والله تعالى أعلم.
(المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -٧/ ٤٢٥٦ و٤٢٥٧ - وفي "الكبرى" ٨/ ٥٤٨٠ و٤٥٨١. وأخرجه (د) فِي "اللباس" ٤١٣١. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٢٥٧ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا بَقِيَّةُ، عَنْ بَحِيرٍ، عَنْ خَالِدٍ، قَالَ: وَفَدَ الْمِقْدَامُ بْنُ مَعْدِيكَرِبَ، عَلَى مُعَاوِيَةَ، فَقَالَ لَهُ: أَنْشُدُكَ بِاللَّهِ، هَلْ تَعْلَمُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، نَهَى عَنْ لُبُوسِ جُلُودِ السِّبَاعِ، وَالرُّكُوبِ عَلَيْهَا، قَالَ نَعَمْ).
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: الحديث تقدّم سنده، وتخريجه فِي الذي قبله.
و"معاوية": هو ابن أبي سفيان بن حرب الصحابيّ المشهور رضي الله تعالى عنهما.
وقوله: "أنشُدك بالله" بضم الشين المعجمة: أي أسألك با الله تعالى، يقال: نشدتك الله، وبالله أنشدُك، منْ باب نصر: ذكّرتك به، واستطعفتك، أو سألتك به، مُقسِمًا علمِك. أفاده الفيّوميّ.
وقوله: "عن لُبُوس جلود السباع" هكذا نسخ "المجتبى" "لبوس" بواو بعد الباء، والذي فِي "الكبرى" عن لُبس" بغير واو، وهو الذي فِي "سنن أبي داود"، وهو الموافق لما فِي كتب اللغة، فإنه بضم اللام، وسكون الباء الموحّدة مصدر لبِس بكسر الباء منْ باب تعب، ولم أجد فِي "القاموس"، ولا فِي "المصباح" "لبوسا" لا مصدرًا، ولا جمعًا، فليُحرّر. والله تعالى أعلم.
[تنبيه]: قصّة وفادة المقدام بن معدي كرب عَلَى معاوية رضي الله تعالى عنهما، اختصرها المصنّف، وَقَدْ ساقها أبو داود فِي "سننه" مطوّلةً بسند المصنّف، فَقَالَ:
٤١٣١ - حدثنا عمرو بن عثمان بن سعيد الحمصي، حدثنا بقية، عن بحير، عن خالد، قَالَ: وَفَدَ المقدام بن معدي كرب، وعمرو بن الأسود، ورجل منْ بني أسد، منْ أهل قِنّسرين إلى معاوية بن أبي سفيان، فَقَالَ معاوية للمقدام: أعلمت أن الحسن بن علي توفي، فرجَّعَ المقدام، فَقَالَ له رجل: أتَرَاها مصيبة؟، قَالَ له: ولِمَ لا أراها مصيبة، وَقَدْ وضعه رسول الله ﷺ فِي حجره، فَقَالَ: "هَذَا مني، وحسين منْ علي"، فَقَالَ الأسدي: جَمْرَة أطفأها الله ، قَالَ: فَقَالَ المقدام: أما أنا فلا أبرَحُ اليوم، حَتَّى أُغِيظَك، وأسمعك ما تكره، ثم قَالَ: يا معاوية، إن أنا صدقت فصدقني، وإن أنا كذبت فكذبني، قَالَ: أفعل، قَالَ: فأنشدك بالله، هل تعلم أن رسول الله ﷺ نهى عن لبس الذهب؟، قَالَ: نعم، قَالَ: فأنشدك بالله، هل تعدم أن رسول الله ﷺ ، نهى عن
стр. 16102
لبس الحرير؟، قَالَ: نعم، قَالَ: فأنشدك بالله، هل تعلم أن رسول الله ﷺ ، نهى عن لبس جلود السباع، والركوب عليها؟، قَالَ: نعم، قَالَ: فوالله فقد رأيت هَذَا كله فِي بيتك، يا معاوية، فَقَالَ: معاوية، قد علمتُ أني لن أنجو منك، يا مقدام، قَالَ خالد: فأمر له معاوية بما لم يأمر لصاحبيه، وفَرَضَ لابنه فِي المائتين، ففرّقها المقدام فِي أصحابه، قَالَ: ولم يُعطِ الأسديُّ أحدا شيئًا، مما أَخَذَ، فبلغ ذلك معاوية، فَقَالَ: أما المقدام فرجل كريم، بَسَطَ يده، وأما الأسدي فرجل حسن الإمساك لِشَيئِهِ. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلتُ، وإليه أنيب".
…
٨ - (النَّهْىِ عَنْ الاِنْتِفَاعِ بِشُحُومِ الْمَيْتَةِ)
٤٢٥٨ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، عَامَ الْفَتْحِ، وَهُوَ بِمَكَّةَ، يَقُولُ: "إِنَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، حَرَّمَ بَيْعَ الْخَمْرِ، وَالْمَيْتَةِ، وَالْخِنْزِيرِ، وَالأَصْنَامِ"، فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَأَيْتَ شُحُومَ الْمَيْتَةِ، فَإِنَّهُ يُطْلَى بِهَا السُّفُنُ، وَيُدَّهَنُ بِهَا الْجُلُودُ، وَيَسْتَصْبِحُ بِهَا النَّاسُ، فَقَالَ: "لَا هُوَ حَرَامٌ"، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : عِنْدَ ذَلِكَ: "قَاتَلَ اللَّهُ الْيَهُودَ، إِنَّ اللَّهَ لَمَّا حَرَّمَ عَلَيْهِمُ الشُّحُومَ، جَمَّلُوهُ، ثُمَّ بَاعُوهُ، فَأَكَلُوا ثَمَنَهُ").
رجال هَذَا الإسناد: خمسة:
١ - (قتيبة) بن سعيد الثقفيّ، ثقة ثبت [١٠] ١/ ١.
٢ - (الليث) بن سعد الإمام الحجة الثبت المصريّ [٧] ٣١/ ٣٥.
٣ - (يزيد بن أبي حبيب) سُويد، أبو رجاء المصريّ، ثقة فقيه يرسل [٥] ١٣٤/ ٢٠٧.
٤ - (عطاء بن أبي رباح) المكيّ الثقة ثبت الفقيه [٣] ١١٢/ ١٥٤.
٥ - (جابر بن عبد الله) بن عمرو بن حرام الأنصاريّ السَّلَمي رضي الله تعالى عنهما ٣١/ ٣٥. والله تعالى أعلم.
стр. 16103
لطائف هَذَا الإسناد:
(منها): أنه منْ خماسيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بثقات المصريين، إلا عطاء فمكي، وجابرًا فمدني. (ومنها): أن فيه رواية تابعيين عن تابعيّ، وفيه جابر منْ المكثرين السبعة، روى (١٥٤٠) حديثًا. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ) ذكِر الإمام البخاريّ رحمه الله تعالى بعد أن ساق الحديث عن قتيبة بسند المصنّف، ما يبين أن يزِيد بْن أبِي حبيب، لم يسمعهُ منْ عطاء، وإِنَّما كتب بِهِ إِليهِ، ونصّه: وَقَالَ أبو عاصم: حدّثنا عبد الحميد، حدّثنا يزيد، كتب إليّ عطاء، سمعت جابرًا رضي الله تعالى عنه، عن النبيّ صلّى الله تعالى عليه وسلم. انتهى.
قَالَ فِي "الفتح": ولِيزيد فِيهِ إِسْنَاد آخر، ذكره أبُو حَاتِم، فِي "الْعِلَل" منْ طرِيق حَاتِم ابْن إِسْمَاعِيل، عن عبد الحمِيد بن جَعْفر، عن يزِيد بْن أبِي حبيب، عن عَمْرو بْن الْوَلِيد ابْن عَبَدةَ (١)، عن عبد الله بْن عمرو بْن الْعَاصِ. قَالَ ابْن أبِي حَاتِم: سَأَلتْ أبِي عَنهُ؟ فَقَالَ: قَدْ رَوَاهُ مُحَمَّد بن إِسْحَاق، عن يزِيد، عن عطاء، ويزِيد لم يَسْمَع مِن عَطَاء، ولا أعْلمِ أحدًا منْ المِصْرِيِّين، رواهُ عن يَزِيد، مُتابِعًا لِعبدِ الْحَمِيد بن جَعْفَر، فَإِنْ كَانَ حَفِظَهُ، فهُو صَحِيح؛ لِأنَّ مَحَلّه الصِّدق.
قَالَ الحافظ: قد اختُلِف فِيهِ عَلَى عَبْد الْحَمِيد، وَرِوَاية أبِي عَاصِم عَنْهُ المُوَافَقَة لِرِوَايةِ غيره عن يزِيد أرْجَح، فتكُون رِوَاية حَاتِم بْن إِسْمَاعِيل شَاذَّة. انتهى.
(عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ) رضي الله تعالى عنهما وفِي رِواية أحمد، عن حَجَّاج بن مُحَمَّد، عن اللَّيث بسندِهِ: "سمِعت جابِر بْن عبد الله بمكة" (أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَامَ الْفَتْحِ، وَهُوَ بِمَكَّةَ) فيه بيان تاريخ ذلك، وكان ذلك فِي رمضان، سنة ثمان منْ الهجرة، ويحتمل أن يكون التحريم وقع قبل ذلك، ثم أعاده صلّى الله تعالى عليه وسلم ليسمعه منْ لم يكن سمعه. قاله فِي "الفتح" (٢) (يَقُولُ: "إِنَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، حَرَّمَ) هكذا وقع هنا، وفي "الصحيحين" بإسناد الفعل إلى ضمير الواحد، وكان الأصل "حرّما"، فَقَالَ القُرْطُبِيّ: إِنَّه ﷺ تأدَّب، فلمْ يَجْمع بينه وبين اسْم الله فِي ضَمِير الاثْنَينِ؛ لِأنَّه مِنْ نوْع ما رَدَّ بِهِ عَلَى الْخَطيب الَّذِي قَالَ: "وَمَنْ يَعْصِهِمَا".
قَالَ الحافظ: كذا قَالَ، ولَمْ تَتَّفِق الرُّواة فِي هَذَا الْحَدِيث عَلَى ذَلِكَ، فَإِنَّ فِي بَعْض طُرُقه
стр. 16104
فِي الصَّحِيح: "إِنَّ الله حَرَّمَ"، ليس فِيهِ: "ورسُوله"، وفِي رواية لابْنِ مَرْدوْيهِ، مِنْ وَجْه آخر، عن اللَّيْث: "إِنَّ الله وَرَسُوله حَرَّمَا"، وَقَدْ صحَّ حدِيث أنس رضي الله تعالى عنه فِي النَّهْي عَن أكل الحُمُر الأهلِيَّة: "إِنَّ الله ورسُوله يَنْهَيَانِكُم"، ووقع فِي رِواية النَّسائِيِّ فِي هَذَا الحدِيث: "يَنْهَاكُمْ"، والتَّحقِيق جواز الإفْراد فِي مِثْل هَذَا، وَوَجْهه الإشَارة إِلى أنَّ أمر النَّبِيّ صلّى الله تعالى عليه وسلم نَاشِىءٌ عن أمر الله، وهُوَ نَحو قوْله: ﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ﴾، والْمُخْتار فِي هَذَا أنَّ الجُملة الأُولَى حُذِفَتْ؛ لِدلالةِ الثَّانِية عليها، والتَّقدِير عِند سِيبَوَيْهِ: والله أحَقّ أَنْ يُرْضُوهُ، وَرَسُوله أَحَقّ أن يُرْضُوهُ، وهُو كَقَوْلِ الشَّاعِر:
نَحْنُ بِمَا عِنْدنَا وَأنْتَ بِمَا … عِنْدك رَاضٍ والرَّأي مُخْتلِف
وقِيل: أَحَقّ أَنْ يُرْضُوهُ خَبَر عَن الاسْمَيْنِ؟ لِأنَّ الرَّسُول تَابع لِأمْرِ الله.
(بَيْعَ الْخَمْرِ، وَالْمَيْتَةِ، وَالْخِنْزِيرِ، وَالأَصْنَامِ) جمع صنم، قَالَ الجوهريّ: هو الوثن، وَقَالَ غيره: الوثن ما له جُثّةٌ، والصنم ما كَانَ مُصوّرًا، فبينهما عموم وخصوص وجهيّ، فإن كَانَ مصوّرًا فهو وثن وصنم.
(فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ) قَالَ الحافظ: لم أقف تسمية القائل، وفي رواية عبد الحميد: "فَقَالَ رجل" (أَرَأَيْتَ شُحُومَ الْمَيْتَةِ) جمع شَحْم، كفلس وفُلُوس (فَإِنَّهُ يُطْلَى) بالبناء للمفعول: أي يُلَطّخ (بِهَا السُّفُنُ وَيُدَّهَنُ بِهَا الْجُلُودُ)، بناء الفعل للمفعول، يقال: دَهَنْتُ الشعرَ وغيرَهُ، منْ باب قتل: إذا طليته. يعني: أن تلك الشحوم تُطْلَى بها الجلود (وَيَسْتَصْبِحُ بِهَا النَّاسُ) ببناء الفعل للفاعل: أي يُنوِّرُون بها مصابيحهم، فهل يجوز لنا بها الانتفاع بالبيع وغيره (فَقَالَ) صلّى الله تعالى عليه وسلم (لا هُوَ حَرَامٌ) الظاهر أن الضمير للانتفاع، أي الانتفاع بشحوم الميتة حرام، وهذا قاله أكثر العلماء، قَالَ فِي "الفتح": قوله: "هو حرام"، أي البيع حرام، هكذا فسّره بعض العلماء، كالشافعيّ، ومن اتّبعه، ومنهم منْ حمل قوْله: "هُوَ حَرَام" عَلَى الانتِفاع، فَقَالَ: يَحْرُم الانْتِفاع بِها، وهُوْ قَوْل أكثر العُلَمَاء، فلا يُنتفع منْ الميتة أصلاً عِنْدهمْ، إِلَّا مَا خُصَّ بِالدَّلِيلِ، وهُو الجِلْد المَدْبُوغ.
قَالَ الجامع: هَذَا هو الراجح عندي، قَالَ: واخْتَلفُوا فِيما يَتَنَجَّس مِنْ الأشيَاء الطَّاهِرة، فالجُمْهُور عَلَى الجَوَاز، وَقَالَ أحمد، وَابْن المَاجِشُونِ: لا يُنتفع بِشَيْءٍ منْ ذَلِكَ، واسْتَدَلَّ الخَطَّابِيُّ عَلَى جواز الانتِفاع بِإِجْمَاعِهِم عَلَى أنَّ منْ ماتت لهُ دَابَّة، ساَغَ لهُ إِطْعامها لِكِلابِ الصَّيْد، فَكَذلِكَ يَسُوغ دَهْن السَّفِينة بِشَحْمِ الْمَيْتة، ولا فَرْق.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: القول بتحريم الانتفاع بشحوم الميتة مطلقًا هو الصواب؛ لظاهر هَذَا الحديث، ولقوله ﷺ فِي حريث الفأرة الآتي قريبًا: "وإن كَانَ مائعًا فلا تقربوه". والله تعالى أعلم.
(فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عِنْدَ ذَلِكَ: "قَاتَلَ اللَّهُ الْيَهُودَ) أي طردهم، وأبعدهم منْ رحمته
стр. 16105
(إِنَّ اللَّهَ لَمَّا حَرَّمَ) بفتح الحاء المهملة، وتشديد الراء، منْ التحريبم (عَلَيْهِمُ الشُّحُومَ جَمَّلُوهُ) بفتح الجيم، والميم مخفّفة، قَالَ فِي "اللسان": جَمَلَه يجْمُلُه جملاً -أي منْ باب نصر- وأجمله: أذابه، واستخرج دهنا، وجَمَلَ أفصحُ منْ أجمل، ثم استشهد بهذا الحديث (ثُمَّ بَاعُوهُ، فَأَكَلُوا ثَمَنَهُ) قَالَ فِي "الفتح": سِيَاقه مُشْعِر بِقُوَّةِ ما أوَّلَهُ الأكثرُ أنَّ المُراد بقولِهِ: "هُوَ حَرَام" الْبَيْع، لا الانْتِفاع.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: قوله: "سياقه مشعر إلخ" فيه نظر، بل الظاهر أن الحمل عَلَى الانتفاع هو الأقوى، كما يرجحه حديث ميمونة ﵂ الآتي حيث يقول: "وإن كَانَ مائعًا فلا تقربوه"، والله تعالى أعلم.
وَرَوَى أَحْمَد، والطَّبرانِيُّ منْ حَدِيث ابْن عُمَر، مَرْفُوعاً: "الْوَيْل لِبنِي إِسْرَائِيل، إِنَّهُ لَمَّا حُرِّمَتْ عَليهِم الشُّحُوم باعُوها، فَأكَلُوا ثَمَنَها، وَكَذلِك ثَمَن الْخَمْر عَلَيْكُم حَرَام". والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): فِي درجته:
حديث جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما هَذَا متَّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -٨/ ٤٢٥٨ وفي "البيوع" ٩٣/ ٤٦٧١ - وفي "الكبرى" ٩/ ٤٥٨٢ وأخرجه (خ) فِي "البيوع" ٢٢٣٦ و"التفسير" ٤٦٣٣ (م) فِي "المساقاة" ٢٩٦٠ (د) فِي "البيوع" ٣٤٨٦ (ت) فِي "البيوع" ١٢٩٧ (ق) فِي "التجارات" ٢١٦٧ (أحمد) فِي "باقي مسند المكثرين" ١٤٠٨٦. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): فِي فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو النهي عن الانتفاع بشحوم المييتة. (ومنها): تحريم بيع هذه الأشياء المذكورة فِي هَذَا الحديث، وسيأتي تمام البحث فِي ذلك فِي "كتاب البيوع"، إن شاء الله تعالى. (ومنها): تحريم استعمال شحوم الميتة فِي أيّ نوع منْ أنواع الاستعمال. (ومنها): أن فيه إبطال كلّ حيلة، يُتوصّل بها إلى تحليل محرّم، وأنه لا يتغيّر حكمه بتغيّر هيئته، وتبدّل اسمه، فإن اليهود أذابوا الشحوم، حَتَّى صارت وَدَكًا، وزال عنها اسم الشحم، ومع ذلك لُعِنوا. (ومنها): أن منْ احتال فِي استعمال الأشياء المحرّمة، كَانَ ملعونًا؛ لكونه سلك مسلك اليهود الذين لعنهم الله تعالى؛ لانثهاكهم ما حرّم الله تعالى بالاحتيال. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعتُ، وما توفيقِي إلا بالله، عليه توكلتُ، وإليه أنيب".
***
стр. 16106
٩ - (النَّهْيُ عَنْ الاِنْتِفَاعِ بِمَا حَرَّمَ اللَّهُ
٤٢٥٩ - (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: أُبْلِغَ عُمَرُ أَنَّ سَمُرَةَ بَاعَ خَمْرًا، قَالَ: قَاتَلَ اللَّهُ سَمُرَةَ، أَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "قَاتَلَ اللَّهُ الْيَهُودَ، حُرِّمَتْ عَلَيْهِمُ الشُّحُومُ، فَجَمَّلُوهَا". قَالَ سُفْيَانُ: يَعْنِي أَذَابُوهَا).
رجال هَذَا الإسناد: ستة:
١ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه المذكور قبل بابين.
٢ - (سفيان) بن عيينة الإمام الحجة الثبت [٨] ١/ ١.
٣ - (عمرو) بن دينار الجمحي، أبو محمد المكيّ، ثقة ثبت [٤] ١١٢/ ١٥٤.
٤ - (طاوس) بن كيسان الحميريّ مولاهم، أبو عبد الرحمن اليمنيّ، ثقة ثبت فقيه فاضل [٣] ٢٧/ ٣١.
٥ - (ابن عباس) رضي الله تعالى عنهما ٢٧/ ٣١.
٦ - (عمر) بن الخطاب رضي الله تعالى عنه ٦٠/ ٧٥. والله تعالى أعلم.
لطائف هَذَا الإسناد:
منها: أنه منْ سداسيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وصحابي، عن صحابي، وفيه ابن عباس منْ المكثرين السبعة، والعباددة الأربعة، وفيه عمر رضي الله تعالى عنه أحد الخلفاء الراشدين، وأحد العشرة المبشرين بالجنة رضي الله تعالى عنهم. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) رضي الله تعالى عنهما، أنه (قَالَ: أُبْلِغَ) بالبناء للمفعول، منْ الإبلاع، وفي نسخة منْ "الكبرى": "بلغ " ثلاثيًّا، مبنيًّا للفاعل (عُمَرُ) بن الخطّاب رضي الله تعالى عنه (أَنَّ سَمُرَةَ) بن جُندب بن هلال الفزاريّ، حَلِيف الأنصار، صحابيّ مشهور، مات رضي الله تعالى عنه بالبصرة سنة (٥٨) (بَاعَ خَمْرًا) وفي رواية البخاريّ: "بلغَ عمر أن فلانًا باع خمرًا".
(حُرِّمَتْ) بتشديد الراء، مبنيًّا للمفعول (عَلَيْهِمْ الشُّحُومُ) أي أكلها، وإلا فلو حُرّم عليهم بيعها لم يكن لهم حِيلةٌ فيما صنعوه منْ إذابتها (فَجَمَلُوهَا) بفتح الجيم والميم المخفّفة (قَالَ سُفْيَانُ) ابن عُيينة رحمه الله تعالى، مفسرًا لمعنى "جَمَلوها" (ييَعْنِي أَذَابُوهَا) يقال: جمله: إذا أذابه، والْجَمِيلُ الشحْمُ الْمُذاب.
قَالَ فِي "الفتح": ووجهُ تشبِيهِ عُمر رضي الله تعالى عنه بيع المُسلِمِين الخمر بِبيعِ اليهُودِ الْمُذاب منْ الشَّحْمِ الاشْتِراكُ فِي النَّهْي عن تناوُلِ كُلٍّ مِنْهُما، لكِن لَيْسَ كُلُّ ما حُرِّم تَنَاوُلُهُ حُرِّمَ بَيْعُهُ، كَالحُمُرِ الأهْليَّةِ، وَسِبَاع الطَّيرِ، فَالظَّاهِرُ أَنَّ اشْتِراكهُما فِي كونِ كُلٍّ مِنْهُما صار بِالنَّهْي عَن تَنَاوُلِهِ نَجَسًا، هكذا حكاهُ ابنُ بَطَّالٍ عن الطَّبرِيِّ، وَأَقَرَّهُ، ولَيْس بِواضِحٍ، بل كُلُّ ما حُرِّم تناوُلُهُ حُرِّمَ بَيْعُهُ، وتناوُلُ الْحُمُرِ والسِّبَاع، وغيرِهِما مِمَّا حُرِّم أكلُهُ، إِنَّما يتأتَّى بَعْد ذَبحِهِ، وهُو بِالذَّبْح يصِيرُ ميتَةً؛ لِأنَّهُ لا ذَكَاةَ لهُ، وإِذَا صَار مَيْتةً صار نجسًا، ولمْ يجُز بيعُهُ، فالإيرَادُ فِي الأصْلِ غَيرُ وارِدٍ، هَذَا قَولُ الْجُمْهُورِ، وَإِنْ خَالَفَ فِي بعضِهِ بَعْضُ النَّاسِ.
وأمَّا قولُ بَعْضِهِم: الابْنُ إِذَا وَرِثَ جَارِية أبِيهِ، حَرُمَ عَلَيْهِ وَطْؤُهَا، وَجَازَ لَهُ بيعُها، وأكْلُ ثَمنِها، فأجَاب عِيَاضٌ عنهُ، بِأنَّهُ تَمْوِيهٌ؛ لِأنَّهُ لم يحرُم عَلَيْهِ الانتِفاعُ بِها مُطلقًا، وَإِنَّمَا حرُم عَلَيْهِ الاسْتِمتَاعُ بِها؛ لِأمْرٍ خارِجِيٍّ، والانتِفاعُ بِها لِغيرِهِ فِي الاستِمتاعِ وغيرِهِ حلالٌ، إِذَا ملكها، بِخِلافِ الشُّحُومِ، فَإِنَّ الْمَقْصُود مِنْها، وهُو الأَكْلُ كَانَ مُحرَّمًا عَلَى اليَهُودِ، فِي كُلِّ حَالٍ، وعلى كُلِّ شَخْصٍ فَاقْتَرقَا. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعاد، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): فِي درجته:
حديث عمر رضي الله تعالى عنه هَذَا متَّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -٩/ ٤٢٥٩ - وفي "الكبرى" ١٠/ ٤٥٨٣. وأخرجه (خ) فِي "البيوع" ٢٢٢٣ و"أحاديث الأنبياء" ٣٤٦٠ (م) فِي "المساقاة" ٢٩٦١ (ق) فِي "الأشربة" ٣٣٨٣ (أحمد) فِي "مسند العشرة" ١٧١ (الدارمي) فِي "الأشربة" ٢١٠٤. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): فِي فوالده:
(منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان النهي عن الانتفاع بما حرّم الله . (ومنها): أن فيه مشروعيّة لَعْنُ الْعَاصِي الْمُعِينِ، وَلَكِنْ يَحْتمِلُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ قَوْل عُمر رضي الله تعالى عنه: "قاتل الله سَمُرَة"، لم يُرِد بِهِ ظاهِرهُ، بَلْ هِيَ كَلِمَةٌ
стр. 16109
تقُولُها العربُ، عِند إِرادةِ الزَّجْرِ، فقالها فِي حقِّهِ؛ تغلِيظًا عَلَيْهِ. (ومنها): أن فِيهِ إِقَالَةَ ذوِي الهيئاتِ زَلَّاتهِم؛ لأنَّ عُمر رضي الله تعالى عنه، اكْتَفَى بِتِلْكَ الْكَلِمَةِ عن مَزِيدِ عُقُوبةِ، ونَحْوِهَا. (ومنها): إِبْطَالُ الحِيَلِ، والوَسَائِلِ إِلى المُحرَّمِ. (ومنها): أن فِيهِ تَحرِيم بيعِ الْخَمْرِ، وَقَدْ نقَل ابْنُ المُنْذِرِ وغَيْرُهُ فِي ذَلِكَ الإجْمَاع، وشَذَّ مِنْ قَالَ: يَجُوزُ بيعُها، وَيَجُوزُ بيعُ العُنقُودِ المُسْتَحِيلِ باطِنُهُ خمرًا، واخْتُلِف فِي عِلَّةِ ذَلِكَ، فقِيل لِنجَاسَتِهَا، وقِيل: لِأنَّهُ ليْس فِيها منفعةٌ مُبَاحةٌ مقصُودةٌ، وقِيل: لِلمُبَالَغَةِ فِي التَّنْفِيرِ عنها. (ومنها): أن الشَّيْء إِذَا حُرِّمَ عينُهُ، حُرِّم ثمنُهُ. (ومنها): أنه دلِيلٌ عَلَى أنَّ بيعِ الُمسْلِمِ الْخَمْر منْ الذِّمِّيِّ، لا يَجُوزُ، وكذا تَوْكِيلُ الْمُسْلِم الذِّمِّيَّ فِي بيع الْخَمْرِ، وأمَّا تحرِيمُ بَيْعِها عَلَى أهْلِ الذِّمَّةِ، فمبنِيٌّ عَلَى الْخِلافِ فِي خِطَاب الْكَافِرِ بِالفُرُوعِ. (ومنها): أن فِيهِ اسْتِعْمَال القِيَاسِ فِي الأشْبَاهِ والنَّظَائِرِ. (ومنها): أنه استُدِلَّ بِهِ عَلَى تَحرِيمِ بيعِ جُثَّةِ الْكَافِرِ، إِذَا قَتَلْنَاهُ، وأرَادَ الكَافِرُ شِرَاءَهُ، وعَلَى مَنْعِ بَيْعِ كُلِّ مُحَرَّم نَجَسِ، وَلَوْ كَانَ فِيهِ منفعةٌ، كَالسِّرقِين، وأجَازَ ذَلِكَ الكُوفِيُّون، وذهب بعضُ المالِكِيَّةِ إِلى جَوازِ ذَلِكَ لِلمُشْتَرِي، دُونَ البائعِ؛ لاحْتِياجِ المُشْتَرِي دُوْنهُ. وسيأتي البحث فيما يتعلّق ببيع الأشياء المحرّمة فِي "كتاب البيوع"، إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلتُ، وإليه أنيب".
…
١٠ - (بَابُ الْفَأْرَةِ تَقَعُ فِي السَّمْنِ)
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: الفأرة: تُهمزُ، ولا تُهمز، وتقع عَلَى الذكر والأنثي، والجمع فأرٌ، مثلُ تَمْرَة وتمر، وفئِر المكانُ يَفْأرُ، فهو فَئِرٌ، مهموزٌ، منْ باب تَعِب: إذا كثُر فيه الفأر، ومكانٌ مَفْأرٌ عَلَى مفعل كذلك، وفَأْرة المسك مهموز، ويجوز تخفيفها، نصّ عليه ابن فارس. وَقَالَ الفارابيّ فِي باب المهموز: وهي الفأرة، وفأرة المسك. وَقَالَ الجوهريّ: غير مهموز، منْ فار يفور، والأولى أثبت. قاله فِي "المصباح".
و"السَّمْنُ" -فتح، فسكون-: ما يُعمل منْ لبن البقر والغنم، والجمع سُمْنان -بضمّ، فسكون- مثلُ ظهر وظُهْران، وبَطْن وبُطْنان. قاله فِي "المصباح" أيضًا. والله تعالى أعلم بالصواب.
٤٢٦٠ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ مَيْمُونَةَ، أَنَّ فَأْرَةً وَقَعَتْ فِي سَمْنٍ، فَمَاتَتْ، فَسُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ ؟
стр. 16110
فَقَالَ: "أَلْقُوهَا، وَمَا حَوْلَهَا، وَكُلُوهُ").
رجال هَذَا الإسناد: ستة:
١ - (قتيبة) بن سعيد المذكور قبل باب.
٢ - (سفيان) بن عيينة المذكور فِي الباب الماضي.
٣ - (الزهريّ) محمد بن مسلم القوشي المدنيّ الإمام الحجة الثبت [٤] ١/ ١.
٤ - (عبيد الله بن عبد الله) بن عتبة بن مسعود المدنيّ الثقة الثبت الفقيه [٣] ٤٥/ ٥٦.
٥ - (ابن عباس) رضي الله تعالى عنهما المذكور فِي الباب الماضي.
٦ - (ميمونة) أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها المذكورة قبل أربعة أبواب. والله تعالى أعلم.
لطائف هَذَا الإسناد:
منها: أنه منْ سداسيات المصنّف رحمه الله تعالى. ومنها: أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين منْ الزهريّ، وشيخه بغلانيّ، وسفيان مكيّ. (ومنها): أن فيه رواية صحابيّ، عن صحابيّة، وتابعيّ، عن تابعيّ، وفيه أحد الفقهاء السبعة، عبيد الله، وأحد المكثرين السبعة والعبادلة الأربعة. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ مَيْمُونَةَ) رضي الله تعالى عنها، اختُلف عَلَى الزهريّ فِي إثبات ميمونة فِي الإسناد، وعدمه، والراجح إثباتها فيه، وَقَدْ حقق الكلام فِي هَذَا الحافظ فِي "الفتح"، فراجعه (١) (أَنَّ فَأْرَةً وَقَعَتْ فِى سَمْنٍ) تقدّم ضبطه قريبًا (فَمَاتَتْ) فيه دليلٌ عَلَى أن تأثيرها فِي المائع عبد موتها فيه، فلو خرجت حية، لم يضرّه (فَسُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ ؟) قَالَ فِي "الفتح": هُوَ كَذلِك فِي أكْثَر الرِّوايات بِإِبْهَامِ السَّائِل، ووقع فِي رواية الأوْزاعِيِّ، عند أحْمَد تَعْيِين منْ سَألَ، ولفْظه: "عَنْ ميمُونة، إِنَّهَا اسْتَفْتَتْ رَسُول الله ﷺ عَن فَأرَة … " الْحَدِيث، وَمِثلُهُ فِي رِواية يَحْيَى الْقَطَّان، عن مالِك عِند الدَّارقُطنِيّ، بِلفظِ: "عَن ابْن عَبَّاس، أَنَّ مَيْمُونة اسْتَفْتَتْ". انتهى.
(فَقَالَ) صلّى الله تعالى عليه وسلم (أَلْقُوهَا، وَمَا حَوْلَهَا) قَالَ فِي "الفتح": هكذا أوْردهُ أكثر أصحاب ابْن عُيينةَ عَنهُ، ووقع فِي "مُسْند إِسْحَاق بن رَاهْويَهِ"، وَمِنْ طرِيقه أَخْرجَهُ ابن حِبَّان، بِلَفْظِ: "إِنْ كَانَ جَامِدًا فألْقُوها ومَا حَوْلَهَا، وَكُلُوهُ، وَإِنْ كَانَ ذَائِبًا فلا
стр. 16111
تَقْرَبُوهُ"، وهذِهِ الزِّيَادَة فِي رِوَايَة ابْن عُيَيْنَة غَرِيبَة، وإنّما هي مشهورة فِي رواية معمر، عن الزهريّ. انتهى.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رواية معمر هي الرواية الثالثة الآتية للمصنف، إن شاء الله تعالى.
قَالَ الحافظ رحمه الله تعالى: لم يَرِد فِي طّرِيق صحِيحة تَحدِيد ما يُلْقَى، لكِن أَخْرجَ ابْن أبِي شيبة منْ مُرْسَل عطاء بن يسار، أَنَّهُ يكُون قَدْر الْكَفّ، وسنده جَيِّد، لَوْلا إِرْسَاله. وَقَدْ وقَع عِند الدَّارقُطنِيّ منْ رِواية يحيى القَطَّان، عَنْ مالِك فِي هَذَا الْحَدِيث: "فَأمَر أنْ يُقَوَّر ما حَوْلهَا، فيُرْمَى بِهِ"، وهذا أظهر فِي كَوْنه جَامِدًا منْ قَوْله: "وَمَا حَوْلَها"، فيَقْوَى مَا تَمَسَّك بِهِ ابْن العربيّ فِي كلامه الآتي، وَأَمَّا ما أخْرَجهُ الطَّبرانِيّ عن أبِي الدَّردَاء مرْفُوعًا، مِن التَّقْيِيد فِي الْمأخُوذ مِنْهُ ثَلاث غُرُفَات بالكَفَّينِ، فَسَنَده ضَعِيف، وَلَوْ ثَبتَ لَكَان ظَاهِرًا فِي الْمَائِع. انتهى كلام الحافظ (وَكُلُوهُ) أي الباقي بعد الإلقاء، والأمر فيه للإباحة، أي إن أكله حلال لكم.
[تنبيه]: زاد البخاريّ فِي آخر هذه الرواية: ما نصّه: قيل لسفيان: فإن معمرًا يحدّث عن الزهريّ، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، قَالَ: ما سمعت الزهريّ يقول، إلا عن عبيد الله، عن ابن عباس، عن ميمونة، عن النبيّ ﷺ ، ولقد سمعته منه مرارا.
قَالَ فِي "الفتح": قوْله "قِيل لِسُفْيَان" القَائِل لِسُفْيان ذَلِكَ، هُو علِيُّ بن المدِينِيّ، شيخ البُخَارِيّ، كَذلِك ذَكرهُ فِي "عِلَله". وقوْله: "فإِنَّ معْمرًا يُحدِّث بِهِ إِلَخْ" طَرِيق مَعْمَر هذِهِ وَصَلَها أبُو دَاوُدَ، عن الحَسَنُ بن عَلِيّ الْحُلْوانِيّ، وأحْمَد بْن صَالِح، كِلاهُمَا عَن عَبْد الرَّزَّاق، عن مَعْمَر بِإِسْنادِهِ المَذْكُور إِلى أبِي هُرَيْرة، ونَقَل التِّزمِذِيّ عن البُخَارِيّ، أنَّ هذِهِ الطَّرِيق خَطَأ، والمَحْفُوظ رِواية الزُّهرِيِّ منْ طَرِيق ميمُونَة، وَجَزَم الذُّهلِيُّ بِأنَّ الطَّرِيقينِ صَحِيحَانِ، وَقَدْ قَالَ أبُو دَاوُد فِي رِوَايَته عن الحَسَنُ بن عَلِيّ: "قَالَ الْحَسَنُ: ورُبَّما حَدَّثَ بِهِ معمر، عن الزُّهرِيِّ، عن عُبيد الله بن عبد الله، عن ابْن عبَّاس، عَن مَيْمُونة". وأخْرَجَهُ أبُو دَاوُد أيضًا، عن أحْمَد بْن صالِح، عن عبد الرَّزَّاق، عَن عَبْد الرَّحْمَن بن بُوذَوَيْهِ، عن مَعْمَر كَذلِك، مِنْ طَرِيق مَيْمُونة، وكَذا أخْرَجهُ النَّسَائِيُّ (١)، عن خُشَيْش بْن أصْرَم، عن عبد الرَّزَّاق، وذكر الإسْمَاعِيلِيّ أَنَّ اللَّيْث، رواهُ عن الزُّهرِيّ، عن سَعِيد بن الْمُسيِّب، قَالَ: "بَلَغَنا: "أَنَّ النَّبِيّ ﷺ ، سُئِل عَن فَأرة وَقَعَتْ فِي سَمْن جَامِد … " الْحَدِيث.
стр. 16112
قَالَ الحافظ: وهَذَا يَدُلّ عَلَى أنَّ لِرِوايةِ الزُّهْرِيِّ عن سَعِيد أصْلاً، وَكَوْن سُفْيان بن عُيَيْنة لَمْ يحفظهُ عن الزُّهرِيّ، إِلَّا منْ طرِيق مَيْمُونة، لا يَقْتضِي أن لا يكُون لَهُ عِنْده إِسْنَاد آخَر.
وَقَدْ جَاء عَن الزُّهرِيّ فِيهِ إِسْناد ثَالِث، أخْرَجَهُ الدَّارقُطنِيُّ، منْ طرِيق عبد الْجَبَّار بْن عُمر، عن الزُّهرِيّ، عن سَالِم، عن ابْن عُمر بِهِ، وعبد الجَبَّار مُخْتَلَف فِيهِ.
قَالَ البَيْهقِىّ: وَجَاء مِن رِواية ابْن جُرَيْج، عن الزُّهرِيّ كَذلِك، لكِنْ السَّنَد إِلَى ابْن جُرَيْجٍ ضَعِيف، والمَحْفُوط أَنَّهُ منْ قوْل ابْن عُمَر. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): فِي درجته:
حديث ميمونة رضي الله تعالى عنها هَذَا أخرجه البخاريّ.
(المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -١٠/ ٤٢٦٠ و٤٢٦١ و٤٢٦٢ - وفي "الكبرى" ١١/ ٤٥٨٤ و٤٥٨٥ و٤٥٨٦. وأخرجه (خ) فِي "الوضوء" ٢٣٥ و٢٣٦ و"الذبائح والصيد" ٥٥٣٨ و٥٥٣٩ و٥٥٤٠ (د) فِي "الأطعمة" ٣٨٤١ و٣٨٤٢ (ت) فِي "الأطعمة" ١٧٩٨ (أحمد) فِي "باقي مسند الأنصار" ٢٦٢٥٦ و٢٦٢٦٣ و٢٦٣٠٧ (الموطأ) فِي "الجامع" ١٨١٥ (الدارمى) فِي "الطهارة" ٧٣٨ و"الأطعمة" ٢٠٨٣. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): فِي فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان حكم السمن ونحوه، إذا وقعت فيه الفأرة، أن يُلقى ما حولها، وينتفع بالباقي.
(ومنها): أنه استُدِلَّ بهِذا الْحَدِيث لإِحْدَى الرِّوايَتَيْنِ عن أَحْمَد رحمه الله تعالى، أَنَّ الْمَائِع إِذَا حَلَّت فِيهِ النَّجَاسَة، لا ينجس إِلَّا بِالتَّغَيُّر، وهُو اخْتِيار الْبُخَارِيّ، وقوْل ابن نَافِع مِن المالِكِيَّة، وحُكِيَ عَن مَالِك، وَقَدْ أخْرج أحْمَد، عن إِسماعِيل ابن عُليَّة، عَن عُمَارة بن أبِي حَفْصَة، عَن عِكْرِمة: "أَنَّ ابْن عبَّاس، سُئِل عَن فَأرَة مَاتَتْ فِي سَمْن؟ قَالَ: تُؤْخَذ الْفَارة وَمَا حَوْلها، فقُلت: إِنَّ أَثَرهَا كَانَ فِي السَّمْن كُلّه، قَالَ: إِنَّمَا كَانَ وَهِيَ حَيَّة، وإِنَّمَا مَاتَتْ حَيْثُ وُجِدَتْ"، وَرِجَاله رِجَال الصَّحِيح، وَأَخْرجَهُ أَحْمَد مِنْ وَجْه آخر، وَقَالَ فِيهِ عن جَرّ، فِيهِ زَيْت، وَقَعَ فِيهِ جُرَذٌ … "، وفِيهِ: "أَلَيْسَ جَالَ فِي الْجَرّ كُلّه؟، قَالَ: إِنَّمَا جَالَ وفِيهِ الرُّوح، ثُمَّ استقرَّ حَيْثُ مَاتَ".
وَفَرَّقَ الجُمْهُور بين المَائِع والجَامِد، عَمَلًا بِالتَّفْصِيلِ الْمُقدُّم ذِكْره، وَقَدْ تَمَسَّك ابْن
٤٢٦٢ - (أَخْبَرَنَا خُشَيْشُ بْنُ أَصْرَمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ بُؤْذُويَةَ، أَنَّ مَعْمَرًا ذَكَرَهُ عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ مَيْمُونَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ الْفَأْرَةِ، تَقَعُ فِي السَّمْنِ، فَقَالَ: "إِنْ كَانَ جَامِدًا، فَأَلْقُوهَا وَمَا حَوْلَهَا، وَإِنْ كَانَ مَائِعًا، فَلَا تَقْرَبُوهُ").
"خُشيش بن أصرم" -بضمّ الخاء المعجمة، مصغّرًا-: هو أبو عاصم النسائيّ، ثقة ثبت [١١] ٤٤/ ٥٩٠. و"عبد الرزّاق": هو ابن همّام الصنعانيّ.
و"عبد الرحمن بن بُوذويه" -بضمّ الموحّدة، وسكون الواو، بعدها معجمة- ويقال: ابن عُمَر بن بُوذويه الصنعانيّ، صدوق (١) [٧].
روى عن طاوس، ووهب بن منبّه، وعثمان بن الأسود، ومعمر بن راشد، وهو منْ أقرانه، وغيرهم. وعنه عبد الرزاق، وإبراهيم بن خالد، وسعد بن الصلت، وغيرهم. قَالَ الأثرم: ذكره أحمد بن حنبل، فأثنى عليه خيرًا. وذكره ابن حبّان فِي "الثقات". روى له المصنّف، وأبو داود هَذَا الحديث فقط.
و"معمر": هو ابن راشد الصنعانيّ.
والحديث صحيح، وَقَدْ سبق البحث عنه قريبًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٢٦٣ - (أَخْبَرَنَا سَلَمَةُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ سُلَيْمِ بْنِ عُثْمَانَ الْفَوْزِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا جَدِّي (٢) الْخَطَّابُ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حِمْيَرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا ثَابِتُ بْنُ عَجْلَانَ، قَالَ: سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ، يَقُولُ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ، يَقُولُ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، مَرَّ بِعَنْزٍ مَيِّتَةٍ، فَقَالَ: "مَا كَانَ عَلَى أَهْلِ هَذِهِ الشَّاةِ، لَوِ انْتَفَعُوا بِإِهَابِهَا").
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "سلمة بن أحمد بن سُليم بن عثمان الْفَوزيّ -بفتح الفاء، وبالزاي- الحمصيّ، صدوق [١١].
روى عن جدّه لأمه الخطاب بن عثمان الفوزيّ، وعنه النسائيّ، وَقَالَ: لا بأس به، وأبو القاسم الطبرانيّ. تفرّد به المصنّف بهذا الحديث فقط.
و"الخطّاب": هو ابن عثمان الطائيّ الْفَوْزيّ، أبو عمر الحمصيّ، ثقة عابد [١٠] ٤/ ٣٦٣٦.
стр. 16115
و"محمد بن حِمير": هو السَّلِيحيّ الحمصيّ، صدوقٌ [٩] ٢١/ ٥٣٥.
و"ثابت بن عَجْلان" الأنصاريّ السلميّ، أبو عبد الله الحمصيّ، وقيل: إنه منْ أرمينية، وَقَالَ ابن أبي حاتم: حمصيّ وقع إلى باب الأبواب، صدوق [٥].
قَالَ عبد الله بن أحمد: سألت أبي عنه؟، فَقَالَ: كَانَ يكون بالباب والأبواب، قلت: ثقة؟ فسكت، كأنه مَرَّضَ فِي أمره. وَقَالَ ابن معين: ثقة. وَقَالَ دُحَيم، والنسائيّ: ليس به بأس. وَقَالَ أبو حاتم: لا بأس به، صالح الحديث. وَقَالَ عيسى بن المنذر، عن بقيّة: قَالَ لي ابن المبارك: اجمع لي حديث محمد بن زياد، وثابت بن عجلان، وتتبعه. وَقَالَ العقيليّ فِي "الضعفاء": لا يُتابع فِي حديثه. وساق له ابن عديّ ثلاثة أحاديث غريبة. وَقَالَ أحمد: أنا متوقّفٌ فيه. وَقَالَ ابن حبّان فِي "الثقات": قيل: إنه سمع أنسًا، وليس ذلك بصحيح عندي. وَقَالَ عبد الحقّ فِي "الأحكام": لا يُحتجّ به. وردّ ذلك عليه ابن القطان، وَقَالَ فِي قول العُقيليّ: "لا يُتابع": إن هَذَا لا يضرّ إلا منْ لا يُعرف بالثقة، وأما منْ وُثّق، فالفراده لا يضرّه. قَالَ الحافظ: وصدق، فإن مثل هَذَا لا يضرّه إلا مخالفته الثقات لا غير، فيكون حديثه حينئذ شاذًّا. انتهى. روى له البخاريّ، والمصنّف، وأبو داود، وابن ماجه، وله عبد المصنّف هَذَا الحديث فقط.
وقوله: "بعَنزٍ" -بفتح العين المهملة، وسكون النون-: هي الأنثى منْ المعز، إذا أتى عليها حولٌ. قَالَ الجوهريّ: والعنْزُ: الأنثى منْ الظِّبَاء، والأَوعال، وهي الماعزة. قاله الفيّوميّ.
وقوله: "ما عَلَى أهل هذه الشاة" يحتمل أن تكون "ما" استفهاميّة، استفهامًا إنكاريًّا: أي أيُّ شيء كَانَ عليهم؟، ويحتمل أن تكون نافية، واسم "كَانَ" مقدّرٌ: أي عليهم شيء منْ الإثم. و"لو" للتمنّى، فلا تحتاج إلى جواب، أو هي للشرط، وجوابها محذوف: أي لم يكن عليهم شيء.
والحديث صحيح، وَقَدْ سبق شرحه، وبيان مسائله فِي ٤/ ٤٢٣٦ - فراجعه تستفد. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلتُ، وإليه أنيب".
***
قَالَ: حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ خَالِدٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إِذَا وَقَعَ الذُّبَابُ فِي إِنَاءِ أَحَدِكُمْ، فَلْيَمْقُلْهُ") (١).
رجال هَذَا الإسناد: ستة:
١ - (عمرو بن عليّ) الفلّاس البصريّ، ثقة حافظ [١٠] ٤/ ٤.
٢ - (يحيى) بن سعيد القطّان البصريّ الإمام الحجة الثبت [٩] ٤/ ٤.
٣ - (ابن أبي ذئب) محمد بن عبد الرحمن بن المغيرة بن الحارث بن أبي ذئب المدنيّ الثقة الفقيه الفاضل [٧] ٤١/ ٦٨٥.
٤ - (سعيد بن خالد) بن عبس الله بن قارظ الكنانيّ المدنيّ، حليف بني زُهْرة، صدوق [٣] ٧٤/ ٢٥٦٩.
٥ - (أبو سلمة) بن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ المدنيّ الثقة الفقيه [٣] ١/ ١.
٦ - (أبو سعيد الخدريّ) سعد بن مالك بن سنان رضي الله تعالى عنهما ١٦٩/ ٢٦٢. والله تعالى أعلم.
لطائف هَذَا الإسناد:
منها: أنه منْ سداسيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير "سعيد بن خالد"، فقد تفرّد به المصنّف، وأبو داود. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير عمرو، ويحيى، فبصريّان. (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ سعيد، عن أبي سلمة، وهو منْ رواية الأقران، وفيه أبو سعيد الخدريّ، أحد المكثرين السبعة، روى (١١٧٠) منْ الأحاديث، وفيه أبو سلمة أحد الفقهاء السبعة. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ) رضي الله تعالى عنه (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ) أنه (قَالَ: "إِذَا وَقَعَ الذُّبَابُ) بضمّ الذال المعجمة، وتحفيف الموحّدتين (فِي إِنَاءِ أَحَدِكُمْ) ووقع فِي رواية ابن ماجه، وصَحَّحهُا ابْن حِبَّان: "إِذَا وَقَع فِي الطَّعَام"، وفي رواية البخاريّ فِي "بَدْء الْخَلْق" منْ حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، بلفظِ: "شَرَاب"، والتَّعْبِير بِالإناءِ أشْمَل، وكذا وقع فِي حدِيث أنس عِند البَزَّار (فَلْيَمْقُلْهُ) أي فليغمسه، يقال: مَقَلتُهُ مَقْلًا، منْ باب قَتَلَ: غمسته فِي الماء، أو غيره. قاله الفيّوميّ.
وفي رواية ابن ماجه: أن رسول الله ﷺ ، قَالَ: "فِي أحد جناحي الذباب سمٌّ، وفي
стр. 16118
الآخر شفاءٌ، فإذا وقع فِي الطعام، فامقُلُوه فيه، فإنه يُقدَّم السمَّ، ويؤخر الشفاء".
وفي حديث أبي هريرة عبد البخاريّ: "فَلْيَغْمِسْهُ كُلّه"، وهو أمْر إِرْشَاد لِمُقابلةِ الدَّاء بِالدَّواءِ، وفِي قَوْله: "كُلّه" رَفْع تَوهُّم الْمَجَاز فِي الاكْتِفَاء بِغَمْسِ بَعْضه.
وزاد فِي حديثه أيضًا: "ثم ليطرحه، فإن فِي إحدى جناحيه داءً، وفي الآخر شفاءً".
قَالَ فِي "الفتح": وفِي رِواية سُلَيْمَان بْن بِلال: "ثُمَّ لْيَنْزِعهُ"، وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَة عبد الله بن المُثَنَّى، عن عَمّه ثُمامة، أَنَّهُ حَدَّثهُ، قَالَ: "كُنَّا عِنْد أنَس، فَوَقَعَ ذُبَاب فِي إِنَاء، فَقَالَ أَنَس بِإِصْبعِهِ، فَغَمَسهُ فِي ذَلِكَ الإنَاء ثَلاثًا، ثُمَّ قَالَ: بِسْمِ الله، وَقَالَ: إِنَّ رَسُول الله ﷺ أَمَرَهُمْ أن يَفْعَلُوا ذَلِكَ". أخرجهُ البَزَّار، ورِجَاله ثِقَات، وَرَوَاهُ حَمَّاد بن سَلَمَة، عن ثُمَامَة، فَقَالَ: "عَن أبِي هُرَيْرَة"، وَرَجَّحَهاَ أبُو حَاتِم، وَأَمَّا الدَّارقُطنِيُّ، فَقَالَ: الطَّرِيقانِ مُحْتَمِلانِ.
وقوْله: "فإِنَّ فِي إِحْدَى جَنَاحَيْهِ": وفِي رِواية أبِي داوُد: "فإِنَّ فِي أَحَد"، والْجَنَاج يُذكَّر ويُؤَنَّث، وَقِيلَ: أُنِّثَ بِاعْتِبارِ الْيَد، وَجَزَم الصَّغَانِيّ بِأَنَّهُ لا يُؤَنَّث، وَصَوَّبَ رِواية "أَحَد" وحقِيقته لِلطَّائِرِ، وَيُقَال لِغَيْرِهِ عَلَى سَبيل الْمَجَاز كَمَا فِي قَوْله: ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ﴾، ووَقَع فِي رِواية أبِي داوُد، وصَحَّحهُ ابن حِبَّان، منْ طرِيق سَعِيد المقْبُرِيِّ، عن أبِي هُريرة: "وأَنَّهُ يتَّقِي بِجَناحِهِ الَّذِي فِيهِ الدَّاء"، قَالَ الحافظ: وَلَمْ يقَع لِي فِي شَيْء مِن الطُّرُق تَعْيِين الجَنَاح الَّذِي فِيهِ الشِّفاء منْ غَيْره، لَكِنْ ذَكر بَعْض الْعُلَمَاء، أَنَّهُ تَأَمَّلهُ، فوجدهُ يتَّقِي بِجناحِهِ الأيْسَر، فعُرِف أنَّ الأيْمَن هُو الَّذِي فِيهِ الشِّفاء، والْمُنَاسَبة فِي ذَلِكَ ظَاهِرَة.
وفي حَدِيث أبِي سعِيد المذكور عبد ابن ماجه: "فإنَّه يُقدِّم السُّمّ، ويُوْخِّر الشِّفَاء". قَالَ الحافظ: ويُسْتَفاد مِن هذِهِ الرِّواية، تفسِير الدَّاء الْواقِع فِي حَدِيث البَاب، وَأَنَّ الْمُرَاد بِهِ السُّمّ، فيُسْتَغْنى عن التَّخْرِيج الَّذِي تَكلَّفهُ بَعْض الشُّرَّاح، فَقَالَ: إِنَّ فِي اللَّفْظ مجازًا، وهُوَ كَوْن الدَّاء فِي أحَد الْجَنَاحَيْنِ، فهُو إمَّا منْ مجاز الْحَذْف، والتَّقْدِيرُ: فإِنَّ فِي جَناحَيهِ سَبَب دَاء، وإِمَّا مُبالغةٌ بِأنْ يُجْعَل كُلّ الدَّاء فِي أَحَد جَنَاحَيْهِ؛ لَمَّا كَانَ سَبَبًا لَهُ. وقَالَ آخر: يَحْتَمِلُ أن يكُون الدَّاء ما يَعْرِضُ فِي نَفْس المَرْء مِن التَّكبُّر عن أَكْله، حَتَّى رُبَّمَا كَانَ سَببًا لِتَرْكِ ذَلِكَ الطَّعَام وإتْلافه، والدَّواءُ مَا يَحْصُل منْ قَمْع النَّفْس، وَحَمْلهَا عَلَى التَّوَاضُع. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): فِي درجته:
стр. 16119
حديث أبى سعيد الخدريّ رضي الله تعالى عنه هَذَا صحيح، وَقَدْ أخرجه البخاريّ، منْ حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه.
(المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -١١/ ٤٢٦٤ - وفي "الكبرى" ١٢/ ٤٥٨٨. وأخرجه (خ) منْ حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه فِي "بدء الخلق" ٣٣٢٠ و"الطبّ" ٥٧٨٢ (د) فِي "الأطعمة" ٣٨٤٤ (ق) فِي "الطبّ" ٣٥٠٥ (أحمد) فِي "باقي مسند المكثرين" ٧١٠١ و٧٣١٢ و٧٥١٨ و٨٢٨٠ و٨٤٤٣ و٨٨٠٣ و٨٩١٨ و٩٤٢٨ (الدارمي) فِي "الأطعمة" ٢٠٣٨. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): فِي فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان حكم الذباب إذا وقع فِي الإناء، وهو أنه لا يتنجّس، حيث أمر صلّى الله تعالى عليه وسلم بغمسه فيه. (ومنها): طهارة الذباب فِي حال حياته، ومماته. (ومنها): استحباب غمس كلّه فيما وقع فيه، ثم نزعه، وإخراجه، والانتفاع بما وقع فيه. (ومنها): أن فِي أحد جناحي الذباب دواءً، وفي الآخر شفاءً، وأنه يتّقي بجناحه الذي فيه الدواء؛ ولذلك أمر الشارع بغمسه كلّه، حَتَّى تحصل معالجة ذلك الداء بالداء الذي الذي فيه. (ومنها): أنه استُدِلَّ بِقَوْلِهِ: "ثُمَّ لِيَنْزِعهُ" عَلَى أنَّها تَنْجُس بِالموْتِ، كما هُو أصَحّ القوْلينِ لِلشَّافِعِي، والْقَوْل الآخَر، كقوْلِ أبِي حَنيفة، أنها لا تَنْجُس.
(ومنها): استُدِلَّ بِه عَلَى أن المَاء الْقَلِيل لا يَنْجُس بِوُقُوع ما لا نَفْس لهُ سَائِلة فِيهِ، وَوَجْه الاسْتِدْلال -كَمَا رواهُ البيهقِيُّ، عن الشَّافِعِيّ- أَنَّهُ ﷺ ، لا يأمُر بِغَمْسِ ما يُنَجِّس الْمَاء، إِذَا مَات فِيهِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ إِفْسَاد. وَقَالَ بَعْض منْ خَالَفَ فِي ذَلِكَ: لا يَلْزَم منْ غَمْس الذُّباب موْته، فَقَدْ يغمِسهُ بِرِفْقٍ، فلا يمُوت، والحَيّ لا يُنجِّس ما يَقَع فِيهِ، كَمَا صَرَّحَ البَغَوِيُّ بِاسْتِبَاطِهِ مِنْ هَذَا الْحَدِيث. وَقَالَ أبُو الطَّيِّب الطَّبرِيُّ: لم يَقْصِد النَّبِيّ ﷺ بِهَذا الْحَدِيث بَيَان النَّجَاسة والطَّهَارة، وإِنَّمَا قَصَد بَيَان التَّدَاوِي مِن ضَرَر الذُّبَاب، وَكَذا لمْ يَقْصِد بِالنَّهْى عن الصَّلاة فِي مَعَاطِن الإبِل، والإذْن فِي مَرَاح الغَنَم، طَهَارَة، وَلا نَجَاسَة، وإِنَّمَا أَشَار إِلَى أَنَّ الخُشُوع لا يُوجَد مَعَ الإبِل، دُون الغَنَم.
قَالَ الحافظ: وهُوَ كَلام صَحِيح، إِلَّا أنَّهُ لا يَمْنَع أن يُسْتَنْبَط مِنْهُ حُكْم آخَر، فَإِنَّ الْأَمْر بِغَمْسِهِ، يتَنَاول صُورًا، مِنْها أن يَغْمِسهُ مُحْترِزًا عن موْته، كَمَا هُو الْمُدَّعى هُنَا، وَأَنْ لا يَحْترِز بَلْ يَغْمِسهُ، سَوَاء مَاتَ، أَوْ لَمْ يمُتْ، وَيتَنَاوَل مَا لَوْ كَانَ الطَّعَام حارًّا، فإِنَّ الْغالِب أنَّهُ فِي هذِهِ الصُّورة يمُوت، بِخِلَافِ الطَّعَام البَارِد، فلمَّا لَمْ يَقَع التَّقْيِيدُ، حُمِلَ عَلَى
стр. 16120
العُمُوم، لَكِنْ فِيهِ نَظَر؛ لِأنَّهُ مُطْلَقٌ يَصْدُق بِصُورةٍ، فَإِذا قام الدَّلِيل عَلَى صُورَة مُعَيَّنَة، حُمِلَ عَليْهَا.
وَاسْتَشْكَلَ ابْن دَقِيق الْعِيد، إِلْحَاق غير الذُّبَاب بِهِ فِي الْحُكم الْمَذْكُور، بِطَرِيقٍ آخَر، فَقَالَ: وَرَدَ النَّصّ فِي الذُّباب، فعدَّوْهُ إِلى كُلّ مَا لا نَفْس لهُ سَائِلة، وفِيهِ نَظَر؛ لِجَوازِ أَنْ تكُون العِلَّة فِي الذُّباب قَاصِرة، وهِي عُمُوم البَلْوى، وهذِهِ مُسْتَنْبطة، أو التَّعْلِيل بِـ "إنَّ فِي أَحَد جناحيهِ داء، وفِي الآخَر شِفَاء"، وهذِهِ مَنْصُوصة، وهَذَانِ المَعْنيَانِ لا يُوجَدانِ فِي غيره، فَيَبعُد كوْن العِلَّة مُجَرَّد كوْنه لَا دَم لهُ سَائِل، بل الَّذِي يظهر أنَّهُ جُزْء عِلَّة، لا عِلَّة كَامِلة. انْتَهَى.
وَقَدْ رجَّحَ جَمَاعَة منْ المُتَأخِّرِين أنَّ مَا يَعُمّ وُقُوعه فِي الْمَاء، كَالذُّبَابِ، والْبَعُوض لا يُنجِّس الْمَاء، وَمَا لا يَعُمّ كالْعَقَارِب يُنْجِّس، وهُو قَوِيّ.
(ومنها): ما قاله الخَطَّابيُّ رحمه الله تعالى: تَكَلَّمَ عَلَى هَذَا الْحَدِيث منْ لا خَلاق لهُ، فَقَالَ: كَيْف يَجْتَمِع الشِّفَاء والدَّاء فِي جَنَاحَي الذُّبَاب؟ وكَيْف يَعْلَم ذَلِكَ منْ نَفْسه، حَتَّى يُقدِّم جَنَاح الشِّفاء، وما ألْجَأهُ إِلى ذَلِكَ؟ قَالَ: وهَذا سُؤَال جَاهِلٍ، أو مُتَجَاهِلٍ، فَإِنَّ كَثِيرًا مِن الْحَيَوان، قَدْ جَمَع الصِّفَات المُتَضادَّة. وَقَدْ ألَّف الله بينها، وقَهَرهَا عَلَى الاجْتِماع، وَجَعل مِنْهَا قُوَى الْحَيوانِ، وإِنَّ الَّذِي ألْهَمَ النَّحْلة اتِّخَاذ الْبَيْت الْعَجِيب الصَّنْعَة؛ لِلتَّعْسِيلِ فِيهِ، وألْهَم النَّملة أَنْ تدَّخِر قُوتَها أَوَان حَاجَتهَا، وَأَنْ تَكْسِر الْحَبَّة نِصْفَيْنِ، لِئلَّا تَسْتَنبِت، لَقَادِرٌ عَلَى إِلْهَام الذُّبَابة أنْ تُقدِّم جَنَاحًا، وتُؤَخِّر آخَر.
وَقَالَ ابن الْجَوْزِيّ: ما نُقِلَ عَنْ هَذَا الْقَائِل، ليْسَ بِعَجِيب، فإِنَّ النَّحْلة تُعَسِّل منْ أعْلاهَا، وتُلْقِي السُّمّ منْ أسْفلَها، والْحَيَّةُ الْقَاتِلُ سُمُّها تُدْخَل لُحُومُها فِي التِّرْيَاق الَّذِي يُعَالَج بِهِ السُّمّ، والذُّبَابةُ تُسْحَقُ مع الإِثْمِد لِجَلاءِ البَصَر.
وَذَكَر بَعْض حُذَّاق الأطِبَّاء، أنَّ فِي الذُّبَاب قُوَّةً سُمِّيَّةً يدُلّ عَلَيْهَا الْوَرَمُ، والْحَكَّة الْعَارِضَة عَن لَسْعه، وَهِيَ بِمَنْزِلةِ السِّلاح لهُ، فَإِذَا سَقَط الذُّباب فِيمَا يُؤْذِيه، تلَقَّاهُ بِسِلاحِهِ، فَأمَر الشَّارعُ أن يُقابِل تِلك السُّمِّيِّة، بِمَا أوْدعهُ الله تعالى فِي الجَنَاح الآخَر مِن الشِّفاء، فتَتَقَابل المَادَّتَانِ، فيزُول الضَّرَر بِإِذْنِ الله تعالى.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: ومن الملاحدة الذين طعنوا فِي هَذَا الحديث، بل تعدّاه إلى الطعن فِي أبي هريرة رضي الله تعالى عنه راويه محمود أبو ريّة فِي كتاب سمّاه "أضواء عَلَى السنّة المحمّدية"، وهو أحقّ بأن يُسمّى "ظلمات عَلَى السنّة" وَقَدْ قام بردّ ضلالاته العلّامة الفهّامة الدّرّاكة الشيخ عبد الرحمن بن يحيى المعلّميّ فِي كتابه "الأنوار الكاشفة"، فَقَالَ فيه: وقع إليّ كتاب جمعه أبو ريّة، فطالعته، وتدبّرته، فوجدته جمعًا،
стр. 16121
وترتيبًا، وتكميلًا للمطاعن فِي السنة النبويّة، والجواب عن الطعن فِي هَذَا الحديث، نلخّصها فِي الفقرات الآتية:
١ - الحديث الذي معنا منْ الأحاديث التي انتقاها، واختارها الإمام البخاريّ لصحّتها، ووضعها فِي "صحيحه"، وحسبك بهذا الإمام الجليل، وبكتابه الذي أجمعت الأمة عَلَى قبوله، فتلقته بالقبول والرضا، والاعتماد والعمل بما فيه.
٢ - حديث الذباب لم ينفرد بروايته أبو هريرة، وإنما رواه أبو سعيد الخدريّ، وأنس ابن مالك، كما جاء ذلك فِي "مسند الإمام أحمد".
٣ - منْ هو الذي يتطاول؟ حَتَّى ينال منْ طرف صحابيّ منْ أصحاب رسول الله صلّى الله تعالى عليه وسلم حَتَّى يصل إلى أحفظهم لأحاديث رسول الله صلّى الله تعالى عليه وسلم، وأكثرهم لها نقلًا، الذي دعا له النبيّ صلّى الله تعالى عليه وسلم بالحفظ، وعدم النسيان، والذي فرّغ نفسه لحفظ الحديث، فلا زراعة تشغله، ولا تجارة تُلهه، وإنما ليله ونهاره يتابع ما يلفظ به النبيّ صلّى الله تعالى عليه وسلم منْ الحكمة، ثم يَسهَر ليله ليحفظها، ويُثبتها فِي قلبه.
٤ - قَالَ الشيخ المعلّميّ رحمه الله تعالى: علماء الطبّ يعترفون بأنهم لم يُحيطوا بكل شيء علمًا، ولايزالون يكتشفون الشيء بعد الشيء، فبأيّ إيمان ينفي أبو ريّة، وأضرابه أن يكون الله تعالى أطلع رسوله صلّى الله تعالى عليه وسلم عَلَى أمر لم يصِل إليه علم الطبيعة بعدُ، هَذَا، وخالق الطبيعة، ومدبّرها هو واضع الشريعة.
٥ - أثبت الأطبّاء الحديثون أن فِي أحد جناحي الذباب داءً، وفي الآخر شفاء، وبهذا -والله- وضح الحقّ، ومن أصدق منْ الله حديثًا (١) انتهى كلام المعلمي. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلتُ، وإليه أنيب".
…
٤١ - (كِتَابُ الصَّيْدِ، وَالذَّبَائِحِ)
قَالَ فِي "المصباح المنير": صاد الرجلُ الطيرَ يَصِيده صَيْدًا، فالطير مَصِيدٌ، والرجل
стр. 16122
صائدٌ، وصَيّادٌ. قَالَ ابن الأعرابيّ: يقال: يَصَاد، وباتَ يَباَتُ، وعافَ يَعَافُ، وخالَ الغيثَ يَخَالُهُ، لغةٌ فِي يَفْعِلُ بالكسر فِي الكلّ. وسُمّي ما يُصاد صَيْدًا، إمّا فَعْلٌ بمعنى مفعول، وإما تسميةٌ بالمصدر، والجمع صُيُود، واصطاده مثلُ صاده، والمَصِيدة وزانُ كَرِيمة، والْمِصْيَدَة بكسر الميم، وسكون الصاد، والْمِصيدُ بحذف الهاء أيضًا آلة الصيد، والجمع مصايد بغير همز. انتهى.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: ومن إطلاق الصيد عَلَى الْمصِيد قول الشاعر [منْ بحر الكامل]:
صَيْدُ المُلُوكِ أرانِبٌ وَثَعَالِبُ … وَإِذَا رَكِبْتُ فَصَيْدِيَ الأَبْطَالُ
وفي "حاشية" ابن عابدين عَلَى "الدرّ المختار": الصيد مصدر صاده: إذا أخذه، فهو صائد، وذاك مَصِيدٌ، ويُسمّى المصِيد صيدًا، فيجمع عَلَى صُيُود، وهو كلّ ممتنع، متوحّشٍ طبعًا، لا يُمكن أخذه إلا بحيلة. اهـ مغرب. فخرج بـ"الممتنع" مثل الدجاج والبَطّ، إذ المراد منه أن يكون له قوائم، أو جناحان، يملك عليهما، ويقدر عَلَى الفرار منْ جهتهما. وبـ"المتوحّش" مثل الْحَمَام، إذ معناه أن لا يألف النَّاس ليلًا، ونهارًا. وبـ"طبعًا" ما يتوحّش منْ الأهليّات، فإنها لا تحلّ بالاصطياد، وتحِلّ بذكاة الضرورة، ودخل متوحّشٌ يألف، كالظبي، لا يمكن أخذه إلا بحيلة، أي فإنه وإن كَانَ مما يألف بعد الأخذ، إلا أنه صيد قبله، يحلّ بالاصطياد، ودخل فيه ما لا يُؤكل اسحمه. انتهى كلام ابن عابدين رحمه الله تعالى ببعض اختصار (١).
وَقَالَ أبو العبّاس القرطبيّ رحمه الله تعالى: الأصل فِي جواز الصيد عَلَى الجملة الكتاب، والسنّة، وإجماع الأمّة، فأما الكتاب فقوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾ الآية [المائدة: ٤]، أي وصيد ما علّمتم، وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ﴾ الآية [المائدة: ٩٤]، وقوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ﴾ [المائدة: ٩٦]. وأما السنّة فالأحاديث الآتية الصحيحة، وأما الإجماع فإنه قد أجمع أهل العلم عَلَى إباحة الاصطياد، والأكل منْ الصيد.
والصيد ذكاة فِي المتوحّش طبعًا، غير المقدور عليه، المأكول نوعه، والنظر فيه فِي الصائد، والْمَصِيد، والالة التي يُصاد بها، ولكلّ منها شروطٌ يأتي بيانها أثناء النظر فِي الأحاديث الآتية، إن شاء الله تعالى. انتهى كلام القرطبيّ ببعض تصرّف (٢).
стр. 16123
وَقَالَ النوويّ رحمه الله تعالى: الأحاديث المذكورة فِي هَذَا الكتاب فِي الاصطياد كلّها فيها إباحة الاصطياد، وَقَدْ أجمع المسلمون عليه، وتظاهرت عليه دلائل الكتاب، والسنّة، والإجماع. قَالَ القاضي عياض: هو مباح لمن اصطاد للاكتساب، والحاجة، والانتفاع به بالأكل، وثمنه. قَالَ: واختلفوا فيمن اصطاد للهو، ولكن قصد تذكيته، والانتفاع به، فكرهه مالكٌ، وأجازه الليث، وابن عبد الحكم. قَالَ: فإن فعله بغير نيّة التذكية، فهو حرام؛ لأنه فساد فِي الأرض، وإتلاف نفس عَبَثًا. انتهى (١).
وأما "الذبح" -بفتح، فسكون- فهو قطع الحلقوم منْ باطنٍ عبد النَّصِيل، وهو موضع الذبح منْ الحلق، والذّبْحُ مصدر ذبحتُ الشاةَ، يقال ذَبَحَه يَذبَحُهُ ذَبْحًا، فهو مذبوحٌ، وذَبِيحٌ، منْ قوم ذَبْحَى، وذَبَاحَى، وكذلك التيس، والكبش منْ كِبَاش ذَبْحَى، وذَبَحَى. والذبيحةُ: الشاة المذبوحة، وشاةٌ ذَبِيحة، وذَبيحٌ، منْ نِعَاج ذَبْحَى، وذَبَاحَى، وذَبَائح، وكذلك الناقة، قَالَ الأزهريّ: الذَّبِيحة: اسم لما يُذبَح منْ الحيوان، وأُنّث لأنه ذُهب به مذهب الأسماء، لا مذهب النعت، فإن قلت: شاة ذبيح، أو كبش ذبيح، أو نعجة ذبيحٌ لم تدخلِ فيه الهاء؛ لأن فعيلًا إذا كَانَ نعتًا فِي معنى مفعول يُذكّر، يقال: امرأةٌ قتيلٌ، وكَفٌّ خَضِيبٌ. وَقَالَ: أيضًا: الذبيح: المذبوح، والأنثى ذبيحة، وإنَّمّا جاءت بالهاء لغلبة الاسم عليها. والذِّبح -بكسر، فسكون-: اسم ما أُعدّ للذبح، وهو بمنزلة الذبيح، والمذبوح، كالطِّحْن بمعنى المطحون، والْقِطْف بمعنى المقطوف، قَالَ الله تعالى: ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ (١٠٧)﴾ [الصافات: ١٠٧]، أي بكبش يُذبح، وهو الكبش الذي فُدي به إسماعيل بن إبراهيم صلى الله عليهما، وعلى نبيّنا وسلم.
والذَّبْحُ أيضًا الشّقّ، وكلُّ ما شُق، فقد ذُبح، قَالَ منظور بن مرثد الأسديّ [منْ مشطور الرجز]:
يَا حَبَّذَا جَارِيَةٌ منْ عَكِّ … تُعَقَّدُ الْمِرْطَ عَلَى مِدَكِّ
شِبْهِ كَثِيبِ الرَّمْلِ غِيْرِ رَكِّ … كَأَنَّ بَيْنَ فَكِّهَا والْفَكِّ
فَأْرَةُ مِسْكٍ ذُبِحَتْ فِي سُكِّ
أي فُتقت. ذكر هَذَا كلّه فِي "لسان العرب" (٢). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
…
стр. 16124
١ - (الأَمْرِ بِالتَّسْمِيَةِ عِنْدَ الصَّيْدِ)
٤٢٦٥ - (أَخْبَرَنَا الإِمَامُ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ النَّسَائِيُّ، بِمِصْرَ قِرَاءَةً عَلَيْهِ، وَأَنَا أَسْمَعُ، عَنْ سُوَيْدِ بْنِ نَصْرٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ عَاصِمٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ، أَنَّهُ سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنِ الصَّيْدِ؟ فَقَالَ: "إِذَا أَرْسَلْتَ كَلْبَكَ، فَاذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ، فَإِنْ أَدْرَكْتَهُ لَمْ يَقْتُلْ، فَاذْبَحْ، وَاذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ، وَإِنْ أَدْرَكْتَهُ قَدْ قَتَلَ، وَلَمْ يَأْكُلْ فَكُلْ، فَقَدْ أَمْسَكَهُ عَلَيْكَ، فَإِنْ وَجَدْتَهُ قَدْ أَكَلَ مِنْهُ، فَلَا تَطْعَمْ مِنْهُ شَيْئًا، فَإِنَّمَا أَمْسَكَ عَلَى نَفْسِهِ، وَإِنْ خَالَطَ كَلْبُكَ كِلَابًا، فَقَتَلْنَ، فَلَمْ يَأْكُلْنَ، فَلَا تَأْكُلْ مِنْهُ شَيْئًا، فَإِنَّكَ لَا تَدْرِي أَيُّهَا قَتَلَ").
رجال هَذَا الإسناد: خمسة:
١ - (سُويد بن نصر) أبو الفضل المروزيّ، المعروف بالشاه، راوية ابن المبارك، ثقة [١٠] ٤٥/ ٥٥.
٢ - (وعبد الله بن المبارك) الإمام أبو عبد الرحمن المروزيّ الحافظ الفقيه الحجة المشهور [٨] ٣٢/ ٣٦.
٣ - (عاصم) بن سُليمان الأحول، أبو عبد الرحمن البصريّ، ثقة [٤] ١٤٨/ ٢٣٩.
٤ - (الشعبيّ) عامر بن شَرَاحيل الهمْدانيّ الكوفيّ الإمام الجليل الفقيه المشهور [٣] ٦٦/ ٨٢.
٥ - (عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ) بن عبد الله بن سعد بن الْحَشْرَج الطائيّ، أبي طَرِيف، الصحابيّ الشهير، وأبوه حاتم هو المشهور بالجود، وكان هو أيضًا جوادًا، وكان إسلامه سنة الفتح.
وثبت هو وقومه عَلَى الإسلام فِي الرّدّة، وشهد الفتوح بالعراق، ثم كَانَ مع عليّ رضي الله تعالى عنه فِي حروبه، ومات رضي الله تعالى عنه بالكوفة سنة (٦٨)، وهو ابن مائة وعشرين سنة، وقيل: وثمانين سنة. تقدّم فِي ٢٩/ ٢١٦٩. والله تعالى أعلم.
لطائف هَذَا الإسناد:
منها: أنه منْ خماسيات المصنّف رحمه الله تعالى. ومنها: أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فقد تفرد به هو، والترمذيّ. (ومنها): أن شيخه وشيخ شيخه مروزيان، وعاصمًا بصريّ، والباقيان كوفيان. (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ. والله تعالى أعلم.
стр. 16125
[تنبيه]: قوله. "أخبرنا الإمام أبو عبد الرحمن الخ": هَذَا ملحق منْ بعض الرواة عن المصنّف رحمه الله تعالى، والظاهر أنه الحافظ أبو بكر أحمد بن محمد بن إسحاق بن السنّي (ت ٣٦٤ هـ) رحمه الله تعالى، لأنه الذي اشتهر برواية "السنن الصغرى" عنه. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَن عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ) رضي الله تعالى عنه، وسيأتي فِي -٧/ ٤٢٧٢ - منْ طريق سعيد ابن مسروق، عن الشعبيّ، عن عديّ بن حاتم، وكان لنا جارًا، ودخِيلًا، ورَبيطًا بالنهرين … " الحديث. وفي ٢٢/ ٤٣٠٨ - منْ طريق عبد الله بن أبي السفر، عن الشعبيّ، قَالَ: سمعت عديّ بن حاتم … " الحديث.
(أَنَّهُ سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنِ الصَّيْدِ؟) أي عن حكم الصيد، وسيأتي نصّ سؤاله قريبًا أنه قَالَ: قلت: يا رسول الله، أُرْسِلُ كلابي المعلّمة، فيُمسكن عليّ، أفآكل؟ "، وله صيغ أخرى فِي السؤال ستأتي، إن شاء الله تعالى (فَقَالَ) صلّى الله تعالى عليه وسلم (إِذَا أَرْسَلْتَ) أي أردت إرسال (كَلْبكَ) أي المعلّم، لما فِي الرواية الآتية: "إذا أرسلت كلبك المعلّم … ". والمُراد بِالمُعلَّم هو الَّذي إِذَا أغْراهُ صاحِبِهُ عَلَى الصَّيْد طَلبه، وإذَا زَجَرَه انْزَجَرَ، وإذا أخذ الصَّيْد حَبَسهُ عَلَى صاحِبِه، وهذا الثَّالِث مُخْتلف فِي اشْتِراطه، وسيأتي تمام البحث فيه فِي المسألة السابعة، إن شاء الله تعالى.
(فَاذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ فَإِنْ أَدْرَكْتَهُ) أي الكلب، أو الصيد (لَمْ يَقْتُلْ) بالبناء للفاعل: أي إن أدركت الكلب لم يقتل الصيد، أو أدركت الصيد لم يقتله الكلبُ، والجملة فِي
محل نصب عَلَى الحال (فَاذْبَحْ) أي الصيد، أي إن أردت أحله، فاذبحه وجوبًا (وَاذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ) أي لا تكتف بالتسمية السابقة عبد إرسال الكلب (وَإِنْ أَدْرَكْتَهُ قَدْ قَتَلَ) بالبناء للفاعل، والضمير للكلب، ويحتمل أن يكون بالبناء للمفعول، والضمير للصيد (وَلَمْ يَأْكُلْ) أي لم يأكل الكلب منْ ذلك الصيد الذي قتله (فَكُلْ، فَقَدْ أَمْسَكَهُ) الفاء للتعليل، لأنه أمسكه (عَلَيْكَ) أي لأجلك، فـ"عَلَى" بمعنى اللام (فَإِنْ وَجَدْتَهُ قَدْ أَكَلَ مِنْهُ، فَلَا تَطْعَمْ) بفتح العين المهملة، منْ باب تَعِب طَعْمًا -بفتح، فسكون-: أي لا تأكل (مِنْهُ شَيْئًا) وبهذا أخذ الجمهور، خلافًا لمالك، وسيأتي تحقيق الخلاف، إن شاء الله تعالى (فَإِنَّمَا أَمْسَكَ عَلَى نَفْسِهِ) هذه الجملة تعليل للنهي عن الأكل، أي إنما أمسك الصيد لأجل نفسه، لا لك، وشرط الحلّ أن يُمسك عليك. قَالَ النوويّ رحمه الله تعالى: معناه: أن الله تعالى قَالَ: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ الآية [المائدة: ٤]، فإنما أباحه بشرط أن نعلم أنه أمسك علينا، وإذا أكل منه لم نعلم أنه أمسك لنا، أم لنفسه،
стр. 16126
فلم يوجد شرط إباحته، والأصل تحريمه انتهى.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: قوله: لم نعلم أنه أمسك لنا، أم لنفسه الخ، فيه نظر، فإنه صلّى الله تعالى عليه وسلم نصّ عَلَى أنه أمسك لنفسه، فكيف يقال: "لم نعلم أنه أمسك الخ"؟، فتنبّه. والله تعالى أعلم.
(وَإِنْ خَالَطَ كَلْبُكَ كِلَابًا فَقَتَلْنَ فَلَمْ يَأْكُلْنَ فَلَا تَأْكُلْ مِنْهُ شَيْئًا فَإِنَّكَ) الفاء للتعليل أيضًا (لَا تَدْرِي أَيُّهَا قَتَلَ) أي أي تلك الكلاب قتل ذلك الصيد، فيحتمل أنه قتله كلب آخر غير كلبك، فحينئد لا يحلّ؛ لعدم التسمية عند إرساله. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): فِي درجته:
حديث عديّ بن حاتم رضي الله تعالى عنه هَذَا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -١/ ٤٢٦٥ و٢/ ٤٢٦٦ و٣/ ٤٢٦٧ و٤/ ٤٢٦٨ و٥/ ٤٢٦٩ و٦/ ٤٢٧٠ و٧/ ٤٢٧١ و٤٢٧٢ و٤٢٧٣ و٤٢٧٤ و٤٢٧٥ و٨/ ٤٢٧٦ و٤٢٧٧ و١٨/ ٤٣٠٠ و٤٣٠١ و١٩/ ٤٣٠٢ و٤٣٠٣ و٤٣٠٦ و٢١/ ٤٣٠٧ و٢٢/ ٤٣٠٨ و٢٣/ ٤٣٠٩ و٤٣١٠ - وفي "الكبرى" ١/ ٤٧٧٤ و٢/ ٤٧٧٥ و٣/ ٤٧٧٦ و٤/ ٤٧٧٧ و٥/ ٤٧٧٨ و٦/ ٤٧٧٩ و٧/ ٤٧٨٠ و٨/ ٤٧٨٥ و٤٧٨٦ و٢٠/ ٤٨١٠ و٤٨١١ و٢١/ ٤٨١٢ و٤٨١٣ و٤٨١٤ و٢٢/ ٤٨١٦ و٢٣/ ٤٨١٧ و٢٤/ ٤٨١٨ و٢٥/ ٤٨١٩ و٤٨٢٠.
وأخرجه (خ) فِي "الوضوء" ١٧٥ و"البيوع" ٢٠٥٤ و"الذبائح والصيد" ٥٤٧٥ و٥٤٧٦ و٥٤٧٧ و٥٤٨٣ و٥٤٨٥ و٥٤٨٦ و٥٤٨٧ و"التوحيد" ٧٣٩٧ (م) فِي "الصيد والذبائح" ٣٥٦٠ و٣٥٦١ و٣٥٦٢ و٣٥٦٣ و٣٥٦٤ و٣٥٦٥ و٣٥٦٦ (د) فِي "الضحايا" ٢٨٢٤ و٢٨٤٧ و٢٨٤٨ و٢٨٤٩ و٢٨٥٠ و٢٨٥١ و٢٨٥٢ و٢٨٥٣ و٢٨٥٤ و (ت) فِي "الصيد" ١٤٦٥ و١٤٦٩ و١٤٧٠ و١٤٧١ و (ق) فِي "الذبائح" ٣١٧٧ و"الصيد" ٣٢٠٨ و٣٢١٢ و٣٢١٣ و٣٢١٤ و٣٢١٥ (أحمد) فِي "أول مسند الكوفيين" ١٧٧٨١ و١٧٧٩٤ و١٧٧٩٨ و١٧٧٩٣ و١٨٩٠١ و٩٠٠٢. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): فِي فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان وجوب التسمية عند إرسال الكلب إلى الصيد؛ لأمره صلّى الله تعالى عليه وسلم بذلك. (ومنها): جواز
стр. 16127
الاصطياد، وأنه منْ الأمور المباحة، وليس منْ اللَّهو واللعب. (ومنها): جواز اقتناء الكلب للصيد. (ومنها): جواز ما قتله الكلب منْ الصيد، إن لم يُدرك حيًّا. (ومنها): وجوب ذبح الصيد الذي أمسكه الكلب، إذا وجد حيّا، فلو مات بعد أن تمكّن صاحبه منْ ذبحه، وتركه لم يحلّ. (ومنها): وجوب التسمية عند ذبحه، فلا تجزىء التسمية السابقة عبد الإرسال، وسيأتي مزيد بسط لذلك قريبًا، إن شاء الله تعالى. (ومنها): اشتراط كون الكلب معلّمًا، فلو سمّى عَلَى كلب غير معلّم، فقتل الصيد لم يحلّ.
(ومنها): إِباحة الاصطِياد بِالكِلاب المُعلَّمة، واسْتثْنى أحْمَد، وإِسْحَاق الْكَلْب الأسْوَد، وقالا: لا يحِلّ الصَّيد بِهِ؛ لِأنَّه شَيْطَان، ونقل عن الْحَسَنِ، وإِبْرَاهِيم، وَقَتادة نَحْو ذَلِكَ.
(ومنها): أن فيه فضل العلم، وأن للعالم منْ الفضيلة ما ليس للجاهل؛ لأن الكلب إذا عُلّم يكون له فضيلة، عَلَى سائر الكلاب، فالإنسان إذا كَانَ له علم أولى أن يكون له فضل عَلَى سائر النَّاس، لاسيّما إذا عمِل بما علِم، وهذا كما رُوي عن عليّ بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه أنه قَالَ: لكلّ شيء قيمةٌ، وقيمة المرء ما يُحسنه. ذكره القرطبيّ فِي "تفسيره" (١).
(ومنها): جواز أكْلِ ما أَمْسكهُ الكلب، بِالشُّرُوطِ المُتقدِّمَة، ولوْ لم يُذْبح؛ لِقوْلِهِ: "إِنَّ أخْذ الْكَلْب ذكاةٌ"، فلوْ قتَلَ الصَّيْد بِظُفْرِهِ، أو نَابهُ حَلَّ، وكَذَا بِثِقَلِهِ عَلَى أحَدِ القوْلَينِ لِلشَّافِعِيِّ، وهُو الرَّاجِح عِنْدهمْ، وكذا لَوْ لَمْ يقتُلهُ الْكَلْب، لَكِنْ تَرَكَهُ، وبهِ رَمَقَ، ولَمْ يَبْقَ زَمَن يُمْكِن صَاحِبِهِ فِيهِ لحاقُهُ، وذبْحُهُ، فمَات حَلَّ؛ لِعُمُوِمِ قوْله: "فَإِنَّ أخذ الْكَلْب ذكاة"، وهذا فِي المُعلَّم، فلو وجدهُ حيًّا حياة مُسْتقِرَّة، وأدرك ذكاته، لم يحِلّ إِلَّا بِالتَّذكِيةِ، فلو لم يذبحهُ مع الإمْكان حَرُمَ، سواء كَانَ عدم الذَّبح اخْتِيارًا، أو اضْطِرارًا، كَعَدَم حُضُور آلة الذَّبْح. فَإِنْ كَانَ الكَلب غير مُعلَّم، اشترط إِدراك تذكِيته، فَلوْ أدْركهُ مَيتًا لم يحِلّ. (ومنها): أن شرط حل ما قتله الكلب أن لا يشاركه فِي القتل كلبٌ آخر، فلو شاركه لم يحلّ؛ لاختلاط المبيح والمحرّم، فغُلّب المحرّم. قِال فِي "الفتح": ومَحَلّه ما إِذَا اسْتَرْسل بِنفسِهِ، أو أرسلهُ منْ ليس منْ أهل الذَّكاة، فإِن تَحقَّق أنَّهُ أرْسَلهُ منْ هُو مِن أهْل الذَّكاة حَلَّ، ثُمَّ يُنْظَر، فإِنْ أرْسَلاهُما معًا، فَهُوَ لَهُمَا، وإِلَّا فلِلأوَّلِ، وَيُؤْخَذ ذَلِكَ مِن التَّعْلِيل فِي قَوْله: "فإِنَّما سَمَّيت عَلَى كَلْبك، ولَمْ تُسَمِّ عَلَى غَيره"، فإِنَّهُ يَفْهَم مِنْهُ أَنَّ الْمُرسِل، لَوْ سَمَّى عَلَى الْكَلْب لَحَلَّ.، وَوقَع فِي رِواية بَيَان، عن الشَّعْبِيّ؟ "وَإِنْ
стр. 16128
خَالَطَها كِلاب منْ غَيْرها، فلا تَأْكُل"، فيُؤخذ مِنْهُ أنَّهُ لو وجَدهُ حيًّا، وفِيهِ حَياة مُسْتَقِرَّة، فذكَّاهُ حَلَّ؛ لأنَّ الاعتِماد فِي الإباحَة عَلَى التَّذْكِية، لا عَلَى إِمْسَاك الكَلْب. قاله فِي "الفتح" (١). (ومنها): أن شرط الحلّ أيضًا أن لا يأكل الكلب منْ الصيد الذي قتله، وإلا فلا يحلّ؛ لأنه صاده لنفسه، لا لصاحبه. وسيأتي مزيد بسط فِي ذلك قريبًا، إن شاء الله تعالى.
(ومنها): إِبَاحَة الاصْطِيَاد لِلانْتِفَاع بِالصَّيدِ، لِلأكْلِ والْبَيْع، وكذا اللَّهْو، بِشَرْطِ قَصْد التَّذكِية، والانْتِفاع، وكَرِههُ مالِك، وَخَالفهُ الْجُمْهُور. قَالَ اللَّيْث: لا أعْلَمْ حقًّا أشبه بِباطِلٍ مِنْهُ، فلو لم يقْصِد الانْتِفَاع بهِ حَرُم؛ لِأنَّهُ منْ الفَسَاد فِي الأرْض، بإِتْلافِ نَفْسٍ عبثاً، قَالَ الحافظ: ويَنْقَدِحُ أن يُقال: يُبَاح، فإِن لازمهُ وأكثر مِنْهُ كُرِه؛ لِأنَّهُ قد يَشْغَلهُ عن بعض الوَاجِبَات، وكَثِير منْ المَنْدُوبات. وأخْرَج التِّزمِذِيّ منْ حدِيث ابنِ عبَّاس، رَفَعَهُ: "مَنْ سَكَن البَادِية جَفَا، وَمَن اتَّبَعَ الصَّيْد غَفَلَ"، ولهُ شَاهِدِ عن أبِي هُرَيْرَة، عِند التِّرْمِذيّ أيضاً، وَآخَر عِنْد الدَّارقُطنِيُّ، فِي "الأفْرَاد" منْ حَدِيث الْبَرَاءَ بْن عَازِب، وَقَالَ: تَفرَّد بِهِ شَرِيك. (ومنها): جَوَاز اقتِناء الْكَلْب المُعَلَّم لِلصَّيدِ. وَسَيأتِي البَحْث فِيهِ فِي شرح حَدِيث: "منْ اقْتَنَى كَلْبًا"، إن شاء الله تعالى.
(ومنها): أنه استُدِلَّ بِهِ عَلَى جَوَاز بَيْع كَلْب الصَّيْد؛ لِلإضَافَةِ فِي قوْله: "كَلْبك"، وأَجَابَ مَنْ مَنَعَ بِأنَّها إِضَافَة اخْتِصَاص، وسيأتي تمام البحث فيه فِي محلّه، إن شاء الله تعالى.
(ومنها): أنه استُدِلَّ بِهِ عَلَى طَهَارة سُوْر كَلْب الصَّيْد، دُونِ غَيْره منْ الكِلاب؛ لِلإِذْنِ فِي الأَكْل منْ الموْضِع الَّذِي أكل مِنْهُ، ولَمْ يَذْكُر الْغَسْل، ولوْ كَانَ واجِبًا لبيَّنهُ؛ لِأنَّهُ وقت الْحَاجة إِلى البَيَان. وَقَالَ بعْض العُلَمَاء: يُعْفَى عَن مَعَضّ الْكَلْب، ولوْ كَانَ نَجسًا؛ لِهذا الْحَدِيث. وأجَابَ منْ قَالَ بِنَجَاستِهِ، بِأن وُجُوب الغَسْل كَانَ قد اشْتَهَر عِندهمْ، وعُلِمَ، فَاسْتَغْنى عن ذِكْره. وفِيهِ نظَرٌ، وَقَدْ يتَقَوَّى الْقوْل بالعَفْوِ؛ لِأنَّهُ بِشِدَّةِ الجَرْي يجِفُّ رِيقه، فيُؤْمَنُ مَعَهُ ما يُخْشَى مِنْ إِصَابة لُعَابه موْضِع الْعَضّ. قاله فِي "الفتح".
(ومنها): أنه استُدِلَّ بِقَوْلِهِ: "كُلّ مَا أمْسَكَ عَلَيْك" بِأنَّهُ لو أرْسَلَ كَلْبه عَلَى صَيْد، فاصْطَادَ غَيْره حَلَّ؛ لِلْعُمُومِ الَّذِي فِي قَوْله: "مَا أَمْسَكَ"، وَهَذَا قَوْل الْجُمْهُور، وَقَالَ مَالِك: لا يَحِلُّ، وَهُوَ رِوَايَة البُويْطِيّ، عن الشَّافِعِيّ.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: القول الأول أرجح؛ لظهور دليله. والله تعالى أعلم
стр. 16129
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): فِي اختلاف أهل العلم فِي اشتراط إرسال الكلب:
قَالَ العلامة ابن قُدامة رحمه الله تعالى: ما حاصله: يُشتَرط أن يُرسل الجارحة عَلَى الصيد، فإن استرسلت بنفسها، فقتلت لم يُبَح، وبهذا قَالَ ربيعة، ومالكٌ، والشافعيّ، وأحمد، وأبو ثور، وأصحاب الرأي. وَقَالَ عطاءٌ، والأوزاعيّ: يؤكل صيده إذا أخرجه للصيد. وَقَالَ إسحاق: إذا سمّى عند إنفلاته أُبيح صيده. وروَى بإسناده عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أنه سُئل عن الكلاب، تَنَفَلِتُ منْ مرابضها، فتصيد الصيد؟ قَالَ: اذكر اسم الله، وكل. قَالَ إسحاق: فهذا الذي أختار إن لم يتعمّد هو إرساله منْ غير ذكر اسم الله عليه. قَالَ الخلّال: هَذَا عَلَى معنى قول أبي عبد الله.
وأحتجّ الأولون بقول النبيّ صلّى الله تعالى عليه وسلم: "إذا أرسلت كلبك، وسمّيتَ، فكل"، ولأن إرسال الجارحة جُعل بمنزلة الذبح، ولهذا اعتُبرت التسمية معه. وإن استرسل بنفسه، فسمّى صاحبه، وزجره، فزاد فِي عدوه أُبيح صيده؛ وهذا قول أحمد، وأبي حنيفة؛ لأن زجره أثّر فِي عدوه، فصار كما لو أرسله، وذلك لأن فعل الإنسان متى انضاف إلى فعل غيره، فالاعتبار بفعل الإنسان، بدليل ما لو صال الكلب عَلَى إنسان، فأغراه إنسان، فالضمان عَلَى منْ أغراه. وَقَالَ الشافعيّ: لا يُباح، وعن مالك كالمذهبين. وإن أرسله بغير تسمية، ثم سمّى وزجره، فزاد عدوه، فظاهر كلام أحمد أنه يُباح؛ لأنه انزجر بتسميته وزجره، فأشبه التي قبلها. وَقَالَ القاضي: لا يُباح صيده؛ لأن الحكم يُعلّق بالإرسال الأول، بخلاف ما إذا استرسل بنفسه، فإنه لا يتعلّق به حظر، ولا إباحة. انتهى كلام ابن قُدامة بتصرّف (١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
(المسألة الخامسة): فِي أقوال أهل العلم فِي اشتراط كون الكلب وغيره معلمًا:
قَالَ أبو العبّاس القرطبيّ رحمه الله تعالى: تعليم الكلب وغيره مما يُصاد به هو تأديبه عَلَى الصيد، بحيث يأتمر إذا أُمر، وينزجر إذا زُجر، ولا يُختلف فِي هذين الشرطين فِي الكلاب، وما فِي معناها منْ سباع الوحوش، واختُلف فيما يُصاد به منْ الطير، فالمشهور أن ذلك مشترط فيها. وذكر ابن حبيب أنه لا يُشترط أن تنزجر إذا زُجرت، فإنه لا يتأتّى ذلك فيها غالبًا، فيكفي أنه إذا أمرت أطاعت. قَالَ: والوجود يشهد للجمهور، بل الذي لا ينزجر نادرٌ فيها، وَقَدْ شرَط الشافعيّ، وجمهور منْ العلماء فِي
стр. 16130
التعليم أن يُمسك عَلَى صاحبه، ولا يأكل منه شيئًا، ولم يشترطه مالكٌ فِي المشهور عنه. انتهى (١).
وَقَالَ فِي "الفتح": ما حاصله: اخْتُلِف متى يُعلمُ تعَلُّم الكلاب، فَقَالَ البَغَوِيُّ فِي "التَّهْذِيب": أَقَلّه ثلاث مرَّات، وَعَن أبِي حَنيفَة، وأَحْمَد يَكْفِي مَرَّتينِ، وَقَالَ الرَّافِعِيّ: لم يُقدِّرهُ المُعْظم لاضْطِراب العُرف، واخْتِلاف طِبَاع الجَوَارح، فَصَارَ الْمَرجِع إِلى الْعُرْف. ووَقَع فِي رِوَايَة مُجَالِد عَن الشَّعْبِيّ، عَن عَدِيّ فِي هَذَا الْحَدِيث، عِنْد أبِي دَاوُدَ، والتِّزمِذِيّ، أمَّا التِّرْمِذِيّ، فَلَفْظه: "سَألْت رسُول الله ﷺ عَن صَيْد الْبَازِي، فَقَالَ: مَا أَمْسَكَ عَلَيْك فَكُلْ"، وَأَمَّا أَبُو دَاوُدَ، فَلَفْظه: "مَا عَلَّمْتَ مِنْ كَلْب، أَوْ بَازٍ، ثُمَّ أَرْسَلْته، وَذَكَرْت اسْم الله، فكُلْ مَا أَمْسَكَ عَلَيْك"، قُلْت: وَإنْ قَتَلَ؟، قَالَ: "إِذَا قَتَل، وْلَمْ يَأكُل مِنْهُ". قَالَ التِّرمِذِيّ: والْعَمَل عَلَى هَذَا عِنْد أهْل الْعِلْم، لا يَرَوْن بِصَيْدِ البَاز، والصُّقُور بَأْسًا. انتهى.
وَقَالَ ابن قُدامة رحمه الله تعالى: ما حاصله: لا خلاف فِي أعتبار كون الجارح معلّمًا؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ الآية [المائدة: ٤]، ولحديث عديّ بن حاتم، وأبي ثعلبة الخشنيّ رضي الله تعالى عنهما: "إذا أرسلت كلبك المعلّم … " الحديث. قَالَ: ويُعتبر فِي تعليمه ثلاثة شروط، إذا أرسله استرسل، وإذا زجره انزجر، وإذا أمسك لم يأكل، ويتكرّر هَذَا منه مرّةً أخرى، حَتَّى يصير معلّمًا فِي حكم العرف، وأقلّ ذلك ثلاث. قاله القاضي. وهو قول أبي يوسف، ومحمد، ولم يُقدّر أصحاب الشافعيّ عدد المرّات؛ لأن التقدير بالتوقيف، ولا توقيف فِي هَذَا، بل قدره بما يصير به فِي العرف معلّمًا. وحُكي عن أبي حنيفة أنه إذا تكرّر مرّتين، صار معلّمًا؛ لأن التكرار يحصل بمرّتين. وَقَالَ الشريف أبو جعفر، وأبو الخطّاب: يحصل ذلك بمرّة، ولا يُعتبر التكرار؛ لأنه تعلّم صنعة، فلا يُعتبر فيه التكرار، كسائر الصنائع.
وحجة القول الأول أن تركه للأكل يحتمل أن يكون لشِبَع، ويحتمل أنه تعلّم، فلا يتميّز ذلك إلا بالتكرار، وما اعتُبر فيه التكرار اعتُبر ثلاثًا، كالمسح فِي الاستجمار، وعدد الأقراء، والغسلات فِي الوضوء، ونحوها، ويفارق الصنائع، فإنها لا يتمكّن منْ فعلها إلا منْ تعلّمها، فإذا فعلها عُلم أنه قد تعلّمها، وعرفها، وتركُ الأكلِ ممكن الوجود منْ المتعلّم وغيره، ويوجد منْ الصنفين جميعًا، فلا يتميّز به أحدهما منْ الآخر
стр. 16131
حَتَّى يتكرّر. انتهى كلام ابن قُدامة بتصرّف (١).
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: القول الأول عندي أقرب؛ دوضوح حجته. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة السادسة): فِي اختلاف أهل العلم فِي إلحاق غير الكلب به فِي جواز الصيد:
قَالَ ابن قُدامة رحمه الله تعالى أيضًا: وكلّ ما يقبل التعليم، ويُمكن الاصطياد به منْ سباع البهائم، كالفهد، أو جوارح الطير، فحكمه حكم الكلب فِي إباحة صيده. قَالَ ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما فِي قوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ﴾ الآية: هي الكلاب المعلّمة، وكلّ طير تعلّم الصيد، والفُهود، والصقور، وأشباهها. وبمعنى هَذَا قَالَ طاوس، ويحيى بن أبي كثير، والحسن، ومالك، والثوريّ، وأبو حنيفة، ومحمد ابن الحسن، والشافعيّ، وأبو ثور. وحكي عن ابن عُمر، ومجاهد أنه لا يجوز الصيد إلا بالكذب؛ يقول الله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾ [المائدة: ٤] يعني كَلَّبتم منْ الكلاب.
واحتجّ الأولون بما روى عن عديّ بن حاتم رضي الله تعالى عنه، قَالَ: سألت رسول الله صلّى الله تعالى عليه وسلم عن صيد البازي؟ فَقَالَ: "إذا أمسك عليك، فكل" (٢)، ولأنه جارحٌ يُصاد به عادةً، ويقبل التعليمَ، فأشبه الكلب، فأما الآية فإن الجوارح الكواسب، ﴿وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ﴾ [الأنعام: ٦٠]: أي كسبتم، وفلان جارحة أهله: أي كاسبهم ﴿مُكَلِّبِينَ﴾ منْ التكليب، وهو الإغراء. انتهى كلام ابن قدامة رحمه الله تعالى (٣).
وَقَالَ أبو العبّاس القرطبيّ رحمه الله تعالى: ألحق الجمهور بالكلب كلّ حيوان معلّم، يتأتّى به الاصطياد، تمسّكًا بالمعنى، وبما رواه الترمذيّ عن عديّ بن حاتم رضي الله تعالى عنه أنه قَالَ: سألت رسول الله صلّى الله تعالى عليه وسلم عن صيد البازي؟ فَقَالَ: "إذا أمسك عليك، فكل"، عَلَى أن فِي إسناده مجالدًا، ولايُعرف إلا منْ حديثه، وهو ضعيف، والمعتمد النظر إلى المعنى، وذلك أن كلّ ما يتأتّى منْ الكلب يتأتّى منْ الفهد مثلًا، فلا فارق إلا فيما لا مدخل له فِي التأثير، وهذا هو القياس فِي معنى الأصل، كقياس السيف عَلَى المدينة التي ذبح النبيّ صلّى الله تعالى عليه وسلم بها، وقياس الأمة عَلَى العبد فِي سراية العتق.
стр. 16132
وَقَدْ خالف فِي ذلك قومٌ، وقصروا الإباحة عَلَى الكلاب خاصّةً، ومنهم منْ يستثني الكلب الأسود، وهو الحسن، والنخعيّ، وقتادة؛ لأنه شيطانٌ، كما قَالَ النبيّ صلّى الله تعالى عليه وسلم، متمسّكين بقوله تعالى: ﴿مُكَلِّبِينَ﴾، وبأنه ما وقع فِي "الصحيحين" إلا ذكر الكلاب. وهذا لا حجّة لهم فيه؛ لأن ذكر الكلاب فِي هذه المواضع إنما كَانَ لأنها الأغلب والأكثر، وأيضًا فإن ذكرها خصوصًا لا يدلّ عَلَى أن غيرها لا يُصاد بها؛ لأن الكلب لقبٌ، ولا مفهوم للّقب عبد جماهير المحقّقين منْ الأصوليين، ولم يصر إليه إلا الدّقّاق، وليس هو فيه عَلَى توفيق، ولا وفاق، ولو صحّ زعمه ذلك لكفر منْ قَالَ: عيسى رسول الله، فإنه كَانَ يلزم منه بحسب زعمه، أن محمدًا وغيره منْ الأنبياء -صلوات الله وسلامه عليهم- ليس رسولًا. انتهى كلام القرطبيّ (١).
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي ما ذهب إليه الجمهور منْ جواز الاصطياد بكل حيوان يقبل التعليم هو الأرجح؛ لظهور مُدركه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة السابعة): فِي اختلاف أهل العلم فِي اشتراط التسمية عَلَى الكلاب، والذبيحة: قَالَ الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى فِي "تفسيره" ٢/ ١٧٠ - عند تفسير قوله: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ الآية [الأنعام: ١٢١]-: ما حاصله:
قد اختلف الأئمة ﵏ فِي هذه المسألة عَلَى ثلاثة أقوال: فمنهم منْ قَالَ: لا تحل هذه الذبيحة بهذه الصفة، وسواء متروك التسمية عمدا، أو سهوا، وهو مروي عن ابن عمر، ونافع مولاه، وعامر الشعبي، ومحمد بن سيرين، وهو رواية عن الإمام مالك، ورواية عن أحمد بن حنبل، نصرها طائفة منْ أصحابه المتقدمين والمتأخرين، وهو اختيار أبي ثور، وداود الظاهري، واختار ذلك أبو الفتوح، محمد بن محمد بن علي الطائي، منْ متأخري الشافعية، فِي كتابه "الأربعين"، واحتجوا لمذهبهم هَذَا بهذه الآية، وبقوله فِي آية الصيد: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾، ثم قد أكد فِي هذه الآية بقوله: ﴿وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾، والضمير قيل: عائد عَلَى الأكل، وقيل: عائد عَلَى الذبح لغير الله، وبالأحاديث الواردة فِي الأمر بالتسمية عبد الذبيحة والصيد، كحديثي عدي بن حاتم، وأبي ثعلبة رضي الله تعالى عنهما: "إذا أرسلت كلبك المعلم، وذكرت اسم الله عليه، فكل ما أمسك عليك"، وهما فِي "الصحيحين"، وحديث رافع بن خديج ﵁: "ما أنهر الدم، وذُكر اسم الله عليه فكلوه"، وهو فِي "الصحيحين" أيضا،
стр. 16133
وحديث ابن مسعود ﵁: أن رسول الله ﵌، قَالَ للجن: "لكم كل عظم ذكر اسم الله عليه"، رواه مسلم، وحديث جندب بن سفيان البجلي ﵁، قَالَ: قَالَ رسول الله ﷺ : "منْ ذبح قبل أن يصلي، فليذبح مكانها أخرى، ومن لم يكن ذبح حَتَّى صلينا، فليذبح باسم الله"، أخرجاه، وعن عائشة ﵂: أن ناسا قالوا: يا رسول الله، إن قوما يأتوننا باللحم، لا ندري أذكر اسم الله عليه أم لا؟، قَالَ: "سموا عليه أنتم، وكلوا"، قالت: وكانوا حديثي عهد بالكفر، رواه البخاريّ. ووجه الدلالة أنهم فَهِموا أن التسمية لابد منها، وخشُوا أن لا تكون وُجدت منْ أولىك؛ لحداثة إسلامهم، فأمرهم بالاحتياط بالتسمية عند الأكل، لتكون كالعوض عن المتروكة عبد الذبح، إن لم تكن وجدت، وأمرهم باجراء أحكام المسلمين عَلَى السداد. والله أعلم.
(المذهب الثاني فِي المسألة): أنه لا يشترط التسمية، بل هي مستحبة، فإن تركها عمدا أو نسيانا لا يضر، وهذا مذهب الإمام الشافعيّ ﵀، وجميع أصحابه، ورواية عن الإمام أحمد، نقلها عنه خبل، وهو رواية عن الإمام مالك، ونص عَلَى ذلك أشهب بن عبد العزيز، منْ أصحابه، وحُكي عن ابن عباس، وأبي هريرة، وعطاء بن أبي رباح. والله أعلم. وحمل الشافعيّ الآية الكريمة: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ [الأنعام: ١٢١]، عَلَى ما ذُبح لغير الله، كقوله تعالى: ﴿أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [الأنعام: ١٤٥]، وَقَالَ ابن جريج، عن عطاء: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ قَالَ: ينهى عن ذبائح، كانت تذبحها قريش للأوثان، وينهى عن ذبائح المجوس، وهذا المسلك الذي طرقه الإمام الشافعيّ قويّ، وَقَدْ حاول بعض المتأخرين أن يقويه، بأن جعل الواو فِي قوله: ﴿وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ حالية: أي لا تأكلوا ما لم يذكر اسم الله عليه، فِي حال كونه فسقا، ولايكون فسقا، حَتَّى يكون قد أُهِلّ به لغير الله، ثم ادّعى أن هَذَا متعين، ولا يجوز أن تكون الواو عاطفة؛ لأنه يلزم منه عطف جملة اسمية خبرية، عَلَى جملة فعلية طلبية، وهذا ينتقض عليه بقوله: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ﴾، فإنها عاطفة، لا مَحَالة، فإن كانت الواو التي ادّعى أنها حالية صحيحة، عَلَى ما قَالَ، امتنع عطف هذه عليها، فإن عُطفت عَلَى الطلبية، ورَدَ عليه ما أورد عَلَى غيره، وإن لم تكن الواو حالية، بطل ما قَالَ منْ أصله. والله أعلم.
وَقَالَ ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا يحيى بن المغيرة، أنبأنا جرير، عن عطاء، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس فِي الآية: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ قَالَ: هي الميتة. ثم رواه عن أبي زرعة، عن يحيى بن أبي كثير، عن ابن لَهِيَعة، عن عطاء -وهو ابن السائب- به.
стр. 16134
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: فِي الأول عطاء بن السائب، وهو مختلط، وجرير ممن روى عنه بعد اختلاطه، وفي الثاني ابن لَهيعة، وهو ضعيف للاختلاط. والله تعالى أعلم.
قَالَ: وَقَدْ استُدل لهذا المذهب بما رواه أبو داود فِي "المراسيل" منْ حديث ثور بن زيد، عن الصلت السدوسي، مولى سُويد بن منجوف، أحد التابعين، الذين ذكرهم أبو حاتم بن حبّان، فِي كتاب "الثقات"، قَالَ: قَالَ رسول الله ﷺ : "ذبيحة المسلم حلال، ذكر اسم الله، أو لم يَذكُر، إنه إن ذكر لم يذكر إلا اسم الله"، وهذا مرسل، يُعضَد بما رواه الدارقطني، عن ابن عباس، أنه قَالَ: "إذا ذبح المسلم، ولم يذكر اسم الله فليأكل، فإن المسلم فيه اسم منْ أسماء الله".
واحتج البيهقي أيضًا بحديث عائشة، ﵂ المتقدم: أن ناسا قالوا: يا رسول الله، إن قوما حديثي عهد بجاهلية، يأتوننا بلحم، لا ندري أذُكر اسم الله عليه، أم لا؛ فَقَالَ: "سموا أنتم، وكلوا"، رواه البخاريّ، قالوا: فلو كَانَ وجود التسمة شرطا، لم يُرخِّص لهم إلا مع تحققها، والله أعلم.
(المذهب الثالث فِي المسألة): إن تَرَكَ البسملةَ، عَلَى الذبيحة نسيانا لم يضر، وإن تركها عمدا لم تحل، هَذَا هو المشهور منْ مذهب الإمام مالك، وأحمد بن حنبل، وبه يقول أبو حنيفة، وأصحابه، وإسحاق بن راهويه، وهو محكي عن علي، وابن عباس، وسعيد بن المسيب، وعطاء، وطاوس، والحسن البصريّ، وأبي مالك، وعبد الرحمن ابن أبي ليلى، وجعفر بن محمد، وربيعة بن أبي عبد الرحمن، ونقل الإمام أبو الحسن المرغياني، فِي كتابه "الهداية" الإجماع قبل الشافعيّ، عَلَى تحريم متروك التسمية عمدا، فلهذا قَالَ أبو يوسف، والمشايخ: لو حكم حاكم بجواز بيعه، لم ينفذ؛ لمخالفة الإجماع. وهذا الذي قاله غريب جدًّا، وَقَدْ تقدم نقل الخلاف، عمن قبل الشافعيّ، والله أعلم.
وَقَالَ الإمام أبو جعفر بن جرير ﵀: منْ حرّم ذبيحة الناسي، فقد خرج منْ قول جميع الحجة، وخالف الخبر الثابت عن رسول الله ﷺ فِي ذلك، يعني ما رواه الحافظ أبو بكر البيهقي، أنبأنا أبو عبد الله الحافظ، حدثنا أبو عباس الأصم، حدثنا أبو أمية الطرسوسي، حدثنا محمد بن يزيد، حدثنا مَعقِل بن عبيد الله، عن عمرو بن دينار، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن النبيّ ﷺ ، قَالَ: "المسلم يكفيه اسمه، إن نسي أن يسمي حين يذبح، فليذكر اسم الله، وليأكله"، وهذا الحديث رفعه خطأ، أخطأ فيه مَعْقِل بن عبيد الله الجزري، فإنه وإن كَانَ منْ رجال مسلم، إلا أن سعيد بن منصور،
стр. 16135
وعبد الله بن الزبير الحميدي، روياه عن سفيان بن عيينة، عن عمرو، عن أبي الشعثاء، عن عكرمة، عن ابن عباس، منْ قوله، فزادا فِي إسناده أبا الشعثاء، ووقفاه، وهذا أصح، نَصّ عليه البيهقي، وغيره منْ الحفاظ.
ثم نقل ابن جرير، وغيره، عن الشعبي، ومحمد بن سيرين، أنهما كرها متروك التسمية نسيانا، والسلف يطلقون الكراهة عَلَى التحريم كثيرا. والله أعلم، إلا أن منْ قاعدة ابن جرير، أنه لا يعتبر قول الواحد، ولا الاثنين مخالفا لقول الجمهور، فيَعُدّه إجماعا، فليُعلَم هَذَا. والله الموفق.
قَالَ ابن جرير: حدثنا ابن وكيع، حدثنا أبو أسامة، عن جَهِير بن يزيد (١)، قَالَ: سئل الحسن، سأله رجل أُتيت بطير كَرًى (٢)، فمنه ما قد ذُبح، فذُكر اسم الله عليه، ومنه ما نُسي أن يذكر اسم الله عليه، واختلط الطير؟ فَقَالَ الحسن: كُلْه كُلَّه. قَالَ: وسألت محمد بن سيرين، فَقَالَ: قَالَ الله: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾.
واحتُجّ لهذا المذهب، بالحديث المروي منْ طرُق، عبد ابن ماجه، عن ابن عباس، وأبي هريرة، وأبي ذَرّ، وعقبة بن عامر، وعبد الله بن عمرو، عن النبيّ ﷺ : "إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان، وما استُكرهوا عليه"، وفيه نظر. والله أعلم.
وَقَدْ روى الحافظ أبو أحمد بن عديّ، منْ حديث مروان بن سالم القَرْقَساني -بفتح القافين- عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، قَالَ: جاء رجل إلى النبيّ ﷺ ، فَقَالَ: يا رسول الله، أرأيت الرجل منا يذبح، وينسى أن يسمي؟ فَقَالَ النبيّ ﷺ : "اسم الله عَلَى كل مسلم"، ولكن هَذَا إسناده ضعيف، فإن مروان بن سالم القَرْقَساني، أبا عبد الله الشاميّ ضعيف، تكلم فيه غير واحد منْ الأئمة. والله أعلم.
قَالَ ابن كثير: وَقَدْ أفردت هذه المسألة عَلَى حدة، وذكرت مذهب الأئمة، ومآخذهم وأدلتهم، ووجه الدلالات، والمناقضات، والله أعلم. انتهى "تفسير ابن كثير" ٢/ ١٧٤ - ١٧٦.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن ما ذهب إليه القائلون باشتراط التسمية مطلقًا، عمدًا، أو سهوًا هو الأرجح؛ لظاهر الآية: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ الآية، ولصّحة الأمر بذلك فِي حديث عديّ رضي الله تعالى عنه، المذكور فِي
стр. 16136
الباب، حيث قَالَ النبيّ صلّى الله تعالى عليه وسلم له: "إذا أرسلت كلبك، فاذكر اسم الله عليه"، ومثله فِي حديث أبي ثعلبة الخشنيّ رضي الله تعالى عنه الآتي، فقد جعلِها الشارع شَرطاً فِي حدِيث عَدِيٍّ، وأوقف الإذْن فِي الأكْل عليها، فِي حَديث أبي ثَعْلَبة، والمُعلَّق بِالوصْفِ يَنْتَفِي عِند انْتِفَائِهِ، عِنْد منْ يقول بِالْمَفْهُوم، والشَّرْط أقْوى منْ الوصف، ويتأكد الْقَوْل بِالوُجُوب أيضاً بِأنَّ الأصْل تَحرِيم الْمَيْتة، وما أُذِنَ فِيهِ مِنْها تُراعَى صِفَته، فالمُسمَّى عَلَيْهَا وَافَقَ الْوَصْف، وَغَيْر المُسَمَّى بَاقٍ عَلَى أصْلِ التَّحْرِيم أَفَاده فِي "الفتح" (١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الثامنة)؛ فِي اختلاف أهل العلم فِي حكم أكل الصيد الذي أكل منه الكلب:
ذهب الجمهور إلى تحرِيم أكلِ الصَّيْد الَّذِي أَكَلَ الْكَلْب مِنْهُ، وَلَوْ كَانَ الكلب مُعلَّمًا؛ لقوله فِي هَذَا الحديث: "فإن وجدته قد أكل منه، فلا تطعم منه شيئًا"، وَقَدْ علَّل بِالخَوْفِ منْ أنَّهُ: "إِنَّمَا أمْسَك عَلَى نَفْسه"، قَالَ فِي "الفتح": وهُو الرَّاجِح مِن قَوْلَيْ الشَّافِعِيّ، وَقَالَ فِي الْقَدِيم -وهُوَ قَوْل مَالِك، ونقل عن بَعْضِ الصَّحَابة-: يَحِلّ، واحتجُّوا بِما ورد فِي حدِيث عمرو بن شُعَيْب، عن أبيهِ، عن جَدِّهِ: "أنَّ أعْرابِيًّا، يُقال له: أبُو ثَعْلبة، قَالَ: يا رسُول الله، إِنَّ لي كِلابًا مُكَلَّبَة، فأفْتِنِي فِي صَيْدهَا، قَالَ: كُلْ مِمَّا أمْسَكْنَ عَليْك، قَالَ: وإنْ أَكَل مِنْهُ؟ قَالَ: وإنْ أَكَل مِنْهُ". أخرجهُ أبُو داوُد. قَالَ الحافظ: ولا بَأْس بِسندِهِ. وسَلَكَ النَّاس فِي الجَمْع بين الْحَدِيثَيْنِ طُرُقاً:
[مِنْها]: -لِلقَائِلِينَ بِالتَّحْرِيمِ- حَمْلُ حدِيث أبِي ثَعْلَبَة، عَلَى مَا إِذَا قَتَلهُ، وخَلَّاهُ، ثُمَّ عَادَ، فَأَكَلَ مِنْهُ.
[وَمِنْهَا]: التَّرْجِيح، فرِواية عَدِيٍّ فِي "الصَّحِيحَيْنِ"، مُتَّفق عَلَى صِحَّتهَا، وَرِوَاية أبِي ثَعْلَبة المَذْكُورة فِي غَيْر "الصَّحِيحَيْنِ"، مُخْتَلَف فِيِ تَضْعِيفهَا، وأيْضًا فَرِوَايَة عَدِيٍّ صَرِيحَة، مَقْرُونة بِالتَّعْلِيلِ المُنَاسِب لِلتَّحْرِيم، وَهُوَ خَوْف الإمْسَاك عَلَى نَفْسه، مُتأيِّدَة بِأنَّ الأصْل فِيِ المَيْتَة التَّحْرِيم، فإِذا شَكَكْنا فِي السَّبَب المُبيح، رَجَعْنا إِلى الأصْل، وَظَاهِرِ القُرآن أيضًا، وهُو قَوْله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾، فَإِنَّ مُقْتَضَاهَا، أَنَّ الَّذِي يُمْسِكهُ مِن غَيْر إِرْسَال لا يُبَاح، وَيتَقوَّى أيضًا بِالشَّاهِدِ منْ حدِيث ابْنِ عبّاس رضي الله تعالى عنهما، عِنْد أحْمَد: "إِذَا أرسَلْت الكَلْب، فأكَلِ الصَّيد، فَلا تَأكُل، فَإِنَّمَا أمْسَكَ عَلَى نَفْسه، وَإِذَا أرْسَلْته فَقَتَل، ولَمْ يَأْكُل فَكُلْ، فإِنَّمَا أمْسَك عَلَى صَاحِبِهِ". وأخْرَجَهُ الْبَزَّار مِنْ وَجْه آخَر، عن ابنِ عبَّاس، وابْنُ أبِي شَيْبَة، مِنْ حَدِيث أبِي رَافِعٍ بِمَعْناهُ، وَلَوْ