← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 12888

ذخيرة العقبى في شرح المجتبى

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (19 271 стр.). Показаны 16241–16280 · переход к 16246.

стр. 16241

(ومنها): أن فِيهِ جَوَازَ الأَكْل منْ بَيْت الْقَرِيب، وَالصِّهْر، وَالصَّدِيق، وَكَأَنَّ خَالِدًا، وَمَنْ وَافَقَهُ فِي الأَكْل، أَرَادُوا جَبْر قَلْب المرأة التي أَهْدَتْهُ، أَو لِتَحَقُّقِ حُكْم الْحِلّ، أَوْ لامْتِثَالِ قَوْله ﷺ : "كُلُوا"، وَفَهِمَ مَن لَمْ يَأْكُل، أنَّ الأَمْر فِيهِ لِلإِبَاحَةِ. (ومنها): أن فِيهِ أَنَّهُ ﷺ ، كَانَ يُؤَاكِل أَصْحَابه، وَيَأْكُل اللَّحْم حَيْثُ تَيَسَّرَ. (ومنها): أن فيه أَنَّهُ صلّى الله تعالى عليه وسلم، كَانَ لا يَعْلَم منْ الْمُغَيَّبَات، إِلَّا مَا أعلمَهُ الله تَعَالَى. (ومنها): أنّ فِيهِ وُفُورَ عَقْل مَيْمُونَة، أُمّ المُؤْمِنِينَ، رضي الله تعالى عنها، وَعَظِيم نَصِيحَتِهَا لِلنَّبِيِّ ﷺ ؛ لأَنَّهَا فَهِمَتْ مَظِنَّة نُفُوره عَن أَكْله، بمَا اسْتَقْرَّت مِنْ حاله صلّى الله تعالى عليه وسلم، فَخَشِيَتْ أنْ يَكُون ذَلِكَ كَذَلِكَ، فَيَتَأَذَّى بِأَكْلِهِ؛ لاسْتِقْذَارِهِ لَهُ، فَصَدَقَتْ فِرَاسَتُهَا. (ومنها): أنَّهُ يُؤْخَذ مِنْهُ أَن مَن خُشِيَ أنْ يَتَقَذَّر شَيْئًا، لا يَنْبَغِي أَنْ يُدَلَّسَ لَهُ؛ لِئَلا يَتَضَرَّر بهِ، وَقَدْ شُوهِدَ ذَلِكَ مِنْ بَعض النَّاس. ذكر هَذَا كلّه فِي "الفتح" (١). والله تعالى أَعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٣١٩ - (أَخْبَرَنَا أَبُو دَاوُدَ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ أَخْبَرَهُ، أَنَّ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ أَخْبَرَهُ، أَنَّهُ دَخَلَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، عَلَى مَيْمُونَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ، وَهِيَ خَالَتُهُ، فَقُدِّمَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَحْمُ ضَبٍّ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، لَا يَأْكُلُ شَيْئًا، حَتَّى يَعْلَمَ مَا هُوَ؟ فَقَالَ بَعْضُ النِّسْوَةِ: أَلَا تُخْبِرْنَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، مَا يَأْكُلُ، فَأَخْبَرَتْهُ أَنَّهُ لَحْمُ ضَبٍّ، فَتَرَكَهُ، قَالَ خَالِدٌ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَحَرَامٌ هُوَ؟ قَالَ: "لَا، وَلَكِنَّهُ طَعَامٌ، لَيْسَ فِي أَرْضِ قَوْمِي، فَأَجِدُنِي أَعَافُهُ"، قَالَ خَالِدٌ: فَاجْتَرَرْتُهُ إِلَيَّ، فَأَكَلْتُهُ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَنْظُرُ، وَحَدَّثَهُ ابْنُ الأَصَمِّ، عَنْ مَيْمُونَةَ، وَكَانَ فِي حَجْرِهَا). قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه، أبي داود سليمان بن سيف الطائيّ الحرّانيّ، فإنه منْ أفراده، وهو ثقة حافظ. و"يعقوب بن إبراهيم": هو الزهريّ المدنيّ، نزيل بغداد. و"أبوه": هو إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ المدنيّ، نزيل بغداد. و"صالح": هو ابن كيسان الغفاريّ المدنيّ، والباقون تقدّموا فِي الذي قبله. وقوله: "وهي خالته"، وفي رواية يونس عند البخاريّ: "وهي خالته، وخالة ابن عبّاس".

стр. 16242

وَاسْم أُمّ خَالِد: لُبَابَة الصُّغْرَى، وَاسْم أُمّ ابْن عَبَّاس لُبَابَة الْكُبْرى، وَكَانَتْ تُكَنَّى أُمّ الْفَضْل، بِابْنِهَا الْفَضْل بْن عَبَّاس، وَهُمَا أُخْتَا مَيْمُونَة، وَالثَّلَاث بَنَات الْحَارِث بْن حَزْن -بِفَتحِ الْمُهْمَلة، وَسُكُون الزَّاي- الْهِلَالِيّ. قاله فِي "الفتح". وقوله: "وكان رسول الله صلّى الله تعالى عليه وسلم لا يأكل شيئًا الخ". قَالَ ابن التين: إنما كَانَ يسأل؛ لأن العرب كانت لا تَعاف شيئاً منْ المآكل، لقلّتها عندهم، وكان هو صلّى الله تعالى عليه وسلم قد يَعاف بعضَ الشيء، فلذلك كَانَ يسأل. قَالَ الحافظ: ويحتمل أن يكون سبب السؤال أنه صلّى الله تعالى عليه وسلم ما كَانَ يُكثر الكون فِي البادية، فلم يكن له خبرة بكثير منْ الحيوانات. أو لأن الشرع ورد بتحريم بعض الحيوانات، وإباحة بعضها، وكانوا لا يُحرّمون منها شيئاً، وربّما أتوا به مشويًّا، أو مطبوخًا، فلا يتميز عن غيره إلا بالسؤال عنه. انتهى (١). وقوله: "فَقَالَ بعض النسوة: ألا تخُبرن رسول الله صلّى الله تعالى عليه وسلم ما يأكل، فأخبرته الخ" تقدّم أنها ميمونة رضي الله تعالى عنها، ففي رواية مسلم: "فلما أراد النبيّ صلّى الله تعالى عليه وسلم أن يأكل، قالت له ميمونة: إنه لحم ضبّ، فكفّ يده". وقوله: "فاجتررته إليّ" بالجيم: أي جذبته إليّ، وتقدّم أن بعضهم ضبطه بزاي بدل الراء، وهو غلط. وقوله: "وحدّثه ابن الأصمّ، الخ" الضمير لابن شهاب، يعني أن ابن الأصمّ حدث ابنَ شهاب بهذا الْحَدِيث، راويًا عن ميمونة رضي الله تعالى عنها، فيكون هَذَا عاليًا منْ السند الماضي بدرجة. و"ابن الأصمّ": هو يزيد بن الأصمّ، واسمه عمرو بن عُبيد بن معاوية البَكّائيّ، أبو عوف الكوفيّ، نَزيل الرَّقة، ابن أخت ميمونة أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها، يقال: له رؤيةٌ، ولا يثبت، وهو ثقة [٣] ٥٠/ ٨٥٠ مات سنة (١٠٣). وقوله: "وكان فِي حجرها" -بفتح الحاء المهملة، وتكسر، وسكون الجيم-: أي فِي كَنَفها، ورعايتها، قَالَ الفيّوميّ: حجر الإنسان -بالفتح، وَقَدْ يُكسر: حِضْنُه، وهو ما دون إبطه إلى الْكَشْحِ، وهو فِي حجره: أي كنفه، وجمايته، والجمع حُجُور. انتهى. والحديث متَّفقٌ عليه، وتقدّم شرحه، وبيان مسائله فِي الذي قبله. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.

стр. 16243

٤٣٢٠ - (أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مَسْعُودٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: "أَهْدَتْ خَالَتِي إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، أَقِطًا، وَسَمْنًا، وَأَضُبًّا، فَأَكَلَ مِنَ الأَقِطِ، وَالسَّمْنِ، وَتَرَكَ الأَضُبَّ؛ تَقَذُّرًا، وَأُكِلَ عَلَى مَائِدَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَلَوْ كَانَ حَرَامًا مَا أُكِلَ عَلَى مَائِدَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ). رجال هَذَا الإسناد: ستة: ١ - (إسماعيل بن مسعود) الجَحْدَرِيُّ البصريّ، ثقة [١٠] ٤٢/ ٤٧. ٢ - (خالد) بن الحارث الْهُجَيميّ البصريّ، ثقة ثبت [٨] ٤٧/ ٤٢. ٣ - (شعبة) بن الحجاج الإِمام الحجة الثبت [٧] ٢٤/ ٢٧. ٤ - (أبو بشر) جعفر بن أبي وحشية إياس الواسطي، بصري الأصل، ثقة، أثبت النَّاس فِي سعيد بن جبير [٥] ١٣/ ٥٢٠. ٥ - (سعيد بن جُبير) الأسديّ مولاهم، الكوفيّ، ثقة ثبت فقيه [٣] ٢٨/ ٤٣٦. ٦ - (ابن عباس) رضي الله تعالى عنهما ٢٧/ ٣١. والله تعالى أعلم. لطائف هَذَا الإسناد: (منها): أنه منْ سداسيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه منْ أفراده. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين، إلا سعيدًا، فكوفي. (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ. والله تعالى أعلم. شرح الْحَدِيث (عَن ابْنِ عَبَّاسٍ) رضي الله تعالى عنهما، (قالَ: "أَهْدَتْ خَالَتِي إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ) خالته: هي أم حُفَيد الآتية فِي الْحَدِيث التالي، وهي -بضمّ الحاء المهملة، وفتح الفاء، مصغراً، واسمها هُزَيلة -بزاي، مصغّراً- بنت الحارث الهلاليّة، أخت ميمونة أم المؤمنين رضي الله تعالى عنهما، وهي خالة ابن عباس، وخالد بن الوليد، واسم أم كل منهما لُبابة - بضمّ اللام، وتخفيف الموحّدة، وبعد الألف أخرى (أَقِطًا) -بفتح الهمزة، وكسر القاف، وَقَدْ تسكّن، بعدها طاء مهملة- وهو جبن اللبن المستخرج زبده. قاله فِي "الفتح" (١). وَقَالَ الفيّوميّ: قَالَ الأزهريّ: "الأقط": يُتّخذ منْ اللبن الْمَخِيض، يُطبخُ، ثم يُتركُ، حَتَّى يَمْصُلَ (٢)، وهو بفتح الهمزة، وكسر القاف، وَقَدْ تسكّن القاف للتخفيف، مع فتح

стр. 16244

الهمزة، وكسرها، مثل تخفيف كَبِدٍ. نقله الصغانيّ، عن الفراء. انتهى (وَسَمْنًا) -بفتح السين المهملة، وسكون الميم-: هو ما يُعمل منْ لبن البقر، والغنم، والجمع سُمنان، مثلُ ظهر وظُهْران، وبَطن وبُطنان. قاله الفيّوميّ (وَأَضُبًّا) -بفتح الهمزة، وضم الضاد المعجمة- جمع ضبّ، ككَفّ وأَكُفّ (فَأكلَ) صلّى الله تعالى عليه وسلم (مِنْ الأقِطِ، وَالسَّمْن، وَتَرَكَ الأضُبَّ؛ تَقَذُّرًا) -بالقاف، والمعجمة- تقول: قذِرتُ الشيءَ، وتقذّرته: إذا كرهته. يعني أنه صلّى الله تعالى عليه وسلم ترك أكل الأضبّ كراهةً لها طبعًا، لا دينًا؛ لأنه بيّن سبب تركه، بأنها لم تكن فِي أرض قومه، فدلّ عَلَى أنه ما تركها تديّنًا، بل لنفرة طبعه منها (وَأُكِلَ) بالبناء للمفعول (عَلَى مَائِدَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ) المائدة: هي الشيء الذي يوضع عَلَى الأرض؛ صيانةً للطعام، كالمنديل، والطَّبَق وغير ذلك، واختُلف فِي اشتقاقها، فَقَالَ الزّجّاج: هي عندي منْ ماد يَمِيد: إذا تحرّك. وَقَالَ غيره: منْ ماد يَميد: إذا أعطى. قَالَ أبو عبيد: وهي فاعلة بمعنى مفعولة، منْ العطاء، قَالَ الشاعر: وَكُنْتَ لِلْمُنْتَجِعِينَ مَائِدَا ولا تعارض بين هَذَا الْحَدِيث، وحديث أنس رضي الله تعالى عنه: "أن النبيّ صلّى الله تعالى عليه وسلم ما أكل عَلَى الخوان"؛ لأن الخوان أخصّ منْ المائدة، ونفي الأخصّ، لا يستلزم نفي الأعمّ، قَالَ الحافظ: وهذا أولى منْ جواب بعض الشرّاح بأن أنسًا إنما نفى علمه، قَالَ: ولا يعارض قولَ منْ عَلِمَ. انتهى. (وَلَوْ كَانَ حَرَامًا مَا أُكِلَ عَلَى مَائِدَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ) ووجه استدلال ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما بالحديث منْ جهة تقريره صلّى الله تعالى عليه وسلم، وهو استدلالٌ صحيح. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الْحَدِيث: (المسألة الأولى): فِي درجته: حديث ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما هَذَا متَّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -٢٦/ ٤٣٢٠ و٤٣٢١ - وفي "الكبرى" ٢٨/ ٤٨٣٠ و٤٨٣١. وأخرجه (خ) فِي "الهبة" ٢٥٧٥ (م) فِي "الصيد" ٣٦٠٤ (د) فِي "الأطعمة" ٣٧٩٣ (أحمد) فِي "مسند بني هاشم" ٢٢٩٩ و٢٣٥٠ و٢٥٦٥ و٢٩٥٤ و٣١٥٣ و٣٢٣٦. وفوائد

стр. 16245

الْحَدِيث تقدّمت قريبًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٣٢١ - (أَخْبَرَنَا زِيَادُ بْنُ أَيُّوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، قَالَ: أَنْبَأَنَا أَبُو بِشْرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ أَكْلِ الضِّبَابِ؟ فَقَالَ: أَهْدَتْ أُمُّ حُفَيْدٍ، إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، سَمْنًا، وَأَقِطًا، وَأَضُبًّا، فَأَكَلَ مِنَ السَّمْنِ، وَالأَقِطِ، وَتَرَكَ الضِّبَابَ، تَقَذُّرًا لَهُنَّ، فَلَوْ كَانَ حَرَامًا، مَا أُكِلَ عَلَى مَائِدَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَلَا أَمَرَ بِأَكْلِهِنَّ). قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "زياد بن أيّوب": هو المعروف بدلّويه. و"هُشيم": هو ابن بَشير الواسطى، والباقون تقدّموا فِي السند الماضي. وقوله: "عن أكل الضباب" -بكسر الضاد المعجمة-: جمع ضبّ. وقوله: "أمّ حُفيد": بالضمّ مصغّرًا، اسمها هُزَيلة بنت الحارث. وقوله: "ولا أمر بأكلهنّ": أي رخص فيه. والحديث متَّفقٌ عليه، كما بُيّن فِي الْحَدِيث الماضي. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٣٢٢ - (أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ مَنْصُورٍ الْبَلْخِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الأَحْوَصِ، سَلاَّمُ بْنُ سُلَيْمٍ، عَنْ حُصَيْنٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ، عَنْ ثَابِتِ بْنِ يَزِيدَ الأَنْصَارِيِّ، قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فِي سَفَرٍ، فَنَزَلْنَا مَنْزِلاً، فَأَصَابَ النَّاسُ ضِبَابًا، فَأَخَذْتُ ضَبًّا، فَشَوَيْتُهُ، ثُمَّ أَتَيْتُ بِهِ النَّبِيَّ ﷺ ، فَأَخَذَ عُودًا، يَعُدُّ بِهِ أَصَابِعَهُ، ثُمَّ قَالَ: "إِنَّ أُمَّةً مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، مُسِخَتْ دَوَابَّ فِي الأَرْضِ، وَإِنِّى لَا أَدْرِي، أَىُّ الدَّوَابِّ هِيَ؟ "، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ النَّاسَ قَدْ أَكَلُوا مِنْهَا، قَالَ: فَمَا أَمَرَ بِأَكْلِهَا، وَلَا نَهَى). رجال هَذَا الإسناد: خمسة: ١ - (سليمان بن منصور الْبَلْخيّ) الْبَزّاز الدُّهنيّ الْجَرْمِيّ، لقبه زَرْغَنْدَه، لا بأس به [١٠] ٦٠/ ٧٥ منْ أفراد المصنّف. ٢ - (أبو الأحوص/ سلّام بن سُليم) الحنفيّ مولاهم الكوفيّ، ثقة، متقنٌ، صاحب حديث [٧] ٧٩/ ٩٦. ٣ - (حُصين) بن عبد الرحمن، أبو الْهُذيل الكوفيّ، ثقة تغير حفظه فِي الآخر [٥] ٤٧/ ٨٤٦. ٤ - (زيد بن وهب) الجُهَنِيّ، أبو سليمان الكوفيّ مخضرم ثقة جليل [٢] ٢٦/ ٣٠. ٥ - (ثابت بن يزيد) بن وديعة، ويقال: ثابت بن وديعة بن عمرو بن قيس الخزرجيّ الأنصاريّ، أبو سعيد المدنيّ، له ولأبيه صحبة. روى عن النبيّ صلّى الله تعالى عليه

стр. 16246

وسلم. وعنه البراء بن عازب، وزيد بن وهب، وعامر بن سعد البجليّ. وذكر الترمذيّ فِي "تاريخ الصحابة" أنه ثابت بن يزيد، وأن وديعة أمه. وَقَالَ العسكريّ: شهد خيبر، ثم شهد صِفّين مع علي رضي الله تعالى عنهما. وَقَالَ البغويّ، وابن حبّان: سكن الكوفة. وَقَالَ ابن السكن، وابن عبد البرّ: حديثه فِي الضبّ يختلفون فيه اختلافاً كثيرًا. وَقَدْ صححه الدارقطنيّ، وأخرجه أبو ذرّ الهَرَويّ فِي "المستدرك عَلَى الصحيحين". روى له المصنّف، وأبو داود، وابن ماجه هَذَا الْحَدِيث فقط. والله تعالى أعلم. لطائف هَذَا الإسناد: منها: أنه منْ خماسيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، إلا شيخه، فإنه منْ أفراده، والصحابي، فقد تفرد به هو وأبو داود، وابن ماجه. (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين، غير شيخه، فبلخيّ. (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ. (ومنها) أن صحابيه منْ المقلّين منْ الرواية، فليس له إلا هَذَا الْحَدِيث. والله تعالى أعلم. شرح الْحَدِيث (عَنْ ثَابِتِ بْنِ يَزِيدَ الأنْصَارِيِّ) رضي الله تعالى عنه، أنه (قالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي سَفَرٍ، فَنَزَلْنَا مَنْزِلاً، فَأَصَابَ النَّاسُ ضِبَابًا) بِكَسرِ الضَّاد الْمُعْجَمَة، جَمْع ضَبّ (فَأَخَذْتُ ضَبًّا فَشَوَيْتُهُ ثُمَّ أَتَيْتُ بِهِ النَّبِيَّ ﷺ فَأَخَذَ) صلّى الله تعالى عليه وسلم (عُودًا) أي خشبًا (يَعُدُّ) بضم العين الَمهملة، منْ عدّ، منْ باب نصر (بهِ) أي بذلك العود (أَصَابعَهُ) أَيْ أَصَابع الضَّبّ، وفي الرواية التالية: "فجعل ينظر إليه، وُيقلّبه" (ثُمَّ قَالَ: "إِنَّ أُمَّةً منْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، مُسِخَت) بِصِيغَةِ المَجْهُول، والْمَسْخ: قَلْب الْحَقِيقَة منْ شَيْء إِلَى شَيْء آخَر (دَوَابَّ) هكذا فِي النسخ المطبوعة منْ "المجتبى"، و"الكبرى" بمنع الصرف، وهو الصواب؛ لأنه منْ صيغ منتهى المجموع، ووقع فِي النسخة "الهنديّة": "دوابًا" مصروفًا، وكذا فِي "سنن أبي داود"، وهو مخالف للقواعد. قَالَ النوويّ فِي "شرح مسلم": وأما دوابّ، فكذا وقع فِي بعض النسخ، ووقع فِي أكثرها: "دوابًا" بالألف، والأول هو الجاري عَلَى المعروف المشهور فِي العربيّة. انتهى. (فِي الأَرْضِ، وَإِنِّي لَا أَدْرِي) أي لا أعلم (أَيُّ الدَّوَابِّ هِيَ؟) مبتدأ وخبر (قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ النَّاسَ قَدْ أَكَلُوا مِنْهَا، قالَ: فَمَا أَمَرَ بأَكْلِها، وَلَا نَهَى) أَي عَن أَكْلها. قَالَ فِي "مِرْقَاة الصُّعُود": قَالَ الشَّيْخ عِزّ الدِّين بن عَبْد السَّلام: كَيْف يُجْمَع بَيْن هَذَا، وَبَيْن مَا وَرَدَ أَن المَمْسُوخ لا يَعِيش أكْثَرَ مِنْ ثَلَاثَة أَيَّام، وَلَا يُعْقِب؟.

стр. 16247

[وَالْجَواب]: أَنَّهُ ﷺ ، كَانَ يُخْبَر بِأَشيَاء مُجْمَلَة، ثُمَّ يَتبَيَّن لَهُ كَمَا قَالَ فِي الدَّجَّال: "إنْ يَخْرُج وَأَنَّا فِيكُم، فأنَا حَجِيجُهُ"، ثُمَّ أُعْلِمَ بَعد ذَلِكَ أنَّهُ لا يَخْرُج إِلَّا فِي آخِر الزَّمَان، قَبْلَ نُزُول عِيسَى ﵇، فَأخْبَرَ أصْحَابَهُ بِذَلِكَ عَلَى وَجْهه، فَكَذَلِكَ هَذَا عَلِمَ ﷺ بِالْمَسْخِ، وَلَمْ يَعْلَم أَنَّ الْمَمْسُوخَ لا يَعِيش، وَلا يُعْقَبُ لَهُ، فَكَانَ فِي الظَّنِّ وَالْحِسَاب، عَلَى حَسَب الْقَرَائن الظَّاهِرَة. انْتَهَى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الْحَدِيث: (المسألة الأولى): فِي درجته: حديث ثابت بن يزيد الأنصاريّ رضي الله تعالى عنه هَذَا صحيح. (المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -٤٣٢٢ و٤٣٢٣ و٤٣٢٤ - وفي "الكبرى" ٢٨/ ٤٨٣٢ و٤٨٣٣ و٤٨٣٤. وأخرجه (د) فِي "الأطعمة" ٣٧٩٥. والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): فيما قاله العلماء فِي الجمع بين حديث ثابت بن يزيد هَذَا، والأحاديث الماضية: قَالَ فِي "الفتح": أَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ، مِنْ حَدِيث عَبْد الرَّحْمَن بْن حَسَنَة: "نَزَلْنَا أَرْضًا كَثِيرَة الضَّبَاب … " الْحَدِيث، وَفِيهِ أَنَّهمْ "طَبَخُوا مِنْهَا، فَقَالَ النَّبِيّ ﷺ : إِنَّ أُمَّة مِنْ بَنِي إسْرَائِيل، مُسِخَتْ دَوَابّ فِي الأَرْض، فَأَخْشَى أَنْ تَكُون هَذِهِ، فَأَكْفِئُوهَا". أَخْرَجَهُ أَحْمَد، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّان، وَالطَّحَاوِيّ، وَسَنَده عَلَى شَرْط الشَّيْخَيْنِ، إِلَّا الضَّحَّاك، فَلَم يُخَرِّجَا لَهُ. وَلِلطَّحَاوِيّ مِنْ وَجْه آخَر، عَن زَيْد بْن وَهْب، وَوَافَقَهُ الْحَارِث بْن مَالِك، وَيَزِيد يْن أَبِي زِيَاد، وَوَكِيع فِي آخِره: "فَقِيلَ لَهُ: إِنَّ النَّاس قَدْ اشْتَوَوْهَا، وأَكَلُوهَا، فَلَم يَأْكُلْ، وَلَمْ يَنْهَ عَنهُ". وَقد دلّت الأحَادِيث، المَاضِيَة، عَلَى الْحِلّ تَصْريحًا وَتَلْوِيحًا، نَصًّا وَتَقْرِيرًا. فَالْجَمْع بَيْنهَا وَبَيْن هَذَا أن يُحَمَلُ النَّهْى فِيهِ عَلَى أَوَّل الْحَال، عِنْد تَجْوِيز أنْ يَكُون مِمَّا مُسِخَ، وَحِينَئِذٍ أَمَرَ بِإِكْفَاءِ القُدُور، ثُمَّ تَوقَّفَ، فَلَم يأْمُر بِهِ، وَلَمْ يَنْهَ عَنْهُ، ويُحمَلَ الإذن فِيهِ عَلَى ثَانِي الْحَال، لَمَّا عَلِمَ أَنَّ المَمْسُوخ، لَا نَسْل لَهُ، ثُمَّ بَعْد ذَلِكَ، كَانَ يَسْتَقْذِرهُ، فَلا يَأْكُلهُ، وَلا يُحَرِّمهُ، وَأُكِلَ عَلَى مَائِدَته، فَدَلَّ عَلَى الإِبَاحَة، وَتَكُون الْكَرَاهَة لِلتَّنْزيهِ فِي حَقّ مَنْ يَتَقَذَّرهُ، وَتُحمَلَ أَحَادِيث الإبَاحَة، عَلَى مَنْ لا يَتَقَذَّرهُ، وَلا يَلْزَم منْ ذَلِك، أَنَّهُ يُكْرَه مُطْلَقًا. وَقَد أَفْهَمَ كَلَام ابْن العَرَبِيّ، أَنَّهُ لا يَحِلّ فِي حَقِّ مَن يَتَقَذَّرهُ؛ لِمَا يُتَوَقَّع فِي أَكْله منْ

стр. 16248

الضَّرَر، وَهَذَا لا يَخْتَصّ بهَذَا. وَوَقَعَ فِي حَدِيث يَزِيد بْن الأصَمّ: "أَخْبَرْتُ ابْنَ عَبَّاس بِقِصَّةِ الضَّبّ، فَأَكْثَرَ القَوْمُ حَوْلَهُ، حَتَّى قَالَ بَعْضهمْ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : "لا آكُلهُ، وَلا أَنْهَى عَنهُ، وَلَا أُحَرِّمهُ"، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاس: بِئْسَ مَا قُلْتُمْ، مَا بُعِثَ نَبِيُّ الله، إِلَّا مُحَرِّمًا، أَو مُحَلِّلاً". أَخْرَجَهُ مُسْلم. قَالَ ابن العَرَبي: ظَنَّ ابْنُ عَبَّاس أنّ الَّذِي أَخبَرَ بِقَوْلِهِ ﷺ : "لا آكُلهُ"، أَرَادَ لا أُحِلّهُ، فَأَنْكَرَ عَلَيْهِ؛ لأنَّ خُرُوجه مِنْ قِسْم الْحَلال وَالْحَرَام مُحَال. وَتَعَقَّبهُ الحافظ العراقيّ فِي "شَرْح التِّرْمِذيّ" بِأنَّ الشَّيْء، إِذَا لَمْ يَتَّضِح إِلْحَاقه بِالْحَلالِ، أَوْ الْحَرَام يَكُون منْ الشُّبُهَات، فَيَكُون مِنْ حُكْم الشَّيْء قَبْل وُرُود الشَّرْع، وَالأَصَحّ -كَمَا قَالَ النَّوَوِيّ-: أَنَّهُ لا يُحْكَم عَلَيْهَا بِحِلٍّ، وَلَا حُرْمَة. قَالَ الحافظ: وَفِي كوْن مَسْأَلَة الْكِتَاب، منْ هَذَا النَّوْع نَظَر؛ لأنَّ هَذَا إِنَّمَا هُوَ إِذَا تَعَارَضَ الْحُكْم عَلَى الْمُجْتَهد، أمَّا الشَّارع إذا سُئِلَ عَن وَاقِعَة، فَلابُدَّ أنْ يَذكُر فِيهَا الْحُكْم الشَّرْعيّ، وَهَذَا هُوَ الَّذِي أَرَادَهُ ابن العَرَبِيّ، وَجَعَلَ مَحَطّ كَلام ابن عَبَّاس عَلَيهِ. ثُمَّ وَجَدْتُ فِي الْحَدِيث زِيَادَة لَفْظَة، سَقَطَتْ مِنْ رِوَايَة مُسْلِم، وَبَها يَتَّجِه إِنْكَار ابْن عَبَّاس، وَيُسْتَغنَى عَن تَأْوِيل ابْن الْعَرَبِيّ "لا آكُلهُ" بِلا أُحِلّهُ، وَذَلِكَ أَن أَبَا بَكر بْن أَبِي شَيْبَة، وَهُوَ شَيْخ مُسْلِم فِيهِ، أَخْرَجَهُ فِي "مُسْنَده" بِالسَّنَدِ الَّذِي سَاقَهُ بِهِ عنْد مُسْلِم، فَقَالَ فِي رِوَايَته: "لا آكُلهُ، وَلا أَنْهَى عَنهُ، وَلا أُحِلّهُ، وَلا أُحَرِّمهُ"، وَلَعَلّ مُسْلمًا حَذَفَهَا عَمْدًا؛ لِشُذُوذِهَا؛ لأَنَّ ذَلِكَ لَمْ يَقَع فِي شَيْء مِنْ الطُّرُق، لا فِي حَدِيث ابْن عَبَّاس، وَلا غَيْره، وَأَشْهَر مَنْ رَوَى عَن النَّبِيّ ﷺ : "لا آكُلهُ، وَلا أُحَرِّمهُ"، ابْنُ عُمَر، كَمَا تَقَدَّمَ، وَلَيْسَ فِي حَدِيثه: "لا أُحِلّهُ"، بَلْ جَاءَ التَّصْرِيح عَنْهُ بِأنَّه حَلال، فَلَمْ تَثبُت هَذِهِ اللَّفْظَة، وَهِيَ قَوْله: "لا أُحِلّهُ"، لأَنَّهَا وإنْ كَانَت منْ رِوَايَة يَزِيد بْن الأصَمّ، وَهُوَ ثِقَةٌ، لَكِنَّهُ أَخْبَرَ بِهَا عَن قَوْم، كَانُوا عِنْد ابن عَبَّاس، فَكَانَتْ رِوَايَة عَن مَجْهُول، وَلَمْ يَقُلْ يَزِيد بْن الأَصَمّ: إِنَّهُمْ صَحَابَة، حَتَّى يُغْتَفَر عَدَم تَسْمِيَتهمْ. وَاستَدَلَّ بَعض مَنْ مَنَعَ أَكْله، بِحَدِيثِ أَبِي سَعِيد، عِنْد مُسْلِم: أنَّ النَّبِيّ ﷺ ، قَالَ: "ذُكِرَ لِي أَنَّ أُمَّة، مِنْ بَنِي إِسْرَائِيل مُسِخَتْ"، وَقَدْ ذَكَرْته وَشَوَاهِده قَبْل، وَقَالَ الطَّبَرِيُّ: لَيْسَ فِي الْحَدِيث الْجَزْمُ بأنَّ الضَّبّ مِمَّا مُسِخَ، وإنَّما خَشِيَ أَنْ يَكُون مِنْهُمْ، فَتَوَقَّفَ عَنهُ، وإنَّمَا قَالَ ذَلِكَ قَبْل أنْ يُعْلِم الله تَعَالَى نَبيّه صلّى الله تعالى عليه وسلم، أَنَّ الْمَمْسُوخ لا يَنْسِلُ (١)، وَبِهَذَا أَجَابَ الطَّحَاوِيُّ، ثُمّ أَخْرَجَ منْ طَرِيق الْمَعْرُور بْن سُوَيْد،

стр. 16249

عَنْ عَبْد الله بن مَسْعُود رضي الله تعالى عنه، قَالَ: "سُئلَ رَسُول الله ﷺ عَن الْقِرَدَة، وَالْخَنَازِير، أَهِيَ مِمَّا مُسِخَ؟ قَالَ: "إِنَّ الله لَمْ يُهْلِك قَوْمًا" -أَو "يَمْسَخ قَوْمًا- فَيَجْعَل لَهُمْ نَسْلاً، وَلَا عَاقِبَة". وَأَصْل هَذَا الْحَدِيث فِي مُسْلِم، وَكَأنّهُ لَمْ يَسْتَحْضِرهُ، منْ "صَحِيح مُسْلِم"، وَيُتَعَجَّبُ مِنْ ابْن العَرَبِيّ، حَيْثُ قَالَ: قَوْله: "إِنَّ الْمَمْسُوخ لا يَنْسِلُ" دَعْوَى، فَإِنَّهُ أمْر لا يُعْرَف بالْعَقْل، وَإِنَّمَا طَرِيقه النَّقْل، وَلَيْسَ فِيهِ أَمْر يُعَوَّل عَلَيْهِ. كَذَا قَالَ. ثُمَّ قَالَ الطحَاويُّ -بَعْد أن أَخْرَجَهُ منْ طُرُق، ثُمَّ أَخْرَجَ حَدِيث ابْن عُمَر-: فَثَبَتَ بهَذِهِ الآثَار، أَنَّهُ لا بَأْس بأَكْلِ الضَّبّ، وَبِهِ أَقُول. قَالَ: وَقَد احْتَجَّ مُحَمَّد بْن الحَسَنُ لِأَصْحَابِهِ، بِحَدِيثِ عَائِشَة، فَسَاقَهُ الطَّحَاوِيُّ منْ طَرِيق حَمَّاد بن سَلَمَة، عَن حَمَّاد بن أَبِي سُلَيْمَان، عَن إِبرَاهِيم، عَن الأَسْوَد، عَن عَائِشَة: "أُهْدِيَ لِلنَّبِيِّ ﷺ ، فَلَمْ يَأْكُلهُ، فَقَامَ عَلَيْهِمْ سَائِل، فَأَرَادَتْ عَائِشَة أنْ تُعْطِيه، فَقَالَ لَهَا: أَتُعطِيهِ مَا لا تَأكُلِينَ؟ "، قَالَ مُحَمَّد: دَلَّ ذَلِكَ عَلَى كَرَاهَته لِنَفْسِهِ وَلِغَيْرِهِ. وَتَعَقبَهُ الطَّحَاوِيُّ بِاحْتِمَالِ أنْ يَكُون ذَلِكَ، مِنْ جِنْس مَا قَال الله تَعَالَى: ﴿وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾ الآية [البقرة: ٢٦٧]، ثُمَّ سَاقَ الأَحَادِيث الدَّالَّة عَلَى كَرَاهَة التَّصَدُّق بِحَشَفِ التَّمْر، وَبِحَدِيثِ البَرَاء: "كَانُوا يُحِبُّونَ الصَّدَقَة بِأَرْدَاءِ تَمْرهم، فَنَزَلَت: ﴿أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾ الآيَة [البقرة: ٢٦٧]. قَالَ: فَلِهَذَا الْمَعْنَى كَرِهَ لِعَائِشَة الصَّدَقَة بِالضَّبِّ، لا لِكَوْنِهِ حَرَامًا. انتهى. وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ فَهِمَ عَن مُحَمَّد، أَنَّ الْكَرَاهَة فِيهِ لِلتَّحْرِيم، وَالمَعْرُوف عَن أَكثَر الحَنَفِيَّة فِيهِ كَرَاهَة التَّنْزيَه. وَجَنَحَ بَعْضهمْ إِلَى التَّحْرِيم، وَقَالَ: اخْتَلَفَت الأَحَادِيث، وَتَعَذَّرَتْ مَعْرِفَة الْمُتَقَدِّم، فرَجَّحْنا جَانِب التَّحْرِيم؛ تَقْلِيلا لِلنَّسْخِ انتهى. وَدَعْوَاهُ التَّعَذُّر مَمْنُوعَة؛ لِمَا تَقَدَّمَ. وَالله أَعْلَم. وَيَتَعَجَّب منْ ابن العَرَبِيّ، حَيْثُ قَالَ: قَوْلهم: "إنَّ الْمَمْسُوخ لا يَنْسَلُ"، دَعْوَى، فَإِنَّهُ أَمْر لا يُعْرَف بِالعَقْلِ، وَإِنَّمَا طَرِيقه النَّقْل، وَلَيْسَ فِيهِ أمْر يُعَوَّل عَلَيْهِ، كَذَا قَالَ، وَكَأنَّهُ لَمْ يَسْتَحْضِرهُ منْ "صَحِيح مُسْلِم"، ثُمَّ قَالَ: وَعَلَى تَقْدِير ثُبُوت كَوْن الضَّبّ مَمْسُوخًا، فَذَلِكَ لا يَقْتَضي تَحْرِيم أَكْله، لأَنَّ كَوْنه آدَميًّا، قَدْ زَالَ حُكْمه، وَلَمْ يَبْقَ لَهُ أَثَر أَصْلاً، وإنَّمَا كَرِهَ ﷺ الأَكْل مِنْهُ؛ لِمَا وَقَعَ عَلَيْهِ منْ سَخَط الله، كَمَا كَرِهَ الشُّرْب مِنْ مِيَاه ثَمُود. انتهى. قَالَ الحافظ: وَمَسْأَلَة جَوَاز أَكْل الآدَمِيّ، إِذَا مُسِخَ حَيَوَانًا مَأْكُولاً، لَمْ أَرَهَا فِي كُتُب فُقَهَائِنَا. -يعني الشافعية-. انتهى كلام الحافظ رحمه الله تعالى ببعض تصرّف (١). والله

стр. 16250

تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٣٢٣ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ يَزِيدَ، قَالَ: حَدَّثَنَا بَهْزُ بْنُ أَسَدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَدِيُّ بْنُ ثَابِتٍ، قَالَ: سَمِعْتُ زَيْدَ بْنَ وَهْبٍ، يُحَدِّثُ عَنْ ثَابِتِ بْنِ وَدِيعَةَ، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِضَبٍّ، فَجَعَلَ يَنْظُرُ إِلَيْهِ، وَيُقَلِّبُهُ، وَقَالَ: "إِنَّ أُمَّةً مُسِخَتْ، لَا يُدْرَى مَا فَعَلَتْ، وَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلَّ هَذَا مِنْهَا"). قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه منْ أفراده، وَقَدْ وثّقه هو، وابن حبَّان. والحديث صحيح، وَقَدْ سبق تمام البحث فيه فِي الذي قبله. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٣٢٤ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الْحَكَمِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ، عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ، عَنْ ثَابِتِ بْنِ وَدِيعَةَ، أَنَّ رَجُلاً أَتَى النَّبِيَّ ﷺ بِضَبٍّ، فَقَالَ: "إِنَّ أُمَّةً مُسِخَتْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ") (١). قَالَ الجَامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد رجال الصحيح، وعمرو بن عليّ: هو الفلّاس. و"عبد الرحمن": هو ابن مهديّ. و"الحكم": هو ابن عُتيبة. والحديث صحيح، وَقَدْ سبق تمام البحث فيه قريبًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح، ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ٢٧ - (الضَّبُعُ) قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "الضَّبُعُ" بضمّ الباء الموحّدة، فِي لغة قيس، وبسكونها فِي لغة تميم، وهي أنثى، وتختصّ بالأنثى. وقيل: تقع عَلَى الذكر والأنثى، وربّما قيل فِي الأنثى ضَبْعةُ بالهاء، كما قيل سبُع وسبعةٌ بالسكون، مع الهاء للتخفيف، والذكر ضِبْعان، والجمع ضَبَاعين، مثلُ سِرْحان وسَرَاحين، ويُجمع الضبع بضمّ الباء عَلَى ضِبَاع، وبسكونها عَلَى أضبُع. قاله الفيّوميّ. وَقَالَ الدميريّ: الضبع معروفة، ولا تقل: ضبعة؛ لأن الذكر ضبعان، ومن عجيب

стр. 16251

أمرها أنها كالأرنب تكون سنة ذكراً، وسنة أُنثى، فتلقّح فِي حال الذكورة، وتلد فِي حال الأنوثة، وهي مُولَعة بنبش القبور؛ لكثرة شهوتها للحوم بني آدم، ومتى رأت إنسانًا نائمًا، حفَرَت تحت رأسه، وأخذت بحلقه، فتقتله، وتشرب دمه. انتهى (١). والله تعالى أعلم بالصواب. ٤٣٢٥ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ جُرَيْجٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي عَمَّارٍ، قَالَ: سَأَلْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ الضَّبُعِ، فَأَمَرَنِي بِأَكْلِهَا، فَقُلْتُ: أَصَيْدٌ هِيَ؟ قَالَ: "نَعَمْ"، قُلْتُ: أَسَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: "نَعَمْ"). رجال هَذَا الإسناد: ستة: ١ - (محمد بن منصور) الجوّاز المكيّ، ثقة [١٠] ٢٠/ ٢١. ٢ - (سفيان) بن عيينة المكيّ الإِمام الحجة الثبت [٨] ١/ ١. ٣ - (ابن جريج) هو عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج الأموي مولاهم المكيّ، ثقة فقيه فاضل، يدلس [٦] ٢٨/ ٣٢. ٤ - (عبد الله بن عُبيد بن عُمير) الليثيّ المكيّ، ثقة [٣] ٨٩/ ٢٨٣٧. ٥ - (ابن أبي عمّار) عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي عمّار المكيّ، حليف بني جُمَح، الملقب بالقَسّ -بفتح القاف، وتشديد السين المهملة- ثقة عابدٌ [٣] ١/ ١٤٣٣. ٦ - (جابر بن عبد الله) بن عمرو بن حرام الأنصاريّ السَّلَمي الصحابيّ ابن الصحابيّ رضي الله تعالى عنهما ٣١/ ٣٥. والله تعالى أعلم. لطائف هَذَا الإسناد: (منها): أنه منْ سداسيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه منْ أفراده، وهو ثقة. (ومنها): أنه مسلسل بثقات المكيين. (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ. (ومنها): أن فيه جابرًا رضي الله تعالى عنه أحد المكثرين السبعة، روى (١٥٤٠) حديثا. والله تعالى أعلم. شرح الْحَدِيث (عَن) عبد الرحمن بن عبد الله (بْن أَبِي عَمَّارٍ) أنه (قَالَ: سَأَلْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ) رضي الله تعالى عنهما (عَنِ الضَّبُعِ) أَي حكم أهلها. وفي رواية: قَالَ: قلت لجابر:

стр. 16252

الضبع أصيد هي؟ قَالَ: نعم، قلت: آكلها؟ قَالَ: نعم، قلت آكلها؟ قَالَ: نعم، قلت: أقاله رسول الله ﵌؟ قَالَ: نعم. (فَأَمَرَنِي بِأَكْلِهَا) أي لعدم كونها منْ الخبائث، كما قَالَ الإِمام الشافعيّ رحمه الله تعالى، وكونها ليست منْ السباع العادية التي تعدو بأنيابها (فَقُلْتُ: أَصَيْدٌ هِيَ؟ قَالَ: "نَعَمْ" قُلْتُ: أَسَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ) الظاهر أنه يعود إلى الاثنين: حلّ أكلها، وكونها صيدًا، كما سيأتي تحقيقه قريبًا، إن شاء الله تعالى (قَالَ) جابر رضي الله تعالى عنه (نَعَمْ) سمعت ذلك منه صلّى الله تعالى عليه وسلم. ولفظ أبي داود: عن جابر، سألت رسول الله ﵌، عن الضبع؟، فَقَالَ: "هي صيد، ويُجعَل فيه كبش، إذا صاده المحرم". والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الْحَدِيث: (المسألة الأولى): فِي درجته: حديث جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما هَذَا صحيح. (المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -٢٧/ ٤٣٢٥ وتقدّم فِي "الحج" ٨٩/ ٢٨٣٦ - وفي "الكبرى" ٢٩/ ٤٨٣٥ وتقدّم فِي "الحج" ٨٨/ ٣٨١٩. وأخرجه (د) فِي "الأطعمة" ٣٨٠١ (ت) فِي "الحج" ٨٥١ و"الأطعمة" ١٧٩١ (ق) فِي "المناسك" ٣٠٨٥ و"الصيد" ٣٢٣٦ (أحمد) فِي "باقي مسند المكثرين" ١٣٧٥١ و١٤٠١٦ و١٤٠٤٠ (الدارمي) فِي "المناسك" ١٩٤١. والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): فِي فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان حكم الضبع، وهو حلّ أكلها. (ومنها): أن الضبع صيد، فيلزم الجزاء بقتل المحرم له، وَقَدْ تقدّم ما يتعلق بذلك فِي "كتاب مناسك الحجّ". (ومنها): ما كَانَ عليه السلف منْ التأكّد فِي السؤال، عن الأدلّة، فقد قَالَ ابن عمّار لجابر رضي الله تعالى عنه: "أسمعته منْ رسول الله ﷺ ؟ ". والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): فِي اختلاف أهل العلم فِي أكل الضبع؟: ذهبت طائفة إلى حلّ أكلها، روي ذلك عن سعد، وابن عمر، وأبي هريرة، وعروة ابن الزبير، وعكرمة، وإسحاق، وَقَالَ عروة: ما زالت العرب تأكل الضبع، ولا ترى بأكلها بأسا.

стр. 16253

وَقَالَ أبو حنيفة، والثوري، ومالك: هو حرام، وروي نحو ذلك عن سعيد بن المسيب؛ لأنها منْ السباع، وَقَدْ نهى النبيّ ﷺ ، عن أكل كلّ ذي ناب منْ السباع، وهي منْ السباع، فتدخل فِي عموم النهي، وروي عن النبيّ ﷺ ، أنه سئل عن الضبع؟ فَقَالَ: "ومن يأكل الضبع". واحتجّ الأولون بحديث جابر رضي الله تعالى عنه المذكور فِي الباب. واعترضه ابن عبد البر فَقَالَ: إن هَذَا لا يعارض حديث النهي عن كل ذي ناب منْ السباع؛ لأنه أقوى منه. وتعُقّب -كما قَالَ ابن قُدَامة- بأن هَذَا تخصيص، لا معارض، ولا يعتبر فِي التخصيص كون المخصص فِي رتبة المخصَّص، بدليل تخصيص عموم الكتاب، بأخبار الآحاد. فأما الخبر الذي ذكروه: "ومن يأكل الضبع"، فحديث، يرويه عبد الكريم بن أبي المخارق، ينفرد به، وهو متروك الْحَدِيث. قَالَ ابن قُدامة: ولأن الضبع قد قيل: إنها ليس لها ناب، وسمعت منْ يذكر أن جميع أسنانها عظم واحد، كصَفِيحَةِ نعل الفرس، فعلى هَذَا لا تدخل فِي عموم النهي. أفاده فِي "المغني" ١٣/ ٣٤١ - ٣٤٢. وَقَالَ العلّامة الشوكانيّ رحمه الله تعالى فِي "نيل الأوطار" -٨/ ٢٩١ فِي شرح حديث جابر المذكور: ما نصه: فِي الْحَدِيث دليل عَلَى جواز أكل الضبع، وإليه ذهب الشافعيّ، وأحمد، قَالَ الشافعيّ: ما زال النَّاس يأكلونها، ويبيعونها بين الصفا والمروة، منْ غير نكير، ولأن العرب تستطيبه، وتمدحه. وذهب الجمهور إلى التحريم، واستدلوا بما تقدم، فِي تحريم كل ذي ناب منْ السباع. ويجاب بأن حديث الباب خاص، فيُقدّم عَلَى حديث كل ذي ناب. واستدلوا أيضاً بما أخرجه الترمذي، منْ حديث خزيمة بن جزء، قَالَ: سألت رسول الله ﵌ عن الضبع؟ فَقَالَ: "أو يأكل الضبع أحد؟ "، وفي رواية: "ومن يأكل الضبع؟ ". ويجاب بأن هَذَا الْحَدِيث ضعيف؛ لأن فِي إسناده عبد الكريم أبو أمية، وهو متَّفقٌ عَلَى ضعفه، والراوي عنه إسماعيل بن مسلم، وهو ضعيف. قَالَ ابن رسلان: وَقَدْ قيل: إن الضبع ليس لها ناب، وسمعت منْ يذكر أن جميع أسنانها عظم واحد، كصفيحة نعل الفرس، فعلى هَذَا لا تدخل فِي عموم النهي. انتهى ما ذكره الشوكانيّ. قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: وبهذا تعلم أن مذهب القائلين بإباحة أكل الضبع أقوى دليلاً. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

стр. 16254

"إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ٢٨ - (بَابُ تَحْرِيمِ أَكْلِ السِّبَاعِ) ٤٣٢٦ - (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَالِكٌ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي حَكِيمٍ، عَنْ عَبِيدَةَ بْنِ سُفْيَانَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: "كُلُّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ، فَأَكْلُهُ حَرَامٌ"). رجال هَذَا الإسناد: ستة: ١ - (إسحاق بن منصور) بن بَهْرام الكوسج، أبو يعقوب التميمي المروزي، ثقة ثبت [١١] ٧٢/ ٨٨. ٢ - (عبد الرحمن بن مهديّ) العنبري مولاهم أبو سعيد البصريّ، ثقة ثبت إمام حجة [٩] ٤٢/ ٤٩. ٣ - (مالك) بن أنس الإِمام الحجة الثبت الفقيه المدنيّ [٧] ٧/ ٧. ٤ - (إسماعيل بن أبي حَكيم) القرشيّ مولاهم المدنيّ، ثقة [٦]. قَالَ ابن معين، والنسائيّ، والبَرْقيّ، وابنُ وضّاح: ثقة. وعن ابن معين أيضاً: صالح. وَقَالَ أبو حاتم: يُكتب حديثه، وكان عاملاً لعمر بن عبد العزيز. ونقل ابن شاهين فِي "الثقات" عن أحمد بن صالح، قَالَ: إسماعيل بن أبي حكيم، عن عَبيدة بن سُفيان، هَذَا منْ أثبت أسانيد أهل المدينة. وَقَالَ ابن عبد البرّ فِي "التمهيد": كَانَ فاضلاً، ثقةً، وهو حجة فيما روى عنه جماعة أهل العلم. وذكره ابن حبّان فِي "الثقات"، وَقَالَ: هو أخو إسحاق. وَقَالَ ابن سعد: توفّي سنة (١٣٠) وكان قليل الْحَدِيث. روى له مسلم، والمصنّف، وأبو داود، وابن ماجه، وله عند المصنّف، وابن ماجه هَذَا الْحَدِيث فقط، وله عند أبي داود حديثان. ٥ - (عَبيدة بن سُفيان) -بفتح العين المهملة، وكسر الموحّدة-: هو الْحَضرميّ المدنيّ، ثقة [٣] ٢/ ١٣٦٩. ٦ - (أبو هريرة) رضي الله تعالى عنه ١/ ١. والله تعالى أعلم. لطائف هَذَا الإسناد: (منها): أنه منْ سداسيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم

стр. 16255

رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخه، فمروزي، وعبد الرحمن، فبصري. (ومنها): أنه منْ أثبت أسانيد المدنيين، كما مرّ آنفًا عن أحمد بن صالح، وإليه، وإلى أثبت أسانيد المكيين أشار السيوطي رحمه الله تعالى فِي "ألفية الْحَدِيث"، حيث قَالَ: لِمَكَّةٍ سُفْيَانُ عَنْ عَمْرِو وَذَا … عَن جَابِر وَلِلْمَدِينَةِ خُذَا ابْنَ أَبِي حَكِيمَ عَن عَبِيدَةِ … الْحَضْرَمِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةِ (ومنها): أن فيه أبو هريرة رضي الله تعالى عنه أحد المكثرين السبعة، روى (٥٣٧٤) حديثاً. والله تعالى أعلم. شرح الْحَدِيث (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رضي الله تعالى عنْه (عَنْ النَّبيِّ ﷺ ) أنه (قَالَ: "كُلُّ ذِي نَابَ) الناب واحد الأنياب، وهي مما يلي الرَّبَاعيات منْ الإنسان. وَقَالَ الفيّوميّ: الناب منْ الأسنان مذكّرٌ، ما دام له هَذَا الاسم، والجمع أنياب، وهو الذي يلي الرباعيات. قَالَ ابن سينا: ولا يجتمع فِي حيَوَان نابٌ، وقرْنٌ معًا. انتهى. وفِي "شَرْحِ السُّنَّةِ": أَرَادَ بِكُلِّ ذِي نَابٍ: مَا يَعْدُو بِنَابِهِ، عَلَى النَّاسِ وَأَمْوَالِهِمْ، كَالذِّئْبِ، وَالأَسَدِ، وَالكَلْبِ، وَنَحْوِهَا. (مِنْ السِّبَاعِ) أَيْ سِبَاعِ الْبَهَائِم، والسِّبَاعُ -بالكسر-: جمع سَبُعٍ، بضمّ الباء، قَالَ الفيّوميّ: السبُع بضمّ الباء معروفٌ، وإسكان الباء لغة، حكاها الأخفش، وغيره، وهي الفاشية عند العامّة، ولهذا قَالَ الصغانيّ: السبع، والسبع لغتان، وقُرىء بالإسكان فِي قوله تعالى: ﴿وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ﴾، وهو مرويّ عن الحسن البصريّ، وطلحة بن سليمان، وأبي حيوة، ورواه بعضهم عن عبد الله بن كثير أحدِ السبعة، ويُجمع فِي لغة الضمّ عَلَى سباع، مثلُ رجل ورجال، لا جمع له غير ذلك عَلَى هذه اللغة، قَالَ الصغانيّ: وجمعُهُ عَلَى لغة السكون فِي أدنى العدد أَسْبُعٌ، مثلُ فَلْس وأفلُسٍ، وهذا كما خُفّف ضَبُعٌ، وجُمع عَلَى أضبُعٍ، قَالَ: ويقع السبع عَلَى كلّ ما له نابٌ، يَعدُو به، ويَفترِس، كالذئب، والفهد، والنمر، وأما الثعلب، فليس بسبع، وإن كَانَ له نابٌ؛ لأنه لا يعدُو به، ولا يفترس، وكذلك الضبع. قاله الأزهريّ. انتهى (فَأَكْلُهُ حَرَامٌ") وفي حديث ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما عند مسلم زيادة: "كلّ ذي مِخْلَب، منْ الطير"، ولفظه: "نهى رسول الله صلّى الله تعالى عليه وسلم عن كلّ ذي نابٍ منْ السباع، وعن كلّ ذي مِخلب منْ الطير"، وسيأتي للمصنّف برقم ٣٣/ ٤٣٥٠ - . وهذا نصّ صريحٌ فِي تحريم

стр. 16256

أكل كلّ ذي ناب، وإلى هَذَا ذهب الجمهور منْ السلف، وغيرهم، وسيأتي تحقيق الخلاف فِي ذلك قريبًا، إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الْحَدِيث: (المسألة الأولى): فِي درجته: حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه هَذَا أخرجه مسلم. (المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -٢٨/ ٤٣٢٦ - وفي "الكبرى" ٣٠/ ٤٨٣٦. وأخرجه (م) فِي "الصيد" ٣٥٧٣ و"الأطعمة" ١٤٧٩ (ق) فِي "الصيد" ٣٢٣٣ (أحمد) فِي "باقي مسند المكثرين" ٧١٨٣ و٨٥٧١ و٩١٤١ (الموطأ) فِي "الصيد" ١٠٧٦١. والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): فِي اختلاف أهل العلم فِي حكم أكل ذي الناب منْ السباع، وذي المخلب منْ الطيور: فأما ذو الناب منْ السباع، فذهب أكثر أهل العلم إلى تحريم كلّ ذي ناب قويّ منْ السباع، يعْدُو، ويَكسِر، إلا الضبع، منهم: مالك، والشافعيّ، وأبو ثور، وأصحاب الْحَدِيث، وأبو حنيفة، وأصحابه. وَقَالَ الشعبيّ، وسعيد بن جُبير، وبعض أصحاب مالك: هو مباح؛ لعموم قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ﴾ الآية [الأنعام: ١٤٥]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾ الآية [البقرة: ١٧٣]. واحتجّ الأولون بحديث أبي هريرة، وأبي ثعلبة رضي الله تعالى عنهما المذكورين فِي الباب. قَالَ الحافظ ابن عبد البرّ رحمه الله تعالى: هَذَا حديث ثابتٌ، صحيح، مُجمع عَلَى صحّته، وهذا نصّ صريح يخُصّ عموم الآيات، فيدخل فِي هَذَا الأسد، والنمر، والفهد، والذئب، والكلب، والخنزير. وَقَدْ رُوي عن الشعبيّ أنه سئل عن رجل يتداوى بلحم الكلب؟ فَقَالَ: لا شفاه الله. وهذا يدلّ عَلَى أنه رأى تحريمه. انتهى. وأما ذو المخلب منْ الطيور، وهي التي تعلِّق بمخالبها الشيء، وتصيده بها، فذهب أكثر أهل العلم أيضاً إلى تحريمه، وبه قَالَ الشّافعيّ، وأبو ثور، وأصحاب الرأي. وَقَالَ مالك، والليث، والأوزاعيّ، ويحيى بن سعيد: لا يحرم شيء منْ الطير، قَالَ مالك: لم أر أحدًا منْ أهل العلم يَكره سباع الطير. واحتجّوا بعموم الآيات المبيحة، وقول أبي الدرداء، وابن عبّاس رضي الله تعالى عنهم: ما سكت الله، فهو مما عفا عنه.

стр. 16257

واحتجّ الأولون بحديث ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما المذكور: نهى رسول الله صلّى الله تعالى عليه وسلم عن كلّ ذي ناب منْ السباع، وكلّ ذي مِخلب منْ الطير. رواه مسلم. فهذا يخصّ عموم الآيات، ويُقدّم عَلَى ما ذكروه، فيدخل فِي هَذَا كلّ ماله مِخلبٌ يعدو به، كالعقاب، والبازي، والصقر، والشاهين، والباشق، والحدأة، والبومة، ونحوها (١). وَقَالَ فِي "الفتح": قَالَ التِّرْمِذِيّ: الْعَمَل عَلَى هَذَا عنْد أَكثَر أَهْل الْعِلْم، وَعَن بَعْضهمْ: لا يَحْرُم، وَحَكَى ابْن وَهْب، وَابْن عَبْد الْحَكَم، عَن مَالِك كَالْجُمْهور، وَقَالَ ابْن العَرَبِيّ: المَشْهُور عَنْهُ الْكَرَاهَة. وَقَال ابْن عَبْد البرّ: اخْتُلِفَ فِيهِ عَلَى ابن عَبَّاس، وَعَائشة، وَجَابِر، وعَن ابْن عُمَر منْ وَجْه ضَعِيف، وَهُوَ قَوْل الشَّعْبِيّ، وَسَعِيْد بن جُبَيْر، وَاحْتَجُّوا بِعُمُومِ: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ﴾ الآية. وَالْجَوَاب أنها مَكِّيَّة، وَحَدِيث التَّحْرِيم بَعْد الْهِجْرة. ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوه مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ نَصَّ الآيَة عَدَم تَحْرِيم غَيْر مَا ذُكِرَ إِذ ذَاكَ، فَلَيْسَ فِيهَا نَفْي مَا سَيَأْتِي، وَعَنْ بَعْضهمْ أَنَّ آيَة الأنْعَام خَاصَّة، ببَهِيمَةِ الأَنْعَام؛ لأَنَّهُ تَقَدَّمَ قَبْلهَا حِكَايَة عَن الْجَاهِلِيَّة، أَنَّهُمْ كَانُوا يُحَرِّمُونَ أَشْيَاء، منْ الأزْوَاج الثَّمَانِيَة بِآرَائِهِم، فَنَزَلَتْ الآيَة: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ الآية: أَيْ منْ المَذْكُورَات، إِلَّا الْمَيْتَة مِنْهَا، وَالدَّم الْمَسْفُوح، وَلا يَرِد كَوْن لَحْم الْخِنْزِير ذُكِرَ مَعَهَا؛ لأَنَّهَا قُرِنَتْ بِهِ عِلَّة تَحْرِيمه، وَهُوَ كَوْنه رِجْسًا. وَنَقَلَ إِمَام الْحَرَمَيْنِ عَنْ الشَّافِعِيّ، أَنَّهُ يَقُول بِخُصُوصِ السَّبَب، إِذَا وَرَدَ فِي مِثْل هَذِهِ الْقِصَّة؛ لأَنَّهُ لَمْ يَجْعَل الآيَة حَاصِرَة لِمَا يَحْرُم منْ المَأكُولَات، مَعَ وُرُود صِيغَة العُمُوم فِيهَا، وَذَلِكَ أَنَّها وَرَدَتْ فِي الكُفَّار، الَّذينَ يُحِلُّونَ المَيتَة، وَالدَّم، وَلَحْم الْخِنْزِير، وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ الله بِهِ، وَيُحَرِّمُونَ كَثِيرًا مِمَّا أَبَاحَهُ الشَّرْع، فَكَأنَّ الغَرَض منْ الآيَة إِبَانَة حَالهمْ، وَأَنَّهمْ يُضَادُّونَ الْحَقّ، فَكَأنَّهُ قِيْلَ: لا حَرَام إِلَّا مَا حَلَّلْتُمُوهُ، مُبَالَغَة فِي الرَّدّ عَلَيْهِمْ. وَحَكَى القُرْطُبِيّ عَن قَوْم: أَنَّ آيَة الأَنْعَام الْمَذْكُورَة، نَزَلَتْ فِي حَجَّة الوَدَاع، فَتَكُون نَاسِخَة، وَرُدَّ بِأَنَّها مَكِّيَّة، كَمَا صَرَّحَ بِه كَثِير منْ الْعُلَمَاء، وَيُؤَيِّدهُ مَا تَقَدَّم قَبْلهَا مِنْ الآيَات، منْ الرَّدّ عَلَى مُشرِكِي العَرَب، فِي تَحرِيمهم مَا حَرَّمُوهُ منْ الأَنْعَام، وَتَخْصِيصهمْ بَعْض ذَلِكَ بِآلِهَتِهِمْ، إِلَى غَيْر ذَلِكَ، مِمَّا سَبَقَ للرَّدّ عَلَيْهِمْ، وَذَلِكَ كُلّه قَبْل الْهِجْرة إِلَى الْمَدِينَة. وَاخْتَلَفَ الْقَائِلُونَ بِالتَّحْرِيم، فِي الْمُرَاد بِمَا لَهُ نَاب: فَقِيلَ: إِنَّهُ مَا يَتَقَوَّى بهِ، وَيَصُول عَلَى غَيْره، وَيصْطَادَ، وَيَعْدُو بِطَبْعِهِ غَالِبًا، كَالأَسَدِ، وَالْفَهْد، وَالصَّقْر،

стр. 16258

وَالْعُقَاب، وَأَمَّا مَا لا يَعْدُو، كَالضَّبْعِ، وَالثَّعْلَب، فَلا، وإلَى هَذَا ذَهَب الشَّافِعِيّ، وَاللَّيْث، وَمَنْ تَبِعَهُمَا، وَقَدْ وَرَدَ فِي حِلّ الضَّبْع أَحَادِيث، لا بَأْس بِهَا، وَأمَّا الثَّعْلَب، فَوَرَدَ فِي تَحْرِيمه حَدِيث خُزَيْمَةَ بْن جَزْء، عِنْد التِّرْمِذِيّ، وَابْن مَاجَهْ، وَلَكِنْ سَنَده ضَعِيف. انتهى ما فِي "الفتح" (١). قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيَّن بما ذُكر أن الصواب هو ما ذهب إليه الجمهور، منْ تحريم كلّ ذي ناب، منْ السباع، وكلّ ذي مِخلب منْ الطيور؛ لصحة الأحاديث بذلك. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٣٢٧ - (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، عَنْ سُفْيَانَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ، عَنْ أَبِي ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيِّ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ : "نَهَى عَنْ أَكْلِ كُلِّ ذِي نَابٍ، مِنَ السِّبَاعِ"). قالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد كلهم رجال الصحيح، و"سفيان": هو ابن عيينة. و"أبو إدريس": هو عائذ الله بن عبد الله. و"أبو ثعلبة الخُشَنيّ": تقدم الاختلاف فِي اسمه، واسم أبيه عَلَى عدّة أقوال، فقيل: جُرثوم، أو جرثومة، أو جرهم، أو لاشر، وقيل: غير ذلك. وشرح الْحَدِيث، وبيان مذاهب العلماء، تقدّما فِي الْحَدِيث الماضي. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الْحَدِيث: (المسألة الأولى): فِي درجته: حديث أبي ثعلبة الْخُشنيّ رضي الله تعالى عنه هَذَا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -٢٨/ ٤٣٢٧ و٤٣٢٨ و٣١/ ٤٣٤٣ و٤٣٤٥ و"الضحايا" ٤١/ ٤٤٤٠ - وفي "الكبرى" ٣٠/ ٤٨٣٧ و٤٨٣٨ و٣٤/ ٤٨٥٣ و٤٨٥٤. وأخرجه (خ) فِي "الذبائح" ٥٥٢٧ و"الطبّ" ٥٧٨١ (م) فِي "الصيد" ٣٥٦٧ و٣٥٧٠ (د) فِي "الأطعمة" ٣٨٠٢ (ت) فِي "الأطعمة" ١٤٧٧ و"السير" ١٥٦٠ (ق) فِي "الصيد" ٣٢٣٢ (أحمد) فِي "مسند الشاميين" ١٧٢٧٧ و١٧٢٨٤ (الموطأ) فِي "الصيد" ١٠٧٥ (الدارمي) "الأضاحي" ١٩٨٠ و١٩٨١. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.

стр. 16259

٤٣٢٨ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا بَقِيَّةُ، عَنْ بَحِيرٍ، عَنْ خَالِدٍ، عَنْ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ، عَنْ أَبِي ثَعْلَبَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا تَحِلُّ النُّهْبَى، وَلَا يَحِلُّ مِنَ السِّبَاعِ، كُلُّ ذِي نَابٍ، وَلَا تَحِلُّ الْمُجْثَّمَةُ"). رجال هَذَا الإسناد: ستة: ١ - (عمرو بن عثمان) أبو حفص الحمصيّ، صدوق [١٠] ٢١/ ٥٣٥. ٢ - (بقيّة) بن الوليد الحمصيّ، صدوق، كثير التدليس عن الضعفاء [٨] ٤٥/ ٥٥. ٣ - (بَحِير) بن سعد السَّحُولي، أبو خالد الحمصيّ، ثقة ثبت [٦] ١/ ٦٨٨. ٤ - (خالد) بن معدان الكَلَاعيّ، أبو عبد الله الحمصيّ، ثقة عابد، يرسل كثيرًا ١/ ٦٨٨. ٥ - (جبير بن نُفير) الحضرميّ الحمصيّ، ثقة جليل مخضرم [٢] ٥٠/ ٦٢. ٦ - (أبو ثعلبة) الْخُشَني المذكور فِي السند الماضي. والله تعالى أعلم. لطائف هَذَا الإسناد: (منها): أنه منْ سداسيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، وبقية علق له البخاريّ، وأخرج له مسلم متابعة. (ومنها): أنه مسلسل بالحمصيين. (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ. والله تعالى أعلم. شرح الْحَدِيث (عَنْ أَبِي ثَعْلَبَةَ) الْخُشَنيّ رضي الله تعالى عنه، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَا تَحِلُّ) بفتح أوله، منْ حلّ: ضدّ حَرُمَ (النُّهْبَى) -بضم النون، وسكون الهاء، مقصورًا-: هو المال المنهوب، والمراد به المأخوذ منْ المسلم، أو الذمّيّ، أو المستأمِن قهرًا، لا المأخوذ منْ أهل الحرب قهرًا، فإنه حلال (وَلَا يَحِلُّ مِنَ السِّبَاعِ، كُلُّ ذِي نَابٍ) تقدّم شرحه فِي الْحَدِيث الذي قبله (وَلَا تَحِلُّ الْمُجْثَّمَةُ) -بضمّ الميم، وفتح المثلّثة المشدّدة-: أي المحبوسة. قَالَ ابن الأثير: الْمُجَثَّمَةُ: هي كلُّ حيوان يُنصَب، ويُرمى ليُقتَل، إلا أنها تكثُر فِي الطير، والأرانب، وأشباه ذلك، مما يَجْثِم فِي الأرض: أي يلزمها، ويَلتَصق بها، وجَثَمَ الطائر جُثُومًا، وهو بمنزلة البُرُوك للإبل. انتهى (١). وَقَالَ المجد: جَثَم الإنسان، والطائر، والنَّعَام، والْخِشْفُ، والْيَرْبُوع، يَجْثِمُ، ويَجْثُمُ جَثْمًا، وجُثُومًا -أي منْ بابي ضرب، وقَعَد- فهو جاثمٌ، وجَثُومٌ: لزم مكانه، فلم

стр. 16260

يَبْرَح. انتهى. وَقَالَ ابن منظور: الْمُجَثَّمَة: المحبوسة، وَقَالَ أبو عُبيد: المجثّمة التي نُهي عنها: هي المصبورة، وهي كلّ حيوان يُنصبُ، ويُرمى، ويُقتَل، قَالَ: ولكن المجثّمة لا تكون إلا منْ الطير، والأرانب، وأشباهها، مما يَجْثِم بالأرض، أي يلزمها؛ لأن الطير تجثِم بالأرض، إذا لزمتها، ولَبَدّت عليها، فإن حبسها إنسانٌ قيل: قد جُثِّمت، فهي مُجثّمَةٌ، إذا فُعل ذلك بها، وهي المحبوسة، فإذا فعلت هي منْ غير فعل أحد قيل: جَثَمت تَجثم، وتَجثُمُ جُثُومًا، فهي جاثمة. وَقَالَ شَمِر: المجثّمة: هي الشاة التي تُرمى بالحجارة حَتَّى تموت، ثم تؤكل، قَالَ: والشاة لا تجثم، إنما الجثوم للطائر، ولكنه استُعير. انتهى. وسيأتي فِي "الضحايا" -٤١/ ٤٤٤١ - حديث أنس رضي الله تعالى عنه، قَالَ: "نهى رسول الله ﷺ أن تُصبَرَ البهائمُ". متَّفقٌ عليه. وهو بِضَمِّ أوَّله: أَي تُحبَس لِتُرْمَى حَتَّى تَمُوت، قَالَ فِي "الفتح": وَفِي روَايَة الإسْمَاعِيلِيّ، منْ هَذَا الْوَجْه، بلَفْظِ: "سَمِعْت أَنَس ابْن مَالِك يَقُول: نَهَى رَسُول الله ﷺ ، عَن صَبْر الرُّوح". وَأَصْل الصَّبْر الحَبْس، وأَخْرَجَ العُقَيْلِي فِي "الضُّعَفَاء"، مِنْ طَرِيق الْحَسَنُ، عَن سَمُرَة، قَالَ: "نَهَى النَّبِيّ ﷺ ، أَنْ تُصْبَر الْبَهِيمَة، وَأَنْ يُؤْكَل لَحْمهَا إِذَا صُبِرَتْ"، قَالَ الْعُقَيلِيّ: جَاءَ فِي النَّهي عَن صَبْر الْبَهِيمَة أَحَادِيث جِيَاد، وَأَمَّا النَّهْي عَنْ أَكْلهَا، فَلا يُعْرَف إِلَّا فِي هَذَا. قَالَ الحافظ: إنْ ثَبَتَ فَهُوَ مَحْمُول عَلَى أنَّهَا مَاتَتْ بِذَلِكَ، بِغَيْرِ تَذْكِيَة، كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْمَقْتُول بِالْبُنْدُقَةِ. انتهى. والحديث صحيح، تفرّد به المصنّف رحمه الله تعالى بهذا السياق، أخرجه هنا -٢٨/ ٤٣٢٨ - و"الضحايا" ٤١/ ٤٤٤٠ - وفي "الكبرى" ٤٨٣٨ و"الضحايا" ٤٢/ ٤٥٢٧. وأخرجه أحمد فِي ٤/ ١٩٤. [فإن قلت]: كيف يصحّ، وفيه بقيّة، وَقَدْ عنعنه، وهو معروف بالتدليس عن الضعفاء؟. [قلت]: إنما صحّ لشواهده، فإنه روي عن جمع منْ الصحابة، منهم: أبو الدرداء، وابن عبّاس، وجابر، والعرباض بن سارية، وأبو هريرة، وسمُرة رضي الله تعالى عنهم. فأما حديث أبي الدرداء، فأخرجه الترمذيّ منْ طريق أبي أيوب الإفريقيّ، عن صفوان بن سُليم، عن ابن المسيّب، عنه، بلفظ: "نهى عن أكل المجثّمة، وهي التي تُصبر بالنبل". قَالَ الترمذيّ: حديث غريب، وفيه الإفريقيّ المذكور، قَالَ عنه الحافظ: صدوقٌ يُخطىء، وحسّنه الشيخ الألبانيّ بشواهده. وأما حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، فأخرجه أحمد، وأبو داود،

стр. 16261

والترمذيّ، والنسائيّ، وغيرهم، واللفظ لأحمد: "نهى رسول الله صلّى الله تعالى عليه وسلم عن لبن الجلالة، وعن أكل المجثّمة، وعن الشرب منْ فِي السقاء". وهو عَلَى شرط البخاريّ، وصححه الترمذيّ، والحاكم. وأما حديث جابر رضي الله تعالى عنه، فأخرجه أحمد ٣/ ٣٢٣ مطوّلًا بسند عَلَى شرط مسلم، وفيه: "وحَرَّم المجثّمة". وأما حديث العرباض بن سارية رضي الله تعالى عنه، فمثل حديث جابر، أخرجه أحمد ٤/ ١٢٧، ورجاله ثقات، غير أم حبيبة بنت العرباض، وهي مقبولة. وأمّا حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، فمثل حديث جابر أيضا، وأخرجه أحمد ٢/ ٣٦٦، بإسناد حسن. وأما حديث سمرة رضي الله تعالى عنه، فأخرجه العقيليّ فِي "الضعفاء"، منْ طريق الحسن، عنه، بلفظ: "نهى النبيّ صلّى الله تعالى عليه وسلم أن تُصبر البهيمة، وأن يؤكل لحمها إذا صُبِرت". قَالَ العقيليّ: جاء فِي النهي عن صبر البهيمة أحاديث جياد، وأما النهي عن أكلها، فلا يُعرف إلا فِي هَذَا. انتهى. وتعقّبه الشيخ الألباني رحمه الله تعالى، وأجاد فِي ذلك، فَقَالَ: كذا قَالَ، ويردّه حديث الترجمة -يعني حديث أبي الدرداء المتقدِّم: نهى عن أكل المجثمة"- وحديث ابن عباس -يعني المتقدِّم أيضاً: "نهى رسول الله صلّى الله تعالى عليه وسلم عن لبن الجلّالة، وعن أكل المجثمة … ". ولقد أجاد الشيخ الألباني رحمه الله تعالى فِي تخريج هذه الأحاديث فِي "السلسلة الصحيحة"ج ٥/ ص ٥٠٨ - ٥١١ رقم الْحَدِيث ٢٣٩١، فراجعها تستفد. والحاصل أن حديث أبي ثعلبة الخُشَنيّ رضي الله تعالى عنه هَذَا صحيح. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح، ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ٢٩ - (الإِذْنِ فِي أَكْلِ لُحُومِ الْخَيْلِ) ٤٣٢٩ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، وَأَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ، قَالَا: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ عَمْرٍو -وَهُوَ ابْنُ دِينَارٍ- عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: "نَهَى، وَذَكَرَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، يَوْمَ خَيْبَرَ، عَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ، وَأَذِنَ فِي الْخَيْلِ").

стр. 16262

رجال هَذَا الإسناد: ستة: ١ - (قتيبة) بن سعيد البغلاني، ثقة ثبت [١٠] ١/ ١. ٢ - (أحمد بن عبدة) الضبّيّ البصريّ، ثقة رُمي بالنصب [١٠] ٣/ ٣. ٣ - (حماد) بن زيد بن درهم، أبو إسماعيل البصريّ، ثقة ثبت [٨] ٣/ ٣. ٤ - (عمرو بن دينار) الأثرم الجُمَحيّ مولاهم، أبو محمد المكيّ، ثقة ثبت [٤] ١١٢/ ١٥٤. ٥ - (محمد بن علي) بن الحسين بن علي بن أبي طالب، أبو جعفر المعروف بالباقر المدنيّ، ثقة فاضل [٤] ١٢٣/ ١٨٢. ٦ - (جابر) بن عبد الله رضي الله تعالى عنه المذكور قبل باب. والله تعالى أعلم. لطائف هَذَا الإسناد: (منها): أنه منْ سداسيات المصنّف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ. (ومنها): أن فيه جابرًا رضي الله تعالى عنه منْ المكثرين السبعة، كما تقدّم بيانه قبل باب. والله تعالى أعلم. [تنبيه]: قَالَ الحافظ رحمه الله تعالى: كَذَا أَدْخَلَ حَمَّاد بْن زَيد بَيْن عَمْرو بْن دِينَار، وَبَيْن جَابِر فِي هَذَا الْحَدِيث، مُحَمَّدَ بْنَ عَليّ، وَلَمَّا أَخْرَجَهُ النَّسَائيّ قَالَ: لا أَعْلَم أَحَدًا وَافَقَ حَمَّادًا عَلَى ذَلِكَ (١)، وَأَخْرَجَهُ منْ طَرِيق حُسَيْن بْن وَاقِد، وَأَخْرَجَهُ هُوَ، وَالتَّرْمِذِيّ مِنْ رِوَايَة سُفيَان بن عُيَيْنَةَ، كِلَاهُمَا عَن عَمْرو بْن دِينَار، عَن جَابِر، لَيْسَ فِيهِ مُحَمَّد بن عَلِيّ، وَمَالَ التِّرْمِذِيّ أَيْضًا إِلَى تَرْجِيح رِوَايَة ابن عُيَينَةَ، وَقالَ: سَمِعْت مُحَمَّدًا، يَقُول ابْن عُيَينَةَ أَحْفَظ منْ حَمَّاد. قَالَ الحافظ: لَكِنْ اقْتَصَرَ البُخَاريّ وَمُسْلِم، عَلَى تَخرِيج طَرِيق حَمَّاد بن زَيْد، وَقَدْ وَافَقَهُ ابْن جُرَيْج، عَن عَمْرو، عَلَى إِدْخَال الوَاسِطَة بَيْن عَمْرو وَجَابِر، لَكِنَّهُ لَمْ يُسَمِّهِ، أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، مِنْ طَرِيق ابن جُرَيْج، وَلَهُ طَرِيق أُخْرَى عَن جَابِر، أخْرَجَهَا مُسْلِم، منْ طَرِيق ابن جُرَيْج، وَأَبُو دَاوُدَ منْ طَرِيق حَمَّاد، وَالنَّسَائِيّ منْ طَرِيق حُسَيْن بْن وَاقِد، كُلَّهمْ عَن أَبِي الزُّبَيْر، عَنْهُ. وَأَخرَجَهُ النَّسَائِيّ، صَحِيحًا عَن عَطَاء، عَن جَابِر أَيْضًا، وَأَغْرَبَ الْبَيهَقِيُّ، فَجَزَمَ بِأَنَّ عَمْرو بْن دِينَار، لَمْ يَسْمَعهُ مِنْ جَابِر، وَاسْتَغْرَبَ بَعْض الْفُقَهَاء دَعْوَى التِّرْمِذِيّ، أنَّ رِوَايَة ابن عُيَيْنَةَ أَصَحّ، مَعَ إِشَارَة البَيهَقِيِّ إِلَى أَنَّهَا مُنْقَطِعَة، وَهُوَ ذُهُول، فَإِنَّ كَلام التِّرْمِذِيّ مَحْمُول عَلَى أَنَّهُ صَحَّ عِنده اتِّصَاله، وَلا يَلْزَم منْ دَعْوَى البَيْهَقِيِّ انْقِطَاعه،

стр. 16263

كَوْن التِّرْمذيّ يَقُول بِذَلِكَ، وَالْحَقّ أَنَّهُ إن وُجِدَت رِوَايَة فِيهَا تَصْرِيح عَمْرو بالسَّمَاعِ، مِنْ جَابِر، فَتَكُون رِوَايَة حَمّاد، منْ الْمَزِيد فِي مُتصِل الأَسَانِيدِ، وإلا فَرِوَايَة حَمَّاد بْن زَيْد، هِيَ الْمُتَّصِلَة، وَعَلَى تَقْدِير وُجُود التَّعَارُض مِنْ كُلّ جهَة، فَلِلْحَدِيثِ طُرُق أُخْرَى عَن جَابِر، غَيْر هَذِهِ، فَهُوَ صَحِيح عَلَى كُلّ حَال. انتهى (١). والله تعالى أعلم. شرح الْحَدِيث (عَنْ جَابِرٍ) بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما، أنه (قَالَ نَهَى، وَذَكَرَ رَسُولَ اللَّهِ) ولفظ "الكبرَى": "وذكر النبيّ" ( ﷺ ) يعني أن جابرا رضي الله تعالى عنه قَالَ "نهى يوم خيبر الخ"، وأسند النهي إلى رسول الله صلّى الله تعالى عليه وسلم، والظاهر أن الرواي نسي لفظ جابر فِي ذكره فاعل "نهى"، كيف هو؟، هل هو نهى رسول الله، أو نهى النبيّ، أو نحو ذلك، ولكنه تأكد أنه رفع الْحَدِيث إلى النبيّ صلّى الله تعالى عليه وسلم، فبيّن ذلك. والله تعالى أعلم. وَقَدْ أخرج البخاريّ الْحَدِيث عن سليمان بن حرب، عن حمّاد بن زيد، بسند المصنّف، بلفظ: "نهى رسول الله صلّى الله تعالى عليه وسلم يوم خيبر عن لحوم الحمر الأهلية، ورخّص فِي الخيل" (يَوْمَ خَيْبَرَ) أي يوم وقعة خيبر (عَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ) أي عن أكلها، والمراد الحمر الأهليّة، كما هو مقيّد فِي رواية البخاريّ المذكورة: "نهى النبيّ صلّى الله تعالى عليه وسلم عن لحوم الحمر الأهلية" (وَأَذِنَ) بكسر الذال المعجمة، منْ باب علم، ولفظ البخاريّ: "رخّص"، وفي حديث ابن عبّاس عند الدارقطني: "أمر" (فِي الْخَيْلِ) أي فِي أكل لحمها، وفي الرواية التالية منْ طريق ابن أبي نَجِيح، عن عطاء: "أطعمنا رسول الله صلّى الله تعالى عليه وسلم لحوم الخيل، ونهانا عن لحوم الحمر". ومن طريق عبد الكريم، عن عطاء: "كنّا نأكل لحوم الخيل عَلَى عهد رسول الله صلّى الله تعالى عليه وسلم". وبهذا قَالَ الجمهور، وهو الحقّ، وخالف أبو حنيفة، فَقَالَ بكراهة أكلها، وسيأتي تحقيق الخلاف فِي ذلك قريبًا. إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الْحَدِيث: (المسألة الأولى): فِي درجته: حديث جابر رضي الله تعالى عنه هَذَا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -٢٩/ ٤٣٢٩ و٤٣٣٠ و٤٣٣١ و٤٣٣٢ و٣٢/ ٤٣٤٥ - وفي "الكبرى"

стр. 16264

٣١/ ٤٨٣٩ و٤٨٤٠ و٤٨٤١ و٤٨٤٢ و٣٥/ ٤٨٥٥. وأخرجه (خ) فِي "المغازي" ٤٢١٩ و"الذبائح" ٥٥٢٠ و٥٥٢٤ (م) فِي "الصيد" ٣٥٩٥ و٣٥٩٦ (د) فِي "الأطعمة" ٣٧٨٨ و٣٧٨٩ و٣٨٠٨ (ت) فِي "الأطعمة" ١٧٩٣ (أحمد) فِي "باقي مسند المكثرين" ١٤٠٤١ و١٤٤٢٦ و١٤٤٧٤ و١٤٤٨٦ و١٤٧١٥ (الدارمي) فِي "الأضاحي" ١٩٩٣. والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): فِي اختلاف أهل العلم فِي حكم أكل لحوم الخيل: قَالَ الإِمام ابن قُدامة رحمه الله تعالى: وتُباح لحوم الخيل كلّها، عِرابها، وبَرَاذينها، نصّ عليه أحمد، وبه قَالَ ابن سيرين، وروي ذلك عن ابن الزبير، والحسن، وعطاء، والأسود بن يزيد، وبه قَالَ حمّاد بن زيد، والليث، وابن المبارك، والشافعيّ، وأبو ثور. قَالَ سعيد بن جُبير: ما أكلت شيئاً أطيب منْ معرفة (١) بِرْذون. وحرّمها أبو حنيفة، وكرهها مالك، والأوزاعيّ، وأبو عبيد؛ لقول الله تعالى: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ﴾ الآية [النحل: ٨]. ولحديث خالد بن الوليد الآتي فِي الباب التالي. واحتجّ الجمهور بحديث جابر رضي الله تعالى عنه المذكور فِي الباب، وحديث أسماء رضي الله تعالى عنها الآتي فِي -٢٣/ ٤٤٠٨ - : "نحرنا فرسًا عَلَى عهد رسول الله صلّى الله تعالى عليه وسلم، فأكلناه، ونحن بالمدينة". متّفقٌ عليهما. ولأنه حيَوانٌ طاهر مستطابٌ، ليس بذي ناب، ولا مِخْلب، فيحلّ، كبهيمة الأنعام؛ ولأنه داخل فِي عموم الآيات والأخبار المبيحة. وأما الآية، فإنما يتعلّقون بدليل خطابها، وهم لا يقولون به. وحديث خالد ليس له إسناد جيّد، قاله أحمد، قَالَ: وفيه رجلان لا يُعرفان، يرويه ثورٌ، عن رجل ليس بمعروف، وَقَالَ: لا نَدَعُ أحاديثنا لمثل هَذَا المنكر. انتهى كلام ابن قدامة بنوع منْ التصرّف (٢). وَقَالَ فِي "الفتح": قَالَ الطَّحَاويُّ: وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَة إِلَى كَرَاهَة أَكْلِ الخَيل، وَخَالَفَهُ صَاحِبَاهُ، وَغَيْرهمَا، وَاحْتَجوا بِالأخْبَارِ الْمُتَوَاتِرَة فِي حِلِّهَا، وَلَو كَانَ ذَلِكَ مَأْخُوذًا منْ طَرِيق النَّظَر، لَمَا كَانَ بَيْن الْخَيْل وَالْحُمُر الأَهْلِيَّة فَرْق، وَلَكِن الآثَارُ إِذَا صَحَّتْ عَن رَسُول الله ﷺ ، أَوْلَى أنْ يُقَال بِهَا، مِمَّا يُوجِبهُ النَّظَر، وَلاسِيَّمَا وَقَد أَخْبَرَ جَابِر، أنَّهُ ﷺ أَبَاحَ لَهُمْ لُحُوم الْخَيْل، فِي الْوَقْت الَّذِي مَنَعَهُمْ فِيهِ منْ لُحُوم الحُمُر، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى اخْتِلَاف حُكْمهمَا. قَالَ الحافظ وَقَدْ نَقَلَ الحِلّ بَعْضُ التَّابِعِين عن الصَّحَابَة، منْ غَيْر اسْتِثْنَاء أَحَدٍ،

стр. 16265

فَأَخْرَجَ ابْن أَبِي شَيْبَة، بِإسْنَادٍ صَحِيح، عَلَى شَرْط الشَّيْخَينِ، عَن عَطَاء، قَالَ: "لَمْ يَزَلْ سَلَفك يَأكُلُونَهُ، قَالَ ابْن جُرَيجٍ: قُلْت لَهُ: أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ ؟، فَقَالَ: نَعَم". وأَمَّا مَا نُقِلَ فِي ذَلِكَ عَن ابن عَبَّاس منْ كَرَاهَتهَا، فَأَخْرَجَهُ ابْن أَبِي شَيْبَة، وَعَبْد الرَّزَّاق، بسَنَدَيْنِ ضَعِيفَيْن، وَيَدُلّ عَلَى ضَعْف ذَلِكَ عَنْهُ، مَا روي عنه صَحِيحًا عَنهُ، أَنَّهُ اسْتَدَلَّ لإِبَاحَةِ الْحُمُر اَلأَهْلِيَّة بِقَؤلِهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا﴾، فَإِنَّ هَذَا إنْ صَلُحَ، مُسْتَمْسَكًا لِحِلِّ الحُمُر، صَلُحَ لِلْخَيل، وَلَا فَرْق، وَروي عنه أَيْضًا أَنَّهُ تَوَقفَ فِي سَبَب الْمَنْع، فِي أَكلِ الْحُمُر، هَلْ كَانَ تَحْرِيمًا مُؤَبَّدًا، أَوْ بِسَبَبِ كَوْنَها كَانَتْ حَمُولَة النَّاس؟، وَهَذَا يَأْتِي مِثْله منْ الْخَيْل أَيْضًا، فَيَبْعُد أنْ يَثْبُت عَنْهُ القَوْل بِتَحْرِيم الْخَيْل، وَالقَوْل بِالتَّوَقُّفِ فِي الحُمُر الأهْلِيَّة، بَلْ أَخرَجَ الدَّارَقُطنِيّ بسَنَد قَوِيّ، عَن ابْنِ عَبَّاس مَرْفُوعًا، مِثْل حَدِيث جَابِر، وَلَفْظه: "نَهى رَسُول ﷺ ، عَنَ لُحُوم الْحُمُر الأَهْليَّة، وَأَمَرَ بِلُحُومِ الْخَيْل"، وَصَحَّ الْقَوْل بِالْكَرَاهَةِ، عَن الْحَكَم بن عُيَيْنَةَ، وَمَالِك وَبَعْض الْحَنَفِيَّة، وَعَنْ بَعْض الْمَالِكيَّة، وَالحَنَفِيَّة التَّحْرِيم. وَقَالَ الْفَاكِهِيّ: الْمَشْهُور عِنْد الْمَالكيَّة الْكَرَاهَة، وَالصَّحِيح عِنْد الْمُحَقِّقِينَ مِنْهُم التَّحْرِيم. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة فِي "الْجَامِع الصَّغِير": أَكْرَه لَحْم الْخَيْل، فَحَمَلَهُ أَبُو بَكْر الرَّازِيّ عَلَى التَّنْزِيه، وَقَالَ: لَمْ يُطلِق أبُو حَنِيفَة فِيهِ التَّحْرِيم، وَلَيْس هُوَ عِنْده كَالْحِمَارِ الأَهْلِيّ، وَصَحَّحَ عَنْهُ أَصْحَاب "الْمُحِيط"، و"الْهِدَايَة"، و"الذَّخِيرَة" التَّحْرِيم، وَهُوَ قَوْل أَكْثَرِهِمْ، وَعَنْ بَعْضهم يَأثَم آكِله، وَلا يُسَمَّى حَرَامًا. وَرَوَى ابْن الْقَاسِم، وَابْن وَهْب، عَن مَالِك، الْمَنْع، وَأَنَّهُ احْتَجَّ بِالآيَةِ الآتِي ذَكْرَهَا، وَأَخْرَجَ مُحَمَّد بْن الْحَسَنِ فِي "الآثَار" عَن أَبِي حَنِيفة، بسَنَدٍ لَهُ، عَن ابْن عَبَّاس، نَحْو ذَلِكَ. وَقَالَ القُرْطُبِيّ فِي "شَرْح مُسْلِم": مَذهَب مَالِك الكَرَاهَة، وَاسْتَدَل لَهُ ابْن بَطَّال بِالآيَةِ. وَقَالَ ابْن الْمُنَيِّر: الشَّبَهُ الْخِلْقِيّ بَيْنهَا، وَبَيْن الْبِغَال وَالْحَمِير، مِمَّا يُؤَكِّد القَوْل بِالْمَنْعِ، فَمِنْ ذَلِكَ هَيْئَتهَا، وَزُهُومَة لَحْمهَا، وَغِلَظُهُ، وَصِفَة أَرْوَاثهَا، وَأَنَّهَا لا تَجْتَرّ، قَالَ: وإذَا تَأَكَّدَ الشَّبَهُ الخِلْقِيّ، الْتَحَقَ بِنَفْيِ الفَارِق، وَبَعُدَ الشَّبَهُ بِالأنْعَامِ المُتَّفَق عَلَى أَكْلهَا. انتهى. وَقَدْ تَقَدَّمَ منْ كَلَام الطَّحَاوِيّ، مَا يُؤْخَذ مِنْهُ الْجَوَاب عَن هَذَا. وَقَالَ الشَّيْخ أَبُو مُحَمَّد ابْن أَبِي جَمْرَة: الدَّلِيلَ فِي الْجَوَاز مُطْلَقًا وَاضِح، لَكِنْ سَبَب كَرَاهَة مَالِك لِأَكْلِهَا؛ لِكَوْنهَا تُسْتَعْمَل غَالِبًا فِي الْجِهَاد، فَلَوْ انْتَفَت الْكَرَاهَة؛ لَكَثُرَ اسْتِعْمَاله، وَلَوْ كَثُرَ لأدَّى إِلَى قَتْلهَا، فَيُفْضِي إِلَى فَنَائِهَا، فَيَئُول إِلَى النَّقص منْ إِرْهَاب الْعَدُوّ، الَّذِي وَقَعَ الأَمْر بهِ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ﴾ [الأنفال: ٦٠]. فَعَلَى هَذَا فَالكَرَاهَة؛ لِسَبَبٍ خَارجٍ، وَلَيْسَ البَحْث فِيهِ، فَإِنَّ الْحَيَوَان المُتَّفَق عَلَى

стр. 16266

إِبَاحَته، لو حَدَثَ أَمْر، يَقْتَضِي أنْ لَوْ ذُبِحَ لأَفْضَى إِلَى ارْتِكَاب مَحْذُور لامْتَنَع، وَلا يَلْزَم منْ ذَلِكَ الْقَوْل بِتَحْرِيمِهِ، وَكَذَا قَوْله: إِن وُقُوع أَكْلهَا فِي الزَّمَن النَّبَوِيّ، كَانَ نادِرًا، فَإِذَا قِيلَ بِالكَرَاهَةِ، قَلَّ اسْتِعْمَاله، فَيُوَافِق مَا وَقَعَ قَبْلُ. انْتَهَى. وَهَذَا لا يَنْهَض دَلِيلا لِلْكَرَاهَةِ، بَلْ غَايَته أنْ يَكُون خِلاف الأَوْلَى، وَلا يَلْزَم منْ كَوْن أَصْل الْحَيَوَان حَلَّ أَكْله، فَنَاؤُهُ بِالأَكْلِ. وَأَمَّا قَوْل بَعْض الْمَانِعِينَ: لَوْ كَانَتْ حَلَالاً لَجَازَت الأُضْحِيَّة بهَا، فَمُنْتَقَض بِحَيَوَانِ الْبَرّ، فَإِنَّهُ مَأْكُول، وَلَمْ تُشْرَع الأُضْحِيَّة بِهِ، وَلَعَلَّ السَّبَب فِي كَوْن الْخَيْل لا تُشرَع الأُضْحِيَّة بِهَا، اسْتِبْقَاؤُهَا؛ لأَنَّه لَوْ شُرعَ فِيهَا جَمِيع مَا جَازَ فِي غَيْرهَا، لَفَاتَتِ المَنْفَعَة بِهَا فِي أَهَمّ الأَشْيَاء مِنْهَا، وَهُوَ الجِهَاد. وَذَكَرَ الطَّحَاوِيّ، وَأَبُو بَكر الرَّازِيّ، وَأَبُو مُحَمَّد بن حَزْم، منْ طَرِيق عِكْرمَة بن عَمَّار، عَن يَحْيىَ بْن أَبِي كَثِير، عَن أَبِي سَلَمَة، عَن جَابِر، قَالَ: "نَهَى رَسُول الله ﷺ ، عَن لُحُوم الْحُمُر، وَالْخَيْل، وَالْبِغَال"، قَالَ الطَّحَاوِيّ: وَأَهْل الْحَدِيث يُضَعِّفُونَ عِكْرِمَة بْن عَمَّار. قَالَ الحافظ: لاسِيَّمَا فِي يَحْيَى بن أَبِي كَثِير، فَإِنَّ عِكْرِمَة، وِإنْ كَانَ مُخْتَلَفًا فِي تَوْثِيقه، فَقَدْ أَخْرَجَ لَهُ مُسْلِم، لَكِنْ إنَّمَا أَخْرَجَ لَهُ مِنْ غَيْر رِوَايَته عَن يَحْيَى بْن أَبِي كَثِير، وَقَد قَالَ يَحْيَى بْن سَعِيد القَطَّانُ: أَحَادِيثه عَن يَحْيَى بن أَبِي كَثِير ضَعِيفَة. وَقَالَ البُخاريُّ: حَدِيثه عَن يَحْيَى مُضْطَرِب. وَقَالَ النَّسَائِيُّ: لَيْس بِهِ بَأْس، إِلَّا فِي يَحْيَى. وَقَالَ أَحْمد: حَدِيثه عَن غَيْر إِيَاس بْن سَلَمَة مُضْطَرِب، وَهَذَا أَشَدّ مِمَّا قَبْله، وَدَخَلَ فِي عُمُومه يَحْيَى ابْن أَبِي كَثِير أَيْضًا، وَعَلَى تَقْدِير صِحَّة هَذِهِ الطَّرِيق، فَقَدْ اخْتُلِفَ عَن عِكْرِمَة فِيْهَا، فَإِنَّ الْحَدِيث عند أَحْمَد، وَالتَّرْمِذِيّ، مِنْ طَرِيقه، لَيْسَ فِيهِ لِلْخَيْلِ ذِكْر، وَعَلَى تَقْدِير أَنْ يَكُون الَّذِي زَادَهُ حَفِظَهُ، فَالرِّوَايَات المُتَنَوِّعَة عَن جَابِر، المُفَصِّلَة بَين لُحُوم الْخَيْل، وَالْحُمُر فِي الْحُكْم أَظْهَر اتِّصَالاً، وَأَتْقَن رِجَالا، وَأَكْثَر عَدَدًا. وَأَعَلَّ بَعْض الْحَنَفِيَّة حَدِيث جَابِر، بِمَا نَقَلَهُ عَن ابْن إِسْحَاق، أَنَّهُ لَمْ يَشْهَد خَيْبَر، وَلَيْسَ بِعِلَّةٍ؛ لأَنَّ غَايَته أنْ يَكُونُ مُرْسَل صَحَابِيّ. وَمِنْ حُجَجِ مَنْ مَنَعِ أَكْل الْخَيْل: حَدِيثُ خَالِد بْنِ الوَليد الْمُخَرَّج فِي "السُّنَن": "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ، نَهَى يَوْم خَيْبَر، عَنْ لُحُوم الْخَيْل". وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ شَاذّ مُنْكَر؛ لأَنَّ فِي سِيَاقه أَنَّهُ شَهِدَ خَيْبَر، وَهُوَ خَطَأ، فَإِنَّهُ لَمْ يُسْلِم إِلَّا بَعْدهَا عَلَى الصَّحِيح، وَالَّذِي جَزَمَ بِهِ الأَكْثَر أَنَّ إِسْلَامه، كَانَ سَنَة الْفَتْح، وَالعُمْدَة فِي ذَلِكَ عَلَى مَا قَال مُصْعَب الزُّبَيرِيّ، وَهُوَ أعْلَم النَّاس بِقُرَيش، قَالَ: "كَتَبَ الْوَلِيد بْن الْوَلِيد، إِلَى خَالِد حِين فَرَّ منْ مَكَّة، فِي عُمْرَة الْقَضِيَّة، حَتَّى لا يَرَى النَّبِيّ ﷺ بِمَكَّة، فَذَكَرَ الْقِصَّة فِي سَبب إِسْلام خَالِد، وَكَانَتْ عُمْرَة الْقَضيَّة، بَعْد خَيْبَر جَزْمًا.

стр. 16267

وَأُعِلَّ أَيْضًا بِأنَّ فِي السَّنَد رَاوِيًا مَجْهُولاً، لَكِنْ قَدْ أَخرَجَ الطَّبرِيُّ، طَرِيق يَحْيَى بْن أَبِي كَثِير، عَن رَجُل منْ أَهْل حِمْص، قَالَ: كُنَّا مَعَ خَالِد، فَذَكَرَ أَنَّ رَسُول الله ﷺ حَرَّمَ لُحُوم الْحُمُر الأَهْليَّة، وَخَيْلهَا، وَبِغَالهَا، وَأُعِلَّ بِتَدْلِيسِ يَحْيَى، وإبْهَام الرَّجُل، وَادَّعَى أَبُو دَاوُدَ، أَنَّ حَدِيث خَالِد بن الْوَلِيد مَنْسُوخ، وَلَمْ يُبَيِّن نَاسِخه، وَكَذَا قَالَ النَّسَائِيُّ: الأَحَادِيث فِي الإِبَاحَة أَصَحّ، وَهَذَا إِنْ صَحَّ كَانَ مَنْسُوخًا، وَكَأنَّهُ لَمَّا تَعَارَضَ عِنْده الْخَبَرَانِ، وَرَأَى فِي حَدِيث خَالِد "نَهَى"، وَفِي حَدِيث جَابِر "أَذِنَ"، حَمَلَ الإذْن عَلَى نَسْخ التَّحْرِيم، وَفِيهِ نَظَر؛ لِأَنَّهُ لا يَلْزَم منْ كَوْن النَّهْي سَابقًا عَلَى الإذْن، أنْ يَكُون إِسْلام خَالَد سَابِقًا عَلَى فَتْح خَيْبَر، وَالأَكْثَر عَلَى خِلَافه، وَالنَّسْخَ لا يَثْبُت بالاحْتِمَال. وَقَدْ قَرَّرَ الْحَازِمِيّ النَّسْخ، بَعْد أنْ ذَكَرَ حَدِيث خَالِد، وَقَالَ: هُوَ شَامِيّ الْمَخْرَج، جَاءَ منْ غَيْر وَجْه، بِمَا وَرَدَ فِي حَدِيث جَابِر مِنْ "رَخَّصَ"، و"أَذِنَ"؛ لأَنَّه منْ ذَلِكَ يَظْهَر أَنَّ الْمَنْع كَانَ سَابِقًا، وَالإذْن مُتَأخِّرًا، فَيَتَعَيَّن المَصِير إِلَيْهِ، قَالَ: وَلَوْ لَمْ تَرِد هَذِهِ اللَّفْظَة، لَكَانَتْ دَعْوَى النَّسْخ مَرْدُودَة؛ لِعَدَم مَعْرِفَة التَّارِيخ. انتهى. قَالَ الحافظ: وَلَيْسَ فِي لَفْظ "رَخَّصَ"، و"أَذِنَ" مَا يَتَعَيَّن مَعَهُ الْمَصِير إِلَى النَّسْخ، بَلْ الَّذِي يَظْهَر أَنَّ الْحُكْم فِي الْخَيْل، وَالْبِغَال، وَالْحَمِير، كَانَ عَلَى الْبَرَاءَة الأَصْليَّة، فَلَمَّا نَهَاهُمْ الشَّارع يَوْم خَيْبَر عَنْ الْحُمُر، وَالْبِغَال، خُشِيَ أَنْ يَظُنُّوا أَنَّ الْخَيْل كَذَلِكَ؛ لِشَبَهِهَا بِهَا، فَأَذِنَ فِي أَكْلَهَا، دُون الحَمِير وَالْبِغَال، وَالرَّاجِح أَنَّ الأَشْيَاء قَبْل بَيَان حُكْمهَا فِي الشَّرْع، لا تُوصَف لا بِحِلٍّ، وَلا حُرْمَة، فَلا يَثْبُت النَّسْخ فِي هَذَا. وَنَقَلَ الْحَازِمِيّ أَيْضًا، تَقْرِير النَّسْخ بِطَرِيقٍ أُخْرَى، فَقَالَ: إِنَّ النَّهْي عَنْ أَكْلِ الْخَيْل وَالْحَمِير، كَانَ عَامًّا منْ أجْل أَخْذهمْ لَهَا، قَبْل الْقِسْمَة وَالتَّخْمِيس، وَلِذَلِكَ أَمَرَ بِإِكْفَاءِ الْقُدُور، ثُمَّ بَيَّنَ بِنِدَائهِ بأَنَّ لُحُوم الْحُمُر رِجْس، أَنَّ تَحْرِيمهَا لِذَاتهِا، وَأَنَّ النَّهْي عَنْ الْخَيْل إِنَّمَا كَانَ بِسَبَبِ تَرْك الْقِسْمَة خَاصَّة. وَيَعْكُرَ عَلَيْه أَنَّ الأَمْر بِإِكْفَاءِ الْقُدُور، إِنَّمَا كَانَ بِطَبْخِهِم فِيهَا الْحُمُر، كَمَا هُوَ مُصَرَّح بهِ فِي الصَّحِيح، لا الْخَيْل، فَلا يَتِمّ مُرَاده. وَالْحَقّ أنَّ حَدِيث خَالِد، وَلَوْ سَلِمَ أَنَّهُ ثَابِت، لا يَنْهَض مُعَارِضًا، لِحَدِيثِ جَابِر الدَّالّ عَلَى الْجَوَاز، وَقَد وَافَقَهُ حَدِيث أَسْمَاء. وَقَدْ ضَعَّفَ حَدِيث خَالِد أَحْمَد، وَالبُخَارِيّ، وَمُوسَى بْن هَارُون، وَالدَّارَقُطنِيّ، وَالْخَطَّابِيّ، وَابْن عبد البرّ، وَعَبد الْحَقّ، وَآخَرُونَ. وَجَمَعَ بَعْضهمْ بَيْن حَدِيث جَابِر، وَخَالِد بِأَنَّ حَدِيث جَابِر دَالّ عَلَى الْجَوَاز فِي الْجُمْلَة، وَحَدِيث خَالِد دَالّ عَلَى الْمَنْع فِي حَالَة دُونِ حَالَة؛ لأَنَّ الْخَيْل فِي خَيْبَر، كَانَتْ عَزِيزَة، وَكَانُوا مُحْتاجِينَ إِلَيْهَا لِلْجِهَادِ، فلا

стр. 16268

يُعَارِض النَّهْي المَذْكُور، وَلا يَلْزَم وَصْف أَكْلِ الْخَيْل بِالكَرَاهَةِ الْمُطلَقَة، فَضلًا عَن التَّحْرِيم. وَقَدْ وَقَعَ عِنْد الدَّارَقُطنِيِّ، فِي حَدِيث أَسْمَاء: "كَانَتْ لَنَا فَرَس، عَلَى عَهْد رَسُول الله ﷺ ، فَأَرَادَتْ أنْ تَمُوت، فَذَبَحْنَاهَا، فَأَكَلْنَاهَا". وَأَجَابَ عَن حَدِيث أَسْمَاء بأَنَّهَا وَاقِعَة عَيْن، فَلَعَلَّ تِلْكَ الفَرَس، كَانَتْ كَبِرَت بحَيْثُ صَارَتْ، لا يُنْتَفَع بهِا فِي الْجِهَاد، فَيَكُونُ النَّهْي عَن الْخَيْل، لِمَعْنًى خَارج، لا لِذَاتِهَا، وَهُوَ جَمْع جَيِّد. وَزَعَمَ بَعْضهمْ أنَّ حَدِيث جَابِر، فِي الْبَاب دَالّ عَلَى التَّحْرِيم؛ لِقَولِهِ: "رَخَّصَ"؛ لأَنَّ الرُّخْصَة اسْتِبَاحَة الْمَحظور مَعَ قِيَام المَانِع، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ رَخَّصَ لَهُمْ فِيهَا، بِسَبَب المَخْمَصَة الَّتِي أَصَابَتْهُمْ بِخَيْبَر، فَلا يَدُلّ ذَلِكَ عَلَى الحِلّ الْمُطْلَق. وَأُجِيبَ بأنَّ أَكْثَر الرِّوَايَات، جَاءَ بِلَفْظِ الإذْن، وَبَعْضهَا بالأَمْر، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْمُرَاد بِقَولِهِ: "رَخَّصَ" أَذِنَ، لا خُصُوص الرُّخصَة بِاصْطِلَاح مَنَ تَأَخَّرَ، عَنْ عَهْد الصَّحَابَة. وَنُوقِضَ أَيْضًا بِأَنَّ الإذْن فِي أَكْلِ الْخَيْل، لَوْ كَانَ رُخْصَة؛ لأجْلِ المَخْمَصَة، لَكَانَتْ الْحُمُر الأَهْلِيَّة أَوْلَى بذَلِكَ؛ لِكَثرَتِها، وَعِزَّة الْخَيْل حِينَئِذٍ، وَلأَنَّ الْخَيْل يُنْتَفَع بِهَا فِيمَا يُنتَفَع بِالْحَمِيرِ، مِنْ الحَمْل وَغَيْره، وَالْحَمِير لا يُنْتَفَع بِها فِيمَا يُنتَفَع بِالْخَيْلِ، منْ الْقِتَال عَلَيْهَا، وَالوَاقِع أَنَّهُ ﷺ أَمَرَ بإِرَاقَةِ الْقُدُور، الَّتِي طُبِخَتْ فِيهَا الْحُمُر، مَعَ مَا كَانَ بِهمْ منْ الْحَاجَة، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أنَّ الإذْن فِي أَكْلِ الْخَيْل، إِنَّمَا كَانَ للإِبَاحَةِ العَامَّة، لا لِخُصُوصِ الضَّرُورَة. وأَمَّا مَا نُقِلَ عَن ابْنِ عَبَّاس، وَمَالِك، وَغَيْرهمَا، منْ الاحْتِجَاج للْمَنْع، بِقَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً﴾ الآية [النحل: ٨]، فَقَدْ تَمَسَّكَ بِهَا أَكْثَرُ القَائِلِينَ بالتَّحْرِيم، وَقَرَّرُوا ذَلِكَ بِأَوْجُهِ: [أَحَدهَا]: أنَّ اللام لِلتَّعْلِيلِ، فَدَلَّ عَلَى أنَّها لَمْ تُخْلَق لغَيْرَ ذَلِكَ، لأَنَّ الْعِلَّة المَنْصُوصَة، تُفِيد الْحَصْر، فَإِبَاحَة أَكْلهَا تَقْتَضِي خِلَاف ظَاهِرِ الآيَة. [ثَانِيهَا]: عَطْف الْبِغَال، وَالْحَمِير، فَدَلَّ عَلَى اشْتِرَاكهَا مَعَهَا فِي حُكْم التَّحْرِيم، فَيَحْتَاجُ مَنْ أَفْرَدَ حُكْمهَا عَن حُكْم مَا عُطِفَتْ عَلَيْهِ إِلَى دَلِيل. [ثَالِثهَا]: أَنَّ الآية سِيقَتْ مَسَاق الامْتِنَان، فَلَوْ كَانَت يُنْتَفَع بِها فِي الأَكْل، لَكَانَ الامْتِنَان بهِ أَعْظَم؛ لأَنَّهُ يَتَعَلَّق بِهِ بَقَاء الْبنْيَة، بِغَيْرِ وَاسِطَة، وَالْحَكِيم لا يَمْتَنّ بِأَدْنَى النِّعَم، وَيَترُكَ أَعْلاهَا، وَلاسِيَّمَا وَقَدْ وَقَعَ الامْتِنَان بِالأَكْلِ فِي المَذْكُورَات قَبْلهَا. [رَابِعِهَا]: لَوْ أُبِيحَ أَكْلهَا، لَفَاتَتِ الْمَنْفَعَة بِهَا، فِيْمَا وَقَعَ بِهِ الامْتِنَان، مِنْ الرُّكُوب، وَالزِّينَة. هَذَا مُلَخَّص مَا تَمَسَّكُوا بِهِ منْ هَذِهِ الآيَة. وَالْجَوَاب عَلَى سَبِيل الإجْمَال، أَنَّ آيَة النَّحْل مَكِّيَّة اتِّفَاقًا، وَالإذْن فِي أَكْلِ الْخَيْل،

стр. 16269

كَانَ بَعْد الهِجْرَة منْ مَكَّة، بِأَكْثَر مِنْ سِتّ سِنِينَ، فَلَوْ فَهِمَ النَّبِيّ ﷺ منْ الآيَة المَنْع، لَمَا أَذِنَ فِي الأَكْل. وَأَيْضًا فَآيَة النَّحْل لَيْسَتْ نَصًّا فِي مَنْع الأَكْل، وَالْحَدِيث صَرِيح فِي جَوَازه. وَأَيْضًا عَلَى سَبِيل التَّنَزُّل، فَإِنَّمَا يَدلّ مَا ذُكِرَ عَلَى تَرْك الأَكْل، وَالتَّرْك أَعَمّ مِنْ أَنْ يَكُون لِلتَّحْرِيم، أَوْ لِلتَّنزِيهِ، أَوْ خِلَاف الأَوْلَى، وَإِذَا لَمْ يَتَعَيَّنْ وَاحِد مِنْهَا، بَقِيَ التَّمَسُّك بِالأَدِلَّةِ الْمُصَرَّحَة بالْجَوَازِ. وَعَلَى سَبِيل التَّفْصِيل: أَمَّا أوَّلاً، فَلَوْ سَلَّمْنا أنَّ اللام لِلتَّعْلِيلِ، لَمْ نُسَلِّم إِفَادَة الْحَصْر فِي الرُّكُوب، وَالزِّينَة، فَإِنَّهُ يُنْتَفَع بِالْخَيْلِ فِي غَيْرهمَا، وَفِي غَيْر الأَكْل اتِّفَاقًا، وَإِنَّمَا ذُكِرَ الرُّكُوب وَالزِّينَة؛ لِكَوْنِهمَا أَغْلَب مَا تُطْلَب لَهُ الْخَيْل، وَنَظِيره حَدِيث الْبَقَرَة المَذْكُور فِي "الصَّحِيحَيْنِ" حِين خَاطَبَتْ رَاكِبهَا، فَقَالَتْ: "إِنَّا لَمْ نُخْلَق لِهَذَا، إِنَّمَا خُلِقنَا لِلْحَرْثِ"، فَإِنَّهُ مَعَ كَوْنه أَصَرْح فِي الْحَصْر، لَمْ يُقصَد بِهِ الأَغْلَب (١)، وَإلا فَهِيَ تُؤْكَل، وَيُنْتَفَع بِهَا فِي أَشْيَاء، غَيْر الحَرْث اتِّفَاقًا. وَأَيْضًا فَلَوْ سَلِمَ الاسْتِدْلال، لَلَزِمَ مَنْعُ حَمْل الأثْقَال عَلَى الْخَيْل، وَالْبِغَال، وَالْحَمِير، وَلا قَائِل بهِ. وَأمَّا ثَانِيًا: فَدَلَالَة الْعَطْف إِنَّمَا هِيَ دَلَالَة اقْتِرَان، وَهِيَ ضَعِيفَة. وَأمَّا ثَالِثًا: فَالامْتِنَان، إِنَّمَا قُصِدَ بِهِ غَالِبًا، مَا كَانَ يَقَع بِهِ انْتِفَاعهمْ بِالْخَيْلِ، فَخُوطِبُوا بِمَا أَلِفُوا، وَعَرَفُوا، وَلَمْ يَكُونُوا يَعْرِفُونَ أَكْل الْخَيْل؛ لِعِزَّتِها فِي بِلَادِهِمْ، بخِلَافِ الأَنْعَام، فَإِنَّ أَكثَر انْتِفَاعهمْ بِهَا كَانَ لِحَمْل الأَثْقَال، وَلِلأَكْلِ، فَاقْتُصِرَ فِي كَلّ منْ الصِّنْفَيْنِ، عَلَى الامْتِنَان بِأَغْلَب مَا يُنتَفَع بِهِ، فَلَوْ لَزِمَ مِنْ ذَلِكَ الْحَصْر، فِي هَذَا الشِّقّ، لَلَزِمَ مِثْله فِي الشِّقّ الآخَر. وَأمَّا رَابِعًا، فَلَوْ لَزِمَ منْ الإذْن فِي أَكْلهَا، أنْ تَفْنَى لَلَزِمَ مِثْله فِي الْبَقَر وَغَيْرهَا، مِمَّا أُبِيحَ أَكْله، وَوَقَعَ الامْتِنَان بِمَنْفَعَةٍ لَهُ أُخْرَى. وَالله أَعْلَم. انتهى ما فِي "الفتح" (٢). قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: هَذَا البحث الذي طوّل به الحافظ نفسه، بحث نفيسٌ مهمّ جدًّا. والحاصل أن ما ذهب إليه الجمهور، منْ حلّ أكل لحوم الخيل هو الحقّ؛ لوضوح أدلّته، وصراحتها. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٣٣٠ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: "أَطْعَمَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، لُحُومَ الْخَيْلِ، وَنَهَانَا عَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ").

стр. 16270

"سفيان": هو ابن عيينة، والباقون تقدّموا فِي الذي قبله. وقوله: "أطعمنا": أي أباح، وأذن فِي أكلها لنا. والحديث متّفقٌ عليه، كما سبق بيانه فيما قبله، والسند منْ رباعيات المصنّف، وهو (٢٠٣) منْ رباعيات الكتاب. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٣٣١ - (أَخْبَرَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ حُرَيْثٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ مُوسَى، عَنِ الْحُسَيْنِ -وَهُوَ ابْنُ وَاقِدٍ- عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، وَعَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ جَابِرٍ، وَعَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: "أَطْعَمَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، يَوْمَ خَيْبَرَ، لُحُومَ الْخَيْلِ، وَنَهَانَا عَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ"). قَالَ الجامع عَفا اللهَ تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد كلهم رجال الصحيح، و"الحسين بن حُريث": هو أبو عمّار المروزيّ. و"الفضل بن موسى": هو السِّينَانيّ المروزيّ. و"ابن أبي نَجيح": هو عبد الله بن يسار المكيّ. و"عطاء": هو ابن أبي رباح المكيّ. وقوله: "وعمرو بن دينار" بالجرّ عطفًا عَلَى أبي الزبير، فالحسين بن واقد يروي عن كلّ، منْ أبي الزبير، وعمرو بن دينار، كلاهما عن جابر رضي الله تعالى عنه. وقوله: "وعن ابن أبي نَجِيح" عطف عَلَى أبي الزبير أيضًا، فالحسين أيضاً يروي هَذَا الْحَدِيث عن ابن أبي نَجيح، عن عطاء بن أبي رباح، عن جابر رضي الله تعالى عنه. والحاصل أن الحسين بن حُريث يروي هَذَا الْحَدِيث عن ثلاثة منْ الشيوخ، اثنان منهما يرويانه عن جابر، مباشرةً، وهما أبو الزبير، وعمرو بن دينار، وواحد يرويه عن جابر بواسطة عطاء، وهو ابن أبي نجيح. وكان الأولى للمصنّف أن يجمع بين الأولين بسياق واحد، فيقول: عن أبي الزبير، وعمر بن دينار، كلاهما عن جابر، فليُتأمّل. والله تعالى أعلم. والحديث صحيح، وَقَدْ سبق تمام البحث فيه قريبًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٣٣٢ - (أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ -وَهُوَ ابْنُ عَمْرٍو- قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْكَرِيمِ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: "كُنَّا نَأْكُلُ لُحُومَ الْخَيْلِ، عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ "). قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا غير مرّة. و"عُبيد الله بن عمرو": هو أبو وهب الجزريّ الرقّيّ. و"عبد الكريم": هو ابن

стр. 16271

مالك، أبو سعيد الجزريّ الثقة الثبت المتفق عَلَى جلالته. و"عطاء": هو ابن أبي رباح. والحديث صحيح، كما سبق بيانه قريبًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح، ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ٣٠ - (تَحْرِيمِ أَكْلِ لُحُومِ الْخَيْلِ) ٤٣٣٣ - (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا بَقِيَّةُ بْنُ الْوَلِيدِ، قَالَ: حَدَّثَنِي ثَوْرُ بْنُ يَزِيدَ، عَنْ صَالِحِ بْنِ يَحْيَى بْنِ الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِي كَرِبَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنْ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، يَقُولُ: "لَا يَحِلُّ أَكْلُ لُحُومِ الْخَيْلِ، وَالْبِغَالِ، وَالْحَمِيرِ"). رجال هَذَا الإسناد: سبعة: ١ - (إسحاق بن إبراهيم) ابن راهويه الثقة الثبت الحجة [١٠] ٢/ ٢. ٢ - (بقية بن الوليد) الحمصيّ، صدوق، كثير التدليس عن الضعفاء، وكان يدلّس أيضاً تدليس التسوية، وهو أن يفعل التدليس عَلَى شيخه، فمن فوقه [٨] ٤٥/ ٥٥. ٣ - (ثور بن يزيد) الحمصيّ، ثقة ثبت، رمي بالقدر [٧] ٧/ ٥١٤. ٤ - (صالح بن يحيى بن المقدام بن معدي كرِب) الكنديّ الشاميّ، ليّن [٦]. قَالَ البخاريّ: فيه نظر. وذكره ابن حبّان فِي "الثقات"، وَقَالَ: يُخطىء. وَقَالَ موسى بن هارون الحمّال: لا يُعرف صالحٌ، وأبوه إلا بجدّه. وَقَالَ ابن حزم: هو وأبوه مجهولان، وفي حديثه فِي تحريم لحوم الخيل دليلٌ الضعف؛ لأن خالد بن الوليد لم يُسلم بلا خلاف إلا بعد خيبر، وَقَالَ هَذَا فِي هَذَا الْحَدِيث: "وذلك يوم خيبر". روى له المصنّف، وأبو داود، وابن ماجه، وله عند المصنّف فِي هَذَا الكتاب حديث الباب فقط. ٥ - (أبوه) يحيى بن المقدام بن معدي كرب الكنديّ الحمصيّ، مستور [٤]. روى عن أبيه، وعنه ابنه صالح، ذكره ابن حبّان فِي "الثقات"، روى له المصنّف، وأبو داود، وابن ماجه، وله عند المصنّف فِي هَذَا الكتاب حديث الباب فقط. ٦ - (جده) المقدام بن معدي كرب بن عمرو الكندي، صحابي مشهور، نزل الشام، ومات سنة (٨٧) عَلَى الصحيح، وله (٩١) سنة، تقدمت ترجمته فِي ٢٦/ ٢١٦٤.

стр. 16272

٧ - (خالد بن الوليد) رضي الله تعالى عنه تقدم قريبًا. والحديث أخرجه المصنّف هنا -٣٠/ ٤٣٣٣ و٤٣٣٢ - وفي "الكبرى" ٣٢/ ٤٨٤٣ و٣٣/ ٤٨٤٤. وأخرجه (ق) فِي "الذبائح" ٣١٩٨ وهو حديث ضعيف، قَالَ السنديّ رحمه الله تعالى: اتّفق العلماء عَلَى أنه حديث ضعيف، ذكره النوويّ. وذكر بعضهم أنه منسوخ. وَقَالَ بعضهم: لو ثبت لا يُعارض حديث جابر. أي لكونه أصحّ. وفي "الكبرى": ما نصّه: قَالَ أبو عبد الرحمن: الذي قبل هَذَا الْحَدِيث أصحّ، ويُشبه أن يكون هَذَا إن كَانَ صحيحًا أن يكون منسوخًا؛ لأن قوله: "أذِنَ فِي أكل لحوم الخيل" دليل عَلَى ذلك. يريد أن الإذن عن منع سابق، وهذا غير لازم، لكن قد يتبادر إلى الأوهام، وفيه تأييد للنسخ. والله تعالى أعلم. انتهى كلام السنديّ. قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: هَذَا الذي نقده السنديّ منْ كلام المصنّف فِي "الكبرى" لم أره فيها، ولعله لاختلاف النسخ. والله تعالى أعلم. وأما الكلام فِي ضعف هَذَا الْحَدِيث، فقد تقدّم فِي الباب الماضي بما يكفي، ويشفي. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٣٣٤ - (أَخْبَرَنَا كَثِيرُ بْنُ عُبَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا بَقِيَّةُ، عَنْ ثَوْرِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ صَالِحِ بْنِ يَحْيَى بْنِ الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِي كَرِبَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنْ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ : نَهَى عَنْ أَكْلِ لُحُومِ الْخَيْلِ، وَالْبِغَالِ، وَالْحَمِيرِ، وَكُلِّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ). قَالَ الجامع عفا الله تعالَى عنه: "كثير بن عُبيد": هو الْمَذحِجيّ، أبو الحسن الحمصيّ الْحذّاء المقرىء الثقة. والحديث ضعيفٌ، كما سبق بيانه فِي الْحَدِيث الذي قبله. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٣٣٥ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: كُنَّا نَأْكُلُ لُحُومَ الْخَيْلِ، قُلْتُ: الْبِغَالَ؟ قَالَ: لَا). قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا غير مرّة. و"عبد الرحمن": هو ابن مهديّ. و"سفيان": هو الثوريّ. و"عبد الكريم": هو الجزريّ المذكور فِي الباب الماضي. و"عطاء": هو ابن أبي رباح المذكور فيه أيضًا. والحديث صحيح، وَقَدْ سبق القول فيه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح، ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".

стр. 16273

٣١ - (تَحْرِيمِ أَكْلِ لُحُومِ الْحُمُرِ الأَهْلِيَّةِ) ٤٣٣٦ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَالْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ، قِرَاءَةً عَلَيْهِ، وَأَنَا أَسْمَعُ، وَاللَّفْظُ لَهُ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مُحَمَّدٍ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِمَا، قَالَ: قَالَ عَلِيٌّ لاِبْنِ عَبَّاسٍ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ : "نَهَى عَنْ نِكَاحِ الْمُتْعَةِ، وَعَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ الأَهْلِيَّةِ، يَوْمَ خَيْبَرَ"). قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "محمد بن منصور": هو الْجَوَّاز المكيّ. و"سفيان": هو ابن عيينة. و"الحسن بن محمد": هو أبو محمد المدنيّ، ثقة فقيه، رُمي بالإرجاء [٣]، ٧١/ ٣٣٦٦. و"عبد الله ابن محمد": هو أبو هاشم المدنيّ، ثقة [٤] ٧١/ ٣٣٦٦. و"أبوهما": هو محمد بن علي بن أبي طالب المعروف بابن الحنفيّة، أبو القاسم المدنيّ، ثقة عالم [٢] ١١٢/ ١٥٧. والحديث متّفقٌ عليه، وَقَدْ تقدّم فِي "كتاب النكاح" -٧١/ ٣٣٦٦ - وَقَدْ استوفيت شرحه، وبيان مسائله هناك، ولله الحمد والمنّة. وبقي الكلام فيما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، فأتكلّم فيه هنا، فأقول: (مسألة): فِي اختلاف أهل العلم فِي حكم أكل الحمر الأهليّة: قَالَ ابن قُدامة رحمه الله تعالى: أكثر أهل العلم يرون تحريم الحمر الأهليّة، قَالَ أحمد: خمسة عشر منْ أصحاب النبيّ صلّى الله تعالى عليه وسلم كرهوها. قَالَ ابن عبد البرّ: لا خلاف بين علماء المسلمين اليوم فِي تحريمها. وحُكي عن ابن عباس، وعائشة رضي الله تعالى عنهما، أنهما كانا يقولان بظاهر قوله سبحانه: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ﴾ الآية [الأنعام: ١٤٥]، وتلا هذه ابن عباس، وَقَالَ: ما خلا هَذَا، فهو حلالٌ. وسُئلت عائشة رضي الله تعالى عنها عن الفأرة؟ فقالت: ما هي بحرام، وتلت هذه الآية. ولم يرَ أبو وائل بأكل الحمر بأسًا. وَقَدْ رُوي عن غالب بن أبجر، قَالَ: أصابتنا سنة، فلم يكن فِي مالي شيء، أطعم أهلي، إلا شيء منْ حمر، وَقَدْ كَانَ رسول الله ﷺ حرّم لحوم الحمر الأهلية، فأتيت النبيّ ﷺ ، فقلت: يا رسول الله، أصابتنا السنة، ولم يكن فِي مالي ما أطعم أهلي، إلا سِمَان الحمر، وإنك حَرّمت لحوم الحمر الأهلية، فَقَالَ: "أطعم أهلك منْ سمين حمرك، فإنما حرمتها منْ أجل جَوَّال القرية".

стр. 16274

واحتجّ الأولون بحديث جابر رضي الله تعالى عنه المذكور فِي الباب، وهو متَّفقٌ عليه. قَالَ ابن عبد البرّ: ورَوَى عن النبيّ صلّى الله تعالى عليه وسلم تحريم الحمُر الأهليّة عليّ، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عمرو، وجابر، والبراء، وعبد الله بن أبي أوفى، وأنس، وزاهر الأسلميّ بأسانيد صحاح حسان، وحديث غالب بن أبجر لا يُعرَّج عَلَى مثله، مع ما عارضه، ويحتمل أن رسول الله صلّى الله تعالى عليه وسلم رخصّ لهم فِي مَجاعتهم، وبيّن علّة تحريمها المطلق؛ لكونها تأكل العذرات، قَالَ عبد الله بن أبي أوفى: حرّمها رسول الله صلّى الله تعالى عليه وسلم البتّة منْ أجل أنها تأكل العذرة. متّفقٌ عليه. انتهى كلام ابن قُدامة (١). وأخرج البخاريّ فِي "صحيحه" منْ طريق سفيان بن عيينة، قَالَ عمرو: قلت لجابر ابن زيد: يزعمون أن رسول الله ﷺ ، نهى عن الحمر الأهلية، فَقَالَ: قد كَانَ يقول ذاك الحكمِ بن عمرو الغفاري، عندنا بالبصرة، ولكن أبى ذلك البحرُ ابنُ عباس، وقرأ: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا﴾. قَالَ فِي "الفتح": قَوْله: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ فِي رِوَايَة ابْن مَرْدَوَيْهِ، وَصَحَّحَهُ الْحَاكِم، منْ طَرِيق مُحَمَّد بْن شَرِيك، عَن عَمْرو بْن دِينَار، عَن أَبِي الشَّعْثَاء، عَن ابْن عَبَّاس، قَالَ: "كَانَ أَهْل الْجَاهِليَّة، يَأكُلُونَ أَشْيَاء، وَيتْرُكُونَ أَشْيَاء؛ تَقَذُّرًا"، فَبَعَثَ لِلَّهِ نَبِيّه، وَأَنْزَلَ كِتَابه، وَأَحَلَّ حَلَاله، وَحَرَّمَ حَرَامه، فَمَا أَحَلَّ فِيهِ فَهُوَ حَلَال، وَمَا حَرَّمَ فِيهِ، فَهُوَ حَرَام، وَمَا سَكَتَ عَنهُ فَهُوَ عَفْو، وَتَلَا هَذِهِ: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ﴾ إِلَى آخِرهَا". وَالاسْتِدْلَال بهَذَا لِلْحِلِّ، إِنَّمَا يَتِمّ فِيمَا لَمْ يَأْتِ فِيهِ نَصّ، عَن النَّبِيّ ﷺ بتَحْرِيمِهِ، وَقَدْ تَوَارَدَت الأَخْبَار بِذَلِكَ، وَالتَّنْصِيص عَلَى التَّحْرِيم، مُقَدَّم عَلَى عُمُوم التَّحْلِيل، وَعَلَى الْقِيَاس، وَقَدْ روي عَن ابْن عَبَّاس، أَنَّهُ تَوَقَّفَ فِي النَّهْي عَن الْحُمُر: هَلْ كَانَ لِمَعْنًى خَاصّ، أَوْ لِلتَّأْييدِ؟ فَعَن الشَّعْبِي، عَنهُ، أَنَّهُ قَالَ: لا أَدْرِي، أنَهَى عَنْهُ رَسُول الله ﷺ ، منْ أجْل أَنَّهُ كَانَ حَمُولَة النَّاس، فَكَرِهَ أَنْ تَذهَب حُمُولَتهم، أَوْ حَرَّمَهَا الْبَتَّة يَوْم خَيْبَر؟، وَهَذَا التَّرَدُّد أَصَحّ مِنْ الْخَبَر الَّذِي جَاءَ عَنْهُ بِالجَزْم بِالعِلَّةِ الْمَذْكُورَة، وَكَذَا فِيمَا أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ، وَابْن مَاجَهْ، مِنْ طَرِيق شَقِيق بْن سَلَمَة، عَن ابْن عَبَّاس، قَالَ: "إِنَّمَا حَرَّمَ رَسُول الله ﷺ الْحُمُر الأَهْليَّة، مَخَافَة قِلَّة الظَّهْر"، وَسَنَده ضَعِيف، وِفِي حَدِيث ابْن أَبِي أَوْفَى: فَتَحَدَّثنَا أَنَّهُ إِنَّمَا نَهى عَنهَا؛ لأَنَّهَا لَمْ تُخمَّس، وَقَالَ بَعْضهمْ: نَهَى عَنْهَا لأنَّهَا كَانَتْ

стр. 16275

تَأْكُل الْعَذِرَة. وَقَدْ أَزَالَ -كما قَالَ الحافظ- هَذِهِ الاحْتِمَالات منْ كَوْنَها لَمْ تُخَمَّس، أَوْ كَانَت جَلَّالَة، أَوْ كَانَت انْتُهِبَت، حَدِيثُ أَنَسِ الآتي بعد خمسة أحاديث -٤٤٤٢ - حَيْثُ جَاءَ فِيهِ: "فَإِنَّهَا رِجْس"، وَكَذَا الأَمْر بِغَسْلِ الإنَاء فِي حَدِيث سَلَمَة عند البخاريّ فِي "المغازي". قَالَ الْقُرْطُبِيّ: قَوْله: "فَإِنَّهَا رِجْس"، ظَاهِر فِي عَوْد الضَّمِير عَلَى الْحُمُر؛ لأَنَّهَا الْمُتَحَدَّث عَنهَا، الْمَأْمُور بِإِكْفَائِهَا منْ القُدُور، وَغَسْلِهَا، وَهَذَا حُكْم المُتَنَجِّس، فَيُسْتفَاد مِنْهُ تَحْرِيم أَكْلهَا، وَهُوَ دَالّ عَلَى تَحرِيمهَا لِعَينِهَا؛ لا لِمَعْنًى خَارِج. وَقَالَ ابْن دَقِيق الْعِيد: الأَمْر بِإِكْفَاءِ الْقَدْر، ظَاهِر أنَّهُ سَبَب تَحْرِيم لَحْم الْحُمُر. وَقَدْ وَرَدَتْ عِلَل أُخْرَى، إنْ صَحَّ رَفْع شَيْء مِنْهَا وَجَبَ الْمَصِير إِلَيْهِ، لَكِنْ لا مَانِع أَنْ يُعَلَّل الْحُكْم بِأَكْثَر مِنْ عِلَّة. وَحَدِيث أبِي ثَعْلَبَة صَرِيح فِي التَّحْرِيم، فَلا مَعْدِلَ عَنهُ. وأَمَّا التَّعْليل بخَشْيَةِ قِلَّة الظَّهْر، فَأَجَابَ عَنهُ الطَّحَاوِيُّ، بِالمُعَارَضَةِ بِالْخَيْل، فَإِنَّ فِي حَدِيث جَابِر النَّهْي عَن الْحُمُر، وَالإذْن فِي الْخَيْل، مَقْرُونًا، فَلَوْ كَانَت الْعِلَّة لأَجْلِ الْحَمُولَة، لَكَانَتْ الْخَيْل أَوْلَى بالْمَنْع؛ لِقِلَّتِها عِنْدهمْ، وَعِزَّتَها، وَشِدَّة حَاجَتهم إِلَيْهَا. وَالْجَوَاب عَن آيَة الأَنْعَام، أَنَّها مَكِّيَّة، وَخَبَر التَّحْرِيم مُتَأَخِّر جِدًّا، فَهُوَ مُقَدَّم، وأيْضاً فَنَصّ الآيَة خَبَر، عَن الْحُكْم الْمَوْجُود عِنْد نُزُولهَا، فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ لَمْ يَكُنْ نَزَلَ فِي تَحْرِيم المَأْكُول، إِلَّا مَا ذُكِرَ فِيْهَا، وَلَيْسَ فِيهَا مَا يَمْنَع أنْ يَنْزِل بَعْد ذَلِكَ غَير مَا فيهَا، وَقَدْ نَزَلَ بَعْدهَا فِي الْمَدِينَة أَحْكَام بِتَحْريم أَشْيَاء، غَيْر مَا ذُكِرَ فِيهَا، كَالْخَمْرِ فِي آيَة الْمَائِدَة، وَفِيهَا أَيْضًا تَحْرِيم مَا أُهِلَّ لِغَيرِ الله بِهِ، وَالمُنْخَنِقَة إِلَى آخِره، وَكَتَحْرِيم السِّبَاع، وَالْحَشَرَات. قَالَ النَّوَوِيّ: قَالَ بِتَحْرِيم الْحُمُر الأهْليَّة أَكْثَر العُلَمَاء، مِنْ الَصَّحَابَة، فَمَنْ بَعْدَهمْ، وَلَمْ نَجِد عَن أَحَد مِنْ الصَّحَاَبَة، فِي ذَلِكَ خِلَافًا لَهُم، إِلَّا عَن ابن عَبَّاس. وَعِنْدَ الْمَالِكيَّة ثَلاث رِوَايَات: ثَالِثهَا الْكَرَاهَة. وَأمَّا الْحَدِيث الَّذِي أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، عَن غَالِب بن أبجر، قَالَ: "أَصَابَتْنَا سَنَة، فَلَمْ يَكُن فِي مَالِي مَا أُطْعِم أَهْلِي … " الْحَدِيث، فإِسْنَاده ضَعِيف، وَالْمَتنْ شَاذ، مُخَالِف للأَحَادِيثِ الصَّحِيحَة، فَالاعْتِمَاد عَلَيْهَا. وأَمَّا الْحَدِيث الَّذِي، أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيّ، عَن أُمّ نَصْر المُحَارِبِيَّة: "أنَّ رَجُلاً سَأَلَ رَسُول الله ﷺ ، عَن الْحُمُر الأَهْليَّة؟، فَقَالَ: أَلَيْسَ تَرْعَى الْكَلَأ؟، وَتَأكُل الشَّجَر؟ "، قَالَ: نَعَم، قَالَ: "فَأَصِبْ منْ لُحُومهَا"، وَأَخْرَجَهُ ابْن أَبِي شَيبَة، منْ طَريق رَجُل منْ بَنِي مُرّة، قَالَ: "سَأَلْت"، فَذَكَرَ نَحْوه، فَفِي السَّنَدَيْنِ مَقَال، وَلَوْ ثَبَتَا احْتَمَلَ أنْ يَكُون قَبْل التَّحْرِيم. قَالَ الطَّحَاوِيُّ: لَوْ تَوَاتَرَ الْحَدِيث عَن رَسُول الله ﷺ ، بِتَحْرِيمِ الْحُمُر الأَهْليَّة، لَكَانَ

стр. 16276

النَّظَر يَقْتَضِي حِلّهَا؛ لأَنَّ كُلّ مَا حُرِّمَ منْ الأَهْلِيّ، أُجْمِعَ عَلَى تَحْرِيمه، إِذَا كَانَ وَحْشِيًّا، كَالْخِنْزِيرِ، وَقَدْ أَجْمَعَ الْعُلَمَاء عَلَى حِلّ الْحِمَار الْوَحْشِيّ، فَكَانَ النَّظَر يَقْتَضي حِلّ الْحِمَار الأَهْلِيّ. وتعقّبه الحافظ بأن مَا ادَّعَاهُ منْ الإجْمَاع مَرْدُود، فَإِنَّ كَثِيرًا منْ الْحَيَوَان الأَهْليّ مُخْتَلَف فِي نَظِيره، منْ الحَيَوَان الْوَحْشِيّ، كَالْهِرِّ. انتهى (١). قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن بما ذُكر أن ما ذهب إليه جمهور العلماء منْ تحْريم الحمُر الأهليّة هو الحقّ؛ لكثرة الأحاديث الصحيحة الصريحة فيه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٣٣٧ - (أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ، وَمَالِكٌ، وَأُسَامَةُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنِ الْحَسَنِ، وَعَبْدِ اللَّهِ ابْنَيْ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِمَا، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، رضى الله عنه، قَالَ: "نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، عَنْ مُتْعَةِ النِّسَاءِ، يَوْمَ خَيْبَرَ، وَعَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ الإِنْسِيَّةِ"). قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: "سليمان بن داود": هو الْمَهْريّ، أبو الربيع المصريّ. و"يونس": هو ابن يزيد الأيليّ. و"مالك": هو ابن أنس الإِمام المدنيّ. و"أُسامة": هو ابن زيد الليثيّ المدنيّ. وقوله: "الإنسيّة" -بِكَسْرِ الْهَمْزَة، وَسُكُون النُّون، مَنْسُوبَة إِلَى الإنْس، وُيقَال فِيهِ: أَنَسِيَّة -بِفَتْحَتَيْنِ- وَزَعَمَ ابْن الأثِير، أَنَّ فِي كَلَام أَبِي مُوسَى الْمَدِينِيّ، مَا يَقْتَضِي أَنَّهَا بِالضَّمِّ، ثُمَّ السُّكُون؛ لِقَوْلِهِ: الأُنْسِيَّة: هِيَ الَّتِي تَأْلَف البُيُوت، وَالأُنْس ضِدّ الوَحْشَة. قَالَ فِي "الفتح": وَلا حُجَّة فِي ذَلِكَ؛ لأَنَّ أَبَا مُوسَى، إِنَّمَا قَالَهُ بِفَتْحَتَيْنِ، وَقَدْ صَرَّحَ الْجَوْهَرِيّ، أنَّ الأَنَس بِفَتْحَتَيْنِ، ضِدّ الوَحْشَة، وَلَمْ يَقَع فِي شَيْء منْ رِوَايَات الْحَدِيث بِضَمٍّ، ثُمَّ سُكُون، مَعَ احْتِمَال جَوَازه، نَعَم زَيَّفَ أَبُو مُوسَى الرِّوَايَة بِكَسْرِ أَوَّله، ثُمَّ السُّكُون، فَقَالَ ابْن الأَثِير: إن أَرَادَ منْ جِهَة الرِّوَايَة فَعَسَى، وَإلا فَهُوَ ثَابت فِي اللُّغَة، وَنِسْبَتهَا إِلَى الإنْس. وَقَدْ وَقَعَ فِي الرواية الماضية: "الأهْليَّة"، بَدَل الإنْسِيَّة، وَيُؤْخَذ مِنْ التَقْيِيد بِهَا، جَوَاز أَكْل الْحُمُر الوَحْشِيَّة، وسيعقد له المصنّف رحمه الله تعالى الباب التالي، إن شاء الله تعالى. والحديث متّفقٌ عليه، وَقَدْ سبق تمام البحث فيه فِي الْحَدِيث الذي قبله. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.

стр. 16277

٤٣٣٨ - (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ ح وَأَنْبَأَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَك حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ : "نَهَى عَنِ الْحُمُرِ الأَهْلِيَّةِ، يَوْمَ خَيْبَرَ"). قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا غير مرّة. و"محمد بن بشر": هو العبديّ الكوفيّ. و"يحيى": هو القطّان. و"عبيد الله": هو ابن عمر العمريّ المدنيّ. وشرح الْحَدِيث يُعلم مما سبق. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الْحَدِيث: (المسألة الأولى): فِي درجته: حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما هَذَا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -٣١/ ٤٣٣٨ و٤٣٣٩ - وفي "الكبرى" ٣٤/ ٤٨٤٨ و٤٨٤٩. وأخرجه (خ) فِي "المغازي" ٤٢١٥ (م) فِي "الصيد" ٣٥٨٣ و٣٥٨٤ (أحمد) فِي "مسند المكثرين" ٤٧٠٦ و٥٧٥٢ و٦٢٥٥ و٦٢٧٤. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٣٣٩ - (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ … مِثْلَهُ، وَلَمْ يَقُلْ: خَيْبَرَ). قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد كلهم رجال الصحيح، و"محمد ابن عُبيد": هو الطنافسيّ الكوفيّ. والحديث متّفق عليه، كما سبق بيانه قبله. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٣٤٥ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ عَاصِمٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنِ الْبَرَاءِ، قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، يَوْمَ خَيْبَرَ، عَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ الإِنْسِيَّةِ، نَضِيجًا وَنِيئًا"). قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هَذَا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا غير مرّة. و"معمر": هو ابن راشد. و"عاصم": هو ابن سليمان الأحول. وقوله: "نضيجا" بفتح النون: أي مطبوخًا. وقوله: "ونِيئًا" بكسر النون، وسكون التحتانيّة، وبهمزة، وَقَدْ تُبدل الهمزة ياءً، وتُدغم، فيقال: نِيّا، بياء مشدّدة: أي غير مطبوخ.

стр. 16278

والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الْحَدِيث: (المسألة الأولى): فِي درجته: حديث البراء رضي الله تعالى عنه هَذَا أخرجه مسلم. (المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -٣١/ ٤٣٤٠ - وفي "الكبرى" ٣٤/ ٤٨٥٠. وأخرجه (م) فِي "الصيد" ٣٥٨٩ و٣٥٩٠ (ق) فِي "الذبائح" ٣١٩٤ (أحمد) فِي "أوّل مسند الكوفيين" ١٨٦٣٧ و١٨٦٦٦. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٣٤١ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ الْمُقْرِىءُ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ الشَّيْبَانِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى، قَالَ: أَصَبْنَا يَوْمَ خَيْبَرَ حُمُرًا، خَارِجًا مِنَ الْقَرْيَةِ، فَطَبَخْنَاهَا، فَنَادَى مُنَادِي النَّبِيِّ ﷺ : "إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ حَرَّمَ لُحُومَ الْحُمُرِ، فَأَكْفِئُوا الْقُدُورَ، بِمَا فِيهَا، فَأَكْفَأْنَاهَا"). رجال هَذَا الإسناد: أربعة: ١ - (محمد بن عبد الله) أبو يحيى المكيّ ثقة [١٠] ١١/ ١١. ٢ - (سفيان) بن عيينة الإِمام الحجة الثبت المكيّ [٨] ١/ ١. ٣ - (أبو إسحاق الشيبانيّ) سليمان بن أبي سليمان فيروز الكوفيّ، ثقة [٥] ١٧٢/ ٢٦٧. ٤ - (عبد الله بن أبي أوفى) علقمة بن خالد بن الحارث الأسلميّ الصحابيّ المشهور، شهد الحديبية، وعُمّر بعد النبيّ صلّى الله تعالى عليه وسلم دهرًا، ومات سنة (٨٧) وهو آخر منْ مات بالكوفة منْ الصحابة رضي الله تعالى عنهم ٣/ ٤٠٢. والله تعالى أعلم. لطائف هَذَا الإسناد: منها: أنه منْ رباعيات المصنّف رحمه الله تعالى، وهو (٢٠٤) منْ رباعيات الكتاب. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فقد تفرّد به هو، وابن ماجه. (ومنها): أن شيخه وسفيان مكيان، والباقيان كوفيان. (ومنها): أن صحابيه آخر منْ مات منْ الصحابة بالكوفة، كما مرّ آنفًا. والله تعالى أعلم. شرح الْحَدِيث (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى) رضي الله تعالى عنه، واسم أبيه خالد بن علقمة، أنه (قَالَ: أَصَبْنَا يَوْمَ خَيْبَرَ) أي يوم وقعة خيبر (حُمُرًا) جمع حمار (خَارِجًا مِنَ الْقَرْيَةِ) هكذا

стр. 16279

نسخ "المجتبى": "خارجا" بلفظ التذكير، ولفظ "الكبرى": "خارجة" بالتأنيث، وهو الموافق للقاعدة؛ لأن "حمُر" جمع فحقّه تأنيث صفته، فتأمل (فَطَبَخْنَاهَا) معطوف عَلَى محذوف، أي فذبحناها، وطبخناها (فَنَادَى مُنَادِي النَّبِيِّ ﷺ ) سيأتي قريبًا أن المنادي هو عبد الرحمن بن عوف رضي الله تعالى عنه، وفي "صحيح مسلم" منْ حديث أنس رضي الله تعالى عنه أن الذي نادى هو أبو طلحة رضي الله تعالى عنه، وفيه أيضًا أنه بلالٌ رضي الله تعالى عنه، ولعلّ عبد الرحمن نادى أوّلًا بالنهي مطلقًا، ثم نادى أبو طلحة، وبلال بزيادة عَلَى ذلك، وهو قوله: "فإنها رجس". قاله فِي "الفتح" (١) (إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، قَدْ حَرَّمَ لُحُومَ الْحُمُرِ، فَأَكْفِئُوا الْقُدُورَ) بقطع الهمزة، وكسر فاء، أو بوصلها، وفتح فاء، لغتان، يقال: كفأت الإناء، وأكفأته، بهمزة فِي آخره: إذا قلبته، أي اقلِبوا القُدور، وأريقوا ما فيها. قَالَ السنديّ: والمناسب هنا قطع الهمزة، كقوله: "فأكفأْناها" (بِمَا فِيهَا) أي مع ما فِي القدور منْ اللحم، والمرق، فالباء بمعنى "مع" (فَأَكْفَأْنَاهَا) أي قلبنا القدور بما فيها، وفي نسخة: "فأكفيناها" بقلب الهمزة. وفي حديث أنس رضي الله تعالى عنه عند البخاريّ: قَالَ النبيّ صلّى الله تعالى عليه وسلم: "اهريقوها، واكسروها"، فَقَالَ رجل: يا رسول الله، أو نُهريقها، ونغسلها، قَالَ: "أو ذاك". والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الْحَدِيث: (المسألة الأولى): فِي درجته: حديث عبد الله بن أبي أوفى رضي الله تعالى عنه هَذَا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): فِي بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -٣١/ ٤٣٤١ - وفي "الكبرى" ٣٤/ ٤٨٥١. وأخرجه (خ) فِي "فرض الخمس" ٣١٥٥ و"المغازي" ٤٢٢٠ و٤٤٢٢٢ و٤٢٢٥ و٤٢٢٦ و"الذبائح" ٥٥٢٦ (م) "الصيد" ٣٥٨٥ و٣٥٨٦ (ق) فِي "الذبائح" ٣١٩٢ (أحمد) "أول مسند الكوفيين" ١٧٦٣٧ و١٨٦٤٨ و١٨٦٥٩ و١٨٩٢٥. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. (المسألة الثالثة): فِي فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان تحريم أكل لحوم الحمُر

стр. 16280

الأهليّة. (ومنها): أنَّ الذَّكَاة لا تُطَهِّر مَا لا يَحِلّ أَكْله. (ومنها): أَنَّ كُلّ شَيْء تَنَجَّسَ بِمُلاقَاةِ النجَاسَة، يَكفِي غَسْله مَرَّة وَاحِدَة، لإطلَاقِ الأمْر بِالْغَسْلِ فِي حديث أنس المذكور، فَإِنهُ يَصْدُق بِالامْتِثَالِ بالمَرَّةِ، وَالأَصْل أن لا زِيَادَة عَلَيهَا. (ومنها): أنَّ الأَصْل فِي الأَشْيَاء الإبَاحَة؛ لِكَونِ الصَّحَابَة رضي الله تعالى عنهم، أَقْدَمُوا عَلَى ذَبْحهَا، وَطَبْخهَا كسَائِرِ الحَيَوَان، منْ قَبْل أنْ يُسْتَأمَرُوا النبيّ صلّى الله تعالى عليه وسلم، مَعَ تَوَفُّر دَوَاعِيهم عَلَى السُّؤَال عَمَّا يُشْكِل. (ومنها): أنَّهُ يَنْبَغِي لأَمِيرِ الْجَيْش تَفَقُّد أحْوَال رَعِيَّته، وَمَن رَآهُ فَعَلَ مَا لا يَسُوغ فِي الشَّرْع، أَشَاعَ مَنْعه، إمَّا بِنَفْسِهِ، كَأَنْ يُخَاطِبهُم، وِإمَّا بِغَيْرِهِ، بِأَنْ يَأمُر مُنَادِيًا، فَيُنَادِي؛ لِئَلا يَغْتَرّ بِهِ مَنْ رَآهُ، فَيَظُنّهُ جَائِزًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٣٤٢ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: صَبَّحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَيْبَرَ، فَخَرَجُوا (١) إِلَيْنَا، وَمَعَهُمُ الْمَسَاحِي، فَلَمَّا رَأَوْنَا، قَالُوا: مُحَمَّدٌ، وَالْخَمِيسُ، وَرَجَعُوا إِلَى الْحِصْنِ يَسْعَوْنَ، فَرَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: "اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، خَرِبَتْ خَيْبَرُ، إِنَّا إِذَا نَزَلْنَا بِسَاحَةِ قَوْمٍ، فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ"، فَأَصَبْنَا فِيهَا حُمُرًا، فَطَبَخْنَاهَا، فَنَادَى مُنَادِي النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ ، وَرَسُولَهُ، يَنْهَاكُمْ عَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ، فَإِنَّهَا رِجْسٌ"). قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: هَذَا الْحَدِيث متَّفقٌ عليه، وَقَدْ تقدّم للمصنف رحمه الله تعالى فِي "الطهارة" ٥٥/ ٦٩ و"المواقيت" ٢٦/ ٥٤٧ و"النكاح" ٦٤/ ٣٣٤٢ و٣٣٤٣ و٧٩/ ٣٣٨ و٣٣٨١ و٣٣٨٢ - وَقَدْ استوفيت شرحه، وبيان مسائله فيما مضى، فما بقي إلا إعادة ما يُستشكل منْ الكلمات الغريبة، ونحوها. فـ"أيوب": هو السختياني. و"محمد": هو ابن سيرين. و"أنس": هو ابن مالك رضي الله تعالى عنه. وقوله: "صبّح" بالتشديد: أي أغار عليهم وقت الصباح. وقوله: "ومعهم المساحي" جمع مِسْحاة، وهي آلة منْ حديد، وميمه زائدة، منْ السحو، بمعنى الكشف والإزالة. وقوله: "والخميس": أي الجيش، وهو مرفوع بالعطف عَلَى "محمد"، ويجوز نصبه عَلَى أنه مفعول معه. وقوله: "يسعون": أي يُسرعون فِي المشي إلى الحصن. وقوله: "ينهاكم" هكذا الرواية هنا بإفراد الضمير، وهو صحيح، فيكون مرجع الضمير لفظ الجلالة، والجملة خبر "إنّ"، وأما "ورسوله " فمرفوع بالابتداء، حُذف خبره، أي
следующие страницы →