← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 12888

ذخيرة العقبى في شرح المجتبى

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (19 271 стр.). Показаны 16171–16210 · переход к 16176.

стр. 16171

انتهى. وفي رواية مسلم: "تحت فُسطاط لنا": قَالَ النوويّ: الفسطاط فيه ستّ لغات: فسطاط، وفستاطٌ، بالتاء، وفسّاطٌ، بتشديد السين، وضمّ الفاء فيهنّ، وتُكسر، وهو نحو الخباء. قَالَ القاضي: والمراد به هنا بعض حجال البيت، بدليل قولها فِي الحديث الآخر: "تحت سرير عائشة"، وأصل الفسطاط: عمود الأخبية التي يُقام عليها. والله أعلم. انتهى (١). (فَأَمَرَ) صلّى الله تعالى عليه وسلم (بِهِ) أي بإخراج ذلك الجرو (فَأُخْرِجَ) بالبناء للمفعول (ثُمَّ أَخَذَ) بالبناء للفاعل: أي أخذ النبيّ صلّى الله تعالى عليه وسلم (بِيَدِهِ مَاءً فَنَضَحَ بِهِ مَكَانَهُ) أي رشّه إزالة لرائحته الكريهة، أو نحوها، عند منْ يقول بعدم نجاسة عين الكَلب، وهو الأصحّ، أو المراد بالنضح غسله، عند منْ يقول بنجاسة عينه (فَلَمَّا أَمْسَى) أي دخل فِي وقت المساء (لَقِيَهُ جِبْرِيلُ ﵇، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "قَدْ كُنْتَ وَعَدْتَنِي، أَنْ تَلْقَانِي الْبَارِحَةَ) قَالَ المجد: هي أقرب ليلة مضت (قَالَ: أَجَلْ) بفتحتين، كنعم وزنًا ومعنًى (وَلَكِنَّا لَا نَدْخُلُ بَيْتًا فِيهِ كَلْبٌ، وَلَا صُورَةٌ) أي وكان الوعد مقيّدًا بعدم المانع، فما أخلفت الوعد (قَالَ: فَأَصْبَحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، مِنْ ذَلِكَ الْيَوْمِ، فَأَمَرَ بِقَتْلِ الْكِلَابِ) زاد فِي رواية مسلم: "حَتَّى إنه يأمر بقتل كلب الحائط الصغير، ويترك كلب الحائط الكبير". قَالَ أبو العبّاس القرطبيّ رحمه الله تعالى: قوله: "فأصبح رسول الله صلّى الله تعالى عليه وسلم الخ": كذا رواه جميع الرواة: "فأصبح"، "فأمر" مرتّبًا بفاء التسبيب، فيدلّ ذلك عَلَى أنَّ أمره بقتل الكلاب فِي ذلك اليوم، كَانَ لأجل امتناع جبريل منْ دخول بيته. ويحتمل أن يكون ذلك لمعنىً آخر غير ما ذكرناه، وهو أن ذلك إنما كَانَ لينقطعوا عما كانوا أَلِفُوه منْ الأُنس بالكلاب، والاعتناء بها، واتّخاذها فِي البيوت، والمبالغة فِي إكرامها، وإذا كَانَ كذلك كثُرت، وكثُر ضررها بالناس منْ الترويع، والجرح، وكثُر تنجيسها للديار، والأزِقّة، فامتنع جبريل منْ الدخول لأجل ذلك، ثم أخبر به النبيّ صلّى الله تعالى عليه وسلم، وأمر بقتل الكلاب، فانزجر النَّاس عن اتّخاذها، وعمّا كانوا اعتادوه منها. والله تعالى أعلم. انتهى. قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: الاحتمال الثاني بعيد، فالأظهر أن المنع إنما هو بسبب امتناع جبريل ﵇ منْ الدخول؛ كما هو ظاهر سياق الحديث. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.

стр. 16172

مسائل تتعلق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): فِي درجته: حديث ميمونة رضي الله تعالى عنها هَذَا أخرجه مسلم. (المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -١١/ ٤٢٨٥ وتقدّم فِي ٩/ ٤٢٧٨ - وفي "الكبرى" ٩/ ٤٧٨٧ و١١/ ٤٧٩٤. وأخرجه (م) فِي "اللباس" ٣٩٢٨ (د) فِي "اللباس" ٤١٥٧ (أحمد) فِي "باقي مسند الأنصار" ٢٦٢٦٠. والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): فِي فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان امتناع الملائكة منْ دخول البيت الذي فيه الكلب. (ومنها): أنه يستحبّ للإنسان إذا رأى صاحبه واجمًا أن يسأله عن سببه؛ ليساعده فيما يمكنه مساعدته، أو يتحزّن معه، أو يُذكّره بطريق يزول به ذلك العارض. (ومنها): أن فيه التنبيهَ عَلَى الوثوق بوعد الله تعالى، ورُسُله عليهم الصلاة والسلام، لكن قد يكون للشيء شرط، فيتوقّف عَلَى حصوله، أو يتخيّل توقيته بوقت، ويكون غير موقّت به، ونحو ذلك. (ومنها): أنه ينبغي للإنسان إذا تكدّر عليه وقته، أو تنكّدت وظيفته، ونحو ذلك أن يفكّر فِي سببه، كما فعل النبيّ صلّى الله تعالى عليه وسلم هنا، حَتَّى استخرج الكلب، وهو منْ نحو قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠١]. (ومنها): أن الكلاب يجوز قتلها؛ لأنها منْ السباع، لكن لَمّا كَانَ فِي بعضها منفعة، وكانت منْ النوع المتأنّس سُومح فيما لا يضرّ منها. (ومنها): أن قوله: "يأمر بقتل كلب الحائط الصغير الخ" فيه دليلٌ عَلَى جواز اتخاذ ما يُنتفع به منْ الكلاب فِي حفظ الحوائط، وغيرها، ألا ترى أن الحائط الكبير لَمّا كَانَ يحتاج إلى حفظ جوانبه ترك له كلبه، فلم يقتله، بخلاف الحائط الصغير منها، فإنه أمر بقتل كلبه؛ لأنه لا يَحتاج الحائط الصغير إلى كلب، فإنه ينحفظ منْ غير كل؛ لقرب جوانبه. قاله القرطبيّ (١). (ومنها): أنه احتجّ جماعة بقولها: "فنضح مكانه" فِي نجاسة عين الكلب، قالوا: والمراد بالنضح الغسل، وتأوله منْ لا يقول بذلك، كالمالكيّة عَلَى أنه غسله لخوف حصول بوله، أو روثه، أو لإزالة الرائحة الكريهة، وهذا هو الراجح، وَقَدْ تقدّم البحث

стр. 16173

فِي ذلك مستوفىً فِي "أبواب الطهارة". والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح، ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ١٢ - (الرُّخْصَةِ فِي إِمْسَاكِ الْكَلْبِ لِلْمَاشِيَةِ) ٤٢٨٦ - (أَخْبَرَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرِ بْنِ سُوَيْدٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ اللَّهِ -وَهُوَ ابْنُ الْمُبَارَكِ- عَنْ حَنْظَلَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ سَالِمًا، يُحَدِّثُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنِ اقْتَنَى كَلْبًا، نَقَصَ مِنْ أَجْرِهِ كُلَّ يَوْمٍ قِيرَاطَانِ، إِلاَّ ضَارِيًا، أَوْ صَاحِبَ مَاشِيَةٍ"). رجال هَذَا الإسناد: خمسة: ١ - (سويد بن نصر) الشاه، أبو الفضل المروزي ثقة [١٠] ٤٥/ ٥٥. ٢ - (عبد الله بن المبارك) المروزي الإِمام الحجة الثبت [٨] ٣٢/ ٣٦. ٣ - (حنظلة) بن أبي سفيان الجُمَحيّ المكيّ، ثقة حجّةٌ [٦] ١٢/ ١٢. ٤ - (سالم) بن عبد الله بن عمر بن الخطاب القرشي الْعَدْوَى المدنيّ، أحد الفقهاء ثقة ثبت فاضل عابد [٢٣/ ٤٩٠]. ٥ - (ابن عمر) رضي الله تعالى عنهما ١٢/ ١٢. والله تعالى أعلم. لطائف هَذَا الإسناد: منها: أنه منْ خماسيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فقد تفرد به هو، والترمذيّ. (ومنها): أن فيه أحد الفقهاء السبعة، وهو سالم، وفيه رواية الراوي عن أبيه، وفيه ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أحد العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَن ابْنِ عُمَرَ) رضي الله تعالى عنهما، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنِ اقْتَنَى كَلْبًا) أي اتخذ، يقال: اقتنى الشيء: إذا اتّخذه للادّخار. ذكره فِي "الفتح". وَقَالَ القرطبيّ: اقتنى، واتّخذ، واكتسب كلّها بمعنى واحد. وَقَالَ الفيّوميّ: قنوت الشيءَ

стр. 16174

أَقْنُوه قَنْوًا، منْ باب قتل، وقِنْوةً بالكسر: جمعتُهُ، واقتنيته: اتخذته لنفسي قِنْيةً، لا للتجارة، هكذا قيّدوه. وَقَالَ ابن السّكّيت: قَنَوتُ الغنمَ أقنوها، وقنيتها أَقنِيها: اتخذتها للقِنْية، وهو مالُ قِنْية، وقِنْوة، وقِنْيان بالكسر، والياء، وقُنْوانٍ، بالضمّ، والواو. وأقناه: أعطاه، وأرضاه. انتهى (نَقَصَ) يحتمل أن يكون مبنيًّا للفاعل، و"قيراطان" فاعله، وأن يكون مبنيًّا للمفعول، و"قيراطان" نائب فاعله، بناء عَلَى أنه جاء لازمًا، ومتعدّيًا، وتقدّم البحث عن هَذَا مستوفىً قريبًا (مِنْ أَجْرِهِ كُلَّ يَوْمٍ قِيرَاطَانِ) قَالَ النوويّ: القيراط هنا مقدار معلوم عند الله تعالى، والمراد نقص جزء منْ أجزاء عمله. وَقَالَ القرطبيّ: اختُلف فِي معنى قوله: "نقص منْ عمله كلّ يوم قيراطان"، وأقرب ما قيل فِي ذلك قولان: [أحدهما]: أن جميع ما عمله منْ عمل ينقُص لمن اتّخذ ما نُهي عنه منْ الكلاب بإزاء كل يوم يُمسكه فيه جزءان منْ أجزاء ذلك العمل. وقيل: منْ عمل ذلك اليوم الذي يمسكه فيه، وذلك لترويع الكلب للمسلمين، وتشويشه عليهم بنُباحه، ومنع الملائكة منْ دخول البيت، ولنجاسته عَلَى ما يراه الشافعيّ. [الثاني]: أن يُحبط منْ عمله كلّه عملان، أو منْ عمل يوم إمساكه عَلَى ما تقدّم، عقوبةً له عَلَى ما اقتحم منْ النهي. قَالَ: والقيراط: مَثَلٌ لمقدار اللهُ أعلم به، وان كَانَ قد جرى العرف فِي بلاد يُعرف فيها القيراط، فإنه جزء منْ أربعة وعشرين جزءًا، ولم يكن هَذَا اللفظ غالبًا عند العرب، ولذلك قَالَ صلّى الله تعالى عليه وسلم: "تُفتح عليكم أرض يُذكر فيها القيراط، فإذا فتحتموها، فاستوصوا بها خيرًا"، رواه مسلم. يعني بذلك مصر. انتهى (١). وَقَدْ تقدّم فِي حديث عبد الله بن مغفّل رضي الله تعالى عنه أنه "ينقص منْ أجره قيراط"، وكذا فِي حديث سفيان بن أبي زهير رضي الله تعالى عنه الآتي بعد هَذَا، وفي حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه الآتي بعد باب، وتقدّم وجه الجمع بين هذين الاختلافين فِي شرح حديث ابن مغفّل رضي الله تعالى عنه ١٠/ ٤٢٨٢ - فلا تغفل (إِلاَّ ضَارِيًا) قيل: هو صفة للكلب: أي إلا كلبًا معَوّداً بالصيد، يقال: ضَرِيَ الكلبُ يَضْرَى (٢)، كَشَرِيَ يَشْرَى ضَرىً، وضَرَاوَةً، وأضراه صاحبه: أي عوّده ذلك، وأغراه به، ويُجمع عَلَى ضوار. وَقَدْ ضَرِي بالصيد: إذا لَهِجَ به. قاله ابن الأثير (٣). ومنه قول عمر رضي الله تعالى عنه: إن للّحم ضراوةً كضراوة الخمر، قَالَ: جماعة: معناه: أن له عادةً يَنزع إليها، كعادة الخمر. وَقَالَ الأزهريّ: معناه: أن لأهله عادةً فِي أكله، كعادة

стр. 16175

شارب الخمر فِي ملازمته، وكما أن منْ اعتاد الخمر لا يكاد يصبر عنها كذا منْ اعتاد اللحم. وقيل: صفة للرجل الصائد، صاحب الكلاب المعتاد للصيد، فسمّاه ضاريًا، استعارةً. أفاده النوويّ (١). قَالَ الحافظ السيوطيّ رحمه الله تعالى: فعلى الأول يكون الاسثناء منْ قوله: "كلبًا"، وعلى الثاني منْ قوله: "منْ اقتنى"، ويؤيده أنه عطف عليه هنا قوله: "أو صاحب ماشية"، ويؤيّد الأول أن فِي رواية لمسلم: "إلا كلبًا ضاريًا". انتهى (٢). (أَوْ صَاحِبَ مَاشِيَةٍ") قَالَ الفيّوميّ: الماشية: المال منْ الإبل، والغنم. قاله ابن السِّكّيت، وجماعة. وبعضهم يجعل البقر منْ الماشية. انتهى. قَالَ القرطبيّ: وكلب الماشية المباح اتخاذه عند مالك هو الذي يُسرَح معها، لا الذي يحفظها فِي الدار منْ السُّرَّاق. وكلب الزرع هو الذي يَحفظه منْ الوحوش بالليل والنهار، لا منْ السُّرَّاق. وَقَدْ أجاز غير مالك اتّخاذها لسُرَّاق الماشية والزرع. انتهى. قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: ما قاله غير مالك رحمه الله تعالى منْ جواز اتّخاذها للسُّرّاق وغيره هو الراجح عندي؛ لإطلاق النّصوص، فإنه لم يخصّ نوعًا منْ الحفظ، بل أباح لحفظ هذه الأشياء مطلقًا، فتقييدها بنوع منْ الحفظ يحتاج إلى دليل. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): فِي درجته: حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما هَذَا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -١٢/ ٤٢٨٦ و١٣/ ٤٢٨٨ و٤٢٨٩ و١٤/ ٤٢٩٣ - وفي "الكبرى" ١٣/ ٤٧٩٥ و١٤/ ٤٧٩٧ و٤٧٩٨ و١٥/ ٤٨٠٢. وأخرجه (خ) فِي "الذبائح والصيد" ٥٤٨٠ و٥٤٨١ و٥٤٨٢ (م) فِي "المساقاة" ٢٩٤٠ و٢٩٤١ و٢٩٤٣ و٢٩٤٤ و٢٩٤٥ و٢٩٤٦ (ت) فِي "الأحكام" ١٤٨٧ (أحمد) فِي "مسند المكثرين" ٤٤٦٥ و٤٥٣٥ و٤٧٩٨ و٤٩٢٥ و٥٠٥٣ و٥١٤٩ و٥٢٣١ و٥٧٤١ و٥٨٨٩ و٦٣٠٦ (الموطأ) فِي "الجامع" ١٨٠٨ (الدارمي) فِي "الصيد" ٤٠٠٤. وبقيّة مسائل الحديث تقدّمت قريبًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.

стр. 16176

٤٢٨٧ - (أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرِ بْنِ إِيَاسِ بْنِ مُقَاتِلِ بْنِ مُشَمْرِجِ بْنِ خَالِدٍ السَّعْدِيُّ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ -وَهُوَ ابْنُ جَعْفَرٍ- عَنْ يَزِيدَ -وَهُوَ ابْنُ خُصَيْفَةَ- قَالَ: أَخْبَرَنِي السَّائِبُ بْنُ يَزِيدَ، أَنَّهُ وَفَدَ عَلَيْهِمْ سُفْيَانُ بْنُ أَبِي زُهَيْرٍ، الشَّنَائِيُّ، وَقَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنِ اقْتَنَى كَلْبًا، لَا يُغْنِي عَنْهُ زَرْعًا، وَلَا ضَرْعًا، نَقَصَ مِنْ عَمَلِهِ كُلَّ يَوْمٍ قِيرَاطٌ"، قُلْتُ: يَا سُفْيَانُ، أَنْتَ سَمِعْتَ هَذَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَرَبِّ هَذَا الْمَسْجِدِ). رجال هَذَا الإسناد: خمسة: ١ - (عَلِيُّ بْنُ حُجْرِ بْنِ إِيَاسِ بْنِ مُقَاتِلِ بْنِ مُشَمْرِجِ بْنِ خَالِدٍ السَّعْدِيُّ) المروزيّ، نزيل بغداد، ثم مرو، ثقة حافظ، منْ صغار [٩] ١٣/ ١٣. ٢ - (إسماعيل بن جعفر) بن أبي كثير الأنصاريّ الزُّرَقيّ، أبو إسحاق القارىء المدنيّ، ثقة ثبت [٨] ١٦/ ١٧. ٣ - (يزيد بن خُصَيفة) -بخاء معجمة، فصاد مهمدة، مصغّرًا- هو يزيد بن عبد الله ابن خُصيفة بن عبد الله بن يزيد الكنديّ المدنيّ، نُسب لجدّه، ثقة [٥] ٧٥٠/ ٩٦٠. ٤ - (السائب بن يزيد) بن سعيد بن ثُمامة الكنديّ، وقيل: غير ذلك فِي نسبه، ويُعرف بابن أخت النمِر، صحابي صغير، وله أحاديث قليلة، وحُجّ به فِي حجة الوداع، وهو ابن سبع سنين، وولّاه عمر رضي الله تعالى عنه، ومات سنة (٩١)، وقيل: قبل ذلك، وهو آخر منْ مات بالمدينة منْ الصحابة رضي الله تعالى عنهم، تقدمت ترجمته فِي ١٥/ ١٣٩٢. ٥ - (سفيان بن أبي زُهير) الأزديّ، منْ أَزْدَ شَنُوءَة، واسم أبي زُهير الْقَرِد، وشَنُوءة: هو عبد الله بن كعب بن عبد الله بن مالك بن يعرب بن الغوث، وإنما سُمُّوا شَنُوءةَ لشنئآن، كَانَ بينهم. وَقَالَ بعصْهم فِي نسبه: النَّمَريْ، وبعضهم النُّمَيريّ، له صحبة يعدّ فِي أهل المدينة. روى عن النبيّ صلّى الله تعالى عليه وسلم. وعنه السائب بن يزيد، وعبد الله، وعروة ابنا الزبير. روى له البخاريّ، ومسلم، وابن ماجه، له عندهم حديثان: أحدهما فِي اقتناء الكلب، والآخر فِي فضل المدينة، وروى له المصنّف فِي هَذَا الكتاب هَذَا الحديث فقط. والله تعالى أعلم. لطائف هَذَا الإسناد: منها: أنه منْ خماسيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بثقات المدنيين، إلا شيخه، فمروزيّ، وفيه رواية صحابيّ، عن صحابيّ، فالسائب بن يزيد صحابيّ صغير مشهور. والله تعالى أعلم.

стр. 16177

شرح الحديث (عَنْ يَزِيدَ، وَهُوَ) ابن عبد الله (بْنُ خُصَيْفَةَ) أنه (قَالَ: أَخْبَرَنِي السَّائِبُ بْنُ يَزِيدَ أَنَّهُ) الضمير للشأن: أي الحال والشأن (وَفَدَ) بفتح الفاء، يقال: وفَد إليه، وعليه، يفد وَفدًا، منْ باب وعد، ووُفُودًا، ووِفَادةً، وإِفَادةً: إذا قَدِمَ، وورَدَ (عَلَيْهِمْ سُفْيَانُ بْنُ أَبِي زُهَيْرٍ الشَّنَائيُّ) بفتح الشين المعجمة، بعدها نون: نسبة إلى شنوءة -بفتح المعجمة، وضم النون، بعدها واو ساكنة، ثم همزة مفتوحة، وهي قبيلة مشهورة، ويقال فيه: الشَّنُوئيّ بضمّ النون عَلَى الأصل (وَقَالَ) أي سفيان (قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ اقْتَنَى كَلْبًا) أي اتخذه (لَا يُغْنِي عَنهُ زَرْعًا، وَلَا ضَرْعًا) المراد هنا الماشية، كما فِي سائر الروايات، ومعناه: اقتنى كلبًا لغير زرع، وماشية. قاله النوويّ (نَقَصَ مِنْ عَمَلِهِ كُلَّ يَوْمٍ قِيرَاطٌ) تقدّم تفسيره مستوفى، فلا تغفل. قَالَ السائب (قُلْتُ: يَا سُفْيَانُ، أَنْتَ) بتقدير همزة الاستفهام، وفي نسخة "أأنت" بإثبات الهمزتين (سَمِعْتَ هَذا مِنْ رَسُول الله ﷺ ؟) فيه التثبّت فِي الحديث (قَالَ) أي سفيان (نَعَمْ) ولفظ الشيخين: "إِي" وهي بكسر الهمزة، وسكون الياء التحتانيّة بمعنى "نعم" (وَرَبِّ هَذَا الْمَسْجدِ) وفيه استعمال القسم للتوكيد، وإن كَانَ السامع مصدّقًا. قاله فِي "الفتح" (١). والظاهر أن المراد بالمسجد هو المسجد النبويّ؛ لأن سفيان والسائب كلاهما مدنيّان، ويحتمل أن يكون مسجدًا آخر. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): فِي درجته: حديث سفيان بن أبي زُهير الشنائيّ رضي الله تعالى عنه هَذَا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -١٢/ ٤٢٨٧ - وفي "الكبرى" ١٣/ ٤٧٩٦. وأخرجه (خ) فِي "المزارعة" ٢٣٢٣ و"بدء الخلق" ٣٣٢٥ (م) فِي "المساقاة" ٢٩٥١ (ق) فِي "الصيد" ٣٢٠٦ (أحمد) فِي "مسند الأنصار" ٢١٤٠٦ و٢١٤١١ (الموطأ) فِي "الجامع" ١٨٠٧ (الدارمي) فِي "الصيد" ٢٠٠٥. وبقيّة المسائل تقدّمت قريبًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح، ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب". …

стр. 16178

١٣ - (بَابُ الرُّخْصَةِ فِي إِمْسَاكِ الْكَلْبِ لِلصَّيْدِ) ٤٢٨٨ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّهُ سَمِعَهُ يَقُولُ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "مَنْ أَمْسَكَ كَلْبًا، إِلاَّ كَلْبًا ضَارِيًا، أَوْ كَلْبَ مَاشِيَةٍ، نَقَصَ مِنْ أَجْرِهِ كُلَّ يَوْمٍ قِيرَاطَانِ"). قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا غير مرّة. وهو منْ رباعيّات المصنّف، وهو (٢٠٠) منْ رباعيات الكتاب. وقوله: "إلا كلبًا ضاريًا" هكذا فِي بعض النسخ، ووقع فِي النسخة الهنديّة: "إلا كلب ضاري"، وكذا فِي بعض روايات مسلم، قَالَ النوويّ فِي "شرحه": قَوْله ﷺ : "مَنْ اقْتَنَى كَلْبًا، إِلَّا كَلْب مَاشِيَة، أَوْ ضَارِي": هَكَذَا هُوَ فِي مُعْظَم النُّسَخ: "ضَارِي" بِالْيَاءِ، وَفِي بَعْضهَا: "ضَارِيًا" بِالألِفِ، بَعْد الْيَاء، مَنْصُوبًا، وَفِي الرِّوَايَة الثَّانِيَة: "مَنْ اقْتَنَى كَلْبًا، إِلَّا كَلْب ضَارِيَة"، وَذَكَرَ القَاضِي أَنَّ الأوَّل رُوِيَ "ضَارِي"، بِالْيَاءِ، "وَضَارٍ" بِحَذْفِهَا، "وَضَارِيًا"، فأَمَّا "ضَارِيًا"، فَهُوَ ظَاهِر الإِعْرَاب، وَأَمَّا "ضَارِي"، "وَضَارٍ"، فَهُمَا مَجْرُورَانِ عَلَى الْعَطْف عَلَى "مَاشِيَة"، وَيَكُون مِنْ إِضَافَة الْمَوْصُوف إِلَى صِفَته، كَمَاءِ البَارِد، وَمَسْجِد الْجَامِع، وَمِنْهُ قَوله تَعَالَى: ﴿بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ﴾ [القصص: ٤٤]، ﴿وَلَدَارُ الْآخِرَةِ﴾ [يوسف: ١٠٩]، وَسَبَقَ بَيَان هَذَا مَرَّات، وَيكُون ثُبُوت اليَاء فِي "ضَارِي" عَلَى اللُّغَة القَلِيلَة، فِي إِثْبَاتَها فِي المَنْقُوص، منْ غَيْر أَلِف وَلَام، وَالمَشْهُور حَذْفهَا. وَقِيلَ: إِنَّ لَفظَة "ضَارٍ" هُنَا صِفَة لِلرَّجُل الصَّائِد، صَاحِب الكِلَاب، الْمُعْتَاد لِلصَّيدِ، فَسَمَّاهُ ضَاريًا؛ اسْتِعَارَة، كَمَا فِي الرِّوايَة الأُخْرَى: "إِلَّا كَلْب مَاشِيَة، أَو كَلْب صَائِد". وَأَمَّا روَايَة "إِلَّا كَلْب ضَارِيَة"، فَقَالُوا: تَقْدِيره إِلَّا كَلْب ذِي كِلَاب ضَارِيَة. وَالضَّارِي هُوَ المُعَلَّم الصَّيْد، المُعْتَاد لَهُ إلى ما تقدَّم منْ معنى ضري (١). والحديث متّفقٌ عليه، وتقدَّم شرحه، وبيان مسائله فِي الباب الماضي. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٢٨٩ - (أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْجَبَّارِ بْنُ الْعَلَاءِ، عَنْ سُفْيَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: "مَنِ اقْتَنَى كَلْبًا، إِلاَّ كَلْبَ صَيْدٍ، أَوْ مَاشِيَةٍ، نَقَصَ مِنْ

стр. 16179

أَجْرِهِ كُلَّ يَوْمٍ قِيرَاطَانِ"). قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد كلّهم رجال الصحيح، وتقدَّموا غير مرّة. و"عبد الجبّار بن العلاء": هو العطّار البصريّ، أبو بكر نزيل مكة، لا بأس به، منْ صغار [١٠] ١٣٢/ ١٩٩. و"سفيان": هو ابن عيينة. والحديث متّفقٌ عليه، وَقَدْ سبق البحث فيه مستوفًى فِي الحديث الذي قبله. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ١٤ - (بَابُ الرُّخْصَةِ فِي إِمْسَاكِ الْكَلْبِ لِلْحَرْثِ) ٤٢٩٠ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، وَابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ عَوْفٍ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: "مَنِ اتَّخَذَ كَلْبًا، إِلاَّ كَلْبَ صَيْدٍ، أَوْ مَاشِيَةٍ، أَوْ زَرْعٍ، نَقَصَ مِنْ أَجْرِهِ كُلَّ يَوْمٍ قِيرَاطٌ"). قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد كلهم رجال الصحيح. و"يحيى": هو القطان. و"ابن أبي عديّ": هو محمد بن إبراهيم بن أبي عديّ. "ومحمد بن جعفر": هو غندر. و"عوف": هو ابن أبي جميلة الأعرابيّ البصريّ. و"الحسن": هو البصريّ. والحديث صحيح، وَقَدْ تقدّم شرحه، وبيان مسائله قبل ثلاثة أبواب، فراجعه تستفد. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٢٩١ - (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: "مَنِ اتَّخَذَ كَلْبًا، إِلاَّ كَلْبَ صَيْدٍ، أَوْ زَرْعٍ، أَوْ مَاشِيَةٍ، نَقَصَ مِنْ عَمَلِهِ كُلَّ يَوْمٍ قِيرَاطٌ"). قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا. و"إسحاق": هو ابن راهويه. و"عبد الرزاق": هو ابن همّام الصنعانيّ. و"معمر": هو

стр. 16180

ابن راشد. وشرح الحديث يُعلم مما مضى. وزيادة "أو زرع" سيأتي الكلام عليها بعد حديث، إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): فِي درجته: حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه هَذَا متَّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -١٤/ ٤٢٩١ و٤٢٩٢ وفي "الكبرى" ١٥/ ٤٨٠٠ و٤٨٠١. وأخرجه (خ) فِي "الحرث والمزارعة" ٢٣٢٢ و"بدء الخلق" ٣٣٢٤ (م) فِي "المساقاة" ٢٩٤٧ و٢٤٨ و٢٩٤٩ و٢٩٥٠ (د) فِي "الصيد" ٢٨٤٤ (ت) فِي "الأحكام" ١٤٨٨ و١٤٩٠ (ق) فِي "الصيد" ٣٢٠٤ (أحمد) فِي "مسند المكثرين" ٤٤٦٥ و٩٢٠٩. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٢٩٢ - (أَخْبَرَنَا وَهْبُ بْنُ بَيَانٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَنْبَأَنَا ابْنُ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: "مَنِ اقْتَنَى كَلْبًا لَيْسَ بِكَلْبِ صَيْدٍ، وَلَا مَاشِيَةٍ، وَلَا أَرْضٍ، فَإِنَّهُ يَنْقُصُ مِنْ أَجْرِهِ قِيرَاطَانِ كُلَّ يَوْمٍ"). قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، وهو واسطيّ، نزيل مصر، ثقة. والسند مسلسل بثقات المصريين، إلى ابن شهاب، ومنه مدنيّون. والحديث متَّفقٌ عليه، وَقَدْ سبق تمام البحث فيه فِي الحديث الذي قبله. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٢٩٣ - (أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ -يَعْنِي ابْنَ جَعْفَرٍ- قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي حَرْمَلَةَ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنِ اقْتَنَى كَلْبًا، إِلاَّ كَلْبَ مَاشِيَةٍ، أَوْ كَلْبَ صَيْدٍ، نَقَصَ مِنْ عَمَلِهِ كُلَّ يَوْمٍ قِيرَاطٌ". قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: "أَوْ كَلْبَ حَرْثٍ"). قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد كلّهم رجال الصحيح، وتقدّموا. و"محمد بن أبي حَرْمَلة": هو القرشيّ المدنيّ، مولى ابن حُويطب، ثقة [٦] ٣٦/ ٥٧٨. وقوله: قَالَ عبد الله: وَقَالَ أبو هريرة: "أو كلبّ حَرْث"، وهكذا هو فِي رواية

стр. 16181

مسلم، وعبد الله هو ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، يعني أنه قَالَ: إن أبا هريرة رضي الله تعالى عنه يزيد فِي هَذَا الحديث: "أو كلب حرث"، والمراد به الكلب الذي يحرُس الزرع، فهو بمعنى قوله فِي الرواية السابقة: "أو زرع". وهذه الرواية تدلّ عَلَى أن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما يقبل زيادة أبي هريرة رضي الله تعالى عنه المذكورة، وفي رواية مسلم منْ طريق عمرو بن دينار، عن ابن عمر: أن النبيّ صلّى الله تعالى عليه وسلم أمر بقتل الكلاب، إلا كلب صيد، أو كلب غنم، فقيل لابن عمر: إن أبا هريرة يقول: "أو كلب زرع"، فَقَالَ ابن عمر: إن لأبي هريرة زرعًا، فقيل: أراد ابن عمر بهذا الكلام الإنكار عَلَى أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، وهذا القول غير صحيح، بل الصواب أنه أراد بذلك تثبيته، وقبول زيادته. قَالَ النوويّ رحمه الله تعالى فِي شرح هَذَا الكلام: ما نصّه: قَالَ العلماء: ليس هَذَا توهينًا لرواية أبي هريرة، ولا شكًا فيها، بل معناه أنه لَمّا كَانَ صاحب زرع، وحرث، اعتنى بذلك، وحَفِظَه، وأتقنه، والعادة أن المبتلى بشيء يُتقنه ما لا يتقنه غيره، ويتعرّف منْ أحكامه ما لا يعرفه غيره. وَقَدْ ذكر مسلم هذه الزيادة، وهي اتخاذه للزرع منْ رواية ابن المغفّل (١)، ومن رواية سُفيان بن أبي زُهير (٢)، عن النبيّ صلّى الله تعالى عليه وسلم، وذكرها أيضًا مسلم منْ رواية أبي الحكم، واسمه عبد الرحمن بن أبي نُعْم البجليّ، عن ابن عمر، فيحتمل أن ابن عمر لَمّا سمعها منْ أبي هريرة، وتحقّقها عن النبيّ صلّى الله تعالى عليه وسلم، رواها عنه بعد ذلك، وزادها فِي حديثه الذي كَانَ يرويه بدونها. ويحتمل أنه تذكّر فِي وقت أنه سمعها منْ النبيّ صلّى الله تعالى عليه وسلم، فرواها، ونسيها فِي وقت، فتركها. والحاصل أن أبا هريرة ليس منفردًا بهذه الزيادة، بل وافقه جماعة منْ الصحابة فِي روايتها، عن النبيّ صلّى الله تعالى عليه وسلم، ولو انفرد بها لكانت مقبولة، مرضيّةً، مكرّمةً. انتهى كلام النوويّ رحمه الله تعالى. قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: هَذَا الذي قاله النوويّ رحمه الله تعالى فِي تثبيت ابن عمر لزيادة أبي هريرة رضي الله تعالى عنهم تحقيقٌ نفيسٌ جدًّا. والحاصل أن منْ قَالَ: إن مراد ابن عمر بقوله: "إن لأبي هريرة زرعًا" الإنكار عليه فِي هذه الزيادة، فقد أخطأ الطريق، وحاد عن الصواب، فالحقّ أن مراده تثبيته،

стр. 16182

وتصويبه فِي زيادته، بدليل ما ثبت عن ابن عمر أنه كَانَ يزيدها أيضًا، كما رواه مسلم منْ طريق قتادة، عن أبي الحكم، قَالَ: سمعت ابن عمر، يحدّث عن النبيّ صلّى الله تعالى عليه وسلم، قَالَ: "منْ اتّخذ كلبًا إلا كلب زرع، أو غنم، أو صيد، ينقص منْ أجره كلَّ يوم قيراط". والحديث متّفقٌ عليه، وَقَدْ مضى تمام البحث فيه قبل باب، فراجعه تستفد. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح، ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ١٥ - (النَّهْىِ عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ) ٤٢٩٤ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا مَسْعُودٍ، عُقْبَةَ، قَالَ: "نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ، وَمَهْرِ الْبَغِيِّ، وَحُلْوَانِ الْكَاهِنِ"). رجال هَذَا الإسناد: خمسة: ١ - (قتيبة) بن سعيد الثقفيّ، أبو رجاء البغلاني، ثقة ثبت [١٠] ١/ ١. ٢ - (الليث) بن سعد بن عبد الرحمن الإِمام المصريّ الحجة الثبت [٧] ٣١/ ٣٥. ٣ - (ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهريّ المدنيّ الإِمام الحجة الثبت الفقيه [٤] ١/ ١. ٤ - (أبو بكر بن الحارث بن هشام) المخزوميّ المدنيّ، قيل: اسمه محمد، وقيل: المغيرة، وأبو بكر اسمه، وكنيته أبو عبد الرحمن، ثقة فقيه، عابدٌ [٣] ٥١/ ٩٦٣. ٥ - (أبو مسعود، عقبة) بن عمرو بن ثعلبة الأنصاريّ البدريّ، صحابيّ جليل، مات قبل الأربعين، وقيل: بعدها، تقدّمت ترجمته فِي ٦/ ٤٩٤. والله تعالى أعلم. لطائف هَذَا الإسناد: منها: أنه منْ خماسيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بثقات المدنيين، منْ ابن شهاب، والليث مصريّ، وقتيبة بغلانيّ، وفيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، وفيه منْ هو مشهور بكنيته، وهو أبو بكر،

стр. 16183

وهو أحد الفقهاء السبعة عَلَى بعض الأقوال. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ) الخزوميّ المدنيّ (أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا مَسْعُودٍ) البدريّ رضي الله تعالى عنه (عُقْبَةَ) بالنصبَ بدل منْ "أبا مسعود"، ويحتمل الرفع عَلَى أنه خبر لمبتدإ محذوف: أي هو عقبةُ (قَالَ: "نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ) ظَاهِر النَّهْي تَحرِيم بَيْعه، وَهُوَ عَام فِي كُلّ كَلْب، مُعَلَّمًا كَانَ، أَو غَيره، مِمَّا يَجُوزَ اقْتِنَاؤُهُ، أَوْ لَا يَجُوز، وَمِنْ لَازِم ذَلِكَ أَنْ لَا قِيمَة عَلَى مُتْلِفه، وعليه الجمهور، وسيأتي تحقيق الخلاف فِي المسائل، إن شاء الله تعالى. (وَمَهْرِ الْبَغِيِّ) هُوَ مَا تَأخُذهُ الزَّانِيَة عَلَى الزِّنَا، سَمَّاهُ مَهْرَا مَجَازًا، و"الْبَغِيّ" -بِفَتْحِ المُوَحَّدَة، وَكَسْر المُعْجَمَة، وَتَشْدِيد التَّحتَانِيَّة- وَهُوَ فَعِيلَ، بِمَعْنَى فَاعِلَة، أصله بَغُويٌ، عَلَى وزن صبور، فلذلك استوى فيه التذكير والتأنيث، وَجَمْعُ الْبَغِيّ بَغَايَا، وَالْبِغَاء بِكَسْرِ أَوَّلهْ الزِّنَا، وَالفُجُور، وَأَصْل الْبِغَاء: الطَّلَب، غَيْر أَنَّهُ أكْثَر مَا يُسْتَعْمَلُ فِي الْفَسَاد، وَاستُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الْأَمَة، إِذَا أُكْرِهَتْ عَلَى الزِّنَا، فَلَا مَهْر لَهَا، وَفِي وَجْه لِلشَّافِعِيَّةِ يَجِب لِلسَّيِّدِ. قاله فِي "الفتح" (١). (وَحُلْوَانِ الْكَاهِنِ) -بضم الحاء المهملة، وسكون اللام-: مَصدَر حَلَوْته حُلْوَانًا: إِذَا أَعْطَيْته، وَأَصْله مِنْ الحَلَاوَة، شُبِّهَ بالشَّيْءِ الْحُلْو، مِنْ حَيْثُ إِنهُ يَأخُذهُ سَهْلا، بِلا كُلفَة، وَلا مَشَقَّة، يُقَال: حَلَوْته: إِذَا أَطْعَمْته الْحُلْو، وَالحُلْوَان أَيْضًا الرِّشْوَة، وَالحُلْوَان أَيْضًا أَخْذ الرَّجُل مَهْر ابْنَته لِنَفْسِهِ. وَحُلوان الكاهن حَرَام بِالْإجْمَاعِ؛ لِمَا فِيهِ منْ أَخْذ الْعِوَض عَلَى أَمْر بَاطِل، وَفِي مَعْنَاهُ: التَّنْجِيم، وَالضَّرْب بِالحَصَى، وَغَيْر ذَلِكَ، مِمّا يَتَعَاناهُ العَرَّافُونَ، مِن اسْتِطْلَاع الْغَيْب. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): فِي درجته: حديث أبي مسعود رضي الله تعالى عنه هَذَا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -١٥/ ٤٢٩٤ و"البيوع" ٩١/ ٤٦٦٨ - وفي "الكبرى" ١٦/ ٤٨٠٣ و"البيوع" ٩٢/ ٦٢٦٢. وأخرجه (خ) فِي "البيوع" ٢٢٣٧ و"الإجارة" ٢٢٨٢

стр. 16184

و"الطلاق" ٥٣٤٦ و"الطبّ" ٥٧٦١ (م) فِي "البيوع" ٢٩٣٠ (د) فِي "البيوع" ٣٤٢٨ و٣٤٨١ (ت) فِي "النكاح" ١١٣٣ و"البيوع" ١٢٧٦ (ق) فِي "التجارات" ٢١٥٩ (أحمد) فِي "مسند الشاميين" ١٦٦٢٢ و١٦٦٢٦ و١٦٦٣٩ (الموطأ) فِي "البيوع" ١٣٦٣ (الدارمي) فِي "البيوع" ٢٥٦٨. والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): فِي فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو النهي عن ثمن الكلب. (ومنها): تحريم أجرة الزانية. (ومنها): تحريم ما يأخذه الكاهن عَلَى كهانته. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): فِي اختلاف أهل العلم فِي حكم بيع الكلب: قَالَ النوويّ رحمه الله تعالى: وَأَمَّا النَّهْي عَن ثَمَن الْكَلْب، وَكَوْنه منْ شَرّ الْكَسْب، وَكَوْنه خَبِيثًا، فَيَدُلّ عَلَى تَحِرِيم بَيْعه، وَأَنَّهُ لَا يَصِحّ بَيعه، وَلَا يَحِلّ ثَمَنه، وَلَا قِيمَة عَلَى مُتْلِفه، سَوَاء كَانَ مُعَلَّمًا، أَمْ لَا، وَسَوَاء كَانَ مِمَّا يَجُوز اقْتِنَاؤُهُ أَمْ لَا، وَبِهَذَا قَالَ جَمَاهِير العُلَمَاء، مِنْهُمْ: أَبُو هُرَيْرَة، وَالحَسَن الْبَصْرِي، وَرَبِيعَة، وَالأَوْزَاعِيّ، وَالْحَكَم، وَحَمَّاد، وَالشَّافِعِيّ، وَأَحْمَد، وَدَاوُد، وابْن الْمُنْذِر، وَغَيْرهمْ. وَقَال أَبُو حَنِيفَة: يَصِحّ بَيْع الكِلَاب الَّتِي فِيهَا مَنفَعَة، وَتَجِب الْقِيمَة عَلَى مُتْلِفهَا. وَحَكَى ابْن الْمُنذِر عَن جَابِر، وَعَطَاء، وَالنَّخَعِيّ: جَوَاز بَيْع كَلْب الصَّيْد، دُون غَيْره. وَعَن مَالِك رِوَايَات: [إِحْدَاهَا]: لَا يَجُوز بَيْعه، وَلَكِنْ تَجِب الْقِيمَة عَلَى مُتْلِفه. [وَالثَّانِيَة]: يَصِحّ بَيْعه، وَتَجِب الْقِيمَة. [الثَّالِثَة]: لَا يَصِحّ، وَلَا تَجِب الْقِيمَة عَلَى مُتْلِفه. دَلِيل الْجُمْهُور هَذِه الأَحَادِيث. وَأَمَّا الأَحَادِيث الْوَارِدَة فِي النَّهْي عَن ثَمَن الْكَلْب، إِلَّا كَلْب صَيْد، وَفِي رِوَايَة: "إِلَّا كَلْبًا ضَارِيًا"، وَأَنَّ عُثْمَان غَرَّمَ إِنْسَانًا ثَمَن كَلْب، قَتَلَهُ عِشْرِينَ بَعِيرًا، وَعَنْ ابْن عَمْرو بْن العَاصِ: التَّغْرِيم فِي إِتْلَافه، فَكُلّهَا ضَعِيفَة باتِّفَاقِ أَئمَّة الْحَدِيث. انتهى كلام النوويّ (١). وَقَالَ فِي "الفتح": ما حاصله: ذهب الجمهور إلى تَحْرِيم بَيْع الكلب، وَهُوَ عَامّ فِي كُلّ كَلْب، مُعَلَّمًا كَانَ، أَوْ غَيْره، مِمَّا يَجُوز اقتِنَاؤُهُ، أَو لَا يَجُوز، وَمِنْ لَازم ذَلِكَ أنْ لَا قِيمَة عَلَى مُتْلِفه. وَقَالَ مَالِك: لَا يَجُوزْ بَيْعه، وَتَجِب الْقِيمَة عَلَى مُتْلِفه، وَعَنهُ كَالْجُمْهُور، وَعَنْهُ كَقَولِ أَبِي حَنِيفَة: يَجُوز، وَتجِب الْقِيمَة. وَقَالَ عَطَاء، وَالنَّخَعِيِّ: يَجُوز بَيْع كَلْب الصَّيْد، دُون

стр. 16185

غَيْره. وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ منْ حَدِيث ابْن عَبَّاس رضي الله تعالى عنهما، مَرْفُوعًا: "نَهَى رَسُول الله ﷺ ، عَن ثَمَن الْكَلْب"، وَقَالَ: "إنْ جَاءَ يَطْلُب ثَمَن الْكَلْب، فَامْلَأْ كَفّه تُرَابًا". وِإسْنَاده صَحِيح. وَرَوَى أَيْضًا بِإِسْنَادٍ حَسَن، عَن أَبِي هُرَيرَة رضي الله تعالى عنه، مَرْفُوعًا: "لا يَحِلّ ثَمَن الْكَلْب، وَلَا حُلوَان الْكَاهِن، وَلَا مَهْر الْبَغِيّ". وَالْعِلَّة فِي تَحْرِيم بَيعه عنْد الشَّافِعِيّ، نَجَاسَته مُطْلَقًا، وَهِيَ قَائِمَة فِي المُعَلَّم وَغَيْره، وَعِلَّة الْمَنْع عِنْد مَنْ لَا يَرَى نَجَاسَته، النَّهْيُ عَن اتِّخاذه، وَالأَمْر بِقَتْلِهِ، وَلِذَلِكَ خُصَّ مِنْهُ مَا أُذِنَ فِي اتِّخاذه. وَيَدُلّ عَلَيهِ حَدِيث جَابِر رضي الله تعالى عنه، الآتي فِي الباب التالي، قَالَ: "نَهى رَسُول الله ﷺ ، عَن ثَمَن السنّور، والْكَلْب، إِلَّا كَلْب صَيْد"، لكن سيأتي أن المصنّف ضعفه. وَقَد وَقَعَ فِي حَدِيث ابن عُمَر رضي الله تعالى عنهما، عِنْد ابْن أَبِي حَاتِم، بِلَفْظِ: "نَهَى عَنْ ثَمَن الْكَلْب، وَإنْ كَانَ ضَارِيًا"، يَعْني مِمَّا يَصِيدُ، وَسَنَده ضَعِيف، قَالَ أَبُو حَاتِم: هُوَ مُنْكَر، وَفِي رِوَايَة لِأَحْمَد: "نَهَى عَنْ ثَمَن الْكَلْب، وَقَالَ: طُعمَة جَاهِلِيَّة"، وَنَحْوه لِلطَّبَرَانِىِّ، مِنْ حَدِيث مَيْمُونَة بِنْت سَعْد (١). وَقَالَ القُرْطُبِيّ: مَشْهُور مَذْهَب مَالِك جَوَاز اتِّخاذ الْكَلْب، وَكَرَاهِيَة بَيْعه، وَلَا يُفْسَخ إنْ وَقَعَ، وَكَأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَكُن عِنْده نَجَسًا، وَأُذِنَ فِي اتِّخاذه لِمَنَافِعِهِ الْجَائِزَة، كَانَ حُكْمه حُكْم جَمِيع الْمَبِيعَات، لَكِنْ الشَّرْعُ نَهَى عَنْ بَيْعه تَنْزيهًا؛ لِأَنَّه لَيْسَ مِنْ مَكَارِم الأَخْلَاق، قَالَ: وأمَّا تَسْوِيَته فِي النَّهْي بَيْنه وَبَيْن مَهْر الْبَغِيّ، وَحُلوَان الكَاهِن، فَمَحْمُول عَلَى الْكَلْب الَّذِي لَمْ يُؤْذَن فِي اتِّخاذه، وَعَلَى تَقْدِير العُمُوم فِي كُلّ كَلْب، فَالنَّهْي فِي هَذِهِ الثَّلَاثَة فِي القَدْر المُشْتَرَك، منْ الكَرَاهَة أَعَمّ منْ التَّنْزِيه وَالتَّحْرِيم، إِذْ كلُّ وَاحِد مِنْهُمَا مَنْهِيٌّ عَنهُ، ثُمَّ تُؤْخَذ خُصُوصِيَّة كُلّ وَاحِد مِنْهُمَا مِنْ دَلِيل آخَر، فَإِنَّا عَرَفْنَا تَحرِيم مَهْر الْبَغِيّ، وحُلْوان الْكَاهن مِنْ الإجْمَاع، لَا مِنْ مُجَرَّد النَّهْي، وَلَا يَلْزَم مِنْ الاشْتِرَاك فِي الْعَطْف، الاشْتِرَاك فِي جَمِيع الوُجُوه، إِذْ قَدْ يُعْطَف الأَمْر عَلَى النَّهْي، وَالإيْجَاب عَلَى النَّفْي. انتهى كلام القرطبيّ باختصار (٢). قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: هَذَا التفصيل الذي قاله القرطبيّ محلّ نظر، بل الذي يترجَّحُ عندي هو الذي عليه الجمهور، منْ تحريم بيع الكلب مطلقًا؛ لعموم النصّ، وعدم صحّة الاستثناء الذي فِي حديث جابر رضي الله تعالى عنه الآتي. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): فِي حكم حلوان الكاهن، وبيان معناه:

стр. 16186

قَالَ النوويّ: قَالَ الْبَغَوِيُّ منْ أَصْحَابنَا، وَالْقَاضِي عِيَاض: أجْمَعَ المُسْلمُون عَلَى تَحْرِيم حُلْوَانِ الكَاهِن؛ لِأَنَّهُ عِوَض عَن مُحَرَّم؛ وَلِأَنَّه أَكَلَ الْمَال بِالبَاطِلِ، وَكَذَلِكَ أجْمَعُوا عَلَى تَحْرِيم أُجرَة الْمُغَنِّيَة للْغِنَاء، وَالنَّائِحَة لِلنَّوْحِ. وأمَّا الَّذِي جَاءَ فِي غَيْر "صَحِيح مُسْلِم" منْ النَّهْي عَن كَسْب الإمَاء، فَالمُرَاد بِهِ كَسْبهنَّ بِالزِّنَا، وَشِبهِهِ، لَا بِالْغَزْلِ، وَالْخِيَاطَة، وَنَحْوهمَا. وَقَالَ الخَطَّابِيّ: قَالَ ابْن الأَعْرَابِيّ: وَيُقَال حُلْوَانِ الْكَاهِن الشنع، والصِّهْميم (١). قَالَ الخَطَّابِيّ: وَحُلْوان العَرَّاف أَيْضًا حَرَام. قَالَ: وَالفَرْق بَيْن الكَاهِن وَالعَرَّاف، أَنَّ الْكَاهِن إِنَّما يَتَعَاطَى الأَخْبَار عَن الْكَائِنَات فِي مُسْتَقبَل الزَّمَان، وَيدَّعي مَعْرِفَة الأَسْرَار، والعَرَّاف هُوَ الَّذِي يَدَّعِي مَعْرِفَة الشَّيْء الْمَسْروق، وَمَكَان الضَّالَّة، وَنَحْوهمَا منْ الأُمُور. هَكَذَا ذَكَرَهُ الخَطَّابِيّ فِي "مَعَالِم السُّنَن" فِي "كِتَاب البُيُوع"، ثُمَّ ذَكَرَهُ فِي آخِر الكِتَاب أَبْسَط منْ هَذَا فَقَالَ: إِنَّ الكَاهِن، هُوَ الَّذِي يَدَّعِي مُطَالَعَة عِلْم الْغَيْب، وَيُخْبِر النَّاس عَن الْكَوَائِن. قَالَ: وَكَانَ فِي العَرَب كَهَنَة، يَدَّعونَ أَنَّهمْ يَعرِفُونَ كَثِيرًا منْ الأُمُور، فَمِنْهُمْ: مَنْ يَزعُم أَنَّ لَهُ رُفَقَاء منْ الجِنّ، وَتَابِعَة تُلْقِي إِلَيْهِ الأَخْبَار، وَمِنْهُمْ مَنْ كَانَ يَدَّعِي أَنَّهُ يَسْتَدِرْك الأُمُور بِفَهْمٍ أُعْطِيَهُ، وَكَانَ مِنْهُمْ مَنْ يُسَمَّى عَرَّافًا، وَهُوَ الَّذِي يَزْعُم أَنَّهُ يَعْرِف الأُمُور بِمُقَدِّمَاتِ أسبَاَب، يُستَدَلّ بِها عَلَى مَوَاقِعهَا، كَالشَّيءِ يُسْرَق، فَيَعرف الْمَظْنُون بِهِ السَّرِقَةُ، وتُتَّهَم الْمَرأَةُ بِالرِّيبَةِ، فَيُعرَف مَن صَاحبُهَا، وَنَحْو ذَلِكَ منْ الأمُور. ومِنْهُم مَنْ كَانَ يُسَمِّي المُنَجِّمْ كَاهِنًا، قَالَ: وَحَدِيث النَّهْي عَن إِتْيَان الكُهَّان، يَشْتَمِل عَلَى النَّهْي عَن هَؤُلَاءِ كُلّهم، وَعَلَى النَّهْي عَن تَصْدِيقهمْ، وَالرُّجُوع إِلَى قَوْلهمْ، ومنْهُمْ مَنْ كَانَ يَدْعُو الطَّبِيب كَاهِنًا، وَرُبَّمَا سَمَّوهُ عَرَّافًا، فَهَذَا غَيْر دَاخِل فِي النَّهْي. هَذَا آخِر كَلَام الخَطَّابِيّ. قَالَ الإمَام أَبُو الْحَسَنُ المَاوَرْدِيّ، منْ أَصْحَابنَا، فِي آخِر كِتَابه "الأَحْكَام السُّلطَانِيَّة": وَيَمْنَع الْمُحْتَسِب مَنْ يَكْتَسِب بِالْكِهَانَةِ، وَاللَّهْو، وَيُؤَدِّب عَلَيْهِ الآخِذَ وَالْمُعْطِي. وَالله أَعْلَم. انتهى كلام النوويّ (٢). وَقَالَ فِي "الفتح": وَالْكَهَانَة -بِفَتْح الْكَاف، وَيَجُوز كَسْرهَا-: ادِّعَاء عِلْم الْغَيْب، كَالإخْبَارِ بِمَا سَيَقَعُ فِي الأَرْض، مَعَ الاسْتِنَاد إِلَى سَبَب، وَالأصْل فِيهَا اسْتِرَاق السَّمْع منْ كَلَام الْمَلائِكة، فَيُلْقِيه فِي أُذُن الكَاهِن. وَالْكَاهِنُ لَفْظ يُطْلَق عَلَى العَرَّاف، وَاَلَّذِي يَضْرِب بِالْحَصَى، والمُنَجِّم، وَيُطْلَق عَلَى مَنْ يَقُوم بأَمْرٍ آخَر، وَيَسْعَى فِي قَضَاء حَوَائِجه. وَقَالَ فِي "الْمُحْكَم": الكَاهِن الْقَاضِي بِالْغَيْبِ. وَقَالَ فِي "الْجَامِع": الْعَرَب

стр. 16187

تُسَمِّي كُلّ مَنْ آذَنَ بِشَيْءٍ قَبْل وُقُوعه كَاهِنًا. وَقَالَ الخَطَّابِيُّ: الكَهَنَة قَوْم، لَهُمْ أَذْهَان حَادَّة، وَنُفُوس شِرِّيرَة، وَطِبَاع نَارِيَّة، فَأَلِفَتْهُمْ الشَّيَاطِين؛ لِمَا بَيْنهمْ منْ التَّنَاسُب فِي هَذِهِ الأُمُور، وَسَاعَدَتهُمْ بِكُلِّ مَا تَصِل قُدْرَتهمْ إِلَيْهِ. وَكَانَتْ الْكَهَانَة فِي الجَاهِلِيَّة فَاشِيَة، خُصُوصًا فِي الْعرب؛ لانْقِطَاعِ النُّبُوَّة فِيهِمْ. وَهِيَ عَلَى أَصْنَاف: [منْها]: مَا يَتَلَقَّوْنَهُ منْ الْجِنّ، فَإِن الجِنَّ كَانُوا يَصْعَدُونَ إِلَى جِهَة السَّمَاء، فَيَرْكَب بَعْضهمْ بَعْضًا، إِلَى أَنْ يَدْنُوَ الأَعْلَى، بِحَيثُ يَسْمَع الْكَلَام، فَيُلقِيه إِلَى الَّذِي يَلِيه، إِلَى أَنْ يَتَلَقَّاهُ مَنْ يُلْقِيه فِي أُذُن الْكَاهِن، فَيَزِيد فِيهِ، فَلَمَّا جَاءَ الإسْلَام، وَنَزَلَ الْقُرْآن، حُرِسَتْ السَّمَاء مِنْ الشَّيَاطِين، وَأُرْسِلَت عَلَيهِمْ الشُّهُب، فَبَقِيَ مِن اسْتِرَاقهمْ مَا يَتَخَطَّفهُ الْأَعلَى، فَيُلْقِيه إِلَى الْأَسْفَل، قَبْل أَنْ يُصِيبهُ الشِّهَاب، وإِلَى ذَلِكَ الْإشَارَة بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ﴾ [الصافات: ١٠]، وَكَانَتْ إِصَابَة الْكُهَّان قَبل الإسْلَام، كَثِيرَة جِدًّا، كَمَا جَاءَ فِي أَخْبَار شِقّ، وَسَطِيح، وَنَحْوهمَا، وَأمَّا فِي الْإسْلَام فَقَدْ نَدَرَ ذَلِكَ جِدًّا، حَتَّى كَادَ يَضْمَحِلّ، وَلِلَّهِ الْحَمْد. [ثَانِيهَا]: مَا يُخْبِر الْجِنِّيُّ بِهِ مَن يُوَالِيه، بِمَا غَابَ عَن غَيْره، مِمَّا لَا يَطَّلِع عَلَيْهِ الْإنْسَان غَالِبًا، أَوْ يَطَّلِع عَلَيْهِ مَنْ قَرُبَ مِنْهُ، لَا مَنْ بَعُدَ. [ثَالِثهَا]: مَا يَسْتنِد إِلَى ظَنّ، وَتَخْمِين، وَحَدْس، وَهَذَا قَدْ يَجْعَل الله فِيهِ لِبَعْضِ النَّاس قُوَّة، مَعَ كَثْرَة الْكَذِب فِيهِ. [رَابِعهَا]: مَا يَسْتنِد إِلَى التَّجرِبَة وَالعَادَة، فَيَسْتَدِلُّ، عَلَى الْحَادِث بِمَا وَقَعَ قَبْل ذَلِكَ، وَمِنْ هَذَا القِسْم الأَخِير مَا يُضَاهِي السِّحْر، وَقَدْ يَعْتَضِد بَعْضهمْ فِي ذَلِكَ بالزَّجْرِ، وَالطَّرْق، وَالنُّجُوم، وَكُلّ ذَلِكَ مَذْمُوم شَرْعًا. وَوَرَدَ فِي ذَمّ الْكَهَانَة، مَا أَخْرَجَهُ أَصْحَاب "السُّنَن"، وَصَحَّحَهُ الْحَاكِم، مِنْ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة، رَفَعَهُ: "مَنْ أَتَى كَاهِنًا، أَوْ عَرَّافًا، فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُول، فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّد"، وَلَهُ شَاهِد منْ حَدِيث جابِر، وَعِمْرَان ابْن حُصَيْنٍ، أَخْرَجَهُمَا الْبَزَّار، بِسَنَدَيْنِ جَيِّدَيْنِ، وَلَفْظهمَا: "مَنْ أَتَى كَاهِنًا"، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِم مِنْ حَدِيث امْرَأَة مِنْ أَزْوَاج النَّبِيّ ﷺ وَمِن الرُّوَاة مَنْ سَمَّاهَا حَفْصَة- بِلَفظِ: "مَنْ أَتَى عَرَّافاً"، وَأَخْرَجَهُ أَبُو يَعْلَى، منْ حَدِيث ابن مَسْعُود، بِسَنَدِ جَيِّد، لَكِنْ لَمْ يُصَرِّح بِرَفْعِهِ، وَمِثْله لَا يُقَال بِالرَّأْي، وَلَفْظه: "مَنْ أَتَى عَرَّافًا، أَوْ سَاحِرًا، أَو كَاهِنًا"، وَاتَّفَقَتْ أَلْفَاظهمْ عَلَى الوَعِيد، بِلَفْظِ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة، إِلَّا حَدِيث مُسْلِم، فَقَالَ فِيهِ: "لَمْ يُقبَل لَهُمَا صَلَاة أَرْبَعِينَ يَومًا". وَوَقَعَ عند الطَّبَرَانِيِّ منْ حَدِيث أَنَس، بِسَنَدٍ لَيِّن، مَرْفُوعًا: بِلَفْظِ: "مَنْ أَتَى كَاهِنًا، فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُول، فَقَد بَرِىء مِمَّا أُنزلَ عَلَى مُحَمَّد، وَمَن أَتَاهُ غَير مُصَدِّق لَهُ، لَمْ تُقْبَل صَلَاته أَرْبَعِينَ يَوْمًا"، وَالأَحَادِيث، الأُوَل مَعَ صِحَّتهَا، وَكَثرَتَها أَوْلَى منْ هَذَا، وَالْوَعِيد جَاءَ تَارَة بِعَدَمِ قَبُول الصَّلَاة، وَتَارَة بِالتَّكْفِيرِ، فَيُحْمَل عَلَى حَالَيْنِ منْ

стр. 16188

الآتِي، أَشَارَ إِلَى ذَلِكَ القُرْطُبِيّ. والْعَرَّاف -بِفَتحِ المُهْمَلة، وَتَشْدِيد الرَّاء-: مَن يَسْتَخْرِج الوُقُوف عَلَى الْمَغِيبَات، بِضَرْبٍ منْ فِعْل، أَوْ قَوْل. انتهى (١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٢٩٥ - (أَخْبَرَنَا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا مَعْرُوفُ بْنُ سُوَيْدٍ الْجُذَامِيُّ، أَنَّ عُلَيَّ بْنَ رَبَاحٍ اللَّخْمِيَّ، حَدَّثَهُ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ، يَقُولُ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "لَا يَحِلُّ ثَمَنُ الْكَلْبِ، وَلَا حُلْوَانُ الْكَاهِنِ، وَلَا مَهْرُ الْبَغِيِّ"). قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد رجال الصحيح، غير: ١ - (معروف بن سُويد الْجُذَاميّ) أبي سلمة البصريّ، مقبول [٧]. روى عن عليّ بن رباح، ويزيد بن صُبح، وأبي عُشّانة المعافريّ، وأبي قَبِيل. وعنه ابن لهيعة، ورِشدين بن سعد، وابن وهب، وغيرهم. ذكره ابن حبّان فِي "الثقات". وَقَالَ ابن يونس: تُوفي قبل الخمسين ومائة بيسير. تفرّد به المصنّف، وأبو داود، له عندهما هَذَا الحديث فقط. و"عليّ بن رَباح اللَّخْميّ": هو أبو عبد الله المصريّ، ثقة، منْ صغار [٣] ٣١/ ٥٦٠ والمشهور فِي اسمه عُليّ بالتصغير، وكان يغضب منه. وشرح الحديث واضح. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): فِي درجته: حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه صحيح بشواهده، فإن أحاديث الباب تشهد له. (المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -١٥/ ٤٢٩٥ - وفي "الكبرى" ١٦/ ٤٨٠٤. وأخرجه (د) فِي "البيوع" ٣٤٨٤ (ق) فِي "التجارات" ٢١٦٠. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٢٩٦ - (أَخْبَرَنَا شُعَيْبُ بْنُ يُوسُفَ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ، عَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "شَرُّ الْكَسْبِ مَهْرُ الْبَغِيِّ، وَثَمَنُ الْكَلْبِ، وَكَسْبُ الْحَجَّامِ").

стр. 16189

قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد رجال الصحيح، غير "شعيب بن يوسف" أبي عمرو النسائيّ، فإنه منْ أفراد المصنّف، وهو ثقة [١٠] ٤٢/ ٤٩. و"يحيى": هو ابن سعيد القطّان. و"محمد بن يوسف": هو الكنديّ المدنيّ الأعرج، ثقة ثبتٌ [٥] ١٢٣/ ١٨٣. و"السائب بن يزيد": هو المذكور قبل بابين. وقوله: "شرّ الكسب مهر البغيّ": وفي حَدِيث أَبِي هُرَيْرة رضي الله تعالى عنه عند البخاريّ: "نَهى رَسُول الله ﷺ ، عَن كَسْب الإِمَاء"، زَادَ أَبُو دَاوُدَ، مِنْ حَدِيث رَافِع بن خَدِيج: "نَهَى عَن كَسْب الْأَمَة، حَتى يُعْلَم منْ أَيْنَ هُوَ؟ "، فَعُرِفَ بِذَلِكَ النَّهْيُ، وَالمُرَاد بِهِ كَسْبهَا بالزِّنا، لَا بِالعَمَلِ الْمُبَاح. وَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُدَ أَيْضًا، مِنْ حَدِيث رِفَاعَة بْن رَافِع، مَرْفُوعًا: "نَهَى عَن كَسْب الأَمَة، إِلَّا مَا عَمِلَت بِيَدِهَا"، وَقَالَ هَكَذَا بِيَدِهِ، نَحْو الْغَزْل، وَالنَّفْش -وَهُوَ بِالْفَاءِ- أَي نَتْف الصُّوف. وَقِيلَ: المُرَاد بِكَسْب الأَمَة جَمِيع كَسْبهَا، وَهُوَ منْ بَاب سَدّ الذَّرَائِع؛ لِأَنَّهَا لَا تُؤْمَن، إِذَا أُلْزِمَت بِالْكَسْبَ، أنْ تَكْسِب بِفَرْجِهَا، فَالْمَعْنَى أَنْ لَا يُجْعَل عَلَيْهَا خَرَاجٌ مَعْلُوم، تُؤَدِّيه كُلّ يَوْم. قاله فِي "الفتح". وقوله: "وكسب الحجّام": وفي حديث أبي جحيفة رضي الله تعالى عنه عند البخاريّ: "نهى عن ثَمَن الدَّم"، وَاخْتُلِفَ فِي المُرَاد بِهِ، فَقِيلَ: أُجْرَة الْحِجَامَة، وَقِيلَ: هُوَ عَلَى ظَاهِره، وَالمُرَاد تَحرِيم بَيْع الدَّم، كَمَا حُرِّمَ بَيع المَيْتَة وَالْخِنْزِير، وَهُوَ حَرَام إِجْماعًا، أَعْنِي بَيْع الدَّم، وَأَخْذ ثَمَنه. وَقَدْ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي أجرة الحجّام، فَذَهَبَ الجُمهور إِلَى أَنَّهُ حَلَال، وَاحْتَجُّوا بِحديث "احتجم النبيّ صلّى الله تعالى عليه وسلم، وأعطى الحجام أجره"، متّفقٌ عليه، فقد قَالَ ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما: "احتجم النبيّ صلّى الله تعالى عليه وسلم، وأعطى الحجام أجره، ولو علم كراهيةً لم يُعطه". رواه البخاريّ. وَقَالُوا: هُوَ كَسْب، فِيهِ دَنَاءَة، وَلَيْسَ بِمُحَرَّم، فَحمَلُوا الزَّجْر عَنهُ عَلَى التَّنزِيه. وَمِنْهُمْ مَنْ ادَّعَى النَّسْخ، وَأَنَّهُ كَانَ حَرَامًا، ثُمَّ أُبِيحَ، وَجَنَحَ إِلَى ذَلِكَ الطَّحَاوِيُّ، وَالنَّسْخ لَا يَثْبُت بِالِاحْتِمَالِ. وَذَهَبَ أَحْمَد، وَجَمَاعَة إِلَى الْفَرْق بَين الحُرّ وَالْعَبْد، فَكَرِهُوا لِلْحُرِّ؛ الاحْتِرَاف بِالْحِجَامَةِ، وَيحْرُم عَلَيهِ الإِنْفَاق عَلَى نَفْسه مِنْهَا، وَيجُوز لَهُ الإنْفَاق عَلَى الرَّقِيق، وَالدَّوابّ مِنْهَا، وَأبَاحُوهَا لِلْعَبدِ مُطْلَقًا، وَعُمْدَتهمْ حَدِيث مُحَيِّصَةَ، أَنَّهُ "سَأَلَ النَّبِيّ ﷺ عَن كَسْب الْحَجَّام؟ فَنَهَاهُ، فَذَكَر لَهُ الحَاجَة، فَقَالَ: اعْلِفْهُ نَوَاضِحك"، أَخْرَجَهُ مَالِك، وَأَحْمَد، وَأَصْحَاب "السُّنَن"، وَرِجَاله ثِقَات. وَذَكَرَ ابْن الْجَوْزِيّ، أَن أَجْر الْحَجَّام إِنَّمَا كُرِهَ؛ لِأَنَّه مِنْ الأَشْيَاء الَّتِي تَجِب لِلْمُسْلِمِ

стр. 16190

عَلَى الْمُسْلم إِعَانَة لَهُ، عند الاحْتِيَاج لَهُ، فَمَا كَانَ يَنْبَغِي لَهُ أنْ يَأْخُذ عَلَى ذَلِكَ أَجْرًا. وَجَمَعَ ابْن الْعَرَبِيّ بين قَوْله ﷺ : "كَسْب الحَجَّام خَبِيث"، وَبَيْن إِعْطَائِهِ الْحَجَّام أُجْرَته، بِأنَّ مَحَلّ الجَوَاز، مَا إِذَا كَانَت الأُجْرَة عَلَى عَمَل مَعْلُوم، ويُحْمَل الزَّجْر عَلَى مَا إِذَا كَانَ عَلَى عَمَل مَجْهُول. ذكره فِي "الفتح" (١). قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن ما ذهب إليه الجمهور منْ حمل النهي عَلَى التنزيه هو الأرجح؛ لما تقدّم عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما. وتمام شرح الحديث يُعلم مما سبق. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): فِي درجته: حديث رافع بن خَدِيج رضي الله تعالى عنه هَذَا أخرجه مسلم. (المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -١٥/ ٤٢٩٦ - وفي "الكبرى" ١٦/ ٤٨٠٥. وأخرجه (م) فِي "البيوع" ٢٩٣١ و٢٩٣٢ (د) فِي "البيوع" ٣٤٢١ (ت) فِي "البيوع" ١٢٧٥ (أحمد) فِي "مسند المكيين" ١٥٣٨٥ و١٥٤٠٠ و"مسند الشاميين" ١٦٨٠٨ و١٦٨١٧ (الدارمي) فِي "البيوع" ٢٦٢١. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح، ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ١٦ - (الرُّخْصَةِ فِي ثَمَنِ الْكَلْبِ) ٤٢٩٧ - (أَخْبَرَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْحَسَنِ الْمِقْسَمِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ : "نَهَى عَنْ ثَمَنِ السِّنَّوْرِ، وَالْكَلْبِ، إِلاَّ كَلْبَ صَيْدٍ". قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ: وَحَدِيثُ حَجَّاجٍ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، لَيْسَ هُوَ بِصَحِيحٍ). قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "إبراهيم بن الحسن المِقْسميّ": هو أبو إسحَاق

стр. 16191

المصّيصيّ، ثقة [١١] ٥١/ ٦٤. و"حجاج بن محمد": هو المصّيصيّ الأعور. و"أبو الزبير": هو محمد بن مسلم بن تدرس. وقوله: "عن ثمن السّنّور" -بكسر السين المهملة، وتشديد النون، وسكون الواو، آخره راء-: الهِرّ، والأنثى سِنَّوْرة. قَالَ ابن الأنباريّ: وهما قليل فِي كلام العرب، والأكثر أن يقال: هِرٌّ، وضَيْوَنٌ، والجمع سَنَانير. ذكره الفيّوميّ. وقوله (قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ) أي النسائيّ رحمه الله تعالى (وَحَدِيثُ حَجَّاجٍ) بن محمد الأعور (عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، لَيْسَ هُوَ بِصَحِيحٍ) وفي الرواية الآتية فِي "البيوع": قَالَ أبو عبد الرحمن: هَذَا منكر. انتهى. وإنما ضعّفه المصنّف رحمه الله تعالى؛ لتفرّد حماد بن سلمة بذكر الاستثناء، فقد أخرج الحديث مسلم رحمه الله تعالى فِي "صحيحه" منْ طريق الحسن بن أعين، عن معقل بن عُبيد الله، عن أبي الزبير، بدون ذكر الاستثناء، ولفظه: قَالَ: سألت جابرًا عن ثمن الكلب والسنّور؟ قَالَ: زجر النبيّ صلّى الله تعالى عليه وسلم عن ذلك. انتهى، فقد خالف حمادًا معقلُ بن عبيد الله، وأخرج الحديث أبو داود، والترمذيّ منْ طريق الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر رضي الله تعالى عنه، بدون ذكرِ الاستثناء، ولفظه: "أن النبيّ، وفي رواية أن رسول الله صلّى الله تعالى عليه وسلم نَهَى عن ثمن الكلب، والسنّور"، فتبين بهذ أن المحفوظ منْ حديث جابر رضي الله تعالى عنه عدم ذكر الاستثناء. [فإن قلت]: لم ينفرد حماد بن سلمة، فقد أخرجه أحمد فِي "مسنده" منْ طريق الحسن بن أبي جعفر، عن أبي الزبير، عن جابر بن عبد الله، قَالَ: "نهى رسول الله ﷺ ، عن ثمن الكلب، إلا الكلب المعلم". [قلت]: هذه المتابعة لا تنفع شيئاً؛ لأن الحسن بن أبي جعفر ضعّفه الأئمة، فقد ضعّفه أحمد، وفي رواية تركه، وَقَالَ ابن المدينيّ: يَهِمُ فِي الحديث، وَقَالَ البخاريّ: منكر الحديث، وَقَالَ أبو داود: ضعيف، وَقَالَ أبو زرعة الرازيّ: ليس بالقويّ فِي الحديث. وَقَالَ فِي "التقريب": ضعيف الحديث، مع عبادته وفضله. والحاصل أن حديث جابر رضي الله تعالى عنه هَذَا بذكر استثناء كلب الصيد ضعيف (١)؛ لما ذكرنا، وبدونها صحيح، كما أخرجه مسلم فِي "صحيحه"، و"أبو داود فِي "سننه"، والترمذيّ فِي "جامعه". والله تعالى أعلم.

стр. 16192

[تنبيه]: قَالَ النوويّ رحمه الله تعالى فِي "شرح مسلم": وأَمَّا النَّهْي عَن ثَمَن السِّنَّوْر، فَهُوَ مَحْمُول عَلَى أَنَّهُ لَا يَنفَع، أَوْ عَلَى أَنَّهُ نَهي تَنزِيه، حَتَّى يَعتَاد النَّاس هِبَته، وِإعَارَته، وَالسَّمَاحَة بِهِ، كَمَا هُوَ الغَالِب. فَإِنْ كَانَ مِمَّا يَنْفَع، وَبَاعَهُ صَحَّ البَيْع، وَكَانَ ثَمَنه حَلَالاً. هَذَا مَذهَبنَا، وَمَذهَب العُلَمَاء كَافَّة، إِلَّا مَا حَكَى ابْن المُنذِر عَن أَبِي هُرَيْرة، وَطَاوُسِ، وَمُجَاهِد، وَجَابِر بن زَيد، أَنَّهُ لَا يَجُوز بَيعه، وَاحْتَجُّوا بِالْحَدِيثِ. وَأَجَابَ الْجُمْهور عَنْهُ، بِأنَّه مَحْمُول عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ، فَهَذَا هُوَ الْجَوَاب المُعتَمَد. وأَمَّا مَا ذَكَرَهُ الخَطَّابِيّ، وَأَبُو عُمَر بْن عَبْد البَرّ، منْ أنَّ الْحَديث فِي النَّهْي عَنهُ ضعِيف، فَلَيْسَ كَمَا قَالَا، بَلْ الْحَديث صَحِيح، رَوَاهُ مُسْلِم وَغَيره. وَقَول ابن عبد البرّّ: إِنَّهُ لَمْ يَرْوِهِ عَن أَبِي الزُّبَير غَيْر حَمَّاد بن سَلَمَة غَلَط مِنْهُ أَيْضًا؛ لِأَنَّ مُسْلِمًا قَد رَوَاهُ فِي "صَحِيحه" كَمَا تَرَى منْ رِوَايَة مَعقِل بن عُبَيْد الله، عَنْ أَبِي الزُّبَير، فَهَذَانِ ثِقَتَانِ رَوَيَاهُ عَن أَبِي الزُّبَير، وَهُوَ ثِقَةٌ أَيْضًا. وَالله أَعْلَم. انتهى (١). قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: بل رواه أيضًا عن جابر أبو سفيان/ طلحة بن نافع عند أبي داود، والترمذيّ، كما تقدّم. وعندي أن ما ذهب إليه أبو هريرة، وطاوس، ومجاهد، وجابر بن زيد منْ عدم جواز بيعه أرجح، لصحة حديث جابر المذكور. والله تعالى أعلم. وهَذَا الحديث بذكر الاستثناء منْ أفراد المصنّف رحمه الله تعالى أخرجه هنا -١٦/ ٤٢٩٧ وفي "البيوع" ٩١/ ٤٦٦٨ - وفي "الكبرى" ١٧/ ٤٨٠٦ و٩٣/ ٦٢٦٤. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٢٩٨ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ سَوَاءٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ أَبِي مَالِكٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، أَنَّ رَجُلاً أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ لِي كِلَابًا مُكَلَّبَةً فَأَفْتِنِي فِيهَا؟. قَالَ: "مَا أَمْسَكَ عَلَيْكَ كِلَابُكَ فَكُلْ"، قُلْتُ: وَإِنْ قَتَلْنَ؟ قَالَ: "وَإِنْ قَتَلْنَ"، قَالَ: أَفْتِنِي فِي قَوْسِي؟ قَالَ: "مَا رَدَّ عَلَيْكَ سَهْمُكَ فَكُلْ"، قَالَ: وَإِنْ تَغَيَّبَ عَلَيَّ؟ قَالَ: "وَإِنْ تَغَيَّبَ عَلَيْكَ، مَا لَمْ تَجِدْ فِيهِ أَثَرَ سَهْمٍ، غَيْرَ سَهْمِكَ، أَوْ تَجِدْهُ قَدْ صَلَّ" -يَعْنِي قَدْ أَنْتَنَ- قَالَ ابْنُ سَوَاءٍ: وَسَمِعْتُهُ مِنْ أَبِي مَالِكٍ، عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ الأَخْنَسِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ). قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: كَانَ الأَولى للمصنّف رحمه الله تعالى أن يترجم

стр. 16193

هنا، كما فعل فِي "الكبرى"، حيث ترجم فيها بقوله: "باب رمي الصيد"، وذلك لأن هَذَا الحديث لا يطابق الترجمة السابقة، فتأمّل، والله تعالى أعلم. رجال هَذَا الإسناد: سبعة: ١ - (عمرو بن علي) الفلّاس الصيرفي البصريّ، ثقة ثبت [١٠] ٤/ ٤. ٢ - (ابن سواء) هو محمد بن سواء -بتخفيف الواو، والمدّ- السدوسيّ الْعَنبريّ، أبو الخطاب البصريّ المكفوف، صدوقٌ، رُمي بالقدر [٩] ٧٨/ ١٩٩٣. ٣ - (سعيد) بن أبي عروبة مهران، أبو النضر البصريّ، ثقة ثبت، يدلس، واختلط بآخره [٦] ٣٤/ ٣٨. ٤ - (أبو مالك) عبيد الله بن الأخنس النخعيّ الْخَزّاز -بمعجمات- الكوفيّ، صدوق، قَالَ ابن حبّان: كَانَ يُخطىء كثيرًا [٧] ٣٢/ ١٦٨٦. ٥ - (عمرو بن شعيب) المدنيّ، أو الطائفي، صدوق [٥] ١٠٥/ ١٤٠. ٦ - (أبوه) شعيب بن محمد الطائفي، صدوق [٣] ١٠٥/ ١٤٥. ٧ - (جده) عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما ٨٩/ ١١١. والله تعالى أعلم. لطائف هَذَا الإسناد: منها: أنه منْ سباعيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم موثّقون. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين إلى سعيد، وعبيد الله كوفيّ، والباقون طائفيون. (ومنها): أن فيه رواية الراوي عن أبيه عن جده، وتابعي عن تابعيّ. (ومنها): أنه اختُلف فِي الاحتجاج بعمرو بن شُعيب، عن أبيه، عن جده، والأصح صحة الاحتجاج به، وَقَدْ تقدم غير مرّة. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ) شعيب بن محمد (عَن جَدِّهِ) الأصحّ أن الضمير لشعيب، أي عن جدّ شعيب، وهو عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما (أَنَّ رَجُلاً) هَذَا الرجل هو أبو ثعلبة الْخَشَنيّ رضي الله تعالى عنه، فقد جاء مبيّنًا فِي رواية أحمد فِي "مسنده" منْ طريق عبد الوارث بن سعيد، وأبي داود منْ طريق يزيد بن زُريع، كلاهما عن حبيب المعلّم، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده أن أعرابيا، يقال له: أبو ثعلبة، قَالَ: يا رسول الله، إن لي كلابا مُكَلَّبةً، فأفتني فِي صيدها؟ فَقَالَ النبيّ ﷺ : "إن كَانَ لك كلاب مكلبة، فكل مما أمسكن عليك"، قَالَ ذَكِيًا أو غير

стр. 16194

ذَكِيّ؟، قَالَ: "نعم"، قَالَ: فإن أكل منه؟ قَالَ: "وإن أَكَلَ منه؟ "، فَقَالَ: يا رسول الله، أفتني فِي قوسي؟، قَالَ: "كُلْ ما ردت عليك قوسك"، قَالَ: ذَكِيًا، أو غير ذكي؟ قَالَ: وإن تغيب عني؟ قَالَ: "وإن تغيب عنك، ما لم يَصِلَّ، أو تجد فيه أثراً غير سهمك"، قَالَ: أفتني فِي آنية المجوس إن اضطررنا إليها؟ قَالَ: "اغسلها، وكُلْ فيها". وَقَدْ تقدّمت قصّة أبي ثعلبة عند المصنّف فِي -٤/ ٤٢٦٨ - منْ رواية أبي إدريس الخولانيّ، عنه (أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ لِي كِلَابًا مُكَلَّبَةً) -بتشديد اللام-: اسم مفعول منْ كلّبته تكليبًا: إذا علّمته الصيد. قاله الفيّوميّ. وَقَالَ ابن الأثير: الْمُكَلَّبةُ: هي المسلَّطة عَلَى الصيد المعَوَّدة بالاصطياد، والتي قد ضَرِيت به. انتهى (١) (فَأَفْتِنِي فِيهَا؟) بفتح الهمزة، منْ الإفتاء رباعيًّا: يقال: أفتى العالم: إذا بيّن الحكم. قاله الفيّومي. والمعنى هنا: بيّن لي حكمها (قَالَ) صلّى الله تعالى عليه وسلم (مَا أَمْسَكَ عَلَيْكَ كِلَابُكَ فَكُلْ) الأمر فيه للإباحة (قُلْتُ: وَإِنْ قَتَلْنَ؟) جواب "إن" دلّ عليه ما قبله: أي يؤكل؟ " (قالَ) صلّى الله تعالى عليه وسلم (وَإِنْ قَتَلْنَ) أي يؤكل (قَالَ) ذلك الرجل (أَفْتِنِي فِي قَوْسِي؟) أي أفتني فِي حكم ما اصطدته بقوسي (قالَ: "مَا رَدَّ عَلَيْكَ سَهْمُكَ فَكُلْ"، قالَ: وَإِن تَغيَّبَ عَلَيَّ؟ قالَ: "وَإِنْ تَغَيَّبَ عَلَيْكَ مَا لَمْ تَجِدْ فِيهِ أَثَرَ سَهْمٍ غَيْرَ سَهْمِكَ) بجرّ "غير" صفة لـ"سهم" (أَوْ تَجِدْهُ قَدْ صَلَّ) -بتشديد اللام- يقال: صلّ اللحم، صُلُولاً، باب قعد: إذا أنتن، كأصلّ بالهمز، لغتان. وقوله (يَعْنِي قَدْ أَنْتَنَ) تفسير منْ بعض الرواة، ولم يتبيّن لي منْ هو؟ (قَالَ) محمد (ابْنُ سَوَاءٍ: وَسَمِعْتُهُ مِنْ أَبِي مَالِكٍ، عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ الأَخْنَسِ) بالجرّ بدل منْ أبي مالك (عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ) والمعنى: أن محمد بن سواء سمع هَذَا الحديث منْ أبي مالك مباشرة، كما سمعه بواسطة سعيد بن أبي عروبة، عنه، والظاهر أنه سمعه أوّلاً عن سعيد، عنه، ثم لقيه، فسمعه منه، ويحتمل أن يكون سمعه منْ أبي مالك أولاً، ثم ثبّته سعيد بعد ذلك، وهذا كثير فِي روايات الثقات، ولا يضرّ ذلك بصحة الحديث. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): فِي درجته: حديث عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنهما هَذَا صحيح، ولم ينفرد به عبيد الله ابن الأخنس، عن عمرو، بل تابعه حبيبٌ المعلّم، عن عمرو، كما تقدّم فِي رواية

стр. 16195

أحمد، وأبي داود. والله تعالى أعلم، (المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -١٦/ ٤٢٩٨ و"البيوع" ٤٦٧٠ - وفي "الكبرى" وأخرجه (د) فِي "الصيد" ٢٨٥٧ (أحمد) فِي "مسند المكثرين" ٦٦٨٦. والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): فِي فوائده: (منها): جواز الصيد بالكلاب المعلّمة. (ومنها): جواز أكل الصيد الذي قتله الكلب، ولا يشترط إدراكه، وذبحه. (ومنها): جواز الاصطياد بالقوس، ونحوها، مما هو محددٌ، يقتل بحدّه. (ومنها): جواز أكل الصيد الذي غاب عن صاحبه بعد أن أصابه بسهمه، إذا لم يجد فيه أثر سهم غير سهمه، وسيأتي اختلاف العلماء فِي مسألة الصيد الذي يغيب عن صاحبه، بعد بابين، إن شاء الله تعالى. (ومنها): أن ظاهر هَذَا الحديث يدلّ عَلَى عدم أكل الصيد الذي غاب، إذا وجده بعد أن أنتن، وفيه اختلافٌ بين العلماء، سيأتي تحقيقه بعد ثلاثة أبواب. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح، ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ١٧ - (الإِنْسِيَّةُ تَسْتَوْحِشُ) أي هَذَا ذكر الحديث الدّالّ عَلَى حكم البهائم الإنسيّة تستوحش: أي تصير وحشيّةً، أي التي لا تألَفُ البيوت بعد أن كانت آلفة لها. قَالَ ابن الأثير رحمه الله تعالى: وفي الحديث: "نَهَى عن الحمر الإنسية يوم خيبر" يعني التي تألف البيوت، والمشهور فيها كسر الهمزة، منسوبة إلى الإنس، وهم بنو آدم، الواحد إنسيّ، وفي كتاب أبي موسى ما يدلّ عَلَى أن الهمزة مضمومة، فإنه قَالَ: هي التي تألَف البيوت، والأُنسُ، وهو ضدّ الوحشة، والمشهور فِي ضدّ الوحشة الأُنسُ بالضمّ، وَقَدْ جاء فيه الكسر قليلاً. قَالَ: ورواه بعضهم بفتح الهمزة والنون، وليس بشيء. قَالَ ابن الأثير: إن أراد أن الفتح غير معروف فِي الرواية، فيجوز، وإن أراد أنه ليس بمعروف فِي اللغة فلا، فإنه مصدر أَنِست به آنَسُ أَنَسًا، وأَنَسَةً. انتهى كلام ابن الأثير (١). والله تعالى أعلم بالصواب.

стр. 16196

٤٢٩٩ - (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ، عَنْ زَائِدَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَبَايَةَ بْنِ رِفَاعَةَ بْنِ رَافِعٍ، عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ، قَالَ: بَيْنَمَا نَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فِي ذِي الْحُلَيْفَةِ، مِنْ تِهَامَةَ، فَأَصَابُوا إِبِلاً وَغَنَمًا، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فِي أُخْرَيَاتِ الْقَوْمِ، فَعَجَّلَ أَوَّلُهُمْ، فَذَبَحُوا، وَنَصَبُوا الْقُدُورَ، فَدُفِعَ إِلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَأَمَرَ بِالْقُدُورِ، فَأُكْفِئَتْ، ثُمَّ قَسَّمَ بَيْنَهُمْ، فَعَدَلَ عَشْرًا مِنَ الشَّاءِ بِبَعِيرٍ، فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ، إِذْ نَدَّ بَعِيرٌ، وَلَيْسَ فِي الْقَوْمِ إِلاَّ خَيْلٌ يَسِيرَةٌ، فَطَلَبُوهُ، فَأَعْيَاهُمْ، فَرَمَاهُ رَجُلٌ بِسَهْمٍ، فَحَبَسَهُ اللَّهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ لِهَذِهِ الْبَهَائِمِ أَوَابِدَ، كَأَوَابِدِ الْوَحْشِ، فَمَا غَلَبَكُمْ مِنْهَا، فَاصْنَعُوا بِهِ هَكَذَا"). رجال هَذَا الإسناد: ستة: ١ - (أحمد بن سليمان) أبو الحسين الروهاويّ الثقة الحافظ [١١] ٣٨/ ٤٢. ٢ - (حسين بن عليّ) الجعفيّ الكوفيّ الثقة العابد المقرىء [٩] ٧٤/ ٩١. ٣ - (زائدة) بن قُدامة الثقفيّ، أبو الصلت الكوفيّ، ثقة ثبت [٧٤/ ٩١. ٤ - (سعيد بن مسروق) بن حبيب الثوريّ، والد سفيان، ثقة [٦] ١٥٣/ ١١٢١. ٥ - (عباية بن رفاعة) الأنصاريّ الزُّرَقيّ، أبو رفاعة المدنيّ، ثقة [٣] ٩/ ٣١١٦. ٦ - (رافع بن خَدِيج) الحارثيّ الأوسيّ الأنصاريّ، صحابيّ جليلٌ، أولُ مشاهده أُحدٌ، ثم الخندق، مات سنة (٣) أو (٧٤) وقيل: قبل ذلك ١١٢/ ١٥٥. والله تعالى أعلم. لطائف هَذَا الإسناد: منها: أنه منْ سداسيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيحين غير شيخه، فإنه منْ أفراده. (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين إلى سعيد بن مسروق، غير شيخه، فرُهاويّ، ورفاعة، ورافع مدنيان. (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ سَعِيدِ بْنِ مَسْرُوقٍ) هُوَ الثَّوريّ الكوفيّ وَالِد سُفيَان، قَالَ فِي "الفتح": وَمَدَارُ هَذَا الْحَديث فِي "الصَّحِيحَينِ" عَلَيْهِ (عَنْ عَبَايَةَ بْنِ رِفَاعَةَ بْنِ رَافِعٍ) -بِفَتح عين عَباية، وَتَخفِيف المُوَحَّدَةِ، وَبَعْدها أَلِف تَحْتَانِيَّة (عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ) وفي رواية البخَاريّ: "عن جدّه رافع ابن خَدِيج"، قَالَ فِي "الفتح": كَذَا قَالَ أَكْثَر أَصْحَاب سَعِيد بْن مَسْرُوق عَنْهُ (١)، وَقَالَ

стр. 16197

أَبُو الأحْوَص: "عَن سَعِيد، عَن عَبَايَة، عَن أَبيهِ، عَن جَدّه" وَلَيْسَ لِرِفَاعَة بن رَافِع ذِكْر فِي كُتُب الأقْدَمِينَ، مِمَّن صَنَّفَ فِي الرِّجَال (١)، وإنَّمَا ذَكَرُوا وَلَده عَبَايَة بْن رِفَاعَة، نَعَمْ ذَكَرَهُ ابن حِبَّان فِي ثِقَات التَّابِعِينَ، وَقَالَ: إِنَّه يُكْنَى أَبَا خَدِيج، وَتَابَعَ أَبَا الأحْوَص عَلَى زِيَادَته فِي الإسْنَاد حَسَّان بنُ إِبرَاهِيم الْكَرْمانيُّ، عَن سَعِيد بن مَسْرُوق، أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ منْ طَرِيقه، وَهَكَذَا رَوَاهُ لَيْث بْن أَبِي سُلَيْم، عَن أَبِي سُلَيْم، عَن عَبَايَة، عَن أَبِيهِ، عَن جَدِّه. قَالَهُ الدَّارَقُطنِيّ فِي "الْعِلَل"، قَالَ: وَكَذَا قَالَ مُبَارَكُ بْنُ سَعِيد الثَّوْرِيّ، عَنْ أَبِيهِ. وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الطَّبَرَانِيّ أَخْرَجَه مِنْ طَرِيق مُبَارَك، فَلَم يَقُلْ فِي الإسْنَاد: "عَنْ أَبِيهِ"، فَلَعَلَّهُ اخْتُلِفَ عَلَى المُبَارَك فِيهِ، فَإِنَّ الدَّارَقُطنِيّ لَا يَتَكَلَّم فِي هَذَا الْفَنّ جِزَافًا، وَرِوَايَة لَيْث بْن أَبِي سُلَيْمٍ عْند الطَّبَرَانِيّ، وَقَد أَغْفَلَ الدَّارَقُطنِيُّ ذِكر طَرِيق حَسَّان بن إِبْرَاهِيم، قَالَ الجَيَّانِيّ: رَوَى البُخاريُّ حَدِيث رَافِع مِنْ طَرِيق أَبِي الأحْوَص، فَقَالَ: "عَنْ سَعِيد بْن مَسْرُوق، عَن عَبَايَة بْن رَافِع، عَن أَبيهِ، عَن جَدّه"، هَكَذَا عند أَكْثَر الرُّوَاة، وَسَقَطَ قَوْله: "عَن أَبِيهِ" فِي رِوَايَة أَبِي عَليّ بْن السَّكَن، عند الفَرَبْرِيّ وَحْده، وَأَظُنُّهُ منْ إِصْلَاح ابْن السَّكَن، فَإِنَّ ابن أَبِي شَيْبَة، أخْرَجَهُ عَن أَبِي الأحْوَص، بإثْبَاتِ قَوْله: "عَن أَبِيهِ"، ثمَّ قَالَ أَبُو بَكْر: لَمْ يَقُلْ أحَد فِي هَذَا السَّنَد "عَن أبِيهِ" غَيْرُ أَبِي الأحْوَص. انتهى. وَقَدْ تقَدَّم آنفًا منْ تَابَعَ أَبَا الأحْوَص عَلَى ذَلِكَ، فلا تغفل. ثمَّ نَقَلَ الجَيَّانيّ، عَن عَبْد الغَنِيّ بْن سَعِيد، حَافِظ مِصْر، أَنَّهُ قَالَ: خَرَّجَ البُخَاريُّ هَذَا الْحَديث، عَنْ مُسَدَّد، عَن أَبِي الأحْوَص عَلَى الصَّوَاب، يَعْني بِإسْقَاطِ "عَن أَبيهِ"، قَالَ: وَهُوَ أَصْلٌ يَعْمَل بِهِ مَنْ بَعْد البُخَاريّ، إِذَا وَقَعِ فِي الْحَدِيث خَطَأٌ، لَا يُعَوَّل عَلَيْهِ، قَالَ: وَإِنَّمَا يَحْسُن هَذَا فِي النَّقْص، دُون الزِّيَادَة، فيُحْذَف الخَطَأ. قَالَ الجَيَّانيُّ: وَإِنَّمَا تَكَلَّمَ عَبْد الغَنِيّ عَلَى مَا وَقَعَ فِي رِوَايَة ابن السَّكَن، ظَنًّا مِنْهُ أَنَّهُ مِن عَمَلِ البُخَاريّ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ؛ لِمَا بَيَّنَّا أنَّ الأَكْثَر رَوَوْهُ عَن البُخَاريّ بإِثبَاتِ قَوله: "عَنْ أَبيهِ". انتهى. قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: الذي يظهرَ لي أن رواية أبي الَأحوص بزيادة "عن أبيه" غير محفوظة؛ لمخالفته الحفاظ الذين رووه عن سعيد بن مسروق، بدونها، فقد رواه عن سعيد سبعة منْ الحفاظ، وهم: ولده سفيان الثوريّ عند البخاريّ ٢٥٠٧

стр. 16198

و٥٥٠٦ و٥٥٠٩ ومسلم ١٩٦٨ (٢٠) و (٢١) وغيرهما، وولده الآخر عمر بن سعيد عند مسلم ١٩٦٨ (٢٢) وغيره، وأبو عوانة عند البخاريّ ٢٤٨٨ و٣٠٧٥ و٥٤٩٨، وشعبة بن الحجاج عند البخاريّ ٥٥٠٣، ومسلم ١٩٦٨، وغيرهما، وعمر بن عُبيد الطنافسي عند البخاريّ ٥٥٤٤، وإسماعيل بن مسلم العبدي عند مسلم ١٦٦٨، وزائدة ابن قدامة عند مسلم ١٩٦٨ (٢٢) وغيره. انظر ما كتبه بشار عواد، وشعيب الأرنؤط عَلَى "التقريب" ج ١/ ص ٤٠٢ - ٤٠٣. والحاصل أن الرواية المحفوظة هي رواية هؤلاء الجماعة عن سعيد بن مسروق، عن عباية بن رفاعة، عن رافع بن خديج، كما هي رواية المصنّف هنا. والله تعالى أعلم. (قَالَ) رافع رضي الله تعالى عنه (بَيْنَمَا نَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي ذِي الْحُلَيْفَةِ) هو مكان غير ميقات أهل المدينة؛ لأن الميقات فِي طريق الذاهب منْ المدينة، ومن الشام إلى مكة، وهذه بالقرب منْ ذات عرق، بين الطائف ومكة، وكذا جزم به أبو بكر الحازميّ، وياقوت. ووقع للقابسيّ أنها الميقات المشهور، وَكَذَا ذَكَرَ النَّوَوِيّ، قَالُوا: وَكَانَ ذَلِكَ عند رُجُوعهمْ منْ الطَّائِف، سَنَة ثَمَانٍ. قاله فِي "الفتح". قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: هكذا عزاه فِي "الفتح" إلى النوويّ، والذي ذكره فِي شرحه عَلَى مسلم هو الأول، ونصه: قَالَ العلماء: ذو الحليفة هذه مكان منْ تهامة بين حاذة (١) وذات عرق، وليست بذي الحليفة التي هي ميقات أهل المدينة. هكذا ذكره الحازميّ، فِي كتابه "المؤتلف، فِي أسماء الأماكن"، لكنه قَالَ: "الحليفة" منْ غير لفظ "ذي"، والذي فِي "صحيح البخاريّ ومسلم" "بذي الحليفة"، فكأنه يقال: بالوجهين. انتهى (٢). (مِنْ تِهَامَةَ) اسم لِكُلِّ مَا نَزَلَ منْ بلاد الحِجَاز، سُمِّيَت بذَلِك؛ منْ التَّهَم -بِفَتح المُثَنَّاة وَالهَاء- وَهُوَ شِدَّة الحَرّ، وَرُكُود الرِّيح. وَقِيلَ: تَغَيُّر الهَوَاء. قاله فِي "الفتح". وَقَالَ الفيّوميّ: تَهِمَ البنُ، واللحمُ تَهمًا، منْ باب تَعِبَ: تغيّر، وأنتن، وتَهِمَ الحرُّ: اشتدَّ مع رُكُود الريح، ويقال: إنّ تهامة مُشتقّةٌ منْ الأوَّل؛ لأنها انخفضت عن نجد، فتغيّرت ريحها، ويُقال: منْ المعنى الثاني؛ لشدّة حرّها، وهي أرضٌ أوَّلُها ذات عِرْقٍ منْ قِبَل نجد إلى مكة، وما وراءها بمرحلتين، أو أكثر، ثمّ تتّصل بالغَوْر، وتأخذ إلى البحر، ويقال: إن تهامة تتصل بأرض اليمن، وإنّ مكة منْ تهامة اليمن، والنسبة إليها تَهَاميّ، وتَهام أيضًا -بالفتح- وهو منْ تغييرات النسب. قَالَ الأزهريّ: رجلٌ تَهَامٍ، وامرأةٌ تَهَامِيَةٌ، مثلُ رَبَاعٍ ورَبَاعِيَةٍ. انتهى كلام الفيّوميّ.

стр. 16199

(فَأَصَابُوا إِبِلاً وَغَنَمًا) ولفظ البخاريّ: "فأصاب الناسَ جوع، فأصبنا إبلًا وغنمًا". قَالَ فِي "الفتح": كأن الصحابيّ قَالَ هَذَا ممهّدًا لعذرهم فِي ذبحهم الإبل، والغنم التي أصابوا. وفي رواية: "وتقدّم سَرَعان النَّاس، فأصابوا منْ المغانم"، وفي رواية: "فأصبنا نَهْب إبل وغنم" (وَرَسُولُ اللهِ ﷺ ، فِي أُخْرَيَاتِ الْقَوْمِ) جمع أخرى، وفي رواية: "فِي آخر النَّاس"، وَكَانَ ﷺ ، يَفعَل ذَلِكَ؛ صَوْنًا للْعَسْكَر، وَحِفْظًا؛ لِأَنَّه لو تَقَدَّمَهُم لَخَشِيَ أَن يَنقَطِع الضَّعِيف مِنْهُمْ دُونه، وَكَانَ حِرْصِهمْ عَلَى مُرَافَقَته شَدِيدًا، فَيَلْزَم مِنْ سَيْره فِي مَقَام السَّاقَة، صَوْن الضُّعَفَاء؛ لِوُجُودِ مَن يَتَأَخَّر مَعَهُ قَصْدًا منْ الأَقْوِيَاء. (فَعَجَّلَ أَوَّلُهُم، فَذَبَحُوا، وَنَصَبُوا القُدُورَ) يعني مِن الجُوع الَّذِي كَانَ بهِمْ، فَاستَعجَلُوا، فَذَبَحُوا الَّذِي غَنِمُوهُ، وَوَضَعُوهُ فِي القُدُور، وَوَقَعَ فِي رِوَايَة: "فَانْطَلَقَ نَاس، منْ سَرَعَان النَّاس، فَذَبَحُوا، وَنَصَبُوا قُدُورهمْ، قَبل أن يُقْسَم". وَفِي رِوَايَة: "فَأَغْلَوْا القُدُور": أَي أَوْقَدُوا النَّار تَحْتهَا، حَتَّى غَلَتْ (فَدُفِعَ إِلَيْهِمْ رَسُولُ الله ﷺ ) "دُفِعَ" -بِضمِّ أَوَّله، عَلَى الْبِنَاء لِلْمَجهُولِ: وَالْمَعْنَى أَنَّهُ وَصَلَ إِلَيْهِمْ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَة زَائِدَة، عَن سَعِيد بْن مَسْروق: "فَانتَهَى إِلَيْهِمْ"، أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِىُّ. (فَأَمَرَ بالقُدُورِ، فَأُكْفِئَتْ) -بِضَم الهَمْزَة، وَسُكُون الكَاف- أَي قُلِبَتْ، وَأُفْرغَ مَا فِيهَا. قَالَ المجد: كفأه، كمنعه: صرفه، وكبّه، وقَلَبه، كأكفأه، واكتفأه. انتهى. قَالَ فِي "الفتح": وَقَدْ اختُلِفَ فِي هَذَا الْمَكَان فِي شَيْئَيْنِ: [أَحَدهما]: سَبَب الإرَاقَة، [وَالثَّانِي]: هل أُتْلِفَ اللَّحْم أَمْ لَا؟، فَأَمَّا الأَوَّل فَقَالَ عِيَاض: كَانُوا انْتَهَوْا إِلَى دَار الإسْلام، وَالْمَحَلِّ الَّذِي لَا يَجُوز فِيهِ الأَكْل منْ مَال الْغَنِيمَة المُشْتَرَكَة، إِلَّا بَعْد الْقِسْمَة، وَأَنَّ مَحَلّ جَوَاز ذَلِكَ قَبْل الْقِسْمة، إِنَّما هُوَ مَا دَامُوا فِي دَار الْحَرْب، قَالَ: وَيَحْتَمِل أَن سَبَب ذَلِكَ كَوْنهمْ انْتَهَبُوهَا، وَلَمْ يَأخُذُوهَا بِاعْتِدَالٍ، وَعَلَى قَدْر الحَاجَة. قَالَ: وَقَدْ وَقَعَ فِي حَدِيث آخَر مَا يَدُلّ لِذَلِكَ، يُشِير إِلَى مَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، مِنْ طَرِيق عَاصِم بن كُلَيْب، عَن أَبيهِ، وَلَهُ صُحْبَة، عَن رَجُل منْ الأَنْصَار، قَالَ: "أَصَابَ النَّاس مَجَاعَة شَدِيدَة، وَجَهْد، فَأصَابُوا غَنَمًا، فَانْتَهَبُوهَا، فَإِن قُدُورنَا لَتَغْلِي بِهَا، إِذْ جَاءَ رَسُول الله ﷺ عَلَى فَرَسه، فَأَكْفَأ قُدُورنَا بِقَوْسِهِ، ثُمَّ جَعَلَ يُرَمِّل اللَّحْم بالتُّرَاب، ثُمَّ قَالَ: "إِنَّ النُّهْبَة لَيْسَتْ بِأَحَلّ منْ المَيْتَة". انتهى. وَهَذَا يَدُلّ عَلَى أَنَّهُ عَامَلَهُمَ منْ أَجْل اسْتِعْجَالهمْ بِنَقِيضِ قَصْدهمْ، كَمَا عُومِلَ القَاتِل بِمَنْعِ الْمِيرَاث. وأَمَّا الثَّانِي، فَقَالَ النَّوَوِيّ: المَأْمُور بِهِ منْ إِرَاقَة القُدُور، إِنَّمَا هُوَ إِتْلَاف المَرَق، عُقُوبَة لَهُمْ، وأَمَّا اللَّحْم فَلَم يُتْلِفُوهُ، بَلْ يُحْمَل عَلَى أَنَّهُ جُمِعَ، وَرُدَّ إِلَى المَغْنَم، وَلا يُظَنّ أَنَّه أَمَرَ بِإِتْلَافه، مَعَ أَنَّه ﷺ ، نَهَى عَنْ إِضَاعَة المَال، وَهَذَا منْ مَال الغَانِمِينَ، وَأَيْضًا

стр. 16200

فَالجِنَايَة بطَبْخِهِ، لَمْ تَقَع منْ جمَيع مُسْتَحِقِّي الْغَنِيمَة، فَإِنَّ مِنْهُمْ مَنْ لَمْ يَطبُخ، وَمِنْهُمْ المُسْتَحِقُّون لِلْخُمُسِ. [فَإِن قِيلَ]: لَمْ يُنقَل أَنَّهُم حَمَلُوا اللَّحْم إِلَى المَغْنَم، [قُلْنَا]: وَلَمْ يُنْقَل أَنَّهُمْ أَحْرَقُوهُ، أَو أَتْلَفُوهُ فَيَجِب تأويله عَلَى وَفْق القَوَاعِد. انتهى. قَالَ الحافظ: وَيَرِدُ عَلَيهِ حَدِيث أَبِي دَاوُدَ، فَإِنهُ جَيِّد الإِسْنَاد، وَتَرْكُ تَسْمِيَة الصَّحَابِيّ لا يَضرّ، وَرِجَال الإسْنَاد عَلَى شَرْط مُسْلِم، وَلا يُقَال: لا يَلْزَم منْ تَتْرِيب اللَّحْم إِتْلَافه؛ لإمْكَانِ تَدَارُكه بالغَسْل؛ لأَنَّ السِّيَاق يُشْعِر بِأَنَّهُ أُرِيدَ المُبَالَغَة فِي الزَّجْر عَن ذَلِكَ الْفِعْل، فَلَوْ كَانَ بِصَدَدِ أنْ يُنتَفعَ بِهِ بَعْد ذَلِكَ، لَمْ يَكُنْ فِيهِ كَبِير زَجْر؛ لأَنَّ الَّذِي يَخُصّ الْوَاحِد مِنْهُمِ نَزْر يَسِير، فَكَانَ إِفْسَادهَا عَلَيْهِم، مَعَ تَعَلُّق قُلُوبهم بِهَا، وَحَاجَتهم إِلَيْهَا، وَشَهْوَتهم لَهَا أبلَغَ فِي الزَّجْر. وَأَبْعَدَ المُهَلَّب، فَقَالَ: إِنَّمَا عَاقَبَهُم؛ لأَنَّهُم اسْتَعْجَلُوا، وَتَرَكُوهُ فِي آخِر الْقَوْم، متعَرِّضًا لِمَنْ يَقْصِدهُ، منْ عَدُوّ، وَنَحْوه. وَتُعُقِّبَ بأنَّهُ ﷺ ، كَانَ مُخْتَارًا لِذَلِكَ، كَمَا تَقَدَّمَ تقَرِيره، وَلا مَعْنَى لِلحَمْلِ عَلَى الظَّنّ، معَ وُرُود النَّصّ بِالسَّبَب. وَقَالَ الإسْمَاعيليّ: أمْره ﷺ بِإِكْفَاءِ القُدُور، يَجُوز أنْ يَكُون منْ أجْل أَنَّ ذَبْح مَنْ لا يَمْلِك الشَّيْء كُلَّه، لا يَكُون مُذَكِّيًا، وَيَجُوز أَنْ يَكُون منْ أجْل أنَّهمْ تَعَجَّلُوا إِلَى الاخْتِصاص بِالشَّيْءِ، دُون بَقِيَّة مَن يَسْتَحِقّهُ، منْ قَبْل أن يُقْسَم، وَيُخْرَج مِنْهُ الْخُمُس، فَعَاقَبَهُم بِالْمَنْع، منْ تَنَاوُل مَا سَبَقُوا إِلَيْهِ؛ زَجْرًا لَهُمْ، عَن مُعَاوَدَة مِثْله، ثُمَّ رَجَّحَ الثانِي، وَزَيَّفَ الأوَّل، بِأنَّهُ لو كَانَ كَذَلِكَ، لَمْ يَحِلّ أَكْل البَعِير النَّادّ الَّذِي رَمَاهُ أحَدهمْ بِسَهْمٍ، إِذْ لَمْ يَأذَن لَهُمْ الكُلُّ فِي رَمْيه، مَعَ أَنَّ رَمْيه ذَكَاة لَهُ، كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ فِي نَفْس حَدِيث البَاب. انتهى مُلَخَّصًا. وَقَد جَنَحَ البُخَاريُّ إِلَى المَعْنَى الأَوَّل، وَتَرْجَمَ عَلَيهِ بقوله: "باب إذا أصاب قومٌ غنيمةٌ، فذبح بعضهم غنمًا، أو إبلًا، بغير أمر أصحابها، لم تؤكَلْ؛ لحديث رافع، عن النبيّ صلّى الله تعالى عليه وسلم"، وَقَالَ طاوسٌ، وعكرمة فِي ذبيحة السارق: اطرحوه. انتهى. وَيُمْكِن الْجَوَاب عَمَّا ألْزَمَهُ بِهِ الإسْماعيليّ، منْ قِصَّة البَعِير بِأنْ يَكُون الرَّامِي رَمَى بحَضرَةِ النَّبِيّ ﷺ ، وَالْجَمَاعَةِ، فَأَقَرُّوهُ، فَدَلَّ سُكُوتهم عَلَى رِضَاهُم، بِخِلافِ مَا ذَبَحَهُ أولَئِكَ، قَبل أن يَأْتِي النَّبِيّ ﷺ ، وَمَنْ مَعَهُ، فَافتَرَقَا، وَاَلله أَعْلَم. انتهى (١).

стр. 16201

قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: هَذَا الذي رجّحه الإِمام البخاريّ رحمه الله تعالى، وترجم له، منْ أنه إذا ذبح منْ لا يملك الذبيحة، بغير إذن صاحبها لا تحلّ، هو الذي يترجّح عندي؛ لحديث رافع بن خديج رضي الله تعالى عنه المذكور هنا. والله تعالى أعلم. (ثُمَّ قَسَّمَ بَيْنَهُمْ، فَعَدَلَ عَشْرًا مِنَ الشَّاءِ بِبَعِيرٍ) قَالَ القرطبيّ: يعني أنه صلّى الله تعالى عليه وسلم قسم ما بقي منْ الغنيمة عَلَى الغانمين، فجعل عشرة منْ الغنم بإزاء جَزور، ولم يَحتج إلى القرعة؛ لرضا كلّ منهم بما صار إليه منْ ذلك، ولم يكن بينهم تشاحّ فِي شيء منْ ذلك. قَالَ: وكأن هذه الغنيمة لم يكن فيها إلا الإبل، والغنم، ولو كَانَ فيها غيرهما، لقُوّم جميع الغنيمة، ولَقُسم عَلَى القِيَم. انتهى (١). وَقَالَ فِي "الفتح": هَذَا مَحْمُول عَلَى أَنَّ هَذَا كَانَ قِيمَة الْغَنَم إِذْ ذَاكَ، فَلَعَلَّ الإِبِل كَانَتْ قَلِيلَة، أَوْ نَفِيسَة، وَالغَنَم كَانَتْ كَثِيرَة، أَوْ هَزيلَة، بِحَيثُ كَانتْ قِيمَة الْبَعِير عَشْر شِيَاه، وَلا يُخَالِف ذَلِكَ القَاعِدَة فِي الأَضَاحِيّ، مِنْ أَنَّ البَعِير يُجْزِىء عَن سَبْع شِيَاه؛ لأَنَّ ذَلِكَ هُوَ الْغَالِب فِي قِيمَة الشَّاة وَالبَعِير، المُعتَدِلَيْنِ، وأَمَّا هَذِهِ القِسْمة، فَكَانَتْ وَاقِعَة عَيْن، فَيَحْتَمِل أن يَكُون التَّعْدِيل لِمَا ذُكِرَ، منْ نَفَاسَة الإِبِل، دُون الغَنَم، وَحَدِيث جَابر رضي الله تعالى عنه، عند مُسْلِم، صرِيح فِي الحُكْم، حَيْثُ قَالَ فِيهِ: "أَمَرَنَا رَسُول الله ﷺ ، أن نَشْترك فِي الإبِل وَالْبَقَر، كُلُّ سَبْعَة مِنَّا فِي بَدَنَة". وَالْبَدَنَة تُطْلَق عَلَى النَّاقَة، وَالبَقرَة، وأَمَّا حَدِيث ابن عَبَّاس: "كُنَّا مَعَ النَّبِيّ ﷺ فِي سَفَر، فَحَضرَ الأَضْحَى، فَاشْتَرَكْنَا فِي البَقَرَة سبعَةً، وَفِي البَدَنَة عَشَرَة" (٢)، فَحَسَّنَهُ التِّرْمذيّ، وَصَحَّحَهُ ابن حِبَّان، وَعَضَّدَهُ بِحَدِيثِ رَافِع بن خَدِيج هَذَا. قَالَ الحافظ: وَالَّذِي يَتَحَرَّر فِي هَذَا أنَّ الأَصْل أنَّ الْبَعِير بِسَبْعَةٍ، مَا لَمْ يَعْرِض عَارِض، مِنْ نَفَاسَة وَنَحْوهَا، فَيَتَغَيَّر الحُكْم بِحَسَب ذَلِكَ، وَبِهَذَا تَجْتَمِع الأَخبَار الوَارِدَة فِي ذَلِكَ. ثُمَّ الَّذِي يَظهَر منْ القِسْمةِ المَذكُورَة، أَنَّهَا وَقَعَتْ فِيمَا عَدَا مَا طُبِخَ، وَأُرِيقَ منْ الإبِل وَالغَنَم، الَّتِي كَانُوا غَنِمُوهَا، وَيَحتَمِل -إنْ كَانَتْ الوَاقِعَة تَعَدَّدَتْ- أن تَكُون القِصَّة الَّتِي ذَكَرَهَا ابن عَبَّاسُ أَتْلَفَ فِيهَا اللَّحْم؛ لِكَوْنِهِ كَانَ قُطِعَ لِلطَّبْخ، والقِصَّة الَّتِي فِي حَدِيث رَافِع طُبِخَتْ الشِّيَاه صِحَاحًا مَثَلًا، فَلَمَّا أُرِيقَ مَرَقهَا، ضُمَّتْ إِلَى الْمَغْنَم لِتُقْسَم، ثُمَّ يَطْبُخهَا مَنْ وَقَعَتْ فِي سَهْمه، وَلَعَلَّ هَذَا هُوَ النُّكتَةُ فِي انْحِطَاط قِيمَة الشِّيَاه عَن الْعَادَة.

стр. 16202

وَالله أعلَم. انتهى كلام الحافظ (١). (فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ، إِذْ نَدَّ بَعِيرٌ) بفتح النون، وتشديد الدال المهملة: أي هرب منْ تلك الإبل المقسومة بعيرٌ نافرًا (وَلَيْسَ فِي الْقَوْمِ إِلاَّ خَيْلٌ يَسِيرَةٌ) فِيهِ تَمهِيد لِعُذْرِهِم فِي كَوْن الْبَعِير الَّذِي نَدَّ أَتْعَبَهُم، وَلَمْ يَقدِرُوا عَلَى تَحْصِيله، فَكَأنَّهُ يَقُول: لَوْ كَانَ فِيهِم خُيُول كَثِيرَة؛ لأَمكَنَهُمْ أَنْ يُحِيطُوا بِهِ، فَيَأخُذُوهُ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة عند البخاريّ": "وَلَمْ يَكُن مَعَهُم خَيل": أَي كَثِيرَة، أَو شَدِيدَة الْجَرْي، فَيَكون النَّفْي لِصِفَةٍ فِي الْخَيْل، لا لِأَصْلِ الْخَيْل، جمَعًا بَين الرِّوَايَتَينِ. (فَطَلَبُوهُ، فَأَعْيَاهُمْ) أَي أَتْعَبَهُم، وَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَى تحَصِيلِهِ (فَرَمَاهُ رَجُلٌ بِسَهْمٍ) وفي رواية البخاريّ: "فأهوى إليه رجل بسهم": أي قصد نحوه، ورماه. قَالَ الحافظ: ولم أقف عَلَى اسم هَذَا الرامي (فَحَبَسَهُ اللهُ) أي أصابه السهم، فوقف (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِنَّ لِهَذِهِ البَهَائِمِ) وفِي رِوَايَة: "إِنَّ لِهَذِه الإبِل": قَالَ بَعْض شُرَّاح "الْمَصَابِيح": هَذِهِ اللام تُفِيد مَعْنَى "مِنْ"؛ لأَن الْبعْضِيَّة، تُسْتَفَاد منْ اسم "إِنَّ" لِكَونِهِ نَكِرَة (أَوَابِدَ كَأوَابدِ الْوَحْشِ) جَمْع آبِدَة -بِالْمَدِّ، وَكَسْر المُوَحَّدَة-: أَيْ غَرِيبَة، يُقَال: جَاءَ فُلَان بِآبِدَةٍ: أَي بِكَلِمَةٍ، أَو فَعْلَة مُنَفِّرَة، ويُقَال: أَبَدَتْ -بِفَتْح المُوَحَّدَة- تَأبُدُ -بِضَمِّهَا- وَيَجُوز الكَسْر، أُبُودًا، وَيُقَال: تَأَبَّدَتْ: أَيْ تَوَحَّشَتْ، وَالمُرَاد أنَّ لَهَا تَوَحُّشًا. قاله فِي "الفتح". وَقَالَ الفيّوميّ: أبَدَ الشيءُ، منْ بابي ضرب، وقتَل يأبِدُ، ويأبُدُ أُبودًا: نفر، وتوحّش، فهو آبدٌ، عَلَى فاعل، وأبدَت الوحوش: نفرت منْ الإنس، فهي أوابد، ومن هنا وُصِف الفرس الخفيفُ الذي يُدرك الوحش، ولا يكاد يفوته بأنه قَيْدُ الأَوابد؛ لأنه يمنعها المضيَّ، والخلاصَ منْ الطالب، كما يمنعها القيد. وقيل للألفاظ التي يَدِقُّ معناها: أوابدُ؛ لبعد وضوحه؛ لأنه المقصود. انتهى كلام الفيّوميّ. (فَمَا غَلَبَكُمْ مِنْهَا، فَاصْنَعُوا بِهِ هَكَذَا") وفي رواية البخاريّ: "فَمَا نَدَّ عَلَيْكُمْ مِنْهَا، فَاصْنَعُوا بِهِ هَكَذَا"، وَفِي رِوَايَة لَه: "فَمَا فَعَلَ مِنْهَا هَذَا، فَافعَلُوا مِثْل هَذَا"، وفي رواية الطبرانيّ: "فَاصْنَعُوا بِهِ ذَلِكَ، وَكُلُوهُ". وَفِيهِ جَوَاز أَكْل مَا رُمِيَ بِالسَّهْمِ، فَجُرِحَ فِي أَيّ مَوضِع كانَ منْ جَسَده، بِشَرْطِ أن يَكُون وَحْشِيًّا، أَو مُتَوَحِّشًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): فِي درجته:

стр. 16203

حديث رافع بن خَدِيج رضي الله تعالى عنه هَذَا متَّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -١٧/ ٤٢٩٩ وفي "الضحايا" ١٥/ ٤٣٩٣ و٢٠/ ٤٤٠٥ و٢١/ ٤٤٠٦ و٢٦/ ٤٤١١ و٤٤١٢ - وفي "الكبرى" ١٩/ ٤٨٠٩ وفي "الضحايا" ٢١/ ٤٤٩٢ و٢٢/ ٤٤٩٣ و٢٧/ ٤٤٩٨ و٤٩٩٩. وأخرجه (خ) فِي "الشركة" ٢٤٨٨ و٢٥٠٧ و"الجهاد" ٣٠٧٥ و"الذبائح" ٥٤٩٨ و٥٥٠٣ و٥٥٠٩ و٥٥٤٣ و٥٥٤٤ (م) فِي "الأضاحي" ٣٦٣٨ (د) فِي "الضحايا" ٢٨٢١ (ت) فِي "الأحكام" ١٤٩١ و١٤٩٢ (ق) فِي "الأضاحي" ٣١٣٧ و"الذبائح" ٣١٨٣ (أحمد) فِي "مسند المكيين" ١٥٣٧٩ و١٥٣٨٦ و"مسند الشاميين" ١٦٨١٠ و١٦٨٣٢ (الدارمي) فِي "الأضاحي" ١٩٧٧. والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): فِي فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو أن البهائم الإنسيّة، إذا توحّشت، ونفرت، تُعْطَى حُكْم المُتَوَحِّش الأصليّ، فيجوز عَقْر النَّادّ منها لِمَن عَجَزَ عَن ذَبحِهِا، كَالصَّيْدِ البَرِّيّ، وَيَكُون جمَيع أَجْزَائِها مَذْبَحًا، فَإِذَا أُصِيبَت فَمَاتَت مِنْ الإصَابَة حَلَّت، أمَّا المَقْدُور عَلَيْهِ، فَلا يُبَاح إِلَّا بِالذَّبْحِ، أَو النَّحْر إِجْمَاعًا، وبهذا قَالَ الجمهور، وخالف مالك، وبعض طائفة، وسيأتي تحقيق ذلك فِي المسألة التالية، إن شاء الله تعالى. (ومنها): تَحرِيم التَّصَرُّف فِي الأَمْوَال المُشْتَرَكَة، منْ غَيْر إِذْن، وَلَوْ قلّت، وَلَوْ وَقَعَ الاحْتِيَاج إِلَيْهَا. (ومنها): أن فيه انْقِيَادَ الصَّحَابَة لِأَمْرِ النَّبِيِّ ﷺ ، حَتَّى فِي تَرْك مَا بهِمْ إِلَيهِ الحَاجَة الشَّدِيدَة. (ومنها): أَن للإِمَام عُقُوبَةَ الرَّعِيَّة بِمَا فِيهِ إِتْلَاف مَنْفَعَة، وَنَحْوهَا إِذَا غَلَبَتِ المَصْلَحَة الشَّرْعِيَّة. (ومنها): أَنَّ قِسْمَة الْغَنِيمَة يَجُوز فِيهَا التَّعْدِيل وَالتَّقْوِيم، وَلا يُشْتَرَط قِسْمَة كُلّ شَيْء مِنْهَا عَلَى حِدَة. (ومنها): أن ما توحّش منْ المستأنس يُعطى حكم المتوحّش، وبالعكس. (ومنها): جَوَازُ الذَّبْح بِمَا يُحَصِّل المَقْصُود، سَوَاء كَانَ حَدِيدًا، أَمْ لا. (ومنها): جواز عقر الحيوان النادر لمن عجز عن ذبحه، كالصيد البرّيّ، والمتوحّش منْ الإنسيّ، ويكون جميع أجزائه مذبحًا، فإذا أُصيب، فمات منْ الإصابة حلّ، أما المقدور عليه، فلا يُباح إلا بالذبح، أو النحر إجماعًا. (ومنها): أن فِيهِ التَّنْبِيهَ عَلَى أَنَّ تَحْرِيم المَيْتَة لِبَقَاءِ دَمهَا فِيهَا (١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): فِي اختلاف أهل العلم فِي حكم الحيوان الإنسيّ، إذا توحّش:

стр. 16204

قَالَ الإِمام البخاريّ رحمه الله تعالى فِي "صحيحه": "باب ما ندّ منْ البهائم، فهو بمنزلة الوحش"، وأجازه ابن مسعود، وَقَالَ ابن عباس: ما أعجزك منْ البهائم، مما فِي يديك، فهو كالصيد، وفي بعير تردّى فِي بئر، منْ حيث قدرتَ عليه، فذكّه. ورأى ذلك عليّ، وابن عمر، وعائشة -رضي الله تعالى عنهم-. انتهى. وَقَدْ نقله ابن المنذر وغيره عن الجمهور، وخالفهم فِي ذلك مالكٌ، والليث. ونقل أيضاً عن سعيد بن المسيب، وربيعة، فقالوا: لا يحلّ أكل الإنسيّ إذا توحّش، إلا بتذكيته فِي حلقه، أو لبّته، وحجة الجمهور حديث رافع رضي الله تعالى عنه المذكور فِي الباب. أفاده فِي "الفتح" (١). وَقَالَ ابن قُدامة رحمه الله تعالى: إذا تردّى فِي بئر، فلم يقدر عَلَى تذكيته، فجرحه فِي أيّ موضع قدر عليه، فقتله، أُكل، إلا أن تكون رأسه فِي الماء، فلا يؤكل؛ لأن الماء يُعين عَلَى قتله. هَذَا قول أكثر الفقهاء، روي ذلك عن عليّ، وابن مسعود، وابن عمر، وابن عبّاس، وعائشة رضي الله تعالى عنهم، وبه قَالَ مسروقٌ، والأسود، والحسن، وعطاءٌ، وطاوسٌ، وإسحاق، والشعبيّ، والحكم، وحمّاد، والثوريّ، وأبو حنيفة، والشافعيّ، وأبو ثور. وَقَالَ مالك: لا يجوز أكله إلا أن يُذكّى، وهو قول ربيعة، والليث. قَالَ أحمد: لعلّ مالكًا لم يسمع حديث رافع بن خديج رضي الله تعالى عنه. واحتُجّ لمالك بأن الحيوان الإنسيّ إذا توحّش لم يثبُت له حكم الوحشي، بدليل أنه لا يجب عَلَى المحرم الجزاء بقتله، ولا يصير الحمار الأهليّ مباحًا إذا توحّش. انتهى كلام ابن قُدامة رحمه الله تعالى (٢). قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: ما ذهب إليه الجمهور منْ جواز أكل الحيوان المتوحّش بجرحه، هو الأرجح عندي؛ لحديث رافع بن خَدِيج رضي الله تعالى عنه المذكور؛ وأما احتجاج مالك، ومن قَالَ بقوله بما ذُكر، فغير مقبول؛ لأنه فِي مقابلة النصّ، ونعتذر عنهم بما تقدّم عن أحمد رحمه الله تعالى منْ أنهم لم يبلغهم النصّ، فقاسوا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح، ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب". …

стр. 16205

١٨ - (فِي الَّذِي يَرْمِى الصَّيْدَ فَيَقَعُ فِي الْمَاءِ) ٤٣٠٠ - (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَاصِمٌ الأَحْوَلُ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ، قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، عَنِ الصَّيْدِ؟ فَقَالَ: "إِذَا رَمَيْتَ سَهْمَكَ، فَاذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ ، فَإِنْ وَجَدْتَهُ قَدْ قُتِلَ فَكُلْ، إِلاَّ أَنْ تَجِدَهُ قَدْ وَقَعَ فِي مَاءٍ، وَلَا تَدْرِي الْمَاءُ قَتَلَهُ، أَوْ سَهْمُكَ؟ "). قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد كلهم رجال الصحيح. و"أحمد بن منيع": هو أبو جعفر الأصمّ البغويّ، نزيل بغداد، ثقة حافظ [١٠] ٨٠/ ١٠١١ والباقون تقدّموا مع شرح الحديث، وبيان مسائله فِي -١/ ٤٢٦٥. و"عاصم الأحول": هو ابن سليمان. و"الشعبي": هو عامر بن شَرَاحيل. وقوله: "ولا تدري، الماء قتله، أو سهمك" يفيد أن الأصل فِي الصيد الحرمة، فإذا حصل الشكّ يكون حرامًا، كما هو الأصل. قاله السنديّ. وهذا الحديث متّفق عليه، وَقَدْ استوفيت شرحه، وبيان مسائله بالرقم المذكور آنفًا، ويبقى البحث هنا فيما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، فأقول: (مسألة): قَالَ الإِمام ابن قُدامة رحمه الله تعالى: ما حاصله: إذا رماه، فوقع فِي ماء يقتله، أو تردّى منْ جبل يقتله، لم يؤكل، ولا فرق فِي ذلك بين كون الجراحة مثخنة، أو غير مثخنة، هَذَا هو المشهور عن أحمد، وظاهر قول ابن مسعود، وعطاء، وربيعة، وإسحاق، وأصحاب الرأي، وَقَالَ أكثر الحنابلة المتأخّرون: إن كانت الجراحة مثخنةً، مثلُ أن ذبحه، أو أبان حِشْوته لم يضرّ وقوعه فِي الماء، ولا تردّيه، وهو قول الشافعيّ، ومالك، والليث، وقتادة، وأبي ثور؛ لأن هَذَا صار فِي حكم الميت بالذبح، فلا يؤثّر فيه ما أصابه. ووجه الأول قوله صلّى الله تعالى عليه وسلم: "وإن وقع فِي الماء فلا تأكل"، ولأنه يحتمل أن الماء أعان عَلَى خروج روحه، فصار بمنزلة ما لو كانت الجراحة غير مثخنة، ولا خلاف فِي تحريمه إذا كَانَ الجراحة غير مُثخنة. ولو وقع الحيوان فِي الماء عَلَى وجه لا يقتله، مثل أن يكون رأسه خارجًا منْ الماء، أو يكون منْ طير الماء الذي لا يقتله الماء، أو كَانَ التردّي لا يقتل مثل ذلك الحيوان، فلا خلاف فِي إباحته؛ لأن النبيّ صلّى الله تعالى عليه وسلم قَالَ: "فإن وجدته غريقًا فِي الماء فلا

стр. 16206

تأكله"، ولأن الوقوع فِي الماء، والتردّي إنما حرّم خشية أن يكون قاتلا، أو مُعينًا عَلَى القتل، وهذا منتف فيما ذكرنها. انتهى كلام ابن قُدامة بتصرّف (١). قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: تلخّص مما ذُكر أن الأرجح هو ما ذهب إليه الأولون منْ أن الوقوع فِي الماء يحرّم الصيد مطلقاً، سواء كانت جراحته مثخنة، أو لا؛ لإطلاق حديث عديّ بن حاتم رضي الله تعالى عنه المذكور فِي الباب. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٣٠١ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ يَحْيَى بْنِ الْحَارِثِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي شُعَيْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ أَعْيَنَ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ سُلَيْمَانَ، عَنْ عَامِرٍ الشَّعْبِيِّ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ، أَنَّهُ سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنِ الصَّيْدِ؟ فَقَالَ: "إِذَا أَرْسَلْتَ سَهْمَكَ وَكَلْبَكَ، وَذَكَرْتَ اسْمَ اللَّهِ، فَقَتَلَ سَهْمُكَ فَكُلْ"، قَالَ: فَإِنْ بَاتَ عَنِّي لَيْلَةً يَا رَسُولَ اللَّهِ؟، قَالَ: "إِنْ وَجَدْتَ سَهْمَكَ، وَلَمْ تَجِدْ فِيهِ أَثَرَ شَيْءٍ غَيْرَهُ، فَكُلْ، وَإِنْ وَقَعَ فِي الْمَاءِ فَلَا تَأْكُلْ"). قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد رجال الصحيح، غير "عمرو بن يحيى بن الحارث" الحِمْصِيّ، فإنه منْ أفراد المصنّف، وهو ثقة [١٢] ٦٧/ ٢٣٢٩. و"أحمد بن أبي شُعيب": هو أحمد بن عبد الله بن أبي شُعيب مسلم الحرّانيّ، نُسب لجدّه، ثقة [١٠] ٢٩/ ٢٤٩٩. و"موسى بن أعين": هو الجزريّ، مولى قريش، أبو سعيد، ثقة عابدٌ [٨] ١١/ ٤١٥. و"معمر": هو ابن راشد. وقوله: "فإن بات عنّي ليلة الخ " يعني أنه غاب الصيد عنه بعدما أصابه بسهمه، فبات غائبًا عنه ليلة. وقوله: "غيره" يحتمل أن يكون بالجرّ صفة لـ"شيء"، ويحتمل أن يكون النصب عَلَى أنه صفة لـ"أثر". وفي الرواية الآتية فِي الباب التالي: "فيغيب عنه الليلة، والليلتين". وقَوْله: "وَإِنْ وَقَعَ فِي الْمَاء، فَلَا تَأْكُل"، يُؤْخَذ سَبَب مَنْع أَكْله مِنْ الحديث الَّذِي قَبْله؛ لأنَّهُ حِينَئِذٍ يَقَع التَّرَدُّد، هَلْ قَتَلَهُ السَّهْم، أَو الْغَرَق فِي الْمَاء؟ فَلَوْ تحقَّقَ أَنَّ السَّهْم أَصَابَهُ، فَمَاتَ، فَلَمْ يَقَع فِي الْمَاء، إِلَّا بَعْد أَنْ قَتَلَهُ السَّهْم، فَهَذَا يَحِلّ أَكْله، قَال النَّوَوِيّ فِي "شَرْح مُسْلِم": إِذَا وُجِدَ الصَّيدُ فِي الْمَاء غَرِيقًا، حَرُمَ بِالاتِّفَاقِ. انتهى. وَقَد صَرَّحَ الرَّافِعِيّ بأنَّ مَحِلّه، مَا لَمْ يَنْتَهِ الصَّيْد بِتِلْكَ الْجِرَاحَة، إِلَى حَرَكَة الْمَذْبُوح، فَإِنْ انْتَهَى إِلَيْهَا، بِقَطْعِ الحُلْقُوم مَثَلًا، فَقَدْ تَمَّتْ ذكَاته، وَيُؤَيِّدهُ قَوْله فِي الحديث الذي قبله: "فَإِنَّك

стр. 16207

لا تَدْرِي، الْمَاء قَتَلَهُ، أَو سَهْمك؟ "، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ إِذَا عَلِمَ، أَنَّ سَهْمه هُوَ الَّذِي قَتَلَهُ، أَنَّهُ يَحِلّ. قَوْله (الْيَومَيْنِ وَالثَّلَاثَة) فِيهِ زِيَادَة عَلَى رِوَايَة عَاصِم بن سُلَيْمَان "بَعْد يَوم أَو يَوْمَينِ" وَوَقَعَ فِي رِوَايَة سَعِيد بْن جُبَير "فَيَغِيب عَنهُ اللَّيلَة وَاللَّيلَتَينِ" وَوَقَعَ عند مُسْلِم فِي حَدِيث أَبِي ثَعْلَبَة بِسَنَدٍ فِيهِ مُعَاوِيَة بن صَالِح "إِذَا رَمَيت سَهْمك فَغَابَ عَنك فَأَدْرَكته فَكُلْ مَا لَمْ يُنْتِن" وَفِي لَفْظ فِي الَّذِي يُدْرِك الصَّيْد بَعْد ثَلَاث "كُلْهُ مَا لَمْ يُنتِن" وَنَحْوه عِنْد أَبِي. والحديث متّفقٌ عليه، وَقَدْ سبق البحث فيه مستوفًى فِي الحديث الذي قبله، ودلالته عَلَى ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى واضحة. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح، ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ١٩ - (فِي الَّذِي يَرْمِى الصَّيْدَ، فَيَغِيبُ عَنْهُ) ٤٣٠٢ - (أَخْبَرَنَا زِيَادُ بْنُ أَيُّوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، قَالَ: أَنْبَأَنَا أَبُو بِشْرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا أَهْلُ الصَّيْدِ، وَإِنَّ أَحَدَنَا يَرْمِي الصَّيْدَ، فَيَغِيبُ عَنْهُ اللَّيْلَةَ وَاللَّيْلَتَيْنِ، فَيَبْتَغِي الأَثَرَ، فَيَجِدُهُ مَيِّتًا، وَسَهْمُهُ فِيهِ، قَالَ: "إِذَا وَجَدْتَ السَّهْمَ فِيهِ، وَلَمْ تَجِدْ فِيهِ أَثَرَ سَبُعٍ، وَعَلِمْتَ أَنَّ سَهْمَكَ قَتَلَهُ فَكُلْ"). قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا غير مرّة. و"زياد بن أيوب": هو المعروف بدلّويه الحافظ الثبت الطوسي، نزيل بغداد، لقّبه أحمد شعبة الصغير. و"هُشيم": هو ابن بشير. و"أبو بِشر": هو جعفر بن أبي وحشيّة/ إياس، البصريّ الواسطيّ، أثبت النَّاس فِي سعيد بن جُبير. وقوله: "إنا أهل الصيد" أي نحن قوم نعيش بصيد الحيوانات. وقوله: "فيبتغي الأثر" يعني أنه يتّبع أثر ذلك الصيد حَتَّى يجده. وقوله: "فَيَغِيبُ عَنْهُ اللَّيْلَةَ وَاللَّيْلَتَيْنِ الخ". وفي رواية البخاريّ: "وإن رميت الصيد، فوجدته بعد يوم، أو يومين"، وفي رواية عَلَّقَهَا: "عن عبد الأعلى، عن عامر، عن

стр. 16208

عديّ، أنه قَالَ للنبيّ صلّى الله تعالى عليه وسلم: يرمي الصيد، فيفتقر أثره اليومين، والثلاثة". ومعنى "يفتقر" أي يتبع فقاره، حَتَّى يتمكن منه. ووَقَعَ فِي حَدِيث أبِي ثَعْلَبَة الخُشنيّ الآتي فِي الباب التالي، فِي الَّذِي يُدْرِك الصَّيد بَعْد ثَلَاث: "كُلْهُ مَا لَمْ يُنتِن"، وَنَحوه عِنْد أَبِي دَاوُدَ، منْ طَرِيق عَمْرو بْن شُعَيْب، عَن أَبِيهِ، عَن جَدّه، كَمَا تَقَدَّمَ التَّنْبِيه عَلَيْهِ. وقوله: "إِذَا وَجَدْتَ السَّهْمَ فِيهِ، وَلَمْ تَجِدْ فِيهِ أَثَرَ سَبُع، وَعَلِمتَ أنَّ سَهْمَكَ قَتَلَهُ فَكُلْ". وفي رواية البخاريّ: "وَإِنْ رَمَيْت الصَّيْد، فَوَجَدْته بَعْد يَومْ، أَوْ يَوْمَينِ، لَيْسَ بهِ إِلَّا أَثَر سَهْمك فَكُلْ". قَالَ فِي "الفتح": وَمَفْهُومه أَنَّهُ إنْ وَجَدَ فِيهِ أَثَرَ غَيرِ سَهْمه، لا يَأْكُل، وَهُوَ نَظِير مَا تَقَدَّمَ فِي الكَلْب منْ التَّفْصِيل، فِيمَا إِذَا خَالَطَ الكَلْبَ الَّذِي أَرْسَلَهُ الصَّائِدُ كَلْبٌ آخَرُ، لَكِنْ التَّفْصِيل فِي مَسْأَلَة الكَلْب، فِيمَا إِذَا شَارَكَ الكَلْب فِي قَتله كَلْبٌ آخَرُ، وَهُنَا الأثَر الَّذِي يُوجَد فِيهِ منْ غَير سَهْم الرَّامِي، أَعَمّ منْ أن يَكُون أَثَر سَهْم رَامٍ آخَر، أَو غَيْر ذَلِكَ منْ الأَسْبَاب القَاتِلَة، فَلَا يَحِلّ أَكْله مَعَ التَّرَدُّد. وقَالَ الرَّافِعِيّ: يُؤْخَذ مِنْهُ أَنَّهُ لَوْ جَرَحَهُ، ثُمَّ غَابَ، ثُمَّ جَاءَ فَوَجَدَهُ مَيِّتًا، أنَّهُ لا يَحِلّ، وَهُوَ ظَاهِر نَصّ الشَّافِعِيّ، فِي "المُخْتَصَر". وقَال النَّوَوِيّ: الحِلّ أصَحّ دَلِيلاً. وَحَكَى الْبَيْهَقِيُّ فِي "الْمَعْرِفَة" عَن الشَّافِعِيّ، أنَّهُ قَالَ فِي قَول ابن عَبَّاس: "كُلْ مَا أَصْمَيتَ، وَدَعْ مَا أَنْمَيْت". ومَعْنَى "مَا أَصْمَيْتَ": مَا قَتَلَهُ الْكَلْب، وَأَنْتَ تَرَاهُ، وَمَا "أَنْمَيْت": وَمَا غَابَ عَنك مَقْتَله. قَالَ: وَهَذَا لا يَجُوز عِنْدِي غَيْره، إِلَّا أَنْ يَكُون جَاءَ عَن النَّبِيّ ﷺ ، فِيهِ شَيْء، فَيَسْقُط كُلُّ شَيْء، خَالَفَ أَمْر النَّبِيّ ﷺ ، وَلا يَقُوم مَعَهُ رَأي، وَلا قِيَاس. قَالَ البَيْهَقِيُّ: وَقَدْ ثَبَتَ الْخَبَر -يَعْنِي حَدِيث الْبَاب- فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُون هُوَ قَوْلَ الشَّافِعِيّ. انتهى (١). والحديث متّفقٌ عليه، وَقَدْ سبق شرحه، وبيان مسائله فِي ١/ ٤٢٦٥ - وأتكلّم هنا فيما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، فأقول: (مسألة): فِي اختلاف أهل العلم فِي حكم الصيد إذا غاب بعد رميه: قَالَ الإِمام ابن قدامة رحمه الله تعالى: ما حاصله: إذا رماه، فغاب عن عينه، فوجده ميتًا، وسهمه فيه، ولا أثر به غيره، أو أرسل كلبه عَلَى صيد، فغاب عن عينه، ثم وجده ميتًا، ومعه كلبه، حلّ أكله. هَذَا هو المشهور عند أحمد، وهو قول الحسن،

стр. 16209

وقتادة، وعن أحمد: إن غاب نهارًا، فلا بأس، وإن غاب ليلًا لم يأكله، وعن مالك كالروايتين، وعن أحمد ما يدلّ عَلَى أنه إن غاب مدّةً طويلة لم يُبَح، وإن كانت يسيرة أُبيح؛ لأنه قيل: إن غاب يومًا، قَالَ: يومٌ كثيرٌ، ووجه ذلك قول ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما: إذا رميت، فأقعصتَ فكُلْ، وإن رميت، فوجدت سهمك منْ يومك، أو ليلتك، فكل، وإن بات عنك ليلةً، فلا تأكل، فإنك لا تدري ما حدث فيه بعد ذلك. وكره عطاء، والثوريّ أكل ما غاب. وعن أحمد مثلُ ذلك. وللشافعيّ فيه قولان؛ لأن ابن عبّاس قَالَ: "كل ما أصميت، وما أنميت فلا تأكل"، قَالَ الحكم: الإصمات: الإقعاص -يعني أن يموت فِي الحال، والإنماء أن يَغيب عنك- يعني لا يموت فِي الحال، قَالَ الشاعر [منْ المديد]: فَهْوَ لَا تَنْمِي رَمِيَّتُهُ … مَا لَهُ لَا عُدَّ مِن نَفَرِهْ وَقَالَ أبو حنيفة: يُباح إن لم يكن ترك طلبه، وإن تشاغل عنه، ثم وجده لم يُبَح. وحجة الأول حديث عديّ بن حاتم رضي الله تعالى عنه، عن النبيّ صلّى الله تعالى عليه وسلم، أنه قَالَ: "إذا رميت الصيد، فوجدته بعد يوم، أو يومين، ليس به إلا أثر سهمك، فكل، وإن وجدته غريقًا فِي الماء، فلا تأكل". متّفقٌ عليه. وحديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه المذكور قبل بابين، وفيه: "وإن تغيّب عنك، ما لم تجد فيه أثرًا، غير سهمك، أو تجده قد صَلَّ" أي أنتن، وحديث أبي ثعلبة رضي الله تعالى عنه الآتي فِي الباب التالي، وفيه: "إذا رميت الصيد، فأدركته بعد ثلاث، وسهمك فيه، فكله ما لم يُنتن". قَالَ: ولأن جرحه بسهمه سبب إباحته، وَقَدْ وُجد يقينًا، والمعارض له مشكوك فيه، فلا نزول عن اليقين بالشكّ، ولأنه وجده، وسهمه فيه، ولم يجد به أثرًا آخر، فأشبه ما لو لم يترك طلبه عند أبي حنيفة، أو كما لو غاب نهارًا، أو مدّة يسيرة، أو كما لو لم يغب. إذا ثبت هَذَا، فيُشترط فِي حلّه شرطان: [أحدهما]: أن يجد سهمه فيه، أو أثرًا، ويعلم أنه أثر سهمه؛ لأنه إذا لم يكن كذلك، فهو شاكّ فِي وجود المبيح، فلا يثبت بالشكّ. [والثاني]: أن لا يجد أثرًا غير أثر سهمه، مما يَحتمِلُ أنه قتله؛ لقوله صلّى الله تعالى عليه وسلم: "ما لم تجد فيه أثرًا غير سهمك"، وفي لفظ: "وإن وجدت فيه أثرًا غير سهمك، فلا تأكله، فإنك لا تدري أقتلته أنت، أو غيرك"، وفي لفظ: "إذا وجدت فيه سهمك، ولم يأكل منه سبع، فكل"، وكلّها فِي روايات النسائيّ. وفي حديث عديّ رضي الله تعالى عنه: أن النبيّ صلّى الله تعالى عليه وسلم، قَالَ: "فإن رميت الصيد،

стр. 16210

فوجدته بعد يوم، أو يومين، ليس به إلا أثر سهمك فكل، وإن وقع فِي الماء، فلا تأكل". رواه البخاريّ، وَقَالَ صلّى الله تعالى عليه وسلم: "وإن وجدته غريقًا فِي الماء، فلا تأكل". ولأنه إذا وَجَدَ به أثرًا يصلح أن يكون قد قتله، فقد تحقّق المعارض، فلم يُبَح، كما لو وَجَدَ معه كلبًا سواه. فأما إذا كَانَ الأثر مما لا يقتل مثله، مثلُ أكل حيوان ضعيف، كالسّنّور، والثعلب، منْ حيوان قويّ، فهو مباحٌ؛ لأنه يُعلم أن هَذَا لم يقتله، فأشبه ما لو تهشّم منْ وقعته. انتهى كلام ابن قدامة بتصرّف (١). قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبين ما سبق أن الأرجح هو المذهب الأول، وهو أنه إذا رمى الصيد بسهمه، أو أرسل كلبه عليه، فغاب ذلك الصيد بعد ذلك، ثم وجده ميتاً، جاز أكله، بالشرطين المذكورين، وهما: أن يجد فيه سهمه، أو أثره، وَقَدْ تحقق أنه أثر سهمه. وأن لا يجد به أثرًا غير أثر سهمه، مما يَحتمِل أن يقتله، فإذا توفّر فيه هذان الشرطان، جاز أكله؛ للأحاديث الصحيحة المذكورة فِي هَذَا الباب، والتي أشرنا إليها آنفًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٣٠٣ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى، وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ مَسْعُودٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا خَالِدٌ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: "إِذَا رَأَيْتَ سَهْمَكَ فِيهِ، وَلَمْ تَرَ فِيهِ أَثَرًا غَيْرَهُ، وَعَلِمْتَ أَنَّهُ قَتَلَهُ فَكُلْ"). قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "إسماعيل بن مسعود": هو الْجَحْدَريّ، أبو مسعود البصريّ، ثقة [١٠] ٤٢/ ٤٧ منْ أفراد المصنّف. والباقون كلهم رجال الصحيح، و"خالد": هو ابن الحارث الْهُجَيميّ. والحديث متّفقٌ عليه، وَقَدْ سبق تمام البحث فيه غير مرّة. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٣٠٤ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَيْسَرَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرْمِي الصَّيْدَ، فَأَطْلُبُ أَثَرَهُ بَعْدَ لَيْلَةٍ؟، قَالَ: "إِذَا وَجَدْتَ فِيهِ سَهْمَكَ، وَلَمْ يَأْكُلْ مِنْهُ سَبُعٌ فَكُلْ"). قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "عبد الملك بن ميسرة": هو الهلاليّ، أبو زيد الزّرّاد الكوفيّ، ثقة [٤] ١٠٠/ ١٣٠. والباقون تقدّموا فِي السند الماضي. والحديث متَّفقٌ عليه، وَقَدْ سبق البحث فيه غير مرّة. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
следующие страницы →