخين، ولفظه: "والفرَع أوّل النتاج، كانوا يذبحونه لطواغيتهم، والعتيرة فِي رجب". قيل: ظاهِرهُ الرَّفع، لكن وقع فِي رواية أبِي داوُد، منْ طريق عبد الرَّزَّاق، عن معمر، عن الزُّهرِيّ، عن سعِيد بن الْمُسَيِّب، قَالَ: "الْفَرَع أوَّل النِّتَاج … " الْحَدِيث، جعلهُ موْقُوفًا عَلَى سعِيد بن الْمُسَيِّب. وَقَالَ الخَطَّابِيُّ: أحْسَب التَّفْسِير فِيهِ منْ قوْل الزُّهرِيّ. قَالَ الحافظ: قد أخرج أبُو قُرَّة فِي "السُّنَن" الْحَدِيث عن عبد المجِيد بْن أبِي دَاوُدَ (١)، عَنْ معمر، وصرَّح فِي رِوايته، أنَّ تفسِير الْفَرَع والْعَتِيرَة، منْ قوْل الزُّهرِيّ. واللهُ أعلم. انتهى. وَقَالَ فِي "الْمُحْكَم": الْفَرَعُ أوَّل نِتاج الإبِل والغنم، كَانَ أهْل الجَاهِلِيَّة يذْبَحُونهُ لِأصْنَامِهِمْ، والْفَرَع ذبْحٌ كانُوا، إِذَا بلغَتْ الإِبِل ما تَمنَّاهُ صاحِبها ذَبحُوهُ، وكَذلِكَ إِذَا بلغت الإبِل مِائة، يَعْتِر مِنْهَا بعِيرًا كُلّ عَام، ولا يَأْكُل مِنْهُ هُو، ولا أهْل بَيْته. والْفَرَع أيضًا: طَعَام يُصنع لِنِتَاج الإبِل، كالْخَرَسِ (٢) لِلْوِلادَةِ. انتهى (٣). (وَلَا عَتِيرَةَ) -بِفتحِ المُهْمَلة، وَكَسْر المُثَنَّاة، بِوزنِ عَظِيمَة: هي شاة تُذبح فِي رجب. قَالَ القَزَّاز: سُمِّيَتْ عَتِيرة بِما يُفْعَل منْ الذَّبْح، وهُو الْعَتْرُ، فَهِيَ فَعَيْلة، بِمعنى مَفْعُولَة.

стр. 16035

وتقدم فِي أول الباب أقوال أهل اللغة فيها. وقوله: "لا فرَع، ولا عَتِيرة": هكذا جَاء بِلفْظِ النَّفْي، والمراد بِهِ النَّهْي، كما جاء بِصِيغةِ النَّهْي فِي رِواية المصنّف التالية: "نَهَى رَسُول الله ﷺ ". ووقع فِي رِواية لِأحْمَد: "لا فرع، ولا عَتِيرة فِي الإِسْلام". والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): فِي درجته: حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه هَذَا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -١/ ٤٢٢٤ و٤٢٢٥ - وفي "الكبرى" ١/ ٤٥٤٨ و٤٥٤٩. وأخرجه (خ) فِي "العقيقة" ٥٤٧٣ و٥٤٧٤ (م) فِي "الأضاحي" ٣٦٥٢ (د) فِي "الضحايا" ٢٨٣١ (ت) فِي "الأضاحي" ١٥١٢ (ق) فِي "الذبائح" ٣١٦٨ (أحمد) فِي "باقي مسند المكثرين" ٧٠٩٥ و٧٢١٥ و٧٦٩٣ و٩٩٨٣ (الدارمي) فِي "الأضاحي" ١٩٦٤. والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): فِي اختلاف أهل العلم فِي الجمع بين "لا فرَعَ، ولا عَتِيرة"، وبين حديث:، "الفَرَع حقّ": قَالَ النوويّ فِي "شرح مسلم": قَالَ الشَّافِعِيّ رحمه الله تعالى: الْفَرَع شَيْء كَانَ أهل الجاهِليَّة، يطلُبُون بِهِ البركة فِي أمْوَالهمْ، فكَانَ أحَدهمْ يذبح بِكر ناقته، أو شَاته، فَلا يَغْذُوهُ رجاء الْبَرَكة فِيما يأْتِي بعده، فَسَألُوا النَّبيّ ﷺ عَنْهُ؟ فقال: "فرِّعُوا، إنْ شِئتُمْ، أيْ اذْبَحُوا إن شِئتُمْ"، وكانُوا يَسْألُونهُ عَمَّا كانُوا يَصْنعُونهُ فِي الجاهِليَّة، خوْفًا أنْ يُكْره فِي الإسلام، فأعْلَمهُمْ أَنَّهُ لا كَرَاهَة عَليهِمْ فِيهِ، وأمَرَهُمْ استِحبابًا أن يُغذُوهُ، ثُمَّ يُحْمَل عَلَيْهِ فِي سبِيل الله. قَالَ الشَّافِعِيّ: وَقَوْله ﷺ : "الْفَرَع حَقّ": معناهُ: ليْس بِباطِلٍ، وهُو كَلام عربِيّ، خَرَجَ عَلَى جواب السَّائِل. قَالَ: وَقَوْله ﷺ : "لا فَرَع، ولا عَتِيرَة"، أي لا فَرَع وَاجِب، ولا عَتِيرَة واجِبَة، قَالَ: والْحَدِيث الآخر يدُلّ عَلَى هَذَا المَعْنَى، فإِنَّه أبَاحَ لهُ الذَّبْح، واخْتَار لهُ أن يُعطِيه أرْمَلَة، أو يَحْمِل عَلَيْهِ فِي سبِيل الله، قَالَ: وقَوْله ﷺ فِي الْعَتِيرَة: "اذبحُوا لِلَّهِ، فِي أيّ شَهْر كَانَ"، أي اذْبَحُوا إن شِئتُمْ، واجْعلُوا الذَّبح لِلَّهِ فِي أيِّ شَهْر كَانَ، لا أَنَّها فِي رَجَب، دُون غَيْره منْ الشُّهُور. والصَّحِيح عِند أصْحَابنَا، وَهُوَ نَصّ الشَّافِعِيّ: اسْتِحْبَاب الْفَرَع، والْعَتِيرَة، وأَجَابُوا عَنْ حَدِيث: "لا فَرَع، ولا عَتِيرَة" بِثلاثةِ أوْجُه:
следующие страницы →