← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 12888

ذخيرة العقبى في شرح المجتبى

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (19 271 стр.). Показаны 16136–16175 · переход к 16141.

стр. 16136

الباب، حيث قَالَ النبيّ صلّى الله تعالى عليه وسلم له: "إذا أرسلت كلبك، فاذكر اسم الله عليه"، ومثله فِي حديث أبي ثعلبة الخشنيّ رضي الله تعالى عنه الآتي، فقد جعلِها الشارع شَرطاً فِي حدِيث عَدِيٍّ، وأوقف الإذْن فِي الأكْل عليها، فِي حَديث أبي ثَعْلَبة، والمُعلَّق بِالوصْفِ يَنْتَفِي عِند انْتِفَائِهِ، عِنْد منْ يقول بِالْمَفْهُوم، والشَّرْط أقْوى منْ الوصف، ويتأكد الْقَوْل بِالوُجُوب أيضاً بِأنَّ الأصْل تَحرِيم الْمَيْتة، وما أُذِنَ فِيهِ مِنْها تُراعَى صِفَته، فالمُسمَّى عَلَيْهَا وَافَقَ الْوَصْف، وَغَيْر المُسَمَّى بَاقٍ عَلَى أصْلِ التَّحْرِيم أَفَاده فِي "الفتح" (١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الثامنة)؛ فِي اختلاف أهل العلم فِي حكم أكل الصيد الذي أكل منه الكلب: ذهب الجمهور إلى تحرِيم أكلِ الصَّيْد الَّذِي أَكَلَ الْكَلْب مِنْهُ، وَلَوْ كَانَ الكلب مُعلَّمًا؛ لقوله فِي هَذَا الحديث: "فإن وجدته قد أكل منه، فلا تطعم منه شيئًا"، وَقَدْ علَّل بِالخَوْفِ منْ أنَّهُ: "إِنَّمَا أمْسَك عَلَى نَفْسه"، قَالَ فِي "الفتح": وهُو الرَّاجِح مِن قَوْلَيْ الشَّافِعِيّ، وَقَالَ فِي الْقَدِيم -وهُوَ قَوْل مَالِك، ونقل عن بَعْضِ الصَّحَابة-: يَحِلّ، واحتجُّوا بِما ورد فِي حدِيث عمرو بن شُعَيْب، عن أبيهِ، عن جَدِّهِ: "أنَّ أعْرابِيًّا، يُقال له: أبُو ثَعْلبة، قَالَ: يا رسُول الله، إِنَّ لي كِلابًا مُكَلَّبَة، فأفْتِنِي فِي صَيْدهَا، قَالَ: كُلْ مِمَّا أمْسَكْنَ عَليْك، قَالَ: وإنْ أَكَل مِنْهُ؟ قَالَ: وإنْ أَكَل مِنْهُ". أخرجهُ أبُو داوُد. قَالَ الحافظ: ولا بَأْس بِسندِهِ. وسَلَكَ النَّاس فِي الجَمْع بين الْحَدِيثَيْنِ طُرُقاً: [مِنْها]: -لِلقَائِلِينَ بِالتَّحْرِيمِ- حَمْلُ حدِيث أبِي ثَعْلَبَة، عَلَى مَا إِذَا قَتَلهُ، وخَلَّاهُ، ثُمَّ عَادَ، فَأَكَلَ مِنْهُ. [وَمِنْهَا]: التَّرْجِيح، فرِواية عَدِيٍّ فِي "الصَّحِيحَيْنِ"، مُتَّفق عَلَى صِحَّتهَا، وَرِوَاية أبِي ثَعْلَبة المَذْكُورة فِي غَيْر "الصَّحِيحَيْنِ"، مُخْتَلَف فِيِ تَضْعِيفهَا، وأيْضًا فَرِوَايَة عَدِيٍّ صَرِيحَة، مَقْرُونة بِالتَّعْلِيلِ المُنَاسِب لِلتَّحْرِيم، وَهُوَ خَوْف الإمْسَاك عَلَى نَفْسه، مُتأيِّدَة بِأنَّ الأصْل فِيِ المَيْتَة التَّحْرِيم، فإِذا شَكَكْنا فِي السَّبَب المُبيح، رَجَعْنا إِلى الأصْل، وَظَاهِرِ القُرآن أيضًا، وهُو قَوْله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾، فَإِنَّ مُقْتَضَاهَا، أَنَّ الَّذِي يُمْسِكهُ مِن غَيْر إِرْسَال لا يُبَاح، وَيتَقوَّى أيضًا بِالشَّاهِدِ منْ حدِيث ابْنِ عبّاس رضي الله تعالى عنهما، عِنْد أحْمَد: "إِذَا أرسَلْت الكَلْب، فأكَلِ الصَّيد، فَلا تَأكُل، فَإِنَّمَا أمْسَكَ عَلَى نَفْسه، وَإِذَا أرْسَلْته فَقَتَل، ولَمْ يَأْكُل فَكُلْ، فإِنَّمَا أمْسَك عَلَى صَاحِبِهِ". وأخْرَجَهُ الْبَزَّار مِنْ وَجْه آخَر، عن ابنِ عبَّاس، وابْنُ أبِي شَيْبَة، مِنْ حَدِيث أبِي رَافِعٍ بِمَعْناهُ، وَلَوْ

стр. 16137

كَانَ مُجرَّد الإمْسَاك كَافِيًا، لِما احْتِيج إِلى زِيَادَة: ﴿عَلَيْكُمْ﴾. [ومِنها]: -لِلقائِلينَ بِالإباحةِ- حَمْلُ حدِيث عدِيٍّ عَلَى كراهة التَّتْزِيه، وَحَدِيث أبِي ثعْلَبَة عَلَى بَيَان الجَوَاز. قَالَ بَعْضهمْ: ومُناسبة ذَلِكَ أَنَّ عدِيًّا، كَانَ مُوسِرًا، فَاخْتِيرَ لَهُ الْحَمْل عَلَى الأَوْلَى، بِخِلافِ أبِي ثَعْلَبة، فإِنَّهُ كَانَ بِعَكْسِهِ. قَالَ الحَافظ: ولا يَخْفَى ضَعْف هَذَا التَّمَسُّك، مع التَّصْرِيح بِالتَّعليلِ فِي الْحَدِيث، بِخَوْفِ الإِمْسَاك عَلَى نَفْسه. وَقَالَ ابْن التِّين: قَالَ بَعْض أصْحَابنا: هُو عامٌ، فيُحْمَل عَلَى الَّذِي أدركهُ ميِّتًا، مِن شِدَّة العدو، أو منْ الصَّدْمة، فأكَلَ مِنْهُ؛ لِأنَّهُ صَار عَلَى صِفَة، لا يتَعَلَّق بِها الإرْسَال، ولا الإِمْسَاك عَلَى صَاحِبِهِ، قَالَ: ويَحْتَمِل أنْ يكُون مَعْنَى قوْله: "فَإِنْ أكَلَ فَلا تَأكُل": أيْ لا يُوجد مِنْهُ غَيْر مُجرَّد الأكْل، دُون إِرْسَال الصَّائِد لهُ، وتكُونُ هذِهِ الجُمْلة مَقْطُوعَة عَمَّا قَبْلَها. قَالَ الحافظ: ولا يَخْفَى تَعَسُّف هَذَا، وَبُعْده. وَقَالَ ابْن القَصَّار: مُجَرَّد إِرْسَالنَا الْكَلْب إِمسَاكٌ عَلَيْنَا؛ لأنَّ الْكَلْب لا نِيَّة لهُ، ولا يَصِحّ مِنْهُ ميزها (١)، وإِنَّما يتَصَيَّد بِالتَّعْليم، فَإِذَا كَانَ الاعْتِبار بِأنْ يُمْسِك عَلَيْنَا، أَوْ عَلَى نَفْسه، واختلف الْحُكم فِي ذَلِكَ، وَجَبَ أنْ يتَمَيَّز ذَلِكَ بنِيَّةِ منْ لهُ نِيَّة، وهُو مُرسِله، فَإِذَا أرسلهُ فقد أمْسَك عَلَيْهِ، وإِذا لَمْ يُرْسِلهُ لم يُمْسِك عَلَيْهِ. كذا قَالَ، ولا يَخْفَى بُعده أيْضًا، ومُصَادَمَته لِسِيَاقِ الْحَدِيث. وَقَدْ قَالَ الجُمهُور: إِنَّ معْنى قوْله: ﴿أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾: صِدْنَ لكُمْ، وَقَدْ جَعَل الشَّارع أكْله مِنْهُ عَلامة عَلَى أنَّهُ أمْسَك لِنفْسِهِ، لا لصَاحِبِهِ، فلا يُعْدَل عن ذَلِكَ، وَقَدْ وَقَع فِي رِواية لابْنِ أبِي شَيْبَة: "إنْ شَرِبَ منْ دَمِهِ، فَلا تَأكُل، فَإِنَّهُ لَمْ يُعَلَّمْ مَا عَلَّمَتْهُ"، وفِي هَذَا إِشَارَة إِلى أنَّهُ إِذَا شَرع فِي أَكْله، دلَّ عَلَى أَنَّهُ ليْسَ بمُعلَّم التَّعْلِيم المُشْتَرَطَ. وسلك بعض الْمَالِكِيَّة التَّرْجِيح، فقالى: هذِهِ اللَّفظة ذكَرهَا الشَّعْبِيّ، ولمْ يَذْكُرها هَمَّام، وعَارضَها حَدِيث أبِي ثَعْلبة. وهذا -قَالَ الحافظ- تَرْجِيح مَرْدُود، لِمَا تَقَدَّم. وَتَمَسَّك بَعْضهم بِالإِجْمَاع عَلَى جَوَاز أكْله، إِذَا أخَذهُ الْكَلْب بِفِيهِ، وَهَمَّ بِأكْلِهِ، فأُدْرِك قَبْلَ أَنْ يَأكُل، قَالَ: فَلَوْ كَانَ أكْله مِنْهُ دالاً عَلَى أنّهُ أمْسَكَ عَلَى نَفْسه، لَكَانَ تَنَاوُله بِفِيهِ، وشُرُوعه فِي أكْله كَذلِك، وَلَكِنْ يُشْتَرط أنْ يَقِف الصَّائِد، حَتَّى يَنْظُر هَلْ يَأكُل، أوْ لا. انتهى. قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن بما ذُكر أن ما ذهب إليه الجمهور، منْ عدم جواز أكل ما أكل منه الكلب هو الأرجح؛ ترجيحًا لحديث عديّ رضي الله تعالى عنه

стр. 16138

المتّفق عليه، الموافق لظاهر قوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾، وأما حديث أبي ثعلبة رضي الله تعالى عنه، وإن قلنا بأنه صالح للاحتجاج، فإنه دون حديث عديّ المتّفق عليه، فلا يقوى لمعارضته. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلتُ، وإليه أنيب". … ٢ - (النَّهْيُ عَنْ أَكْلِ مَا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ) ٤٢٦٦ - (أَخْبَرَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ، عَنْ زَكَرِيَّا، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ، قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، عَنْ صَيْدِ الْمِعْرَاضِ؟ فَقَالَ: "مَا أَصَبْتَ بِحَدِّهِ، فَكُلْ، وَمَا أَصَبْتَ بِعَرْضِهِ، فَهُوَ وَقِيذٌ"، وَسَأَلْتُهُ عَنِ الْكَلْبِ؟ فَقَالَ: "إِذَا أَرْسَلْتَ كَلْبَكَ فَأَخَذَ، وَلَمْ يَأْكُلْ فَكُلْ، فَإِنَّ أَخْذَهُ ذَكَاتُهُ، وَإِنْ كَانَ مَعَ كَلْبِكَ كَلْبٌ آخَرُ، فَخَشِيتَ أَنْ يَكُونَ أَخَذَ مَعَهُ، فَقَتَلَ، فَلَا تَأْكُلْ، فَإِنَّكَ إِنَّمَا سَمَّيْتَ عَلَى كَلْبِكَ، وَلَمْ تُسَمِّ عَلَى غَيْرِهِ"). قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: هَذَا السند هو المذكور فِي الباب الماضي، غير زكريا ابن أبي زائدة الهمداني الوادعي، أبو يحيى الكوفيّ، ثقة، يدلس [٦] ٩٣/ ١١٥. و"عبد الله": هو ابن المبارك. وقوله: "عن صيد المِعْراض": -بِكَسْرِ الْمِيم، وسُكُون الْمُهْمَلَة، وآخِره مُعجمة- قَالَ الخلِيل، وتَبِعَهُ جَماعَة: سَهْم لا رِيش لَهُ، ولا نصْل. وَقَالَ ابْن دُريدِ، وتبِعهُ ابْن سِيدَه: سَهْم طَوِيل، لهُ أرْبَع قُذَذٍ رِقَاقٍ، فَإِذَا رَمى بِهِ اعْتَرَضَ. وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: المِعْرَاض: نَصْلٌ عَرِيضٌ، لهُ ثِقَلٌ وَرَزَانَة. وقِيل: عُود، رقِيق الطَّرَفَيْنِ، غَلِيظ الْوَسَط، وهُوَ المُسَمَّى بِالْحُذَافَةِ، وقِيل: خَشَبَة ثَقِيلة، آخِرُها عَصَا مُحَدَّد رأْسهَا، وَقَدْ لا يُحدَّد، وَقَوَّى هَذَا الأخِير النَّوَوِيّ، تبعًا لِعِيَاضٍ. وَقَالَ القُرطُبِيّ: إِنَّهُ الْمَشْهُور. وَقَالَ ابْن التِّين: المِعْرَاض عَصًا فِي طرَفَهَا حَدِيدَة، يَرْمِي الصَّائِد بهِا الصَّيْد، فَمَا أصَابَ بِحَدِّهِ، فَهُوَ ذَكِيّ، فيُؤكَل، ومَا أصَاب بِغَيْرِ حَدّه، فَهُو وَقِيذ. وقوله: "ما أصاب بحدّه" أي بأن نفذ فِي اللحم، وقطع شيئًا منْ الجلد.

стр. 16139

وقوله: "وَمَا أَصَابَ بِعَرْضِهِ" هو بفتح العين: أيْ بِغَيْرِ طَرَفه المُحَدَّد، وهُوَ حُجَّة لِلْجُمْهُورِ فِي التَّفْصِيل الآتي، وَعَن الأوْزَاعِيِّ وَغَيْره، مِنْ فُقَهَاء الشَّام: حِلُّ ذَلِكَ، وَسَيأتِي تحقيق الخلاف فِي ذلك قريبًا، إن شاء الله تعالى. وقَوْله: "فهُو وَقِيذ": أي فهو حرام؛ لعدّ الله تعالى الموقوذة منْ المحرّمات. و"الوقيذ": -بِالْقَافِ، وآخِره ذال مُعْجَمة، وَزْن عَظِيم، فعِيل بِمعنى مفْعُول، وهُوَ مَا قُتِل بِعصًا، أو حَجَر، أوْ مَا لا حَدّ لهُ، والموْقُوذَة: هي الَّتِي تُضْرب بِالخَشَبةِ حتَّى تَمُوت. ووَقَع فِي رِواية هَمَّام بن الْحَارِث عن عَدِيّ الآتِية بعد بَابين: "قُلت: أَرْمِي بِالمِعْراض، فيَخْزِق؟، قَالَ: "إن خَزَقَ فكُلّ"، وَهُوَ -بِفتح المُعْجَمَة والزَّاي، بَعْدهَا قاف-: أي نفذ، يُقال: سهم خازِق: أي نافِذ، ويُقال: بِالسِّينِ الْمُهْمَلَة، بدل الزَّاي، وقِيل: الْخَزْقُ -بِالزَّايِ، وَقِيلَ تُبْدَلُ سِينًا-: الخدش، ولا يَثْبُت فِيهِ، فإِنْ قِيلَ: بِالرَّاءِ فهُوَ أنْ يَثْقُبهُ. وَحَاصِله أنَّ السَّهْم، وما فِي معناهُ، إِذَا أصَابَ الصَّيد بِحدِّهِ حَلَّ، وكانت تِلك ذكاته، وإِذَا أصَابهُ بِعَرْضِهِ لمْ يحِلّ؛ لِأنَّهُ فِي مَعْنى الخَشَبة الثَّقِيلة، والحَجَر، وَنَحْو ذَلِكَ مِن المُثَقَّل. قاله فِي "الفتح". وقوله: "فلا تأكل، فإنك إنما سمّيت الخ" فيه دلالة ظاهرة، عَلَى أن متروك التسمية منْ الصيد حرام. ثم قوله: "فإنك إنما سمّيت الخ" تعليل للتحريم، ومنه يؤخذ أنه إذا أرسل الكلب الآخر بتسمية، جاز الأكل. والله تعالى أعلم. والحديث متّفقٌ عليه، وسبق تمام شرحه، وبيان مسائله، وموضع الاستدلال للترجمة واضحة، وَقَدْ سبق بيان اختلاف العلماء فِي حكم التسمية عبد إرسال الكلب، ونحوه، وترجيح الراجح منها فِي المسألة السابعة فِي الباب الماضي، فأرجع إليه تزدد علمًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح، ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ٣ - (صَيْدِ الْكَلْبِ الْمُعَلَّمِ) ٤٢٦٧ - (أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مَسْعُودٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ الصَّمَدِ، عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَنْصُورٌ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ

стр. 16140

حَاتِمٍ، أَنَّهُ سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ: أُرْسِلُ الْكَلْبَ الْمُعَلَّمَ، فَيَأْخُذُ؟ فَقَالَ: "إِذَا أَرْسَلْتَ الْكَلْبَ الْمُعَلَّمَ، وَذَكَرْتَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ، فَأَخَذَ فَكُلْ". قُلْتُ: وَإِنْ قَتَلَ؟ قَالَ: "وَإِنْ قَتَلَ"، قُلْتُ: أَرْمِى بِالْمِعْرَاضِ؟ قَالَ: "إِذَا أَصَابَ بِحَدِّهِ فَكُلْ، وَإِذَا أَصَابَ بِعَرْضِهِ، فَلَا تَأْكُلْ"). قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "إسماعيل بن مسعود": هو الجَحْدريّ البصريّ الثقة. و"أبو عبد الصمد، عبد العزيز ابن عبد الصمد": هو العمّيّ البصريّ، ثقة حافظ، منْ كبار [٩] ١٧/ ١٥٥١. و"منصور": هو ابن المعتمر. و"إبراهيم": هو ابن يزيد النخعيّ. و"همّام بن الحارث": النخعيّ الكوفيّ، ثقة عابد [٢] ٩٦/ ١١٨. والحديث متّفقٌ عليه، وَقَدْ سبق تمام البحث فيه مستوفًى فِي الباب الأول، وموضع استدلال المصنّف رحمه الله تعالى به عَلَى الترجمة قوله: "إذا أرسلت الكلب المعلَّم"، حيث قيّده بكونه معلّمًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح، ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ٤ - (صَيْدِ الْكَلْبِ الَّذِي لَيْسَ بِمُعَلَّمٍ) ٤٢٦٨ - (أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْكُوفِيُّ الْمُحَارِبِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ حَيْوَةَ بْنِ شُرَيْحٍ، قَالَ: سَمِعْتُ رَبِيعَةَ بْنَ يَزِيدَ، يَقُولُ: أَنْبَأَنَا أَبُو إِدْرِيسَ، عَائِذُ اللَّهِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيَّ، يَقُولُ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا بِأَرْضِ صَيْدٍ، أَصِيدُ بِقَوْسِي، وَأَصِيدُ بِكَلْبِي الْمُعَلَّمِ، وَبِكَلْبِي الَّذِي لَيْسَ بِمُعَلَّمٍ، فَقَالَ: "مَا أَصَبْتَ بِقَوْسِكَ، فَاذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ، وَكُلْ، وَمَا أَصَبْتَ بِكَلْبِكَ الْمُعَلَّمِ، فَاذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ، وَكُلْ، وَمَا أَصَبْتَ بِكَلْبِكَ الَّذِي لَيْسَ بِمُعَلَّمٍ، فَأَدْرَكْتَ ذَكَاتَهُ فَكُلْ"). رجال هَذَا الإسناد: ستة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْكُوفِيُّ الْمُحَارِبِيُّ) أبو جعفر، أو أبو يعلى النحّاس الكوفيّ، صدوقٌ [١٠] ١٤٤/ ٢٢٦. ٢ - (عبد الله بن المبارك) المذكور قبل باب. ٣ - (حيوة بن شُرَيح) التُّجيبيّ، أبو زرعة المصريّ، ثقة ثبتٌ فقيه زاهد [٧] ١٧/ ٤٧٨.

стр. 16141

٤ - (ربيعة بن يزيد) أبو شُعيب الإياديّ القصير الدمشقيّ، ثقة عابد [٤] ١٠٩/ ١٤٨. ٥ - (أبو إدريس، عائذ الله) بن عبد الله الخولانيّ، وُلد فِي عهد النبيّ صلّى الله تعالى عليه وسلم يوم حُنين، وسمع منْ أكابر الصحابة، ومات سنة (٨٠)، وكان عالم الشام بعد أبي الدرداء -٧٢/ ٨٠. ٦ - (أبو ثعلبة الخُشَنيّ) رضي الله تعالى عنه، اختُلف فِي اسمه، واسم أبيه اختلافاً كثيراً. روى عن النبيّ صلّى الله تعالى عليه وسلم، وعن معاذ بن جبل، وأبي عبيدة بن الجرّاح. وعنه أبو إدريس الخولانيّ، وأبو أميّة الشعبانيّ، وسعيد بن المسيّب، وعطاء ابن يزيد الليثيّ، وآخرون. قَالَ عبيد الله بن سعد الزهريّ: قَالَ أحمد: بلغني عن أبي مُسهر، قَالَ: سمعت سعيد بن عبد العزيز يقول: أبو ثعلبة اسمه جُرْثُومة. وَقَالَ النسائيّ: حدّثنا عمرو بن منصور، أخبرنا أبو مُسهر، قَالَ: سمعت سعيد بن عبد العزيز قَالَ: اسم أبي ثعلبة جُرثوم، وقيل: جرهم. وَقَالَ حنبل عن أحمد: بلغني عن سعيد بن عبد العزيز قَالَ: اسمه جرثوم، وكذا قَالَ صالح بن أحمد، عن أبيه. وَقَالَ أبو زرعة الدمشقيّ، عن أبي مُسهر: اسمه جرثوم. وعن سليمان بن عبد الرحمن، قَالَ: سألت بعض ولد أبي ثعلبة عن اسمه؟ فَقَالَ: لاشر بن جُرثوم. وَقَالَ يعقوب بن سفيان: قلت لهشام بن عمّار: ما اسم أبي ثعلبة؟ قَالَ: يقولون: جرثوم بن عمرو، وكذا قَالَ نوح بن حبيب، عن هشام. وَقَالَ عبد الله بن أحمد، عن أبيه، وصالح بن أحمد، عن أبيه، وحنبل بن أحمد: اسمه جرهم بن ناشم، وكذا قَالَ مسلم، وكذا قَالَ البغويّ عن ابن زنجويه، وهارون بن عبد الله، وكذا قَالَ ابن سعد عن أصحابه. وَقَالَ دُحيم: اسمه جرثوم. وَقَالَ خليفة بن خيّاط: اسمه الأشقّ بن جرهم، ويقال: جرثومة بن ناشج، ويقال. جرهم. وَقَالَ ابن الْبَرْقيّ: اسمه جرثومة بن الأشتر بن جرثوم، ممن بايع تحت الشجرة، قَالَ: وَقَالَ بعضهم: اسمه الأشق بن جرهم. وقيل: غير ذلك فِي اسمه، واسم أبيه. وَقَالَ ابن عيسى: بلغني أنه كَانَ أقدم إسلامًا منْ أبي هريرة، ولم يُقاتل مع عليّ، ولا مع معاوية، ومات فِي أول إمرة معاوية. وَقَالَ القاضي أبو عليّ: نزل دريا. وَقَالَ خالد بن محمد الكنديّ، عن أبي الزاهريّة: سمعت أبا ثعلبة يقول: إني لأرجو أن لا يخنُقني الله تعالى، كما أراكم تُخنقون عند الموت، قَالَ: فبينما هو يصلّي فِي جوف الليل قُبض، وهو ساجد، فرأت ابنته فِي النوم أن أباها قد مات، فاستيقظت فَزِعةَ، فنادت: أين أبي؟ قالوا: فِي مصلّاه، فنادته، فلم يُجبها، فأتته، فوجدته ساجدًا، فحرّكته، فسقط ميتًا. وَقَالَ أبو عُبيد، وابن سعد، وخليفة، وهارون الحمّال، وأبو حسّان الزياديّ: مات سنة (٧٥). روى له الجماعة، وله عند المصنّف ثمانية

стр. 16142

أحاديث: هَذَا الحديث، وحديث رقم ٤٣٠٥ و٤٣٢٧ و٤٣٢٨ و٤٣٤٣ و٤٣٤٥ و٤٤٤١ و٥٢١٠. والله تعالى أعلم. لطائف هَذَا الإسناد: منها: أنه منْ سداسيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فقد تفرّد به هو، وأبو داود، والترمذيّ. (ومنها): أنه مسلسل بالدمشقيين، غير شيخه فكوفي، وابن المبارك فمروزي، وحيوة فمصري. (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ. والله تعالى أعلم. شرح الحديث عن أبي إدريس الخَوْلَانيّ رحمه الله تعالى أنه (قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا ثَعْلَبَةَ) الصحابيّ المشهور بكنيته، واختلف فِي اسمه واسم أبيه اختلافًا كثيرًا، كما مرّ آنفًا (الْخُشَنِيَّ) -بضمّ الخاء، وفتح الشين المعجمتين، ثم نون-: نسبة إلى بني خُشين، بطن منْ النمر بن وبرة بن تغلب -بفتح المثنّاة، وسكون المعجمة، وكسر اللام، بعدها موحّدة- ابن حلوان بن عمران بن الحاف بن قُضاعة (١) (يَقُولُ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله) وفي رواية البخاريّ: "يا نبيّ الله (إِنَّا) بكسر الهمزة هي "إنّ"، واسمها، وخبرها قوله (بِأَرْضِ صَيْدٍ) قد اختصر المصنّف رحمه الله تعالى هَذَا الحديث منْ أوله، وَقَدْ ساقه البخاَريّ بتمامه، ولفظه: "أتيت رسول الله ﷺ ، فقلت: يا رسول الله، إنا بأرض قوم، أهل الكتاب، نأكل فِي آنيتهم، وأرض صيد أصيد بقوسي، وأصيد بكلبي المعلم، والذي ليس معلماً، فأخبرني ما الذي يحل لنا، منْ ذلك؟ فَقَالَ: "أما ما ذكرت أنك بأرض قوم أهل الكتاب، تأكل فِي آنيتهم، فإن وجدتم غير آنيتهم، فلا تأكلوا فيها، وإن لم تجدوا، فاغسلوها، ثم كلوا فيها، وأما ما ذكرت أنك بأرض صيد، فما صِدتَ بقوسك، فاذكر اسم الله، ثم كل، وما صِدت بكلبك المعلم، فاذكر اسم الله، ثم كل، وما صدت بكلبك الذي ليس معلماً، فأدركت ذكاته فكل". (أَصِيدُ بِقَوْسِي) قَالَ المجد: "القوس" معروفة، وَقَدْ تذكّر، وتصغيرها قويسة، وقُويسٌ، والجمع قِسِيّ، وقُسيّ، وأقواسٌ، وقِيَاسٌ. اهـ وَقَالَ فِي "الفتح": وهي مركّبة، وغير مركّبة، ويُطلق لفظ القوس أيضاً عَلَى الثمر الذي يبقى فِي أسفل النخلة، وليس مرادًا هنا (وَأَصِيدُ بِكَلْبِي الْمُعَلَّمِ، وَبِكَلْبِى الَّذِي لَيْسَ بِمُعَلَّمٍ) زاد فِي رواية البخاريّ: "فما يصلح لي؟ " (فَقَالَ) صلّى الله تعالى عليه وسلم (مَا أَصَبْتَ بِقَوْسِكَ،

стр. 16143

فَاذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ) أي عند الرمي، لا عند الأكل، كما هو المتبادر، وتمسّك بهذا منْ أوجب التسمية عَلَى الصيد، وعلى الذبيحة، وَقَدْ تقدّم البحث عنه مستوفًى فِي مسائل الباب الأول وقوله: (وَكُلْ) وقع مفسّراً فِي رواية أبي داود منْ حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، أن أعرابيا، يقال له: أبو ثعلبة، قَالَ: يا رسول الله، إن لي كلابا مكلبة، فأفتني فِي صيدها؟، فَقَالَ النبيّ ﷺ : "إن كَانَ لك كلاب مكلبة، فكل مما أمسكن عليك"، قَالَ: ذَكِيّا أو غير ذكي؟، قَالَ: "نعم"، قَالَ: فإن أكل منه؟ قَالَ: "وإن أكل منه"، فَقَالَ: يا رسول الله، أفتني فِي قوسي، قَالَ: "كل ما ردّت عليك قوسك"، قَالَ: ذَكيّا أو غير ذكي" (١)، قَالَ: وإن تغيب عني، قَالَ: "وإن تغيب عنك، ما لم يَصِلَّ، أو تجد فيه أثرا غير سهمك"، قَالَ: أفتني فِي آنية المجوس، إن اضطررنا إليها، قَالَ: "اغسلها، وكل فيها". وسيأتي للمصنّف بنحوه برقم -١٦/ ٤٢٩٨. وقوله: ما لم يَصِلّ" بصاد مهملة، مكسورة، ولام ثقيلة: أي يُنتِنَ. (وَمَا أَصَبْتَ بِكَلْبِكَ الْمُعَلَّمِ، فَاذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ، وَكُلْ، وَمَا أَصَبْتَ بِكَلْبِكَ الَّذِي لَيْسَ بِمُعَلَّمٍ، فَأَدْرَكْتَ ذَكَاتَهُ) أي أدَركته حيّا، فذكّيته (فَكُلْ) فيه أنه لا يحلّ ما أُدرك منْ الصيد حيًّا، إلا بذبحه، قَالَ النوويّ رحمه الله تعالى: هَذَا مجمع عليه أنه لا يحلّ إلا بذكاته انتهى (٢). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): فِي درجته: حديث أبي ثعلبة الخُشَنيّ رضي الله تعالى عنه هَذَا متَّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -٤/ ٤٢٦٨ - وفي "الكبرى" ٤/ ٤٧٧٧. وأخرجه (خ) فِي "الذبائح والصيد" ٥٤٧٨ و٥٤٩٦ (م) فِي "الصيد والذبائح" ٣٥٦٧ و٣٥٦٨ و٣٥٦٩ (د) فِي "الصيد" ٢٨٥٢ و٢٨٥٥ و٢٨٥٦ (ت) فِي "الصيد" ١٤٦٤ و"الأطعمة" ١٧٩٧ (ق) فِي "الصيد" ٣٢٠٧ (أحمد) فِي "مسند الشاميين" ١٧٢٧٧ و١٧٢٨٤ و١٧٢٩٣. والله تعالى أعلم.

стр. 16144

(المسألة الثالثة): فِي فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، بيان حكم صيد الكلب الذي ليس بمعلّم، وهو التحريم، إلا إذا وُجد حيًّا، فذُكّي، فيجوز. (ومنها): جواز الصيد بالقوس. (ومنها): وجوب التسمية عَلَى الكلب، والقوس عند الإرسال والرمي. (ومنها): أن ما أدرك منْ الصيد حيًّا وجبت ذكاته، سواء كَانَ بالكلب، أم بالقوس، وإلا كَانَ ميتةً. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح، ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ٥ - (إِذَا قَتَلَ الْكَلْبُ) قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: جواب "إذا" محذوف لفهمه منْ الحديث: أي جاز أكله، وموضع الاستدلال منْ الحديث قوله: "فكل، وإن قتلن"، فقد أمر النبيّ صلّى الله تعالى عليه وسلم بأكل ما قتله الكلب، وهذا مما لا خلاف فيه. والله تعالى أعلم بالصواب. ٤٢٦٩ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ زُنْبُورٍ، أَبُو صَالِحٍ الْمَكِّيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا فُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أُرْسِلُ كِلَابِي الْمُعَلَّمَةَ، فَيُمْسِكْنَ عَلَيَّ، فَآكُلُ؟ قَالَ: "إِذَا أَرْسَلْتَ كِلَابَكَ الْمُعَلَّمَةَ، فَأَمْسَكْنَ عَلَيْكَ، فَكُلْ"، قُلْتُ: وَإِنْ قَتَلْنَ؟ قَالَ: "وَإِنْ قَتَلْنَ"، قَالَ: "مَا لَمْ يَشْرَكْهُنَّ كَلْبٌ مِنْ سِوَاهُنَّ"، قُلْتُ: أَرْمِي بِالْمِعْرَاضِ فَيَخْزِقُ؟ قَالَ: "إِنْ خَزَقَ فَكُلْ، وَإِنْ أَصَابَ بِعَرْضِهِ فَلَا تَأْكُلْ"). قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "محمد بن زنبور، أبو صالح المكيّ": اسم زنبور جعفر، صدوق، له أوهام [١٠] ٧٣/ ٩٠ منْ أفراد المصنّف. و"فُضيل بن عياض": هو أبو عليّ التيميّ الزاهد المشهور، أصله منْ خُراسان، سكن مكة، ثقة عابد إمام [٨] ٢١/ ٣٨٨. والباقون تقدّموا قبل باب. وقوله: "ما لم يشركهنّ" -بفتح الراء، مضارع شَرِكه فِي الأمر، منْ باب تعِب شَرِكًا، وشَرِكَةً، وزان كَلِم وكَلِمَة. وقوله: "منْ سواهنّ" أي منْ غيرهنّ، يعني الكلاب التي لم تُعلَّم، أو لم يُسمّ عند إرسالها.

стр. 16145

وقوله: "بالمعراض" -بكسر، فسكون-: قَالَ أبو عُبيد: المعراض: سهم لا ريش فيه، ولا نَصْل. وَقَالَ غيره: المعراض خشبة ثقيلة، أو عصَا غليظةٌ فِي طرفها حديدةٌ، وَقَدْ تكون بغير حديدة، غير أنها مُحَدَّدٌ طرَفها، قَالَ القرطبيّ: وهذا التفسير أولى منْ تفسرِ أبي عبيد، وأشهر. انتهى (١). وقوله: "فيخزِق" بخاء، وزاي معجمتين: أي يخرق الصيد، وينفذ فيه، قَالَ الفيّوميّ: خزَقه خَزْقًا، منْ باب ضرب: طعنه، وخَزَقَ السهمُ القرطاسَ: نفذ منه، فهو خازقٌ، وجمعه خوازق. وقوله: "وإن أصاب بعرضه": العرض خلاف الطول. والحديث متّفقٌ عليه، وَقَدْ تقدّم تمام شرحه، وبيان مسائله فِي الباب الأول، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح، ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ٦ - (إِذَا وَجَدَ مَعَ كَلْبِهِ كَلْبًا لَمْ يُسَمِّ عَلَيْهِ) قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: جواب "إذا" أيضًا محذوف، لفهمه منْ الحديث، تقديره حرُم أكل الصيد. وموضع الاستدلال منْ الحديث واضح. وفي نسخة: "أكلبًا لم يسمّ عليها". والله تعالى أعلم بالصواب. ٤٢٧٠ - (أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ يَحْيَى بْنِ الْحَارِثِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي شُعَيْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ أَعْيَنَ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ سُلَيْمَانَ، عَنْ عَامِرٍ الشَّعْبِيِّ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ، أَنَّهُ سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنِ الصَّيْدِ؟ فَقَالَ: "إِذَا أَرْسَلْتَ كَلْبَكَ، فَخَالَطَتْهُ أَكْلُبٌ، لَمْ تُسَمِّ عَلَيْهَا، فَلَا تَأْكُلْ، فَإِنَّكَ لَا تَدْرِي أَيَّهَا قَتَلَهُ"). قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "عمرو بن يحيى بن الحارث": هو المصّيصيّ الثقة [١٢] ٦٧/ ٢٣٢٩ منْ أفراد المصنّف. و"أحمد بن أبي شُعيب": هو أحمد بن عبد الله بن أبي شُعيب/ مسلم الحرّانيّ، أبو الحسن، مولى قريش، ثقة [١٠] ٢٩/ ٢٤٩٩.

стр. 16146

و"موسى بن أعين": هو الجزريّ، مولى قريش، أبو سعيد، ثقة عابد [٨] ١١/ ٤١٥. و"معمر": هو ابن راشد. و"عاصم بن سليمان": هو الأحول، أبو عبد الرحمن البصريّ، ثقة [٤] ١٤٨/ ٢٣٩. والحديث متّفق عليه، وَقَدْ سبق تمام البحث فيه فِي الباب الأول. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. … ٧ - (إِذَا وَجَدَ مَعَ كَلْبِهِ كَلْبًا غَيْرَهُ) قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: جواب "إذا" أيضاً محذوف؛ لفهمه منْ الحديث، تقديره: حرُم أكله. قَالَ النوويّ رحمه الله تعالى: فِي الحديث تصريح بأنه لا يحلّ الصيد إذا شارك كلبه كلب آخر، والمراد كلبٌ آخر استرسل بنفسه، أو أرسله منْ ليس هو منْ أهل الذكاة، أو شككنا فِي ذلك، فلا يحلّ أكله فِي كلّ هذه الصور، فإن تحقّقنا أنه إنما شاركه كلبٌ أرسله منْ هو منْ أهل الذكاة عَلَى ذلك الصيد حلّ. انتهى (١). وَقَالَ أبو العبّاس القرطبيّ رحمه الله تعالى -عند قوله: "ما لم يشرَكها كلبٌ ليس معها"، وفي رواية: "فإن خالطها كلابٌ منْ غيرها، فلا تأكل"، وفي أخرى: "وإن وجدت مع كلبك كلبًا غيره، وَقَدْ قتل، فلا تأكل الحديث"، هذه كلها روايات مسلم، ونحوها روايات النسائيّ هنا- قَالَ: هذه الروايات، وإن اختلفت ألفاظها، فمعناها واحد، وهذا الاختلاف يدلّ عَلَى أنهم كانوا ينقلون بالمعنى، وتفيد هذه الروايات أن سبب إباحة الصيد الذي هو عَقْرُ الجارح له، لابُدّ أن يكون متحقّقًا، غير مشكوك فيه، ومع الشك لا يجوز الأكل، وهذا الكلب المخالط محمولٌ عَلَى أنه غير مرسل منْ صائد آخر، وأنه إنما انبعث فِي طلب الصيد بطبعه ونفسه، ولا يُختَلفُ فِي هَذَا، فأما لو أرسله صائدٌ آخر عَلَى ذلك الصيد، فاشتركا الكلبان فيه، فإنه للصائدين، يكونان شريكين، فلو أنفذ أحد الكلبين مقاتله، ثم جاء الآخر، فهو للذي أنفذ مقاتله. انتهى كلام القرطبيّ رحمه الله تعالى (٢). والله تعالى أعلم بالصواب. ٤٢٧١ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، قَالَ: حَدَّثَنَا زَكَرِيَّا -وَهُوَ ابْنُ

стр. 16147

أَبِي زَائِدَةَ- قَالَ: حَدَّثَنَا عَامِرٌ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ، قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنِ الْكَلْبِ؟ فَقَالَ: "إِذَا أَرْسَلْتَ كَلْبَكَ، فَسَمَّيْتَ، فَكُلْ، وَإِنْ وَجَدْتَ كَلْبًا آخَرَ مَعَ كَلْبِكَ، فَلَا تَأْكُلْ، فَإِنَّمَا سَمَّيْتَ عَلَى كَلْبِكَ، وَلَمْ تُسَمِّ عَلَى غَيْرِهِ"). قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "عمرو بن عليّ": هو الفلّاس. و"يحيى": هو ابن سعيد القطّان. و"زكريّا بن أبي زائدة خالد، أو هُبيرة": هو الهَمْدانيّ الوادعيّ، أبو يحيى الكوفيّ، ثقة [٦] ٩٣/ ١١٥. و"عامر": هو الشعبيّ. والحديث متّفقٌ عليه، وشرحه، وبيان مسائله تقدّمت قريبًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٢٧٢ - (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَكَمِ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ -وَهُوَ ابْنُ جَعْفَرٍ- قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ مَسْرُوقٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا الشَّعْبِيُّ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ، وَكَانَ لَنَا جَارًا، وَدَخِيلاً، وَرَبِيطًا بِالنَّهْرَيْنِ، أَنَّهُ سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ ، قَالَ: أُرْسِلُ كَلْبِي، فَأَجِدُ مَعَ كَلْبِي كَلْبًا، قَدْ أَخَذَ، لَا أَدْرِي أَيَّهُمَا أَخَذَ، قَالَ: "لَا تَأْكُلْ، فَإِنَّمَا سَمَّيْتَ عَلَى كَلْبِكَ، وَلَمْ تُسَمِّ عَلَى غَيْرِهِ"). قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "أحمد بن عبد الله بن الحكم": هو المعروف بابن الكُرْديّ، أبو الحسين البصريّ، ثقة [١٠] ٣٩/ ٥٨٣. و"محمد بن جعفر": هو غُندر. و"سعيد بن مسروق": هو والد سفيان الثوريّ، ثقة [٦] ١٥٣/ ١١٢١. وقوله: "وكان لنا جارًا الخ" الظاهر أنه منْ كلام الشعبيّ: يعني أنّ عديّ بن حاتم رضي الله تعالى عنه كَانَ جارهم، وصديقًا لهم. وقوله: "ودَخِيلًا الخ" -بفتح الدال المهملة، وكسر الخاء المعجمة-: قَالَ الفيّوميّ: فلانٌ دخيلٌ بين القوم: أي ليس منْ نسبهم، بل هو نَزِيلٌ بينهم، ومنه قيل: هَذَا الْفَرَع دَخِيلٌ فِي الباب، ومعناه: أنه ذُكر استطرادًا، ومُناسبةً، ولا يَشتمِل عليه عقد الباب. انتهى. وَقَالَ النوويّ رحمه الله تعالى: قَالَ أهل اللغة: الدَّخيل، والدَّخّال: الذي يُداخل الإنسان، ويُخالطه فِي أموره. والربيط هنا بمعنى المرابط، وهو الملازم، والرباط الملازمة. قالوا: والمراد هنا ربط نفسه عَلَى العبادة، وعن الدنيا. انتهى (١). وقوله: "بالنهرين": لم أجد منْ بيّن معنى النهرين هنا، مع أن هَذَا الكلام موجود فِي "صحيح مسلم" أيضاً، لكن لم يتعرض الشّرّاح لبيان المراد منه، والذي يظهر لي أنه أراد

стр. 16148

بهما نهري الفُرات ودِجْلَة، ومما يؤيّد هَذَا أن الفيّوميّ رحمه الله تعالى قَالَ فِي "المصباح المنير": الفراتُ نهرٌ عظيمٌ، مشهورٌ، يخرُج منْ حدود الروم، ثمّ يمُرّ بأطراف الشام، ثم بالكوفة، ثمّ بالْحِلّة، ثم يلتقي مع دِجْلَة فِي البَطَائح، ويَصيران نهرًا واحداً، ثمّ يصُبّ عند عَبّادان فِي بحر فارس. انتهى. والله تعالى أعلم. والحديث متَّفقٌ عليه، كما سبق تمام البحث فيه قريبًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٢٧٣ - (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَكَمِ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الْحَكَمِ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ عَدِيٍّ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِمِثْلِ ذَلِكَ). قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "محمد": هو ابن جعفر المذكور فِي السند السابق. و"الحَكَم": هو ابن عُتيبة. وقوله: "قَالَ: حدّثنا عن الشعبيّ الخ" ضمير "قَالَ" يعود إلى شعبة: أي قَالَ شعبة: حدثنا الحكم عن الشعبيّ. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٢٧٤ - (أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو الْغَيْلَانِيُّ، الْبَصْرِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا بَهْزٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي السَّفَرِ، عَنْ عَامِرٍ الشَّعْبِيِّ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ، قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، قُلْتُ: أُرْسِلُ كَلْبِي، قَالَ: "إِذَا أَرْسَلْتَ كَلْبَكَ، فَسَمَّيْتَ فَكُلْ، وَإِنْ أَكَلَ مِنْهُ، فَلَا تَأْكُلْ، فَإِنَّمَا أَمْسَكَ عَلَى نَفْسِهِ، وَإِذَا أَرْسَلْتَ كَلْبَكَ، فَوَجَدْتَ مَعَهُ غَيْرَهُ، فَلَا تَأْكُلْ، فَإِنَّكَ إِنَّمَا سَمَّيْتَ عَلَى كَلْبِكَ، وَلَمْ تُسَمِّ عَلَى غَيْرِهِ"). قَالَ الجامع عفا الله تعالى: "سليمان بن عُبيد الله بن عمرو": هو المازنيّ، صدوق [١١] ٣٦/ ٧٢٩. و"بهز": هو ابن أسد العمّيّ، أبو الأسود البصريّ، ثقة ثبت [٩] ٢٤/ ٢٨. و"عبد الله بن أبي السفَر" -بفتح الفاء-: هو الثوريّ الكوفيّ، ثقة [٦] ٤٥/ ١٩١٩. والحديث متَّفقٌ عليه، وَقَدْ تقدّم تمام البحث فيه فِي الباب الأول. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٢٧٥ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنِ ابْنِ أَبِي السَّفَرِ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، وَعَنِ الْحَكَمِ، عَنِ الشَّعْبِيِّ وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ مَسْرُوقٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ، قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، قُلْتُ: أُرْسِلُ كَلْبِي، فَأَجِدُ مَعَ كَلْبِي كَلْبًا آخَرَ، لَا أَدْرِي أَيَّهُمَا أَخَذَ؟ قَالَ: "لَا تَأْكُلْ، فَإِنَّمَا سَمَّيْتَ عَلَى كَلْبِكَ، وَلَمْ تُسَمِّ عَلَى غَيْرِهِ"). قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "أبو داود": هو سليمان بن داود الطيالسيّ. والحديث متّفق عليه، كما سبق بيانه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

стр. 16149

"إن أريد إلا الإصلاح، ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ٨ - (الْكَلْبُ يَأْكُلُ مِنَ الصَّيْدِ) قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "الكلب" مبتدأ، وجملة "يأكل منْ الصيد" فِي محلّ رفع صفته، والخبر محذوف، تقديره: لا يحلّ صيده. وهذا هو الذي عليه الجمهور، وخالف فِي ذلك طائفة، فقالت بجواز أكل ما أكل منه الكلب، منهم ابن عمر، وسعد ابن مالك، وسلمان، وبه قَالَ مالك، محتجّين بحديث أبي ثعلبة رضي الله تعالى عنه، حيث إن فيه قوله صلّى الله تعالى عليه وسلم: "فكل، وإن أكل منه"، وَقَدْ تقدّم الجواب عنه، وأن الصحيح هو الذي ذهب إليه الجمهور. والله تعالى أعلم بالصواب. ٤٢٧٦ - (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ -وَهُوَ ابْنُ هَارُونَ- أَنْبَأَنَا زَكَرِيَّا، وَعَاصِمٌ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ، قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ صَيْدِ الْمِعْرَاضِ؟، فَقَالَ: "مَا أَصَابَ بِحَدِّهِ فَكُلْ، وَمَا أَصَابَ بِعَرْضِهِ فَهُوَ وَقِيذٌ"، قَالَ: وَسَأَلْتُهُ عَنْ كَلْبِ الصَّيْدِ، فَقَالَ: "إِذَا أَرْسَلْتَ كَلْبَكَ، وَذَكَرْتَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ فَكُلْ"، قُلْتُ: وَإِنْ قَتَلَ، قَالَ: "وَإِنْ قَتَلَ، فَإِنْ أَكَلَ مِنْهُ فَلَا تَأْكُلْ، وَإِنْ وَجَدْتَ مَعَهُ كَلْبًا غَيْرَ كَلْبِكَ، وَقَدْ قَتَلَهُ، فَلَا تَأْكُلْ، فَإِنَّكَ إِنَّمَا ذَكَرْتَ اسْمَ اللَّهِ عَلَى كَلْبِكَ، وَلَمْ تَذْكُرْ عَلَى غَيْرِهِ"). قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "أحمد بن سليمان": هو الرُّهاويّ الثقة الحافظ [١١] ٣٨/ ٤٢ منْ أفراد المصنّف. و"زكريّا": هو ابن أبي زائدة. و"عاصم": هو ابن سليمان الأحول. وقوله: "عن الْمِعْرَاض" قَالَ النوويّ رحمه الله تعالى: "الْمِعْرَاض" -بِكَسْرِ الميم، وَبِالْعَيْنِ المُهْمَلة-: هِيَ خَشَبَة ثَقِيلَة، أَو عَصًا فِي طَرَفهَا حَدِيدَة، وَقَد تَكُون بِغَيرِ حَدِيدَة. هَذَا هُوَ الصَّحِيح فِي تَفْسِيره. وَقَالَ الهَرَوِيُّ: هُوَ سَهْم لَا رِيش فِيهِ، وَلَا نَصْل. وَقَالَ ابْن دُرَيْد: هُوَ سَهْم طَوِيل، لَهُ أَرْبَع قُذَذ رِقَاق، فَإِذَا رَمَى بِهِ اعْتَرَضَ. وَقَالَ الْخَلِيل كَقَوْلِ الهَرَوِيّ، وَنَحْوه عَن الأَصْمَعِيّ. وَقِيلَ: هُوَ عُود رَقِيق الطَّرَفَينِ، غَلِيظ الوَسَط، إِذَا رُمِيَ بِهِ ذَهَبَ مُسْتَوِيًا. قَالَ: و"الوَقْذ، وَالمَوقُوذ": هُوَ الَّذِي يُقْتَل بِغَيرِ مُحَدَّد، مِنْ عَصًا، أَوْ حَجَر، وَغَيْرهمَا. وَمَذْهَب الشَّافِعِيّ، وَمَالك، وَأَبِي حَنِيفَة، وَأَحْمَد، وَالْجَمَاهِير: أَنَّهُ إِذَا اصْطَادَ بالمِعرَاضِ، فَقَتَلَ الصَّيْد بِحَدِّهِ حَلَّ، وَإِنْ قَتَلَهُ بِعَرْضِهِ، لَمْ يَحِلّ؛ لِهَذَا الحَدِيث. وَقَالَ مَكَحُول، والأَوزَاعيُّ، وَغَيرهمَا، منْ فُقَهَاء الشَّام: يَحِلّ مُطْلَقًا، وَكَذَا قَالَ هَؤُلَاءِ

стр. 16150

وابن أَبِي لَيلَى: إنهُ يَحِلّ مَا قَتَلَهُ بِالْبُندُقَةِ، وَحُكِيَ أَيْضًا عَن سَعِيد بن الْمُسَيِّب. وَقَالَ الْجَمَاهِير: لَا يَحِلّ صيد البُندُقَة مُطلَقًا؛ لِحَدِيثِ الْمِعْرَاض؛ لِأَنَّه كُلّه رَضٌّ وَوَقْذ، وَهُوَ مَعْنَى الرِّوَايَة الأُخْرَى: "فَإِنَّهُ وَقِيذ": أيْ مَقتُول بِغَيرِ مُحَدَّد، وَالمَوقُوذَة الْمَقتُولَة بالعَصَا، وَنَحْوهَا، وَأَصْله منْ الكَسْر، وَالرَّضّ. انتهى كلام النوويّ رحمه الله تعالى (١). والحديث متَّفقٌ عليه، وَقَدْ سبق تمام شرحه، وبيان مسائله. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٢٧٧ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ يَحْيَى بْنِ الْحَارِثِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي شُعَيْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ أَعْيَنَ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ سُلَيْمَانَ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ الطَّائِيِّ، أَنَّهُ سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنِ الصَّيْدِ؟ قَالَ: "إِذَا أَرْسَلْتَ كَلْبَكَ، فَذَكَرْتَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ فَقَتَلَ، وَلَمْ يَأْكُلْ فَكُلْ، وَإِنْ أَكَلَ مِنْهُ، فَلَا تَأْكُلْ، فَإِنَّمَا أَمْسَكَهُ عَلَيْهِ، وَلَمْ يُمْسِكْ عَلَيْكَ"). قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: هَذَا الإسناد تقدّم قبل باب. والحديث متفقٌ عليه، ومضى شرحه، وبيان مسائله فِي الباب الأول. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح، ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ٩ - (الأَمْرِ بِقَتْلِ الْكِلَابِ) ٤٢٧٨ - (أَخْبَرَنَا كَثِيرُ بْنُ عُبَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ، عَنِ الزُّبَيْدِيِّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ السَّبَّاقِ، قَالَ أَخْبَرَتْنِي مَيْمُونَةُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ لَهُ جِبْرِيلُ ﵇: "لَكِنَّا لَا نَدْخُلُ بَيْتًا، فِيهِ كَلْبٌ، وَلَا صُورَةٌ"، فَأَصْبَحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَئِذٍ، فَأَمَرَ بِقَتْلِ الْكِلَابِ، حَتَّى إِنَّهُ لَيَأْمُرُ بِقَتْلِ الْكَلْبِ الصَّغِيرِ). رجال هَذَا الإسناد: ستة: ١ - (كثير بن عبيد) بن نمير الْمَذْحِجِيّ، أبو الحسن الحمصيّ الحذّاء المقرىء، ثقة [١٠] ٥/ ٤٨٦.

стр. 16151

٢ - (محمد بن حرب) الْخَولاني الحمصي الأبرش -بالمعجمة- ثقة [٩] ١٢٢/ ١٧٢. ٣ - (الزُّبيديّ) محمد بن الوليد الحمصيّ الحافظ الثقة الثبت، منْ كبار [٧] ٤٥/ ٥٦. ٤ - (الزهريّ) محمد بن مسلم الإِمام الحجة المثبت [٤] ١/ ١. ٥ - (ابن السبّاق) -بفتح المهملة، وتشديد الموحّدة- هو عُبيد بن السبّاق الثقفيّ، أبو سعيد المدنيّ، ثقة [٣]. روى عن زيد بن ثابت، وسهل بن حُنيف، وأسامة بن زيد، وابن عباس، وميمونة، وجويرية، زوجي النبيّ ﷺ ، وزينب زوج عبد الله بن مسعود. وروى عنه ابنه سعيد، وأبو أمامة بن سهل بن حُنيف، والزهري، ويزيد بن جثعْدُبَة، ومسلم بن مَعْبَد. ذكره ابن حبّان فِي "الثقات". وَقَالَ العجليّ: مدني تابعيّ ثقة. وذكره مسلم فِي الطبقة الأولى منْ تابعيّ أهل المدينة. وَقَالَ خليفة: يُكنى أبا سعيد. أخرج له الجماعة، وله فِي هَذَا الكتاب هَذَا الحديث، وأعاده برقم (٤٢٨٥). وقوله: "ليأمر بقتل الكلب الصغير" إنما خصّه بالذكر، وغيّا به الأمر؛ حيث إنه لا يظهر ضرره لي حال صغره، فربّما يُظنّ أن يسامح فِي تركه، لكنه لم يسامح فيه، فظهر بذلك كون الأمر مؤكّدًا. والله تعالى أعلم. والحديث أخرجه مسلم، وسيأتي شرحه، وبيان مسائله بعد باب، حيث يسوقه المصنّف رحمه الله تعالى هناك مطوّلًا، إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٢٧٩ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ : "أَمَرَ بِقَتْلِ الْكِلَابِ، غَيْرَ مَا اسْتَثْنَى مِنْهَا"). رجال هَذَا الإسناد: أربعة: ١ - (قتيبة بن سعيد) الثقفيّ البغلاني، ثقة ثبت [١٠] ١/ ١. ٢ - (مالك) بن أنس إمام دار الهجرة الثقة الثبت الفقيه [٧] ٧/ ٧. ٣ - (نافع) مولى ابن عمر، أبو عبد الله المدنيّ الثقة الثبت الفقيه [٣] ١٢/ ١٢. ٤ - (ابن عمر) عبد الله رضي الله تعالى عنهما ١٢/ ١٢. والله تعالى أعلم. لطائف هَذَا الإسناد: منها: أنه منْ رباعيات المصنّف رحمه الله تعالى، وهو أعلى ما له منْ الأسانيد، وهو (١٩٨) منْ رباعيات الكتاب. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخه، فبغلانيّ، (ومنها): أنه أصحّ الأسانيد عَلَى الإطلاق، كما نُقل عن الإِمام البخاريّ رحمه الله تعالى. (ومنها): أن فيه ابن عمر

стр. 16152

رضي الله تعالى عنهما أحد العبادلة الأربعة، وأحد المكثرين السبعة، روى (٢٦٣٠) حديثا. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَن ابن عُمَرَ) رضي الله تعالى عنهما (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ : "أَمَرَ بِقَتْلِ الْكِلَابِ) ثم جاء النسخ، كما سيأتي صريحًا (غَيْرَ مَا اسْتَثْنَى مِنْهَا") بنصب "غير" على الاستثناء، أي إلا الكلاب التي استثناها، وهي: كلب الصيد، والماشية، كما فِي حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، ويزاد عليهما كلب الزرع، كما فِي حديث عبد الله بن المغفّل، وحديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنهما. قَالَ أبو العبّاس القرطبيّ رحمه الله تعالى: حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما روي مطلقًا، منْ غير استثناء، كما فِي رواية مالك، عن نافع، عن ابن عمر: "أن رسول الله صلّى الله تعالى عليه وسلم أمر بقتل الكلاب". قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: هَذَا بالنسبة لرواية مالك فِي البخاريّ ومسلم، وأما روايته عند المصنّف، فهي مقيّدة بالاستثناء، فتنبّه. قَالَ: وروي مقيّداً بالاستثناء المتّصل، كرواية عمرو بن دينار، عن ابن عمر: "أن النبيّ صلّى الله تعالى عليه وسلم أمر بقتل الكلاب، إلا كلب صيد، أو كلب غنم، أو ماشية، فيجب عَلَى هَذَا ردّ مطلق إحدى الروايتين عَلَى مقيّدهما، فإن القضيّة واحدةٌ، والراوي لهما واحد، وما كَانَ كذلك وجب فيه ذلك بالإجماع، وهذا واضح فِي حديث ابن عمر، وعليه فكلب الصبي، والماشية لم يتناولهما قطّ عموم الأمر بقتل الكلاب؛ لاقتران استثنائهما منْ ذلك العموم. وإلى الأخذ بهذا الحديث ذهب مالك، وأصحابه، وكثير منْ العلماء، فقالوا بقتل الكلاب، إلا ما استُثني منها، ولم يروا الأمر بقتل ما عدا المستثنى منسوخًا، بل مُحكمًا. وأما حديث عبد الله بن مغفّل رضي الله تعالى عنه، فمقتضاه غير هَذَا، وذلك أنه قَالَ فيه: أمر رسول الله صلّى الله تعالى عليه وسلم بقتل الكلاب، ثم قَالَ: "ما بالهم، وبال الكلاب؟ "، ثم رخّص فِي كلب الصيد، وكلب الغنم والزرع، ومقتضى هَذَا أنه أمرهم بقتل جميع الكلاب، منْ غير استثناء شيء منها، فبادروا، وقَتلوا كلَّ ما وجدوا منها، ثم بعد ذلك رخص فيما ذُكر، فيكون هَذَا الترخيص منْ باب النسخ؛ لأن العموم قد استقرّ، وبَرَد، وعُمل به، فرفع الحكم عن شيء مما تناوله نسخٌ، لا تخصيص. وَقَدْ ذهب إلى هَذَا فِي هَذَا الحديث بعض العلماء. ونحوٌ منْ حديث عبد الله ابن المغفّل حديث جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهم، قَالَ: قد أمرنا رسول الله

стр. 16153

صلّى الله تعِالى عليه وسلم بقتل الكلاب، حَتَّى إن المرأة تقدَم منْ البادية بكلبها، فنقتله، ثم نهَى رسول الله صلّى الله تعالى عليه وسلم عن قتلها، فَقَالَ: "عليكم بالأسود البهيم، ذي النقطتين، فإنه شيطان". فمقتضاه أن الأمر كَانَ بقتل الكلاب عامًّا لجميعها، وأنه نُسخ عن جميعها إلا الأسود. وإلى هَذَا ذهب بعض العلماء. ولَمّا اضطربت هذه الأحاديث المرويّة، وجب عرضها عَلَى القواعد الأصوليّة، فنقول: إن حديث ابن عمر ليس فيه أكثر منْ تخصيص عموم باستثناء مقترن به، وهو أكثر فِي تصرّفات الشرع منْ نسخ العموم بكلّيّته، وأيضاً فإن هذه الكلاب المستثنيات الحاجة إليها شديدةٌ، والمنفعة بها عامّة وكِيدة، فكيف يأمر بقتلها؟ هَذَا بعيد منْ مقاصد الشرع، فحديث ابن عمر أولى. والله تعالى أعلم. قَالَ: والحاصل منْ هذه الأحاديث أن قتل الكلاب، غير المستثنيات مأمورٌ به إذا أضرّت بالمسلمين، فإن كثُر ضررها، وغلب، كَانَ الأمر عَلَى الوجوب، وإن قلّ، وندر، فأيُّ كلب أضرّ، وجب قتله، وما عداه جائزٌ قتله؛ لأنه سبُعٌ لا منفعة فيه، وأقلّ درجاته توقّع الترويع، وأنه ينقص منْ أجر مقتنيه كلّ يوم قيراطان. فأما المروّع منهنّ، غير المؤذي، فقتله مندوبٌ إليه. وأما الكلب الأسود، ذو النقطتين، فلابُدّ منْ قتله؛ للحديث المتقدّم، وقلّما يُنتفَع بمثل تلك الصفة؛ لأنه إن كَانَ شيطانًا عَلَى الحقيقة، فهو ضرر محضٌ، لا نفع فيه، وإن كَانَ عَلَى التشبيه به، فإنه شُبّه به للمفسدة الحاصلة منه، فكيف يكون فيه منفعة؟ ولو قدّرنا فيه أنه ضارٍ، أو للماشية لقُتل؛ لنصّ النبيّ صلّى الله تعالى عليه وسلم عَلَى قتله. انتهى كلام القرطبيّ رحمه الله تعالى (١) وسيأتي تمام البحث فِي هَذَا فِي المسألة الثالثة، إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): فِي درجته: حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما هَذَا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -٤٢٧٩ و٤٨٠ و٤٨١ - وفي "الكبرى" ٩/ ٤٧٨٨ و١٠/ ٤٧٨٩ و٤٧٩٠. وأخرجه (خ) فِي "بدء الخلق" ٣٣٢٣ مختصرًا، لم يذكر الاستثناء. (م) فِي "المساقاة" ٢٠٣٤ و٢٩٣٦ و٢٩٣٧ (ت) فِي "الأحكام" ١٤٨٨ (ق) فِي "الصيد" ٣٢٠٢ و٣٣٠٣

стр. 16154

(أحمد) فِي "مسند المكثرين" ٤٧٣٠ و٥٧٤١ و٥٨٨٩ و٦١٣٦ و٦٢٧٩ و٦٢٩٩ (الموطأ) فِي "الجامع" ١٨٠٩ (الدارمي) فِي "الصيد" ٢٠٠٧. والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): فِي اختلاف أهلِ العلم فِي قتل الكلاب: قَالَ النوويّ رحمه الله تعالى: أَجْمَعَ العُلَمَاء عَلَى قَتْل الكَلْب، وَالكَلْب العَقُور، وَاخْتَلَفُوا فِي قَتْل مَا لَا ضَرَر فِيهِ، فَقَال إِمَام الحَرَمَينِ منْ أَصْحَابنَا: أَمَرَ النَّبيّ ﷺ ، أَوَّلاً بِقَتْلِهَا كُلّهَا، ثُمَّ نَسَخَ ذَلِكَ، وَنَهَى عَن قَتْلهَا، إِلَّا الأَسوَد الْبَهِيم، ثمَّ استَقَرَّ الشَّرْع عَلَى النَّهْي عَن قَتْل جَمِيع الكِلَاب، الَّتِي لَا ضَرَر فِيهَا، سَوَاء الأَسوَد وَغَيْره، وَيُسْتَدَلّ لِمَا ذَكَرَهُ بِحَدِيثِ ابن المُغَفَّل. وَقَال القَاضِي عِيَاض: ذَهَبَ كثِير منْ الْعُلَمَاء إِلَى الأَخْذ بِالْحَدِيثِ فِي قَتْل الْكِلَاب، إلَّا مَا اسْتُثْنيَ منْ كَلْب الصَّيد وَغَيْره. قَالَ: وَهَذَا مَذْهَب مَالِك وَأصْحَابه. قَالَ: وَاخْتَلَفَ القَائِلُونَ بهَذَا، هَل كَلْب الصَّيْد وَنَحْوه، مَنْسُوخ منْ العُمُوم الأَوَّل فِي الْحُكْم بِقَتْلِ الْكِلَاب، وَأَنَّ الْقَتْل كَانَ عَامًّا فِي الْجَمِيع، أَمْ كَانَ مَخْصُوصًا بِمَا سِوَى ذَلِكَ؟ قَال: وَذَهَبَ آخَرُونَ إِلَى جَوَاز اتِّخاذ جمِيعهَا، وَنَسْخ الأَمْر بقَتلِهَا، وَالنَّهْيِ عَنْ اقْتِنَائِهَا إِلَّا الأَسْوَد البَهِيم. قَال الْقَاضِي: وَعِنْدِي أنَّ النَّهْي أوَّلاً كَانَ نهَيًا عَامًّا، عَن اقْتِنَاء جمَيعهَا، وَأَمَرَ بِقَتلِ جَميعهَا، ثُمَّ نَهَى عَن قَتلْهَا مَا سِوَى الأسْوَد، وَمَنَعَ الاقْتِنَاء فِي جَمِيعهَا، إِلَّا كَلْب صَيْد، أَو زَرْع، أَوْ مَاشِيَة. وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ القَاضَي، هُوَ ظَاهِر الأَحَادِيث، وَيَكُون حَدِيث ابن الْمُغَفَّل مَخْصُوصًا بِمَا سِوَى الأَسْوَد؛ لِأَنَّه عَامّ، فَيَخُصّ مِنْهُ الأَسْوَد بالْحَدِيثِ الآخَر. وَأمَّا اقتِنَاء الكِلَاب، فَمَذْهَبنَا أَنَّهُ يَحرُم اقْتِنَاء الْكَلْب بِغَيْرِ حَاجَة، وَيَجُوز اقْتِنَاؤُهُ لِلصَّيْدِ، وَلِلزَّرعِ، وَلِلْمَاشِيَةِ. وَهَلْ يَجُوز لِحِفْظِ الدُّور، وَالدُّرُوب وَنَحْوهَا؟ فِيْهِ وَجْهَانِ: أَحَدهمَا: لا يَجُوز، لِظَوَاهِر الأحَادِيث، فَإِنَّهَا مُصَرِّحَة بِالنَّهي إِلَّا لِزَرْع، أَوْ صَيْد، أَوْ مَاشِيَة، وَأَصَحّهَا يَجُوز قِيَاسًا عَلَى الثَّلَاثَة، عَمَلاً بالعِلَّةِ المَفهُوَمَة، منْ الأَحَادِيث، وَهِيَ الحَاجَة. وَهَلْ يَجُوز اقْتِنَاء الجَرْو، وَتَرْبِيَته لِلصَّيْد، أَوْ الزَّرْع، أَو المَاشِيَة؟ فِيهِ وَجْهَانِ لِأَصْحَابِنَا: أَصَحّهمَا جَوَازه. انتهى كلام النوويّ رحمه الله تعالى (١). وَقَالَ الحافظ أبو عمر ابن عبد البرّ رحمه الله تعالى اختلفت الآثار فِي قتل الكلاب، واختلف العلماء فِي ذلك أيضًا، فذهب جماعة منْ أهل العلم إلى الأمر بقتل الكلاب

стр. 16155

كلّها، إلا ما ورد الحديث بإباحة اتّخاذه منها للصيد، والماشية، وللزرع أيضاً، وقالوا: واجبٌ قتل الكلاب كلها، إلا ما كَانَ مخصوصًا بالحديث، امتثالًا لأمره صلّى الله تعالى عليه وسلم، واحتجّوا بحديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما المذكور فِي الباب. قَالَ: ورُوي عن عبد الله بن جعفر أن أبا بكر رضي الله تعالى عنه أمر بقتل الكلاب، قَالَ عبد الله. وكانت أمّي تحته، وكان جرو لي تحت السرير، فقلت له: يا أبي وكلبي أيضاً؟ فَقَالَ: لا تقتلوا كلب ابني، ثم أشار بأصبعه: أن خذوه منْ تحت السرير، فأُخذ، وأنا لا أدري، فقُتل. وروى حمّاد بن زيد، عن أيّوب، عن نافع، أن ابن عمر دخل أرضًا له، فرأى كلبًا، فهَمَّ أن يقع بقيّم أرضه، فَقَالَ: إنه والله كلب عابر دخل الآن، قَالَ: فأخذ المسحاة، وَقَالَ: حرّشوه عليّ، قَالَ: فشحطه -أي قتله- فِي أعجل شيء. فهذا أبو بكر الصدّيق، وابن عمر رضي الله تعالى عنهم قد عملا بقتل الكلاب بعد رسول الله صلّى الله تعالى عليه وسلم، وجاء نحوه عن عمر، وعثمان رضي الله تعالى عنهما، فصار ذلك سنّةً معمولًا بها عند الخلفاء، لم يَنسخها عند منْ عمل بها شيء. وإلى هَذَا ذهب مالك بن أنس. قَالَ أبو عمر: ظاهر حديث ابن عمر، وحديث جابر يدلّ عَلَى قتل جميع الكلاب، ولكن الحديث، فِي ذلك ليس عَلَى عمومه؛ لما قد بان فِي حديث ابن شهاب، عن مالك، عن سالم، عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، قَالَ: فكانت الكلاب تُقتل إلا كلب صيد، أو ماشية. ومثله حديث عبد الله بن مُغفّل أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أمر بقتل الكلاب، ورخّص فِي كلب الزرع، والصيد. وَقَالَ آخرون: أمره صلّى الله تعالى عليه وسلم بقتل الكلاب منسوخٌ بإباحته اتّخاذ ما كَانَ منها للماشية، والصيد، والزرع، واحتجّ هؤلاء بحديث عبد الله بن المغفّل رضي الله تعالى عنه، قَالَ: أمر رسول الله صلّى الله تعالى عليه وسلم بقتل الكلاب، ثم قَالَ: مالي وللكلاب؟ ثم رخّص فِي كلب الصيد. قالوا: ففي هَذَا الخبر أن كلب الصيد قد كَانَ أَمَر بقتله، ثم أباح الانتفاع به، فارتفع القتل عنه، قالوا: ومعلوم أن كلّ ما يُنتفع به جائزٌ اتّخاذه، ولا يجوز قتله، إلا ما يُؤكلُ، فيُذكَّى، ولا يُقتلُ. واحتجّوا أيضًا بحديث جابر رضي الله تعالى عنه: أمرنا رسول الله صلّى الله تعالى عليه وسلم بقتل الكلاب، قَالَ: فكنّا نقتلها حَتَّى قَالَ: إنها أمة منْ الأمم، ثم نهى عن قتلها، وَقَالَ: عليكم بالأسود … " الحديث. قَالَ أبو عمر: حديث جابر لا حجّة فيه لمن أمر بقتل الكلاب، بل الحجة فيه لمن لم ير قتلها. قالوا: فهذا يدلّ عَلَى أن الإباحة فِي اتخّاذها وحبّه أن لا يُفنيها، كَانَ بعد الأمر

стр. 16156

بقتلها. قالوا: وَقَدْ رخّص فِي كلب الصيد، ولم يخصّ أسود بهيمًا منْ غيره. وَقَدْ قالوا: إن الأسود البهيم منْ الكلاب أكثرها أذّى، وأبعدها منْ تعليم ما ينفع، ولذلك رُوي أن الكلب الأسود شيطان. أي بعيد منْ المنافع، قريبٌ منْ المضرّة والأذى، وهذه أمورٌ لا تُدرك بنظر، ولا يوصل إليها بقياس، وإنما يُنتهى فيها إلى ما جاء عنه صلى الله تعالى عليه وسلم. قَالَ أبو عمر: قد اضطربت ألفاظ الأحاديث فِي هَذَا المعنى، فمنها ما يدلّ عَلَى النسخ، ومنها ما يدلّ عَلَى الأمر بالقتل فيما عدا المستثنى. قَالَ: وذهب آخرون إلى أنه لا يجوز قتل شيء منْ الكلاب، إلا الكلب العقور، وقالوا: الأمر بقتل الكلاب منسوخ بنهيه صلّى الله تعالى عليه وسلم أن يُتّخذ شيء فيه الروح غَرَضًا، وبقوله صلّى الله تعالى عليه وسلم: خمس منْ الدوابّ يُقتلن فِي الحلّ والحرم، فذكر منهن الكلب العقور، فخصّ العقور، دون غيره؛ لأن كلّ ما يَعقر المؤمن، ويؤذيه، ويقدر عليه، فواجب قتله، وَقَدْ قيل: العقور هاهنا الأسد، وما أشبهه منْ عقارة سباع الوحش. واحتجوا أيضاً بما أخرجه الشيخان منْ قصّة الرجل الذي سقى كلبًا يلهث منْ العطش، فشكر الله له ذلك، فغفر له، وبما أخرجاه أيضاً منْ قصّة المرأة البغيّة، نزعت موقها، فسقت كلبًا فِي يوم حارّ، يُطيف بركيّة، قد ادلع لسانه منْ العطش، فغفر لها. قَالَ أبو عمر: والذي أختاره أن لا يُقتل شيء منْ الكلاب، إذا لم تضرّ بأحد، ولم تعقر أحدًا لنهيه صلّى الله تعالى عليه وسلم أن يُتخذ شيء فيه الروح غرضًا، وما ذكرنا له منْ حجة منْ اخترنا قوله. قَالَ: ومن الحجة أيضًا لما ذهبنا إليه فِي أن الأمر بقتل الكلاب منسوخٌ، ترك قتلها فِي كلّ الأمصار، عَلَى اختلاف الأعصار بعد مالك رحمه الله تعالى، وفيهم العلماء، والفضلاء إلى آخر كلامه رحمه الله تعالى. انتهى المقصود منْ كلام ابن عبد البرّ (١). قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: الراجح عندي هو ما رجّحه القَاضي عياض رحمه الله تعالى -منْ أنّ النَّهي أوَّلاً كَانَ نهَيًا عَامًّا، عَن اقتِنَاء جَميعها، وَأَمَرَ بِقَتْلِ جمَيعهَا، ثُمَّ نَهَى عَن قَتْلهَا مَا سِوَى الأسْوَد، وَمَنَعَ الاقْتِنَاء فِي جَمِيعهَا، إِلَّا كَلْب صَيْد، أَوْ زَرْع، أَو مَاشِيَة. وَهَذَا هُوَ ظَاهِر الأَحَادِيث، وَيَكُون حدِيث ابن المغفَّل رضي الله تعالى عنه مَخصُوصًا بِمَا سِوَى الأَسوَد؛ لِأَنه عَامّ، فَيَخُصّ مِنْهُ الأَسوَد بِالحَدِيثِ الآخَر. والحاصل أن الأمر بقتل الكلاب منسوخٌ، وأن اقتناءها لا يجوز، إلا ما استثناه

стр. 16157

الشارع الحكيم، وهو ما تدعو إليه الحاجة، منْ الصيد، والماشية، والزرع، وهل يُلحق حفظ الدور ونحوها مما تشتدّ الحاجة إليه؟، الظاهر نعم، كما صححه النوويّ رحمه الله تعالى فِي كلامه السابق. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٢٨٠ - (أَخْبَرَنَا وَهْبُ بْنُ بَيَانٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ، قَالَ: قَالَ ابْنُ شِهَابٍ، حَدَّثَنِي سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، رَافِعًا صَوْتَهُ، يَأْمُرُ بِقَتْلِ الْكِلَابِ، فَكَانَتِ الْكِلَابُ تُقْتَلُ، إِلاَّ كَلْبَ صَيْدٍ، أَوْ مَاشِيَةٍ"). قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: ترجم المصنّف رحمه الله تعالى فِي "الكبرى" لهذا الحديث بقوله: "باب ما استُثني منها". ورجال هَذَا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه، وهو أبو عبد الله الواسطيّ، نزيل مصر، ثقة عابد [١٠]، فقد تفرّد به هو، وأبو داود. و"ابن وهب": هو عبد الله المصريّ الحافظ. و"يونس": هو ابن يزيد الأيليّ. وقوله: "إلا كلب صيد، أو ماشية": أي كلبًا يصطاد به الإنسان، أو كلبًا يحرُس به داوبّه؛ لئلا يأكلها الذئب، أو نحوه. قَالَ فِي "المنتقى شرح الموطّأ": قَالَ عِيسَى بْنُ دِينَارِ: يُرِيدُ كُلَّ كَلْبٍ، اتُّخِذَ لِغَيْرِ صَيْدٍ، أَوْ مَاشِيَةٍ، قَالَ مَالِكٌ: تُقْتَلُ الْكِلَابُ، مَا يُؤذِي مِنْهَا، وَمَا يَكُونُ فِي مَوْضِع، لَا يَنْبَغي أن يَكُونَ فِيهَا، كَالفُسْطَاطِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ مِمَّا يَمْنَع الْإحْسَانَ إلَيْهَا، حَالَ حَيَاتِهَا، وَأَنْ يُحسِنَ قَتْلَتَهَا، وَلَا تُتَّخَذُ غَرَضًا، وَلَا تُقْتَلُ جُوعًا، وَلَا عَطَشًا. انتهى. والحديث أخرجه مسلم، وأخرجه البخاريّ بدون ذكر الاستثناء، وَقَدْ سبق بيانه فِي الحديث الذي قبله. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٢٨١ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ عَمْرٍو، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ : "أَمَرَ بِقَتْلِ الْكِلَابِ، إِلاَّ كَلْبَ صَيْدٍ، أَوْ كَلْبَ مَاشِيَةٍ"). قَالَ الجامع عفا اللهَ تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد كلهم رجال الصحيح. و"حمّاد": هو ابن زيد. و"عمرو": هو ابن دينار. والسند منْ رباعيّات المصنّف رحمه الله تعالى، وهو (١٩٩) منْ رباعيات الكتاب. والحديث سبق بيانه فِي الذي قبله. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح، ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب". ***

стр. 16158

١٠ - (صِفَةِ الْكِلَابِ الَّتِي أُمِرَ بِقَتْلِهَا) ٤٢٨٢ - (أَخْبَرَنَا عِمْرَانُ بْنُ مُوسَى، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَوْلَا أَنَّ الْكِلَابَ أُمَّةٌ مِنَ الأُمَمِ، لأَمَرْتُ بِقَتْلِهَا، فَاقْتُلُوا مِنْهَا الأَسْوَدَ الْبَهِيمَ، وَأَيُّمَا قَوْمٍ اتَّخَذُوا كَلْبًا، لَيْسَ بِكَلْبِ حَرْثٍ، أَوْ صَيْدٍ، أَوْ مَاشِيَةٍ، فَإِنَّهُ يَنْقُصُ مِنْ أَجْرِهِ كُلَّ يَوْمٍ قِيرَاطٌ"). رجال هَذَا الإسناد: خمسة: ١ - (عمران بن موسى) أبو عمرو البصريّ القزّاز الليثيّ، صدوق [١٠] ٦/ ٦. ٢ - (يزيد بن زريع) أبو معاوية البصريّ، ثقة ثبت [٨] ٥/ ٥. ٣ - (يونس) بن عبيد بن دينار العبدي، أبو عبيد البصريّ، ثقة ثبت فاضل ورع [٥] ٨٨/ ١٠٩. ٤ - (الحسن) بن أبي الحسن يسار الأنصاريّ مولاهم البصريّ، ثقة فقيه فاضل مشهور، يرسل، ويدلّس [٣] ٣٢/ ٣٦. ٥ - (عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ) -بفتح الغين المعجمة، وتشديد الفاء المفتوحة- بن عُبيد بن نَهْم -بفتح، فسكون- أبو عبد الرحمن المزنيّ، صحابي، بايع تحت الشجرة، ثم نزل البصرة، مات رضي الله تعالى عنه سنة (٥٧) وقيل: بعد ذلك، تقدّمت ترجمته فِي ٣٢/ ٣٦. والله تعالى أعلم. لطائف هَذَا الإسناد: منها: أنه منْ خماسيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فقد تفرد به هو، والترمذي، وابن ماجه. (ومنها): أنه مسلسل بثقات البصريين، وفيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ) ﵁ أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَوْلَا أَنَّ الْكِلَابَ أُمَّةٌ مِنَ الأُمَمِ) أي أمّةٌ خُلقت لمنافع، أو أمّةٌ تُسبّح. وقَالَ الطِّيبِيُّ: إِشَارَة إِلَى قَوْلَه تَعَالَى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ الآية [الأنعام: ٣٨]: أيْ أَمْثَالُكُمْ فِي كَوْنَهَا دَالَّة عَلَى الصَّانِع، وَمُسَبِّحَة لَهُ. (لأَمَرْتُ بِقَتْلِهَا) قَالَ الخَطَّابِيُّ رحمه الله تعالى: مَعنَى هَذَا الكَلَام أَنَّهُ ﷺ كَرِهَ إِفْنَاء أُمَّة

стр. 16159

مِنْ الأُمَم، وَإعْدَام جِيل منْ الْخَلْق؛ لِأَنَّه مَا منْ خَلق الله تَعَالَى، إِلَّا وَفِيهِ نَوع منْ الحِكمَة، وَضَرب مِنْ المَصْلَحَة، يَقُول: إِذَا كَانَ الأمر عَلَى هَذَا، وَلَا سَبِيل إِلَى قَتْلهنَّ، فَاقْتُلُوا شِرَارهنَّ، وَهِيَ السُّود البُهُم، وَأَبقُوا مَا سِوَاهَا، لِتَنتَفِعُوا بهِنَّ فِي الْحِرَاسَة. وَعَن إِسْحَاق ابن رَاهُويَه، وَأَحْمَد بن حَنْبَل، أنَّهمَا قَالَا: لَا يَحِلّ صَيد اِلكَلْب الأسْوَد. انْتَهَى. (فَاقْتُلُوا مِنْهَا الأَسْوَدَ الْبَهِيمَ) أي خَالِص السَّوَاد (وَأَيُّمَا قَوْمٍ اتَّخَذُوا كَلْبًا، لَيْسَ بِكَلْبِ حَرْثٍ) أي لحفظ الزرع (أَوْ صَيْدٍ) أي ليُصطاد به (أَوْ مَاشِيَةٍ) "أَو" لِلتَّنْوِيعِ، لَا لِلتَّرْدِيدِ: أي لحفظ ماشيبة منْ أن يتعرّض لها سارقٌ، أو حيوان يأكلها (فَإنَّهُ يَنْقُصُ) -بفتح أوَّله، وضمّ القاف، مبنيًّا للفاعل، ويحتمل أن يكون مبنيًّا للمفعول؛ لأنه يتعدّى، ويلزم، قَالَ الفيّوميّ: نقَص ينقُص نقصًا، منْ باب قتل، ونُقصانًا، وانتقص: إذا ذهب منه شيء بعد تمامه، ونقصته يتعدّى، ولا يتعدّى، هذه هي اللغة الفصحى، وبها جاء القرآن فِي قوله تعالى: ﴿نَنقُصُهَا منْ أَطرَافِهَا﴾ الآية [الرعد: ٤١]. وقوله: ﴿غَير مَنقُوصٍ﴾ [هود: ١٠٩]، وفي لغة ضعيفة يتعدّى بالهمزة والتضعيف، ولم يأت فِي كلام فصيح، ويتعدّى أيضاً بنفسه إلى مفعولين، فيقال: نقصت زيداً حقَّهُ، وانتقصته مثله. انتهى (مِنْ أَجْرِهِ كُلَّ يَوْمٍ) منصوب عَلَى الظرفيّة، متعلّق بـ"ينقُص" (قِيْرَاطٌ) بالرفع عَلَى أنه فاعل لـ"يقُص"، أو نائب فاعل له، عَلَى الاحتمالين السابقين. وفي حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما الآتي: "نقص منْ أجره كلّ يوم قيراطان". والتَّوْفيق بَيْن اختلاف الروايتين فِي نقص القيراط، والقيراطين سيأتي قريباً، إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): فِي درجته: حديث عبد الله بن مغفّل رضي الله تعالى عنه هَذَا صحيح. (المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -١٠/ ٤٢٨٢ و١٤/ ٤٢٩٠ - وفي "الكبرى" ١١/ ٤٧٩١ و١٥/ ٤٧٩٩. وأخرجه (د) فِي "الصيد" ٢٨٤٥ (ت) فِي "الأحكام" ١٤٨٦ (ق) فِي "الصيد" ٣٢٠٥ (أحمد) فِي "أول مسند المدنيين" ١٦٣٤٦ و٢٠٠٢٤ و٢٠٠٣٩ (الدارمي) فِي "الصيد" ٢٠٠٨. والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): فِي فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان صفة الكلاب التي أمر

стр. 16160

النبيّ صلّى الله تعالى عليه وسلم بقتلها، وهي الأسود البهيم، وما عدا الكلاب التي يصيد بها، أو يحفظ بها مواشيه، وكذا زرعه. (ومنها): أن فيه أن الكلاب أمم، كسائر الأمم التي تسبّح الله تعالى، فلا ينبغي قتلها، إلا ما أذن به الشارع الحكيم. (ومنها): الأمر بقتل الكلب الأسود، وَقَدْ عُلّل فِي الحديث بأنه شيطان، يعني أنه ضرر محضٌ، فينبغي إبادته؛ إبعادًا لضرره عن المسلمين. (ومنها): جواز اتخاذ الكلب للحرث، والصيد، والماشية. (ومنها): أن منْ اتّخذ كلبًا، لم يأذن به الشارع، مما سبق آنفًا، فقد جنى عَلَى نفسه، حيث يذهب عليه كلّ يوم قيراط منْ عمله الصالح، فما أعظمه منْ خسارة، ولا حول ولا قوّة إلا بالله. (ومنها): أن الأَصَحَّ عَن الشَّافِعِيَّة إِبَاحَة اتِّخَاذ الْكِلَاب؛ لِحِفْظِ الدَّرْب، إلْحَاقًا لِلْمَنْصُوصِ بِمَا فِي مَعْنَاهُ، كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ ابْن عَبْد البرّ. (ومنها): أنهم اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْمَأْذُون فِي اتِّخاذه، مَا لَمْ يَحْصُل الاتِّفَاق عَلَى قَتْله، وَهُوَ الْكَلْب الْعَقُور، وَأما غَيْر الْعَقُور، فَقَدْ اخْتُلِفَ هَلْ يَجُوز قَتله مُطْلَقًا، أَم لَا؟. (ومنها): أنَّه استُدِلَّ بِهِ عَلَى جَوَاز تَرْبِيَة الْجَرْو الصَّغِير؛ لِأَجْلِ المَنْفَعَة الَّتِي يَئُولُ أَمْره إِلَيْهَا إِذَا كَبِرَ، وَيَكُون الْقَصْد لِذَلِكَ قَائِمًا مَقَام وُجُود الْمَنْفَعَة بهِ، كَمَا يَجُوز بَيْع مَا لَمْ يُنْتَفَع بِهِ فِي الْحَال؛ لِكَوْنِهِ يَنْتَفع بِهِ فِي المَآل. (ومنها): أنه اسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى طَهَارَة الْكَلْب الْجَائِز اتِّخَاذه؛ لِأَنَّ فِي مُلَابَسَته مَعَ الاحْتِرَاز عَنهُ، مَشَقَّة شَدِيدَة، فَالإذْن فِي اتِّخَاذه، إِذْن فِي مُكَمِّلَات مَقْصُوده، كَمَا أن الْمَنْع مِنْ لَوَازِمه، مُنَاسِب للمَنْع مِنْهُ، قَالَ الحافظ: وَهُوَ اسْتِدْلَال قَوِيّ، لَا يُعَارضهُ إِلَّا عُمُوم الْخَبَر الوَارِد فِي الأَمْر مِنْ غَسْل مَا وَلَغَ فيهِ الْكَلْب، مِنْ غَير تَفْصِيل، وَتَخْصِيص الْعُمُوم غَيْر مُستَنْكَر، إِذَا سَوَّغَهُ الدَّلِيل. قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: القول بطهارة الكلب هو الحقّ، ولا يلزم منه التعارض مع الأمر بغسل ولوغه؛ لأن ذلك لدليل خاصّ به، فتأمل. والله تعالى أعلم. (ومنها): أن فِيه الْحَثَّ عَلَى تَكْثِير الأَعْمَال الصَّالِحَة، وَالتَّحْذِيرَ مِنْ الْعَمَل بمَا يَنْقُصهَا، وَالتَّنْبِيه عَلَى أَسبَاب الزِّيَادَة فِيهَا، وَالنَّقْص مِنْهَا، لِتُجْتَنَب، أَوْ تُرْتَكَب. (ومنها): أن فيه بَيَانَ لُطْف الله تَعَالَى بخَلْقِهِ، فِي إِبَاحَة مَا لَهُم بِهِ نَفْع. (ومنها): أنه صلّى الله تعالى عليه وسلم بيّن لأمته كلّ ما يحتاجون إليه، منْ أُمُور مَعَاشهم، وَمَعَادهم. (ومنها): أن فيه تَرجِيحَ الْمَصلَحَة الرَّاجِحَة عَلَى المَفْسَدَة؛ لِوُقُوع اسْتِثنَاء مَا يُنتَفَع بِهِ، مِمَّا حَرُمَ اتِّخَاذه. (منها): ما قَالَ الحافظ ابن عَبْد الْبَرّ رحمه الله تعالى: فِي هَذَا الْحَدِيث إِبَاحَة اتِّخَاذ

стр. 16161

الكِلَاب لِلصَّيْدِ وَالمَاشِيَة، وَكَذَلِكَ الزَّرْع؛ لِأَنَّهَا زِيَادة حَافِظ، وَكَرَاهَة اتِّخاذهَا لِغَيرِ ذَلِكَ، إِلَّا أَنَّهُ يَدخُل فِي مَعنَى الصَّيد وَغَيره، مِمَّا ذُكِرَ اتِّخَاذهَا لِجَلْبِ المَنَافِع، وَدَفْع المَضَارّ قِيَاسًا، فَتَمَحَضَّ كَرَاهَة اتِّخَاذهَا لِغَيرِ حَاجَة؛ لِمَا فِيهِ منْ تَروِيعَ النَّاس، وَامْتِنَاع دُخُول المَلَائِكَة لِلْبَيْتِ الَّذي هُمْ فِيهِ. قَالَ: وَفِي قَوْله: "نَقَصَ مِنْ عَمَله" -أَي منْ أجْر عَمَله- مَا يُشِير إِلَى أَن اتِّخاذهَا لَيْسَ بِمُحَرَّمٍ؛ لِأَنَّ مَا كَانَ اتِّخاذه مُحَرَّمًا، امْتَنَع اتِّخاذه عَلَى كُلِّ حَال سَوَاء نَقَصَ الأَجْر، أَوْ لَمْ يَنقُص، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ اتِّخَاذها مَكْرُوه، لَا حَرَام. قَالَ: وَوَجْه الحَدِيث عِنْدِي أَنَّ المَعَانِي المُتَعَبَّد بهَا فِي الْكِلَاب، مِنْ غَسْل الإنَاء سَبْعًا، لَا يَكَاد يَقُوم بِها المُكَلَّف، وَلَا يَتَحَفَّظ مِنهَا، فَرُبَّمَا دَخَلَ عَلَيهِ بِاتِّخاذِهَا مَا يَنْقُص أَجْره منْ ذَلِكَ. وَيُرْوَى أَن الْمَنْصُور، سَأَلَ عَمرو بن عُبَيد، عَن سَبَب هَذَا الْحَديث، فَلَم يَعْرِفهُ، فَقَالَ المَنْصُور: لِأنَّهُ يَنبَح الضَّيْف، وَيُرَوِّع السَّائِل انتهى. وتعقّبه الحافظ: فَقَالَ: مَا ادَّعَاهُ مِنْ عَدَم التَّحْرِيم، وَاستَنَدَ لَهُ بِمَا ذَكَرَهُ لَيْسَ بِلَازِم، بَلْ يَحْتَمِل أن تَكُون العُقُوبَة، تَقَع بِعَدَم التَّوْفِيق لِلعَمَلِ بِمِقْدَارِ قِيرَاط، مِمَّا كَانَ يَعمَلهُ منْ الْخَيْر، لوْ لَمْ يَتَّخِذ الكَلْب. وَيَحْتَمِل أنْ يَكُون الاتِّخَاذ حَرَامًا، وَالْمُرَاد بِالنَّقْصِ أنَّ الإثْم الحَاصِل بِاتِّخاذِهِ، يُوازِي قَدْر قِيرَاط، أَو قِيرَاطَيْنِ منْ أَجْر، فَيَنْقُص مِنْ ثَوَاب عَمَل المُتَّخِذ، قَدْر مَا يَتَرَتب عَلَيْهِ مِنْ الإثْم بِاتِّخاذِهِ، وَهُوَ قِيرَاط، أَو قِيرَاطَانِ. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): فيما قاله العلماء فِي سبب نقصان الأجر باقتناء الكلب: قِيلَ: إن سَبَب النُّقْصَان امتِنَاع المَلَائِكَة منْ دُخُول بَيته، أَو مَا يَلحَق المَارِّينَ منْ الأَذَى، أَو لِأَنَّ بَعضهَا شَيَاطِين، أو عُقُوبَة لِمُخَالَفَةِ النَّهْي، أَو لِوُلُوغِهَا فِي الأَوَاني عِنْد غَفْلَة صَاحِبهَا، فَرُبَّمَا يَتَنَجَّس الطَّاهِر مِنهَا، فَإِذَا اسْتُعمِلَ فِي الْعِبَادَة، لَمْ يَقَعْ مَوْقِع الطَّاهِر. وَقَالَ ابن التِّين: المُرَاد أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَتَّخِذهُ، لَكَانَ عَمَله كَامِلاً، فَإِذَا اقتَنَاهُ نَقَص مِنْ ذَلِكَ الْعَمَل، وَلَا يَجُوز أن يَنْقُص مِنْ عَمَل مَضَى، وَإنَّمَا أَرَادَ أَنَّهُ لَيْسَ عَمَله فِي الكَمَال عَمَل مَنْ لَمْ يَتَّخِذهُ. انتهى. وتعقّبه الحافظ: فَقَالَ: وَمَا ادَّعَاهُ منْ عَدَم الْجَوَاز مُنَازَع فِيهِ، فَقَدْ حَكَى الرُّوَيانِيُّ فِي "الْبَحْر" اخْتِلَافًا فِي الأجْر، هَلْ يَنْقُص مِنْ العَمَل الْمَاضِي، أَو المُسْتَقْبَل، وَفِي مُحَصَّل نُقْصَان القِيرَاطَينِ، فَقِيل: مِنْ عَمَل النَّهَار قِيرَاط، وَمِنْ عَمَل اللَّيْل آخَر. وَقِيلَ: منْ الْفَرْض قِيرَاط، وَمِنْ النَّفْل آخَر، وَفِي سَبَب النُّقْصَان، يَعْنِي كَمَا تَقَدَّمَ. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

стр. 16162

(المسألة الخامسة): فِي اختلاف العلماء فِي الجمع بين روايتي قيراط، وقيراطين: اخْتَلَفُوا فِي اخْتِلَاف الرِّوَايَتَينِ، فِي الْقِيراطَيْن والْقِيراط، فَقِيلَ: الحُكْم الزَّائِد؛ لِكَونِهِ حَفِظَ مَا لَمْ يَحفَظهُ الآخَر، أَو أَنَّهُ ﷺ أَخبَرَ أوَّلًا بِنَقصِ قِيرَاط وَاحِد، فَسَمِعَهُ الرَّاوِي الأَوَّل، ثُمَّ أَخبَرَ ثَانِيًا بِنَقصِ قِيرَاطَينِ، فِي التأكِيد فِي التنفِير منْ ذَلِكَ، فَسَمِعَهُ اِلرَّاوِي الثَّانِي. وَقِيلَ: يَنْزِل عَلَى حَالَيْنِ: فَنُقْصَان الْقِيراطَيْن باعْتِبَارِ كَثرَة الأضْرَار بِاتِّخاذِهَا، وَنَقْص الْقِيرَاط بِاعْتِبَارِ قِلَّته. وَقِيلَ: يَخْتَصّ نَقْص الْقِيراطَيْن بِمَنْ اتَّخَذَهَا بِالمَدِينَةِ الشَّرِيفَة خَاصَّة، والْقِيرَاط بِمَا عَدَاهَا. وَقِيلَ: يَلْتَحِق بالْمَدِينَةِ فِي ذَلِكَ سَائِر الْمُدُن وَالْقُرَى، وَيَخْتَصّ الْقِيرَاط بأهْل البَوَادِي، وَهُوَ يَلْتَفِت إِلىَ مَعْنَى كَثْرَة التَّأَذِّي وَقِلَّته. وَكَذَا مَنْ قَالَ: يَحتَمِل أَنْ يَكُون فِي نَوعَينِ منْ الْكِلَاب: فَفِيمَا لَابسه آدَمِيّ قِيرَاطَانِ، وَفِيمَا دُونه قِيرَاط. وَجَوَّزَ ابن عَبْد البَرّ أنْ يَكون الْقِيرَاط الَّذِي يَنْقُص أَجْر إِحْسَانه إِلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ جُمْلَة ذَوَات الأَكْبَاد الرَّطبَة، أَو الحَرَّى، وَلَا يَخْفَى بُعْده. والله تعالى أعلم بالصواب. [تنبيه]: اخْتُلِفَ فِي الْقِيْرَاطَين المَذْكُورَينِ هُنَا، هَلْ هُمَا كَالْقِيرَاطَينِ المَذْكُورَينِ فِي الصَّلَاة عَلَى الجِنَازَة، وَاتِّبَاعهَا؟: فَقِيلَ: بِالتَّسْوِيَةِ. وَقِيلَ: اللَّذَان فِي الجِنَازَة منْ بَاب الفَضْل، وَاللَّذَانِ هُنَا مِنْ بَاب الْعُقُوبَة، وَبَاب الْفَضْل أَوْسَع مِنْ غَيرْه. قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن القول الثاني هو الأشبه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح، ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ١١ - (امْتِنَاعِ الْمَلَائِكَةِ مِنْ دُخُولِ بَيْتٍ فِيهِ كَلْبٌ) ٤٢٨٣ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا (١) شُعْبَةُ عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُدْرِكٍ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُجَيٍّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: "الْمَلَائِكَةُ لَا تَدْخُلُ بَيْتًا فِيهِ صُورَةٌ، وَلَا كَلْبٌ، وَلَا جُنُبٌ").

стр. 16163

قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: هَذَا الحديث تقدّم للمصنف فِي "الطهارة" -١٦٨/ ٢٦١ - "باب الجنب إذا لم يتوضّأ". ومضى شرحه، وبيان مسائله هناك، فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق. و"محمد": هو ابن جعفر، غندر. و"يحيى بن سعيد": هو القطّان. و"علي بن مُدرك": هو النخعيّ الكوفيّ، ثقة [٤] ٨٢/ ٢٤١٥. و"أبو زرعة": هو هَرِم بن عمرو ابن جرير بن عبد الله البجليّ، الكوفيّ، ثقة [٣] ٣٤/ ٥٠. و"عبد الله بن نُجيّ" -بضم النون، مصغّراً-: الحضرميّ الكوفيّ، صدوقٌ [٣] ١٦٧/ ٢٦١. و"نُجيّ": هو الحضرميّ الكوفيّ، مقبول [٣] ١٦٨/ ٢٦١. والمراد منْ الجنب الجنب الذي لا يتوضّأ، كما بينه المصنّف فِي ترجمته المذكورة آنفًا، حيث قَالَ: "باب فِي الجنب إذا لم يتوضّأ"، أو المراد المتهاون الذي يكون أكثر أوقاته جنبًا؛ لقلّة مبالاته، وخفّة دينه، هَذَا كلّه عَلَى تقدير صحة الحديث بزيادة "ولا جنبٌ"، والحديث لا يصحّ بزيادتها، لتفرد نُجيّ بها، وهو لا يُقبل إذا تفرّد. والله تعالى أعلم. والحاصل أن الحديث بزيادة "ولا جنب" غير صحيح. والله تعالى أعلم. [تنبيه]: إنما قيّدته بهذه الزيادة؛ لأن الحديث بدونها متّفقٌ عليه، كما سيأتي بيانه فِي حديث أبي طلحة رضي الله تعالى عنه التالي لهذا الحديث، إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٢٨٤ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، وَإِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ أَبِي طَلْحَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا تَدْخُلُ الْمَلَائِكَةُ بَيْتًا، فِيهِ كَلْبٌ، وَلَا صُورَةٌ"). رجال هَذَا الإسناد: سبعة: ١ - (قتيبة) بن سعيد المذكور قبل باب. ٢ - (إسحاق بن منصور) بن بَهْرام الْكَوْسج، أبو يعقوب التميميّ المروزي، ثقة ثبت [١١] ٧٢/ ٨٨. ٣ - (سفيان) بن عيينة الإِمام الحجة الثبت المكيّ [٨] ١/ ١. ٤ - (الزهريّ) محمد بن مسلم المذكور قبل باب. ٥ - (عبيد الله بن عبد الله) بن عُتْبة بن مسعود المدنيّ الثقة الثبت الفقيه [٣] ٤٥/ ٥٦. ٦ - (ابن عباس) رضي الله تعالى عنهما ٢٧/ ٣١. ٧ - (أَبو طَلْحَةَ) زيد بن سهل بن الأسود بن حَرَام الأنصاريّ النّجّاريّ، مشهور

стр. 16164

بكنيته، منْ كبار الصحابة، شهد بدرًا، وما بعدها، وهو زوج أم سليم، والدة أنس رضي الله تعالى عنهم، مات سنة (٣٤)، وقيل: عاش بعد النبيّ صلّى الله تعالى عليه وسلم أربعين سنة، تقدّمت ترجمته فِي ١٢٢/ ١٧٧. والله تعالى أعلم. لطائف هَذَا الإسناد: منها: أنه منْ سداسيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين منْ الزهريّ. (ومنها): أن فيه رواية صحابيّ، عن صحابيّ، وتابعيّ، عن تابعيّ. (ومنها): أن فيه ابن عباس رضي الله تعالى عنهما منْ العبادلة الأربعة، ومن المكثرين السبعة، وفيه عبيد الله بن عبد الله منْ الفقهاء السبعة. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ أَبِي طَلْحَةَ) زيد بن سهل رضي الله تعالى عنه، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَا تَدْخُلُ الْمَلَائِكَةُ) ظاهره العموم. وقيل: يُستثنى منْ ذلك الحفظة، فإنهم لا يفارقون الشخص فِي كلّ حالة، وبذلك جزم ابن وضّاح، والخطّابيّ، وآخرون، لكن قَالَ القرطبيّ: كذا قَالَ بعض علمائنا، والظاهر العموم، والمخصّص -يعني الدالّ عَلَى كون الحفظة لا يمتنعون منْ الدخول- ليس نصّا. قَالَ الحافظ: ويؤيّده أنه ليس منْ الجائز أن يُطلعهم الله تعالى عَلَى عمل العبد، ويُسمعهم قوله، وهم بباب الدار التي هو فيها مثلاً، ويقابل القول بالتعميم القولُ بتخصيص الملائكة بملائكة الوحي، وهو قول منْ ادّعى أن ذلك كَانَ منْ خصائص النبيّ صلّى الله تعالى عليه وسلم، كما سيأتي قريبًا، وهو قولٌ شاذّ (بَيْتًا، فِيهِ كَلْبٌ) المراد بالبيت المكان الذي يستقرّ فيه الشخص، سواء كَانَ بناء، أو خيمةً، أم غير ذلك، والظاهر العموم فِي كلّ كلب؛ لأنه نكرة فِي سياق النفي. وذهب الخطّابيّ، وطائفة إِلَى اسْتِثْنَاء الْكِلَاب الَّتِي أُذِنَ فِي اتِّخاذهَا، وَهِيَ كِلَاب الصَّيْد، وَالمَاشِيَة، وَالزَّرْع، وَجَنَحَ القُرطُبِيّ إِلَى تَرجِيح العُمُوم، وَكَذَا قَالَ النَّوَوِيّ، وَاستَدَلَّ لِذَلِكَ بِقِصَّةِ الْجَرْو الَّتِي ستَأْتِي فِي الحديث التالي، قَالَ: فَامْتَنَع جِبْرِيل ﵇ مِنْ دُخُول البَيْت، الَّذِي كَانَ فِيهِ، مَعَ ظُهُور الْعُذْر فِيهِ، قَالَ: فَلَوْ كَانَ الْعُذْر لا يَمْنَعهُمْ مِنْ الدُّخُول، لَمْ يَمْتَنع جِبرِيل ﵇ منْ الدُّخُول. انتهى. قَالَ: الحافظ: وَيَحْتَمِل أَن يُقَال: لا يَلْزَم منْ التَّسْوِيَة، بَين مَا عُلِمَ بِهِ، أَوْ لَمْ يُعلَم فِيمَا لَمْ يُؤْمَر بِاتِّخاذِهِ، أنْ يَكُون الحُكْم كَذَلِكَ، فِيمَا أُذِنَ فِي اتِّخَاذه. انتهى.

стр. 16165

قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: هَذَا الاحتمال الذي أبداه الحافظ هو الذي يظهر لي، وحاصله أن الكلاب التي أذن فِي اقتنائها لا تدخل فِي حكم منع دخول الملائكة، ويؤيد ذلك أن منْ اقتناها لا يدخل فِي نقص القيراط، أو القيراطين، حيث استثناه الشارع منْ ذلك، فكذا هنا فيما يظهر. والله تعالى أعلم. (وَلَا صُورَةٌ) بِالإفْرَادِ، وَكَذَا هو فِي مُعظَم الرِّوَايَات، كما قاله الحافظ، وفي رواية البخاريّ: "وَلَا تَصَاوِير" بالجمع. وَفَائِدَة إِعَادَة حَرْف النَّفْي، الاحْتِرَاز منْ تَوَهُّم الْقَصْر فِي عَدَم الدُّخُول، عَلَى اجْتِمَاع الصِّنْفَيْنِ، فَلَا يَمْتَنِع الدُّخُول مَعَ وُجُود أَحَدهمَا، فَلَمَّا أُعِيدَ حَرْف النَّفْي، صَارَ التَّقْدِير: وَلَا تَدخُل بَيْتًا فِيهِ صُورَة. قَالَ أبو العبَّاس القرطبيّ رحمه الله تعالى: إنما لم تدخل الملائكة البيت الذي فيه الصورة؛ لأن متّخذها قد تشبّه بالكفّار؛ لأنهم يتّخذون الصور فِي بيوتهم، ويُعظّمونها، فكَرِهَت الملائكة ذلك، فلم تدخل بيته؛ هَجْرًا له؛ لذلك. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): فِي درجته: حديث أبي طلحة رضي الله تعالى عنه هَذَا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -١١/ ٤٢٨٤ وفي "كتاب الزينة" -١١١/ ٥٣٤٩ و٥٣٥٠ و٥٣٥١ و٥٣٥٢ - وفي "الكبرى" ١٢/ ٤٧٩٢ و"كتاب الزينة" -١٠٨/ ٩٧٦٣ و٩٧٦٤ و٩٧٦٥ و٩٧٦٦ و٩٧٦٧ و٩٧٦٨ و٩٧٧٠. وأخرجه (خ) فِي "بدء الخلق" ٣٢٢٦ و٣٣٢٢ و"المغازي" ٤٠٠٢ و"اللباس" ٥٩٤٩ و٥٩٥٨ (م) فِي "اللباس" ٣٩٢٩ و٣٩٣٠ و٣٩٣١ و٣٩٣٢ و٣٩٣٣ (د) فِي "اللباس" ٤١٥٣ و٤١٥٥ (ت) فِي "الأدب" ١٨٠٤ (ق) فِي "اللباس" ٣٦٤٩ (أحمد) فِي "أول مسند المدنيين" ١٥٩١٠ و ١٥٩١٨ و ١٥٩٣٤ (الموطأ) فِي "الجامع" ١٨٠٢. والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): فِي اختلاف أهل العلم فِي الْمَعْنَى الَّذِي فِي الْكَلْب، حَتَّى مَنَعَ الْمَلَائِكَة منْ دُخُول الْبَيْت، الَّذِي هُوَ فِيهِ: فَقِيلَ: لِكَوْنَها نَجِسَة العَيْن، وَيَتَأَيَّد ذَلِكَ بمَا وَرَدَ فِي بَعْض طُرُق الْحَديث، عَن عَائِشَة عِند مُسْلِم: "فَأمَرَ بِنَضْحِ مَوضِع الْكَلْب". وتعقب القرطبيّ هَذَا، فَقَالَ: هَذَا ليس بواضح، وإنما هو تقدير احتمال، يعارضه

стр. 16166

احتمالات أُخر: [أحدها]: أنها منْ الشياطين، كما جاء فِي بعض الأحاديث. [وثانيها]: استخباث روائحها، واستقذارها. [وثالثها]: النجاسة التي تتعلّق بها، فإنها تأكلها، وتتلطّخ بها، فتكون نجسةً بما يتعلق بها، لا لأعيانها، والمخالف يقول: هي نجسة الأعيان، وعلى ما قلناه يصحّ أن يقال: إنه صلّى الله تعالى عليه وسلم شكّ فِي طهارة موضعه؛ لإمكان أن يكون أصابه منْ النجاسة اللازمة لها غالبًا شيء، فنضحه؛ لأن النضح طهارة للمشكوك فيه، فلو تحقّق إصابة النجاسة الموضعَ لغسله، كما فعل ببول الأعرابيّ، ولو كَانَ الكلب نجسًا لعينه، لا لِمَا يتعلّق به، لما احتاج إلى غسله، كما لا يحتاج إلى غسل الموضع، أو الثوب الذي يكون عليه عظم ميتة، أو نجاسة، لا رطوبة فيها، وعلى هَذَا، فهذا الاحتمال أولى أن يُعتبر، فإن لم يكن أولى، فالاحتمالات متعارضة، والدَّسْتُ (١) قائمٌ، ولا نصّ حاكم. انتهى كلام القرطبيّ (٢). قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: الأرجح عندي أن امتناع الملائكة منْ الدخول فِي البيت الذي فيه الكلب، أمر غير معقول المعنى لنا، كما أسلفته فِي "كتاب الطهارة" برقم ١٦٨/ ٢٦١. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): فِي اختلاف أهل العلم فِي الْمُرَاد بِالمَلَائِكَةِ: قِيلَ: هُوَ عَلَى العُمُوم، وَأَيَّدَهُ النَّوَويّ بِقِصَّةِ جِبْرِيل الآتِي ذِكْرهَا، وقِيلَ: يُسْتَثنَى الْحَفَظَة، وَأَجَابَ الأوَّل بِجَوَازِ أنْ لَا يَدْخُلُوا، مَعَ اسْتِمْرَار الكِتابَة، بِأَن يَكُونُوا عَلَى بَاب الْبَيْت. وَقِيلَ: المُرَاد مَنْ نَزَلَ مِنْهُم بِالرَّحْمَةِ. وَقِيلَ: مَن نَزَلَ بِالْوَحْي خَاصَّة، كَجِبْرِيل، وَهَذَا نُقِلَ عَن ابن وَضَّاح، وَالدَّاوُدِيّ وَغَيْرهمَا، وَيَلْزَم مِنْهُ اخْتِصَاص النَّهْي، بِعَهْدِ النَّبِيّ ﷺ ؛ لِأَنَّ الْوَحْي انْقَطَعَ بَعْده، وَبِانْقِطَاعِهِ انْقَطَعَ نُزُولهمْ. وَقِيلَ: التَّخْصِيص فِي الصِّفَة، أَيْ لَا يَدْخُلهُ المَلَائِكَة دُخُولهمْ بَيْت مَن لَا كَلْب فِيهِ. قاله فِي "الفتح". قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن القول بالعموم هو الأظهر؛ عملًا بعموم النصوص، منْ غير مخصّص لها. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): فِي الصور التي تمنع دخول الملائكة: قَالَ الْخَطَّابِيُّ رحمه الله تعالى: الصُّورَة الَّتِي لا تَدْخُل الْمَلائِكَة الْبَيت الَّذِي هِيَ فِيهِ، مَا يَحْرُم اقْتِنَاؤُهُ، وَهُوَ مَا يَكُون منْ الصُّوَر الَّتِي فِيهَا الرُّوح، مِمَّا لَمْ يُقطَع رَأْسه، أَوْ لَمْ

стр. 16167

يُمْتَهَن. ويؤيّده حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه الذي أخرجه أصحاب "السنن"، وصححه الترمذيّ، وابن حبّان، وهو أتمّ سياقًا منه، ولفظه: "أتاني جبريل، فَقَالَ: أتيتك البارحة، فلم يمنعنىِ أن أكون دخلت، إلا أنه كَانَ عَلَى الباب تماثيل، وكان فِي البيت قِرَامُ سِتْرٍ، فيه تماثيلُ، وكان فِي البيت كلبٌ، فمُرّ برأس التمثال الذي عَلَى باب البيت، يُقطَع، فيصير كهيئة الشجرة، ومُر بالستر، فليُقطع، فليُجعل منه وسادتان، منبوذتان، توطآن، ومُرْ بالكلب، فليُخرج، ففعل رسول الله صلّى الله تعالى عليه وسلم"، وفي رواية النسائيّ الآتية فِي "الزينة": ١١٤/ ٥٣٦٧ - "فإما أن تُقطع رؤوسها، أو تجعل بساطًا يوطأ"، ففي هَذَا الحديث ترجيح لما قاله الخطّابيّ. وحاصله أن الصور التي تمتنع الملائكة منْ دخول المكان الذي هي فيه، هي ما إذا كانت باقية عَلَى هيئتها، مرتفعة، غير ممتهنة، فأما لو كانت ممتهنة، لكنها غيِّرت منْ هيئتها، إما بقطعها منْ نصفها، أو بقطع رأسها، فلا امتناع. وَقَالَ القرطبيّ رحمه الله تعالى: ظاهر حديث زيد بن خالد، عن أبي طلحة (١) رضي الله تعالى عنهما أن الملائكة لا تمتنع منْ دخول البيت الذي فيه صورة، إن كَانَ رقمًا فِي الثوب، وظاهر حديث عائشة رضي الله تعالى عنها (٢) المنع، وُيجمع بينهما بأن يُحمَل حديث عائشة عَلَى الكراهة، وحديث أبي طلحة عَلَى مطلق الجواز، وهو لا ينافي الكراهة. قَالَ الحافظ رحمه الله تعالى: وهو جمعٌ حسنٌ، لكن الجمع الذي دلّ عليه حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أولى منه. والله تعالى أعلم. انتهى (٣). قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: يعني أن الأولى حمل حديث أبي طلحة رضي الله

стр. 16168

تعالى عنه عَلَى ما إذا كانت الصورة مغيّرة، أو ممتهنةً، وحمل حديث عائشة رضي الله تعالى عنه عَلَى ما إذا بقيت بهيئتها، وهذا أولى، كما قَالَ. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة السادسة): أَغْرَبَ ابن حِبَّان، فَادَّعَى أنَّ هَذَا الْحُكْم خَاصّ بالنَّبِىِّ ﷺ ، قَالَ: وَهُوَ نَظِير الْحَديث الآخَر: "لَا تَصْحَب الْمَلَائِكَة رُفْقَة، فِيهَا جَرَس"، قَالَ: فَإنَّه مَحمُول عَلَى رُفْقَة، فِيهَا رَسُول الله ﷺ ، إِذْ مُحَال أَنْ يَخْرُج الْحَاجّ، وَالمُعتَمِر لِقَصْدِ بَيت الله ، عَلَى رَوَاحِل، لا تَصْحَبهَا المَلَائِكَة، وَهُمْ وَفْد الله. انْتَهَى. قَالَ الحافظ: وَهُوَ تَأوِيل بَعِيد جِدًّا، لَمْ أَرَهُ لِغَيرِهِ، وَيُزيل شُبْهَته، أَنَّ كَونهم وَفْد الله، لا يَمْنَع أَنْ يُؤَاخَذُوا، بِمَا يَرتَكِبُونَهُ منْ خَطِيئَة، فَيَجُوز أنْ يُحْرَمُوا بَرَكَة المَلَائِكَة، بَعد مُخَالَطَتهم لَهُمْ، إِذَا ارتَكَبُوا النَّهْي، وَاسْتَصْحَبُوا الْجَرَس، وَكَذَا الْقَوْل فِيمَنْ يَقْتَنِي الصُّورَة، وَالْكَلْب. وَالله أَعلَم. انتهى. قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: ما تعقب به الحافظ قول ابن حبّان المذكور تعقّب حسنٌ جدًّا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة السابعة): اسْتُشكِلَ كَوْنُ المَلَائِكَة، لَا تَدخُل المَكَان الَّذِي فِيهِ التَّصَاوِير، معَ قَوله ، عِنْد ذِكر سُلَيمَان ﵇: ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ﴾ الآية [سبأ: ١٣]، وَقَدْ قَالَ مُجَاهِد: كَانَت صُوَرًا منْ نُحَاس، أَخرَجَهُ الطَّبَرِيُّ. وَقَال قَتَادَة: كَانَتْ مِنْ خَشَب، وَمِنْ زُجَاج، أَخرَجَهُ عَبد الرَّزَّاق. [وَالْجَوَاب]: أنَّ ذَلِكَ كَانَ جَائِزًا فِي تِلْكَ الشَّرِيعَة، وَكَانُوا يَعْمَلُونَ أَشْكَال الأَنْبيَاء، وَالصَّالحِينَ مِنْهُمْ، عَلَى هَيْئَتهمْ فِي العِبَادَة؛ لِيَتَعَبَّدُوا كَعِبَادَتِهم، وَقَدْ قَالَ أَبُو العَالِيَةَ: لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ فِي شَرِيعَتهمْ حَرَامًا، ثمَّ جَاءَ شَرْعُنَا بِالنَّهي عَنْهُ. قَالَ الحافظ: وَيَحْتَمِل أَنْ يُقَال: إِنَّ التَّمَاثِيل كَانَتْ عَلَى صُورَة النُّقُوش لِغَيْرِ ذَوَات الأَرْوَاح، وَإذَا كَانَ اللَّفْظ مُحْتَمَلا، لَمْ يَتَعَيَّن الْحَمْل عَلَى الْمَعْنَى المُشْكِل. وَقَد ثَبَتَ فِي "الصَّحِيحَينِ" حَدِيث عَائِشَة رضي الله تعالى عنها، فِي قِصة الْكَنِيسَة الَّتِي كَانَت بأَرْضِ الحَبَشَة، وَمَا فِيهَا منْ التَّصَاوِير، وَأَنَّهُ ﷺ قَالَ: "كَانُوا إِذَا مَاتَ فِيهِمْ الرَّجُل الصَّالِحَ، بَنوْا عَلَى قَبْره مَسْجدًا، وَصَوَّرُوا فِيهِ تِلْكَ الصُّورَة، أُولَئِكِ شِرَار الْخَلْق عِنْد الله"، فَإِنَّ ذَلِكَ يُشْعِر، بأَنَّهُ لو كَانَ ذَلِكَ جَائِزًا فِي ذَلِكَ الشَّرْع، مَا أَطلَقَ عَلَيهِ ﷺ ، أَنَّ الَّذِي فَعَلَهُ شَرّ الْخَلْق، فَدَلَّ عَلَى أنَّ فِعْل صُوَر الْحَيَوَان فِعْل مُحْدَث، أَحْدَثَهُ عُبَّاد الصُّوَر. وَالله أَعلَم. قاله فِي "الفتح" (١).

стр. 16169

قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن الاحتمال الثاني هو الحقّ؛ لحديث عائشة رضي الله تعالى عنها المذكور، فتُحمَلُ التماثيل التي فِي قصّة سليمان ﵇ عَلَى غير صوَر ذوات الأرواح، فتأمّل. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٢٨٥ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خَالِدِ بْنِ خَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ السَّبَّاقِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: أَخْبَرَتْنِي مَيْمُونَةُ، زَوْجُ النَّبِيِّ ﷺ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، أَصْبَحَ يَوْمًا وَاجِمًا، فَقَالَتْ لَهُ مَيْمُونَةُ: أَيْ رَسُولَ اللَّهِ، لَقَدِ اسْتَنْكَرْتُ هَيْئَتَكَ، مُنْذُ الْيَوْمَ؟، فَقَالَ: "إِنَّ جِبْرِيلَ ﵇، كَانَ وَعَدَنِي أَنْ يَلْقَانِي اللَّيْلَةَ، فَلَمْ يَلْقَنِي، أَمَا وَاللَّهِ، مَا أَخْلَفَنِي"، قَالَ: فَظَلَّ يَوْمَهُ كَذَلِكَ، ثُمَّ وَقَعَ فِي نَفْسِهِ جَرْوُ كَلْبٍ، تَحْتَ نَضَدٍ لَنَا، فَأَمَرَ بِهِ، فَأُخْرِجَ، ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِهِ مَاءً، فَنَضَحَ بِهِ مَكَانَهُ، فَلَمَّا أَمْسَى، لَقِيَهُ جِبْرِيلُ ﵇، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "قَدْ كُنْتَ وَعَدْتَنِي، أَنْ تَلْقَانِي الْبَارِحَةَ"، قَالَ: أَجَلْ، وَلَكِنَّا لَا نَدْخُلُ بَيْتًا فِيهِ كَلْبٌ، وَلَا صُورَةٌ، قَالَ: فَأَصْبَحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، مِنْ ذَلِكَ الْيَوْمِ، فَأَمَرَ بِقَتْلِ الْكِلَابِ). رجال هَذَا الإسناد: سبعة: ١ - (محمد بن خالد بن خَلِيّ) -بوزن عليّ-: هو الْكلاعيّ، أبو الحسين الحمصيّ، صدوقٌ [١١] ٧/ ١٤٦٦ منْ أفراد المصنّف. ٢ - (بشر بن شعيب) أبو القاسم الحمصيّ، ثقة، منْ كبار [١٠] ٧/ ١٤٦٦. ٣ - (أبوه) شعيب بن أبي حمزة/ دينار، أبو بشر الحمصيّ، ثقة عابد، قَالَ ابن معين: منْ أثبت النَّاس فِي الزهريّ [٧] ٦٩/ ٨٥. والباقون تقدّموا قبل باب. والله تعالى أعلم. لطائف هَذَا الإسناد: منها: أنه منْ سباعيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه. (ومنها): أنه مسلسل بالحمصيين إلى الزهريّ، ومنه مدنيون. (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وصحابي، عن صحابية. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) رضي الله تعالى عنهما، أنه (قَالَ: أَخْبَرَتْنِي مَيْمُونَةُ) بنت الحارث، أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها (زَوْجُ النَّبِيِّ ﷺ ) بالرفع بدل منْ "ميمونة"، أو عطف بيان له (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، أَصْبَحَ يَوْمًا وَاجِمًا) هو بالجيم، قَالَ أهل اللغة: هو الساكت

стр. 16170

الذي يظهر عليه الهمّ، والكآبة. وقيل: هو الحزِين، يقال: وَجَمَ منْ الأمر يَجِم، كوعد يَعِدُ وُجُومًا: أمسك عنه، وهو كاره (١). (فَقَالَتْ لَهُ مَيْمُونَةُ) رضي الله تعالى عنها (أَيْ) حرف نداء، واختُلف فيها، هل هي للأوسط، أم للقريب، أم للبعيد، كما قاله فِي "الكوكب الساطع": "أَيْ" لِنِدَا الأَوْسَطِ فِي الشَّهِيرِ … لَا القُرْبِ وَالْبُعْدِ وَللِتَّفْسِيرِ (رَسُولَ اللهِ) بالنصب عَلَى النداء (لَقَدِ اسْتَنْكَرْتُ هَيْئَتَكَ) أي أنكرت صفتك التي كنت أعرفك بها، منْ الانبساط، والانشراح (مُنْذُ الْيَوَمِ؟) بالجرّ، فـ"منذ" حرف جرّ بمعنى "فِي"، و"أل" فِي "اليوم" للحضور، أي فِي هَذَا اليوم، و"منذ"، ومثلها "مذ" إذا كَانَ مجرورهما حاضرًا كانتا بمعنى "فِي"، نحو ما رأيته منذ، أو مذ يومِنا، وإذا كَانَ ماضياً كانتا بمعنى "منْ"، نحو ما رأيته منذُ، أو مذ يوم الجمعة، وإلى هَذَا أشار ابن مالك رحمه الله تعالى فِي "الخلاصة" بقوله: وَإِنْ يَجُرَّا فِي الْمُضِيِّ فَكَـ"مِنْ" … هُمَا وَفِي الْحُضُورِ مَعنَى "فِي" اسْتَبِنْ (فَقَالَ) صلّى الله تعالى عليه وسلم (إِنَّ جِبْرِيلَ ﵇، كَانَ وَعَدَنِي أَنْ يَلْقَانِي اللَّيْلَةَ) منصوب عَلَى الظرفية (فَلَمْ يَلْقَنِي، أَمَا) أداة استفتاح، وتنبيه، بمعنى "ألا" (وَاللَّهِ، مَا أَخْلَفَنِي) يقال: أخلف فلان وعده: إذا قَالَ، ولم يفعل، والمعنى: أنه ما أخلفني قبل هَذَا قط، أو ليس هَذَا منه إخلاف وعد، بل لابدّ أن وعده كَانَ مقيّدًا بأمر، قد فُقد ذلك الأمر، وإلا فلا يُتصوّر منه إخلاف فِي الوعد. أفاده السنديّ (قَالَ) هكذا وقع فِي جميع النسخ، وفي "الكبرى"، وكذلك فِي "صحيح مسلم"، والظاهر أن الضمير لميمونة رضي الله تعالى عنها، وإنما ذكّره بتأويلها بالراوي، ويحتمل أن يكون الضمير لابن عبّاس، أي قَالَ ابن عباس راويا عن ميمونة. والله تعالى أعلم (فَظَلَّ يَوْمَهُ كَذَلِكَ، ثُمَّ وَقَعَ فِي نَفْسِهِ جَرْوُ كَلْبٍ) بكسر الجيم، ولد الكلب، والسباع، والفتح، والضمّ لغة، قَالَ ابن السّكّيت: والكسر أفصح، وَقَالَ فِي "البارع": الجرو الصغير منْ كلّ شيء، والجروة أيضاً الصغيرة منْ القِثّاء، شُبّهت بصغار أولاد الكلاب؛ للينها، ونعومتها، والجمع جِرَاءٌ، مثلُ كِتاب، وأجرٍ، مثلُ أفلسٍ. قاله الفيّوميّ (تَحْتَ نَضَدٍ لَنَا) بفتحتين: السرير الذي يُنضّد عليه الثياب: أي يُجعل بعضها فوق بعض. وَقَالَ الفيّوميّ: نضدته نَضْدًا، منْ باب ضرب: جعلت بعضه عَلَى بعض، والنضد -بفتحين-: المنضود، والنضيدُ فعيلٌ بمعنى مفعول، وسُمّي السرير نَضَدًا؛ لأن النضَدَ غالبًا يُجعل عليه.

стр. 16171

انتهى. وفي رواية مسلم: "تحت فُسطاط لنا": قَالَ النوويّ: الفسطاط فيه ستّ لغات: فسطاط، وفستاطٌ، بالتاء، وفسّاطٌ، بتشديد السين، وضمّ الفاء فيهنّ، وتُكسر، وهو نحو الخباء. قَالَ القاضي: والمراد به هنا بعض حجال البيت، بدليل قولها فِي الحديث الآخر: "تحت سرير عائشة"، وأصل الفسطاط: عمود الأخبية التي يُقام عليها. والله أعلم. انتهى (١). (فَأَمَرَ) صلّى الله تعالى عليه وسلم (بِهِ) أي بإخراج ذلك الجرو (فَأُخْرِجَ) بالبناء للمفعول (ثُمَّ أَخَذَ) بالبناء للفاعل: أي أخذ النبيّ صلّى الله تعالى عليه وسلم (بِيَدِهِ مَاءً فَنَضَحَ بِهِ مَكَانَهُ) أي رشّه إزالة لرائحته الكريهة، أو نحوها، عند منْ يقول بعدم نجاسة عين الكَلب، وهو الأصحّ، أو المراد بالنضح غسله، عند منْ يقول بنجاسة عينه (فَلَمَّا أَمْسَى) أي دخل فِي وقت المساء (لَقِيَهُ جِبْرِيلُ ﵇، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "قَدْ كُنْتَ وَعَدْتَنِي، أَنْ تَلْقَانِي الْبَارِحَةَ) قَالَ المجد: هي أقرب ليلة مضت (قَالَ: أَجَلْ) بفتحتين، كنعم وزنًا ومعنًى (وَلَكِنَّا لَا نَدْخُلُ بَيْتًا فِيهِ كَلْبٌ، وَلَا صُورَةٌ) أي وكان الوعد مقيّدًا بعدم المانع، فما أخلفت الوعد (قَالَ: فَأَصْبَحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، مِنْ ذَلِكَ الْيَوْمِ، فَأَمَرَ بِقَتْلِ الْكِلَابِ) زاد فِي رواية مسلم: "حَتَّى إنه يأمر بقتل كلب الحائط الصغير، ويترك كلب الحائط الكبير". قَالَ أبو العبّاس القرطبيّ رحمه الله تعالى: قوله: "فأصبح رسول الله صلّى الله تعالى عليه وسلم الخ": كذا رواه جميع الرواة: "فأصبح"، "فأمر" مرتّبًا بفاء التسبيب، فيدلّ ذلك عَلَى أنَّ أمره بقتل الكلاب فِي ذلك اليوم، كَانَ لأجل امتناع جبريل منْ دخول بيته. ويحتمل أن يكون ذلك لمعنىً آخر غير ما ذكرناه، وهو أن ذلك إنما كَانَ لينقطعوا عما كانوا أَلِفُوه منْ الأُنس بالكلاب، والاعتناء بها، واتّخاذها فِي البيوت، والمبالغة فِي إكرامها، وإذا كَانَ كذلك كثُرت، وكثُر ضررها بالناس منْ الترويع، والجرح، وكثُر تنجيسها للديار، والأزِقّة، فامتنع جبريل منْ الدخول لأجل ذلك، ثم أخبر به النبيّ صلّى الله تعالى عليه وسلم، وأمر بقتل الكلاب، فانزجر النَّاس عن اتّخاذها، وعمّا كانوا اعتادوه منها. والله تعالى أعلم. انتهى. قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: الاحتمال الثاني بعيد، فالأظهر أن المنع إنما هو بسبب امتناع جبريل ﵇ منْ الدخول؛ كما هو ظاهر سياق الحديث. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.

стр. 16172

مسائل تتعلق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): فِي درجته: حديث ميمونة رضي الله تعالى عنها هَذَا أخرجه مسلم. (المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -١١/ ٤٢٨٥ وتقدّم فِي ٩/ ٤٢٧٨ - وفي "الكبرى" ٩/ ٤٧٨٧ و١١/ ٤٧٩٤. وأخرجه (م) فِي "اللباس" ٣٩٢٨ (د) فِي "اللباس" ٤١٥٧ (أحمد) فِي "باقي مسند الأنصار" ٢٦٢٦٠. والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): فِي فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان امتناع الملائكة منْ دخول البيت الذي فيه الكلب. (ومنها): أنه يستحبّ للإنسان إذا رأى صاحبه واجمًا أن يسأله عن سببه؛ ليساعده فيما يمكنه مساعدته، أو يتحزّن معه، أو يُذكّره بطريق يزول به ذلك العارض. (ومنها): أن فيه التنبيهَ عَلَى الوثوق بوعد الله تعالى، ورُسُله عليهم الصلاة والسلام، لكن قد يكون للشيء شرط، فيتوقّف عَلَى حصوله، أو يتخيّل توقيته بوقت، ويكون غير موقّت به، ونحو ذلك. (ومنها): أنه ينبغي للإنسان إذا تكدّر عليه وقته، أو تنكّدت وظيفته، ونحو ذلك أن يفكّر فِي سببه، كما فعل النبيّ صلّى الله تعالى عليه وسلم هنا، حَتَّى استخرج الكلب، وهو منْ نحو قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠١]. (ومنها): أن الكلاب يجوز قتلها؛ لأنها منْ السباع، لكن لَمّا كَانَ فِي بعضها منفعة، وكانت منْ النوع المتأنّس سُومح فيما لا يضرّ منها. (ومنها): أن قوله: "يأمر بقتل كلب الحائط الصغير الخ" فيه دليلٌ عَلَى جواز اتخاذ ما يُنتفع به منْ الكلاب فِي حفظ الحوائط، وغيرها، ألا ترى أن الحائط الكبير لَمّا كَانَ يحتاج إلى حفظ جوانبه ترك له كلبه، فلم يقتله، بخلاف الحائط الصغير منها، فإنه أمر بقتل كلبه؛ لأنه لا يَحتاج الحائط الصغير إلى كلب، فإنه ينحفظ منْ غير كل؛ لقرب جوانبه. قاله القرطبيّ (١). (ومنها): أنه احتجّ جماعة بقولها: "فنضح مكانه" فِي نجاسة عين الكلب، قالوا: والمراد بالنضح الغسل، وتأوله منْ لا يقول بذلك، كالمالكيّة عَلَى أنه غسله لخوف حصول بوله، أو روثه، أو لإزالة الرائحة الكريهة، وهذا هو الراجح، وَقَدْ تقدّم البحث

стр. 16173

فِي ذلك مستوفىً فِي "أبواب الطهارة". والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح، ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ١٢ - (الرُّخْصَةِ فِي إِمْسَاكِ الْكَلْبِ لِلْمَاشِيَةِ) ٤٢٨٦ - (أَخْبَرَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرِ بْنِ سُوَيْدٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ اللَّهِ -وَهُوَ ابْنُ الْمُبَارَكِ- عَنْ حَنْظَلَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ سَالِمًا، يُحَدِّثُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنِ اقْتَنَى كَلْبًا، نَقَصَ مِنْ أَجْرِهِ كُلَّ يَوْمٍ قِيرَاطَانِ، إِلاَّ ضَارِيًا، أَوْ صَاحِبَ مَاشِيَةٍ"). رجال هَذَا الإسناد: خمسة: ١ - (سويد بن نصر) الشاه، أبو الفضل المروزي ثقة [١٠] ٤٥/ ٥٥. ٢ - (عبد الله بن المبارك) المروزي الإِمام الحجة الثبت [٨] ٣٢/ ٣٦. ٣ - (حنظلة) بن أبي سفيان الجُمَحيّ المكيّ، ثقة حجّةٌ [٦] ١٢/ ١٢. ٤ - (سالم) بن عبد الله بن عمر بن الخطاب القرشي الْعَدْوَى المدنيّ، أحد الفقهاء ثقة ثبت فاضل عابد [٢٣/ ٤٩٠]. ٥ - (ابن عمر) رضي الله تعالى عنهما ١٢/ ١٢. والله تعالى أعلم. لطائف هَذَا الإسناد: منها: أنه منْ خماسيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فقد تفرد به هو، والترمذيّ. (ومنها): أن فيه أحد الفقهاء السبعة، وهو سالم، وفيه رواية الراوي عن أبيه، وفيه ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أحد العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَن ابْنِ عُمَرَ) رضي الله تعالى عنهما، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنِ اقْتَنَى كَلْبًا) أي اتخذ، يقال: اقتنى الشيء: إذا اتّخذه للادّخار. ذكره فِي "الفتح". وَقَالَ القرطبيّ: اقتنى، واتّخذ، واكتسب كلّها بمعنى واحد. وَقَالَ الفيّوميّ: قنوت الشيءَ

стр. 16174

أَقْنُوه قَنْوًا، منْ باب قتل، وقِنْوةً بالكسر: جمعتُهُ، واقتنيته: اتخذته لنفسي قِنْيةً، لا للتجارة، هكذا قيّدوه. وَقَالَ ابن السّكّيت: قَنَوتُ الغنمَ أقنوها، وقنيتها أَقنِيها: اتخذتها للقِنْية، وهو مالُ قِنْية، وقِنْوة، وقِنْيان بالكسر، والياء، وقُنْوانٍ، بالضمّ، والواو. وأقناه: أعطاه، وأرضاه. انتهى (نَقَصَ) يحتمل أن يكون مبنيًّا للفاعل، و"قيراطان" فاعله، وأن يكون مبنيًّا للمفعول، و"قيراطان" نائب فاعله، بناء عَلَى أنه جاء لازمًا، ومتعدّيًا، وتقدّم البحث عن هَذَا مستوفىً قريبًا (مِنْ أَجْرِهِ كُلَّ يَوْمٍ قِيرَاطَانِ) قَالَ النوويّ: القيراط هنا مقدار معلوم عند الله تعالى، والمراد نقص جزء منْ أجزاء عمله. وَقَالَ القرطبيّ: اختُلف فِي معنى قوله: "نقص منْ عمله كلّ يوم قيراطان"، وأقرب ما قيل فِي ذلك قولان: [أحدهما]: أن جميع ما عمله منْ عمل ينقُص لمن اتّخذ ما نُهي عنه منْ الكلاب بإزاء كل يوم يُمسكه فيه جزءان منْ أجزاء ذلك العمل. وقيل: منْ عمل ذلك اليوم الذي يمسكه فيه، وذلك لترويع الكلب للمسلمين، وتشويشه عليهم بنُباحه، ومنع الملائكة منْ دخول البيت، ولنجاسته عَلَى ما يراه الشافعيّ. [الثاني]: أن يُحبط منْ عمله كلّه عملان، أو منْ عمل يوم إمساكه عَلَى ما تقدّم، عقوبةً له عَلَى ما اقتحم منْ النهي. قَالَ: والقيراط: مَثَلٌ لمقدار اللهُ أعلم به، وان كَانَ قد جرى العرف فِي بلاد يُعرف فيها القيراط، فإنه جزء منْ أربعة وعشرين جزءًا، ولم يكن هَذَا اللفظ غالبًا عند العرب، ولذلك قَالَ صلّى الله تعالى عليه وسلم: "تُفتح عليكم أرض يُذكر فيها القيراط، فإذا فتحتموها، فاستوصوا بها خيرًا"، رواه مسلم. يعني بذلك مصر. انتهى (١). وَقَدْ تقدّم فِي حديث عبد الله بن مغفّل رضي الله تعالى عنه أنه "ينقص منْ أجره قيراط"، وكذا فِي حديث سفيان بن أبي زهير رضي الله تعالى عنه الآتي بعد هَذَا، وفي حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه الآتي بعد باب، وتقدّم وجه الجمع بين هذين الاختلافين فِي شرح حديث ابن مغفّل رضي الله تعالى عنه ١٠/ ٤٢٨٢ - فلا تغفل (إِلاَّ ضَارِيًا) قيل: هو صفة للكلب: أي إلا كلبًا معَوّداً بالصيد، يقال: ضَرِيَ الكلبُ يَضْرَى (٢)، كَشَرِيَ يَشْرَى ضَرىً، وضَرَاوَةً، وأضراه صاحبه: أي عوّده ذلك، وأغراه به، ويُجمع عَلَى ضوار. وَقَدْ ضَرِي بالصيد: إذا لَهِجَ به. قاله ابن الأثير (٣). ومنه قول عمر رضي الله تعالى عنه: إن للّحم ضراوةً كضراوة الخمر، قَالَ: جماعة: معناه: أن له عادةً يَنزع إليها، كعادة الخمر. وَقَالَ الأزهريّ: معناه: أن لأهله عادةً فِي أكله، كعادة

стр. 16175

شارب الخمر فِي ملازمته، وكما أن منْ اعتاد الخمر لا يكاد يصبر عنها كذا منْ اعتاد اللحم. وقيل: صفة للرجل الصائد، صاحب الكلاب المعتاد للصيد، فسمّاه ضاريًا، استعارةً. أفاده النوويّ (١). قَالَ الحافظ السيوطيّ رحمه الله تعالى: فعلى الأول يكون الاسثناء منْ قوله: "كلبًا"، وعلى الثاني منْ قوله: "منْ اقتنى"، ويؤيده أنه عطف عليه هنا قوله: "أو صاحب ماشية"، ويؤيّد الأول أن فِي رواية لمسلم: "إلا كلبًا ضاريًا". انتهى (٢). (أَوْ صَاحِبَ مَاشِيَةٍ") قَالَ الفيّوميّ: الماشية: المال منْ الإبل، والغنم. قاله ابن السِّكّيت، وجماعة. وبعضهم يجعل البقر منْ الماشية. انتهى. قَالَ القرطبيّ: وكلب الماشية المباح اتخاذه عند مالك هو الذي يُسرَح معها، لا الذي يحفظها فِي الدار منْ السُّرَّاق. وكلب الزرع هو الذي يَحفظه منْ الوحوش بالليل والنهار، لا منْ السُّرَّاق. وَقَدْ أجاز غير مالك اتّخاذها لسُرَّاق الماشية والزرع. انتهى. قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: ما قاله غير مالك رحمه الله تعالى منْ جواز اتّخاذها للسُّرّاق وغيره هو الراجح عندي؛ لإطلاق النّصوص، فإنه لم يخصّ نوعًا منْ الحفظ، بل أباح لحفظ هذه الأشياء مطلقًا، فتقييدها بنوع منْ الحفظ يحتاج إلى دليل. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): فِي درجته: حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما هَذَا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -١٢/ ٤٢٨٦ و١٣/ ٤٢٨٨ و٤٢٨٩ و١٤/ ٤٢٩٣ - وفي "الكبرى" ١٣/ ٤٧٩٥ و١٤/ ٤٧٩٧ و٤٧٩٨ و١٥/ ٤٨٠٢. وأخرجه (خ) فِي "الذبائح والصيد" ٥٤٨٠ و٥٤٨١ و٥٤٨٢ (م) فِي "المساقاة" ٢٩٤٠ و٢٩٤١ و٢٩٤٣ و٢٩٤٤ و٢٩٤٥ و٢٩٤٦ (ت) فِي "الأحكام" ١٤٨٧ (أحمد) فِي "مسند المكثرين" ٤٤٦٥ و٤٥٣٥ و٤٧٩٨ و٤٩٢٥ و٥٠٥٣ و٥١٤٩ و٥٢٣١ و٥٧٤١ و٥٨٨٩ و٦٣٠٦ (الموطأ) فِي "الجامع" ١٨٠٨ (الدارمي) فِي "الصيد" ٤٠٠٤. وبقيّة مسائل الحديث تقدّمت قريبًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
следующие страницы →