← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 12888

ذخيرة العقبى في شرح المجتبى

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (19 271 стр.). Показаны 16066–16105 · переход к 16071.

стр. 16066

أدُبغَ، أمْ لَمْ يُدْبَغ، لَكِنْ صَحَّ التَّقْييد مِنْ طُرُق أُخْرَى بِالدِّباَغِ، وهِي حُجَّة الْجُمْهُور. واسْتَثْنى الشَّافِعِيّ منْ الْمَيْتات، الْكَلْب وَالْخِنْزْير، وما تولَّد مِنهُما؛ لِنَجَاسةِ عَيْنهَا عِنْده، ولم يستثنِ أبُو يُوسُف وداوُد شيئًا، أخذًا بِعُمُومِ الخبر، وهِي رِواية عن مالِك. وَقَدْ أخرج مُسْلِم منْ حدِيث ابْن عبَّاس، رقعه: "إِذَا دُبغَ الإهَاب، فَقَدْ طَهُر"، ولفظ الشَّافِعِيّ، والتِّرمِذِيّ وغيرهما، منْ هَذَا الوجه: "أيَّمَا إِهَاب دُبغَ فَقَدْ طَهُر" (١). وأخرج مُسْلِم إِسْنَادهَا، ولم يَسُقْ لفظها، فَأخْرَجَهُ أبُو نُعَيْم، فِي "الْمُسْتَخْرَج"، منْ هَذَا الوجه، بِاللَّفظِ المذْكُور، وفِي لَفْظ مُسْلِم منْ هَذَا الوجه، عن ابْن عَبَّاس: "سألنا رسُول الله ﷺ عَن ذَلِكَ؟، فَقَالَ: "دِبَاغه طَهُوره"، وفِي رِواية لِلبزَّارِ منْ وَجْه آخَر، قَالَ: "دِبَاغ الأدِيم طَهُوره". وَجَزَمَ الرَّافِعِيّ، وبعض أهْل الأُصُول، أنَّ هَذَا اللَّفْظ ورد فِي شَاة مَيْمُونَة. قَالَ الحافظ: وَلَكِنْ لَمْ أقِف عَلَى ذَلِكَ صَرِيحًا، مع قُوَّة الاحْتِمَال فِيهِ؛ لِكَوْنِ الْجَمِيع منْ رِواية ابْن عبَّاس. وَقَدْ تَمَسَّك بَعْضهمْ بِخُصُوصِ هَذَا السَّبَب، فقصر الجَوَاز عَلَى المَأكُول؛ لِوُرُودِ الخَبَر فِي الشَّاة، ويتقوَّى ذَلِكَ منْ حيثُ النَّظر، بِأنَّ الدِّباغ لا يزِيد فِي التَّطْهِير عَلَى الذَّكَاة، وغَيْر المَأكُول لو ذُكِّيَ لَمْ يَطْهُر بِالذَّكاةِ عِند الأكْثَر، فَكَذلِك الدِّباَغ. وأجاب منْ عَمَّمَ بِالتَّمَسُّكِ بِعُمُومِ اللَّفْظ، فهُو أَوْلَى مِن خُصُوص السَّبَب، وَبِعُمُومِ الإذْن بِالْمَنْفَعةِ، ولِأنَّ الْحَيَوان طَاهِر، يُنْتَفَع بِهِ قبل الْمَوْت، فَكَانَ الدِّبَاغ بَعْد الْمَوْت قائِمًا لهُ مَقَام الْحَيَاة. والله أعْلم. قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: القول بالعموم هو الأرجح عندي؛ لظهور دليله. والله تعالى أعلم. وَذَهَبَ قَوْم إِلَى أنَّهُ لا يُنتفع منْ الميتة بِشَيْءٍ، سواء دُبغَ الْجِلْد، أمْ لَمْ يُدبغ، وتمسَّكُوا بِحدِيثِ عبد الله بْن عُكَيْم، قَالَ: أتَانَا كِتاب رسُول الله ﷺ قَبْل مَوته: "أَنْ لا تَنْتفِعُوا منْ الْمَيْتة بِإِهَابٍ، ولا عَصَب" (٢). أخْرَجَهُ الشَّافِعِيّ، وأحْمَد، والأرْبَعَة، وَصَحَّحَهُ ابْن حِبَّان، وَحَسَّنَهُ التِّرمِذِيّ، وفِي رِواية لِلشَّافِعِيِّ، ولِأحْمَد، ولِأبِي دَاوُد: "قَبْل موْته بِشَهْر"، قَالَ التِّرمِذِيّ: كَانَ أحْمَد يَذْهب إِلَيْهِ، ويقُول: هَذَا آخِر الْأَمْر، ثُمَّ تركهُ لَمَّا اضْطَرَبُوا فِي إِسْنَاده، وكَذَا قَالَ الخَلال نَحْوه. وَرَدَّ ابنُ حِبَّان عَلَى منْ ادَّعَى فِيهِ الاضْطِرَاب، وَقَالَ: سَمِعَ ابنُ عُكَيْم الكِتَاب يُقْرَأ، وسَمِعَهُ منْ مَشَايخَ منْ جُهَيْنة، عن النَّبِيّ ﷺ ، فَلا اضْطِرَاب.

стр. 16067

وأعَلَّهُ بعْضهمْ بِالانْقِطَاع، وهُو مَرْدُود، وبعْضهمْ بِكَوْنِهِ كِتابًا، وَلَيْسَ بِعِلَّةٍ قَادِحَة، وَبَعْضهمْ بِأنَّ ابن أبِي لَيْلَى، راوِيه عن ابْن عُكَيْم، لَمْ يَسْمَعهُ مِنْهُ؛ لِما وَقَع عِنْد أبِي دَاوُد عنهُ، أنَّهُ "انْطَلق وَنَاس مَعَهُ إِلى عَبْد الله بْن عُكَيْم، قَالَ: فَدَخَلُوا، وَقَعَدت عَلَى البَاب، فَخَرَجُوا إِلَيَّ، فَأخْبَرُونِي". فهذا يقتضِي أنَّ فِي السَّند منْ لم يُسَمَّ، ولكِنْ صَحَّ تَصْرِيح عبد الرَّحمن بن أبِي لَيْلَى بِسَمَاعِهِ مِن ابْن عُكَيْم، فلا أثر لِهذِهِ العِلَّة أيضًا. قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: هَذَا الذي ذكره الحافظ منْ أن الذي قعد عَلَى الباب هو ابن أبي ليلى، غير صحيح، فإن القصّة للحكم بن عتيبة، لا لابن أبي ليلى، كما هو فِي "سنن أبي داود"، فالصواب أن القصّة للحكم، لا لابن أبي ليلى. فتنبّه. والله تعالى أعلم. قَالَ: وَأقْوى ما تَمَسَّك بِهِ منْ لم يأْخُذ بِظَاهِرِهِ، مُعارَضَة الأحَادِيث الصَّحِيحة لهُ، وأنَّها عن سَماَع، وهَذا عن كِتَابَة، وأنَّها أصَحّ مخَارِج، وأقْوى مِنْ ذَلِكَ الْجَمْعُ بين الْحَدِيثَيْنِ، بِحَمْلِ الإهَاب عَلَى الْجِلْد، قَبْل الدِّباغ، وأنَّهُ بَعْد الدِّباغ لا يُسَمَّى إِهَابًا، إِنَّمَا يُسَمَّى قِرْبَة، وَغَيْر ذَلِكَ، وَقَدْ نُقِل ذَلِكَ عَنْ أئِمَّة اللُّغَة، كَالنَّضْرِ بْن شُمَيْلٍ، وَهَذِهِ طَرِيقة ابْن شَاهِين، وِابْن عَبْد البرّ، والبيهقِيّ. وَأَبْعَدَ منْ جمع بينهما بِحملِ النَّهْي عَلَى جِلد الْكَلْب وَالْخِنْزْير؛ لِكَوْنهِما لا يُدْبَغَانِ، وكَذا منْ حَمَلَ النَّهْي عَلَى باطِن الْجِلْد، والإذْن عَلَى ظَاهِره. وَحَكى المَاوَرْدِيّ عَنْ بَعْضهمْ أنَّ النَّبِيّ ﷺ لَمَّا مَاتَ، كَانَ لِعَبْدِ الله بْن عُكَيْم سَنَة. وهُوَ كَلام بَاطِل، فإِنَّهُ كَانَ رجُلاً. انتهى ما فِي "الفتح" (١). وَقَدْ ذكر العلامة الشوكانيّ رحمه الله تعالى ما احتجّ به أصحاب المذاهب المتقدّمة، بما لها، وما عليها، ودونك خلاصته: قَالَ: احتجّ الشافعيّ عَلَى استثناء الخنزير بقوله تعالى: ﴿فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾، وجعل الضمير عائدًا إلى المضاف إليه، وقاس الكلب عليه بجامع النجاسة، قَالَ: لأنه لا جلد له. وتُعُقّب بأنه لا يتمّ هَذَا الاحتجاج إلا بعد تسليم أن الضمير يعود إلى المضاف إليه دون المضاف، وهو محلّ نزاع، ولا أقلّ منْ الاحتمال، إن لم يكن رجوعه إلى المضاف راجحًا، والمحتمل لا يكون حجةً عَلَى الخصم. وأيضًا لا يمتنع أن يقال:

стр. 16068

رجسيّة الخنزير عَلَى تسليم شمولها لجميعه، لحمًا، وشعرًا، وجلدًا، وعظمًا مخصّصةٌ بأحاديث الدباغ. قَالَ: واستدلّ منْ قَالَ: لا يطهر شيء منْ الجلود بالدباغ، وهو أشهر الروايتين عن أحمد، وإحدى الروايتين عن مالك، كما سبق بحديث عبد الله بن عُكيم الآتي بلفظ: "لا تنتفعوا منْ الميتة بإهاب، ولا عصب"، وكان ذلك قبل موته صلّى الله تعالى عليه وسلم بشهر، فكان ناسخًا لسائر الأحاديث. وأُجيب بأنه قد أُعلّ بالاضطراب، والإرسال، فلا ينتهض لنسخ الأحاديث الصحيحة. وأيضًا التاريخ بشهر، أو شهرين، مُعَلّ؛ لأنه منْ رواية خالد الحذّاء، وَقَدْ خالفه شعبة، وهو أحفظ منه، وشيخهما واحد، ومع إعلال التاريخ يكون معارضًا بالأحاديث "الصحيحة" وهي أرجح منه بكلّ حال، فإنه قد روي فِي ذلك -يعني تطهير الدباغ للأديم- خمسة عشر حديثًا: عن ابن عبّاس حديثان، وعن أم سلمة ثلاثة، وعن أنس حديثان، وعن سلمة بن المحبّق، وعائشة، والمغيرة، وأبي أُمامة، وابن مسعود، وشيبان، وثابت، وجابر، وأثران عن سودة، وابن مسعود رضي الله تعالى عنهم. عَلَى أنه لا حاجة إلى الترجيح بهذا؛ لأن حديث ابن عُكيم عامّ، وأحاديث التطهير خاصّة، فيُبنى العامّ عَلَى الخاصّ، أما عَلَى مذهب منْ يبني العامّ عَلَى الخاصّ مطلقًا، كما هو قول المحقّقين منْ أئمّة الأصول، فظاهر. وأما عَلَى مذهب منْ يجعل العامّ المتأخّر ناسخًا، فمع كونه مذهبًا مرجوحًا، لا نُسلّم تأخّر العامّ هنا؛ لما ثبت فِي "أصول الأحكام، والتجريد" منْ كتب أهل البيت أن عليّا رضي الله تعالى عنه قَالَ: قَالَ رسول الله صلّى الله تعالى عليه وسلم: "لا تنتفع منْ الميتة بإهاب، ولا عصب"، فلما كَانَ منْ الغد خرجت، فإذا نحَن بسخلة مطروحة عَلَى الطريق، فَقَالَ: "ما كَانَ عَلَى أهل هذه لو انتفعوا بإهابها"، فقلت: يا رسول الله ﷺ ، أين قولك بالأمس؟، فَقَالَ: "يُنتفع منها بالشيء". قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: هكذا ذكر الشوكاني الحديث، ولم يذكر درجته، ولا أورده بسنده، حَتَّى يُنظر فيه، فليُحقق. والله تعالى أعلم. قَالَ: ولو سلّمنا تأخّر حديث ابن عُكيم لكان ما أسلفنا عن النضر بن شُميل، منْ تفسير الإهاب بالجلد الذي لم يُدبغ، وما صَرَّح به صاحب "الصحاح"، ورواه صاحب "القاموس" موجبًا لعدم التعارض؛ إذ لا نزاع فِي نجاسة إهاب الميتة قبل دباغه. فالحقّ أن الدباغ مطهّر، ولم يُعارض أحاديثه معارضٌ منْ غير فرق بين ما يؤكل لحمه، وما لا يؤكل، وهو مذهب الجمهور. قَالَ الحازميّ: وممن قَالَ بذلك -يعني

стр. 16069

جواز الانتفاع بجلود الميتة- ابن مسعود، وسعيد بن المسيّب، والحسن بن أبي الحسن، والشعبيّ، وسالم -يعني ابن عبد الله، وإبراهيم النخعيّ، وقتادة، والضحّاك، وسعيد بن جبير، ويحيى بن سعيد الأنصاريّ، ومالكٌ، والليث، والأوزاعيّ، والثوريّ، وأبو حنيفة، وأصحابه، وابن المبارك، والشافعيّ، وأصحابه، وإسحاق الحنظليّ، وهو مذهب الظاهريّة. قَالَ: واحتجّ القائلون بأنه يطهر بالدباغ جلد مأكول اللحم، دون غيره، بما فِي الأحاديث منْ جعل الدباغ فِي الأهب كالذكاة، قالوا: والذكاة المشبّه بها لا يحلّ بها غير المأكول، فكذلك المشبّه لا يُطَهّرُ جلد غير المأكول. وهذا إن سُلّم لا ينفي ما استُفيد منْ الأحاديث العامّة للمأكول وغيره، وَقَدْ تقرّر فِي الأصول أن العامّ لا يُقصر عَلَى سببه، فلا يصحّ تمسّكهم بكود السبب شاة ميمونة رضي الله تعالى عنها. قَالَ: وأما القول بأن الدباغ يطهّر ظاهره، دون باطنه، فلا يُنتفع به فِي المائعات، فتفصيلٌ لا دليل عليه. قَالَ: واحتجّ القائلون بأنه يطهر الجميع، والكلب، والخنزير، ظاهرًا وباطنًا، وهو مذهب داود، وأهل الظاهر، وحكي عن أبي يوسف، وهو الراجح بأن الأحاديث الواردة فِي الإهاب لم يُفَرَّق فيها بين الكلب والخنزير، وما عداهما. قَالَ: واحتجّ منْ قَالَ يُنتفع بجلد الميتة وإن لم تُدبغ، وهو قول الزهريّ بحديث الشاة باعتبار الرواية التي لم يُذكر فيها الدباغ، وردّ عليه بالأحاديث الواردة يكون الدباغ مطهّرًا، ولعله لم تبلغه تلك الأحاديث. وردّ عليه بعضهم بمخالفته الإجماع. انتهى كلام الشوكانيّ ملخّصًا بتصرّف (١). قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن بما ذُكر أن المذهب الصحيح فِي هذه المسألة قول منْ قَالَ بجواز الانتفاع بجلد الميتة بعد الدبغ مطلقًا، مأكول اللحم، أو غير مأكوله؛ للأحاديث الصحيحة التي وردت مطلقة، ولم يوجد نصّ صحيح، ولا إجماع، إلا ما سيأتي منْ النهي عن الانتفاع بجلود السباع، فإنه لا يدخل فِي هَذَا، وسيأتي الكلام عليه فِي بابه، إن شاء الله تعالى، فتبصّر بالإنصاف، ولا تتحيّر بالاعتساف. والله أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٢٣٧ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، وَالْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ، قِرَاءَةً عَلَيْهِ، وَأَنَا أَسْمَعُ،

стр. 16070

وَاللَّفْظُ لَهُ، عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِشَاةٍ مَيِّتَةٍ، كَانَ أَعْطَاهَا مَوْلَاةً لِمَيْمُونَةَ، زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ: "هَلاَّ انْتَفَعْتُمْ بِجِلْدِهَا؟ " قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّهَا مَيْتَةٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّمَا حُرِّمَ أَكْلُهَا"). قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه الحارث، وهو ثقة حافظ. و"محمد بن سلمة": هو الْجمليّ المُراديّ، أبو الحارث المصريّ. و"ابن القاسم": هو عبد الرحمن العُتَقيّ الفقيه المصريّ. و"مالك": هو إمام دار الهجرة. وقوله: "كَانَ أعطاها الخ" الضمير الفاعل للنبيّ صلّى الله تعالى عليه وسلم. وقوله: "إنما حرم أكلها" قَالَ النوويّ رحمه الله تعالى: رويناه عَلَى وجهين: حَرُم -بفتح الحاء، وضمّ الراء- وحُرم -بضمّ الحاء، وكسر الراء المشدّدة. انتهى (١). والحديث متَّفقٌ عليه، وَقَدْ سبق شرحه، وبيان مسائله فِي الذي قبله. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٢٣٨ - (أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ جَدِّي عَنِ ابْنِ أَبِي حَبِيبٍ -يَعْنِي يَزِيدَ- عَنْ حَفْصِ بْنِ الْوَلِيدِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَهُ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ حَدَّثَهُ، قَالَ: أَبْصَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ شَاةً مَيِّتَةً، لِمَوْلَاةٍ لِمَيْمُونَةَ، وَكَانَتْ مِنَ الصَّدَقَةِ، فَقَالَ: "لَوْ نَزَعُوا جِلْدَهَا، فَانْتَفَعُوا بِهِ"، قَالُوا: إِنَّهَا مَيْتَةٌ، قَالَ: "إِنَّمَا حُرِّمَ أَكْلُهَا"). قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد كلهم رجال الصحيح، غير: ١ - (حفص بن الوليد) بن سيف بن عبد الله بن الحارث الحضرميّ، أبي بكر، أمير مصر، منْ قبل هشام بن عبد الملك، صدوقٌ [٦]. روى عن الزهريّ، وهلال بن عبد الرحمن القرشيّ. وعنه يزيد بن أبي حبيب، وعصرو بن الحارث، والليث، وابن لهيعة، وغيرهم. ذكره ابن حبّان فِي "الثقات". وَقَالَ ابن يونس: كَانَ أشرف حضرميّ بمصر فِي أيّامه، ولّاه هشام بَحْرَ مصر سنة (١٩)، ثم ولّاه جند مصر سنة (٢٣)، فاستمرّ إلى سنة (١٢٨)، فقتل فيها، وخبر مقتله يطول. وَقَالَ أبو عصر الكنديّ: قُتل فِي شوّال. وَقَالَ ابن أبي حاتم، عن أبيه: حديثه عن ابن شهاب مُرسل. تفرّد به المصنّف بهذا الحديث فقط، قَالَ ابن يونس: لم يسند

стр. 16071

غيره. وَقَالَ فِي "تهذيب التهذيب": أخرج له النسائيّ مقرونًا. انتهى. [تنبيه]: قوله: "أخرج له النسائيّ مقرونا"، فيه نظر؛ لأنه لم يقرنه بغيره، بل أخرج له بانفراده، فكان الأولى التعبير بقوله: أخرج له متابعةً؛ إذ هو متابعٌ لمالك، فتنبّه. والله تعالى أعلم. وقوله: "لو نزعوا الخ " جواب "لو" محذوف: أي لكان خيرًا لهم، أو هي للتمنّي، فلا تحتاج إلى جواب. والحديث صحيحٌ، وَقَدْ سبق البحث عنه قريبًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٢٣٩ - (أَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ خَالِدٍ الْقَطَّانُ الرَّقِّيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ، قَالَ: قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ مُنْذُ (١) حِينٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَخْبَرَتْنِي مَيْمُونَةُ، أَنَّ شَاةً مَاتَتْ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "أَلاَّ دَفَعْتُمْ إِهَابَهَا، فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ؟ "). قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد رجال الصحيح غير شيخه، فقد تفرّد به هو وأبو داود، وهو صدوق [١١] ٧/ ٧٥٣. و"حجّاج": هو ابن محمد الأعور المِصّيصيّ. و"عطاء": هو ابن أبي رباح. وقوله: "منذ حين" وفي نسخة: "مُذْ حين". وقوله: "ألّا دبغتم إهابها" هكذا فِي الهنديّة، وفي "الكبرى": "ألا أخذتم إهابها"، ووقع فِي النسخة المطبوعة "ألا دفعتم إهابها"، قَالَ السنديّ: هكذا فِي نسختنا منْ الدفع بالفاء، والعين المهملة: أي أخذتموه، وبعّدتموه منْ اللحم بالنزع عنه، والأقرب "دبغتم" بالباء، والغين المعجمة. انتهى. والحديث أخرجه مسلم، وَقَدْ تقدّم تمام البحث عنه قريبًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٢٤٠ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ عَطَاءٍ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ، قَالَ: مَرَّ النَّبِيُّ ﷺ ، بِشَاةٍ لِمَيْمُونَةَ مَيِّتَةٍ، فَقَالَ: "أَلاَّ أَخَذْتُمْ إِهَابَهَا، فَدَبَغْتُمْ، فَانْتَفَعْتُمْ"). قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه، محمد بن منصور الْخُزَاعيّ الجوّاز المكيّ، فإنه منْ أفراده، وهو ثقة. و"سفيان": هو ابن عيينة. و"عمرو": هو ابن دينار. و"عطاء": هو ابن أبي رباح.

стр. 16072

والحديث متَّفقٌ عليه، وَقَدْ تقدّم البحث عنه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٢٤١ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ قُدَامَةَ، عَنْ جَرِيرٍ، عَنْ مُغِيرَةَ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، قَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مَرَّ النَّبِيُّ ﷺ ، عَلَى شَاةٍ مَيِّتَةٍ، فَقَالَ: "أَلاَّ انْتَفَعْتُمْ بِإِهَابِهَا"). قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه، فقد تفرّد به هو، وأبو داود، وهو مصّيصيّ ثقة [١٠]. و"جرير": هو ابن عبد الحميد. و"مُغيرة" -بضم الميم، وتكسر-: هو ابن مِقسم. و"الشعبيّ": هو عامر بن شراحيل. والحديث متّفقٌ عليه، وَقَدْ مرّ البحث عنه مستوفًى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٢٤٢ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي رِزْمَةَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا الْفَضْلُ بْنُ مُوسَى، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ سَوْدَةَ، زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَتْ: مَاتَتْ شَاةٌ لَنَا، فَدَبَغْنَا مَسْكَهَا، فَمَازِلْنَا نَنْبِذُ فِيهَا حَتَّى صَارَتْ شَنًّا"). رجال هَذَا الإسناد: سبعة: ١ - (محمد بن عبد العزيز بن أبي رِزمة) -بكسر الراء، وسكون الزاي- أبو عمرو المروزيّ ثقة [١٠] ٤٧/ ٦٠٢. ٢ - (الفضل بن موسى) السينانيّ المروزيّ ثقة ثبت ربما أغرب، منْ كبار [٩] ٨٣/ ١٠٠. ٣ - (إسماعيل بن أبي خالد) البجليّ الأحمسيّ الكوفيّ ثقة ثبت [٤] ١٣/ ٤٧١ ٤ - (الشعبي) عامر بن شَرَاحيل الهمداني الكوفيّ، ثقة ثبت فقيه فاضل [٣] ٦٦/ ٨٢. ٥ - (عكرمة) مولى ابن عباس، ثقة ثبت [٣] ٢/ ٣٢٥. ٦ - (ابن عباس) البحر الحبر رضي الله تعالى عنهما ٢٧/ ٣١. ٧ - (سودة) بنت زمعة بن قيس بن عبد شمس بن عبد ودّ بن نصر بن مالك بن حِسْل ابن عامر بن لُؤيّ العامريّة القرشيّة، أم المؤمنين، هي أول امرأة تزوّجها رسول الله صلّى الله تعالى عليه وسلم بعد موت خديجة، قبل عائشة، وهو بمكة، ودخل بها قبل الهجرة، وكانت قبله عبد السكران بن عمرو، أسلمت بمكة قديمًا، وهاجرت هي وزوجها إلى الحبشة الهجرة الثانية، ومات زوجها هناك. روت عن النبيّ صلّى الله تعالى عليه وسلم. وعنها ابن عبّاس، ويحيى بن عبد الله بن عبد الرحمن بن سعد بن زُرارة. أخرج الترمذيّ بسند حسن، عن ابن عباس، رضي الله تعالى عنهما، قَالَ:

стр. 16073

خشِيت سودةُ أن يطلقها النبيّ ﷺ ، فقالت: لا تطلقني، وأمسكني، واجعل يومي لعائشة، ففعل، فنزلت: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾. وأحرجه ابن سعد منْ حديث عائشة رضي الله تعالى عنها منْ طرق، فِي بعضها: أنه بعث إليها بطلاقها، وفي بعضها أنه قَالَ لها: "اعتدّي"، والطريقان مرسلان، وفيهما أنها قعدت له عَلَى طريقه، فناشدته أن يُراجعها، وجعلت يومها وليلتها لعائشة، ففعل. ومن طريق معمر، قَالَ: بلغني أنها كلّمته، فقالت: ما بي عَلَى الأزواج منْ حرص، ولكنّي أُحبّ أن يبعثني الله يوم القيامة زوجًا لك. وَقَالَ هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة رضي الله تعالى عنها، قالت: ما منْ امرأة أحبّ إليّ أن أكون فِي مسْلاخها منْ سودة بنت زمعة، إلا أن بها حِدّةً، تُسرع منها الْفَيْئَةَ. وَقَالَ ابن سعد حدّثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم، قَالَ: قالت سودة لرسول الله صلّى الله تعالى عليه وسلم: صلّيتُ خلفك الليلة، فركعتَ بي حَتَّى أمسكتُ بأنفي مخافةَ أن يقطر الدم، فضحك، وكانت تُضحكة بالشيء أحيانًا. وهذا مرسل، رجاله رجال الصحيح. وأخرج ابن سعد بسند صحيح، عن محمد بن سيرين أن عمر بعث إلى سودة بغِرَارة منْ دراهم، فقالت: ما هذه؟ قالوا: دراهم، قالت: فِي غِرَارة مثل التمر، ففرّقتها. وروى ابن المبارك فِي "الزهد" منْ مرسل أبي الأسود، يتيم عروة: أن سودة قالت: يا رسول الله، إذا متنا صلّى لنا عثمان بن مظعون، حتّى تأتينا أنت، فَقَالَ لها: "يا بنت زمعة لو تعلمين علم الموت، لعلِمتِ أنه أشدّ مما تظنّين". وَقَالَ ابن أبي خيثمة: تُوفيت فِي آخر خلافة عمر بن الخطّاب. ورجّح الواقديّ أنها ماتت سنة (٥٤)، وَقَالَ ابن حبّان: ماتت سنة (٦٥) (١). روى لها البخاريّ، والمصنّف حديث الباب فقط، وأخرج لها أبو داود حديثًا واحدًا فِي أُسارى بدر. والله تعالى أعلم. لطائف هَذَا الإسناد: منها: أنه منْ سباعيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أن فيه ثلاثة منْ التابعين يروي بعضهم عن بعض: إسماعيل، والشعبي، وعكرمة، وفيه رواية صحابي، عن صحابية. والله تعالى أعلم.

стр. 16074

شرح الحديث (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) رضي الله تعالى عنهما (عَنْ سَوْدَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ ) رضي الله تعالى عنها، أنها (قَالَتَ: مَاتَتْ شَاةٌ لَنَا، فَدَبَغْنَا) -بفتح الباء الموحّدة- يقال: دبغتُ الجلد دبغًا، منْ بأبي قتل، ونَفَع، ومن باب ضرب لغةٌ حكاها الكسائي. والدِّباغة بالكسر: اسم للصَّنْعة، وَقَدْ يُجعل مصدرًا، والدِّبْغ بالكسر، والدِّباَغ أيضًا: ما يُدبَغُ به، واندبغ الجلد فِي المطاوعة، والفاعل دبّاغ، والمَدْبَغَةُ بالفتح: موضع الدَّبْغ، وضمّ الباء لغةٌ. قاله الفيّوميّ (مَسْكَهَا) بالنصب مفعول "دبغنا"، والمَسْكُ " -بفتح الميم، وبالمهملة-: الجلد، وجمعه مُسُوكٌ، مثلُ فَلْس وفُلُوس (فَمَازِلْنَا نَنْبِذُ فِيهَا) بكسر الباء الموحّدة، منْ باب ضرب: أي نُلقي فيها التمرات، ونحوها، حَتَّى تكون نبيذًا، وإنما أنّث ضمير "فيها" عَلَى تأويل المسك بالقربة (حَتَّى صَارَتْ شَنًّا") -بفتح المعجمة، وتشديد النون: أي عَتيقًا باليًا، والشَّنَّةُ: القِرْبة العَتِيقة. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): فِي درجته: حديث سودة رضي الله تعالى عنها هَذَا أخرجه البخاريّ. (المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -٤/ ٤٢٤٢ - وفي "الكبرى" ٤/ ٤٥٦٦. وأخرجه (خ) فِي "الأيمان والنذور" ٦٦٨٦ (أحمد) فِي "مسند القبائل" ٢٦٨٧٢. والله تعالى أعلم. [تنبيه]: قَالَ الحافظ رحمه الله تعالى: أخرج النسائيّ منْ طريق مغيرة بن مقسم، عن الشعبيّ، عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما عن النبيّ صلّى الله تعالى عليه وسلم حديثا فِي دباغ جلد الشاة الميتة غير هَذَا -يعني الحديث الذي قبل هَذَا- قَالَ: وأشار المزّيّ فِي "الأطراف" إلى أن ذلك علّة لرواية إسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبيّ التي فِي الباب. قَالَ الحافظ: وليس كذلك، بل هما حديثان متغايران فِي السياق، وإنْ كَانَ كلّ منهما منْ رواية الشعبيّ، عن ابن عباس، ورواية مغيرة هذه توافق لفظ رواية عطاء، عن ابن عبّاس، عن ميمونة، وهي عند مسلم، وأخرجها البخاريّ منْ رواية عُبيد الله بن عبد الله، عن ابن عبّاس، بغير ذكر ميمونة، ولا ذكر الدباغ فيه. انتهى. كلام الحافظ رحمه الله تعالى (١).

стр. 16075

قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: قوله: "فِي دباغ جلد الميتة الخ" فيه نظر؛ لأن حديث مغيرة المذكور ليس فيه ذكر الدباغ، بل ذكر الانتفاع بها فقط، ولفظه: "مرّ النبيّ صلّى الله تعالى عليه وسلم عَلَى شاة ميتة، فَقَالَ: "ألا انتفعتم بإهابها". فتنبّه. والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): فِي فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان حكم جلود الميتة، وهو جواز الانتفاع به بعد دبغها. (ومنها): أن فيه الرّدَّ عَلَى منْ زعم أن الزهد لا يتمّ إلا بالخروج عن جميع ما يُتَمَلّك؛ لأن موت الشاة يتضمّن سبق ملكها، واقتنائها. (ومنها): أن فيه جواز تنمية المال؛ لأنهم أخذوا جلد الميتة، فدبغوه، فانتفعوا به، بعد أن كَانَ مطروحًا. وفيه جواز تناول ما يَهضِم الطعام؛ لِما دلّ عليه الانتباذ، وفيه إضافة الفعل إلى المالك، وإن باشره غيره، كالخادم. ذكر هذه الفوائد فِي "الفتح"، نقلًا عن ابن أبي جمرة رحمه الله تعالى (١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٢٤٣ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، وَعَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنِ ابْنِ وَعْلَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَيُّمَا إِهَابٍ دُبِغَ فَقَدْ طَهُرَ"). رجال هَذَا الإسناد: ستة: ١ - (قتيبه) بن سعيد البغلاني الثقة الثبت [١٠] ١/ ١. ٢ - (علي بن حُجر) السعدي المروزي، ثقة حافظ، منْ صغار [٩] ١٣/ ١٣. ٣ - (سفيان) بن عُيينة الإمام الحجة الثبت [٨] ١/ ١. ٤ - (زيد بن أسلم) العَدوي المدنيّ، ثقة فاضل [٣] ٦٤/ ٨٠. ٥ - (ابن وَعْلة) -بفتح الواو، وسكون العين المهملة-: هو عبد الرحمن بن وَعْلة، ويقال: ابن السميفع بن وَعْلة المصريّ السَّبَئيّ، صدوقٌ [٤]. قَالَ ابن معين، والعجليّ، والنسائيّ: ثقة. وَقَالَ أبو حاتم: شيخ. وذكره ابن حبّان فِي "الثقات". وَقَالَ ابن يونس: عبد الرحمن بن أُسميفع بن وعلة السئيّ، كَانَ شريفًا بمصر فِي أيامه، وله وفادة عَلَى معاوية، وصار إلى إفريقية، وبها مسجده، ومواليه. وَقَالَ فِي حرف الألف: أُسميفع بن وعلة بن يعفر بن سلامة بن شُرَحْبيل بن علقمة السبئيّ، آخر ملوك سبأ، عليه قام الإسلام، هاجر فِي خلافة عمر، وشهِد الفتح بمصر،

стр. 16076

وترك عدّة منْ الولد، منهم عبد الله، وعبد الرحمن، وذكر غيرهم. وذكره يعقوب بن سفيان فِي ثقات التابعين منْ أهل مصر. وذكره أحمد، فضعّفه فِي حديث الدباغ. روى له الجماعة، سوى البخاريّ، وله فِي هَذَا الكتاب حديثان، هَذَا، وأعاده بعده، و٤٦٦٦ حديث: "إن الذي حرم شربها، حرم بيعها … " الحديث. ٦ - (ابن عباس) رضي الله تعالى عنهما المذكور قبله. والله تعالى أعلم. لطائف هَذَا الإسناد: منها: أنه منْ خماسيات المصنّف رحمه الله تعالى. ومنها: أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) رضي الله تعالى عنهما، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَيُّمَا إِهَابٍ) وَقَدْ تقدّم أنه اخْتلف أهل اللُّغة فِي الإهَاب فقِيل هُو الجِلد مُطلقًا، وقِيل: هُو الجِلد قبل الدِّباغ، فأمَّا بَعْده، فلا يُسمَّى إِهابًا، وهو الراجح، وجمعه: أَهَبٌ -بِفتحِ الهمزة والهاء، وبِضمِّها لُغَتَانِ (دُبغَ) بالبناء للمجهول (فَقَدْ طَهُرَ) بِفتح الهاء، وضمّها، منْ بابي قتَل، وقرُب لُغتانِ، والْفَتْح أفْصَح. وهذا بعمومه يشمل جلد مأكول اللحم، وغيره، وبه أخذ كثير منْ أهل العلم، وهو الراجح، كما تقدّم تحقيقه قريبًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): فِي درجته: حديث ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما هَذَا أخرجه مسلم. (المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -٤/ ٤٢٤٢ و٤٢٤٣ - وفي "الكبرى" ٤/ ٤٥٦٧ و٤٥٦٨. وأخرجه (م) فِي "الحيض" ٥٤٧ و٥٤٨ و٥٤٩ (د) فِي "اللباس" ٤١٢٣ (ت) فِي "اللباس" ١٧٢٨ (ق) فِي "اللباس" ٣٦٠٩ (أحمد) فِي "مسند بني هاشم" ١٨٩٨ و٢١١٨ و٢٤٣١ و٢٥١٨ و٢٥٣٤ و٢٨٧٣ و٣١٨٨ (الموطأ) فِي "الصيد" ١٠٧٩ (الدارمي) فِي "الأضاحي" ١٩٨٥ و١٩٨٦. وبقيّة المسائل تقدّمت قريبًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٢٤٤ - (أَخْبَرَنِي الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ بَكْرٍ -وَهُوَ ابْنُ مُضَرَ- قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ رَبِيعَةَ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا الْخَيْرِ، عَنِ ابْنِ وَعْلَةَ، أَنَّهُ

стр. 16077

سَأَلَ ابْنَ عَبَّاسٍ، فَقَالَ: إِنَّا نَغْزُو هَذَا الْمَغْرِبَ، وَإِنَّهُمْ أَهْلُ وَثَنٍ، وَلَهُمْ قِرَبٌ، يَكُونُ فِيهَا اللَّبَنُ وَالْمَاءُ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: "الدِّبَاغُ طَهُورٌ". قَالَ ابْنُ وَعْلَةَ: عَنْ رَأْيِكَ، أَوْ شَيْءٍ سَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ قَالَ: بَلْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ). رجال هَذَا الإسناد: سبعة: ١ - (الربيع بن سليمان بن داود) الجِيزي، أبو محمد المصريّ الأعرج، ثقة [١١] ١٢٢/ ١٧٣. ٢ - (إسحاق بن بكر بن مضر) أبو يعقوب المصريّ، صدوق فقيه [١٠] ١٢٢/ ١٧٣. ٣ - (أبوه) بكر بن مضر بن محمد بن حكيم المصريّ، ثقة ثبت [٨] ١٢٢/ ١٧٣. ٤ - (جعفر ربيعة) بن شرحبيل الكندي، أبو شرحبيل المصريّ، ثقة [٥] ١٢٢/ ١٧٣. ٥ - (أبو الخير) مرثد بن عبد الله اليزني المصريّ، ثقة فقيه [٣] ٣٨/ ٥٨٢. والباقيان تقدّما قبله. والله تعالى أعلم. لطائف هَذَا الإسناد: منها: أنه منْ سباعيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه فقد تفرد به هو وأبو داود. (ومنها): أنه مسلسل بالمصريين. (ومنها): أن فيه ثلاثة منْ التابعين يروي بعضهم عن بعض: جعفر، عن أبي الخير، عن ابن وَعْلَة. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ جَعْفَرِ بْنِ رَبِيعَةَ) بن شُرحبيل بن حَسَنة الكنديّ، أبي شُرحبيل المصريّ (أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا الْخَيْرِ) مرثد بن عبد الله اليَزَنيّ المصريّ (عَن) عبد الرحمن (ابْنِ وَعْلَةَ) -بفتح الواو، وسكون المهملة- السبئيّ (أَنَّهُ سَأَلَ ابْنَ عَبَّاسٍ) رضي الله تعالى عنهما (فَقَالَ: إِنَّا نَغْزُو هَذَا الْمَغْرِبَ) أي: القطر المعروف (وَإِنَّهُمْ أَهْلُ وَثَنٍ) -بفتح الواو، والمثلّثة-: الصنمْ، سواء كَانَ منْ خشب، أو حجر، أو غيره، والجمع وُثُنٌ -بضمّتين، مثلُ أسَدٍ وأُسُدٍ-، وأوثانٌ، ويُنسب إليه منْ يتديّن بعبادته عَلَى لفظه، فيقال: رجلٌ وثنيّ، وقومٌ وثنيّون، وامرأة وثنيّة، ونساء وثنيّات. قاله الفيّوميّ. وَقَالَ فِي باب الصاد: الصنم: يقال: هو الوثن المتّخذ منْ الحجارة، أو الخشب، ويُروى عن ابن عباس. ويقال: الصنم: المتّخذ منْ الجواهر المعدنيّة التي تذُوب، والوثن هو المتّخذ منْ حجر، أو خشب. وَقَالَ ابن فارس: الصنم ما يُتّخذ منْ خشب، أو نحاس، أو فضّة، والجمع أصنام. انتهى.

стр. 16078

(وَلَهُمْ قِرَبٌ) -بكسر القاف، وفتح الراء-: جمع قربة -بكسر، فسكون- مثل سِدْرَة وسِدَر، قَالَ فِي "القاموس": القِربة بالكسر: الْوَطْبُ منْ اللبن (١)، وَقَدْ تكون للماء، أو هي المَخروزة منْ جانب واحد. قَالَ: والوَطبُ: سقاء اللبن، وهو جلد الجَذَع، فما فوقه، جمعه أوطبٌ، ووطاب، واوطاب. انتهى (يَكُونُ فِيهَا اللَّبَنُ وَالْمَاءُ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) رضي الله تعالى عنهما (الدِّبَاغُ طَهُورٌ) مبتدأ وخبر، و"الدباغ" -بكسر الدال المهملة، و"الطَّهُورٌ" -بفتح الطاء المهملة- المطهّر، يعني دَبغ القرب مطهّر لها. وفي رواية لمسلم منْ طريق يزيد بن أبي حبيب، أن أبا الخير حدثه، قَالَ: رأيت عَلَى ابن وَعْلة السَّبَئيّ فَرْوا، فمَسِسْتُه، فَقَالَ: ما لك تمسه، قد سألت عبد الله بن عباس، قلت: إنا نكون بالمغرب، ومعنا البربر والمجوس، نُؤتَى بالكبش، قد ذبحوه، ونحن لا نأكل ذبائحهم، ويأتونا بالسِّقاء، يجعلون فيه الْوَدَك؟ فَقَالَ ابن عباس: قد سألنا رسول الله ﷺ عن ذلك؟، فَقَالَ: "دباغه طهوره". (قَالَ ابْنُ وَعْلَةَ: عَنْ رَأْيِكَ، أَوْ شَيْءٍ سَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟) أي أتفتي بهذا عن مجرّد أجتهادك؟ أم بما سمعته عنه صلّى الله تعالى عليه وسلم؟، وفيه أن المستفتي له أن يسأل المفتي عن مأخذه، استرشادًا، حَتَّى يكون عَلَى بصيرة منْ أمر دينه، لا تعنّتًا، وعلى العالم أن يبيّن له ذلك، إن كَانَ جليا، كدليل ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما هَذَا، وأما إذا كَانَ صعبًا، يقصر فهمه عنه، فليس عليه أن يذكره له، صونًا لنفسه عن التعب فيما لا يُفيد، ويعتذر إليه بقصور فهمه عنه، قَالَ فِي "الكوكب الساطع": وَجَازَ عَن مَأْخَذِهِ إنْ يَسْألِ … مُسْتَرْشِدًا وَلْيُبْدِ إنْ كَانَ جَلِي (قَالَ) ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما (بَلْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ) وفي رواية لمسلم: "فقلت: أرأيٌ تراه؟ فَقَالَ ابن عباس: سمعت رسول الله- ﷺ ، يقول: "دباغه طهوره". قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: حديث ابن عباس ﵄ هَذَا صحيح، وَقَدْ تقدم تخريجه فِي الحديث الذي قبله. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٢٤٥ - (أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ قَتَادَةَ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ جَوْنِ بْنِ قَتَادَةَ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْمُحَبِّقِ، أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ ، فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ دَعَا بِمَاءٍ، مِنْ عِنْدِ امْرَأَةٍ، قَالَتْ: مَا عِنْدِي إِلاَّ فِي قِرْبَةٍ لِي، مَيْتَةٍ، قَالَ: "أَلَيْسَ قَدْ دَبَغْتِهَا؟ " قَالَتْ: بَلَى، قَالَ: فَإِنَّ دِبَاغَهَا ذَكَاتُهَا").

стр. 16079

رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (عبيد الله بن سعيد) أبو قُدامة السرخسيّ، ثقة مأمون سنّي [١٠] ١٥/ ١٥. ٢ - (معاذ بن هشام) الدستوائيّ البصريّ، صدوق، ربما وَهَم [٩] ٣٠/ ٣٤. ٣ - (أبوه) هشام بن أبي عبد الله/ سَنْبَر، أبو بكر البصريّ الدستوائي، ثقة ثبت، منْ كبار [٧] ٣٠/ ٣٤. ٤ - (قتادة) بن دعامة السدوسيّ البصريّ ثقة ثبت، يدلس [٤] ٣٠/ ٣٤. ٥ - (الحسن) بن أبي الحسن/ يسار البصريّ ثقة ثبت فاضل، يدلس [٣] ٣٢/ ٣٦. ٦ - (جَوْن -بفتح الجيم، وسكون الواو- ابن قتادة) بن الأعور بن ساعدة بن عوف بن كعب بن عبد شمس بن سعد التميميّ، ثم السعديّ البصريّ، يقال: إن له صحبة، ولم تثبت، مقبول [٢]. روى عن الزبير بن العوّام، وشهد معه الْجَمَل، وعن سلمة بن الْمُحَبّق. وعنه الحسن البصريّ، وقرّة بن خالد، وقيل: إن قتادة روى عنه. واختُلف عَلَى هُشيم فِي حديثه عن منصور بن زاذان، عن الحسن، عن جون بن قتادة، عن سلمة بن المحبّق، وهو الصحيح. وَقَالَ أبو طالب عن أحمد: لا يُعرف. وَقَالَ ابن البراء، عن ابن المدينيّ: جونٌ معروفٌ، لم يرو عنه غير الحسن. وذكره فِي موضع آخر فِي المجهولين منْ شيوخ الحسن البصريّ. وذكر ابن سعد قتادة والده فِي الصحابة. وذكره ابن حبّان فِي ثقات التابعين، وأخرج حديثه عن سلمة، وكذا الحاكم. واغترّ ابن حزم بظاهر الإسناد، فأخرج الحديث منْ طريق الطبريّ، عن محمد بن حاتم، عن هُشيم، وَقَالَ فِي روايته: عن جون، كنا مع النبيّ صلّى الله تعالى عليه وسلم فِي بعض أسفاره، وَقَالَ: إنه صحيح. وتعقّبه أبو بكر بن مُفَوَّز بأن محمد بن حاتم أخطأ فيه، وإنما هو جون، عن سلمة، وجونٌ مجهول. وتعقب الحافظ فِي "تهذيب التهذيب" ابنَ مفوّز فِي نسبته الخطإ لمحمد بن حاتم بأن أصحاب هُشيم وافقده، وشذّ عنهم زكريًا بن يحيى زَحْمُويه، فرواه عن هشيم بذكر سلمة فيه، والمحفوظ منْ حديث هشيم لا ذكر لسلمة فِي سنده. قَالَ البغويّ فِي "معجم الصحابة": هكذا حدث به هُشيم، لم يُجاوز به جون بن قتادة، وليست لجون صحبة. وَقَالَ ابن منده: وهِم فيه هُشيم، وليست لجَوْن صحبة، ولا رواية. وتعقّبه أبو نُعيم برواية زَحْمويه. والصواب مع ابن منده. قاله الحافظ المزّيّ فِي "الأطراف". تفرّد به المصنّف، وأبو داود بهذا الحديث فقط. ٧ - (سَلَمَةُ) بفتحات (ابْنُ الْمُحبِّقِ) -بضم الميم، وفتح الحاء المهملة، وكسر

стр. 16080

الموحّدة المشددة- وقيل: هو ابن ربيعة بن صخر الْهُذَلي، قَالَ المنذريّ فِي "مختصر السنن": وسلمة ابْن المُحَبِّق لهُ صُحْبَة، وَهُوَ هُذَلِيّ، سَكَن الْبَصْرَة، كُنْيته أبُو سِنان، وَاسْم المُحبق صَخْر، وهُو بِضمِّ المِيم، وَفَتْح الْحَاء المُهْمَلة، وبعدها باء مُوحَّدة، وقاف، وأصْحَاب الْحَدِيث يفْتحُون الْبَاء، ويقُول بعض أهْل اللُّغَة: هِي مَكْسُورة، وإنَّما سَمَّاهُ أبُوهُ المُحَبَّق، تفاؤُلًا بِشَجَاعتِهِ، أنَّهُ يُضْرِط أعْدَاءهُ. انتهى. وَقَدْ تَقَدّمت ترجمته فِي ٧/ ٣٣٦٤. والله تعالى أعلم. لطائف هَذَا الإسناد: منها: أنه منْ سباعيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم ثقات، غير جون. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين، غير شيخه، فسرخسيّ. (ومنها): أن فيه ثلاثة منْ تابعيّ البصرة، يروي بعضهم عن بعض: قتادة، والحسن، وجَوْنٌ. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ جَوْنِ بْنِ قَتَادَةَ) -بِفتحِ الجِيم، وسُكُون الواو، وبعدها نُون- (عَنْ سَلَمَةَ) بفتحات (ابْنِ الْمُحَبِّقِ) بصيغة اسم الفاعل، وقيل: بصيغة اسم المفعول -الصحابيّ رضي الله تعالى عنه (أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ دَعَا بِمَاءٍ) أي طلبه (مِنْ عِنْدِ امْرَأَةٍ، قَالَتْ) تلك المرأة التي طلب منها الماء، ولفظ "الكبرى": "فقالت" (مَا عِنْدِي إِلاَّ فِي قِرْبَةٍ لِي، مَيْتَةٍ) صفة لـ"قربة" عَلَى حذف مضاف: أي جلد ميتة، والمعنى أن تلك القربة منْ جلد شاة ميتة (قَالَ) صلّى الله تعالى عليه وسلم، ولفظ "الكبرى": "فَقَالَ" (أَلَيْسَ قَدْ دَبَغْتِهَا؟ "، قَالَتْ) المرأة (بَلَى) قد دبغتها (قَالَ) صلّى الله تعالى عليه وسلم (فَإِنَّ دِبَاغَهَا ذَكَاتُهَا) -بفتح الذال المعجمة-: أي ذبحها، يعني أنّ دباغ جلد الميتة طهارة لها، جعل الدباغ بمنزلة ذبح الحيوان فِي تحليله، وتطهيره. قَالَ الخَطَّابِيّ فِي "المَعَالِم": هَذَا يدُلّ عَلَى بُطْلان قوْل منْ زَعَمَ، أنَّ إِهاب الميتة، إِذَا مَسَّهُ الماء، بعد الدِّباغ يتجُس، ويُبيِّن أنَّهُ طَاهِر كطهارةِ المُذكَّى، وأنَّهُ إِذَا بُسِطَ، وصُلِّيَ عَلَيْهِ، أو خُرِز مِنْهُ خُفٌّ، فصُلِّي فِيهِ جَازَ. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): فِي درجته: حديث سلمة بن المحبّق رضي الله تعالى عنه هَذَا صحيح.

стр. 16081

[فإن قلت]: فيه جَوْنُ بن قتادة، وَقَدْ قَالَ عنه أحمد: لا يعرف، فكيف يصحّ؟. [قلت]: جون روى عنه الحسن، وقتادة، فارتفعت جهالة عينه، وَقَدْ قَالَ ابن المدينيّ فِي رواية: إنه معروفٌ، ووثقه ابن حبّان، فأقلّ أحواله أن يكون حسن الحديث، ثم إن حديثه هَذَا له شواهد، قد ذكرت فِي هَذَا الباب وغيره، فيكون صحيحًا بها. والله تعالى أعلم. (المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -٤/ ٤٢٤٥ - وفي "الكبرى" ٤/ ٤٥٦٩. وأخرجه (د) فِي "اللباس" ٤١٢٥. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٢٤٦ - (أَخْبَرَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ مَنْصُورِ، بْنِ جَعْفَرٍ النَّيْسَابُورِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شَرِيكٌ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنِ الأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ جُلُودِ الْمَيْتَةِ؟ فَقَالَ: "دِبَاغُهَا طَهُورُهَا"). قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد كلهم رجال الصحيح. و"الحسين ابن محمد بن جعفر النيسابوري": هو أبو عليّ السلميّ، ثقة فقيه [١٠] ٢٥/ ١٦٦٤. و"الحسين بن محمد" بن بَهْرَام التميميّ، أبو أحمد، أو أبو عليّ المُؤدّب المَرُّوذيّ -بتشديد الراء، وبذال معجمة- نزيل بغداد، ثقة [٩]. قَالَ ابن سعد: ثقة، مات فِي آخر خلافة المأمون. وَقَالَ النسائيّ: ليس به بأس. وَقَالَ معاوية بن صالح: قَالَ لي أحمد: اكتُبوا عنه. وذكره ابن حبّان فِي "الثقات". وَقَالَ ابن نُمير: صدوق. وَقَالَ العجليّ: بصريّ ثقة. وَقَالَ محمد بن مسعود: ثقة. وَقَالَ ابن قانع: مات سنة (٢١٥)، وهو ثقة. وَقَالَ حَنبل بن إسحاق: مات سنة (٢١٣). وَقَالَ مطيّن: سنة (٢١٤). روى له الجماعة، وله فِي هَذَا الكتاب هَذَا الحديث فقط. و"شريك": هو ابن عبد الله النخعيّ القاضي الكوفيّ، صدوق يخطىء كثيرًا، وتغير منذ ولي القضاء، وكان عادلا فاضلًا شديدًا عَلَى أهل البدع [٨] ٢٥/ ٢٩. و"عمارة بن عُمير": هو التيميّ الكوفيّ، ثقة ثبتٌ [٤] ٤٩/ ٦٠٨. و"الأسود": هو ابن يزيد بن قيس النخعيّ الكوفيّ المخضرم الثقة الفقيه الكوفيّ. وشرح الحديث واضح. قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: حديث عائشة رضي الله تعالى عنها هَذَا صحيح. [فإن قلت]: كيف يصحّ، وفي إسناده شريكٌ، وَقَدْ تكلّموا فيه، كما مرّ آنفًا؟. [قلت]: لم يتفرّد به شريك، بل تابعه عليه إسرائل، عن الأعمش، كما سيأتي بعد حديثين، إن شاء الله تعالى.

стр. 16082

وهو منْ أفراد المصنّف رحمه الله تعالى، أخرجه هنا -٤/ ٤٢٤٦ و٤٢٤٧ و٤٢٤٨ و٤٢٤٩ و٦/ ٤٢٥٤ - وفي "الكبرى" ٤/ ٥٤٧٠ و٤٥٧١ و٤٥٧٢ و٤٥٧٣ و٧/ ٤٥٧٨. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٢٤٧ - (أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَمِّي، قَالَ: حَدَّثَنَا شَرِيكٌ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، عَنْ جُلُودِ الْمَيْتَةِ؟ فَقَالَ: "دِبَاغُهَا ذَكَاتُهَا"). قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد رجال الصحيح. و"عبيد الله بن سعد": هو الزهريّ، أبو الفضل البغداديّ، قاضي أصبهان، ثقة [١١] ١٧/ ٤٨٠. و"عم عبيد الله": هو يعقوب بن إبراهيم الزهريّ، أبو يوسف المدنيّ، نزيل بغداد، ثقة فاضل [٩] ١٩٦/ ٣١٤. و"إبراهيم": هو ابن يزيد النخعيّ. والحديث صحيح، كما سبق الكلام فيه فِي الذي قبله. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٢٤٨ - (أَخْبَرَنَا أَيُّوبُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْوَزَّانُ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شَرِيكٌ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: "ذَكَاةُ الْمَيْتَةِ دِبَاغُهَا"). قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، "أيوب بن محمد الوزان" أبي محمد الرّقّيّ، وهو ثقة. و"حجاج بن محمد": هو الأعور المصّيصيّ الثقة الثبت. والحديث صحيح، وَقَدْ مضى القول فيه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٢٤٩ - (أَخْبَرَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "ذَكَاةُ الْمَيْتَةِ دِبَاغُهَا"). قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، "إبراهيم بن يعقوب": وهو الْجُوزجانيّ الحافظ الثبت. و"مالك بن إسماعيل": هو ابن درهم، ويقال: ابن زياد بن درهم، أبو غسان النَّهْديّ مولاهم، الكوفيّ الحافظ، ابن بنت حماد بن أبي سُليمان، ثقة مُتقنٌ، صحيح الكتاب، عابد، منْ صغار [٩].

стр. 16083

قَالَ محمد بن عليّ بن داود البغداديّ: سمعت ابن معين يقول لأحمد: إن سرّك أن تكتب عن رجُل ليس فِي قلبي منه شيء، فاكتب عن أبي غسّان. وَقَالَ أبو حاتم، عن ابن معين: ليس بالكوفة أتقن منْ أبي غسّان. وعن ابن معين، قَالَ: هو أجود كتابًا منْ أبي نعيم. وَقَالَ يعقوب بن شيبة: ثقة صحيح الكتاب، وكان منْ العابدين. وَقَالَ مرّة: كَانَ ثقة متثبّتًا. وَقَالَ ابن نُميرة أبو غسّان أحبّ إليّ منْ محمد بن الصَّلْت، أبو غسّان محدّث منْ أئمّة المحدثين. وَقَالَ أبو حاتم: كَانَ أبو غسّان يملي علينا منْ أصله، وكان لا يملي حديثًا حتّى يقرأه، وكان ينحو، ولم أر بالكوفة أتقن منه، لا أبو نُعيم، ولا غيره، وهو أتقن منْ إسحاق بن منصور السَّلُوليّ، وهو متقن ثقةٌ، وكان له فضل، وصلاح، وعبادة، وصحّة حديث واستقامة، وكانت عليه سجّادتان، كنت إذا نظرت إليه كأنه خرج منْ قبره. وَقَالَ أبو داود: كَانَ صحيح الكتاب، جيّد الأخذ. وَقَالَ النسائيّ: ثقة. وَقَالَ ابن سعد: كَانَ أبو غسّان صدوقًا، شديد التشيّع. وذكره ابن حبّان فِي "الثقات". وَقَالَ ابن شاهين فِي "الثقات": قَالَ عثمان بن أبي شيبة: أبو غسّان صدوقٌ، ثبتٌ، متقنٌ، إمام منْ الأئمّة، ولولا كلمته لما كَانَ يفوقه بالكوفة أحد. وَقَالَ معاوية بن صالح، عن ابن معين: ثقة. وَقَالَ العجليّ: ثقة، وكان متعبّدًا، وكان صحيح الكتاب. وَقَالَ الذهبيّ فِي "الميزان" ذكره ابن عديّ، واعترف بصدقه وعدالته، لكن ساق قول السعديّ: كَانَ حسَنيّا -يعني الحسن بن صالح- عَلَى عبادته، وسوء مذهبه، هَذَا كلام السعديّ، وهو إبراهيم بن يعقوب الجُوزجانيّ، وعَنَى بذلك أن الحسن بن صالح بن حيّ مع عبادته، كَانَ يتشيّع، فتبعه مالكٌ هَذَا فِي الأمرين. قَالَ ابن سعد: مات سنة (٢١٩) فِي غرّة ربيع الأول. وفيها أرّخه غير واحد. روى له الجماعة، وله فِي هَذَا الكتاب هَذَا الحديث فقط. و"إسرائيل": هو ابن يونس بن أبي إسحاق السبيعيّ الهمدانيّ الكوفيّ الثقة. والحديث صحيح، كما سبق البحث عنه قريبًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلتُ، وإليه أنيب". ***

стр. 16084

٥ - (مَا يُدْبَغُ بِهِ جُلُودُ الْمَيْتَةِ) ٤٢٥٠ - (أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ، عَنِ ابْنِ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ كَثِيرِ بْنِ فَرْقَدٍ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَالِكِ بْنِ حُذَافَةَ حَدَّثَهُ، عَنِ الْعَالِيَةِ بِنْتِ سُبَيْعٍ، أَنَّ مَيْمُونَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ حَدَّثَتْهَا، أَنَّهُ مَرَّ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ رِجَالٌ مِنْ قُرَيْشٍ، يَجُرُّونَ شَاةً لَهُمْ، مِثْلَ الْحِصَانِ، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَوْ أَخَذْتُمْ إِهَابَهَا"، قَالُوا: إِنَّهَا مَيْتَةٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "يُطَهِّرُهَا الْمَاءُ وَالْقَرَظُ"). رجال هَذَا الإسناد: ثمانية: ١ - (سليمان بن داود) المهريّ، أبو الربيع المصريّ ثقة [١١] ٦٣/ ٧٩. ٢ - (ابن وهب) عبد الله الفقيه الحافظ الثبت المصريّ [٩] ٩/ ٩. ٣ - (عمرو بن الحارث) أبو أيوب الفقيه الثبت المصريّ [٧] ٦٣/ ٧٩. ٤ - (الليث بن سعد) الإمام الفقيه الحجة الثبت المصريّ [٧] ٣١/ ٣٥. ٥ - (كثير بن فَرْقد) المدنيّ، نزيل مصر، ثقة [٧] ٣٠/ ١٥٨٩. ٦ - (عبد الله بن مالك بن حُذافة) حجازيّ، سكن مصر، مقبول [٤]. روى عن أمه العالية، وعنه كثير بن فرقد، تفرّد به المصنّف، وأبو داود بهذا الحديث فقط. ٧ - (العالية بنت سُبيع) روت عن ميمونة رضي الله تعالى عنها، وعنها ابنها عبد الله ابن مالك. قَالَ العجليّ: مدنيّةٌ، تابعيّة، ثقة. تفرد بها المصنّف، وأبو داود بهذا الحديث فقط. ٨ - (ميمونة) أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها ١٤٦/ ٢٣٦. والله تعالى أعلم. لطائف هَذَا الإسناد: منها: أنه منْ سباعيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم ثقات، غير عبد الله بن مالك، فمقبول. (ومنها): أنه مسلسل بالمصريين. (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّة. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ كَثِيرِ بْنِ فَرْقَدٍ) بفتح الفاء، وسكون الراء، وفتح القاف (أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَالِكِ بْنِ حُذَافَةَ) بضم الحاء المهملة، وتخفيف الذال المعجمة (حَدَّثَهُ، عن) أمه (الْعَالِيَةِ بِنْتِ

стр. 16085

سُبَيْعِ) بضم السين المهملة، مصغّرًا (أَنَّ مَيْمُونَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ حَدَّثَتْهَا) وفي رواية أبي داود: "عن العالية بنت سبيع، أنها قالت: كَانَ لي غنم بأُحُدٍ، فوقع فيها الموت، فدخلت عَلَى ميمونة، زوج النبيّ ﷺ ، فذكرت ذلك لها، فقالت لي ميمونة: لو أخذت جلودها، فانتفعت بها، فقالت: أَوَ يحِلّ ذلك؟، قالت: نعم، مَرَّ عَلَى رسول الله ﷺ رجال منْ قريش، يجرون شاة لهم فَقَالَ لهم رسول الله ﷺ لو أخذتم إهابها قالوا إنها ميتة فَقَالَ رسول الله ﷺ : "يطهرها الماء والقرظ". (أَنَّهُ مَرَّ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ رِجَالٌ مِنْ قُرَيْشٍ، يَجُرُّونَ شَاةً لَهُمْ، مِثْلَ الْحِمار) يجرّونها مِثل جَرّ الحمار إذا مات؛ لإبعاده عن النَّاس؛ لئلا يتضرّروا بجيفته، أو التشبيه فِي كَوْنَها مَيْتَة مُنْتَفِخَة مثله. وفي بعض النسخ: "مثل الحِصان": وهو بكسر الحاء، وتخفيف الصاد المهملتين: الفرسُ الذكر، أو المضنون بمائه. قاله فِي "القاموس": وَقَالَ الفيّوميّ: الحِصان بالكسر: الفرس العتيق، قيل: سُمّي بذلك؛ لأن ظهره كالحِصْن لراكبه. وقيل: لأنه ضُنَّ بمائه، فلم يُنْزَ إلا عَلَى كريمة، ثم كثُر ذلك حتّى سُمي كلُّ ذكر منْ الخيل حصانًا، وإن لم يكن عتيقًا، والجمع حُصُنٌ، مثلُ كتاب وكُتُب. انتهى. (فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَوْ أَخَذْتُمْ إِهَابَهَا) قيل: "لو" هنا للتمنّي بمعنى "ليت"، فلا تحتاج إلى جواب. وقيل: هي شرطيّةٌ، حُذف جوابها: أي لكان حسنًا (قَالُوا: إِنَّهَا مَيْتَةٌ) أىِ فهي محرّمة بنصّ الكتاب، حيث قَالَ الله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ الآية (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "يُطَهِّرُهَا الْمَاءُ وَالْقَرَظُ") بفتحتين: قَالَ الفيّوميّ رحمه الله تعالى: هو حبّ معروفٌ، يخرُج فِي غُلُفِ، كالعَدَس، منْ شجر العضاه، وبعضهم يقول: القرظ وَرَقُ السَّلَم، يُدبغ به الأَدِيم، وهو تسامحٌ، فإن الورق لا يُدبغ به، وإنما يُدبغ بالحبّ. قَالَ: وبعضهم يقول: القرظ شجر، وهو تسامحٌ أيضًا، فإنهم يقولون: جَنَيتُ القرَظَ، والشجرُ لا يُجنَى، وإنما يُجنى ثمرُهُ. انتهى كلام الفيّوميّ. قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: فِي هَذَا الذي أنكره، وَقَالَ: إنه تسامحٌ نظرٌ لا يخفى، فإن أهل اللغة، أثبتوا ذلك، فَقَالَ المجد فِي "القاموس": القرظ محرّكةً: ورق السلم، أو ثمر السَّنْط. انتهى. وَقَالَ ابن منظور فِي "اللسان": القرظ شجرٌ يُدبغ به. وقيل: ورق السلم، يُدبغ به الأدَمُ. قَالَ: وَقَالَ أبو حَنيفة: القرظ: أجود ما تُدبغ به الأُهُب فِي أرض العرب، وهي تُدبغ بورقه، وثمره. وَقَالَ مرّةً: القرظ شجرٌ عظام، لها سُوقٌ غِلاظٌ، أمثال الْجَوْز، وورقه أصفر منْ ورق التفّاح، وله حبّ يوضع فِي الموازين، وهو ينبت فِي القِيعان. انتهى كلام ابن منظور.

стр. 16086

فأفاد ما ذُكر أنه يُطلق عَلَى الشجر، وعلى الورق، وأنه يدبغ بورقه، وثمره، فتنبّه. والله تعالى أعلم. وَقَالَ الخَطَّابِيُّ رحمه الله تعالى: الْقَرَظ: شجرٌ يُدبغ بِهِ الأُهُب، وهُو لِما فِيهِ منْ العُفُوصة، والقبض، يُنشِّفُ البلَّة، ويُذهِب الرَّخَاوة، ويُجفِّف الجِلْد، وَيُصْلِحهُ، ويُطيِّبهُ، فكُلّ شَيْء عَمِلَ عَمَل القَرَظ، كَانَ حُكْمه فِي التَّطْهِير حُكْمه، وذِكرُ المَاء مَعَ الْقَرَظ قَدْ يَحْتمِل أَنْ يكون إِنَّمَا أراد بِذَلِكَ، أنَّ الْقَرَظ يَخْتَلِط بِهِ، حِين يُسْتَعْمَل فِي الجِلد. وَيَحْتَمَل أن يكُون إِنَّمَا أراد أنَّ الْجِلْد، إِذَا خَرَجَ منْ الدِّبَاغ، غُسِل بِالْمَاءِ، حَتَّى يزُول عنهُ ما خالطهُ منْ وَضَرِ الدَّبْغ وَدَرَنه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): فِي درجته: حديث ميمونة رضي الله تعالى عنها هَذَا صحيح. [فإن قلت]: كيف يصحّ، وفي إسناد عبد الله بن مالك بن حُذافة، لم يرو عنه غير كثير بن فرقد، فهو مجهول عين، وكذا أمه لم يرو عنها غير ابنها؟. [قلت]: إنما صح لأن له شاهدًا صحيحًا منْ حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، أخرجه الدارقطنيّ، والبيهقيّ، منْ طريق عمرو بن الربيع بن طارق: ثنا يحيى بن أيوب، عن عُقيل، عن الزهريّ، عن عبيد الله، عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، مرفوعًا بلفظ: "أوليس فِي الماء والقرظ ما يُطهّره". وهذا إسناد صحيح عَلَى شرط الشيخين (١). (المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -٥/ ٤٢٥٠ - وفي "الكبرى" ٥/ ٤٥٧٤. وأخرجه (د) فِي "اللباس" ٤١٢٦. والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): فِي فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان ما يُدبغ به جُلود الميتة، وهو القرظ والماء. (ومنها): أنه يدلّ عَلَى وجوب استعمال الماء فِي أثناء الدباغ، قيل: وهو أحد قولي الشافعيّ. قاله السنديّ. (ومنها): ما قاله الخطّابيّ رحمه الله تعالى: أنه فِيهِ حُجَّةً لِمن ذهب إِلى أنَّ غَيْر الْمَاء، لا يُزِيل النَّجَاسَة، ولا يُطهِّرها فِي حَال مِن

стр. 16087

الأَحْوَال انْتَهَى. قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: وفي كلامه هَذَا نظر، فقد تقدّم فِي "كتاب الطهارة" أن الأرجح أن غير الماء يطهّر أيضًا إذا أمر به الشارع، كطهارة النعل بالمسح، فقد أخرج أبو داود بإسناد صحيح عن أبي سعيد الخدريّ رضي الله تعالى عنه، مرفوعًا: "إذا جاء أحدكم إلى المسجد، فلينظر، فإن رأى فِي نعليه قذرًا، أو أذى، فليمسحه، وليصل فيهما". والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): فِي الأشياء التي يُدبغ الإهاب بها: قَالَ النوويّ رحمه الله تعالى: يجُوز الدِّبَاغ بِكُلِّ شَيْء، يُنشِّف فَضَلَات الْجِلْد ويُطيِّبهُ، ويمنع منْ وُرُود الْفَسَاد عَلَيْهِ، وذلِك كالشَّتِّ، وَالشَّبّ، والْقَرْظ، وقُشُور الرُّمَّان، وما أشْبَه ذَلِكَ، منْ الأدْوِية الطَّاهِرة، ولا يَحْصُل بِالتَّشْمِيسِ عِنْدنَا، وَقَالَ أصْحَاب أبِي حَنِيفَة: يَحْصُل، ولا يَحْصُل عِنْدنَا بِالتُّراب، والرَّمَاد، والمِلْح عَلَى الأصَحّ فِي الْجَمِيع. وهَلْ يحصُل بِالأدْوِيةِ النَّجِسَة، كَذَرْقِ الْحَمَام، والشَّبّ المُتنجِّس؟ فِيهِ وَجْهَانِ: أصحهما عِند الأصْحَاب حُصُوله، وَيَجِب غَسْله بَعْد الْفَرَاغ منْ الدِّبَاغ بِلا خِلاف، ولوْ كَانَ دَبْغه بِطَاهِرِ، فَهَلْ يَحْتَاج إِلى غَسْله بَعْد الْفَرَاغ؟ فِيهِ وجْهَانِ. وَهَلْ يُحْتاج إِلى اسْتِعْمَال المَاء فِي أوَّل الدِّبَاغ؟ فِيهِ وَجْهَانِ. قَالَ أصْحَابنَا: ولا يَفْتَقِر الدِّباَغ إِلى فِعْل فَاعِل. فَلَوْ أطَارت الرِّيح جِلْد مَيْتَة، فَوَقَع فِي مَدْبَغه طَهُرَ. والله أعْلم. وإِذا طهُر بالدِّباغِ جَازَ الانْتِفَاع بِهِ بِلا خِلاف. وهَلْ يَجُوز بَيْعه؟ فِيهِ قَوْلانِ لِلشَّافِعِيِّ: أصَحّهمَا يَجُوز. وَهَلْ يَجُوز أَكْله؟ فِيهِ ثَلاثَة أَوْجُه، أوْ أَقْوَال: أصَحّهَا لا يَجُوز بِحَالٍ، والثَّانِي يَجُوز، والثَّالِث يَجُوز أَكْل جِلْد مَأْكُول اللَّحْم، ولا يَجُوز غَيْره. وَإِذَا طَهُر الجِلْد بِالدِّبَاغ، فَهَلْ يَطْهُر الشَّعْر الَّذِي عَلَيْهِ تبعًا لِلجِلْدِ، إِذَا قُلْنَا بِالمُخْتَارِ فِي مَذْهَبنَا: إِنَّ شَعْر الْمَيْتَة نَجَس، فِيهِ قوْلانِ لِلشَّافِعِيّ: أصَحّهمَا، وأشْهَرهمَا لا يَطْهُر؛ لِأنَّ الدِّباَغ لا يُوْثِّر فِيهِ، بِخِلافِ الْجِلْد. قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: الذي يظهر لي أن الشعر تابع للجلد؛ لأن الشارع لم يستثنه، فلو كَانَ غير داخل فِي حكم الطهارة لما سكت عنه؛ لشدّة الحاجة إليه. والله تعالى أعلم. قَالَ: قَالَ أصْحَابنا: لا يَجُوز اسْتِعْمال جِلْد الْمَيْتَة، قَبْل الدِّبَاغ فِي الأشْيَاء الرَّطْبَة. وَيَجُوز فِي الْيَابِسات مَعَ كَرَاهَته. والله أعْلم. انتهى كلام النوويّ (١).

стр. 16088

والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٢٥١ - (أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مَسْعُودٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا بِشْرٌ -يَعْنِي ابْنَ الْمُفَضَّلِ- قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الْحَكَمِ، عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُكَيْمٍ، قَالَ: قُرِىء عَلَيْنَا كِتَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَأَنَا غُلَامٌ شَابٌّ: "أَنْ لَا تَنْتَفِعُوا مِنَ الْمَيْتَةِ بِإِهَابٍ، وَلَا عَصَبٍ"). قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: حديث عبد الله بن عُكيم رحمه الله تعالى عنه هَذَا لا مناسبة بينه وبين هَذَا الباب، فكان الأولى للمصنّف أن يُفرده بترجمة مستقلّة، كما فعل فِي "الكبرى"، حيث ترجم له بقوله: "النهي عن أن يُتنفع منْ الميتتة بشيء"، ومما يؤيّد ذلك مقابلته بالترجمة التالية، حيث قَالَ: "الرخصة فِي الاستمتاع بجلود الميتة إذا دُبغت"، فليُتأمّل. والله تعالى أعلم. رجال هَذَا الإسناد: ستة: ١ - (إسماعيل بن مسعود) الْجَحْدريّ البصريّ، ثقة [١٠] ٤٢/ ٤٧. ٢ - (بشر بن المفضّل) بن لاحق، أبو إسماعيل البصريّ، ثقة ثبت عابد [٦] ٦/ ٨٢. ٣ - (شعبة) بن الحجاج الإمام الحجة الثبت [٧] ٢٧/ ٢٤. ٤ - (الحكم) بن عُتيبة الكندي، أبو محمد الكوفيّ، ثقة ثبت فقيه، ربما دلس [٥] ٨٦/ ١٠٤. ٥ - (ابن أبي ليلي) هو عبد الرحمن الأنصاريّ المدنيّ، ثم الكوفيّ، ثقة [٢] ٨٦/ ١٠٤. ٦ - (عبد الله بن عُكيم) -بضم العين المهملة، مصغّرًا- الجُهَنيّ، أبي معبد الكوفيّ المخضرم، ثقة [٢]. قَالَ الخطيب: سكن الكوفة، وقدِم المدائن فِي حياة حُذيفة رضي الله تعالى عنه، وكان ثقة. وَقَالَ ابن عيينة، عن هلال الوزّان: حدّثنا شيخنا القديم عبد الله بن عُكيم، وكان قد أدرك الجاهليّة. وَقَالَ موسى الجُهنيّ، عن ابنة عبد الله بن عُكيم: كَانَ أبي يُحبّ عثمان، وكان عبد الرحمن بن أبي ليلى يُحبّ عليًّا، وكانا متواخيين، فما سمعتهما إلا أن أبي قَالَ مرّةً لعبد الرحمن: لو أن صاحبك صبر أتاه النَّاس. وَقَالَ البخاريّ: أدرك زمن النبيّ صلّى الله تعالى عليه وسلم، ولا يُعرَف له سماع صحيح، وكذا قَالَ أبو نُعيم. وَقَالَ ابن حبّان فِي "الصحابة": أدرك زمنه صلّى الله تعالى عليه وسلم، ولم يسمع منه شيئًا. وكذا قَالَ أبو زرعة. وَقَالَ ابن منده، وأبو نُعيم: أدركه، ولم يره. وَقَالَ البغويّ: يُشكّ فِي سماعه. وَقَالَ أبو حاتم أيضًا: ليس له سماع منْ النبيّ

стр. 16089

صلّى الله تعالى عليه وسلم، منْ شاء أدخله فِي المسند عَلَى المجاز. وَقَالَ ابن سعد: كَانَ إمام مسجد جُهينة، وَقَالَ حكاية عن غيره: إنه مات فِي ولاية الحجّاج. روى له الجماعة، سوى البخاريّ، له فِي مسلم حديث واحد: "لا تشربوا فِي آنية الذهب"، وله عبد المصنّف فِي هَذَا الكتاب حديثان فقط، حديث الباب، كرره ثلاث مرّات، وفي "كتاب الزينة" ٨٧/ ٥٣٠٣ - حديث استسقى حذيفة رضي الله تعالى عنه، فأتاه دِهْقَان بماء فِي إناء فضّة … الحديث. والله تعالى أعلم. لطائف هَذَا الإسناد: منها: أنه منْ سداسيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير ابن عُكَيم. (ومنها): أنه مسلسل بثقات البصريين إلى شعبة. وبثقات الكوفيين بعده. (ومنها): أن فيه ثلاثةً منْ التابعين، يروي بعضهم عن بعض: الحكم، وابن أبي ليلى، وعبد الله بن عُكيم. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُكَيْمٍ) بضمّ المهملة الجهنيّ، أنه (قَالَ: قُرِىءَ) بالبناء للمفعول (عَلَيْنَا كِتَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَأَنَا غُلَامٌ) بضم الغين المعجمة: فِي الأصل الابن الصغير، ويطلق عَلَى الرجل مجازًا باسم ما كَانَ عليه، كما يقال للصغير: شيخٌ، مجازًا باسم ما يئول إليه. وجاء فِي الشعر غُلامةٌ بالهاء للجارية، قَالَ أوس بن غَلْفَاء الْهُجيميّ، يصف فرسًا [منْ الوافر]: وَمُرْ كِضَةٌ صَرِيحِيٌّ أَبُوهَا … يُهَانُ لَهَا الْغُلامَةُ وَالْغُلامُ قَالَ الأزهريّ: سمعت العرب تقول للمولود حين يولد ذكرًا: غلامٌ، وسمعتهم يقولون للكهل: غُلام، وهو فاش فِي كلامهم. أفاده الفيّوميّ. قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: المراد هنا الكبير، بدليل وصفه بقوله (شَابٌّ) اسم فاعل منْ شبّ الصبيّ يَشِبّ، منْ باب ضرب شَبَابًا، وشبيبة، وهو شابّ، وذلك سنٌّ قبل الكُهُولة، جمعه شُبّانٌ، مثلُ فارس وفُرْسان (أَنْ لَا تَنْتَفِعُوا مِنَ الْمَيْتَةِ) قيل: هَذَا ناسخٌ للأخبار السابقة؛ لأنه كَانَ قبل موته صلّى الله تعالى عليه وسلم بشهر، فصار متأخّرًا، والجمهور عَلَى خلافه؛ لأنه لا يُقاوم تلك الأحاديث صحّةً، واشتهارًا، وَقَدْ جمع بعض المحقّقين بينه وبين الأحاديث السابقة بأن الإهاب اسم لغير المدبوغ، فلا معارضة بينه وبين الأحاديث السابقة. وَقَدْ تقدّم تمام البحث فِي هَذَا عبد شرح حديث ميمونة رضي الله تعالى عنها، فراجعه تستفد (بِإِهَابٍ) بكسر الهمزة، قد تقدّم ضبطه، ومعناه، فلا

стр. 16090

تغفُل (وَلَا عَصَبٍ) بفتحتين: هي أطناب (١) المفاصل، والجمع أعصابٌ. مثلُ سبب وأسباب. قَالَ بعضهم: عصب الجسد الأصغر منْ الأطناب. قاله الفيّوميّ. وَقَالَ ابن منظور فِي "اللسان": العصَبُ عصَبُ الإنسان والدّابّة، والأعصاب: أطناب المفاصل التي تُلائم بينها، وتشُدّها، وليس بالعَقَب، يكون ذلك للإنسان، وغيره، كالإبل، والبقر، والغنم، والنَّعَم، والظباء، والشاء، الواحدة عَصَبةٌ. قَالَ: والعَقَب: العصَب الذي تُعمل منه الأوتار، الواحدة عَقَبةٌ، قَالَ: والفرق بين العقَب والعصَب يَضرب إلى الصُّفْرة، والعقَب يضرب إلى البياض. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة: الأولى). فِي درجته: حديث عبد الله بن عُكيم رضي الله تعالى عنه هَذَا صحيح عَلَى الصحيح كما يأتي تحقيقه فِي المسألة الثالثة، إن شاء الله تعالى. (المسألة: الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -٥/ ٤٢٥١ و٤٢٥٢ و٤٢٥٣ - وفي "الكبرى" ٦/ ٤٥٧٥ و٤٥٧٦ و٤٥٧٧. وأخرجه (د) فِي "اللباس" ٤١٢٧ و٤١٢٨ (ت) فِي "اللباس" ١٧٢٩ (ق) فِي "اللباس" ٣٦١٣ (أحمد) فِي "أول مسند الكوفيين" ١٨٣٠٣ و١٨٣٠٨. والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): فِي اختلاف أهل العلم فِي صحّة حديث عبد الله بن عُكيم هَذَا: قَالَ الحافظ رحمه الله تعالى فِي "التلخيص الحبير": حديث "لا تنتفعوا منْ الميتة بإهاب، ولا عصب" أخرجه الشافعيّ فِي "حرملة"، وأحمد، والبخاريّ فِي "تاريخه"، والأربعة، والدارقطنيّ، والبيهقيّ، وابن حبّان عن عبد الله بن عُكيم: "أتانا كتاب رسول الله صلّى الله تعالى عليه وسلم قبل موته: ألا تنتفعوا منْ الميتة بإهاب، ولا عصَب"، وفي رواية الشافعيّ، وأحمد، وأبي داود: "قبل موته بشهر"، وفي رواية لأحمد "بشهر، أو شهرين"، قَالَ الترمذيّ حسنٌ، وكان أحمد يذهب إليه، ويقول هَذَا آخر الأمر، ثم تركه لَمّا اضطربوا فِي إسناده، حيث روى بعضهم، فَقَالَ: عن ابن عُكيم، عن أشياخ منْ جهينة، وَقَالَ الخلّال: لَمّا رأى أبو عبد الله تزلزل الرواة فيه توقّف فيه.

стр. 16091

وَقَالَ ابن حبّان بعد أن أخرجها: هذه اللفظة أوهمت عالمًا منْ النَّاس أن هَذَا الخبر ليس بمتّصل، وليس كذلك، بل عبد الله بن عُكيم شهِد كتاب رسول الله صلّى الله تعالى عليه وسلم حيث قُرىء عليهم فِي جهينة، وسمع مشايخ جهينة يقولون ذلك. وَقَالَ البيهقيّ، والخطّابيّ: هَذَا الخبر مرسل. وَقَالَ ابن أبي حاتم فِي "العلل" عن أبيه: ليست لعبد الله بن عُكيم صحبة، وإنما روايته كتابة. وأغرب الماورديّ، فزعم أنه نُقل عن عليّ بن المدينيّ أن رسول الله صلّى الله تعالى عليه وسلم مات، ولعبد الله بن عُكيم سنة. وَقَالَ صاحب "الإمام": تضعيف منْ ضعّفه ليس منْ قبل الرجال، فإنهم كلّهم ثقات، وإنما ينبغي أن يُحمل الضعف عَلَى الاضطراب، كما نُقل عن أحمد، ومن الاضطراب فيه ما رواه ابن عديّ، والطبرانيّ، منْ حديث شبيب بن سعيد، عن الحكم، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عنه، ولفظه: "جاءنا كتاب رسول الله صلّى الله تعالى عليه وسلم، ونحن بأرض جهينة، إني كنت رخّصت لكم فِي إهاب الميتة، وعصبها، فلا تنتفعوا بإهاب، ولا عصَب"، إسناده ثقات، وتابعه فَضالة بن المفضّل عبد الطبرانيّ فِي "الأوسط". ورواه أبو داود منْ حديث خالد، عن الحكم، عن عبد الرحمن أنه انطلق هو وأناس معه إلى عبد الله بن عُكيم، فدخلوا، وقعدتُ عَلَى الباب، فخرجوا إليّ، وأخبروني أن عبد الله بن عُكيم أخبرهم، فهذا يدلّ عَلَى أن عبد الرحمن ما سمعه منْ ابن عُكيم، لكن إن وُجد التصريح بسماع عبد الرحمن منه، حُمل عَلَى أنه سمعه منه بعد ذلك. قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: قوله: "عن الحكم، عن عبد الرحمن" غلط غريبٌ منْ مثل الحافظ رحمه الله تعالى، فإن عبد الرحمن ليس له ذكر عبد أبي داود فِي هذه الرواية، فقوله: "أنه انطلق هو وأناس الخ" يرجع إلى الحكم، فالحكم هو الذي قعد عَلَى الباب، ثم حدثه النَّاس الذين دخلوا عَلَى ابن عُكيم، وقوله: "فهذا يدلّ عَلَى أن عبد الرحمن ما سمعه الخ" غلط مبني عَلَى الغلط الأول، وَقَدْ نبّه الشيخ الألباني رحمه الله تعالى عَلَى هَذَا الغلط فِي "إروائه"، فراجعه (١). قَالَ: وفي الباب عن ابن عمر، رواه ابن شاهين فِي "الناسخ والمنسوخ"، وفيه عديّ ابن الفضل، وهو ضعيف. وعن جابر، رواه ابن وهب فِي "مسنده" عن زمعة بن صالح، عن أبي الزبير، عن جابر، وزمعة ضعيف. ورواه أبو بكر الشافعيّ فِي "فوائده" منْ طريق أخرى، قَالَ الشيخ الموفّق: إسناده حسن.

стр. 16092

وَقَدْ تكلّم الحازميّ فِي "الناسخ والمنسوخ": فَقَالَ: فِي إسناد حديث ابن عُكيم اختلافٌ، رواه الحكم مرّة عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن ابن عُكيم، ورواه عنه القاسم بن مُخيمِرة، عن خالد، عن الحكم، وَقَالَ: إنه لم يسمعه منْ ابن عُكيم، ولكن منْ أناس دخلوا عليه، ثم خرجوا، وأخبروه، ولولا هذه العلل لكان أولى الحديثين أن يؤخذ به حديث ابن عُكيم، ثم قَالَ: وطريق الإنصاف فيه أن يُقال: إن حديث ابن عكيم ظاهر الدلالة فِي النسخ، لو صحّ، ولكنّه كثير الاضطراب، لا يُقاوم حديث ميمونة فِي الصّحّة، ثم قَالَ: فالمصير إلى حديث ابن عبّاس أولى؛ لوجوه منْ الترجيح، ويُحمل حديث ابن عُكيم عَلَى منع الانتفاع به قبل الدباغ، وحينئذ يُسمّى إهابًا، وبعث الدباغ يُسمّى جلدًا، ولا يُسمّى إهابًا، هَذَا معروفٌ عبد أهل اللغة، وليكون جمعًا بين الحكمين، وهذا هو الطريق فِي نفي التضادّ. انتهى. ومُحصّل ما أجاب به الشافعيّ، وغيرهم عنه التعليلُ بالإرسال، وهو أن عبد الله بن عُكيم لم يسمعه منْ النبيّ صلّى الله تعالى عليه وسلم، والانقطاع بأن عبد الرحمن بن أبي ليلى لم يسمعه منْ عبد الله بن عُكيم، والاضطراب فِي سنده، فإنه تارةً قَالَ: عن كتاب النبيّ صلّى الله تعالى عليه وسلم، وتارةً عن مشيخة منْ جهينة، وتارة عمن قرأ الكتاب، والاضطراب فِي المتن، فرواه الأكثر منْ غير تقييد، ومنهم منْ رواه بقيد شهر، أو شهرين، أو أربعين يومًا، أو ثلاثة أيّام، والترجيح بالمعارضة بأن الأحاديث الدّالّة عَلَى الدباغ أصحّ، والقول بموجبه بأن الإهاب اسم الجلد قبل الدباغ، وأما بعد الدباغ، فيُسمّى شنّا، وقِرْبةً، حمله عَلَى ذلك ابن عبد البرّ، والبيهقيّ، وهو منقول عن النضر بن شُمَيل، والجوهريّ قد جزم به. وَقَالَ ابن شاهين: لَمّا احتمل الأمرين، وجاء قوله: "أيما إهاب دُبغ، فقد طهُر"، فحملناه عَلَى الأول، جمعًا بين الحديثين، والجمع بينهما بالتخصيص بأن المنهيّ عنه جلد الكلب والخنزير، فإنهما لا يُدبغان، وقيل: محمول عَلَى باطن الجلد فِي النهي، وعلى ظاهره فِي الإباحة. والله أعدم. انتهى ما فِي "التلخيص" بزيادة منْ "نيل الأوطار" (١). قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: خلاصة القول فِي هَذَا الحديث أنه حديث ثابتٌ، كما حسّنه الترمذي، والحازميّ، وصححه ابن حبّان، وَقَدْ أُجيب عن العلل التي ذكروها، بما تقدّم، فالأولى سلوك طريق الجمع، فتحمل الأحاديث الدالة عَلَى جواز الانتفاع بجلود الميتة عَلَى ما بعد الدبغ، ويُحمل حديث ابن عُكيم الدّالّ عَلَى النهي عَلَى ما قبل

стр. 16093

الدبغ، وهو الموافق لما ثبت عبد أهل التحقيق منْ اللغويين، منْ أن الإهاب إنما يطلق عَلَى ما قبل الدبغ، فإذا دُبغ يقال له: الجلد. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٢٥٢ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ قُدَامَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنِ الْحَكَمِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُكَيْمٍ، قَالَ: كَتَبَ إِلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَنْ لَا تَسْتَمْتِعُوا مِنَ الْمَيْتَةِ بِإِهَابٍ، وَلَا عَصَبٍ"). قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "محمد بن قُدامة": هو ابن أعين الهاشميّ مولاهم المصّيصيّ الثقة [١٠]. و"جرير": هو ابن عبد الحميد. و"منصور": هو ابن المعتمر. والحديث صحيح، تقدم البحث عنه مستوفًى فِي الحديث الذي قبله. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٢٥٣ - (أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شَرِيكٌ، عَنْ هِلَالٍ الْوَزَّانِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُكَيْمٍ، قَالَ: كَتَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى جُهَيْنَةَ: "أَنْ لَا تَنْتَفِعُوا مِنَ الْمَيْتَةِ بِإِهَابٍ، وَلَا عَصَبٍ". قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ: أَصَحُّ مَا فِي هَذَا الْبَابِ، فِي جُلُودِ الْمَيْتَةِ، إِذَا دُبِغَتْ حَدِيثُ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ مَيْمُونَةَ. وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ). قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "عليّ بن حُجر": هو السَّعْديّ المروزيّ. و"شريك": هو ابن عبد الله النخعيّ. و"هلال الوزّان": هو ابن أبي حميد، أو ابن حُميد، أو ابن مِقْلاص، أو ابن عبد الله الجهنيّ مولاهم، أبو الجهم، وقيل: غير ذلك فِي اسم أبيه، وفي كنيته، الصيرفيّ الوزّان الكوفيّ، ثقة [٦] ٧٧/ ١٣٣٢. والحديث صحيح، كما سبق بيانه قريبًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وقوله: (قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ) أي النسائيّ رحمه الله تعالى (أَصَحُّ) مبتدأ، مضاف إلى قوله (مَا فِي هَذَا الْبَابِ، فِي جُلُودِ الْمَيْتَةِ) الجارّ والمجرور بدلٌ منْ الجارّ والمجرور الأوّل الواقع صلة لـ"ما": أي أصحّ الأحاديث التي وردت فِي جلود الميتة (إِذَا دُبِغَتْ) "إذا" ظرف مجرّد عن معنى الشرط بمعنى وقت، متعلّقٌ بما تعلّق به الجارّ والمجرور قبله: أي وقت دبغها (حَدِيثُ الزُّهرِيَّ) بالرفع خبر "أصحّ" (عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ) بن عُتبة بن مسعود (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ مَيْمُونَةَ) رضي الله تعالى عنهم. وأراد المصنّف رحمه الله تعالى بهذا ترجيح العمل بحديث ميمونة رضي الله تعالى عنها المتقدّم الذي فيه إباحة الانتفاع بجلود الميتة إذا دُبغت؛ لكونه أصحّ منْ حديث ابن

стр. 16094

عُكيم، حيث تُكلّم فيه بالعلل المتقدّمة، وإن أجيب عنها كما تقدّم، غير أن حديثها خالٍ عن ذلك، فيقدّم عليه. قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: فِي ذكر المصنّف رحمه الله تعالى رواية عبيد الله، عن ابن عبّاس، نظر؛ لأنها ليس فيها للدباغ ذكر، اللَّهمّ إلا أن يكون نظرًا لذكرها فِي بقية الطرق. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلتُ، وإليه أنيب". … ٦ - (الرُّخْصَةِ فِي الاِسْتِمْتَاعِ بِجُلُودِ الْمَيْتَةِ إِذَا دُبِغَتْ) ٤٢٥٤ - (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا بِشْرُ بْنُ عُمَرَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَالِكٌ ح وَالْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ، قِرَاءَةً عَلَيْهِ، وَأَنَا أَسْمَعُ، عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قُسَيْطٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْن ثَوْبَان، عَنْ أُمِّهِ، عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، "أَمَرَ أَنْ يُسْتَمْتَعَ بِجُلُودِ الْمَيْتَةِ، إِذَا دُبِغَتْ"). رجال هَذَا الإسناد: تسعة: ١ - (إسحاق بن إبراهيم) الحنظليّ المروزي المعروف بابن راهويه، ثقة ثبت [١٠] ٢/ ٢. ٢ - (الحارث بن مسكين) أبو عمرو المصريّ القاضي، ثقة فقيه [١٠] ٩/ ٩. ٣ - (بشر بن عمر) بن الحكم بن عُقبة الزهراني -بفتح الزاي- الأزديّ، أبو محمد البصريّ، ثقة [٩]. قَالَ أبو حاتم: صدوق. وَقَالَ العجليّ: بصريّ ثقة. وَقَالَ الحاكم: ثقة مأمون. وَقَالَ ابن سعد: توفّي بالبصرة سنة (٢٠٧) فِي شعبان، وكان ثقة. وكذا أرّخه القرّاب، وقبله ابن زَبْر. وَقَالَ ابن حبّان فِي "الثقات": مات ليلة الأحد فِي آخر سنة ستّ، أو أول سنة سبع، قَالَ: وقيل: سنة تسع. روى له الجماعة، وله عبد المصنّف فِي هَذَا الكتاب حديث الباب فقط. ٤ - (ابن القاسم) هو عبد الرحمن الْعُتقي الفقيه المصريّ، صاحب مالك، ثقة، منْ

стр. 16095

كبار [١٠] ١٩/ ٢٠. ٥ - (مالك) بن أنس إمام دار الهجرة الثقة الثبت الفقيه [٧] ٧/ ٧. ٦ - (يزيد بن عبد الله بن قُسيط) -بقاف، ومهمدتين، مصغّرًا- الليثيّ، أبو عبد الله المدنيّ الأعرج، ثقة [٤] ٥٠/ ٩٦٠. ٧ - (محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان) العامريّ المدنيّ، ثقة [٣] ٤٧/ ٢٢٥٨. ٨ - (أمه) هي أم محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان، هي مقبولة [٣]. روت عن عائشة، وعنها ابنها محمد بن عبد الرحمن، ذكرها ابن حبّان فِي "الثقات"، روى لها المصنّف، وأبو داود، وابن ماجه حديث الباب فقط. ٩ - (عائشة) رضي الله تعالى عنها ٥/ ٥. والله تعالى أعلم. لطائف هَذَا الإسناد: منها: أنه منْ سباعيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم موثّقون. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين منْ مالك. (ومنها): أن فيه ثلاثة منْ التابعين يروي بعضهم عن بعض: يزيد، ومحمد بن عبد الرحمن، وأمه، وفيه رواية الراوي عن أمه، وفيه عائشة رضي الله تعالى عنها منْ المكثرين السبعة، روت (٢٢١٠) أحاديث. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أُمِّهِ) هكذا فِي بعض نسخ "المجتبى"، وهو الذي فِي رواية أبي داود فِي "كتاب اللباس" برقم ٤١٢٤ وابن ماجه فِي "اللباس" أيضًا برقم ٣٦١٢ - وهو الذي فِي "تحفة الأشراف" -١٢/ ٤٤٤ - ووقع فِي النسخة "الهندية" منْ "المجتبى"، "عن أبيه" بدل "عن أمه"، وهو الذي فِي "الكبرى"، بل أشار فِي هامش "الهنديّة" أنه وقع فِي بعض النسخ "عن عبد الرحمن بن ثوبان"، بدل عن أبيه. قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: الذي يظهر لي أن "عن أبيه" تصحيفٌ، والصواب "عن أمّه"؛ لأنه الذي اتفقت عليه الروايات، فقد روى الحديث مالك فِي "الموطّإ" رقم ٣٠٨ وأحمد فِي "مسنده" ٦/ ١٠٤ والدارميّ فِي "سننه" رقم ١٩٩٣ وأبو داود فِي "سننه" رقم ٤١٢٤، وابن ماجه فِي "سننه" ٣٦١٢ - فكلهم بلفظ "عن أمه"، وجزم الحافظ المزّي فِي "تحفة الأشراف" -١٢/ ٤٤٤ - بأمه، ونصّ ترجمته: "أم محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان، عن عائشة" ورمز لأبي داود، والنسائيّ، وابن ماجه، فجعل رواية المصنّف أيضًا بلفظ "عن أمه"، ولم يذكر خلاف ذلك، فدلّ أن "عن أبيه" تصحيف، والصواب "عن أمه"، فتنبّه. والله تعالى أعلم.

стр. 16096

[تنبيه]: مما يؤيّد ذلك أني لم أجد ترجمة عبد الرحمن بن ثوبان، والد محمد هَذَا، فلو كانت له رواية لترجموه، ولاسيّما إذا كَانَ ممن له رواية فِي الأصول الستّة. والله تعالى أعلم. (عَنْ عَائِشَةَ) رضي الله تعالى عنها (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَمَرَ) أي أذن، ورخّص (أَنْ يُسْتَمْتَعَ) بالبناء للمفعول: أي يُنتفع (بِجُلُودِ الْمَيْتَةِ، إِذَا دُبِغَتْ") هَذَا الْحَدِيث يَدُلّ عَلَى أنَّ جُلُود الْمَيْتَة كُلّهَا طَاهِرَة بَعْد الدِّبَاغ يحِلّ الاسْتِمْتاع بِهَا، وهذا هو المذهب الصحيح، وَقَدْ تقدّم تمام البحث فيه قريبًا، فلا تغفل. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهدا الحديث: (المسألة الأولى): فِي درجته: حديث عائشة رضي الله تعالى عنها هَذَا صحيحٌ (١). [فإن قلت]: كيف يصحّ، وفيه أم محمد بن عبد الرحمن مجهولة؟. [قلت]: تقدم الحديث منْ رواية الأسود، عن عائشة رضي الله تعالى عنها، فلم تنفرد هي بروايته عنها، فالحديث صحيح. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -٦/ ٤٢٥٤ - وفي "الكبرى" ٧/ ٤٥٧٨. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلتُ، وإليه أنيب" … ٧ - (النَّهْىِ عَنْ الاِنْتِفَاعِ بِجُلُودِ السِّبَاعِ) ٤٢٥٥ - (أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ يَحْيَى، عَنِ ابْنِ أَبِي عَرُوبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ

стр. 16097

أَبِي الْمَلِيحِ، عَنْ أَبِيهِ: "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ جُلُودِ السِّبَاعِ"). رجال هَذَا الإسناد: ستة: ١ - (عبيد الله بن سعيد) أبو قُدامة السرخسيّ، ثقة مأمون سنيّ [١٠] ١٥/ ١٥. ٢ - (يحيى) بن سعيد القطّان البصريّ الإمام الحجة الثبت [٩] ٤/ ٤. ٣ - (ابن أبي عَرُوبة) هو سعيد البصريّ، ثقة ثبت، يدلس، واختلط بآخره [٦] ٣٤/ ٣٨. ٤ - (قتادة) بن دعامة السدوسي البصريّ، ثقة ثبت يدلس [٤] ٣٠/ ٣٤. ٥ - (أبو الْمَليح) بن أسامة بن عمير، أو عامر بن حُنيف بن ناجية الْهُذَليّ البصريّ، ثقة [٣] ١٠٢/ ١٣٩. ٦ - (أبوه) أسامة بن عُمير بن عامر بن الأُقيش الهذلي البصريّ، صحابي تفرد ولده بالرواية عنه، وتقدمت ترجمته فِي ١٠٤/ ١٣٩. والله تعالى أعلم. لطائف هَذَا الإسناد: منها: أنه منْ سداسيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير والد أبي المليح، فإنه منْ رجال الأربعة. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين، غير شيخه، فإنه سرخسيّ، وفيه رواية تابعيّ، تابعيّ، والابن عن أبيه، وفيه والد أبي المديح تفرّد بالرواية عنه ابنه. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ أَبِي الْمَلِيحِ) بفتح الميم، وكسر اللام عامر بن أُسامة، وقيل: غيره (عَن أَبِيهِ) أسامة بن عُمير رضي الله تعالى عنه (أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ نَهَى عن جُلُودِ السِّبَاعِ) أي عن استعمال جلود السباع. قيل: المراد به قبل الدبغ، وقيل: مطلقًا، إن قيل بعدم طهارة الشعر بالدبغ، كما هو مذهب الشافعيّ، وإن قيل: بطهارته فالنهي لكونها منْ دأب الجبابِرة، وعمل المترفّهين. (نَهَى عَنْ جُلُودِ السِّبَاعِ) زاد فِي رواية التِّرمِذِيّ: "أنْ تُفْتَرَش". وقدْ اسْتُدِلَّ بهِ عَلَى أنَّ جُلُود السِّبَاع، لا يَجُوز الانْتِفَاع بِهَا. وَقَدْ اخْتُلِف فِي حِكْمَة النَّهْي، فَقَالَ الْبَيْهقِيُّ: يَحْتَمِل أَنَّ النَّهْي وَقَعَ لِما يَبْقَى عَلَيْهَا منْ الشَّعْر؛ لِأَنَّ الدِّبَاغ لا يؤَثِّر فِيهِ. وَقَالَ غَيْره: يَحْتَمِل أَنَّ النَّهْي عَمَّا لَمْ يُدْبَغ مِنْهَا؛ لِأجْلِ النَّجَاسَة، أوْ أنَّ النَّهْي لِأجْلِ أنَّهَا مَراكِب أَهْل السَّرَف، وَالْخُيَلاء. قَالَ الشَّوْكَانِيُّ رحمه الله تعالى: مَا مُحَصَّلَهُ: الاستدلال بأحاديث النهي عن جلود

стр. 16098

السباع عَلَى أن الدباغ لا يُطهّر جلود السباع، بناء عَلَى أنها مخصِّصة للأحاديث القاضية بأن الدباع مطهّر عَلَى العموم، غير ظاهر؛ لأن غاية ما فيها مجرّد النهي عن الركوب عليها، وافتراشها، ولا ملازمة بين ذلك، وبين النجاسة، كما لا ملازمة بين النهى عن الذهب والحرير، ونجاستهما، فلا معارضة، بل يُحكم بالطهارة بالدباغ، مع منع الركوب عليها، ونحوه، مع أنه يمكن أن يقال: إن أحاديث هَذَا الباب أعم منْ الأحاديث التي تقدّمت فِي إباحة المدبوغ منْ جلد الميتة، منْ وجه؛ لشمولها لِمَا كَانَ مدبوغًا، منْ جلود السباع، وما كَانَ غير مدبوغ. انتهى كلام الشوكانيّ رحمه الله تعالى (١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): فِي درجته: حديث والد أبي الْمليح رضي الله تعالى عنه هَذَا صحيح. (المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -٧/ ٤٢٥٥ - وفي "الكبرى" ٨/ ٤٥٧٩. وأخرجه (د) فِي "اللباس" ٤١٣٢ (ت) فِي "اللباس" ١٧٧٠ و١٧٧١ (أحمد) فِي "أول مسند البصريين" ٣٠١٨٣ و٢٠١٨٩ (الدارمي) فِي "الأضاحي" ١٩٨٣. والله تعالى أعلم. [تنبيه]: قَالَ الإمام الترمذيّ رحمه الله تعالى بعد أن أخرج الحديث: ما نصّه: ولا نعلم أحدا، قَالَ: عن أبي المليح، عن أبيه، غيرَ سعيد بن أبي عروبة. ثم ساق الحديث منْ طريق شعبة، عن يزيد الرِّشْك، عن أبي المليح، عن النبيّ ﷺ : "أنه نهى عن جلود السباع"، مرسلًا، ثم قَالَ: وهذا أصح. انتهى. قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: الظاهر أن الترمذي إنما رجّح رواية شعبة؛ لكونه أحفظ منْ سعيد، لكن الحديث يشهد له حديث المقدام بن معدي كرب رضي الله تعالى عنه الآتي بعده، فلا يضره ترجيح الإرسال. والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): فِي اختلاف أهل العلم فِي حكم الانتفاع بجلود السباع: قَالَ الإمام ابن قُدامة رحمه الله تعالى: فأما جلود السباع، فَقَالَ القاضي: لا يجوز الانتفاع بها قبل الدبغ وبعده، وبذلك قَالَ الأوزاعيّ، ويزيد بن هارون، وابن المبارك، وإسحاق، وأبو ثور. ورُوي عن عمر، وعلي رضي الله تعالى عنهما كراهية الصلاة فِي

стр. 16099

جلود الثعالب، وكرهه سعيد بن جُبير، والحكم، ومكحول، وإسحاق، وكره الانتفاع بجلود السنانير عطاءٌ، وطاوس، ومجاهد، وعَبِيدة السلْماني. ورخّص فِي جلود السباع جابر، ورُوي عن ابن سيرين، وعروة أنهم رخّصوا فِي الركوب عَلَى جلود النمور، ورخّص فيها الزهريّ. وأباح الحسن، والشعبيّ، وأصحاب الرأي الصلاة فِي جلود الثعالب؛ لأن الثعالب تُفدى فِي الإحرام، فكانت مباحة، ولما ثبت منْ الدليل عَلَى طهارة جُلود الميتة بالدباغ. انتهى كلام ابن قدامة رحمه الله تعالى (١). قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: الذي يظهر لي ترجيح هو قول منْ قَالَ بإباحة استعمال جلود السباع المدبوغة؛ وأن النهي عن الانتفاع بها مقيّد بما إذا لم تُدبغ؛ جمعا بين أحاديث الباب، والأحاديث الماضية التي أباحت الانتفاع بجلود الميتة المدبوغة مطلقًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٢٥٦ - (أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا بَقِيَّةُ، عَنْ بَحِيرٍ، عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ، عَنِ الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِيكَرِبَ، قَالَ: "نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، عَنِ الْحَرِيرِ وَالذَّهَبِ، وَمَيَاثِرِ النُّمُورِ"). رجال هَذَا الإسناد: خمسة: ١ - (عمرو بن عثمان) أبو حفص الحمصيّ، صدوق [١٠] ٢١/ ٥٣٥. ٢ - (بقيّة) بن الوليد الكَلاعيّ الحمصيّ، صدوق، كثير التدليس عن الضعفاء [٨] ٤٥/ ٥٥. ٣ - (بَحِير) بن سعد السَّحُوليّ، أبو خالد الحمصيّ، ثقة ثبت [٦] ١/ ٦٨٨. ٤ - (خالد بن معدان) أبو عبد الله الكلاعيّ الحمصيّ، ثقة عابد [٣] ١/ ٦٨٨. ٥ - (الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِيكَرِبَ) بن عمرو الكِنْديّ، الصحابيّ المشهور، نزل الشام، ومات رضي الله تعالى عنه (٨٧) عَلَى الصحيح، وله (٩١) سنة تقدّمت ترجمته فِي -٢٦/ ٢١٦٤. والله تعالى أعلم. لطائف هَذَا الإسناد: منها: أنه منْ خماسيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، وبقية وإن كَانَ مدلسًا تدليس التسوية فقد أخرج له مسلم فِي المتابعات، وعلق له البخاريّ. (ومنها): أنه مسلسل بالحمصيين. والله تعالى أعلم.

стр. 16100

شرح الحديث (عَنْ الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِيكَرِبَ) بن عمرو الكِنْديّ رضي الله تعالى عنه، أنه (قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الْحَرِيرِ وَالذَّهَبِ) أي عن استعمالهما للرجال، وإطلاقه يشمل استعمال الحرير بالفرش، وَقَدْ جاء عنه النهي صريحًا فِي "صحيح البخاريّ"، وسيأتي الكلام فِي استعمال الذهب والحرير فِي موضعه منْ "كتاب الزينة"، إن شاء الله تعالى. (وَمَيَاثِرِ النُّمُورِ) "المياثر": جمع مِيثرة، بكسر الميم، وسكون التحتانيّة، وفتح المثلّثة، بعدها راء، ثم هاء، ولا همز فيها، وأصلها منْ الوثارة، أو الوِثرة بكسر الواو، وسكون المثلّثة، والوثير: هو الفراش الوطيء، وامرأة وثيرةٌ: كثيرة اللحم. قَالَ فِي "القاموس": الْمِيثرةُ: الثوب الذي تُجلَّل به الثياب، فيعلوها، وهَنَةٌ كهيئة الْمِرْفقة، تُتّخَذ للسّرْج كالصُّفَّة، جمعه مواثرُ، ومياثرُ، وجلود السباع، ومراكب تُتّخذ منْ الحرير والديباج. انتهى. قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: المناسب لما هنا جلود السباع، فالمعنى: وجلود النمور، أي نهى أن تُفرش جلودها عَلَى السُّرُج، والرِّحَال للجلوس عليها. والنمور، وفي رواية: "النمار" جمع نَمِر بفتح النون، وكسر الميم، ويجوز التخفيف بكسر النون، وسكون المين: وهو سبُعٌ أجرأ، وأخبث منْ الأسد، وهو منقّط الجلد بنقط سود وبِيض، وفيه شبه منْ الأسد، إلا أنه أصغر منه، ورائحة فمه طيّبة، بخلاف الأسد، وبينه وبين الأسد عداوة، وهو بَعيد الوثبة، فربّما وثب أربعين ذراعًا. وإنما نهي عن استعمال جلده لما فيه منْ الزينة والخيلاء، ولأنه زيّ العجم، ولأنها لا تُذكّى غالبًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): فِي درجته: حديث المقدام بن معدي كرِب رضي الله تعالى عنه هَذَا صحيح. [فإن قلت]: كيف يصحّ، وفي إسناده بقيّة، وهو معروف بالتدليس عن الضعفاء، وَقَدْ عنعنه؟. [أجيب]: بأنه صرّح بالتحديث عبد أحمد، ٤/ ١٣٢ فقد أخرجه منْ طريق حيوة بن شُريح، ثنا بقية، ثنا بَحِير بن سعد به، وأيضًا يشهد له حديث أبي المليح، عن أبيه: أن النبيّ صلّى الله تعالى عليه وسلم "نهى عن جلود السباع"، وهو الحديث الذي قبله.

стр. 16101

والله تعالى أعلم. (المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -٧/ ٤٢٥٦ و٤٢٥٧ - وفي "الكبرى" ٨/ ٥٤٨٠ و٤٥٨١. وأخرجه (د) فِي "اللباس" ٤١٣١. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٢٥٧ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا بَقِيَّةُ، عَنْ بَحِيرٍ، عَنْ خَالِدٍ، قَالَ: وَفَدَ الْمِقْدَامُ بْنُ مَعْدِيكَرِبَ، عَلَى مُعَاوِيَةَ، فَقَالَ لَهُ: أَنْشُدُكَ بِاللَّهِ، هَلْ تَعْلَمُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، نَهَى عَنْ لُبُوسِ جُلُودِ السِّبَاعِ، وَالرُّكُوبِ عَلَيْهَا، قَالَ نَعَمْ). قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: الحديث تقدّم سنده، وتخريجه فِي الذي قبله. و"معاوية": هو ابن أبي سفيان بن حرب الصحابيّ المشهور رضي الله تعالى عنهما. وقوله: "أنشُدك بالله" بضم الشين المعجمة: أي أسألك با الله تعالى، يقال: نشدتك الله، وبالله أنشدُك، منْ باب نصر: ذكّرتك به، واستطعفتك، أو سألتك به، مُقسِمًا علمِك. أفاده الفيّوميّ. وقوله: "عن لُبُوس جلود السباع" هكذا نسخ "المجتبى" "لبوس" بواو بعد الباء، والذي فِي "الكبرى" عن لُبس" بغير واو، وهو الذي فِي "سنن أبي داود"، وهو الموافق لما فِي كتب اللغة، فإنه بضم اللام، وسكون الباء الموحّدة مصدر لبِس بكسر الباء منْ باب تعب، ولم أجد فِي "القاموس"، ولا فِي "المصباح" "لبوسا" لا مصدرًا، ولا جمعًا، فليُحرّر. والله تعالى أعلم. [تنبيه]: قصّة وفادة المقدام بن معدي كرب عَلَى معاوية رضي الله تعالى عنهما، اختصرها المصنّف، وَقَدْ ساقها أبو داود فِي "سننه" مطوّلةً بسند المصنّف، فَقَالَ: ٤١٣١ - حدثنا عمرو بن عثمان بن سعيد الحمصي، حدثنا بقية، عن بحير، عن خالد، قَالَ: وَفَدَ المقدام بن معدي كرب، وعمرو بن الأسود، ورجل منْ بني أسد، منْ أهل قِنّسرين إلى معاوية بن أبي سفيان، فَقَالَ معاوية للمقدام: أعلمت أن الحسن بن علي توفي، فرجَّعَ المقدام، فَقَالَ له رجل: أتَرَاها مصيبة؟، قَالَ له: ولِمَ لا أراها مصيبة، وَقَدْ وضعه رسول الله ﷺ فِي حجره، فَقَالَ: "هَذَا مني، وحسين منْ علي"، فَقَالَ الأسدي: جَمْرَة أطفأها الله ، قَالَ: فَقَالَ المقدام: أما أنا فلا أبرَحُ اليوم، حَتَّى أُغِيظَك، وأسمعك ما تكره، ثم قَالَ: يا معاوية، إن أنا صدقت فصدقني، وإن أنا كذبت فكذبني، قَالَ: أفعل، قَالَ: فأنشدك بالله، هل تعلم أن رسول الله ﷺ نهى عن لبس الذهب؟، قَالَ: نعم، قَالَ: فأنشدك بالله، هل تعدم أن رسول الله ﷺ ، نهى عن

стр. 16102

لبس الحرير؟، قَالَ: نعم، قَالَ: فأنشدك بالله، هل تعلم أن رسول الله ﷺ ، نهى عن لبس جلود السباع، والركوب عليها؟، قَالَ: نعم، قَالَ: فوالله فقد رأيت هَذَا كله فِي بيتك، يا معاوية، فَقَالَ: معاوية، قد علمتُ أني لن أنجو منك، يا مقدام، قَالَ خالد: فأمر له معاوية بما لم يأمر لصاحبيه، وفَرَضَ لابنه فِي المائتين، ففرّقها المقدام فِي أصحابه، قَالَ: ولم يُعطِ الأسديُّ أحدا شيئًا، مما أَخَذَ، فبلغ ذلك معاوية، فَقَالَ: أما المقدام فرجل كريم، بَسَطَ يده، وأما الأسدي فرجل حسن الإمساك لِشَيئِهِ. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلتُ، وإليه أنيب". … ٨ - (النَّهْىِ عَنْ الاِنْتِفَاعِ بِشُحُومِ الْمَيْتَةِ) ٤٢٥٨ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، عَامَ الْفَتْحِ، وَهُوَ بِمَكَّةَ، يَقُولُ: "إِنَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، حَرَّمَ بَيْعَ الْخَمْرِ، وَالْمَيْتَةِ، وَالْخِنْزِيرِ، وَالأَصْنَامِ"، فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَأَيْتَ شُحُومَ الْمَيْتَةِ، فَإِنَّهُ يُطْلَى بِهَا السُّفُنُ، وَيُدَّهَنُ بِهَا الْجُلُودُ، وَيَسْتَصْبِحُ بِهَا النَّاسُ، فَقَالَ: "لَا هُوَ حَرَامٌ"، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : عِنْدَ ذَلِكَ: "قَاتَلَ اللَّهُ الْيَهُودَ، إِنَّ اللَّهَ لَمَّا حَرَّمَ عَلَيْهِمُ الشُّحُومَ، جَمَّلُوهُ، ثُمَّ بَاعُوهُ، فَأَكَلُوا ثَمَنَهُ"). رجال هَذَا الإسناد: خمسة: ١ - (قتيبة) بن سعيد الثقفيّ، ثقة ثبت [١٠] ١/ ١. ٢ - (الليث) بن سعد الإمام الحجة الثبت المصريّ [٧] ٣١/ ٣٥. ٣ - (يزيد بن أبي حبيب) سُويد، أبو رجاء المصريّ، ثقة فقيه يرسل [٥] ١٣٤/ ٢٠٧. ٤ - (عطاء بن أبي رباح) المكيّ الثقة ثبت الفقيه [٣] ١١٢/ ١٥٤. ٥ - (جابر بن عبد الله) بن عمرو بن حرام الأنصاريّ السَّلَمي رضي الله تعالى عنهما ٣١/ ٣٥. والله تعالى أعلم.

стр. 16103

لطائف هَذَا الإسناد: (منها): أنه منْ خماسيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بثقات المصريين، إلا عطاء فمكي، وجابرًا فمدني. (ومنها): أن فيه رواية تابعيين عن تابعيّ، وفيه جابر منْ المكثرين السبعة، روى (١٥٤٠) حديثًا. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ) ذكِر الإمام البخاريّ رحمه الله تعالى بعد أن ساق الحديث عن قتيبة بسند المصنّف، ما يبين أن يزِيد بْن أبِي حبيب، لم يسمعهُ منْ عطاء، وإِنَّما كتب بِهِ إِليهِ، ونصّه: وَقَالَ أبو عاصم: حدّثنا عبد الحميد، حدّثنا يزيد، كتب إليّ عطاء، سمعت جابرًا رضي الله تعالى عنه، عن النبيّ صلّى الله تعالى عليه وسلم. انتهى. قَالَ فِي "الفتح": ولِيزيد فِيهِ إِسْنَاد آخر، ذكره أبُو حَاتِم، فِي "الْعِلَل" منْ طرِيق حَاتِم ابْن إِسْمَاعِيل، عن عبد الحمِيد بن جَعْفر، عن يزِيد بْن أبِي حبيب، عن عَمْرو بْن الْوَلِيد ابْن عَبَدةَ (١)، عن عبد الله بْن عمرو بْن الْعَاصِ. قَالَ ابْن أبِي حَاتِم: سَأَلتْ أبِي عَنهُ؟ فَقَالَ: قَدْ رَوَاهُ مُحَمَّد بن إِسْحَاق، عن يزِيد، عن عطاء، ويزِيد لم يَسْمَع مِن عَطَاء، ولا أعْلمِ أحدًا منْ المِصْرِيِّين، رواهُ عن يَزِيد، مُتابِعًا لِعبدِ الْحَمِيد بن جَعْفَر، فَإِنْ كَانَ حَفِظَهُ، فهُو صَحِيح؛ لِأنَّ مَحَلّه الصِّدق. قَالَ الحافظ: قد اختُلِف فِيهِ عَلَى عَبْد الْحَمِيد، وَرِوَاية أبِي عَاصِم عَنْهُ المُوَافَقَة لِرِوَايةِ غيره عن يزِيد أرْجَح، فتكُون رِوَاية حَاتِم بْن إِسْمَاعِيل شَاذَّة. انتهى. (عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ) رضي الله تعالى عنهما وفِي رِواية أحمد، عن حَجَّاج بن مُحَمَّد، عن اللَّيث بسندِهِ: "سمِعت جابِر بْن عبد الله بمكة" (أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَامَ الْفَتْحِ، وَهُوَ بِمَكَّةَ) فيه بيان تاريخ ذلك، وكان ذلك فِي رمضان، سنة ثمان منْ الهجرة، ويحتمل أن يكون التحريم وقع قبل ذلك، ثم أعاده صلّى الله تعالى عليه وسلم ليسمعه منْ لم يكن سمعه. قاله فِي "الفتح" (٢) (يَقُولُ: "إِنَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، حَرَّمَ) هكذا وقع هنا، وفي "الصحيحين" بإسناد الفعل إلى ضمير الواحد، وكان الأصل "حرّما"، فَقَالَ القُرْطُبِيّ: إِنَّه ﷺ تأدَّب، فلمْ يَجْمع بينه وبين اسْم الله فِي ضَمِير الاثْنَينِ؛ لِأنَّه مِنْ نوْع ما رَدَّ بِهِ عَلَى الْخَطيب الَّذِي قَالَ: "وَمَنْ يَعْصِهِمَا". قَالَ الحافظ: كذا قَالَ، ولَمْ تَتَّفِق الرُّواة فِي هَذَا الْحَدِيث عَلَى ذَلِكَ، فَإِنَّ فِي بَعْض طُرُقه

стр. 16104

فِي الصَّحِيح: "إِنَّ الله حَرَّمَ"، ليس فِيهِ: "ورسُوله"، وفِي رواية لابْنِ مَرْدوْيهِ، مِنْ وَجْه آخر، عن اللَّيْث: "إِنَّ الله وَرَسُوله حَرَّمَا"، وَقَدْ صحَّ حدِيث أنس رضي الله تعالى عنه فِي النَّهْي عَن أكل الحُمُر الأهلِيَّة: "إِنَّ الله ورسُوله يَنْهَيَانِكُم"، ووقع فِي رِواية النَّسائِيِّ فِي هَذَا الحدِيث: "يَنْهَاكُمْ"، والتَّحقِيق جواز الإفْراد فِي مِثْل هَذَا، وَوَجْهه الإشَارة إِلى أنَّ أمر النَّبِيّ صلّى الله تعالى عليه وسلم نَاشِىءٌ عن أمر الله، وهُوَ نَحو قوْله: ﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ﴾، والْمُخْتار فِي هَذَا أنَّ الجُملة الأُولَى حُذِفَتْ؛ لِدلالةِ الثَّانِية عليها، والتَّقدِير عِند سِيبَوَيْهِ: والله أحَقّ أَنْ يُرْضُوهُ، وَرَسُوله أَحَقّ أن يُرْضُوهُ، وهُو كَقَوْلِ الشَّاعِر: نَحْنُ بِمَا عِنْدنَا وَأنْتَ بِمَا … عِنْدك رَاضٍ والرَّأي مُخْتلِف وقِيل: أَحَقّ أَنْ يُرْضُوهُ خَبَر عَن الاسْمَيْنِ؟ لِأنَّ الرَّسُول تَابع لِأمْرِ الله. (بَيْعَ الْخَمْرِ، وَالْمَيْتَةِ، وَالْخِنْزِيرِ، وَالأَصْنَامِ) جمع صنم، قَالَ الجوهريّ: هو الوثن، وَقَالَ غيره: الوثن ما له جُثّةٌ، والصنم ما كَانَ مُصوّرًا، فبينهما عموم وخصوص وجهيّ، فإن كَانَ مصوّرًا فهو وثن وصنم. (فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ) قَالَ الحافظ: لم أقف تسمية القائل، وفي رواية عبد الحميد: "فَقَالَ رجل" (أَرَأَيْتَ شُحُومَ الْمَيْتَةِ) جمع شَحْم، كفلس وفُلُوس (فَإِنَّهُ يُطْلَى) بالبناء للمفعول: أي يُلَطّخ (بِهَا السُّفُنُ وَيُدَّهَنُ بِهَا الْجُلُودُ)، بناء الفعل للمفعول، يقال: دَهَنْتُ الشعرَ وغيرَهُ، منْ باب قتل: إذا طليته. يعني: أن تلك الشحوم تُطْلَى بها الجلود (وَيَسْتَصْبِحُ بِهَا النَّاسُ) ببناء الفعل للفاعل: أي يُنوِّرُون بها مصابيحهم، فهل يجوز لنا بها الانتفاع بالبيع وغيره (فَقَالَ) صلّى الله تعالى عليه وسلم (لا هُوَ حَرَامٌ) الظاهر أن الضمير للانتفاع، أي الانتفاع بشحوم الميتة حرام، وهذا قاله أكثر العلماء، قَالَ فِي "الفتح": قوله: "هو حرام"، أي البيع حرام، هكذا فسّره بعض العلماء، كالشافعيّ، ومن اتّبعه، ومنهم منْ حمل قوْله: "هُوَ حَرَام" عَلَى الانتِفاع، فَقَالَ: يَحْرُم الانْتِفاع بِها، وهُوْ قَوْل أكثر العُلَمَاء، فلا يُنتفع منْ الميتة أصلاً عِنْدهمْ، إِلَّا مَا خُصَّ بِالدَّلِيلِ، وهُو الجِلْد المَدْبُوغ. قَالَ الجامع: هَذَا هو الراجح عندي، قَالَ: واخْتَلفُوا فِيما يَتَنَجَّس مِنْ الأشيَاء الطَّاهِرة، فالجُمْهُور عَلَى الجَوَاز، وَقَالَ أحمد، وَابْن المَاجِشُونِ: لا يُنتفع بِشَيْءٍ منْ ذَلِكَ، واسْتَدَلَّ الخَطَّابِيُّ عَلَى جواز الانتِفاع بِإِجْمَاعِهِم عَلَى أنَّ منْ ماتت لهُ دَابَّة، ساَغَ لهُ إِطْعامها لِكِلابِ الصَّيْد، فَكَذلِكَ يَسُوغ دَهْن السَّفِينة بِشَحْمِ الْمَيْتة، ولا فَرْق. قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: القول بتحريم الانتفاع بشحوم الميتة مطلقًا هو الصواب؛ لظاهر هَذَا الحديث، ولقوله ﷺ فِي حريث الفأرة الآتي قريبًا: "وإن كَانَ مائعًا فلا تقربوه". والله تعالى أعلم. (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عِنْدَ ذَلِكَ: "قَاتَلَ اللَّهُ الْيَهُودَ) أي طردهم، وأبعدهم منْ رحمته

стр. 16105

(إِنَّ اللَّهَ لَمَّا حَرَّمَ) بفتح الحاء المهملة، وتشديد الراء، منْ التحريبم (عَلَيْهِمُ الشُّحُومَ جَمَّلُوهُ) بفتح الجيم، والميم مخفّفة، قَالَ فِي "اللسان": جَمَلَه يجْمُلُه جملاً -أي منْ باب نصر- وأجمله: أذابه، واستخرج دهنا، وجَمَلَ أفصحُ منْ أجمل، ثم استشهد بهذا الحديث (ثُمَّ بَاعُوهُ، فَأَكَلُوا ثَمَنَهُ) قَالَ فِي "الفتح": سِيَاقه مُشْعِر بِقُوَّةِ ما أوَّلَهُ الأكثرُ أنَّ المُراد بقولِهِ: "هُوَ حَرَام" الْبَيْع، لا الانْتِفاع. قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: قوله: "سياقه مشعر إلخ" فيه نظر، بل الظاهر أن الحمل عَلَى الانتفاع هو الأقوى، كما يرجحه حديث ميمونة ﵂ الآتي حيث يقول: "وإن كَانَ مائعًا فلا تقربوه"، والله تعالى أعلم. وَرَوَى أَحْمَد، والطَّبرانِيُّ منْ حَدِيث ابْن عُمَر، مَرْفُوعاً: "الْوَيْل لِبنِي إِسْرَائِيل، إِنَّهُ لَمَّا حُرِّمَتْ عَليهِم الشُّحُوم باعُوها، فَأكَلُوا ثَمَنَها، وَكَذلِك ثَمَن الْخَمْر عَلَيْكُم حَرَام". والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): فِي درجته: حديث جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما هَذَا متَّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -٨/ ٤٢٥٨ وفي "البيوع" ٩٣/ ٤٦٧١ - وفي "الكبرى" ٩/ ٤٥٨٢ وأخرجه (خ) فِي "البيوع" ٢٢٣٦ و"التفسير" ٤٦٣٣ (م) فِي "المساقاة" ٢٩٦٠ (د) فِي "البيوع" ٣٤٨٦ (ت) فِي "البيوع" ١٢٩٧ (ق) فِي "التجارات" ٢١٦٧ (أحمد) فِي "باقي مسند المكثرين" ١٤٠٨٦. والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): فِي فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو النهي عن الانتفاع بشحوم المييتة. (ومنها): تحريم بيع هذه الأشياء المذكورة فِي هَذَا الحديث، وسيأتي تمام البحث فِي ذلك فِي "كتاب البيوع"، إن شاء الله تعالى. (ومنها): تحريم استعمال شحوم الميتة فِي أيّ نوع منْ أنواع الاستعمال. (ومنها): أن فيه إبطال كلّ حيلة، يُتوصّل بها إلى تحليل محرّم، وأنه لا يتغيّر حكمه بتغيّر هيئته، وتبدّل اسمه، فإن اليهود أذابوا الشحوم، حَتَّى صارت وَدَكًا، وزال عنها اسم الشحم، ومع ذلك لُعِنوا. (ومنها): أن منْ احتال فِي استعمال الأشياء المحرّمة، كَانَ ملعونًا؛ لكونه سلك مسلك اليهود الذين لعنهم الله تعالى؛ لانثهاكهم ما حرّم الله تعالى بالاحتيال. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعتُ، وما توفيقِي إلا بالله، عليه توكلتُ، وإليه أنيب". ***
следующие страницы →