لكِنْ وجَدْنا لهُ مُتابِعًا، أخْرَجَهُ أبُو الشَّيْخ، والبزَّار عن أبِي هُرَيْرة، وأيضًا فَسَماَع عليٍّ ابن المدِينِيّ، وأَقْرانه منْ قُرَيْش، كَانَ قَبْل اخْتِلاطه، فَلعَلَّ أَحْمَد إِنَّما ضَعَّفهُ؛ لِأنَّهُ ظَنَّ أَنَّهُ إِنَّما حَدَّث بِهِ بَعْد الاختِلاط. انتهى ما فِي "الفتح".
روى له الجماعة، سوى ابن ماجه. له عبد البخاريّ، والترمذيّ، والمصنّف حديث الباب، وَعَبْد مسلم، والمصنّف حديث عمران بن حصين: "عضّ رجل يد رجل … " الحديث، وسيأتي للمصنف فِي "كتاب القسامة" ١٨/ ٤٧٦٠ - إن شاء الله تعالى.
و"هارون بن عبد الله": هو أبو موسى الحمّال البغداديّ الحافظ [١٠]. و"حبيب بن الشهيد" تقدّم قبل بابين.
وقوله: "سل الحسن ممن سمع حديثه فِي العقيقة"، إنما أمر ابن سرين رحمه الله تعالى بسؤال الحسن عمن سمعه؛ تثبيتًا، وتأكيدًا؛ لأنه روى هَذَا الحديث عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، فقد أخرج البزَّار، وأبُو الشَّيخ فِي "كِتَاب العَقِيقَة" منْ رِواية إِسرائيل، عن عبد الله بن المُخْتَار، عن مُحَمَّد بن سِيرِين، عن أبِي هُريرة رضي الله تعالى عنه، مثل رواية الحسن، عن سمرة.
قَالَ الحافظ رحمه الله تعالى: ورِجاله ثِقات، فَكأنَّ ابن سِيرِين، لَمَّا كَانَ الحدِيث عِنده، عن أبِي هُريرة، وبلغهُ أنَّ الحسنُ يُحدِّث بهِ، احْتمل عِنده، أن يكُون يَرْوِيه، عَنْ أبِي هُريرة أيْضًا، وعن غيره، فَسَأَلَ، فأخْبَر الْحَسَن أنَّهُ سَمِعهُ منْ سَمُرة، فَقَوي الحْدِيث بِرِوايةِ هذينِ التَّابِعِيَّيْنِ الْجَليلينِ، عن الصَّحَابِيَّيْنِ. انتهى (١).
[تنبيه]: هَذَا الرواية صريحة فِي سماع الحسن البصريّ عن سمرة بن جندب رضي الله تعالى عنه، وَقَدْ اختُلف فيه، قَالَ فِي "تهذيب التهذيب": وأما رواية الحسن عن سمرة، ففي "صحيح البخاريّ"، سماعه منه لحديث العقيقة، وَقَدْ روى عنه نسخة كبيرة، غالبها فِي "السنن الأربعة"، وعنْد عليّ بن المديني أن كلّها سماع، وكذا حكى الترمذي عن البخاريّ. وَقَالَ يحيى القطّان، وآخرون: هي كتاب، وذلك لا يقتضي الانقطاع. وفي "مسند أحمد": حدثنا هُشيم، عن حميد الطويل، وَقَالَ: جاء رجلٌ إلى الحسن، فقال: إن عبدا له أَبَقَ، وأنه نذر إن يقدر عليه أن يقطع يده، فقال الحسن: حدثنا سمرة، قَالَ: قلّما خطبنا رسول الله صلّى الله تعالى عليه وسلم خُطبةً إلا أمر فيها بالصدقة، ونهى عن المثلة. وهذا يقتضي سماعه منه لغير حديث العقيقة. وَقَالَ أبو داود عقب حديث سليمان بن سمرة، عن أبيه فِي الصلاة: دلّت هذه الصحيفة عَلَى أن
стр. 16032
الحسن سمع منْ سمرة. قَالَ الحافظ: ولم يظهر لي وجه الدلالة بعدُ. انتهى (١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلتُ، وإليه أنيب".
…
٤٠ - (كِتَابُ الْفَرَعِ، والْعَتِيرةِ)
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: الْفَرَع، والْفَرَعةُ -بفتح الراء-: أولُ نِتَاج الإبل والغنم، وكان أهل الجاهلية يذبحون لآلهتهم يتبرّكون بذلك، فنُهي عنه المسلمون، وجمعُ الفرع فَرُعُ -أي بضمّتين- أنشد ثعلبٌ [منْ الرمل]:
كَغَرِيّ (٢) أجْسَدَتْ رَأْسَهُ … فَرُعٌ بَيْنَ رِئَاسٍ وَحَامِ
رئاسٌ وحَامٌ: فحلان. وفي الحديث: "لا فرع، ولا عَتِيرة، تقول: أفرع القومُ: إذا ذبحوا أوّلَ ولد تُنتجُهُ الناقةُ (٣) لآلهتهم، وأفرعوا: نُتِجُوا. والفرعُ والْفَرَعَةُ: ذَبْحٌ كَانَ يُذبح، إذا بلغت الإبل ما يتمنّاه صاحبها، وجمعها فِرَاعٌ. والفرَعُ: بعيرٌ كَانَ يُذبح فِي الجاهليّة، إذا كَانَ للإنسان مائة بعير، نَحَر منها بَعيرًا كلّ عام، فأطعم النَّاسَ، ولا يذوقه هو، ولا أهله. وقيل: إنه كَانَ إذا تمّت له إبله مائةً قدّم بَكْرًا، فنحره لصنمه، وهو الفرَعُ، قَالَ الشاعر [منْ البسيط]:
إِذْ لا يَزَالُ قَتِيلٌ تَحتَ رَايَتِنَا … كَمَا تَشَحَّطَ سَقْبُ النَّاسِكِ الْفَرَعُ
وقيل: الْفَرَعُ طعامٌ يُصنع لنتاج الإبل، كالْخَرْسِ لولادة المرأة. قاله فِي "اللسان" (٤). و"الْعَتِيرَةُ" -بفتح العين المهملة، وكسر التاء-: هي الشَّاة تُذْبح عن أهل بَيْت فِي رَجَب. وَقَالَ أبُو عُبيد: الْعتِيرَة: هِي الرَّجبِيَّة، ذَبِيحَة كانُوا يَذْبَحُونها فِي الْجَاهِليّة فِي رَجَب، يتقرَّبُون بها لِأصْنَامِهِم. وَقَالَ غيره: الْعتِيرَة نَذْر كَانُوا يُنذَرُونهُ، منْ بَلَغَ ماله
стр. 16033
كذا، أن يذبح مِن كُلّ عشرة مِنها رأسًا فِي رجب. وذكر ابن سِيدَهْ: أنَّ العتِيرة أنَّ الرَّجُل كَانَ يقُول فِي الجاهِليَّة: إن بلغ إِبِلِي مِائة عَتَرَتُ مِنْهَا عَتِيرَة، زاد فِي "الصِّحَاح": فِي رَجَب. ونقل أبُو داوُد تَقْييدها بالعَشْرِ الأول منْ رَجَب، ونقل النَّووِيّ الاتِّفاق عَلَيْهِ. قَالَ الحافظ: وفِيهِ نظرٌ (١).
وذكر ابن منظور فِي "اللسان": أن العرب فِي الجاهليّة كانت إذا طلب أحدهم أمرًا نذر، لئن ظفِر به ليذبحنّ منْ غنمه فِي رجب كذا وكذا، وهي العتائر أيضًا، فإذا ظفِر به، فربّما ضاقت نفسه عن ذلك، وضنّ بغنمه، وهي الرَّبِيض، فيأخذ عددها ظباء، فيذبحها فِي رجب مكان تلك الغنم، فكأن تلك عتائره. انتهى باختصار.
وَقَالَ النوويّ فِي "شرح مسلم": الْفَرَع: أوَّل النِّتَاج كَانَ يُنْتَج لهُمْ فيذبحُونهُ. قَالَ أهل اللُّغة وغيرهم: الْفَرَع بِفَاءٍ، ثُمّ راءٍ مفتُوحَتَيْنِ، ثُمَّ عين مُهْمَلة، وُيقال فِيهِ: الْفَرَعَة بِالهاءِ. والْعتِيرَة -بِعينِ مُهملة مَفْتُوحة، ثُمَّ تَاء مُثَنَّاة منْ فَوْق، قَالُوا: والْعَتِيرة: ذَبِيحَة كانُوا يَذْبحُونَهَا فِي العشر الأُول مِنْ رَجَب، وَيُسَمُونها الرَّجَبِيَّة أيضًا، واتَّفَق العُلَمَاء عَلَى تَفْسِير العَتِيرة بِهذا.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تقدم فِي كلام الحافظ أن دعواه الاتفاق فيه نظر.
قَالَ: وأمَّا الفرع، فَقَدْ فَسَّرهُ هُنا بِأنَّهُ أوَّل النِّتاح، كانُوا يذْبحُونهُ، قَالَ الشَّافِعِيّ، وأصْحابه، وآخَرُون: هُوَ أوَّل نِتاج الْبَهِيمة، كَانُوا يَذْبحُونهُ، ولا يَمْلِكُونهُ، رَجَاء الْبرَكَة فِي الأُمّ، وكَثْرة نسلها، وهكذا فسَّرهُ كثِيرُون منْ أهل اللُّغة وغيرهم. وَقَالَ كَثِيرُون مِنهُم: هُو أوَّل النِّتاج، كانُوا يذبحُونهُ لِآلِهتِهِم، وهِي طَوَاغِيتهمْ، وكذا جاء هَذَا التَّفسِير فِي "صحِيح الْبُخَارِي"، و"سُنَن أبِي داوُد". وقِيل: هُو أوَّل النِّتاج لِمنْ بَلَغَتْ إِبله مِائَة، يَذْبحُونهُ. وَقَالَ شَمِر: قَالَ أبُو مَالِك: كَانَ الرَّجُل، إِذَا بلغت إِبِله مِائة، قَدَّم بِكرًا، فنحرهُ لِصَنَمِهِ، ويُسمُّونهُ الْفَرَع. انتهى كلام النوويّ (٢). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٢٢٤ - (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا فَرَعَ، وَلَا عَتِيرَةَ").
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: ترجم المصنّف رحمه الله تعالى فِي "الكبرى" قبل هَذَا الحديث بقوله: "باب "لا فرع، ولا عتيرة".
стр. 16034
رجال هَذَا الإسناد: خمسة:
١ - (إسحاق بن إبراهيم) ابن رهويه الإمام الحجة [١٠] ٢/ ٢.
٢ - (سفيان) بن عيينة الإمام الحجة الثبت [٨] ١/ ١.
٣ - (الزهريّ) محمد بن مسلم المدنيّ الإمام الحجة الثبت [٤] ١/ ١.
٤ - (سعيد) بن المسيب الإمام الفقيه الحجة الثبت، منْ كبار [٣] ٩/ ٩.
٥ - (أبو هريرة) رضي الله تعالى عنه ١/ ١. والله تعالى أعلم.
لطائف هَذَا الإسناد:
(منها): أنه منْ خماسيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أن فيه رواية تابعيين عن تابعيّ. (ومنها): أن فيه سعيدًا أحد الفقهاء السبعة، وفيه أبو هريرة رضي الله تعالى عنه منْ المكثرين السبعة. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن أبِي هُريرة) رضي الله تعالى عنه، أنه (قَالَ: قَالَ رسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا فَرَعَ) بفتحين، وقع تفسير الفرَع، والعتيرة فِي رواية الشيخين، ولفظه: "والفرَع أوّل النتاج، كانوا يذبحونه لطواغيتهم، والعتيرة فِي رجب". قيل: ظاهِرهُ الرَّفع، لكن وقع فِي رواية أبِي داوُد، منْ طريق عبد الرَّزَّاق، عن معمر، عن الزُّهرِيّ، عن سعِيد بن الْمُسَيِّب، قَالَ: "الْفَرَع أوَّل النِّتَاج … " الْحَدِيث، جعلهُ موْقُوفًا عَلَى سعِيد بن الْمُسَيِّب. وَقَالَ الخَطَّابِيُّ: أحْسَب التَّفْسِير فِيهِ منْ قوْل الزُّهرِيّ. قَالَ الحافظ: قد أخرج أبُو قُرَّة فِي "السُّنَن" الْحَدِيث عن عبد المجِيد بْن أبِي دَاوُدَ (١)، عَنْ معمر، وصرَّح فِي رِوايته، أنَّ تفسِير الْفَرَع والْعَتِيرَة، منْ قوْل الزُّهرِيّ. واللهُ أعلم. انتهى.
وَقَالَ فِي "الْمُحْكَم": الْفَرَعُ أوَّل نِتاج الإبِل والغنم، كَانَ أهْل الجَاهِلِيَّة يذْبَحُونهُ لِأصْنَامِهِمْ، والْفَرَع ذبْحٌ كانُوا، إِذَا بلغَتْ الإِبِل ما تَمنَّاهُ صاحِبها ذَبحُوهُ، وكَذلِكَ إِذَا بلغت الإبِل مِائة، يَعْتِر مِنْهَا بعِيرًا كُلّ عَام، ولا يَأْكُل مِنْهُ هُو، ولا أهْل بَيْته. والْفَرَع أيضًا: طَعَام يُصنع لِنِتَاج الإبِل، كالْخَرَسِ (٢) لِلْوِلادَةِ. انتهى (٣).
(وَلَا عَتِيرَةَ) -بِفتحِ المُهْمَلة، وَكَسْر المُثَنَّاة، بِوزنِ عَظِيمَة: هي شاة تُذبح فِي رجب. قَالَ القَزَّاز: سُمِّيَتْ عَتِيرة بِما يُفْعَل منْ الذَّبْح، وهُو الْعَتْرُ، فَهِيَ فَعَيْلة، بِمعنى مَفْعُولَة.
стр. 16035
وتقدم فِي أول الباب أقوال أهل اللغة فيها.
وقوله: "لا فرَع، ولا عَتِيرة": هكذا جَاء بِلفْظِ النَّفْي، والمراد بِهِ النَّهْي، كما جاء بِصِيغةِ النَّهْي فِي رِواية المصنّف التالية: "نَهَى رَسُول الله ﷺ ". ووقع فِي رِواية لِأحْمَد: "لا فرع، ولا عَتِيرة فِي الإِسْلام". والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): فِي درجته:
حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه هَذَا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -١/ ٤٢٢٤ و٤٢٢٥ - وفي "الكبرى" ١/ ٤٥٤٨ و٤٥٤٩. وأخرجه (خ) فِي "العقيقة" ٥٤٧٣ و٥٤٧٤ (م) فِي "الأضاحي" ٣٦٥٢ (د) فِي "الضحايا" ٢٨٣١ (ت) فِي "الأضاحي" ١٥١٢ (ق) فِي "الذبائح" ٣١٦٨ (أحمد) فِي "باقي مسند المكثرين" ٧٠٩٥ و٧٢١٥ و٧٦٩٣ و٩٩٨٣ (الدارمي) فِي "الأضاحي" ١٩٦٤. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): فِي اختلاف أهل العلم فِي الجمع بين "لا فرَعَ، ولا عَتِيرة"، وبين حديث:، "الفَرَع حقّ":
قَالَ النوويّ فِي "شرح مسلم": قَالَ الشَّافِعِيّ رحمه الله تعالى: الْفَرَع شَيْء كَانَ أهل الجاهِليَّة، يطلُبُون بِهِ البركة فِي أمْوَالهمْ، فكَانَ أحَدهمْ يذبح بِكر ناقته، أو شَاته، فَلا يَغْذُوهُ رجاء الْبَرَكة فِيما يأْتِي بعده، فَسَألُوا النَّبيّ ﷺ عَنْهُ؟ فقال: "فرِّعُوا، إنْ شِئتُمْ، أيْ اذْبَحُوا إن شِئتُمْ"، وكانُوا يَسْألُونهُ عَمَّا كانُوا يَصْنعُونهُ فِي الجاهِليَّة، خوْفًا أنْ يُكْره فِي الإسلام، فأعْلَمهُمْ أَنَّهُ لا كَرَاهَة عَليهِمْ فِيهِ، وأمَرَهُمْ استِحبابًا أن يُغذُوهُ، ثُمَّ يُحْمَل عَلَيْهِ فِي سبِيل الله. قَالَ الشَّافِعِيّ: وَقَوْله ﷺ : "الْفَرَع حَقّ": معناهُ: ليْس بِباطِلٍ، وهُو كَلام عربِيّ، خَرَجَ عَلَى جواب السَّائِل. قَالَ: وَقَوْله ﷺ : "لا فَرَع، ولا عَتِيرَة"، أي لا فَرَع وَاجِب، ولا عَتِيرَة واجِبَة، قَالَ: والْحَدِيث الآخر يدُلّ عَلَى هَذَا المَعْنَى، فإِنَّه أبَاحَ لهُ الذَّبْح، واخْتَار لهُ أن يُعطِيه أرْمَلَة، أو يَحْمِل عَلَيْهِ فِي سبِيل الله، قَالَ: وقَوْله ﷺ فِي الْعَتِيرَة: "اذبحُوا لِلَّهِ، فِي أيّ شَهْر كَانَ"، أي اذْبَحُوا إن شِئتُمْ، واجْعلُوا الذَّبح لِلَّهِ فِي أيِّ شَهْر كَانَ، لا أَنَّها فِي رَجَب، دُون غَيْره منْ الشُّهُور. والصَّحِيح عِند أصْحَابنَا، وَهُوَ نَصّ الشَّافِعِيّ: اسْتِحْبَاب الْفَرَع، والْعَتِيرَة، وأَجَابُوا عَنْ حَدِيث: "لا فَرَع، ولا عَتِيرَة" بِثلاثةِ أوْجُه:
стр. 16036
[أَحَدهَا]: جَواب الشَّافِعِيّ السَّابِق، أن الْمُرَاد نفي الْوُجُوب. [والثَّانِي]: أن الْمُرَاد نَفْيُ ما كانُوا يذْبَحُون لِأصْنَامِهِمْ. [والثَّالِث]: أنَّهُما لَيْسَا كالأضْحِيَّةِ فِي الاسْتِحْباب، أو فِي ثوَاب إِراقة الدَّم، فأمَّا تفرِقة اللَّحم عَلَى المَسَاكِين، فبِرّ وَصَدَقة. وَقَدْ نَصَّ الشَّافِعِيّ فِي "سُنَن حرملة" أَنَّها إن تيسَّرتْ كُلّ شَهْر، كَانَ حَسَنًا. قَالَ النوويّ: هَذَا تَلْخِيص حُكْمهَا فِي مَذْهَبنَا. وادَّعَى القَاضِي عِيَاض، أنَّ جمَاهِير العُلَمَاء عَلَى نَسْخ الْأَمْر بِالْفَرَعِ، والْعَتِيرَة. واللهُ أعْلم. انتهى كلام النوويّ (١).
وَقَالَ فِي "الفتح": عند قَوْله: "كَانُوا يَذْبَحُونهُ لِطَوَاغِيتِهِمْ"، زاد أبُو دَاوُدَ عَنْ بعْضهمْ: "ثُمَّ يأْكُلُونهُ، ويُلْقَى جِلْده عَلَى الشَّجَر": ما حاصله: فِيهِ إِشَارة إِلى عِلَّة النَّهي، واسْتَنْبَطَ الشَّافِعِي مِنْهُ الجَوَاز، إِذَا كَانَ الذَّبْح لِلَّهِ، جمعًا بينه وبين حدِيث: "الْفَرَع حَقّ"، وهُو حدِيث أخرجهُ أبُو داوُد، والنَّسائِيُّ (٢)، والْحَاكِم، منْ رِواية داوُد بن قَيْس، عن عمرو ابْن شُعَيب، عَنْ أبِيهِ، عنْ جَدّه، عبد الله بْن عَمْرو. كذا فِي رِواية الْحَاكِم: "سُئِل رسُول الله ﷺ ، عن الْفَرَع؟، قَالَ: "الْفَرَع حَقّ"،، وأَنْ تترُكهُ حَتَّى يكُون بِنْت مَخَاض، أو ابْن لبُون، فَتَحمِل عَلَيْهِ فِي سبِيل الله، أو تُعْطِيه أرْمَلَة، خَيْر منْ أنْ تَذْبحهُ، يَلْصَقُ لَحْمه بِوبرِهِ، وتُوَلِّهَ نَاقَتك"، ولِلْحاكِمِ منْ طرِيق عمَّار بن أبِي عمَّار، عن أبِي هُريرة منْ قوْله: "الْفَرَعَة حَقّ، ولا تَذْبحهَا، وهِي تَلْصَق فِي يَدك، ولكِن أمْكِنْها منْ اللَّبن، حتَّى إِذَا كانت منْ خِيار الْمَال، فَاذْبَحَهَا".
قَالَ الشَّافِعِيّ فِيما نقلهُ البيهقِيُّ، منْ طرِيق الْمُزَنِيِّ عنهُ: الْفَرَع شَيْء كَانَ أهل الجَاهِلِيَّة يَذْبحُونهُ، يطلُبُون بِهِ البَرَكَة فِي أمْوالهمْ، فَكَانَ أحَدهمْ يَذْبَح بِكْر نَاقَته، أوْ شَاته، رَجَاء البرَكَة فِيما يأتِي بَعْده، فَسَألُوا النَّبِيّ ﷺ عَنْ حُكْمَهَا، فأعْلَمْهُمْ أَنَّهُ لا كَراهَة عَلَيهِمْ فِيهِ، وأَمَرَهُمْ اسْتِحْبابًا أنْ يترُكُوهُ، حَتَّى يُحمل عَلَيْهِ فِي سبِيل الله.
وقوْله: "حَقّ": أيْ لَيْسَ بِباطِلٍ، وهُو كَلام خَرجَ عَلَى جَواب السَّائل، ولا مُخَالَفَة بَيْنه وَبَيْن حَدِيث الآخَر: "لا فَرَع، ولا عَتِيرَة"، فإِنَّ مَعْنَاهُ: لا فَرَع وَاجِب، ولا عَتِيرَة وَاجبَة. وَقَالَ غَيْره: مَعْنَى قَوْلَه: "لا فَرَع، ولا عَتِيرَة": أيْ لَيْسَا فِي تَأَكُّد الاسْتِحْبَاب كالأضْحِيَّةِ، والأوَّل أوْلى.
وَقَالَ النَّووِيّ: نَصَّ الشَّافِعِيّ فِي "سنن حَرْمَلَة" عَلَى أن الْفَرَع، والْعَتِيرَة مُسْتَحَبَّانِ، ويُؤيِّدهُ ما أخْرَجَهُ أبُو داوُد، والنَّسائِيُّ (٣)، وابن ماجة، وصَحَّحَهُ الْحَاكِم، وَابْن الْمُنْذِر،
وَقَدْ أخْرَجَ أبُو داوُد، والْحَاكِم، والبيهقِيُّ -واللفظ لهُ- بِسَنَدٍ صحِيح، عن عائِشة: "أمرنا رسُول الله ﷺ بِالْفَرَعةِ، فِي كُلّ خَمْسِينَ وَاحِدَة". انتهى ما فِي "الفتح" ببعض تصرّف (١).
وَقَالَ العلاّمة الشوكانيّ رحمه الله تعالى: أحاديث الباب يدلّ بعضها عَلَى وجوب العَيرة والفرَع، وهو حديث مِخنَف، وحديث نُبيشة، وحديث عائشة، وحديث عمرو ابن شُعيب، وبعضها يدلّ عَلَى مجرد الجواز منْ غير وجوب، وهو حديث الحارث بن عمرو، وابي رَزين، فيكون هذان الحديثان كالقرينة الصارفة للأحاديث المقتضية للوجوب إلى الندب. وَقَدْ اختُلف فِي الجمع بين الأحاديث المذكورة، والأحاديث القاضية بالمنع منْ الْفَرَع والعَيِيرة، فقيل: إنه يُجمع بينها يحمل أحاديث الجواز عَلَى الندب، وحمل أحاديث المنع عَلَى عدم الوجوب، ذكر ذلك جماعة، منهم: الشافعيّ، والبيهقيّ، وغيرهما، فيكون المراد بقوله: "لا فرَع، ولا عَتِيرة" أي لا فرَع واجب، ولا عَتِيرة واجبةٌ، وهذا لابدّ منه، مع عدم العلم بالتاريخ؛ لأن المصير إلى الترجيح مع إمكان الجمع لا يجوز، كما تقرّر فِي موضعه. وَقَدْ ذهب جماعة منْ أهل العلم إلى أن أحاديث الجواز منسوخة بأحاديث المنع، وادّعى القاضي عياضٌ أن جماهير العلماء عَلَى ذلك، ولكنّه لا يجوز الجزم به إلا بعد ثبوت أنها متأخّرة، ولم يثبت.
وَقَالَ أيضًا عند شرح حديث "لا فرَع، ولا عتيرة": ما حاصله: وَقَدْ استدلّ بهذا منْ قَالَ: إن الْفَرَع والعتيرة منسوخان، وَقَدْ عرفت أن النسخ لا يتمّ إلا بعد معرفة تأخّر تاريخ ما قيل: إنه ناسخٌ، فأعدل الأقوال الجمع بين الأحاديث بما سلف، ولا يعكُر عَلَى ذلك رواية النهى؛ لأن معنى النهي الحقيقيّ، وإن كاد هو التحريم، لكن إذا وُجدت قرينة أخرجته عن ذلك. ويمكن أن يُجعل النهي موجّهًا إلى ما كانوا يذبحونه لأصنامهم، فيكون عَلَى حقيقته، ويكون غير متناول لما ذُبح منْ الْفَرَع، والعتيرة لغير ذلك، مما فيه وجه قربة. وَقَدْ قيل: إن المراد بالنفي المذكور نفي مساواتهما للأضحيّة فِي الثواب، أو تأكد الاستحباب. وَقَدْ استدلّ الشافعيّ بما روي عنه صلّى الله تعالى عليه وسلم أنه قَالَ: "اذبحوا لله فِي أيّ شهر كَانَ" عَلَى مشروعيّة الذبح فِي كلّ شهر إن أمكن، قَالَ فِي "سنن حرملة": إنها إن تيسّرت كلّ شهر كَانَ حسنًا". انتهى كلام الشوكانيّ رحمه الله تعالى ببعض تصرّف (٢).
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: هَذَا الذي قاله الشوكانيّ رحمه الله تعالى تحقيق نفيسٌ
стр. 16039
جدًّا.
وحاصله أن يُجمع بين حديث: "لا فرع، ولا عَتيرة" وأحاديث الأمر بالفرع والعتيرة، بأن الأمر للندب، والنفي محمول عَلَى نفي الوجوب، أو أن النفي محمول عَلَى الْفَرَع والعتيرة التي كانت عَلَى صفة الجاهليّة، منْ ذبحها تقرّبًا لآلهتهم، وأما أحاديث الجواز فمحول عَلَى ما كَانَ لله تعالى، وأما دعوى النسخ، أو الترجيح، فمما لا يُلتفت إليه؛ إذهما لا يُصار إليهما إلا عند تعذر الجمع بين النصوص، وأيضًا لابدّ فِي النسخ منْ علم تأخّر المدّعَى أنه ناسخٌ، ولا يوجد هنا.
والحاصل أن القول بمشروعيّة الْفَرَع والعتيرة هو الحقّ. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٢٢٥ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: حَدَّثْتُ أَبَا إِسْحَاقَ، عَنْ مَعْمَرٍ، وَسُفْيَانَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: أَحَدُهُمَا: "نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الْفَرَعِ وَالْعَتِيرَةِ"، وَقَالَ الآخَرُ: "لَا فَرَعَ، وَلَا عَتِيرَةَ").
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "أبو داود": هو سليمان بن داود الطيالسيّ. و"معمر": هو ابن راشد. و"سفيان": هو ابن حُسين، أبو محمد، أو أبو الحسن الواسطيّ، ثقة فِي غير الزهريّ باتّفاقهم [٧] ٤١/ ١٧١٦.
وقوله: "حدَّثْتُ أبا إسحاق" ببناء الفعل للفاعل، و"أبا إسحاق" بالنصب مفعوله.
والحديث متَّفقٌ عليه بلفظ: "لا فَرَعَ، ولا عَتِيرَةَ"، وأما بصيغة النهي، فضعيف، لجهالة منْ رواه بها، حيث قَالَ: "قَالَ أحدهما"، ولم يُبيّن منْ هو؟، فيحتمل أن يكون معمرًا، فيصحّ، وأن يكون سفيان بن حسين، فلا يصحّ؛ لاتّفاقهم عَلَى ضعفه فِي الزهريّ، والذي يميل إليه القلب أنها منْ رواية سفيان؛ لأن رواية معمر أخرجها الشيخان، وغيرهما بلفظ: "لا فرع، ولا عتيرة"، فالظاهر أن رواية المصنّف مثل روايتهم. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٢٢٦ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ زُرَارَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُعَاذٌ -وَهُوَ ابْنُ مُعَاذٍ- قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عَوْنٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو رَمْلَةَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا مِخْنَفُ بْنُ سُلَيْمٍ، قَالَ: بَيْنَا نَحْنُ وُقُوفٌ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ بِعَرَفَةَ، فَقَالَ: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ، فِي كُلِّ عَامٍ أَضْحَاةً وَعَتِيرَةً"، قَالَ مُعَاذٌ: كَانَ ابْنُ عَوْنٍ يَعْتِرُ، أَبْصَرَتْهُ عَيْنِي فِي رَجَبٍ).
رجال هَذَا الإسناد: خمسة:
١ - (عمرو بن زُرارة) الكلابيّ، أبو محمد النيسابوريّ، ثقة ثبت [١٠] ٧/ ٣٦٨.
стр. 16040
٢ - (معاذ بن معاذ) العنبريّ، أبو المثنّى البصريّ القاضي، ثقة متقنٌ، منْ كبار [٩] ٣٤/ ٣٨.
٣ - (ابن عون) عبد الله، أبو عون البصريّ، ثقة ثبتٌ فاضلٌ [٥] (١) ٢٥/ ٣٣.
٤ - (أبو رَمْلَة) عامر، روى عن مِخْنَف بن سُليم، وروى عنه عبد الله بن عون، لا يُعرف [٣]. روى له الأربعة هَذَا الحديث الواحد فقط.
٥ - (مِخْنف -بكسر الميم، وسكون المعجمة- ابن سُليم) بن الحارث بن عوف بن ثعلبة ابن عامر بن ذُهْل بن مازن بن ذبيان بن ثعلبة بن الدُّئل بن سعد بن غامد الأزديّ الغامديّ، روى عن النبيّ صلّى الله تعالى عليه وسلم فِي الأضحيّة والعتيرة، وعن عليّ ابن أبي طالب، وأبي أيوب. وعنه ابنه حَبيب، وعون بن أبي جُحيفة، وعامر أبو رَمْلة، وأبو صادق الأزديّ. قَالَ ابن سعد: أسلم، وصحب النبيّ صلّى الله تعالى عليه وسلم، ونزل الكوفة، بعد ذلك. وَقَالَ أبو نُعيم الحافظ: استعمله علي بن أبي طالب عَلَى أصبهان، وسكن الكوفة. قَالَ الحافظ: وكان ممن خرج مع سليمان بن صُرَد فِي وقعة عين الوردة، وقُتل بها سنة (٦٤)، وكانت معه راية الأزد يوم صفّين اهـ. روى له الأربعة حديث الباب فقط. والله تعالى أعلم.
لطائف هَذَا الإسناد:
(منها): أنه منْ خماسيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله رجال الصحيح، غير أبي رملة، ومِخنَف، فمن رجال الأربعة، وأنهما قليلا الرواية، بل ليس لهما عندهم إلا هَذَا الحديث. (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، فإن ابن عون تابعيّ، كما تقدم غير مرّة. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
عن أبي رَمْلة أنه (قَالَ: أَنْبَأَنَا مِخْنَفُ بْنُ سُلَيْمٍ) الأذريّ رضي الله تعالى عنه (قَالَ: بَيْنَا) قَالَ ابن الأثير رحمه الله تعالى: أصل "بينا" "بينَ"، فأُشبعت الفتحة، فصارت ألفًا، يقال: "بينا"، و"بينما"، وهما ظرفا زمان، بمعنى المفأجاة، ويُضافان إلى جملة، منْ فعل وفاعل، ومبتدأ وخبر، ويحتاجان إلى جواب، يتمّ به المعنى، والأفصح فِي جوابهما أن لا يكون فيه "إذ"، ولا "إذا"، وَقَدْ جاءا فِي الجواب كثيرًا، تقول: بينا زيد جالسٌ، دخل عليه عمرو، و"إذا دخل عليه عمرو، وإذا دخل عليه، ومنه قول الْحُرَقَة
стр. 16041
بنت النعمان [منْ بحر الطويل]:
فَبَيْنَا نَسُوسُ النَّاسَ وَالأمْرُ أَمْرُنَا … إِذَا نَحْنُ فِيْهِمْ سُوقَةٌ نَتَنَصَّفُ (١).
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: لكن وقع فِي هَذَا الحديث جوابها مقرونًا بالفاء، وهو قوله: "فَقَالَ: يا أيها النَّاس الخ"، فليُنظر.
(نَحْنُ وُقُوفٌ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ بِعَرَفَةَ، فَقَالَ) صلّى الله تعالى عليه وسلم ("يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ) ظاهره الوجوب، لكنهم حملوه عَلَى الندب المؤكّد (فِي كُلِّ عَامٍ أَضْحَاةً) بالنصب عَلَى أنه اسم "إنّ"، مؤخرًا وخبرها قوله: "عَلَى أهل بيت" مقدمًا، و"الأضحاةُ" بفتح الهمزة، وجمعها أضحى، كأرطاة، وأرطى، يقال: ضَحّى تضحيةً: إذا ذبح الأُضحية وقت الضحى فِي اليوم العاشر منْ ذي الحجة، هَذَا أصله، ثم كثُر استعماله، حَتَّى قيل: ضَحَّى فِي أيّ وقت كَانَ منْ أيّام التشريق، ويتعدّى بالحرف، فيقال: ضَحّيتُ بشاة. أفاده الفيّوميّ (وَعَتِيرَةً") تقدّم ضبطها، ومعناها قريبًا (قَالَ مُعَاذٌ) هو ابن معاذ الراوي عن ابن عون (كَانَ) عبد الله (ابْنُ عَوْنٍ يَعْتِرُ) بفتح أوّله، وكسر ثانيه، يقال: عَتَر الشاة، والظَّبْية، ونحوهما يَعْتِرُها عَتْرًا، منْ باب ضرب: إذا ذبحها، وهي عتيرة. أفاده فِي "اللسان" (أَبْصَرَتْهُ عَيْنِي) بكسر النون مفرد مضاف إلى ياء المتكلم. وفي نسخة: "أبصرته بعيني" (فِي رَجَبِ) متعلّق بـ "يَعتِر"، ويحتمل أن يتعلّق بـ"أبصرته". يعني أنه رآه فِي شهر رَجَب يدبح عتيرةً، عملًا بهذا الحديث، وَقَدْ تقدّم أن محمد بن سيرين أيضًا كَانَ يذبح العتيرة فِي رَجَب، وتقدّم ترجيح مشروعيّتها، وأنه لا نسخ فيها. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): فِي درجته:
مِخْنَف بن سُليم رضي الله تعالى عنه هَذَا حسنٌ.
[فإن قلت]: كيف يُحَسَّن، وفي إسناده أبو رملة مجهول عين؛ لأنه لم يرو عنه غير ابن عون؟.
[قلت]: إنما حسُن لشواهده، فقد يشهد له حديث عمرو بن شُعيب الآتي بعده، وحديث نُبيشة رضي الله تعالى عنه الآتي فِي الباب التالي، وغيرهما منْ أحاديث الباب (٢).
стр. 16042
(المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -١/ ٤٢٢٦ - وفي "الكبرى" ١/ ٤٥٥٠. وأخرجه (د) فِي "الضحايا" ٢٧٨٨ (ت) فِي "الأضاحي" ١٥١٨ (ق) فِي "الأضاحي" ٣١٢٥ (أحمد) فِي "مسند الشاميين" ١٧٤٣٢. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٢٢٧ - (أَخْبَرَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ يَعْقُوبَ بْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْمَجِيدِ، أَبُو عَلِيٍّ الْحَنَفِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ قَيْسٍ، قَالَ: سَمِعْتُ عَمْرَو بْنَ شُعَيْبِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِيهِ، وَزَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ الْفَرَعَ؟ قَالَ: "حَقٌّ، فَإِنْ تَرَكْتَهُ حَتَّى يَكُونَ بَكْرًا، فَتَحْمِلَ عَلَيْهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، أَوْ تُعْطِيَهُ أَرْمَلَةً، خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَذْبَحَهُ، فَيَلْصَقَ لَحْمُهُ بِوَبَرِهِ، فَتُكْفِىءَ إِنَاءَكَ، وَتُوَلِّهَ نَاقَتَكَ"، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَالْعَتِيرَةُ؟، قَالَ: "الْعَتِيرَةُ حَقٌّ".
قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ: أَبُو عَلِيٍّ الْحَنَفِيُّ هُمْ: أَرْبَعَةُ إِخْوَةٍ، أَحَدُهُمْ أَبُو بَكْرٍ، وَبِشْرٌ، وَشَرِيكٌ، وَآخَرُ).
رجال هَذَا الإسناد: سبعة:
١ - (إبراهيم بن يعقوب) الْجُوزجانيّ الثقة الحافظ [١١] ١٢٢/ ١٧٤.
٢ - (عُبيد الله بن عبد المجيد، أبو عليّ الحنفيّ) البصريّ، صدوقٌ [٩] ١٥١/ ١١١٨.
[تنبيه]: وقع فِي بعض نسخ "المجتبى"، و"الكبرى" هنا، وكذا فِي قول المصنّف فِي آخر الحديث: ما لفظه: "أبو عليّ الخيفيّ" بالخاء المعجمة، بدل الحاء المهملة، وبالياء المثنّاة التحتانيّة، بدل النون، وهو تصحيف، فتنبّه.
٣ - (داود بن قيس) الفرّاء الدَبّاغ، أبو سليمان القرشيّ مولاهم المدنيّ، ثقة فاضل [٥] ٩٦/ ١٢٠.
٤ - (عمرو بن شُعيب) المدنيّ، ويقال: الطائفيّ، صدوق [٥] ١٠٥/ ١٤٠.
٥ - (أبوه) شعيب بن محمد الطائفيّ، صدوق [٣] ١٠٥/ ١٤٠.
٦ - (أبوه) محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص السهميّ الطائفيّ، مقبول [٣].
روى عن أبيه، وروى عنه ابنه شُعيب، وحكيم بن الحارث الفهميّ. كذا قَالَ ابن يونس فِي "تاريخ مصر". وذكر الأزرقيّ فِي "تاريخ مكة" عن عبد المجيد بن أبي رَوّاد، عن ابن جُريج، والمثنّى بن الصّبَاح، عن عمرو بن شُعيب، عن أبيه، قَالَ: طاف محمد ابن عبد الله بن عمرو، مع أبيه عبد الله بن عمرو بن العاص، فذكر قصّة. وجاء عنه منْ الرواية شيء يسير عَلَى خلاف فيه. روى أبو داود، عن زُهير بن حرب، عن إسماعيل
стр. 16043
ابن عليّة، عن أيوب، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن أبيه، عن أبيه، حَتَّى ذكر عبد الله بن عمرو، رفعه، حديث: "لا يحلّ سلَفٌ وبيع". وَقَدْ رواه أحمد بن منيع وغيره، عن ابن عُليّة، عن أيوب، عن عمرو، عن أبيه، عن جدّه عَلَى الجادّة. وروى النسائيّ عن عثمان بن خُرَّزاذ، عن سهل بن بكّار، عن وُهيب، عن ابن طاوس، عن عمرو بن شُعيب، عن أبيه، عن أبيه، محمد بن عبد الله بن عمرو، قَالَ مرّة: عن أبيه، وَقَالَ مرّةً: عن جدّه، فِي النهي عن لحوم الحمُر الأهليّة، وعن الْجَلّالة. هكذا فِي رواية الأُسيوطيّ (١)، ووقع فِي رواية ابن حيويه: عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، محمد بن عبد الله بن عمرو، كذا فيه، فكأنه سقط منه شيء. ورواه أبو داود فِي "السنن" عن سهل بن بكّار بإسناده، وَقَالَ: عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه عَلَى الجادّة. وَقَالَ ابن ماجه فِي "سننه": حدّثنا محمد بن يحيى، حدّثنا عبد الرزّاق، سمعت المثنّى ابن الصبَاح، يُحدّث عن عمرو، عن أبيه، عن جدّه، قَالَ: طفت مع عبد الله بن عمرو، فلما فرغنا … الحديث، وفيه ذكر الملتزم، وجدّ عمرو والد والده، هو محمد ابن عبد الله بن عمرو، وهذا يكاد يكون منحصرًا فِي محمد، فإن جدّ عمرو الأعلى، هو عبد الله بن عمرو، وهو لا يقول: طُفتُ مع عبد الله، وجدّه الأعلى فوق ذلك عمرو بن العاص، وليست لشعيب عنه رواية، فيلزم أن يكون القائل: طفتُ مع عبد الله ابن عمرو هو محمدًا ولده، ولم يذكر البخاريّ، ولا ابن أبي حاتم، ولا ابن حبّان، ولا غيرهم فِي كتب الرجال إلا ما تقدّم منْ "تاريخ مصر"، و"تاريخ مكة". وَقَدْ ذكره ابن حبّان فِي "الثقات"، وَقَالَ: يروي عن أبيه منْ حديث عمرو بن شُعيب، عن أبيه، عن محمد بن عبد الله، عن أبيه، ولا أعلم بهذا الإسناد إلا حديثًا واحدًا منْ حديث ابن الهاد، عن عمرو بن شعيب. انتهى. وَقَدْ أخرج ابن حبّان هَذَا الحديث في "صحيحه". وفي "فوائد ابن المقرىء" منْ رواية أبي أحمد الزُّبيريّ، عن الوليد بن جُميع: حدّثني شُعيب بن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص، عن أبيه، عن جدّه، فذكر أثرًا. قَالَ الحافظ: وهذا يردّ قول الذهبيّ فِي "الميزان": لم يُروَ عنه حديثٌ صريحٌ، رواه عن أبيه، ورواه ولده شعيب عنه. قَالَ: وَقَالَ الذهبيّ فِي ترجمته أيضًا: غير معروف الحال، ولا ذُكر بتوثيق، ولا لين. انتهى "تهذيب التهذيب" (٢).
روى له الأربعة، وله عبد المصنّف هَذَا الحديث، وفي "كتاب الضحايا" ٤٣/ ٤٤٤٩ - حديث: "نهى يوم خيبر عن لحوم الحمر الأهليّة … " الحديث، وفي "كتاب
стр. 16044
البيوع" ٧٢/ ٤٦٣٢ - حديث: "لا يحلّ سَلَفٌ وبيع … " الحديث.
٧ - (زيد بن أسلم) العدويّ مولاهم، أبو أسامة المدنيّ، ثقة عالم [٣] ٦٤/ ٨٠. والله تعالى أعلم.
لطائف هَذَا الإسناد:
منها: أنه منْ سداسيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله موثّقون. (ومنها): أن فيه رواية الراوي عن أبيه، عن أبيه، وكلهم تابعيّون. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَمْرَو بْنَ شُعَيْبِ، عَنْ أَبيهِ) شعيب بن محمد (عَنْ أَبِيهِ) محمد بن عبد الله بن عمرو ابن العاص (وَزَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ) بالجر عطفا عَلَى "أبيه"، فشعيب يرويه عن أبيه، وزيد بن أسلم كليهما، قالا (قَالُوا) أي الصحابة، أي بعضهم (يَا رَسُولَ اللَّهِ الْفَرَعَ؟) مبتدأ خبر محذوف: أي ما حكمه؟، أو التقدير: ما حكم الْفَرَع؟ (قَالَ) صلّى الله تعالى عليه وسلم (حَقٌّ) خبر لمحذوف: أي هو حقّ، قَالَ الشافعيّ رحمه الله تعالى: معناه ليس بباطل، وَقَدْ جاء عَلَى وفق كلام السائل، ولا يُعارض حديث: "لا فرع، ولا عتِيرة"، فإن معناه أنهما ليسا بواجبين، أو المعنى: لا فرع، ولا عتيرة عَلَى ما كَانَ عليه الجاهلية، منْ أنهم يفعلون ذلك تقرّبًا إلى آلهتهم، وَقَدْ تقدّم تمام البحث فِي هَذَا قريبًا، فلا تغفل (فَإِنْ تَرَكْتَهُ) أي الحيوان الذي تريد أن تفرعه (حَتَّى يَكُونَ بَكْرًا) بفتح الموحّدة، وسكون الكاف: هو الفَتِيّ منْ الإبل، بمنزلة الغلام منْ النَّاس، وجمعه أبكُر، كفلس وأفلس، والأنثى بَكْرة، وجمعها بِكَار بالكسر، مثلُ كَلْبة وكلاب، قَالَ فِي "النهاية": وَقَدْ يستعار للناس، ومنه حديث المتعة: "كأنها بَكْرَةٌ عَيْطاء: أي شابّة طويلة العنق فِي اعتدال. انتهى (١) (فَتَحْمِلَ) بالنصب عطفًا "تترك" (عَلَيْهِ فِى سَبِيلِ اللَّهِ، أَوْ تُعْطِيَهُ أَرْمَلَةً) أي فقيرةً لا زوج لها، قَالَ الفيّوميّ: وأرمل الرجلُ بالألف: إذا نَفِد زاده، وافتقر، فهو مُزمِلٌ، وجاء أرْمَلٌ، عَلَى غير قياس، والجمع أرامل، وأرملت المرأة، فهي مُرملةٌ للتي لا زوج لها؛ لافتقارها إلى منْ يُنفق عليها. قَالَ الأزهريّ: لا يقال لها: أرملةٌ إلا إذا كانت فقيرةً، فإن كانت موسرةً، فليست بأرملةٍ، والجمع أرامل، حَتَّى قيل: رجلٌ أرملٌ: إذا لم يكن له زوجٌ. قَالَ ابن الأنباريّ: وهو قليلٌ؛ لأنه لا يذهب زاده بفقد امرأته؛ لأنها لم تكن قيّمةً عليه. قَالَ ابن السِّكّيت: والأرامل المساكين، رجالًا كانوا،
стр. 16045
أو نساءً. انتهى.
وفي رواية أبي داود: "وأنْ تَتْرُكُوهُ حَتَّى يَكُون بَكْرًا، أو ابْن مَخَاض، أو ابْن لَبُون" (خَيْرٌ) خبر لمبتدإ محذوف: أي فهو خير، والجملة جواب "إذا" (مِنْ أَنْ تَذْبَحَهُ) أي حين يولد، كما كَانَ عادتهم (فَيَلْصَقَ) بفتح أوّله، وثالثه، يقال: لَصِقَ الشيءُ بغيره، منْ باب تَعِبَ لَصَقًا، ولُصُوقًا: مثلُ لَزِق وزنا ومعنًى، ويتعدّى بالهمزة، فيقال: ألصقته (لَحْمُهُ بِوَبَرِهِ) بفتحتين: أي بصوفه؛ لكونه غير سمين (فَتُكْفِىءَ) بضم أوله مضارع أكفأ الشيءَ: إذا قلبه، وفي رواية: "فَتَكْفَأ" بفتح أوله، وثالثه، يقال: كفأ الشيء، كمنع ثلاثيّا: إذا قلبه أيضًا (إِنَاءَكَ) بالنصب مفعول "تُكفىء" (وَتُوَلِّهَ) بضم أوّله، وتشديد اللام، مضارع وَلَّهَ، أو بضمَ أوله، وتسكين ثانيه مضارع أَوْلَهَ، يقال: وَلَّهَهَا تَوْليهًا: إذا فرّق بينها وبين ولدها، فتولّهتْ، وولّها الحزنُ، وأولهها بالتشديد، والهمزة. قاله الفيَوميّ. والمعنى هنا: أي تَجعل (نَاقَتَكَ) والهةً بذبح ولدها. قاله فِي "النهاية" (١) (قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَالْعَتِيرَةُ؟) أي ما حكمها؟ (قَالَ) صلّى الله تعالى عليه وسلم (الْعَتِيرَةُ حَقٌّ) أي ليست بباطل.
وفي شرح النوويّ عَلَى "صحيح مسلم": قَالَ أبُو عُبَيْد فِي تفسِير هَذَا الْحَدِيث: قَالَ النَّبِيّ ﷺ : "الْفَرَع حَق"، ولكِنَّهُمْ كانُوا يَذْبحُونهُ حِين يُولَد، ولا شِبَع فِيهِ، ولِهَذَا قَالَ: "يَذْبحهُ، فَيَلْزَق لَحْمه بِوبرِهِ"، وفِيهِ: أنَّ ذهاب ولدها يدْفع لبنها، ولِهذَا قَالَ: "خَيْر منْ أنْ تَكْفأ"، يعني إِذَا فَعَلْت ذَلِكَ، فكأنَّك كَفَأت إِنَاءَك، وأرَقْته، وأَشَار بِهِ إِلَى ذَهَاب اللَّبَنِ، وفِيهِ: أنه يَفْجَعُهَا (٢) بِوَلدِهَا، ولِهَذَا قَالَ: "وتُولِّهِ نَاقَتك"، فَأشَارَ بِتَرْكِهِ حَتَّى يَكُون ابْن مَخَاض، وهُو ابْن سَنَة، ثُمَّ يَذْهَب، وَقَدْ طَابَ لَحْمه، واسْتَمْتَع بِلبنِ أُمّه، ولا يشُقّ عَليْها مُفارقَته، لِأنَّهُ اسْتَغْنى عَنْهَا. انتهى.
(قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ) النسائيّ رحمه الله تعالى (أبُو عَلِيٍّ الْحَنَفِيُّ) الذي روى عن داود بن قيس فِي هَذَا السند، فقوله: "أبو عليّ" مبتدأ، و"الحنفيّ" صفته، وخبره جملة قوله (هُمْ: أَرْبَعَةُ إِخْوَةٍ) ولابدّ منْ التقدير، إذ لا يستقيم الإخبار إلا به، فالتقدير: "أبو عليّ الحَنفيّ، وإخوته: هم أربعة إخوة".
[تنبيه]: وقع فِي بعض النسخ، هنا و"الكبرى" "الخيفي" بالخاء المعجمة، والياء التحتانيّة، وهو تصحيف، والصواب الحَنفيّ بالمهملة، والنون، كما نبّهت عليه فيما سبق.
(أَحَدُهُمْ أَبُو بَكْرٍ) عبد الكبير بن عبد المجيد بن عُبيد الله البصريّ، ثقة [٩] ٥٦/
стр. 16046
٢٢٩٧. وقوله (وَبِشْرٌ) لم أجد له ترجمته (وَشَرِيكٌ) بن عبد المجيد الحَنفيّ، كنيته أبو العلاء منْ أهل البصرة، أخو أبي بكر، وأبي عليّ، وعُمير بني عبد المجيد، يروي عن محمد بن عبد الرحمن بن المجبّر، روى عنه محمد بن معمر البحرانيّ، مات فيما بين سنة سبع ومائتين إلى سنة تسع ومائتين. قاله ابن حبّان. (١) (وَآخَرُ) هو عُمير، قَالَ ابن أبي حاتم: عمير بن عبد المجيد، أبو المغيرة، أخو أبي بكر الحَنفيّ، روى عن عبد الحميد بن جعفر، وروى عنه أبو خيثمة، وابن أبي كبشة، وبُندار، ومحمد بن معمر، سمعت أبي يقول ذلك، ثم ذكر عن أبي بكر بن أبي خيثمة، قَالَ: قيل ليحيى بن معين: عُمير بن عبد المجيد؟ فَقَالَ: صالح. ثم قَالَ: سألت أبي عن عمير بن عبد المجيد؟ فَقَالَ: ليس به بأس. انتهى (٢).
وَقَالَ ابن حبّان: أبو المغيرة، عمير بن عبد المجيد الحَنفيّ، منْ أهل البصرة، يروي عن شعبة، ورى عنه أهل العراق، وهو أخو أبي بكر، وأبي عليّ الحَنفيّين. (٣).
وهذا الذي قاله المصنّف رحمه الله تعالى، نُقل نحوه عن غيره أيضًا، فَقَالَ فِي "تهذيب التهذيب": قَالَ ابن حبّان فِي "الثقات": إخوة أربعة: أبو بكر، وأبو عليّ، وأبو المغيرة، واسمه عُميرٌ، وشريك. وَقَالَ الدارقطنيّ: هم أربعة إخوة، لا يُعتمد منهم إلا عَلَى أبي بكر، وأبي عليّ. وَقَالَ أبو زرعة: هم ثلاثة إخوة، وهم ثقات. وَقَالَ العقيليّ: عبد الكبير ثقة، وأخوه أبو عليّ ثقة. والأخ الثالث ضعيف -يعني عُميرًا-. انتهى (٤). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: حديث محمد بن عبد الله بن عمرو، وزيد بن أسلم رحمهما الله تعالى هَذَا مرسل صحيح بشواهده، كحديث نُبيشة رضي الله تعالى عنه الآتي، وغيره. وهو منْ أفراد المصنّف رحمه الله تعالى، أخرجه هنا -١/ ٤٢٢٧ - وفي "الكبرى" ١/ ٤٥٥١.
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٢٢٨ - (أَخْبَرَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ اللَّهِ -يَعْنِي ابْنَ الْمُبَارَكِ- عَنْ يَحْيَى -وَهُوَ ابْنُ زُرَارَةَ بْنِ كُرَيْمِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَمْرٍو الْبَاهِلِيُّ- قَالَ سَمِعْتُ أَبِي، يَذْكُرُ أَنَّهُ
стр. 16047
سَمِعَ جَدَّهُ الْحَارِثَ بْنَ عَمْرٍو، يُحَدِّثُ أَنَّهُ لَقِيَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، وَهُوَ عَلَى نَاقَتِهِ الْعَضْبَاءِ، فَأَتَيْتُهُ مِنْ أَحَدِ شِقَّيْهِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي، اسْتَغْفِرْ لِي، فَقَالَ: "غَفَرَ اللَّهُ لَكُمْ"، ثُمَّ أَتَيْتُهُ مِنَ الشِّقِّ الآخَرِ، أَرْجُو أَنْ يَخُصَّنِي دُونَهُمْ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، اسْتَغْفِرْ لِي، فَقَالَ بِيَدِهِ: "غَفَرَ اللَّهُ لَكُمْ"، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ النَّاسِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، الْعَتَائِرُ، وَالْفَرَائِعُ؟ قَالَ: "مَنْ شَاءَ عَتَرَ، وَمَنْ شَاءَ لَمْ يَعْتِرْ، وَمَنْ شَاءَ فَرَّعَ، وَمَنْ شَاءَ لَمْ يُفَرِّعْ، فِي الْغَنَمِ أُضْحِيَتُهَا" -وَقَبَضَ أَصَابِعَهُ، إِلاَّ وَاحِدَةً).
رجال هَذَا الإسناد: خمسة:
١ - (سُويد بن نصر): هو المروزيّ، الثقة، راوية ابن المبارك، ثقة [١٠] ٤٥/ ٥٥.
٢ - (عبد الله) بن المبارك الإمام الحجة الثبت [٨] ٣٢/ ٣٦.
٣ - (يحيى بن زُرارة) بن عبد الكريم، -ولقبه كُريم بالتصغير- ابن الحارث بن عمرو الباهليّ، ثمّ السهْميّ، مقبول [٧].
روى عن جدّه، وقيل: عن أبيه، عن جدّه فِي خطبة حجة الوداع والعتيرة. وعنه ابن المبارك، ومُعتمر بن سُليمان، وزيد بن الحباب، ونسبه إلى جدّه، وعفّان، وأبو الوليد الطيالسيّ، وأبو عاصم النبيل، وموسى بن إسماعيل. ذكره ابن حبّان فِي "الثقات". وَقَالَ ابن القطّان: لا تُعرف حاله. روى له المصنّف حديث الباب فقط.
٤ - (أبوه) هو: زُرارة بن كُرَيم بن الحارث بن عمرو، ويقال: زُرارة بن عبد الكريم، السهميّ الباهليّ، له رؤية، روى عن جدّه الحارث بن عمرو، وله صحبة. وعنه ابنه يحيى، وعُتبة بن عبد الملك السهميّ، وسهل بن حُصين الباهليّ، ذكره ابن حبّان فِي ثقات التابعين، ووهم منْ زعم أن له صحبة. وَقَالَ أبو نعيم فِي "الصحابة ": رأى النبيّ صلّى الله تعالى عليه وسلم فِي حجة الوداع. وذكره ابن منده، ولم يُخرج له شيئًا. وَقَالَ عبد الحقّ فِي "الأحكام": لا يُحتجّ بحديثه. قَالَ ابن القطّان: يعني أنه لا يُعرف. أنتهى. روى له البخاريّ فِي "الأدب المفرد"، وأبو دواد، والمصنّف وله عنده حديث الباب فقط.
٥ - (جدّه) هو: الحارث بن عمرو بن الحارث السهميّ الباهليّ، أبو مَسْقَبة -بفتح الميم، وسكون السين المهملة، وفتح القاف، والموحدة- وصحفه بعضهم، فَقَالَ: أبو سفينة، صحابيّ، نزل البصرة. روى عن النبيّ صلّى الله تعالى عليه وسلم حديثًا فِي مواقيت الحجّ، والفرَع، والعتيرة، وغير ذلك. وعنه ابن ابنه زُرارة بن كُرَيم بن الحارث، وابنه عبد الله بن الحارث. وروى الطبرانيّ منْ طريق زُرارة، عن الحارث، قَالَ: وكان الحارث رجلًا جسيمًا، فمسح النبيّ صلّى الله تعالى عليه وسلم وجهه، فما
стр. 16048
زالت نَضْرة عَلَى وجه الحارث حَتَّى هلك. روى له البخاريّ، وأبو داود، والمصنّف، وله عنده حديث الباب فقط. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن يحيى بن زُرارة، أنه قَالَ: سمعت أبي) هو زُرارة بن كُريم (يذكر أنه سمع جدّه الْحَارِث بْنَ عَمْرو) بالنصب بدلًا منْ "جدّه" (يُحَدِّثُ أَنَّهُ لَقِيَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، وَهُوَ عَلَى نَاقَتِهِ الْعَضْبَاءِ) جملة فِي محلّ نصب عَلَى الحال، و"العَضْباء": هي الناقة المشقوقة الأذن، قبل: لُقِّبت ناقة النبيّ صلّى الله تعالى عليه وسلم، بذلك؛ لنَجابتها، لا لأنها مشقوقة الأذن (فَأَتَيْتُهُ مِنْ أَحَدِ شِقَّيْهِ) بكسر الشين المعجمة: أي جانبيه (فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي) متعلّق بمحذوف: أي أفديك بأبي وأمي، أو أنت مَفْديّ بأبي وأمي (اسْتَغْفِرْ لِي، فَقَالَ: "غَفَرَ اللَّهُ لَكُمْ) أي للحاضرين عنده جميعهم (ثُمَّ أَتَيْتُهُ مِنَ الشِّقِّ الآخَرِ، أَرْجُو أَنْ يَخُصَّنِي دُونَهُمْ) أي يدعو لي خاصة، دون الحاضرين (فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، اسْتَغْفِرْ لِي، فَقَالَ بِيَدِهِ) أي أشار بيده إلى الجميع قائلًا (غَفَرَ اللَّهُ لَكُمْ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ النَّاسِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، الْعَتَائِرُ) جمع عتيرة، ككريمة وكَرائم، وهو مبتدأ (وَالْفَرَائِعُ) عطف عليه، والخبر محذوف: أي ما حكمهما؟ (قَالَ) صلّى الله تعالى عليه وسلم (مَنْ شَاءَ عَتَرَ) بفتح المهملة، والمثنّاء، مخفّفةً، منْ باب ضرب: أي ذبح عتيرته (وَمَنْ شَاءَ لَمْ يَعْتِرْ) بكسر التاء (وَمَنْ شَاءَ فَرَّعَ) بتشديد الراء، منْ التفريع. أي ذبح الْفَرَع بفتحتين (وَمَنْ شَاءَ لَمْ يُفَرِّعْ) يُستدلّ به عَلَى عدم وجوب الْفَرَع والعتيرة، حيث خيّر النبيّ صلّى الله تعالى عليه وسلم بين الفعل، والترك (فِي الْغَنَمِ أُضْحِيَتُهَا) بضمّ الهمزة، وكسرها، ويقال فيها: ضحيّةٌ، وأضحاة بوز أرطأة. يعني أن أصحاب الغنم عليهم أن يضحّوا منها، وفيه تأكيد شأن الأضحية، حيث فرّق صلى الله تعالى عليه وسلم بينها وبين الْفَرَع والعتيرة، فخيّر فيهما، بخلافها، فدلّ عَلَى أنها مؤكّدة، وهل هي واجبة، أم مستحَبّة أكيدة، فيه خلاف بين العلماء، سيأتي تحقيقه فِي محلّه، إن شاء الله تعالى (وقَبَضَ) صلّى الله تعالى عليه وسلم (أصَابِعَهُ، إِلَّا وَاحِدَةً) الظاهر أنه إشارة إلى أن الأضحية منْ الغنم شاة واحدة عن جميع أهل البيت. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: حديث الحارث بن عمرو رضي الله تعالى عنه هَذَا ضعيف؛ لجهالة حال زُرارة، وأبيه، كما تقدّم عن ابن القطّان الفاسيّ رحمه الله تعالى، وهو منْ أفراد المصنّف رحمه الله تعالى، أخرجه هنا -١/ ٤٢٢٨ و٤٢٢٩ - وفي
стр. 16049
"الكبرى" ١/ ٤٥٥٢ و٤٥٥٣. وأخرجه (أحمد) فِي "مسند المكيين" ١٥٥٤٢. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٢٢٩ - (أَخْبَرَنِي هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَفَّانُ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ زُرَارَةَ السَّهْمِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ جَدِّهِ الْحَارِثِ بْنِ عَمْرٍو ح وَأَنْبَأَنَا هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ، قَالَ: حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ زُرَارَةَ السَّهْمِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ جَدِّهِ الْحَارِثِ بْنِ عَمْرٍو، أَنَّهُ لَقِىَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، فَقُلْتُ: بِأَبِي أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَأُمِّي، اسْتَغْفِرْ لِي، فَقَالَ: "غَفَرَ اللَّهُ لَكُمْ" وَهُوَ عَلَى نَاقَتِهِ الْعَضْبَاءِ، ثُمَّ اسْتَدَرْتُ مِنَ الشِّقِّ الآخَرِ … وَسَاقَ الْحَدِيثَ).
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "هارون بن عبد الله": هو أبو موسى الْحَمّال البغداديّ الحافظ. و"عفّان": هو ابن مسلم الصفّار البصريّ الحافظ المثبت. و"هشام بن عبد الملك": هو أبو الوليد الطيالسيّ البصريّ الحافظ الثبت.
وقوله: "وساق الحديث": الظاهر أن الضمير لشيخه هارون بن عبد الله، ويحتمل أن يكون لعفّان، وهشام بن عبد الملك، بتقدير: ساق كلّ منهما الحديث كما ساقه عبد الله بن المبارك.
والحديث ضعيف، وَقَدْ سبق شرحه، وتخريجه فِي الذي قبله. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلتُ، وإليه أنيب".
…
قَالَ الجامع الفقير إلى مولاه الغنيّ القدير، محمد ابن الشيخ عليّ بن آدم بن موسى الإتْيُوبيّ الولّويّ، نزيل مكة المكرّمة، عفا الله تعالى عنه وعن والديه ومشايخه آمين:
قد انتهيت منْ كتابة الجزء الثاني والثلاثين منْ شرح سنن الإمام الحافظ الحجة أبي عبد الرحمن النسائيّ رحمه الله تعالى، المسمّى "ذخيرة العُقْبَى فِي شرح المجتبى"، أو "غاية المنى فِي شرح المجتنى".
وذلك بحيّ الزهراء، مخطّط الأمير طلال، فِي مكة المكرمة زادها الله تعالى تشريفًا وتعظيمًا، وجعلني منْ خيار أهلها حيًّا وميتًا، وأعْظِمْ به تكريماً.
وآخر دعوانا ﴿أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾.
﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠) وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (١٨١) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٨٢)﴾.
стр. 16050
"اللهم صلّ عَلَى محمد، وعلى آل محمد، كما صلّيت عَلَى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد. اللهم بارك عَلَى محمد، وعلى آل محمد، كما باركت عَلَى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد".
"السلام عليك أيها النبيّ، ورحمة الله، وبركاته".
ويليه -إن شاء الله تعالى- الجزء الثالث والثلاثون مفتتحًا بالباب ٢ - "تفسير العَتيرة" الحديث رقم ٤٢٣٠.
"سبحانك اللهمّ، وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك، وأتوب إليك".
***
стр. 16051
شرح
سنن النسائي
المسَمَّى
ذخيرة العقبى في شرح المجتبى
لجامعة الفقير إلى مولاه الغني القدير
محمد ابن الشيخ العلامة علي بن آدم بن موسى الإتيوبي الوَلَّوِي
المدرس بدار الحديث الخيرية بمكة المكرمة
عفا الله عنه وعن والديه آمين
الجُزْءُ الثالث والثلاثون
стр. 16052
جميع الحقوق محفوظة
الطبعة الأولى
١٤٢٤ هـ - ٢٠٠٣ م
دَار آل بروم للنشر والتوزيع
المملكة العربية السعودية - مكة المكرمة - المكتب الرئيسي التنعيم
صَ بُ: ٤١٤٥ - (تلفاكس ٥٢١١٥٧٦ - جوال ٠٥٥٥٤١٠٢٦)
стр. 16053
شرح
سنن النسائي
стр. 16054
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
стр. 16055
٢ - (تَفْسِيرِ الْعَتِيرَةِ)
٤٢٣٠ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، عَنِ ابْنِ عَوْنٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا جَمِيلٌ، عَنْ أَبِي الْمَلِيحِ، عَنْ نُبَيْشَةَ، قَالَ: ذُكِرَ لِلنَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: كُنَّا نَعْتِرُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ؟ قَالَ: "اذْبَحُوا لِلَّهِ ، فِي أَيِّ شَهْرٍ مَا كَانَ، وَبَرُّوا اللَّهَ ، وَأَطْعِمُوا").
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد رجال الصحيح، غير جميل. و"ابنُ أبي عديّ": هو محمد بن إبراهيم بن أبي عديّ. و"ابنُ عون": هو عبد الله بن عون بن أرطبان.
و"جَمِيل" غير منسوب، مقبول [٦].
روى عن أبي الْمَلِيح، وعنه ابن عون. قَالَ ابن حبّان فِي "كتاب الثقات": لا أدري منْ هو؟، وابن منْ هو؟. تفرد به المصنّف بهذا الحديث فقط.
و"أبو الْمَلِيح": هو ابن أُسامة بن عُمير، أو عامر بن حُنيف بن ناجية الْهُذَليّ، اسمه عامر، وقيل: زيد، وقيل: زياد، ثقة [٣] ١٠٢/ ١٣٩ مات سنة (٩٨) وقيل: (١٠٨) وقيل: بعد ذلك.
و"نُبيشة" -بمعجمة، مصغّرًا- ابن عبد الله بن عمرو بن عتّاب بن الحارث بن نُصير بن حُصين، وقيل: نسبه غير ذلك. الْهُذليّ، ويقال له: نُبيشة الخير، صحابيّ قليل الحديث.
روى عن النبيّ صلّى الله تعالى عليه وسلم، وعنه أبو المليح الْهُذليّ، وأمّ عاصم جدّة أبي اليمان المعلّى بن راشد النّبّال. روى له الجماعة، سوى البخاريّ، له فِي مسلم حديثُ: "أيامُ التشريق أيامُ أكل وشُرب". وله عبد المصنّف رحمه الله تعالى هَذَا الحديث، وأعاده خمس مرّات فِي هَذَا الباب، وفي الباب التالي. والله تعالى أعلم.
وقوله: "فِي أيّ شهر ما كَانَ" "ما" هذه زائدة للتأكيد. وقوله: "وبرُّوا الله " بفتح الباء، وتشديد الراء: أي أطيعوه، وسيأتي تمام شرح هَذَا الحديث، والذي بعده فِي الحديث الثالث، وإنما أخّرته إليه؛ لكونه أتمّ منهما، فتنبّه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٢٣١ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا بِشْرٌ -وَهُوَ ابْنُ الْمُفَضَّلِ- عَنْ خَالِدٍ، وَرُبَّمَا قَالَ: عَنْ أَبِي الْمَلِيحِ، وَرُبَّمَا ذَكَرَ أَبَا قِلَابَةَ، عَنْ نُبَيْشَةَ، قَالَ: نَادَى رَجُلٌ، وَهُوَ بِمِنًى، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا كُنَّا نَعْتِرُ عَتِيرَةً فِي الْجَاهِلِيَّةِ فِي رَجَبٍ، فَمَا تَأْمُرُنَا، يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: "اذْبَحُوا فِي أَيِّ شَهْرٍ مَا كَانَ، وَبَرُّوا اللَّهَ ، وَأَطْعِمُوا"، قَالَ: إِنَّا كُنَّا نُفْرِعُ فَرَعًا، فَمَا تَأْمُرُنَا؟ قَالَ: "فِي كُلِّ سَائِمَةٍ فَرَعٌ، تَغْذُوهُ مَاشِيَتُكَ، حَتَّى إِذَا اسْتَحْمَلَ ذَبَحْتَهُ، وَتَصَدَّقْتَ بِلَحْمِهِ").
стр. 16056
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "عمرو بن عليّ": هو الفلّاس. و"خالد": هو الحذّاء. وقوله: وربّما قَالَ: عن أبي المليح الخ" الضمير لخالد، أي ربّما قَالَ خالد فِي روايته: عن أبي المليح، عن نُبيشة، وربّما أدخل أبا قلابة واسطة بينهما، وذلك أنه أخذه عن أبي قلابة، عن أبي المليح، ثم لقي بعد ذلك أبا المليح، فحدثه، عن نبيشة، وسيأتي توضيح هَذَا فِي الباب التالي، حيث يقول: حدّثني أبو قلابة، عن أبي المليح، فلقيت أبا المليح، فسألته، فحدّثني عن نُبيشة الهذليّ الخ.
وقوله: حتّى إذا استحمل" بالحاء: أي قوي للحمل، وبالجيم: أي صار جملًا. وسيأتي تمام شرحه فِي الحديث التالي، إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٢٣٢ - (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَالَ: حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ خَالِدٍ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ أَبِي الْمَلِيحِ، وَأَحْسَبُنِي قَدْ سَمِعْتُهُ مِنَ أَبِي الْمَلِيحِ، عَنْ نُبَيْشَةَ، رَجُلٌ مِنْ هُذَيْلٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إِنِّي كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنْ لُحُومِ الأَضَاحِيِّ، فَوْقَ ثَلَاثٍ، كَيْمَا تَسَعَكُمْ، فَقَدْ جَاءَ اللَّهُ بِالْخَيْرِ، فَكُلُوا، وَتَصَدَّقُوا، وَادَّخِرُوا، وَإِنَّ هَذِهِ الأَيَّامَ أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ، وَذِكْرِ اللَّهِ "، فَقَالَ رَجُلٌ: إِنَّا كُنَّا نَعْتِرُ عَتِيرَةً فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فِي رَجَبٍ، فَمَا تَأْمُرُنَا؟ قَالَ: "اذْبَحُوا لِلَّهِ ، فِي أَيِّ شَهْرٍ مَا كَانَ، وَبَرُّوا اللَّهَ ، وَأَطْعِمُوا"، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا كُنَّا نُفَرِّعُ فَرَعًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَمَا تَأْمُرُنَا؟ قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "فِي كُلِّ سَائِمَةٍ مِنَ الْغَنَمِ فَرَعٌ، تَغْذُوهُ غَنَمُكَ، حَتَّى إِذَا اسْتَحْمَلَ ذَبَحْتَهُ، وَتَصَدَّقْتَ بِلَحْمِهِ عَلَى ابْنِ السَّبِيلِ، فَإِنَّ ذَلِكَ هُوَ خَيْرٌ").
رجال هَذَا الإسناد: سبعة:
١ - (عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن) بن المِسْور بن مَخْرَمة: هو الزهريّ البصريّ، صدوق، منْ صغار [١٠].
٢ - (غندر) محمد بن جعفر البصريّ، ثقة، صحيح الكتاب [٩] ٢١/ ٢٢.
٣ - (خالد) بن يهران الحذاء البصريّ، ثقة يرسل [٥] ٧/ ٦٣٤. وهو المذكور فِي السند الماضي.
٤ - (أبو قلابة) عبد الله بن زيد بن عمرو الجرميّ البصريّ، ثقة فاضل، كثير الإرسال [٣] ١٠٣/ ٣٢٢.
و"أبو المليح"، و"نُبيشة" تقدمت ترجمتهما قبل حديث. والله تعالى أعلم.
لطائف هَذَا الإسناد:
منها: أنه منْ سداسيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين. (ومنها): أن فيه ثلاثة منْ التابعين يروي
стр. 16057
بعضهم عن بعض: خالد عن أبي قلابة، عن أبي المليح، ورواية الآخرين منْ رواية الأقران، وهما ممن اشتهر بالكنية. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ خَالِدٍ) الحذاء (عَنْ أَبِي قِلَابَةَ) عبد الله بن زيد (عَنْ أَبِي الْمَلِيحِ) عامر ابن أُسامة (وَأَحْسَبُنِي قَدْ سَمِعْتُهُ مِنَ أَبِى الْمَلِيحِ) هَذَا منْ كلام خالد، يعني أنه يظن أنه قد سمع هَذَا الحديث منْ أبي الْمَلِيح نفسه، وَقَدْ جزم فِي الباب التالي منْ رواية ابن عليّة عنه أنه سمع منه بعدما سمعه منْ أبي قلابة عنه، ولفظه: "حدّثني أبو قلابة، عن أبي المليح، فلقيت أبا المليح، فسألته، فحدّثني عن نُبيشة الهُذليّ الخ" (عَنْ نُبَيْشَةَ) بضم النون، مصغّرًا، هو نُبيشة الخير رضي الله تعالى عنه (رَجُلٌ مِنْ هُذَيْلٍ) بجرّ "رجل" بدلاً عن "نبيشة"، ويجوز قطعه إلى الرفع، خبرًا لمحذوف: أي هو رجل الخ.
و"هُذيل" بضم الهاء، وفتح الذال المعجمة، مصغّرًا أبو قبيلة، وهو هُذيل بن مُدركة ابن إلياس بن مضر بن نِزَار بن معدّ بن عَدْنان (عَنْ النَّبِيِّ ﷺ ) أنه (قَالَ: "إِنِّي كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنْ لُحُومِ الأَضَاحِي) أي عن ادّخار لحومها، و"الأضاحي" بفتح الهمزة، وتشديد الياء: جمع أُضحية بضمّ الهمزة، وكسرها. وأحاديث النهي عن أدخار لحومها كثيرة:
(فمنها): حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: "أن رسول الله صلّى الله تعالى عليه وسلم نهى أن تؤكل لحوم الأضاحي بعد ثلاث. متَّفقٌ عليه. (ومنها): حديث عليّ رضي الله تعالى عنه، قَالَ: "إن رسول الله صلّى الله تعالى عليه وسلم قد نهانا أن تأكلوا لحوم نسككم فوق ثلاث". متَّفقٌ عليه. (ومنها): حديث جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما: أن رسول الله صلّى الله تعالى عليه وسلم نهى عن أكل لحوم الضحايا بعد ثلاث، ثم قَالَ: كلوا، وتزوّدوا، وادّخروا". متّفق عليه. (ومنها): حديث عائشة رضي الله تعالى عنها: قالت: دَفّت دافّة منْ أهل البادية، حَضرَةَ الأضحى، فَقَالَ رسول الله ﷺ : "كلوا، وادخروا ثلاثا"، فلما كَانَ بعد ذلك، قالوا: يا رسول الله، إن النَّاس كانوا ينتفعون منْ أضاحيهما، يَجْمِلُون منها الوَدَك، ويتخذون منها الأسْقِية، قَالَ: "وما ذاك؟ " قَالَ: الذي نهيت منْ إمساك لحوم الأضاحي، قَالَ: "إنما نهيت للدافة التي دفّت، كلوا، وادخروا، وتصدقوا". متّفق عليه. وستأتي بقية الأحاديث فِي "كتاب الضحايا"، إن شاء الله تعالى.
(فَوْقَ ثَلَاثٍ) أي فوق ثلاث ليال (كَيْمَا تَسَعَكُمْ) أي لأجل أن تشمل اللحوم الفقراء الذين لا يجدونها (فَقَدْ جَاءَ اللَّهُ بِالْخَيْر) أي بالتوسيع عَلَى النَّاس، بحيث تيسّر لهم أن يضحّي كل واحد لنفسه (فَكُلُوا، وَتَصَدَّقُوا، وَادَّخِرُوا) أي كلوا بعضه، وتصدّقوا ببعضه، وادّخروا بعضه (وَإِنَّ هَذِهِ الأَيَّامَ) أي أيام التشريق (أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ) أي فلا يُشرع
стр. 16058
فيها الصوم، إلا لمن لم يصم الثلاثة الأيام فِي التمتّع؛ لصحة استثناء ذلك فِي حديث عائشة وابن عمر رضي الله تعالى عنهم (وَذِكْرِ اللَّهِ ") أي لأمر الله تعالى بذلك فِي قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾ الآية (فَقَالَ رَجُلٌ: إِنَّا كُنَّا نَعْتِرُ) تقدم أنه منْ باب ضرب (عَتِيرَةً فِى الْجَاهِلِيَّةِ، فِى رَجَبٍ، فَمَا تَأْمُرُنَا؟) أي بأي شيء تأمرنا، هل نفعله، أو نتركه؟ (قَالَ) صلّى الله تعالى عليه وسلم (اذْبَحُوا لِلَّهِ فِى أَىِّ شَهْرٍ مَا كَانَ) "ما" زائدة للتأكيد: أي اذبحوا إن شئتم، واجعلوا الذبح لله ، فِي أيّ وقت كَانَ، فِي رَجَب أو غيره، وفيه أن الأمر للندب، لا للوجوب (وَبَرُّوا اللَّهَ وفي نسخة: "وبرّوا لله" باللام، وهو بفتح الباء الموحّدة، أي أطيعوه، يقال: بَرّ الرجلُ يبَرُّ بِرّا، وزان علم يعلم علمًا، فهو بَرٌّ بالفتح، وبارّ أيضًا: أي صادق، أو تقيّ، وهو خلاف الفاجر، وجمع الأول أبرار، وجمع الثاني بَرَرَةٌ، مثلُ كافر وكفَرة. وبررتُ والدي أبَرّه بِرًّا، وبُرُورًا: أحسنت الطاعة إليه، ورَفَقتُ به، وتحرّيت محابه، وتوَقّيتُ مكارهه. أفاده الفيّوميّ (وَأَطْعِمُوا) أي الفقراء، والمساكين مما تذبحونه (فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا كُنَّا نُفَرِّعُ) تقدّم أنه بضم أوّله منْ الإفراع، أو منْ التفريع (فَرَعًا) بفتحتين (فِى الْجَاهِلِيَّةِ، فَمَا تَأْمُرُنَا؟ قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "فِى كُلِّ سَائِمَةٍ) السائمة: هي كلّ إبل تُرسَلُ تَرْعَى، ولا تُعلَف، جمعها سوائم، يقال: سامت الراعية، والماشية، والغنم تسُوم سَوْمًا: رَعَت حيث شاءت، فهي سائمة، وَأَسَمْتُها، وسوّمتُها: أخرجتها إلى الرَّعْي، قَالَ الله تعالى: ﴿فِيهِ تُسِيمُونَ﴾. أفاده فِي "اللسان" (مِنَ الْغَنَمِ فَرَعٌ) وَقَدْ ذكر فِي رواية أبي داود عن أبي قلابة تفسير السائمة، ولفظه: قَالَ خالد -أي الحذّاء- قلت لأبُي قِلابَة: كم السائمة؟، قَالَ: مِائة. وأخرج أبو داود أيضًا بإسناد صَحِيح عَن عَائِشة ﵂ قَالَتْ: أمرنا رسول الله صلّى الله تعالى عليه وسلم منْ كلّ خمسين شاةً شاةٌ. وأخرجه البيهقيّ بلفظ: "أَمَرَنَا رسُول الله ﷺ بِالْفَرَعَةِ، منْ كُلّ خَمْسِينَ وَاحِدَة".
(تَغْذُوهُ) أي تعلفه (غَنَمُكَ) فاعل "تغذوه"، وذكر السنديّ ما معناه: أنه يحتمل أن يكون "تغذوه" للخطاب، و"غنَمَك" منصوب بتقدير "مثل غنمك، أو مع غنمك.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: هَذَا الاحتمال فيه تكلّف، لا داعي إليه. فتنبّه. والله تعالى أعلم.
(حَتَّى إِذَا اسْتَحْمَلَ) بِالْحَاءِ المُهملة: أي قَوِيَ عَلَى الْحَمْل، وَصَار بِحيثُ يُحْمَل عَلَيْهِ. قالهُ الخَطَّابِيُّ. وبِالجيمِ: أيْ صَار جَملا. قَالهُ السُّيُوطِيُّ.
وفي رواية لأبي داود: "حَتَّى إذا استحمل للحجيج". وذكر السيوطيّ، والسنديّ أنه فِي بعض النسخ بلفظ "استجمل" بالجيم: أي صار جملًا، والمراد أن يكون كبيرًا (ذَبَحْتَهُ، وَتَصَدَّقْتَ بِلَحْمِهِ عَلَى ابْنِ السَّبِيلِ) أي المسافر (فَإِنَّ ذَلِكَ هُوَ خَيْرٌ) أي تأخيره حَتَّى يكبر، ثم
стр. 16059
ذبحه، والتصدّق بلحمه عَلَى المحتاجين، أفضل منْ ذبحه صغيرًا، لا يُنتفع بلحمه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): فِي درجته:
حديث نُبَيشة الْهُذَليّ رضي الله تعالى عنه هَذَا صحيح.
(المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -٢/ ٤٢٣٠ و٤٢٣١ و٤٢٣٢ و٤٢٣٣ و٤٢٣٤ و٤٢٣٥ - وفي "الكبرى" ٢/ ٤٥٥٤ و٤٥٥٥ و٤٥٥٦ و٤٥٥٧ و٤٥٥٨. وأخرجه (د) فِي "الضحايا" ٢٨٣٠ (ق) فِي "الذبائح" ٣١٦٧ (أحمد) فِي "أولى مسند البصريين" ٢٠١٩٨ و٢٠٢٠٢ (الدارمي) فِي "الأضاحي" ١٩٥٨. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): فِي فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان تفسير العتيرة بأنها الشاة التي تُذبح فِي شهر رَجَب. (ومنها): جواز ادّخار لحوم الأضاحي فوق ثلاثة أيام، وسيأتي تمام البحث فيه فِي محلّه، إن شاء الله تعالى. (ومنها): بيان أن أيام التشريق أيام أكل، وشرب، وذكر لله ، فلا تصام كالعيد، وَقَدْ تقدم فِي "كتاب الحجّ" أن الأرجح جواز صومها لمن فاتته الأيام الثلاثة فِي صوم التمتّع؛ لورود النصّ بذلك. (ومنها): مشروعيّة العتيرة، والفرع بشرط أن يكون الذبح لله، وعدم تخصيص رَجَب، ولا غيره. (ومنها): أن الأولى لمن يعتر، أو يُفرعُ أن لا يذبح الصغير، بل ينتظر حَتَّى يكبر، فيطيب لحمه، فيذبحه، ويتصدّق به. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣ - (تَفْسِيرِ الْفَرَعِ)
٤٢٣٣ - (أَخْبَرَنَا أَبُو الأَشْعَثِ، أَحْمَدُ بْنُ الْمِقْدَامِ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ -وَهُوَ ابْنُ زُرَيْعٍ- قَالَ: أَنْبَأَنَا خَالِدٌ، عَنْ أَبِي الْمَلِيحِ، عَنْ نُبَيْشَةَ، قَالَ: نَادَى النَّبِيَّ ﷺ رَجُلٌ، فَقَالَ: إِنَّا كُنَّا نَعْتِرُ عَتِيرَةً -يَعْنِي فِي الْجَاهِلِيَّةِ- فِي رَجَبٍ، فَمَا تَأْمُرُنَا، قَالَ: "اذْبَحُوهَا فِي أَيِّ شَهْرٍ كَانَ، وَبَرُّوا اللَّهَ (١) وَأَطْعِمُوا"، قَالَ: إِنَّا كُنَّا نُفْرِعُ فَرَعًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ، قَالَ: "فِي كُلِّ سَائِمَةٍ فَرَعٌ، حَتَّى إِذَا اسْتَحْمَلَ (٢) ذَبَحْتَهُ، وَتَصَدَّقْتَ بِلَحْمِهِ، فَإِنَّ ذَلِكَ هُوَ خُيْرٌ").
стр. 16060
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا غير مرّة.
و"أحمد بن الْمِقْدام، أبو الأشعث": هو العجليّ البصريّ، صدوقٌ [١٠]. و"خالد": هو الحذَّاءُ المذكور فِي السند الماضي.
والحديث صحيحٌ، وَقَدْ تقدّم البحث عنه مستوفًى فِي الحديث الذي قبله. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٢٣٤ - (أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ ابْنِ عُلَيَّةَ، عَنْ خَالِدٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو قِلَابَةَ، عَنْ أَبِي الْمَلِيحِ، فَلَقِيتُ أَبَا الْمَلِيحِ، فَسَأَلْتُهُ، فَحَدَّثَنِي عَنْ نُبَيْشَةَ الْهُذَلِيِّ، قَالَ: قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا كُنَّا نَعْتِرُ عَتِيرَةً فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَمَا تَأْمُرُنَا؟ قَالَ: "اذْبَحُوا لِلَّهِ ، فِي أَيِّ شَهْرٍ مَا كَانَ، وَبَرُّوا اللَّهَ (١) ، وَأَطْعِمُوا").
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا غير مرّة.
وشيخ المصنّف هو الدَّوْرقيّ، أحد مشايخ الأئمة الستّة الذين رووا عنهم بلا واسطة، كما سبق غير مرّة.
والحديث صحيح، وَقَدْ سبق القول فيه قريبًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٢٣٥ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ يَعْلَى بْنِ عَطَاءٍ، عَنْ وَكِيعِ بْنِ عُدُسٍ، عَنْ عَمِّهِ أَبِي رَزِينٍ، لَقِيطِ بْنِ عَامِرٍ الْعُقَيْلِيِّ، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا كُنَّا نَذْبَحُ ذَبَائِحَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فِي رَجَبٍ، فَنَأْكُلُ، وَنُطْعِمُ مَنْ جَاءَنَا؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا بَأْسَ بِهِ"، قَالَ وَكِيعُ بْنُ عُدُسٍ: فَلَا أَدَعُهُ).
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "عمرو بن عليّ": هو الفلّاس. و"عبد الرحمن": هو ابن مهديّ. و"أبو عوانة": هو الوضّاح بن عبد الله اليشكريّ الواسطيّ. و"يعلى بن عطاء": هو العامريّ، ويقال: الليثيّ الطائفيّ، ثقة [٤] ٤٠/ ٥٨٤.
و"وكيع بن عُدُس" -بمهملات، وضمّ أوله وثانيه، وَقَدْ يُفتح ثانيه، ويقال: حُدُس - بالحاء بدل العين- أبو مُصعب الْعَقِيليّ -بضمّ العين- كما ضبطه الخزرجيّ فِي "خلاصته"، وضبطه فِي "التقريب" بفتح العين، والظاهر أنه غلط، الطائفيّ، مقبول [٤].
روى عن عمّه أبي رزين الْعُقيليّ. وعنه يعلي بن عطاء. ذكره ابن حبّان فِي "الثقات". وَقَالَ ابن قُتيبة فِي "اختلاف الحديث": غير معروف. وَقَالَ ابن القطّان:
стр. 16061
مجهول الحال. روى له الأربعة، وله عبد المصنّف هَذَا الحديث فقط.
و"أبو رَزين، لقيط بن عامر الْعُقيليّ": هو لقيط بن عامر بن صَبِرة بن عبد الله بن المنتفق، كما قَالَ ابن معين، وأحمد، والبخاريّ، وابن حبّان، وابن السكن، وابن عبد البرّ، وعبد الغنيّ بن سعيد، وقيل: إنه غيره، صحابيّ وَقَدْ عَلَى النبيّ صلّى الله تعالى عليه وسلم، تقدّمت ترجمته فِي ٧١/ ٨٧.
وقوله: "ونُطعم" بضمّ أوله، منْ الإطعام: أي نُطعم غيرنا، منْ الأصدقاء، والمحتاجين.
وحديث أبي رَزين العُقيليّ رضي الله تعالى عنه هَذَا فِي إسناده وكيع بن عُدُس، وهو مجهول العين لم يرو عنه غير يعلي بن عطاء، لكنه صحيح بالشواهد السابقة.
وهو منْ أفراد المصنّف رحمه الله تعالى، لم يُخرجه منْ أصحاب الأصول غيره، وأخرجه (أحمد) فِي "أول مسند المدنيين" (الدارمي) فِي "الأضاحي" ١٩٦٥. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلتُ، وإليه أنيب".
…
٤ - (جُلُودِ الْمَيْتَةِ)
٤٢٣٦ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ مَيْمُونَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ، مَرَّ عَلَى شَاةٍ مَيِّتَةٍ، مُلْقَاةٍ، فَقَالَ: "لِمَنْ هَذِهِ؟ "، فَقَالُوا: لِمَيْمُونَةَ، فَقَالَ: "مَا عَلَيْهَا لَوِ انْتَفَعَتْ بِإِهَابِهَا"، قَالُوا: إِنَّهَا مَيْتَةٌ، فَقَالَ: "إِنَّمَا حَرَّمَ اللَّهُ أَكْلَهَا").
رجال هَذَا الإسناد: ستة:
١ - (قتيبة) بن سعيد الثقفيّ البغلاني، ثقة ثبت [١٠] ١/ ١.
٢ - (سفيان) بن عيينة المكيّ الإمام الحجة الثبت [٨] ١/ ١.
٣ - (الزهريّ) محمد بن مسلم الإمام الحجة المثبت الحافظ المدنيّ [٤] ١/ ١.
٤ - (عبيد الله بن عبد الله) بن عتبة بن مسعود المدنيّ الفقيه الثقة المثبت [٣] ٤٥/ ٥٦.
٥ - (ابن عباس) عبد الله الحبر البحر رضي الله تعالى عنهما ٢٧/ ٣١.
٦ - (ميمونة) بنت الحارث الهلالية أم المؤمنين خالة ابن عباس رضي الله تعالى عنهم تقدمت ترجمتها فِي ١٤٦/ ٢٣٦. والله تعالى أعلم.
стр. 16062
لطائف هَذَا الإسناد:
(منها): أنه منْ سداسيات المصنّف ﵀. (ومنها): أن فيه، رواية تابعيّ، عن تابعيّ، وصحابي، عن صحابيّة، وفيه عبيد الله أحد الفقهاء السبعة، المشهورين بالمدينة المجموعين فِي قول بعضهم:
إِذَا قِيلَ مَنْ فِي الْعِلْمِ سَبْعَةُ أبْحُرٍ … مَقَالَتُهُمْ لَيْسَتْ عَنِ الْحَقّ خَارِجَهْ
فَقُلْ هُمْ عُبَيْدُ اللَّهِ عُرْوَةُ قَاسِمٌ … سَعِيدٌ أبُو بَكْرِ سُلَيْمَانُ خَارِجَهْ
وفيه ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما حبر الأمة وبحرها، وهو أحد المكثرين السبعة، روى (١٦٩٦) منْ الأحاديث، والمكثرون هم المجموعون فِي قولي:
الْمُكْثرُونَ فِي رِوايَةِ الْخَبَرْ … مِنَ الصَّحَابةِ الأكارَم الْغُرَرْ
أبُو هُرَيْرَةَ يِلِيهِ ابن عُمَرْ … فَأَنَسٌ فَزَوْجَةُ الْهَادِي الأَبَر
ثمّ ابْنُ عبَّاسِ يَلِيهِ جَابِرُ … وَبَعْرَهُ الْخُدْرِيُّ فَهْوَ آخِرُ
وهو أحد العبادلة الأربعة، المجموعين فِي قول السّيوطيّ فِي "ألفية الحديث":
والْبَحْرُ وابْنَا عُمَرِ وَعَمْرِو … وَابْنُ الزُّبَيْرِ فِي اشْتِهَار يَجْرِي
دُونَ ابْنِ مَسْعُودٍ لَهُمْ عَبَادِلَهْ … وَغَلَّطُوا مَنْ غَيْرَ هَذَا مَالَ لَهْ
وَقَدْ تقدّم كل هَذَا، وإنما أعدته تذكيرًا؛ لطول العهد به. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) رضي الله تعالى عنهما (عَنْ مَيْمُونَةَ) رضي الله تعالى عنها، هكذا عبد المصنّف، وكذا عبد مسلم، فِي هذه الرواية، والرواية الآتية بعد حديثين منْ طريق عمرو بن دينار، عن عطاء أن ابن عبّاس أخذه عن ميمونة، بل صرّح فِي رواية عطاء بأن ميمونة رضي الله تعالى عنها أخبرته، لكن بقيّة الروايات الآتية بعدها أنه منْ مسند ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما، وهو الذي أخرجه البخاريّ، قَالَ فِي "الفتح" عبد شرح قوله: "مرّ بشاة": ما نصّه: كذا للأكثر عن الزهريّ، وزاد بعض الرواة عن الزهريّ "عن ابن عبّاس، عن ميمونة"، أخرجه مسلم، وغيره، منْ رواية ابن عيينة، والراجح عبد الحفّاظ فِي حديث الزهريّ ليس فيه ميمونة، نعم أخرجه مسلم، والنسائيّ منْ طريق ابن جريج، عن عمرو بن دينار، عن عطاء، عن ابن عباس: أن ميمونة أخبرته. انتهى (١).
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: يحتمل أن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما شهد
стр. 16063
القضيّة بنفسه، لكن أخبرته بتفاصيلها خالته ميمونة رضي الله تعالى عنها، حيث إن تلك الشاة كانت لمولاتها، فكان يُحدّث تارة بهذا، وتارة بهذا، ولا مانع منْ ذلك، بل مثل هَذَا كثير فِي أحاديث الحفّاظ، والله تعالى أعلم.
(أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَرَّ عَلَى شَاةٍ مَيِّتَةٍ) بتخفيف الياء، ويجوز تشديدها، قَالَ الفيّوميّ: الْمَيْتَةُ منْ الحيوان ما مات حَتْفَ أَنْفِهِ، والجمع مَيْتَات، وأصلها مَيِّتَةٌ بالتشديد، قيل: والتُزم التشديد فِي ميّتة الأناسيّ؛ لأنه الأصل، والتُزِم التخفيف فِي غير الأنَاسيّ؛ فرقًا بينهما، ولأن استعمال هذه أكثر منْ الأدميّات، فكانت أولى بالتخفيف. انتهى (مُلْقَاةٍ) بضم الميم اسم مفعول أُلقِي: أي مرمية (فَقَالَ) صلّى الله تعالى عليه وسلم (لِمَنْ هَذِهِ؟ " فَقَالُوا) قَالَ الحافظ: لم أقف عَلَى تعيين القائل (لِمَيْمُونَةَ) أي لمولاتها؛ وإنما أضافوها إليها؛ لكونها تخدمها، وتلزمها. وفي الرواية الآتية منْ طريق حفص بن الوليد، عن الزهريّ: "أبصر رسول صلّى الله تعالى عليه وسلم شاةً ميتةً لمولاة لميمونة، وكانت منْ الصدقة … " (فَقَالَ) ﷺ (مَا عَلَيْهَا) أي ليس عليها بأس (لَوِ انْتَفَعَتْ بِإِهَابِهَا) بكسر الهمزة، قَالَ أبو داود فِي "سننه": قَالَ النضر بن شُميل: إنما يُسمّى إهابًا ما لم يُدبغ، فإذا دُبغ لا يُقال له: إهابٌ، إنما يُسمّى شنّا، وقِرْبَة. انتهى. وَقَالَ فِي "الصحاح": والإهاب: الجلد ما لم يُدبغ. انتهى. وَقَالَ فِي "النهاية": هو الجلد. وقيل: إنما يقال للجلد إهابٌ قبل الدبغ، فأما بعده فلا. انتهى. وَقَالَ فِي "القاموس": الإهاب، ككتاب: الجلد، أو ما لم يُدبغ، جمعه آهِبةٌ، وأُهُبٌ، وأَهَبٌ. انتهى. وَقَالَ الفيّوميّ: الإهاب: الجلدُ قبل أن يُدبغ، وبعضهم يقول: الإهاب الجلد، وهذا الإطلاق محمولٌ عَلَى ما قَيَّدهُ الأكثرُ، فإن قوله صلّى الله تعالى عليه وسلم: "أيُّما إهاب دُبغ" يدلّ عليه، والجمعُ أُهُبٌ بضمّتين عَلَى القياس، مثلُ كتاب وكُتُب، وبفتحتين عَلَى غير قياس، قَالَ: بعضهم: وليس فِي كلام العرب فِعَالٌ يُجمع عَلَى فعلِ -بفتحتين- إلاّ إهابٌ، وأَهَبٌ، وعِمَاد وعَمَدٌ، ورُبّما استُعير الإهابُ لجلد الإنسان. انتهى (قَالُوا: إِنَّهَا مَيْتَةٌ) أي فهي محرَّمة، ظنًّا منهم أن التحريم يشمل جلدها كلحمها (فَقَالَ) صلّى الله تعالى عليه وسلم ردًّا عَلَى ظنهم (إِنَّمَا حَرَّمَ) بتشديد الراء، منْ التحريم (اللَّهُ أَكْلَهَا) قَالَ أبو العبّاس القرطبيّ رحمه الله تعالى: خرج عَلَى الغالب مما تُراد اللحوم له، وإلا فقد حرم حملُها فِي الصلاة، وبيعها، واستعمالها، وغير ذلك مما يحرم منْ النجاسات. انتهى (١). وَقَالَ السنديّ: ظاهره أن ما عدا المأكول منْ أجزاء الميتة غير محرّم الانتفاع به، كالشعر، والسنّ، والقرن، ونحوها، قالوا: لا حياة فيها، فلا ينجس بموت الحيوان. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
стр. 16064
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): فِي درجته:
حديث ميمونة رضي الله تعالى عنها هَذَا متّفقٌ عليه منْ مسند ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما، وأخرجه مسلم منْ حديث ابن عبّاس عن ميمونة رضي الله تعالى عنهم.
(المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -٤/ ٤٢٣٦ و٤٢٣٧ و٤٢٣٨ و٤٢٣٩ و٤٢٤٠ - وفي "الكبرى" ٤/ ٤٥٦٠ و٤٥٦١ و٤٥٦٢ و٤٥٦٣ و٤٥٦٤ و٤٥٦٥. وأخرجه (خ) منْ مسند ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما فِي "الزكاة" ١٤٩٢ و"البيوع" ٣٢٢ و"الذبائح" ٥٥٣١ و٥٥٣٢ (م) فِي "الحيض" ٥٤٢ و٥٤٣ (د) فِي "اللباس" ٤١٢٠ و٤١٢٦ (ق) فِي "اللباس" ٢٦١٠ (أحمد) فِي "باقي مسند الأنصار" ٢٦٢٥٥ و٢٦٣١٢. وأخرجه منْ مسند ابن عباس رضي الله تعالى عنهما فِي "مسند بني هاشم" ٢٠٠٤ و٢٣٦٥ و٣٠٠٩ و٣٠٣٩ و٣٤٤٢ و٣٤٥١ و٣٥١١ (الموطأ) فِي "الصيد" ١٠٧٨ (الدارمي) فِي "الأضاحي" ١٩٨٨. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): فِي فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان حكم جلود الميتة، وهو جواز الانتفاع بها، لكن بشرط أن تدبغ، كما قيّدته بقية الأحاديث الآتية، إن شاء الله تعالى. (ومنها): ما قاله ابن أبي جمرة رحمه الله تعالى: فيه مراجعة الإمام فيما لا يفهم السامع معنى ما أمره، كأنهم قالوا: كيف تأمرنا بالانتفاع بها، وَقَدْ حُرّمت علينا؟ فبين لهم وجه التحريم. (ومنها): أنه يؤخذ منه جواز تخصيص الكتاب بالسنّة؛ لأن لفظ القرآن: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾، وهو شاملٌ لجميع أجزائها فِي كلّ حال، فخَصّت السنة ذلك بالأكل. (ومنها): أن فيه حسن مراجعتهم، وبلاغتهم فِي الخطاب؛ لأنهم جمعوا معاني كثيرة فِي كلمة واحدة، وهي قولهم: "إنها ميتة". (ومنها): أنه استَدلّ به الزهريّ عَلَى جواز الانتفاع بجلد الميتة مطلقًا، سوء دُبغ، أو لم يُدبغ، لكن يردّ عليه أنه صحّ التقييد منْ طرق أخرى بالدباغ، وهي حجة الجمهور. (ومنها): أنه استُدلّ به عَلَى جواز دفع الزكاة لموالي أزواج النبيّ صلّى الله تعالى عليه وسلم، وَقَدْ ترجم له الإمام البخاريّ فِي "صحيحه" بقوله: "باب الصدقة عَلَى موالي أزواج النبيّ صلّى الله تعالى عليه وسلم"، ثم أورد حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما هَذَا، وَقَدْ تقدّم تمام البحث فِي هَذَا فِي "كتاب الزكاة". والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): فِي اختلاف أهل العلم فِي حكم الانتفاع بجلود الميتة:
قَالَ النوويّ رحمه الله تعالى: اختلف العُلماء فِي دِباغ جُلُود الميتة، وطهارتها بِالدِّباغِ، عَلَى سبعة مذاهِب:
وأعَلَّهُ بعْضهمْ بِالانْقِطَاع، وهُو مَرْدُود، وبعْضهمْ بِكَوْنِهِ كِتابًا، وَلَيْسَ بِعِلَّةٍ قَادِحَة، وَبَعْضهمْ بِأنَّ ابن أبِي لَيْلَى، راوِيه عن ابْن عُكَيْم، لَمْ يَسْمَعهُ مِنْهُ؛ لِما وَقَع عِنْد أبِي دَاوُد عنهُ، أنَّهُ "انْطَلق وَنَاس مَعَهُ إِلى عَبْد الله بْن عُكَيْم، قَالَ: فَدَخَلُوا، وَقَعَدت عَلَى البَاب، فَخَرَجُوا إِلَيَّ، فَأخْبَرُونِي".
فهذا يقتضِي أنَّ فِي السَّند منْ لم يُسَمَّ، ولكِنْ صَحَّ تَصْرِيح عبد الرَّحمن بن أبِي لَيْلَى بِسَمَاعِهِ مِن ابْن عُكَيْم، فلا أثر لِهذِهِ العِلَّة أيضًا.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: هَذَا الذي ذكره الحافظ منْ أن الذي قعد عَلَى الباب هو ابن أبي ليلى، غير صحيح، فإن القصّة للحكم بن عتيبة، لا لابن أبي ليلى، كما هو فِي "سنن أبي داود"، فالصواب أن القصّة للحكم، لا لابن أبي ليلى. فتنبّه. والله تعالى أعلم.
قَالَ: وَأقْوى ما تَمَسَّك بِهِ منْ لم يأْخُذ بِظَاهِرِهِ، مُعارَضَة الأحَادِيث الصَّحِيحة لهُ، وأنَّها عن سَماَع، وهَذا عن كِتَابَة، وأنَّها أصَحّ مخَارِج، وأقْوى مِنْ ذَلِكَ الْجَمْعُ بين الْحَدِيثَيْنِ، بِحَمْلِ الإهَاب عَلَى الْجِلْد، قَبْل الدِّباغ، وأنَّهُ بَعْد الدِّباغ لا يُسَمَّى إِهَابًا، إِنَّمَا يُسَمَّى قِرْبَة، وَغَيْر ذَلِكَ، وَقَدْ نُقِل ذَلِكَ عَنْ أئِمَّة اللُّغَة، كَالنَّضْرِ بْن شُمَيْلٍ، وَهَذِهِ طَرِيقة ابْن شَاهِين، وِابْن عَبْد البرّ، والبيهقِيّ.
وَأَبْعَدَ منْ جمع بينهما بِحملِ النَّهْي عَلَى جِلد الْكَلْب وَالْخِنْزْير؛ لِكَوْنهِما لا يُدْبَغَانِ، وكَذا منْ حَمَلَ النَّهْي عَلَى باطِن الْجِلْد، والإذْن عَلَى ظَاهِره. وَحَكى المَاوَرْدِيّ عَنْ بَعْضهمْ أنَّ النَّبِيّ ﷺ لَمَّا مَاتَ، كَانَ لِعَبْدِ الله بْن عُكَيْم سَنَة. وهُوَ كَلام بَاطِل، فإِنَّهُ كَانَ رجُلاً. انتهى ما فِي "الفتح" (١).
وَقَدْ ذكر العلامة الشوكانيّ رحمه الله تعالى ما احتجّ به أصحاب المذاهب المتقدّمة، بما لها، وما عليها، ودونك خلاصته:
قَالَ: احتجّ الشافعيّ عَلَى استثناء الخنزير بقوله تعالى: ﴿فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾، وجعل الضمير عائدًا إلى المضاف إليه، وقاس الكلب عليه بجامع النجاسة، قَالَ: لأنه لا جلد له.
وتُعُقّب بأنه لا يتمّ هَذَا الاحتجاج إلا بعد تسليم أن الضمير يعود إلى المضاف إليه دون المضاف، وهو محلّ نزاع، ولا أقلّ منْ الاحتمال، إن لم يكن رجوعه إلى المضاف راجحًا، والمحتمل لا يكون حجةً عَلَى الخصم. وأيضًا لا يمتنع أن يقال:
стр. 16068
رجسيّة الخنزير عَلَى تسليم شمولها لجميعه، لحمًا، وشعرًا، وجلدًا، وعظمًا مخصّصةٌ بأحاديث الدباغ.
قَالَ: واستدلّ منْ قَالَ: لا يطهر شيء منْ الجلود بالدباغ، وهو أشهر الروايتين عن أحمد، وإحدى الروايتين عن مالك، كما سبق بحديث عبد الله بن عُكيم الآتي بلفظ: "لا تنتفعوا منْ الميتة بإهاب، ولا عصب"، وكان ذلك قبل موته صلّى الله تعالى عليه وسلم بشهر، فكان ناسخًا لسائر الأحاديث.
وأُجيب بأنه قد أُعلّ بالاضطراب، والإرسال، فلا ينتهض لنسخ الأحاديث الصحيحة. وأيضًا التاريخ بشهر، أو شهرين، مُعَلّ؛ لأنه منْ رواية خالد الحذّاء، وَقَدْ خالفه شعبة، وهو أحفظ منه، وشيخهما واحد، ومع إعلال التاريخ يكون معارضًا بالأحاديث "الصحيحة" وهي أرجح منه بكلّ حال، فإنه قد روي فِي ذلك -يعني تطهير الدباغ للأديم- خمسة عشر حديثًا: عن ابن عبّاس حديثان، وعن أم سلمة ثلاثة، وعن أنس حديثان، وعن سلمة بن المحبّق، وعائشة، والمغيرة، وأبي أُمامة، وابن مسعود، وشيبان، وثابت، وجابر، وأثران عن سودة، وابن مسعود رضي الله تعالى عنهم. عَلَى أنه لا حاجة إلى الترجيح بهذا؛ لأن حديث ابن عُكيم عامّ، وأحاديث التطهير خاصّة، فيُبنى العامّ عَلَى الخاصّ، أما عَلَى مذهب منْ يبني العامّ عَلَى الخاصّ مطلقًا، كما هو قول المحقّقين منْ أئمّة الأصول، فظاهر. وأما عَلَى مذهب منْ يجعل العامّ المتأخّر ناسخًا، فمع كونه مذهبًا مرجوحًا، لا نُسلّم تأخّر العامّ هنا؛ لما ثبت فِي "أصول الأحكام، والتجريد" منْ كتب أهل البيت أن عليّا رضي الله تعالى عنه قَالَ: قَالَ رسول الله صلّى الله تعالى عليه وسلم: "لا تنتفع منْ الميتة بإهاب، ولا عصب"، فلما كَانَ منْ الغد خرجت، فإذا نحَن بسخلة مطروحة عَلَى الطريق، فَقَالَ: "ما كَانَ عَلَى أهل هذه لو انتفعوا بإهابها"، فقلت: يا رسول الله ﷺ ، أين قولك بالأمس؟، فَقَالَ: "يُنتفع منها بالشيء".
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: هكذا ذكر الشوكاني الحديث، ولم يذكر درجته، ولا أورده بسنده، حَتَّى يُنظر فيه، فليُحقق. والله تعالى أعلم.
قَالَ: ولو سلّمنا تأخّر حديث ابن عُكيم لكان ما أسلفنا عن النضر بن شُميل، منْ تفسير الإهاب بالجلد الذي لم يُدبغ، وما صَرَّح به صاحب "الصحاح"، ورواه صاحب "القاموس" موجبًا لعدم التعارض؛ إذ لا نزاع فِي نجاسة إهاب الميتة قبل دباغه.
فالحقّ أن الدباغ مطهّر، ولم يُعارض أحاديثه معارضٌ منْ غير فرق بين ما يؤكل لحمه، وما لا يؤكل، وهو مذهب الجمهور. قَالَ الحازميّ: وممن قَالَ بذلك -يعني
стр. 16069
جواز الانتفاع بجلود الميتة- ابن مسعود، وسعيد بن المسيّب، والحسن بن أبي الحسن، والشعبيّ، وسالم -يعني ابن عبد الله، وإبراهيم النخعيّ، وقتادة، والضحّاك، وسعيد بن جبير، ويحيى بن سعيد الأنصاريّ، ومالكٌ، والليث، والأوزاعيّ، والثوريّ، وأبو حنيفة، وأصحابه، وابن المبارك، والشافعيّ، وأصحابه، وإسحاق الحنظليّ، وهو مذهب الظاهريّة.
قَالَ: واحتجّ القائلون بأنه يطهر بالدباغ جلد مأكول اللحم، دون غيره، بما فِي الأحاديث منْ جعل الدباغ فِي الأهب كالذكاة، قالوا: والذكاة المشبّه بها لا يحلّ بها غير المأكول، فكذلك المشبّه لا يُطَهّرُ جلد غير المأكول. وهذا إن سُلّم لا ينفي ما استُفيد منْ الأحاديث العامّة للمأكول وغيره، وَقَدْ تقرّر فِي الأصول أن العامّ لا يُقصر عَلَى سببه، فلا يصحّ تمسّكهم بكود السبب شاة ميمونة رضي الله تعالى عنها.
قَالَ: وأما القول بأن الدباغ يطهّر ظاهره، دون باطنه، فلا يُنتفع به فِي المائعات، فتفصيلٌ لا دليل عليه.
قَالَ: واحتجّ القائلون بأنه يطهر الجميع، والكلب، والخنزير، ظاهرًا وباطنًا، وهو مذهب داود، وأهل الظاهر، وحكي عن أبي يوسف، وهو الراجح بأن الأحاديث الواردة فِي الإهاب لم يُفَرَّق فيها بين الكلب والخنزير، وما عداهما.
قَالَ: واحتجّ منْ قَالَ يُنتفع بجلد الميتة وإن لم تُدبغ، وهو قول الزهريّ بحديث الشاة باعتبار الرواية التي لم يُذكر فيها الدباغ، وردّ عليه بالأحاديث الواردة يكون الدباغ مطهّرًا، ولعله لم تبلغه تلك الأحاديث. وردّ عليه بعضهم بمخالفته الإجماع. انتهى كلام الشوكانيّ ملخّصًا بتصرّف (١).
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن بما ذُكر أن المذهب الصحيح فِي هذه المسألة قول منْ قَالَ بجواز الانتفاع بجلد الميتة بعد الدبغ مطلقًا، مأكول اللحم، أو غير مأكوله؛ للأحاديث الصحيحة التي وردت مطلقة، ولم يوجد نصّ صحيح، ولا إجماع، إلا ما سيأتي منْ النهي عن الانتفاع بجلود السباع، فإنه لا يدخل فِي هَذَا، وسيأتي الكلام عليه فِي بابه، إن شاء الله تعالى، فتبصّر بالإنصاف، ولا تتحيّر بالاعتساف. والله أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٢٣٧ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، وَالْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ، قِرَاءَةً عَلَيْهِ، وَأَنَا أَسْمَعُ،
стр. 16070
وَاللَّفْظُ لَهُ، عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِشَاةٍ مَيِّتَةٍ، كَانَ أَعْطَاهَا مَوْلَاةً لِمَيْمُونَةَ، زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ: "هَلاَّ انْتَفَعْتُمْ بِجِلْدِهَا؟ " قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّهَا مَيْتَةٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّمَا حُرِّمَ أَكْلُهَا").
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه الحارث، وهو ثقة حافظ.
و"محمد بن سلمة": هو الْجمليّ المُراديّ، أبو الحارث المصريّ. و"ابن القاسم": هو عبد الرحمن العُتَقيّ الفقيه المصريّ. و"مالك": هو إمام دار الهجرة.
وقوله: "كَانَ أعطاها الخ" الضمير الفاعل للنبيّ صلّى الله تعالى عليه وسلم.
وقوله: "إنما حرم أكلها" قَالَ النوويّ رحمه الله تعالى: رويناه عَلَى وجهين: حَرُم -بفتح الحاء، وضمّ الراء- وحُرم -بضمّ الحاء، وكسر الراء المشدّدة. انتهى (١).
والحديث متَّفقٌ عليه، وَقَدْ سبق شرحه، وبيان مسائله فِي الذي قبله. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٢٣٨ - (أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ جَدِّي عَنِ ابْنِ أَبِي حَبِيبٍ -يَعْنِي يَزِيدَ- عَنْ حَفْصِ بْنِ الْوَلِيدِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَهُ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ حَدَّثَهُ، قَالَ: أَبْصَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ شَاةً مَيِّتَةً، لِمَوْلَاةٍ لِمَيْمُونَةَ، وَكَانَتْ مِنَ الصَّدَقَةِ، فَقَالَ: "لَوْ نَزَعُوا جِلْدَهَا، فَانْتَفَعُوا بِهِ"، قَالُوا: إِنَّهَا مَيْتَةٌ، قَالَ: "إِنَّمَا حُرِّمَ أَكْلُهَا").
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد كلهم رجال الصحيح، غير:
١ - (حفص بن الوليد) بن سيف بن عبد الله بن الحارث الحضرميّ، أبي بكر، أمير مصر، منْ قبل هشام بن عبد الملك، صدوقٌ [٦].
روى عن الزهريّ، وهلال بن عبد الرحمن القرشيّ. وعنه يزيد بن أبي حبيب، وعصرو بن الحارث، والليث، وابن لهيعة، وغيرهم. ذكره ابن حبّان فِي "الثقات". وَقَالَ ابن يونس: كَانَ أشرف حضرميّ بمصر فِي أيّامه، ولّاه هشام بَحْرَ مصر سنة (١٩)، ثم ولّاه جند مصر سنة (٢٣)، فاستمرّ إلى سنة (١٢٨)، فقتل فيها، وخبر مقتله يطول. وَقَالَ أبو عصر الكنديّ: قُتل فِي شوّال. وَقَالَ ابن أبي حاتم، عن أبيه: حديثه عن ابن شهاب مُرسل. تفرّد به المصنّف بهذا الحديث فقط، قَالَ ابن يونس: لم يسند