تأكله"، ولأن الوقوع فِي الماء، والتردّي إنما حرّم خشية أن يكون قاتلا، أو مُعينًا عَلَى القتل، وهذا منتف فيما ذكرنها. انتهى كلام ابن قُدامة بتصرّف (١).
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: تلخّص مما ذُكر أن الأرجح هو ما ذهب إليه الأولون منْ أن الوقوع فِي الماء يحرّم الصيد مطلقاً، سواء كانت جراحته مثخنة، أو لا؛ لإطلاق حديث عديّ بن حاتم رضي الله تعالى عنه المذكور فِي الباب. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٣٠١ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ يَحْيَى بْنِ الْحَارِثِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي شُعَيْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ أَعْيَنَ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ سُلَيْمَانَ، عَنْ عَامِرٍ الشَّعْبِيِّ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ، أَنَّهُ سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنِ الصَّيْدِ؟ فَقَالَ: "إِذَا أَرْسَلْتَ سَهْمَكَ وَكَلْبَكَ، وَذَكَرْتَ اسْمَ اللَّهِ، فَقَتَلَ سَهْمُكَ فَكُلْ"، قَالَ: فَإِنْ بَاتَ عَنِّي لَيْلَةً يَا رَسُولَ اللَّهِ؟، قَالَ: "إِنْ وَجَدْتَ سَهْمَكَ، وَلَمْ تَجِدْ فِيهِ أَثَرَ شَيْءٍ غَيْرَهُ، فَكُلْ، وَإِنْ وَقَعَ فِي الْمَاءِ فَلَا تَأْكُلْ").
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد رجال الصحيح، غير "عمرو بن يحيى بن الحارث" الحِمْصِيّ، فإنه منْ أفراد المصنّف، وهو ثقة [١٢] ٦٧/ ٢٣٢٩.
و"أحمد بن أبي شُعيب": هو أحمد بن عبد الله بن أبي شُعيب مسلم الحرّانيّ، نُسب لجدّه، ثقة [١٠] ٢٩/ ٢٤٩٩. و"موسى بن أعين": هو الجزريّ، مولى قريش، أبو سعيد، ثقة عابدٌ [٨] ١١/ ٤١٥. و"معمر": هو ابن راشد.
وقوله: "فإن بات عنّي ليلة الخ " يعني أنه غاب الصيد عنه بعدما أصابه بسهمه، فبات غائبًا عنه ليلة. وقوله: "غيره" يحتمل أن يكون بالجرّ صفة لـ"شيء"، ويحتمل أن يكون النصب عَلَى أنه صفة لـ"أثر".
وفي الرواية الآتية فِي الباب التالي: "فيغيب عنه الليلة، والليلتين".
وقَوْله: "وَإِنْ وَقَعَ فِي الْمَاء، فَلَا تَأْكُل"، يُؤْخَذ سَبَب مَنْع أَكْله مِنْ الحديث الَّذِي قَبْله؛ لأنَّهُ حِينَئِذٍ يَقَع التَّرَدُّد، هَلْ قَتَلَهُ السَّهْم، أَو الْغَرَق فِي الْمَاء؟ فَلَوْ تحقَّقَ أَنَّ السَّهْم أَصَابَهُ، فَمَاتَ، فَلَمْ يَقَع فِي الْمَاء، إِلَّا بَعْد أَنْ قَتَلَهُ السَّهْم، فَهَذَا يَحِلّ أَكْله، قَال النَّوَوِيّ فِي "شَرْح مُسْلِم": إِذَا وُجِدَ الصَّيدُ فِي الْمَاء غَرِيقًا، حَرُمَ بِالاتِّفَاقِ. انتهى. وَقَد صَرَّحَ الرَّافِعِيّ بأنَّ مَحِلّه، مَا لَمْ يَنْتَهِ الصَّيْد بِتِلْكَ الْجِرَاحَة، إِلَى حَرَكَة الْمَذْبُوح، فَإِنْ انْتَهَى إِلَيْهَا، بِقَطْعِ الحُلْقُوم مَثَلًا، فَقَدْ تَمَّتْ ذكَاته، وَيُؤَيِّدهُ قَوْله فِي الحديث الذي قبله: "فَإِنَّك
стр. 16207
لا تَدْرِي، الْمَاء قَتَلَهُ، أَو سَهْمك؟ "، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ إِذَا عَلِمَ، أَنَّ سَهْمه هُوَ الَّذِي قَتَلَهُ، أَنَّهُ يَحِلّ.
قَوْله (الْيَومَيْنِ وَالثَّلَاثَة) فِيهِ زِيَادَة عَلَى رِوَايَة عَاصِم بن سُلَيْمَان "بَعْد يَوم أَو يَوْمَينِ" وَوَقَعَ فِي رِوَايَة سَعِيد بْن جُبَير "فَيَغِيب عَنهُ اللَّيلَة وَاللَّيلَتَينِ" وَوَقَعَ عند مُسْلِم فِي حَدِيث أَبِي ثَعْلَبَة بِسَنَدٍ فِيهِ مُعَاوِيَة بن صَالِح "إِذَا رَمَيت سَهْمك فَغَابَ عَنك فَأَدْرَكته فَكُلْ مَا لَمْ يُنْتِن" وَفِي لَفْظ فِي الَّذِي يُدْرِك الصَّيْد بَعْد ثَلَاث "كُلْهُ مَا لَمْ يُنتِن" وَنَحْوه عِنْد أَبِي.
والحديث متّفقٌ عليه، وَقَدْ سبق البحث فيه مستوفًى فِي الحديث الذي قبله، ودلالته عَلَى ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى واضحة. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح، ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
١٩ - (فِي الَّذِي يَرْمِى الصَّيْدَ، فَيَغِيبُ عَنْهُ)
٤٣٠٢ - (أَخْبَرَنَا زِيَادُ بْنُ أَيُّوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، قَالَ: أَنْبَأَنَا أَبُو بِشْرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا أَهْلُ الصَّيْدِ، وَإِنَّ أَحَدَنَا يَرْمِي الصَّيْدَ، فَيَغِيبُ عَنْهُ اللَّيْلَةَ وَاللَّيْلَتَيْنِ، فَيَبْتَغِي الأَثَرَ، فَيَجِدُهُ مَيِّتًا، وَسَهْمُهُ فِيهِ، قَالَ: "إِذَا وَجَدْتَ السَّهْمَ فِيهِ، وَلَمْ تَجِدْ فِيهِ أَثَرَ سَبُعٍ، وَعَلِمْتَ أَنَّ سَهْمَكَ قَتَلَهُ فَكُلْ").
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا غير مرّة.
و"زياد بن أيوب": هو المعروف بدلّويه الحافظ الثبت الطوسي، نزيل بغداد، لقّبه أحمد شعبة الصغير. و"هُشيم": هو ابن بشير. و"أبو بِشر": هو جعفر بن أبي وحشيّة/ إياس، البصريّ الواسطيّ، أثبت النَّاس فِي سعيد بن جُبير.
وقوله: "إنا أهل الصيد" أي نحن قوم نعيش بصيد الحيوانات. وقوله: "فيبتغي الأثر" يعني أنه يتّبع أثر ذلك الصيد حَتَّى يجده.
وقوله: "فَيَغِيبُ عَنْهُ اللَّيْلَةَ وَاللَّيْلَتَيْنِ الخ". وفي رواية البخاريّ: "وإن رميت الصيد، فوجدته بعد يوم، أو يومين"، وفي رواية عَلَّقَهَا: "عن عبد الأعلى، عن عامر، عن
стр. 16208
عديّ، أنه قَالَ للنبيّ صلّى الله تعالى عليه وسلم: يرمي الصيد، فيفتقر أثره اليومين، والثلاثة". ومعنى "يفتقر" أي يتبع فقاره، حَتَّى يتمكن منه. ووَقَعَ فِي حَدِيث أبِي ثَعْلَبَة الخُشنيّ الآتي فِي الباب التالي، فِي الَّذِي يُدْرِك الصَّيد بَعْد ثَلَاث: "كُلْهُ مَا لَمْ يُنتِن"، وَنَحوه عِنْد أَبِي دَاوُدَ، منْ طَرِيق عَمْرو بْن شُعَيْب، عَن أَبِيهِ، عَن جَدّه، كَمَا تَقَدَّمَ التَّنْبِيه عَلَيْهِ.
وقوله: "إِذَا وَجَدْتَ السَّهْمَ فِيهِ، وَلَمْ تَجِدْ فِيهِ أَثَرَ سَبُع، وَعَلِمتَ أنَّ سَهْمَكَ قَتَلَهُ فَكُلْ". وفي رواية البخاريّ: "وَإِنْ رَمَيْت الصَّيْد، فَوَجَدْته بَعْد يَومْ، أَوْ يَوْمَينِ، لَيْسَ بهِ إِلَّا أَثَر سَهْمك فَكُلْ".
قَالَ فِي "الفتح": وَمَفْهُومه أَنَّهُ إنْ وَجَدَ فِيهِ أَثَرَ غَيرِ سَهْمه، لا يَأْكُل، وَهُوَ نَظِير مَا تَقَدَّمَ فِي الكَلْب منْ التَّفْصِيل، فِيمَا إِذَا خَالَطَ الكَلْبَ الَّذِي أَرْسَلَهُ الصَّائِدُ كَلْبٌ آخَرُ، لَكِنْ التَّفْصِيل فِي مَسْأَلَة الكَلْب، فِيمَا إِذَا شَارَكَ الكَلْب فِي قَتله كَلْبٌ آخَرُ، وَهُنَا الأثَر الَّذِي يُوجَد فِيهِ منْ غَير سَهْم الرَّامِي، أَعَمّ منْ أن يَكُون أَثَر سَهْم رَامٍ آخَر، أَو غَيْر ذَلِكَ منْ الأَسْبَاب القَاتِلَة، فَلَا يَحِلّ أَكْله مَعَ التَّرَدُّد.
وقَالَ الرَّافِعِيّ: يُؤْخَذ مِنْهُ أَنَّهُ لَوْ جَرَحَهُ، ثُمَّ غَابَ، ثُمَّ جَاءَ فَوَجَدَهُ مَيِّتًا، أنَّهُ لا يَحِلّ، وَهُوَ ظَاهِر نَصّ الشَّافِعِيّ، فِي "المُخْتَصَر". وقَال النَّوَوِيّ: الحِلّ أصَحّ دَلِيلاً. وَحَكَى الْبَيْهَقِيُّ فِي "الْمَعْرِفَة" عَن الشَّافِعِيّ، أنَّهُ قَالَ فِي قَول ابن عَبَّاس: "كُلْ مَا أَصْمَيتَ، وَدَعْ مَا أَنْمَيْت". ومَعْنَى "مَا أَصْمَيْتَ": مَا قَتَلَهُ الْكَلْب، وَأَنْتَ تَرَاهُ، وَمَا "أَنْمَيْت": وَمَا غَابَ عَنك مَقْتَله. قَالَ: وَهَذَا لا يَجُوز عِنْدِي غَيْره، إِلَّا أَنْ يَكُون جَاءَ عَن النَّبِيّ ﷺ ، فِيهِ شَيْء، فَيَسْقُط كُلُّ شَيْء، خَالَفَ أَمْر النَّبِيّ ﷺ ، وَلا يَقُوم مَعَهُ رَأي، وَلا قِيَاس. قَالَ البَيْهَقِيُّ: وَقَدْ ثَبَتَ الْخَبَر -يَعْنِي حَدِيث الْبَاب- فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُون هُوَ قَوْلَ الشَّافِعِيّ. انتهى (١).
والحديث متّفقٌ عليه، وَقَدْ سبق شرحه، وبيان مسائله فِي ١/ ٤٢٦٥ - وأتكلّم هنا فيما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، فأقول:
(مسألة): فِي اختلاف أهل العلم فِي حكم الصيد إذا غاب بعد رميه:
قَالَ الإِمام ابن قدامة رحمه الله تعالى: ما حاصله: إذا رماه، فغاب عن عينه، فوجده ميتًا، وسهمه فيه، ولا أثر به غيره، أو أرسل كلبه عَلَى صيد، فغاب عن عينه، ثم وجده ميتًا، ومعه كلبه، حلّ أكله. هَذَا هو المشهور عند أحمد، وهو قول الحسن،
стр. 16209
وقتادة، وعن أحمد: إن غاب نهارًا، فلا بأس، وإن غاب ليلًا لم يأكله، وعن مالك كالروايتين، وعن أحمد ما يدلّ عَلَى أنه إن غاب مدّةً طويلة لم يُبَح، وإن كانت يسيرة أُبيح؛ لأنه قيل: إن غاب يومًا، قَالَ: يومٌ كثيرٌ، ووجه ذلك قول ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما: إذا رميت، فأقعصتَ فكُلْ، وإن رميت، فوجدت سهمك منْ يومك، أو ليلتك، فكل، وإن بات عنك ليلةً، فلا تأكل، فإنك لا تدري ما حدث فيه بعد ذلك. وكره عطاء، والثوريّ أكل ما غاب. وعن أحمد مثلُ ذلك. وللشافعيّ فيه قولان؛ لأن ابن عبّاس قَالَ: "كل ما أصميت، وما أنميت فلا تأكل"، قَالَ الحكم: الإصمات: الإقعاص -يعني أن يموت فِي الحال، والإنماء أن يَغيب عنك- يعني لا يموت فِي الحال، قَالَ الشاعر [منْ المديد]:
فَهْوَ لَا تَنْمِي رَمِيَّتُهُ … مَا لَهُ لَا عُدَّ مِن نَفَرِهْ
وَقَالَ أبو حنيفة: يُباح إن لم يكن ترك طلبه، وإن تشاغل عنه، ثم وجده لم يُبَح.
وحجة الأول حديث عديّ بن حاتم رضي الله تعالى عنه، عن النبيّ صلّى الله تعالى عليه وسلم، أنه قَالَ: "إذا رميت الصيد، فوجدته بعد يوم، أو يومين، ليس به إلا أثر سهمك، فكل، وإن وجدته غريقًا فِي الماء، فلا تأكل". متّفقٌ عليه. وحديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه المذكور قبل بابين، وفيه: "وإن تغيّب عنك، ما لم تجد فيه أثرًا، غير سهمك، أو تجده قد صَلَّ" أي أنتن، وحديث أبي ثعلبة رضي الله تعالى عنه الآتي فِي الباب التالي، وفيه: "إذا رميت الصيد، فأدركته بعد ثلاث، وسهمك فيه، فكله ما لم يُنتن".
قَالَ: ولأن جرحه بسهمه سبب إباحته، وَقَدْ وُجد يقينًا، والمعارض له مشكوك فيه، فلا نزول عن اليقين بالشكّ، ولأنه وجده، وسهمه فيه، ولم يجد به أثرًا آخر، فأشبه ما لو لم يترك طلبه عند أبي حنيفة، أو كما لو غاب نهارًا، أو مدّة يسيرة، أو كما لو لم يغب.
إذا ثبت هَذَا، فيُشترط فِي حلّه شرطان: [أحدهما]: أن يجد سهمه فيه، أو أثرًا، ويعلم أنه أثر سهمه؛ لأنه إذا لم يكن كذلك، فهو شاكّ فِي وجود المبيح، فلا يثبت بالشكّ. [والثاني]: أن لا يجد أثرًا غير أثر سهمه، مما يَحتمِلُ أنه قتله؛ لقوله صلّى الله تعالى عليه وسلم: "ما لم تجد فيه أثرًا غير سهمك"، وفي لفظ: "وإن وجدت فيه أثرًا غير سهمك، فلا تأكله، فإنك لا تدري أقتلته أنت، أو غيرك"، وفي لفظ: "إذا وجدت فيه سهمك، ولم يأكل منه سبع، فكل"، وكلّها فِي روايات النسائيّ. وفي حديث عديّ رضي الله تعالى عنه: أن النبيّ صلّى الله تعالى عليه وسلم، قَالَ: "فإن رميت الصيد،
стр. 16210
فوجدته بعد يوم، أو يومين، ليس به إلا أثر سهمك فكل، وإن وقع فِي الماء، فلا تأكل". رواه البخاريّ، وَقَالَ صلّى الله تعالى عليه وسلم: "وإن وجدته غريقًا فِي الماء، فلا تأكل". ولأنه إذا وَجَدَ به أثرًا يصلح أن يكون قد قتله، فقد تحقّق المعارض، فلم يُبَح، كما لو وَجَدَ معه كلبًا سواه. فأما إذا كَانَ الأثر مما لا يقتل مثله، مثلُ أكل حيوان ضعيف، كالسّنّور، والثعلب، منْ حيوان قويّ، فهو مباحٌ؛ لأنه يُعلم أن هَذَا لم يقتله، فأشبه ما لو تهشّم منْ وقعته. انتهى كلام ابن قدامة بتصرّف (١).
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبين ما سبق أن الأرجح هو المذهب الأول، وهو أنه إذا رمى الصيد بسهمه، أو أرسل كلبه عليه، فغاب ذلك الصيد بعد ذلك، ثم وجده ميتاً، جاز أكله، بالشرطين المذكورين، وهما: أن يجد فيه سهمه، أو أثره، وَقَدْ تحقق أنه أثر سهمه. وأن لا يجد به أثرًا غير أثر سهمه، مما يَحتمِل أن يقتله، فإذا توفّر فيه هذان الشرطان، جاز أكله؛ للأحاديث الصحيحة المذكورة فِي هَذَا الباب، والتي أشرنا إليها آنفًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٣٠٣ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى، وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ مَسْعُودٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا خَالِدٌ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: "إِذَا رَأَيْتَ سَهْمَكَ فِيهِ، وَلَمْ تَرَ فِيهِ أَثَرًا غَيْرَهُ، وَعَلِمْتَ أَنَّهُ قَتَلَهُ فَكُلْ").
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "إسماعيل بن مسعود": هو الْجَحْدَريّ، أبو مسعود البصريّ، ثقة [١٠] ٤٢/ ٤٧ منْ أفراد المصنّف. والباقون كلهم رجال الصحيح، و"خالد": هو ابن الحارث الْهُجَيميّ.
والحديث متّفقٌ عليه، وَقَدْ سبق تمام البحث فيه غير مرّة. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٣٠٤ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَيْسَرَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرْمِي الصَّيْدَ، فَأَطْلُبُ أَثَرَهُ بَعْدَ لَيْلَةٍ؟، قَالَ: "إِذَا وَجَدْتَ فِيهِ سَهْمَكَ، وَلَمْ يَأْكُلْ مِنْهُ سَبُعٌ فَكُلْ").
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "عبد الملك بن ميسرة": هو الهلاليّ، أبو زيد الزّرّاد الكوفيّ، ثقة [٤] ١٠٠/ ١٣٠. والباقون تقدّموا فِي السند الماضي.
والحديث متَّفقٌ عليه، وَقَدْ سبق البحث فيه غير مرّة. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
стр. 16211
"إن أريد إلا الإصلاح، ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
٢٠ - (الصَّيْدِ إِذَا أَنْتَنَ)
٤٣٠٥ - (أَخْبَرَنِي أَحْمَدُ بْنُ خَالِدٍ الْخَلاَّلُ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَعْنٌ، قَالَ: أَنْبَأَنَا مُعَاوِيَةُ -وَهُوَ ابْنُ صَالِحٍ- عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي ثَعْلَبَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، فِي الَّذِي يُدْرِكُ صَيْدَهُ، بَعْدَ ثَلَاثٍ: "فَلْيَأْكُلْهُ إِلاَّ أَنْ يُنْتِنَ").
رجال هَذَا الإسناد: ستة:
١ - (أحمد بن خالد الخلّال) -بالمعجمة- أبو جعفر البغداديّ العسكريّ الفقيه، ثقة [١٠].
قَالَ أبو حاتم: كَانَ خيرًا فاضلاً عدلاً ثقة، صدوقًا، رِضىً. وَقَالَ ابن خِرَاش: كَانَ امرءًا صالخا. قَالَ العجليّ: ثقة. وَقَالَ الدارقطنيّ: ثقة نبيلٌ، قديم الوفاة. وَقَالَ النسائيّ: لا بأس به، وَقَالَ مرّةً: عسكريّ ثقة. وَقَالَ أبو داود: ثقة لم أسمع منه. وَقَالَ داود بن عليّ الأصبهانيّ فِي "أسماء أصحاب الشافعيّ": كَانَ منْ أهل الحديث، والأمن، والأمانة، والورع. وَقَالَ الحاكم: كَانَ منْ جِلّة الفقهاء. وذكره ابن حبَّان فِي "الثقات". قَالَ ابن قانع: مات سنة (٢٤٧) وَقَالَ غيره: مات سنة (٤٦). تفرّد به المصنّف، والترمذيّ، له عند المصنّف فِي هَذَا الكتاب أربعة أحاديث: هَذَا الحديث، وفي "كتاب الأشربة" -١٦/ ٥٥٧١ - حديث أبي سعيد الخدريّ رضي الله تعالى عنه: "نهى أن يَخلِط بسرًا بتمر … " الحديث، و-٣٨/ ٥٦٥٠ - حديث جابر رضي الله تعالى عنه: "كَانَ رسول الله صلّى الله تعالى عليه وسلم يُنبذ له فِي سقاء … " الحديث، و٥٣/ ٥٧٢٥ - حديث ابن المسيب، وسأله أعرابيّ عن شراب يُطبخ عَلَى النصف؟ فَقَالَ: "لا حَتَّى يذهب ثلثاه، ويبقى الثلث".
٢ - (معن) بن عيسى، أبو يحيى القزّاز المدنيّ، ثقة ثبت، منْ كبار [١٠] ٥٠/ ٦٥.
٣ - (معاوية بن صالح) الحضرميّ الحمصيّ، قاضي الأندلس، صدوقٌ، له أوهام [٧] ٥٠/ ٦٢.
٤ - (عبد الرحمن بن جُبير بن نُفير) الحضرميّ الحمصيّ، ثقة [٤] ٤٥/ ٩٥٢.
стр. 16212
٥ - (جُبير بن نُفير) -مصغر الاسمين- الحضرميّ الحمصيّ، ثقة جليلٌ، مخضرمٌ [٢] ٥٠/ ٦٢.
٦ - (أبو ثعلبة) الْخُشني الصحابيّ المشهور بكنيته، وَقَدْ اختُلف فِي اسمه عَلَى أقوال: قيل: جرثوم، أو جرثومة، أو جرهم، أو لاشر، وقيل: غير ذلك، وكذلك اختُلف فِي اسم أبيه أيضًا، وَقَدْ تقدم بيان ذلك فِي ٤/ ٤٢٦٨ مات رضي الله تعالى عنه سنة (٧٥) وقيل: قبل ذلك فِي أول خلافة معاوية رضي الله تعالى عنه بعد الأربعين. والله تعالى أعلم.
لطائف هَذَا الإسناد:
منها: أنه منْ سداسيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها). أن رجاله كلهم رجال الصحيحين غير شيخه، فإنه منْ أفراده. (ومنها): أنه مسلسل بالحمصيين منْ معاوية، شيخه بغدادي، ومعن مدني. (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه، وتابعي عن تابعيّ. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ أَبِي ثَعْلَبَةَ) الْخُشَني رضي الله تعالى عنه (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي الَّذِي يُدْرِكُ) بضمّ أوله، منْ الإدراك (صَيْدَهُ بَعْدَ ثَلَاثٍ) أي بعد ثلاث ليال (فَلْيَأْكُلْهُ، إِلاَّ أَنْ يُنْتِنَ) بفتح أوله، وتثليث ثالثه، أو بضمّ أوله، وكسر ثاله، يقال: نَتُن الشيءُ بالضمّ نُتُونةً، ونَتانةً، فهو نَتِينٌ، مثلُ قرُبَ، ونَتَنَ نَتْنًا، منْ باب ضَرَبَ، ونَتِنَ يَنتَنُ، فهو نَتِنٌ، منْ باب تَعِبَ، وأنتن إنتانًا، فهو مُنتِنٌ، وَقَدْ تُكسر الميم للإتباع، فيقال: مِنْتِنٌ، وضمُّ التاءِ إتباعًا للميم قليلٌ. قاله الفيّوميّ. وَقَالَ المجد: "النتنُ": ضدّ الفَوْحِ، نَتُنَ، ككرُم، وضربَ، نتانةً، وأنتن، فهو مُنتنٌ، ومِنْتِنٌ، بكسرتين، وبضمّتين، وكقِنْدِيل. انتهى.
وهذا الحديث صريح فِي كون الصيد حلالاً، وإن غاب أكثر منْ ثلاثة أيّام، إذا لم ينتن، حيث جَعَلَ الغَايَة أتى يُنْتِن الصَّيد، فَلَوْ وَجَدَهُ مَثَلاً بَعد ثَلاث، وَلَمْ يُنْتِن حَلَّ، وَإِن وَجَدَهُ بدونَهَا وَقد أَنْتَنَ فَلا، هَذَا ظَاهِر الْحَدِيث. وَأَجَابَ النَّوَوِي بأَنَّ النَّهْي عَن أَكْله إِذَا أَنْتَنَ لِلتَّنْزِيهِ، إلا إن خيف منه الضرر، فيحرم. وهذا مذهب الشافعيّة، وأما المالكية، فحملوا النهي عَلَى التحريم مطلقًا، قَالَ فِي "الفتح": وهو الظاهر (١).
واستدلّ منْ حمل النهي عَلَى التنزيه بقصّة الحوت الذي أكل منه الجيش مع أبي عبيدة رضي الله تعالى عنه نصف شهر، كما سيأتي الحديث فِي ذلك بعد أربعة عشر
стр. 16213
بابًا، إن شاء الله تعالى.
ووجهه أنهم أكلوا منْ لحم الحوت نصف شهر، وأكل منه النبيّ صلّى الله تعالى عليه وسلم بعد ذلك، واللحم لا يبقى غالباً بلا نتن فِي تلك المدة، لاسيما فِي الحجاز، مع شدّة الحرّ.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: لكن يحتمل -كما قَالَ فِي "الفتح"- أن يكونوا ملّحوه، وقدّدوه، فلم يدخله نتن، وبهذا لا يتمّ الاستدلال به عَلَى صرف النهي عن التحريم إلى التنزيه.
والحاصل أن حمل النهي منْ أكل الصيد، إذا أنتن عَلَى التحريم، هو الظاهر؛ لظاهر النصّ، وأما حمله عَلَى التنزيه، فيحتاج إلى دليل صريح. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): فِي درجته:
حديث أبي ثعلبة رضي الله تعالى عنه هَذَا أخرجه مسلم.
(المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -٢٠/ ٤٣٠٥ - وفي "الكبرى" ٢٢/ ٤٨١٥. وأخرجه (م) فِي "الصيد" ٣٥٦٨ و٣٥٦٩ (د) فِي "الصيد" ٢٨٦١ (أحمد) فِي "مسند الشاميين" ١٧٢٨٤. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): أنه اسْتُدِلَّ بِالحديث عَلَى أَنَّ الرَّامِي لَوْ أَخَّرَ الصَّيد، عَقِب الرَّمْي إلَى أنْ يَجِدهُ حَلّ بِالشُّرُوطِ المُتَقَدِّمة، وَلا يَحْتَاج إِلَى اسْتِفْصَال، عَن سَبَب غَيْبَته عَنهُ، أكَانَ مَعَ الطَّلَب، أَوْ عَدَمه.
قَالَ الحافظ: لَكِنْ يُسْتدلّ لِلطَّلَب بِمَا وَقَعَ فِي الرواية السابقة التي علّقها البخاريّ، حَيْثُ قَالَ: "فَيَقْتَفِي أَثَره"، فَدَلَّ عَلَى أنَّ الْجَوَاب خَرَجَ عَلَى حَسَب السُّؤَال، فَاخْتَصَرَ بَعْض الرُّوَاة السُّؤَال، فَلَا يُتَمَسَّكُ فِيهِ بِتَرْكِ الاسْتِفْصَال.
واخْتَلَفَ المشترطون للطَّلَب فِي صفته: فَعَن أَبِي حَنِيفَة: إِنْ أَخَّرَ سَاعَة، فَلَمْ يَطْلُب، لم يَحِلّ، وإنْ اتَّبَعَهُ عَقِب الرَّمْي، فَوَجَدَهْ مَيِّتًا حَلَّ. وَعَن الشَّافِعِيَّة، لابُدّ أَنْ يَتْبَعهُ. وَفِي اشْتِرَاط الْعَدْو وَجْهَانِ: أَظْهَرهُمَا يَكْفِي المَشْي عَلَى عَادَته، حَتَّى لو أَسْرَعَ وَجَدَهُ حَيًّا حَلَّ، وَقَالَ إِمَام الْحَرَمَيْنِ: لَابُدّ منْ الإسْرَاع قَليلاً؛ لِيَتَحَقَّق صُورَة الطَّلَب. وَعِند الحَنَفِيَّة نَحْو هَذَا الاخْتِلَاف. قاله فِي "الفتح" (١).
стр. 16214
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن القول بعدم اشتراط الطلب هو الأرجح؛ لظاهر الحديث.
وأما جوابه صلّى الله تعالى عليه وسلم بقوله: "يأكل" حينما سأله عديّ بن حاتم رضي الله تعالى عنه بقوله: "يرمي الصيد، فيقتفي أثره الخ "فإنه خرج عَلَى حسب السؤال؛ لأنه سأله سؤالاً مقيّدًا بالاقتفاء، فأجابه النبيّ صلّى الله تعالى عليه وسلم بحلّ الأكل، فلا مفهوم له؛ لأن شرط العمل بمفهوم المخالفة أن لا يخرج الجواب مخرج السؤال؛ كما هنا، فلا يُقيد به الإطلاق الواقع فِي حديث أبي ثعلبة رضي الله تعالى عنه الذي سأل سؤالاً مطلقا، فأجابه جوابًا مطلقًا، بلا استفصال، فلو كَانَ الطلب شرطًا فِي حله، لبيّن له. والحاصل أن عدم اشتراط الطلب للحلّ هو الظاهر، فتأمّل. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٣٠٦ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ سِمَاكٍ قَالَ سَمِعْتُ مُرِّيَّ بْنَ قَطَرِيٍّ عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أُرْسِلُ كَلْبِي فَيَأْخُذُ الصَّيْدَ وَلَا أَجِدُ مَا أُذَكِّيهِ بِهِ فَأُذَكِّيهِ بِالْمَرْوَةِ وَالْعَصَا. قَالَ: "أَهْرِقِ الدَّمَ بِمَا شِئْتَ وَاذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ ").
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: هَذَا الحديث لا مناسبة له للترجمة، وسيأتي فِي "كتاب "الضحايا" -١٩/ ٤٤٠٣ - فِي باب "إباحة الذبح بالعود" سندًا ومتنًا، وهو الموضع المناسب لذكره، فليُتأمّل.
ورجال إسناده رجال الصحيح، غير مرّيّ.
و"خالد": هو ابن الحارث المذكور فِي الباب الماضي. و"سماك": هو ابن حرب. و"مُرّي -بضم الميم، وتشديد الراء، والتحتانية، بلفظ النسب- ابن قَطَريّ" -بفتحتين، وكسر الراء مخفّفة- الكوفيّ، مقبول [٣].
روى عن عديّ بن حاتم. وعنه سماك بن حرب. ذكره ابن حبّان فِي "الثقات". وَقَالَ الذهبيّ: لا يُعرَف، تفرّد عنه سماك. روى له الأربعة، له فِي هَذَا الكتاب هَذَا الحديث فقط، أعاده مرتين.
وقوله "بالمروة" بفتح الميم، وسكون الراء، حجر أبيض، بَرّاقٌ، يُجعل منه كالسكّين. وقيل: هي التي يُقدح منها النار. أفاده فِي "النهاية".
وقوله: "والعصا" وفي رواية: "وشِقّة العصا" بكسر الشين المعجمة: أي ما يُشقّ منها، ويكون محدّدًا.
"وأهرق الدم" بفتح الهمزة فعل أمر، منْ أهرق الماء يهُرقه إهراقًا، والأصل أراقه يُريقه إراقةً.
стр. 16215
قَالَ الفيّوميّ: راق الماءُ والدم، وغيره رَيقًا، منْ باب باع: انصبّ، ويتعدّى بالهمزة، فيقال: أراقه صاحبه، والفاعل مُريقٌ، والمفعول مُراقٌ، وتبدل الهمزة هاءً، فيقال: هراقه، والأصل هَرَيْقه، وزان دحرجه، ولهذا تُفتح الهاء منْ المضارع، فيقال: يُهريقه، كما تُفتح الدال منْ يُدحرجه، وتُفتح منْ الفاعل، والمفعول أيضاً، فيقال: مُهَريقٌ، ومُهَراقٌ، قَالَ امرؤ القيس:
وَإِنَّ شِفَائِي عَبْرَةٌ مُهَرَاقَةٌ
والأمر هَرِقْ ماءكَ، والأصل هَرْيِقْ، وِزانُ دَحْرِجْ. وَقَدْ يُجمع بين الهاء والهمزة، فيقال: أَهْرَاقه يُهرِيقه، ساكن الهاء، تشبيهًا له بأسطاع يُسطيع، كأن الهمزة زيدت عِوَضًا عن حركة الياء فِي الأصل، ولهذا لا يَصِير الفعل بهذه الزيادة خُماسيّا. انتهى.
والحديث أخرجه المصنّف هنا -٢٠/ ٤٣٠٦ و"الضحايا" ١٩/ ٤٤٠٣ - وفي "الكبرى" ٢٢/ ٤٨١٦ وفي "الضحايا" ٢٠/ ٤٤٩١. وأخرجه (د) فِي "الأضاحي" ٢٨٢٤ (ق) فِي "الذبائح" ٣١٧٧. وَقَدْ سبق القول فيه غير مرّة. وهو صحيح، وسيأتي له شاهد منْ حديث محمد بن صفوان، وزيد بن ثابت رضي الله تعالى عنهما فِي "الضحايا" ١٨/ ٤٣٠١ و٤٤٠٢ - . والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح، ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
٢١ - (صَيْدِ الْمِعْرَاضِ)
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "المِعراض" -بكسر الميم، كالمفتاح: سَهْمٌ لا ريش له. قاله الفيّوميّ. وَقَالَ ابن الأثير: سهم بلا ريش، ولا نَصْلٍ، وإنما يُصيب بعَرْضه، دون حدّه. انتهى.
وَقَالَ فِي "الفتح": "الْمِعرَاض" -بِكَسْرِ الْمِيم، وَسُكُون الْمُهْمَلَة، وَآخِره مُعْجَمَة-: قَالَ الْخَلِيل، وَتَبِعَهُ جَمَاعَة: سَهْم لَا رِيش لَهُ، وَلا نَصْل. وَقَالَ ابن دُرَيْدٍ، وَتَبعَهُ ابن سِيدَهْ: سهْم طَوِيل، لَهُ أَرْبَع قُذَذ رِقَاق، فَإِذَا رُمِيَ بِهِ اعْتَرَضَ. وَقَالَ الخَطَّابِيّ: المِعْرَاض نصْل عَرِيض، لَهُ ثِقَل وَرَزَانَة. وَقِيلَ: عُود رَقِيق الطَّرَفَيْنِ، غَلِيظ الْوَسَط، وَهُوَ الْمُسَمَّى بِالحُذَافَةِ. وَقِيلَ: خَشَبَة ثَقِيلَة، آخِرهَا عَصَا، مُحَدَّد رَأْسهَا، وَقَدْ لَا يُحَدَّد، وَقَوَّى هَذَا الأَخِيرَ النَّوَويّ، تَبَعًا لِعِيَاضٍ، وَقَالَ القُرْطُبِيّ: إِنَّهُ الْمَشْهُور. وَقَالَ ابْن التِّين:
стр. 16216
المِعْراض: عَصًا فِي طَرَفهَا حَدِيدَة، يرمي الصَّائِد بَهِا الصَّيْد، فَمَا أَصَابَ بِحَدِّهِ، فَهُوَ ذَكِيّ فَيُؤْكَل، وَمَا أَصَابَ بغَيرِ حَدّه فَهُوَ وَقِيذ. انتهى (١). والله تعالى أعلم بالصواب.
٤٣٠٧ - (أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ قُدَامَةَ، عَنْ جَرِيرٍ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ هَمَّامٍ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي أُرْسِلُ الْكِلَابَ الْمُعَلَّمَةَ، فَتُمْسِكُ (٢) عَلَيَّ، فَآكُلُ مِنْهُ؟ قَالَ: "إِذَا أَرْسَلْتَ الْكِلَابَ -يَعْنِي الْمُعَلَّمَةَ- وَذَكَرْتَ اسْمَ اللَّهِ، فَأَمْسَكْنَ عَلَيْكَ فَكُلْ"، قُلْتُ: وَإِنْ قَتَلْنَ؟ قَالَ: "وَإِنْ قَتَلْنَ، مَا لَمْ يَشْرَكْهَا كَلْبٌ لَيْسَ مِنْهَا"، قُلْتُ: وَإِنِّى أَرْمِي (٣) الصَّيْدَ بِالْمِعْرَاضِ، فَأُصِيبُ، فَآكُلُ؟ قَالَ: "إِذَا رَمَيْتَ بِالْمِعْرَاضِ، وَسَمَّيْتَ فَخَزَقَ فَكُلْ، وَإِذَا أَصَابَ بِعَرْضِهِ، فَلَا تَأْكُلْ").
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "محمد بن قُدامة": هو الهاشميّ مولاهم المِصّيصيّ، ثقة [١٠]. و"جرير": هو ابن عبد الحميد. و"منصور": هو ابن المعتمر. و"إبراهيم": هو ابن يزيد النخعيّ. و"همّامٌ": هو الحارث النخعيّ الكوفيّ الثقة العابد، وكلهم منْ رجال الصحيح، غير شيخه، فقد تفرد به هو وأبو داود.
وقوله: "فآكل منه" هو عَلَى تقدير أداة الاستفهام، أي أفآكل منه؟.
وقوله: "فخزق" هُوَ بِفَتْح المُعْجَمَة وَالزَّاي، بَعْدهَا قَاف: أَيْ نَفَذَ، يُقَال: سَهْم خَازِق: أَيْ نَافِذ، وَيُقَال: بِالسِّينِ الْمُهْمَلة، بَدَل الزَّاي. وَقِيلَ: الخَزْق -بِالزَّايِ. وَقِيلَ: تُبْدَل سِينًا: الْخَدْش، وَلَا يَثبُت فِيهِ، فَإِنْ قِيلَ بِالرَّاءِ، فَهُوَ أَنْ يَثْقُبهُ. وَحَاصِله أنَّ السَّهْم، وَمَا فِي مَعْنَاهُ، إِذَا أَصَابَ الصَّيد بحَدِّهِ حَلَّ، وَكَانَتْ تِلْكَ ذَكَاته، وَإِذَا أَصَابَهُ بِعَرْضِهِ لَمْ يَحِلّ؛ لأَنَّهُ فِي مَعْنَى الخَشَبَة الثَّقِيَلةَ، وَالْحَجَر، وَنَحْو ذَلِكَ منْ المُثَقَّل.
وقوله: "إذا أصاب بعَرْضه، فلا تأكل": -بِفَتحِ الْعَيْن: أَي بِغَيْرِ طَرَفه الْمُحَدَّد.
والحديث متَّفقٌ عليه، وَقَدْ استوفيت شرحه، وبيان مسائله فِي: / ٤٢٦٥، وبقي الكلام عَلَى ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، فأتكلّم فيه هنا، فأقول:
[مسألة]: فِي اختلاف أهل العلم فِي حكم صيد الْمِعْرَاض:
ذهب الجمهور إلى هَذَا التفصيل الذي ذكر فِي حديث الباب، منْ أن المعراض إذا أصاب بحدّه حلّ الصيد، وإذا أصاب بعرضه لم يحلّ، وهو قول عليّ، وسلمان، وعمّار، وابن عبّاس رضي الله تعالى عنهم، وبه قَالَ النخعيّ، والحكم، ومالكٌ، والثوريّ، والشافعيّ، وأبو حنيفة، وإسحاق، وأبو ثور.
стр. 16217
وذهب الأوزاعيّ، وأهل الشام إلى أنه يُباح ما قتله بحدّه، وعَرْضه. وَقَالَ ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: ما رُمي منْ الصيد بجُلَاهِق (١)، أو مِعْرَاض، فهو منْ الموقوذة. وبه قَالَ الحسن.
واحتجّ الجمهور بحديث عديّ رضي الله تعالى عنه المذكور فِي الباب، فهو نصّ صريح فِي المسألة، قَالَ ابن قُدامة رحمه الله تعالى: وحكم سائر آلات الصيد حكم المعراض فِي أنها إذا قتلت بعرضها، ولم تجرح لم يُبَح الصيد، كالسهم يُصيب الطائر بعرضه، فيقتله، والرمح، والحربة، والسيف يُضرَب به صفحًا، فيقتل، فكلّ ذلك حرام، وهكذا إن أصاب بحدّه، فلم يجرح، وقتل بثقله لم يُبَح؛ لقوله صلّى الله تعالى عليه وسلم: "ما خرق فكل"، ولأنه إذا لم يجرحه، فإنما يقتل بثقله، فأشبه ما أصاب بعرضه. انتهى (٢).
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن ما ذهب إليه الجمهور منْ القول بالتفصيل فِي هذه المسألة، كما نصّ عليه حديث عديّ رضي الله تعالى عنه هو الحقّ. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح، ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
٢٢ - (مَا أَصَابَ بِعَرْضٍ مِنْ صَيْدِ الْمِعْرَاضِ)
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: هكذا فِي النسخة "الهنديّة" أي هَذَا باب ذكر الحديث الدّالّ عَلَى حكم ما أصابه الصائد منْ الصيد بعرض المعراض. وفي بعض النسخ: "ما أصاب بعرض منْ صيد العراض"، وفي أخرى: "ما أصاب بعد فرض صيد المعراض"، والظاهر أنهما مصحّفان، والصواب الأول. والله تعالى أعلم بالصواب.
٤٣٠٨ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي السَّفَرِ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ عَدِيَّ بْنَ حَاتِمٍ، قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنِ الْمِعْرَاضِ؟ فَقَالَ: "إِذَا أَصَابَ بِحَدِّهِ، فَكُلْ، وَإِذَا أَصَابَ
стр. 16218
بِعَرْضِهِ، فَقُتِلَ، فَإِنَّهُ وَقِيذٌ، فَلَا تَأْكُلْ").
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وشيخه الفلّاس أحد مشايخ الأئمة الستة الذين رووا عنهم بلا واسطة، و"محمد بن جعفر": هو غندر.
[تنبيه]: وقع فِي جميع نسخ "المجتبى" التي بين أيدينا، وفي "الكبرى" هنا: "محمد ابن يعقوب" بدل محمد بن جعفر، وهو غلط فاحشٌ، والصواب ما هنا: محمد بن جعفر غندر، كما نصّ عليه الحافظ أبو الحجّاج المزّيّ رحمه الله تعالى فِي "تحفة الأشراف" ٧/ ٢٧٩، ولا يوجد فيمن روى عن شعبة منْ اسمه محمد بن يعقوب، كما يظهر منْ مراجعة "تهذيب الكمال" ٢١٢/ ص ٤٨٦ - ٤٨٩. فتنبّه. والله تعالى أعلم.
وقوله: "فإنه وقيذ". الوَقِيذ -بِالْقَافِ، وَآخِره ذَال مُعْجَمَة- وِزان عَظِيم: فَعِيلَ بِمَعْنَى مَفْعُول، وَهُوَ مَا قُتِلَ بِعَصًا، أَو حَجَر، أَوْ مَا لا حَدّ لَهُ، وَالمَوْقُوذَة تَقَدَّمَ تَفْسِيرهَا، وَأنَّها الَّتِي تُضْرَب بِالْخَشَبَةِ حَتَّى تَمُوت.
والحديث متَّفقٌ عليه، وَقَدْ مضى القول فيه غير مرّة. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح، ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
٢٣ - (مَا أَصَابَ بِحَدٍّ مِنْ صَيْدِ الْمِعْرَاضِ)
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: وقع فِي بعض النسخ، وهو الذي فِي "الكبرى": "ما أصاب بحدّ منْ صيد المعراض"، والظاهر أن الأول هو الصواب، والله تعالى أعلم بالصواب.
٤٣٠٩ - (أَخْبَرَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الذَّارِعُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مِحْصَنٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا حُصَيْنٌ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ، قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ (١) ﷺ ، عَنْ صَيْدِ الْمِعْرَاضِ، فَقَالَ: "إِذَا أَصَابَ بِحَدِّهِ، فَكُلْ، وَإِذَا أَصَابَ بِعَرْضِهِ، فَلَا تَأْكُلْ").
стр. 16219
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد رجال الصحيح، غير "الحسين بن محمد الذّرّاع"، وهو السعديّ، أبو عليّ البصريّ، صدوقٌ [١٠] ٩٧/ ١٣٥٥، فقد تفرد به هو والترمذي.
[تنبيه]: قوله: "الذّرّاع" بالذال المعجمة، والراء بعدها ألف، هكذا فِي نسخ "المجتبى"، والذي فِي "التهذيبين"، و"الكاشف": "الذارع" بتقديم الألف عَلَى الراء، وأما ما وقع فِي بعض نسخ "المجتبى" بالزاي، بدل الذال، فهو تصحيف، فتنبّه.
و"أبو مِحْصَن" -بكسر الميم، وسكون الحاء، وفتح الصاد المهململتين-: هو حُصين بن نُمير -بالتصغير فيهما- الضرير الكوفيّ، لا بأس به، ورمي بالنصب [٨] ٤٧/ ١٧٣١. و"حُصَين": هو ابن عبد الرحمن السلميّ، أبو الهُذيل الكوفيّ، ثقة تغير فِي الآخر [٥] ٤٧/ ٨٤٦.
والحديث متّفقٌ عليه، وَقَدْ سبق البحث فيه غير مرّة. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعمِ الوكيل.
٤٣١٠ - (أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، وَغَيْرُهُ، عَنْ زَكَرِيَّا، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ، قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، عَنْ صَيْدِ الْمِعْرَاضِ؟ فَقَالَ: "مَا أَصَبْتَ بِحَدِّهِ، فَكُلْ، وَمَا أَصَابَ بِعَرْضِهِ، فَهُوَ وَقِيذٌ").
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وكلّهم تقدموا غير مرّة. و"زكريا": هو ابن أبي زائدة.
والحديث متّفقٌ عليه، كما سبق بيانه غير مرّة. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح، ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
٢٤ - (اتِّبَاعِ الصَّيْدِ)
٤٣١١ - (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ أَبِي مُوسَى ح وَأَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَالَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي مُوسَى، عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: "مَنْ سَكَنَ الْبَادِيَةَ جَفَا، وَمَنِ اتَّبَعَ الصَّيْدَ غَفُلَ، وَمَنِ اتَّبَعَ السُّلْطَانَ افْتُتِنَ". وَاللَّفْظُ لاِبْنِ الْمُثَنَّى).
стр. 16220
رجال هَذَا الإسناد. سبعة:
١ - (إِسْحَاق بنُ إِبرَاهِيمَ) ابن راهويه الإِمام الحجة الثبت [١٠] ٢/ ٢.
٢ - (محمد بن المثنى) أبو موسى الْعَنَزي البصريّ، ثقة حافظ [١٠] ٦٤/ ٨٠.
٣ - (عبد الرحمن) بن مهدي الإِمام الحجة الثبت البصريّ [٨] ٤٢/ ٤٩.
٤ - (سفيان) بن سعيد الثوريّ الإِمام الحجة الثبت [٧] ٣٣/ ٣٧.
٥ - (أبي موسى) قَالَ فِي "التَّقْرِيب": أَبُو مُوسَى، عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ، مَجْهُولٌ [٦]، وَوَهِمَ مَن قَالَ: إِنَّه إِسرَائِيلُ بْنُ مُوسى. انْتَهَى.
وَقَالَ فِي "تَهْذِيبِ التَّهْذِيب": أَبُو مُوسَى، شَيْخٌ يَمَانِيٌّ، رَوَى عَن وَهْبِ بن مُنَبِّهٍ، عَن ابن عَبَّاس، حَدِيثَ: "مَنْ اتَّبَعَ الصَّيْدَ غَفَلَ"، وَعَنهُ سُفيَانُ الثَّوْرِيُّ، مَجْهُول، قَالَهُ ابْنُ القَطَّانِ. وذَكَرَ المزِّيُّ فِي تَرْجمَةِ أَبِي مُوسَى، إِسْرَائِيلَ بْنِ مُوسَى، الْبَصْرِيِّ، أَنَّهُ رَوَى عَن ابْنِ مُنَبِّهِ، وَعَنْهُ الثَّورِيُّ، وَلَمْ يَلْحَق البَصْرِيُّ، وَهْبَ بن مُنبِّهٍ، وإنَّمَا هَذَا آخَرُ، وَقَدْ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا ابْن حِبَّانَ فِي "الثِّقَاتِ"، وَابْنُ الْجَارُودِ فِي "الْكُنَى"، وَجَمَاعَةٌ. انْتَهَى (١). روى له المصنّف، وأبو داود، والترمذيّ، له عندهم هَذَا الحديث فقط.
٦ - (وهب بن منبّه) أبو عبد الله الأَبْناويّ اليمانيّ، ثقة [٣] ٦٥/ ٢٥٥٧.
٧ - (ابن عباس) رضي الله تعالى عنهما و٢٧/ ٣١. والله تعالى أعلم.
لطائف هَذَا الإسناد:
منها: أنه منْ سداسيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير أبي موسى. (ومنها): أن فيه ابن عباس رضي الله تعالى عنهما منْ العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) رضي الله تعالى عنهما (عَن النَّبِيّ ﷺ ) أنه (قَال: "مَنْ سَكَنَ الْبَادِيَةَ جَفَا) أيْ غلُظ طبعه؛ لقلّة مخالطة العلماء، فصَارَ فِيهِ جَفَاءُ الأَعْرَاب، فلا يتحمّل الأذى منْ النَّاس، فيتغير خُلُقه بأدنى سبب؛ حيث فَقَدَ مَنْ يُرَوِّضهُ، وَيُؤَدِّبهُ، قَالَ الله تَعَالَى: ﴿الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ﴾ الآية [التوبة: ٩٧]. وَقَالَ الْقَاضِي: جَفَا الرَّجُلُ إِذَا غَلُظَ قَلْبُهُ، وَقَسَا، وَلَمْ يَرِقَّ لِبرٍّ، وَصِلَةِ رَحِمٍ، وَهُوَ الْغَالِبُ عَلَى سُكَّانِ الْبَوَادِي؛ لِبُعْدِهِمْ عَنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَقِلَّةِ اخْتِلَاطِهِمْ
стр. 16221
بِالنَّاسِ، فَصَارَت طِبَاعُهُمْ، كَطِبَاع الْوُحُوشِ، وَأَصْلُ التَّرْكِيب لِلنُّبُوِّ عَن الشَّيْءِ. ذكره المباركفوريّ رحمه الله تعالى.
(وَمَنِ اتَّبَعَ الصَّيْدَ) أَي لَازَمَ اتِّبَاعَ الصَّيْدِ، وَالِاشْتِغَالَ بِهِ، وَرَكِبَ عَلَى تَتَبُّع الصَّيْدِ، كَالحَمَام وَنَحْوِهِ؛ لَهْوًا، وَطَرَبًا (غَفَلَ) بفتح الفاء، منْ باب نصر، هو المشهور فِي كتب اللغة، وضبطه السيوطيّ فِي "شرحه" بضم الفاء، ولم أره لغيره، وفي "المصباح": الغفلة غيبةُ الشيء عن بال الإنسان، وعدمُ تذكّره له، وَقَدْ استُعملَ فيمن تركه إهمالًا، وإعراضًا، كما قوله تعالى: ﴿وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ﴾ [الأنبياء: ١] يقال منه: غَفَلتُ عن الشيء غُفُولاً، منْ باب قعد، وله ثلاثة مصادر: غُفُولٌ، وهو أعمّها، وغَفْلَةٌ، وزانُ تَمْرَة، وغَفَلٌ، وزانُ سبب، قَالَ الشاعر [منْ الكامل]:
إِذْ نَحْنُ فِي غَفَلٍ وَأَكْثَرُ هَمِّنَا … صَرْفُ النَّوَى وَفِرَاقُنَا الْجِيرَانَا
انتهت عبارة "المصباح" (١).
وَقَالَ المرتضى فِي "شرح القاموس" عند قوله: "غَفَل غُفُولاً": ما نصه: قَالَ شيخنا: صريحه أنه ككتب، وحكَى بعضهم فيه غَفِلَ، كفرِحَ، ثم رأيت فِي بعض المصنّفَات: [منْ الطويل]:
غَفَلْتُ بِفَتْحِ الْفَاءِ ثُمَّ بِكَسْرِهَا … وَضَمٌّ وَفَتْحُ الفَاءِ جَا لِمُضَارعِ
وَلَكِنَّهُ بِالضَّمِّ جَاءَ مُصَحَّحَا … وَفِي قِلَّة بِالْفَتْحِ ضَبْطًا لِسَامِعِ
ثم قَالَ: وهذا الذي أشار إلى قلّته لا أعرِفه، ولم أقف عليه فِي شيء منْ المصنّفات اللغويّة، عَلَى كثرة الاستقراء، فانظر صحّة ذلك. انتهى (٢).
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: الحاصل أن ما تقدّم للسيوطيّ منْ ضبط غفل ماضياً بضمّ الفاء لم يذكره أهل اللغة، فلعله سرى له ضم المضارع إلى الماضي. فليُتنبّه.
والمعنى هنا: أَنه استولى عليه حبّ الصيد، حَتَّى يصير غافلاً، عَنِ الطَّاعَةِ، وَالعِبَادَةِ، وَلُزُوم الجَمَاعَةِ، وَالْجُمْعَةِ، وَبَعِيدًا عَن الرِّقَّةِ، وَالرَّحْمَةِ، لشغل قلبه به، واستيلائه عليه، فصار شبيهًا بِالسَّبْعِ، وَالْبَهِيمَةِ. والله تعالى أعلم.
(وَمَنِ اتَّبَعَ السُّلْطَانَ) أَيْ منْ غَيْرِ ضَرُورَة، وَحَاجَةٍ لِمَجِيئِهِ (افْتُتِنَ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ: أَيْ وَقَعَ فِي الْفِتْنَةِ، فَإِنَّهُ إنْ وَافَقَهُ فِيمَا يَأْتِيهِ، وَيَذَرُهُ، فَقَدْ خَاطَرَ عَلَى دِينِهِ، وَإِنْ خَالَفَهُ فَقَدْ خَاطَرَ عَلَى دُنْيَاهُ.
стр. 16222
وفي رواية أبي داود منْ حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: "ومن لزم السلطان افتُتِن، وما ازداد عبد منْ السلطان دُنُوًّا، إلا ازداد منْ الله بُعْدًا".
وَقَالَ الْمُظْهِرُ: يَعْنِي مَنْ التَزَمَ الْبَادِيَةَ، وَلَمْ يَحْضُرْ صَلَاةَ الْجُمْعَةِ، وَلا الْجَمَاعَةَ، وَلا مَجَالِسَ الْعُلَمَاءِ، فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ، وَمَنْ اعْتَادَ الاصْطِيَادَ لِلَّهْوِ، وَالطَّرَبِ، يَكُونُ غَافِلاً؛ لِأَنَّ اللَّهْوَ، وَالطَّرَبَ، يُحْدِثُ منْ القَلْبِ الْمَيْتَ، وَأَمَّا مَنْ اصْطادَ لِلْقُوتِ، فَجَازَ لَهُ؛ لِأَنَّ بَعْضَ الصَّحَابَةِ كَانُوا يَصْطَادُونَ، وَمَنْ دَخَلَ عَلَى السُّلْطَانِ وَدَاهَنَهُ، وَقَعَ فِي الْفِتْنَةِ، وأَمَّا مَنْ لَمْ يُدَاهِنْ، وَنَصَحَهُ، وَأَمَرَهُ بِالْمَعْرُوفِ، وَنَهَاهُ عَن المُنْكَرِ، فَكَانَ دُخُولُهُ عَلَيْهِ أَفْضَلَ الْجِهَادِ. انْتَهَى.
وقوله: (وَاللَّفْظُ لاِبْنِ الْمُثَنَّى) يعني أن لفظ الحديث المذكور هنا لمحمد بن المثنّى شيخه الثاني، وأما إسحاق، فرواه بالمعنى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث.
(المسألة الأولى): فِي درجته:
حديث ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما حسنٌ.
[فإن قلت]: كيف يُحسّن، وفيه أبو موسى، وهو مجهول؟.
[قلت]: إنما حسن لما يأتي له قريبًا منْ الشواهد، إن شاء الله تعالى.
[تنبيه]: قَالَ الإِمام الترمذي رحمه الله تعالى بعد إخراج هَذَا الحديث: ما نصّه: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ منْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ، لا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ الثَّوْرِيِّ. قَالَ المُنْذِرِيُّ -بَعْدَ نَقْلِ كَلَام التَّرْمِذِيِّ هَذَا-: ما نصّه: وَفِي إِسنَادِهِ أَبُو مُوسَى، عَن وَهْبِ بْنِ مُنبِّه، وَلا نَعْرِفُهُ. قَالَ الحَافِظُ أَحْمَدُ الكَرَابِيسِيُّ: حَدِيثُهُ لَيْسَ بِالقَائِمِ. هَذَا آخِرُ كَلَامِهِ. وَقَدْ رُوِيَ منْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَهُوَ ضَعِيفٌ أَيْضًا. وَرُوِيَ أَيْضًا منْ حَدِيثِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِب، وَتَفَرَّدَ بِهِ شَرِيكُ بنُ عَبْد اللهِ، فِيمَا قَالَ الدَّارَقُطنِيُّ، وَشَرِيكٌ فِيهِ مَقَالٌ. انْتَهَى كَلَامُ المُنْذِرِيّ رحمه الله تعالى.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: هذه الأحاديث، وإن كَانَ مفراداتها لا تخلو عن مقال، لكن مجموعها يتقوّى، فلا تنزل عن درجة الحسن، فتأمّل. والله تعالى أعلم.
[تنبيه]: صحح الشيخ الألباني هَذَا الحديث، ولعله ظنًا منه أن أبا موسى هو إسرائيل ابن موسى البصريّ، نزيل الهند، وهو ثقة، فقد كتب فِي هامش "تحفة الأشراف" -٥/ ٢٦٥ - ما يصرّح بأنه هو، فإن كَانَ هو، فالحديث صحيح؛ كما قَالَ الشيخ الألباني؛ لأنه ثقة معروف، لكن تصريح الحفاظ: أبي أحمد الكرابيسيّ، والمنذريّ، وابن
стр. 16223
حجر بأنه غيره يعكر عليه.
ويحتمل أنه إنما صححه؛ لشواهده، فقد أخرجه أبو داود منْ حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، منْ طريق عدي بن ثابت، عن شيخ منْ الأنصار، عن أبي هريرة، عن النبيّ ﷺ بنحوه، لكنه قَالَ: "ومن لزم السلطان افتُتِن"، زاد: "وما ازداد عبد منْ السلطان دُنُوًّا، إلا ازداد منْ الله بعدا"، وفيه هَذَا الشيخ المجهول. وَرُوِيَ أَيْضًا منْ حَدِيثِ الْبَرَاءِ بنِ عَازِبٍ، وَتَفَرَّدَ بِهِ شَرِيكُ بنُ عَبْد اللهِ، فِيمَا قَالَ الدَّارَقُطنِيّ، وَشَرِيكٌ فِيهِ مَقَالٌ.
لكن الذي يظهر لي تحسينه، لا تصحيحه، فتأمّل. والله تعالى أعلم بالصواب.
(المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -٢٤/ ٤٣١١ - وفي "الكبرى" ٢٦/ ٤٨٢١. وأخرجه (د) فِي "الصيد" ٢٨٥٩. (ت) فِي "الفتن" ٢٢٥٦. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): فِي فوائده:
(منها): ذمُّ سكنى البادية؛ لأنه يؤدّي إلى البعد عن أهل العلم، والتخلّق بالأخلاق الفاضلة، والتخلّف عن الجماعة، والجمعة، ومحافل الخيرات. (ومنها): ذمّ اتّباع الصيد؛ لأنه يؤدّي إلى الغفلة عن الطاعة، وهو محمول عَلَى منْ يُكثر ذلك، بحيث يكون مُغرمًا به، يذهل عن أداء الواجبات، والتفريط فِي القيام بالمهمّات، وإلا فقد أذن النبيّ صلّى الله تعالى عليه وسلم؛ لعديّ بن حاتم، وأبي ثعلبة الخشنيّ، وغيرهما منْ الصحابة رضي الله تعالى عنهم. (ومنها): ذمّ اتّباع أبواب السلاطين؛ لما يؤدّي إليه منْ الفتن، إما فِي بدنه، إن أنكر عليهم فيما يفعلون منْ المنكرات، والمخالفات، أو فِي دينه، وهو أشدّ، إن وافقهم، أو سكت عن الإنكار عليهم. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح، ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
٢٥ - (الأَرْنَبُ)
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "الأرنب" بفتح الهمزة، وسكون الراء، وفتح النون: فَعْلَلٌ عند أكثر النحويين، وزعم الليث أن الألف زائدة، وهو حَيَوان يُشبه العَنَاقَ، قصير اليدين، طويل الرجلين، عكس الزرافة، يطأ الأرض عَلَى مؤخّر قوائمه، وهو اسم
стр. 16224
جنس للذكر، والأنثى، أو الأرنب للأنثى، والْخُزَز، كصُرَد للذكر. قاله المرتضى فِي "شرح القاموس" (١).
وَقَالَ فِي "الفتح": "الأَرْنب": دُوَيْبَّة مَعْرُوفَة، تُشبِه الْعَنَاق، لَكِنْ فِي رِجْلَيهَا طُول، بِخِلافِ يَدَيْهَا، وَالأَرْنَب اسْم جنْس لِلذَّكَرِ وَالأُنْثَى، وَيُقَال لِلذَّكَرِ أَيْضًا: الْخُزَز، وِزان عُمَر -بِمُعْجَمَات- وَلِلأُنْثَى عِكْرِشَة، وَلِلصَّغِيرِ خِرْنِق -بِكَسْرِ الْمُعْجَمَة، وَسُكُون الرَّاء، وَفَتْح النُّون، بَعْدهَا قَاف- هَذَا هُوَ المَشْهُور. وَقَالَ الجَاحِظ: لا يُقَال: أَرْنَب، إِلَّا لِلْأُنْثَى، وَيُقَال: إِنَّ الأَرْنَب شَدِيدَة الْجُبْن، كَثِيرَة الشَّبَق، وَأنَّها تَكُون سَنَة ذَكَرًا، وَسَنَة أُنْثَى، وَأَنَّهَا تَحِيض. وَيُقَال: إِنَّهَا تَنَام، مَفْتُوحَة الْعَيْن. انتهى (٢). والله تعالى أعلم بالصواب.
٤٣١٢ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَعْمَرٍ الْبَحْرَانِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَبَّانُ -وَهُوَ ابْنُ هِلَالٍ- قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: جَاءَ أَعْرَابِىٌّ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، بِأَرْنَبٍ قَدْ شَوَاهَا، فَوَضَعَهَا بَيْنَ يَدَيْهِ، فَأَمْسَكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَلَمْ يَأْكُلْ، وَأَمَرَ الْقَوْمَ أَنْ يَأْكُلُوا، وَأَمْسَكَ الأَعْرَابِيُّ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَا يَمْنَعُكَ أَنْ تَأْكُلَ؟ "، قَالَ: إِنِّي أَصُومُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، قَالَ: "إِنْ كُنْتَ صَائِمًا، فَصُمِ الْغُرَّ").
قَال الجامع عفا الله تعالى عنه: هَذَا الْحَدِيث تقدّم فِي "كتاب الصيام" -٨٤/ ٢٤٢١ - وهو ضعيف؛ لأن عبد الملك بن عمير، وإن كَانَ ثقة، لكنه تغيّر حفظه، وربّما دلّس، وَقَدْ خولف فيه، كما تقدّم بيان هَذَا كلّه بالرقم المذكور.
و"محمد بن معمر": هو القيسيّ البصريّ، صدوقٌ، أحد مشايخ الستة، بلا واسطة. و"حبَّان" بفتح الحاء المهملة. و"أبو عوانة": هو الوضّاح بن عبد الله اليشكريّ. و"عبد الملك بن عُمير": هو الفرسيّ الكوفيّ. و"موسى بن طلحة" بن عُبيد الله: هو التيميّ المدنيّ، نزيل الكوفة الثقة الجليل.
وقوله: "فصم الغرّ" بضمّ الغين المعجمة: جمع أغرّ: أي أيام الليالي البيض التي يضيء فيها القمر منْ أول الليل إلى آخره. وتمام الشرح تقدّم فِي "كتاب الصيام" بالرقم المذكور، وأتكلّم هنا عَلَى ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، فأقول:
(مسألة): فِي اختلاف أهل العلم فِي أكل الأرنب:
قَالَ الإِمام ابن قدامة رحمه الله تعالى: والأرنب مباحة، أكَلَها سعدُ بن أبي وقّاص، ورخص فيها أبو سعيد، وعطاء، وابن المسيّب، والليث، ومالك، والشافعيّ،
стр. 16225
وأبو ثور، وابن المنذر، ولا نعلم قائلاً بتحريمها، إلا شيئاً رُوي عن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنه (١).
وَقَالَ فِي "الفتح": ما حاصله: ذهب الْعُلَمَاء كَافَّة إلى جَوَاز أَكْل الأَرْنَب، إِلَّا مَا جَاءَ فِي كَرَاهَتهَا عَن عَبْد الله بْن عُمَر، مِنْ الصَّحَابَة، وَعَن عِكْرِمَة مِنْ التَّابِعِينَ، وَعَن مُحَمَّد ابْن أَبِي لَيلَى منْ الْفُقَهَاء، وَاحْتَجَّ بِحَدِيثِ خُزَيْمَةَ بْن جَزْء: "قُلْت: يَا رَسُول الله، مَا تَقُول فِي الأَرْنَب؟ قَالَ: "لا آكُلهُ، وَلا أُحَرِّمهُ"، قلت: فَإِنِّي آكُل مَا لا تحُرِّمهُ، وَلِمَ يَا رَسُول الله؟ قَالَ: نُبِّئْت أنَّها تَدْمَى". وَسَنَده ضَعِيف، وَلَوْ صَحَّ لَمْ يَكُنْ فِيهِ دَلالَة عَلَى الكَرَاهَة، كَمَا سَيَأْتِي تَقْرِيره فِي باب "باب الضبّ" بَعْد هَذَا، وَلَهُ شَاهِد، عَن عَبْد الله بْن عَمْرو، بلَفْظِ: "جِيءَ بهَا إِلَى النَّبِيّ ﷺ ، فَلَمْ يَأَكُلهَا، وَلَمْ يَنْهَ عَنهَا، زَعَمَ أَنَّهَا تَحِيض"، أَخْرَجَهُ أبُو دَاوُدَ، وَلَهُ شَاهِد عَن عُمَر، عِنْد إِسْحَاق بن رَاهْوَيْهِ، فِي "مُسْنَده".
وَحَكَى الرَّافِعِيّ عَن أَبِي حَنِيفَة، أَنَّهُ حَرَّمَهَا، وَغَلَّطَهُ النَّوَوِيّ فِي النَّقْل عَنْ أَبِي حَنِيفَة. انتهى (٢).
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: ما ذهب إليه كافّة أهل العلم منْ جواز أكل الأرنب هو الحقّ؛ لصحّة الأحاديث بذلك، كحديث أنس رضي الله تعالى عنه الآتي بعد حديث، وهو متَّفقٌ عليه، وحديث أبي ذرّ رضي الله تعالى عنه الآتي بعد هَذَا، وحديث ابن صفوان الآتي آخر الباب. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٣١٣ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ حَكِيمِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَعَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ، وَمُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ الْحَوْتَكِيَّةِ، قَالَ: قَالَ عُمَرُ رضى الله عنه: مَنْ حَاضِرُنَا يَوْمَ الْقَاحَةِ؟، قَالَ: قَالَ أَبُو ذَرٍّ: أَنَا، أُتِىَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِأَرْنَبٍ، فَقَالَ الرَّجُلُ الَّذِي جَاءَ بِهَا: إِنِّي رَأَيْتُهَا تَدْمَى، فَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ ، لَمْ يَأْكُلْ، ثُمَّ إِنَّهُ قَالَ: "كُلُوا"، فَقَالَ رَجُلٌ: إِنِّي صَائِمٌ، قَالَ: "وَمَا صَوْمُكَ؟ "، قَالَ: مِنْ كُلِّ شَهْرٍ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ، قَالَ: "فَأَيْنَ أَنْتَ عَنِ الْبِيضِ الْغُرِّ؟ ثَلَاثَ عَشْرَةَ، وَأَرْبَعَ عَشْرَةَ، وَخَمْسَ عَشْرَةَ").
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "محمد بن منصور": هو الجوّاز المكيّ. و"سفيان": هو ابن عيينة. و"حكيم بن جُبير": هو الأسديّ الكوفيّ، ضعيف، رمي بالتشيّع [٥] ٨٤/ ٢٤٢٦ و"محمد بن عبد الرحمن": هو ابن أبي ليلى الكوفيّ القاضي، صدوقٌ، سيّء الحفظ جدًّا [٧] ١٩/ ٢١٤٩. و"عمرو عثمان": هو التيميّ مولاهم الكوفيّ، ثقة [٦] ١٠/ ٤٦٨.
стр. 16226
و"ابن الْحَوْتَكِيّة": هو يزيد التميميّ الكوفيّ، مقبول [٢] ٨٤/ ٢٤٢٥.
[تنبيه]: وقع فِي النسخ المطبوعة منْ "المجتبى" هنا "عن أبي الحوتكيّة"، وهو تصحيف، والصواب "عن ابن الحوتكّية"، فتنبّه. والله تعالى أعلم. و"عمر": هو ابن الخطاب رضي الله تعالى عنه. و"أبو ذرّ": هو جندب بن جنادة الغفاريّ رضي الله تعالى عنه.
وقوله: "منْ حاضرنا يوم القاحة" -هو بالقاف، والحاء المهملة- وصحّف منْ ضبطه بالفاء: موضع بين مكة والمدينة، عَلَى ثلاث مراحل منها. والمعنى: أي شخص كَانَ معنا فِي اليوم الذي نزل فيه رسول الله صلّى الله تعالى عليه وسلم هَذَا المكان، ونحن معه، وسبب قول عمر رضي الله تعالى عنه هَذَا أنه سئل عن حكم أكل الأرنب، فأراد أن يبيّن ما قاله رسول الله صلّى الله تعالى عليه وسلم فِي شأنها، فأراد أن يستثبت الخبر منْ غيره، فأجابه أبو ذرّ رضي الله تعالى عنه بأنه كَانَ حاضرًا، ثم ذكر القصّة.
وقوله: "رأيتها تدمى" مضارع دَمِيَ، كرضي: أي تحيض؛ لأنها منْ الحيوانات التي تحيض، قيل: هي ثلاث: الأرنب، والضبع، والْخُفّاش (١).
وقوله: "فكان النبيّ صلّى الله تعالى عليه وسلم الخ": قَالَ السنديّ: الظاهر أنها -أي كَانَ- ماضي "يكون"، وجعلها بعضهم منْ أخوات "إنّ" -أي كأنّ بالهمز وتشديد النون- و: إنهم زعموا أنه لا فائدة فِي "كَانَ" هاهنا، وعلى هَذَا ينبغي أن يجعل للظنّ، لا للتشبيه، إذ لا يظهر له وجهٌ، فليُتأمّل. انتهى.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أنه لا حاجة إلى هَذَا التكلّف، وإخراج الكلام عن ظاهره، بل الصواب أنها "كَانَ"، والمعنى عليه صحيح.
والمراد أنه صلّى الله تعالى عليه وسلم لم يبدأ فِي الأكل، ولكنه كَانَ عازما عَلَى الأكل، فقد جاء فِي رواية: "أنه مدّ يده إليها"، فلما سمعه يقول: رأيتها تَدمَى، استمرّ عَلَى عدم أكله، وكفّ يده عنها، وَقَالَ لأصحابه: "كلوا"، وبين لهم عدم حاجته إليها، فَقَالَ: "لو اشتهيتها لأكلتها".
يوضّح هَذَا المعنى كلّه ما تقدّم للمصنّف فِي "كتاب الصيام" -٢٤٢٨ - منْ طريق القاسم بن معن، عن طلحة بن يحيى، عن موسى بن طلحة: أن رجلاً أتى النبيّ ﷺ بأرنب، وكان النبيّ ﷺ ، مَدّ يده إليها، فَقَالَ الذي جاء بها: إني رأيت بها دماً، فَكَفَّ رسول الله ﷺ يده، وأمر القوم أن يأكلوا … " الحديث.
стр. 16227
وفي رواية -٢٤٢٩ - : قَالَ: أُتي النبيّ ﷺ بأرنب، قد شواها رجلٌ، فلما قدّمها إليه قَالَ: يا رسول الله، إني قد رأيت بها دَمًا، فتركها رسول الله ﷺ ، فلم يأكلها، وَقَالَ لمن عنده: "كلوا، فإني لو اشتهيتها أكلتها" … " الحديث. وهو مرسلٌ صحيح الإسناد.
فهذا يوضّح ما قدّمته منْ صحة المعنى عَلَى لفظة "كَانَ"، فتأمّل. والله تعالى أعلم.
وقوله: "فَقَالَ رجل: إني صائم" هو الأعرابيّ الذي جاء بالأرنب إلى النبيّ صلّى الله تعالى عليه وسلم، كما بُيّن فِي الروايات الأخرى.
والحديث صحيح، تقدّم شرحه، وتخريجه فِي "كتاب الصيام". والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٣١٤ - (أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مَسْعُودٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ هِشَامٍ -وَهُوَ ابْنُ زَيْدٍ- قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا، يَقُولُ: "أَنْفَجْنَا أَرْنَبًا، بِمَرِّ الظَّهْرَانِ، فَأَخَذْتُهَا، فَجِئْتُ بِهَا إِلَى أَبِي طَلْحَةَ، فَذَبَحَهَا، فَبَعَثَنِى بِفَخِذَيْهَا وَوَرِكَيْهَا، إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَبِلَهُ").
رجال هَذَا الإسناد: خمسة:
١ - (إسماعيل بن مسعود) الجحدري البصريّ، ثقة [١٠] ٤٢/ ٤٧.
٢ - (خالد) بن الحارث الهجيمي البصريّ، ثقة ثبت [٨] ٤٢/ ٤٧.
٣ - (شعبة) بن الحجاج الإِمام الحجة الثبت البصريّ [٧] ٢٤/ ٢٧.
٤ - (هشام بن زيد) أنس بن مالك الأنصاريّ البصريّ ثقة [٥].
رَوَى عن جده، وعنه ابن عون، وشعبة، وعروة بن ثابت، وحماد بن سلمة. قَالَ إسحاق بن منصور عن ابن معين: ثقة. وَقَالَ أبو حاتم: صالح الحديث. وذكره ابن حبّان فِي "الثقات". روى له الجماعة، وله فِي هَذَا الكتاب ثلاثة أحاديث، هَذَا، و (٤٤٤١) حديث: "نهى رسول الله ﷺ أن تُصبَر البهائم"، و (٤٧٨١) حديث: "فدعا به رسول الله ﷺ ، فقتله بين حجرين".
٥ - (أنس) بن مالك رضي الله تعالى عنه ٦/ ٦. والله تعالى أعلم.
لطائف هَذَا الإسناد:
منها: أنه منْ خماسيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين. (ومنها): أن فيه رواية الراوي عن جدّه، هشام، عن أنس، وفيه أنس رضي الله تعالى عنه منْ المكثرين البعثة، روى (٢٢٨٦) حديثاً، وهو آخر منْ مات بالبصرة منْ الصحابة رضي الله تعالى عنهم، مات سنة (٩٣) وقيل: غير ذلك. والله تعالى أعلم.
أخرجه هنا -٢٥/ ٤٣١٤ - وفي "الكبرى" ٢٧/ ٤٨٢٤. وأخرجه (خ) فِي "الهبة" ٢٥٧٢ و"الذبائح والصيد" ٥٤٨٩ و٥٥٣٥ (م) فِي "الصيد والذبائح" ٣٦١١ (د) فِي "الأطعمة" ٣٧٩١ (ت) فِي "الأطعمة" ١٧٨٩ (ق) فِي "الصيد" ٣٢٤٣ (أحمد) فِي "باقي مسند المكثرين" ١١٧٧٢ و١٢٣٣٦ و١٣٠١٨ و١٣٦٩٢ (الدارمي) فِي "الصيد" ٢٠١٣. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): فِي فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان حكم أَكْل الأَرْنَب وَهُوَ الحلّ، وهو قَوْل العُلَمَاء، كما سبق بيانه فِي شرح الحديث الأول فِي الباب. (ومنها): جَوَاز اسْتِثَارَة الصَّيْد، وَالعَدْوُ فِي طَلَبه، وَأَمَّا حَدِيث ابن عَبَّاس رضي الله تعالى عنهما المتقدِّم فِي الباب الماضي، رَفَعَهُ: "مَنْ اتَّبَعَ الصَّيْد غَفَلَ"، فَهُوَ مَحْمُول عَلَى مَنْ وَاظَبَ عَلَى ذَلِكَ، حَتَّى يَشْغَلهُ عَن غَيْره، مِنْ الْمَصَالِح الدِّينِيَّة وَغيْرهَا. (ومنها): أنَّ منْ أخذ الصَّيْد يَمْلِكهُ بِأَخْذِهِ، وَلا يُشَارِكهُ مَنْ أَثَارَهُ مَعَهُ. (ومنها): مشروعية هَديَّة الصَّيْد، وقَبُولهَا منْ الصَّائِد. (ومنها): جواز إِهْدَاء الشَّيْء الْيَسِير للْكَبِير القَدْر، إِذَا عُلِمَ منْ حَاله الرِّضَا بذَلِكَ. (ومنها): أنَّ لوَليّ الصَّبيّ، أن يَتَصَرَّفَ فِيمَا يَمْلِكهُ الصَّبيّ بِالْمَصْلَحَةِ. (ومنها): أن فيه اسْتثْبَاتَ الطَّالِب شَيْخَهُ عَمَّا يَقَع فِي حَدِيثه، مِمَّا يَحْتَمِل أَنَّهُ يَضْبِطهُ، كَمَا وَقَعَ لَهِشَام بْن زَيد، مَعَ أَنَس ﵁، كما سبق قريبًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٣١٥ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَفْصٌ، عَنْ عَاصِمٍ، وَدَاوُدَ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنِ ابْنِ صَفْوَانَ، قَالَ: أَصَبْتُ أَرْنَبَيْنِ، فَلَمْ أَجِدْ مَا أُذَكِّيهِمَا بِهِ، فَذَكَّيْتُهُمَا بِمَرْوَةٍ، فَسَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ ذَلِكَ؟ فَأَمَرَنِي بِأَكْلِهِمَا).
رجال هَذَا الإسناد: ستة:
١ - (قتيبة) بن سعيد الثقفيّ، ثقة ثبت [١٠] ١/ ١.
٢ - (حفص) بن غياث بن طلق معاوية النخعيّ القاضي، أبو عمر الكوفيّ، ثقة فقيه تغير حفظه قللًا فِي الآخر [٨] ٨٦/ ١٠٥.
[تنبيه]: وقع فِي معظم نسخ "المجتبى"، وكذا فِي "الكبرى": "حدثنا جعفر" بدل "حدّثنا حفص"، وهو غلطٌ فاحش، والصواب "حدّثنا حفص"، وهو ابن غياث، كما ذكرته آنفًا، وَقَدْ أورده عَلَى الصواب الحافظ المزّيّ فِي "تحفة الأشراف" ٨/ ٣٥٧ وَقَدْ نبّه فِي "الهامش" عَلَى هَذَا الغلط، فتنبه. والله تعالى أعلم.
٣ - (عاصم) بن سليمان الأحول، أبو عبد الرحمن البصريّ، ثقة [٤] ١٤٨/ ٢٣٩.
стр. 16231
٤ - (داود) بن أبي هند القشيري مولاهم، أبو بكر البصريّ، ثقة متقن، كَانَ يَهِم بآخره [٥] ٢١/ ٥٣٨.
٥ - (الشعبي) عامر بن شَرَاحيل الهمداني، أبو عمرو الكوفيّ، ثقة ثبت فقيه فاضل [٣] ٦٦/ ٨٢.
٦ - (ابن صفوان) محمد بن صفوان الأنصاريّ، كنيته أبو مرحب. وقيل: صفوان بن محمد، أو محمد بن صفوان بالشكّ. روى الشعبيّ عنه، قَالَ: أتيت النبيّ صلّى الله تعالى عليه وسلم بأرنبين … " الحديث، ويقال: إنه محمد بن صيفيّ الذي روى عنه الشعبيّ أيضًا، ولم يرو عنهما غيره، والأشبه أنهما اثنان. والذي يدلّ عَلَى أنهما اثنان الحديث الذي رواه الشعبيّ، عن ابن صيفيّ، غير الحديث الذي رواه عن هَذَا. قَالَ البخاريّ: حديثه فِي الكوفيين. وَقَالَ الطبرانيّ: محمد بن صفوان هو الصواب. وَقَالَ ابن عبد البرّ: صفوان بن محمد أكثر. وَقَالَ ابن أبي خيثمة: لا أدري منْ أي الأنصار هو؟. وَقَالَ العسكريّ: هو منْ بني مالك بن الأوس. وَقَالَ ابن سعد: قَالَ محمد بن عمر: لا يُعرف أبو مرحب، وفرّق بينه وبين محمد صفوان. روى له المصنّف، وأبو داود، وابن ماجه، وله عندهم هَذَا الحديث فقط، أعاده المصنّف فِي "الضحايا" برقم -١٨/ ٤٤١. والله تعالى أعلم.
لطائف هَذَا الإسناد:
منها: أنه منْ خماسيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير ابن صفوان، فتفرد به هو، وأبو داود، وابن ماجه. (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين، غير شيخه، فبغلاني. (ومنها): أن فيه رواية تابعيين عن تابعيّ. (ومنها): أن صحابيه منْ المقلّين منْ الرواية، فليس له فِي الأصول إلا هَذَا الحديث عند أصحاب "السنن " إلا الترمذيّ. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَن) محمد (ابْن صَفْوَانَ) الأنصاريّ رضي الله تعالى عنه، أنه (قَالَ: أَصَبْتُ أَرْنَبَيْنِ، فَلَمْ أَجِدْ مَا أُذَكِّيهِمَا) أي لم أجد شيئاً أذبحهما به (فَذَكَّيْتُهُمَا بِمَرْوَةٍ) -بفتح الميم، وسكون الراء-: هو حجر أبيض، يُجعل منه كالسكّين (فَسَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ ذَلِكَ؟) أي عن حكم أكله (فَأَمَرَنِي بِأَكْلِهِمَا) فيه دلالة عَلَى حلّ أكل الأرنب، وهو ما أراده المصنّف رحمه الله تعالى بإيراده هنا، وَقَدْ تقدّم أنه قول جمهور العلماء، وهو الحقّ، وفيه أيضًا جواز الذبح بالمروة، وسيأتي إن شاء الله تعالى أن المصنّف رحمه
стр. 16232
الله تعالى يترجم له فِي "كتاب الضحايا" بقوله: "باب إباحة الذبح بالمروة". والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): فِي درجته:
حديث محمد بن صفوان رضي الله تعالى عنه هَذَا صحيح.
(المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -٢٥/ ٤٣١٥ وفي "الضحايا" ١٨/ ٤٤٠١ - وفي "الكبرى" ٢٧/ ٤٨٢٥ وفي "الضحايا" ١٩/ ٤٤٨٩. وأخرجه (د) فِي "الضحايا" ٢٨٢٢. (ق) فِي "الذبائح" ٣١٧٥ و"الصيد" ٣٢٤٤ (أحمد) فِي "مسند المكيين" ١٥٤٤٣ (الدارمي) فِي "الصيد" ٢٠١٤. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح، ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
٢٦ - (الضَّبُّ)
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "الضّبّ" بفتح الضاد المعجمة، وتشديد الموحدة: دُوَيْبَّة تُشْبِه الْجِرْذَوْن، لَكِنَّهُ أَكْبَر منْ الْجِرْذَون، وَيُكنى أَبَا حِسْل -بِمُهْمَلَتَينِ مَكْسُورَة، ثُمَّ سَاكِنَة- وَيُقَال لِلأُنْثَى: ضَبَّة، وَبِهِ سُمِّيَت الْقَبِيلَة، وَبِالْخَيفِ منْ مِنًى جَبَل، يُقَال لَهُ: ضَبّ، وَالضَّبّ دَاء فِي خُفّ الْبَعِير، وَيُقَال: إِنَّ لأَصْلِ ذَكَر الضَّبّ فَرْعَينِ، وَلِهَذَا يُقَال لَهُ: ذكَرَانِ. وَذَكَرَ ابْن خَالَوَيْهِ: أَنَّ الضَّبّ يَعِيش سَبْعمِائَةِ سَنَة، وَأَنَّهُ لا يَشْرَب الْمَاء، وَيَبُول فِي كُلّ أَرْبَعِينَ يَوْمًا قَطْرَة، وَلا يَسْقُط لَهُ سِنّ، وَيُقَال: بَلْ أَسْنَانه قِطْعَة وَاحِدَةْ. وَحَكَى غَيْره أنَّ أَكْلِ لَحْمه، يُذْهِب الْعَطَش، وَمِن الأَمْثَال: "لا أَفعَل كَذا، حَتَّى يَرِد الضَّبّ"، يَقُولهُ مَنْ أرَادَ أن لا يَفْعَل الشَّيْء؛ لأَنَّ الضَّبّ لا يَرِد، بَلْ يَكْتَفِي بِالنَّسِيمِ، وَبَرْد الْهَوَاء، وَلا يَخْرُج مِنْ جُحْره فِي الشِّتَاء. ذَكَرَه فِي "الفتح" (١).
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: ما قاله ابن خالويه منْ أنه يعيش سبعمائة سنة، وأنه لا يشرب الماء إلى آخره، محلّ نظر، إذ يحتاج إلى مستند صحيح. والله تعالى أعلم بالصواب.
٤٣١٦ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَالِكٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ
стр. 16233
رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ، سُئِلَ عَنِ الضَّبِّ؟ فَقَالَ: "لَا آكُلُهُ وَلَا أُحَرِّمُهُ").
رجال هَذَا الإسناد: أربعة:
١ - (قتيبة) المذكور فِي الباب الماضي.
٢ - (مالك) بن أنس إمام دار الهجرة الحجة الثبت الفقيه [٧] ٧/ ٧.
٣ - (عبد الله بن دينار) الْعَدْوَى مولاهم، أبو عبد الرحمن المدنيّ، ثقة [٤] ١٦٧/ ٢٦٠.
٤ - (ابن عمر) عبد الله رضي الله تعالى عنهما ١٢/ ١٢. والله تعالى أعلم.
لطائف هَذَا الإسناد:
منها: أنه منْ رباعيات المصنّف رحمه الله تعالى وهي أعلى الأسانيد له، وهو (٢٠١) منْ رباعيات الكتاب .. ومنها: أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، وقتيبة، وإن كَانَ بغلانيًّا، إلا أن الظاهر أنه دخل المدينة. (ومنها): أن فيه ابن عمر رضي الله تعالى عنهما منْ المكثرين السبعة، والعبادلة الأربعة. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ ابْنِ عُمَرَ) رضي الله تعالى عنهما (أَن رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ) جملة فِي محلّ نصب عَلَى الحال (سُئِلَ عَنِ الضَّبِّ؟) ببناء الفعل للمفعول، وفي الرواية التالية: أن رجلاً قَالَ: يا رسول الله، ما ترى فِي الضبّ" … وفي رواية البخاريّ: "الضبّ لست آكله، ولا أحرّمه"، دون ذكر السؤال. وَهَذَا السَّائِل يَحْتَمِل أن يَكُون خُزَيْمَةَ بن جَزْء، فَقَدْ أَخْرَجَ ابن مَاجَهْ مِنْ حَدِيثه: "قُلْت: يَا رَسُول الله، مَا تَقُول فِي الضّبّ؟ فَقَالَ: "لا آكُلهُ، وَلا أُحَرِّمهُ"، قَالَ: قُلْت: فَإِنِّي آكُل مَا لَمْ تُحرِّم"، لكن فِي سَنَده عبد الكريم بن أبي المخارق، وهو متّفقٌ عَلَى ضعفه.
(فَقَالَ) صلّى الله تعالى عليه وسلم (لَا آكُلُهُ) لكراهته طبعًا، لا دينًا (وَلَا أُحَرِّمُهُ) وهذا صريحٌ فِي أنه حلالٌ، لكنه مستقذر طبعًا، لا يوافق بعض الطبائع. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): فِي درجته:
حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما هَذَا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
стр. 16234
أخرجه هنا -٢٦/ ٤٣١٦ و٤٣١٧ - وفي "الكبرى" ٢٨/ ٤٨٢٦ و٤٨٢٧. وأخرجه (خ) فِي "الذبائح" ٥٥٣٦ و"أخبار الآحاد" ٧٢٦٧ (م) فِي "الصيد والذبائح" ٣٥٩٨ و٣٦٠٠ و٣٦٠١ (ت) فِي "الأطعمة" ١٧٩٠ (ق) فِي "الصيد" ٣٢٤٢ (أحمد) فِي "مسند المكثرين" ٤٥٤٨ و٤٥٥٩ و٥٠٣٨ و٥٢٣٣ و٥٢٥٨ و٥٤١٧ و٥٥٠٥ و٥٥٤٠ و٦١٧٨ "الموطّأ" فِي "الجامع" ١٨٠٦ (الدارمي) فِي "الصيد" ٢٠١٥. وفوائد الحديث، وبيان مذاهب العلماء ستأتي فِي شرح حديث ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما الآتي فِي هَذَا الباب، إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٣١٧ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ عَنْ مَالِكٍ، عَنْ نَافِعٍ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَجُلاً قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا تَرَى فِي الضَّبِّ؟ قَالَ: "لَسْتُ بِآكِلِهِ، وَلَا مُحَرِّمِهِ").
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: الحديث متَّفقٌ عليه، وسبق شرحه، وتخريجه فِي الحديث الذي قبله. والسند منْ رباعيات المصنّف ﵀، وهو (٢٠٢) منْ رباعيات الكتاب. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٣١٨ - (أَخْبَرَنَا كَثِيرُ بْنُ عُبَيْدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ حَرْبٍ، عَنِ الزُّبَيْدِيِّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي الزُّهْرِيُّ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، أُتِيَ بِضَبٍّ مَشْوِيٍّ، فَقُرِّبَ إِلَيْهِ، فَأَهْوَى إِلَيْهِ بِيَدِهِ، لِيَأْكُلَ مِنْهُ، قَالَ لَهُ مَنْ حَضَرَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّهُ لَحْمُ ضَبٍّ، فَرَفَعَ يَدَهُ عَنْهُ، فَقَالَ لَهُ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَحَرَامٌ الضَّبُّ؟ قَالَ: "لَا، وَلَكِنْ لَمْ يَكُنْ بِأَرْضِ قَوْمِي، فَأَجِدُنِي أَعَافُهُ"، فَأَهْوَى خَالِدٌ إِلَى الضَّبِّ، فَأَكَلَ مِنْهُ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَنْظُرُ).
رجال هَذَا الإسناد: سبعة:
١ - (كثير بن عُبيد) بن نمير، أبو الحسن المذحِجِيّ الحذّاء الحمصي، وهو ثقة [١٠] ٥/ ٤٨٦.
٢ - (محمد بن حرب) الأبرش الخولانيّ الحمصيّ، ثقة [٩] ١٢٢/ ١٧٢.
٣ - (الزُّبيديّ) محمد بن الوليد، أبو الهذيل الحمصيّ الحافظ، ثقة ثبت [٧] ٤٥/ ٥٦.
٤ - (الزهريّ) محمد بن مسلم المدنيّ الإِمام الحجة الثبت [٤] ١/ ١.
٥ - (أبو أُمامة بن سهل) هو أسعد بن سهل بن حُنيف، له رؤية، دون سماع، ثقة [٢] ٨/ ٥٠٩.
٦ - (عبد الله بن عباس) رضي الله تعالى عنهما ٢٧/ ٣١.
٧ - (خالد بن الوليد) بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم المخزوم القرشي،
стр. 16235
أبو سليمان، أسلم بعد الحديبية، وشهد مؤتة، ويومئذ سماه رسول الله ﷺ سيف الله، وشهد الفتح، وحنينا، واختلف فِي شهوده خيبر.
روى عن النبيّ ﷺ ، وعنه ابن عباس، وهو ابن خالته، وجابر بن عبد الله، والمقدام ابن معد يكرب، وقيس بن أبي حازم، والأشتر النخعي، وعلقمة بن قيس، وجبير بن نفير، وأبو العالية، وأبو وائل، وغيرهم، استعمله أبو بكر عَلَى قتال أهل الردة ومسيلمة، ثم وجهه إلى العراق، ثم إلى الشام، وهو أحد أمراء الأجناد الذين وَلُوا فتح دمشق، قَالَ محمد بن سعد، وابن نمير، وغير واحد: مات بحمص سنة (٢١) وَقَالَ دحيم وغيره: مات بالمدينة، وقيل مات سنة (٢٢) وَقَالَ الذهبيّ فِي "سير أعلام النبلاء": الصحيح موته بحمص.
ويُروَى أنه لما حضرته الوفاة بكى، وَقَالَ: لقيت كذا وكذا زحفا، وما فِي جسدي شبر إلا وفيه ضربة بسيف، أو طعنة برمح، وها أنا أموت عَلَى فراشي، فلا نامت أعين الجبناء. وَقَالَ الزبير بن بكار: كَانَ ميمون النقيبة، ولما هاجر لم يزل رسول الله ﷺ يوليه الخيل، ويكون فِي مقدمته. وَقَالَ محمد بن سعد. كَانَ يشبه عمر فِي خلقته وصفته، ولما نزل الْحِيرة قيل له: احذر السم لا تسقيكه الأعاجم، فَقَالَ: ائتوني به، فأخذه بيده، وَقَالَ: بسم الله، وشربه، فلم يضره شيئاً. أخرج له البخاريّ، ومسلم، وأبو داود، والمصنف، وابن ماجه، وله فِي هَذَا الكتاب حديثان، حديث الباب كرّره مرّتين، وحديث تحريم لحوم الخيل، والبغال، والحمير برقم (٤٣٣٣) و (٤٣٣٤). والله تعالى أعلم.
لطائف هَذَا الإسناد:
منها: أنه منْ سباعيات المصنّف رحمه الله تعالى. ومنها: أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فقد تفرد به هو، وأبو داود، وابن ماجه. (ومنها): أنه مسلسل بالحمصيين إلى الزبيديّ، وبالمدنيين بعده. (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وصحابيّ، عن صحابيّ، عَلَى خلاف فِي كون الحديث منْ مسند خالد، أو منْ مسند ابن عباس رضي الله تعالى عنهم، كما سيأتي بيانه. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَن أَبي أُمَامَةَ) أسعد (بْنِ سَهْلٍ) بن حُنيف الأنصاريّ، له رؤية، ولأبيه صحبة. وعند البخاريّ فِي "الأطعمة" منْ طريق يونس بن يزيد، عن ابن شهاب، قَالَ: "أخبرني أبو أُمامة"، فصرّح بالإخبار (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ) رضي الله
خَالِد: فَاجْتَرَرْته إليّ، وأكلته"، وهو بِجِيمٍ، وَرَائَيْنِ، هَذَا هُوَ المَعْرُوف فِي كُتُب الْحَدِيث، وَضبَطَهُ بَعض شُرَّاح "المُهَذَّب" بِزَاي، قَبل الرَّاء، وَقَد غَلَّطَهُ النَّوويّ (وَرَسولُ الله ﷺ يَنْظُرُ) زاد فِي رواية يونس عند البخارَيّ: "إليّ".
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: [إن قيل]: إذا كَانَ النبيّ صلّى الله تعالى عليه وسلم ترك أكله؛ لكونه ليس بأرض قومه، فلم أكله خالد، وهو منْ قوم النبيّ صلّى الله تعالى عليه وسلم؟.
[قلت]: لعل خالدًا تعوّد أكله تقليدًا لأهل نجد، فإن هذه المرأة التي أهدت الضَّبّ للنبيّ صلّى الله تعالى عليه وسلم منْ نجد، كانت خالته، فلعله ذهب إليها ليزورها، فرأى النَّاس هناك يأكلونه، فأكله، فاستطابه، بخلافه صلّى الله تعالى عليه وسلم. ولم أر منْ تعرّض لهذا البحث. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الْحَدِيث:
(المسألة الأولى): فِي درجته:
حديث خالد بن الوليد رضي الله تعالى عنه هَذَا متَّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -٢٦/ ٤٣١٨ و٤٣١٩ - وفي "الكبرى" ٢٨/ ٤٨٢٨ و٤٨٢٩. وأخرجه (خ) فِي "الذبائح والصيد" ٥٥٣٧ (م) فِي "الصيد والذبائح" ٣٦٠٣ (د) فِي "الأطعمة" ٢٧٩٤ (ق) فِي "الصيد" ٣٢٤١ (أحمد) فِي "مسند الشاميين" ١٦٣٧١ و"باقي مسند الأنصار" ٢٦٢٧٤ (الموطأ) فِي "الجامع" ١٨٠٥ (الدارمي) فِي "الصيد" ٢٠١٧. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): فِي فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان حكم أكل الضَّبّ، وهو الجَوَاز. وَحَكَى عِيَاض عَن قَوْم تَحرِيمه، وَعَن الْحَنَفِيَّة كَرَاهَته، وَأنْكَرَ ذَلِكَ النَّوَوِيّ، وَقَالَ: لا أَظُنُّهُ يَصِحّ عَنْ أَحَد، فَإِنْ صَحَّ فَهُوَ مَحْجُوج بِالنُّصُوصِ، وَبِإجْمَاع مَنْ قَبْله. قَالَ الحافظ: قَدْ نَقَلَهُ ابْن المُنْذِر عَنْ عَلِيّ، فَأَيُّ إِجْمَاع يَكُون مَعَ مُخَالَفَتَه؟، وَنَقَلَ التِّرْمِذِيّ كَرَاهَته عن بَعْض أَهْل الْعِلْم، وَقَالَ الطَّحَاوِيُّ فِي "مَعَانِي الآثَار": كَرِهَ قَوْم أَكْل الضَّبّ، مِنْهُمْ أَبُو حَنِيفَة، وَأَبُو يُوسُف، وَمُحَمَّد بْن الحَسَنُ، قَالَ: وَاحْتَجَّ مُحَمَّد بِحَدِيثِ عَائِشَة: "أنَّ النَّبِيّ ﷺ ، أُهْدِىَ لَهُ ضَبّ، فَلَمْ يَأْكُلهُ، فَقَامَ عَلَيْهِمْ سَائِل، فَأَرَادَت عَائِشَة أنْ تُعْطِيه، فَقَالَ لَهَا رَسُول الله ﷺ : "أَتُعْطِينَهُ مَا لا تَأْكُلينَ؟ "، قَالَ الطَّحَاوِيُّ: مَا
стр. 16240
فِي هَذَا دَلِيل عَلَى الْكَرَاهَة؛ لاحْتِمَالِ أَنْ تَكُونِ عَافَتْهُ، فَأَرَادَ النَّبِيّ ﷺ ، أَنْ لا يَكُون مَا يُتَقَرَّب بِهِ إِلَى الله، إِلَّا منْ خَيْر الطَّعَام، كَمَا نَهَى أن يُتَصَدَّق بِالتَّمْرِ الرَّدِيء انتهى. وَقَدْ جَاءَ عَن النَّبِيّ ﷺ ، أَنَّهُ نَهَى عَن الضَّبّ، أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، بِسَنَدٍ حَسَن، فَإِنَّهُ مِنْ رِوَايَة إِسْمَاعِيل بْن عَيَّاش، عَن ضَمْضَم بن زُرْعَة، عَن شُرَيْح بْن عُتبَة، عَن أَبِي رَاشِد الْحُبْرَانِيّ (١)، عَن عَبْد الرَّحْمَن بْن شِبْل، وَحَدِيث ابْن عَيَّاش، عَن الشَّامِيِّينَ قَوِيّ، وَهَؤُلاءِ شَامِيُّونَ، ثِقَات، وَلا يُغْتَرّ بِقَوْلِ الْخَطَّابِيّ: لَيْسَ إِسْنَاده بِذَاكَ، وَقَوْل ابْن حَزْم: فِيهِ ضُعَفَاء، وَمَجْهُولُونَ، وَقَوْل الْبَيْهَقِيِّ: تَفَرَّدَ بِهِ إِسْمَاعِيل بْن عَيَّاش، وَلَيْسَ بِحُجَّةٍ، وَقَوْل ابْن الْجَوْزِيّ: لا يَصِحّ، فَفِي كُلّ ذَلِكَ تَسَاهُل لا يَخْفَى، فَإِنَّ رِوَايَة إِسْمَاعِيل عَن الشَّامِيِّينَ قَوِيَّة، عِنْد الْبُخَارِيّ، وَقَدْ صَحَّحَ التِّرْمِذِي بَعْضهَا.
(ومنها): أن فيه الْإعْلَامَ بِمَا شَكَّ فِيهِ لإِيضَاح حُكْمه. (ومنها): أَنَّ مُطْلَق النَّفْرَة عن الشيء، وَعَدَم الاسْتِطَابَة لا يَسْتَلْزِم التَّحْرِيم. (ومنها): أَنَّ الْمَنْقُول عَنهُ ﷺ أَنَّهُ كَانَ لا يَعِيب الطَّعَام، إِنَّمَا هُوَ فِيمَا صَنَعَهُ الآدَمِيّ لِئَلا يَنْكَسِر خَاطِره، وَيُنْسَبَ إِلَى التَّقْصِير فِيهِ، وَأَمَّا الَّذِي خُلِقَ كَذَلِكَ، فَلَيْسَ نُفُور الطَّبْع مِنْهُ مُمْتَنِعًا. (ومنها): أَنَّ وُقُوع مِثْل ذَلِكَ لَيْسَ بِمَعِيبٍ، مِمَّنْ يَقَع مِنْهُ، خِلَافًا لِبَعْضِ الْمُتَنَطِّعَة. (ومنها): أَنَّ الطِّبَاع تَخْتَلِف فِي النُّفُور، عَن بعْض الْمَأْكُولات. (ومنها): ما قيل: أنه يُسْتَنْبَط مِنْهُ أَنَّ اللَّحْم إِذَا أَنْتَنَ لَمْ يَحْرُم؛ لأَنَّ بَعْض الطِّبَاع لا تَعَافهُ.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: فيه نظر، لا يخفى؛ لأن قوله صلّى الله تعالى عليه وسلم فِي حديث أبي ثعلبة الخشنيّ رضي الله تعالى عنه المتقدّم: "فليأكله إلا أن يُنتن" صريح فِي المنع عن أكل اللحم، إذا أنتن، فيقدّم عَلَى هَذَا المفهوم، فتأمّل. والله تعالى أعلم.
(ومنها): أن فِيهِ دُخُولَ أَقَارِب الزَّوْجَة بَيْتهَا، إِذَا كَانَ بِإِذْنِ الزَّوْج، أَوْ رِضَاهُ.
[تنبيه]: قَالَ الحافظ رحمه الله تعالى: ذَهَلَ ابْن عَبْد الْبَرّ هُنَا، ذُهُولاً فَاحِشًا، فَقَالَ: كَانَ دُخُول خَالِد بْن الوليد، بَيْت النَّبِىّ ﷺ فِي هَذِهِ الْقِصَّة، قَبل نُزُول الْحِجَاب، وَغَفَلَ عَمَّا ذَكَرَهُ هُوَ، أَنَّ إِسْلام خَالِد، كَانَ بَيْن عُمْرَة القَضِيَّة وَالفَتْح، وَكَانَ الْحِجَاب قَبْل ذَلِكَ اتِّفَاقًا، وَقَدْ وَقَعَ فِي حَدِيث الْبَاب: "قَالَ خَالِد: أَحَرَام هُوَ، يَا رَسُول الله؟ "، فَلَوْ كَانَتْ الْقِصَّة قَبْل الْحِجَاب، لَكَانَتْ قَبْل إِسْلام خَالِد، وَلَوْ كَانَتْ قَبْل إِسْلامه لَمْ يَسْأَل عَن حَلال، وَلا حَرَام، وَلا خَاطَبَ بِقَوْلِهِ: يَا رَسُول الله. انتهى (٢).
стр. 16241
(ومنها): أن فِيهِ جَوَازَ الأَكْل منْ بَيْت الْقَرِيب، وَالصِّهْر، وَالصَّدِيق، وَكَأَنَّ خَالِدًا، وَمَنْ وَافَقَهُ فِي الأَكْل، أَرَادُوا جَبْر قَلْب المرأة التي أَهْدَتْهُ، أَو لِتَحَقُّقِ حُكْم الْحِلّ، أَوْ لامْتِثَالِ قَوْله ﷺ : "كُلُوا"، وَفَهِمَ مَن لَمْ يَأْكُل، أنَّ الأَمْر فِيهِ لِلإِبَاحَةِ.
(ومنها): أن فِيهِ أَنَّهُ ﷺ ، كَانَ يُؤَاكِل أَصْحَابه، وَيَأْكُل اللَّحْم حَيْثُ تَيَسَّرَ. (ومنها): أن فيه أَنَّهُ صلّى الله تعالى عليه وسلم، كَانَ لا يَعْلَم منْ الْمُغَيَّبَات، إِلَّا مَا أعلمَهُ الله تَعَالَى. (ومنها): أنّ فِيهِ وُفُورَ عَقْل مَيْمُونَة، أُمّ المُؤْمِنِينَ، رضي الله تعالى عنها، وَعَظِيم نَصِيحَتِهَا لِلنَّبِيِّ ﷺ ؛ لأَنَّهَا فَهِمَتْ مَظِنَّة نُفُوره عَن أَكْله، بمَا اسْتَقْرَّت مِنْ حاله صلّى الله تعالى عليه وسلم، فَخَشِيَتْ أنْ يَكُون ذَلِكَ كَذَلِكَ، فَيَتَأَذَّى بِأَكْلِهِ؛ لاسْتِقْذَارِهِ لَهُ، فَصَدَقَتْ فِرَاسَتُهَا. (ومنها): أنَّهُ يُؤْخَذ مِنْهُ أَن مَن خُشِيَ أنْ يَتَقَذَّر شَيْئًا، لا يَنْبَغِي أَنْ يُدَلَّسَ لَهُ؛ لِئَلا يَتَضَرَّر بهِ، وَقَدْ شُوهِدَ ذَلِكَ مِنْ بَعض النَّاس. ذكر هَذَا كلّه فِي "الفتح" (١). والله تعالى أَعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٣١٩ - (أَخْبَرَنَا أَبُو دَاوُدَ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ أَخْبَرَهُ، أَنَّ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ أَخْبَرَهُ، أَنَّهُ دَخَلَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، عَلَى مَيْمُونَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ، وَهِيَ خَالَتُهُ، فَقُدِّمَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَحْمُ ضَبٍّ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، لَا يَأْكُلُ شَيْئًا، حَتَّى يَعْلَمَ مَا هُوَ؟ فَقَالَ بَعْضُ النِّسْوَةِ: أَلَا تُخْبِرْنَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، مَا يَأْكُلُ، فَأَخْبَرَتْهُ أَنَّهُ لَحْمُ ضَبٍّ، فَتَرَكَهُ، قَالَ خَالِدٌ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَحَرَامٌ هُوَ؟ قَالَ: "لَا، وَلَكِنَّهُ طَعَامٌ، لَيْسَ فِي أَرْضِ قَوْمِي، فَأَجِدُنِي أَعَافُهُ"، قَالَ خَالِدٌ: فَاجْتَرَرْتُهُ إِلَيَّ، فَأَكَلْتُهُ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَنْظُرُ، وَحَدَّثَهُ ابْنُ الأَصَمِّ، عَنْ مَيْمُونَةَ، وَكَانَ فِي حَجْرِهَا).
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه، أبي داود سليمان بن سيف الطائيّ الحرّانيّ، فإنه منْ أفراده، وهو ثقة حافظ.
و"يعقوب بن إبراهيم": هو الزهريّ المدنيّ، نزيل بغداد. و"أبوه": هو إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ المدنيّ، نزيل بغداد. و"صالح": هو ابن كيسان الغفاريّ المدنيّ، والباقون تقدّموا فِي الذي قبله.
وقوله: "وهي خالته"، وفي رواية يونس عند البخاريّ: "وهي خالته، وخالة ابن عبّاس".
стр. 16242
وَاسْم أُمّ خَالِد: لُبَابَة الصُّغْرَى، وَاسْم أُمّ ابْن عَبَّاس لُبَابَة الْكُبْرى، وَكَانَتْ تُكَنَّى أُمّ الْفَضْل، بِابْنِهَا الْفَضْل بْن عَبَّاس، وَهُمَا أُخْتَا مَيْمُونَة، وَالثَّلَاث بَنَات الْحَارِث بْن حَزْن -بِفَتحِ الْمُهْمَلة، وَسُكُون الزَّاي- الْهِلَالِيّ. قاله فِي "الفتح".
وقوله: "وكان رسول الله صلّى الله تعالى عليه وسلم لا يأكل شيئًا الخ". قَالَ ابن التين: إنما كَانَ يسأل؛ لأن العرب كانت لا تَعاف شيئاً منْ المآكل، لقلّتها عندهم، وكان هو صلّى الله تعالى عليه وسلم قد يَعاف بعضَ الشيء، فلذلك كَانَ يسأل. قَالَ الحافظ: ويحتمل أن يكون سبب السؤال أنه صلّى الله تعالى عليه وسلم ما كَانَ يُكثر الكون فِي البادية، فلم يكن له خبرة بكثير منْ الحيوانات. أو لأن الشرع ورد بتحريم بعض الحيوانات، وإباحة بعضها، وكانوا لا يُحرّمون منها شيئاً، وربّما أتوا به مشويًّا، أو مطبوخًا، فلا يتميز عن غيره إلا بالسؤال عنه. انتهى (١).
وقوله: "فَقَالَ بعض النسوة: ألا تخُبرن رسول الله صلّى الله تعالى عليه وسلم ما يأكل، فأخبرته الخ" تقدّم أنها ميمونة رضي الله تعالى عنها، ففي رواية مسلم: "فلما أراد النبيّ صلّى الله تعالى عليه وسلم أن يأكل، قالت له ميمونة: إنه لحم ضبّ، فكفّ يده".
وقوله: "فاجتررته إليّ" بالجيم: أي جذبته إليّ، وتقدّم أن بعضهم ضبطه بزاي بدل الراء، وهو غلط.
وقوله: "وحدّثه ابن الأصمّ، الخ" الضمير لابن شهاب، يعني أن ابن الأصمّ حدث ابنَ شهاب بهذا الْحَدِيث، راويًا عن ميمونة رضي الله تعالى عنها، فيكون هَذَا عاليًا منْ السند الماضي بدرجة.
و"ابن الأصمّ": هو يزيد بن الأصمّ، واسمه عمرو بن عُبيد بن معاوية البَكّائيّ، أبو عوف الكوفيّ، نَزيل الرَّقة، ابن أخت ميمونة أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها، يقال: له رؤيةٌ، ولا يثبت، وهو ثقة [٣] ٥٠/ ٨٥٠ مات سنة (١٠٣).
وقوله: "وكان فِي حجرها" -بفتح الحاء المهملة، وتكسر، وسكون الجيم-: أي فِي كَنَفها، ورعايتها، قَالَ الفيّوميّ: حجر الإنسان -بالفتح، وَقَدْ يُكسر: حِضْنُه، وهو ما دون إبطه إلى الْكَشْحِ، وهو فِي حجره: أي كنفه، وجمايته، والجمع حُجُور. انتهى.
والحديث متَّفقٌ عليه، وتقدّم شرحه، وبيان مسائله فِي الذي قبله. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
стр. 16243
٤٣٢٠ - (أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مَسْعُودٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: "أَهْدَتْ خَالَتِي إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، أَقِطًا، وَسَمْنًا، وَأَضُبًّا، فَأَكَلَ مِنَ الأَقِطِ، وَالسَّمْنِ، وَتَرَكَ الأَضُبَّ؛ تَقَذُّرًا، وَأُكِلَ عَلَى مَائِدَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَلَوْ كَانَ حَرَامًا مَا أُكِلَ عَلَى مَائِدَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ).
رجال هَذَا الإسناد: ستة:
١ - (إسماعيل بن مسعود) الجَحْدَرِيُّ البصريّ، ثقة [١٠] ٤٢/ ٤٧.
٢ - (خالد) بن الحارث الْهُجَيميّ البصريّ، ثقة ثبت [٨] ٤٧/ ٤٢.
٣ - (شعبة) بن الحجاج الإِمام الحجة الثبت [٧] ٢٤/ ٢٧.
٤ - (أبو بشر) جعفر بن أبي وحشية إياس الواسطي، بصري الأصل، ثقة، أثبت النَّاس فِي سعيد بن جبير [٥] ١٣/ ٥٢٠.
٥ - (سعيد بن جُبير) الأسديّ مولاهم، الكوفيّ، ثقة ثبت فقيه [٣] ٢٨/ ٤٣٦.
٦ - (ابن عباس) رضي الله تعالى عنهما ٢٧/ ٣١. والله تعالى أعلم.
لطائف هَذَا الإسناد:
(منها): أنه منْ سداسيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه منْ أفراده. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين، إلا سعيدًا، فكوفي. (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ. والله تعالى أعلم.
شرح الْحَدِيث
(عَن ابْنِ عَبَّاسٍ) رضي الله تعالى عنهما، (قالَ: "أَهْدَتْ خَالَتِي إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ) خالته: هي أم حُفَيد الآتية فِي الْحَدِيث التالي، وهي -بضمّ الحاء المهملة، وفتح الفاء، مصغراً، واسمها هُزَيلة -بزاي، مصغّراً- بنت الحارث الهلاليّة، أخت ميمونة أم المؤمنين رضي الله تعالى عنهما، وهي خالة ابن عباس، وخالد بن الوليد، واسم أم كل منهما لُبابة - بضمّ اللام، وتخفيف الموحّدة، وبعد الألف أخرى (أَقِطًا) -بفتح الهمزة، وكسر القاف، وَقَدْ تسكّن، بعدها طاء مهملة- وهو جبن اللبن المستخرج زبده. قاله فِي "الفتح" (١).
وَقَالَ الفيّوميّ: قَالَ الأزهريّ: "الأقط": يُتّخذ منْ اللبن الْمَخِيض، يُطبخُ، ثم يُتركُ، حَتَّى يَمْصُلَ (٢)، وهو بفتح الهمزة، وكسر القاف، وَقَدْ تسكّن القاف للتخفيف، مع فتح
стр. 16244
الهمزة، وكسرها، مثل تخفيف كَبِدٍ. نقله الصغانيّ، عن الفراء. انتهى (وَسَمْنًا) -بفتح السين المهملة، وسكون الميم-: هو ما يُعمل منْ لبن البقر، والغنم، والجمع سُمنان، مثلُ ظهر وظُهْران، وبَطن وبُطنان. قاله الفيّوميّ (وَأَضُبًّا) -بفتح الهمزة، وضم الضاد المعجمة- جمع ضبّ، ككَفّ وأَكُفّ (فَأكلَ) صلّى الله تعالى عليه وسلم (مِنْ الأقِطِ، وَالسَّمْن، وَتَرَكَ الأضُبَّ؛ تَقَذُّرًا) -بالقاف، والمعجمة- تقول: قذِرتُ الشيءَ، وتقذّرته: إذا كرهته. يعني أنه صلّى الله تعالى عليه وسلم ترك أكل الأضبّ كراهةً لها طبعًا، لا دينًا؛ لأنه بيّن سبب تركه، بأنها لم تكن فِي أرض قومه، فدلّ عَلَى أنه ما تركها تديّنًا، بل لنفرة طبعه منها (وَأُكِلَ) بالبناء للمفعول (عَلَى مَائِدَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ) المائدة: هي الشيء الذي يوضع عَلَى الأرض؛ صيانةً للطعام، كالمنديل، والطَّبَق وغير ذلك، واختُلف فِي اشتقاقها، فَقَالَ الزّجّاج: هي عندي منْ ماد يَمِيد: إذا تحرّك. وَقَالَ غيره: منْ ماد يَميد: إذا أعطى. قَالَ أبو عبيد: وهي فاعلة بمعنى مفعولة، منْ العطاء، قَالَ الشاعر:
وَكُنْتَ لِلْمُنْتَجِعِينَ مَائِدَا
ولا تعارض بين هَذَا الْحَدِيث، وحديث أنس رضي الله تعالى عنه: "أن النبيّ صلّى الله تعالى عليه وسلم ما أكل عَلَى الخوان"؛ لأن الخوان أخصّ منْ المائدة، ونفي الأخصّ، لا يستلزم نفي الأعمّ، قَالَ الحافظ: وهذا أولى منْ جواب بعض الشرّاح بأن أنسًا إنما نفى علمه، قَالَ: ولا يعارض قولَ منْ عَلِمَ. انتهى.
(وَلَوْ كَانَ حَرَامًا مَا أُكِلَ عَلَى مَائِدَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ) ووجه استدلال ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما بالحديث منْ جهة تقريره صلّى الله تعالى عليه وسلم، وهو استدلالٌ صحيح. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الْحَدِيث:
(المسألة الأولى): فِي درجته:
حديث ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما هَذَا متَّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -٢٦/ ٤٣٢٠ و٤٣٢١ - وفي "الكبرى" ٢٨/ ٤٨٣٠ و٤٨٣١. وأخرجه (خ) فِي "الهبة" ٢٥٧٥ (م) فِي "الصيد" ٣٦٠٤ (د) فِي "الأطعمة" ٣٧٩٣ (أحمد) فِي "مسند بني هاشم" ٢٢٩٩ و٢٣٥٠ و٢٥٦٥ و٢٩٥٤ و٣١٥٣ و٣٢٣٦. وفوائد
стр. 16245
الْحَدِيث تقدّمت قريبًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٣٢١ - (أَخْبَرَنَا زِيَادُ بْنُ أَيُّوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، قَالَ: أَنْبَأَنَا أَبُو بِشْرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ أَكْلِ الضِّبَابِ؟ فَقَالَ: أَهْدَتْ أُمُّ حُفَيْدٍ، إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، سَمْنًا، وَأَقِطًا، وَأَضُبًّا، فَأَكَلَ مِنَ السَّمْنِ، وَالأَقِطِ، وَتَرَكَ الضِّبَابَ، تَقَذُّرًا لَهُنَّ، فَلَوْ كَانَ حَرَامًا، مَا أُكِلَ عَلَى مَائِدَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَلَا أَمَرَ بِأَكْلِهِنَّ).
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "زياد بن أيّوب": هو المعروف بدلّويه. و"هُشيم": هو ابن بَشير الواسطى، والباقون تقدّموا فِي السند الماضي.
وقوله: "عن أكل الضباب" -بكسر الضاد المعجمة-: جمع ضبّ. وقوله: "أمّ حُفيد": بالضمّ مصغّرًا، اسمها هُزَيلة بنت الحارث.
وقوله: "ولا أمر بأكلهنّ": أي رخص فيه.
والحديث متَّفقٌ عليه، كما بُيّن فِي الْحَدِيث الماضي. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٣٢٢ - (أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ مَنْصُورٍ الْبَلْخِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الأَحْوَصِ، سَلاَّمُ بْنُ سُلَيْمٍ، عَنْ حُصَيْنٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ، عَنْ ثَابِتِ بْنِ يَزِيدَ الأَنْصَارِيِّ، قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فِي سَفَرٍ، فَنَزَلْنَا مَنْزِلاً، فَأَصَابَ النَّاسُ ضِبَابًا، فَأَخَذْتُ ضَبًّا، فَشَوَيْتُهُ، ثُمَّ أَتَيْتُ بِهِ النَّبِيَّ ﷺ ، فَأَخَذَ عُودًا، يَعُدُّ بِهِ أَصَابِعَهُ، ثُمَّ قَالَ: "إِنَّ أُمَّةً مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، مُسِخَتْ دَوَابَّ فِي الأَرْضِ، وَإِنِّى لَا أَدْرِي، أَىُّ الدَّوَابِّ هِيَ؟ "، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ النَّاسَ قَدْ أَكَلُوا مِنْهَا، قَالَ: فَمَا أَمَرَ بِأَكْلِهَا، وَلَا نَهَى).
رجال هَذَا الإسناد: خمسة:
١ - (سليمان بن منصور الْبَلْخيّ) الْبَزّاز الدُّهنيّ الْجَرْمِيّ، لقبه زَرْغَنْدَه، لا بأس به [١٠] ٦٠/ ٧٥ منْ أفراد المصنّف.
٢ - (أبو الأحوص/ سلّام بن سُليم) الحنفيّ مولاهم الكوفيّ، ثقة، متقنٌ، صاحب حديث [٧] ٧٩/ ٩٦.
٣ - (حُصين) بن عبد الرحمن، أبو الْهُذيل الكوفيّ، ثقة تغير حفظه فِي الآخر [٥] ٤٧/ ٨٤٦.
٤ - (زيد بن وهب) الجُهَنِيّ، أبو سليمان الكوفيّ مخضرم ثقة جليل [٢] ٢٦/ ٣٠.
٥ - (ثابت بن يزيد) بن وديعة، ويقال: ثابت بن وديعة بن عمرو بن قيس الخزرجيّ الأنصاريّ، أبو سعيد المدنيّ، له ولأبيه صحبة. روى عن النبيّ صلّى الله تعالى عليه