← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 12888

ذخيرة العقبى في شرح المجتبى

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (19 271 стр.). Показаны 1646–1685 · переход к 1651.

стр. 1646

وأما (ق) فأخرجه في الطهارة -٤٩/ ١ - عن أحمد بن عبدة الضبي، عن حماد بن زيد، عن أبي جهضم به. قال أبو الحجاج المزي: رواه حماد بن سلمة، عن أبي جهضم مثل رواية الثوري، وكذلك رواه محمَّد بن عيسى بن الطباع وغيره، عن حماد بن زيد. اهـ تحفة الأشراف ج ٥ ص ٤٢. وأخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار بدون قوله: وما اختصنا. قاله في المنهل ج ٥ ص ٢٣٢. المسألة الرابعة: في فوائده: فها: الأمر بإسباغ الوضوء، والمراد به الإنقاء كما فسره به ابن عمر عند البخاري، واستكمال الأعضاء والحرص على أن يتوضأ وُضُوءًا يصح عند الجميع، وغسل كل عضو ثلاث مرات، هكذا قيل. قال الشوكاني: فإذا كان التثليث مأخوذا في مفهوم الإسباغ فليس بواجب لحديث أنه ﷺ توضأ مرة ومرتين، وإن كان مجرد الإنقاء والاستكمال فلا نزاع في وجوبه. اهـ كلام الشوكاني ج ١ ص ٢٢٠. وتقدم البحث عنه في باب -٧٢ - قال الجامع عفا الله عنه: لكن اختصاص أهل البيت بالأمر به يدل على استحبابه لغيرهم، وعلى أن المقصود بالإسباغ هو الأمر الزائد على القدر المفروض، من التثليث، وإطالة الغرة والتحجيل، وإلا فإكمال محل الفرض لا يخص أهل البيت فقط. وقال السندي: عند قوله "أمرنا": أي أمر إيجاب، أو ندب مؤكد، وإلا فمطلق الندب عام، والوجه العمل على الندب المؤكد إذ لم يقل أحد بوجوب الإسباغ في حق الموجودين من أهل البيت إلا أن يقال: كان الأمر مَخْصُوصًا في حق الموجودين في وقته ﷺ اهـ كلام السندي ج ٦ ص ٢٢٥.

стр. 1647

قال الجامع عفا الله عنه: وفي كلامه نظر لا يخفى، بل الظاهر أنه للوجوب عليهم مطلقًا. ومنها: تحريم أكل الصدقة عليهم، والظاهر أنه على الإطلاق، وسيأتي اختلاف العلماء فيه قريبا إن شاء الله تعالى. ومنها: تحريم إنزاء الحمر على الخيل عليهم، وسيأتي أقوال العلماء في حق غيرهم إن شاء الله تعالى. المسألة الخامسة: في مذاهب العلماء في أهل البيت الذين تحرم عليهم الصدقة، من هم؟ وما هي الصدقة التي تحرم عليهم؟ اختلف العلماء في المراد بآل البيت هنا، فقال الشافعي وجماعة إنهم بنو هاشم وبنو المطلب. واستدلوا بأن النبي ﷺ أشرك بني المطلب مع بني هاشم في سهم ذوي القربى، ولم يعط أحدا من قبائل قريش غيرهم، وتلك العطية عوض عوضوه بدلا عما حرموه من الصدقة كما أخرج البخاري من حديث جبير بن مطعم قال: مشيت أنا وعثمان بن عفان إلى النبي ﷺ فقلنا: يا رسول الله أعطيت بني المطلب من خمس خيبر، وتركتنا ونحن وهم بمنزلة واحدة، فقال رسول الله ﷺ : " إنما بنو المطلب وبنو هاشم شيء واحد". وأجيب عن ذلك بأنه إنما أعطاهم ذلك لموالاتهم لا عوضا عن الصدقة. وقال أبو حنيفة ومالك والهادوية: هم بنو هاشم فقط، وعن أحمد في بني المطلب روايتان، وعن المالكية فيما بين هاشم وغالب بن فهو قولان: فعن أصبغ منهم: هم بنو قصي، وعن غيره بنو غالب بن فهو كذا في الفتح. والمراد ببني هاشم آل علي، وآل عقيل، وآل جعفر، وآل العباس، وآل الحارث، ولم يدخل في ذلك آل أبي لهب، لما قيل من أنه لم يسلم أحد منهم في حياته ﷺ ، ويرده ما في جامع الأصول أنه أسلم عتبة، ومعتب ابنا أبي لهب عام الفتح، وسُرَّ رسول الله ﷺ -

стр. 1648

بإسلامهما، ودعا لهما، وشهدا معه حنينا والطائف، ولهما عقب عند أهل النسب. قال ابن قدامة: لا نعلم خلافا في أن بني هاشم لا تحل لهم الصدقة المفروضة، وكذا قال أبو طالب من أهل البيت، وحكى ذلك عنه في البحر، وكذا حكى الإجماع ابن رسلان، وقد نقل الطبري الجواز عن أبي حنيفة، وقيل عنه تجوز لهم إذا حرموا سهم ذوي القربي حكاه الطحاوي، ونقله بعض المالكية عن الأبهري منهم، قال في الفتح: وهو وجه لبعض الشافعية، وحكي فيه أيضا عن أبي يوسف أنها تحل من بعضهم لبعض لا من غيرهم، وحكاه في البحر عن زيد بن علي، والمرتضى، وأبي العباس، والإمامية، وحكاه في الشفاء عن ابن الهادي والقاسم العياني. قال الحافظ وعند المالكية في ذلك أربعة أقوال مشهورة: الجواز، والمنع، وجواز التطوع دون الفرض، عكسه. والأحاديث الدالة على التحريم على العموم ترد على الجميع. وقد قيل: إنها متواترة تواترا معنويا، ويؤيد ذلك قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ [الشورى: ٢٣]، وقوله: ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ﴾ [ص: ٨٦] ولو أحلها لآله أو شك أن يطعنوا فيه، ولقوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة: ١٠٣]، وثبت عنه ﷺ أن الصدقة أوساخ الناس كما رواه مسلم. قاله الشوكاني في النيل ج ٥ ص ٢٢٦، ٢٢٨. وأما نوع الصدقة التي تحرم عليهم فظاهر النصوص العموم. قال الشوكاني: واعلم أن ظاهر قوله: "لا تحل لنا الصدقة" عدم حل صدقة الفرض والتطوع، وقد نقل جماعة منهم الخطابي الإجماع على تحريمهما عليه ﷺ ، وتعقب بأنه قد حكى غير واحد عن الشافعي في

стр. 1649

التطوع قولا، وكذا في رواية عن أحمد، وقال ابن قدامة: ليس ما نقل عنه من ذلك بواضح الدلالة. وأما آل النبي ﷺ فقال أكثر الحنفية وهو المصحح عند الشافعية والحنابلة وكئير من الزيدية: إنها تجوز لهم صدقة التطوع دون الفرض، قالوا: لأن المحرم عليهم إنما هي أوساخ الناس، وذلك هو الزكاة لا صدقة التطوع، وقال في البحر: إنه خصصَ صدقةَ التطوع القياسُ على الهبة والهدية والوقف، وقال أبو يوسف وأبو العباس: إنها تحرم عليهم كصدقة الفرض؛ لأن الدليل لم يفصل اهـ. نيل الأوطار ج ٥ ص ٢٢٩. قال الجامع عفا الله عنه: وقول من عمم هو الراجح عندي لظهور دليله، والله أعلم. وسيأتي مزيد بسط للمسالة في محلها من كتاب الزكاة، إن شاء الله تعالى. المسألة السادسة: في حكم إنزاء الحمر على الخيل واختلاف أهل العلم في ذلك: قال الحافظ أبو جعفر الطحاوي ﵀ في شرح معاني الآثار بعد ذكر حديث ابن عباس المذكور في الباب، وحديث علي ﵁ قال: "أهديت لرسول الله ﷺ بغلة فركبها، فقال علي: لو حملنا الحمير على الخيل، فكانت لنا مثل هذه، قال رسول الله ﷺ : "إنما يفعل ذلك الذين لا يعلمون" ورواه أبو داود أيضا، قال الطحاوي ما لفظه: ذهب قوم إلى هذا فكرهوا إنزاء الحمر على الخيل، وحرموا ذلك ومنعوا منه، واحتجوا بهذه الآثار، وخالفهم في ذلك آخرون، فلم يروا بذلك بأسا، وكان من الحجة لهم في ذلك أن ذلك لو كان مكروها لكان ركوب البغال مكروهًا؛ لأنه لولا رغبة الناس في البغال وركوبهم إياها لَمَا أنزئت الحمر على الخيل، ألا ترى أنه لما نهى عن خصاء بني آدم كره بذلك الخصيان، لأن في اتخاذهم ما يحمل من تحضيضهم على إخصائهم

стр. 1650

لأن الناس إذا تحاموا اتخاذهم لم يرغب أهل الفسق في إخصائهم، ثم ذكر بسنده عن العلاء بن عيسى الذهبي أنه قال: أتي عمر بن عبد العزيز بخصي فكره أن يبتاعه، وقال: ما كنت لأعين على الخصاء، فكل شيء في ترك كسبه ترك لبعض أهل المعاصي لمعصيتهم فلا ينبغي كسبه، فلما أجمع على إباحة اتخاذ البغال وركوبها دل ذلك على أن النهي الذي في الأثر الأول لم يرد به التحريم ولكنه أريد به معنى آخر، ثم ذكر أحاديث ركوبه ﷺ على البغال، ثم قال: فإن قال قائل: فما معنى قول النبي ﷺ : "إنما يفعل ذلك الذين لا يعلمون"، قيل له: قد قال أهل العلم في ذلك: معناه أن الخيل قد جاء في ارتباطها واكتسابها وعلفها الأجر، ليس ذلك في البغال، فقال النبي ﷺ : "إنما ينزو فَرَسٌ على فرس حتى يكون عنهما ما فيه الأجر، ويَحمِل حمارا على فرس فيكون عنهما بغل لا أجر فيه الذين لا يعلمون، أي لأنهم يتركون بذلك إنتاج ما في ارتباطه الأجر وينتجون ما لا أجر في ارتباطه، ثم ذكر أحاديث فضل ارتباط الخيل، ثم قال: فإن قال قائل: فما معنى اختصاص النبي ﷺ بني هاشم بالنهي عن إنزاء الحمير على الخيل؟ قيل له: لما حدثنا ابن أبي داود قال: حدثنا أبو عمر الحوضي، قال: حدثنا المرَجَّا هو ابن رجاء، قال: حدثنا أبو جهضم، قال: حدثني عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس، قال: ما اختصنا رسول الله ﷺ إلا بثلاث: "أن لا نأكل الصدقة وأن نسبغ الوضوء وأن لا ننزي حمارا على فرس"، قال عبد الله بن الحسن وهو يطوف بالبيت فحدثته، فقال: صدق، كانت الخيل قليلة في بني هاشم، فأحب أن تكثر فيهم، فبين عبد الله بن الحسن بتفسيره هذا المعنى الذي له اختص رسول الله ﷺ بني هاشم أن لا تنزوا الحمار على فرس، وأنه لم يكن للتحريم، وإنما كانت العلة قلة الخيل فيهم، فإذا ارتفعت تلك العلة وكثرت الخيل في أيديهم صاروا في ذلك كغيرهم. وفي اختصاص النبي ﷺ إياهم بالنهي

стр. 1651

عند ذلك دليل على إباحته إياه لغيرهم. ولما كان ﷺ قد جعل في ارتباط الخيل ما ذكرنا من الثواب والأجر، وسئل عن ارتباط الحمير فلم يجعل في ارتباطها شيئا والبغال التي هي خلاف الخيل مثلها كان من ترك أن ينتج ما في ارتباطه وكسبه ثواب وأنتج ما لا ثواب في ارتباطه وكسبه من الذين لا يعلمون. فلقد ثبت بما ذكرنا إباحة انتاج البغال لبني هاشم وغيرهم، وإن كان إنتاج الخيل أفضل من ذلك، وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد رحمة الله عليهم أجمعين. اهـ كلام الطحاوي. قال العلامة المباركفوري: وفي كلام الطحاوي هذا أنظار كما لا يخفى على المتأمل. قال الطيبي: لعل الإنزاء غير جائز والركوب والتزين به جائزان كالصور، فإن عملها حرام، واستعمالها في الفرش والبسط مباح. قلت: وكذا تخليل الخمر حرام وأكل خل الخمر جائز على رأي بعض الأئمة. اهـ كلام المباركفوري. تحفة ج ٥ ص ٢٥٦. قال الجامع عفا الله عنه: الذي يظهر لي أن كلام الطحاوي هو الصواب الموفق بين الدليلين دليل الإباحة، وهو ركوبه ﷺ ، وتقريره الركوب لأصحابه، ودليل التحريم الذي هو حديث ابن عباس وعلي ﵃. وخلاصة القول أن نقول: إن الإنزاء مكروه تنزيهًا، وهو أشد على أهل البيت، ولا يبعد أن يقال بتحريمه إذا أدى إلى انقطاع نسل الخيل، وأما ما قاله الطيبي وتابعه عليه المباركفوري، فمحل نظر، والله أعلم. ١٤٢ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ هِلَالِ بْنِ يِسَافٍ، عَنْ أَبِي يَحْيَى، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أَسْبِغُوا الْوُضُوءَ".

стр. 1652

رجال الإسناد: ستة ١ - (قتيبة) بن سعيد أبو رجاء الثقفي البغلاني. (ع) تقدم في ١/ ١. ٢ - (جرير) بن عبد الحميد بن قرط- بضم القاف وسكون الراء بعدها طاء مهملة الضبي الكوفي، نزيل الري وقاضيها، ثقة صحيح الكتاب، قيل: كان في آخر عمره يهم من حفظه، مات سنة -١٨٨ - وله -٧١ - سنة. (ع). تقدم في ٢/ ٢. ٣ - (منصور) بن المعتمر بن عبد الله السلمي أبو عَتَّاب الكوفي، ثقة، ثبت، وكان لا يدلس من طبقة الأعمش، مات سنة -١٣٢ - (ع). تقدم في ٢/ ٢. ٤ - (هلال بن يساف) بكسر التحتانية ثم مهملة ثم فاء، ويقال ابن إساف، الأشجعي مولاهم، الكوفي، ثقة، من الثالثة، (خت م ٤). وضبط في الخلاصة يساف بفتح الياء. تقدم في ٣٩/ ٤٣. ٥ - (أبي يحيى) الأعرج المعرقب، اسمه مصدَع بكسر أوله وسكون ثانيه وفتح ثالثه، مقبول، من الثالثة. (م ٤). تقدم في ٨٩/ ١١١. والمعرقب بصيغة اسم المفعول لقب به لأن الحجاج، أو بشر بن مروان عرض عليه سب علي فأبى فقطع عرقوبه، قاله في تهذيب التهذيب جـ ١ ص ١٥٧ - ١٥٨. ٦ - (عبد الله بن عمرو) بن العاص ﵄. تقدم في ٨٩/ ١١١. لطائف الإسناد منها: أنه من سداسياته. ومنها: أن رجاله ثقات غير أبي يحيى فمقبول. كما في التقريب،

стр. 1653

وفي الخلاصة: هو موثق، وقال ابن حبان في الضعفاء: كان يخالف الأثبات في الروايات، وينفرد بالمناكير. ومنها: أنهم ممن اتفق الجماعة في التخريج لهم إلا هلالا وأبا يحيى فأخرج لهما (م ٤). ومنها: أنهم كوفيون إلا قتيبة فبغلاني، ولا أعرف نسبة أبي يحيى، وإلا عمرا فمصري طائفي. ومنها: أن فيه ثلاثة من التابعين يروي بعضهم عن بعض، منصور، وهلال، وأبو يحيى. شرح الحديث (عن عبد الله بن عمرو) بن العاص ﵁ أنه (قال: قال: رسول الله ﷺ : أسبغوا الوضوء) بضم الواو أي أتموه بفعل فرائضه وسننه وهذا الحديث مختصر، وقد تقدم تاما في ٨٩/ ١١١ عن عبد الله بن عمرو، قال: "رأى رسول الله ﷺ قوما يتوضئون، فرأى أعقابهم تلوح فقال: ويل للأعقاب من النار، أسبغوا الوضوء". وتقدم هناك شرحه مُستوفى. وبالله التوفيق، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث المسألة الأولى: في درجته: حديث عبد الله بن عمرو في سنده أبو يحيى الأعرج إلا أن له شواهد فهو صحيح بها كما قدمناه في ٨٩/ ١١١. المسألة الثانية: فيمن أخرجه معه من أصحاب الأصول وغيرهم: أخرجه "م د ق" فأخرجه (م) في الطهارة -٩/ ٥ - عن زهير بن حرب وإسحاق بن إبراهيم، كلاهما عن جرير -و -٩/ ٦ - عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن وكيع، عن سفيان - و ٩/ ٦ - عن ابن المثنى وابن بشار،

стр. 1654

كلاهما عن غندر، عن شعبة- ثلاثتهم عن منصور، عن هلال بن يساف، عن أبي يحيى، عن عبد الله بن عمرو. وأخرجه "د" في الطهارة -٤٦ - عن مسدد، عن يحيى القطان، عن سفيان بالسند المذكور. وأخرجه "ق" في الطهارة -٥٥/ ١ - عن أبي بكر بن أبي شيبة، وعلي ابن محمَّد، كلاهما عن وكيع، بالسند المذكور. المسألة الثالثة: في مواضعه عند المصنف: أخرجه المصنف في موضعين هنا وفي باب -٨٩/ ٢ - عن محمود بن غيلان، عن وكيع بالسند المذكور. وفي -٨٩/ ٢ - عن عمرو بن علي، عن عبد الرحمن، عن سفيان بالسند المذكور. وأخرجه البيهقي والطحاوي. وبقية المسائل المتعلقة بهذا الحديث تقدمت في الباب المذكور. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".

стр. 1655

١٠٧ - بَابُ الفَضْلِ فِي ذَلِكَ أي هذا باب ذكر الحديث الدال على الفضل الحاصل في إسباغ الوضوء. والفضل: بفتح الفاء وسكون الضاد: الزيادة، والمراد به هنا زيادة الدرجات. قال في المصباح: والفضيلة والفضل: الخير، وهو خلاف النقيصة والنقص. اهـ. وقال ابن منظور: وفَضَل الشيء يفضُل: مثال دخل يدخل، وفَضِل يفضَل كحذرَ يحذَر، وفيه لغة ثالثة مركبة منهما فَضِل بالكسر يفضُل بالضم، وهو شاذ لا نظير له، وقال ابن سيده: هو نادر جعلها سيوبه كمِت تَمُوت، قال الجوهري: قال سيبويه: هذا عند أصحابنا إنما يجيء على لغتين، قال: وكذلك نعم ينعُم ومتَّ تموت وكِدتَّ تكود، وقال اللحياني: فضل يفضل كحسب يحسب نادر كل ذلك بمَعْنىً. اهـ لسان. ١٤٣ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، عَنْ مَالِكٍ، عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِمَا يَمْحُو اللهُ بِهِ الْخَطَايَا، وَيَرْفَعُ بِهِ الدَّرَجَاتِ: إِسْبَاغُ الْوُضُوءِ عَلَى الْمَكَارِهِ، وَكَثْرَةُ الْخُطَا إِلَى الْمَسَاجِدِ، وَانْتِظَارُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصَّلَاةِ، فَذَلِكُمُ الرِّبَاطُ، فَذَلِكُمُ الرِّبَاطُ، فَذَلِكُمُ الرِّبَاطُ".

стр. 1656

رجال الإسناد: خمسة ١ - (قتيبة) بن سعيد أبو رجاء الثقفي البغلاني ثقة ثبت ١٠، تقدم في١/ ١. ٢ - (مالك) بن أنس أبو عبد الله إمام دار الهجرة. ثقة فقيه حجة تقدم في ٧/ ٧. ٣ - (العلاء بن مبد الرحمن) بن يعقوب الحُرَقي -بضم المهملة وفتح الراء بعدها قاف، أبو شبل، بكسر المعجمة وسكون الموحدة، المدني، صدوق ربما وهم، من الخامسة مات سنة بضع وثلاثين (م ٤). ٤ - (عبد الرحمن) بن يعقوب الجهني، المدني، مولى الحرقة ثقة، من الثالثة. (م ٤). ٥ - (أبو هريرة) عبد الله بن عمرو على الأصح، نقيب أهل الصفة، وأكثر الصحابة حديثا روى -٥٣٧٤ - حديثا. تقدم في ١/ ١. لطائف الإسناد منها: أنه من خماسياته. ومنها: أن رواته مدنيون، إلا قتيبة، فبغلاني. ومنها: أن فيه رواية الابن عن أبيه، ورواية تابعي، عن تابعي العلاء، عن أبيه. ومنها: أن صحابيه رئيس المكثرين في الرواية كما تقدم غير مرة. شرح الحديث (عن أبي هريرة) ﵁ (أن رسول الله ﷺ قال: ألا) بفتح الهمزة والتخفيف، للتحضيض، ومعناه طلب الشيء بحَثّ، وقد تقدم

стр. 1657

البحث عنها في ٦٤/ ٨٠ في شرح حديث ابن عباس ﵁ "ألا أخبركم بوضوء رسول الله ﷺ ". وقا ل المباركفوري: قوله (ألا أدلكم) الهمزة للاستفهام، ولا نافية، وليس ألا للتنبيه بدليل قولهم: بلى. اهـ تحفة ج ١ ص ١٧١. قال الجامع عفا الله عنه: أما قوله الهمزة للاستفهام ولا نافية ففيه نظر لأن ألا التي تكون للاستفهام عن النفي لا يليها إلا الجملة الاسمية كما أوضحه ابن هشام في مغنيه ج ١ ص ٦٦ بنسخة حاشية الأمير. ولأن المعنى عليه غير واضح فالأولى ما قلناه، والله أعلم (بما يمحو الله به) أي يزيل بذلك الفعل (الخطايا) جمع خطيئة، وهو جمع نادر، والخطيئة: الذنب على عمد، وقد تقدم الكلام في هذه الكلمة وتصاريفها ومعانيها مستوفًى في ٨٥/ ١٠٣ فارجع إليه. قال القاضي عياض ﵀: هو الخطايا: كناية عن غفرانها، ويحتمل محوها من كتاب الحفظة، ويكون دليلا على غفرانها اهـ ذكره النووي في شرح مسلم ج ٣/ ١٣٩. (ويرفع به الدرجات) أي يعلي به المنازل في الجنة، وعند مسلم والترمذي "قالوا بلى يا رسول الله" قال: (إسباغ الوضوء) أي إتمامه وإكماله باستيعاب المحل بالغسل، وتطويل الغرة، وتكرار الغسل ثلاثا. قاله المباركفوري (على المكاره) قال ابن الأثير: جمع مكره -يعني بفتح الميم وسكون الكاف وفتح الراء- وهو ما يكرهه الإنسان ويشق عليه، والكره: بالضم والفتح: المشقة، والمعنى أن يتوضأ مع البرد الشديد، والعلل التي يتأذى معها بمس الماء، ومع إعوازه والحاجة إلى طلبه والسعي في تحصيله أو ابتياعه بالثمن الغالي، وما أشبه ذلك

стр. 1658

من الأسباب الشاقة. اهـ لسان. ج ١٣ ص ٣٥٣. فقوله: إسباغ خبر لمبتدأ محذوف، أي هو إسباغ الوضوء، ومثله المعطوفان بعده. (وكثرة الخُطَى إلى المساجد) أي كثرة التردد إليها، والخطى بالضم والقصر: جمع خطوة بالضم أيضا، وهي ما بين القدمين، ويجمع أيضا على خُطْوات بضم فسكون، وعلى خطُوُات بضمتين. قاله في اللسان. ج ١٤ ص ٢٣١، وقال النووي: وكثرة الخطأ تكون ببعد الدار، وكثرة التكرار. اهـ شرح مسلم ج ١ ص ١٤١. (وانتظار الصلاة) أي وقتها، أو جماعتها (بعد) أداء (الصلاة) يعني أنه إذا صلى بالجماعة أو منفردا ينتظر صلاة أخرى ويعلق فكره بها. بأن يجلس في المسجد، أو في بيته ينتظرها، أو يكون في شغله وقلبه معلق بها. أفاده المباركفوري. وقال السيوطي: يحتمل وجهين: أحدهما الجلوس في المسجد، والثاني تعلق القلب بالصلاة والاهتمام بها والتأهب لها. اهـ زهر ج ١ ص ٩٠. قال الجامع: الوجه الأول هو الظاهر. وقال النووي: قال القاضي أبو الوليد الباجي: هذا في المشتركتين من الصلوات في الوقت، وأما غيرهما فلم يكن من عمل الناس. اهـ شرح مسلم ج ٣ ص ١٤١. قال الجامع عفا الله عنه: في تفريق الباجي نظر كما قال النووي، بل الظاهر العموم (فذالكم) الإشارة إلى ما ذكر من الأعمال (الرباط، فذالكم الرباط، فذالكم الرباط) قال ابن منظور: الرباط أي بكسر الراء في الأصل: الإقامة على جهاد العدو بالحرب، وارتباط الخيل وإعدادها، فشبه ما ذكر من الأعمال الصالحة به. قال القتيبي: أصل المرابطة أن يربط الفريقان خيولهما في ثغر، كلٌّ منهما مُعِدٌّ لصاحبه، فسمي المقام في الثغور رباطا،

стр. 1659

ومنه قوله: "فذالكم الرباط" أي أن المواظبة على الطهارة والصلاة كالجهاد في سبيل الله، فيكون الرباط مصدر رابطت، أي لازمت، وقيل: هو ها هنا اسم لما يربط به الشيء أي يشد، يعني أن هذه الخلال تربط صاحبها عن المعاصي وتكفه عن المحارم، اهـ لسان ج ٧ ص ٣٠٢. وقال السيوطي: "فذلكم الرباط الخ": أي المذكور في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا﴾ [آل عمران: ٢٠٠] وحقيقته ربط النفس والجسم مع الطاعات، وحكمة تكراره قيل: الاهتمام به وتعظيم شأنه، وقيل: كرره ﷺ على عادته في تكرار الكلام ليفهم عنه. قال النووي: والأول أظهر. اهـ زهر ج ١ ص ٩٢. وقال السندي: قيل أراد به المذكور في قوله تعالي: ﴿وَرَابِطُوا﴾، وحقيقته ربط النفس والجسم مع الطاعات، وقيل: المراد هو الأفضل، والرباط ملازمة ثغر العدو لمنعه، وهذه الأعمال تسد طرق الشيطان عنه، وتمنع النفس عن الشهوات وعداوة النفس والشيطان لا تخفى، فهذا هو الجهاد الأكبر الذي فيه قهر أعدى عدوه، فلذلك قال الرباط بالتعريف والتكرار تعظيما لشأنه. اهـ كلام السندي ج ١ ص ٩٠. وقال النووي في شرح مسلم نقلا عن القاضي عياض: وقوله "فذالكم الرباط" أي الرباط الرغب فيه، وأصل الرباط: الحبس على الشيء كأنه حبس نفسه على هذه الطاعات، قيل: ويحتمل أنه أفضل الرباط كما قيل: الجهاد جهاد النفس، ويحتمل أنه الرباط المتيسر الممكن أي أنه من أنواع الرباط. اهـ شرح مسلم ج ٣ ص ١٤١ وسيأتي مزيد تحقيق لهذا في المسائل الآتية إن شاء الله تعالى. وبالله التوفيق، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث المسألة الأولى: في درجته: حديث أبي هريرة ﵁ أخرجه مسلم.

стр. 1660

المسألة الثانية: في بيان مواضعه عند المصنف: أخرجه هنا ١٠٧/ ١٤٣ وفي الكبرى ٩٣/ ١٣٩ بهذا السند. المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه من أصحاب الأصول وغيرهم: أخرجه (م) في الطهارة -١٤/ ٢ - عن إسحاق بن موسى، عن معن بن عيسى، عن مالك، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁. وأخرجه مالك في الموطأ [٥٥] وأحمد في مسنده ٢/ ٢٧٧، و ٢٠٢. المسألة الرابعة: في فوائده: من فوائد الحديث فضل إسباغ الوضوء على المكاره، وهو الذي بوب عليه المصنف، لكن تبويبه عام فلعله أراد الفضل الحاصل في الجملة، أو أراد تقييد الترجمة بما في الحديث. والله أعلم. ومنها: فضل إكثار التردد إلى المساجد. ومنها: فضل انتظار الصلاة بعد الصلاة. ومنها: أن هذه الخصال: ملازمة لطاعة الله، وحبس للنفس عليها، وهي من أفضل القربات إلى الله تعالى. المسألة الخامسة: حيث إن بعض العلماء قالوا: إن المراد بهذا الحديث هو ما في قوله تعالى: ﴿وَرَابِطُوا﴾ أحببت أن أذكر ما قاله المفسرون في هذه الآية إيضاحًا للمقام، وتكميلًا للمرام، فأقول: قال العلامة أبو الفضل محمود الألوسي البغدادي في تفسيره روح المعاني: وأخرج عبد بن حميد عن زيد بن أسلم أن المراد -يعني في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: ٢٠٠]. اصبروا على الجهاد، وصابروا

стр. 1661

عدوكم، ورابطوا: على دينكم، وعن الحسن أنه قال: ﴿اصْبِرُوا﴾ على المصيبة ﴿وَصَابِرُوا﴾: على الصلوات ﴿وَرَابِطُوا﴾: في الجهاد في سبيل الله تعالى. وعن قتادة أنه قال: ﴿اصْبِرُوا﴾ على طاعة الله تعالي ﴿وَصَابِرُوا﴾: أهل الضلال ﴿وَرَابِطُوا﴾: في سبيل الله، وهو قريب من الأول، والأول أولى. اهـ روح المعاني ج ٤ ص ١٧٦. وقال العلامة القرطبي في تفسيره ما حاصله: اختلفوا في معنى قوله: ﴿وَرَابِطُوا﴾ فقال جمهور الأمة: "رابطوا" أعداءكم بالخيل، أي ارتبطوها كما يرتبطها أعداؤكم، ومنه قوله تعالى ﴿وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ﴾ وفي الموطأ عن مالك، عن زيد بن أسلم قال: كتب أبو عبيدة ابن الجراح إلى عمر بن الخطاب يذكر له جموعا من الروم وما يتخوف منهم، فكتب إليه عمر: أما بعد، فإنه مهما ينزل بعبد مؤمن من منزل شدة يجعل الله له بعدها فرجا، وإنه لن يغلب عسر يسرين، وإن الله تعالى يقول في كتابه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾. وقال أبو سلمة بن عبد الرحمن: هذه الآية في انتظار الصلاة بعد الصلاة، ولم يكن في زمان رسول الله ﷺ غزو يرابط فيه. رواه الحاكم أبو عبد الله. واحتج أبو سلمة بقوله ﵇: "ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا، ويرفع به الدرجات إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطأ إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذالكم الرباط، ثلاثا". رواه مالك. قال ابن عطية: والصحيح هو أن الرباط هو الملازمة في سبيل الله، أصلها من ربط الخيل ثم سمي كل ملازم لثغر من ثغور الإسلام مرابطا، فارسا كان أو راجلا. واللفظ مأخوذ من الربط، وقول النبي ﷺ :

стр. 1662

"فذالكم الرباط" إنما هو تشبيه بالرباط في سبيل الله، والرباط اللغوي هو الأول، وهذا كقوله: "ليس الشديد بالصُّرَعَة" وقوله: "ليس المسكين بهذا الطواف". قال القرطبي: قوله والرباط اللغوي هو الأول ليس بمسلم، فإن الخليل بن أحمد أحد أئمة اللغة وثقاتها قد قال: الرباط ملازمة الثغور، ومواظبة الصلاة أيضا، فقد حصل أن انتظار الصلاة رباط لغوي حقيقة، كما قال ﷺ . وأكثر من هذا ما قاله الشيباني أنه يقال: ماء مترابط أي دائم لا ينزح، حكاه ابن فارس، وهو يقتضي تعدية الرباط لغة إلى غير ما ذكرناه، فإن المرابطة عند العرب العقد على الشيء حتي لا ينحل، فيعود إلى ما كان صبر عنه، فيحبس القلب على النية الحسنة والجسم علي فعل الطاعة، ومن أعظمها وأهمها ارتباط الخيل في سبيل الله، كما نصَّ عليه في التنزيل في قوله: ﴿وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ﴾ على ما يأتي، وارتباط النفس على الصلوات كما قاله النبي ﷺ ، ورواه أبو هريرة، وجابر، وعلي، ولا عطر بعد عروس. اهـ كلام القرطبي ج ٤ ص ٣٢٣ - ٣٢٤. وقال العلامة الألوسي بعد ذكر التفسير المشهور الذي هو تفسير الجمهور ما نصه: وقد روي في بعض الآثار غير ذلك، فقد أخرج ابن مردويه عن سلمة (١) بن عبد الرحمن قال: أقبل عليّ أبو هريرة يوما فقال: أتدري يا ابن أخي فيم أنزلت هذه الآية ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا﴾ الخ؟ قلت: لا، قال: أما إنه لم يكن في زمان النبي في غزو يرابطون فيه ولكنه نزلت في قوم يعمرون المساجد يصلون الصلاة في مواقيتها، ثم يذكرون الله تعالى فيها، ففيهم أنزلت أي ﴿اصْبِرُوا﴾ على الصلوات الخمس ﴿وَصَابِرُوا﴾ أنفسكم وهواكم ﴿وَرَابِطُوا﴾ في مساجدكم ﴿وَاتَّقُوا

стр. 1663

اللَّهَ﴾ فيما علمكم ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾. وأخرج مالك والشافعي، وأحمد، ومسلم عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "ألا أخبركم بما يمحو الله به الخطايا، ويرفع به الدرجات؟ إسباغ الوضوء على المكاره" الحديث. قال: ولعل هذه الرواية عن أبي هريرة أصح من الرواية الأولى مع ما في الحكم فيها بأنه لم يكن في زمن النبي ﷺ غَزْو يرابطون فيه من البعد، بل لا يكاد يسلم ذلك له، ثم إن هذه الرواية وإن كانت صحيحة لا تنافي التفسير المشهور لجواز أن تكون اللام في الرباط فيها للعهد، ويراد به الرباط في سبيل الله تعالى، ويكون قوله ﵇ فذالكم الرباط من قَبيل "زيدٌ أسَدٌ"، والمراد تشبيه ذلك بالرباط على وجه المبالغة. اهـ روح المعاني ج ٤ ص ١٧٦. قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قاله العلامة الألوسي من الحسن بمكان، وهو الذي تقدم تصحيح ابن عطية له. والحاصل أن الراجح في تفسير الآية هو قول الجمهور، وهو أن المعنى هو ملازمة ثغر العدو، وأما الحديث فالمراد بالرباط فيه تشبيه هذه الخصال بالرباط في سبيل الله على وجه المبالغة. والله أعلم. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".

стр. 1664

١٠٨ - ثَوَابُ منْ توَضّأ كَمَا أُمِرَ أي هذا باب ذكر الأحاديث الدالة على ثواب الشخص الذي توضأ كما أمره الله تعالى. فقوله: أمر بالبناء للمفعول. والثواب: الجزاء. قال ابن منظور: والثواب: جزاء الطاعة، وكذلك المثوبة، قال الله تعالى: ﴿لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ﴾ [البقرة: ١٠٣] وأعطاه ثوابه ومَثُوبته -يعني بفتح الميم وضم الثاء- ومَثْوَبَتَه -يعني بفتح الميم وسكون الثاء وفتح الواو- أي جزاء ما عمله. وأثابه الله ثوابه، وأثْوَبَه، وثوّبه مَثُوبَتَه: أعطاه إياها، وفي التنزيل ﴿هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [المطففين: ٣٦]. أي جوزوا. اهـ لسان ج ١ ص ٢٤٤. والمراد بالأمر هنا ما يشمل الإيجاب والندب، كما سيأتي تحقيقه، إن شاء الله تعالى. ١٤٤ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ سُفْيَانَ الثَّقَفِيِّ أَنَّهُمْ غَزَوْا غَزْوَةَ السَّلَاسِلِ، فَفَاتَهُمُ الْغَزْوُ فَرَابَطُوا، ثُمَّ رَجَعُوا إِلَى مُعَاوِيَةَ، وَعِنْدَهُ أَبُو أَيُّوبَ وَعُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ، فَقَالَ عَاصِمٌ: يَا أَبَا أَيُّوبَ، فَاتَنَا الْغَزْوُ الْعَامَ، وَقَدْ أُخْبِرْنَا أَنَّهُ مَنْ صَلَّى فِي الْمَسَاجِدِ الأَرْبَعَةِ غُفِرَ لَهُ ذَنْبُهُ. فَقَالَ: يَا ابْنَ أَخِي أَدُلُّكَ عَلَى أَيْسَرَ مِنْ ذَلِكَ: إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ

стр. 1665

- ﷺ يَقُولُ: "مَنْ تَوَضَّأَ كَمَا أُمِرَ، وَصَلَّى كَمَا أُمِرَ، غُفِرَ لَهُ مَا قَدَّمَ مِنْ عَمَلٍ". أَكَذَلِكَ يَا عُقْبَةُ؟ قَالَ: نَعَمْ. رجال الإسناد: ستة ١ - (قتيبة بن سعيد) أبو رجاء الثقفي البغلاني ثقة من [١٠] تقدم في١/ ١ ٢ - (الليث) بن سعد بن عبد الرحمن الفهمي أبو الحارث المصري ثقة ثبت فقيه إمام مشهور، من السابعة، مات في شعبان سنة [١٧٥] ع. تقدم في ٣١/ ٣٥. ٣ - (أبو الزبير) محمَّد بن مسلم بن تَدْرس، بفتح المثناة وسكون الدال المهملة وضم الراء الأسدي مولاهم، المكي، صدوق إلا أنه يدلس من الرابعة، مات سنة ١٢٦ - (ع). تقدم في ٣١/ ٣٥. ٤ - (سفيان بن عبد الرحمن) أو ابن عبد الله بن عاصم بن سفيان بن عبد الله الثقفي، المكي. روى عن جده عاصم بن سفيان، وداود بن أبي عاصم. وعنه عبد الله بن لاحق المكي، وأبو الزبير المكي. ذكره ابن حبان في الثقات، له في النسائي، وابن ماجه حديث الباب فقط، لكن سماه ابن ماجه سفيان بن عبد الله. وفي "ت" مقبول، من السادسة. (س ق). ٥ - (عاصم بن سفيان الثقفي) الكوفي هو عاصم بن سفيان بن عبد الله بن ربيعة الثقفي، روى عن أبيه، وعمر، وأبي ذَرّ، وأبي أيوب وعبد الله بن عمرو بن العاص، وعقبة بن عامر الجهني، وعنه ابنه بشر وابن ابنه سفيان بن عبد الرحمن، وعمرو بن شعيب. ذكره ابن سعد في الطبقة الأولى من تابعي أهل الكوفة، وذكره ابن حبان في الثقات. قال الحافظ: نسبه البخاري فزاد بعد عبد الله بن ربيعة أخو عبد الله، ووقع في الصحابة للبغوي وغيره من طريق بشر بن عاصم، عن أبيه سمعمت النبي ﷺ فذكر حديثا، فغلب علي ظني أن المخرج له في السنن غيره وقد بينت ذلك في الإصابة. اهـ تهذيب التهذيب ج ٥ ص ٤١ - ٤٢.

стр. 1666

٦ - (أبو أيوب) الأنصاري، خالد بن زيد بن كليب، من كبار الصحابة، شهد بدرا، ونزل النبي ﷺ حين قدم الدينة عليه، ومات غازيا الروم سنة ٥٠ وقيل بعدها. (ع) تقدم في ٢٠/ ٢٠. لطائف الإسناد منها: أنه من سداسياته. ومنها: أن رواته ما بين بغلاني، وهو قتيبة، ومصري، وهو الليث، ومكيين، وهما أبو الزبير، وسفيان، وكوفي، وهو عاصم، ومدني، وهو أبو أيوب. ومنها: أن أربعة منهم ممن اتفقوا عليهم: وهم قتيبة، والليث، وأبو الزبير، وأبو أيوب، وسفيان ممن أخرج له المصنف، وابن ماجه، وعاصم ممن أخرج له الأربعة. ومنها: أن فيه ثلاثة من التابعين يروي بعضهم عن بعض، أبو الزبير، وسفيان، وعاصم. ومنها: أن فيه رواية الراوي، عن جده، سفيان، عن عاصم. شرح الحديث (عن عاصم بن سفيان الثقفي) بفتحتين نسبة إلى ثقيف بن منبه بن بكر ابن هوازن قاله في اللباب ج ١ ص ٢٤٠ (أنهم) أي هو وأصحابه (غزوا غزوة السلام) وهي التي كانت في زمن معاوية، قال ابن حبان في صحيحه ج ٢ ص ١٨٩: وغزاة السُّلاسل كانت في أيام معاوية، وغَزَاة السُّلاسل كانت في أيام النبي ﷺ اهـ. وفي اللسان: هو بضم السين الأولى وكسر الثانية، ماء بأرض جذام، وبه سميت الغزاة، وهو في اللغة الماء السَّلسَّال، وقيل هو بمعنى السَّلْسَل. اهـ. وفي "ق" والتاج: ما حاصله: أن فتح السين وهو المشهور، وبه جزم البكرى، ويروى بضمها، وبه جزم ابن الأثير، ونقل الحافظ القولين في الفتح، وقال ابن القيم: بالضم والفتح لغتان. ثم تسميته على الفتح لأنه كان به رمل بعضه على بعض كالسلسلة، وعلى الضم لسهولته، وذات

стр. 1667

السلاسل ماء بأرض جذام وراء وادي القرى، وبه سميت الغزاة، غزاها عمرو بن العاص ﵁ سنة ثمان من الهجرة. اهـ "ق" وشرحه. وقد تقدم أن المراد هنا ما كانت في زمن معاوية ﵁. (ففاتهم الغزو فرابطوا) أي حبسوا أنفسهم في ثغر العدو مدة (ثم رجعوا إلى معاوية) بن أبي سفيان ﵁ (و) الحال أن (عنده) أي عند معاوية ﵁ (أبو أيوب) خالد بن زيد بن كليب الأنصاري ﵁ (وعقبة بن عامر) الجهني صحابي مشهور اختلف في كنيته على سبعة أقوال، أشهرها أبو حماد، ولي إمْرَة مصر لمعاوية ﵁ ثلاث سنين وكان فقيها فاضلا مات في قرب الستين اهـ تقريب ص ٢٤١. (فقال عاصم) بن سفيان (يا أبا أيوب فاتنا الغزو العام) منصوب على الظرفية، أي هذه السنة (وقد أخبرنا) بالبناء للمفعول (أنه من صلى في المساجد الأربعة) قال السندي: لعل المراد بها مسجد مكة، والمدينة، ومسجد قباء، والمسجد الأقصي. اهـ ج ١ هـ ص ٩٠ ثم رأيت ابن حبان جزم في صحيحه بهذا المعنى فقال ج ٢ ص ١٨٩ قال أبو حاتم ﵁: المساجد الأربعة: مسجد الحرام، ومسجد المدينة، ومسجد الأقصى، ومسجد قباء اهـ فعلى هذا فأل للعهد. وذكر بعضهم احتمال أيّ مسجد كان فأل للجنس، لكن الأول هو الظاهر. و (غفر له ذنبه) بالبناء للمفعول، فقال أبو أيوب (يا ابن أخي) يريد به أخوة الدين لا أخوة النسب؛ لأن عاصما ليس من الأنصار (أدلك على أيسر من ذلك) أي أسهل عليك مما ذكرت من الصلاة في المساجد الأربعة (إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: من توضأ كما أمر) بالبناء للمفعول أي كما أمره الله تعالى، قال السندي: أي أمر إيجاب فيحصل الثواب لمن اقتصر على الواجبات في الوضوء، أو أمر إيجاب وندب فيتوقف على المندوبات، ولا يلزم الجمع بين الحقيقة والمجاز لجواز أن يراد بالأمر مطلق الطلب الشامل للإيجاب والندب. اهـ كلام السندي.

стр. 1668

قال الجامع عفا الله عنه: الظاهر الأول لما يأتي في حديث عثمان قريبا (وصلى كما أمر) بالضبط المتقدم، أي كما أمره الله تعالى، من استكمالا الأركان، والشروط، والواجبات، الخشوع، غير ذلك. (غفر له ما قَدَّم) بالبناء للفاعل، من التقديم أي ما أسلف (من عمل) أي ذنب. ثم قال أبو أيوب مستشهدا على ما قال (كذلك يا عقبة؟) أي هل الحديث الذي ذكرته من النبي ﷺ صواب (قال) عقبة (نعم) أي ما قلته صواب، وما أخطأت فيه. وقد تقدم البحث عن نعم مستوفىً في الباب ١٠١/ ح ١٣١. فارجع إليه تزدد علما. وبالله تعالى التوفيق. مسائل تتعلق بهذا الحديث المسألة الأولى: في درجته: حديث أبي أيوب ﵁ صحيح. المسألة الثانية: في بيان مواضعه عند المصنف: أخرجه هنا ١٠٨/ ١٤٤، وفي الكبرى ٩٤/ ١٤٠ بهذا السند. المسألة الثالثة: في ذكر من أخرجه معه: أخرجه ابن ماجه في الصلاة ١٩٣/ ٢، عن محمَّد بن رمح، عن الليث، عن أبي الزبير، عن سفيان ابن عبد الله أظنه- عن عاصم بن سفيان، عن أبي أيوب ﵁. وأخرجه أحمد ج ٥ ص ٤٢٣. وأخرجه ابن حبان في صحيحه ج ٢ ص ١٨٩. المسألة الرابعة: في فوائده: من فوائد هذا الحديث: أن الوضوء والصلاة على الوجه الذي أُمرَ من مكفرات الذنوب، وأن بعض الأعمال وإن كان سهلا في نفسه إلا أن الله جعل فيه أجرا جزيلا، وفيه أن المحدِّث وإن كان متقنا ينبغي له أن يَتَهِّمَ نفسه إن ربما تخونه ذاكرته، فيتأكد في روايته ببعض الحفاظ المتقنين ولا يستقل بنفسه. ١٤٥ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ، عَنْ شُعْبَةَ عَنْ جَامِعِ بْنِ شَدَّادٍ، قَالَ: سَمِعْتُ حُمْرَانَ بْنَ

стр. 1669

أَبَانَ، أَخْبَرَ أَبَا بُرْدَةَ فِي الْمَسْجِدِ، أَنَّهُ سَمِعَ عُثْمَانَ يُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "مَنْ أَتَمَّ الْوُضُوءَ كَمَا أَمَرَهُ اللهُ ، فَالصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ كَفَّارَاتٌ لِمَا بَيْنَهُنَّ". رجال الإسناد: ستة ١ - (محمَّد بن عبد الأعلى) الصنعاني البصري ثقة من -١٠ - ، تقدم في ٥/ ٥. ٢ - (خالد) بن الحارث بن عبيد الهجيمي البصري ثقة ثبت -٨ - ، تقدم في ٤٢/ ٤٧. ٣ - (شعبة) بن الحجاج الواسطي البصري الحجة، الثبت -٧ - ، تقدم في ٢٤/ ٢٦. ٤ - (جامع بن شداد) المحاربي أبو صخرة الكوفي، وثقه ابن معين، وأبو حاتم، والنسائي، وقال يعقوب بن سفيان: ثقة متقن، وقال العجلي: شيخ عال ثقة من قدماء شيوخ الثوري. وفي "ت": ثقة من الخامسة، مات سنة سبع ويقال سنة ثمان وعشرين ومائة أخرج له الجماعة ٥ - (حمران بن أبان) مولى عثمان بن عفان، اشتراه في زمن أبي بكر ﵄، ثقة، من الثانية مات سنة ٧٥، وقيل غير ذلك (ع) تقدم في ٦٨/ ٨٤. ٦ - (عثمان) بن عفان ﵁، تقدم في ٦٨/ ٨٤. لطائف الإسناد منها: أنه من سداسيات المصنف. ومنها: أن رواته كلهم ثقات. ومنها: أن الثلاثة الأولين بصريون، وجامع كوفي، وحمران، وعثمان مدنيان.

стр. 1670

ومنها: أن الجماعة اتفقوا على تخريج أحاديثهم إلا شيخ المصنف فلم يخرج له البخاري، وأخرج له أبو داود في القدر. ومنها: أن فيه رواية تابعي عن تابعي، جامع عن حمران. شرح الحديث (عن جامع بن شداد) بفتح الشين وتشديد الدال المهملة، أنه (قال: سمعت حمران) بضم الحاء المهملة، وسكون الميم (ابن أبان) تقدم أن الأكثرين على صرفه فوزنه فَعَال، وبعضهم يمنعه من الصرف للعلمية ووزن الفعل (أخبر أبا بُرْدَة) بن أبي موسى الأشعري قيل اسمه عامر، وقيل الحارث، ثقة من الثالثة، مات سنة ١٠٤، وقيل قبلها، وقد جاوز الثمانين، وجملة أخبر حال من حمران على تقدير "قد" عند البصريين (في المسجد) أي مسجد البصرة، لما عند أحمد في المسند قال: حدثنا هاشم حدثنا شعبة، قال: أخبرني أبو صخرة جامع بن شداد، قال: سمعت حمران بن أبان يحدث أبا بردة في مسجد البصرة، وأنا قائم معه، أنه سمع عثمان بن عفان ﵁ يحدث عن النبي ﷺ أنه قال .. الحديث (أنه) أي حمران (سمع عثمان) ﵁ (يحدث عن رسول الله ﷺ ) جملة حالية من "عثمان" (يقول:) جملة حالية من رسول الله ﷺ أي حال كون النبي ﷺ قائلا (من) شرطية، أو موصولة (أتم الوضوء كما أمره الله أي أمر إيجاب، لما عند مسلم قال: "ما من مسلم يتطهر فيتم الطهور الذي كتب الله عليه" … الحديث. قال النووي: هذه الرواية فيها فائدة نفيسة، وهي قوله ﷺ : "الطهور الذي كتبه الله عليه" فإنه دال على أن من اقتصر في وضوئه على طهارة الأعضاء الواجبة، وترك السنن والمستحبات كانت هذه الفضيلة حاصلة له وإن كان من أتى بالسنن أكمل وأشد تكفيرا. والله أعلم. اهـ كلام النووي في شرح مسلم ج ٣ ص ١١٦. وهو كلام نفيس (فالصلوات الخمس كفارات لما بينهن) أي لما عمل من الذنوب. والجملة جواب "من"

стр. 1671

أو خبرها، بتقدير رابط، أي له أو أن "أل" في الصلوات بدل من الضمير الرابط، أي صلواته كفارات، أي ماحيات لما اقترفه من الذنوب. ثم إن الظاهر أن المراد بالذنوب الصغائر لما في بعض الروايات من التقييد باجتناب الكبائر. ففي صحيح مسلم عن عثمان ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ما من امرئ مسلم تحضره صلاة مكتوبة فيحسن وضوءها وخشوعها وركوعها إلا كانت كفارة لما قبلها من الذنوب ما لم تؤت كبيرة، وذلك الدهر كله". فهذا صريح في الذنوب الصغائر فيحمل المطلق عليه. والله أعلم. وقد تقدم الكلام عليه في ٦٨/ ٨٤ فأرجع إليه. وبالله التوفيق، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بحديث عثمان المسألة الأولى: في درجته: حديث عثمان ﵁ أخرجه مسلم في صحيحه. المسألة الثانية: في بيان موضعه عند المصنف: لم يذكره المصنف إلا في هذا الموضع. المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه من أصحاب الأصول وغيرهم: أخرجه (م ق). فأما (م) فأخرجه في الطهارة -٤/ ٨ - عن ابن المثنى، وبندار، كلاهما عن غندر، و ٤/ ٨ - عن عبيد الله بن معاذ، عن أبيه، كلاهما عن شعبة و -٤/ ٧ - عن أبي بكر، وأبي كريب، وإسحاق بن إبراهيم، ثلاثتهم عن وكيع، عن مسعر- كلاهما عن جامع بن شداد، عن حمران، عن عثمان ﵁. وفي حديث مسعر قصة، قال: عن جامع بن شداد أبي صخرة، قال: سمعت حمران بن أبان قال: كنت أضع لعثمان طهوره، فما أتى عليه يوم إلا وهو يفيض عليه الماء نطفة، وقال عثمان: "حدثنا رسول الله ﷺ عند انصرافنا من صلاتنا هذه قال مسعر: أُرَاهَا العصر، فقال: ما أدري أحدثكم بشيء أو أسكت؟ فقلنا: يا رسول الله

стр. 1672

إن كان خيرا فحدثنا، وإن كان غير ذلك فالله ورسوله أعلم، قال: ما من مسلم يتطهر، فيتم الطهور الذي كتب الله عليه، فيصلي هذه الصلوات الخمس إلا كانت كفارات لما بينها". وأما (ق) فأخرجه في الطهارة ٥٧/ ١ عن بندار عن غندر، عن شعبة، عن جامع بن شداد به. وأخرجه أحمد في مسنده كما مرَّ قريبًا، وأخرجه ابن حبان في صحيحه ج ٢ ص ١٩٠. المسألة الرابعة: في فوائده: منها: فضل الوضوء كما أمره الله تعالى، وفضل الصلوات الخمس، وأن من أحسن ذلك حصل له تكفير خطاياه، وقد تقدم فضل إسباغ الوضوء في الباب الذي قبل هذا، ويأتي أيضا في الأحاديث الآتية، إن شاء الله تعالى. وبالله تعالى التوفيق. ١٤٦ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ حُمْرَانَ مَوْلَى عُثْمَانَ، أَنَّ عُثْمَانَ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "مَا مِنِ امْرِئٍ يَتَوَضَّأُ فَيُحْسِنُ وُضُوءَهُ، ثُمَّ يُصَلِّي الصَّلَاةَ، إِلاَّ غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الصَّلَاةِ الأُخْرَى حَتَّى يُصَلِّيَهَا". رجال الإسناد: ستة ١ - (قتيبة) بن سعيد البغلاني ثقة ثبت١٠. تقدم في ١/ ١. ٢ - (مالك) أنس الإمام العَلَم ثقة فقيه حجة -٧ - تقدم في ٧/ ٧. ٣ - (هشام بن عروة) بن الزبير بن العوام الأسدي، ثقة، فقيه، ربما دلس من الخامسة، مات سنة خمس أو ست وأربعين ومائة، وله ٨٧ سنة.

стр. 1673

(ع) تقدم في ٤٩/ ٦١. ٤ - (عروة بن الزبير) بن العوّام بن خُويلد الأسدي، أبو عبد الله المدني، ثقة فقيه مشهور، من الثالثة، مات سنة ٩٤ على الصحيح، ومولده في أوائل خلافة عثمان. (ع). تقدم في ٤٠/ ٤٤. وأما ٥ - (حمران)، ٦ - (عثمان) فتقدما في السند السابق. لطائف هذا الإسناد منها: أنه من سدسياته. ومنها: أن رواته كلهم ثقات أجلاء. ومنها: أنهم مدنيون، إلا شيخ المصنف فبغلاني. ومنها: أنهم ممن اتفق الجماعة على تخريج أحاديثهم. ومنها: أن فيه رواية الابن عن أبيه. ومنها: أن فيه رواية ثلاثة من التابعين، بعضهم عن بعض، هشام، عن عروة، عن حمران. ومنها: أن عروة أحد الفقهاء السبعة، وقد تقدم غير مرة. شرح الحديث (عن حمران مولى عثمان) كان من النَّمر بن قاسط سُبيَ بعين التَّمْر (١) فابتاعه عثمان من المسيب بن نجبة فأعتقه. اهـ تت ج ٣ ص ٢٤ (أن عثمان ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ ) أي كلامه، حال كونه (يقول: ما) نافية (من) زائدة كما قال ابن مالك وَزيدَ في نَفْي وَشبْهه فَجَر … نَكرَةً كمَا لبَاغ منْ مَفَر (امرئ) المراد به الشخص فيعم الرجل والمرأة، وإلا فلفظه لا يطلق غالبا إلا على الرجل فقط، قال في المصباح: والمرأ الرجل بفتح الميم وضمها لغة، فإن لم تأت بالألف واللام قلت: امرؤ وامرآن والجمع رجال من غير لفظه، والأنثى امرأة بهمزة وصل، وفيها لغة أخرى مرأة وزان تمرة، ويجوز بنقل حركة هذه الهمزة إلى الراء، فتحذف، وتبقى

стр. 1674

مرة وزان سنة، وربما قيل فيها امرأ بغير هاء اعتمادا على قرينة تدل على المسمى، قال الكسائي: سمعت امرأة من فصحاء العرب تقول: أنا امرأ أريد الخير بغير هاء وجمعها نساء، ونسوة من غير لفظها. اهـ عبارة المصباح ج ٢ ص ٥٧٠. (يتوضأ، فيحسن وضوءه) بإكمال محل الفرض غسلا ومسحا، لما تقدم من رواية مسلم "فيتم الطهور الذي كتب الله عليه"، ويحتمل أن يكون المراد بالإحسان هنا هو استكمال الواجبات والمندوبات، لكن الأول هو الظاهر (ثم يصلى الصلاة) أي المكتوبة لما في مسلم أيضا "ثم يصلي المكتوبة" (إلا غفر الله) أي إلا رجل غفر له، فالمستثنى محذوف، لأن الفعل لا يقع مستثنى، أو التقدير ما يتوضأ امرؤ في حال إلا في حال المغفرة، فيكون الاستثناء من عموم الأحوال. أفاده العلامة العيني في العمدة ج ٣ ص ١٣ (ما بينه وبين الصلاة الأخرى) أي التي تليها، كما صرح به مسلم في صحيحه من هذا الطريق (حتى يصليها) أي يشرع في الصلاة الثانية. قاله في الفتح. واعترضه العلامة العيني بأن هذا معنى فاسد؛ لأن قوله "ما بينه وبين الصلاة" يحتمل أن يراد به بين الشروع في الصلاة وبين الفراغ عنها، ولما كان المراد الفراغ عنها أشار إليه بقوله: "حتى يصليها"، ولهذا لم يكتف بقوله بين الصلاة لأنه لا يغني عن ذكر حتى يصليها لما ذكرنا. اهـ كلام العيني ج ٣ ص ١٣. قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قاله العيني هو الظاهر، فالمعنى حتى يفرغ من الصلاة الثانية والله أعلم. ومنه التوفيق، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث المسألة الأولى: في درجته: هذا الحديث متفق عليه. المسألة الثانية: في ذكر موضعه من هذا الكتاب: لم يذكره المصنف إلا في هذا الموضع. المسألة الثالثة فيمن أخرجه من أصحاب الأصول معه: أخرجه (خ م) فأخرجه (خ) في الطهارة -٢٥ - عن عبد العزيز بن عبد الله، عن

стр. 1675

إبراهيم بن سعد، عن صالح، عن الزهري، عن عروة، عن حمران، عن عثمان ﵁. وأخرجه (م) في الطهارة ٤/ ٣ عن زهير بن حرب، عن يعقوب بن إبراهيم بن سعد، عن أبيه، عن عروة به. المسألة الرابعة قال العلامة العيني: ظاهر هذا الحديث يدل على أن المغفرة المذكورة لا تحصل إلا بالوصف المذكور من إحسان الوضوء والصلاة، وفي الصحيح من حديث أبي هريرة "وإذا توضأ العبد المسلم خرجت خطاياه" ففيه أن الخطايا تخرج من أول الوضوء حتى يفرغ من الوضوء نقيًا من الذنوب، وليس فيه ذكر الصلاة، فيحتمل أن يحمل حديث أبي هريرة عليها، لكن يبعده أن في رواية لمسلم من حديث عثمان "وكانت صلاته ومشيه إلى المسجد نافلة" ويحتمل أن يكون ذلك باختلاف الأشخاص، فشخص يحصل له ذلك عند الوضوء، وآخر عند تمام الصلاة. اهـ كلام العيني. ج ٣ ص ١٣. المسألة الخامسة: قال العلامة العيني أيضًا ما حاصله: أن المراد بغفران الذنوب في هذا الحديث وأمثاله غفران الصغائر لما في صحيح مسلم "ما من أمرى مسلم تحضره صلاة مكتوبة فيحسن وضوءها، وخضوعها، وخشوعها، وركوعها، إلا كانت كفارة لما قبلها من الذنوب ما لم تؤت كبيرة" وفي الحديث الآخر "الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان مكفرات لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر". قال الجامع عفا الله عنه: قد تقدم أن الراجح في النصوص التي لم تقيد عدم تقييدها، فتبصر، والله أعلم. وقال العيني: لا يقال إذا كفر الوضوء فماذا تكفر الصلاة، وإذا كفرت الصلاة فماذا تكفر الجمعة ورمضان، وكذا صيام عرفة يكفر سنتين، ويوم عاشوراء كفارة سنة، وإذا وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه؛ لأن المراد أن كل واحد من هذه المذكورات صالح للتكفير، فإن وجد ما يكفره من الصغائر كفره، وإن لم يصادف صغيرة كتبت له حسنات ورفعت له درجات، وإن صادف كبيرة أو كبائر، ولم يصادف

стр. 1676

صغيرة رجي أن يخفف منها، وقال النووي: رجونا أن يخفف من الكبائر، والله أعلم. اهـ عمدة ج ٣ ص ١٣. ١٤٧ - أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ -هُوَ ابْنُ سَعْدٍ- حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو يَحْيَى سُلَيْمُ بْنُ عَامِرٍ، وَضَمْرَةُ بْنُ حَبِيبٍ، وَأَبُو طَلْحَةَ نُعَيْمُ بْنُ زِيَادٍ، قَالُوا: سَمِعْنَا أَبَا أُمَامَةَ الْبَاهِلِيَّ يَقُولُ: سَمِعْتُ عَمْرَو بْنَ عَبَسَةَ يَقُولُ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللهِ كَيْفَ الْوُضُوءُ؟ قَالَ: "أَمَّا الْوُضُوءُ فَإِنَّكَ إِذَا تَوَضَّأْتَ فَغَسَلْتَ كَفَّيْكَ فَأَنْقَيْتَهُمَا خَرَجَتْ خَطَايَاكَ مِنْ بَيْنِ أَظْفَارِكَ وَأَنَامِلِكَ، فَإِذَا مَضْمَضْتَ وَاسْتَنْشَقْتَ مَنْخِرَيْكَ، وَغَسَلْتَ وَجْهَكَ وَيَدَيْكَ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ، وَمَسَحْتَ رَأْسَكَ، وَغَسَلْتَ رِجْلَيْكَ إِلَى الْكَعْبَيْنِ؛ اغْتَسَلْتَ مِنْ عَامَّةِ خَطَايَاكَ فَإِنْ أَنْتَ وَضَعْتَ وَجْهَكَ لِلَّهِ ؛ خَرَجْتَ مِنْ خَطَايَاكَ كَيَوْمَ وَلَدَتْكَ أُمُّكَ". قَالَ أَبُو أُمَامَةَ: فَقُلْتُ: يَا عَمْرُو بْنَ عَبَسَةَ، انْظُرْ مَا تَقُولُ!

стр. 1677

أَكُلُّ هَذَا يُعْطَى فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ؟ فَقَالَ: أَمَا وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي وَدَنَا أَجَلِي، وَمَا بِي مِنْ فَقْرٍ فَأَكْذِبَ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَلَقَدْ سَمِعَتْهُ أُذُنَايَ، وَوَعَاهُ قَلْبِي مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ . رجال الإسناد: تسعة ١ - (عمرو بن منصور) النسائي، أبو سعيد الحافظ، ثقة ثبت، من الحادية عشرة. (س). وفي "تت": قال النسائي: ثقة مأمون ثبت. وقال عبد الله بن محمَّد بن سيار: قال لي العباس العنبري: ما قدم علينا مثل عمرو بن منصور، وأبي بكر الوراق، فقلت: من أبو بكر؟ قال الأثرم. فقلت له: لا نرضى أن نقرن صاحبنا بالأثرم، إن هذا فوق الأثرم. انفرد به النسائي. اهـ. ٢ - "آدم بن أبي إياس" عبد الرحمن وقيل ناهية العسقلاني، أصله خراساني، يكنى أبا الحسن، نشأ ببغداد، ثقة عابد، من التاسعة، وفي "تت": وثقه أبو داود، والعجلي، وابن حبان. وقال ابن معين: ثقة ربما حدث عن قوم ضعفاء، قال أبو حاتم: ثقة مأمون متعبد من خيار عباد الله. وقال النسائي: لا بأس به. وقال أحمد: كان من الستة، أو السبعة الذين يضبطون الحديث عند شعبة. وقال أيضا: كان مكينا عند شعبة. مات سنة ٢٢٠ وقيل: ٢٢١ عن نيف وتسعين سنة. أخرج له البخاري، وأبو داود في الناسخ والمنسوخ، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه. ٣ - (الليث، هو ابن سعد) أبو الحارث الفهمي، المصري الثقة المشهور. تقدم في ٣١/ ٣٥. ٤ - (معاوية بن صالح) بن حُدير، بالمهملة، مصغرا، الحضرمي، أبو عمرو، وأبو عبد الرحمن، الحمصي قاضي الأندلس، صدوق له

стр. 1678

أوهام، من السابعة، مات سنة -١٥٨ - وقيل بعد السبعين (رم ٤). تقدم في ٦٢/ ٥٠. ٥ - (أبو يحيى سليم بن عامر) الكلاعي، ويقال: الخبائري، بخاء معجمة وموحدة الحمصي، ثقة، من الثالثة، غلط من قال: إنه أدرك النبي ﷺ ، مات سنة ١٣٠ قال العجلي: تابعي ثقة. وقال أبو حاتم: لا بأس به. ووثقه النسائي، ويعقوب بن سفيان وابن سعد، وابن حبان. وأخرج له البخاري في الأدب المفرد، الباقون. ٦ - (ضمرة بن حبيب) بن صهيب الزبيدي، بضم الزاي، أبو عتبة الحمصي، ثقة، من الرابعة، مات سنة ١٣٠. وثقه ابن معين، وابن سعد، وابن حبان، وقال: وكان مؤذن المسجد الجامع بدمشق. أخرج له الأربعة. ٧ - (أبو طلحة نعيم بن زياد) الأنماري، بفتح أوله وسكون النون، الشامي، ثقة يرسل، من الثالثة. (د س). ٨ - (أبو أمامة الباهلي) صُدَىّ بن عَجْلان صحابي مشهور، له -٢٥٠ - حديثا، روى له البخاري خمسة أحاديث، ومسلم ثلاثة، وروى عنه شهر بن حوشب، وخالد بن معدان، وسالم بن أبي الجعد، ومحمد بن زياد الألهاني، وقال: كان لا يمر بصغير ولا كبير إلا سلم عليه. قال أبو اليمان: مات سنة إحدى وثمانين بحمص. أخرج له الجماعة. ٩ - (عمرو بن عبسة) بموحدة ومهملتين مفتوحات، ابن عامر بن خالد السلمي، أبو نجيح، صحابي مشهور، أسلم قديما، وهاجر بعد أحد، ثم نزل الشام. (م ٤). وفي الخلاصة: له ثمانية وأربعون حديثا، انفرد البخاري بحديث، وروى عنه أبو أمامة الباهلي، وشرحبيل بن السمط. قال الواقدي: أسلم بمكة ثم رجع إلى بلاد قومه حتى مضت بدر، واحد، والخندق، والحديبية، وخيبر، ثم قدم المدينة، قال ابن سعد: يقولون: إنه رابع، أو خامس في الإسلام. اهـ وكتب في الهامش عن التهذيب: ما نصه: وكان قبل أن يسلم يعتزل عبادة الأصنام، ويراها باطلا وضلالا، وكان يرعى فتظله غمامة. اهـ

стр. 1679

لطائف هذا الإسناد منها: أنه من سباعيات المصنف. ومنها: أن رجال الإسناد شاميون إلا اثنين: عمرو فنسائي: والليث فمصري. ومنها أن كلهم ثقات إلا معاوية فصدوق، له أوهام. ومنها أن فيه رواية صحابي، عن صحابي. شرح الحديث قال عمرو بن عبسة ﵁ (قلت: يا رسول الله كيف الوضوء) سؤال عن صفته، قال في المصباح: "كيف": كلمة يستفهم بها عن حال الشيء، وصفته، يقال: كيف زيد، ويراد به السؤال عن صحته وسقمه، وعسره، ويسره، وغير ذلك. اهـ ج ٢ ص ٥٤٦ (قال) أي النبي ﷺ (أما) بفتح الهمزة وتشديد الميم، وقد تبدل ميمها الأولى ياء استثقالا للتضعيف، فيقال أيْمَا، قال عمر بن أبي ربيعة (من الطويل): رَأتْ رجُلًا أيْمَا إذَا الشَّمْسُ عَارَضَتْ … فَيَضْحَى وأيْمَا بالعَشيِّ فَيَخْصَرُ وهي حرف شرط وتوكيد، وتفصيل، قال ابن هشام في المغني: وأما التفصيل فهو غالب أحوالها، وقد تأتي لغير تفصيل أصلا نحو أما زيد فمنطلق اهـ مغني اللبيب ١ ص ٥٤. قال الجمامع عفا الله عنه: كونها لغير تفصيل هنا هو الواضح لعدم سبق ما يفصل. ثم إنه يُفصل بين أما وبين الفاء بواحد من ستة أمور: أحدها: المبتدأ نحو ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ﴾ [الكهف: ٧٩] الآية. والثاني: الخبر نحوا أما في الدار فزيد. والثالث: جملة الشرط نحو ﴿فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٨٨) فَرَوْحٌ﴾ الآيات [الواقعة: ٨٨ - ٨٩].

стр. 1680

والرابع: اسم منصوب بالجواب نحو ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ﴾ [الضحى: ٩] الآيات. والخامس: اسم معمول لمحذوف يفسره ما بعد الفاء نحو قراءة بعضهم ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ﴾ [فصلت: ١٧] بالنصب. والسادس: ظرف معمول لأما لما فيها من معنى الفعل، أو لفعل محذوف، نحو أما اليوم، فإني ذاهب، وأما في الدار فإن زيدا جالس، ولا يكون العامل ما بعد الفاء لأن خبر "إن" لا يتقدم عليها، فكذلك معموله. ولا يجوز الفصل بأكثر من واحد منها، قال العلامة الأمير في حاشيته على المغني: وتغتفر الجملة الدعائية نحو أما اليوم رحمك الله فكذا وكذا. ونظم ذلك بعضهم بقوله: وَبَعْدُ أمَّا فَافْصلَنْ بوَاحدِ … منْ ستَّة وَلَا تَفُهْ بِزَائدِ مُبْتَدَأ وَالشَّرْطُ ثُمَّ الخَبَرُ … مَعمُولُ فعْل بَعْدَ أمَّا يُذْكَرُ كَذَاكَ مَعْمُولٌ لفعْل فَسَّرَهْ … مَا بَعْدَ فَاءٍ بَعْدَهَا مُؤَخَّرهْ وَالظَرْفُ وَالمجرْوُرُ تلكَ ستُّ … قدْ قَالهُ كُلُّ إِمَام ثَبْتُ وتحقيق المسألة في مغني اللبيب، وشروحه جـ ١ ص ٥٤. وجواب "أما" هنا قوله (فإنك إذا توضأت فغسلت) الفاء تفصيلية، فجملة غسلت تفصيل لقوله توضأت (كفيك) تثنية كف، وهي مؤنثة، وغلط من قال بتذكيرها ومعناها الراحة مع الأصابع، سميت به لأنها تكف الأذى عن البدن. وقد تقدم تحقيقها في باب غسل الكفين [٦٦/ ٨٢] (فأنقيتهما) أي نظفتهما (خرجت خطاياك) جمع خطيئة، وهي الذنوب (من بن أظفارك) جمع ظفر بضمتين، وفيه لغات، وهذه أفصحها، وهو مذكر، وقد تقدم الكلام عليه وعلى الخطايا باب [٨٥/ ١٠٢]،

стр. 1681

(أنا ملك) جمع أنملة بفتح الهمزة، وفتح الميم أكثر من ضمها، وابن قتيبة يجعل الضم من لحن العوام، وبعض المتأخرين من النحاة حكى تثليث الهمزة مع تثليث الميم، فيصير تسع لغات. وهي من الأصابع العقدة، وبعضهم يقول: الأنامل رؤس الأصابع. وعليه قول الأزهري الأنملة المفصل الذي فيه الظفر. أفاده في المصباح. ج ٢ ص ٦٢٦. وقال في التاج ج ٨ ص ١٤٧ نقلا عن شيخه: وقد جمع العز القسطلاني اللغات التسعة في البيت المشهور مع لغات الأصبع، فقال (من البسيط): وَهَمْزَ أنْمَلة ثلِّثْ وَثَالثَةً … وَالتّسْعُ في أُصْبُع وَاخْتمْ بأُصْبُوع اهـ (فإذا مضمضت) أي حركت الماء في فيك (واستنشقت منخريك) أي جعلت الماء في أنفك، وجذبته بالنفس، لينزل ما في الأنف من الأوساخ وقد تقدم تفسير المضمضة والاستنشاق في باب ٦٨/ ٨٣ والمنخران تثنية مَنخر، قال الفيومي: المنخر مثال مسجد: خَرْق الأنف، وأصله موضع النّخير، وهو الصوت من الأنف، يقال: نَخَر من باب قتل إذا مد النفس في الخياشيم، والمنخر بكسر الميم للإتباع لغة، ومثله منتن، قالوا: ولا ثالث لهما والنُّخُور مثل عصفور لغة طيء والجمع مناخر، ومناخير. اهـ المصباح ج ٢ ص ٥٩٦. وفي "ق" والمَنْخَر بفتح الميم والخاء، وبكسرهما وضمهما، وكمجلس ملمُول (١) الأنف. اهـ (وغسلت وجهك ويديك إلى المرفقين) بفتح فسكون، أو بكسر فسكون، تثينة مرفق كذلك، وهو كما في "ق" موصل الذراع في العضد (ومسحت رأسك، وغسلت رجليك إلى الكعبين) فيه تصريح بأن وظيفة الرجلين، هي الغسل لا المسح. قال السندي. ج ١ ص ٩٢ (اغتسلت) جواب إذا، وجملة إذا جواب أما

стр. 1682

أي صرت طاهرا (من عامة خطاياك) أي غالبها، أي مما يتعلق بأعضاء الوضوء وهي الغالبة، فلذلك قيل عامة الخطايا، والمراد بالخطايا الصغائر عند العلماء (فإن أنت وضعت وجهك) أي سجدت مخلصا (لله خرجت) على صيغة الخطاب، فإن الخطايا إذا خرجت من الإنسان فقد خرج الإنسان منها لافتراق كل منهما عن صاحبه، فيجوز نسبة الخروج إلى كل منهما، قاله السندي، ج ١ ص ٩٢، (من خطاياك) متعلق بخرجت، أي من ذنوبك (كيوم ولدتك أمك) الجار والمجرور نعت لمصدر محذوف، أي خروجا مشابها ليوم ولادتك، أي صرت طاهرا من الخطايا كطهارتك منها يوم ولادتك. قال السيوطي: بفتح يوم لاضافته إلى جملة صدرها مبني. اهـ ج ١ ص ٩٣. وقال السندي: البناء جائز لا واجب، فيجوز الجر إعرابا. اهـ. قال الجامع عفا الله عنه: إن ثبتت الرواية بأحد الوجهين فهو المتعين، وإلا فما قال السندي هو الأولى. والحاصل أن الظروف المضافة الي الجمل جوازًا يجوز فيها الإعراب والبناء، سواء أضيفت إلى جملة، فعلية صدرت بماض، أو جملة فعلية صدرت بمضارع، أو جملة اسمية، وهذا مذهب الكوفيين والفارسي، واختاره ابن مالك، لكن المختار فيما أضيف إلى جملة فعلية فعلها ماض البناء وفيما عداه الأعراب وإلى هذا أشار ابن مالك بقوله: وَابْن أوَ اعْربْ مَا كَإذْ قَدْ أجْريَا … وَاخْتَرْ بنَا مَتْلُوِّ فعْل بُنيَا وَقَبْلَ فعْل مُعْرَب أوْ مُبْتَدَا … أعْربْ وَمَنْ بَنَى فَإنْ يُفَنَّدَا قال السندي: والظاهر أن المعنى خرجت من الخطايا كخروجك منها

стр. 1683

يوم ولدتك أمك، وفيه أن الخروج من الخطايا فرع الدخول فيها فلا يتصور يوم الولادة، وأيضا هذا يفيد مغفرة الكبائر أيضا فإن الإنسان يوم الولادة طاهر عن الصغائر والكبائر جميعا، ولا يقول به العلماء، والجواب أنه متعلق بما يدل عليه خرجت، أي صرت طاهرا من الخطايا، أي الصغائر كطهارتك منها يوم ولدتك أمك، وهذا صحيح، وحمل التشبيه على ذلك بأدلة غيرُ بعيد، فليتأمل. اهـ. كلام السندي ج ١ ص ٩٢ (قال أبو أمامة: فقلت: يا عمرو بن عبسة) يجوز في عمرو البناء على الضم، والفتح اتباعا؛ لأنه إذا كان المنادى مفردا علما ووصف بابن مضاف إلى علم، ولم يفصل بينهما بفاصل جاز في المنادى الوجهان المذكوران، ويجب حذف ألف ابن والحالة هذه خطا، قال في الخلاصة: وَنَحْوَ زَيْد ضُمَّ وَافْتَحَنَّ مِنْ … نَحْو أزَيْدَ بْنَ سَعيد لاتَهِنْ وأما ابن عبسة فمنصوب لا غير (انظر ما تقول) أي فكر، وتَأنَّ فيما تتكلم به من هذا الفضل الجزيل على هذا الفعل القليل (أكل هذا) بالنصب مفعول ثان مقدم ليعطى، أو بالرفع مبتدأ خبره الجملة بعده (يعطى) بالبناء للمجهول (في مجلس واحد) وليس هذا اتهاما من أبي أمامة لعمرو، وإنما هو استغراب، وتعجب من عظيم فضل الله تعالى (فقال) عمرو (والله لقد كبرت سنين) يقال: كَبر الصبي يكبَر من باب تعب مكبرا، مثل مسجد وكبرا وزان عنب، فهو كبير، وجمعه كبار، اهـ المصباح ج ٢ ص ٥٢٣. وفي "ق" وكبر كفرح كبرا كعنب، ومكَبَرا، كمنزل: طعن في السن اهـ. والسن بكسر السين وتشديد النون مقدار العمر، مؤنثة في الناس وغيرهم جمعه أسنان، قاله في "ق" (ودنا) أي قرب (أجلي) أي وقت موتي، قال في "ق" الأجل محركة: غاية الوقت في الموت. اهـ (وما) نافية (بي من) زائدة (فقر) مبتدأ مؤخر خبره الجار والمجرور قبله. أي

стр. 1684

ليس بي احتياج إلى الناس (فأكذب على رسول الله ﷺ ) فأكذب منصوب بعد فاء السببية بأن مضمرة وجوبا كما قال في الخلاصة: وَبَعْدَ فَا جَوَاب نَفْي أوْ طَلَبْ … مَحْضَيْنَ أنْ وَستْرْهُ حَتْمٌ نُصَبْ والمعنى أنه يقول: إن الأسباب الحاملة على الكذب عادة منتفية عني فلست كاذبا (ولقد سمعته) أي هذا الكلام (أذناي) فاعل سمعت وهو تثنية أذن مضاف إلى ياء المتكلم؛ لأن القاعدة أن المثنى إذا أضيف إلى ياء المتكلم سلمت ألفه في حالة الرفع، وفتحت الياء بعدها، نحو جاء غلاماي، وأما في حالتي النصب والجر فتدغم الياء في ياء المتكلم، نحو رأيت غلاميَّ، ومررت بغلامي، كما قال في الخلاصة: آخرَ مَا أضيفَ للْيَاء اكْسرْ إذَا … لَمْ يَكُ مُعْتَلًا كَرَام وَقَذَا أوْ يَكُ كَابْنَيْن وَزَيدينَ فَذي … جَميعُهَا اليَا بَعْدُ فَتْحُهَا احْتُذي وَتُدْغَمُ اليَا فيه وَالوَاوُ وَإنْ .... مَا قَبْلَ وَاو ضُمَّ فَاكسرْه يَهُنْ وَألفًا سَلِّم وَفي المَقْصُور عَنْ … هُذَيل انْقلَا بُهَا يَاءً حَسَنْ (ووعاه) أي حفظ هذا الكلام (قلبي من رسول الله ﷺ ) يعني أنه متثبت في نقل هذا الكلام من رسول الله ﷺ ، ثم إن قلبه وعاه له، ولم يطرأ عليه نسيان. وعند مسلم في صحيحه: لقد كبرت سنين، ورقّ عظمي، واقترب أجلي، وما بي من حاجة أن أكذب على الله، وعلى رسوله، لو لم أسمعه من رسول الله ﷺ إلا مرة، أو مرتين، أو ثلاثا، حتى عدّ سبع مرات ما حدثت به أبدا، ولكني سمعته أكثر من ذلك. وبالله التوفيق. مسائل تتعلق بحديث عمرو ﵁ المسألة الأولى: في درجته: حديث عمرو بن عبسة ﵁ أخرجه مسلم.

стр. 1685

المسألة الثانية: في بيان موضعه عند المصنف: أخرجه هنا ١٠٨/ ١٤٧، وفي الصلاة ٣٥/ ٥٧٢ بقصة الصلاة بهذا السند، وفي ٤٠/ ٥٨٤ أيضًا، عن الحسن بن إسماعيل، وأيوب ابن محمَّد، عن حجاج بن محمد، عن شعبة، عن يعلى بن عطاء، عن يزيد بن طلق، عن عبد الرحمن بن البيلماني، عن عمرو بن عبسة ﵁. المسألة الثالثة: فيمن أخرجه مع المصنف. أخرجه مسلم مطولا عن أحمد بن جعفر المَعقريّ، عن النضر بن محمَّد، عن عكرمة بن عمار، عن شداد بن أبي عمار، ويحيى بن أبي كثير، كلاهما عن أبي أمامة به. وأحمد في المسند ج ٤/ ص ١١٢ مطولا أيضا، وأخرجه الدارقطني في السنن ج ١/ ص ١٠٨. المسألة الرابعة: في فوائده: من فوائد هذا الحديث: مشروعية سؤال الشخص العلماء عن أحكام دينه، وعَمَّا لَه في ذلك عند الله من الأجر، لأن ذلك يبعثه على العمل به وتزداد رغبته، ويَقْوَى نشاطه، وفيه بيان فضل الوضوء، وأنه من مكفرات الذنوب، وفيه دليل لمذهب العلماء كافة أن الواجب غسل القدمين، خلافا للشيعة حيث قالوا: الواجب مسحهما، ولابن جرير حيث قال: هو مخير، ولبعض الظاهرية حيث قالوا: يجب الغسل والمسح. كما بينه النووي في شرح مسلم. ج ٦ ص ١١٨. وقد تقدم تحقيق الكلام في هذه المسألة في باب ٨٩ ح ١١٠. وفيه فضل الركعتين بعد الوضوء، وفيه الحث على الإخلاص، وفيه الاستثبات في الإخبار، وإن كان المخبر صادقا إذ ربما يطرأ له نسيان، أو نحوه، وفي كلام عمرو ما يدل على أن الحاجة ربما حملت الشخص على التزيد في الخبر كما اطُّلعَ على بعض الوضاعين أنهم زادوا على الأحاديث ما ليس منها، ليتكسبوا بذلك أموال الأمراء وغيرهم.
следующие страницы →